صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الميحط البرهاني
المؤلف : محمود بن أحمد بن الصدر الشهيد النجاري برهان الدين مازه
المحقق :
الناشر : دار إحياء التراث العربي
الطبعة :
عدد الأجزاء : 11
مصدر الكتاب : www.almeshkat.net/books
[ الكتاب ]

أما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله. أو قول أبي حنيفة إجراء على ما ذكره في بعض المواضع ينبغي أن يحلف، ولكن يحلف على العلم؛ لأن هذا تحليف لا على فعل نفسه، والتحليف لا، فعلى فعل نفسه يكون على العلم.

(8/791)


-----

(8/792)


المحيط البرهانى
قال: لو أن رجلا قدم رجلا إلى القاضي، وقال: إن أب هذا قد مات ولي عليه ألف درهم دين، فإنه ينبغي للقاضي أن يسأل المدعى عليه أولا أنه هل مات أبوه، ولا يأمره بجواب دعوى المدعي أولا، وهذا لأن الجواب إنما يتوجه على الخصم، وإنما ينتصب الابن خصما إذا مات الأب، فبعد ذلك المسألة على وجهين:
أما إن أقر الابن، فقال: نعم مات أبي أو أنكر موت الأب، فإن أقر وقال: نعم مات أبي سأله القاضي عن دعوى الرجل على أبيه؛ لأنه صار خصما والجواب يتوجه على الخصم، فإن أقر له بالدين على أبيه استوفى الدين من نصيبه لإقراره على نفسه بذلك.
وإن أنكر فأقام المدعي بينة على ذلك قبلت بينته وقضى بالدين ويستوفي الدين من جميع التركة لا من نصيب هذا الوارث خاصة؛ وهذا لأن أحد الورثة ينتصب خصما عن جميع الورثة فيما يدعى على الميت، فصارت البينة القائمة على هذا الوارث بمنزلة البينة على سائر الورثة، وعلى الميت لو كان حيا، فيثبت الدين بهذه البينة في جميع التركة بخلاف الإقرار.
ثم إنما يقضي القاضي بالدين في تركة الميت بهذه البينة بعد ما يستحلف المدعي على القبض والإبراء، وإن لم يدع الوارث ذلك؛ لأن القاضي نصب ناظرا لكل من عجز عن النظر بنفسه وهذه الدعوى في الحقيقة على الميت وهو عاجز عن النظر لنفسه، فينظر له القاضي باستحلاف المدعي بخلاف ما إذا وقع الدعوى على الحي؛ لأن الحي قادر على الدعوى فلا يستحلف بدون دعواه، بخلاف الميت. هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي».

(9/1)


-----
وذكر في «أدب القاضي»: من «أجناس الناطفي» في الجنس الرابع أن من ادعى دينا في تركة الميت، وأقام بينة على ذلك، فالقاضي لا يحلفه على الاستيفاء عند أبي حنيفة ما لم يدع ذلك أحد الورثة وعلى (103ب4) قول أبي يوسف ومحمد يحلف فيما ذكر الخصاف قولهما، وهو اختيار الخصاف، ثم إذا أراد استحلافه يستحلفه بالله ما قبضت ولا شيئا منه، ولا ارتهنت به منه رهنا ولا شيء منه، ولا احتلت به على أحد ولا لشيء منه، ولا يعلم رسولا أو وكيلا لك قبض هذا المال ولا شيء منه، وإن ذكر مع ذلك ولا وصل إليك بوجه من الوجوه كان أحوط.

وروى الحسن بن زياد رحمه الله أنه قال: يستحلف بالله أنك تأخذه بحق؛ لأن في الأسباب المسقطة للدين كثيرة فلا يمكن حصرها، فيحلف على هذا الوجه، وإن لم يكن للمدعي بينة، وأراد استحلاف هذا الوارث، يستحلف على العلم عند علمائنا رحمهم الله بالله ما يعلم أن لهذا على أبيك هذا المال الذي ادعى وهو ألف درهم ولا شيئا منه، فإن حلف انتهى الأمر، وإن نكل يستوفي الدين من نصيبه، فإن كان هذا الوارث المدعى عليه أقر بالدين على الأب وأنكر، فلما حلف نكل حتى صار مقرا بالدين، إلا أنه قال: لم يصل إلي شيء من تركة الأب، فإن صدقه المدعي في ذلك فلا شيء له؛ وهذا لأن الدين كان في ذمة المورث وبالموت يتحول إلى التركة فيوفى من تركته، فإذا لم يصل إلى هذا الابن شيء أو أخذناه ليوفي دين الأب من مال نفسه، وهذا مما لا وجه له ولا سبيل إليه.
وإن كذبه وقال: لا بل وصل إليه ألف درهم أو أكثر وأراد أن يحلفه، يحلفه على الثبات بالله ما وصل إليك من مال أبيك هذا الألف ولا شيء منه، لأنه يحلف على فعل نفسه والتحليف على فعل نفسه يكون على الثبات لما مر.

(9/2)


-----
فإن نكل لزمه القضاء؛ لأنه ثبت وصول التركة إليه، والدين في التركة يقدم على الميراث، وإن حلف لا شيء عليه، هذا إذا حلف المدعي على الدين أولا ثم حلفه على الوصول، فلو أن المدعي من الابتداء حين أراد أن يحلف هذا الوارث على الدين قال له الوارث: ليس لك علي يمين، فإنه لم يصل إلي من تركة الأب شيء، وكذبه المدعي وقال: لا بل وصل إليك من تركة الأب كذا وكذا أو صدقه في ذلك، إلا أنه مع هذا أراد استحلافه على الدين، فالقاضي لا يلتفت إلى قول الوارث ويحلفه على الدين؛ لأن الحاجة إلى إثبات الدين وفي إثبات الدين لا عبرة لوصول شيء من التركة إلى يده، وإنما العبرة الفائدة وفي إثبات الدين فائدة، فإنه إذا ثبت الدين بأن نكل عن اليمين حتى صار مقرا به لو ظهر للميت وديعة أو بضاعة عند إنسان يستوفي الدين منها من غير أن يحتاج إلى الإثبات، فكان فيه فائدة، فيحلف لهذه الفائدة وإن كانت منتظرة.
ألا ترى أن هذا العبد المحجور يستحلف وإنما يستحلف لاستيفاء الدين بعد العتق، وإنه فائدة منتظرة كذا هاهنا، وإن أنكر الابن الدين ووصول شيء من التركة إلى يده وكذبه المدعي في ذلك كله، وأراد استحلافه على الدين والوصول جميعا لم يذكر الخصاف رحمه الله هذا الفصل في «الكتاب».

(9/3)


-----
وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يحلف يمينا واحدة بالله ما وصل إليك ألف درهم ولا شيء منه من تركة أبيك، ولا يعلم أن لهذا الرجل على أبيك دين من الوجه الذي ادعى، فقد جمع بين اليمين على الثبات وبين اليمين على العلم أنه جائز كما في حديث القسامة وعامتهم على أنه يحلف مرتين، لأنه إنما يجوز الجمع بين اليمينين إذا كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين لكن سببهما واحد، ولا مجانسة بين اليمين على العلم وبين اليمين على الثبات، والسبب مختلف ها هنا أيضا؛ لأن سبب الوجوب المداينة السابقة وسبب الاستيفاء من الوارث وصول التركة إليه، فلا يجمع بينهما بل يحلف مرتين مرة على الوصول على الثبات ومرة على الدين على العلم، بخلاف القسامة؛ لأن السبب هناك متحد وهو القتل هذا الذي ذكرنا، إذا أقر بموت الأب.

وأما إذا أنكر موت الأب ووصول التركة إليه وأراد الغريم استحلافه وقع هذه المسألة في بعض نسخ هذا الكتاب، وأجاب فيها أنه يحلف على الوصول والموت يمينا واحدا، لكن على الموت على العلم وعلى الوصول على الثبات بالله ما تعلم أن أباك مات، ولا وصل إليك شيء من ميراثه، وبه أخذ أولئك المشايخ وعامة المشايخ على أنه يحلف مرتين مرة على الموت على العلم، ومرة على الوصول على الثبات، فإن نكل حتى ثبت الموت وثبت وصول الميراث إليه، يحلف على الدين على علمه لما مر.

(9/4)


-----
فلو أنه أقر بالدين والموت، وإن هذه الألف تركة إلا أنه أحضر جماعة وقال: هؤلاء إخوتي، فهذه المسألة على وجوه: إما إن بدأ وقال: هذه الألف تركة ثم قال: هؤلاء إخوتي، وفي هذا الوجه يؤمر بتسليم الألف إلى رب الدين؛ لأنه بإقراره أولا صار الألف مستحقا لرب الدين؛ لأن الدين متعلق بالتركة بعد الموت، فلا يصح إقراره بالإخوة بعد ذلك فيما يرجع إلى إبطال الاستحقاق الثابت له، وإن بدأ بالإقرار بالإخوة ثم بالتركة والدين، فقد أقر لهم بالشركة معه في التركة فصارت التركة مقسومة بينهم بالحصص، فإذا أقر بالدين والتركة بعد ذلك، فإنما يعمل إقراره في حقه فيسبق في الدين من نصيبه خاصة.
قال: ولو أن رجلا مات فادعى وارثه على رجل أنه كان لأبيه عليه ألف درهم دين وصار ميراثا له، وأقر المدعى عليه بالموت وأنكر الدين، فأراد الوارث أن يحلفه، حلفه بالله ما كان لأبي عليك ألف درهم ولا شيء منه من الوجه الذي ادعى، وعلى قول شريح رضي الله عنه يحلف الوارث أولا على الثبات بالله ما قبض الأب منه شيئا، هو يقول: بأن الدين إنما ينتقل إلى الابن إذا لم يقبضه الأب منه، أما إذا قبض فلا.

(9/5)


-----
وإنا نقول: إذا ثبت الدين للأب على المديون يبقى إلى أن يوجد المسقط والقبض مسقط، وأنه ليس بمعلوم فيبقى الدين يقبضه الأصل، ألا ترى أن في حالة الحياة الأب يحلف المدعى عليه على الدين، ولا يحلف الأب بالله ما قبض المال وطريقه ما قلنا، وكذلك إذا أقام الابن بينة على الدين لا يحلف الابن على قبض الأب عندنا، خلافا لشريح على ما بينا، وإن أقر المديون بالدين وادعى أن الأب قد قبض منه الدين أو عرض المديون، فقال: قد يكون على الإنسان دين ثم لا يقضي باعتبار أن صاحب الدين يقبض ذلك، وأنا لا أحب أن أقر بشيء مخافة أن يلزمني، وأراد استحلافه فيحلف الابن حينئذ على العلم بالله ما يعلم أن أباه قد قبض هذا المال، أما إذا ادعى المدعى عليه القبض فلأنه انقلب مدعيا والمدعي انقلب مدعى عليه، وأما إذا عرض المدعى عليه، فلأنه طلب من القاضي أن ينظر له، فينظر له.

(9/6)


-----
قال في «الزيادات»: رجل مات، فجاء رجل وادعى أنه وارث الميت، لا وارث له غيره، وإن قاضي بلد كذا قضى بكونه وارث الميت، وجاء شاهدين شهدا أن قاضي بلد كذا أشهدنا على قضائه أن هذا وارث فلان الميت لا وارث له غيره، وقال الشهود: لا ندري بأي سبب قضى، فإن القاضي الثاني يجعله وارثا؛ وهذا لأنه ثبت بالبينة قضاء القاضي الأول بوراثته، وقضاء القاضي إذا ثبت يحمل على الصحة وعلى موافقة الشرع، وذلك ها هنا في أن يحمل على أنه استقضى في سبب وراثته على الميت، ولم يقدم على القضاء إلا بعدما علم بالحجة سبب وراثته، وينبغي للقاضي الثاني أن يسأل المدعي ما نسبه عن الميت، وهذا السؤال ليس بشرط لتنفيذ القضاء حتى لو لم يبين المدعي شيئا نفذ القاضي الثاني قضاء الأول حملا له على الحق، ولكن هذا السؤال من القاضي الثاني على سبيل الاحتياط ليعلم أنه بأي سبب يستحق، حتى لو ظهر وارث آخر يعرف القاضي الثاني أن أيهما أولى بالميراث؛ ولأنه ربما يبين سببا لا يستحق الميراث بأن جيرانه مولى الميت من أسفل، فيبطل قضاء الأول؛ لأن هذا خطأ عندنا وقد ظهر فيما هو حجة عليه وهو إقراره، فإن أخبر المدعي بسبب يكون وارثا على وجه من الوجوه أمضى قضاء الأول بالميراث ودفع الميراث إليه، ولكن لا يقضي بالسبب الذي ادعى؛ لأن الموجود في حق السبب ليس إلا مجرد الدعوى إذا لم يعرف قضاء القاضي بهذا السبب.
أما القضاء بأصل الوراثة ثابت بشهادة الشاهدين، فلهذا قضى القاضي الثاني بالميراث دون السبب، فإن جاء رجل بعد ذلك وادعى أنه أب الميت لا وارث له غيره، وأقام على ذلك بينة، ينظر إن كان الأول بين سببا لا يرث مع الأب بذلك السبب، جعل القاضي الثاني الميراث كله للثاني؛ لأن أبوة الثاني ثبت عند هذا القاضي بالبينة، والأول لما بين سببا لا يرث مع الأب بذلك السبب صار مقرا أنه (104أ4) لا حق له في الميراث، وإقرار كل مقر حجة في حقه.

(9/7)


-----
وإن كان الأول بين سببا يرث مع الأب بذلك، فإن بين أنه ابن الميت جعل القاضي للأب سدس الميراث؛ لأن القاضي الأول قضى للأول بكل الميراث، فإنما ينقض قضاؤه بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن ها هنا السدس، فإن احتمال كون الأول ابنا كما ذكر قائم ومع الاحتمال ابنه تيقن بالخطأ، وإن ذكر الأول أنه أب الميت، وأقام الثاني أنه ابن الميت يعطى الثاني خمسة الأسداس؛ لأنه بين خطأ القاضي الأول بهذا القدر ينتقض قضاؤه، والسدس سالم للأول، وإن ذكر أنه أب الميت، وادعى الثاني أنه أب الميت وأقام على ذلك بينة قضى القاضي بأبوته جعل الميراث له؛ لأن أبوة الثاني ثبت بالقضاء بالبينة وأبوة الأب لم يثبت إلا بإقراره، وما يثبت بالبينة المفردة أقوى، فكيف إذا اتصل بها القضاء، فإن قيل: ينبغي أن يقضي القاضي بالميراث بينهما؛ لأن القاضي الأول قضى بكل الميراث الأول، فلا ينقض قضاؤه إلا بقدر المتيقن، والتيقن في مقدار النصف، فإن احتمال كون الأول أبا قائم إذ يجوز أن يكون للشخص الواحد أبوان.

ألا ترى أن الجارية المشتركة بين رجلين إذا جاءت بولد فادعياه كان الولد لهما وهما أبوه، قلنا لا يجوز أن يكون للشخص الواحد أبوان؛ لأن الأبوة بسبب الإلحاق من الماء، ولا يتصور إلا بخلاف من ماء الذكرين، ألا ترى أن في مسألة الجارية المشتركة لو مات يرثانه ميراث أب واحد، إلا أن أحكام الأبوة تثبت بينهما عند الدعوى لاستوائهما في الحجة وعدم الأولوية، وفي مسألتنا لا مساواة؛ لأن أبوة الأول تثبت بالدعوى، وأبوة الثاني تثبت بالبينة، ولا مساواة بين الدعوى والبينة حتى لو تحققت المساواة يقضى بالميراث بينهما على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.

(9/8)


-----
واستوضح هذا بما لو جاء رجل وأقام بينة أنه أب هذا الميت، وقضى القاضي بأبوته، وجعل الميراث له، ثم جاء آخر وأقام بينة أنه أب الميت، فالقاضي لا يقبل بينته ولا يدخل مع الأول، ولو جاز أن يكون واحد منهما أبا، لدخل الثاني مع الأول كما في الأبناء مع البنات.
قال في «الكتاب»: ولو أن القاضي الثاني حين قضى بالميراث الثاني قال الأول: أنا أقيم بينة عندك أني أب الميت لا يلتفت إليه، لأن تقدم الحكم للثاني بالأبوة يمنع دعوة الأول الأبوة والقضاء له بها، وإن أقام الأول بينة على أن القاضي الأول قضى بأبوته، جعل القاضي الثاني الميراث للأول إذ تبين أنه تقدم الحكم للأول بالأبوة وأنه يمنع الحكم للثاني بالأبوة.
ولو أن القاضي لم يقض بأبوة الثاني حتى أقام الأول بينة على أبوته قضى القاضي بالميراث بينهما لاستوائهما في الدعوى والحجة.
والجواب في ولاء العتق: كالجواب في الأبوة، بأن ادعى الأول أنه متولي الميت أعتقه، وأن القاضي الثاني إنما قضى له بالميراث لذلك، وادعى الثاني أنه متولي الميت أعتقه؛ لأنه لا يتصور أن يكون الشخص معتقا من الاثنين من كل واحد منهما عليه؟ فصار الولاء كالنسب من هذا الوجه، إن سبق الحكم لأحدهما بالميراث بسبب الولاء فهو أولى، وإن اجتمعا قضى بينهما على نحو ما ذكرنا وإن زعم الأول أنه ابن الميت في الميراث وإن سبق الحكم لأحدهما؛ لأن سبق الحكم لأحدهما لا يدفع الثاني، لإمكان الجمع بخلاف فصل الأبوة، لأن هناك الجمع غير ممكن على ما مر.s
وإن زعم الأول أنه ابن الميت فأقامت المرأة بينة أنها بنت الميت، فالميراث بينهما أثلاثا، وإن تقدم الحكم للأول لأن تقدم الحكم للأول؛ لا يدفع الثاني لإمكان الجمع.

(9/9)


-----
ولو ادعى الأول أنه ابن أو أب وأقام الآخر بينة، أنه أخو الميت لا شيء للثاني؛ لأن الإخوة لا يرثون مع الابن والأب، ولو كان المقضي له امرأة زعمت أنها زوجة الميت، ثم جاء رجل وأقام بينة أنه أخ الميت أخذ منها ما زاد على الربع؛ لأنه كان وصار الحاصل أن القاضي الأول إذا قضى بوراثة الأول ولم يبين سبب الوراثة، وأقام الآخر بينة عند القاضي الثاني على نسبه عن الميت، سأل القاضي الثاني الأول عن نسبه، إن ذكر نسبا لا يرث مع الثاني فالميراث كله للثاني، وإن ذكر نسبا لا يرث الثاني معه فلا شيء للثاني، وإن ذكر نسبا يرث مع الثاني يجمع بينهما في الميراث.

قال: فإن كان المقضي له الأول معتوها أو صغيرا لا يعبر عن نفسه، فأقام بعض من ذكرنا بينة على أنه وارثه وبين نسبه عن الميت، فإن كان الثاني ممن يحتمل السقوط بحال نحو الأخ والعم جعله القاضي ساقطا بالأول، وإن كان الثاني لا يحتمل السقوط، فإن القاضي يجعل للأول أفضل الأشياء ويقضي للثاني بأقل ما يكون.
بيانه: فيما إذا كان الأول ذكرا يجعل ابن الميت حتى لو كان الثاني إنما يعطى له السدس لكونه أقل، ولو كان الثاني زوجة الميت يعطى لها الثمن لكونه أقل؛ لأن الأول يرجح تقدم الحكم له، وإبطال القضاء لا يجوز إلا في القدر المتيقن، والتيقن في الأقل.
قال: ولو أن امرأة أقامت بينة أن قاضي بلد كذا، قضى بأنها وارث هذا الميت، وجعل كل الميراث لها، نفذ القاضي الثاني ذلك كما ينفذ للرجل؛ لأن المرأة قد تستحق جميع الميراث، ألا ترى أن مولاة المعتق تستحق جميع الإرث لمولى المعتق، وكذلك البنت تستحق جميع الميراث، النصف بالفرض، والنصف بالرد إذا لم يكن ثمة صاحب فرض أو عصبة.

(9/10)


-----
فلعل القاضي الأول إنما قضى لها بجميع الميراث لهذا، وهو الظاهر، فلهذا نفذ القاضي الثاني ذلك، فإن أقام بعد ذلك رجل بينة أنه ابن الميت أو أبوه، أو أقامت امرأة بينة أنها زوجته، سأل القاضي الثاني المرأة الأولى عن سبب القضاء لها، فإن زعمت أنها بنت الميت عامل معها بزعمها، وإن كانت المرأة الأولى صغيرة لا تعبر عن نفسها، أو كانت معتوهة جعل القاضي لها أكثر ما يكون لها، وجعل لهؤلاء أقل ما يكون لهم مع المرأة الأولى حتى لا ينتقض القضاء الأول إلا في القدر المتيقن.
وإذا ادعى رجل على ورثة ميت دينا على الميت وقال: إن أب هؤلاء قد مات ولي عليه كذا وكذا، وقد أقر بذلك في حياته طائعا، ومات قبل أن يوفي شيئا من ذلك، وخلف من التركة في يد هؤلاء ما بقي بالدين المدعى به وزيادة ولم يبين أعيان التركة، فالقاضي هل يسمع منه هذه الدعوى؟ لم يذكر محمد رحمه الله هذا في «الأصل» وفي شيء من الكتب.
وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم شرطوا بيان أعيان التركة شيئا، فشيء لسماع القاضي دعواه. والحاكم الإمام أحمد السمرقندي ذكر في شروطه في سجل إثبات الدين: أن المدعي إن أجمل التركة كان كافيا، وإن بين وفسر كان أحوط، والفقيه أبو الليث رحمه الله لم يشترط بيان أعيان التركة واكتفى بذكر الوفاء بالدين.
والخصاف رحمه الله ذكر في «أدب القاضي» في باب اليمين على العلم: مثل ما ذكره الفقيه أبو الليث رحمه الله، والمختار في الفتوى هذا أن لا يشترط بيان أعيان التركة لإثبات الدين والقضاء به، ولكن إنما يأمر القاضي الوارث بقضاء الدين إذا ثبت وصول التركة إليهم، وعند إنكارهم وصول التركة إليهم ،لا يمكن للمدعي إثباته إلا بعد بيان أعيان التركة في أيديهم بما يحصل به الإعلام.

(9/11)


-----
وهكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي رحمه الله: رجل ادعى دارا في يد رجل وقال في دعواه: هذه الدار كانت لأبي فلان، مات وتركها ميراثا بيني وبين أختي فلانة لا وارث له غيرنا، وترك مع هذه الدار مالا ودوابا فقسمنا الميراث ووقعت هذه الدار في نصيبي بالقسمة، واليوم جميع الدار ملكي بهذا السبب، وفي يد هذا المدعى عليه بغير حق، فدعواه صحيحة؛ لأنه ادعى جميع الدار لنفسه بسبب صحيح ادعى ثلثاها بسبب الميراث وادعى الثلث بسبب القسمة، وكل ذلك سبب صحيح للملك، ولكن لا بد وأن يقول أخذت أختي نصيبها من تلك الأموال حتى يصح منه مطالبة المدعى عليه بتسليم كل الدار إليه.

(9/12)


-----
ولو قال في دعواه: مات أبي وتركها ميراثا لي ولأختي ثم أقرت أختي بجميعها لي وصدقتها في ذلك، حكي عن شمس الإسلام محمود الأوزجندي رحمه الله أن دعواه صحيحة والصحيح من الجواب أن القاضي لا يسمع دعواه في الثلث؛ لأن هذه دعوى الملك في الثلث بسبب الإقرار، ودعوى الملك بسبب الإقرار غير صحيح، عليه فتوى عامة المشايخ، والمسألة في الأقضية: من له الدين المؤجل إذا أراد إثباته فله ذلك، وإن لم يكن له حق المطالبة بالأداء في الحال، إذا أرادت إثبات بقية مهرها على الزوج فلها ذلك، وإن لم يكن لها حق المطالبة به في الحال؛ وهذا لأن إثبات الحق لا يعتمد المطالبة لا محالة، ألا ترى أن إثبات الدين على الميت من وارث لم يصل إليه شيء من التركة، وإن لم يكن لرب الدين حق المطالبة من هذا الوارث (104ب4) إذا لم يصل إليه شيء من تركة الميت وإنما يعتمد الفائدة، وفي إثبات الدين المؤجل في الحال فائدة، وكذلك في إثبات بقية مهرها في الحال فائدة، فإن شهوده عسى يغيبون ولا يقدر على إثباته عند محل الأجل، سأل القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزحندي رحمه الله: عمن ادعى على آخر عينا في يده، وقال: هذا كان ملك أبي مات وتركها ميراثا لي ولفلان، وسمى عدد الورثة ولم يبين حصة نفسه، قال: صح منه هذه الدعوى، وإذا أقام البينة على دعواه، فالقاضي يسمع بينته، ولكن إذا آل الأمر إلى المطالبة بالتسليم لا بد وأن يبين حصته؛ لأنه لا يملك المطالبة بالتسليم إلا بقدر حصته، فيبين حصته عند ذلك، ولو كان بين حصته ولم يبين عدد الورثة، بأن قال: مات أبي وترك هذا العين ميراثا لي ولجماعة سواي وحصتي منه كذا، وطالبه تسليم ذلك قال: لا تصح منه هذه الدعوى، ولا بد من بيان عدد الورثة لجواز أنه لو بين كان نصيبه أنقص.

(9/13)


-----
قال في «الأقضية»: وإذا وقع الدعوى في دار في يدي رجل بسبب الميراث عن الأب وللميت ورثة سوى هذا المدعي وطلب من القاضي أن يكتب له يعني محضر الدعوى، فالقاضي يكتب: حضر فلان وأحضر معه فلان يصف المدعي والمدعى عليه، ثم يكتب: وذكر فلان الذي حضر أن أباه فلان، يذكر اسم أبيه وينسبه إلى أبيه وجده؛ لأنه يريد إثبات الملك للأب ليمكنه النقل إلى نفسه بالإرث، فلا بد وأن يصير الأب معلوما ليمكن إثبات الملك له، والنقل منه بالدعوى وأنه غائب والغائب لا يعلم إلا بذكر الاسم والنسب، ثم يكتب: أنه مات وخلف من الورثة ابنا له وهو هذا الذي حضر، وزوجة له وهي فلانة بنت فلان بن فلان وبنت له وهي فلانة لا وارث له سواه؛ وهذا لأنه يريد إثبات الوراثة لنفسه فلا بد من بيان سببها لنفسه، والبنوة سبب، ولا بد من بيان عدد الورثة، ليعلم نصيبه فيقع القضاء بما هو معلوم، ثم يكتب وترك من ماله الدار التي في بلدة كذا في محلة كذا في سكة كذا، أحد حدودها كذا والثاني والثالث والرابع كذا، ثم يذكر في الحد لزيق دار فلان، وإن شاء يذكر دار فلان، وقد مر هذا في فصل جلوس القاضي، بعد ذلك ينظر إن كان في ذكر الحد ذكر إلى دار فلان لا يكتب بحدودها؛ لأنه بين من جوز ذكر دار فلان في الحد اختلافا أنه إذا كتب بحدودها هل تجوز الدعوى؟ وهل يصح المكتوب؟ بعضهم قالوا: لا يصح؛ لأن دار فلان تدخل في الدعوى، وقال علماؤنا: يصح ولا تدخل دار فلان في الدعوى؛ لأن الناس في عرفهم وعاداتهم لا يريدون به أن يكون دار فلان داخلا في الدعوى، واعتبار العرف واجب وإن كان بين العلماء اختلاف على نحو ما قلنا.

(9/14)


-----
والكتابة للتوثيق يجب أن يكون على أحوط الوجوه ليقع الأمن عن إبطاله، وإن كان في ذكر الحد لزيق دار فلان يكتب بحدودها إن شاء ويجوز بلا خلاف؛ لأنه لا يؤدي إلى أن تدخل دار فلان في الدعوى، ثم إذا كتب في الحد الزيق لا فرق بين أكثر جماعة من أهل الشروط أن يكتب لزيق دار فلان، وبين أن يكتب لزيق دار تنسب إلى فلان، كل ذلك جائز وقال بعضهم: ينبغي أن يكتب لزيق دار تنسب إلى فلان حتى أنها إذا لم تكن مملوكة لفلان لا يكون كاذبا فيه، وعامة مشايخنا جوزوا ذلك، لأن الإضافة بحكم الظاهر جائزة.
ألا ترى أن في الشهادة جوزنا الإضافة بالظاهر، وأكثر أحكام الشرع مبنية على الظواهر، ثم يكتب بحدودها كلها وحقوقها؛ لأن بدون ذكر الحدود والحقوق لا يدخل المسيل والطريق، فلا يفيده استحقاق الدار؛ لأنها تتعطل عليه، ولا يمكنه الانتفاع بها، ولا ينبغي أن يكتب وطريقها ومسيل مائها؛ لأنه لو كان باب الدار على طريق العامة يصير مدعيا ملكية ذلك الموضع لنفسه، وأنه لا يجوز، ثم يكتب ومرافقها التي هي لها من حقوقها، لأن الخلاف ظاهر في تفسير المرافق، فعلي قول أبي يوسف المرافق غير الحقوق وإنها عبارة عن منافع الدار، وفي ظاهر الرواية المرافق عبارة عن الحقوق، فكان الأحوط أن يكتب من حقوقها ليكون ذكرا للحقوق بالاتفاق، ثم يكتب وكل قليل وكثير هو فيها ومنها، هكذا ذكر محمد رحمه الله: في كتاب الشفعة، وذكر في موضع آخر: وكل قليل وكثير هو فيها ومنها، وهكذا ذكر في كتاب الوقف.

(9/15)


-----
قال أبو زيد الشروطي رحمه الله: لا ينبغي أن يكتب أو لها بها للتشكيك، فكان المراد به أحد المذكورين، وباعتباره يصير المدعى به مجهولا ولكن يقول كلمة أو يراد بها في مثل هذا الموضع الجمع لا التشكيك عرفا، ومعناه: أن جميع الحقوق داخلة في الدعوى، قلت أو كثر يقال: وهبت لك ما في كيسي درهما كان أو دينارا، ثم يكتب في آخره من حقوقها؛ لأنه لو لم يذكر ذلك، ففي ظاهر الرواية إن كان هذا منصرفا إلى ما كان من موانع الدار فعند أبي يوسف رحمه الله: يدخل فيه كل ما في الدار، مما يحتمل التملك حتى أن عند أبي يوسف: يدخل فيه جواري المدعى عليه اللاتي في الدار ومتاعه الموضوع فيها من حقوقها لينتفي به ما توهمه أبو يوسف، ثم يكتب: وكل حق لها داخل فيها وخارج منها، هكذا ذكر الطحاوي رحمه الله، وينبغي أن يكتب أرضها وبنائها سفلها وعلوها ولا يكتب سفله وعلوه، ثم العلو والسفل يدخلان في دعوى الدار من غير ذلك، وفي دعوى المنزل لا يدخل العلو إلا بالذكر أو يذكر الحقوق، وفي دعوى البيت لا يدخل بذكر الحقوق، ويشترط ذكره، والكشف الشارع يدخل في دعوى الدار من غير ذلك، والظلة وهي الساباط الذي على الطريق أحد جانبيه على هذه الدار، عند أبي حنيفة: لا يدخل من غير ذكر الحقوق، وعند أبي يوسف ومحمد: يدخل إذا كان مفتحها إلى الدار، والمربط والمطبخ يدخلان في دعوى الدار إذا ذكر الحقوق والمرافق، ثم يكتب ميزابا عنه لورثته هؤلاء المسمون على فرائض الله تعالى كذا بينهما نصيب المرأة كذا وكذا الابن كذا ونصيب البنت كذا؛ وهذا لأنه يريد إثبات الاستحقاق لنفسه بالإرث ولا يمكنه ذلك إلا من الميراث عند أبي حنيفة ومحمد على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.

(9/16)


-----
وهو أن يقول تركها ميراثا لورثته فلهذا يكتب ميراثا عنه لورثته ثم يسمي الفريضة وأنصباء الورثة من ذلك، ليعلم قدر ما نصيب المدعي من ذلك، فيكون المدعي به معلوما، ثم بعد ذلك لا يخلو إما أن يدعي لنفسه نصيبه من الدار، أو يدعي جميع الدار بحكم القسمة مع الورثة، فإن ادعى نصيبه من الدار يكفيه هذا المقدار الذي ذكر في الكتاب، وإن ادعى جميع الدار يكتب، وترك أيضا مع الدار سواها من العقار والعروض والأراضي والنقود، وقد جرت القسمة الصحيحة بين هؤلاء الورثة بالتراضي، فوقعت هذه الدار في نصيب هذا الابن المدعي وأنها اليوم ملك هذا الابن المدعي بهذين السهمين، ويذكر أيضا: قبض باقي الورثة حصصهم على ما مر قبل هذا، وأنها في يدي فلان بن فلان هذا المدعى عليه الذي أحضره بغير حق وأنه يمنع جميع ذلك منه، إن كان يدعي جميعها وإن كان يدعي نصيبه يذكر: وأنه يمنع نصيبه بغير حق، فواجب عليه قصر يده عما ادعى، وتسليمه إلى هذا المدعي.

وإنما شرطنا أن يقول في الدعوى وأنها في يد هذا المدعى عليه الذي أحضره؛ لأن الذي أحضره إنما يكون خصما باعتبار يده، فلا بد من أن يثبت يده عليها، حتى ينتصب خصما، فسمع القاضي الدعوى عليه، وإن شئت كتبت من وجه آخر.
فكتبت: حضر وأحضر فادعى هذا الذي حضر على هذا الذي أحضره معه: أن جميع الدار التي في محلة كذا في سكة كذا حدودها كذا بحدودها وحقوقها، أرضها، وبنائها، سفلها وعلوها، وكل حق هو لها داخل فيها، وكل حق هو لها خارج منها، كانت ملكا لفلان ابن فلان والد هذا المدعي وحقه وملكه إلى أن توفي، وخلف من الورثة أبناء له هذا المدعي وورثة أخرى من البنين فلان وفلان ومن البنات: فلانة وفلانة لا وارث له سواهم، وصارت هذه الدار المحدودة الموصوفة فيه ميراثا عنه لورثته هؤلاء المسمون فيه، على فرائض الله تعالى على كذا سهما.

(9/17)


-----
ثم يتم كتاب الدعوى على نحو ما بيننا، ثم إذا صح الدعوى سأل القاضي المدعى عليه عن دعواه، فإن أجابه بالإقرار أثبت إقراره في محضر الدعوى بلفظه، وألزمه الخروج عن دعواه، فإن أجابه بالإنكار لجميع ما ادعى، سأل المدعي البينة، فإن زعم المدعي أن له بينة أمره أن يحضرهم مجلس القاضي، ثم على رسم القضاة اليوم في ديارنا يكتب أسامي الشهود وأنسابهم وحلاهم ومساكنهم وما يعرفون به.
فيكتب: وأحضر من الشهود رجلا ذكر أنه فلان وبحليته ويستقصي في تعريفه، وهذا إذا كان لا يعرفه القاضي. وإن كان يعرفه يكتب فأحضر من الشهود فلان بن فلان ينسبه إلى (105أ4) أبيه وجده، ويستغني عن التحلية ويجعل بين كل سهم شاهدين، فرجة من البياض يمكنه كتابة لفظة الشهادة التي سمعها منه فيها، ثم إن كان الشهود ممن لا يقدرون على أداء الشهادة عن ظهر القلب يحضرهم، أو لهيبته مجلس القضاء يكتب الكاتب لفظة الشهادة على موافقة الدعوى كما ذكره الشاهد للكاتب في بياض.
وإن كانوا ممن لا يعرفهم حضر ولا يهيبه مجلس القضاء، فالقاضي يتولى كتابة الشهود في تلك الفرصة، ويسأل شهود المدعي واحدا بعد واحد عن شهادته بحضرة المدعى عليه؛ لأنه يحتاج إلى تصحيح شهادته، والإشارة إلى المدعى عليه فلا بد من حضرة المدعي ليمكنه الإشارة إليه، ثم إذا شهد شهود المدعي، فالقاضي يسألهم هل كانوا يعرفون فلانا والد المدعي؛ لأن المدعي يحتاج إلى إثبات ثلاثة أشياء، موت المورث ووراثته منه، وانتقال الدار إليه منه بالإرث، وإثبات الملك للمورث فيها يوم الموت.

(9/18)


-----
وإنما تصح الشهادة على الموت ممن يعرف الميت، وكذلك الشهادة على وراثة المدعي من الميت بالإرث، إنما تصح ممن يعرف الميت، فأما من لا يعرف كيف يشهد على ذلك كله؟ فيسأله عن والد المدعي لهذا، فإن قالوا نعرفه: سألهم عن الموت، فإن شهدوا بذلك كتب فشهدوا أن فلان بن فلان الفلاني المعروف بكذا من التجارة من الصباغة توفي، وكأنه يعرفونه معرفة قديمة باسمه ونسبه، وإنهم يشهدون عن معرفة قديمة ثم سأل عن وارثه، فإن شهدوا بذلك كتب وترك من البنين فلانا الذي حضر وهو هذا المدعي وفلان وفلان، ومن البنات فلانة وفلانة، وامرأته فلانة بنت فلان بن فلان بن فلان، وهذا إذا كانوا يعرفون جميع الورثة، فأما إذا كانوا يعرفون بعض الورثة كتب شهادتهم عمن يعرفون من الورثة، ثم يكتب لا يعرفون له وارثا غير هؤلاء، ويكون وارثه من سوى المدعي الذي أقر له المدعي بالوراثة ثابتا بإقرار المدعي؛ لأنه صار وارثا بالبينة، وإقرار الوارث بورثة أخر صحيح في حقه، فإذا شهدوا بذلك سألهم هل تعرفون الدار التي ادعاها أنها كانت لوالده؟ فإن ذكروا معرفتها وشهدوا أنها كانت لوالده إلى أن مات وتركها ميراثا لورثته هؤلاء، وأتوا بالشهادة على وجهها كتب ذلك على ما شهدوا به وأنها اليوم في يد المدعى عليه، ولا بد لتصحيح الشهادة من حر الميراث عند أبي حنيفة ومحمد.
وكذلك لا بد لتصحيح الشهادة على ملكية الدار أن يذكر الشهود في شهادتهم أنها في يد المدعى عليه، والإقرار لا يكفي، حجة لإثبات يده، حتى أن المدعي والمدعى عليه إذا تصادقا أن الدار المدعى به في يد المدعى عليه لا تقبل البينة على ملكية الدار إلا بعد شهادة الشهود على يد المدعى عليه، بأن شهدوا أنها في يده اليوم، هكذا ذكر الخصاف بخلاف المنقول.

(9/19)


-----
فإنه إذا أقر المدعى عليه أنه في يده يكفي؛ لأن في المنقول لا يخلو إما أن يكون العين قائما أو مستهلكا في يد المدعى عليه، فإن كان قائما فلا بد من الإحضار لتصحيح الدعوى والشهادة، وعند الإحضار يعرف القاضي معاينة أنه في يد المدعى عليه، وإن كان مستهلكا وقال المدعى عليه: استهلكتها، أو قال: هلك عندي، فقد أقر على نفسه بوجوب الضمان، وإقرار الإنسان على نفسه صحيح، فلا حاجة إلى الشهادة على أنه في يده.
فأما في العقار يمكن تهمة المواضعة، ووجه ذلك أن المدعي ربما تواضع رجلا ويحضره مجلس القضاء، ويدعي عليه العقار، فيقر بأن العقار في يده فيقضي القاضي عليه، والعقار في يد غيره، فيكون قضاء على الغائب؛ لأن العقار لم يكن في يد المدعى عليه حقيقة، فلمكان هذه التهمة لا يكتفي القاضي بمجرد الإقرار حتى يشهد الشهود على ذلك، فتنتفي هذه الرتبة بخلاف المنقول على ما ذكرنا، فإن شهدوا أنها في يد المدعى عليه، هل يسألهم القاضي عن سماع يشهدون أنها في يده أو عن معاينه؟

حكي عن القاضي الإمام الخليل بن أحمد أن القاضي يسألهم وهو الصحيح؛ لأنهم ربما سمعوا إقراره أنها في يده فظنوا أن ذلك يطلق لهم أداء الشهادة على يده عليها وإنه موضع الاشتباه، فقد اشتبه على كثير من الفقهاء اشتراط إقامة البينة لإثبات يده، وما لم يعاينوا يد المدعى عليه لا يحل لهم أداء الشهادة على أنها في يده، فلهذا أوجب السؤال، فإن ذكروا أنهم يشهدون عن معاينة قبلها وإلا لم يقبل.
قال القاضي هذا رحمه الله: وهكذا إذا شهدوا على البيع والتسليم، فالقاضي يسألهم أيشهدون على التسليم بإقرار البائع أو عن معاينة؛ لأن الحكم فيها يختلف فإنهم إذا شهدوا عن معاينة البيع والتسليم كانت شهادته بملك البائع يوم البيع، وإن شهدوا على إقراره لا تكون شهادة على ملك البائع فوجب السؤال إزالة لهذه الشبهة.

(9/20)


-----
ولو أن الشهود لم يشهدوا أن هذه الدار في يد المدعى عليه، وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أنها في يد المدعى عليه، فإن القاضي يقبل منه؛ لأن الحاجة إلى القضاء بالملك للمدعي بسبب الوراثة باليد للمدعى عليه لينتصب لإثبات دعواه، ولا فرق بين أن يثبت كلا الأمرين بشهادة فريق واحد، وبين أن يثبت كل أمر بشهادة فريق واحد، هذا كما ذكروا أن الشهود إذا شهدوا بالملك في المحدود وشهد فريق آخر على الحدود أنه يقبل الشهادتان جميعا.
وكذلك إذا شهد شاهدان على الاسم والنسب ولم يعرفا الرجل بعينه، وشهد آخران أن هذا الرجل هو المسمى بذلك الاسم والنسب أنه يقبل ذلك، ويجعل كما لو ثبت الإقراران بشهادة فريق واحد كذلك ها هنا، ولو قالت الشهود: نشهد أن الدار التي بالكوفة في بني فلان ويذكر حدودها الأربعة ملك المدعي بهذا السبب ولكنا لا نعرف حدودها ولا نقف عليها. وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أن هذه الدار المدعى بها على هذه الحدود ويعرفون لذلك، هل يقبل القاضي ذلك منه؟ فهذه ثلاث مسائل.

(9/21)


-----
إحداها هذه، وجوابها أنه ذكر في بعض الروايات أنه لا يقبل، وذكر في عامة الروايات أنه يقبل وهو الأصح، وجه ذلك أن تحمل الشهادة على الأملاك غالبا يكون على هذا الوجه؛ لأن الشاهد إنما يتحمل الشهادة على الملك إذا علم بسبب الملك، والبائع يقر بين يدي الشاهد ببيع الدار التي في محلة كذا في سكة كذا، ويذكر الحدود الأربعة، والشهود في الغائب لا يعرفون جميع ذلك، لو اعتبرنا علمهم بالحدود يحتاجون إلى الذهاب إلى موضع الدار، وعسى لا يذهبون فيؤدي ذلك إلى الجرح، فإذا قالوا للقاضي: تحملنا هذه الشهادة بهذه الحدود ولكنا لا نقف على الحدود وما رأيناها، وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أن هذه الدار المدعى بها بهذه الحدود، فالقاضي يقبل ذلك منه، وإن لم يأت المدعي بشهود آخرين يشهدون أن هذه الدار المدعى به على هذه الحدود، فطلب من القاضي أن يبعث أمينين من أمنائه إلى الدار حتى يتعرفا عن حدودها وأسماء جيرانها، أجابه القاضي إلى ذلك، فإذا أقامهما القاضي وتعرفا عن حدود الدار وأسماء جيرانها، فوافق ذكر الحدود التي ذكرها الشهود، قضى القاضي بالدار للمدعي بشهادتهم، لأنهم شهدوا بملكية دار معلومة؛ لأن العقار إذا كان غائبا فإعلامه بذكر الحدود وقد وجد، فبعد ذلك الحاجة إلى تعيين الدار المحدودة للتسليم، فإذا علم القاضي بإخبار الأمينين أن هذه الدار المعينة التي في يد المدعى عليه هي ما شهدت به الشهود فقد علم بوجوب تسليمها إلى المدعي، فيقضي بها للمدعي، ويأمر المدعى عليه بتسليمها إلى المدعي.f

وإن خالف ذلك الحدود التي ذكرها الشهود وأخبر الأمينان القاضي بذلك لا يقضي بشهادتهم؛ لأنهم شهدوا بما لم يعلموا؛ ولأن الدار التي في يد المدعى عليه إذا لم تكن بتلك الحدود ظهر أن الشهود شهدوا بما ليس في يد المدعى عليه، فكانت هذه شهادة على غير خصم، فلا يقبل.

(9/22)


-----
والمسألة الثانية: لو قال الشهود: نحن نعرف الدار ونقف عليها، ونشير إلى حدودها إذا قمنا ثمة ولكن لا ندري من جيرانها، فالروايات مضطربة في هذه المسألة، ذكر في بعضها يبعث القاضي أمينين من أمنائه مع المدعي والمدعى عليه إلى الدار حتى يشهد الشهود بحضرة الدار، ويشيروا إلى حدودها، ثم يتعرف الأمينان أسماء الجيران ويخبران القاضي، فإن وافق ما قاله المدعي يحكم القاضي بذلك، وذكر في بعضها أنه يبعث الأمينين مع الشهود حتى يسيروا إليهما بالدار وحدودها، فيتعرفان أسماء جيرانها ثم يشهدوا جميعا عند القاضي، فيقضي بشهادتهم التي كانت عنده، وأظهر الجواب شهادة الشهود بحضرة الأمينين والدار؛ لأن الأمين نائب القاضي فكانت الشهادة عنده كالشهادة عند القاضي، ولو كانوا بحضرة العقار لا يحتاج إلى بيان الحدود؛ لأن الإشارة كافية للتعريف كما في المنقول، إلا أن يتعرف الأمينان لأسماء الجيران (105ب4) لكتابة السجل لا لتنفيذ القضاء، فالقضاء بدونه ماض على المدعى عليه.

(9/23)


-----
المسألة الثالثة: إذا قال الشهود نحن نعرف أن هذه الدار ميراث لهؤلاء الورثة عن هذا المورث، ولكن لا نعلم أسماء الجيران إنما نعرف أن تلك الدار في محلة كذا في سكة كذا بحضرة مسجد كذا يلاصق دار فلان في زيقه كذا، وجاء المدعي بشاهدين يشهدان على الحدود، فإن القاضي لا يقضي بشيء؛ لأن الذين شهدوا بالملك لم يشهدوا إلا بحد واحد، فاللذان شهدوا بالحدود لم يشهدوا بالملك، فلا يمكن القضاء بها أصلا بخلاف ما تقدم، لأن ثمة إنما شهدوا بملك الدار عند معاينة الدار بالإشارة إليها، فوقع الاستغناء عن ذكر الحدود للقضاء بالملك أما ها هنا بخلافه، ثم إذا شهد شهود المدعي عند القاضي، وكان فيمن شهد رجلان عدلان يعرفهما القاضي بالعدالة والرضى، سأل القاضي المدعى عليه عن حجة يدفع بها ما شهد به الشاهدان ويبين أنه عرفهما بالعدالة، وأنه يريد القضاء عليه، حتى لو كانت له حجة يأتي بها أن القاضي إنما ينبغي له أن يقضي بحجة المدعي إذا لم يأت المدعى عليه بحجة تعارضها، وإن لم يعرفهما القاضي وعدلهما شاهدان في السر والعلانية تبين للخصم أنه سأل عنهما المزكين فنسبوهما إلى العدالة، ثم يسأله الدفع إن كان له، فإن أحضر حجة صلحت دافعة لدعوى المدعي قبلها، ودفع دعوى المدعي به وذلك مثلا بأن كان المدعي يدعي ملكا مطلقا ويقيم عليه البينة، فيدعي المدعى عليه أنه اشتراه منه، ويقيم البينة عليه، وإن ذكر في ذلك كله أن له حجة يحضرها، يمهله بقدر ثلاثة أيام، وما أشبهه مما لا يبطل به حق المدعي أنه إن أتى بدفع في هذه المدة قبل منه، وأبطل دعوى المدعي.

(9/24)


-----
وإن لم يأت بدفع حتى مضت هذه المدة وجه عليه القضاء؛ وهذا لأنه لا يمكنه إقامة الحجة إلا بمدة؛ لأن الشهود ربما كانا غيبا، فيحتاج إلى مدة ليمكنه إحضارهم، فيمهله ثلاثة أيام أو ما أشبهه، فإن مضى الوقت ولم يأت بحجة أمر المدعي حتى يحضر المدعى عليه؛ لأنه جاء أوان الحكم ولا بد لصحة الحكم من حضرتهما، ثم يكتب حضورهما في الكتاب لما ذكرنا أن حضرتهما شرط لصحة القضاء ويكتب، فسأل فلان المدعي هذا المذكور اسمه ونسبه في هذا الكتاب هذا القاضي إنفاذ القضاء بما يثبت عنده على فلان بن فلان؛ لأن القضاء حق المدعي وحق الإنسان لا يوفى إلا بطلبه، ثم يكتب فأنفذ القاضي القضاء بوفاة فلان، وأنه ترك من الورثة فلان وفلان وجعل الدار المحدودة المذكورة في هذا الكتاب ميراثا منه لورثته فلان بن فلان؛ لأن القضاء بالميراث يقع لهم، فلا بد من ذكرهم لبيان المقضي له ثم يكتب، وكان ذلك مني بعدما استحلفت المدعي بالله ما يعلم أن أباك قد باع هذه الدار، ولا وهبها، ولا خرجت عن ملكه، ولا شيء منها بوجه من الوجوه، حتى توفي وفي هذا الاستحلاف إنما يتأتى على قول أبي يوسف.
وإن كان المدعي ادعى دينا دراهم أو دنانير كتب بعد سؤال المدعي إنفاذ القضاء، فاستحلف القاضي فلان هذا المدعي الذي حضر أنه ما قبض من الألف الدراهم أو الدنانير التي ادعت على فلان بن فلان هذا الذي أحضر معه قليلا ولا كثيرا، ولكن هذا التفريع على قول أبي يوسف رحمه الله، فإنه يستحلف المدعي من غير طلب المدعى عليه.
فأما أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يريان ذلك بدون طلب المدعى عليه، وفرقا بين هذا وبينما إذا ادعى رجل على ميت دينا، فإن القاضي يستحلف المدعى عليه الإبراء والقبض على ما وصفناه، وإن لم يدعيه الوارث؛ لأن الدعوى هناك في الحقيقة على الميت، والميت عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فيمكنه أن يطلب من القاضي أن يحلف المدعى عليه فلا يحلفه القاضي بدون طلبه.

(9/25)


-----
ولو كان إنما ادعى دارا أو ثوبا أو غير ذلك من العروض سوى الدور. كتب: فسأل فلان الذي حضر يعني المدعي إنفاذ القضاء بما ثبت له على فلان بن فلان المدعى عليه في الدار المحدودة في هذا الكتاب أو في الثوب، فاستحلف القاضي فلان بن فلان المدعي بالله ما باع هذه الدار ولا وهبها ولا تصدق بها ولا خرجت عن ملكه بوجه من الوجوه ولا شيء منها، وهذا الاستحلاف على قول أبي يوسف أيضا على ما مر.
وإن كان إنما يدعى ميراثا إنما كتب: فأنفذ القاضي القضاء بوفاة فلان وأنه ترك من الورثة جماعة وهم فلان المدعي هذا وفلان وفلان حتى يسمع جميع الورثة ما شهد به الشهود، ثم يكتب واستحلف القاضي المدعي بالله ما يعلم أن أباه فلان ما باع هذه الدار ولا وهبها ولا خرجت عن ملكه ولا شيء منها بوجه من الوجوه حتى توفي، وهذا أيضا على قول أبي يوسف رحمه الله في دعوى الدين إذا كتب تحليف المدعي يكتب بعد ذلك: فأنفذ القاضي القضاء لفلان المدعي هذا على فلان المدعى عليه هذا بألف درهم وزن سبعة وضحا؛ لأنه لا بد من إعلام ما صار مقضيا به لتصحيح القضاء، وذلك بذكر الجنس وهو الدراهم، وبالقدر وهو الألف، وبالنوع وهو وزن سبعة، والصفة وهو قوله وضحا، فالدين يصير معلوما بهذه الأشياء، ولا يصير معلوما دونها، أصله: السلم والمراد من الوضح: الجيد الصافي، فهذه إشارة إلى الجودة، والجودة صفة.

وقوله: وزن سبعة اختلفوا في تفسيره، قال بعضهم: ما كل مائة منها سبع مثاقيل، والأصح أن المراد منه ما يزن كل عشرة منها سبع مثاقيل وهو وزن الدراهم في ديارنا.

(9/26)


-----
واختلفوا في وزن الدراهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعضهم: أنها كانت على وزن سبعة، وقال أهل الحديث: أنها كانت على وزن ستة، والأصح أنها كانت على وزن خمسة، وكذلك على عهد أبي بكر الصديق رضى الله عنه، ثم صار وزن سبعة على عهد عمر رضي الله عنه هو المشهور، وكذلك اختلفوا أن الدرهم متى صارت مدورة على عهد عمر رضي الله عنه، وقبل ذلك كانت شبيه النواة.
وإن كانت الدعوى في الميراث كتب وأنفذ القاضي القضاء لفلان بن فلان الميت يعني أب المدعي على فلان بن فلان الذي أحضره يعني المدعى عليه بالدار المحدود في هذا الكتاب؛ لأن المقضي له هو الميت والوارث يحلف الميت في حقوقه، فيكون القضاء للأصل لكن عند دعوى الحلف، ولهذا المعنى يقضي منه ديون الميت وينفذ وصاياه، ثم يكتب: في ذلك على ما شهد به الشهود؛ لأن القضاء بناء على الحجة وهي الشهادة، فينبغي أن يكتب: أن القضاء حصل على موافقة الشهادة ليعلم أنه على نهج الحجة، ثم يكتب: وجعل فلان بن فلان الذي أحضر يعني المدعى عليه على حجته إن كانت له حجة في ذلك، أو مخرج؛ لأن بينة الدفع بعد القضاء مشروعة، فتبين للخصم ذلك حتى أنه إذا كان جاهلا بذلك يصير معلوما له تحقيقا لمعنى العدل، ثم يكتب: وأنفذ ذلك كله وقضى به على ما سمى ووصف في هذا الكتاب بمحضر من فلان وفلان، يعني المدعي والمدعى عليه بالإشارة إليهما ليتحقق إعلامه المقضي والمقضي عليه، وإنما يمكنه الإشارة إذا كانا حاضرين.

(9/27)


-----
وإن كان ميراثا يكتب بعد قوله: على ما شهد به الشاهدان عنده في ذلك وجعلتها ميراثا منه لورثته المسلمين في هذا الكتاب، لأنه إنما يقع القضاء بالميراث لهم، فلا بد من ذكرهم لبيان المقضي له، ثم يكتب بعد ذلك: وجعل فلانا المدعى عليه على حجة ودفعه متى أتى به يوما من الدهر أنفذ القاضي ذلك، وقضى به بمحضر من فلان بن فلان يذكر المدعي والمدعى عليه ثم يذكر وأمره يعني المدعي بقبض الدار؛ لأن تمام القضاء بملك الدار بتسليم إلى المقضي له، فهو المقصود من دعوى الدار؛ وهذا لأن الملك لا يثبت للمدعي بقضاء القاضي؛ لأن الملك ثابت له قبل القضاء فلا حاجة إلى الدعوى والقضاء لأجله، وإنما الحاجة إليه لأجل التسليم؛ لأن يده قاصرة عن ردها فيرفع الأمر إلى القاضي فيثبت حقه إلى الدار ليوصله القاضي إلى الدار، وإن كتب وأمر فلانا المدعى عليه بتسليم هذه الدار المحدودة في هذا الكتاب إلى فلان المدعي هذا، فسلمها إليه بأمر القاضي كان أبلغ ليعلم تمام القضاء بإيصال الحق إلى المدعي بالتسليم إليه، ثم يكتب في آخره وذلك كله في مجلس القضاء بين الناس في كورة، يكتب الكورة لما ذكرنا أن المصر شرط صحة القضاء في ظاهر الرواية، فكتب الكورة حتى لا يبقى للطاعن مجال الطعن.

ومن جنس هذه المسائل رجل ادعى على رجل أن له على فلان ألف درهم دين، وأنه مات قبل أن يؤديها إليه، وأن في يدك ألف درهم من ماله وطالبه بقضاء الدين من ذلك المال، فالقاضي لا يسمع دعواه؛ لأن الدعوى إنما تسمع على الخصم والمدعى عليه ليس بخصم له في هذه (106آ4) الصورة؛ لأنه لا يدعي عليه شيئا ولا في يده شيء، وإنما يدعي دينا على الغير وأنه ليس يحلف عن ذلك الغير ليسمع الدعوى عليه بطريق الخلافة فلا يسمع دعواه، وإذا لم يسمع دعواه لا يحلف المدعى عليه، ولو أقام بينة لا تسمع بينته والله أعلم.

(9/28)


-----
الفصل السابع والعشرون: في الحبس والملازمة
يجب أن يعلم بأن الحبس لأجل الدين مشروع ثبت شرعيته بقوله عليه السلام «لصاحب الحق اليد واللسان»، والمراد من اليد الحبس وقال عليه السلام: «مطل الغني ظلم يحل عقوبته»، والحبس نوع عقوبة، والخلفاء الراشدون حبسوا من غير نكير منكر، والمعنى في ذلك أن المديون تعدى على صاحب الحق بمنع ماله عنه، وحال بينه وبين منافع ماله، فيحال بينه وبين منافع نفسه، ليكون حيلولة بإزاء حيلولة قال الله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} (البقرة: 149) .
وإذا جاء رجل برجل إلى القاضي وأثبت عليه ماله ببية أو أقر الرجل له، فالقاضي لا يحبسه من غير سؤال المدعي هذا هو مذهبنا.
وقال شريح رضي الله عنه: يحبسه من غير سؤال المدعي، وإذا سأل المدعي عن ذلك، ذكر في كتاب «الأقضية» إن القاضي لا يحبسه في أول الوهلة ولكن يقول له قم فارضه، فإن عاد مرة أخرى حبسه، ولم يفصل بين الدين الثابت بالإقرار، وبين الدين الثابت بالبينة وهو اختيار الخصاف رحمه الله؛ لأن الحبس جزاء الظلم بمنع الحق، وذلك لا يظهر في أول الوهلة؛ لأن من حجة المديون أن يقول في فصل الإقرار إنما لم أؤد الدين لظني أنك تمهلني، فإن أثبت أن يمهلني أؤدي في الحال، وفي فصل البينة يقول ما كنت عالما بالدين قبل هذا.
والمذهب عندنا أن في فصل البينة يحبس في أول الوهلة، وفي فصل الإقرار لا يحبس في أول الوهلة؛ لأن الحبس جزاء الظلم ولم يظهر الظلم في فصل الإقرار لما مر، وفي فصل البينة ظهر الظلم؛ لأنه ظهر المماطلة، حتى احتيج إلى البينة.
ثم في فصل الإقرار إذا لم يحبسه في أول الوهلة هل يحبسه في المرة الثانية؟ ذكر في بعض الروايات أنه يحبسه، وذكر في بعضها أنه لا يحبسه إنما يحبسه في المرة الثالثة.

(9/29)


-----
وفي «نوادر هشام» قال سألت محمد رحمه الله عن الحاكم إذا تقدم إليه الرجل وعليه دين أقر به، فأخبرني أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال: لا أحبسه أول ما قدم به، قال: وهو قول محمد رحمه الله، إلا أن محمدا رحمه الله قال: أقدم وأقول: إن أعادك إلي ولم تعطه حبستك، قلت: فإن أعاده إليك من يومه ولم يعطه قال: هذا قريب قلت: قرب وقت ثلاثة أيام فكأنه لم يره إلا أنه قال: هو حسن ثم إذا جاء أوان الحبس، فإن عرف القاضي يساره حبسه، وإن لم يعرف يساره لا يسأله ألك مال هذا هو ظاهر مذهب أصحابنا رحمهم الله.
وقال الخصاف رحمه الله: الصواب عندي أن القاضي يحبسه حتى يسأله ألك مال ويستحلف على ذلك، فإن أقر أن له مالا حبسه وإن قال: لا مال لي قال للطالب أثبت أن له مالا حتى أحبسه وهو مذهب بعض القضاة، وهكذا روي في «النوادر»: عن أصحابنا رحمهم الله أن القاضي يسأله ألك مال وهل يسأل المدعي أله مال؟ فظاهر مذهب أصحابنا أنه لا يسأل إلا إذا طلب المدعى عليه ذلك، فإن طلب المدعى عليه ذلك، وسأل القاضي المدعي، فإن قال: لا مال له ثبتت عسرته بإقراره، والمعسر ينظر بإنظار الله تعالى.

وإن قال المدعي: إنه موسر وقال المطلوب: لا بل أنا معسر فقد اختلفت الروايات فيه، واختلف فيه المشايخ أيضا: فاختيار الخصاف وهو رواية عن أصحابنا أن القول قول المديون؛ لأنه متمسك بالأصل؛ لأن الفقر أصل في الآدمي، فإنه يولد ولا مال له وصاحب الدين يدعي أمرا عارضا والتمسك بالأصل واجب، حتى يظهر خلافه، وكان القول قول المديون مع اليمين وهو اختيار أبي عبد الله البلخي.

(9/30)


-----
وهكذا روي في بعض الروايات عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله أن كل دين أصله مالا كثمن البياعات والعروض، فالقول قول المدعي في يساره وعسرته؛ لأنه عرف دخول شيء في ملكه وعرف قدرته على قضاء الدين بما دخل في ملكه وزوال ذلك عن قضاء الدين بما دخل في ملكه، وزوال ذلك عن ملكه محتمل، فكان القول فيه قول المدعي وكل دين لم يكن أصلا مال كالمهر وبدل الخلع وما أشبه ذلك، فالقول فيه قول المدعى عليه؛ لأنه لما لم يدخل شيء في ملكه لم يعرف قدرته على قضاء الدين، فبقي متمسكا بالأصل وهو العسار، فيكون القول قوله.
وذكر محمد رحمه الله في النكاح والعتاق ما يدل على هذا، فإنه قال في النكاح: وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه موسر، وادعت نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنه معسر، فالقول قول الزوج لأنه لم يدخل بسبب وجوب النفقة في ملكه ما يثبت به يساره.
وقال في العتاق في أحد الشريكين إذا أعتق العبد المشترك وزعم أنه معسر فالقول قوله؛ لأنه لم يدخل في ملكه شيء يثبت به قدرته على قضاء الدين بما وجب عليه من الضمان، فكان متمسكا بأصل العسرة، فيكون القول قوله، وقال بعضهم: ما كان سبيله سبيل البر والصلة، فالقول فيه قوله أنه معسر كما في نفقة المحارم وما أشبه ذلك، وفيما سوى ذلك القول قول المدعي.
وقال بعضهم: كل دين لزم بمعاقدته، فالقول فيه قول المدعي، وإن لزم حكما لا لمباشرته العقد، فالقول فيه قول المديون، والفرق أن فيما لزمه بمعاقدته وجد ما يدل على قدرته على قضائه ظاهرا؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يشرع في أمر لا يقدر على الخروج منه، ولا يلتزم ما لا يمكنه الوفاء به، فإذا ادعى أنه عاجز، فقد ادعى أمر الخلاف الظاهر فلا يقبل ذلك منه، فأما فيما يلزمه حكما لا بمباشرته، فلم يوجد ما يدل على قدرته، ومسألة النفقة بالموت وكذلك ضمان العتق صلة على قول أبي حنيفة.

(9/31)


-----
وقال الفقيه أبو جعفر البلخي: يحكم فيه الزي والهيئة إن كان عليه ثياب رديئة، وأتى الحاكم حافيا على صفة تشهد أنه فقير كان القول قوله أنه فقير، وإن رآه حسن الثياب مرتفع السلب، فالقول قول المدعي في أنه موسر إلا في أهل العلم والأشراف كالعلوية والعباسية، فإنهم يتكلفون للباسهم مع حاجتهم حتى لا يذهب ماء وجههم فلا يكون الزي فيهم دليلا على اليسار.

وتحكيم الزي ممهد في أصول الشرع حتى حكم الزي في باب الزكاة في جواز الصرف إلى من رأى عليه زي الفقر فكذلك هذا، فإن كان على المطلوب زي الفقر، فادعى الطالب أنه قد كان عليه زي الأغنياء ولكن غير زيه حين حضر مجلس الحكم، فإن القاضي يسأله البينة، فإن أقام البينة سمع منه وكان القول قوله، وإن لم يقم يحكم زيه في الحال ويكون القول قول المديون.
قال محمد رحمه الله في كتاب الحوالة: ويحبس في الديون كلها كائنا من كان من أم أو عم أو خال أو زوج أو زوجة أو امرأة، أو رجل مسلما كان أو ذميا أو حربيا مستأمنا أو صحيحا أو زمنا أو مقعدا أو أشل أو أقطع اليدين؛ لأن الدين على هؤلاء، وبهذه العوارض لا تسقط المطالبة، فكان الامتناع منهم مع القدرة على الأداء ظلما فاستوجب، قال إلا أن يكون أبا أو أما فإنه لا يحبس واحد من الأبوين بدين الابن، وكذلك لا يحبس الجد والجدة وإن علوا.

(9/32)


-----
عن أبي يوسف رحمه الله أنه يحبس؛ لأن سبب الحبس الظلم لمنع الحق عن المستحق، وقد وجد، وجه ظاهر الرواية أن الحبس هلاك معنى باعتبار انقطاع منافع نفسه عنه. ولا يجوز للابن أن يسعى إلى إهلاك واحد من أبويه وأجداده، قال: إلا أن تجب عليها نفقته فكل من أجبرته على النفقة، وإني حبسته أبا أو أما أو جدا أو جدة أو زوجا؛ لأن في ترك الإنفاق عليهم سعي إلى إهلاكهم، ويجوز أن يحبس الوالد لقصد إتلاف الولد، أو يعاقب لدفع التلف عن ولده، يوضحه: أن النفقة إنما تجب عليه، لأولاده الصغار أو الإناث أو الرجال الكبار الزمنى إذا كانوا معسرين؛ لأنهم عاجزون عن الكسب فبمنع الإنفاق عليهم سعى إلى إهلاكهم، فلهذا يحبسون بذلك.
والمكاتب والعبد التاجر والصبي الحر المأذون له في الحبس بمنزلة ما وصفت لك، أما المكاتب فلأنه هو بدأ فإذا كان عنده من الكسب ما يقدر على قضاء الدين، ولم يقض صار ظالما فيستحق العقوبة، وكذلك العبد التاجر؛ لأنه هو المخاطب بقضاء من كسبه، وأما الصبي الحر فقد ذكر في بعض المواضع: الغلام التاجر الذي لم يحتلم بمنزلة الرجل في الحبس.

(9/33)


-----
وذكر في بعض المواضع لو أن غلاما لم يراهق الحلم (106ب4) استهلك مالا لرجل وله دار وأرض ولا أب له ولا وصي لم يحبس لذلك، ولكن إن شاء القاضي جعل له وكيلا ببيع بعض ماله حتى يوفي الطالب دينه، وإن كان له أب أو وصي ممن يجوز بيعه بأنه يحبس، وبعض مشايخنا رحمهم الله مالوا إلى الحبس مطلقا وجعلوه كالبائع؛ لأنه لزمه قضاء الدين، وبالامتناع صار ظالما فيحبس؛ ولأنه لو لم يحبس وعرف الناس منه ذلك لا يبايعونه حتى لا يمتنع من قضاء الدين، فلا يمكنهم الوصول إلى حقهم، فشرع الحبس تتميما لمعنى الإذن كما جوزنا الإعادة والضيافة اليسيرة منه، حتى لا تفسد عليه التجارة فها هنا أولى أو يقول: يحبس تأديبا حتى ينزجر ولا يعود لمثله لا أن يكون عقوبة، فإنه ليس من أهله هذا كما قلنا: إنه يضرب على ترك الصلاة تأديبا حتى يعتاد الصلاة هكذا قاله بعض مشايخنا.

وكان شيخ الإسلام يقول: تحبس الصغير إذا كان له وصي تأديبا حتى لا يعود لمثله، وينصح الوصي حتى يتسارع إلى قضاء الدين؛ (لأن الوصي يلازم على إيفاء الوصي في الحبس، فيصح لأجله)، فيعجل في قضاء الدين وحبس الصبي أولى من حبسه؛ لأن الجناية إنما وجدت من الصبي لا منه، وإن لم يكن له أب أو وصي لا يحبس لنا ثمة أن أحبس تأديبا وإضجارا للأب أو الوصي وهنا لا يمكن تحقيق معنى الإضجار والحبس في الصبي، فلم يشرع للتأديب وحده بدون الإضجار، فلم يحبس لهذا.
فأما إذا كان محجورا عليه واستهلك لرجل مالا فإن كان له أب أو وصي يحبس بدينه؛ لأن قضاء الدين الذي على الصغير على أبيه ووصيه فبالامتناع يصير ظالما فيحبس، وإن لم يكن له أب أو وصي نصب القاضي قيما ليبيع ما له بقدر الدين ويوفي الغرماء حقهم؛ لأن الحبس جزاء منع المال مع القدرة عليه عند استحقاق القضاء، ولم يستحق عليه لمكان حجره فلا يعاقب بالحبس، ولكن القاضي يوفي الغرماء حقوقهم بالطريق الذي قلنا.

(9/34)


-----
والعبد لا يحبس لمولاه، لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، وكذلك لا يحبس المولى لعبده إذا لم يكن عليه، فكسبه ملك المولى، فكيف يستحق على المولى قضاء الدين إياه، وإن كان مديونا حبس فيه؛ لأن اكتسابه حق الغرماء فإنما يحبس المولى بحق الغرماء حتى يصلوا إلى ديونهم مما عليه، ويجوز حبس المولى لجانب الأجانب، ويحبس مولى المكاتب للمكاتب إذا لم يكن الدين من جنس بدل الكتابة؛ لأنه إذا كان من جنس بدل الكتابة، فقد ظفر بحبس حقه فيلتقيان قصاصا، فلم يكن للمكاتب ولاية مطالبته بذلك الدين.v
فأما إذا كان من غير جنس بدل الكتابة فلا تقع المقاصة، والمكاتب في حق اكتسابه بمنزلة الحر، فيكون له مطالبة المولى بذلك فيحبس له عند مطله.
قال بعض مشايخنا رحمهم الله: ينبغي أن لا يحبس المولى فيه أصلا؛ لأن للمولى في مكاتبه حقا، فلم يتحقق الظلم من كل وجه بالمنع، والأصح ما ذكرنا أنه ليس للمولى استخلاص شيء من المكاتبة لنفسه، والمكاتب أحق من المولى يطالبه متى شاء، فإذا منع حقه يحبس له ولا يحبس المكاتب لمولاه بدين الكتابة؛ لأنه لا يصير ظالما بالامتناع عن بدل الكتابة، فإن له أن لا يؤدي ويرد نفسه في الرق والحبس جزاء الظلم ولم يوجد، وإن كان عليه دين غير بدل الكتابة يحبس فيه؛ لأنه لا يتمكن من فسخ بسبب ذلك الدين.

(9/35)


-----
قال بعض مشايخنا رحمهم الله: يجب أن يكون الجواب فيهما سواء، فإن في جميع الأحكام لم يفرق بينهما في حق المولى، ألا ترى أن الكفالة ببدل الكتابة للمولى كما لا تجوز الكفالة بدين آخر للمولى عليه، والجامع بينهما أنه متمكن من إسقاط الدين عن نفسه، فإن تعجزه نفسه يرد رقيقا فيسقط الدين عنه، ولكن في ظاهر الرواية لم يعتبر دينا على الحقيقة، فإنه صلة من وجه بخلاف سائر الديون، فلا يحبس فيه ويحبس في سائر الديون؛ ولأن القاضي إنما يحبس المديون إذا عجز القاضي عن إيصال حق المدعي إليه بدون الحبس، حتى إذا قدر لم يكن له أن يحبسه؛ لأنه لا حاجة إلى الحبس، وها هنا قدر على ذلك؛ لأنه متى امتنع عن أداء بدل الكتابة، فللقاضي أن يفسخ الكتابة فيصل إليه الرقية ووصول الرقية كوصول بدل الكتابة بخلاف دين آخر؛ لأنه متى امتنع عن أداء ذلك الدين ولم يمتنع عن أداء بدل الكتابة ليس للقاضي أن يفسخ الكتابة، حتى تصل إليه الرقية، فتعين الحبس طريقا للوصول إلى حقه.

فأما في الكفالة فالكفيل إنما يتحمل ما على الأصيل والأصيل مخير في جميع الديون إن شاء أدى وإن شاء عجز، وأسقط عن ذمته ولا يمكن إيجابه على الكفيل على هذا الوجه؛ لأنه لا يفيد فيطلب الكفالة وهذا المعنى يشتمل دين الكتابة وسائر الديون، فلهذا سوي بينهما.

(9/36)


-----
ويحبس في الحدود القصاص إذا قامت البينة حتى يسأل عن الشهود؛ لأنه صار بهما، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حبس رجلا بالتهمة»، فأما قبل إقامة البينة فإنه لا يحبسه؛ لأن الحبس عقوبة، فلا يجوز أن يثبت بمجرد الدعوى، فإن شهد شاهد واحد عدل بذلك حبسه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما لا يحبسه في حد القذف والقصاص؛ لأن عندهما في حد القذف والقصاص يأخذ منه كفيلا، فقد حصل التوثق فلا حاجة إلى الحبس، وعند أبي حنيفة لا تجوز الكفالة في جميع الحدود، فيحتاج إلى التوثق فحبسه؛ لأنه صار متهما بارتكاب الكبيرة بشهادة هذا الشاهد؛ لأنه وجد أحد شطري الشهادة وهي العدالة إن لم يوجد العدد دون العدالة، بأن شهد شاهدان مستوران وثمة يحبسه كذا هاهنا، ولا يحبس العاقلة في الدية والأرش؛ لأنه وجب ليؤخذ من عطائهم وقد أمكن إذا كانوا من أهل الديوان فلا معنى للحبس حتى إذا لم يكونوا من أهل الديوان ولا عطاء لهم فيه يحبسون؛ لأن الدية في أموالهم فحبسون إذا امتنعوا عن الأداء، لأنه تحقق ظلمهم يمنع الحق عن المستحق، فصار كسائر الديون، فيحبسون.
وإن طلب المدعي اليمين في القصاص، فامتنع عنه المدعى عليه ونكل، فإنه يحبس عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وقد مرت المسألة؛ لأنه يقضي عليه بالمال بالنكول عن اليمين في القصاص بالنفس، فكان اليمين مستحقا عليه، لعيبه فيحبس عند الامتناع منه وكذلك في اليمين في القسامة ويحبس الدعار، والذين هم مخوفون على المسلمين وأهل الفساد حتى يعرف منهم التوبة، والداعر من يقصد إتلاف أموال الناس وأنفسهم أوكلاهما، فإذا كان يخاف على الناس منه في النفس والمال حبس في السجن، حتى تظهر منه التوبة؛ لأنه إنما يندفع شره عن الناس بالحبس.

(9/37)


-----
ألا ترى أن الله تعالى أمر في حق قطاع الطريق بالحبس الدائم، قوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} (المائدة: 33) لما أنه يخاف الناس منهم على أموالهم في الطريق، فكذا ها هنا يحبس أيضا؛ لأنه يخاف منه وينبغي أن يكون للنساء محبس على حدة تحرزا عن الفتنة.
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن المرأة تحبس في مجلس النساء ولكن يحفظها الرجال؛ لأن الرجال أقدر على الحفظ من النساء ولا تتحقق معنى الفتنة في الحفظ.

وإذا حبس كفيل الرجل بأمره بالمال فللكفيل أن يحبس الذي عليه الأصل؛ لأن الأصيل هو الذي أوقعه في هذه الورطة، فكان له أن يحبسه حتى يخلصه عنها.
ألا ترى أن الكفيل لو طولب بالمال كان له أن يطالب الأصيل، فإذا لوزم كان له أن يلازم الأصيل، وإذا أخذ من الكفيل كان له أن يأخذ من الأصيل وطريقه ما قلنا.
فإن حبس رجل في دين فجاء آخر يطالبه بالدين، فإن القاضي يخرج المطلوب حتى يجمع بينه وبين المدعي، لأنه إنما يحبس بدين الأول نظرا للأول حتى يصل إلى حقه، فلا ينظر له على وجه يضر بغيره؛ ولأنه لا ضرر على الأول في الإخراج من السجن لسماع الدعوى عليه ثم يعاد فيه، فقلنا: بأنه يخرج من السجن ويجمع بينه وبين المدعي، فإن قامت للمدعي بينة عادلة أو أقر أعاده إلى السجن، وكتب في ديوانه أنه محبوس بحق هذا المدعي أيضا مع الأول؛ لأنه ظهر أنه ظلمه بمنع حقه عنه، فاستحق الحبس ليضجر فيسارع إلى قضاء دينه ولا تنافي بين أن يكون محبوس الأول والثاني، فلهذا يحبسه لهما حتى يقضي دينهما جميعا، ولكن ينبغي أن يكتب في ديوانه أنه محبوس بدين فلان وفلان يسميهما حتى إذا قضى دين أحدهما يبقى محبوسا بالآخر.

(9/38)


-----
قال محمد رحمه الله في كتاب الحوالة: إذا حبس الرجل بالدين شهرين أو ثلاثة سأل القاضي عنه في السر وإن شاء سأل عنه في السر أول ما يحبسه، ذكر في كتاب الحوالة شهرين أو ثلاثة، وذكر في بعض المواضع أربعة أشهر، وفي رواية الحسن عن أبي (107أ4) حنيفة رضي الله عنه ستة أشهر.
وفي رواية الطحاوي عن أبي حنيفة رضي الله عنه شهرا، وكثير من مشايخنا أخذوا برواية الطحاوي، وبعض مشايخنا قالوا: القاضي ينظر إلى المحبوس إن رأى عليه زي أهل الفقر وهو صاحب عيال، فشكوا عياله إلى القاضي البؤس وضيق النفقة وكان لينا عند جواب خصمه خلاه شهرا، ثم يسأل وإن رأى في عمل جواب خصمه وعرف تمرده ورأى أن عليه علامة اليسار حبسه أربعة أشهر إلى ستة أشهر، ثم يسأل وإن كان فيما بين ذلك حبسه شهرين إلى ثلاثة أشهر ثم يسأل وبه يفتي الشيخ الإمام الأجل ظهير الدين المرغنياني، وكثير من مشايخنا قالوا: ليس في هذا التقدير تقدير لازم.

(9/39)


-----
وفي رواية هشام عن محمد رحمه الله ما يدل على هذا القول، فقد روى هشام عن محمد رحمه الله أن القاضي يسأل عن حال المحبوس ولا يعتبر في ذلك مدة؛ وهذا لأن الحبس للإضجار وذلك مما يختلف فيه أحوال الناس، فيكون ذلك مفوضا إلى رأي القاضي، فإن وقع في رأيه أن هذا الرجل يضجر بهذه المدة ويظهر المال إن كان له مال ولم يظهر فيسأل عن حاله بعد ذلك، فإن سأل عنه وقام البينة على عسرته أخرجه القاضي من السجن ولا يحتاج إلى لفظة الشهادة، بل إذا أخبر بذلك كفى وإن أخبره بذلك ثقة عدل أخرجه بقوله من السجن، لأن ما سبيله سبيل الأخيار يكتفي فيه بقول الواحد كالأخبار بالتوكيل والعزل وأشباه ذلك، ثم إذا سأل القاضي عنه فإنما يسأل عنه أهل الجيرة من جيرانه ومن يخالطهم في المعاملة؛ لأن الجيران أعرف بحاله؛ لأنهم يعرفون أنه يتصدق أو يتصدق عليه، ويعرفون مدخله ومخرجه، وكذلك من يخالطه في المعاملة والتجارة؛ لأنه أعلم بيساره وعسرته، وكذلك أصدقاؤه وإنما يسأل الثقاة منهم؛ لأنه لا يجوز الاعتماد على خبر الفساق.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في «شرحه»: هذا السؤال بالنفي والشهادة، بالنفي ليست بحجة، وكان للقاضي أن لا يسأل ويعمل برأيه، ولكن لو سأل مع هذا كان أحوط وأنفى للتهمة عن القاضي، ثم إذا أخبر أنه معسر، وأخرجه القاضي من السجن لا يحول بين الطالب وبين ملازمته عند بابه، ورد الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ربما يظهر له مال، فإذا لازمه أمكنه الوصول إلى حقه، ثم تفسير الملازمة أن يدور معه حيث دار ويكون معه لا يفارقه، وليس له أن يحبسه في موضع جلوسه؛ لأن ذلك حبس وليس له حق الحبس؛ هكذا ذكر في الأصل.

(9/40)


-----
وذكر ابن سماعة في «نوادره»: عن محمد رحمه الله أنه قال للمدعي: أن يحبسه في مسجد حيه، وإن شاء في بيته؛ لأنه ربما يطوف به في الأسواق والسكك من غير حاجة وفي ذلك ضرر للمدعي، وعن عمرو ابن أبي عمر عن محمد رحمه الله قال: قالوا في المصر: لصاحب الحق أن يلزمه حيث أحب من المصر، فإن كان الملزوم لا معيشة له إلا من كد يده لم يكن لصاحب الحق أن يمنعه من أن يسعى في مقدار قوته يوما فيوما، فإذا اكتسب في ذلك القدر في يومه، فله أن يمنعه من الذهاب في ذلك ويحبسه.
قال هشام: سألت محمد رحمه الله عن رجل أخرج من الحبس على تفلس، فرأى محمد رحمه الله الملازمة مع التفليس، وأشار إلى المعنى فقال لعل عنده شيء لا علم لنا به، ذكر الملازمة وأراد بها الحبس في موضع، بدليل تفريعات المسألة قال هشام: قلت له: فإن كانت الملازمة تضير بعياله وهو ممن يكتسب في سقي الماء في طوفه، قال: آمر صاحب الحق أن يوكل غلاما له يكون معه ولا يمنعه عن طلب قدر قوت يومه له ولعياله، وكذلك إن كان يعمل في سوقه قال: وإن شاء تركه أياما يعني هذا المفلس ثم لازمه على قدر ذلك، قلت: فإن كان عاملا يعمل بيده قال: إن كان عملا يقدر أن يعمله حيث يحبس لازموه، ويعمل هو ثمة، وإن كان عملا لا يقدر إلا على الطلب خرج وطلب، فإن كان في ملازمته ذهاب قوته وقوت عياله أمر به أن يقيم له كفيلا بنفسه ثم يخلي سبيله فليسترزق الله تعالى.
وفي كتاب «الأقضية»: إن كان العمل سقي الماء ونحوه ليس لصاحب الحق أن يمنعه من ذلك، ولكن إما أن يلزمه أو يلزمه نائبه أو أجيره أو غلامه إلا إذا كفاه نفقته ونفقة عياله، وأعطاه حينئذ كان له أن يمنعه من ذلك؛ لأنه لا ضرر على الملزوم في هذه الصورة، وفيه أيضا ليس لصاحب الحق أن يمنع الملزوم أن يدخل في بيته لغائط أو غداء إلا إذا أعطاه الغداء وأعد موضعا آخر له لأجل الغائط حينئذ أن يمنعه من ذلك حتى لا يهرب.

(9/41)


-----
وفي نوادر أبي يوسف رحمه الله إذا لازم الطالب المطلوب بغلامه، فأبى الغريم أن يحبس مع الغلام وقال: لا أحبس إلا مع الطالب، فله ذلك، وفيه أيضا إذا كان المطلوب يطوف بالطالب من غير حاجة وعلم ذلك منه كان للطالب أن يهيئ له بيتا ويلزمه فيه، ولكن إذا أعطاه نفقته ونفقة عياله؛ لأنه لا ضرر على المطلوب حينئذ.
وحكى عن الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله: أن الطالب لا يلازم المطلوب بالليالي؛ لأن الملازمة بالليالي لا تفيد؛ لأن فائدة الملازمة أن المطلوب إذا اكتسب شيئا فالطالب يأخذ ذلك، والليالي ليست وقت الكسب، فلا يتوجه وقوع المال في يده فيها، حتى لو كان الرجل ممن يكتسب في الليالي يلازمه وسيأتي بعد هذا في حق المرأة الملازمة في الليالي من غير فصل.
وعن محمد رحمه الله أن للطالب أن يلازم الغريم، وإن لم يأمره القاضي بملازمته، ولأفلته إذا كان مقرا بحقه، فإن قال الغريم: احبسني وأبى الطالب إلا الملازمة قال: يلازمه، وعنه أنه سئل عن ملازمة المرأة، فقال: آمر غريمها أن يأمر امرأة حتى تلازمها، فقيل إن لم يقدر الغريم على امرأة تلازمها قال أقول لغريمها: اجعل معها امرأة تكون معها في بيتها وتكون أنت على الباب أو تكون المرأة في بيت نفسها وحدها ويكون الغريم على الباب، قيل له: إذا هربت المرأة وتذهب قال: ليس له إلا ذلك.
وذكر ابن رستم عن محمد رحمه الله أنه يلازم في موضع لا يخاف عليها الفتنة كالمساجد والأسواق ونحو ذلك إن شاء برجال، وإن شاء بنساء، وهذا في النهار، فأما في الليل فيلازمها بالنساء لا محالة والحاصل أنها تلازم على وجه يقع الأمن عن الفتنة من كل وجه.

(9/42)


-----
ذكر هلال في كتاب الوقف إذا شهد الشهود بعد مضي المدة أنه فقير، فالقاضي لا يخلي سبيله حتى يسأل في السر وأنه حسن، فإن وافق خبر السر شهادة والشهود لا يخلي سبيله أيضا: حتى يستحلف المحبوس؛ لأنه لا يعرف مال المحبوس وغناه على الحقيقة غيره إنما يعرفه هو فيستحلف، ثم يخلي سبيله، وإن خالف خبر السر بشهادة الشهود أخذ بخبر العدل في السر؛ لأنه مثبت والشهادة باقية، فإن أقام المحبوس بينة على عسرته، وأقام صاحب الحق بينة على يساره أخذ بينته؛ لأنه يثبت أمرا أصليا وهو الفقر، وكانت بينة صاحب الحق أكثر إثباتا، فكانت أولى بالقبول، ولم يذكر محمد رحمه الله في شيء من الكتب كيفية الشهادة على الإفلاس.
وذكر الخصاف رحمه الله في «كتاب الوقف» أنه ينبغي أن يشهدوا أنه فقير لا يعلم له مالا ولا عرضا من العروض يخرج بذلك عن حالة الفقر.

وحكي عن الفقيه أبي القاسم رحمه الله أنه قال: ينبغي أن يقولوا: إنه مفلس معدم لا نعلم له مالا سوى كسوته التي عليه وثياب ليله، وقد اختبرنا أمره في السر والعلانية وهذا أتم وأبلغ، ثم إذا ثبت عسرته، فالقاضي لا يحبسه بعد ذلك ما لم يعرف له مالا؛ لأنه علم أنه ينظر بأنظار الله تعالى.
وإن قامت البينة على عسرته قبل الحبس هل يقبلها القاضي؟ فيه روايتان:
في رواية يقبل وهو اختيار الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل رحمه الله.

(9/43)


-----
وفي رواية أخرى لا يقبل وهو اختيار المشايخ؛ لأنها قامت على النفي، فلا يقبل إلا إذا تأيدت بمؤيد، فإذا مضت في الحبس مدة لو كان قادرا على القضاء لما تحمل مرارة الحبس إلى هذه المدة، ولتسارع إلى قضاء الدين ولم يقض، فالظاهر أنه معسر فقد تأيدت هذه البينة بمؤيد فيقبل، وإن قامت البينة على عسرته بعدما مضت مدة في الحبس، وكان الطالب غائبا فالقاضي لا ينتظر حضور الغائب بل يخرجه من السجن؛ لأنه إذا ثبت عسرته كان استدامة حبسه ظلما، والقاضي نصب لدفع الظلم إلا لأسبابه فيخلي سبيله، ولكن يأخذ منه كفيلا؛ لأنه لو لم يأخذ منه كفيلا ربما يهرب (فبقي حضر) الغائب لا يتوصل إلى حقه بالملازمة وغيرها.
وإذا كان الرجل محبوسا بدين رجلين، فأدى إلى أحدهما لم يخرج من السجن حتى يؤدي حق الآخر حتى لو تفرد بالدعوى كان له أن يحبسه؛ لأنه ظلمه بمنع حقه عنه، فكان له أن يديم الحبس لذلك.
وفي نوادر «ابن سماعة»: عن محمد رحمه الله: إذا مات الرجل وفي الورثة صغير وكبير وللميت على رجل دين، فحبسه الابن الكبير ثم أراد أن يطلقه لم يطلقه القاضي حتى يستوثق للصغار؛ لأن للصغار فيه نصيبا (107ب4).
والقاضي نصب ناظرا لهم، فيستوثق لهم لإحياء حقوقهم، ولا يسقط حقهم بإسقاط الكبير؛ لأنه لا ولاية للكبير عليهم، ولا يخرج المحبوس في الدين لمجيء شهر رمضان، ولا لفطر ولا لأضحى ولا لجمعة ولا لصلاة مكتوبة ولا لحجة مفروضة ولا لحضور جنازة بعض أهله، وإن أعطى كفيلا بنفسه؛ لأن الحبس إنما شرع ليضجر، فيتسارع إلى قضاء الدين، وإنما يلحقه الضجر إذا منع عن الخروج أصلا.

(9/44)


-----
وذكر علي بن يزيد الطبري في «نوادره»، فقال: سألت محمد بن الحسن رحمه الله عن المحبوس إذا مات له والد أو ولد، هل يخرج من حبسه؟ قال: لا إلا أن لا يجد من يكفنه ويغسله ولم يكن بحضرته أحد فليخرج حينئذ، وهذا صحيح؛ لأنه لزم القياس بذلك لحق الوالدين، وليس في هذا القدر من الإخراج شيء كثير ضرر بالطالب فيخرج، أما إذا كان ثمة من يقوم بذلك لا معنى لإخراجه من السجن، لأن من حقوق الميت تصير مقاما بغيره وفي الخروج تفويت حق الطالب في الحبس.

قال علي بن زيد: ولا يخرج لغير الوالدين والمولودين؛ لأنه لا حق لهم عليه في ذلك، ألا ترى إذا مات للمسلم أب كافر يتولى غسله ويكفنه ويدفنه، ولا يفعل لغيرهما، فكذلك لا يخرج. وحكي عن الشيخ أبي بكر الإسكاف أنه قال في المحبوس في السجن إذا جن: لم يخرجه الحاكم من السجن، فقيل له: أليس قد رفع القلم عنه قال: النائم قد رفع عنه القلم، ومع هذا لا يخرج، قيل له: المقضي عليه بالقصاص إذا جن لا يمضي عليه القصاص، فإذا سقط عنه القصاص بحياته لم لا يسقط عنه عقوبة الحبس بعذر الجنون، قال: لأن القصاص يندرئ بالشبهات، ولعله لو كان مغيبا يدعي ما يوجب سقوط القصاص، فأوجب ذلك شبهة، فأما الحبس بالدين بخلافه؛ لأنه لا يندرئ بالشبهات.
وذكر الخصاف رحمه الله في «أدب القاضي»: أن المحبوس في السجن إذا مرض مرضا أعياه إن كان له خادم يخدمه لا يخرج من السجن؛ لأن الحبس إنما شرع ليضجر قلبه، فيتسارع إلى قضاء الدين وبالمرض يزداد الضجر فيزداد مسارعته إلى قضاء الدين، فلا يخرج من السجن لهذا. ولا يخرج للمعالجة، فإن المعالجة في السجن وفي منزله سواء.

(9/45)


-----
وهكذا روي عن محمد حتى قيل له: وإن مات فيها، قال: وإن مات فيها، فقيل له: وإن لم يكن له من يخدمه وإن أخرجوه احتسبوا عليه قال: أخرجوه إذا، لأنه إذا لم يكن ثمة من يمرضه ربما يموت بسببه، ولا يجوز إهلاكه لمكان الدين، ألا ترى أنه إذا توجه الهلاك عليه بالمخمصة، كان له أن يدفع بمال الغير، فكيف يجوز إهلاكه لأجل مال الغير، عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يخرجه من السجن؛ لأن الهلاك لو كان، إنما يكون بسبب المرض، وهو في الحبس وغيره سواء، فلا معنى للإخراج.
وذكر في «الكيسانيات» قال محمد رحمه الله: والمحبوس يبول في السجن ولا يخرج إلى الحمام؛ لأنه ليس في التبويل إبطال حق المدعي، وفيه إزالة التفت عنه فأما لا يخرج إلى الحمام كما لا يخرج لسائر الحوائج ولو احتاج إلى الجماع، لا بأس بأن يدخل زوجته وجاريته في السجن فيطأهما حيث لا يطلع عليه أحد؛ لأنه غير ممنوع عن اقتضاء شهوة البطن، فلذلك لا يمنع من اقتضاء شهوة الفرج.
وذكر ابن شجاع في «نوادره» عن الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهم، قال: يمنع المحبوس عن وطء الحرائر والإماء؛ لأنه ليس من أصول الحوائج، ألا ترى أن بدون ذلك يعيش ويبقى، فيمنع ليضجر قلبه، فيتسارع إلى قضاء الدين، بخلاف الأكل والشرب؛ لأنه لا حياة بدونهما، فلو منع منهما كان سعيا إلى إهلاكه وإنه لا يجوز.

قال بعض مشايخنا رحمهم الله: ولا يترك المحبوس حتى يأتي بوطاء فتلقى تحته في السجن حتى يكون ذلك أشق عليه، وأبلغ في الضجر، فيحصل المقصود.

(9/46)


-----
وهل يترك ليكتسب في السجن؟ اختلف فيه المشايخ، قال بعضهم: لا يمنع من الاكتساب في السجن؛ لأن فيه نظرا من الجانبين من جانب المديون، لأنه ينفق على نفسه وعياله، ولرب الدين فإنه إذا فضل منه يصرف ذلك إليه، وقال بعضهم: يمنع عن ذلك، وهو الأصح وإليه أشار الخصاف رحمه الله؛ لأن المقصود من الحبس أن يضجر فيتسارع إلى قضاء الدين. ولو ترك يكتسب في السجن لا يلحقه الضجر؛ لأن الحبس يصير بمنزلة الحانوت، فلا يضجر بالمقام فيه، فلا يحصل المقصود.
ولا يمنع المسجون من دخول أغلمه وجيرانه عليه؛ لأنه يحتاج إلى دخولهم عليه ليشاورهم في قضاء الدين، ولا يتضرر الطالب بذلك فلا يمنع عنه، ولكن لا يمكنون من أن يمكثوا فيه طويلا ولا أن يسكنوا معه؛ لأنه يستأنس بهم ويزيل الوحشة عن نفسه، فلا يلحقه الضجر في الحبس.
ولا ينبغي للقاضي أن يضرب محبوسا في دين، ولا يقيده ولا يقيمه، به ورد الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه، وروي عن أبي حنيفة رضى الله عنه ما يدل على أن للقاضي أن يقيده، والذي روي عنه: إذا حبس القاضي رجلا في أمر قد استوجب الحبس، فأقر بمال أوحد أو قصاص لزمه ذلك، وكذلك إن قيد مع ذلك.

(9/47)


-----
ولو قال: لا أخرجك من السجن، أو قال: لا أحل القيد عنك أو تصدق، وقد قيده وحبسه في حق مما أقر به لزمه، وإن كان حبسه في غير حق فهذا القول منه تهديد، فلا يجوز ما أمر به في تلك الحالة. قال هشام: سمعت أبا يوسف رحمه الله يقول: إذا قال المدعي: لا أقر ولا أنكر فإن حبسه من يرى حبسه إذا قال لا أقر ولا أنكر حتى يقر أو ينكر، فأقر في الحبس ألزمته المال، قال: وكان أبو يوسف رحمه الله قال قبل ذلك: لا ألزمه المال، ثم رجع عن قوله لا ألزمه، قال: لأني حبسته ليقر أو لينكر، فإن شاء أنكر، قال: إنما يبطل إقراره إذا حبسه ليقر، هذا لفظ أبي يوسف رحمه الله إشارة إلى أن الحبس إذا كان لأجل الإقرار، كان المحبوس مجبرا على الإقرار؛ لأن له أن ينكر فيصح إقراره، فإن كان هذا المحبوس لا يزال يهرب من السجن، يؤدبه القاضي بأسواط؛ لأنه ظهر منه هتك حرمة سجن القاضي وتمرده وعناده، فيؤدبه بأسواط حتى يمتنع عن ذلك، ويكون عظة لغيره، هكذا روى ابن سماعة عن محمد رحمه الله، وذكر الخصاف في «أدب القاضي»: أن القاضي إذا خاف على المحبوس أن يفر من سجنه، حق له إلى سجن اللصوص إذا كان لا يخاف عليه منهم؛ لأن القاضي يحتاج إلى حفظه وسجن اللصوص أحصن، والرقباء ثمة أكثر فيحوله إليه، فإن كان يخاف عليه من جهة اللصوص لما أن بينه وبين اللصوص عداوة وعرف أنه لو حوله إليهم، لقصدوه لا يحوله؛ لأن فيه إهلاكه وما استحق عليه الهلاك.g

قال محمد رحمه الله عن أبي حنيفة رضي الله عنه في رجل حبسه القاضي في دين لرجل عليه ألف درهم وله دنانير، قال: يبيعها القاضي ويوفي الغريم، ولو كان عرضا لم يبعها، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يبيع العروض والعقار حتى يوفي الغريم حقه.

(9/48)


-----
اعلم بأن المحبوس في الدين إذا امتنع عن قضاء الدين وله أموال، فإن كان ماله من جنس الدين بأن كان ماله دراهم والدين دراهم، فالقاضي يقضي من دراهمه بلا خلاف؛ لأن صاحب الدين لو ظفر بهذه الدراهم له أن يأخذها قضاء من دينه؛ لأنه ظفر بجنس حقه، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان: «خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف» فكان قضاء القاضي دينه بهذه الدراهم إعانة له على حقه، وللقاضي ولاية إعانة صاحب الحق على استيفاء حقه.
وإن كان ماله من خلاف جنس دينه بأن كان الدين دراهم، وماله عروض أو عقار أو دنانير، فعلى قول أبي حنيفة رضي الله عنه: لا يبيع العروض والعقار، وفي بيع الدنانير قياس واستحسان، ولكنه يستديم حبسه إلى أن يبيع بنفسه ويقضي الدين، وعندها ببيع القاضي دنانيره وعروضه رواية واحدة، وفي العقار روايتان، ويكون البيع على الترتيب يبيع الدنانير أولا ثم العروض ثم وثم على ما يأتي بيانه.

(9/49)


-----
فالأصل عندها: أن كل من وجب عليه حق وامتنع من إيفاء ما صار مستحقا عليه، وذلك مما يجري فيه النيابة، فإن القاضي يقوم مقامه في إيفاء ذلك الحق المستحق عليه كالذمي إذا أسلم عنده، فإن القاضي يجبره على البيع، فإن امتنع عن ذلك، فإن القاضي يبيعه عليه، وكالعنين بعد مضي المدة يأمر القاضي بالتفريق، فإن امتنع يفرق بينهما وكذلك امرأة الذمي إذا أسلمت، فإن القاضي يعرض الإسلام على الزوج، فإن أبى أمره بالتفريق، فإن امتنع ناب منابه في التفريق كذا هنا، ولكن أبا حنيفة يقول: المستحق عليه قضاء الدين، أما بيع ماله فغير مستحق عليه؛ لأن القدرة على قضاء الدين يثبت بأسباب: منها الاستفراش (108أ4) والاستيهاب وقبول الصدقة والبيع بالنسبة والاكتساب، فليس للقاضي أن يعين عليه البيع؛ لأن في ذلك إضرارا بالمدعى عليه، ألا ترى أن القاضي لا يزوج المديونة ليقضي الدين من مهرها، وإن كان يتوصل إلى قضاء الدين بذلك؛ لأن النكاح عليها لم يتعين لقضاء الدين، وكذلك لا يؤاجر المديون ليقضي الدين من الأجرة، وإن كان يتوصل إلى قضاء الدين منه؛ لأن الإجارة لم يتعين طريقا لقضاء الدين، كذا هنا. وهذا لأنه ما دام حيا فالدين واجب في ذمته لا تعلق له بماله، فلا يثبت القاضي اليد عليه فلا يملك البيع.

وإن كان الدين دراهم وماله دنانير، فالقياس أن لا يقضي منه دينه في قول أبي حنيفة، وفي الاستحسان: يبيع الدنانير بالدراهم، ويقضي دينه منها.

(9/50)


-----
وجه القياس: أنهما جنسان مختلفان حقيقة وحكما، فلا يكون له أن يبيعها بذلك الدين كالعروض، ولا شك في اختلاف المجانسة بينهما حقيقة، وكذلك الحكم فإنه لا تجري الربا منهما، وفي مسألتنا ليس لصاحب الدين أن يأخذ الدنانير مكان الدراهم، ولو كانا جنسا واحدا لأخذها كما قلنا فيما إذا كان مال المديون دراهم، فإذا ثبت اختلاف المجانسة بينهما ينبغي أن لا يكون للقاضي ولاية البيع والمبادلة؛ لأنه تصرف في ملك المديون بغير رضاه، وإنه لا يجوز وصار كالعروض والعقار.
وجه الاستحسان: أنهما جنسان مختلفان من حيث العين، ولهذا لا يجري الربا بينهما، ولكنهما من حيث المالية جنس واحد، فإنهما خلقا للتقلب والتصرف، ولهذا يكمل نصاب أحدهما بالآخر في الزكاة، وكل حكم يرجع إلى العين فهما جنسان وغيران فيه، وكل حكم يرجع إلى المالية جعلا فيه جنسا واحدا، وحق صاحب الدين في العين ثابت، ولهذا لم يكن له ولاية المطالبة إلا لعين الدراهم، وإن كان له حق في المالية من وجه، ولكن من حيث أن حقه في العين لا يثبت له حق الأخذ، وباعتبار حقه في المالية يثبت له حق الأخذ، فلا يثبت له الأخذ بالشك، فأما ولاية القاضي إنما تثبت من حيث المالية، وهما في المالية كشيء واحد، فكان له ولاية المصارفة وقضاء الدين.
وقد ذكرنا في «الجامع» في باب المساومة ذكر في كتاب العين والدين: أن صاحب الدنانير إذا ظفر بدراهم من عليه الدين أو على العكس، كان له أن يأخذ هذا بيان مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه.

(9/51)


-----
وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: القاضي يبيع مال المديون بدينه، لكن هذا بدنانيره إذا كان الدين دراهم، فإن فضل الدين عن ذلك يبيع العروض أولا دون العقار؛ لأن العروض معدة للتقلب والتصرف والاسترباح عليه، فلا يلحقه كسر ضرر في بيعه، فإن لم يف ثمنه بدينه وفضل عنه الدين حينئذ يبيع العقار، أما بدون ذلك لا يبيع العقار لأن العقار أعد للاقتناء، فيلحقه ضرر بين في بيعها، فلا يبيع العقار من غير ضرورة، فإذا فضل الدين عن ثمن العروض تحققت الضرورة فيبيع العقار ويقضي الدين من ثمن العقار، وهذا على إحدى الروايتين عنهما.
وفي رواية أخرى: لا يبيع العقار أصلا؛ لأنه غير معدة للبيع، وإنه ما جرى العادة باستحداث الملك في العقار في كل وقت، فأما العروض مال معد للبيع، فإذا امتنع من بيعها ناب القاضي منابه في البيع. وقال بعضهم: يبدأ ببيع ما يخشى عليه التوى والتلف من عروضه، ثم يبيع ما يخشى عليه التلف، ثم يبيع العقار.

والحاصل: أن القاضي نصب ناظرا فينبغي أن ينظر للمديون، كما ينظر للغرماء فيبيع ما كان انظر إليه، وبيع ما يخشى عليه التلف أنظر من بيع مالا يخشى عليه فيبدأ به، فإن لم يف ثمنه بالديون يبيع مالا يخشى عليه التلف من العروض؛ لأنه أنظر من بيع العقار، فإن لم يف ثمنه بالديون حينئذ يبيع العقار.

(9/52)


-----
وإذا كان للمديون ثياب يلبسها، ويمكنه أن يجري بدون ذلك، فإنه يبيع ثيابه ويقضي الدين ببعض ثمنها، ويشتري بما بقي ثوبا يلبسه؛ لأن لبس ذلك للتجمل، وقضاء الدين فرض عليه وعلى هذا القياس، ويمكنه أن يجري بما دون ذلك المسكن يبيع ذلك المسكن، ويصرف بعض الثمن إلى الغرماء ويشتري بالباقي سكنا لنفسه، وعن هذا قال مشايخنا: إنه يبيع ما لا يحتاج إليه للحال حتى إنه يبيع اللبد في الصيف والنطع في الشتاء، وإذا كان له كانونا من حديد أو صفر يبيعه ويتخذ كانونا من طين، وعن محمد رحمه الله: أن المديون إذا وجد من يدينه إلى أجل، ولا يستدين ولا يقضي يدخل تحت قوله عليه السلام: «لي الواجد يحل عرضه وماله»، وهذا لأن الواجد ليس هو الغني، بل الواجد من يمكنه قضاء الدين، وقد أمكنه قضاء الدين بهذا الطريق.
ثم أي قدر يترك للمديون من ماله ويباع ما سواه؟ لم يذكر محمد هذه المسألة في شيء من الكتب، وقدروي عن عمر بن عبد العزيز ثلاث روايات: في رواية قال: يترك ثيابه وسكنه وخادمه ومركبه؛ لأنه يحتاج إلى ذلك كله، وفي رواية أخرى قال: يترك ثيابه ومسكنه وخادمه، وبهذه الرواية أخذ بعض القضاة، وفي رواية قال: يباع جميع ماله ويؤاجر ويصرف غلته إلى غرمائه.

(9/53)


-----
وفي ظاهر رواية أصحابنا رحمهم الله: لا يؤاجر إلا رواية روي عن أبي يوسف رحمه الله وجه ظاهر الرواية أنه لم يتعلق حق الغرماء بمنافع يديه، فلا يؤاجر ولكن إن أجر هو نفسه وأخذ الأجرة ترك له قوت يومه وعياله، ويصرف ما سوى ذلك إلى رب الدين، ومن القضاة من قال: إن كان في موضع الحر يباع ما فوق الإزار، لأن هناك الحاجة إلى ستر العورة لا غير وإنه يحصل بالإزار، وإن كان في موضع البرد يترك له ما يدفع به من البرد حتى لا تباع جبته وعمامته ويباع ما سوى ذلك، ومن المشايخ من قال: يترك له دستا من الثياب، ويباع ما سوى ذلك، وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني رحمه الله، ومنهم من قال يترك له دستين من الثياب حتى إذا غسل أحدهما لبس الآخر، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي رحمه الله.
في «نوادر ابن سماعة» عن محمد رحمه الله: رجل عليه دين وهو معسر وله دين على رجل مليء، فإن الحاكم يحبس المعسر حتى يتقاضى ماله على غريمه الموسر، فإن فعل وحبس غريمه الموسر، فإن الحاكم لا يحبس المعسر بما عليه؛ لأنه قضى ما عليه في تقاضي دينه، وقال أبو يوسف رحمه الله: إذا كان للمعسر دين على غريمه أخذ القاضي غريمه بدينه، وقضى دين غرمائه.

وفيه أيضا: رجل حبس في الكفالة بنفس رجل، ثم علم أن المكفول بنفسه غائب ببعض الأمصار، قال: آمره أن يأخذ كفيلا بنفسه ويخرجه من السجن حتى يجيء بالذي كفل به، وكذلك المحبوس بالدين إذا علم أنه لا مال له في هذه البلدة وله مال ببلدة أخرى يؤمر رب الدين أن يخرجه من السجن، ويأخذ منه كفيلا بنفسه على قدر المسافة، ويأمر أن يبيع ماله ويقضي دينه، ولم يذكر ههنا أن رب الدين لو كان غائبا، ورأيت في موضع آخر أن القاضي يخرج المحبوس من السجن، ويأخذ منه كفيلا.

(9/54)


-----
الحسن عن أبي يوسف: إذا باع أمين القاضي عروض المديون في دينه وقبض الثمن، وهلك، ثم استحق المبيع، رجع المشتري على الغريم، ويرجع الغريم على المطلوب، ويجوز إقرار المحبوس بالدين لغيره بعد أن يحلف بالله ما أقر به على وجه التلجئة، وهذا قول أبي يوسف رحمه الله، وإذا أقر المحبوس بالبيع يحلف المشتري بالله أنه اشترى منه شراء صحيحا ودفع الثمن إليه، وما كان ذلك تلجئة والله أعلم.

الفصل الثامن والعشرون: فيما يقضي به القاضي ويرد قضاؤه، وما لا يرد
ما يجب اعتباره في هذا الفصل شيئان، أحدهما: أن قضاء القاضي متى اعتمد سببا صحيحا ثم بطل السبب من بعد لا يبطل القضاء؛ لأن بقاء السبب ليس بشرط لبقاء القضاء، ألا ترى أن بقاء السبب لم يشترط لبقاء الحكم، فكذا لا يشترط لبقاء القضاء، وإذا ثبت عدم السبب من الأصل بعد وجوده من حيث الظاهر، فكذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر، وعند أبي يوسف الأول وهو قول محمد رحمه الله: يبطل القضاء، وهي مسألة قضاة القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور، والمسألة معروفة.

(9/55)


-----
والثاني: أن استحقاق المبيع على المشتري، يوجب توقف البيع السابق على إجازة المستحق، ولا يوجب نقضه وفسخه في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الخصومة من المستحق، وطلب الحكم من القاضي ذلك النقض فينقض به البيع كما ينتقض بصريح النقض، حتى لا يعمل إجازة المستحق بعد ذلك، عن أبي يوسف رحمه الله أن أخذه العين بحكم القاضي دليل الفسخ والنقض، فينتقض به حتى لا يعمل إجازته بعد ذلك، وفي ظاهر الرواية لا يكون شيء من ذلك دليل النقض أما الخصومة وطلب (108ب4) الحكم، فلأنهما لإثبات الاستحقاق وإظهاره، والاستحقاق لو كان ثابتا ظاهرا وقت البيع لا يمنع انعقاد البيع، فظهوره في الانتهاء، لأن لا يوجب النقض والفسخ أولى، والأخذ بحكم القاضي أيضا محتمل يحتمل التلوم ويحتمل النقض والفسخ والعقد جائز بيقين، فلا يثبت النقض بالشك.

(9/56)


-----
قال محمد رحمه الله في «الزيادات»: رجل اشترى من آخر جارية ولم يقبضها حتى استحقها رجل بالبينة، والبائع والمشتري حاضران، وقضى القاضي بها للمستحق، ثم ادعى البائع والمشتري أن المستحق باعها من هذا البائع وسلمها إليه، ثم باعها البائع من المشتري وأقام البينة قبلت بينته، فقد شرط محمد رحمه الله في «الكتاب» للقضاء بالجارية للمستحق حضرة البائع والمشتري، وأنه شرط لازم حتى لو حضر البائع دون المشتري، أو حضر المشتري دون البائع، فالقاضي لا يقضي بها للمستحق وإنما كان كذلك لأن للبائع يدا وللمشتري ملكا، والقاضي بالقضاء يبطل الملك واليد، فيكون قضاء عليهما، والقضاء على الغائب لا يجوز، فيشترط حضرتهما ثم إذا قضى القاضي بالجارية للمستحق، فأقام البائع أو المشتري بينة على ما بينا قبلت بينته؛ لأن القضاء بالاستحقاق لم ينقض ذلك البيع في ظاهر الرواية فيبقى البيع بين البائع والمشتري، فكانا خصمين في إثبات هذا البيع، أما البائع فلأنه يؤكد يده في الجارية، وهو محتاج إلى تأكيد يده لمقدرتها على التسليم، وليؤكد حقه في الثمن قبل المشتري.

وأما المشتري فلأنه يؤكد ملكه في الجارية، فإنه يثبت الانتقال إلى بائعه، فانتصب خصما عن بائعه في حق إثبات الانتقال إليه، فهذه بينة صدرت عن خصم على خصم، فقبلت وإذا قبلت هذه البينة تبين أن البائع باع ملك نفسه، وأنها صارت مملوكة للمشتري، فيؤمر بتسليمها إلى المشتري، وإن لم يكن لهما بينة على ما ادعيا، وطلب المشتري من القاضي أن يفسخ العقد بينهما لعجز البائع عن التسليم أجابه القاضي إلى ذلك؛ لأن عجز البائع عن التسليم مطلق للفسخ.

(9/57)


-----
أصله: إذا أبق المبيع أو غصب قبل القبض، فإن فسخ القاضي العقد بينهما ثم وجد البائع بينته، وأقامها على المستحق أنه كان اشتراها وقبضها من المستحق قبل أن يبيعها من هذا المشتري قضى القاضي بالجارية للبائع فظاهر، وأما عدم إلتزام المشتري باعتبار أن القاضي فسخ العقد بينهما بسبب قائم، وهو عجز البائع عن التسليم فصح الفسخ ونفذ، وبثبوت الملك للبائع في الحال لا يستبين أن العجز لم يكن، بل كان ثم ارتفع وارتفاع سبب القضاء بعد نفاذ القضاء وصحته لا يوجب بطلان القضاء، كما لو قضى القاضي بفسخ البيع بسبب العيب ثم زال العيب، أو قضى بالفرقة بسبب العنة ثم زالت العنة.
وقول محمد في الكتاب ثم وجد البائع البينة، وأقامها على المشتري. يشير إلى أن شرط قبول هذه البينة إقامتها على المستحق، ولو كان المشتري قبض الجارية من البائع واستحقها مستحق بالبينة قضى بها للمستحق، ويشترط ههنا حضرة المشتري لا غير، لاجتماع ملك الرقبة واليد له، وينقض القاضي البيع بينهما على ظاهر الرواية، وإذا طلب المشتري، ويرجع المشتري بالثمن على البائع؛ لأن المبيع استحق من يد المشتري بسبب سابق على الشراء فإن أقام البائع بعد ذلك بينة على المستحق أنه كان اشتراها منه وقبضها قبل أن يبيعها قضى القاضي بها للبائع، وبطل نقض القاضي حتى كان للبائع أن يلزم الجارية المشتري؛ لأن الجارية إذا كانت مسلمة إلى المشتري لم يكن قضاء القاضي بالفسخ بسبب عجز البائع عن التسليم، وإنما كان باستحقاق الملك على المشتري، وبإقامة البائع البينة تبين أن الملك لم يكن مستحقا عليه، فانعدم سبب الفسخ من الأصل، فأوجب بطلان القضاء بالفسخ، وهذا قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد رحمه الله.

(9/58)


-----
أما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر لا يبطل قضاء القاضي بالفسخ، ولا يكون للبائع أن يلزم المشتري لما مر في أول الفصل، ثم عند محمد رحمه الله لما كان للبائع أن يلزم المشتري الجارية وإن أبى، هل للمشتري أن يأخذها من البائع إذا أبى البائع ذلك؟ لم يذكر هذا الفصل هنا. قال مشايخنا: وينبغي أن لا يكون له ذلك، وإليه أشار بعد هذا؛ لأن المشتري لما طلب من القاضي أن يفسخ العقد بينهما، فقد رضي بانفساخ البيع وانفسخ العقد في حقه إن لم ينفسخ في حق البائع فلهذا كان للبائع أن يلزم المشتري ولا يكون للمشتري أن يلزم البائع.

هذا إذا فسخ القاضي العقد بينهما، فلو أن القاضي لم يفسخ العقد بينهما، ولكن البائع مع المشتري أجمعا على الفسخ حين استحقت الجارية من يد المشتري، ثم أقام البائع بينة على المستحق على ما قلنا، وقضى القاضي له بالجارية لا يكون له أن يلزم المشتري بلا خلاف؛ لأن الفسخ بالتراضي يثبت مطلقا، فلا يبطل بعد ذلك، وإن أراد المشتري أن ينقض البيع بعد الاستحقاق من غير قضاء ولا رضى، ليس له ذلك، فالمذهب أنه لا بد لصحة النقض ههنا من قضاء أو تراض منهما، وهذا لأن حق المشتري في العين بعد الاستحقاق على ظاهر الرواية إذ العقد لم ينتقض بمجرد الاستحقاق على ظاهر الرواية، فالمشتري بالنقض يريد نقض حقه من العين إلى الثمن، فلا يملك إلا بقضاء القاضي أو برضى خصمه، وهو نظير ما قلنا في العبد المغصوب إذا أبق من يد الغاصب، وأراد المالك أن يضمنه قيمته ليس له ذلك إلا بقضاء القاضي أو برضى الغاصب، وكذلك المغصوب إذا كان شيئا مثليا وانقطع أوانه وأراد المالك أن يضمن الغاصب قيمته ليس له ذلك إلا بقضاء أو رضى الغاصب، والمعنى في الكل ما بينا.

(9/59)


-----
وإن كان المشتري لم يطلب من القاضي فسخ العقد بعد الاستحقاق، ولكن طلب من البائع أن يرد الثمن عليه، ورده عليه ثم أقام البائع بينة على المستحق على ما ذكرنا، وأخذ الجارية من المستحق ليس له أن يلزم المشتري إياها؛ لأن الإلزام ينبني على البيع، والبيع قد انفسخ بينهما بتراضيهما؛ لأن المشتري بطلب الثمن رضي بالفسخ، وكذلك باليد بإعطاء الثمن رضي بالفسخ، والفسخ ينفذ بالتراضي ويصح بالتعاطي ظاهرا وباطنا فلا يبقى للبائع ولاية الإلزام بعد ذلك.
ولو كان البائع لم يرد الثمن حتى خاصمه المشتري إلى القاضي ففسخ العقد بينهما وألزم البائع الثمن للمشتري فيأخذه منه أو لم يأخذه حتى أقام بينة على المستحق على ما قلنا، وأخذ الجارية، كان له أن يلزم المشتري عند محمد وأبي يوسف الأول؛ لأن الفسخ ههنا لو ثبت ثبت بالقضاء، والقضاء حصل بناء على سبب ظهر انعدامه من الأصل، فأوجب بطلان القضاء عند محمد وأبي يوسف الأول على ما مر.
فرع محمد رحمه الله على الفصل الأخير، وهو ما إذا رجع المشتري بالثمن على البائع بقضاء القاضي، فقال: لو أقر البائع أنه نوى الفسخ حين رجع المشتري عليه وباقي المسألة بحاله لم يكن للبائع أن يلزم المشتري بلا خلاف؛ لأنه حين نوى الفسخ فقد رضي بالفسخ، والعقد متى انفسخ بالتراضي لا يعود أصلا، فقد أثبت الفسخ من جهة البائع بمجرد النية.

(9/60)


-----
وذكر في «الجامع الصغير»: في مشتري الجارية: إذا جحد الشري، وعزم البائع على الفسخ، وهذا مشكل؛ لأن فسخ شيء من العقود لا يقع بمجرد النية، ألا ترى أنه لو كان في البيع خيار شرط أو خيار رؤية، ونوى بقلبه فسخ العقد لا ينفسخ بمجرد نيته، من مشايخنا من قال: لم يرد محمد نوى الفسخ أن يقصد بقلبه الفسخ، وإنما أراد به أن يظهر منه أمارات الرضى بالفسخ بأن عرض الجارية على البيع أو وطئها بعد ما استردها من يد المستحق بإقامة البينة على نحو ما بينا، ولكن هذا بعيد فإنه وضع المسألة فيما إذا أقر البائع أنه نوى الفسخ حين رجع المشتري عليه بالثمن والعرض على البيع والوطء، لا يتصور في تلك الحالة؛ لأن في تلك الحالة الجارية ملك المستحق وفي يديه.
ومنهم من قال: تأويله أن البائع حين رد الثمن على المشتري نوى فسخ العقد، وفي مسألة «الجامع الصغير» :عزم على ترك الخصومة بالوطء، فيكون الفسخ بفعل اقترن به النية لا بمجرد النية، وقوله في «الكتاب» :نوى الفسخ حين رجع عليه المشتري أراد به رجوعا اتصل به الرد. ومنهم من قال الفسخ هنا وقع بقضاء القاضي، إلا أن للبائع أن يبين بالبينة أن الفسخ لم يقع عند محمد وأبي يوسف الأول على نحو ما بينا، وهذا حق له فله تركه وله استيفاؤه فإذا عزم على الفسخ فقد ترك هذا الحق، فعملت بينته في هذا.

(9/61)


-----
أما الفسخ بقضاء القاضي رجل اشترى من آخر عبدا بمائة دينار وقبضه وباعه من آخره وقبضة المشتري الثاني، ثم (109أ4) استحقها رجل على المشتري الثاني، فأقام المشتري بينة على المستحق أنه كان باعه من البائع الأول بكذا وسلمه إليه، قبلت بينته في ظاهر الرواية، لأن بالاستحقاق لا تفسخ العقود، فبقيت العقود موقوفة، فيحتاج المشتري الأخير إلى تقرير الملك للبائع الأول والثاني ليتقرر ملكه، فينتصب خصما فيه، فهذه بينة قامت من خصم على خصم، وليس فيه تغيير القضاء الأول، بل فيه تقرير له وقد أقامها لا على الوجه الذي استحق عليه، فقبلت بينته، وقضى بالغلام له بهذا، فإن لم يقم المشتري بينة علىه ولكن خاصم بائعة، وهو المشتري الأول في الثمن وقضى عليه بذلك ثم إن المشتري الأول أقام بينة على أن المستحق باعه من البائع الأول، وسلمه إليه قبل أن يبيعه منه، وأخذ الغلام منه، هل له أن يلزم المشتري الثاني؟ على قول محمد وأبي يوسف الأول له ذلك، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر (له) ذلك لما ذكرنا، فإن لم يجد المشتري الأول بينة على ذلك، ورجع على البائع الأول بالثمن وقضي له به عليه، فأقام البائع الأول بينة على المستحق على ما ذكرنا، ويأخذ العبد من المستحق كان له أن يلزم المشتري الثاني عند محمد وأبي يوسف الأول لما مر.H

وهل للمشتري الأول أن يلزم المشتري الثاني؟ لما رجع على المشتري الأول فقد رضى بانفساخ العقد بينه وبين المشتري الأول، فانفسخ العقد في حقه، لكن لم يظهر الانفساخ في حق المشتري الأول لعدم الرضى فيه، ولهذا احتيج إلى القضاء عليه بالثمن فإذا رجع هو على البائع الأول فقد رضي بانفساخ العقد، فتم الفسخ بينهما بتراضيهما، وقد ذكرنا أن الفسخ الحاصل بالتراضي يثبت مطلقا فلا يبطل بعد ذلك.

(9/62)


-----
رجل اشترى من آخر غلاما وقبضه ونقد الثمن، فجاء مستحق واستحقه من يد المشتري بالبينة وقضى القاضي بالغلام للمستحق، ثم أقام المشتري بينة على المستحق أنه كان أمر البائع ببيعه، فباعه بأمره قبلت بينته، لأنه خصم فيه؛ لأنه بهذه البينة تقرر ملكه؛ فإنه يثبت كون البائع وكيلا من جهة المستحق، وبيع الوكيل يوجب الملك للمشتري، وليس فيه تغيير القضاء الأول، بل هو تقرير له؛ لأن بيع العبد بأمر المستحق إنما ينفذ باعتبار ملكه فقبلت لهذا، فإن لم يقم المشتري بينة على ذلك، ورجع بائعة بالثمن وقضى به، ثم إن البائع أقام بينة على المستحق أنه كان أمره ببيع هذا العبد قبل أن يبيعه ينظر إن كان ما دفع المشتري عين ما قبضه منه أو أمسك المقبوض ورد مثله، أو استهلك المقبوض وضمن مثله لا تقبل بينته؛ لأنه لا فائدة في قبول هذه البينة؛ لأن فائدة القبول في هذه الصورة، إما إلزام المشتري الغلام أو استرداد ما وقع إلى المشتري، وكل ذلك ممتنع هنا، أما إلزام المشتري الغلام، فلأن البائع لما أثبت الوكالة ظهر أن المستحق كان موكلا، وقد فسخ العقد مع المشتري حين جحد الشراء، والمشتري قد رضى بذلك الفسخ حين رجع بالثمن على البائع، والعقد متى انفسخ فيما بين الموكل والمشتري بتراضيهما، فالوكيل لا يتمكن من إلزام المشتري ذلك العقد عرف ذلك في موضعه.

(9/63)


-----
ولا وجه إلى الثاني؛ لأن العقد لما انفسخ فيما بين الموكل والمشتري بتراضيهما عاد الثمن إلى ملك المشتري، فإن كان قائما وجب على البائع وهو الوكيل أن يرد عينه، وإن شاء أمسكه ورد مثله، وإن كان الوكيل قد استهلكه ضمن مثله؛ لأن الوكيل يضمن بالاستهلاك فإنما دفع الوكيل للمشتري ما هو عين حقه فلا يكون له ولاية الاسترداد، وإن كان الثمن قد هلك عند الوكيل وضمن الوكيل للمشتري مثله من ماله قبلت بينته؛ لأن له في هذه البينة فائدة، وهو استرداد ما دفع إلى المشتري؛ لأن بهذه البينة يثبت أنه كان وكيلا، وهلاك الثمن في يد الوكيل لا يوجب عليه ضمانا، فيظهر أن المشتري أخذ ما أخذ بغير حق، فكان للوكيل ولاية الاسترداد، فلهذا قبلت بينته، وإذا قبلت بينته يسترد من المشتري ما دفع إليه، فيأخذ الغلام من المستحق ويدفعه إلى المشتري عند محمد وأبي يوسف الأول.

فإن قيل: ينبغي أن لا يكون للوكيل ولاية أخذ الغلام من المستحق لأن العقد انفسخ فيما بين الموكل والمشتري بتراضيهما، فلا يعود بعد ذلك فيقبل بينته على استرداد ما دفع إلى المشتري لا على أخذ الغلام من المستحق، ويرجع الوكيل على المستحق بمثل ذلك الثمن ويدفعه إلى المشتري، لا على أخذ الغلام من المستحق، ويرجع الوكيل على المستحق بمثل ذلك الثمن ويدفعه إلى المشتري؛ لأنه تبين أنه كان للقبض عاملا للمستحق، فعند عدم سلامة الغلام للمشتري يكون ضمان المقبوض على من وقع القبض له وهو المستحق.

(9/64)


-----
قلنا: الموكل إنما رضي بالفسخ بشرط أن لا يلحقه الغرم في الآخرة، فإذا آل الأمر إلى أن يلحقه غرم في الآخرة لا يكون راضيا، والمشتري إنما رضي بالفسخ بشرط أن المقبوض له، فإذا آل الأمر إلى أن لا يسلم له لا يكون راضيا، فلا ينفسخ العقد بتراضيهما، لو انفسخ إنما ينفسخ بقضاء القاضي وقد ظهر أن قضاء القاضي وقع باطلا من الأصل عند محمد وأبى يوسف الآخر. وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول: قضاء القاضي بالفسخ نفذ من كل وجه، فلا يعود العقد بعد ذلك فتقبل بينة الوكيل على استرداد ما دفع إلى المشتري لا على أخذ الغلام من المستحق، ثم يرجع الوكيل على المستحق بمثل ذلك الثمن، ويدفعه إلى المشتري لما ذكرنا.
وإن كان المشتري باع الغلام من آخر ثم استحق من يد المشتري الأخير بالبينة، ويرجع المشتري الأخير على المشتري الأول بالثمن قضى له، فأقام المشتري الأول بينة على أمر المستحق البائع بالبيع قبلت بينته لما ذكرنا، ويأخذ العبد من يد المستحق ويلزمه المشتري الأخير عند محمد وأبي يوسف الآخر؛ لأن قضاء القاضي بالفسخ اعتمد سببا ظاهر وقد انعدم ما يوجب بطلان القضاء وارتفاع الفسخ، ولو أن المشتري الأول لم يجد بينة على ذلك ولكن رجع على بائعه بقضاء القاضي أو بغير قضاء القاضي، وأقام البائع الأول بينة على أمر المستحق، فهو على الوجوه التي ذكرنا في المسألة الأولى؛ لأن العقد الثاني انفسخ بين المشتري الثاني وبين المشتري الأول بتراضيهما على وجه لا يحتمل العود، فخرج هو من البين، بقي الكلام في العقد الأول وقد مر الوجه فيه.

(9/65)


-----
رجل رهن من آخر جارية بألف درهم عليه للمرتهن، وقبضها المرتهن ثم أخذها الراهن بغير إذن المرتهن وباعها من إنسان وسلمها إليه، ثم إن المرتهن أقام بينة على الرهن قبلت بينته؛ لأن عقد الرهن باق، فكان خصما فيه فقبلت بينته، ويدفع العبد إليه فيكون رهنا عنده؛ لأنه أثبت فيها ملك اليد لنفسه وحق الحبس، وبهذا كان أحق، من البائع فيكون أحق ممن يلقي الملك من جهته، وهل يتمكن المرتهن من فسخ هذا البيع؟ روي عن محمد رحمه الله أنه تمكن.

ووجه ذلك: أن حق المرتهن بمنزلة الملك، فإن الثابت له ملك اليد والحبس ومن باع ملك الغير فإن أجازه المالك يتم البيع، وإن فسخه ينفسخ، فهذا مثله والصحيح أنه لا يتمكن؛ لأنه لاحق له حتى إذا أجازه كان المشتري متملكا العين على الراهن لا على المرتهن، وإنما الثابت للمرتهن حق دفع الضرر عن نفسه بالحبس إلى أن يصل دينه إليه، وهذا المعنى يوجب توقيف العقد أما لا يثبت حق الفسخ، والمشتري بالخيار إن شاء فسخ؛ لأن التسليم فات بسبب كان عند البائع فجعل كأن لم يكن، وإن شاء صبر حتى يفكها الراهن فيأخذها؛ لأن فوات التسليم بسبب يرجى زواله، فله أن ينتظر ذلك، كما لو أبق العبد المبيع قبل القبض، فإن اختار المشتري فسخ العقد، وفسخ القاضي العقد وقضى له بالثمن على البائع، ثم إن البائع قضى المرتهن المال واستردها ليس له أن يلزم المشتري؛ لأن قضاء القاضي بالفسخ اعتمد سببا ظاهرا، وهو كونها مرهونة، وهذا لم ينعدم من الأصل بل زال بعد تحققه، فلا يوجب بطلان القضاء على ما مر.

(9/66)


-----
ولو كان الراهن قد قضى الدين وقبض الجارية ثم باعها من هذا المشتري، ثم إن المرتهن جحد القضاء، وقضى القاضي له بالعبد رهنا، وطلب المشتري من القاضي أن يفسخ العقد، وفسخ ورد الثمن على المشتري، ثم أقام البائع بينة على قضاء الدين واستردادها قبل البيع وبأخذها، وأراد أن يلزم المشتري هل له ذلك؟ وقع في بعض نسخ محمد رحمه الله أن المسألة على التفصيل.
ولو كان المشتري (109ب4) لم يقبضها حتى استحقها المرتهن ليس له ذلك؛ لأن قضاء القاضي بالفسخ كان باعتبار سبب قائم، وهو عجز البائع عن التسليم، وهذا لم ينعدم من الأصل، بل ارتفع بعد تحققه، فلا يوجب بطلان القضاء، وإن كان المشتري قبضها فله أن يلزم المشتري عند محمد وأبي يوسف الأول، خلافا لأبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهم الله؛ لأن الجارية إذا كانت مسلمة إلى المشتري لم يكن قضاء القاضي بالفسخ باعتبار العجز عن التسليم، بل لكونها مرهونة، وهذا قد انعدم من الأصل، فيبطل قضاء القاضي عند محمد وأبي يوسف الأول على ما مر.
ووقع في بعض النسخ أن له أن يلزم المشتري عند محمد وأبي يوسف الأول مطلقا من غير تفصيل، وهكذا ذكر صاحب «الكتاب» فهذا الإطلاق يدل على ولاية الإلزام عند محمد وأبي يوسف الأول، سواء كانت الجارية مسلمة إلى المشتري أو لم تكن، وهو الصحيح، أما إذا كانت الجارية مسلمة فلما قلنا، وأما إذا لم تكن مسلمة فلأن عجز البائع عن التسليم قد انعدم من الأصل؛ لأن عجز البائع عن التسليم لكونها مرهونة، وقد انعدم ذلك من الأصل، والله أعلم.

(9/67)


الفصل التاسع والعشرون: في بيان ما يحدث بعد إقامة البينة قبل القضاء
-----
قال محمد رحمه الله في «الجامع»: عبد في يدي رجل جاء رجل وادعى أنه عبده، وأنكر صاحب اليد دعواه، فذهب المدعي ليأتي بالشهود فباع صاحب اليد العبد من رجل وسلمه إليه، ثم أودع المشتري العبد من البائع، وغاب ثم إن المدعي أعاد صاحب اليد عند القاضي هذا ليقيم عليه البينة بحقه، فهذه المسألة على وجوه:
إما إن علم القاضي بما صنع ذو اليد أو لم يعلم، ولكن أقر المدعي بذلك، وفي الوجهين جميعا لا خصومة للمدعي مع صاحب اليد، وسيأتي جنس هذه المسائل في كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى.
وكذلك إذا أقام صاحب اليد بينة على إقرار المدعي بذلك؛ لأن الثابت بالبينة إذا صحت كالثابت عيانا، فكأن القاضي عاين إقرار المدعي بذلك؛ وإن لم يكن شيء من ذلك ولكن صاحب اليد أقام بينة على ما صنع، وذكر أنه وديعة في يده لفلان بشراء كان بعد الخصومة، فإن القاضي لا يقبل بينته ولا تندفع عنه الخصومة، وإذا لم تندفع عنه خصومة المدعي، وقضى القاضي عليه بالعبد ببينة المدعي لو حضر المشتري بعد ذلك، وأقام البينة على الشراء من صاحب اليد لا تسمع بينته، لا يدعي تلقيا من جهة ذي اليد، وذو اليد صار مقضيا عليه بالملك المطلق، فكذا من يدعي تلقي الملك من جهة ذي اليد، والذي ذكرنا من دعوى البيع من الغائب، وإيداع الغائب منه كذلك في دعوى الهبة والصدقة.
ولو كان القاضي لم يقض بشهادة شهود المدعي حتى حضر المشتري دفع ذو اليد العبد إليه، ويجعل القاضي المشتري خصما للمدعي، ولا يكلف المدعي إقامة البينة؛ لأن إقامتها على ذي اليد صحت ظاهرا، فلا يبطل بإقرار ذي اليد، ويجعل المشتري كالوكيل من ذي اليد، وإذا قضى القاضي بالعبد على المشتري للمدعي يبطل البيع الذي جرى بينه وبين ذي اليد، ورجع عليه المشتري بالثمن لاستحقاق المبيع من يده.

(9/68)


-----
وكذلك لو شهد على صاحب اليد رجل واحد، ثم حضر المشتري ودفع العبد إليه فأقام المدعي شاهدا آخر على المشتري قضى له بالعبد، ولا يكلفه إعادة الشاهد الأول وكذلك لو أن ذا اليد باع العبد من غيره، ولم يسلمه إلى المشتري حتى حضر المدعي، فأقام الذي في يده البينة أنه باع من فلان، ولم يسلمه إليه لا يلتفت إلى بينة ذي اليد، ويكون الجواب فيه كالجواب فيما إذا أقام البينة على البيع والقبض ثم الإيداع منه.
قال محمد رحمه الله في «الجامع»: رجل في يديه عبد، أقام رجل بينة على أنه عبده اشتراه من الذي في يده بألف درهم ونقده الثمن، وأقام ذو اليد بينة إنه عبد فلان أودعه، فإن الخصومة لا تندفع عنه، وستأتي هذه المسألة مع أجناسها في كتاب الدعوى، فلو لم يقض القاضي بالعبد حتى حضر المقر له وصدق ذو اليد فيما أقر له به، فالقاضي يأمر ذا اليد بدفع العبد إلى المقر له؛ لأن الإقرار من ذي اليد وجد في حال العبد مملوك له ظاهرا ثم يقضي القاضي لمدعي الشراء بالعبد، ولا يكلفه إعادة البينة على المقر له، لأن بينته صحت ظاهرا لكون ذي اليد خصما له من حيث الظاهر، ولم يبطل بإقرار ذي اليد بالعبد للمقر له؛ لأن إقراره حجة في حقه لا في حق غيره، ويصير الغائب إذا حضر كأنه هو الوكيل بالخصومة عن ذي اليد؛ لأنه لما أقر له بالملك والخصومة يكون إلى المالك فقد فوض الخصومة إليه، وصار حاصل مسألتنا في حق المدعي كأنه أقام شاهدين على ذي اليد بالشري منه، فقبل: إن ترك بينته ويقضي له بالعبد، وكل ذي اليد رجلا حتى تخاصم مع المدعي، ولو كان كذلك كان لا يكلف المدعي إعادة البينة ثانيا كذا هنا.

فإن قال المدعي: أنا أعيد البينة على المقر له كان له ذلك، وكان المقضي عليه في هذه الحالة المقر له إلا ذو اليد، بخلاف ما إذا قال المدعي: أنا لا أعيد البينة، فإن المقضي عليه في هذه الصورة ذو اليد لا المقر له.

(9/69)


-----
والفرق: أن المدعي إذا لم يرض بإعادة البينة لم ينفذ إقرار ذي اليد في حق المدعي كيلا يلزمه إعادة البينة، فكأن صاحب اليد لم يقر بذلك، ولو لم يقر كان المدعى عليه ذو اليد، لأن البينة قامت عليه وهو لم يكن وكيلا عن المقر له، فأما إذا قال أنا أعيد البينة، فقد رضي ببطلان ما أقام من البينة على ذي اليد، فنفذ إقرار ذي اليد في حق المدعي، فصار المقضي عليه في هذه الصورة المقر له، فلو أن القاضي لم يقض بالعبد للمدعي على الذي حضر حتى أقام للذي حضر بينته ويطلب بينته ويطلب بينة مدعي الشراء؛ لأن ببينته بين أن المدعي أقام البينة على غير الخصم، وهذه البينة من رب العبد ما قبلت لإثبات الملك لرب العبد؛ لأن العبد في يده والملك ثابت له بظاهر اليد ،فلا حاجة له إلى البينة لإثبات الملك لنفسه في العبد، وإنما قبل لإبطال بينة المدعي، فإن رب العبد بما أقام من البينة أثبت أن المدعي أقام البينة على غير خصم، والبينة من صاحب اليد على إبطال بينة المدعي مقبولة، كما لو أقام البينة أن شهود المدعي كفار أو عبيد أو محدودون في قذف، فإن أقام رب العبد بينة على ما قلنا، ثم أعاد مدعي الشراء البينة على رب العبد أن العبد كان للذي في يديه، وأنه اشتراه منه بألف درهم، ونقده الثمن، فهذا على وجهين.
إما أن أعاد البينة على رب العبد بعدما قضى القاضي لرب العبد ببنيته وفي هذا الوجه لا تقبل بينته؛ لأن مدعي الشراء صار مقضيا عليه من جهة رب العبد؛ لأن رب العبد إنما أقام البينة على مدعي الشراء، والمقضي عليه إذا أقام البينة في عين ما قضى عليه لا تقبل بينته إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له، ولم يوجد كذا ههنا. وإن كان قبل القضاء تقبل بينة مدعي الشراء متى أعادها على المقر له، ثم هنا ثلاث مسائل.
أحدها: ما ذكرنا أن مدعي الشراء أقام شاهدين فقبل القضاء له أقر صاحب اليد بالعبد لإنسان، وصدقه المقر له.

(9/70)


-----
المسألة الثانية: إذا أقام المدعي شاهدا واحدا على الشراء من ذي اليد، وأقر ذو اليد بالعبد لفلان الغائب، ثم حضر فلان وصدق المقر في إقراره، فإنه يؤمر بدفع العبد إلى المقر له لما مر في المسألة الأولى، فإن أقام مدعي الشراء شاهدا آخر على الشراء قضى بالعبد له، ولا يكلفه القاضي إعادة الشاهد الأول على المقر له لما قلنا في الشاهدين في المسألة الأولى، ويكون المقضي عليه ذو اليد دون المقر له؛ لأن الشاهد الأول قام على ذي اليد، والشاهد الثاني قام على المقر له، وأمكن جعل المقر له تابعا لذي اليد؛ لأنه رضي بتفويض الخصومة إليه، فجعل الشاهد القائم على المقر له قائما على ذي اليد كالقائم على المقر له؛ لأن المقر له لم يرض بكون ذي اليد نائبا عنه في الخصومة، فلهذا جعلنا المقضي عليه ذو اليد دون المقر له، وما ذكر محمد رحمه الله في «الكتاب» أن القاضي يقضي بشهادة شاهدين على رب العبد أراد بذلك القضاء في حق الأخذ والانتزاع من يده، لا في حق القضاء بالملك، بدليل أنه ذكر أن المقر له لو أقام بينة أن العبد عبده قبلت بينته، ولو صار مقضيا عليه لما قبلت بينته.

المسألة الثالثة: مدعي الشراء إذا لم يقم البينة على ذي اليد حتى أقر ذو اليد أن العبد لفلان الغائب أودعه إياه، ثم حضر المقر له وصدقه ودفع العبد إليه، ثم أقام مدعي الشراء البينة على المقر له، وقضى القاضي بذلك، كان المقضي عليه في هذه الصورة المقر له (110أ4) لأن إقرار ذي اليد قبل إقامة مدعي الشراء البينة أصلا صحيح في حق المدعي، إذ ليس فيه إضرار بالمدعي، فصح وصار الثابت بالإقرار كالثابت بالبينة.

(9/71)


-----
ولو ثبت بالبينة أن الملك له ثم ادعى أن العبد كان لفلان اشتراه منه يقضى به له، ويصير المقر له مقضيا عليه دون ذي اليد كذا هنا، بخلاف المسألة الأولى والثانية؛ لأن ثمة إقرار ذي اليد لم يصح في حق المدعي، لأنه لو صح بطل ما أقام المدعي من البينة، فيتضرر به المدعي بإعادة البينة، هذه الجملة في الباب الثاني من دعوى «الجامع».
وفي آخر دعوى الجامع رجل في يده دار، جاء رجل ادعى أنها داره، فطلب القاضي من المدعي البينة، فقاما من عند القاضي وباع المدعي عليه الدار من رجل فبيعه صحيح، حتى لو تقدما بعد ذلك إلى القاضي وجاء المدع بشهود يشهدون على الدار له، وقد علم القاضي ببيع المدعي عليه، أو أقر المدعي بذلك فلا خصومة بينهما، وإن كانت الدار في يد المدعي عليه.
ولو أقام المدعي شاهدا واحدا، ثم قاما من عند القاضي فباع المدعى عليه الدار من رجل فبيعه صحيح، حتى لو تقدما بعد ذلك إلى القاضي، وجاء المدعي بالشاهد الآخر، فالقاضي لا يسمع خصومة المدعي إذا علم القاضي بالبيع أو أقر المدعي بذلك.
ولو كان المدعي أقام شاهدين فعدلا، فلم يقض القاضي بشهادتهما، ثم قاما من عند القاضي، وباع المدعي عليه الدار من المدعي لا يصح بيعه، حتى لو تقدما بعد ذلك إلى القاضي، فالقاضي يقضي عليه بتلك البينة، وإن أقر المدعي ببيعه أو علم القاضي بذلك فرق بين الشاهد وبين الشاهدين.

(9/72)


-----
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله: أنه سوى بين الشاهد الواحد وبين الشاهدين، وأبطل بيع المدعى عليه وبينته في الفصلين جميعا، ووجه الفرق على ظاهر الرواية: أن بإقامة الشاهدين إن لم يثبت حقيقة الملك للمدعي في المدعى به يثبت حق الملك لوجود الحجة بكمالها، ولا حق الملك للمدعي في المدعى به بمنع صحة بيع المدعى عليه صيانة لحق المدعي، فالمدعي إنما أقر ببيع باطل، والقاضي علم بيعا باطلا، فلا يصلح ذلك دافعا خصومة المدعي لها بإقامة الشاهد الواحد، كما لم يثبت حقيقة الملك للمدعي لم يثبت حق الملك لنقصان في الحجة، فكان تصرف المدعى عليه حاصلا في خالص ملكه فصح، فالمدعي أقر ببيع صحيح، والقاضي علم بيعا صحيحا فصلح دافعا خصومة المدعي.

وقد فرق في هذه المسألة بين الشاهد الواحد وبين الشاهدين وفي مسألة الإقرار التي تقدم ذكرها، وهو ما إذا ادعى رجل دارا في يدي رجل وأقام المدعي بالدار لرجل آخر، ثم جاء المدعي بالشاهد الآخر أو ظهرت عدالة الشاهدين والدار في يد المقر بعد، فالقاضي يقضي على المقر، وسوى بين الشاهدين وبين الشاهد الواحد، والفرق أن الإقرار إخبار، وفي الإخبار الأصل أنه إذا تضمن إلحاق الضرر بالغير أن يعتبر كذبا في حق ذلك الغير، والإقرار بعد الشاهد الواحد يضمن إلحاق الضرر بالمدعي، فإنه متى صح الإقرار يلزم المدعي إعادة ما أقام من الشاهد الواحد على المقر له، عسى يمكنه ذلك وعسى لا يمكنه، فاعتبر كذبا في حق المدعي فلم يصح، فأما البيع وما أشبهه أشياء تصرف، وتهمة الكذب لا تتأتى في الأنساب، فلا يمكننا رد بيعه من هذا الوجه، وطلبنا للرد وجها آخر، فقلنا: إذا تضمن تصرف المدعى عليه إبطال ملك أو حق ملك أو يد استحقه على الغير يرد ومالا فلا، وبعد إقامة الشاهد الواحد لم يضمن تصرفه إبطال شيء من ذلك فلم يصح.

(9/73)


-----
وفي «نوادر هشام»: عن محمد رحمه الله رجل: ادعى دارا في يدي رجل وجحد المدعى عليه، فسئل الطالب البينة فذهب في طلب البينة وباع المدعى عليه الدار فالبيع جائز، وإن كان قد أقام المدعي البينة، ثم باعها المدعى عليه، قال محمد رحمه الله: إن قدرت على المشتري أبطلت البيع، وإن لم أقدر عليه وعدلت البينة خيرت المدعي، فإن شاء أخذ من البائع قيمتها، وإن شاء وقف الأمر حتى يقدم المشتري به.
قال: رجل في يديه عبد ادعاه رجلان، كل واحد منهما يقيم البينة أنه عبده، أودعه الذي هو في يديه، وذو اليد يجحد ذلك أولا يجحد، ولا يقر بل يسكت، فلم يقض القاضي بشهادة الشهود، لعدم ظهور عدالتهم، حتى أقر ذو اليد لأحدهما بعينه أنه عبده أودعنيه، فإن القاضي يدفع العبد إلى المقر له لما مر.
فإذا عدلت الشهود قضى بالعبد بينهما نصفين، وكان ينبغي أن يقضي بجميع العبد للذي لم يقر له ذو اليد؛ لأن المقر له لما صدق ذا اليد فيما أقر وأخذ العبد صار العبد ملكا له رقبة ويدا، فصار المقر له مع صاحبه بمنزلة الخارج مع ذي اليد إذا أقاما البينة على الملك المطلق، فيقضى بكل العبد للخارج.f
واعتبره بما لو أقر ذو اليد لأحدهما قبل أن يقيما البينة، ثم أقام كل واحد منهما بينة على ما ادعى كان العبد كله للذي لم يقر له ذو اليد، لما قلنا فههنا كذلك.

(9/74)


-----
والجواب: وهو الفرق بينما قبل إقامة البينة وبينما بعدها أن التزكية لا تجعل البينة حجة، بل يظهر من ذلك الوقت أن كونها حجة مبنية للاستحقاق من ذلك الوقت، فمتى كان الإقرار بعد إقامة البينة، فعند ظهور العدالة يظهر الاستحقاق قبل الإقرار، فيظهر أن الإقرار كان باطلا لصدوره عن شخص ظهر أنه ليس بمالك، ومتى بطل الإقرار بطل التصديق ضرورة؛ لأنه مبني عليه، فصار وجود الإقرار وعدمه بمنزلة، فأما إذا كانت الشهادة بعد الإقرار فبظهور العدالة لا يظهر الاستحقاق قبل الإقرار، فلا يتبين بطلان الإقرار، وإذا لم يبطل الإقرار صار المقر له صاحب يد، وغير المقر له خارجا، فيقضي ببينة الخارج.

ولو أقام كل واحد من المدعيين شاهدا واحدا على ما ادعاه، ثم أقر ذو اليد بالعبد لأحدهما يدفع العبد إليه، ولا يبطل ما أقام كل واحد منهما من الشاهد الواحد، فإن أقام غير المقر له شاهدا آخر قضى بالعبد له؛ لأن الشاهد الثاني يضاف إلى الشاهد الأول، فصار كأنه أقام شاهدين، ولم يقم الآخر إلا شاهدا واحدا، فإن لم يقض له حتى جاء المقر له بشاهد آخر قضى بالعبد بينهما نصفان؛ لأن إقرار المقر يلحق بالعدم فيما يرجع إلى إبطال ما أدى من الشهادة، ولو انعدم حقيقة، وأضاف كل واحد منهما إلى شهادة شاهد آخر قضى بينهما كذا هنا، إلا أن يقول الذي لم يقر له ذو اليد قبل أن يقضي القاضي بالعبد نصفان: أنا أعيد شاهدي الأول وأقيمها مع الشاهد الآخر على المقر له قبل أن يقضي القاضي بالعبد بينهما فحينئذ يقضي بكل العبد له؛ لأنه حينئذ إيراد اليد عن الخصومة، وأبطل ما أقام عليه من الشهادة، وعدم نفاذ إقرار ذي اليد في حق غير المقر له، إنما كان نظرا له كيلا يبطل ما أقام من الشهادة، فإذا رضي به نفذ ووقع الدعوى بين المقر له وهو ذو اليد وبين غير المقر له وهو الخارج، فعند إقامتهما البينة يقضى للخارج.

(9/75)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية