صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : منار السبيل شرح الدليل
المؤلف : إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان

وإن قال : على ولدي ، دخل أولاده الموجودون ومن يولد لهم أي : لأولاده الموجودين .
لا الحادثون ، وعلى ولدي ومن يولد لي دخل الموجودون والحادثون تبعا للموجودين .
ومن وقف على عقبه أو نسله أو ولد ولده أو ذريته دخل الذكور والإناث لا أولاد الإناث لأنهم لم يدخلوا في قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم [ النساء :11] لأنهم إنما ينسبون إلى قبيلة آبائهم دون قبيلة أمهاتهم . وقال تعالى : ادعوهم لآبائهم [ الأ حزاب : 5 ] وقال الشاعر :
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : إن ابني هذا سيد ونحوه ، فمن خصائصه إنتساب أولاد فاطمة إليه .
إلا بقرينة كقوله : من مات عن ولد فنصيبه لولده . وقوله : وقفت على أولادي فلان وفلان وفلانة ، ثم أولادهم ، أو : على أن لولد الذكر سهمين ولولد الأنثى سهما ونحوه .
ومن وقف على بنيه أو بني فلان فللذكور خاصة لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقة . قال تعالى : أصطفى البنات على البنين [الصافات : 153] وقال : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين [ آل عمران : 14] وإن وقف على بناته إختص بهن ، وإن كانوا قبيلة كبني هاشم وتميم دخل نساؤهم ، لأن إسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها . وروي أن جواري من بني النجار قلن :
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
دون أولادهن من رجال غيرهم لأنهم إنما ينتسبون لآبائهم كما تقدم .
ويكره هنا أي : فما الوقف .
أن يفضل بعض أولاده على بعض لغير سبب شرعي لأنه يؤدي إلى التقاطع .
ولقوله ، صلى الله عليه وسلم ، في حديث النعمان بن بشير .... إتقوا الله واعدلوا بين أولادكم . قال : فرجع أبي في تلك الصدقة رواه مسلم .

(2/9)


والسنة أن لا يزاد ذكر على أنثى واختار الموفق ، وتبعه في الشرح و المبدع وغيره : للذكر مثل حظ الأنثيين على حسب قسمة الله في الميراث ، كالعطية ، والذكر في مظنة الحاجة غالبا بوجوب حقوق تترتب عليه بخلاف الأنثى .
فإن كان لبعضهم عيال أو به حاجة أو عاجز عن التكسب فخصه بالوقف أو فضله .
أو خص المشتغلين بالعلم ، أو خص ذا الدين والصلاح فلا بأس بذلك نص عليه ، لأنه لغرض مقصود شرعا .
فصل
والوقف عقد لازم بمجرد القول أو الفعل الدال عليه .
لا يفسخ بإقاله ولا غيرها لأنه عقد يقتضي التأبيد ، سواء حكم به حاكم أو لا ، أشبه العتق .
ولا يوهب ولا يرهن ولا يورث ولا يباع لقوله صلى الله عليه وسلم لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث قال الترمذى : العمل على هذا الحديث عند أهل العلم ، وإجماع الصحابة على ذلك ، فيحرم بيعه ولا يصح .
إلا أن تتعطل منافعه بخراب أو غيره كخشب تشعث وخيف سقوطه
ولم يوجد ما يعمر به ، فيباع ويصرف ثمنه في مثله أو بعض مثله نص عليه أحمد ، قال : إذا كان في المسجد خشبات لها قيمة جاز بيعها وصرف ثمنها عليه . وقال : يحول المسجد خوفا من اللصوص ، وإذا كان موضعه قذرا . قال أبو بكر : وروي عنه أن المساجد لا تباع ، إنما تنقل آلتها . قال : وبالقول الأول أقول ، لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو ، فإن لم يبلغ ثمن الفرس أعين به في فرس حبيس . نص عليه ، لأن الوقف مؤبد ، فإذا لم يمكن تأبيده بعينه إستبقينا الغرض وهو الإنتفاع على الدوام في عين أخرى .
وإتصال الإبدال يجري مجرى الأعيان ، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض ، كذبح الهدي إذا أعطب في موضعه مع إختصاصه بموضع آخر ، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية إستوفي منه ما أمكن . قاله ابن عقيل وغيره . وقوله : فيباع - أي : وجوبا - كما مال إليه في الفروع ، ونقل معناه القاضي وأصحابه ، والموفق والشيخ تقي الدين .

(2/10)


وبمجرد شراء البدل يصير وقفا كبدل أضحية ، وبدل رهن أتلف ، لأنه كالوكيل في الشراء ، وشراء الوكيل يقع لموكله ، والإحتياط وقفه ، لئلا ينقضه بعد ذلك من لا يرى وقفه بمجرد الشراء .
وكذا حكم المسجد لو ضاق على أهله نص عليه ، وفي المغني : ولم تمكن توسعته في موضعه .
أو خربت محلته او إستقذر موضعه لما تقدم . قال القاضي : يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه فيباع .
ويجوز نقل آلته وحجارته لمسجد آخر إحتاج إليها وذلك أولى من بيعه لما روى أن عمر ، رضي الله عنه ، كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الذي في الكوفة نقب ، أن انقل المسجد الذي بالتمارين ، واجعل بيت المال في قبلة المسجد ، فإنه لن يزال في المسجد مصل وكان هذا بمشهد من الصحابة ، ولم يظهر خلافه ، فكان كالإجماع .
ويجوز نقض منارة المسجد وجعلها في حائطه لتحصينه من نحو كلاب . نص عليه ، في رواية محمد بن الحكم لأنه نفع .
ومن وقف على ثغر فاختل صرف في ثغر مثله قاله في التنقيح .

(2/11)


وعلى قياسه مسجد ورباط ونحوهما كسقاية فإذا تعذر الصرف فيها صرف في مثلها تحصيلا لغرض الواقف حسب الامكان . ونص أحمد في رواية حرب فيمن وقف على قنطرة فانحرف الماء : يرصد لعله يرجع - أي : الماء - إلى القنطرة فيصرف عليها ما وقف عليها . قال في الإختيارات : وجوز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة ، كجعل الدور حوانيت والحكورة المشهورة . إنتهى . قال ابن قندس : يريد بذلك أن كثيرا من الأوقاف كان بساتين ، فأحكروها وجعلت بيوتا وحوانيت ، ولم ينكر ذلك العلماء الأعيان . إنتهى . وما فضل من حاجة الموقوف عليه مسجدا كان أو غيره : من حصر وزيت وأنقاض وآلة جديدة ، يجوز صرفه في مثله ، لأنه إنتفاع به في جنس ما وقف له ، ويجوز صرفه إلى فقير . نص عليه . واحتج بأن شيبة بن عثمان الحجبي كان يتصدق بخلقان الكعبة . وروي الخلال بإسناده أن عائشة أمرته بذلك ولأنه مال الله ولم يبق له مصرف ، فصرف إلى المساكين .
ويحرم حفر البئر وغرس الشجر بالمساجد لأن البقعة مستحقة للصلاة فتعطيلها عدوان ، فإن فعل طمث البئر وقلعت الشجرة . نص عليه . قال : غرست بغير حق ظالم غرس فيما لا يملك .
ولعل هذا أي : تحريم حفر البئر في المسجد .
حيث لم يكن فيه مصلحة قال في الإقناع : ويتوجه جواز حفر بئر إن كان فيه مصلحة ولم يحصل به ضيق . قال في الرعاية : لم يكره أحمد حفرها فيه .
باب الهبة
وهي التبع بالمال في حال الحياة خرج الوصية .
وهي مستحبة لقوله صلى الله عليه وسلم : تهادوا تحابوا وهي أفضل من الوصية ، لحديث أبي هريرة سئل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أي الصدقة أفضل ؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ، ولفلان كذا رواه مسلم بمعناه .
منعقدة بكل قول يدل على الهبة بأن يقول : وهبتك أو أهديتك أو أعطيتك ونحوه .

(2/12)


أو فعل يدل عليها لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، كان يهدي ويهدى إليه ، ويعطي ويعطى ، ويفرق الصدقات ، ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها وكان أصحابه يفعلون ذلك ، ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول ، ولو كان شرطا لنقل عنهم نقلا متواترا أو مشهورا ، ولأن دلالة الرضى بنقل الملك تقوم مقام الإيجاب والقبول .
وشروطها ثمانية :
1 - كونها من جائز التصرف وهو الحر المكلف الرشيد .
2 - كونه مختارا غير هازل فلا تصح من مكره ولا هازل .
3 - كون الموهوب يصح بيعه إختاره القاضي وقدمه في الفروع ، لأنه عقد يقصد به تمليك العين ، أشبه البيع . قال في الكافي : وتجوز هبة الكلب وما يجوز الإنتفاع به من النجاسات ، لأنه تبرع فجاز في ذلك كالوصية ، ولا تجوز في مجهول ولا عجوز عن تسليمه .
4 - كون الموهوب له يصح تمليكه فلا تصح لحمل ، لأن تمليكه تعليق على خروجه حيا ، والهبة لا تقبل التعليق .
5 - كونه يقبل ما وهب له بقول أو فعل يدل عليه لما تقدم .
قبل تشاغلهما بما يقطع البيع عرفا على ما تقدم تفصيله .
6 - كون الهبة منجزة فلا تصح معلقه كإذا قدم زيد فهذا لعمرو ، لأنها تمليك لمعين في الحياة ، فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع إلا تعليقها بموجب الواهب فيصح ، وتكون وصية ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم ، لأم سلمة - إني قد أهديت إلى النجاشي حلة ، وأواقي مسك ، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي ، فإن ردت فهي لك الحديث رواه أحمد - فوعد لا هبة .
7 - كونها غيرمؤقتة كوهبتكه شهرا أو سنة ، لأنه تعليق لإنتهاء الهبة ، فلا تصح معه كالبيع .
لكن لو وقتت بعمر أحدهما كقوله جعلتها لك عمرك أو حياتك أو عمري .

(2/13)


لزمت ولغى التوقيت لقوله صلى الله عليه وسلم : أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه رواه أحمد ومسلم . وفي لفظ قضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالعمرى لمن وهبت له متفق عليه . وعن جابر أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخل حياتها فماتت ، فجاء إخوته ، فقالوا نحن فيه شرع سواء . قال : فأبى ، فاختصموا إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقسمها بينهم ميراثا رواه أحمد .

(2/14)


والرقبى : أن يقول : إن مت قبلي عادت إلي ، وإن مت قبلك فهي لك . قال مجاهد : هي أن يقول : هي للآخر منى ومنك موتا سميت رقبى ، لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه . ففيها روايتان . إحداهما : هي لازمة لا تعود إلى الأول ، لعموم الأخبار ، ولقوله صلى الله عليه وسلم لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته رواه أحمد ومسلم وفي حديث جابر مرفوعا : العمرى جائزة لأهلها ، والرقبى جائزة لأهلها رواه الخمسة . وهو قول جابر بن عبدالله وابن عمر وابن عباس ومعاوية وزيد بن ثابت ، وقضى بها طارق بالمدينة بأمر عبدالملك . قال في الشرح . ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك ، وتنتقل إلى الورثة فلم يكن تقديره بحياته منافيا لحكم الأملاك ، ولأنه شرط رجوعها على غير الموهوب له ، وهو وارثه بعد ما زال ملك الموهوب له فلم يؤثر ، كما لو شرط بعد لزوم العقد شرطا ينافي مقتضاه . وعنه : ترجع إلى المعمر والمرقب ، لقوله صلى الله عليه وسلم المؤمنون عند شروطهم وسئل القاسم عنها ، فقال : ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم ، وما أعطوا . وقال جابر : إنما العمرى الذي أجاز رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يقول : هي لك ولعقبك . فأما إذا قال : هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها متقق عليه . وأجيب عنه بأنه من قول جابر نفسه ، فلا يعارض ما روي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقول القاسم لا يقبل في مقابلة من سمينا من الصحابة والتابعين ، فكيف في مخالفة سيد المرسلين ؟! قاله في الشرح .

(2/15)


وكونها بغير عوض فإن كانت بعرض معلوم فبيع يثبت فيها الخيار ، والشفعة ، وضمان العهدة . وعنه : يغلب فيها حكم الهبة ، فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به ، لقول عمر : من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته ، يرجع فيها إذا لم يرض منها رواه مالك في الموطأ . وعن أبي هريرة مرفوعا الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي . وقال أحمد : إذا وهب على وجه الإثابة فلا يجوز له إلا أن يثيبه منها .
وبعوض مجهول فباطلة كالبيع بثمن مجهول ، فترد بزيادتها المتصلة والمنفصلة . وإن تلفت ضمنها ببدلها . وعنه : تصح ، ويعطيه ما يرضيه ، أو يردها ، ويحتمل أن يعطيه قيمتها ، فإن لم يفعل فللواهب الرجوع ، لما روى عن عمر . قاله في الكافي .
ومن أهدى ليهدى له أكثر فلا بأس لحديث المستعذر يثاب من هبة لغير النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى : ولا تمنن تستكثر [ المدثر : 6 ] ولما فيه من الحرص والمضنة .
ويكره رد الهبة وإن قلت لحديث ابن مسعود مرفوعا : لا تردوا الهدية رواه أحمد .
بل السنة أن يكافى أو يدعو لحديث من صنع إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى . تروا أنكم قد كافأتموه رواه أحمد وغيره . وحكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال : ترك المكافآت من التطفيف، وقاله مقاتل .
وإن علم أنه أهدى حياء وجب الرد قاله ابن الجوزي . قال في الآداب : وهو قول حسن ، لأن المقاصد في العقود عندنا معتبرة .
فصل
وتملك الهبة بالعقد لما روي عن علي وابن مسعود أنهما قالا : الهبة إذا كانت معلومة فهي جائزة قبضت أو لم تقبض فيصح تصرف الموهوب له فيها قبل القبض على المذهب . نص عليه . والنماء للمتهب . قاله في الإنصاف .

(2/16)


وتلزم بالقبض بشرط أن يكون القبض بأذن الواهب قال المروزي : إتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة . وقال الصديق لما حضرته الوفاة لعائشة : يا بنية إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا ، ولو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ، وإنما هو اليوم مال الوارث فاقتسموه على كتاب الله تعالى رواه مالك في الموطأ .
وتبطل بموت متهب قبل قبضها ، لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة : إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي مسك ، ولا أرى النجاشي إلا قد مات ، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي ، فإن ردت فهي لك . قالت : فكان ما قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وردت عليه هديته ، فأعطى كل إمرأة من نسائه أوقية من مسك ، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة رواه أحمد .
فقبض ما وهب بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك ، وقبض الصبرة ، وما ينقل بالنقل ، وقبض ما يتناول بالتناول ، وقبض غير ذلك بالتخلية كقبض مبيع .
ويقبل ويقبض لصغير ومجنون وليهما وهو أب ، أو وصيه ، أو الحاكم ، أو أمينه كالبيع والشراء . قال أحمد : لا أعرف للأم قبضا . ولا يحتاح أب وهب موليه إلى توكيل ، لانتفاء التهمة قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارا بعينها ، أو عبدا بعينه ، وقبض له من نفسه ، وأشهد عليه : أنها تامة ، وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض . وصحح في المغني : أن الأب وغيره في هذا سواء لانتفاء التهمه هنا بخلاف البيع .
ويصح أن يهب شيئا ويستثني نفعه مدة معلومة نحو شهر وسنة كالبيع .
وأن يهب حاملا ، ويستثني حملها كالعتق .
وإن وهبه وشرط الرجوع متى شاء لزمت ولغى الشرط لأنه شرط ينافيها ، فتصح هي مع فساد الشرط ، كالبيع بشرط أن لا يخسر .
وإن وهب دينه لمدينه ، أو أبرأه منه ، أو تركه له صح ، ولزم بمجرده ، ولو قبل حلوله لأن تأجيله لا يمنع ثبوته في الذمة .

(2/17)


وتصح البراءة ولو مجهولا لهما أو لأحدهما ، لقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين : إقتسما وتوخيا الحق ، واستهما ، ثم تحالا .
ولا تصح هبة الدين لغير من هو عليه لأنه غير مقدور على تسليمه
إلا إن كان ضامنا فإنها تصح لتعلقه في ذمته .
فصل
ولكل واهب أن يرجع في هبته قبل إقباضها لبقاء ملكه مع الكراهة خروجا من خلاف من قال : تلزم بالعقد ، لحديث العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه متفق عليه . ولأنه يروى عن علي ، وابن مسعود .
ولا يصح الرجوع إلا بالقول نحو رجعت في هبتي أو إرتجعتها ، أو رددتها ، لأن الملك ثابت للموهوب له يقينا ، فلا يزول إلا بيقين ، وهو صريح الرجوع .
وبعد إقباضها يحرم ولا يصح لحديث ابن عباس مرفوعا : العائد في هبته كالكلب يقيء القيء ، ثم يعود في قيئه متفق عليه . قال أحمد في رواية : قال قتادة : ولا أعلم القيء إلا حراما .
ما لم يكن أبا فإن له أن يرجع فيما وهبه لولده ، قصد التسوية أو لا ، لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده رواه الخمسة ، وصححه الترمذي .
بشروط أربعة
1 - أن لا يسقط حقه من الرجوع فإن أسقطه سقط .
2 - أن لا تزيد زيادة متصلة كالسمن والتعلم فإن زادت فلا رجوع . وأما الزيادة المنفصلة فهي للإبن ، ولا تمنع الرجوع .
3 - أن تكون باقية في ملكه لأن الرجوع فيها بعد خروجها عن ملكه إبطال لملك غيره .
4 - أن لا يرهنها الولد فإن رهنها أو حجرعليه لفلس سقط الرجوع ، لما فيه من إسقاط حق المرتهن والغرماء .
وللأب الحر أن يتملك من مال ولده ما شاء لقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك رواه سعيد وابن ماجه ، ورواه الطبراني في معجمه مطولا وعن عائشة مرفوعا : إن أطيب ما أكلتم من كسبكم ، وإن أولادكم من كسبكم رواه سعيد والترمذي وحسنه .
بشروط خمسة :
1 - أن لا يضره لحديث لا ضرر ولا ضرار ولأنه أحق بما تعلقت به حاجته .

(2/18)


2 - أن لا يكون في مرض موت أحدهما المخوف فلا يصح فيه ، لإنعقاد سبب الإرث .
3 - أن لا يعطيه لولد آخر نص عليه ، لأنه ممنوع من التخصيص من مال نفسه فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذه من مال ولده الآخر أولى .
4 - أن يكون التملك بالقبض مع القول أو النية لأن القبض يكون للتملك وغيره فاعتبر ما يعين وجهه .
5- أن يكون ما تملكه عينا موجودة ، فلا يصح أن يتملك ما في ذمته من دين ولده ، ولا أن يبرئ نفسه كإبرائه غريمه ، لأن الولد لا يملكه إلا بقبضه .
وليس لولده أن يطالبه بما في ذمته من الدين وقيمة المتلف وغير ذلك ، لحديث أنت ومالك لأبيك .
بل إذا مات أخذه من تركته من رأس المال لأنه حق ثابت عليه لا تهمة فيه ، كدين الأجنبي ، وله مطالبته بنفقته الواجبة ، لفقره وعجزه عن التكسب ، لضرورة حفظ النفس .
فصل
ويباح للإنسان أن يقسم ماله بين ورثته في حال حياته على فرائض الله عز وجل ، لعدم الجور فيها .
ويعطي من حدث حصته وجوبا ليحصل التعديل الواجب .
ويجب عليه التسوية بينهم على قدر إرثهم إقتداء بقسمة الله تعالى . وقياسا لحال الحياة على حال الموت . وسائر الأقارب في ذلك كالأولاد . قال عطاء : ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى ، وقال إبراهيم : كانوا يستحبون التسوية بينهم حتى في القبلة فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين . وما ذكر عن ابن عباس مرفوعا : سووا بين أولادكم ولو كنت مؤثرا لآثرت النساء الصحيح أنه مرسل ، ذكره في الشرح .

(2/19)


فإن زوج أحدهم أو خصصه بلا إذن البقية حرم عليه لقوله صلى الله عليه وسلم ، في حديث النعمان لا تشهدني على جور متفق عليه . والجور حرام . وكان الحسن يكرهه ، ويجيزه في القضاء ، وأجازه مالك والشافعي ، لخبر أبي بكر لما نحل عائشة ولنا حديث النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني نحلت إبني هذا غلاما كان لي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ فقال : لا . فقال : فأرجعه متفق عليه . ذكره في الشرح .
ولزمه أن يعطيهم حتى يستووا نص عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إتقوا الله واعدلو بين أولادكم رواه مسلم .
فإن مات قبل التسوية ، وليس التخصيص بمرض موته المخوف ثبت للآخذ فلا رجوع لبقية الورثة عليه . نص عليه ، لقول الصديق : وددت لو أنك حزتيه وقول عمر : لا عطية إلا ما حازه الولد .. وهو قول أكثر أهل العلم . قاله في الشرح .
وإن كان بمرض موته لم يثبت له شئ زائد عنهم إلا بإجازتهم لأن حكمه كالوصية ، وفي الحديث : لا وصية لوارث .
ما لم يكن وقفا ، فيصح بالثلث كالأجنبي إحتج أحمد بحديث عمر ، وتقدم في الوقف ، وبأن الوقف لا يباع ، ولا يورث ، ولا يصير ملكا للورثة . وقال أحمد : إن كان على طريق الأثرة فأكرهه ، وإن كان على أن بعضهم له عيال ، أو به حاجة فلا بأس ، لأن الزبير خص المردودة من بناته ذكره في الشرح .
فصل
والمرض غير المخوف كالصداع ، ووجع الضرس والرمد ، وحمى ساعة ، ونحوها
تبرع صاحبه نافذ في جميع ماله كتصرف الصحيح لأن مثل هذه لا يخاف منها في العادة .
حتى ولو صار مخوفا ، ومات منه بعد ذلك إعتبارا بحال العطية لأنه إذ ذاك في حكم الصحيح .
والمرض المخوف كالبرسام وهو : وجع فى الدماغ يختل به العقل . وقال عياض : هو ورم في الدماغ يتغير منه عقل الإنسان ويهذي .
وذات الجنب قروح بباطن الجنب .
والرعاف الدائم لأنه يصفي الدم فتذهب القوة .

(2/20)


والقيام المتدارك أي : الإسهال معه دم ، لأنه يضعف القوة . وأول فالج - وهو : داء معروف يرخي بعض البدن - وآخر سل ، والحمى المطبقة ، وحمى الربع ، ومن أخذها الطلق مع ألم حتى تنجو ، نص عليه . وما قال طبيبان مسلمان أنه مخوف .
وكذلك أي : وألحق بالمرض المخوف
من بين الصفين وقت الحرب وكل من الطائفتين مكافئ أو كان من المقهورة .
أو كان باللجة وقت الهيجان أي : ثوران البحر بريح عاصف ، لأن الله وصف من في هذه الحالة بشدة الخوف ، فقال : وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم [يونس : 22 ] .
أو وقع الطاعون ببلده لأن توقع التلف من أولئك كتوقع المريض وأكثر . قال أبو السعادات فيه : هو المرض العام ، والوباء الذي يفسد له الهوى ، فتفسد به الأمزجة والأبدان . وقال عياض : هو قروح تخرج من المغابن لا يلبث صاحبها ، وتعم إذا ظهرت . وقال النووي في شرح مسلم : هو بثر وورم مؤلم جدا يخرج معه لهب ، ويسود ما حوله ، ويخضر ، ويحمر حمرة بنفسجية ، ويحصل معه خفقان القلب . إنتهى . وعن أبي موسى مرفوعا : فناء أمتي بالطعن والطاعون . فقيل : يا رسول الله ،هذا الطعن قد عرفناه ، فما الطاعون ؟ قال : وخز أعدائكم من الجن ، وفي كل شهادة رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني . وفي حديث عائشة غدة كغدة البعير ، المقيم به كالشهيد ، والفار منه كالفار من الزحف رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني .
أو قدم للقتل أو حبس له لظهور التلف وقربه .
أو جرح جرحا موحيا أي : مهلكا مع ثبات عقله لأن عمر ، رضي الله عنه ، لما جرح سقاه الطبيب لبنا فخرج من جرحه ، فقال له الطبيب : إعهد إلى الناس ، فعهد إليهم ووصى ، فاتفق الصحابة على قبول عهده ووصيته وعلي ، رضي الله عنه ، بعد ضرب ابن ملجم أوصى وأمر ونهى فإن لم يثبت عقله فلا حكم لعطيته ، بل ولا لكلامه .

(2/21)


فكل من أصابه شئ من ذلك ، ثم تبرع ومات نفذ تبرعه بالثلث فقط أي : ثلث ماله عند الموت ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم رواه ابن ماجة .
للأجنبي فقط لحديث : لا وصية لوارث رواه أحمد وأبوداود والترمذي وحسنه .
وإن لم يمت من مرضه المخوف .
فكالصحيح في نفوذ عطاياه كلها ، وصحة تصرفه لعدم المانع .
كتاب الوصايا
الأصل فيها : الكتاب والسنة والإجماع . قال الله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية الآية [ البقرة : 180] وقال تعالى : من بعد وصية يوصى بها أو دين [ النساء : 11 ] وأما السنة فحديث ابن عمر وسعد وغيرهما ، وأجمعوا على جوازها ، قال ابن عبدالبر : أجمعوا على أنها غير واجبة ، إلا على من عليه حق بغير بينة ، إلا طائفة شذت فأوجبتها ، روي عن الزهري وأبي مجلز ، وهو قول داود . ولنا : أن أكثر الصحابة لم يوصوا ، ولم ينقل بذلك نكير . وأما الآية : قال ابن عباس وابن عمر : نسختها آية الميراث وحيث ابن عمر : محمول على من عليه واجب . قاله في الشرح .
تصح الوصيه من كل عاقل لم يعاين الموت لأن أبا بكر وصى بالخلافة لعمر ، ووصى بها عمر لأهل الشورى ولم ينكره من الصحابة منكر . وعن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة قال : أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة : منهم عثمان ، والمقداد ، وعبدالرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، فكان يحفظ عليهم أموالهم ، وينفق على أيتامهم من ماله . فإن عاين الموت لم تصح وصيته ، لأنه لا قول له . وفي الحديث ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ، ولفلان كذا ، وقد كان لفلان قال في شرح مسلم : - إما من عنده ، أو حكاية عن الخطابي - والمراد : قاربت بلوغ الحلقوم ، إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ، ولا صدقته ، ولا شئ من تصرفاته باتفاق الفقهاء .

(2/22)


ولو مميزا لأن صبيا من غسان أوصى إلى أخواله فرفع إلى عمر فأجاز وصيته رواه سعيد . وفي الموطأ نحوه وفيه ان الوصية بيعت بثلاثين ألفا وهذه قصة إشتهرت فلم تنكر . وقال شريح وعبدالله بن عتبة : من أصاب الحق أجزنا وصيته .
أو سفيها لأنه إنما حجر عليه ، لحفظ ماله وليس في وصيته إضاعة له ، لأنه إن عاش فهو له ، وإن مات لم يحتج إلى غير الثواب ، وقد حصله .
وأما الطفل والمجنون فلا تجوز وصيتهما في قول أكثر أهل العلم . قاله في الشرح . وتصح الوصية بلفظ مسموع من الموصي بلا خلاف ، وبخط ، لحديث ابن عمر - ويأتي - وكتب ، صلى الله عليه وسلم ، إلى عماله . وكذا الخلفاء إلى ولاتهم بالأحكام التي فيها الدماء والفروج مختومة ، لا يدرى حاملها ما فيها وذكر أبو عبيد إستخلاف سليمان عمر بن عبدالعزيز ، قال : ولا نعلم أحدا أنكر ذلك مع شهرته فيكون إجماعا . قاله في الشرح . وعن أنس كانوا يكتبون في صدور وصاياهم : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أوصى به فلان ابن فلان : يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ، ويصلحوا ذات بينهم ، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين ، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة : 132 ] رواه سعيد ورواه الدارقطني بنحوه .
ويجب العمل بالوصية إذا ثبتت ، ولو طالت مدتها ما لم يعلم رجوعه عنها ، لأن حكمها لا يزول بتطاول الزمان .
فتسن الوصية .

(2/23)


بخمس من ترك خيرا - وهو المال الكثير عرفا قال ابن عباس وددت لو أن الناس غضوا من الثلث لقول النبي صلى الله عليه وسلم والثلث كثير متفق عليه . وعن إبراهيم : كانوا يقولون : صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث ، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع رواه سعيد . وأوصى أبو بكر الصديق بالخمس ، وقال : رضيت بما رضي الله به لنفسه يريد قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [ الأنفال : 41 ] وقال علي ، رضي الله عنه لأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع وعن العلاء قال : أوصى أبي أن أسال العلماء أي الوصية أعدل ؟ فما تتابعوا عليه فهو وصية ، فتتابعوا على الخمس .
وتكره لفقير له ورثة محتاجون ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إنك أن تذر ورثتك أغنياء ، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس .
وتباح له إن كانوا أغنياء نص عليه في رواية ابن منصور .
وتجب على من عليه حق بلا بينة لحديث ابن عمر مرفوعا : ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه متفق عليه .
وتحرم على من له وارث بزائد عن الثلث لنهيه ، صلى الله عليه وسلم ، سعدا عن ذلك متفق عليه . وعن عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم ، فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ، أثلاثا ، ثم أقرع بينهم ، فأعتق إثنين ، وأرق أربعة ، وقال له قولا شديدا رواه الجماعة إلا البخاري .
ولوارث بشئ مطلقا نص عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لا وصية لوارث رواه احمد ، وأبو داود ، والترمذي وحسنه .
وتصح الوصية بزائد عن الثلث ، ولوارث مع الحرمة .

(2/24)


وتقف على إجازة الورثة لحديث ابن عباس مرفوعا : لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه ، رواهما الدارقطني . ولأن المنع لحق الورثة فإذا رضوا بإسقاطه نفذ . قال ابن المنذر : أجمعوا على أنها تبطل فيما زاد على الثلث برد الورثة ، وبردهم في الوصية للوارث ، وإن أجازوا جازت في قول الأكثر . ذكره في الشرح .
وتصح الوصية ممن لا وارث له بجميع ماله . روي عن ابن مسعود ، وعبيدة ، ومسروق ، لأن المنع من الزيادة على الثلث لحق الوارث ، وهو معدوم .
والإعتبار بكون ممن وصى أو وهب وارثا أو لا عند الموت أي : موت موص ، وواهب . قال في الشرح : لا نعلم فيه خلافا .
وبالإجازة أو الرد بعده أي : بعد موته ، وما قبله لا عبرة به . نص عليه .
فإن امتنع الموصى له بعد موت الموصي من القبول ومن الرد ، حكم عليه بالرد وسقط حقه من الوصية لعدم قبوله ، ولأن الملك متردد بينه وبين الورثة ، فأشبه من تحجر مواتا ، وامتنع من إحيائه .
وإن قبل ، ثم رد لزمت ولم يصح الرد لأن ملكه قد إستقر عليها بالقبول كسائر أملاكه إلا أن يرضى الورثة بذلك ، فتكون هبة منه لهم تعتبر شروطها .
وتدخل في ملكه من حين قبوله كسائر العقود ، لأن القبول سبب دخوله في ملكه ، والحكم لا يتقدم سببه ، فلا يصح تصرفه في العين الموصى بها قبل القبول ببيع ، ولا هبة ولا غيرهما ، لعدم ملكه لها .
فما حدث من نماء منفصل قبل ذلك فلورثته أي : ورثة الموصي . والنماء المتصل يتبعها كسائر العقود والفسوخ .
وتبطل الوصية بخمسة أشياء :
1- برجوع الموصي لقول عمر ، رضي الله عنه : يغير الرجل ما شاء في وصيته .
بقول كرجعت في وصيتي ، أو أبطلتها ونحوه .

(2/25)


أو فعل يدل عليه أي : على الرجوع ، كبيعه ما وصى به ، ورهنه وهبته . قال في الشرح : واتفق أهل العلم على أن له أن يرجع في كل ما أوصى به ، وفي بعضه إلا العتق ، فالأكثر على جواز الرجوع . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه : أنه إذا أوصى لرجل بطعام ، أو بشئ فأتلفه ، أو وهبه ، أو بجارية فأحبلها ، أنه رجوع .
2- بموت الموصى له قبل الموصي في قول الأكثر . قاله في الشرح ، لأنها عطية صادفت المعطى ميتا فلم تصح ، إلا إن كانت بقضاء دينه ، لبقاء إشتغال الذمة حتى يؤدى الدين .
3 - بقتله للموصي قتلا مضمونا ولو خطأ ، لأنه يمنع الميراث ، وهو آكد منها فهي أولى .
4 - برده للوصية بعد موت الموصي ، لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه .
5- بتلف العين المعينه الموصى بها قبل قبول موصى له ، لأن حقه لم يتعلق بغيرها . قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه على أن الرجل إذا أوصي له بشئ فهلك الشئ ، أنه لا شئ له في مال الميت .
باب الموصى له
تصح الوصية لكل من يصح تمليكه ، ولو مرتدا أو حربيا
قال في الشرح : لا نعلم فيه خلافا ، لقوله تعالى : إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا [ الأحزاب : 6 ] قال محمد بن الحنفية ، وعطاء ، وقتادة : هو وصية المسلم لليهودي والنصراني .
أو لا يملك ، كحمل قال في الشرح : ولا نعلم خلافا في صحة الوصية للحمل . أي : إذا علم وجوده حين الوصية . فإن إنفصل ميتا بطلت ، لأنه لا يرث .
وبهيمة ويصرف في علفها لأن الوصية لها أمر بصرف المال في مصلحتها ، فإن ماتت البهيمة الموصى لها قبل صرف جميع الموصى به في علفها ، فالباقي للورثة ، لتعذر صرفه إلى الموصى له ، كما لو رد موصى له الوصية .
وتصح للمساجد ، والقناطر ونحوها كالثغور ، ويصرف في مصالحها الأهم فالأهم عملا بالعرف .
ولله ورسوله ، وتصرف في المصالح العامة كالفيء .

(2/26)


وإن وصى بإحراق ثلث ماله صح ، وصرف في تجمير الكعبة ، وتنوير المساجد ، وبدفنه في التراب : صرف في تكفين الموتى . وبرميه في الماء : صرف في عمل سفن للجهاد في سبيل الله تصحيحا لكلامه حسب الإمكان .
ولا تصح لكنيسة ، أو بيت نار أو مكان من أماكن الكفر ، لأنه معصية .
أو كتب التوراة والإنجيل لأنهما منسوخان ، وفيهما تبديل وقد غضب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حين رأى مع عمر شيئا مكتوبا من التوراة .
أو ملك أو ميت أو جني لأنهم لا يملكون ، أشبه ما لو وصى لحجر .
ولا لمبهم كأحد هذين لأن التعيين شرط ، فإن كان ثم قرينة أو غيرها : أنه أراد معينا منهما ، وأشكل صحت الوصية ، وأخرج المستحق بقرعة فى قياس المذهب . قاله ابن رجب في القاعدة الخامسة بعد المائة .
فلو وصى بثلث ماله لمن تصح له الوصية ، ولمن لا تصح له كان الكل لمن تصح له نص عليه ، لأن من أشركه معه لا يملك ، فلا يصح التشريك .
لكن لو أوصى لحي وميت علم موته أو لا .
كان للحي النصف فقط لأنه أضاف الوصية إليهما ، فإذا لم يكن أحدهما أهلا للتمليك بطلت الوصية في نصيبه دون نصيب الحي ، لخلوه عن المعارض ، كما لو كان لحيين فمات أحدهما .
فصل
وإذا أوصى لأهل سكته ، فلأهل زقاقه حال الوصية نص عليه ، لأنه قد يلحظ أعيان سكانها الموجودين لحصرهم .
ولجيرانه تناول أربعين دارا من كل جانب نص عليه ، لحديث أبي هريرة مرفوعا : الجار : أربعون دارا هكذا ، وهكذا ، وهكذا وقال أبو بكر : مستدار أربعين دارا من كل جانب ، والحديث محتمل . قاله في الشرح .
والصغير ، والصبي ، والغلام ، واليافع ، واليتيم : من لم يبلغ فتطلق هذه الأسماء على الولد من ولادته إلى بلوغه .
والمميز : من بلغ سبعا . والطفل : من دون سبع . والمراهق : من قارب البلوغ قال في القاموس : راهق الغلام : قارب الحلم .
والشاب ، الفتى : من البلوغ إلى ثلاثين سنة .

(2/27)


والكهل : من الثلاثين الى الخمسين قال في القاموس : الكهل : من وخطه الشيب ، ورأيت له بجالة ، أو من جاوز الثلاثين ، أو أربعا وثلاثين إلى إحدى وخمسين .
والشيخ من الخمسين إلى السبعين ، ثم بعد ذلك هرم إلى آخر عمره .
والأيم ، والعزب : من لا زوج له من رجل أو إمرأة قال تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم [ النور : 32] الآية قال في الكافي : ويحتمل ان يختص العزاب بالرجال ، والأيامى بالنساء ، لأن الإسم في العرف له دون غيرهم .
والبكر: من لم يتزوج من رجل وإمرأة .
ورجل ثيب وإمرأة ثيبة : إذا كانا قد تزوجا . والثيوبة : زوال البكارة ، ولو من غير زوج كزوالها بيد ، أو وطء شبهة ، أو زنى .
والأرامل : النساء اللاتي فارقهن أزواجهن بموت أو حياة لأنه المعروف بين الناس .
والرهط : ما دون العشرة من الرجال خاصة قال في كشف المشكل : الرهط : ما بين الثلاثة إلى العشرة وكذا النفر من ثلاثة إلى عشرة . فإذا أوصى لصنف ممن ذكر دخل غنيهم وفقيرهم ، لشمول الإسم لهم ، ولم يدخل غيرهم .
باب الموصى به
تصح الوصية حتى بما لا يصح بيعه ، كالآبق والشارد والطير بالهواء والحمل بالبطن واللبن بالضرع لأنها تصح بالمعدوم فهذا أولى ، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث ، وهذه تورث عنه . وللموصى له السعي في تحصيله ، فإن قدر عليه أخذه إن خرج من الثلث .
وبالمعدوم ، ك : بما تحمل أمته أو شجرته أبدا أو مدة معلومة ، فإن حصل شئ فللموصى له بمقتضى الوصية .
إلا حمل الأمة فقيمته يوم وضعه قال ابن قندس : لعله لحرمة التفريق ، وإن لم يحصل شئ بطلت الوصية ، لأنها لم تصادف محلا .
وتصح بغير مال ككلب مباح النفع لأن فيه نفعا مباحا وتقر اليد عليه .
وزيت متنجس لغير مسجد ، لأنه يستصبح به ، بخلاف المسجد فإنه يحرم فيه .
وتصح بالمنفعة المفردة كخدمة عبد وأجرة دار ونحوهما لصحة المعارضة عنها كالأعيان .

(2/28)


وتصح بالمبهم ، كثوب وعبد وشاة لأنها إذا صحت بالمعدوم فالمجهول أولى .
ويعطى ما يقع عليه الإسم لأنه اليقين كالإقرار .
فان إختلف الإسم بالعرف والحقيقة اللغوية .
غلبت الحقيقة لأنها الأصل ، ولهذا يحمل عليها كلام الله تعالى ، وكلام رسوله ، صلى الله عيله وسلم . واختار الموفق وجماعة : يقدم العرف لأنه المتبادر إلى الفهم .
فالشاة والبعير والثور : إسم للذكر والأنثى من صغير وكبير ويشمل لفظ الشاة الضأن والمعز ، لعموم حديث في أربعين شاة شاة ويقولون : حلبت البعير : يريدون الناقة .
والحصان والجمل والحمار والبغل والعبد : إسم للذكر خاصة لقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم [ النور : 32 ] والعطف للمغايرة . وقيل في العبد للذكر والأنثى .
والحجر الأنثى من الخيل .
والأتان والناقة والبقرة : إسم للأنثى قاله في الإنصاف .
والفرس والرقيق : إسم لهما أي : لذكر وأنثى .
والنعجة : إسم للأنثى من الضأن ، والكبش : إسم للذكر الكبير منه أي : من الضأن .
والتيس : إسم للذكر الكبير من المعز
والدابة عرفا : إسم للذكر والأنثى من الخيل والبغال والحمير لأن ذلك هو المتعارف . ولم تغلب الحقيقة هنا لأنها صارت مهجورة فيما عدا الأجناس الثلاثة، اشار إليه الحارثي .
باب الموصى إليه
لا بأس بالدخول في الوصية لمن قوي عليه ووثق من نفسه ، لفعل الصحابة ، رضي الله عنهم . روي عن أبي عبيدة أنه لما عبر الفرات أوصى إلى عمر ، وأوصى إلى الزبير ستة من الصحابة وقياس قول أحمد أن عدم الدخول فيها أولى ، لما فيها من الخطر .
تصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلف رشيد عدل إجماعا .
ولو ظاهرا أي : مستورا ظاهر العدالة .
أو أعمى لأنه من أهل الشهادة والتصرف ، فأشبه البصير .
أو إمرأة لأن عمر أوصى إلى حفصة .
أو رقيقا له أو لغيره ، لأنه يصح توكيله ، فأشبه الحر .

(2/29)


لكن لا يقبل إلا بإذن سيده لأن منافعه مستحقة له ، فلا يفوتها عليه بغير إذنه . ولا تصح وصية المسلم إلى كافر بغير خلاف . قاله في الشرح .
وتصح من كافر إلى كافر .
عدل في دينه لأنه يلي على غيره بالنسب ، فيلي بالوصية كالمسلم .
ويعتبر وجود هذه الصفات عند الوصية لأنها شروط للعقد فاعتبرت حال وجوده .
والموت لأنه إنما يتصرف بعد موت الموصي ، فاعتبر وجودها عنده .
وللموصى إليه أن يقبل . وأن يعزل نفسه متى شاء لأنه متصرف بالإذن كالوكيل .
وتصح الوصية معلقة : كإذا بلغ أو حضر أو رشد أو تاب من فسقه
فهو وصيي وتسمى الوصية لمنتظر .
أو : إن مات زيد فعمرو مكانه . وتصح مؤقتة : كزيد وصيي سنة ثم عمرو لقوله صلى الله عيله وسلم أميركم زيد ، فإن قتل فجعفر ، فإن قتل فعبدالله بن رواحة رواه أحمد والنسائي . والوصية كالتأمير . ويجوز أن يوصي إلى نفسين ، لما روي أن ابن مسعود كتب في وصيته أن مرجع وصيتي إلى الله ، ثم إلى الزبير وإبنه عبدالله وإن وصى إلى رجل وبعده إلى آخر فهما وصيان ، إلا أن يعزل الأول ، وليس لأحدهما الإنفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه .
وليس للوصي أن يوصي إلا إن جعل له ذلك كالوكيل ، إختاره أبو بكر ، وهو ظاهر كلام الخرقي . وعنه : له أن يوصي لأنه قائم مقام الأب فملك ذلك كالأب ، قال معناه في الكافي .
فصل
ولا تصح الوصية إلا في شئ معلوم ليعلم الموصى إليه ما وصي به إليه ليحفظه ويتصرف فيه كما أمر .
يملك الموصي فعله لأنه أصيل والوصي فرعه ، ولا يملك الفرع ما لا يملكه الأصل .
كقضاء الدين وتفريق الوصية ورد الحقوق إلى أهلها كغصب ورعاية وأمانة ، وكإمام أعظم يوصي بالخلافة كما أوصى أبو بكر لعمر ، وعهد عمر إلى أهل الشورى .

(2/30)


والنظر في أمر غير مكلف من أولاده وتزويج مولياته ويقوم وصيه مقامه في الإجبار . ولا تصح وصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ، ولا وصية الرجل بالنظر على بالغ رشيد لعدم ولاية الموصي حال الحياة . قال في الشرح : وأما من لا ولاية له عليهم كالإخوة والأعمام وسائر من عدا الأولاد ، فلا تصح الوصية عليهم . لا نعلم فيه خلافا ، إلا أن أبا حنيفة والشافعي قالا : للجد ولاية على إبن إبنه وإن سفل . إنتهى .
لا باستيفاء الدين مع رشد وارثه وبلوغه ، لإنتقال المال إلى من لا ولاية له عليه .
ومن وصي في شئ لم يصر وصيا في غيره لأنه إستفاد التصرف بالإذن ، فكان مقصورا على ما أذن له فيه كالوكيل .
وإن صرف أجنبي أي : من ليس بوارث ولا وصي .
الموصى به لمعين في جهته الموصى به فيها
لم يضمنه لمصادفة الصرف مستحقه .
وإذا قال له : ضع ثلث مالي حيث شئت ، أو أعطه ، أو تصدق به على من شئت ، لم يجز له أخذه لأنه منفذ ، كالوكيل في تفرقة مال .
ولا دفعه إلى أقاربه الوارثين ولو كانوا فقراء . نص عليه ، لأنه متهم في حقهم .
ولا إلى ورثة الموصي نص عليه ، لأنه قد وصى بإخراجه فلا يرجع إلى ورثته .
ولا حاكم حضر موته .
ولا وصي له بأن لم يوص إلى أحد .
فلكل مسلم أخذ تركته وبيع ما يراه منها كسريع الفساد والحيوان ، لأنه موضع ضرورة بحفظ مال المسلم عليه ، إذ في تركه إتلاف له .
وتجهيزه منها إن كانت موجودة .
وإلا جهزه من عنده وله الرجوع بما غرمه على تركته حيث وجدت . أو على من تلزمه نفقته غيرالزوج إن لم تكن له تركة .
إن نوى الرجوع لأنه قام عنه بواجب ، ولئلا يمتنع الناس من فعله مع الحاجة إليه .

(2/31)


كتاب الفرائض

وهي : العلم بقسمة المواريث أي فقه المواريث ، ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها بين مستحقيها . ويسمى العارف بهذا العلم : فارضا ، وفريضا ، وفرضيا . وقد حث صلى الله عليه وسلم ، على تعلمه وتعليمه في أحاديث منها : حديث ابن مسعود مرفوعا : تعلموا الفرائض وعلموها الناس ، فإني إمرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض ، وتظهر الفتن حتى يختلف إثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما رواه أحمد والترمذي والحاكم ، ولفظه له . وعن أبي هريرة مرفوعا : تعلموا الفرائض وعلموها ، فإنها نصف العلم ، وهو ينسى ، وهو أول علم ينزع من أمتي رواه إبن ماجه والدارقطني من حديث حفص بن عمر ، وقد ضعفه جماعة . وقال عمر ، رضي الله عنه : إذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض ، وإذا لهوتم فالهوا بالرمي .
وإذا مات الإنسان بدىء من تركته بكفنه وحنوطه ومؤنة تجهيزه من رأس ماله ، سواء كان قد تعلق به حق رهن أو أرش جناية أو لا كما يقدم المفلس بنفقته على غرمائه .
وما بقي بعد ذلك تقتضى منه ديون الله تعالى كالزكاة ، والكفارة ، والحج الواجب ، والنذر .
وديون الآدميين كالقرض ، والثمن ، والأجرة ، وقيم المتلفات ، لقوله تعالى : من بعد وصية يوصى بها أو دين [ النساء : 11] قال علي ، رضي الله عنه إن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قضى أن الدين قبل الوصية رواه الترمذي وابن ماجه .
وما بقي بعد ذلك تنفذ وصاياه من ثلثه للآية ، إلا أن يجيزها الورثة ، فتنفذ من جميع الباقي .
ثم يقسم ما بقي بعد ذلك على ورثته للآيات في سورة النساء .
فصل
وأسباب الإرث ثلاثة :
النسب أي : القرابة قربت أو بعدت ، لقولة تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض [ الأحزاب : 6 ]
والنكاح الصحيح لقوله تعالى : ولكم نصف ما ترك أزواجكم [النساء : 12] الآية .

(2/32)


والولاء لحديث ابن عمر مرفوعا : الولاء لحمة كلحمة النسب رواه ابن حبان و الحاكم وصححه . ولا يورث بغير هذه الثلاثة . نص عليه .قال في الكافي : فأما المؤاخاة في الدين ، والموالاة في النصرة ، وإسلام الرجل على يد الآخر، فلا يورث بها ، لأن هذا كان في بدء الإسلام ، ثم نسخ بقوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض [ الأحزاب : 6] الآية إنتهى . ولا يرث المولى من أسفل ، وقيل : بلى عند عدم غيره ذكره الشيخ تقي الدين ، لخبر عوسجة مولى ابن عباس عنه : أن رجلا مات ولم يترك وارثا إلا عبدا هو أعتقه ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ميراثه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه . قال : والعمل عند أهل العلم في هذا الباب : أن من لا وارث له فميراثه في بيت المال . وعوسجة وثقه أبو زرعة ، وقال البخاري في حديثه : لا يصح .
وموانعه ثلاثة :

(2/33)


القتل لما روي عن عمر ، رضي الله عنه : أنه أعطى دية ابن قتادة المدلجي لأخيه دون أبيه ، وكان حذفه بسيف فقتله . وقال عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ليس لقاتل شئ رواه مالك في الموطأ ولأحمد عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده نحوه . وعن ابن عباس مرفوعا : من قتل قتيلا فإنه لا يرثه ، وإن لم يكن له وارث غيره ، وإن كان والده أو ولده ، فليس لقاتل ميراث رواه أحمد . فكل قتل يضمن بقتل أو دية أو كفارة يمنع الميراث لذلك وما لا يضمن كالقصاص ، والقتل في الحد لا يمنع ، لأنه فعل مباح ، فلم يمنع الميراث . والرق فلا العبد قريبه ، لأنه لو ورث شيئا لكان لسيده ، فيكون التوريث لسيده دونه . وأجمعوا على أن المملوك لا يورث ، لأنه لا ملك له ، وإن ملك فملكه ضيف يرجع إلى سيده ببيعه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من باع عبدا وله مال فماله للبائع ، إلا أن يشترطه المبتاع فكذلك بموته . وكذا المكاتب، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . رواه أبو داود .
وإختلاف الدين فلا يرث مسلم كافرا ، ولا كافر مسلما ، لحديث أسامة بن زيد مرفوعا : لا يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر متفق عليه .
والمجمع على توريثهم من الذكور - بالإختصار - عشرة : الإبن ، وإبنه وإن نزل بمحض الذكور ، لقوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [ النساء : 11] الآية . وإبن الإبن إبن لما تقدم في الوقف .
والأب وأبوه وإن علا بمحض الذكور ، لقوله تعالى : ولأبويه لكل واحد منهما السدس [ النساء : 11] الآية - والجد أب ، وقيل ثبت إرثه بالسنة ، لأنه صلى الله عليه وسلم أعطاه السدس .
والأخ مطلقا أي : لأب أو لأم أو لهما ، لقوله تعالى : وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [ النساء : 176] . وقوله : وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس [ النساء : 12] .

(2/34)


وإبن الأخ لا من الأم لأنه من ذوي الأرحام ، وإبن الأخ لأبوين ، أو لأب عصبة .
والعم لا من الأم .
وإبنه كذلك أي : لا من الأم ، لحديث : ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر .
والزوج لقوله تعالى : ولكم نصف ما ترك أزواجكم [ النساء : 12 ].
والمعتق وعصبته المتعصبون بأنفسهم ، لحديث : الولاء لمن أعتق . متفق عليه . وللإجماع .
ومن الإناث - بالإختصار - سبع : البنت وبنت الإبن وإن نزل أبوها بمحض الذكور ، لقوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم [ النساء : 11] وحديث ابن مسعود في بنت ، وبنت إبن ، وأخت ... ويأتي .
والأم لقوله تعالى : وورثه أبواه [ النساء : 11] .
والجدة مطلقا لما يأتي .
والأخت مطلقا شقيقة كانت أو لأب أو لأم ، لآيتي الكلالة .
والزوجة لقوله تعالى : ولهن الربع مما تركتم [ النساء : 12] .
والمعتقة لما تقدم . وما عدا هؤلاء فمن ذوي الأرحام - ويأتي حكمهم إن شاء الله - .
فصل
والوارث ثلاثه
ذو فرض ، وعصبة ، ورحم ولكل كلام يخصه .
والفروض المقدرة في كتاب الله تعالى .
ستة : النصف ، والربع ، والثمن ، والثلثان ، والثلث ، والسدس وأما ثلث الباقي فثبت بالإجتهاد .
وأصحاب هذه الفروض - بالإختصار - عشرة : الزوجان ، والأبوان ، والجد ، والجدة مطلقا ، والأخت مطلقا ، والبنت وبنت الإبن ، والأخ من الأم على ما يأتي مفصلا ، والإخوة لأبوين ، ذكورا كانوا أو إناثا يسمون : بني الأعيان ، لأنهم من عين واحدة ، ولأب وحده بني العلات : جمع علة ، وهي : الضرة ، فكأنه قيل : بنو الضرات . قال في القاموس : وبنو العلات بنو أمهات شتى من رجل ، لأن الذي يتزوجها على أولى قد كان قبلها تأهل ، ثم عل من هذه . إنتهى . والإخوة للأم فقط : بنو الأخياف ، بالخاء المعجمة ، أى : الأخلاط ، لأنهم من أخلاط الرجال ، وليسوا من رجل واحد .
فالنصف فرض خمسة :

(2/35)


فرض الزوج حيث لا فرع وارث للزوجة أي : إبن أو بنت منه أو من غيره ، أو إبن ابن ، أو بنت ابن لقوله تعالى : ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد [ النساء : 12] .
وفرض البنت لقوله تعالى : وإن كانت واحدة فلها النصف [ النساء : 11] . قال في المغني : لا خلاف في هذا بين علماء المسلمين .
وفرض بنت الإبن وإن نزل أبوها بمحض الذكور .
مع عدم أولاد الصلب بالإجماع ، لأن ولد الإبن كولد الصلب ، الذكر كالذكر والأنثى كالأنثى ، لأن كل موضع سمى الله الولد دخل فيه ولد الإبن .
وفرض الأخت الشقيقة مع عدم الفرع الوارث
وفرض الأخت للأب مع عدم الأشقاء وعدم الفرع الوارث ، لقوله تعالى : إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك [ النساء : 176 ] وهذه الآية في ولد الأبوين ، أو الأب بإجماع أهل العلم . قاله في المغني . ويحل فرض النص للبنت ، وبنت الإبن والأخت إذا انفردن ولم يعصبن .
والربع فرض إثنين :
وفرض الزوج مع الفرع الوارث لقوله تعالى : فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن [ النساء : 12 ] .
وفرض الزوجة فأكثر مع عدمه أي : الفرع الوارث .
والثمن فرض واحد ، وهو : الزوجة فأكثر ، مع الفرع الوارث للزوج ذكرا أو أنثى منها ، أو من غيرها بالإجماع ، لقوله تعالى : ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم [النساء : 12 ] .
فصل
والثلثان : فرض أربعة :

(2/36)


فرض البنتين فأكثر ، وبنتي الإبن فاكثر مع عدم البنات إذا لم يعصبن ، لقوله تعالى : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك [ النساء : 11] و فوق في الآية صلة . كقوله تعالى : فاضربوا فوق الأعناق [ الأنفال : 12] وقد وردت هذه الآية على سبب خاص ، لحديث جابر قال : جاءت إمرأة سعد بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : هاتان إبنتا سعد ، قتل أبوهما معك ، يوم أحد شهيدا ، وإن عمهما اخذ مالهما ، فلم يدع لهما شيئا من ماله ، ولا ينكحان إلا بمال . فقال : يقضي الله في ذلك ، فنزلت آية المواريث ، فدعا النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عمهما فقال : أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأعط أمهما الثمن ، وما بقي فهو لك . رواه أبو داود ، وصححه الترمذي والحاكم . فدلت الآية على فرض ما زاد على البنتين ، ودلت السنة على فرض البنتين وهذا تفسير للآية ، وتبيين لمعناها . وقال تعالى في الأخوات : فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك والبنتان أولى . وبنات الإبن كبنات الصلب كما تقدم .
وفرض الأختين الشقيقتين فأكثر ، وفرض الأختين للأب فأكثر لقوله تعالى : فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك [ النساء : 176] قال في المغني : المراد بهذه الآية : ولد الأبوين ، أو ولد الأب بإجماع أهل العلم ، وقيس ما زاد على الأختين على ما زاد على البنتين .
والثلث : فرض اثنين :
فرض ولدي الأم فأكثر يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم لقوله تعالى : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث [ النساء : 12 ] وأجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت هنا : ولد الأم . وقرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت [ النساء : 12 ] من أم والتشريك يقتضي المساواة .
وفرض الأم حيث لا فرع وارث للميت ولا جمع من الإخوة والأخوات

(2/37)


لقوله تعالى : فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس [ النساء : 11 ] . قال الزمخشري هنا لفظ الإخوة يتناول الأخوين ، لأن المقصود الجمعية المطلقة من غير كمية . إنتهى . وفي الكافي : وقسنا الأخوين على الإخوة ، لأن كل فرض تغير بعدد كان الإثنان فيه بمنزلة الجماعة ، كفرض البنات والأخوات . إنتهى . الأم ؟ فقال : لا أستطيع أن أرد شيئا كان قبلي ، ومضى في البلدان ، وتوارث الناس به وهذا من عثمان يدل على إجتماع الناس على ذلك قبل مخالفة ابن عباس .
لكن لو كان هناك أب ، وأم ، وزوج ، أو زوجة كان للأم ثلث الباقي
بعد فرضهما . نص عليه ، لأن الفريضة جمعت الأبوين مع ذي فرض واحد فكان للأم ثلث الباقي ، كما لو كان معهما بنت ، وأبقى لفظ الثلث في الصورتين ، وإن كان في الحقيقة سدسا أو ربعا تأدبا مع القرآن ، وتسميان بالغراوين لشهرتهما ، وبالعمريتين لقضاء عمر بذلك وتبعه عليه عثمان ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وروي عن علي ، وهو قول جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة . وقال ابن عباس : لها الثلث كاملا ، لظاهر الآية . والحجة معه لولا إنعقاد الإجماع من الصحابة على خلافه ، ولأنا لو أعطيناها الثلث كاملا لزم إما تفضيل الأم على الأب في صورة الزوج ، وإما أنه لا يفضل عليها التفضيل المعهود في صورة الزوجة مع أن الأم والأب في درجة واحدة .
والسدس فرض سبعة :
1 - فرض الأم مع الفرع الوارث : أو جمع الإخوة والأخوات لقوله تعالى : ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد إلى قوله فإن كان له إخوة فلأمه السدس [ النساء : 11] .
2- فرض الجدة فأكثر إلى ثلاث إن تساوين مع عدم الأم

(2/38)


لحديث قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى أبي بكر تطلب ميراثها ، فقال : ما لك في كتاب الله شئ ، وما أعلم لك في سنة رسول الله ، في ، شيئا ، ولكن إرجعي حتى أسأل الناس . فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أعطاها السدس فقال : هل معك غيرك ؟ فشهد له محمد بن مسلمة ، فأمضاه لها أبوبكر . فلما كان عمر جاءت الجدة الأخرى ، فقال عمر : ما لك في كتاب الله شئ ، وما كان القضاء الذي قضي به إلا في غيرك ، وما أنا بزائد في الفرائض شيئا ، ولكن هو ذاك السدس ، فإن إجتمعتما فهو لكما ، وأيكما خلت به فهو لها . صححه الترمذي . وعن عبادة بن الصامت : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما . رواه عبدالله ابن أحمد في زوائد المسند . ولايرث أكثر من ثلاث : أم الأم ، وأم الأب ، وأم الجد ، وما كان من أمهاتهن وإن علت درجتهن . روي عن علي ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود . وروى سعيد بإسناده عن إبراهيم النخعي أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ورث ثلاث جدات : إثنتين من قبل الأب ، وواحدة من قبل الأم وأخرجه أبو عبيد ، والدارقطني . وقال إبراهيم : كانوا يورثون من الجدات ثلاثا . رواه سعيد . وأجمع أهل العلم على أن أم أبي الأم لا ترث ، وكذلك كل جدة أدلت بأب بين أمين ، لأنها تدلي بغير وارث . قاله في الكافي .
3 - فرض ولد الأم الواحد ذكرا كان أو أنثى بالإجماع ، لقوله تعالى : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس [ النساء : 12] . وفي قراءة عبدالله وسعد : وله أخ أو أخت من أم .

(2/39)


4 - فرض بنت الابن فأكثر ، مع بنت الصلب إجماعا ، لحديث ابن مسعود ، وقد سئل عن بنت ، وبنت إبن ، وأخت، فقال أقضي فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم : للإبنة النصف ، ولإبنة الإبن السدس تكملة الثلثين ، وما بقي فللأخت . رواه البخاري مختصرا . ولأن الله لم يفرض للبنات إلا الثلثين ، وهؤلاء بنات ، وقد سبقت بنت الصلب فأخذت النصف ، لأنها أعلى درجة منهن ، فكان الباقي لهن السدس ، فلهذا تسميه الفقهاء تكملة الثلثين ، وكذا بنت إبن إبن مع بنت إبن .
5- فرض الأخت للأب مع الأخت الشقيقة تكملة الثلثين قياسا على بنت الإبن مع بنت الصلب ، لأنها في معناه .
6- فرض الأب مع الفرع الوارث للآية السابقة .
7 - فرض الجد كذلك أي : مع الفرع الوارث ، لأنه أب .
ولا ينزلان أي : الأب والجد .
عنه أي : عن السدس .
بحال للآية ، وقد يكون عائلا .
فصل
في الجد مع الإخوة ذكورا أو إناثا لأبوين ، أو لأب والجد : أبو الأب ، لا يحجبه حرمانا غير الأب . حكاه ابن المنذر إجماعا .
وقد كان السلف يتوقون الكلام فيه جدا ، فعن علي رضي الله عنه : من سره أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة . وقال ابن مسعود : سلونا عن عضلكم واتركونا من الجد لا حياه الله ولا بياه . وروي عن عمر ، رضي الله عنه ، أنه لما طعن ، وحضرته الوفاة قال : إحفظوا عني ثلاثا : لا أقول في الجد شيئا ، ولا أقول في الكلالة شيئا ، ولا أولي عليكم أحدا .
وذهب أبو بكر الصديق ، وابن عباس ، وابن الزبير : إلى أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات كالأب . وروي عن عثمان ، وعائشة ، وأبي بن كعب ، وجابر بن عبدالله ، وأبي الطفيل ، وعبادة بن الصامت ، وهو مذهب أبي حنيفة .

(2/40)


وذهب علي بن أبي طالب ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود : إلى توريثهم معه ، ولا يحجبونهم به على إختلاف بينهم ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وأبي يوسف ومحمد ، لثبوت ميراثهم بالكتاب العزيز فلا يحجبون إلا بنص ، أو إجماع أو قياس ، ولم يوجد ذلك ، ولتساويهم في سبب الإستحقاق ، فإن الأخ والجد يدليان بالأب الجد أبوه ، والأخ إبنه ، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة ، بل ربما كانت أقوى فإن الإبن يسقط تعصيب الأب .
والجد مع الإخوة الأشقاء ، أو الأب ، ذكورا كانوا أو إناثا كأحدهم في مقاسمتهم المال ، أو ما أبقت الفروض ، لأنهم تساووا في الإدلاء بالأب فتساووا في الميراث .
فإن لم يكن هناك صاحب فرض فله معهم خير أمرين : إما المقاسمة إن كان الإخوة أقل من مثليه .
أو ثلث جميع المال إن كانوا أكثرمن مثليه . وإن كانوا مثليه استوى له الأمران . ولا ينقص الجد عن الثلث مع عدم ذي الفرض ، لأنه إذا كان مع الأم مثلي ما تأخذه ، لأنها لا تزاد على الثلث ، والإخوة لا ينقصون الأم عن السدس ، فوجب أن لا ينقصوا الجد عن ضعفه وهو : الثلث .
وإن كان هناك صاحب فرض فله أي : الجد .
أو ثلث الباقي بعد صاحب الفرض لأن له الثلث مع عدم الفروض ، فما أخذ من الفروض كأنه ذهب من المال ، فصار ثلث الباقي بمنزلة ثلث جميع المال .
أو سدس جميع المال لأنه لا ينقص عنه مع الولد ، فمع غيره أولى .
فإن لم يبق بعد صاحب الفرض إلا السدس أخذه الجد .
وسقط الإخوة مطلقا لاستغراق الفروض التركة .

(2/41)


إلا الأخت الشقيقة أو لأب في المسألة المسماة بالأكدرية سميت بذلك لتكديرها أصول زيد حيث أعالها ، ولا عول في مسائل الجد والإخوة في غيرها ، وفرض للأخت مع الجد ، ولم يفرض لها معه إبتداء في غيرها ، وجمع سهامه وسهامها فقسمها بينهما ، ولا نظير لذلك ، أو لتكدير زيد على الأخت نصيبها بإعطائها النصف ، واسترجاعه بعضه . وقيل لأن عبدالملك بن مروان سأل عنها رجلا إسمه أكدر .
وهي زوج ، وأم ، وجد ، وأخت لغير أم .
فللزوج : النصف ، وللأم : الثلث ، وللجد : السدس ، ويفرض للأخت : النصف ، فتعول لتسعة ولم يحجب الأم عن الثلث ، لأنه تعالى إنما حجبها عنه بالولد والإخوة ، وليس هنا ولد ولا إخوة .
ثم يقسم نصيب الجد والأخت بينهما أربعة على ثلاثة لأنها إنما تستحق معه بحكم المقاسمة ، وإنما أعيل لها لئلا تسقط ، وليس في الفريضة من يسقطها، ولم يعصبها الجد إبتداء ، لأنه ليس بعصبة مع هؤلاء ، بل يفرض له . ولو كان مكانها أخ لسقط لأنه عصبة بنفسه ، والأربعة لا تنقسم على الثلاثة ، وتباينها . فاضرب الثلاثة في المسألة بعولها تسعة .
فتصح من سبعة وعشرين للزوح تسعة ، وللأم ستة ، وللأخت أربعة ، وللجد ثمانيه ، ويعايا بها ، فيقال : أربعة ورثوا مال ميت ، أخذ أحدهم ثلثه ، والثاني ثلث الباقي ، والثالث ثلث باقي الباقي ، والرابع الباقي .
وإذا اجتمع مع الشقيق ولد الأب عده على الجد إن إحتاج لعده لأن الجد والد ، فإذا حجبه أخوان وارثان جاز أن يحجبه أخ وارث ، وأخ غير وارث كالأم ، ولأن ولد الأب يحجبونه نقصانا إذا انفردوا فكذلك مع غيرهم كالأم ، بخلاف ولد الأم فإن الجد يحجبهم بلا خلاف ، فمن مات عن جد واخ لأبوين وأخ لأب ، فللجد منه الثلث .
ثم يأخذ الشقيق ما حصل لولد الأب لأنه أقوى تعصيبا منه ، فلا يرث معه شيئا ، كما لو إنفردا عن الجد ، فإن استغنى عن المعادة كجد وأخوين لأبوين وأخ فأكثر لأب ، فلا معادة لأنه لا فائدة فيها .

(2/42)


إلا أن يكون الشقيق أختا واحدة فتأخذ تمام النصف لأنه لا يمكن أن تزاد عليه مع عصبة ، ويأخذ الجد الأحظ له على ما تقدم .
وما فضل فهو لولد الأب واحدا كان أو أكثر .
فمن صور ذلك الزيديات الأربع : المنسوبات إلى زيد بن ثابت ، رضي الله عنه .
1 - العشرية ، وهي : جد ، وشقيقة ، وأخ لأب أصلها عدد رؤوسهم خمسة : للجد سهمان ، وللأخت النصف : سهمان ونصف ، والباقي للأخ . فتنكسر على النصف ، فاضرب مخرجه إثنين في خمسة ، فتصح من عشرة ، للجد أربعة ، وللشقيقة خمسة ، وللأخ للأب واحد .
2 - العشرينية ، وهي : جد ، وشقيقة ، وأختان لأب كالتي قبلها ، إلا أنه يبقى للأختين للأب نصف ، لكل واحدة ربع ، فتضرب مخرجه أربعة في الخمسة = عشرين ، ومنها تصح للجد ثمانية ، وللشقيقة عشرة ، ولكل أخت لأب واحد .
3 - مختصرة زيد ، وهي : أم ، وجد ، وشقيقة ، وأخ ، وأخت لأب
لأن زيدا صححها من مائة وثمانية ، وردها بالإختصار إلى أربعة وخمسين . أصلها ستة : للأم واحد ، يبقى خمسة ، للجد والإخوة على ستة تباينها ، فاضرب الستة في أصل المسألة تبلغ ستة وثلاثين : للأم سدسها ستة ، وللجد عشرة ، وللأخت الشقيقة ثمانية عشر يبقى سهمان : للأخ ، والأخت للأب على ثلاثة تباينهما ، فاضرب ثلاثة في ستة وثلاثين تبلغ مائة وثمانية ، للأم ثمانية عشر، وللجد ثلاثون ، وللشقيقة أربعة وخمسون ، وللأخ لأب أربعة ، ولأخته سهمان ، والأنصباء كلها متوافقة بالنصف ، فترد المسألة لنصفها ، ونصيب كل وارث لنصفه ، فترجع لأربعة وخمسين . ولو اعتبرت للجد فيها ثلث الباقي لصحت إبتداء من أربعة وخمسين .

(2/43)


4 - تسعينية زيد ، وهي : أم ، وجد ، وشقيقة ، وأخوان ، وأخت لأب للأم السدس ثلاثة من ثمانية عشر ، وللجد ثلث الباقي : خمسة ، وللشقيقة النصف : تسعة ، يبقى لأولاد الأب واحد على خمسة لا يصح ، فاضرب خمسة في ثمانية عشر تبلغ تسعين : للأم خمسة عشر ، وللجد خمسة وعشرون ، وللشقيقة خمسة وأربعون ، ولأولاد الأب خمسة ، لأنثاهم واحد ، ولكل ذكر إثنان .
باب الحجب
وهو باب عظيم . ويحرم على من لم يعرف الحجب أن يفتي في الفرائض . قاله في شرح الترتيب .
إعلم أن الحجب بالوصف كالقتل والرق وإختلاف الدين .
يتأتى دخوله على جميع الورثة لما تقدم .
والحجب بالشخص نقصانا كذلك يتأتى دخوله على جميع الورثة ، كحجب الزوج من النصف إلى الربع ، والزوجة من الربع إلى الثمن ، ونحوه مما تقدم .
وحرمانا فلا يدخل على خمسة : الزوجين ، والأبوين ، والولد ذكرا كان أو أنثى إجماعا ، لأنهم يدلون إلى الميت بغير واسطة ، فهم أقوى الورثة .
وان الجد يسقط بالأب حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من الصحابة ومن بعدهم .
وكل جد أبعد بجد أقرب لإدلائه به ، ولقربه .
وإن الجدة مطلقا من قبل الأم أو الأب .
تسقط بالأم لأن الجدات يرثن بالولادة ، فالأم أولى منهن بمباشرتها الولادة .
وكل جدة بعدى بجدة قربى لأن الجدات أمهات يرثن ميراثا واحدا من جهة واحدة ، فإذا اجتمعن فالميراث لأقربهن ، كالآباء والأبناء والإخوة . ولا يحجب الأب أمه أو أم أبيه كالعم . روي عن عمر وابن مسعود وأبي موسى وعمران بن حصين وأبي الطفيل ، لحديث ابن مسعود : أول جدة أطعمها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، السدس أم أب مع إبنها وإبنها حي رواه الترمذي . ورواه سعيد بلفظ : أول جدة أطعمت السدس أم أب مع إبنها ولأن الجدات يرثن ميراث الأم لا ميراث الأب ، فلا يحجبن به ، كأمهات الأم . وكذا الجد لا يحجب أم نفسه .
وإن كل إبن أبعد يسقط بإبن أقرب ولو لم يدل به لقربه .

(2/44)


وتسقط الإخوه الأشقاء باثنين : بالإبن وإن نزل ، وبالأب الأقرب حكاه ابن المنذر إجماعا ، لأن الله تعالى جعل إرثهم في الكلالة ، وهي : إسم لمن عدا الوالد والولد .
والإخوة للأب يسقطون بالإبن وابنه ، وبالأب .
وبالأخ الشقيق أيضا لقوته بزيادة القرب ، لحديث علي : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قضى بالدين قبل الوصية ، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات ، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه . رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث عن علي . ويسقط ولد الأب أيضا بالأخت الشقيقة إذا صار عصبة مع البنت ، أو بنت الإبن ، لأنها تصير بمنزلة الأخ الشقيق .
وبنو الإخوة يسقطون حتى بالجد أبي الأب وإن علا بلا خلاف ، لأنه أقرب منهم .
الأعمام يسقطون حتى ببني الإخوة وإن نزلوا لأن جهتهم أقرب ، وهذا معنى قول الجعبرى :
فبالجهة التقديم ثم بقربه وبعدهما التقديم بالقوة أجعلا
والأخ للأم يسقط باثنين : بفرع الميت مطلقا ذكورا كانوا أو إناثا ، وإن نزلوا .
وبأصوله الذكور وإن علوا لأن الله تعالى شرط في إرث الإخوة لأم الكلالة ، وهي في قول الجمهور : من لم يخلف ولدا ، ولا والدا . والولد يشمل الذكر والأنثى ، وولد الإبن كذلك ، والوالد يشمل الأب والجد .
وتسقط بنات الإبن ببنتي الصلب فأكثر لاستكمال الثلثين ، لمفهوم حديث ابن مسعود السابق .
ما لم يكن معهن أي : بنات الإبن .
من يعصبهن من ولد الابن سواء كان بإزائهن أو أنزل منهن .
وتسقط الأخوات للأب بالأختين الشقيقتين فأكثر لاستكمال الثلثين .
ما لم يكن معهن أخوهن فيعصبهن في الباقي ، للذكر مثل حظ الأنثيين .
ومن لا يرث لمانع
لا يحجب أحدا نص عليه .
مطلقا لا حرمانا ، ولا نقصانا ، بل وجوده كعدمه ، روي عن عمر وعلي ، لأنه ليس بوارث كالأجنبي .
إلا الإخوة من حيث هم أشقاء أو لأب أو لأم .

(2/45)


فقد لا يرثون ويحجبون الأم نقصانا من الثلث إلى السدس ، وإن كانوا محجوبين بالأب في أم وأب وإخوة .
باب العصبات
وهم : من يرث بغير تقدير .
إعلم أن النساء كلهن صاحبات فرض ، وليس فيهن عصبة بنفسه إلا المعتقة فإنها عصبة بنفسها .
وإن الرجال كلهم عصبات بأنفسهم ، إلا الزوج وولد الأم . وإن الأخوات مع البنات عصبات لا فرض لهن ، بل يرثن ما فضل عن الفروض ، لقوله تعالى : إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك [ النساء : 176 ] الآية فشرط في الفرض عدم الولد ، فمتى وجد الولد فلا فرض لهن ، إلا أن للأخوات قوة بولادة الأب لهن ، ولا مسقط لهن ، فكان أدنى حالاتهن مع البنات أو بنات الإبن التعصيب ، ولحديث ابن مسعود السابق وفيه وما بقي فللأخت رواه البخاري . قال ابن رجب في شرح الأربعين : وذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع البنت عصبة لها ما فضل ، منهم : عمر وعلي وعائشة وزيد وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وتابعهم سائر العلماء .
إن البنات ، وبنات الإبن ، والأخوات الشقيقات ، والأخوات للأب ، كل واحدة منهن مع أخيها عصبة به له مثلا ما لها لقوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [ النساء : 11] وقوله تعالى : وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين [ النساء : 176] .
وإن حكم العاصب أن يأخذ ما أبقت الفروض لقوله تعالى : وورثه أبواه فلأمه الثلث [ النساء : 11] وحديث : ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقي فلأولى رجل ذكر وقوله صلى الله عليه وسلم ، لأخي سعد .. وما بقي فهو لك وتقدم .
وإن لم يبق شئ سقط لمفهوم الخبر ، ولأن حقه في الباقي ، ولا باقي .
وإذا انفرد أخذ جميع المال وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [ النساء : 176] أضاف جميع الميراث إليه ، وقيس عليه باقي العصبات .
لكن للجد والأب ثلاث حالات :

(2/46)


1- يرثان بالتعصيب فقط مع عدم الفرع الوارث لقوله تعالى : فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث [النساء : 11] أضاف الميراث إليهما ، ثم خص الأم منه بالثلث دل على أن باقيه للأب .
2- يرثان بالفرض فقط مع ذكوريته أي : مع الإبن أو إبنه ، لقوله تعالى : ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد [ النساء : 11] .
3- بالفرض والتعصيب مع أنوثيته السدس بالفرض ، والباقي بالتعصيب ، لقوله صلى الله عليه وسلم ، : فما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر والأب أولى رجل ذكر بعد الإبن وابنه ، والجد مثل الأب في هذه الحالات الثلاث .
ولا تتمشى على قواعدنا المشركة وهي : زوج ، وأم ، وإخوة لأم ، وإخوة أشقاء للزوج : النصف = ثلاثة ، وللأم : السدس = واحد ، وللإخوة للأم : الثلث = إثنان ، وسقط الأشقاء ، لاستغراق الفروض التركة . وتسمى المشركة والحمارية لأنه يروى أن عمر أسقط ولد الأبوين ، فقال بعضهم ، أو بعض الصحابة : يا أمير المؤمنين ، هب أن أبانا كان حمارا ، أليست أمنا واحدة ؟ فشرك بينهم وهو قول عثمان ، وزيد بن ثابت ،، ومالك والشافعي . وأسقطهم الإمام أحمد ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وروي عن علي ، وابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وابن عباس ، وأبي موسى لقوله تعالى في الإخوة لأم : فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث [ النساء : 12] فإذا شرك معهم غيرهم لم يأخذوا الثلث ، ولحديث ألحقوا الفرائض بأهلها ومن شرك لم يلحق الفرائض بأهلها . قال العنبري : القياس ما قال علي ، والإستحسان ما قال عمر ، ولو كان مكانهم أخوات لأبوين ، أو لأب عالت إلى عشرة وتأتي .
فصل
وإذا اجتمع كل الرجال ورث منهم ثلاثة . الإبن ، والأب والزوج
فالمسألة من إثني عشر : للزوج الربع = ثلاثة ، وللأب السدس = إثنان ، وللإبن الباقي .
وإذا اجتمع كل النساء ورث منهن خمس : البنت ، وبنت الإبن ، الأم ، والزوجة ، والأخت الشقيقة أو لأب ، فالمسألة من أربعة وعشرين :

(2/47)


للزوجة : الثمن = ثلاثة ، وللأم : السدس = أربعة ، وللبنت : النصف = إثنا عشر ، ولبنت الإبن : السدس تكملة الثلثين = أربعة ، والباقي = واحد ، للأخت تعصيبا .
وإذا اجتمع ممكن الجمع من الصنفين ورث منهم خمسة : الأبوان ، والولدان ، وأحد الزوجين فإن كان الميت الزوج المسألة من أربعة وعشرين ، وتصح من إثنين وسبعين . وإن كان الميت الزوجة فالمسألة من إثني عشر ، وتصح من ستة وثلاثين .
ومتى كان العاصب عما أو ابن عم أو ابن أخ إنفرد بالإرث دون أخواته
لأنهن من ذوي الأرحام ، والعصبة مقدم على ذي الرحم .
ومتى عدمت العصبات من النسب ورث المولى المعتق ولو أنثى
لحديث الولاء لمن أعتق متفق عليه . وحديث الولاء لحمة كلحمة النسب . وروى سعيد بسنده كان لبنت حمزة مولى أعتقته ، فمات وترك إبنته ومولاته ، فأعطى النبي ، صلى الله عليه وسلم إبنته النصف ، وأعطى مولاته بنت حمزة النصف ورواه النسائي وابن ماجه عن عبدالله بن شداد بنحوه .
ثم عصبته أي : عصبة المعتق .
الذكور الأقرب فالأقرب ، كالنسب لحديث زياد بن أبي مريم أن إمرأة أعتقت عبدا لها ، ثم توفيت وتركت إبنا لها وأخاها ، ثم توفي مولاها من بعدها ، فأتى أخو المرأة وابنها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ميراثه ، فقال ، صلي الله عليه وسلم : ميراثه لإبن المرأة ، فقال أخوها : يا رسول الله ، لو جر جريرة كانت علي ، ويكون ميراثه لهذا ؟! قال : نعم رواه أحمد . ولأنهم يدلون بالمعتق ، وبالولاء مشبه بالنسب ، فأعطي حكمه .
فإن لم يكن للميت عصبة ولا ولاء
عملنا بالرد على ذوى الفروض ، فيقدم على ذوى الأرحام
فإن لم يكن ذو فرض يرد عليه
ورثنا ذوي الأرحام لقوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض [ الأحزاب : 6] .
باب الرد وذوي الأرحام

(2/48)


حيث لا تستغرق الفروض التركة ولا عاصب رد الفاضل على كل ذي فرض بقدره كالغرماء يقتسمون مال المفلس بقدر ديونهم ، لقوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض [ الأحزاب : 6] وقوله ، صلى الله عليه وسلم : من ترك مالا فللوارث متفق عليه .
ما عدا الزوجين ، فلا يرد عليهما من حيث الزوجية نص عليه ، لأنهما لا رحم لهما ، فلم يدخلا في الآية . وهذا يروى عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ، رضي الله عنهم . قاله في الكافي . وما روي عن عثمان أنه رد على زوج فلعله كان عصبة ، أو ذا رحم ، أو أعطاه من بيت المال لا على سبيل الميراث .
فإن لم يكن إلا صاحب فرض أخذ الكل فرضا وردا لأن تقدير الفروض شرع لمكان المزاحمة ، وقد زال .
وإن كان جماعة من جنس كالبنات فأعطهم بالسوية كالعصبة من البنين ونحوهم .
وإن اختلف جنسهم فخذ عدد سهامهم من أصل ستة دائما لأن الفروض كلها توجد في الستة ، إلا الربع والثمن ، وهما للزوجين ، ولا يرد عليهما ، فتجعل عدد سهامهم أصل مسألتهم ، وينحصر ذلك في أربعة أصول .
فجدة وأخ لأم ، تصح من إثنين لأن لكل منهما : السدس = واحد من الستة ، والسدسان = إثنان منها ، فيقسم المال بينهما نصفين فرضا وردا .
وأم وأخ لأم من ثلثة فيقسم المال بينهما أثلاثا ، وكذا أم وولداها .
وأم وبنت أو بنت أو بنت إبن
من أربعة للأم السدس = واحد ، وللبنت أو بنت الإبن : النصف = ثلاثة . فيقسم المال بينهما أرباعا . للأم : ربعه ، وللبنت ، أو بنت الإبن : ثلاثة أرباعه .
وأم وبنتان أو بنتا إبن ، أو أختان لغير أم
من خمسة للأم : السدس ، وللأخريين : الثلثان = أربعة . فالمال بينهن على خمسة . للأم خمسه ، وللأخريين : أربعة أخماسه .
ولا تزيد مسائل الرد .
عليها أي : الخمسة .
لأنها لو زادت سدسا آخر لاستغرقت الفروض إذا فلا رد .

(2/49)


وإن كان هناك أحد الزوجين فاعمل مسألة الرد ، ثم مسألة الزوجية ، ثم يقسم ما فضل عن فرض الزوجية على مسألة الرد فيبدأ بإعطاء أحد الزوجين فرضه ، والباقي لمن يرد عليه .
فإن انقسم صحت مسألة الرد من مسألة الزوجية ولم يحتج لضرب كزوجة وأم وأخوين لأم ، فللزوجة : الربع = واحد من أربعة ، والباقي ثلاثة بين الأم وولديها أثلاثا .
وإلا ينقسم الباقي بعد فرض الزوجية على مسألة الرد .
فاضرب مسألة الرد في مسألة الزوجية لعدم الموافقة .
ثم من له شئ في مسألة الزوجية أخذه مضروبا في مسألة الرد ، ومن له شئ في مسألة الرد أخذه مضروبا في الفاضل عن مسألة الزوجية . فزوج ، وجدة ، وأخ لأم مثلا : فاضرب مسألة الرد - وهي : إثنان - في مسألة الزوجية - وهي : إثنان - فتصح من أربعة مسطح الإثنين في الإثنين ، فللزوج : إثنان ، وللجدة : سهم ، وللأخ لأم : سهم .
وهكذا لو كان مكان الزوج زوجة ، فالمسألة : الزوجة من أربعة ، والباقي منها بعد فرض الزوجة : ثلاثة على مسألة الرد . إثنين تباينها ، فاضرب مسألة الرد في مسألتها - وهي : أربعة - تلبغ ثمانية ، للزوجة : ربع = إثنان وللجدة : ثلاثة ، وللأخ لأم ثلاثة .
فصل في ذوي الأرحام
وهم : كل قرابة ليس بذي فرض ولا عصبة كالخال ، والجد لأم ، والعمة . وبتوريثهم قال عمر ، وعلي ، وعبدالله وأبوعبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جيل ، وأبو الدرداء ، لقوله تعالى : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله [الأحزاب : 6 ] وعن عمر مرفوعا : الخال وارث من لا وارث له رواه أحمد والترمذي وحسنه . ولأبي داود عن المقداد مرفوعا : الخال وارث من لا وارث له ، يعقل عنه ويرثه وروى أبوعبيد بإسناده أن ثابت بن الدحداح مات ، ولم يخلف إلا إبنة أخ له ، فقضى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بميراثه لإبنة أخيه قال في الكافي : وقسنا سائرهم على هذين .
وأصنافهم أحد عشر :

(2/50)


ولد البنات لصلب أو لإبن ، وولد الأخوات ، وبنات الإخوة ، وبنات الأعمام ، وولد ولد الأم ، والعم لأم ، والعمات ، والأخوال ، والخالات ، وأبو الأم ، وكل جدة أدلت بأب بين أمين كأم أبي الأم .
ومن أدلى بصنف من هؤلاء كعمة العمة ، وخالة الخالة ونحوهما
ويرثون بتنزيلهم منزلة من أدلوا به فينزل كل منهم منزلة من أدلى به من الورثة بدرجة ، أو درجات حتى يصل إلى من يرث ، فيأخذ ميراثه . لما روي عن علي وعبدالله : أنهما نزلا بنت البنت بمنزلة البنت ، وبنت الأخ بمنزلة الأخ ، وبنت الأخت منزلة الأخت ، والعمة منزلة الأب ، والخالة منزلة الأم . وروي ذلك عن عمر في العمة والخالة . وعن علي أيضا : أنه نزل العمة بمنزلة العم . وعن الزهري أنه ، صلى الله عليه وسلم ، قال : العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن بينهما أب ، والخالة بمنزلة الأم ، إذا لم يكن بينهما أم . رواه أحمد .
وإن أدلى جماعة منهم بوارث واستوت منزلتهم منه بلا سبق كأولاده ، وكإخوته المتفرقين الذين لا واسطة بينه وبينهم
فنصيبه لهم كإرثهم منه . لكن هنا
بالسوية : الذكر كالأنثى لأنهم يرثون بالرحم المجردة ، فاستوى ذكرهم وأنثاهم ، كولد الأم . إختاره الأكثر ، ونقله الأثرم ، وحنبل ، وإبراهيم بن الحارث .
ومن لا وارث له معلوم
فماله لبيت المال يحفظه كالمال الضائع . قال في القواعد : مع أنه لا يخلو من بني عم أعلى ، إذ الناس كلهم بنو آدم ، فمن كان أسبق إلى الإجتماع مع الميت في أب من آبائه فهو عصبته ، ولكنه مجهول ، فلم يثبت له حكم ، وجاز صرف ماله في المصالح ، ولذلك لو كان له مولى معتق لورثه في هذه الحال ، ولم يلتفت إلى هذا المجهول . إنتهى .
وليس بيت المال
وارثا وإنما يحفظ المال الضائع وغيره كأموال الفيء .
فهو جهة ومصلحة لأن إشتباه الوارث بغيره لا يوجب الحكم بالإرث للكل ، فيصرف في المصالح ، للجهل بمستحقه عينا .
باب أصول المسائل
أي : المخارج التي تخرج منها فروضها .

(2/51)


وهي سبعة :
1 - إثنان وثلاثة ، وأربعة ، وستة ، وثمانية ، وإثنا عشر ، وأربعة وعشرون فنصفان كزوج وأخت لأبوين ، أو لأب من إثنين مخرج النصف ، وتسميان اليتيمتين تشبيها بالدرة اليتيمة ، لأنهما فرضان متساويان ورث بهما المال كله ، ولا ثالث لهما ، ويسميان أيضا النصفيتين ونصف ، والبقية كزوج وأب ، أو أخ لغير أم ، أو عم أو إبنه كذلك من إثنين مخرج النصف .
وثلث ، والبقية من ثلاثة كأبوين . وثلثان ، والبقية من ثلاثة كبنتين وأخ لغير أم . وثلثان وثلث من ثلاثة لاتحاد المخرجين، كأختين لأم وأختين لغيرها .
وربع والبقية من أربعة كزوج وإبن ، وربع مع نصف ، والبقية من أربعة ، لدخول مخرج النصف في مخرج الربع كزوج وبنت عم .
وثمن ، والبقية كزوجة وإبن . وثمن مع نصف والبقية كزوجة وبنت عم من ثمانية . ولا يكون كل من أصلي الأربعة والثمانية إلا ناقصا أي : فيها عاصب ، والإثنان والثلاثة تارة كذلك ، وتارة تكونان عادلتين . فهذه الأصول الأربعة لا تعول ، لأنها لا تزحم فيها الفروض .

(2/52)


وسدس ، والبقية كأم وإبن من ستة . وسدس ونصف والبقية كبنت وأم وعم من ستة ، لدخول مخرج النصف في السدس . ونصف وثلث ، والبقية كزوج وأم وعم من ستة لتباين المخرجين ، ونصف ، وثلث ، وسدس من ستة : كزوج ، وأم ، وأخوين لأم وتسمى مسألة الإلزام ، ومسألة المناقضة لأن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس إلا بثلاثة من الإخوة ، أو الأخوات ، ولا يرى العول ، ويرد النقص مع إزدحام الفروض على من يصير عصبة في بعض الأحوال بتعصيب ذكر لهن . وهن البنات والأخوات لغير أم ، فألزم بهذه المسألة . فإن أعطى الأم الثلث لكون الإخوة أقل من ثلاثة ، وأعطى ولديها الثلث ، عالت المسألة ، وهو لا يراه . وإن أعطاها سدسا فقد ناقض مذهبه في حجبها بأقل من ثلاثة إخوة ، وإن أعطاها ثلثا وأدخل النقص على ولديها فقد ناقض مذهبه في إدخاله النقص على من لا يصير عصبة بحال .
وربع مع ثلثين : كزوج ، وبنتين ، وعم . وكزوجة ، وشقيقتين ، وعم من إثني عشر . وربع مع ثلث ، كزوجة ، وأم ، وأخ لغيرها . وكزوجة ، وإخوة ، لأم وعم من إثني عشر لتباين المخرجين . أو ربع مع سدس : كزوج ، وأم ، وإبن ، أو زوجة ، وجدة ، وعم من إثني عشر، لتوافق المخرجين . ولا يكون في الإثني عشر والأربعة والعشرين صورة عادلة أصلا ، بل إما ناقصة وإما عائلة .
وثمن مع سدس : كزوجة ، وأم ، وإبن من أربعة وعشرين ، لتوافق المخرجين بالنصف ، وحاصل ضرب أحدهما في نصف الآخر : أربعة وعشرون . أو ثمن مع ثلثين : كزوجة ، وبنتين ، وعم ، أو معهما سدس : كزوجة ، وبنتين ، وأم ، وعم ، من أربعة وعشرين ، للتوافق بين مخرج السدس والثمن ، مع دخول مخرج الثلثين في مخرج السدس . ولا يجتمع الثمن مع الثلث ، لأن الثمن لا يكون إلا لزوجة مع فرع وارث ، ولا يكون الثلث في مسألة فيها فرع وارث .
ولا يعول منها أي : هذه الأصول .
إلا الستة وضعفها أي : الإثنا عشر .

(2/53)


وضعف ضعفها أي : الأربعة والعشرون ، فتعول إذا تزاحمت فيها الفروض بالإجماع ، قبل إظهار ابن عباس الخلاف في ذلك .
فالستة تعول متوالية إلى عشرة شفعا ووترا .
فتعول إلى سبعة : كزوج ، وأخت لغير أم ، وجدة أو ولد أم ، للزوج : النصف = ثلاثة وللأخت لغير أم : النصف = ثلاثة ، وللجدة ، وولد الأم : السدس ، وكذا زوج وأختان لأبوين ، أو لأب ونحوها .
وإلى ثمانية كزوج ، وأم ، وأخت ، وأخت لغير أم للزوج : النصف = ثلاثة ، وللأم : الثلث = إثنان ، وللأخت : النصف = ثلاثة .

(2/54)


وتسمى المباهلة لأنها أول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فجمع الصحابة للمشورة فيها ، فقال العباس : أرى أن يقسم المال بينهم على قدر سهامهم فأخذ به عمر ، وأتبعه الناس على ذلك ، حتى خالفهم ابن عباس ، فقال : من شاء باهلته ، إن المسائل لا تعول ، إن الذي أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا ونصفا ، وثلثا هذان نصفان ذهبا بالمال ، فأين موضع الثلث ؟ وقال : وأيم الله ، لو قدموا من قدم الله ، وأخروا من أخر الله ، ما عالت فريضة أبدا . فقال له زفر بن أوس البصري : فمن ذا الذي قدمه الله ؟ ومن ذا الذي أخره الله ؟ فقال : الذي أهبطه من فرض إلى فرض ، فذلك الذي قدمه الله ، والذي أهبطه من فرض إلى ما بقي ، فذلك الذي أخره الله . فقال له زفر : فمن أول من أعال الفرائض ؟ قال : عمر بن الخطاب ، فقلت : ألا أشرت عليه ؟ فقال : هبته وكان أمرأ مهيبا رواه الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبه عنه . فقال له عطاء بن أبي رباح : إن هذا لا يغني عني ولا عنك شيئا ، لو مت أو مت لقسم ميراثنا على ما عليه الناس اليوم . قال : فإن شاؤوا : تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم [ آل عمران : 61 ] الآية قال في المغني : قوله أهبط من فرض إلى فرض ، يريد : أن الزوجين والأم لكل واحد منهم فرض ، ثم يحجب إلى فرض آخر لا ينقص منه . وأما من أهبط من فرض إلى ما بقي ، يريد : البنات والأخوات ، فإنهن يفرض لهن ، فإذا كان معهن إخوتهن ورثوا بالتعصيب ، فكان لهم ما بقي قل أو كثر . إنتهى . فكان ابن عباس ، رضي الله عنهما ، لا يرى العول ، ويدخل النقص على من يصير عصبة بحال . وخالفه الجمهور ، وألزم بمسألة الإلزام كما تقدم . قال في المغني ولا نعلم اليوم قائلا بمذهب ابن عباس ، ولا نعلم خلافا بين فقهاء العصر في القول بالعول بحمد الله ومنه . إنتهى .

(2/55)


وإلى تسعة : كزوج ، وولدي أم ، وأختين لغيرها للزوج : النصف = ثلاثة ، ولولدي الأم : الثلث = إثنان ، وللأختين: الثلثان = أربعة .
وتسمى الغراء لأنها حدثت بعد المباهلة ، واشتهر بها العول .
والمروانية لحدوثها زمن مروان . وكذا زوج ، وأم ، وثلاث أخوات مفترقات .
وإلى عشرة : كزوج ، وأم ، وأختين لأم ، وأختين لغيرها للزوج : النصف = ثلاثة ، وللأم : السدس = واحد ، وللأختين لأم : الثلث = إثنان ، وللأختين لغيرها : الثلثان = أربعة .
وتسمى أم الفروخ لكثرة عولها ، شبهوا أصلها بالأم ، وعولها بفروخها . وليس في الفرائض ما يعول بثلثيه سواها وشبهها . وتسمى الشريحية أيضا ، لحدوثها زمن القاضي شريح . روي : أن رجلا أتاه ، وهو قاض بالبصرة ، فسأله عنها ، فأعطاه ثلاثة أعشار المال ، فكان إذا لقي الفقيه يقول : ما يصيب الزوج من زوجته ؟ فيقول : النصف مع عدم الولد ، والربع معه . فيقول : والله ما أعطاني شريح نصفا ولا ثلثا . فكان شريح إذا لقيه يقول: إذا رأيتني ذكرت بي حكما جائرا ، وإذا رأيتك ذكرت بك رجلا فاجرا ، بين لي فجورك أنك تكتم القضية ، وتشيع الفاحشة . وفي رواية : أنك تذيع الشكوى ، وتكتم الفتوى .
والإثنا عشر تعول أفرادا أي : على توالي الأفراد .
فتعول إلى ثلاثة عشر : كزوج ، وبنتين ، وأم للزوج : الربع = ثلاثة ، وللبنتين : الثلثان = ثمانية ، وللأم : السدس = إثنان .
وإلى خمسة عشر : كزوج ، وبنتين ، وأبوين كالتي قبلها . ويزاد للأب : السدس = إثنان .
وإلى سبعة عشر : كثلاث زوجات ، وجدتين ، وأربع أخوات لأم ، وثمان أخوات لغيرها للزوجات : الربع = ثلاثة : لكل واحدة واحد . وللجدتين : السدس = إثنان : لكل واحدة واحد . وللأخوات للأم : الثلث = أربعة : لكل واحدة واحد . وللأخوات لغيرها : الثلثان = ثمانية : لكل واحدة واحد .

(2/56)


وتسمى أم الأرامل وأم الفروج بالجيم ، لأنوثة الجميع . ولو كانت التركة فيها سبعة عشر دينارا ، حصل لكل واحدة منهن دينار . وتسمى السبعة عشرية ، والدينارية الصغرى .
والأربعة والعشرون تعول مرة واحدة إلى سبعة وعشرين : كزوجة ، وبنتين ، وأبوين للزوجة : الثمن = ثلاثة ، وللبنتين : الثلثان = ستة عشر ، ولكن من الأبوين : السدس = أربعة .
وتسمى المنبرية لأن عليا ، رضي الله عنه ، سئل عنها وهو على المنبر يخطب ، ويروى أن صدر خطبته كان : الحمد لله الذي يحكم بالحق قطعا ، ويجزي كل نفس بما تسعى ، وإليه المآب والرجعى . فسئل فقال : صار ثمنها تسعا ... ومضى في خطبته أي : قد كان للمرأة قبل العول ثمن ، فصار بالعول تسعا . وهو : ثلاثة من سبعة وعشرين .
و تسمى أيضا
البخيلة لقلة عولها لأنها لم تعل إلا مرة واحدة .
باب ميراث الحمل
من مات عن حمل يرثه وعن ورثة غيره ، ورضوا بوقف الأمر على وضعه فهو أولى : خروجا من الخلاف ، ولتكون القسمة مرة واحدة . وإلا ،
فطلب بقية ورثته قسم التركة قسمت ، ووقف له الأكثر من إرث ذكرين أو أنثيين لأن وضعهما كثير معتاد ، فلا يجوز قسم نصيبهما كالواحد ، وما زاد عليهما نادر ، فلا يوقف له شئ .
ودفع لمن لا يحجبه الحمل إرثه كاملا ، ولمن يحجبه حجب نقصان أقل ميراثه كالزوجة والأم ، فيعطيان الثمن ، والسدس .
ولا يدفع لمن سقطه الحمل
شئ لاحتمال أن يحجبه .
فإذا ولد أخذ نصيبه ، ورد ما بقي لمستحقه فإن أعوز شئ رجع على من هو في يده .
ولا يرث إلا إن استهل صارخا نص عليه ، لحديث أبي هريرة مرفوعا : إذا استهل المولود صارخا ورث . رواه أحمد وأبو داود . والإستهلال : رفع الصوت . فصارخا : حال مؤكدة .
أو عطس ، أو تنفس ، أو وجد منه ما يدل على الحياة : كالحركة الطويلة ونحوها كسعال وارتضاع ، لدلالة هذه الأشياء على الحياة المستقرة ، فيثبت له حكم الحي ، كالمستهل .

(2/57)


ولو ظهر بعضه فاستهل ، ثم انفصل ميتا لم يرث لأنه لم يثبت له أحكام الدنيا وهو حي .
باب ميراث المفقود
وهو : من إنقطع خبره لغيبة ظاهرها السلامة : كالأسر ، والخروج للتجارة ، والسياحة ، وطلب العلم ، إنتظر تتمة تسعين سنة منذ ولد في أشهر الروايتين ، لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا ، وعنه : ينتظر به حتى يتيقن موته ، أو يمضي عليه مدة لا يعيش في مثلها ، وذلك مردود إلى إجتهاد الحاكم . وهو قول : الشافعي ، ومحمد بن الحسن ، وهو المشهور عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، لأن الأصل حياته .
فإن فقد إبن تسعين إجتهد الحاكم في تقدير مدة إنتظاره .
وإن كان ظاهرها الهلاك : كمن فقد من بين أهله ، أو في مهلكه كدرب الحجاز ، أو فقد بين الصفين أي : صف المسلمين ، وصف المشركين .
حال الحرب ، أو غرقت سفينة ، ونجا قوم وغرق آخرون ، إنتظر تتمة أربع سنين منذ فقد ، ثم يقسم ماله في الحالتين لأنها أكثر مدة الحمل ، ولأنها مدة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار . فانقطاع خبره عن أهله إلى هذه الغاية يغلب ظن الهلاك ، وتعتد زوجته عدة الوفاة ، وتحل للأزواج بعد ذلك . نص عليه ، لاتفاق الصحابة على ذلك . قال أحمد : من ترك هذا القول أي شئ يقول ؟ هو عن خمسة من الصحابة . وقال : يروى عن عمر من ثمانية أوجه ، قيل : زعموا أن عمر رجع ، قال : هؤلاء الكذابون ،

(2/58)


قيل : فيروى من وجه ضعيف أن عمر قال بخلافه ، قال : لا إلا أن يكون إنسان يكذب . ولا تفتقر إمرأة المفقود إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة ، لأن الظاهر موته ، أشبه ما لو قامت به بينة . ولا يفتقر أيضا إلى طلاق ولي زوجها بعد عدة الوفاة لتعتد بعد ذلك بثلاثة قروء ، لأنه لا ولاية لوليه في طلاق إمرأته . وما روي عن عمر- أنه أمر ولي المفقود أن يطلقها - قد خالفه قول ابن عباس ، وابن عمر . وقال عبيد بن عمير : فقد رجل في عهد عمر ، فجاءت إمرأته إلى عمر فذكرت ذلك له ، فقال : إنطلقي فتربصي أربع سنين ، ففعلت ، ثم أتته ، فقال : إنطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا ، ففعلت ، ثم أتته فقال : أين ولي هذا الرجل ؟ فجاء وليه ، فقال : طلقها ، ففعل ، فقال عمر: إنطلقي فتزوجي من شئت ، فتزوجت ، ثم جاء زوجها الأول ، فقال له عمر: أين كنت ؟ فقال : إستهوتني الشياطين ، فوالله ما أدري في أي أرض ، كنت عند قوم يستعبدونني حتى غزاهم قوم مسلمون ، فكنت فيمن غنموه ، فقالوا لي : أنت رجل من الإنس ، وهؤلاء الجن ، فما لك وما لهم ؟ فأخبرتهم خبري ، فقالوا : بأية أرض الله تحب أن تصبح ؟ فقلت : بالمدينة : هي أرضي ، فأصبحت وأنا أنظر إلى الحرة - وزاد البيهقي ، قال : - فأما الليل فلا يحدثوني ، وأما النهار فإعصار ريح أتبعها إلى آخره .
فخيره عمر : إن شاء إمرأته ، وإن شاء الصداق ، فاختار الصداق رواه الأثرم والجوزجاني ، وقضى بذلك عثمان وعلي وابن الزبير ، وهو قول ابن عباس ، وهذه قضايا إنتشرت ، ولم تنكر فكانت إجماعا . قاله في الكافي . وإذا ثبت ذلك في النكاح مع الإحتياط للأبضاع ففي المال أولى . قال الإمام أحمد : إذا أمرت زوجته أن تتزوج قسمت ماله .
فإن قدم بعد القسم أخذ ما وجده بعينه لتبين عدم إنتقال ملكه عنه .
ورجع بالباقي أي : ببدله على من أخذه ، لتعذر رده بعينه .

(2/59)


فإن مات مورث هذا المفقود في زمن إنتظاره أي : في المدة التي قلنا : ينتظر به فيها .
أخذ كل وارث غير المفقود
اليقين أي : ما لا يمكن أن ينقص عنه مع حياة المفقود أو موته .
ووقف له الباقي حتى يتبين أمره ، أو تنقضي مدة الإنتظار ، فإن قدم المفقود أخذه ، وإلا فحكمه كبقية ماله .
ومن أشكل نسبه ورجي إنكشافه
فكالمفقود في أنه إذا مات أحد الواطئين لأمه وقف له منه نصيبه على تقدير إلحاقه به ، فإن لم يرج إنكشافه : بأن لم ينحصر الواطئون لأمه ، أو عرض على القافة فأشكل عليهم ونحوه ، لم يوقف له شئ .
باب ميراث الخنثى
نقل ابن حزم الإجماع على توريثه .
وهو : من له شكل الذكر ، وفرج المرأة ويعتبر أمره في توريثه
ببوله فإن بال من حيث يبول الرجل فهو ذكر ، وإن بال من حيث تبول المرأة فله حكم المرأة ، لأن الله تعالى أجرى العادة بذلك ، فإن بال منهما
فبسبقه من أحدهما لما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مولود له قبل وذكر ، من أين يورث ؟ قال : من حيث يبول وروي أنه صلى الله عليه وسلم ، أتي بخنثى من الأنصار فقال : ورثوه من أول ما يبول منه . وقال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الخنثى يورث من حيث يبول . ولأن خروج البول أعم العلامات ، لوجوده من الصغير والكبير ، وسائرالعلامات إنما توجد بعد الكبر .
فإن خرج منهما معا إعتبر أكثرهما لأن الأكثر أقوى في الدلالة . قال في المغني : قال أحمد - في رواية إسحاق بن إبراهيم :- يرث من المكان الذي يبول منه أكثر .
فإن إستويا فمشكل ، فإن رجي كشفه بعد كبره أي : بلوغه
أعطي ومن معه اليقين من التركة وهو : ما يرثونه بكل تقدير
ووقف الباقي حتى يبلغ
لتظهر ذكورته بنبات لحيته ، أو إنماء من ذكره زاد في المغنى وكونه مني رجل .
أو أنوثته بحيض ، أو تفلك ثدي أي : إستدارته ، أو سقوطه - أي : الثدي - نص عليهما .

(2/60)


أو إمناء من فرج فإن مات الخنثى قبل البلوغ
أو بلغ بلا أمارة أي : علامة على ذكورته أو أنوثته
وإختلف إرثه ، أخذ نصف ميراث ذكر ، ونصف ميراث أنثى ففي إبن ، وبنت ، وولد خنثى ، للذكر : أربعة أسهم ، وللخنثى : ثلاثة ، وللبنت : سهمان . وقال أصحابنا تعمل المسألة على أنه ذكر ، ثم على أنه أنثى ، ثم تضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا ، أو وفق إحداهما في الأخرى إن توافقتا ، وتجتزئ بإحداهما إن تماثلتا ، أو بأكثرهما إن تناسبتا ، ثم تضرب الجامعة في إثنين : عدد حالي الخنثى . ففي هذه المسألة : مسألة الذكورية : من خمسة ، والأنوثية : من أربعة ، إضرب إحداهما في الأخرى للتباين تكن عشرين ، ثم في إثنين تبلغ أربعين : للبنت : سهم في خمسة ، وسهم في أربعة ، يحصل لها تسعة ، وللذكر : سهمان في خمسة ، وسهمان في أربعة يجتمع له ثمانية عشر ، وللخنثى : سهمان في أربعة ، وسهم في خمسة ، تكن ثلاثة عشر . فإن لم يختلف إرث الخنثى بالذكورة والأنوثة ، كولد الأم والمعتق أخذ إرثه مطلقا ، وإن ورث بكونه ذكرا فقط ، كولد أخ أو عم خنثى ، أو بكونه أنثى فقط ، كولد أب خنثى مع زوج ، وأخت لأبوين أعطي نصف ميراثه .
باب ميراث الغرقى ونحوهم كالهدمى ومن وقع بهم طاعون أو قتل وأشكل أمرهم .
إذا علم موت المتوارثين معا فلا إرث لأحدهما من الآخر ، لأنه لم يكن حيا حين موت الآخر ، وشرط الإرث حياة الوارث بعد موت المورث .
وكذا إن جهل الأسبق ، أو علم ثم نسي أو علم وجهلوا عينه .
وإدعى ورثة كل منهما

(2/61)


سبق الآخر ولا بينة ، أو تعارضتا ، وتحالفا أي : حلف كل منهما على إبطال دعوى صاحبه ، ولم يتوارثا . نص عليه ، وهو قول : أبي بكر الصديق ، وزيد ، ومعاذ ، وابن عباس ، والحسن بن علي ، رضي الله عنهم ، لعدم وجود شرطه ، وسقوط الدعويين فلم يثبت السبق لواحد منهما معلوما ، ولا مجهولا . وقال مالك في الموطأ : لا ينبغي أن يرث أحد أحدا بالشك . وروى في الموطأ أيضا : أنه لم يتوارث من قتل يوم الجمل ، ويوم صفين ، ويوم الحرة ، ثم يوم قديد ، فلم يورث أحد منهم من صاحبه شيئا إلا من علم أنه قتل قبل صاحبه . إنتهى . واحتج في المغني : بأن قتلى اليمامة ، وصفين ، والحرة لم يورث بعضهم من بعض ، وبما روى جعفر بن محمد عن أبيه أن أم كلثوم بنت علي توفيت هي وابنها ، فالتقت الصيحتان في الطريق ، فلم يدر أيهما مات قبل صاحبه ، فلم ترثه ولم يرثها .
وإن لم يدع ورثة كل منهما
سبق الآخر ورث كل ميت صاحبه من تلاد ماله دون ما ورثه من الآخر ، لئلا يدخله الدور ، لأن ذلك يروى عن عمر وعلي ، وإياس المزني ، وشريح ، وإبراهيم . قال الشعبي : وقع الطاعون بالشام عام عمواس فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم ، فكتب في ذلك إلى عمر ، فكتب عمر أن : ورثوا بعضهم من بعض قال الإمام أحمد : أذهب إلى قول عمر . قال في الإنصاف : وهو من المفردات . وروي عن إياس المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوم وقع عليهم بيت فقال : يرث بعضهم بعضا . ورواه سعيد في سننه عن إياس موقوفا . فيقدر أحدهما مات أولا ويورث الآخر منه .
ثم يقسم ما ورثه على الأحياء من ورثته ثم يصنع بالثاني كذلك .
باب ميراث أهل الملل
لا توارث بين مختلفين في الدين لحديث أسامة بن زيد مرفوعا : لا يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر . متفق عليه . وذكره الموفق إجماعا قال الإمام أحمد : ليس بين الناس فيه خلاف .

(2/62)


إلا بالولاء فيرث به المسلم الكافر ، والكافر المسلم لحديث جابر مرفوعا : لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته . رواه الدارقطني . ولأن ولاءه له ، وهو شعبة من الرق ، وإختلاف الدين لا يمنع الرجل أخذ مال رقيقه إذا مات . وعنه : لا يرثه مع إختلاف الدين ، لعموم الخبر . قاله في الكافي .
وكذا يرث الكافر ولو مرتدا إذا أسلم قبل قسم ميراث مورثه المسلم
وكذا زوجة أسلمت في عدة قبل القسم . نص عليهما . وروي عن عمر ، وعثمان ، والحسن بن علي ، وابن مسعود ، لحديث : من أسلم على شئ فهو له رواه سعيد من طريقين : عن عروة ، وابن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وعن ابن عباس مرفوعا : كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم ، وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على قسم الاسلام رواه أبو داود وابن ماجه . وحدث عبدالله بن أرقم عثمان : أن عمر قضى : أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه ، فقضى به عثمان . رواه ابن عبدالبر في التمهيد بإسناده . والحكمة فيه الترغيب في الإسلام، والحث عليه .
والكفار ملل شتى لا يتوارثون مع إختلافها روي عن علي رضي الله عنه ، لحديث : لا يتوارث أهل ملتين شتى رواه أبو داود . وهو مخصص للعمومات . وقال القاضي : الكفر ثلاث ملل : اليهودية ، والنصرانية ، ودين من عداهم . ورد بافتراق حكمهم فإن المجوس يقرون بالجزية ، وغيرهم لا يقر بها ، وهم مختلفون في معبوداتهم ومعتقداتهم وآرائهم ، يستحل بعضهم دماء بعض ، ويكفر بعضهم بعضا . وعنه : أن الكفار يرث بعضهم بعضا وإن إختلفت أديانهم . إختاره الخلال ، قال في الفروع ، وقدمه في الكافي ، قال : لأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم : لا يرث مسلم كافرا ، ولا كافر مسلما . أن الكفار يتوارثون .
فإن إتفقت أديانهم .
ووجدت الأسباب أي : أسباب الإرث

(2/63)


ورث بعضهم بعضا . ولو أن أحدهما ذمي ، والآخر حربي أو مستأمن ، والآخر ذمي أو حربي لعموم النصوص ، ولم يرد بتخصيصهم نص ولا إجماع ، ولا يصح فيهم قياس ، فوجب العمل بعمومها . ومفهوم حديث : لا يتوارث أهل ملتين شتى : أن أهل الملة الواحدة يتوارثون ، وإن إختلفت الدار .
ومن حكم بكفره من أهل البدع المضلة ، كالداعية إلى بدعة مكفرة ، ما له فيء ، نص عليه في الجهمي ، وغيره . قاله في الفروع .
والمرتد ، والزنديق وهو : المنافق الذي يظهر الإسلام ، ويخفي الكفر .
فما لهم فيء يصرف في المصالح .
لا يورثون ولا يرثون لأن المسلم لا يرث الكافر ، وكذا أقاربه الكفار من يهود أونصارى أو غيرهم ، لأنه يخالفهم في حكمهم : لا يقر على ردته ، ولا تؤكل ذبيحته ، ولا تحل مناكحته لو كان إمرأة . ولا يرثون أحدا مسلما ، ولا كافرا ، لأنهم لا يقرون على ما هم عليه ، فلا يثبت لهم حكم دين من الأديان . وعنه : يرثه وارثه المسلم . إختاره الشيخ تقي الدين ، لأنه المعروف عن الصحابة : علي وابن مسعود . قاله في الفروع . وقال في المنافق : وعند شيخنا : يرث ويورث لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من تركة المنافقين شيئا ، ولاجعله فيئا فعلم أن الميراث مداره على النصرة الظاهرة ، قال : وإسم الإسلام يجري عليهم في الظاهر إجماعا . إنتهى .
ويرث المجوسي ونحوه ممن يحل نكاح ذوات المحارم إذا أسلم ، أو حاكم إلينا .
بجميع قراباته إن أمكن . نص عليه ، وهو قول : عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد في الصحيح عنه ، وبه قال أبو حنيفة ، وأصحابه .

(2/64)


فلو خلف أمه - وهي : أخته من أبيه - ورثت الثلث بكونها أما ، والنصف بكونه أختا لأن الله تعالى فرض للأم : الثلث ، وللأخت : النصف . فإذا كانت الأم أختا وجب إعطاؤها ما فرض الله لها في الآيتين ، كالشخصين ، ولأنهما قرابتان ترث بكل واحدة منهما منفردة لا تحجب إحداهما الأخرى ، ولا ترجح بها ، فترث بهما مجتمعتين ، كزوج هو ابن عم . ولا إرث بنكاح ذات محرم ، ولا بنكاح لا يقر عليه كافر لو أسلم . قاله في الفروع .
وإن أولد مسلم ذات محرم بشبهة نكاح ، أو ملك يمين ، ممن يكون ولدها ذات قرابتين ثبت نسبه للشبهة ، وورث بجميع قراباته ، لما تقدم .
باب ميراث المطلقة
رجعيا أو بائنا يتهم فيه بقصد الحرمان .
يثبت الإرث لكل من الزوجين من الآخر .
في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة ، سواء طلقها في الصحة ، أو المرض ، قال في المغني : بغير خلاف نعلمه . وروي عن أبي بكر وعثمان وعلي وابن مسعود . وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها ، ولا ولي ، ولا شهود ، ولا صداق جديد .
ولا يثبت الإرث
في البائن إلا لها إن اتهم بقصد حرمانها : بأن طلقها في مرض موته المخوف إبتداء ، أو سألته رجعيا فطلقها بائنا ، أو علق في مرض موته طلاقها على مالا غنى عنه شرعا : كالصلاة المفروضة ، والصوم المفروض ، والزكاة . أو عقلا : كالأكل ، والنوم ، ونحوهما .
أو أقر في مرضه .
أنه طلقها سابقا في حال صحته ، أو وكل في صحته من يبينها متى شاء ، فأبانها في مرض موته ، فترث في الجميع أي : جميع الصور المذكورة .

(2/65)


حتى ولو إنقضت عدتها لما روي أن عثمان ، رضي الله عنه ، ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبدالرحمن بن عوف ، وكان طلقها في مرض موته ، فبتها واشتهر ذلك في الصحابة ولم ينكر ، فكان إجماعا . وروى أبو سلمة بن عبدالرحمن : أن أباه طلق أمه وهو مريض ، فمات ، فورثته بعد إنقضاء عدتها . وروى عروة : أن عثمان قال لعبدالرحمن : لئن مت لأورثنها منك ، قال : قد علمت ذلك وما روي عن ابن الزبير أنه قال : لا ترث مبتوتة فمسبوق بالإجماع السكوتي زمن عثمان ، ولأن المطلق قصد قصدا فاسدا في الميراث ، فعورض بنقيض قصده كالقاتل .
ما لم تتزوج أو ترتد فيسقط ميراثها ، لأنها فعلت باختيارها ما ينافي نكاح الأول فلم ترثه .
فلو طلق المتهم أربعا ، وانقضت عدتهن ، وتزوج أربعا سواهن ، ورث الثمان على السواء بشرطه لأن المبانة للفرار وارثة بالزوجية ، فكانت أسوة من سواها . قال في الإنصاف : على الصحيح من المذهب . وقال في الكافي : والثانية لا ترثه - يعني : بعد إنقضاء العدة - لأن آثار النكاح زالت بالكلية فلم ترثه ، كما لو تزوجت ، ولأن ذلك يفضي إلى توريث أكثر من أربع نسوة بأن يتزوج أربعا بعد إنقضاء عدة المطلقة ، وذلك غير جائز . إنتهى . وإن طلقها في مرض غير مخوف ، أو في مخوف فصح منه ، ومات بعده لم ترثه في قول الجمهور ، لأن حكمه حكم الصحة في العطايا والعتاق والإقرار، فكذلك في الطلاق .
ويثبت له أي : الزوج ، الإرث دونها
إن فعلت بمرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها ما دامت معتدة
كذا في التنقيح ، و الإنصاف ، و المنتهى .
إن اتهمت بقصد حرمانه : كإدخالها ذكر ابن زوجها ، أو أبيه في فرجها وهو نائم ، أو إرضاعها ضرتها الصغيرة ، ونحوها ، لأنها أحد الزوجين ، فلم يسقط فعلها ميراث الآخر . وظاهر الفروع ، ك المقنع ، و الكافي ، و الشرح ، حيث أطلقوا ولو بعد العدة ، واختاره في الإقناع .
وإلا سقط ميراثه منها لو ماتت قبله لعدم التهمة .

(2/66)


باب الإقرار بمشارك في الميراث
إذا أقر الوارث بمن يشاركه في الإرث ، أو بمن يحجبه ، كأخ أقر بإبن للميت ولو من أمته ، نص عليه في رواية الجماعة .
صح وثبت الإرث والحجب ، فإذا أقر الورثة المكلفون بشخص مجهول النسب وصدق ، أو كان صغيرا أو مجنونا ثبت نسبه وإرثه لأن الورثة يقومون مقام الميت في ماله وحقوقه ، وهذا من حقوقه .
لكن يعتبر لثبوت نسبه من الميت إقرار جميع الورثة حتى الزوج وولد الأم لأنهما من جملة الورثة .
أو شهادة عدلين من الورثة ، أو من غيرهم فيثبت نسبه وإرثه ، لعدم التهمة ، أشبه سائر الحقوق .
فإن لم يقر جميعهم بل أقربه بعضهم ، وأنكره الباقون ، ولم يشهد به عدلان
ثبت نسبه وإرثه ممن أقربه دون الميت ، وبقية الورثة ، لأن النسب حق أقربه الوارث على نفسه ، فلزمه كسائر الحقوق .
فيشاركه فيما بيده فإذا أقر أحد إبنيه بأخ لهما فللمقربه ثلث ما بيد المقر . نقله بكر بن محمد ، لأن إقراره تضمن أنه لا يستحق أكثر من ثلث التركة ، وفي يده نصفها ، فيفضل بيده سدس للمقربه .
أو يأخذ الكل إن أسقطه كأخ أقر بإبن ، لأنه أقر بانحجابه عن الإرث .
باب ميراث القاتل
لا إرث لمن قتل مورثه بغير حق ، أو شارك في قتله ولو خطأ
إن لزمه قود ، أو دية ، أو كفارة ، لما تقدم في موانع الإرث .
فلا يرث من سقى ولده دواء فمات ، أو أدبه ، أو فصده ، أو بط سلعته فمات ، لأنه قاتل ، واختار الموفق : أن من أدب ولده ونحوه ، أو فصده ، أو بط سلعته لحاجته يرثه ، وصوبه في الإقناع ، لأنه غير مضمون .
وتلزم الغرة وهي : عبد أو أمة ، قيمتها : خمس من الإبل
من شربت دواء فأسقطت جنينها ، لما يأتي في الجنايات .
ولا ترث منها شيئا لأنها قاتلة .
وإن قتله بحق ورثه ، كالقتل قصاصا أو حدا أو دفعا عن نفسه
كالصائل إن لم يندفع إلا بالقتل ، لأنه غير مضمون بشئ مما تقدم .

(2/67)


وكذا لو قتل الباغي العادل ، كعكسه بأن قتل العادل الباغي فيرثه ، لأنه فعل مأذون فيه شرعا ، فلم يمنع الميراث ، أشبه ما لو أطعمه باختياره فأفضى إلى تلفه .
باب ميراث المعتق بعضه وما يتعلق به
الرقيق من حيث هو أي : بجميع أنواعه : كالمدبر ، والمكاتب ، وأم الولد ، والمعلق عتقه على صفة قد تقدم في الموانع أنه :
لا يرث لأنه لو ورث لكان لسيده ، وهو أجنبي .
ولا يورث بالإجماع ، لأنه لا مال له فإنه لا يملك ، ومن قال : يملك بالتمليك ، فملك ضعيف غير مستقر يرجع إلى سيده ببيعه ، لحديث : من باع عبدا وله مال فماله للبائع ، إلا أن يشترطه المبتاع فكذلك بموته .
لكن المبعض يرث ويورث ، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية وهو قول : علي وابن مسعود ، لحديث ابن عباس مرفوعا : قال في العبد يعتق بعضه : يرث ويورث على قدر ما عتق منه . رواه عبدالله بن أحمد بإسناده . ولأنه يجب أن يثبت لكل بعض حكمه ، كما لو كان الآخر مثله . وقال زيد بن ثابت : لا يرث ولا يورث وقال ابن عباس : هو كالحر في جميع أحكامه : في توريثه ، والإرث منه ، وغيرهما .
وإن حصل بينه وبين سيده مهايأة فكان يخدم سيده بنسبة ملكه ، ويكتسب بنسبة حريته ، أو قاسمه في حياته
فكل تركته لوارثه لأنه لم يبق لسيده معه حق .
وإلا فبينه - أي : وارث المبعض -
بين سيده بالحصص لما تقدم .
باب الولاء
من أعتق رقيقا أو بعضه ، فسرى إلى الباقي ، أو عتق عليه برحم ، أو فعل أو عوض أو كتابة أو تدبير أو إيلاد أو وصية ، أو أعتقه في زكاته أو نذره أو كفارته ، فله عليه الولاء بالإجماع ، لقوله صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق متفق عليه .
وعلى أولاده وإن سفلوا ، لأنه ولي نعمتهم ، وبسببه عتقوا ، ولأنهم فرعه ، والفرع يتبع أصله ، فأشبه ما لو باشر عتقهم .
بشرط كونهم من زوجة عتيقة لمعتقه أو غيره .

(2/68)


أو أمة للعتيق ، فإن كانوا من أمة الغير فتبع لأمهم حيث لا شرط ولا غرور ، وإن كانوا من حرة الأصل فلا ولاء عليهم ، لأنهم يتبعونها في الحرية ، فتبعوها في عدم الولاء .
وعلى من له أي : العتيق
أو لهم - أي : أولاده -
عليه الولاء لأنه ولي نعمتهم ، وبسببه عتقوا .
وإن قال : أعتق عبدك عني مجانا أي : بلا عوض ،
أو عني فقط
أو عنك ، وعلي ثمنه فلا يجب عليه أن يجيبه ، لأنه لا ولاية له عليه .
إن أعتقه ولو بعد أن إفترقا
صح العتق
وكان ولاؤه للمعتق عنه كما لو قال له : أطعم أو إكس عني .
ويلزم القائل ثمنه فيما إذا إلتزم به بأن قال : وعلي ثمنه . ولو قال : أعتقه والثمن علي ، ففعل فالولاء للمعتق ، لأنه لم يعتقه عن غيره ، فأشبه ما لو لم يجعل له جعلا . قاله في الكافي ، لحديث : الولاء لمن أعتق .
وإن قال الكافر : إعتق عبدك المسلم عني وعلي ثمنه
فأعتقه صح عتقه ، لأنه إنما يملكه زمنا يسيرا ، فاغتفر يسير هذا الضرر ، لتحصيل الحرية للأبد .
وولاؤه للكافر لأن المعتق كالنائب عنه ويرث الكافر بالولاء روي عن علي ، رضي الله عنه ، واحتج أحمد بقول علي : الولاء شعبة من الرق . ولعموم حديث : الولاء لمن أعتق .
فصل
ولا يرث صاحب الولاء إلا عند عدم عصبات النسب لأنه فرع على النسب ، فلا يرث مع وجوده . لا نعلم في ذلك خلافا ، لما روى سعيد عن الحسن مرفوعا : الميراث للعصبة ، فإن لم يكن عصبة فللمولى . وعنه أن رجلا أعتق عبدا ، فقال للنبي ، صلى الله عليه وسلم : ما ترى في ماله ؟ فقال : إن مات ولم يدع وارثا فهو لك . وعن ابن عمر مرفوعا : الولاء لحمة كلحمة النسب ، رواه الشافعي وابن حيان ، ورواه الخلال من حديث عبدالله بن أبي أوفى . والمشبه دون المشبه به ، وأيضا فالنسب أقوى من الولاء ، لأنه يتعلق به المحرمية ، وترك الشهادة وسقوط القصاص ، ولا يتعلق ذلك بالولاء .

(2/69)


وبعد أن يأخذ أصحاب الفروض فروضهم لحديث : ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقي فلأولى رجل ذكر . وعن عبدالله بن شداد ، قال : أعتقت إبنة حمزة مولى لها ، فمات وترك إبنة ، وإبنة حمزة ، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم إبنته : النصف ، وإبنة حمزة : النصف . رواه النسائي وابن ماجه .
فعند ذلك يرث المعتق ولو أنثى بلا خلاف ، لعموم ما تقدم . وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك في حديث بريرة .
ثم عصبته الأقرب فالأقرب لما روى سعيد بإسناده عن الزهري : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم قال : المولى أخ في الدين ، وولي نعمة يرثه أولى الناس بالمعتق . وروى أحمد عن زياد بن أبي مريم : أن إمرأة أعتقت عبدا لها ، ثم توفيت وتركت إبنا لها وأخاها ، ثم توفي مولاها ، فأتى أخو المرأة و إبنها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في ميراثه ، فقال ، صلى الله عليه وسلم : ميراثه لإبن المرأة . فقال أخو المرأة : يا رسول الله ، لو جر جريرة كانت علي ، ويكون ميراثه لهذا ؟! قال : نعم . وعن إبراهيم قال : إختصم علي والزبير في مولى صفية ، فقال علي : مولى عمتي وأنا أعقل عنه ، وقال الزبير : مولى أمي وأنا أرثه فقضى عمر على علي بالعقل ، وقضى للزبير بالميراث ، رواه سعيد ، وإحتج به أحمد .
وحكم الجد مع الإخوة في الولاء كحكمه في النسب نص عليه .
والولاء لا يباع ولا يوهب ولا يوقف ولا يوصى به ولا يورث
وهو قول جمهور الصحابة ، ولم يظهر عنهم خلافه ، لحديث ابن عمر قال : نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن بيع الولاء وهبته . متفق عليه . وحديث : الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب . رواه الخلال . ولا يصح أن يأذن لعتيقه فيوالي من شاء روي عن عمر وابنه وعلي وابن عباس وابن مسعود ، لأنه كالنسب . وشذ شريح ، فقال : يورث كما يورث المال . ولنا ما تقدم ، وإجماع الصحابة .

(2/70)


وإنما يرث به أقرب عصبات المعتق يوم موت العتيق قال ابن سيرين : إذا مات العتيق نظر إلى أقرب الناس إلى الذي أعتقه ، فيجعل ميراثه له . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا : ميراث الولاء للكبر من الذكور، ولا يرث النساء من الولاء ، إلا ولاء من أعتق فلو مات المعتق وخلف إبنين ، ثم ماتا ، وخلف أحدهما إبنا وخلف الآخر تسعة بنين ، ثم مات العتيق ، كان الولاء بينهم على عددهم : لكل واحد عشرة ، كالنسب . قال الإمام أحمد : روي هذا عن : عمر وعثمان وعلي وزيد بن حارثة وابن مسعود ، وبه قال أكثر أهل العلم .
ولو اشترى أخ وأخته أباهما فعتق عليهما ، ثم ملك قنا فأعتقه ، ثم مات الأب ، ثم العتيق ، ورثه الإبن بالنسب دون أخته بالولاء ، لأن عصبة المعتق من النسب تقدم على مولى المعتق ، وتسمى : مسألة القضاة . يروى عن مالك أنه قال : سألت سبعين قاضيا من قضاة العراق فأخطؤوا فيها . ذكره في الإنصاف .
لكن يتأتى إنتقاله من جهة إلى أخرى في مسائل جر الولاء .
فلو تزوج عبد بمعتقه فولاء من تلده لمن أعتقها لأنه سبب الإنعام عليهم لأنهم صاروا أحرارا بسبب عتق أمهم .

(2/71)


فإن عتق الأب انجر الولاء لمواليه لأنه بعتقه صلح للإنتساب إليه ، وعاد وارثا ووليا ، فعادت النسبة إليه وإلى مواليه . وروى عبدالرحمن عن الزبير: أنه لما قدم خيبر رأى فتية لعسا ، فأعجبه ظرفهم وحالهم ، فسأل عنهم ، فقيل له : إنهم موال لرافع بن خديج ، وأبوهم مملوك لآل الحرقة ، فاشترى الزبير أباهم فأعتقه ، وقال لأولاده إنتسبوا إلي ، فإن ولاءكم لي ، فقال رافع بن خديج : الولاء لي ، لأنهم عتقوا بعتقي أمهم ، فاحتكموا إلى عثمان : فقضى بالولاء للزبير ، فاجتمعت الصحابة عليه . واللعس : سواد في الشفتين تستحسنه العرب . وإن عتق الجد لم ينجر الولاء نص عليه ، لأن الأصل بقاء الولاء لمن ثبت له ، وإنما خولف هذا الأصل في الأب ، لإجماع الصحابة عليه ، فيبقى فيمن عداه على الأصل . قاله في الكافي .
كتاب العتق
وهو من أعظم القرب المندوب إليها إذا اقترنت به النية المعبرة ، لأن الله تعالى جعله كفارة للقتل وغيره . وقال صلى الله عليه وسلم : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل إرب منها إربا منه من النار ، حتى إنه ليعتق اليد باليد ، والرجل بالرجل ، والفرج بالفرج . متفق عليه . ولما فيه من تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق ، وملك نفسه ، ومنافعه ، وتكميل أحكامه ، وتمكينه من التصرف في نفسه ، ومنافعه على حسب إختياره ، وأفضل الرقاب أنفسها عند أهلها ، وأغلاها ثمنا ، نص عليه في رواية الجماعة .
فيسن عتق رقيق له كعب لانتفاعه به .
ويكره إن كان لا قوة له ، ولا كسب لأنه يتضرر بسقوط نفقته الواجبة بإعتاقه ، فربما صاركلا على الناس ، واحتاج إلى المسألة .
أو يخاف منه الزنى أو الفساد فيكره عتقه . وكذا إن خيف ردته ، ولحوقه بدار الحرب .
ويحرم إن علم ذلك منه لأنه وسيلة الحرام ، وإن أعتقه مع ذلك صح العتق ، لصدوره من أهله في محله .
وهكذا الكتابة في الحكم المذكور .

(2/72)


ويحصل العتق بالقول ، وصريحه لفظ : العتق ، والحرية ، كيف صرفا لأن الشرع ورد بهما ، فوجب إعتبارهما . فمن قال لقنه : أنت حر ، أو محرر ، أو حررتك ، أو أنت عتيق ، أو معتق : بفتح التاء ، أو أعتقتك ، عتق وإن لم ينوه . قال أحمد في رجل لقي إمرأة في الطريق ، فقال : تنحي يا حرة ، فإذا هي جاريته ، قال : قد عتقت عليه . وقال في رجل قال لخدم قيام في وليمة : مروا أنتم أحرار ، وكان فيهم أم ولده لم يعلم بها ، قال : هذا به عندي تعتق أم ولده .
غير أمر ، ومضارع ، وإسم فاعل فمن قال لرقيقه : حرره ، أو أعتقه ، أو : أحرره ، أو : أو أعتقه ، أو : هذا محرر : بكسر الراء ، أو : معتق : بكسر التاء ، لم يعتق بذلك ، لأنه طلب ، أو وعد ، أو خبر عن غيره ، وليس واحد منها صالحا للإنشاء ولا إخبارا عن نفسه فيؤاخذ به .
ويقع العتق من الهازل ، كالطلاق ، لا من نائم ومجنون ومغمى عليه ومبرسم ، لعدم عقلهم ما يقولون ، وكذا حاك وفقيه يكرره . ولا يقع إن نوى بالحرية عفته وكرم خلقه ونحوه ، لأنه نوى بكلامه ما يحتمله . قالت سبيعة ترثي عبد المطلب : ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة ويوم على حر كريم الشمائل
وكنايته مع النية ستة عشر : خليتك ، وأطلقتك ، وإلحق بأهلك ، واذهب حيث شئت ، ولا سبيل لي أو لا سلطان ، أو لا ملك ، أو لا رق ، أو لا خدمة لي عليك ، وفككت رقبتك ، ووهبتك لله ، وأنت لله ، ورفعت يدي عنك إلى الله ، وأنت مولاي ، أو سائبة ، أو ملكتك نفسك . وتزيد الأمة بـ : أنت طالق ، أو حرام فلا يعتق بذلك حتى ينويه ، لأنه يحتمل العتق وغيره ، أشبه كناية الطلاق فيه . وقال القاضي في قوله : لا رق لي عليك ، ولا ملك لي عليك ، وأنت لله : صريح . نص عليه أحمد في : أنت لله ، لأن معناه : أنت حر لله ، واللفظان الأولان صريحان في نفي الملك ، والعتق من ضرورته . إنتهى .

(2/73)


ويعق حمل لم يستثن بعتق أمه لأنه يتبعها في البيع والهبة ففي العتق أولى ، فإن إستثني لم يعتق ، وبه قال ابن عمر وأبو هريرة . قال أحمد : أذهب إلى حديث ابن عمر في العتق ، ولا أذهب إليه في البيع ، ولحديث : المسلمون على شروطهم .
لا عكسه أي : لا تعتق الأمة بعتق حملها ، فيصح عتقه دونها ، نص عليه ، لأن حكمه حكم الإنسان المنفرد ، ولأن الأصل لا يتبع الفرع .
وإن قال لمن يمكن كونه أباه من رقيقه : بأن كان السيد ابن عشرين سنة مثلا أو أقل ، والرقيق ابن ثلاثين فأكثر
أنت أبي ، أو قال لمن يمكن كونه إبنه : أنت إبني ، عتق فيهما ، وإن لم ينوه ، ولو كان له نسب معروف ، لجواز كونه من وطء شبهة .
لا إن لم يمكن كونه أباه أو إبنه ، لصغر أو كبر .
إلا بالنية لتحقق كذبه ، كقوله : أعتقتك ، أو : أنت حر منذ ألف سنة ، لأن محال معلوم كذبه . ولا يصح العتق إلا من جائز التصرف ، لأنه تبرع في الحياة ، أشبه الهبة .
فصل
ويحصل بالفعل : فمن مثل برقيقه فجدع أنفه أو أذنه ونحوهما كما لو خصاه
أو خرق أو حرق عضوا منه ، أو إستكرهه على الفاحشة ، أو وطيء من لا يوطأ مثلها لصغر ، فأفضاها أي : خرق ما بين سبيليها .
عتق في الجميع نص عليه ، بلا حكم حاكم ، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن زنباعا أبا روح وجد غلاما له مع جاريته ، فقطع ذكره ، وجدع أنفه ، فأتى العبد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فذكر له ذلك ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : فعل كذا كذا ، قال : إذهب فأنت حر . رواه أحمد وغيره . وروي أن رجلا أقعد أمة له في مقلى حار ، فأحرق عجزها ، فأعتقها عمر ، رضي الله عنه ، وأوجعه ضربا . حكاه أحمد في رواية ابن منصور ، وقال : وكذلك أقول .
ولا عتق بخدش ، وضرب ، ولعن لأنه لا نص فيه ، ولا في معنى المنصوص عليه ، ولا قياس يقتضيه ،

(2/74)


ويحصل بالملك ، فمن ملك لذي رحم محرم من النسب كأبيه وجده وإن علا ، وولده وولد ولده وإن سفل ، وأخيه وأخته وولدهما وإن نزل ، وعمه وعمته وخاله وخالته
عتق عليه ولو حملا كمن اشترى زوجة إبنه أو أبيه أو أخيه الحامل ، لحديث الحسن عن سمرة مرفوعا : من ملك ذا رحم محرم فهو حر . رواه الخمسة وحسنه الترمذى ، وقال : العمل على هذا عند أهل العلم . وأما حديث : لا يجزيء ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه . رواه مسلم . فيحتمل أنه أراد : فيعتقه بشرائه ، كما يقال : ضربه فقتله ، والضرب : هو القتل . وسواء ملكه بشراء ، أو هبة ، أو إرث ، أو غنيمة أو غيرها ، لعموم الخبر . ولا يعتق ابن عمه بملكه ، لأنه ليس بمحرم ولا يعتق محرم من الرضاع ، لأنه لا نص في عتقهم ، ولا هم في معنى المنصوص عليه . وكذا الربيبة ، وأم الزوجة وابنتها . قال الزهري : جرت السنة بأنه يباع الأخ من الرضاعة ، ومال معتق غير مكاتب عتق بالأداء لسيده . روي عن ابن مسعود ، وأبي أيوب ، وأنس . وروى الأثرم عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير : يا عمير إني أريد أن أعتقك عتقا هنيئا ، فأخبرني بمالك إني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : أيما رجل أعتق عبده أو غلامه ، فلم يخبره بماله ، فماله لسيده . ولأن العبد وماله كانا للسيد فأزال ملكه عن أحدهما فبقي في الآخر كما لو باعه . وحديث ابن عمر مرفوعا : من أعتق عبدا ، وله مال فالمال للعبد . رواه أحمد وغيره . قال أحمد : يرويه عبدالله بن أبي جعفر من أهل مصر ، وهو ضيف الحديث ، كان صاحب فقه ، فأما الحديث فليس فيه بالقوي .
وإن ملك بعضه عتق البعض ، والباقي بالسراية إن كان موسرا ، ويغرم حصة شريكه لفعله سبب العتق إختيارا منه وقصدا إليه فسرى ولزمه الضمان . وإن ملك بعضه بإرث لم يعتق عليه إلا ما ملك ، ولو كان موسرا ، لأنه لم يتسبب إلى إعتاقه ، لحصول ملكه بدون فعله وقصده .

(2/75)


وكذا حكم كل من أعتق حصته من مشترك في أنه يعتق عليه جميعه بالعتق والسراية إن كان موسرا ، وإلا عتق منه بقدر ما هو موسر به ، لحديث ابن عمر مرفوعا : من أعتق شركا له في عبد ، فكان له ما يبلغ ثمن العبد ، قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم ، وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق . رواه الجماعة والدارقطنى ، وزاد ورق ما بقي .
فلو ادعى كل من موسرين أن شريكه أعتق نصيبه عتق ، لإعتراف كل بحريته وصار كل مدعيا على شريكه بنصيبه من قيمته ، فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها .
ويحلف كل لصاحبه مع عدم البينة ويبرأ ، فإن نكل أحدهما قضي عليه للآخر ، لي إن نكلا جميعا تساقط حقاهما لتماثلهما .
وولاؤه لبيت المال لأن أحدهما لا يدعيه ، أشبه المال الضائع .
ما لم يعترف أحدهما بعتقه فيثبت له ولاؤه
ويضمن حق شريكه أي : قيمة حصته ، لما تقدم .
فصل
ويصح تعليق العتق بالصفة ، كـ : إن فعلت كذا فأنت حر لأنه عتق بصفة فيصح كالتدبير .
وله وقفه ، وكذا بيعه ونحوه كهبته والوصية به .
قبل وجود الصفة ثم إن وجدت ، وهو في ملك غير المعلق لم يعتق ، لحديث : لا طلاق ، ولا عتاق ، ولا بيع فيما لا يملك ابن آدم . ولأنه لا ملك له عليه فلا يقع عليه عتقه ، كما لو نجزه .
فإن عاد لملكه ولو بعد وجودها حال زوال ملكه عنه .
عادت الصفة .
فمتى وجدت عتق لأن التعليق والشرط وجدا في ملكه ، كما لو لم يتخللها زوال ملك .
ولا يبطل ولو أبطله ما دام ملكه عليه ، لأنها صفة لازمة ألزمها نفسه ، فلا يملك إبطالها بالقول كالنذر .
إلا بموته فيبطل به التعليق ، لزوال ملكه زوالا غير قابل للعودة .
فقوله : إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر ، لغو لأنه إعتاق له بعد إستقرار ملك غيره عليه فلم يعتق ، كما لو نجزه . وكقوله لعبد غيره : إن دخلت الدار فأنت حر .

(2/76)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية