صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف : محمد بن صالح العثيمين
عدد الأجزاء :7
مصدر الكتاب : الأجزاء الخمسة الأولى من موقع الشيخ على الإنترنت و الباقي من مكتبة سحاب السلفية على الإنترنت
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
و يظهر أن الكتاب فيه نقص و هو غير مكتمل نسأل الله أن يقيض لهذا الكتاب من يراجعه و يتمه.
أخوكم أسامة بن الزهراء- عفا الله عنه- عضو في ملتقى أهل الحديث

الجواب: نقول: نعم، يسقط، بما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد كصلاة الجمعة، فإنه لو ذكر أن عليه فائتة بعد أن أقيمت صلاة الجمعة، ولا يتمكن من قضائها وإدراك الجمعة، فإنه يبدأ بالجمعة؛ لأن فوات جماعة الجمعة كفوات الوقت؛ لأنها لو فاتت الجماعة عليك فاتتك الجمعة، ولا يمكن أن تصليها جمعة بعد فوات الجماعة فيها.
مسألة: وهل يسقط الترتيب بالجهل؟ في هذا خلاف بين العلماء(1) وظاهر كلام المؤلف أنه لا يسقط، فلو جاءنا رجل يسأل ويقول: علي فوائت الظهر والعصر والمغرب.
فبدأت بصلاة المغرب، ثم بالعصر، ثم بالظهر جهلا؟
فالجواب: نقول: كلام المؤلف يدل على أنه لا يسقط الترتيب؛ لأنه لم يذكر لسقوطه إلا النسيان، وخروج وقت اختيار الحاضرة، والفرق بين الجاهل والناسي، أن الجاهل قد يكون مفرطا بترك التعلم فلا يعذر. وعلى هذا؛ فنقول لهذا الرجل الذي سألنا فقدم المغرب، ثم العصر، ثم الظهر: أعد العصر ثم المغرب، أما الظهر فلا يعيدها؛ لأنها في مكانها.
وهكذا كل شيء فيه الترتيب إذا عكست فآخر شيء لا تعيده؛ لأنه يكون هو أول شيء؛ لأن الذي قدمته هو الذي لم يصح، أما الذي كان هو الآخر فيصح؛ ولا يستثنى شيء من هذه القاعدة.
وقال بعض العلماء: بل يسقط الترتيب بالجهل؛ لأن الجهل أخو النسيان في كتاب الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم). قال الله تعالى: ) ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)(البقرة: من الآية286)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»(2)
__________
(1) انظر: "المغني" (2/346)، "الإنصاف" (3/191).
(2) رواه ابن ماجة، كتاب الطلاق: باب طلاق المكره والناسي، رقم (2045)، والطبراني في "الصغير" (1/270)، والدارقطني (4/170)، والبيهقي (7/356)، من حديث ابن عباس.

واستنكره الإمام أحمد جدا. وقال أبو حاتم: "لا يصح هذا الحديث؛ ولا يثبت إسناده". وقال محمد بن نصر: "ليس له إسناد يحتج بمثله".
وللحديث شواهد من حديث أبي الدرداء، وأم الدرداء، وأبي بكرة، وثوبان، وعقبة بن عامر، وأبي ذر، وابن عمر، إلا أن جميعها لا يخلو من مقال وضعف وعلة، بل ونكارة.
قال ابن حجر: "بمجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلا". "موافقة الخبر الخبر" (1/510) كذا قال، والله أعلم.
انظر: "إرشاد الفقيه" لابن كثير ص(90)، "جامع العلوم والحكم" شرح الحديث رقم (39)، "التلخيص الحبير" رقم (451).

(2/119)


فإذا كان هذا جاهلا فإنه لا يضره ترك الترتيب، ونقول: صلاتك صحيحة، وهذا القول هو الصواب.
مسألة : هل يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة؟
الجواب: المذهب: لا يسقط الترتيب، فنقول: ابدأ بالفائتة، ثم صل الحاضرة مع الجماعة إن أدركتها؛ وإلا فلا شيء عليك.
وذهب بعض العلماء إلى أن الترتيب يسقط بخوف فوت الجماعة(1) ولا سيما على القول بأن الجماعة شرط لصحة الصلاة، فيجب أن تقدم الصلاة الحاضرة مع الجماعة ثم تصلي الفائتة.
والقول بأنه يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة، مبني على القول بأنه لا يصح أن يصلي خلف من يصلي صلاة أخرى(2) أما على القول بالجواز(4) فنقول: صل معهم في الجماعة، وانو بها الصلاة الفائتة التي عليك.
مثال ذلك: لو كان عليك الظهر؛ وجئت وهم يصلون العصر، فإنا نقول لك على القول الراجح: ادخل معهم بنية الظهر؛ واختلاف النية لا يضر، لكن على القول بأن اختلاف النية يضر، فإنهم يقولون: لا يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة كما هو المذهب.
فصار عندنا من مسقطات الترتيب خمسة أشياء وهي:
1 - النسيان.
2 - خوف خروج وقت الحاضرة.
3 - خوف فوات الجمعة.
4 - خوف فوات الجماعة.
5 - الجهل.
فالمذهب يعذر بالثلاثة الأول وهي: النسيان، وخوف فوت الوقت، وخوف فوت الجمعة. وأما الرابع والخامس فلا يعذر فيهما، والصحيح أنه يعذر فيهما.
قوله: «ومنها ستر العورة» ، أي: من شروط الصلاة ستر العورة والستر بمعنى التغطية.
والعورة: هي ما يسوء الإنسان إخراجه، والنظر إليه؛ لأنها من «العور» وهو العيب، وكل شيء يسوءك النظر إليه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب.
__________
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/105 – 108)، "الإنصاف" (3/188).
(2) انظر: "الإنصاف" (4/411، 412).

(2/120)


ولكن سنناقش هذا التعبير «ستر العورة». هل جاء في الكتاب أو السنة كلمة «ستر العورة» فيما يتعلق بالصلاة أم لا؟.
الجواب: لا، لم تأت كلمة «ستر العورة» في الكتاب أو السنة، ومن أجل أنه لم تأت ينبغي أن لا نعبر إلا بما جاء في القرآن والسنة في مثل هذا الباب، ونظير هذا التعبير الذي أوهم، تعبير بعضهم في باب محظورات الإحرام بلبس المخيط بدلا عن القميص والسراويل والبرانس والعمامة والخفاف.
ولما قال العلماء: «ستر العورة» اشتبه على بعض الناس عورة الصلاة وعورة النظر واختلطت عليهم؛ حتى قال بعضهم: هذه وهذه سواء. والأمر ليس كذلك، فبين عورة الصلاة وعورة النظر فرق، لا تتفقان طردا ولا عكسا، كما سيتبين إن شاء الله.

(2/121)


إذا؛ فلو عبر بما جاء في القرآن أو السنة لكان أسلم، والذي جاء في القرآن: )يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )(لأعراف: من الآية31). فأمر الله تعالى بأخذ الزينة عند الصلاة، وأقل ما يمكن لباس يواري السوأة، وما زاد على ذلك فهو فضل، والسنة بينت ذلك على سبيل التفصيل، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكا من الملوك بثياب لا تستر، أو نصف بدنه ظاهر، فكيف لا يستحي أن يقف بين يدي ملك الملوك بثياب غير مطلوب منه أن يلبسها؟! ولهذا قال عبد الله بن عمر لمولاه نافع وقد رآه يصلي حاسر الرأس: «غط رأسك، هل تخرج إلى الناس وأنت حاسر الرأس؟ قال: لا. قال: فالله أحق أن تتجمل له»(1) وهذا صحيح لمن عادتهم أنهم لا يحسرون عن رؤوسهم، ولا يمكن أن يخرج حاسر الرأس أمام الناس.
إذا؛ فاتخاذ الزينة غير ستر العورة، ونقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»(2)
__________
(1) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى (22/117) دون عزوه لمصدر، ولم أقف عليه – بهذا اللفظ – سوى عنده. بينما روى عبد الرزاق في "المصنف" (1/357)، وأحمد (1/17)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/377) عن نافع أن ابن عمر كساه ثوبين وهو غلام، فدخل ابن عمر المسجد، فوجده يصلي متوشحا في ثوب، فقال: أليس لك ثوبان تلبسهما؟ فقلت: بلى، فقال: أرأيت لو أرسلتك إلى وراء الدار، أكنت لابسهما؟ قال: نعم، قال ابن عمر: ... فالله أحق أن تزين له...".
قال ابن كثير: "إسناده جيد". "مسند الفاروق" (1/149).
(2) رواه – بهذا اللفظ عبد الرزاق في "المصنف" (1/353)، والنسائي، كتاب الصلاة: باب صلاة الرجل في الثوب الواحد، (3/71) رقم (768) من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.

ورواه البخاري، كتاب الصلاة: باب إذا صلى في الثوب الواحد، رقم (359)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، رقم (516) بلفظ: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقيه منه شيء".

(2/122)


وعاتق الرجل ليس بعورة بالاتفاق، ومع ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بستره في الصلاة فقال: «ليس على عاتقه منه شيء»، فدل هذا على أن مناط الحكم ليس ستر العورة.
وقال (صلى الله عليه وسلم) لجابر: «إن كان ضيقا فاتزر به، وإن كان واسعا فالتحف به»(1) ومعلوم أنه لا يشترط لستر العورة أن يلتحف الإنسان، بل يغطي ما يجب ستره في غير الصلاة.
إذا؛ فليس مناط الحكم ستر العورة، إنما مناط الحكم اتخاذ الزينة، هذا هو الذي أمر الله به، ودلت عليه السنة.
والدليل على أن من شرط صحة الصلاة ستر العورة ما يلي:
1 - قوله تعالى: )يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) (لأعراف:31)
لأن أخذ الزينة يلزم منه ستر العورة.
2 - قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به» فلا بد من الاتزار، وإذا كان واجبا في العبادة، فكل واجب في العبادة شرط لصحتها، فالقاعدة الشرعية: «أن كل واجب في العبادة هو شرط لصحتها». فإذا تركه الإنسان عمدا بطلت هذه العبادة، ولهذا لو ترك الإنسان التشهد الأول، أو الأخير في الصلاة متعمدا بطلت صلاته. وكذلك بقية الواجبات؛ لو تركها متعمدا بطلت الصلاة. ولهذا نقول: إن ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وأن من صلى من غير أن يلبس ما يستر به العورة، أو ما يجب ستره على الأصح، فإن صلاته باطلة.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب إذا كان الثوب ضيقا، رقم (361)، واللفظ له، ومسلم، كتاب الزهد: باب حديث جابر الطويل، رقم (3010)، ولفظه: "إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك".

(2/123)


3 - نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن من صلى عريانا مع قدرته على اللباس فصلاته باطلة(1) وكذلك نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن العلماء اتفقوا على أن الإنسان الذي يصلي عريانا وهو قادر على اللباس فصلاته باطلة(2)
قوله: «فيجب بما لا يصف البشرة» ، «يجب» الفاعل يعود على «ستر العورة»، أي: فيجب ستر العورة «بما» أي: بالذي، ويجوز أن نجعل «ما» نكرة موصوفة، أي: بثوب لا يصف بشرته. أي: يشترط للساتر ألا يصف البشرة، لا ألا يبين العضو. ووصف الشيء ذكر صفاته، والثوب لا يصف نطقا، ولكن يصفه بلسان الحال، فإذا كان هذا الثوب الذي على البدن يبين تماما لون الجلد فيكون واضحا، فإن هذا ليس بساتر. أما إذا كان يبين منتهى السروال من بقية العضو - مثلا - فهذا ساتر.
شروط الثوب:
يشترط في الثوب الساتر أربعة شروط:
الشرط الأول: ألا يصف البشرة كما قال المؤلف، فإن وصفها لم يجزئ؛ لأن الستر لا يحصل بدون ذلك، وعلى هذا لو لبس ثوبا من «البلاستيك» يمنع وصول الماء والهواء، فإنها لا تصح الصلاة به؛ لأن ذلك لا يستر؛ بل هو يصف البشرة.
الشرط الثاني: أن يكون طاهرا. فإذا كان نجسا فإنه لا يصح أن يصلي به، ولو صلى به لا تصح صلاته، لا لعدم الستر، ولكن لأنه لا يجوز حمل النجس في الصلاة، والدليل ما يلي:
1 - قوله تعالى: )وثيابك فطهر) (المدثر:4)، فـ«ثياب» مفعول مقدم لـ«طهر»، يعني «طهر ثيابك» وهو ظاهر في أن المراد ثياب اللباس.
__________
(1) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (6/379).
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/116، 117).

(2/124)


وقال بعض أهل العلم {)وثيابك فطهر }، أي: عملك طهره من الشرك(1) لأن العمل لباس كما قال تعالى: ولباس التقوى)(لأعراف: من الآية26) ، فيكون المراد تنقية العمل من الشرك، ولهذا قال بعدها:)والرجز فاهجر) (المدثر:5)
[المدثر] ، فنقول: الآية تحتمل هذا وهذا، ولا يمتنع أن تحمل على المعنيين؛ لأنهما لا يتنافيان، وكل معنيين يحتملهما اللفظ القرآني أو اللفظ النبوي، ولا يتنافيان فإنهما مرادان باللفظ.
2 - أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي لم يأكل الطعام؛ فأجلسه في حجره، فبال الصبي في حجره، فدعا بماء فأتبعه إياه(2) وهذا يدل على أنه لا بد أن يكون الثوب طاهرا، ولهذا بادر النبي عليه الصلاة والسلام بتطهيره.
3 - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ذات يوم بأصحابه؛ فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما سلم سألهم: لماذا خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذى»(3) وهذا يدل على وجوب التنزه مما فيه نجاسة.
4 - حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان، فقال: «إن أحدهما كان لا يستتر من البول»(4) وفي رواية «يستنزه»، وهذا فيه شيء من النظر والمناقشة.
5 - قوله تعالى: ) وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود)(الحج: من الآية26)، قالوا: فإذا أمر الله تعالى بتطهير المحل، وهو منفصل عن المصلي، فاللباس الذي هو متصل به يكون الأمر بتطهيره من باب أولى.
__________
(1) انظر: "تفسير القرآن العظيم"، لابن كثير (4/531).
(2) تقدم تخريجه (1/30، 437).
(3) تقدم تخريجه ص(99).
(4) تقدم تخريجه بألفاظه (1/133).

(2/125)


الشرط الثالث: أن يكون مباحا، أي: ليس بمحرم، والمحرم ثلاثة أقسام: محرم لعينه، محرم لوصفه، محرم لكسبه.
أما المحرم لعينه: فكالحرير للرجل، فهو حرام على الرجال، فلو صلى رجل بثوب حرير، فصلاته باطلة بناء على هذا الشرط؛ لأنه ستر عورته بثوب غير مأذون فيه، ومن عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله فهو رد.
وأما المحرم لوصفه: فكالثوب الذي فيه إسبال، فهذا رجل عليه ثوب مباح من قطن، ولكنه أنزله إلى أسفل من الكعبين، فنقول: إن هذا محرم لوصفه؛ فلا تصح الصلاة فيه؛ لأنه غير مأذون فيه، وهو عاص بلبسه، فيبطل حكمه شرعا، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
وأما المحرم لكسبه: فأن يكون مغصوبا أو مسروقا، مثل: رجل سرق ثوب إنسان وصلى فيه، فنقول: الصلاة هنا غير صحيحة؛ لأنك سترت عورتك بثوب محرم عليك، فلا تصح صلاتك.
أما الشرطان الأولان فواضحان وأدلتهما ظاهرة.

(2/126)


وأما الثالث؛ فمحل خلاف بين العلماء(1) فمن أهل العلم من يقول: إن الستر يحصل بالثوب المحرم؛ لأن جهة النهي والأمر مختلفة؛ لأن المحرم في هذا الثوب ليس هو لبسه في الصلاة حتى نقول: إنه يعارض الأمر بلبسه في الصلاة. بل المحرم لبس هذا الثوب مطلقا، وعلى هذا فيكون مورد النهي غير مورد الأمر، يعني: لو قيل لك: لا تلبس الحرير في الصلاة، ثم لبسته، فحينئذ لا تصح صلاتك؛ لأن مورد الأمر والنهي واحد، والأمر اتخاذ اللباس أو الزينة، والنهي عن لبس الحرير في الصلاة، لو كان الأمر كذلك لقلنا: إن الصلاة لا تصح لتعارض الأمر والنهي. لكن في مسألتنا النهي خارج عن الصلاة، لا تلبس الحرير مطلقا، وهذا الرجل لبسه، فهو آثم بلبسه لا شك؛ لكنه ليس على وجه يختص بالصلاة حتى نقول: إنه ينافيها.
وعلى هذا؛ فإذا صلى بثوب محرم فصلاته صحيحة؛ لكنه آثم؛ لأنه متلبس بثوب محرم.
الشرط الرابع: يشترط لوجوب الستر ألا يضره، فلو كان الثوب فيه مسامير، فهل نلزمه بأن يلبس هذا الثوب الذي يأكل جلده أو يدميه؟
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى لم يوجب على عباده ما يشق عليهم، ثم هو في أثناء صلاته لا يمكن أن يطمئن أبدا.
ولو أن إنسانا في جلده حساسية لا يمكن أن تقبل أي ثوب، ولو لبس ثوبا لكان مشغولا جدا فماذا يصنع؟
فالجواب: أن يقال: إن الحرير يخفف هذه الحساسية، وأن الإنسان إذا كان في جلده حساسية ولبس الحرير، فإن الحساسية تبرد عليه ما دام عليه هذا الثوب. وحينئذ نقول: البس ثوبا من حرير إذا تمكنت، وإذا لم تتمكن فصل حسب الحال.
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (3/223).

(2/127)


قوله: «وعورة رجل وأمة، وأم ولد، ومعتق بعضها، من السرة إلى الركبة...» ، بدأ المؤلف يفصل في العورة. فالعورة في الصلاة على المشهور من مذهب الحنابلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مغلظة، ومخففة، ومتوسطة.
فالمخففة: عورة الذكر من سبع إلى عشر سنوات، وهي الفرجان فقط، أي: إذا ستر قبله ودبره فقد أجزأه الستر، ولو كانت أفخاذه بادية.
والمغلظة: عورة الحرة البالغة؛ فكلها عورة إلا وجهها؛ فإنه ليس عورة في الصلاة، وإن كان عورة في النظر، ونحن نضطر إلى أن نعبر بكلمة عورة، ولو كنا في باب ما يجب ستره في الصلاة تبعا للمؤلف، ولو صلت في بيتها وليس عندها أحد لوجب أن تستر كل شيء إلا وجهها.
والمتوسطة: ما سوى ذلك، وحدها ما بين السرة والركبة، فيدخل فيها الذكر من عشر سنوات فصاعدا، والحرة دون البلوغ، والأمة ولو بالغة.
وقوله: «وعورة رجل» إلى أن قال: «من السرة إلى الركبة». الرجل في الأصل: الذكر البالغ، والمراد هنا: من بلغ عشر سنين فما فوق، وقد ذكر المصنف - أي: في العورة المتوسطة - أربعة أصناف:
أولا: الذكر من عشر سنوات فما فوق، فعورته من السرة إلى الركبة، سواء كان حرا أم عبدا.
ثانيا: الأمة - ولو بالغة - وهي المملوكة، فعورتها من السرة إلى الركبة، فلو صلت الأمة مكشوفة البدن ما عدا ما بين السرة والركبة، فصلاتها صحيحة، لأنها سترت ما يجب عليها ستره في الصلاة.

(2/128)


وأما في باب النظر: فقد ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن عورة الأمة أيضا ما بين السرة والركبة(1) ولكن شيخ الإسلام رحمه الله في باب النظر عارض هذه المسألة(2) كما عارضها ابن حزم في باب النظر، وفي باب الصلاة(3) وقال: إن الأمة كالحرة؛ لأن الطبيعة واحدة والخلقة واحدة، والرق وصف عارض خارج عن حقيقتها وماهيتها، ولا دليل على التفريق بينها وبين الحرة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن الإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كن لا يحتجبن كالحرائر؛ لأن الفتنة بهن أقل، فهن يشبهن القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا، قال تعالى فيهن: ) فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ) (النور: من الآية60)، يقول: وأما الإماء التركيات الحسان الوجوه، فهذا لا يمكن أبدا أن يكن كالإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويجب عليها أن تستر كل بدنها عن النظر، في باب النظر.
وعلل ذلك بتعليل جيد مقبول، فقال: إن المقصود من الحجاب هو ستر ما يخاف منه الفتنة بخلاف الصلاة، ولهذا يجب على الإنسان أن يستتر في الصلاة، ولو كان خاليا في مكان لا يطلع عليه إلا الله. لكن في باب النظر إنما يجب التستر حيث ينظر الناس. قال: فالعلة في هذا غير العلة في ذاك، فالعلة في النظر: خوف الفتنة، ولا فرق في هذا بين النساء الحرائر والنساء الإماء. وقوله صحيح بلا شك، وهو الذي يجب المصير إليه.
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (20/54).
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/109 – 120)، "الاختيارت" ص(40، 41).
(3) انظر: "المحلى" (3/218، 219).

(2/129)


وقوله: «وأم ولد» هذا هو الثالث، وأم الولد: هي الأمة التي أتت من سيدها بولد، وهي رقيقة حتى يموت سيدها، فإذا مات سيدها عتقت بموته وحكمها حكم الأمة؛ أي: أن عورتها من السرة إلى الركبة.
وقوله: «ومعتق بعضها» هذا هو الرابع، أي: بعضها حر وبعضها رقيق.
مثال ذلك: أمة بين رجلين مملوكة لهما، فإذا أعتق أحدهما نصيبه عتق الباقي، وأخذ من السيد المعتق قيمته لمالك النصف، فإذا كان الذي أعتق نصيبه فقيرا فإن المشهور من المذهب أنه لا يعتق الباقي، وعللوا ذلك بأنه لو سرى العتق إلى الباقي تضرر الشريك بأن خرج من ملكه بدون عوض(1)
وأيضا: المعسر؛ لا نوجب عليه العتق وهو معسر، ولو كان على المعسر كفارة لم نوجبها عليه فكيف نوجب عليه سريان العتق؟
فهذا الفقير لا يمكن أن يسري عليه العتق؛ لأنه فقير، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فتكون الأمة مبعضة.
ولو قال قائل: لماذا لا يسري العتق ويبقى هذا دينا في ذمته؟.
قلنا: في هذا ضرر عليه؛ لأن ذمته تكون مشغولة، وضرر على صاحب النصف؛ لأن عوض نصيبه يبقى مؤخرا إلى أجل غير مسمى.
ولكن هناك قولا آخر في المسألة وهو: أن يستسعى العبد(2) فيقال له: اعمل لتحرر نفسك، فإذا كان العبد لا يستطيع أن يعمل؛ فحينئذ يتصور أن يكون معتقا بعضها، فهذه تعطى حكم الرقيق.
فإن قال قائل: لماذا لا تعطونها حكم الحرة تغليبا لجانب الحظر، واحتياطا للواجب؟
__________
(1) انظر: "الإقناع" (3/256، 257).
(2) انظر: "الإنصاف (19، 51).

(2/130)


فالجواب: أن الشرط لم يتحقق، فالمسألة هنا ليست لوجود مانع، بل هي لفوات شرط، والشرط هو الحرية الكاملة، وليس هنا حرية كاملة فالشرط لم يتم، ولا بد من استتمام الشروط، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»(1)
وعلى هذا؛ فالمرأة المعتق بعضها كالأمة الخالصة.
وقوله: «من السرة إلى الركبة»، المعروف أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها إذا ذكر ابتداؤها، مثل أن تقول: لك من الأرض من ههنا إلى ههنا. وعلى هذا تكون السرة في ظاهر كلام المؤلف داخلة في العورة؛ لأنها ابتداء الغاية فيجب سترها، والركبة غير داخلة.
وفي المسألة أقوال(2)
أحدها: أن الركبة داخلة في العورة فيجب سترها.
القول الثاني: أن السرة والركبة كلتيهما من العورة فيجب سترهما.
القول الثالث: - وهو المشهور من المذهب - أن السرة والركبة لا تدخلان، فلا يجب سترهما، وعلى هذا؛ فالعبارة التي تخرجهما أن يقال: «ما بين السرة والركبة».
قوله: «وكل الحرة عورة إلا وجهها» ، فيجب ستر جميع بدنها إلا وجهها، وليس هناك دليل واضح على هذه المسألة، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الحرة عورة إلا ما يبدو منها في بيتها وهو الوجه والكفان والقدمان. وقال: إن النساء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كن في البيوت يلبسن القمص، وليس لكل امرأة ثوبان(3) ولهذا إذا أصاب دم الحيض الثوب غسلته وصلت فيه(4) فتكون القدمان والكفان غير عورة في الصلاة؛ لا في النظر.
__________
(1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/381).
(2) انظر: "الإنصاف" (3/205).
(3) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/109 – 120).
(4) تقدم تخريجه (1/29).

(2/131)


وبناء على أنه ليس هناك دليل تطمئن إليه النفس في هذه المسألة، فأنا أقلد شيخ الإسلام في هذه المسألة، وأقول: إن هذا هو الظاهر إن لم نجزم به؛ لأن المرأة حتى ولو كان لها ثوب يضرب على الأرض، فإنها إذا سجدت سوف يظهر باطن قدميها، وعلى كلام المؤلف لا بد أن يكون الثوب ساترا لباطن القدمين وظاهرهما، وكذلك الكفان، ولا يبقى إلا الوجه، والوجه حده كحد الوجه في الوضوء تماما، أي: من منحنى الجبهة من فوق إلى أسفل اللحية من أسفل، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وعلى هذا فيجب عليها أن تتحفظ بالنسبة لشعر الرأس ألا يخرج؛ بناء على أنه ما دام متصلا فله حكم المتصل. وقد قال ابن رجب في القاعدة الثانية: إن في المذهب خلافا في هذا، فمنهم من يقول: إن الشعر في حكم المتصل، ومنهم من يقول: إنه في حكم المنفصل(1)
وأما في باب النظر، فالمقصود منه سد ذرائع الفتنة، فيجب عليها ستر الوجه عن غير المحارم، وممن يرى وجوب ستر الوجه شيخ الإسلام، وكذلك يرى وجوب ستر الكفين والقدمين للمرأة، بناء على أن العلة الافتتان، بخلاف الصلاة (1) ، فالمقصود أخذ الزينة.
فصار المذهب على أن العورة ثلاثة أقسام:
الحرة البالغة كلها عورة إلا وجهها(2)
والذكر من سبع سنين إلى عشر عورته الفرجان فقط(3)
وما سوى ذلك ما بين السرة والركبة وقد سبق بيان ذلك.
__________
(1) انظر: "القواعد" لابن رجب ص(4).
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/109، 120).
(3) انظر: "الإنصاف" (3/200، 201).

(2/132)


وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أن عورة الرجل الفرجان فقط(1) وظاهر النقل: أنه لا فرق بين الصلاة والنظر، وأن هذه الرواية حتى في الصلاة، وأنه يمكن للرجل أن يصلي وهو لم يستر إلا السوأتين فقط، ولكن شيخ الإسلام أبى ذلك وقال: أما في الصلاة فلا ينبغي أن يكون خلاف في أن الواجب ستر الفخذين(8). وأما في النظر؛ فالنظر شيء آخر.
وهذا الذي ذكره هو القول الراجح المتعين، ولهذا كان الصحابة إذا كانت عليهم أزر قصيرة يعقدونها على مناكبهم حتى لا تنزل(2) وهذا يدل على أنهم يرون أن الصلاة لا بد فيها من ستر ما بين السرة والركبة، حتى وإن قلنا إن الفخذ ليس بعورة. وما قاله صحيح، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إن كان ضيقا فاتزر به»(3) وقال: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»(4) فالصلاة ليست مبنية لا طردا ولا عكسا على مسألة النظر، ولذلك تجد أن الرجل لو خلا بامرأته جاز أن ينظر إلى جميع بدنها، وأن تنظر إلى جميع بدنه، لكن لو صلت بحضرته فقط يجب عليها الستر، وكذلك لو صلى هو أيضا بحضرتها يجب عليه الستر.
وبناء على ذلك فنقول: الفخذان في الصلاة لا بد من سترهما؛ لأن هذا أدنى ما يقال إنه زينة، والله يقول: )يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )(لأعراف: من الآية31).
__________
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/116).
(2) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب عقد الثياب وشدها (814)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب أمر النساء المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رؤوسهن من السجود حتى يرفع الرجال (441) من حديث سهل بن سعد.
(3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص(151).
(4) تقدم تخريجه ص(150).

(2/133)


وأما في النظر؛ فالمقصود منه سد ذرائع الفتنة، فالنظر إلى ما كان محاذيا للسوأتين فله حكمهما، يعني أعلى الفخذ له حكم السوأتين، وما دون ذلك من الفخذ، فإن الذي يظهر من النصوص أنه ليس بعورة من حيث النظر؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد حسر عن فخذه(1) وهو - عليه الصلاة والسلام - أشد الناس حياء، لكن بالنسبة للشباب أرى أنه لا بد أن يستر الشاب فخذه كله وما دون السرة، خوفا من الفتنة، ولا تقل إنه لا فتنة؛ لأنه لا يفتتن ذكر بذكر مثله، فهذا القول ليس بصواب، وهو خلاف الواقع، فإن من الناس من يفتتن بالشاب، ولو كان ذكرا، ومن الناس من لا يهتم به، وكأنما ينظر إلى أحد أولاده، فلا يمكن أن يتمتع بالنظر إليه، ومن الناس من حكى الله عنهم أنهم يأتون الرجال شهوة فيذهبون إلى محل القذر والأذى - والعياذ بالله - ويدعون ما خلق الله لهم من أزواجهم، ولو كانت من أجمل النساء.
وقال شيخ الإسلام: يحرم النظر إليه - أي: إلى الشاب الذي يخاف من النظر إليه الفتنة - إذا تمتع الإنسان بالنظر إليه أو تلذذ؛ لأن هذا شر(2) وكم نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلابل، كما قاله الإمام أحمد(3)
قوله: «وتستحب صلاته في ثوبين» ، أي: ينبغي للإنسان أن يصلي في ثوبين؛ لأنهما أستر، ومن الثوبين: الإزار والرداء.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب ما يذكر في الفخذ، رقم (371)، ومسلم، كتاب النكاح: باب فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها، رقم (1365) عن ا،س بن مالك رضي الله عنه.
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (21/249 – 253)، "الاختيارات" ص(201).
(3) انظر: "الإنصاف" (20/54).

(2/134)


والثوب الواحد إما أن يكون رداء سابغا يلتحف به، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى ملتحفا به(1) وإما أن يكون إزارا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لجابر بن عبد الله : «إن كان ضيقا فاتزر به»(2) فالثوب الواحد مجزئ، وسواء كان ثوبا سابغا يلتحف به جميع بدنه أم كان إزارا، وقد صلى جابر بن عبد الله في إزار، ورداؤه على المشجب، فذكره رجل بذلك، فقال: «فعلت هذا ليراه أحمق مثلك»(3) جاهل، لا سيئ التصرف؛ لأن الأحمق هو الذي يرتكب الخطأ عن عمد، والمخطئ الذي يرتكبه عن جهل وعدم عمد، ومراد جابر بالأحمق: الجاهل؛ لأنه ورد في لفظ آخر: «ليراه الجهال»(4)
والمشجب: ثلاثة أعواد تقرن رؤوسهن، ويفرج ما بين قوائمها وتثبت على الأرض، يستعملها الناس لتعليق الأسقية عليها أو غير ذلك(5)
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به، رقم (354)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد، رقم (517) عن عمر بن أبي سلمة.
(2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص(151).
(3) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب القفا في الصلاة، رقم (352)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق: باب حديث جابر الطويل، رقم (3008). من حديث جابر.
(4) 10) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة بغير رداء، رقم (370).
(5) "القاموس المحيط" ص(127)، وانظر: "الفتح" شرح حديث رقم (352).

(2/135)


لكن الأفضل أن يصلي في ثوبين؛ لأنه أبلغ في الستر وأحوط، وصح عن عمر بن الخطاب أنه قال: «إذا وسع الله عليكم فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص...»(1) وذكر أشياء، فدل هذا على أنه إذا كان الإنسان في سعة فالثوبان أفضل، ويؤيد ما ذهب إليه عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ فقال: «أولكلكم ثوبان»(2) وهذا يدل على أن الثوب الواحد مجزئ، لكن إذا أوسع الله علينا فلنوسع، لأن قوله: «أولكلكم ثوبان» يدل على أنه ليس لكل أحد من الناس ثوبان، بل كثير من الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على ثوب واحد.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في القميص والسراويل، رقم (365).
(2) رواه البخاري، كتاب الصلاة: باب الصلاة في الثوب الواحد، رقم (358)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد، رقم (515) عن أبي هريرة.

(2/136)


وظاهر كلام المؤلف: أن ستر الرأس ليس بسنة؛ لأنه قال: «صلاته في ثوبين» إزار ورداء، قميص ورداء، وما أشبه ذلك، فظاهره أنه لا يشرع ستر الرأس، وقد سبق في أثر ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: «أتخرج إلى الناس حاسر الرأس؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يستحى منه»(1) وهو يدل على أن الأفضل ستر الرأس، ولكن إذا طبقنا هذه المسألة على قوله تعالى:)يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )(لأعراف: من الآية31) تبين لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزينة، أما إذا كنا في قوم لا يعتبر ذلك من أخذ الزينة، فإنا لا نقول: إن ستره أفضل، ولا إن كشفه أفضل، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه كان يصلي في العمامة»(2) والعمامة ساترة للرأس.
قوله: «ويكفي ستر عورته في النفل» ، أي: عورة الرجل، وهي ما بين السرة والركبة، إلا من سبع إلى عشر فهي الفرجان، القبل والدبر، فيكفي ستر العورة، أما الزيادة فهو سنة.
وقوله: «في النفل»، النفل: كل ما عدا الفرض، كالرواتب التابعة للمكتوبات؛ وركعتي الضحى وغيرهما.
__________
(1) تقدم الكلام عليه ص(150).
(2) روى البخاري، كتاب الوضوء: باب المسح على الخفين، رقم (205)، عن جعفر بن عمرو عن أبيه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته"، وما مسح عليها في الوضوء إلا ليصلي بها.
- وروى مسلم، كتاب الحج: باب دخول مكة بغير إحرام، رقم (1359)، عن عمرو بن حريث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر وعليه عمامة سوداء...".
- وروى البخاري، كتاب الصلاة: باب السجو على الثوب في شدة الحر، معلقا بصيغة الجزم، ووصله عبد الرزاق (1/400)، وابن أبي شيبة عن الحسن: "أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسجدون على عمائمهم...".

(2/137)


والمهم: أن صلاة النافلة يكفي فيها ستر العورة.
أما الفريضة فقد قال المؤلف: «ومع أحد عاتقيه في الفرض» ، يعني: أنه يجب ستر أحد العاتقين مع العورة في الفرض، وهو ما يأثم بتركه كالصلوات الخمس والجمعة.
وظاهر كلامه: أنه يشمل الفرض بأصل الشرع والواجب بالنذر، ويشمل فرض العين، وفرض الكفاية؛ كصلاة الجنازة، وصلاة العيدين على أحد الأقوال(1)
والعاتق: هو موضع الرداء من الرقبة، فالرداء يكون ما بين الكتف والعنق، ففي الفريضة لا بد أن تضيف إلى ستر العورة ستر أحد العاتقين الأيمن أو الأيسر. والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»(2) وفي لفظ: «ليس على عاتقيه منه شيء»(3) بالتثنية، والتثنية لا تعارض المفرد؛ لأن المفرد مضاف، والمضاف يعم.
وهذا الدليل أعم من المدلول، فالدليل: «لا يصلين أحدكم» وهذا يشمل الفرض والنفل، فكوننا نستدل بالأعم على الأخص يعتبر نقصا في العمل بالنص؛ لأنه إذا دل النص على حكم عام؛ ثم قصرته على بعض أفراده؛ كان ذلك نقصا في العمل به؛ إذا إن العام يجب العمل بعمومه إلا بدليل، ولا دليل هنا، فمقتضى الاستدلال بالحديث العموم في الفرض والنفل: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء»(8)، والتفريق بين الفرض والنفل مخالف لظاهر الحديث. ثم إن المؤلف يقول: «مع أحد عاتقيه»، والحديث يدل على ستر العاتقين جميعا، وما قاله المؤلف هو المشهور من المذهب.
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (5/416، 317).
(2) تقدم تخريجه ص(150).
(3) هذا لفظ الصحيحين، وقد تقدم تخريجه ص(150).

(2/138)


والقول الثاني: أن ستر العاتقين سنة؛ وليس بواجب؛ لا فرق بين الفرض والنفل(1) لحديث: «إن كان ضيقا فاتزر به»(2) وهذا القول هو الراجح، وهو مذهب الجمهور(3) وكونه لا بد أن يكون على العاتقين شيء من الثوب ليس من أجل أن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس وشد الإزار؛ لأنه إذا لم تشده على عاتقيك ربما ينسلخ ويسقط، فيكون ستر العاتقين هنا مرادا لغيره لا مرادا لذاته.
قوله: «وصلاتها في درع وخمار وملحفة» ، الضمير يعود على المرأة يعني: تسن صلاة المرأة في درع وخمار وملحفة.
والدرع هو: القميص السابغ الذي يصل إلى القدمين. والخمار: ما يلف على الرأس. والملحفة: ما يلف على الجسم كله كالعباءة والجلباب وما أشبههما. فيسن للمرأة أن تصلي في هذه الأثواب الثلاثة: درع، وخمار، وملحفة. ولم يذكر السراويل، بل اقتصر على هذا؛ لأن هذا هو ما روي عن عمر وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم(4)
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (3/213 – 218).
(2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص(151).
(3) انظر: "المغني" (2/289 – 292)، "المجموع شرح المهذب" (3/175).
(4) روى أبو بكر بن أبي شيبة، كتاب الصلاة: باب المرأة في [كم] ثوب تصلي، رقم (6167)، والبيهقي (2/235) عن عمر بن الخطاب قال: "تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وإزار". قال ابن كثير: "إسناده صحيح، على شرطهما". "مسند الفاروق" (1/151).
- وروى عبد الرزاق الصنعاني (3/128)، وأبو بكر بن أبي شيبة، الموضع السابق، رقم (6168)، وأبو داود، كتاب الصلاة: باب في كم تصلي المرأة، رقم (639)، والبيهقي في المعرفة والآثار" (3/145) عن أم سلمة قالت: "تصلي في الخمار، والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها". وروي نحو ذلك عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأم حبيبة، وميمونة بنت الحارث.

انظر: "المصنف" لعبد الرزاق الصنعاني، و "المصنف" لأبي بكر بن أبي شيبة – المواضع السابقة.

(2/139)


أن المرأة تصلي في الدرع والخمار، فلو اقتصرت على الدرع والخمار أجزأ، لكن لا بد من ستر اليدين بالقفازين، وستر القدمين إما بالجوارب، وإما بأن يجعل الدرع سابغا بناء على القول بأنه لا بد من ستر الكفين والقدمين. أما على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية(1) وصاحب «الإنصاف»(2) فإنه لا يجب ستر الكفين والقدمين، وبناء على ذلك: يكفي إذا كان الدرع إلى القدمين وأكمامه إلى الرسغ.
قوله: «ويجزئ ستر عورتها» ، أي: يجزئ المرأة ستر عورتها، ولو بثوب واحد، فلو تلفلفت المرأة بثوب يستر رأسها وكفيها وقدميها وبقية بدنها، ولا يخرج منه إلا الوجه أجزأ، ولو لفت نفسها بثوب يخرج منه الكفان والقدمان مع الوجه أجزأ على القول الراجح.
وهنا لم يفرق المؤلف في ستر المرأة بين الفرض والنفل؛ لعدم الدليل، وفرق في ستر عورة الرجل بناء على استدلاله بالحديث(3) وسبق بيان ذلك(4) وأن ظاهر الحديث لا فرق بين الفرض والنفل.
قوله: «ومن انكشف بعض عورته وفحش» ، «من» شرطية «انكشف» فعل الشرط «أعاد» جوابه. «انكشف» أي: زال عنه الستر و«بعض العورة» يشمل السوأة وغيرها مما قلنا إنه عورة.
وقوله: «فحش»، أي: غلظ وعظم، ولم يقيده المؤلف بشيء، يعني لم يقل: قدر الدرهم، أو قدر الظفر، أو قدر جب الإبرة وما أشبه ذلك، فيرجع إلى العرف؛ لأن الشيء إذا لم يقيد بالشرع أحيل على العرف، وعليه قول الناظم:
وكل ما أتى ولم يحدد …………بالشرع كالحرز فبالعرف احدد(5)
__________
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/114، 115).
(2) انظر: "الإنصاف" (3/206، 209).
(3) تقدم تخريجه ص(150).
(4) انظر: ص(167، 168).
(5) انظر: "منظومة في أصول الفقه وقواعد فقهية"، للمؤلف رحمه الله ص(16).

(2/140)


وعلى هذا فنقول: «فحش» أي عرفا، فإذا قال الناس: هذا كبير، كان فاحشا. وإذا قالوا: هذا يسير، يكون غير فاحش ولا يؤثر.
ثم إن الفحش يختلف باختلاف المنكشف، فلو انكشف شيء من أسفل الفخذ مما يلي الركبة على قدر الظفر، وانكشف على السوأتين نفسهما على قدر الظفر لعد الثاني فاحشا، والأول غير فاحش.
فإذا؛ اختلف باعتبار المكان الذي انكشف، وبناء على ذلك يوجد بعض الناس يكون عليهم «بنطلون»، ثم إذا سجد انكشف بعض الظهر من أسفل الظهر بعيدا عن الدبر، فإذا كان انكشافا يسيرا في العرف، كأن يكون كخط الإصبع مثلا، فهذا يسير لا يضر، أما إذا كان السروال قصيرا ثم لما سجد انكشف منه كثير فهذا فاحش.
وظاهر قوله: «ومن انكشف»، أن هذا انكشاف دون عمد، وأنه لو تعمد لم تصح الصلاة، سواء كان الانكشاف يسيرا، أم فاحشا؛ لأن هناك فرقا بين الانكشاف وبين الكشف. وعلى هذا فلو تعمد أن يكشف شيئا من عورته ولو يسيرا، ولو في زمن يسير، فإن صلاته تبطل، فلو رفع سرواله ليحك ركبته، ورفع حتى ظهر الفخذ - وقلنا إن الفخذ عورة - بطلت صلاته؛ لأنه تعمد الكشف.
فإن فحش ولكنه في زمن يسير، بحيث انكشف ثم ستره؛ فظاهر كلام المؤلف أن صلاته لا تصح، وهذا ليس بصحيح، بل نقول: إذا انكشف كثير وستره في زمن يسير، فإن صلاته لا تبطل، ويتصور ذلك فيما لو هبت ريح، وهو راكع وانكشف الثوب، ولكن في الحال أعاده، فظاهر كلام المؤلف أن الصلاة تبطل، والصحيح: أنها لا تبطل؛ لأنه ستره عن قرب، ولم يتعمد الكشف، وقد قال تعالى: (فأتقوا الله ماأستطعتم)(التغابن :16).
وخلاصة هذه المسألة:
أولا: إذا كان الانكشاف عمدا بطلت الصلاة، قليلا كان أو كثيرا، طال الزمن أو قصر.
ثانيا: إذا كان غير عمد وكان يسيرا، فالصلاة لا تبطل.

(2/141)


ثالثا: إذا كان غير عمد، وكان فاحشا لكن الزمن قليل، فظاهر كلام المؤلف أنها تبطل، والصحيح أنها لا تبطل.
رابعا: إذا انكشف عن غير عمد انكشافا فاحشا، وطال الزمن بأن لم يعلم إلا في آخر صلاته، أو بعد سلامه، فهذا لا تصح صلاته؛ لأنه فاحش والزمن طويل.
مثاله: إنسان صلى في سروال أو إزار، وبعد صلاته وجد أن هناك فتحة كبيرة تحاذي السوأة، ولكن لم يعلم بها إلا بعد أن سلم، فنقول: صلاته غير صحيحة ويعيد؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، والغالب عليه في مثل الحال أنه مفرط. أما إذا انشق الثوب في أثناء الصلاة، وهذا يقع كثيرا، ولا سيما في الثياب الضيقة، ثم بسرعة أمسكه بيده فالصلاة صحيحة؛ لأنه وإن كان فاحشا فالزمن قصير، ولم يتعمد.
قوله: «أو صلى في ثوب محرم عليه» ، أي: لم تصح صلاته؛ لأنه سبق أن من شرط الساتر أن يكون مباحا(1) فإذا صلى في ثوب محرم عليه، إما لكسبه، وإما لعينه، وإما لوصفه، وإما لكون ثمنه المعين حراما، فصلاته غير صحيحة.
مثال المحرم لكسبه: أن يكون مغصوبا، أو مسروقا، أو ما أشبه ذلك.
ومثال المحرم لعينه: أن يكون حريرا على رجل، أو فيه صور على رجل أو امرأة، لأن الثوب الذي فيه صور حرام لبسه على الرجال والنساء.
ومثال المحرم لوصفه: صلاة الرجل في ثوب امرأة أو بالعكس.
__________
(1) انظر: ص(154).

(2/142)


ومثال المحرم لكون ثمنه المعين حراما: لو اشترى بدراهم سرقها ثوبا، ففيه تفصيل: إن وقع العقد على عين الدراهم لم تصح الصلاة فيه، وإن وقع العقد على غير عين الدراهم، أي: في ذمة المشتري، فالصلاة فيه صحيحة. وهذا من دقة الفقهاء رحمهم الله، فإذا جئت لصاحب الثوب وقلت: بع علي هذا الثوب بهذه الدراهم يعني المسروقة - فباعه، فإنه لا تصح الصلاة فيه؛ لأن العقد فاسد؛ لوقوعه على عين النقود المحرمة المسروقة، لكن لو قلت: بع علي هذا الثوب بعشرة، وباعه عليك، وأوفيت الثمن من دراهم مسروقة، فالعقد صحيح مع أن ثمنه محرم؛ لكنها لم تعين الدراهم في العقد، لأن الثمن ثبت في الذمة، وأوفاه المشتري من الدراهم المسروقة.
والدليل على عدم صحة الصلاة: أن الستر عبادة، والعبادة إذا وقعت على وجه منهي عنه، فقد وقعت على غير أمر الله وأمر رسوله فتكون مردودة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»(1)
ولأن الستر شرط من شروط الصلاة، ولبس هذا الثوب محرم، ولا يمكن أن يرد وجوب وتحريم على عين واحدة، فهذا الثوب المحرم يلبسه للصلاة على سبيل الوجوب، ويحرم لبسه؛ لأنه محرم، فيتصادم عندنا الوجوب والتحريم، وإذا تصادما فإن وجود المحرم كعدمه شرعا، فلا يكون قائما بالواجب عليه، وحينئذ يكون هذا الستر كالعدم؛ لأنه جعل المنهي عنه بدلا عن المأمور به، فاصطدم الأمر والنهي، فبطل الأمر وصار كأنه لم يأت بما أمر به، وهذا تعليل قوي، ويؤيده الحديث الذي يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الرجل المسبل إزاره أنه أمره بإعادة الصلاة(2) وهذا يدل على أنه من شرط الثوب الذي تستر به العورة أن يكون مباحا.
__________
(1) تقدم تخريجه (1/186).
(2) تقدم تخريجه (1/230).

(2/143)


وذهب كثير من أهل العلم: إلى أن الصلاة لا تبطل إذا ستر عورته بثوب محرم(1) لأن الستر حصل به، والجهة منفكة؛ لأن تحريم لبس الثوب ليس من أجل الصلاة؛ ولكنه تحريم مطلق، فلو قال الشارع مثلا: لا تصل في هذا الثوب، فصلى فيه، قلنا: إن الصلاة باطلة إن صليت في هذا الثوب؛ لأن الصلاة فيه تناقض نهي الشارع عن الصلاة فيه، أما والشارع لم ينه عن الصلاة في هذا الثوب، وإنما نهى عن لبس الثوب المحرم مطلقا في صلاة أو غيرها، فهذا لا يقتضي بطلان الصلاة؛ لأن الجهة منفكة، فالأمر بلبس الثوب في الصلاة من أجل الصلاة )يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد)(لأعراف: من الآية31)، والنهي عن لبس الثوب المحرم، لا من أجل الصلاة، ولكن من أجل استعمال شيء لا يجوز لك استعماله.
وهذا القول - أعني صحة الصلاة بستر العورة بثوب محرم - هو الراجح، إلا إذا ثبت الحديث في المسبل ثوبه بإعادة الصلاة، فإن ثبت الحديث تعين القول بموجبه، لكن كثيرا من أهل العلم ضعفه(2) وقالوا: لا تقوم به حجة، ولا يمكن أن نلزم إنسانا بإعادة صلاته بناء على حديث ضعيف.
ولو صلى في ثوب محرم وعليه غيره؟ فظاهر كلام المؤلف أن الصلاة لا تصح؛ لأنه قال: «أو صلى في ثوب محرم عليه»، ولم يقل: «ستر بثوب محرم عليه»، وعلى هذا؛ فلو صلى في ثوب حرير وتحته ثوب قطن أو صوف، فصلاته غير صحيحة على مقتضى كلام المؤلف، وقيل: إن كان الثوب المحرم شعارا والمباح دثارا فإنها لا تصح، وإن كان العكس صحت(3)
__________
(1) انظر: "المغني" (2/303)، "المجموع شرح المهذب" (3/180).
(2) انظر: (1/230).
(3) انظر: "الإنصاف" (3/224).

(2/144)


والشعار: الذي يلي الجسد، والدثار: الفوقاني، لأنه إذا كان شعارا صار الستر به، وإن كان دثارا فالستر بالذي تحته، فيفرق بين هذا وهذا، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق.
والراجح: ما سبق من أن الصلاة في الثوب المحرم صحيحة.
مسألة : إذا سألنا سائل قد صلى في ثوب محرم، فلا يتوجه أمره بالإعادة. وأما إذا سألنا قبل أن يصلي فنقول: يجب عليك أن تخلعه، لا من أجل الصلاة فحسب، ولكن لأنه ثوب محرم لا يجوز استعماله، فهناك فرق بين أن يمكن الإنسان من أن يستعمل المحرم فلا نمكنه، وبين أن يسأل عن أمر قد مضى وانقضى، فلا يؤمر بالإعادة، لكن على المذهب تجب الإعادة.
ويشترط لبطلان الصلاة في الثوب المحرم أن يكون عالما ذاكرا، فإن كان جاهلا أو ناسيا فلا إعادة عليه.
مسألة : إذا لم يجد إلا ثوبا محرما فهل يصلي فيه؟.
الجواب: ننظر، فإن كان محرما لحق العباد كالمغصوب، فإنه لا يصلي فيه، فإذا لم يكن عليه إلا ثوب مغصوب نقول: اخلع الثوب وصل عريانا، ولا يجوز أن تصلي بالثوب؛ لأنه محرم لحق العباد؛ إلا إذا كنت مضطرا لدفع البرد فهنا صل به؛ لأن لبسه حينئذ مباح. وإن كان محرما لحق الله فلا حرج عليه أن يصلي فيه، كالثوب الحرير للرجل إذا لم يجد غيره، فإنه يصلي فيه؛ لأن التحريم لحق الله يزول عند الضرورة، وحينئذ يصلي ولا إعادة عليه، وكذلك لو كان ثوبه فيه صور يصلي فيه إذا لم يجد غيره.

(2/145)


وقال بعض أهل العلم: إذا كان محرما لحق العباد لا بأس أن يصلي فيه؛ لأن هذا استعمال يسير جرت العادة والعرف بالتسامح فيه(1) ونحن يغلب على ظننا أن صاحب هذا الثوب إذا علم أنك استعملته لعدم وجود غيره فسوف يسمح، هذا هو الغالب إن لم يكن المعلوم. وهذا القول ليس بعيدا من الصواب، ولا سيما إذا كنت تعرف أن صاحب هذا الثوب رجل كريم جيد، فهنا قد نقول: يتعين عليك أن تصلي فيه؛ لأن مثل هذا يعلم رضاه.
قوله: «أو نجس أعاد» ، أي: أو صلى في ثوب نجس، والمراد بالثوب النجس ما كان نجسا بعينه كجلد السباع أو متنجسا بنجاسة لا يعفى عنها، فإن كانت نجاسة يعفى عنها فلا حرج عليه أن يصلي فيه، مثل: اليسير من الدم المسفوح.
ودليل وجوب الإعادة: ما سبق عند ذكر اشتراط طهارة الثوب(2)
وقوله: «أعاد» ظاهره: سواء كان عالما، أم جاهلا، أم ذاكرا، أم ناسيا، أم عادما، أم واجدا. وهذا هو المذهب، فهذه ست صور.
وأمثلتها ما يلي:
1 - صلى في ثوب نجس يعلم نجاسته؛ مع القدرة على تطهيره، فلا تصح صلاته؛ لأنه خالف أمر الله ورسوله، فوجب عليه إعادة الصلاة.
2 - صلى في ثوب نجس جاهلا النجاسة، أو جاهلا بوجوب تطهيره، ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصلاة، فيعيد لأنه أخل بشرط في الصلاة، والإخلال بالشرط لا يغتفر، قال الرسول عليه الصلاة والسلام للرجل الذي لا يطمئن: «إنك لم تصل»(3) وقال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»(4)
3 - صلى في ثوب نجس وهو يذكر النجاسة؛ فيعيد.
__________
(1) انظر: "الفروع" (1/332)، "الإنصاف" (3/225).
(2) انظر: ص(152).
(3) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، رقم (757)، ومسلم كتاب الصلاة: باب وجوب القراءة في كل ركعة، رقم (397) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) رواه مسلم، وقد تقدم تخريجه (1/324).

(2/146)


4 - صلى في ثوب نجس، فنسي أنه نجس، أو نسي أن يغسلها؛ فيعيد.
5 - صلى في ثوب نجس، وليس عنده ما يغسلها به، وليس عنده غير هذا الثوب؛ فيعيد مع أنه يجب عليه أن يصلي به.
6 - صلى في ثوب نجس وعنده ثوب طاهر ولم يصل به؛ فيعيد.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان جاهلا، أو ناسيا، أو عادما، فلا إعادة عليه(1) واستدلوا بقوله تعالى: ) ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)(البقرة: من الآية286)] ، فقال الله تعالى: «قد فعلت» والآية عامة، وتعتبر من أكبر وأعظم قواعد الإسلام، لأن الذي علمنا هذا الدعاء هو الله ، وأوجب على نفسه أن يفعل، فقال: «قد فعلت» كما صح في الحديث الذي رواه مسلم(2) إذا؛ هذا الرجل الذي صلى في ثوب نجس، وهو لا يدري بالنجاسة إلا بعد فراغه مخطئ لا خاطئ، ولو كان يعلم بالنجاسة لقلنا: إنه خاطئ، ولكن هو الآن مخطئ جاهل، فليس عليه إعادة بمقتضى هذه الآية العظيمة التي تعتبر أساسا في الدين الإسلامي.
وهناك دليل خاص بالمسألة، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبره جبريل بأن في نعليه أذى أو قذر خلعهما(3) واستمر في صلاته، ولو كان الثوب النجس المجهول نجاسته تبطل به الصلاة لأعادها من أولها.
وأما النسيان: بأن نسي أن يكون عليه نجاسة، أو نسي أن يغسلها فصلى بالثوب النجس؛ فالصحيح أنه لا إعادة عليه.
والدليل: قوله تعالى: ) ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)(البقرة: من الآية286).
__________
(1) انظر: "الفروع" (1/333)، "الإنصاف" (3/233، 227).
(2) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب بيانه أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق، رقم (125) (126)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنهما.
(3) تقدم تخريجه ص(99).

(2/147)


ودليل آخر: ما ثبت عن أبي هريرة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه»(1) والأكل والشرب في الصيام فعل محظور، والصلاة في ثوب نجس فعل محظور أيضا. فلما سقط حكمه بالنسيان في باب الصيام قيس عليه حكمه بالنسيان في باب الصلاة.
فإن قال قائل: أوجبوا عليه الإعادة لظهور الفرق بينه وبين الجاهل، لأن الجاهل لم يعلم أصلا بالنجاسة؛ فهو معذور، والناسي مفرط، فلم يبادر بالغسل فليس بمعذور؟ وكان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبادر بإزالة النجاسة، فالذي بال في المسجد قال: «أريقوا على بوله ذنوبا من ماء»(2) فأمر بالمبادرة، والصبي الذي بال في حجره دعا بماء فأتبعه إياه(3) والإنسان معرض للنسيان، ولا سيما إذا كان كثير النسيان، فما هو الجواب؟
الجواب: أننا لم نسقط القضاء عن الناسي بالقياس على الجاهل حتى ينقض القياس بهذا الفرق، وإنما أسقطناه عن الناسي بالدليل المستقل وهو قوله تعالى: ) ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)(البقرة: من الآية286).
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الصوم: باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، رقم (1933)، ومسلم كتاب الصيام: باب أكل الناسي وشربه (1155) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/415).
(3) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه (1/30، 437).

(2/148)


ثم يقال: إن مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم بتطهير النجاسة ليس على سبيل الوجوب؛ لأن الله تعالى لم يوجب الوضوء، وهو آكد من إزالة النجاسة إلا عند القيام إلى الصلاة فقال تعالى: )يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)(المائدة: من الآية6). فلو أحدث الإنسان قبل الصلاة بساعة، لم يجب عليه الوضوء، مع أن فيه احتمالا أن يصلي وينسى أنه أحدث، فإذا كان كذلك لم يكن تأخير التطهير تفريطا، فإذا نسي النجاسة أو تطهيرها كان معذورا، وأما العدم بمعنى أن لا يكون عنده ثوب طاهر، ولا يتمكن من تطهير ثوبه فقد ذكرنا أن المذهب أنه يصلي به ويعيد، وهذه المسألة فيها أقوال أشهرها ثلاثة:
القول الأول: وجوب الصلاة مع الإعادة، وهو المذهب(1)
والقول الثاني: أنه يصلي عريانا ولا يعيد، وهو قول الشافعي(2) ورواية عن أحمد(3)
والقول الثالث: أنه يصلي به، ولا إعادة، اختاره الشيخان: الموفق والمجد(6)، وهو مذهب مالك(4)
أما الذين قالوا يصلي ويعيد، فعللوا قولهم: بأن ستر العورة واجب، فيجب أن يصلي ويجب أن يعيد؛ لأنه حامل للنجاسة الواقعة بهذا الثوب.
وأما الذين قالوا: يصلي عريانا ولا يعيد؛ فعللوا ذلك بأن هذا الثوب لا يجوز لبسه في الصلاة، وكونه مضطرا لستر عورته لا يبرر له أن يلبسه في الصلاة وهو نجس، فيجب عليه أن يخلعه ويصلي عريانا.
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (3/228).
(2) انظر: "المجموع شرح المهذب" (3/142، 143).
(3) انظر: "المغني" (2/315 – 316)، "الإنصاف" (3/228، 229).
(4) انظر: "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" (1/217).

(2/149)


وأما الذين قالوا: يصلي به بلا إعادة فقالوا: إن الستر واجب، وإن حمله للنجس حينئذ للضرورة؛ لأنه ليس عنده ما يزيل به هذه النجاسة، وليس عنده ما يكون بدلا عن هذا الثوب، فيكون مضطرا إلى لبسه، وقد قال الله تعالى: ) وما جعل عليكم في الدين من حرج )(الحج: من الآية78)، وهذا هو القول الراجح.
ويلزم على القول الأول: أنه يصلي في ثوب نجس، ويتقرب إلى الله وثوبه ملطخ بالنجاسة، ثم يقال: هذه الصلاة غير مقبولة، فيجب أن تعيدها، فأوجبنا عليه صلاتين، صلاة مردودة وصلاة مقبولة، وهذا قول إذا تصوره الإنسان عرف أنه بعيد.
ويلزم على القول الثاني؛ وهو أن يصلي عريانا: ما هو أقبح، فإن صورة الرجل العريان بين يدي الله أقبح من أن يكون حاملا لثوب نجس للضرورة، والله تعالى أحق أن يستحى منه.
قوله: «لا من حبس في محل نجس» ، معطوف على قوله: «أعاد»، أي: لا يعيد من حبس في محل نجس، ولم يتمكن من الخروج إلى محل طاهر؛ لأنه مكره على المكث في هذا المكان، والإكراه حكمه مرفوع عن هذه الأمة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»(1)
والفرق بينه وبين من صلى في ثوب نجس أن من صلى في ثوب نجس ليس مكرها على الصلاة فيه، ولذلك لو أكره على الصلاة في ثوب نجس، فإنه يصلي فيه ولا إعادة.
ولكن كيف يصلي من حبس في محل نجس؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص(147).

(2/150)


الجواب: إن كانت النجاسة يابسة صلى كالعادة، وإن كانت رطبة صلى قائما ويركع ويرفع من الركوع، ويجلس على قدميه عند السجود، ويومئ بالسجود، ولا يضع على الأرض شيئا من أعضائه؛ لقوله تعالى: )فاتقوا الله ما استطعتم)(التغابن: من الآية16)] ، لأنه إذا كانت رطبة يجب أن يتوقاها بقدر الإمكان، وأقل ما يمكن أن يباشر النجاسة أن يجلس على القدمين، ولا يقعد مفترشا ولا متوركا، لأنه لو قعد لتلوث ساقه وثوبه وركبته، والواجب أن يقلل من مباشرة النجاسة.
قوله: «ومن وجد كفاية عورته سترها» ، «من» شرطية، وفعل الشرط «وجد»، وجوابه «سترها»، أي: وجوبا، أي: من وجد كفاية العورة وجب عليه سترها، والعورة سبق بيانها(1) فإذا وجد كفاية العورة وجب عليه أن يسترها؛ لما سبق من كون سترها من شروط الصلاة(2)
قوله: «وإلا فالفرجين» ، «إلا» هذه مركبة، من «إن» و«لا» النافية لكنها أدغمت «إن» بـ«لا» لوجود شرط الإدغام. وفعل الشرط محذوف، والتقدير: وإلا يجد فالفرجين، أي: فليستر الفرجين، فإذا قدر أن شخصا تعرض له قطاع طريق وسلبوا رحله وثيابه، ولم يبقوا معه إلا منديلا فقط، والمنديل لا يمكن أن يستر به عورته، نقول: استر الفرجين، يعني: القبل والدبر.
__________
(1) انظر: ص(156).
(2) انظر: ص(149).

(2/151)


قوله: «فإن لم يكفهما فالدبر» ، أي: إن لم يكف الموجود الفرجين ستر الدبر، لأن القبل إذا ضم فخذيه عليه ستره، والدبر إذا سجد انفرج وبان، فيكون ستر الدبر أولى من ستر القبل، والواجب أن يخفف الأمر بقدر الإمكان، وظاهر كلام المؤلف أن ستر الدبر هنا مقدم وجوبا، لكن قال في «الإنصاف»(1) «الخلاف إنما هو في الأولوية». وعن أحمد رواية ثانية: أنه يستر القبل، وهو أولى؛ لأنه أفحش من الدبر، ولهذا جاز استدبار الكعبة حال قضاء الحاجة في البنيان دون استقبالها.
قوله: «وإن أعير سترة لزمه قبولها» ، «إن» شرطية، وفعل الشرط «أعير»، و«لزم» جواب الشرط. والعارية: إباحة نفع عين تبقى بعد الاستيفاء.
وقوله: «إن أعير» لم يذكر المؤلف الفاعل؛ ليشمل أي إنسان يعيره سواء كان هذا المعير من أقاربه، أم من الأباعد من المسلمين، أم من الكفار.
وتعليل ذلك: أنه قدر على ستر عورته بلا ضرر ولا منة، لأن المنة في مثل هذا الأمر منة يسيرة، كل أحد يتحملها، فالناس كلهم يستعير بعضهم من بعض، وكل الناس يعير بعضهم بعضا.
لكن لو أن هذه الإعارة يريد المعير منها أن تكون ذريعة لنيل مأرب له باطل، فهنا لا يلزمه القبول؛ لأنه يخشى إذا لم يفعل ما يريد؛ أن يجعل ذلك سلما للمنة عليه وإيذائه أمام الناس، لكن الكلام على إعارة سالمة من محظور فيلزمه القبول.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لو أعطيها هبة لم يلزمه قبولها؛ لقوله: «وإن أعير».
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (3/234).

(2/152)


وظاهر كلامه أيضا: أنه لا يلزمه الاستعارة، أما الهبة فلا يلزمه قبولها، لأن في ذلك منة عظيمة، فقد يساوي الثوب قيمة كبيرة، فيكون في ذلك منة لا يستطيع الإنسان أن يتحملها، فلا يلزمه قبول الهبة، وأما الاستعارة فلا تلزمه؛ لأن في طلب العارية إذلالا للشخص، وهذا عادم لما يكون به الواجب، وهو الستر، ولا واجب مع العجز، فلا يلزمه أن يستعير؛ مع أنهم ذكروا في باب التيمم: أنه لو وهب لعادم الماء ماء لزمه قبوله(1) ولكنهم يفرقون: بأن الماء لا تكون به المنة كالمنة بالثياب(2) فالماء المنة فيه قليلة، بخلاف الثياب، ولكن يقال: قد يكون الماء في موضع العدم أغلى من الثياب، فتكون المنة فيه كبيرة، فنقول: حتى لو كان في موضع العدم، فإن الإنسان الذي يعطي الماء في موضع العدم يشعر بأنه هو الرابح؛ لأنه أنقذ معصوما بخلاف الثياب.
وعلى كل؛ فالقول الراجح في هذه المسألة: أنه يلزمه تحصيل السترة بكل وسيلة ليس عليه فيها ضرر ولا منة، سواء ببيع أم باستعارة، أم بقبول هبة، أم ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: )فاتقوا الله ما استطعتم)(التغابن: من الآية16)، وهذا الإنسان مأمور بستر عورته، فيجب عليه بقدر الاستطاعة أن يأتي بهذا الواجب.
والمسألة يختلف الناس فيها، قد يكون طلبك من شخص ثوبا لتستر به عورتك بمنزلة المنة عليه لا منه، فقد يفرح أن تأتي إليه، وتقول: أنا في حاجة إلى ستر عورتي في صلاتي، فهذا ليس في إعطائه منة، ولا في الاستعارة منه منة، وبعض الناس لا يعيرك ولو أعارك لوجدت في ذلك غضاضة عليك لكونه منانا.
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (2/186).
(2) انظر: "كشف القناع" (1/272).

(2/153)


والصواب: أن نأخذ بقاعدة عامة، وهي أنه يجب على المصلي تحصيل السترة بكل طريقة ليس فيها ضرر عليه ولا غضاضة، وهذه القاعدة قد يخرج منها ما ذكره المؤلف، وقد يدخل فيها ما أخرجه.
قوله: «ويصلي العاري قاعدا بالإيماء» ، أي: إذا كان إنسان عار ليس عنده ثوب، فإنه يصلي قاعدا، ولو كان قادرا على القيام؛ لأنه أستر لعورته؛ لأن القاعد يمكن أن ينضم، فيكون ما ينكشف من عورته أقل.
قوله: «استحبابا فيهما»، أي: أننا نستحب له ذلك وهو القعود والإيماء استحبابا لا على وجه الوجوب، وعلى هذا فلو صلى قائما وركع وسجد صحت صلاته.
وظاهر كلام المؤلف: أن هذا الحكم ثابت، سواء كان حوله أحد أم لم يكن حوله أحد؛ لإطلاق كلامه، فإن كان حوله أحد فما قاله المؤلف وجيه؛ أنه يصلي قاعدا بالإيماء؛ لأن الإنسان يستحي أن يقوم أمام الناس فتبدو عورته، وإذا سجد انفرج دبره، لكن إذا لم يكن عنده أحد لا يستحي منه فكلامه فيه نظر. وما ذكره المؤلف هو المذهب(1)
والقول الثاني: لا يجوز أن يصلي قاعدا، بل يجب أن يصلي قائما مطلقا ويركع ويسجد(2) لقوله تعالى: وقوموا لله قانتين)(البقرة: من الآية238)فأوجب الله تعالى القيام، والستر هنا ساقط عنه لقوله تعالى: )لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)(البقرة: من الآية286)فإذا كان القيام واجبا بالدليل الذي ذكرت، والستر واجبا أيضا بدليله؛ فإنه يقوم لوجود مقتضى القيام، ويصلي عاريا لسقوط وجوب الستر لكونه عاجزا.
__________
(1) انظر: "منتهى الإرادات" (1/62).
(2) انظر: "الإنصاف" (3/237، 238).

(2/154)


وقال بعض أهل العلم: في هذا تفصيل؛ فإن كان حوله أحد صلى قاعدا، وإن لم يكن حوله أحد، أو كان في ظلمة، أو حوله شخص لا يبصر، أو شخص لا يستحي من انكشاف عورته عنده كالزوجة فإنه يصلي قائما ويركع ويسجد؛ لأنه لا عذر له(2).
وهذا القول أقرب الأقوال إلى الحق؛ لأنه يجمع بين حق الله وحق النفس، فإن حق الله إذا لم يكن حوله أحد يراه أن يصلي قائما؛ لأنه قادر، وحق النفس إذا كان حوله أحد أن يصلي قاعدا؛ لأنه يخجل من القيام ويشق عليه نفسيا.
قوله: «ويكون إمامهم وسطهم» ، «إمامهم» أي: إمام العراة «وسطهم»، أي: بينهم، أي: لا يتقدم؛ لأنه أستر له، وعلى هذا؛ فإذا كان عشرة كلهم عراة، تعرض لهم قطاع الطريق، وأخذوا ثيابهم، وحان وقت الصلاة؛ صلوا جماعة صفا واحدا، والإمام بينهم، ولو طال الصف، ويصلون على المذهب قعودا استحبابا؛ ويومئون بالركوع والسجود استحبابا أيضا(1)
وقال بعض أهل العلم: بل يتقدم الإمام؛ لأن السنة أن يكون الإمام أمامهم(1)، وتأخره لا يفيد شيئا يذكر، والإنسان إذا شاركه غيره في عيبه خف عليه، فهو إذا تقدم لا يرى في نفسه غضاضة، أو حياء، أو خجلا؛ لأن جميع من معه على هذ الوجه، ولا ينبغي أن نفوت موقف الإمام وانفراده في المكان المشروع؛ لأن الإمام متبوع، فينبغي أن يتميز عن أتباعه الذين هم المأمومون، وهذا القول أقرب إلى الصواب.
ويستثنى من كلام المؤلف: ما إذا كانوا في ظلمة، أو لا يبصرون، فإن إمامهم يتقدم عليهم كالعادة؛ لأن المحذور معدوم.
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (3/242).

(2/155)


قوله: «ويصلي كل نوع وحده» ، أي: إذا اجتمع رجال ونساء عراة، صلى الرجال وحدهم، والنساء وحدهن، فلا يصلون جميعا؛ لأن النساء لا يمكن أن يقفن في صف الرجال، فلا بد لهن من صف مؤخر، فإذا صففن وراء الرجال صرن يرين عورات الرجال، فلا تصلي النساء مع الرجال، بل يصلي الرجال في مكان، والنساء في مكان؛ ولا يصلون جماعة.
قوله: «فإن شق» ، أي: شق صلاة كل نوع وحده بحيث لا يوجد مكان آخر «صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا» ، ومعنى تستدبرهم النساء تلقيهم ظهورهن، فتكون ظهور النساء إلى القبلة، لئلا يرين عورات الرجال، ثم بعد ذلك تصلي النساء. ويستدبرهن الرجال، فتكون ظهور الرجال نحو القبلة لئلا يروا عورات النساء. فإن قيل: إذا كان المكان ضيقا ولم يتسع لكونهم صفا واحدا فهل يصفون صفين أو ينتظر بعضهم حتى يصلي من يتسع له الصف؟.
فالجواب: فيه قولان لأهل العلم(1) فبعضهم قال: ينتظر من لا يتسع له الصف حتى يصلي من يتسع له ثم يصلي، ومنهم من قال: بل يصلون جماعة واحدة، فإذا كان الإنسان يخشى على نفسه الانشغال برؤية هؤلاء فإنه يغمض عينيه، وإن كان لا يخشى، ولا يهتم إلا بصلاته، وسينظر إلى موضع سجوده، وموضع إشارته في الجلوس فلا حاجة أن يغمض عينيه.
قوله: «فإن وجد سترة قريبة في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ» ، إن وجد الذي يصلي عريانا في أثناء الصلاة سترة، فإن كانت قريبة، أي: لم يطل الفصل؛ أخذها وستر وبنى على صلاته، وإن كانت بعيدة فإنه يقطع صلاته ويبتدئ الصلاة من جديد.
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (3/242)، "المجموع شرح المهذب" (3/185، 186).

(2/156)


مثال القريبة: جاء إليه رجل وهو يصلي عريانا وقال: خذ استر نفسك. فهنا نقول: يأخذها ويستتر ويبني على ما مضى من صلاته.
ومثال البعيدة: أن يتذكر ثوبا في رحله بعيدا عنه، فنقول له: اقطع صلاتك، واستتر، واستأنف الصلاة.
مسألة يلغز بها:
يقولون: امرأة بطلت صلاتها بكلام إنسان(1) فكيف ذلك؟
وجواب هذه: أمة تصلي ساترة كل بدنها إلا رأسها وساقيها مثلا، فقال لها سيدها: أنت حرة، فصارت حرة يجب عليها أن تستر جميع بدنها إلا الوجه، ولم تجد شيئا تستر به؛ فتبتدئ الصلاة من جديد، فإن كان سيدها ذكيا وفقيها فجاء بالسترة معه وقال: أنت حرة، ثم وضع على رأسها وعلى بقية المنكشف منها سترة؛ بنت على ما سبق من صلاتها؛ لأنها سترت عورتها عن قرب.
قوله: «ويكره في الصلاة السدل» ، الكراهة عند الفقهاء: هي النهي عن الشيء من غير إلزام بالترك، والمكروه: ما نهي عنه من غير إلزام بالترك.
أما في لغة القرآن والسنة وغالب كلام السلف: فالمكروه هو المحرم. قال تعالى في سورة الإسراء: )كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) (الاسراء:38) ، ومعلوم أن المشار إليه ما سبق من المنهيات وفيها الشرك والكبائر وسماها الله تعالى: «مكروها»؛ لأنه مبغض عند الله ، ولهذا قال أصحاب الإمام أحمد: إذا قال الإمام أحمد: «أكره كذا»، يعني أنه محرم(2)
وحكمه عند الفقهاء: أنه يثاب تاركه امتثالا، ولا يعاقب فاعله، ويجوز عند الحاجة وإن لم يضطر إليه، أما المحرم فلا يجوز إلا عند الضرورة.
والسدل: أن يطرح الرداء على كتفيه، ولا يرد طرفه على الآخر. وقال بعضهم: السدل: أن يضع الرداء على رأسه ولا يجعل أطرافه على يمينه وشماله(3)
__________
(1) انظر: طكشاف القناع" (1/272، 273).
(2) انظر: "الإنصاف" (30/374، 375).
(3) انظر: "الإنصاف" (3/247).

(2/157)


وقال بعضهم: السدل: أن يرسل ثوبه حتى يكون تحت الكعبين(1) وعلى هذا فيكون بمعنى الإسبال.
والمعروف عند فقهائنا هو: أن يطرح الثوب على الكتفين، ولا يرد طرفه على كتفه الآخر(5)، ولكن إذا كان هذا الثوب مما يلبس عادة هكذا، فلا بأس به، ولهذا قال شيخ الإسلام: إن طرح القباء على الكتفين من غير إدخال الكمين لا يدخل في السدل(2) والقباء يشبه ما يسمى عندنا «الكوت» أو «الجبة».
قوله: «واشتمال الصماء»، هنا أضيف الشيء إلى نوعه، أي: اشتمال لبسة الصماء، أي: أن يلتحف بالثوب ولا يجعل ليديه مخرجا؛ لأن هذا يمنع من كمال الإتيان بمشروعات الصلاة، ولأنه لو قدر أن شيئا صال عليه فإنه لا يتمكن من المبادرة برده، ولا سيما إذا كان هذا الثوب قميصا، فهو أشد، أي: بأن يلبس القميص، ولا يدخل يديه في كميه، فهذا اشتمال أصم، وأصم من الصماء؛ لأن الرداء مع الحركة القوية قد ينفتح، وهذا لا ينفتح.
وقال بعض العلماء: إن اشتمال الصماء أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره وهو المذهب(3) أي: أن يكون عليه ثوب واسع ثم يضطبع فيه.
أما إذا كان عليه ثوب آخر فلا كراهة؛ لأنه لبسة المحرم(4)
__________
(1) انظر: "الإقناع" (1/138).
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/144).
(3) انظر: "الإنصاف" (3/248).
(4) روى أحمد (2/33)، وابن خزيمة رقم (2601)، وابن الجارود رقم (416) وغيرهم عن: عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعا: "... وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين...".
قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، "المغني" (5/76).

قلت: وهذا إسناد صحيح. وأصله في "الصحيحين" من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر به سواء، وزاد عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم هذه الزيادة. قال ابن حجر: "وهي زيادة حسنة". "الفتح" شرح حديث (1542).

(2/158)


وفعلها النبي صلى الله عليه وسلم(1)
والاضطباع: أن يخرج كتفه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر.
ووجه الكراهة هنا: أن فيه عرضة أن يسقط فتنكشف العورة، فإن خيف من انكشاف العورة حقيقة كان حراما.
وقيل هو: أن يجعل الرداء على رأسه ثم يسدل طرفيه إلى رجليه(2) فهذه ثلاث صفات لاشتمال الصماء، وكل هذه الصفات إذا تأملتها وجدت أنها تخالف قول الله تعالى: )يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (لأعراف: من الآية31)، فإن أخذ الزينة على هذا الوجه فيه شيء من التقصير؛ لأن أخذ الزينة كاملة أن يلبسها على ما يعتاد الناس لبسها بحيث تكون ساترة، وتكون معهودة مألوفة بخلاف الشيء الذي لا يكون معهودا ولا مألوفا.
قوله: «وتغطية وجهه» ، أي: يكره أن يغطي الإنسان وجهه وهو يصلي؛ لأن هذا قد يؤدي إلى الغم، ولأنه إذا سجد سيجعل حائلا بينه وبين سجوده؛ فلذلك كره هذا الفعل، لكن لو أنه احتاج إليه لسبب من الأسباب، ومنه العطاس مثلا - لأن الأفضل عند العطاس تغطية الوجه - فإن المكروه تبيحه الحاجة.
ويستثنى من ذلك: المرأة إذا كان حولها رجال ليسوا من محارمها، فإن تغطية وجهها حينئذ واجب، ولا يجوز لها كشفه.
__________
(1) روى مسلم، كتاب الصلاة: باب وضع اليمنى على اليسرى، رقم (401) عن وائل بن حجر؛ أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر؛ ثم التحف بثوبه. ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما... الحديث.
(2) انظر: "الإنصاف" (3/249، 250).

(2/159)


قوله: «واللثام على فمه وأنفه» ، أي: يكره اللثام على فمه وأنفه بأن يضع «الغترة» أو «العمامة»، أو «الشماغ» على فمه، وكذلك على أنفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة(1) ولأنه قد يؤدي إلى الغم وإلى عدم بيان الحروف عند القراءة والذكر. ويستثنى منه ما إذا تثاءب وغطى فمه ليكظم التثاؤب فهذا لا بأس به، أما بدون سبب فإنه يكره، فإن كان حوله رائحة كريهة تؤذيه في الصلاة، واحتاج إلى اللثام فهذا جائز؛ لأنه للحاجة، وكذلك لو كان به زكام، وصار معه حساسية إذا لم يتلثم، فهذه أيضا حاجة تبيح أن يتلثم.
قوله: «وكف كمه ولفه» ، أي: يكره أن يكف الإنسان كمه في الصلاة، أو يلفه.
وكف الكم: أن يجذبه حتى يرتفع. ولفه: أن يطويه حتى يرتفع. قال فقهاؤنا: ولا فرق بين أن يفعل ذلك عند الصلاة من أجل الصلاة، أو أن يفعل ذلك لعمل قبل الصلاة(2) كما لو كان يشتغل، وقد كف كمه أو لفه ثم جاء يصلي، نقول له: أطلق الكم وفك اللفة.
__________
(1) رواه أبو داود، كتاب الصلاة: باب ما جاء في السدل في الصلاة، رقم (643)، وابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة: باب ما يكره في الصلاة، رقم (966) وابن خزيمة رقم (772)، وابن حبان رقم (2353)، والحاكم (1/253)، عن الحسن بن ذكوان، عن سليمان الأحول، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة به مرفوعا.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجا فيه تغطية الرجل فاه في الصلاة. تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: "لم يحتج مسلم بالحسن بن ذكوان، وهو ضعيف لم يخرج له البخاري سوى شيء يسير في غير الاحتجاج؛ فيما أظن". "إتحاف المهرة" (15/375).
قلت: أضف إلى ذلك أنه قد اختلف على الحسن بن ذكوان في هذا الحديث.
انظر: "العلل" للدارقطني (8/338) رقم (1608).
(2) انظر: "الإنصاف" (3/250، 252).

(2/160)


والدليل: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف شعرا ولا ثوبا»(1) قالوا: ونهيه يشمل كف الثوب كله، كما لو كفه من أسفل، أو كف بعضه كالأكمام، ويا ليت المؤلف ذكر كف الثوب؛ ليكون موافقا للفظ الحديث، إذ يكره كف الثوب بأن يرفع الثوب من أسفل، ولف الثوب أيضا بأن يطويه حتى يحزمه على بطنه، كل هذا مكروه للحديث، ولأنه ليس من تمام أخذ الزينة، فإن أخذ الزينة عند الناس أن يكون الثوب مرسلا غير مكفوف، ثم إن الإنسان قد يفعله ترفعا؛ لئلا يتلوث ثوبه بالتراب فيكون في هذا نوع من الكبرياء. ثم إنه ينبغي أيضا أن ينتشر الثوب ولا يكف؛ لأنه ربما يؤجر الإنسان على كل ما يتصل به مما يباشر الأرض، فلهذا يكره كف الثوب.
مسألة : فإن قيل: هل من كف الثوب ما يفعله بعض الناس بأن يكف «الغترة» بأن يرد طرف «الغترة» على كتفه حول عنقه؟
فالجواب: هذا ليس من كف الثوب؛ لأن هذا نوع من اللباس، أي: أن «الغترة» تلبس على هذه الكيفية، فتكف مثلا على الرأس، وتجعل وراءه، ولذلك جاز للإنسان أن يصلي في العمامة، والعمامة مكورة على الرأس غير مرسلة، فإذا كان من عادة الناس أن يستعملوا «الغترة» و«الشماغ» على وجوه متنوعة فلا بأس، ولهذا قال شيخ الإسلام : إن طرح «القباء» على الكتفين بدون إدخال الأكمام لا يعد من السدل(2) لأنه يلبس على هذه الكيفية أحيانا.
لكن لو كانت «الغترة» مرسلة؛ ثم كفها عند السجود؛ فالظاهر أن ذلك داخل في كف الثوب.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الأذان: باب السجود على سبعة أعظم، رقم (810)، ومسلم، كتاب الصلاة: باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب، رقم (490) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (22/144).

(2/161)


قوله: «وشد وسطه كزنار» ، أي: يكره أيضا للإنسان أن يشد وسطه لكن لا مطلقا، بل بما يشبه الزنار.
وشد الوسط، أي: أن يربط على بطنه حبلا، أو سيرا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يفعل كثيرا، فهو يكره إن كان على وجه يشبه الزنار، والزنار سير معروف عند النصارى يشدون به أوساطهم، وإنما كره ما يشبه شد الزنار؛ لأنه تشبه بغير المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم»(1)
قال شيخ الإسلام : «أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم»(2) إذا؛ فلا يقتصر على الكراهة فقط، لأننا نقول: إن العلة في ذلك أن يشابه زنار النصارى، وهذا يقتضي أن يكون حراما؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم» وليس المعنى أنه كافر، لكن منهم في الزي والهيئة المشابهة لهم، ولهذا لا تكاد تفرق بين رجل متشبه بالنصارى في زيه ولباسه وبين النصراني، فيكون منهم في الظاهر.
قالوا: وشيء آخر، وهو: أن التشبه بهم في الظاهر يجر إلى التشبه بهم في الباطن(5). وهو كذلك، فإن الإنسان إذا تشبه بهم في الظاهر؛ يشعر بأنه موافق لهم، وأنه غير كاره لهم، ويجره ذلك إلى أن يتشبه بهم في الباطن، فيكون خاسرا لدينه ودنياه، فاقتصار المؤلف على الكراهة فيما يشبه شد الزنار فيه نظر، والصواب: أنه حرام.
__________
(1) تقدم تخريجه (1/168).
(2) انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" (1/241، 488).

(2/162)


فإن قال قائل: أنا لم أقصد التشبه؟ قلنا: إن التشبه لا يفتقر إلى نية؛ لأن التشبه: المشابهة في الشكل والصورة، فإذا حصلت، فهو تشبه سواء نويت أم لم تنو، لكن إن نويت صار أشد وأعظم؛ لأنك إذا نويت، فإنما فعلت ذلك محبة وتكريما وتعظيما لما هم عليه، فنحن ننهى أي إنسان وجدناه يتشبه بهم في الظاهر عن التشبه بهم، سواء قصد ذلك أم لم يقصده، ولأن النية أمر باطن لا يمكن الاطلاع عليه، والتشبه أمر ظاهر فينهى عنه لصورته الظاهرة.
قوله: «وتحرم الخيلاء في ثوب وغيره» ، الخيلاء: مأخوذة في الأصل من الخيل، لأن الخيل تجلب التباهي والترفع والتعالي.
فالخيلاء: أن يجد الإنسان في نفسه شيئا من التعاظم على الغير، وهذا حرام في الثوب وغيره، فالثوب كالقميص والسراويل والإزار، وغير الثوب كالخاتم، فبعض الناس يلبس الخاتم، ويضع عليه فصا كبيرا جدا، وأحيانا تشعر بأنه يتخايل به، كأن يحرك أصبعه بالخاتم خيلاء، ولهذا قال المؤلف: «في ثوب وغيره» فأطلق.
فإن قال قائل: إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه»، فخص ذلك بالثوب؟
فالجواب: أن الحكم يدور مع علته، وذكر الثوب مقرونا بالوصف الذي هو علة الحكم يكون كالمثال؛ فكان المحرم في الأصل هو الخيلاء، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مثالا مما تكون فيه الخيلاء وهو الثوب، ولهذا قال بعض العلماء: إن الخيلاء ليست في جر الثوب فقط، بل في كل هيئة للثوب حتى يقول: إن توسيع الأكمام من الخيلاء(1) والمهم: أن الخيلاء إنما ذكرت في الحديث بالإزار أو الثوب من باب ضرب المثال.
__________
(1) انظر: "زاد المعاد" (1/135).

(2/163)


والخيلاء في الثوب منها: ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجره خيلاء، أي: يجعله يضرب على الأرض خيلاء. عقوبة هذا - والعياذ بالله -: «أن الله لا يكلمه يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم»(1) فعوقب بأمرين: عذاب مؤلم، وإعراض من الله ، ولهذا لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم» كررها ثلاثا، قال أبو ذر: من هم يا رسول الله؟ خابوا وخسروا، قال: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»(2) فإذا جر ثوبه خيلاء، فهذه عقوبته والعياذ بالله، وإن لم يجره خيلاء، فلا يستحق هذه العقوبة، ولكن عقوبة ثانية وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار»(3) فيقال: إنك تعذب في النار بقدر ما نزل من ثوبك عن كعبيك. وأما ما بين الكعب إلى نصف الساق فهذا محل جواز، فللرجل أن يجعله إلى الكعب، أو أرفع إلى نصف الساق، أو أرفع قليلا أيضا.
قوله: «والتصوير» ، التصوير محرم، والتصوير أنواع ثلاثة:
النوع الأول: تصوير ما يصنعه الآدمي، فهذا جائز؛ مثل: أن يصور إنسان سيارة، فإذا رأيتها قلت: هذه طبق الأصل، فنقول: هذا جائز؛ لأن الأصل من صنع الآدمي، فإذا كان الأصل جائزا فالصورة من باب أولى.
النوع الثاني: أن يصور ما لا روح فيه مما لا يخلقه إلا الله؛ وفيه حياة، إلا أنها ليست نفسا، كتصوير الأشجار والزروع، وما أشبه ذلك.
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان: باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، رقم (106) من حديث أبي ذر.
(2) انظر الأعلى.
(3) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار، رقم (5787) عن أبي هريرة.

(2/164)


فجمهور أهل العلم: أن ذلك جائز لا بأس به(1)
وقال مجاهد: إنه حرام(5). فلا يجوز للإنسان أن يصور شجرة، أو زرعا، أو برسيما، أو غير ذلك من الأشياء التي فيها حياة لا نفس.
النوع الثالث: أن يصور ما فيه نفس من الحيوان مثل: الإنسان والبعير والبقر والشاة والأرانب وغيرها، فهذه اختلف السلف فيها(5)، فمنهم من قال: إنها حرام إن كانت الصورة مجسمة؛ بأن يصنع تمثالا على صورة إنسان أو حيوان، وجائزة إن كانت بالتلوين، أي: غير مجسمة.
ومنهم من قال وهم الجمهور - وهو الصحيح -: إنها محرمة سواء كانت مجسمة، أم ملونة(2) فالذي يخط بيده ويصنع صورة كالذي يعملها ويصنعها بيده ولا فرق، بل هي من كبائر الذنوب؛ لحديث علي بن أبي طالب أنه قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع صورة إلا طمستها»(3) وظاهر هذا أنه في الملون، وليس في المجسم، لأنه لو كان في المجسم لقال: إلا كسرتها أو نحو ذلك.
__________
(1) انظر: "فتح الباري" (10/385، 388، 391، 394، 395)، "الإنصاف" (3/257).
(2) انظر: المصدر السابق.
(3) رواه مسلم، كتاب الجنائز: باب الأمر بتسوية القبر، رقم (969).

(2/165)


ومع الأسف؛ أصبح هذا في عصرنا الحاضر فنا يدرس ويقر ويمدح عليه الإنسان، فإذا صور الإنسان بقرة أو بعيرا أو إنسانا، قالوا: ما أحذقه! وما أقدره!، وما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا رضا بشيء من كبائر الذنوب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال - فيما يرويه عن الله -: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»(1) أي: لا أحد أظلم ممن أراد أن يشارك الخالق في صنعه، هذا ظلم واجتراء على الله ، تريد أن تشبه نفسك - وأنت مخلوق - بالخالق، ثم تحداهم الله فقال: «فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة»، تحداهم الله بأمرين: بما فيه روح، وهو من أصغر المخلوقات وهو الذر، وبما لا روح فيه وهو الشعيرة، فهم لا يقدرون على هذا لو اجتمعوا من آدم إلى يوم القيامة.
فإن قيل: الآن يوجد أرز صناعي يشبه الحقيقي، فهل صناعته محرمة؟ فالجواب: ليس هذا كالأرز الحقيقي، فإنك لو ألقيته في الأرض وصببت عليه الماء ليلا ونهارا ما نبت. لكن ما الذي ينبت؟
الجواب: الذي ينبت هو صنع الله كما قال تعالى: )إن الله فالق الحب والنوى)(الأنعام: من الآية95)فإذا؛ ليس هذا كسرا للتحدي الذي تحدى الله به الخلق: «فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة».
والحاصل: أن التصوير حرام، سواء كان ذلك مجسما أم ملونا، وهو من كبائر الذنوب، وفاعله ولو مرة واحدة يخرج به عن العدالة، ويكون فاسقا إلا أن يتوب.
وأما الصور بالطرق الحديثة فهي قسمان:
__________
(1) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب نقض الصور، رقم (5953)، ومسلم، كتاب اللباس: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2111) من حديث أبي هريرة.

(2/166)


القسم الأول: ما لا يكون له منظر ولا مشهد ولا مظهر، كما ذكر لي عن التصوير بأشرطة «الفيديو»، فهذا لا حكم له إطلاقا، ولا يدخل في التحريم مطلقا، ولهذا أجازه أهل العلم الذين يمنعون التصوير بالآلة «الفتوغرافية» على الورق، وقالوا: إن هذا لا بأس به، حتى حصل بحث: هل يجوز أن تصور المحاضرات التي تلقى في المساجد؟ فكان الرأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يشوش على المصلين، وربما يكون المنظر غير لائق، وما أشبه ذلك.

(2/167)


القسم الثاني: التصوير الثابت على الورق. وهذا إذا كان بآلة «فوتوغرافية» فورية، فلا يدخل في التصوير، ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن فاعله ملعون؛ لأنه لم يصور في الواقع، فإن التصوير مصدر «صور يصور»، أي: جعل هذا الشيء على صورة معينة، كما قال الله تعالى:( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء)(آل عمران: من الآية6)، وقال: ) وصوركم فأحسن صوركم)(التغابن: من الآية3). فالمادة تقتضي أن يكون هناك فعل في نفس الصورة؛ لأن «فعل» في اللغة العربية تقتضي هذا، ومعلوم أن نقل الصورة بالآلة ليس على هذا الوجه، وإذا كان ليس على هذا الوجه فلا نستطيع أن ندخله في اللعن، ونقول: إن هذا الرجل ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم(1) لأنه كما يجب علينا التورع في إدخال ما ظاهر اللفظ عدم دخوله فيه، يجب علينا أيضا التورع في منع ما لا يتبين لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب، فكما نتورع في الإيجاب نتورع أيضا في السلب، وكذلك كما يجب أن نتورع في السلب يجب أن نتورع في الإيجاب، فالمسألة ليست مجرد تحريم، ولكن سيترتب عليها العقوبة، فهل نشهد أن هذا معاقب باللعن وشدة الظلم، وما أشبه ذلك؟ لا نستطيع أن نجزم إلا بشيء واضح؛ ولهذا يفرق بين رجل أخذ الكتاب الذي خطته يدي، وألقاه في الآلة «الفوتوغرافية» وحرك الآلة فانسحبت الصورة، فيقال: إن هذا الذي خرج بهذا الورق رسم الأول، ويقال: هذا خطه، ويشهد الناس عليه، وبين أن آتي بخطك أقلده بيدي، أرسم مثل حروفه وكلماته، فأنا الآن حاولت أن أقلدك، وأن أكتب ما كتبت، وأصور كما صورت. أما المسألة الأولى فليس مني فعل إطلاقا،
__________
(1) ورد لعن "المصور" في حديث أبي جحيفة، رواه البخاري، كتاب اللباس: باب من لعن المصور، رقم (5962).

(2/168)


ولهذا يمكن أن أصور في الليل، ويمكن أن يصور الإنسان وقد أغمض عينيه، ويمكن أن يصور الرجل الأعمى، فكيف نقول: إن هذ الرجل مصور؟!.
فالذي أرى: أن هذا لا يدخل تحت اشتقاق المادة «صور» بتشديد الواو، فلا يستحق اللعنة.
ولكن يبقى النظر: إذا أراد الإنسان أن يصور هذا التصوير المباح، فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب القصد، فإذا قصد به شيئا محرما فهو حرام، وإن قصد به شيئا واجبا كان واجبا، فقد يجب التصوير أحيانا، فإذا رأينا مثلا إنسانا متلبسا بجريمة من الجرائم التي هي من حق العباد؛ كمحاولة أن يقتل، وما أشبه ذلك، ولم نتوصل إلى إثباتها إلا بالتصوير، كان التصوير حينئذ واجبا، خصوصا في المسائل التي تضبط القضية تماما؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وإذا صور إنسان صورة - يحرم تمتعه بالنظر إليها - من أجل التمتع بالنظر إليها فهذا حرام بلا شك، وكالصورة للذكرى؛ لأننا لا نقول: إنها غير صورة؛ بل هي صورة لا شك، فإذا اقتناها فقد جاء الوعيد فيمن كان عنده صورة أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، كما سيأتي إن شاء الله(1)
قوله: «واستعماله» ، هذه الجملة فيها شيء من التجوز، لأننا لو أخذناها بظاهرها لكان المعنى: واستعمال التصوير، لأن الضمير يعود على التصوير، وليس هذا بمراده قطعا. وقال في «الروض»: واستعمال المصور(2) فالتصوير المراد به المصور، فالضمير عاد على مصدر يراد به اسم المفعول، يعني: أن استعمال المصور حرام.
وظاهر إطلاق المؤلف العموم، أنه يحرم على أي وجه كان، ولكن ينبغي أن نعلم التفصيل في هذا.
فاستعمال المصور ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
__________
(1) انظر: ص(205).
(2) انظر: "الروض المربع" (1/146).

(2/169)


القسم الأول: أن يستعمله على سبيل التعظيم، فهذا حرام سواء كان مجسما أم ملونا، وسواء كان التعظيم تعظيم سلطان، أم تعظيم عبادة، أم تعظيم علم، أم تعظيم قرابة، أم تعظيم صحبة، أيا كان نوع التعظيم. وفي الحقيقة؛ إنه ليس فيه تعظيم، فمثلا: إذا أراد أن يصور أباه، فإن كان أبوه حيا فالتعظيم بإعطائه ما يلزمه من البر القولي والفعلي والمالي والجاهي وغير ذلك، وإن كان ميتا فلا ينتفع بهذا التعظيم، بل فيها كسب الإثم وتجديد الأحزان، ولذلك يجب على من كان عنده صورة من هذا النوع أن يمزقها، أو يحرقها، ولا يجوز له إبقاؤها؛ لأن هذا فيه خطورتان:
الخطورة الأولى: تجنب الملائكة لدخول البيت.
والخطورة الثانية: أن الشيطان قد يدخل على الإنسان من هذا التعظيم، حتى يستولي تعظيمهم على قلبه، ويسيطر عليه، ولا سيما فيما يتعلق بالعلم والعبادة، فإن فتنة قوم نوح كانت في الصور، وهذا لا فرق فيه بين الملون والمجسم، أي: سواء كان صورة على ورقة، أم على خرقة، أم كانت صورة مجسمة.
القسم الثاني: أن يتخذه على سبيل الإهانة مثل: أن يجعله فراشا، أو مخدة، أو وسادة، أو ما أشبه ذلك، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم(1)
فأكثر أهل العلم على الجواز، وأنه لا بأس به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ وسادة فيها صورة(2) ولأن هذا ضد السبب الذي من أجله حرم استعمال الصور؛ لأن هذا إهانة.
__________
(1) انظر: "فتح الباري" (10/388، 391)، "الإنصاف" (3/257).
(2) رواه البخاري، كتاب المظالم: باب هل تكسر الدنان التي فيها خمر، رقم (2479)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107) عن عائشة رضي الله عنها.

(2/170)


وذهب بعض أهل العلم إلى التحريم، واستدل هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيته ذات يوم فرأى «نمرقة» - أي: مخدة - فيها صور؛ فوقف ولم يدخل، قالت عائشة: فعرفت الكراهية في وجهه، فقلت: أتوب إلى الله ورسوله مما صنعت؟ فقال: «إن أهل هذه الصور يعذبون؛ يقال لهم: أحيوا ما خلقتم»(1) قالوا: فنكرهها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كرهها وقال: «إن أهل هذه الصور يعذبون»، وقال: «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة»(2) ويحمل ما ذكر عنه أنه اتكأ على مخدة فيها صورة(3) بأن هذه الصورة قطع رأسها، وإذا قطع رأس الصورة فهي جائزة.
ولا شك أن تجنب هذا أورع وأحوط، فلا تستعمل الصور، ولو على سبيل الامتهان كالفراش والمخدة، والسلامة أسلم، وشيء كره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدخل البيت من أجله، فلا ينبغي لك أن ينشرح صدرك به، فمن يستطيع أن ينشرح صدره في مكان كره النبي صلى الله عليه وسلم دخوله. لهذا فالقول بالمنع إن لم يكن هو الصواب فإنه هو الاحتياط.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق: باب إذا قال أحدكم آمين، رقم (3224)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان، رقم (2107) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) رواه البخاري، كتاب اللباس: باب التصاوير، رقم (5949)، ومسلم، الموضع السابق، رقم (2106) من حديث أبي طلحة، ورقم (2107) من حديث عائشة.
(3) ورد ذلك في حديث عائشة عند مسلم المتقدم تخريجه.

(2/171)


القسم الثالث: ألا يكون في استعمالها تعظيم ولا امتهان، فذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم استعمال الصور على هذا الوجه(1) ونقل عن بعض السلف الإباحة إذا كان ملونا، حتى إن بعض السلف كان عندهم في بيوتهم الستائر يكون فيها صور الحيوان، ولا ينكرون ذلك، ولكن لا شك أن هؤلاء الذين فعلوه من السلف كالقاسم بن محمد(2) رحمه الله لا شك أنه يعتذر عنهم بأنهم تأولوا، ولا يحتج بفعلهم؛ لأن الحجة قول الله ورسوله، أو لم يبلغهم الخبر، أو ما أشبه ذلك من الأعذار.
مسألتان:
المسألة الأولى: ما عمت به البلوى الآن من وجود هذه الصور في كل شيء إلا ما ندر، فتوجد في أواني الأكل والشرب، وفي «الكراتين» الحافظة للأطعمة، وفي الكتب، وفي الصحف، فتوجد في كل شيء إلا ما شاء الله.
__________
(1) انظر: "فتح الباري" (10/388).
(2) روى ابن شيبة في "المصنف"، كتاب اللباس والزينة: باب الرجل يتكئ على المرافق المصورة، رقم (25292) عن أزهر، عن ابن عون قال: "دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس والعنقاء".
قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح: "الفتح" شرح حديث رقم (5954).
والقاسم هو: ابن محمد بن أبي بكر الصديق، القرشي، التيمي، أحد الفقهاء السبعة، كان عالما ورعا، كثير الحديث، ثقة. توفي سنة (106) أهـ.
"سير أعلام النبلاء" (5/53 – 60).

(2/172)


فنقول: إن اقتناها الإنسان لما فيها من الصور فلا شك أنه محرم، أي: لو وجد صورة محرمة في هذه «المجلة» أو في هذه «الجريدة» فأعجبته؛ فاقتناها لهذا الغرض فهذا حرام لا شك. أو كان يشتري «المجلات» التي تنشر فيها الصور للصور فهذا حرام، أما إذا كانت للعلم والفائدة والاطلاع على الأخبار؛ فهذه أرجو ألا يكون بها بأس، نظرا للحرج والمشقة، وقد قال الله تعالى: ) وما جعل عليكم في الدين من حرج)(الحج: من الآية78)، فهذه الصور ليست مقصودة للإنسان، لا حال الشراء، ولا حال القراءة، ولا تهمه.
لكن لو فرض أن الإنسان عنده أهل؛ ويخشى أن يكون في هذه الصور من هو وسيم وجميل تفتتن به النساء، فحينئذ لا يجوز أن تكون هذه «المجلة» أو «الصحيفة» في بيته، لكن هذا تحريم عارض، كما أن مسألة الأواني و«الكراتين» الحافظة للأطعمة وشبه ذلك قد يقال: إن فيها شيئا من الامتهان، فلا تكون من القسم المحرم.
المسألة الثانية: وهي الصور التي يلعب بها الأطفال، وهذه تنقسم إلى قسمين:
الأول: قسم من الخرق والعهن وما أشبه ذلك، فهذه لا بأس بها؛ لأن عائشة كانت تلعب بالبنات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليها(1)
الثاني: قسم من «البلاستيك» وتكون على صورة الإنسان الطبيعي إلا أنها صغيرة، وقد يكون لها حركة، وقد يكون لها صوت، فقد يقول القائل: إنها حرام؛ لأنها دقيقة التصوير، وعلى صورة الإنسان تماما، أي: ليست صورة إجمالية ولكن صورة تفصيلية، ولها أعين تتحرك، وقد نقول: إنها مباحة؛ لأن عائشة كانت تلعب بالبنات، ولم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الأدب: باب الانبساط إلى الناس، رقم (6130)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة: باب فضل عائشة، رقم (2440) عن عائشة رضي الله عنها.

(2/173)


ولكن قد يقول القائل: إن الصور التي عند عائشة ليست كهذه الصور الموجودة الآن، فبينهما فرق عظيم، فمن نظر إلى عموم الرخصة وأنه قد يرخص للصغار ما لا يرخص للكبار، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في باب السبق، لما ذكر بعض آلات اللهو قال: «إنه يرخص للصغار ما لا يرخص للكبار»(1) لأن طبيعة الصغار اللهو، ولهذا تجد هذه الصور عند البنات الصغار كالبنات حقيقة، كأنها ولدتها، وربما تكون وسيلة لها لتربي أولادها في المستقبل، وتجدها تسميها أيضا هذه فلانة وهذه فلانة، فقد يقول قائل: إنه يرخص لها فيها. فأنا أتوقف في تحريمها، لكن يمكن التخلص من الشبهة بأن يطمس وجهها.
قوله: «ويحرم استعمال منسوج أو مموه بذهب قبل استحالته» .
قوله - فيما بعد -: «على الذكور» متعلق بقوله «يحرم»، يعني: يحرم على الذكر استعمال منسوج بذهب أو مموه به.
والمنسوج بذهب: هو أن يكون فيه خيوط من الذهب تنسج؛ سواء كانت هذه الخيوط على جميع الثوب، أو في جانب منه كالطوق مثلا أو طرف الكم، أو في أي موضع؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها»(2)
__________
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (30/216)، "الاختيارات" ص(160).
(2) رواه الطيالسي رقم (506)، وأحمد (4/392، 394، 407)، والنسائي، كتاب الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال (8/161) رقم (5163)، والترمذي، كتاب اللباس: باب ما جاء في الحرير والذهب، رقم (1720) وغيرهم، من حديث أبي موسى الأشعري.
وأعله: الدارقطني، وابن حبان، وابن حجر، وغيرهم بالانقطاع.
انظر: "العلل" للدارقطني (7/241)، "صحيح ابن حبان" رقم (5434)، "التلخيص الحبير" رقم (51).

وللحديث شواهد كثيرة من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعقبة بن عامر، وزيد بن أرقم. لكنها ضعيفة وغالبها معلول.
قال البزار: "لا نعلم فيما يروى في ذلك حديثا ثابتا عند أهل النقل". "البحر الزخار" (1/467).
وأمثل هذه الشواهد حديث عقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب.
فأما حديث عقبة بن عامر فرواه الطحاوي (4/251)، والبيهقي (2/275) من طريق: يحيى بن أيوب الغافقي، عن عمرو بن الحارث والحسن بن ثوبان، عن هشام ابن أبي رقية، عن عقبة بن عامر مرفوعا: "من كذب علي متعمدا؛ فليتبوا بيته من جهنم"، ثم قال... فذكره بلفظه سواء.
يحيى بن أيوب؛ قال أحمد: سيء الحفظ. قال النسائي: ليس بالقوي. قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ. انظر: "تهذيب الكمال" (31/236).
وخالفه: عبد الله بن وهب – وهو ثقة حافظ – فرواه عن عمرو بن الحارث بإسناده ومتنه؛ إلا أنه قال في آخره (وهو موضع الشاهد): "من لبس الحرير في الدنيا حرمه أن يلبسه في الآخرة"، انظر: "شرح مشكل الآثار" (12/309، 310).
وهشام بن أبي رقية ذكره ابن حبان في "الثقات" (5/501) ولم يوثقه غيره.
وأما حديث علي بن أبي طالب فرواه أحمد (1/115)، وأبو داود، كتاب اللباس: باب في الحرير للنساء، رقم (4057)، والنسائي، كتاب الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال (8/159) وابن ماجة، كتاب اللباس: باب لبس الحرير والذهب للنساء، رقم (3595) من طريق أبي أفلح، عن عبد الله بن زرير الغافقي، عن علي به.
أبو الأفلح: وثقه العجلي، وقال الذهبي في "الميزان": قال ابن القطان: مجهول. وقال في "الكاشف": صدوق، وقال ابن حجر في "التقريب": مقبول.
وعبد الله بن زرير: وثقة العجلي وابن سعد. وقال ابن حجر: ثقة رمي بالتشيع.
قال علي بن المديني: هو حديث حسن، رجاله معروفون، ولا يجيء عن علي إلا من هذا الوجه.
انظر: "العلل" للدارقطني (3/260)، "التمهيد" لابن عبد البر (14/248) "الأحكام الوسطى" لعبد الحق (4/184)، "نصب الراية" (4/223)، "التلخيص الحبير" رقم (51).

(2/174)


ولأن الرجل ليس بحاجة إلى أن يتحلى بذهب؛ إذ إنه يتحلى له ولا يتحلى هو لأحد، كما قال الله تعالى في وصف الأنثى: )أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) (الزخرف:18) ، أي: يربى في الحلية، فالمرأة هي التي تحتاج إلى أن تتزين وتتحلى، وأما الرجل فلا ينبغي له أن يكسر رجولته حتى يتنزل إلى أن يكون على صفات الإناث في النعومة ولباس الذهب وما أشبه ذلك.
وتحريم لباس الخالص من الذهب بالنسبة للرجل من باب أولى، ولهذا يحرم عليه أن يلبس خاتما من الذهب، أو قلادة، أو سلسلة، أو خرصا، أو ما أشبه ذلك.
وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل. فنزعه فطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»، فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به. قال: لا، والله! لا آخذه أبدا، وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم(1)
وقوله: «أو مموه بذهب قبل استحالته»، أي: ويحرم مموه بذهب، وهو المطلي بالذهب على الرجل؛ لعموم الحديث، إلا أن المؤلف استثنى إذا استحال هذا الذهب وتغير لونه. وصار لو عرض على النار لم يحصل منه شيء، فهذا لا بأس به؛ لأنه ذهب لونه، فمثلا: لو أنه مع طول الزمن تآكل، وذهب لونه، ولم يكن لونه كلون الذهب، وصار لو عرض على النار وصهر لم يحصل منه شيء، فحينئذ نقول: هذا جائز؛ لأنه ذهب عنه لون الذهب ما بقي إلا أنه كان قد موه به.
قوله: «وثياب حرير» ، أي: ويحرم ثياب حرير خالصة.
__________
(1) رواه مسلم، كتاب اللباس والزينة: باب تحريم خاتم الذهب على الرجال... رقم (2090).

(2/175)


والمراد بالحرير هنا الحرير الطبيعي دون الصناعي، والحرير الطبيعي يخرج من دودة تسمى «دودة القز» وهو غال وناعم، ولهذا حرم على الرجل؛ لأنه يشبه من بعض الوجوه الذهب؛ لكونه مما يتحلى به، وإن كان ملبوسا على صفة الثياب، ولكنه لا شك أنه يحرك الشهوة بالنسبة للمرأة، فلا يليق بالرجل أن يلبس مثل هذا الثوب لهذه العلة وللحديث السابق(1)
قوله: «وما هو أكثره ظهورا على الذكور» ، «ما» هنا نكرة موصوفة، أي: ويحرم ثوب، «هو» أي: الحرير، «أكثره» أي: أكثر هذا الثوب، «ظهورا» أي: بروزا للناس، أي: يحرم على الذكور ثوب يكون الحرير أكثره ظهورا.
مثال ذلك: لو كان هناك ثوب فيه أعلام، ثلثاه من الحرير وثلثه من القطن، أو الصوف، فهو حرام؛ لأن أكثره الحرير.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لو كان الحرير أقل، فليس بحرام، مثل لو كان فيه أعلام حرير أعني خطوطا، وهذه الخطوط إذا نسبت إلى ما معها من القطن أو الصوف وجدنا أنها الثلث، فالثوب حينئذ حلال اعتبارا بالأكثر، فإن تساويا فسيأتي في كلام المؤلف أنه ليس بحرام، وقيل: إنه حرام(2)
وقوله: «على الذكور»، أي: دون النساء لما علمنا من قبل من الدليل والتعليل(3)
وهل لبس الحرير من باب الصغائر؟.
الجواب: نقول هو من باب الكبائر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»(4) وهذا وعيد.
__________
(1) تقدم تخريجه ص(209).
(2) انظر: "الإنصاف" (3/261).
(3) انظر: ص(211).
(4) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، رقم (5834)، ومسلم، كتاب اللباس: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضلة على الرجال والنساء، رقم (2068) عن عمر بن الخطاب.

(2/176)


وقد اختلف العلماء رحمهم الله في معنى هذا الوعيد(1) فقيل: المعنى أنه لا يدخل الجنة؛ لأن لباس أهل الجنة الحرير، ومن لازم حرمان اللباس أن لا يدخل، وعلى هذا فيكون فيه تحذير شديد أن ينسلخ الإيمان من قلب هذا الرجل حتى يموت على الكفر فلا يدخل الجنة.
وقيل: المعنى أنه وإن دخل الجنة؛ فإنه لا يلبس الحرير، فيحرم من ذلك.
فإن قال قائل: يرد على هذا المعنى أن الله قال: ) وفيها ما تشتهيه الأنفس )(الزخرف: من الآية71ومن المعلوم أن لباس الحرير لباس تشتهيه النفس، فكيف الجواب؟
نقول: الجواب: - والعلم عند الله - إما أنه يحرم من لباس الحرير إلى مدة؛ الله أعلم بها، وإما ألا تشتهي نفسه هذا الحرير، ويكون هذا نقصا في نعيمه، فلا يتنعم كمال التنعم، كما أن المريض قد لا يشتهي نوعا من الطعام، ويكون هذا نقصا في مأكله.
قوله: «لا إذا استويا» ، أي: لا يحرم الحرير إذا استويا.
والضمير يعود على الحرير وما معه، لأنه قد اجتمع مبيح وحاظر، والأصل الإباحة حتى نعلم أن هذا مما يدخله التحريم، فنحن في شك من دخوله في تحريم الحرير والأصل الإباحة.
__________
(1) انظر: "فتح الباري" (10/32، 289).

(2/177)


وقال بعض أصحابنا رحمهم الله: بل إذا استويا يحرم(1) وعللوا بالقاعدة المشهورة: «أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب جانب الحظر» ولكل منهما وجه، فكل من التعليلين صحيح؛ لأن الذين يقولون: إنه إذا استويا لا يحرم يقولون: إن المحرم هو الحرير، وألحقنا الأكثر بالكل، أما أن نلحق المساوي بالكل، فهذا بعيد من القواعد الشرعية. والذين قالوا بالتحريم قالوا: إنما اجتمع مبيح وحاظر فغلب جانب الحظر، وهذه قاعدة شرعية مطردة في مثل هذه الأشياء التي تتعارض فيها الأدلة، وموقفنا منها الاحتياط، والاحتياط في مقام الطلب: الفعل، وفي مقام النهي: الترك.
والحاصل: أن المحرم هو الحرير الخالص أو الذي أكثره الحرير، وأما ما أكثره غير الحرير فحلال، وأما ما تساوى فيه الحرير وغيره فمحل خلاف.
قوله: «ولضرورة» ، هذا عائد على الحرير، أي: أو لبسه لضرورة، ومن الضرورة ألا يكون عنده ثوب غيره، ومن الضرورة أيضا أن يكون عليه ثوب، ولكنه احتاج إلى لبسه لدفع البرد، ومن الضرورة أيضا أن يكون عليه ثوب لا يستر عورته لتمزق فيه، فكل ما دعت إليه الضرورة جاز لبسه.
قوله: «أو حكة» ، أي: أنه إذا كان فيه حكة جاز لبسه.
والحكمة: أن الحرير لنعومته ولينه يطفئ الالتهاب من الحكة فلهذا أجازه الشارع. فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير أن يلبسا الحرير من حكة كانت بهما(2) فالحكة إذا تبيح لبس الحرير.
فإذا قال قائل: لدينا قاعدة شرعية وهي: أن المحرم لا تبيحه إلا الضرورة، وهنا الحكة هل هي ضرورة؟
__________
(1) انظر: "الإنصاف" (3/261).
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد: باب الحرير في الحرب. رقم (2920)، ومسلم، كتاب اللباس: باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كان به حكة، رقم (2076) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

(2/178)


فالجواب: أنها قد تكون ضرورة، فأحيانا يبتلى الإنسان بحكة عظيمة لا تجعله يستقر، وعلى هذا فلا إشكال، لكن إذا كان لبسه لحاجة فكيف يجوز ولا ضرورة؟ فالجواب: أن تحريم لبس الحرير من باب تحريم الوسائل، وذلك لأن الحرير نفسه من اللباس الطيب ولباس الزينة، ولكن لما كان مدعاة إلى تنعم الرجل كتنعم المرأة؛ بحيث يكون سببا للفتنة؛ صار ذلك حراما، فتحريمه إذا من باب تحريم الوسائل، وقد ذكر أهل العلم أن ما حرم تحريم الوسائل أباحته الحاجة، وضربوا لذلك مثلا بالعرايا(1) وهي بيع الرطب بالتمر، وبيع الرطب بالتمر حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بيع التمر بالرطب، قال: «أينقص الرطب إذا يبس؟»، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك(2)
__________
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (20/539)، (23/186، 187)، "إعلام الموقعين" (2/140).
(2) رواه مالك، كتاب البيوع: باب ما يكره من بيع التمر، رقم (1352)، وأبو داود، كتاب البيوع: باب في التمر بالتمر، رقم (2359)، والنسائي، كتاب البيوع: باب اشتراء التمر بالرطب (7/269) رقم (4559)، والترمذي كتاب البيوع: باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم (1225)، وابن ماجة، كتاب التجارات: باب بيع الرطب بالتمر، رقم (2264).
من طريق عبد الله بن يزيد، عن زيد أبي عياش، عن سعد بن أبي وقاص به.

والحديث صححه: علي بن المديني، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، انظر: "بلوغ المرام" رقم (845).

(2/179)


لأنه ربا؛ إذ إن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، لكن العرايا أبيحت للحاجة، والحاجة هي أن الإنسان الفقير الذي ليس عنده نقود إذا كان عنده تمر، واحتاج إلى التفكة بالرطب، كما يتفكه الناس أباح له الشارع أن يشتري بالتمر رطبا على رؤوس النخل، بشرط ألا تزيد على خمسة أوسق، وأن يكون بالخرص، أي: أننا نخرص الرطب لو كان تمرا بحيث يساوي التمر الذي أبدلناه به.
فهذا شيء من الربا، ولكن أبيح للحاجة. لماذا؟ لأن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل، بخلاف ربا النسيئة، فإن تحريم ربا النسيئة من باب تحريم المقاصد، ولهذا جاء في حديث أسامة بن زيد «لا ربا إلا في النسيئة. أو: إنما الربا في النسيئة»(1) قال أهل العلم: المراد بهذا الربا الكامل المقصود، أما ربا الفضل فإنه وسيلة(2)
قوله: «أو مرض» ، أي: يجوز لبس الحرير إذا كان فيه مرض يخففه الحرير أو يبرئه، والمرجع في ذلك إلى الأطباء، فإذا قالوا: هذا الرجل إذا لبس الحرير شفي من المرض، أو هان عليه المرض، فله أن يلبسه.
قوله: «أو قمل» ، أي: يجوز لبس الحرير لطرد القمل، لأنه محتاج لذلك إما حاجة نفسية؛ إذ إن الإنسان لا يطيق أن يخرج إلى الناس وعلى ثيابه القمل، وإما حاجة جسدية؛ لأن هذا القمل يقرص الإنسان ويتعبه، والحرير لليونته ونظافته ونعومته يطرد القمل؛ لأنه أكثر ما يكون مع الوسخ.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب البيوع: باب بيع الدينار بالدينارين، رقم (2178)، ومسلم: كتاب المساقاة: باب بيع الطعام مثلا بمثل، رقم (1596).
(2) انظر: "إعلام الموقعين" (2/135).

(2/180)


قوله: «أو حرب» ، أي: ويجوز لبس الحرير لحرب مع الكفار، وفي بعض النسخ «أو جرب». أما على نسخة «أو جرب» فعطفه على الحكة من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الجرب حكة. وأما على نسخة «أو حرب» فإنه عطف مباين على مباين، وإذا تعارض عندنا أن يكون العطف مباينا على مباين، أو عطف خاص على عام فالأولى عطف مباين على مباين؛ لأن عطف الخاص على العام شبه تكرار لبعض أفراده، وقد استفيد هذا الفرد الذي عطف من صيغة العموم، وعلى هذا فالنسخة الأولى أولى.
فالحرب يجوز فيه لباس الحرير لما في ذلك من إغاظة للكفار، فإن الكفار إذا رأوا المسلمين بهذا اللباس اغتاظوا، وانكسرت معنوياتهم، وعرفوا أن المسلمين في نعمة، وأن المسلمين أيضا غير مبالين بالحرب؛ لأن الرجل الذي يتجمل بالحرير، كأنه يقول بلسان الحال: أنا لا أهتم بالحرب، ولهذا ذهبت ألبس هذا الثوب الناعم، ولهذا كانوا في الحرب، ربما يجعلون على عمائمهم ريش النعام؛ ليعرف الرجل أنه شجاع، وأنه غير مبال بالحرب.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة «سماك بن خرشة» يختال في مشيته بين الصفين في معركة أحد، يعني يتبختر، فقال صلى الله عليه وسلم «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن»(1) لأجل أن يظهر العلو والفخر على هؤلاء الكفار.
__________
(1) رواه محمد بن إسحاق (انظر مختصر السيرة لابن هشام: 3/16)، ومن طريقه: الطبري في "التاريخ" (2/511)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (3/233). بسند فيه جهالة وانقطاع.
وله شاهد رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (3/54). والطبراني في "المعجم الكبير" (7/رقم 6508) عن خالد بن سليمان بن عبد الله بن خالد بن سماك، عن أبيه، عن جدة: أن سماك فذكره.
قال الهيثمي: "فيه من لم أعرفه". "المجمع" (6/109).

(2/181)


وكل شيء يغيظ الكافر فإنه يرضي الله ، وكل شيء فيه إكرام للكافر فإنه يغضب الله ؛ لأن إكرام الكافر معناه إظهار الإكرام لمن أهانه الله، وهذه مراغمة لله ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في اليهود والنصارى: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه»(1) فإذا تقابل المسلمون والكفار في الطريق فلا بد أن يتمايز بعضهم عن بعض، فهل نحن نتمايز حتى يجتازوا؟ فالجواب: لا، بل نبقى نحن صامدين ونجعل الضيق عليهم، فهم الذي يتمايزون، وهذا معنى الحديث، وليس معنى الحديث أن الإنسان إذا رأى الكافر ضايقه حتى يكون على الجدار، هذا لم يكن معروفا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا أراده النبي عليه الصلاة والسلام.
فكل شيء فيه إكرام الكافر فإنه حرام لا يجوز، ولهذا قال الله : ) ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين)(التوبة: من الآية120). وقال في وصف النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه: ) يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار)(الفتح: من الآية29).
وأما بر الكافر والإحسان إليه فلا حرج فيه، إذا كانوا لا يقاتلوننا في الدين، ولا يخرجوننا من ديارنا؛ لقوله تعالى: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة:8)
__________
(1) رواه مسلم، كتاب السلام: باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، رقم (2167) من حديث أبي هريرة.

(2/182)


قوله: «أو حشوا» ، بالنصب خبرا لكان المحذوفة، والتقدير: أو كان حشوا، أي: يجوز أن يلبس الإنسان ثوبا محشوا بالحرير، فإذا قدر أن رجلا رأى ثوبا يباع، وفيه حشو حرير، واشتراه ليلبسه، فلا بأس بذلك، وإن رأى فراشا حشوه حرير واشتراه لينام عليه، فلا بأس بذلك.
قوله: «أو كان علما» ، هذه معطوفة على ما قبلها، أي: يجوز لبس الحرير إذا كان علما في ثوب، والعلم معناه: الخط يطرز به الثوب. وتطريز الثوب قد يكون من أسفل، وقد يكون في الجيب، وقد يكون في الأكمام، وقد يكون ثوبا مفتوحا فيكون التطريز من جوانبه.
المهم: إذا كان في الثوب علم، أي: خط من الحرير، فهو جائز لكن بشرط ذكره المؤلف في قوله: «أربع أصابع فما دون» ، أي: أن العلم يكون قدر أربعة أصابع فما دون، والمراد أصابع إنسان متوسط، ومثل هذا يرجع فيه إلى الوسط، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إياك وكرائم أموالهم»(1) حتى لا تأخذ الأعلى، ولا تأخذ الأدنى أيضا، فنأخذ بالوسط.
فإذا كان العلم أربعة أصابع في مكان واحد فما دون فهذا لا بأس به؛ لحديث عمر : «أنه لم يرخص في الحرير إلا إذا كان علما أربع أصابع فما دون»(2) ولا فرق بين أن يكون علما مستطيلا في الثوب أو في بقعة منه.
__________
(1) متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص(8)، من حديث بعث معاذ إلى اليمن.
(2) رواه مسلم، كتاب اللباس: باب تحريم استعمال أواني الذهب...، رقم (15 – 2069) عن عمر بن الخطاب قال: "نهى نبي الله عن لبس الحرير، إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع"، ورواه النسائي كتاب الزينة باب الرخصة في لبس الحرير (2/202) رقم (5328) بلفظ: "أنه لم يرخص في الديباج إلا موضع أربع أصابع".
وانظر: "صحيح البخاري" كتاب اللباس: باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، رقم (5828 – 5835).

(2/183)


فإن قيل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله فيما سبق: «وما هو أكثره ظهورا»؟ لأننا لو أخذنا بظاهر العبارة السابقة لقلنا: إذا كان علما عرضه خمس أصابع، وإلى جنبه علم من القطن عرضه ستة أصابع، فإن نظرنا إلى ظاهر ما سبق قلنا: إنه جائز. ولكن ما سبق مقيد بما يلحق، فيكون مراده فيما سبق إذا كان الثوب مشجرا، أو إذا كان فيه أعلام أقل من أربع أصابع، أو أعلام كثيرة مفرقة، فهنا نعتبر الأكثر، أما إذا كان علما متصلا فإن الجائز ما كان أربع أصابع فما دونها.
قوله: «أو رقاعا أو لبنة جيب» ، الرقاع: جمع رقعة، أي: لو رقع الثوب بالحرير فإنه يجوز، لكن يجب أن نلاحظ أنه يقيد بأن يكون أربع أصابع فما دون، وكذلك «لبنة الجيب». والجيب: هو الذي يدخل معه الرأس، و«لبنته» هي: ما يوضع من حرير على هذا الطوق وهو معروف في بعض الثياب الآن.
قوله: «وسجف فراء» ، الفراء: جمع فروة، و«سجفها» أطرافها، والفروة مفتوحة من الأمام، «فسجفها» أي: أطرافها. فهذا لا بأس به، لكن بشرط أن يكون أربع أصابع فما دون.
قوله: «ويكره المعصفر والمزعفر للرجال» ، أي: كراهة تنزيه، ويجب أن نعلم أن الفقهاء المتأخرين رحمهم الله إذا قالوا: «يكره» فالمراد كراهة التنزيه، ولا يقصدون بذلك كراهة التحريم.
والمزعفر: هو المصبوغ بالزعفران، والمعصفر: هو المصبوغ بالعصفر، مكروه للرجال.
ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين معصفرين فنهاه أن يلبسهما وقال: «إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها»(1) فنهاه وعلل.
__________
(1) رواه مسلم، كتاب اللباس: باب النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر، رقم (2077)، من حديث عبد الله بن عمر.

(2/184)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية