صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ المغني - ابن قدامة ]
الكتاب : المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني
المؤلف : عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد
الناشر : دار الفكر - بيروت
الطبعة الأولى ، 1405
عدد الأجزاء : 10

مسألة ليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات
مسألة : قال : وليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات
أجمع أهل العلم على هذا ولا نعلم أحدا خالفه إلا شيئا يحكى عن القاسم بن إبراهيم أنه أباح تسعا لقول الله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } ولواو للجمع ولأن النبي صلى الله عليه و سلم مات عن تسع وهذا ليس بشيء لأنه خرق للإجماع وترك للسنة ف [ إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة : أمسك أربعا وفارق سائرهن ] و [ قال نوفل بن معاوية أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال النبي صلى الله عليه و سلم : فارق واحدة منهن ] رواهما الشافعي في مسنده وإذا منع من استدامة زيادة عن أربع فالابتداء أولى فالآية أريد بها التخيير بين اثنتين وثلاث وأربع كما قال : { أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع } ولم يرد أن لكل ملك تسعة أجنحة ولو أراد ذلك لقال تسعة ولم يكن للتطويل معنى ومن قال غير هذا فقد جهل اللغة العربية وأما النبي صلى الله عليه و سلم فمخصوص بذلك ألا ترى أنه جمع بين أربعة عشر

(7/436)


مسألة ليس للعبد أن يجمع إلا اثنتين
مسألة : قال : وليس للعبد أن يجمع إلا اثنتين
أجمع أهل العلم على أن للعبد أن ينكح اثنتين واختلفوا في إباحة الأربع فمذهب أحمد أنه لا يباح له إلا اثنتان وهذا قول عمر رضي الله عنه وعلي وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وبه قال عطاء و الحسن و الشعبي و قتادة و الثوري و الشافعي وأصحاب الرأي وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله و طاوس و مجاهد و الزهري و ربيعة و مالك و أبو ثور و داود له نكاح أربع لعموم الاية ولأن هذه طريق اللذة والشهوة فساوى العبد الحر فيه كالمأكول
ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا وقد روى ليث ابن بني سليم عن الحكم بن قتيبة قال : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم على أن العبد لا ينكح أكثر من اثنتين ويقوي هذا ما روى الإمام أحمد عن محمد بن سيرين أن عمر رضي الله عنه سال الناس : كم يتزوج العبد ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف بإثنتين وطلاقه بإثنتين فدل هذا على أن ذلك كان بمحضر من الصحابة وغيرهم فلم ينكر وهذا يخص عموم الآية على أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار وهو قوله : { أو ما ملكت أيمانكم } ويفارق النكاح المأكول فإنه مبني على التفضل ولهذا فارق النبي صلى الله عليه و سلم فيه أمته ولأن فيه ملكا والعبد ينقص في الملك عن الحر

(7/437)


مسألة و فصول : في تسري العبد بإذن سيده وفي أن المكاتب كالعبد القن
مسألة : قال : وله أن يتسرى بإذن سيده
هذا هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة وهو قول ابن عمر وابن عباس و الشعبي و النخعي و الزهري و مالك و الأوزاعي و الثوري و أبي ثور وكره ذلك ابن سيرين و حماد بن أبي سليمان و الثوري وأصحاب الرأي ولـ الشافعي قولان مبنيان على أن العبد هل يملك بتمليك سيده أو لا ؟ قال القاضي أبو يعلي يجب أن يكون في مذهب احمد في تسري العبد وجهان مبنيان على الروايتين في ثبوت الملك له بتمليك سيده واحتج من منع ذلك بأن العبد لا يملك المال ولا يجوز الوطء إلا في نكاح أو ملك يمين لقول الله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون }
ولنا قول ابن عمر وابن عباس ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفا وروي الأثرم باسناده عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا أن يتسرى العبد ونحوه عن ابن عباس ولأن العبد يملك في النكاح فملك التسري كالحر وقولهم إن العبد لا يملك المال ممنوع ف [ إن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من اشترى عبدا وله مال ] فجعل المال له ولأنه آدمي فملك المال كالحر وذلك لأنه بآدميته يتمهد لأهلية الملك إذ كان الله تعالى خلق الأموال للآدميين ليستعينوا بها على القيام بوظائف التكاليف وأداء العبادات قال الله تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } والعبد داخل في العموم ومن أهل التكليف والعبادات فيكون أهلا للملك ولذلك ملك في النكاح وإذا ثبت الملك للجنين مع كونه نطفة لا حياة فيها باعتبار مآله إلى الآدمية فالعبد الذي هو آدمي مكلف أولى
إذا ثبت هذا فلا يجوز له التسري إلا باذن سيده ولو ملكه سيده جارية لم يبح له وطؤها حتى يأذن له فيه لأن ملكه ناقص ولسيده نزعه منه متى شاء من غير فسخ عقد فلم يكن له التصرف فيه إلا بإذن سيده فإن أذن له فقال تسر بها أو أذنت لك في وطئها أو ما دل عليه أبيح له وما ولد له من التسري فحكمه حكم ملكه لأن الجارية مملوكة له فكذلك ولدها وإن تسرى بغير اذن سيده فالولد ملك سيده
فصل : وله التسري بما شاء إذا أذن له السيد في ذلك نص عليه أحمد لأن من جاز له التسري جاز من غير حصر كالحر فإن أذن له وأطلق التسري تسرة بواحدة وكذلك إذا إذن له في التزويج لم يجز أن يتزوج أكثر من واحدة وبهذا قال أصحاب الرأي و أبو ثور وإذا أذن له في التزويج فعقد على اثنتين في عقد جاز ولنا أن الاذن المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم يقينا وما زاد مشكوك فيه فيبقى على الأصل كما لو أذن له في طلاق امرأته لم يكن له أن يطلق أكثر من واحدة ولأن الزائد على الواحدة يحتمل أن يكون غير مراد فيبقى على أصل التحريم كما لو شك هل أذن له أو لا ؟
فصل : والمكاتب كالعبد القن لا يتزوج ولا يتسرى إلا بإذن سيده لأن في ذلك إتلافا للمال الذي في يديه وقد [ قال عليه السلام : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ] وأما المعتق يعضه فإذا ملك بجزئه الحر جارية فملكه تام وله الوطء بغير اذن سيده لقوله سبحانه : { أو ما ملكت أيمانكم } ولأن ملكه عليها تام له التصرف فيها بما شاء بغير اذن سيده فكذلك الوطء وما فيه من الرق لا يمنعه من استيفاء ما يملكه كما له أن يتصرف ويأكل ما ملكه بنصفه الحر وقال القاضي حكمه حكم القن وهو منصوص الشافعي وقال بعض أصحابه كقولنا واحتج من منع ذلك بأنه لا يمكنه الوطء بنصفه الحر وحده وكذلك منعناه التزويج حتى يأذن له سيده
ولنا أنه لا حق لسيده فيها ولا يلحقه ضرر باستمتاعه منها فلم يعتبر اذنه فيها كاستخدامها وأما التزويج فانه يلزمه به حقوق تتعلق بجملته فاعتبر رضا سيده ليكون راضيا بتعلق الحق بملكه بخلاف مسألتنا فان الحق له لا عليه فأما إن أذن له سيده فيه جاز إلا عند من منع العبد التسري لأنه كالقن في قولهم
فصل : نقل محمد بن ماهان عن أحمد لا بأس للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده فإن رجع السيد فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرى وكذلك نقل عنه إبراهيم بن هانىء ويعقوب بن بختان ولم أر عنه خلاف هذا فظاهر هذا أنه إذا تسرى بإذن السيد لم يملك السيد الرجوع لأنه يملك به البضع فلم يملك سيده فسخه قياسا على النكاح
وقال القاضي يحتمل أنه أراد بالتسري ههنا التزويج وسماه تسريا مجازا ويكون للسيد الرجوع فيما ملك عبده وظاهر كلام أحمد خلاف هذا وذلك لأنه ملكه بضعا أبيح له وطؤه فلم يملك رجوعه فيه كما لو زوجه

(7/438)


مسألة حكم ما لو طلق الحر أو العبد إلخ
مسألة : قال : ومتى طلق الحر أو العبد طلاقا يملك الرجعة أو لا يملك لم يكن له أن يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها وكذلك إذا طلق واحدة من أربع لم يتزوج حتى تنقضي عدتها وكذلك العبد إذا طلق إحدى زوجتيه
وجملة ذلك أن الرجل إذا تزوج امرأة حرمت عليه أمها على التأييد وتحرم عليه أختها وعمتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها تحريم جمع وكذلك إن تزوج الحر أربعا حرمت الخامسة تحريم جمع وإن تزوج العبد اثنتين حرمت الثالثة تحريم جمع فإذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فالتحريم باق بحاله في قولهم جميعا وإن كان الطلاق بائنا أو فسخا فكذلك عند امامنا حتى تنقضي عدتها وروي ذلك عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب و مجاهد و النخعي و الثوري وأصحاب الرأي وقال القاسم بن محمد وعروة و ابن أبي ليلى و مالك و الشافعي و أبو ثور و ابو عبيد و ابن المنذر : له نكاح جميع من سمينا في تحريم الجمع وروي ذلك عن زيد بن ثابت لأن المحرم الجمع بينهما في النكاح بدلي قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } أي نكاحهن ثم قال : { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } معطوفا عليه والبائن ليست في نكاحه ولأنها بائن فاشبهت المطلقة قبل الدخول
ولنا قول علي وابن عباس وروي عن عبيدة السلماني أنه قال ما أجمعت الصحابة على شيء كإجماعهم على أربع قبل الظهر وأن لا تنكح امرأة في عدة أختها وروي [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين ] وروي عن أبي الزناد قال : كان للوليد بن عبد الملك أربع نسوة فطلق واحدة البتة وتزوج قبل أن تحل فعاب ذلك عليه كثير من الفقهاء وليس كلهم عابه قال سعيد بن منصور : إذا عاب عليه سعيد بن المسيب فأي شيء بقي ؟ ولأنها محبوسة عن النكاح لحقه أشبه ما لو كان الطلاق رجعيا ولأنها معتدة في حقه أشبهت الرجعية وفارق المطلقة قبل الدخول بها

(7/441)


فصل حكم ما لو أسلم زوج المجوسية والوثنية
فصل : ولو أسلم زوج المجوسية أو الوثنية أو انفسخ النكاح بين الزوجين بخلع أو رضاع أو فسخ بعيب أو إعسار أو غيره لم يكن له أن يتزوج أحدا ممن يحرم الجمع بينه وبين زوجته حتى تنقضي عدتها سواء قلنا بتعجيل الفرقة أو لم نقل وإن أسلمت زوجته فتزوج أختها في عدتها ثم أسلما في عدة الأولى اختار منهما واحدة كما لو تزويجهما معا وإن أسلم بعد انقضاء عدة الأولى بانت وثبت نكاح الثانية

(7/442)


فصل إذا أعتق أو الولد أو أمة كان يصيبها فليس له أن يتزوج أختها حتى ينقضي استبراؤها
فصل : إذا أعتق أم الولد أو أمة كان يصيبها فليس له أن يتزوج أختها حتى ينقضي استبراؤها نص عليه احمد في أم الولد وقال أبو يوسف و محمد بن الحسن يجوز لأنها ليست زوجة ولا في عدة من نكاح
ولنا أنها معتدة منه فلم يجز له نكاح أختها كالمعتدة من نكاح أو وطء بشبهة ولأنه لا يأمن أن يكون ماؤه في رحمها فيكون داخلا في عموم من جمع ماءه في رحم أختين ولا يمنع من نكاح أربع سواها ومنعه زفر وهو غلط لأن ذلك جائز قبل إعتاقها فبعده أولى

(7/442)


فصل لا يمنع من نكاح أمة في عدة حرة
فصل : ولا يمنع من نكاح أمة في عدة حرة بائن ومنعه أبو حنيفة كما يحرم عليه أن يتزوجها في صلب نكاحها
ولنا أنه عادم للطول خائف للعنت فأبيح له نكاح لقوله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا } الآية ولا نسلم أنه لا يجوز في صلب نكاح الحرة بل يجوز إذا تحقق الشرطان

(7/443)


فصل إذا زنى بإمرأة فليس له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها
فصل : وإن زنى بإمرأة فليس له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها وحكم العدة من الزنا والعدة من وطء الشبهة كحكم العدة من النكاح فإن زنى بأخت امرأته فقال أحمد يمسك عن وطء امرأته حتى تحيض ثلاث حيض وقد ذكر عنه في المزني بها أنها تستبرىء بحيضة لأنه وطء من غير نكاح ولا أحكامه أحكام النكاح ويحتمل أن لا تحرم بذلك أختها ولا أربع سواها لأنها ليست منكوحة ومجرد الوطء لا يمنع بدليل الوطء في ملك اليمين لا يمنع أربعا سواها

(7/443)


فصل حكم ما لو ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بإنقضاء عدتها
فصل : وإذا ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بإنقضاء عدتها في مدة يجوز انقضاؤها فيها وكذبته أبيح له نكاح أختها وأربع سواها في الظاهر فأما في الباطن فيبنى على صدقه في ذلك لأنه حق فيما بينه وبين الله تعالى فيقبل قوله فيه ولا يصدق في نفي نفقتها وسكناها ونفي النسب لأنه حق لها ولولدها فلا يقبل قوله فيه وبه قال الشافعي وغيره وقال زفر لا يصدق في شيء لأنه قول واحد لا يصدق في بعض حكمه فلا يصدق في البعض الآخر قياسا لأحدهما على الآخر وذلك لأنه لا يمكن أن يكون القول الواحد صدقا وكذبا
ولنا أنه قول يتضمن إبطال حق لغيره وحقا له لا ضرر على غيره فيه فوجب أن يصدق في أحدهما دون الآخر كما لو اشترى عبدا ثم أقر أن البائع كان أعتقه صدق في حريته ولم يصدق في الرجوع بثمنه وكما لو أقر أن امرأته أخته من الرضاع قبل الدخول صدق في بينونتها وتحريمها عليه ولم يصدق في سقوط مهرها

(7/443)


مسألة و فصول : من شروط النكاح تعيين الزوجين
مسألة : قال : ومن خطب امرأة فزوج بغيرها لم ينعقد النكاح
معنى ذلك أن يخطب الرجل امرأة بعينها فيجاب إلى ذلك ثم يوجب له النكاح في غيرها وهو يعتقد أنها التي خبها فيقبل فلا ينعقد النكاح لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه فلم يصح كما لو ساومه بثوب وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري فلو علم الحال بعد ذلك فرضي لم يصح قال أحمد في رجل خطب جارية فزوجوه أختها ثم علم بعد يفرق بينهما ويكون الصداق على وليها لأنه غرة ويجهز إليه أختها التي خطبها بالصداق الأول فإن كانت تلك قد ولدت منه يلحق به الولد وقوله يجهز إليه أختها يعني والله أعلم بعقد جديد بعد انقضاء عدة هذه إن كان أصابها لأن العقد الذي عقده لم يصح في واحدة منهما لأن الإيجاب صدر في إحداهما والقبول في أخرى فلم ينعقد في هذه ولا في تلك فإن اتفقوا على تجديد عقد في احداهما أيتهما كان جاز
وقال أحمد في رجل تزوج امرأة فأدخلت عليها أختها لها المهر بما أصاب منها ولأختها المهر قيل يلزمه مهران ؟ قال نعم ويرجع على وليها هذه مثل التي بها برص أو جذام علي يقول ليس عليه غرم وهذا ينبغي أن يكون في امرأة جاهلة بالحال أو بالتحريم أما إذا علمت أنها ليست زوجة محرمة عليه وأمكنته من نفسها فلا ينبغي أن يجب لها صداق لأنها زانية تطاوعه فأما إن جهلت الحال فلها المهر ويرجع به على من غره وروي عن علي رضي الله عنه في رجلين تزوجا امرأتين فزفت كل امرأة إلى زوج الأخرى لهما الصداق ويعتزل كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها وبه قال النخعي و الشافعي و إسحاق وأصحاب الرأي
فصل : من شرط صحة النكاح تعيين الزوجين لأن كل عاقد ومعقود عليه يجب تعيينهما كالمشتري والمبيع ثم ينظر فإن كانت المرأة حاضرة فقال زوجتك هذه صح فإن الإشارة تكفي في التعيين فإن زاد على ذلك فقال بنتي هذه أو هذه فلانة كان تأكيدا وإن كانت غائبة فقال زوجتك بنتي وليس له سواها جاز فإن سماها بإسمها مع ذلك كان تأكيدا فإن كان له ابنتان أو أكثر فقال زوجتك ابنتي لم يصح حتى يضم إلى ذلك ما تتميز به من إسم أو صفة فيقول زوجتك ابنتي الكبرى أو الوسطى أو الصغرى فإن سماها مع ذلك كان تأكيدا وإن قال زوجتك ابنتي عائشة أو فاطمة صح وإن كانت له ابنة واحدة اسمها فاطمة فقال زوجتك فاطمة لم يصح لأن هذا الإسم مشترك بينها وبين سائر الفواطم حتى يقول مع ذلك ابنتي
وقال بعض الشافعية يصح إذا نوياها جميعا وليس بصحيح لأن النكاح تعتبر فيه الشهادة على وجه يمكن اداؤها إذا ثبت به العقد وهذا متعذر في النية فلذلك لو قال زوجتك ابنتي وله بنات لم يصح حتى يميزها بلفظه وإن قال زوجتك فاطمة ابنة فلان احتاج أن يرفع في نسبها حتى يبلغ ما تتميز به عن النساء
فصل : فإن كان له ابنتان كبرى اسمها عائشة وصغرى اسمها فاطمة فقال زوجتك ابنتي عائشة وقبل الزوج ذلك وهما ينويان الصغرى لم يصح ذكره أبو حفص وقال القاضي يصح في التي نوياها وهذا غير صحيح لوجهين :
أحدهما : أنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه فأشبه ما لو قال زوجتك عائشة فقط أو ما لو قال زوجتك ابنتي ولم يسمها وإذا لم يصح فيما إذا لم يسمها ففيما إذا سماها بغير اسمها أولى أن لا يصح
والثاني : أنه لا يصح النكاح حتى تذكر المرأة بما تتميز به ولم يوجد ذلك فإن اسم أختها لا يميزها بل يصرف العقد عنها وإن كان الولي يريد الكبرى والزوج يقصد الصغرى لم يصح كمسألة الخرقي فيما إذا خطب امرأة وزوج غيرها لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه ويحتمل أن يصح إذا لم يتقدم ذلك ما يصرف القبول إلى الصغرى من خطبة ونحوها فإن العقد بلفظه متناول للكبرى ولم يوجد ما يصرفه عنها فصح كما لو نوى الولي الصغرى والزوج الكبرى أو نوى الولي الكبرى ولم يدر الزوج أيتهما هي فعلى الأول لا يصح التزويج لعدم النية منهما في التي يتناولها لفظهما وعلى الإحتمال الذي ذكرناه يصح في المعنية باللفظ لما ذكرناه
فصل : فإن كان له ابنة واحدة فقال لرجل زوجتك ابنتي وسماها بغير اسمها فقال القاضي يصح وهو قول أصحاب الشافعي لأن قوله بنتي آكد من التسمية لأنها لا مشاركة فيها والإسم مشترك ولو قال زوجتك هذه وأشار إليها وسماها بغير إسمها يجب أن يصح على هذا التعليل
فصل : ولو قال زوجتك حمل هذه المرأة لم يصح لأنه لم يثبت له حكم البنات قبل الظهور في غير الإرث والوصية ولأنه لم يتحقق أن في البطن بنتا فأشبه ما لو قال زوجتك من في هذه الدار وهما لا يعلمان ما فيها ولو قيل إذا ولدت امرأتي بنتا زوجتكها لم يصح لأنه تعليق للنكاح على شرط والنكاح لا يتعلق على شرط ولأن هذا مجرد وعد لا ينعقد به عقد

(7/444)


مسألة حكم ما لو تزوجها وشرط لها أن لا يحرجها من دارها وبلدها
مسألة : قال : وإذا تزوجها وشرط لها أن لا يخرجها من دارها وبلدها فلها شرطها لما روي [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج ] وإن تزوجها وشرط لها أن لا يتزوج عليها فلها فراقه إذا تزوج عليها
وجملة ذلك أن الشروط في النكاح تنقسم أقساما ثلاثة : أحدها : ما يلزم الوفاء به وهو ما يعود إليها نفعه وفائدته مثل أن يشترط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يسافر بها ولا يتزوج عليها ولا يتسرى عليها فهذا يلزمه الوفاء لها به فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح يروى هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز و جابر بن زبد و طاوس و الأوزاعي و إسحاق وأبطل هذه الشروط الزهري و قتادة و هشام بن عروة و مالك و الليث و الثوري و الشافعي و ابن المنذر وأصحاب الرأي قال أبوحنيفة و الشافعي ويفسد المهر دون العقد ولها مهر المثل واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه و سلم : [ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ] وهذا ليس في كتاب الله لأن الشرع لا يقتضيه و [ قال النبي صلى الله عليه و سلم : المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا ] وهذا يحرم الحلال وهو التزويج والتسري والسفر ولأن هذا شرط ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه ولم يبن على التغليب والسراية فكان فاسدا كما لو شرطت أن لا تسلم نفسها
ولنا قول النبي صلى الله عليه و سلم : [ إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج ] رواه سعيد وفي : [ ان أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج ] متفق عليه وأيضا قول النبي صلى الله عليه و سلم [ المسلمون على شروطهم ] ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا نعلم لهم مخالفا في عصرهم فكان اجماعا وروى الأثرم باسناده أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر فقال لها شرطها فقال الرجل إذا تطلقينا فقال عمر : مقاطع الحقوق عند الشروط ولأنه شرط لها فيه منفعة ومقصود لا يمنع المقصود من النكاح فكان لازما كما لو شرطت عليه زيادة في المهر أو غير نقد البلد وقوله عليه السلام : [ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ] أي ليس في حكم الله وشرعه وهذا مشروع وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته على أن الخلاف في مشروعيته وعلى من نفي ذلك الدليل وقولهم ان هذا يحرم الحلال قلنا لا يحرم حلالا وإنما يثبت للمرأة خيار الفسخ إن لم يف لها به وقولهم ليس من مصلحته قلنا لا نسلم ذلك فانه من مصلحة المرأة وما كان من مصلحة العاقد كان من مصلحة عقدة كاشتراط الرهن والضمين في البيع ثم يبطل بالزيادة على مهر المثل وشرط غير نقد البلد
إذا ثبت أنه شرط لازم فلم يف لها به فلها الفسخ ولهذا قال الذي قضى عليه عمر بلزوم الشرط إذا تطلقينا فلم يلتفت عمر إلى ذلك وقال مقاطع الحقوق عند الشروط ولأنه شرط لازم في عقد فيثبت حق الفسخ بترك الوفاء به كالرهن والضمين في البيع

(7/448)


فصل اشتراط المرأة لتزويجها طلاق ضرتها بطلاقه
فصل : فإن شرطت عليه أن يطلق ضرتها لم يصح الشرط لماروى أبو هريرة قال [ نهى النبي صلى الله عليه و سلم أن تشترط المرأة طلاق أختها ] وفي لفظ [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لا تسأل المرأة طلاق أختها لتنكح ] والنهي يقتضي الفساد المنهي عنه ولأنها شرطت عليه فسخ عقده وإبطال حقه وحق امرأته فلم يصح كما لو شرطت عليه فسخ بيعه وقال أبو الخطاب هو شرط لازم لأنه لا ينافي العقد ولها فيه فائدة فأشبه ما لو شرطت عليه أن لا يتزوج عليها ولم أر هذا لغيره وقد ذكرنا ما يدل على فساده وعلى قياس هذا لو شرطت عليه بيع أمته
القسم الثاني : ما يبطل الشرط ويصح العقد مثل أن يشترط أن لا مهر لها أو أن ينفق عليها أو ان أصدقها رجع عليها أو تشترط عليه أن لا يطأها أو يعزل عنها أو يقسم لها من قسم صاحبتها أو أكثر أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة أو شرط لها النهار دون الليل أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئا فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها لأنها تنافي مقتضى العقد ولأنها تتضمن اسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده قلم يصح كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع فأما العقد في نفسه فصحيح لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطل كما لو شرط في العقد صداقا محرما لأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتاق فقد نص أحمد في رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة ثم رجعت وقالت لا أرضى إلا ليلة وليلة فقال : لها أن تنزل بطيب نفس منها فان ذلك جائز وإن قالت لا أرضى إلا بالمقاسمة كان ذلك حقا لها تطالبه إن شاءت
ونقل عنه الأثرم في الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها أن يأتيها في الأيام يجوز الشرط فان شاءت رجعت وقال في الرجل يتزوج المرأة على أن تنفق عليه في كل شهر خمسة دراهم أو عشرة دراهم : النكاح جائز ولها أن ترجع في هذا الشرط وقد نقل عن أحمد كلام في بعض هذه الشروط يحتمل إبطال العقد نقل عنه المروذي في النهاريات والليليات : ليس هذا من نكاح أهل الاسلام وممن كره تزويج النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة
وقال الثوري : الشرط باطل وقال أصحاب الرأي إذا سألته أن يعدل لها عدل وكان الحسن و عطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأسا وكان الحسن لا يرى بأسا أن يتزوجها على أن يجعل لها في الشهر أياما معلومة ولعل كراهة من كره ذلك راجع إلى إبطال الشرط وإجازة من أجازه راجع إلى أصل النكاح فتكون أقوالهم متفقة على صحة النكاح وإبطال الشرط كما قلنا والله أعلم
وقال القاضي إنما كره أحمد هذا النكاح لأنه يقع على وجه السر ونكاح السر منهي عنه فان شرط عليه ترك الوطء احتمل أن يفسد العقد لأنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهذا مذهب الشافعي وكذلك ان شرط عليه أن لا تسلم اليه فهو بمنزلة ما لو اشترى شيئا على أن لا يقبضه وان شرط عليها أن لا يطأها لم يفسد لأن الوطء حقه عليها وهي لا تملكه عليه ويحتمل أن يفسد لأن لها فيه حقا ولذلك تملك مطالبته به إذا آلى والفسخ إذا تعذر بالجب والعنة
القسم الثالث : ما يبطل النكاح من أصله مثل أن يشترطا تأقيت النكاح وهو نكاح المتعة أو أن يطلقها في وقت بعينه أو يعلقه على شرط مثل أن يقول زوجتك إن رضيت أمها أو فلان أو يشترط الخيار في النكاح لهما أو لأحدهما فهذه شروط باطلة في نفسها ويبطل بها النكاح وكذلك إن جعل صداقها تزويج امرأة أخرى وهو نكاح الشغار ونذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى
وذكر أبو الخطاب فيما إذا شرط الخيار إن رضيت أمها وإن جاءها بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما روايتين احداهما : النكاح صحيح والشرط باطل وقد قال أبو ثور إذا شرط الخيار وحكاه عن أبي حنيفة وزعم أنه لا خلاف فيها وقال ابن المنذر قال أحمد و اسحاق إذا تزوجها على أنه إن جاء بالمهر في وفت كذك وكذا وإلا فلا نكاح بينهما الشرط باطل والعقد جائز وهو قول عطاء و الثوري و أبو حنيفة و الأوزاعي وروي ذلك عن الزهري وروى ابن منصور عن أحمد في هذا أن العقد والشرط جائزان لقوله عليه السلام : [ المسلمون على شروطهم ]
والرواية الأخرى : يبطل العقد من أصله في هذا لأن النكاح لا يكون إلا لازما وهذا يوجب جوازه ولأنه إذا قال إن رضيت أمها أو أن جئتني في وقت كذا فقد وقف النكاح على شرط ولا يجوز وقفه على شرط وهذا قول الشافعي ونحوه عن مالك و أبي عبيد

(7/449)


فصل اشتراط الخيار في الصداق خاصة لا يبطل النكاح
فصل : وإن شرط الخيار في الصداق خاصة لم يفسد النكاح لأن النكاح ينفرد عن ذكر الصداق ولو كان الصداق حراما أو فاسدا لم يفسد النكاح فلأن لا يفسد بشرط الخيار فيه أولى ويخالف البيع فإنه إذا فسد أحد العوضين فيه فسد الآخر فإذا ثبت هذا ففي الصداق ثلاثة أوجه :
أحدها : يصح الصداق ويبطل شرط الخيار كما يفسد الشرط في النكاح ويصح النكاح والثاني : يصح ويثبت الخيار فيه لأن عقد الصداق عقد منفرد يجري مجرى الأثمان فثبت فيه الخيار كالبياعات والثالث : يبطل الصداق لأنها لم ترض به فلم يلزمها كما لم يوافقه على شيء

(7/452)


مسألة جواز النظر إلى المرأة التي يريد تزوجها
مسألة : قال : ومن أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها
لا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها وقد [ روى جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل قال فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها ] رواه أبو داود وفي هذا أحاديث كثيرة سوى هذا ولأن النكاح عقد يقتضي التمليك فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه كالنظر إلى الأمة المستامة ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغير إذنها لأن النبي صلى الله عليه و سلم أمرنا بالنظر وأطلق وفي حديث جابر فكنت أتخبأ لها وفي حديث عن المغيرة بن شعبة أنه استأذن أبويها في النظر إليها فكرهاه فأذنت له المرأة رواه سعيد ولا يجوز له الخلوة بها لأنها محرمة ولم يرد الشرع بغير النظر فبقيت على التحريم ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور ف [ إن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لا يخلون رجل بإمرأة فإن ثالثهما الشيطان ] ولا ينظر إليها نظرة نظرة تلذذ وشهوة ولا لريبة وقال أحمد في رواية صالح ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذة وله أن يردد النظر إليها ويتأمل محاسنها لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك

(7/453)


فصل إباحة النظر إلى الوجه لأنه ليس بعورة
فصل : ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها وذلك لأنه ليس بعورة وهو مجمع المحاسن وموضع النظر ولا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة وحكي عن الأوزاعي أنه ينظر إلى مواضع اللحم وعن داود أنه ينظر إلى جميعها لظاهر قوله عليه السلام : [ أنظر إليها ]
ولنا قول الله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } وروي عن ابن عباس أنه قال الوجه وبطن الكف ولأن النظر محرم أبيح للحاجة فيختص بما تدعو الحاجة إليه وهو ما ذكرنا والحديث مطلق ومن ينظر إلى وجه إنسان سمي ناظرا إليه ومن رآه عليه أثوابه سمي رائيا له كما قال الله تعالى : { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } { وإذا رآك الذين كفروا } فأما ما يظهر غالبا سوى الوجه كالكفين والقدمين ونحو ذلك مما يظهر المرأة في منزلها ففيه روايتان :
احداهما : لا يباح النظر إليه لأنه عورة فلم يبح النظر إليه كالذي لا يظهر فإن عبد الله روى [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : المرأة عورة ] حديث حسن ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه فبقي ما عداه على التحريم
والثانية : له النظر إلى ذلك قال أحمد في رواية حنبل لا بأس أن ينظر إليها وإلى ما يدعوه إلى نكاحها من يد أو جسم ونحو ذلك وقال أبو بكر لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة وقال الشافعي ينظر إلى تلوجه والكفين ووجه جواز النظر ما يظهر غالبا أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أذن في النظر إليها من غير علمها علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة إذ لا يمكن افراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور ولأنه يظهر غالبا فأبيح النظر إليه كالوجه ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم وقد روى سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال خطب عمر بن الخطاب ابنة علي فذكر منها صغيرا فقالوا له إنما ردك فعادوه فقال نرسل بها إليك تنظر إليها فرضيها فكشف عن ساقيها فقالت أرسل لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك

(7/453)


فصل أحكام نظر الرجل إلى المرأة
فصل : ويجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا كالرقبة والرأس والكفين والقدمين ونحو ذلك وليس له النظر إلى ما يستتر غالبا كالصدر والظهر ونحوهما قال الأثرم سألت أبا عبدالله عن الرجل ينظر إلىشعر امرأة أبيه أو امرأة ابنه فقال هذا في القرآن : { ولا يبدين زينتهن } إلا لكذا وكذا قلت ينظر إلى ساق امرأة أبيه وصدرها قال لا يعجبني ثم قال أنا أكره أن ينظر من أمه وأخته إلى مثل هذا وإلى كل شيء لشهوة وذكر القاضي أن حكم الرجل مع ذوات محارمه حكم الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة وقال أبو بكر كراهية أحمد النظر إلى ساق أمه وصدرها على التوقي لأن ذلك يدعو إلى الشهوة يعني أنه يكره ولا يحرم ومنع الحسن و الشعبي و الضحاك النظر إلى شعر ذوات المحارم فروي عن هند بنة الملهب قالت قلت لـ لحسن ينظر الرجل إلى قرط أخته وإلى عنقها ؟ قال لا ولا كرامة وقال الضحاك لو دخلت على أمي لقلت أيتها العجوز غطي شعرك والصحيح أنه يباح النظر إلى ما يظهر غالبا لقول الله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } الآية و [ قالت سهلة بنت سهيل يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا كان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فضلا وقد أنزل فيهم ما علمت فكيف ترى فيه ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم : أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها ] رواه أبو داود وغيره وهذا دليل على أنه كان ينظر منها إلى ما يظهر غالبا فإنها قالت يراني فضلا ومعناه في ثياب البذلة التي لا تستر أطرافها
وقال امرؤ القيس :
( فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... ولم يبق الا لبسة المتفضل )
ومثل هذا يظهر منه الأطراف والشعر فكان يراها كذلك إذا اعتقدته ولدا ثم دلهم النبي صلى الله عليه و سلم على ما يستديمون به ما كانوا يعتقدونه ويفعلونه
وروى الشافعي في مسنده عن زينب بنت أبي سلمة أنها ارتضعت من أسماء امرأة الزبير قالت فكنت أراه أبا وكان يدخل علي وأنا أمشط رأسي فيأخذ ببعض قرون رأسي ويقول أقبلي علي ولأن التحرز من هذا لا يمكن فأبيح كالوجه وما لا يظهر غالبا لا يباح لأن الحاجة لا تدعو إلى نظره ولا تؤمن معه الشهوة ومواقعه المحظور فحرم النظر إليه كما تحت السرة

(7/454)


فصل معنى ذوات المحارم وحكم النظر إليهن
فصل : وذوات محارمه كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بنسب أو رضاع أو تحريم المصاهرة بسبب مباح لما ذكرنا من حديث سالم وزينب و [ عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب فأبت أن تأذن له فقال النبي صلى الله عليه و سلم : إيذني له فإنه عمك تربت يمينك ] وقد ذكر الله تعالى آباء بعولتهن وأبناء بعولتهن كما ذكر آباءهن وأبناءهن في إبداء الزينة لهم وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية قال القاضي إنما حكى سعيد بن جبير ولم يأخذ به وقد صرح في رواية المروذي أنه محرم يجوز له المسافرة بها وقال في رواية أبي طالب : ساعة يعقد عقدة النكاح تحرم عليه أم امرأته فله أن يرى شعرها ومحاسنها ليست مثل التي يزني بها لا يحل له أبدا أن ينظر إلى شعرها ولا إلى شيء من جسدها وهي حرام عليه

(7/456)


فصل لا يحل النظر إلى أم المزني بها ولا إلى ابنتها
فصل : فأما أم المزني بها وابنتها فلا يحل له النظر إليهن وإن حرم نكاحهن لأن تحريمهن بسبب محرم فلم يفد إباحة النظر كالمحرمة باللعان وكذلك بنت الموطوءة بشبهة وأمها ليست من ذوات محارمه وكذلك الكافر ليس بمحرم لقرابته المسلمة قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت بنته لا يسافر ليس هو محرما لها والظاهر أنه أراد ليس محرما لها في السفر أما النظر فلا يجب عليها الحجاب منه لأن أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل على ابنته أم حبيبة فطوعت فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم لئلا يجلس عليه ولم تحتجب منه ولا أمرها بذلك النبي صلى الله عليه و سلم

(7/456)


فصل جواز نظر العبد إلى وجه سيدته وكفيها
فصل : وعبد المرأة له النظر إلى وجهها وكفيها لقول الله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } وروت أم سلمة [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه ] قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن أبي قلابة قال كان أزواج النبي صلى الله عليه و سلم لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار ورواه سعيد في سننه وعن أنس [ أن النبي صلى الله عليه و سلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما تلقى قال : أنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك ] رواه أبو داود وكره أبو عبد الله له أن ينظر إلى شعر مولاته وهو قول سعيد ابن المسيب و طاوس و مجاهد و الحسن وأباح له ذلك ابن عباس لما ذكرنا من الآيتين والحديثين ولأن الله تعالى قال : { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات } ـ إلى قوله ـ { ليس عليكم ولا عليهم جناح } ولأنه يشق التحرز منه فأبيح له ذلك كذوي المحارم وقال أصحاب الشافعي هو محرم حكمه حكم المحارم من الأقارب في أحد الوجهين لما ذكرنا من الدليل ولأنه محرم عليها فكان محرما كالأقارب
ولن ما روى ابن عمر قال [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : سفر المرأة مع عبدها ضيعة ] رواه سعيد ولأنها لا تحرم عليه على التأبيد ولا يحل له استمتاعها فلم يكن محرما كزوج أختها ولأنه غير مأمون عليها إذ ليست بينهما نفرة المحرمية والملك لا يقتضي النفرة الطبيعية بدليل السيد مع أمته وإنما أبيح له من النظر ما تدعو الحاجة إليه كالشاهد والمبتاع ونحوهما وجعله بعض أصحابنا كالأجنبي لما ذكرناه والصحيح ما قلنا إن شاء الله تعالى

(7/457)


فصل حكم نظر الغلام إلى المرأة
فصل : فأما الغلام فما دام طفلا غير مميز لا يجب الاستتار منه في شيء وإن عقل ففيه روايتان إحداهما : حكمه حكم ذي المحرم في النظر الثانية : له النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة لأن الله تعالى قال : { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ـ إلى قوله ـ { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض } ـ إلى قوله ـ { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } فدل على التفريق بين البالغ وغيره وقال أبو عبد الله : أو طيبة حجم نساء النبي صلى الله عليه و سلم وهو غلام ووجه الرواية الأولى : قوله أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء وقيل لأبي عبد الله متى تغطي المرأة رأسها من الغلام ؟ قال إذا بلغ عشر سنين

(7/458)


فصل مباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسهحتى الفرج
فصل : ومباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه حتى الفرج لما [ روى بهز بن حيكم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ فقال لي : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ] رواه الترمذي وقال حديث حسن ولأن الفرج يحل له الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه كبقية البدن ويكره النظر إلى الفرج ف [ إن عائشة رضي الله عنه قالت ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه و سلم قط ] رواه ابن ماجة وفي لفظ [ قالت ما رأيته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا آراه مني ] وقال أحمد في رواية حعفر بن محمد في المرأة تعقد بين يدي زوجها وفي بيتها مكشوفة في ثياب رقاق لا بأس به قلت تخرج من الدار إلى بيت مكشوفة الرأس وليس في الدار هي وزوجها فرخص في ذلك

(7/458)


فصل إباحة نظر السيد إلى جميع بدن أمته
فصل : ويباح للسيد النظر إلى جميع بدن أمته حتى فرجها لما ذكرنا في الزوجين وسواء في ذلك سريته وغيرها لأنه مباح له الاستمتاع من جميع بدنها فأبيح له النظر إليه فإن زوج أمته حرم عليه الاستمتاع والنظر منها إلى ما بين السرة والركبة لأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة ] رواه أبو داود ومفهومه إباحة النظر إلى ما عداه وأما تحريم الاستمتاع بها فلا شك فيه ولا اختلاف فإنها قد صارت مباحة للزوج ولا تحل امرأة لرجلين فإن وطئها لزمه الإثم والتغرير وإن ولدت فقال أحمد لا يلحقه الولد لأنها فراش لغيره فلا يلحقه ولدها كالأجنبية

(7/459)


فصل فيمن يباح له النظر من الأجانب
فصل : فيمن يباح له النظر من الأجانب يباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها من العورة وغيرها فإنه موضع حاجة وقد روي [ أن النبي صلى الله عليه و سلم لما حكم سعد في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم ] وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق فقال انظروا إلى مؤتزرة فلم يجدوه انبت الشعر فلم يقطعه وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها لتكون الشهادة واقعة على عينها قال أحمد لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة فله النظر إلى وجهها ليلعمها بعينها فيرجع عليها بالدرك وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة أو يستغني عن العاملة فأما مع الحاجة وعدم الشهوة فلا بأس

(7/459)


فصل تحريم النظر إلى الأجنبية بدون سبب
فصل : فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد قال أحمد لا يأكل مع مطلقته هو أجنبي لا يحل له أن ينظر إليها كيف يأكل معها ينظر إلى كفها لا يحل له ذلك وقال القاضي يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين لأنه عورة ويباح له النظر إليها مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة وهذا مذهب الشافعي لقول الله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال ابن عباس الوجه والكفين وروت عائشة [ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم في ثياب رقاق فأعرض عنها وقال : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه ] رواه أبو بكر وغيره ولأنه ليس بعورة فلم يحرم النظر إليه بغير ريبة كوجه الرجل
ولنا قول الله تعالى : { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } وقول النبي صلى الله عليه و سلم : [ إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه ] و [ عن أم سلمة قالت كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه و سلم أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي صلى الله عليه و سلم : احتجبن منه ] رواه أبو داود و [ كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاءته الخثعمية تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم وجهه عنها ] و [ عن جرير بن عبد الله قال سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري ] حديث صحيح و [ عن علي رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة ] رواهما أبو داود وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها دليل على التحريم عند عدم ذلك إذ لو كان مباحا على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه

(7/460)


فصل النظر إلى العجوز التي لا تشتهي وإلى الأمة
فصل : والعجوز التي لا يشتهى مثلها لا بأس بالنظر منها إلى ما يظهر غالبا لقول الله تعالى : { والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا } الآية قال ابن عباس في قوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } الآية قال فنسخ واستثنى من ذلك القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا الآية وفي معنى ذلك الشوهاء التي لا تشتهي

(7/461)


فصل حكم النظر إلى الأمة
فصل : والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا كالوجه والرأس واليدين والساقين لأن عمر رضي الله عنه رأى امرأة متلثمة فضربها بالدرة وقال يا لكاع تشتبهن بالحرائر وروى أبو حفص بإسناده أن عمر كان لا يدع أمة تقنع في خلافته وقال إنما القناع للحرائر ولو كان نظر ذلك منها محرما لم يمنع من ستره بل أمر به وقد روى أنس [ أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أخذ صفية قال الناس لا ندري أجعلها أم المؤمنين أم أم ولد فقالوا إن حجبها فهي أم المؤمنين وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما ركب وطأ لها خلفه ومد الحجاب بينه وبين الناس ] متفق عليه وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما وقال أصحاب الشافعي يباح النظر منها إلى ما ليس بعورة وهو ما فوق السرة وتحت الركبة وسوى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن } الآية ولأن العلة في تحرم النظر الخوف من الفتنة والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعي وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجبأم ا الفرق بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكروه افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر لكن إن كانت الأمة جملية يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الغلام الذي تخشى الفتنة بالنظر إليه قال أحمد في الأمة إذا كانت جملية تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل

(7/461)


فصل حكم النظر إلى الطفلة التي لا تصلح للنكاح
فصل : فأما الطفلة التي لا تصلح للنكاح فلا بأس بالنظر إليها قال أحمد في رواية الأثرم في رجل يأخذ الصغيرة فيضعها في حجره ويقبلها فإن كان يجد شهوة فلا وإن كان لغير شهوة فلا بأس وقد روى أبو بكر بإسناده عن عمرو بن حفص المديني أن الزبير بن العوام أرسل بإبنه له إلى عمر بن الخطاب مع مولاة له فأخذها عمر بيده وقال ابنة أبي عبد الله فتحركت الأجراس من رجلها فأخذها عمر فقطعها وقال [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : مع كل جرس شيطان ] فأما إذا بلغت حدا تصلح للنكاح كإبنة تسع فإن عورتها مخالفة لعورة البالغة بدليل قوله عليه السلام : [ لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ] فدل على صحة الصلاة ممن لم تحض مكشوفة الرأس فيحتمل أن يكون حكمها حكم ذوات المحارم كقولنا في الغلام المراهق مع النساء وقد روى أبو بكر عن ابن جريج قال [ قالت عائشة دخلت علي ابنة أخي مزينة فدخل علي النبي صلى الله عليه و سلم فأعرض فقلت يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية فقال : إذا عركت المرأة لم يجز لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى أو نحوها ] وذكر حديث أسماء [ إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه ] واحتج أحمد بهذا الحديث وتخصيص الحائض بهذا التحديد دليل على إباحة أكثر من ذلك في حق غيرها

(7/462)


فصل حكم من ذهبت شهوته من الرجال
فصل : ومن ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو عنة أو مرض لا يرجى برؤه والخصي والشيخ والمخنث الذي لا شهوة له فحكمه حكم ذوي المحرم في النظر لقول الله تعالى : { أو التابعين غير أولي الإربة } أي غير أولي الحاجة إلى النساء وقال ابن عباس هو الذي لا تستحي منه النساء وعنه هو المخنث الذي لا يقوم زبه وعن مجاهد و قتادة لا أرب له في النساء فإن كان المخنث ذا شهوة ويعرف أمر النساء فحكمه حكم غيره لأن عائشة قالت : [ دخل على أزواج النبي صلى الله عليه و سلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الأربة من الرجال فدخل علينا النبي صلى الله عليه و سلم وهو ينعت امرأة أنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا فحجبوه ] رواه أبو داود وغيره قال ابن عبد البر ليس المخنث الذي تعرف فيه الفاحشة خاصة وإنما التخنيث بشدة التأنيث في الخلقة حتى يشبه المرأة في اللين والكلام والنظر والنغمة والعقل فإذا كان كذلك لم يكن له في النساء أرب وكان لا يفطن لأمور النساء وهو من غير أولي الأربة الذين أبيح لهم الدخول على النساء الا ترى أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يمنع ذلك المخنث من الدخول على نسائه فلما سمعه يصف ابنة غيلان وفهم أمر النساء أمر بحجبه

(7/462)


فصل حكم نظر الرجل إلى الرجل
فصل : فأما الرجل مع الرجل فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة وفي حدها روايتان إحداهما : ما بين السرة والركبة والأخرى الفرجان وقد ذكرناهما في كتاب الصلاة ولا فرق بين الأمرد وذي اللحية إلا أن الأمرد إن كان جميلا يخاف الفتنة بالنظر إليه لم يجز تعمد النظر إليه وقد روي عن الشعبي قال : [ قدم وفد عبدالقيس على النبي صلى ا لله عليه وسلم وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي صلى الله عليه و سلم وراء ظهره ] رواه أبو حفص قال المروذي سمعت أبا بكر الأعين يقول قدم علينا إنسان من خراسان صديق لأبي عبد الله ومعه غلام ابن أخت له وكان جميلا فمضى إلى أبي عبد الله فحدثه فلما قمنا خلا بالرجل وقال له من هذا الغلام منك ؟ قال ابن أختي إذا جئتني لا يكون معك والذي أرى لك أن لا يمشي معك في طريق فأما الغلام الذي لم يبلغ تسعا فلا عورة له يحرم النظر إليها وقد روي [ عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه و سلم قال فجاء الحسن فجعل يتمرغ عليه فوقع مقدم قميصه أراه فقبل زبيبته ] رواه أبو حفص

(7/463)


فصل حكم نظر المرأة إلى المرأة
فصل : وحكم المرأة مع المرأة حكم الرجل مع الرجل سواء ولا فرق بين المسلمتين وبين المسلمة والذمية كما لا فرق بين الرجلين المسلمين وبين المسلم والذمي في النظر قال أحمد ذهب بعض الناس إلى أنها لا تضع خمارها عند اليهودية والنصرانية وأما أنا فأذهب إلى أنها لا تنظر إلى الفرج ولا تقلبلها حين تلد
وعن أحمد رواية أخرى أن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية ولا تدخل معها الحمام وهو قول مكحول و سليمان بن موسى لقوله تعالى : { أو نسائهن } والأول أولى لأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن قد كن يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه و سلم فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب وقد قالت عائشة جاءت يهوديه تسألها فقالت أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر الحديث و [ قالت أسماء قدمت علي أمي وهي راغبة يعني عن الإسلام فسألت رسول الله صلى الله عليه و سلم أصلها ؟ قال : نعم ] ولأن الحجب بين الرجال والنساء بمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية فوجب أن لا يثبت الحجب بينهما كالمسلم مع الذمي ولأن الحجاب إنما يجب بنص أو قياس ولم يوجد منهما فأما قوله : { أو نسائهن } فيحتمل أن يكون المراد جملة النساء

(7/464)


فصل أحكام نظر المرأة إلى الرجل
فصل : فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان احداهما : لها النظر إلى ما ليس بعورة والأخرى : لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها اختاره أبو بكر وهذا أحدقولي الشافعي لما روى الزهري عن نبهان [ عن أم سلمة قالت : كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه و سلم أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي صلى الله عليه و سلم : احتجبن منه فقلت يا رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه ضرير لا يبصر قال : أفعمياوان أنتما لا تبصرانه ؟ ] رواه أبو داود وغيره ولأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن كما أمر الرجال به ولأن السناء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياسا على الرجال يحققه أن المعنى المحرم للنظر خوف الفتنة وهذا في المرأة أبلغ فإنها أشد شهوة وأقل عقلا فتسارع الفتنة إليها أكثر
ولنا قول النبي صلى الله عليه و سلم لفاطمة بنت قيس : اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك متفق عليه و [ قالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ] متفق عليه [ ويوم فرغ النبي صلى الله عليه و سلم من خطبة العيد مضى إلى النساء فذكرهن ومعه بلال فأمرهن بالصدقة ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم ] فأما حديث نبهان فقال أحمد : نبهان روى حديثين عجبيبين يعني هذا الحديث وحديث [ إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه ] وكأنه أشار إلى ضعف حديثه إذ لم يروه إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول وقال ابن عبد البر : نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص لأزواج النبي صلى الله عليه و سلم كذلك قال أحمد و أبو داود قال الأثرم قلت لأبي عبد الله كان حديث نبهان لأزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة وحديث فاطمة لسائر الناس ؟ قال نعم : وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد في إسناده مقال

(7/465)


مسألة و فصلان
مسألة : قال : وإذا زوج أمة وشرط عليه أن تكون عندهم بالنهار ويبعث بها إليه بالليل فالعقد والشرط جائزان وعلى الزوج النفقة مدة مقامها عنده
أما الشرط فصحيح لأنه لا يخل بمقصود النكاح فإن الاستمتاع إنما يكون ليلا وإذا كان الشرط صحيحا لم يمنع العقد فيكونان صحيحين وعلى الزوج النفقة في الليل لأنها سلمت إليه فيه وليس عليه نفقة النهار لأنها في مقابلة الاستمتاع وهو لا يتمكن من الاستمتاع بها في تلك الحال وإذا لم تجب نفقة النهار على الزوج وجبت على السيد لأنها في خدمته حينئذ ولأنها باقية على الأصل في وجوبها على السيد فتكون نفقتها بينهما نصفين وكذلك الكسوة وقال بعض أصحاب الشافعي ليس على الزوج شيء من النفقة لأنها لا تجب إلا بالتمكين التام ولم يوجد فلم يجب منها شيء كالحرة إذا بذلت التسليم في بعض الزمان دون بعض ولنا أن النفقة عوض في مقابلة المنفعة فوجب منها بقدر ما يستوفيه كالأجرة في الإجارة وفارقت الحرة لأن التسليم عليها واجب في جميع ما وجب عليه فإذا امتنعت في البعض فلم تسلم ما وجب عليها تسليمه وههنا قد سلم السيد جميع ما وجب عليه
فصل : فإن زوجها من غير شرط فقال القاضي الحكم فيه كما لو شرط وله استخدامها نهارا وعليه ارسالها ليلا للاستمتاع بها لأنه زمانه وذلك لأن السيد يملك من أمته منفعتين منفعة الاستخدام والاستمتاع فإذا عقد على احداهما لم يلزمه تسليمها إلا في زمن استيفائها كما لو أجرها للخدمة لم يلزمه تسليمها إلا في زمنها وهو النهار والنفقة بينهما على قدر إقامتها عندهما وإن تبرع السيد بإرسالها ليلا ونهارا فالنفقة كلها على الزوج وإن تبرع الزوج بتركها عند السيد ليلا ونهارا لم تسقط نفقتها عنه ولو تبرع كل واحد منهما بتركها عند الآخر وتدافعاها كانت نفقتها كلها على الزوج لأن الزوجية تقتضي وجوبها ما لم يمنع من استمتاعها عدوانا أو بشرط أو نحوه ولذلك تجب نفقتها مع تعذر استمتاعها بمرض أو حيض أو نحوهما فإذا لم يكن من السيد ههنا منع فالنفقة على الزوج لوجود الزوجية المقتضية لها وعدم المانع منها
فصل : فإن أراد الزوج السفر بها لم يملك ذلك لأنه يفوت خدمتها المستحقة لسيدها وإن أراد السيد السفر بها فقد توقف احمد عن ذلك وقال ما أدري فيحتمل المنع منه لأنه يفوت حق الزوج منها فمنع منه قياسا على ما لو منعه منه مع الإقامة ولأنه مالك لإحدى منفعيتها فلم يملك منع الآخر من السفر بها كالسيد وكما لو أجرها ثم أراد السفر بها ويحتمل أن له السفر بها لأنه مالك رقبتها كسيد العبد إذا زوجه وإن شرط الزوج أن تسلم إليه الأم ليلا ونهارا جاز وعليه نفقتها كلها وليس للسيد السفر بها لأنه حق له في بعضها

(7/466)


فصل استحباب اختيار ذات الدين لمريد التزويج
فصل : ويستحب لمن أراد التزويج أن يختار ذات الدين لقول النبي صلى الله عليه و سلم : [ تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يدالك ] متفق عليه ويختار البكر ل [ قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : أتزوجت يا جابر ؟ قال قلت نعم قال : بكرا أم ثيبا ؟ قال قلت بل ثيبا قال : فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ؟ ] متفق عليه وعن عطاء [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنقى أرحاما ] رواه الإمام أحمد في رواية : [ وانتق أرحاما وأرض باليسير ] ويستحب أن تكون من نساء يعرفن بكثرة الولادة لما روي عن أنس قال [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ] رواه سعيد وروى معقل بن يسار قال [ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب إلا أنها لا تلد أفأتزوجها ؟ فنهاه ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم ] رواه النسائي
وعن علي بن الحسن [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : يا بني هاشم عليكم بنساء الأعاجم فالتمسوا أولادهن فإن في أرحامهن البركة ] ويختار الجميلة لأنها أسكن لنفسه وأغض لبصره وأكمل لمودته ولذلك شرع النظر قبل النكاح وقد روي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم [ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : إنما النساء لعب فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها ]
وعن أبي هريرة قال [ قيل يا رسول الله أي النساء خير ؟ قال : التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره ] رواه النسائي وعن يحيى بن جعدة [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة جميلة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها ] رواه سعيد
ويختار ذات العقل ويجتنب الحمقاء لأن النكاح يراد للعشرة ولا تصلح العشرة مع الحمقاء ولا يطيب العيش معها وربما تعدى ذلك إلى ولدها وقد قيل اجتنبوا الحمقاء فإن ولدها ضياع وصحبتها بلاء ويختار الحسيبة ليكون ولدها نجيبا فإنه ربما أشبه أهلها ونزع إليهم وكان يقال : إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها وعن عائشة قالت [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم ]
ويختار الأجنبية فإن ولدها أنجب ولهذا يقال اغتربوا لا تضووا يعني أنكحوا الغرائب كيلا تضعف أولادكم وقال بعضهم : الغرائب أنجب وبنات العم أصبر ولأنه لا تؤمن العدواة في النكاح وإفضاؤه إلى الطلاق فإذا كان في قرابته أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصلبها والله أعلم

(7/468)


باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه وغير ذلك
التحريم للنكاح ضربان : تحريم عين وتحريم جمع ويتنوع أيضا نوعين تحريم نسب وتحريم سبب والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع فأما الكتاب فقول الله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } والآية التي قبلها والتي بعدها وأما السنة فروى أبو هريرة [ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ولا بينها وبين خالتها ] متفق عليه و [ عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ] أخرجه مسلم وأجمعت الأمة على تحريم ما نص الله تعالى على تحريمه

(7/470)


مسألة المحرمات نكاحهن بالأنساب
مسألة : قال : والمحرمات نكاحهن بالأنساب : الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والمحرمات بالأسباب : الأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء اللاتي دخل بهن وحلائل الأبناء وزوجات الأب والجمع بين الأختين
وجملة ذلك أن المنصوص على تحريمهن في الكتاب أربع عشرة : سبع بالنسب واثنتان بالرضاع وأربع بالمصاهرة وواحدة بالجمع فأما اللواتي بالنسب فأولادهن الأمهات وهن كل من انتسب إليها بولادة سواء وقع عليهاإسم الأم حقيقة وهي التي ولدتك أو مجازا وهي التي ولدت من ولدك وإن علت من ذلك جدتاك أم أمك وأم أبيك وجدتا أمك وجدتا أبيك وجدات جداتك وجدات أجدادك وإن علوا واراثت كن أو غير وارثات كلهن أمهات محرمات
ذكر أبو هريرة هاجر أم اسماعيل فقال تلك أمكم يا بني ماء السماء وفي الدعاء اللهم صل على أبينا آدم وأمنا حواء والبنات وهن كل أنثى انتسبت إليك بولادتك كابنة الصلب وبنات البنين والبنات وإن نزلت درجتهن وارثات أو غير وارثات كلهن بنات محرمات لقوله تعالى : { وبناتكم } فإن كل امرأة بنت آدم كما أن كل رجل ابن آدم قال الله تعالى : { يا بني آدم } والأخوات من الجهات الثلاث من الأبوين أو من الأب أو من الأم لقوله تعالى : { وأخواتكم } ولا تفريع عليهن والعمات أخوات الأب من الجهات الثلاث وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم قريبا كان الجد أو بعيدا وارثا أو غير وارث لقوله تعالى : { وعماتكم } والخالات أخوات محرمة لقوله : { وخالاتكم } وبنات الأخ كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة فهي بنت أخ محرمة من أي جهة كان الأخ لقوله تعالى : { وبنات الأخ } وبنات الأخت كذلك أيضا محرمات لقوله سبحانه : { وبنات الأخت } فهؤلاء المحرمات بالأنساب
النوع الثاني : المحرمات تحريم السبب وهو قسمان : رضاع ومصاهرة فأما الرضاع فالمنصوص على التحريم فيه اثنتان الأمهات المرضعات وهن اللاتي أرضعنك وأمهاتهن وجداتهن وإن علت درجتهن على حسب ما ذكرنا في النسب محرمات بقوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } كل امرأة أرضعتك أمها أو أرضعتها أمك أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة أو أرتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد كرجل له امرأتان لهما منه لبن أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى فهي أختك محرمة عليك لقوله سبحانه : { وأخواتكم من الرضاعة }
القسم الثاني : تحريم المصاهرة والمنصوص عليه أربع : أمهات النساء فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة بمجرد العقد نص عليه أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وعمران بن حصين وكثير من التابعين وبه يقول مالك و الشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن علي رضي الله عنه أنها لا تحرم بالدخول كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول
ولنا قول الله تعالى : { وأمهات نسائكم } والمعقود عليها من نسائه فتدخل أمها في عموم الآية قال ابن عباس أبهموا ما أبهم القرآن يعني عمموا حكمها في كل حال ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من تزوج امرأة فطلقها قبل أن دخل بها لا بأس أن يتزوج ربيبته ولا يحل له أن يتزوج أمها ] رواه أبو حفص بإسناده وقال زيد تحرم بالدخول أو بالموت لأنه يقوم مقام الدخول وقد ذكرنا ما يوجب التحريم مطلقا سواء وجد الدخول أو الموت أو لا ولأنها حرمت بالمصاهرة بقول مبهم فحرمت بنفس العقد كحليلة الابن والأب
الثانية : بنات النساء اللاتي دخل بهن وهن الربائب فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة وارثة أو غير وارثة على حسب ما ذكرنا في البنات إذا دخل بالأم حرمت عليه سواء كانت في حجرة أو لم تكن في قول عامة الفقهاء إلا أنه روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجرة وهو قول داود لقول الله تعالى : { وربائبكم اللاتي في حجوركم } قال ابن المنذر وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول
وقد ذكرنا حديث عبد الله بن عمرو في هذا و [ قال النبي صلى الله عليه و سلم لأم حبيية : لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن ] ولأن التربية لا تأثير لها في التحريم كسائر المحرمات فأما الآية فلم تخرج مخرج الشرط وإنما وصفها بذلك تعريفا لها بغالب حالها وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه وإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها في قول عامة علماء الأمصار إذ بانت من نكاحه إلا أن يموت قبل الدخول ففيه روايتان إحداهما : تحرم ابنتها وبه قال زيد بن ثابت وهي اختيار أبي بكر لنأ الموت أقيم مقام الدخول في تكميل العدة والصداق فيقوم مقامه في تحريم الربيبة والثانية : لا تحرم وهو قول علي ومذهب عامة العلماء قال ابن المنذر وأجمع عوام علماء الأمصار أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج ابنتها كذلك قال مالك و الثوري و الأوزاعي و الشافعي و أحمد و إسحاق و أبو ثور ومن تبعهم لأن الله تعالى قال : { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } وهذا نص لا يترك لقياس ضعيف وحديث عبد الله بن عمر وقد ذكرناه ولأنها فرقة قبل الدخول فلم تحرم الربيبة كفرقة الطلاق والموت لا يجري مجرى الدخول في الإحصان والإحلال وعدة الإقراء وقيامه مقامه من وجه ليس بأولى من مفارقته إياه من وجه آخر ولو قام مقامه من كل وجه فلا يترك صريح نص عليه الله تعالى ونص رسوله لقياس ولا غيره إذا ثبت هذا فإن الدخول بها هو وطؤها كنى عنه بالدخول فإن خلا بها ولم يطأها لم تحرم ابنتها لأنها غير مدخول بها وظاهر قول الخرقي تحريمها لقوله فإن خلا بها وقال لم أطأها وصدقته لم يلتفت إلى قولها وكان حكمها حكم الدخول في جميع أمورها إلا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثا وفي الزنا فإنهما يجلدان ولا يرجمان وسنذكره فيما بعد إن شاء الله والثالثة : حلائل الأبناء يعني أزواجهم سميت امرأة الرجل حليلة لأنها محل إزار زوجها وهي محللة له فيحرم على الرجل أزواج ابنائه وابناء بناته من نسب أو رضاع قريبا كان أو بعيدا بمجرد العقد لقوله تعالى : { وحلائل أبنائكم } ولا نعلم في هذا خلافا الرابعة : زوجات الأب فتحرم على الرجل امرأة أبيه قريبا كان أو بعيدا وارثا كان أو غير وارث من نسب أو رضاع لقوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } و [ قال البراء بن عازب لقيت خالي ومعه الراية فقلت أين تريد ؟ قال أرسلني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله ] رواه النسائي وفي رواية قال لقيت عمي الحارث بن عمرو ومعه الراية فذكر الخبر كذلك رواه سعيد وغيره وسواء في هذا امرأة أبيه أو امرأة جده لأبيه وجده لأمه قرب أم بعد وليس في هذا بين أهل العلم خلافا علمناه والحمد لله ويحرم عليه من وطئها أبوه أو ابنه بملك يمين أو شبهة كما يحرم عليه من وطئها في عقد نكاح قال ابن المنذر الملك في هذا والرضاع بمنزلة النسب وممن حفظنا ذلك عنه عطاء و طاوس و الحسن و ابن سيرين و مكحول و قتادة و الثوري و الأوزاعي و أبو عبيد و أبو ثور وأصحاب الرأي ولا نحفظ عن أحد خلافهم الضرب الثاني : تحريم الجمع والمذكور في الكتاب الجمع بين الأختين سواء كانتا من نسب أو رضاع حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة من أبوين كانتا أو من أب أو أم وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده لعموم الآية فإن تزوجهما في عقد واحد فسد لأنه لا مزية لأحدهما على الأخرى وسواء علم بذلك حال العقد أو بعده فإن تزوج إحداهما في عقد الأخرى فنكاح الأولى صحيح لأنه لم يحصل فيه جمع ونكاح الثانية باطل لأنه به يحصل الجمع وليس في هذا بحمد الله اختلاف وليس عليه تفريع

(7/470)


مسألة بيان ما يحرم من الرضاع
مسألة : ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
كل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات بونات الأخ وبنات الأخت على الوجه الذي شرحناه في النسب لقول النبي صلى الله عليه و سلم : [ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ] وفي رواية مسلم : [ الرضاع يحرم ما تحرم الولادة ] و [ قال النبي صلى الله عليه و سلم في درة بنت أبي سلمة : إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وإياها ثويبة ] متفق عليه لأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر المحرمات ولا نعلم في هذا خلافا

(7/475)


مسألة التحريم بلبن الفحل
مسألة : قال : ولبن الفحل محرم
معناه أن المرأة أرضعت طفلا بلبن ثاب من وطء رجل حرم الطفل على الرجل وأقاربه كما يحرم ولده من النسب لأن اللبن من الرجل كما هو من المرأة فيصير الطفل ولد الرجل والرجل أباه وأولاد الرجل إخوته سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته وآباؤه وأمهاته أجداده وجداته قال أحمد لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان فترضع هذه صبية وهذه صبيا لا يزوج هذا من هذا وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما فقال لا اللقاح واحد قال الترمذي هذا تفسير لبن الفحل وممن قال بتحريمه علي وابن عباس و عطاء و طاوس و مجاهد و الحسن و الشعبي و القاسم و عروة و مالك و الثوري و الأوزاعي و الشافعي و إسحاق و أبو عبيد و أبو ثور و ابن المنذر وأصحاب الرأي قال ابن عبد البر وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وجماعة أهل الحديث ورخص في لبن الفحل سعيد بن المسيب و أبو سلمة بن عبد الرحمن و سليمان بن يسار و عطاء بن يسار و النخعي وأبو قلابة ويروى ذلك عن ابن الزبير وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم غير مسمين لأن الرضاع من المرأة لا من الرجل ويروى عن زينب بنت أبي سلمة أنها أرضعتها أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير قالت وكان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي فيقول اقبلي علي فحدثيني أراه والدا وما ولد فهم إخوتي ثم أن عبد الله بن الزبير أرسل يخطب إلي أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية فقلت لرسوله وهل تحل له وإنما هي ابنة أخيه فقال عبد الله إنما أردت بهذا المنع لما قبلك أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك وما كان من غير أسماء فليسوا لك بإخوة فارسلي فسلي عن هذا فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم متوافرون فقالوا لها ان الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا فأنكحتها إياه فلم تزل عنده حتى هلك عنها
ولنا ما [ روت عائشة رضي الله عنها أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعد ما أنزل الحجاب فقلت والله لا آذن له حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فدخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قال : ائذني له فإنه عمك تربت يمينك ] قال عروة فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول [ حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب ] متفق عليه وهذا نص قاطع في محل النزاع فلا يعول على ما خالفه فأما حديث زينب فإن صح فهو حجة لنا فإن الزبير كان يعتقد أنها ابنته وتعتقده أباها والظاهر أن هذا كان مشهورا عندهم وقوله مع إقرار أهل عصره أولى من قول ابنه وقول قوم لا يعرفون

(7/476)


مسألة حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها
مسألة : قال : والجمع بين المرأة وبين عمتها وبينها وبين خالتها
قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول به وليس فيه بحمد الله اختلاف إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافا وهو الرافضة والخوارج لم يحرموا ذلك ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي ما روى أبو هريرة قال [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ] متفق عليه وفي رواية أبي داود : [ لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى ] ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم وهذا موجود فيما ذكرنا فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } خصصناه بما رويناه وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز فكان مما أنكر عليه رجم الزاني وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها وقالا ليس هذا في كتاب الله تعالى فقال لهما : كم فرض الله عليكم من الصلاة ؟ قالا خمس صلوات في اليوم والليلة وسألهما عن عدد ركعاتها فأخبراه بذلك وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها فأخبراه فقال فهل تجدان ذلك في كتاب الله ؟ قالا لا نجده في كتاب الله قال فمن أين صرتما إلى ذلك ؟ قالا فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون بعده قال فكذلك هذا ثم لا فرق بين الخالة والعمة حقيقة أو مجازا كعمات آبائها وخالاتهم وعمات أمهاتها وخالاتهن وإن علت درجتهن من نسب كان ذلك أو من رضاع فكل شخصين لا يجوز لاحدهما أن يتزوج الآخر لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لأجل القرابة لا يجوز الجمع بينهما لتأدية ذلك إلى قطيعة الرحم القريبة لكا في الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر ولا يجوز الجمع بين المرأة وأمها فيي العقد لما ذكرناه ولأن الأم إلى ابنتها أقرب من الأختين فإذا لم يجمع بين الأختين فالمرأة وابنتها أولى

(7/478)


فصل لا يحرم الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال
فصل : ولا يحرم الجمع بين ابنتي العم وابنتي الخال في قول عامة أهل العلم لعدم النص فيهما بالتحريم ودخولهما في عموم قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ولأن احداهما تحل لها الأخرى لو كانت ذكرا وفي كراهة ذلك روايتان إحاهما : يكره روي ذلك عن ابن مسعود وبه قال جابر بن زيد و عطاء و الحسن و سعيد بن عبد العزيز وروى أبو حفص بإسناده عن عيسى بن طلحة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تزوج المرأة على ذي قرابتها كراهية القطيعة ولأنه مفض إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها فأقل أحواله الكراهة
والأخرى : لا يكره وهو قول سليمان بن يسار و الشعبي و حسين بن حسن و الأوزاعي و الشافعي و إسحاق و أبي عبيد لأنه ليست بينهما قرابة تحرم الجمع فلا يقتضي كراهته كسائر الأقارب

(7/479)


مسألة ما ينتشر إليه التحريم بسبب العقد على المرأة
مسألة : قال : وإذا عقد على المرأة ولم يدخل بها فقد حرمت على ابنه وأبيه وحرمت عليه أمها والجد وإن علا فيما قلت بمنزلة الأب وابن الابن فيه وإن سفل بمنزلة الابن
وجملة ذلك أن المرأة إذا عقد الرجل النكاح عليها حرمت على أبيه بمجرد العقد عليها لقول الله تعالى : { وحلائل أبنائكم } وهذه من حلائل ابنائه وتحرم على أبيه لقوله سبحانه : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } وهذه قد نكحها أبوه وتحرم أمها عليه لقوله سبحانه : { وأمهات نسائكم } وهذه منهن وليس في هذا اختلاف بحمد الله إلا شيء ذكرناه فيم تقدم والجد كالأب في هذا وابن الابن كالابن فيه لأنهم يدخلون في اسم الآباء والأبناء وسواء في هذا القريب والبعيد والوارث وغيره من قبل الأب والأم ومن ولد البنين أو ولد البنات وقد تقدم ذلك

(7/480)


مسألة بنات المحرمات من النسب والرضاع كهن
مسألة : قال : وكل من ذكرنا من المحرمات من النسب والرضاع فبناتهن في التحريم كهن إلا بنات العمات والخالات وبنات من نكحهن الآباء والأبناء فإنهن محللات وكذلك بنات الزوجة التي لم يدخل بها
وجملة ذلك أن كل محرمة تحرم ابنتها لتناول التحريم لها فالأمهات تحرم بناتهن لأنهن أخوات أو عمات أو خالات والبنات يحرم بناتهن لأنهن بنات ويحرم بنات الأخوات وبناتهن لأنهن بنات الأخت وكذلك بنات بنات الأخ إلا بنات العمات والخالات فلا يحرمن بالإجماع لقول الله تعالى : { وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك } فأحلهن الله لنبيه عليه السلام ولأنهن لم يذكرن في التحريم فيدخلن في قول الله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } وكذلك لا يحرم بنات زوجات الآباء والأبناء لأنهن حرمن لكونهن حلائل الآباء والأبناء ولم يوجد ذلك في بناتهن ولا وجدت فيهن علة أخرى تقتضي تحريمهن فدخلن في قوله سبحانه : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } وكذلك بنات الزوجة التي لم يدخل بها محللات لقوله سبحانه : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } وهن الربائب وليس هؤلاء ممن حرمت أمهن وإنما ذكرها لأنها محللة فيشتبه حكمها فإن قيل : فلم حرمت ابنة الربيبة ولم تحرم ابنة حليلة الابن ؟ قلنا لأن ابنة الربيبة وابنة الحليلة ليست حليلة ولأن علة تحريم الربيبة أنه يشق التحرز من النظر إليها والخلوة بها بكونها في حجره في بيته وهذا المعنى يوجد في بنتها وإن سفلت والحليلة حرمت بنكاح الأب والإبن لها ولا يوجد ذلك في ابنتها

(7/481)


مسألة وفصلان حكم وطء الحرام وأنواع الوطء
مسألة : قال : ووطء الحرام محرم كما يحرم وطء الحلال والشبهة
يعني انه يثبت به تحريم المصاهرة فإذا زنى بإمرأة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وابنتها كما لو وطئها بشبهة أو حلالا ولو وطىء أم امرأته أو بنتها حرمت عليه امرأته نص أحمد على هذا في رواية جماعة وروي نحو ذلك عن عمران بن حصين وبه قال الحسن و عطاء و طاوس و مجاهد و الشعبي و النخعي و الثوري و إسحاق وأصحاب الرأي
وروى عن ابن عباس أن وطء الحرام لا يحرم وبه قال سعيد بن المسيب و يحيى بن يعمر و عورة و الزهري و مالك و الشافعي و أبو ثور و ابن المنذر لما روي [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : لا يحرم الحرام الحلال ] ولأنه وطء لا تصير به الموطوءة فراشا فلا يحرم كوطء الصغيرة
ولنا قوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } والوطء يسمى نكاحا قال الشاعر : ( إذا زنيت فأجد نكاحا ( فحمل في عموم الآية وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء وهو قوله سبحانه وتعالى : { إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا } وهذا التغليط إنما يكون في الوطء وروي [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ] وروى ا الجوزجاني بإسناده عن وهب بن منبه قال : ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها فذكرته لـ سعيد بن المسيب فأعجبه ولأن ما تعلق من التحريم بالوطء المباح تعلق بالمحظور كوطء الحائض ولأن النكاح عقد يفسده الوطء بالشبهة فأفسده الوطء الحرام كالإحرام وحديثهم لا نعرف صحته وإنما هو من كلام ابن أشوع بعض قضاة العراق كذلك قال الإمام أحمد وقيل أنه من قول ابن عباس ووطء الصغيرة ممنوع ثم يبطل بوطء الشبهة
فصل : والوطء على ثلاثة أضرب : مباح وهو الوطء في نكاح صحيح أو ملك يمين فيتعلق به تحريم المصاهرة بالإجماع ويعتبر محرما لمن حرمت عليه لأنها حرمت عليه على التأبيد بسبب مباح أشبه النسب الثاني : الوطء بالشبهة وهو الوطء في نكاح فاسد أو شراء فاسد أو وطء امرأة ظنها امرأته أو أمته أو وطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وأشباه هذا يتعلق به التحريم كتعلقه بالوطء المباح إجماعا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطىء امرأة بنكاح فاسد أو بشراء فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وأجداده وولد ولده وهذا مذهب مالك و الأوزاعي و الثوري و الشافعي و أحمد و إسحاق و أبي ثور وأصحاب الرأي و لأنه وطء يلحق به النسب فأثبت التحريم كالوطء المباح ولا يصير الرجل محرما لمن حرمت عليه ولا يباح له به النظر إليها لأن الوطء ليس بمباح ولأن المحرمية تتعلق بكمال حرمة الوطء لأنها إباحة ولأن الموطوءة لم يستبح النظر إليها فلأن لا يستبيح النظر إلى غيرها أولى
الثالث : الحرام المحض وهو الزنا فيثبت به التحريم على الخلاف المذكور ولا تثبت به المحرمية ولا إباحة النظر لأنه إذا لم يثبت بوطء الشبهة فالحرام المحض أولى ولا يثبت به نسب ولا يحب به المهر إذا طاوعته فيه
فصل : ولا فرق فيما ذكرنا بين الزنا في القبل والدبر لأنه يتعلق به التحريم فيما إذا وجد في الزوجة والأمة فكذلك في الزنا فإن تلوط بغلام فقال بعض أصحابنا يتعلق به التحريم أيضا فيحرم على اللائط أم الغلام وابنته وعلى الغلام أم اللائط وابنته قال ونص عليه أحمد وهو قول الأوزاعي لأنه وطء في الفرج فنشر الحرمة كوطء المرأة ولأنها بنت من وطئه وأمه فحرمتا عيه كما لو كانت الموطوءة أنثى وقال أبو الخطاب يكون ذلك كالمباشرة دون الفرج يكون فيه روايتان والصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة فإن هؤلاء غير منصوص عليهن في التحريم فيدخلن في عموم قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ولأنهن غير منصوص عليهن ولا في معنى المنصوص عليه فوجب أن لا يثبت حكم التحريم فيهن فإن المنصوص عليهن في هذا حلائل الأبناء ومن نكحهن الآباء وأمهات النساء وبناتهن وليس هؤلاء منهن ولا في معناهن لأن الوطء في المرأة يكون سببا للبضعية ويوجب المهر ويلحق به النسب وتصير به المرأة فراشا ويثبت أحكاما لا يثبتها اللواط فلا يجوز إلحاقه بهن لعدم العلة وانقطاع الشبهة ولذلك لو أرضع الرجل طفلا لم يثبت حكم التحريم فههنا أولى وإن قدر بينهما شبه من وجه ضعيف فلا يجوز تخصيص عموم الكتاب به واطراح النص بمثله

(7/482)


فصل يحرم على الرجل نكاح بنته من الزنا إلخ
فصل : ويحرم على الرجل نكاح بنته من الزنا وأخته وبنت ابنه وبنت بنته وبنت أخيه وأخته من الزنا وهو قول عامة الفقهاء وقال مالك و الشافعي في المشهور من مذهبه يجوز ذلك كله لأنها أجنبية منه ولا تنسب إليه شرعا ولا يجري التوارث بينهما ولا تعتق عليه إذا ملكها ولا تلزمه نفقتها فلم تحرم عليه كسائر الأجانب
ولنا قول الله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم } وهذه بنته فإنها أنثى مخلوقة من مائة هذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة ويدل على ذلك [ قول النبي صلى الله عليه و سلم في امرأة هلال بن أمية : انظروه يعني ولدها فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء ] يعني الزاني ولأنها مخلوقة من مائة وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة فأشبهت المخلوقة من وطء بشبهة ولأنها بضعة منه فلم تحل له كبنته من النكاح وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتا كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين إذا ثبت هذا فلا فرق بين علمه بكونها منه مثل أن يطأ امرأة في طهر لم يصبها فيه غيره ثم يحفظها حتى تضع أو مثل أن يشترك جماعة في وطء امرأة فتأتي بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره ؟ فإنها تحرم على جميعهم لوجهين :
أحدهما : أنها بنت موطوءتهم والثاني : أننا تعلم أنها بنت بعضهم فتحرم على الجميع كما لو زوج الوليان ولم يعلم السابق منهما وتحرم على أولادهم لأنها أخت بعضهم غير معلوم فإن ألحقتها القافة بأحدهم حلت لأولاد الباقين ولم تحل لأحد ممن وطىء أمها لأنها في معنى ربيبته

(7/485)


فصل حكم وطء الميتة
فصل : ووطء الميتة يحتمل وجهين أحدهما : ينشر الحرمة لأنه معنى ينشر الحرمة المؤبدة فلم يختص بالحياة كالرضاع والثاني : لا ينشرها وهو قول أبي حنيفة و الشافعي لأنه ليس بسبب للبضعية ولأن التحريم يتعلق بإستيفاء منفعة الوطء والموت يبطل المنافع وأما الرضاع فيحرم لما يحصل به من انبات اللحم وانشاز العظم وهذا يحصل من لبن الميتة وفي وطء الصغيرة أيضا وجهان أحدهما : ينشرها وهو قول أبي يوسف لأنه وطء لآدمية حية في ا لقبل أشبه وطء الكبيرة والثاني : لا ينشرها وهو قول أبي حنيفة لأنه ليس بسبب للبضعية أشبه وطء الميتة

(7/486)


فصل حكم من باشر فيما دون الفرج
فصل : فأما المباشرة فيما دون الفرج فإن كانت لغير شهوة لم تنشر الحرمة بغير خلاف نعلمه وإن كانت لشهوة وكانت في أجنبية لم تنشر الحرمة أيضا قال الجوزجاني سألت أحمد عن رجل نظر إلى أم امرأته في شهوة أو قبلها أبو باشرها فقال أنا أقول لا يحرمه شيء من ذلك إلا الجماع وكذلك نقل أحمد بن القاسم و إسحاق ابن منصور وإن كانت المباشرة لامرأة محللة له كامرأته أو مملوكته لم تحرم عليه ابنتها قال ابن عباس لا يحرم الربيبة إلا جماع أمها وبه قال طاوس و عمرو بن دينار لأن الله تعالى قال : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } وهذا ليس بدخول فلا يجوز ترك النص الصريح من أجله وأما تحريم أمها وتحريمها على أبي المباشر لها وابنه فإنها في النكاح تحرم بمجرد العقد قبل المباشرة فلا يظهر للمباشرة أثر وأما الأمة فمتى باشرها دون الفرج لشهوة فهل يثبت تحريم المصاهرة ؟ فيه روايتان إحداهما : ينشرها روي ذلك عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو ومسروق وبه قال القاسم و الحسن و مكحول و النخعي و الشعبي و مالك و الأوزاعي و أبو حنيفة وعلي بن المديني وهو أحد قولي الشافعي لأنه نوع استمتاع فتعلق به تحريم المصاهرة كالوطء في الفرج ولأنه تلذذ بمباشرة يتعلق به التحريم كما لو وطىء والثانية : لا يثبت به التحريم لأنها ملامسة لا توجب الغسل فلم يثبت بها التحريم كما لو لم يكن بشهوة لأن ثبوت التحريم إما أن يكون بنص أو قياس على المنصوص ولا نص في هذا ولا هو في معنى المنصوص عليه ولا المجمع عليه فإن الوطء يتعلق به من الأحكام استقرار المهر والإحصان والإغتسال والعدة وإفساد الإحرام والصيام بخلاف اللمس وذكر أصحابنا الروايتين في جميع الصور من غير تفصيل وهذا الذي ذكرناه أقرب إلى الصواب إن شاء الله سبحانه

(7/486)


فصل حكم ما لو نظر إلى فرج امرأة بشهوة
فصل : ومن نظر إلى فرج امرأة بشهوة فهو كلمسها لشهوة فيه أيضا روايتان إحداهما : ينشر الحرمة في ا لموضع الذي ينشرها اللمس روي عن عمر وابن عمر وعامر بن ربيعة وكان بدريا وعبد الله بن عمرو فيمن يشتري الخادم ثم يجردها أو يقبلها لا يحل لابنه وطؤها وهو قول القاسم و الحسن و مجاهد و مكحول و حماد بن أبي سليمان و أبي حنيفة لما روى عبد الله بن مسعود [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها وابنتها ] وفي لفظ : [ لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ] والثانية : لا يتعلق به التحريم وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم لقوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ولأنه نظر من غير مباشرة فلم يوجب التحريم كالنظر إلى الوجه والخبر ضعيف قاله الدار قطني وقيل هو موقوف على ابن مسعود ثم يحتمل أنه كني بذلك عن الوطء وأما النظر إلى سائر البدن فلا ينشر حرمة وقال بعض أصحابنا لا فرق بين النظر إلى الفرج وسائر البدن لشهوة والصحيح خلاف هذا فإن غير الفرج لا يقاس عليه لما بينهما من الفرق ولا خلاف نعلمه في أن النظر إلى الوجه لا يثبت الحرمة فكذلك غيره ولا خلاف أيضا في أن النظر إذا وقع من غير شهوة لا ينشر حرمة لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر إذا كان لغير شهوة فالنظر أولى وموضع الخلاف في اللمس والنظر فيمن بلغت سنا يمكن الاستمتاع منها كابنة تسع فما زاد فأما الطفلة فلا يثبت فيها ذلك وقد روي عن أحمد في بنت سبع إذا قبلها حرمت عليه أمها قال القاضي هذا عندي محمول على السن الذي توجد معه الشهوة

(7/487)


فصل حكم ما لو نظرت المرأة إلى فرج رجل بشهوة
فصل : فإن نظرت المرأة إلى فرج رجل لشهوة فحكمه في ا لتحريم حكم نظره إليها نص عليه أحمد لأنه معنى يوجب التحريم فاستوى فيه الرجل والمرأة كالجماع وكذلك ينبغي أن يكون حكم لمسها له وقبلتها إياه لشهوة لما ذكرنا

(7/488)


فصل حكم الخلوة بالمرأة
فصل : فأما الخلوة بالمرأة فالصحيح أنها لا تنشر حرمة وقد روي عن أحمد إذا خلا بالمرأة وجب الصداق والعدة ولا يحل له أن يتزوج أمها وابنتها قال القاضي هذا محمول على أنه حصل مع الخلوة مباشرة فيخرج كلامه على إحدى الروايتين اللتين ذكرناهما فأما مع خلوة من ذلك فلا يؤثر في تحريم الربيبة لما في ذلك من مخالفة قوله سبحانه : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } وقوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } وأما الخلوة بأجنبية أو أمته فلا تنشر تحريما لا نعلم في ذلك خلافا وكل من حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين لأنه إذا حرم العقد المراد للوطء أولى

(7/488)


مسألة و فصلان : حكم ما لو تزوج اختين في عقد واحد وفي عقدين وحكم المهر
مسألة : قال : وإن تزوج أختين من نسب أو رضاع في عقد واحد فسد وإن تزوجهما في عقدين فالأولى زوجته والقول فيهما القول في المرأة وعمتها والمرأة وخالتها
وجملة ذلك أن الجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها محرم فمن جمع بينهما فعقد عليهما معا لم يصح العقد في واحدة منهما لأنه لا يمكن تصحيحه فيهما ولا مزية لاحداهما على الأخرى فيبطل فيهما كما لو زوجت المرأة لرجلين وهكذا لو تزوج خمسة في عقد واحد بطل في الجميع لذلك وإن تزوجهما في عقدين فنكاح الأولى صحيح لأنه لا جمع فيه ونكاح الثانية باطل لأن الجمع يحصل به فالعقد على الأولى تحرم الثانية ولا يصح عقده عليها حتى تبين الأولى منه ويزول نكاحها وعدتها
فصل : فإن تزوجهما في عقدين ولم يدر أولاهما فعليه فرقتهما معا قال أحمد في رجل تزوج أختين لا يدري أيتهما تزوج أولا : نفرق بينه وبينهما وذلك لأن احداهما محرمة عليه ونكاحها باطل ولا تعرف المحللة له فقد اشتبهتا عليه ونكاح احداهما يصح ولا تتيقن ببنونتها منه إلا بطلاقهما جميعا أو فسخ نكاحهما فوجب ذلك كما لو زوج الوليان ولم يعرف الأول منهما وإن أحب أن يفارق احداهما ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها فلا بأس وسواء فعل ذلك بقرعة أو بغير قرعة ولا يخلو من ثلاثة أقسام أحدها : أن لا يكون دخل بواحدة منهما فله أن يعقد على احداهما في الحال بعد فراق الأخرى الثاني : إذا دخل باحداهما فإن أراد نكاحها فارق التي لم يصبها بطلقة ثم ترك المصابة حتى تنقضي عدتها ثم نكحها لأننا لا نأمن أن تكون هي الثانية فيكون قد أصابها في نكاح فاسد فلهذا اعتبرنا انقضاء عدتها ويحتمل أن يجوز له العقد عليها في الحال لأن النسب لا حق به ولا يصان ذلك عن مائة وان أحب نكاح الأخرى فارق المصابة بطلقة ثم انتظرها حتى تنقضي عدتها ثم تزوج أختها القسم الثالث : إذا دخل بهما فليس له نكاح واحدة حتى يفارق الأخرى وتنقضي عدتها من حين فرقتها وتنقضي عدة الأخرى من حين أصابها وإن ولدت منه احداهما أو هما جميعا فالنسب لا حق به لأنه إما من نكاح صحيح أو نكاح فاسد وكلاهما يلحق النسب فيه وإن لم يرد نكاح واحدة منهما فارقهما بطلقة طلقة
فصل : فأما المهر فإن لم يدخل بواحدة منهما فلإحداهما نصف المهر ولا نعلم من يستحقه منهما فيصطلحان عليه وإن لم يفعلا أقرع بينهما فكان لمن خرجت قرعتها مع يمينها وقال أبو بكر اختياري أن يسقط المهر إذا كان مجبرا على الطلاق قبل الدخول وإن دخل بواحدة منهما أقرع بينهما فإن وقعت لغير المصابة فلها نصف المهر وللمصابة مهر المثل بما استحل من فرجها وإن وقعت على المصابة فلا شيء للأخرى وللمصابة المسمى جميعه وإن أصابهما معا فلاحداهما المسمى وللأخرى مهر المثل يقرع بينهما فيه إن قلنا الواجب في النكاح الفاسد مهر المثل وإن قلنا بوجوب المسمى فيه وجب ههنا لكل واحد منهما

(7/489)


فصل رأي الإمام أحمد إذا تزوج امرأة ثم تزوج أختها ودخل بها
فصل : قال أحمد إذا تزوج امرأة ثم تزوج أختها ودخل بها اعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية إنما كان كذلك لأنه لو أراد العقد على أختها في الحال لم يجز له حتى تنقضي عدة الموطوءة كذلك لا يجوز الوطء لامرأته حتى تنقضي عدة أختها التي أصابها

(7/491)


مسألة حكم ما لو تزوج أخته من الرضاع وأجنبية في عقد
مسألة : قال : وإن تزوج أخته من الرضاع وأجنبية في عقد واحد ثبت نكاح الأجنبية
وجملة ذلك أنه إذا عقد النكاح على أخته وأجنبية معا بأن يكون لرجل أخت وابنة عم احداهما رضيعة المتزوج فيقول له زوجتكهما معا فيقبل ذلك فالمنصوص ههنا صحة نكاح الأجنبية ونص فيمن تزوج حرة وأمة على أنه يثبت نكاح الحرة ويفارق الأمة وقيل فيه روايتان احداهما : يفسد فيهما وهو أحد قولي الشافعي واختيار أبي بكر لأنها لفظة واحدة جمعت حلالا وحراما فلم تصح كما لو جمع بين أختين
والثانية : يصح في الحرة وهي أظهر الروايتين وهذا قول مالك و الثوري و أصحاب الرأي لأنها محل قابل للنكاح أضيف إليها عقد صار عن أهله لم يجتمع معها فيه مثلها فصح كما لو انفردت به وفارق العقد على الأختين لأنه لا مزية لاحداهما على الأخرى وههنا قد تعينت التي بطل النكاح فيها فعلى هذا القول يكون لها من المسمى بقسط مهر مثلها منه وفيه وجه آخر أن لها نصف المسمى وأصل هذين الوجهين إذا تزوج امرأتين يجوز له نكاحهما بمهر واحد هل يكون بينهما على قدر صداقهما أو نصفين ؟ على وجهين يأتي ذكرهما إن شاء الله

(7/491)


فصل حكم ما لو تزوج يهودية ومجوسية في عقد واحد
فصل : ولو تزوج يهودية ومجوسية ومحللة أو محرمة في عقد واحد فسد في المجوسية والمحرمة وفي الأخرى وجهان وإن نكح أربع حرائر وأمة فسد في الأمة وفي الحرائر وجهان وإن نكح العبد حرتين وأمة بطل نكاح الجميع وإن تزوج امرأة وابنتها فسد فيهما لأن الجمع بينهما محرم فلم يصح فيهما كالأختين

(7/492)


مسألة وفصول : حكم ما لو اشترى اختين فأصاب إحداهما
مسألة : قال : وإذا اشترى أختين فأصاب إحداهما لم يصب الأخرى حتى تحرم الأولى ببيع أو نكاح أو هبة وما أشبهه ويعلم أنها ليست بحامل فإن عادت إلى ملكه لم يصب واحدة منهما حتى تحرم عليه الأولى
الكلام في هذه المسألة في فصول ستة :
الفصل الأول : أنه يجوز الجمع بين الأختين في الملك بغير خلاف بين أهل العلم وكذلك بينها وبين عمتها وخالتها ولو اشترى جارية فوطئها حل له شراء أختها وعمتها وخالتها لأن الملك يقصد به التمول دون الاستمتاع وكذلك حل له شراء المجوسية والوثنية والمعتدة والمزوجة والمحرمات عليه بالرضاع والمصاهرة
الفصل الثاني : أنه لا يجوز الجمع بين الأختين من امائه في الوطء نص عليه أحمد في رواية الجماعة وكرهه عمر وعثمان وعلي وعمار وابن عمر وابن مسعود وممن قال بتحريمه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة جابر بن زيد و طاوس و مالك و الأوزاعي و أبو حنيفة و الشافعي وروي عن ابن عباس أنه قال أحلتهما آية وحرمتهما آية ولم أكن لأفعله يروى ذلك عن علي أيضا يريد بالمحرمة قوله : { وأن تجمعوا بين الأختين } وبالمحللة قوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم }
وقد روى ابن منصور عن أحمد وسأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين أحرام هو ؟ قال لا أقول حرام ولكن ننهى عنه وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم وقال داود وأهل الظاهر لا يحرم استدلالا بالآية المحللة لأن حكم الحرائر في الوطء مخالف لحكم الإماء ولهذا تحرم الزيادة على أربع في الحرائر وتباح في الإماء بغير حصر والمذهب تحريمه للآية المحرمة فإنه يريد بها الوطء والعقد جميعا بدليل من سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن والعقد عليهن وآية الحل مخصوصة بالمحرمات جميعهن وهذه منهن ولأنها امرأة صارت فراشا فحرمت أختها كالزوجة
الفصل الثالث : أنه إذا كان في ملكه اختان فله وطء احداهما في قول أكثر أهل العلم وقال الحكم و حماد لا يقرب واحدة منهما وروي ذلك عن النخعي وذكره أبو الخطاب مذهبا لـ أحمد ولنا أنه ليس يجمع بينهما في الفراش فلم يحرم كما لو كان في ملكه احداهما فقط
الفصل الرابع : أنه إذا وطىء احداهما فليس له وطء الأخرى قبل تحريم الموطوءة على نفسه بإخراج عن ملكه أو تزويج هذا قول علي وابن عمر و الحسن و الأوزاعي و إسحاق و الشافعي فإن رههنا لم تحل له أختها لأنه منعه من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها ولهذا يحل له بإذن المرتهن في وطئها ولأنه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه وقال قتادة إن استبرأها حلت له أختها لأنه قد زال فراشه ولهذا لو أتت بولد فنفاه بدعوى الاستبراء انتفى فأشبه ما لو زوجها
ولنا قول علي وابن عمر ولأنه لم يزل ملكه عنها ولا حلها له فأشبه ما لو وطئت بشبهة فاستبرأها من ذلك الوطء ولأن ذلك لا يمنعه وطأها فلا يأمن عوده إليها فيكون ذلك ذريعة إلى الجمع بينهما وإن حرم احداهما على نفسه لم تبح الأخرى لأن هذا لا يحرمها إنما هو يمين يكفر ولو كان يحرمها إلا أنه لعارض متى شاء أزاله بالكفارة فهو كالحيض والنفاس والإحرام والصيام وإن كاتب احداهما فظاهر كلام الخرقي أنه لا تحل له الأخرى وقال أصحاب الشافعي تحل له الأخرى لأنها حرمت عليه بسبب لا يقدر على رفعه فأشبه التزويج
ولنا أنه بسبيل من استباحتها بما لا يقف على غيرهما فلم تبح له أختها كالمرهونة
الفصل الخامس : أنه إذا أخرجها من ملكه لم تحل له أختها حتى يستبرىء المخرجة ويعلم براءتها من الحمل ومتى كانت حاملا منه لم تحل له أختها حتى تضع حملها لأنه يكون جامعا ماءه في رحم أختين بمنزلة نكاح الأخت في عدة أختها
فصل : فإن وطىء أمتيه الأختين معا فوطء الثانية محرم ولا حد فيه ولأن وطأه في ملكه ولأنها مختلف في حكمها وله سبيل إلى استباحتها بخلاف أخته من الرضاع المملوكة له ولا يحل له وطء إحداهما حتى يحرم الأخرى ويستبرئها وقال القاضي وأصحاب الشافعي الأولى باقية على الحل لأن الوطء الحرام لا يحرم الحلال إلا أن القاضي قال : لا يطؤها حتى يستبرىء الثانية
ولنا أن الثانية قد صارت فراشا له يلحقه نسب ولدها فحرمت عليه أختها كما لو وطئها ابتداء وقولهم أن الحرام لا يحرم الحلال ليس بخبر صحيح وهو متروك بما لو وطىء الأولى في حيض أو نفاس أو إحرام حرمت عليه أختها وتحرم عليه أمها وابنتها على التأبيد وكذلك لو وطىء امرأة بشبهة في هذا الحال ولو وطىء امرأة حرمت عليه ابنتها سواء وطئها حراما أو حلالا
الفصل السادس : أنه متى زال ملكه عن الموطوءة زوالا أحل له أختها فوطئها ثم عادت الأولى إلى ملكه فليس له وطء إحداهما حتى تحرم الأخرى بإخراج عن ملكه أو تزويج نص عليه أحمد وقال أصحاب الشافعي لا يحرم عليه واحدة منهما لأن الأولى لم تبق فراشا فأشبه ما لو وطىء أمة ثم اشترى أختها
ولنا أن هذه صارت فراشا وقد رجعت إليه التي كانت فراشا فحرمت عليه كل واحدة منهما بكون أختها فراشا كما لو انفردت به فأما إن استفرش أمة واشترى أختها فإن المشتراة لم تكن فراشا له بل هي محرمة عليه بافتراش أختها ولو أخرج الموطوءة عن ملكه ثم عادت إليه قبل وطء أختها فهي حلال له وأختها محرمة عليه لأن أختها فراشه

(7/492)


فصل حكم المباشرة من الإماء فيما دون الفرج
فصل : وحكم المباشرة من الإماء فيما دون الفرج والنظر إلى الفرج بشهوة فيما يرجع إلى تحريم للأخت كحكمه في تحريم الربيبة والصحيح أنه لا يحرم لأن الحل ثابت بقوله : { أو ما ملكت أيمانكم } ومخالفة ذلك إنما ثبتت بقوله : { وأن تجمعوا بين الأختين } والمراد به الجمع في العقد أو الوطء ولم يوجد واحد منهما ولا ما في معناهما

(7/496)


فصل حكم إن وطىء أمته ثم أراد نكاح أختها
فصل : وإن وطىء أمته ثم أراد نكاح أختها فقد سئل أحمد عن هذا فقال لا يجمع بين الأختين الأمتين فيحتمل أنه أراد أن النكاح لا يصح وهي إحدى الروايات عن مالك قال القاضي هو ظاهر كلام أحمد لأن النكاح تصير به المرأة فراشا فلم يجز أن ترد على فراش الأخت كالوطء ولأنه فعل في الأخت ما ينافي إباحة أختها المفترشة فلم يجز كالوطء ويحتمل أن يصح النكاح ولا تباح المنكوحة حتى تحرم أختها وهو مذهب أبي حنيفة قال أبو الخطاب وهو ظاهر كلام أحمد لأنه سبب يستباح به الوطء فجاز أن يرد على وطء الأخت ولا يبيح كالشراء وقال الشافعي يصح النكاح وتحل له المنكوحة وتحرم أختها لأن النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين فإذا اجتمعا وجب تقديم الأقوى ووجه الأول ما ذكرنا ولأن وطء مملوكته معنى يحرم أختها لعلة الجمع فمنع صحة نكاحها كالزوجية ويفارق الشراء فإنه لا يقصد به الوطء ولهذا صح شراء الأختين ومن لا يحل له وقولهم النكاح أقوى من الوطء ممنوع وإن سلم فالوطء أسبق فيقدم ويمنع صحة ما يطرأ عليه مما ينافيه كالعدة تمنع ابتداء نكاح الأخت وكذلك وطء الأمة يحرم نكاح ابنتها وأمها ولأن هذا بمنزلة نكاح الأخت في عدة أختها لكونه لم يستبرىء الموطوءة

(7/496)


فصل حكم ما لو زوج الأمة الموطوءة أو أخرجها عن ملكه
فصل : فإن زوج الأمة الموطوءة أو أخرجها عن ملكه فله نكاح أختها فإن عادت الأمة إلى ملكه فالزوجية بحالها وحلها باق لأن النكاح صحيح وهو أقوى ولا تحل له الأمة وعنه أنه ينبغي أن تحرم احداهما لأن امته التي كانت فراشا قد عادت إليه والمنكوحة مستفرشة فأشبه أمتيه التي وطىء إحداهما بعد تزويج الأخرى ثم طلق الزوج أختها وإن تزوج امرأة ثم اشترى أختها صح الشراء ولم تحل له لأن النكاح كالوطء فأشبه ما لو وطىء أمته ثم اشترى أختها فإن وطىء أمته حرمت عليه حتى يستبرىء الأمة ثم تحل له وزوجته دون أمته لأن النكاح أقوى وأسبق وإنما وجب الاستبراء لئلا يكون جامعا لمائة في رحم أختين ويحتمل أن يحرما عليه جميعا حتى تحرم أحداهما كالأمتين

(7/497)


مسألة عمة الأمة وخالتها فيما سبق من أحكام كحكم أختها
مسألة : قال رحمه الله : وعمة الأمة وخالتها في ذلك كأختها
يعني في تحريم الجمع بينهما في الوطء والتفصيل فيهما كالتفصيل في الأختين على ما ذكرنا

(7/497)


مسألة وثلاث فصول : أحكام مختلفة في الزواج
مسألة : قال : ولا بأس أن يجمع بين من كانت زوجة رجل وابنته من غيرها
أكثر أهل العلم يرون الجمع بين المرأة وربيبتها جائزا لا بأس به فعله عبد الله بن جعفر وصفوان بن أمية وبه قال سائر الفقهاء إلا الحسن وعكرمة و ابن أبي ليلى عنهم كراهيته لأن احداهما لو كانت ذكرا حرمت عليه الأخرى فأشبه المرأة وعمتها
ولنا قول الله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ولأنهما لا قرابة بينهما فأشبهتا الأجنبيتين ولأن الجمع حرم خوفا من قطيعة الرحم القريبة بين المتناسبين ولا قرابة بين هاتين وبهذا يفارق ما ذكروه
فصل : لو كان لرجل ابن من غير زوجته ولها بنت من غيره أو كان له بنت ولها ابن جاز تزويج أحدهما من الآخر في قول عامة الفقهاء وحكي عن طاوس كراهيته إذا كان مما ولدته المرأة بعد وطء الزوج لها والأول أولى لعموم الآية والمعنى الذي ذكرناه فإنه ليس بينهما نسب ولا سبب يقتضي التحريم وكونه أخا لأختها لم يرد الشرع بأنه سبب للتحريم فبقي على الإباحة لعموم الآية ومتى ولدت المرأة من ذلك الرجل ولدا صار عما لولد ولديهما وخالا
فصل : وإن تزوج امرأة لم تحرم أمها ولا ابنتها على أبيه فمتى تزوج امرأة وزوج ابنه أمها جاز لعدم اسباب التحريم فإذا ولد لكل واحد منهما ولد كان ولد الابن خال ولد الأب وولد الأب عم ولد الابن ويروى أن رجلا أتى عبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين إني تزوجت امرأة وزوجت ابني بأمها فأخبرنا فقال عبد الملك أن أخبرتني بقرابة ولدك من ولد ابنك أخبرتك فقال الرجل يا أمير المؤمنين هذا العريان بن الهيثم الذي وليته قائم سيفك إن علم ذلك فلا تخبرني فقال العريان أحدهما عم الآخر والآخر خاله
فصل : وإذا تزوج رجل بإمرأة وزوج ابنه بنتها أو أمها فزفت امرأة كل واحد منهما إلى صاحبه فوطئها فإن وطء الأول يوجب مهر مثلها لأنه وطء شبهة ويفسخ به نكاحها من زوجها لأنها صارت بالوطء حليلة ابنه أو أبيه ويسقط به مهر الموطوءة عن زوجها لأن الفسخ جاء من قبلها بتمكينها من وطئها ومطاوعتها عليه ولا شيء لزوجها على الواطىء لأنه لم يلزمه شيء يرجع به ولأن المرأة مشاركة في إفساد نكاحها بالمطاوعة فلم يجب على زوجها شيء كما لو انفردت به ويحتمل أن يلزمه لزوجها نصف مهر مثلها لأنه أفسد نكاحها قبل الدخول أشبه المرأة تفسد نكاحه بالرضاع وينفسخ نكاح الواطىء أيضا لأن امرأته صارت أما لموطوءته أو بنتا لها ولها نصف المسمى فأما وطء الثاني فيوجب مهر المثل للموطوءة خاصة فإن أشكل الأول انفسخ النكاحان ولكل واحدة مهر مثلها على واطئها ولا يثبت رجوع أحدهما على الآخر ويجب لامرأة كل واحد منهما على الآخر نصف المسمى ولا يسقط بالشك

(7/498)


مسألة و فصل : حرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلال للمسلمين ومن هم أهل الكتاب
مسألة : قال : وحرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلائل للمسلمين
ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب وممن روي عنه ذلك عمر وعثمان وطلحة وحذيفة وسلمان وجابر وغيرهم قال ابن المنذر ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك وروى الخلال بإسناده أن حذيفة وطلحة والجارود بن المعلى واذينه العبدي تزوجوا نساء من أهل الكتاب وبه قال سائر أهل العلم وحرمته الأمامية تمسكا بقوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } { ولا تمسكوا بعصم الكوافر }
ولنا قول الله تعالى : { اليوم أحل لكم الطيبات } إلى قوله : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن } وإجماع الصحابة فأما قوله سبحانه : { ولا تنكحوا المشركات } فروي عن ابن عباس أنها نسخت بالآية التي في سورة المائدة وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الاية الأخرى لأنهما متقدمتان والآية التي في آخر المائدة متأخرة عنهما وقال آخرون ليس هذا نسخا فإن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب بدليل قوله سبحانه : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين } وقال : { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } وقال : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } وقال : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب و لا المشركين } وسائر آي القرآن يفصل بينهما فدل على أن لفظة المشكرين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب وهذا معنى قول سعيد بن جبير و قتادة ولأن ما احتجوا به عام في كل كافرة وآتينا خاصة في حل أهل الكتاب والخاص يجب تقديمه إذا ثبت هذا فالأولى أن لا يتزوج كتابية لأن عمر قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب طلقوهن فطلقونه إلا حذيفة فقال له عمر طلقها قال تشهد أنها حرام قال هي حرة طلقها قال تشهد أنها حرام قال هي حرة قال قد علمت أنها حرة ولكنها لي حلال فلما كان بعد طلقها فقيل له ألا طلقتها حين أمرك عمر ؟ قال كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمرا لا ينبغي لي ولأنه ربما مال إليها قلبه ففتنته وربما كان بينهما ولد فيميل إليها
فصل : وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم هم أهل التوارة والإنجيل قال الله تعالى : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } فأهل التوارة اليهود والسامرة وأهل الإنجيل النصارى ومن وافقهم في أصل دينهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم وأما الصابئون فاختلف فيهم السلف كثيرا فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى ونص عليه الشافعي وعلق القول فيهم في موضع آخر وعن أحمد أنه قال بلغني أنهم يسبتون فهؤلاء إذا يشبهون اليهود والصحيح فيهم أنهم أن كانوا يوافقون النصارى أو اليهود في أصل دينهم ويخالفونهم في فروعه فهم ممن وافقوه وإن خالفوهم في أصل الدين فليس هم منه والله أعلم وأما من سوى هؤلاء من الكفار مثل المتمسك بصحف إبراهيم وشيث وزبور داود فليسوا بأهل كتاب ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم وهذا قول الشافعي وذكر القاضي فيهم وجها آخر أنهم من أهل الكتاب وتحل ذبائحهم ونكاح نسائهم ويقرون بالجزية لأنهم تمسكوا بكتاب من كتب الله فأشبهوا اليهود والنصارى

(7/500)


فصلان : لا تحل نساء المجوس وسائر الكفار للمسلمين
فصل : وليس للمجوس كتاب ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم نص عليه أحمد وهو قول عامة العلماء إلا أبا ثور فإنه أباح ذلك لقول النبي صلى الله عليه و سلم : [ سنوا بهم سنة أهل الكتاب ] ولأنه يروى أنه حذيفة تزوج مجوسية ولأنهم يقرون بالجزية فأشبهوا اليهود والنصارى
ولنا قول الله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات } وقوله : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } فرخص من ذلك في أهل الكتاب فمن عداهم يبقى على العموم ولم يثبت أن للمجوس كتابا وسئل أحمد أيصح عن علي أن للمجوس كتاببا ؟ فقال هذا باطل واستعظمه جدا ولو ثبت أن لهم كتابا فقد بينا أن حكم أهل الكتاب لا يثبت لغير أهل الكتابين وقوله عليه السلام : [ سنوا بهم سنة أهل الكتاب ] دليل على أنه لا كتاب لهم وإنما أراد به النبي صلى الله عليه و سلم في حقن دمائهم وإقرارهم بالجزية لا غير وذلك أنهم لما كانت لهم شبهة كتاب غلب ذلك في تحريم دمائهم فيجب أن يغلب حكم التحريم لنسائهم وذبائحهم فإننا إذا غلبنا الشبهة في التحريم فتغليب الدليل الذي عارضته الشبهة في التحريم أولى ولم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية وضعف أحمد رواية من روى عن حذيفة أنه تزوج مجوسية وقال أبو وائل يقول تزوج يهودية وهو أوثق ممن روي عنه أنه تزوج مجوسية وقال ابن سيرين كانت امرأة حذيفة نصرانية ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا بترجيح على أنه لو ثبت ذلك عن حذيفة فلا يجوز الاحتجاج به مع مخالفة الكتاب وقول سائر العلماء وأما إقرارهم بالجزية فلأننا غلبنا حكم التحريم لدمائهم فيجب أن يغلب حكم التحريم في ذبائحهم ونسائهم
فصل : وسائر الكفار غير أهل الكتاب كمن عبد ما استحسن من الأصنام والأحجار والشجر والحيوان فلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم وذلك لما ذكرنا من الآيتين وعدم المعارض لهما والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي انتقلت إليه في إقرارها عليه ففي حلها أولى

(7/502)


مسألة إذا كان أحد أبوي الكافرة كتابيا والآخر وثنيا
مسألة : قال : وإذا كان أحد أبوي الكافرة كتابيا والآخر وثنيا لم ينكحها مسلم
وجملته أنه إذا كان أحد أبوي الكتابية غير كتابي لم يحل نكاحها سواء كان وثنيا أو مجوسيا أو مرتدا وبهذا قال الشافعي في ما إذا كان الأب غير كتابي لأن الولد ينسب إلى أبيه ويشرف بشرفه وينسب إلى قبيلته وإن كانت الأم غير كتابية فله فيه قولان ولنا أنها غير متمحضة من أهل الكتاب فلم يجز للمسلم نكاحها كما لو كان أبوها وثنيا ولأنها مولودة بين من يحل وبين من لا يحل فلم يحل كالسمع والبغل ويحتمل أن تحل بكل حال لدخولها في عموم الآية المبيحة ولأنها كتابية تقر على دينها فأشبهت من أبواها كتابيان والحكم فيمن أبواها غير كتابيين كالحكم فيمن أحد أبويها كذلك لأنها إذا حرمت لكون أحد أبويها وثنيا فلأن تحرم إذا كانا وثنيين أولى والاحتمال الذي ذكرناه ثم يتحقق ههنا اعتبارا بحال نفسها دون أبويها

(7/503)


مسألة و فصول
مسألة : قال : وإذا تزوج كتابية فانتقلت إلى دين آخر من الكفر غير دين أهل الكتاب أجبرت على الإسلام فإن لم تسلم حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها
الكلام في هذه المسألة في فصول أربعة :
الفصل الأول : أن الكتابي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر عليه لا نعلم في هذا خلافا فإنه إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله بالجزية كعبادة الأوثان وغيرها مما يستحسنه فالأصلي منهم لا يقر على دينه فالمنتقل إليه أولى وإن انتقل إلى المجوسية لم يقر أيضا لأنه انتقل إلى أنقص من دينه فلم يقر عليه كالمسلم إذا ارتد فأما إن انتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب كاليهودي يتنصر أو النصراني يتهود ففيه روايتان إحداهما : لا يقر ايضا لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه فلم يقر عليه كالمرتد والثانية : يقر عليه نص عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال وصاحبه وقول أبي حنيفة لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب فأشبه المنتقل ولـ لشافعي قولان كالروايتين فأما المجوسي إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله عليه لم يقر كأهل ذلك الدين وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب خرج فيه الروايتان وسواء فيما ذكرنا الرجل والمرأة لعموم قوله عليه السلام : [ من بدل دينه فاقتلوه ] ولعموم المعنى الذي ذكرناه فيهما جميعا
الفصل الثاني : المنتقل إلى غير دين أهل الكتاب لا يقبل منه إلا الإسلام نص عليه أحمد واختاره الخلال وصاحبه وهو أحد أقوال الشافعي لأن غير الإسلام أديان باطلة قد أقر ببطلانها فلم يقر عليها كالمرتد وعن أحمد أنه لا يقبل إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه لأن دينه الأول قد أقررناه عليه مرة ولم ينتقل إليه كالمرتد إذا رجع إلى الإسلام وعن أحمد رواية ثالثة أنه يقبل منه أحد ثلاثة أشياء الإسلام أو الرجوع إلى دينه الأول أو دين يقر أهله عليه لعموم قوله تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب وقلنا لا يقر ففيه الروايتان : احداهما : لا يقبل منه إلا الإسلام والأخرى لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه
الفصل الثالث : في صفة إجباره على ترك ما انتقل إليه وفيه روايتان احداهما : أنه يقتل ان لم يرجع رجلا كان أو امرأة لعموم قوله عليه السلام : [ من بدل دينه فاقتلوه ] ولأنه ذمي نقض العهد فأشبه ما لو نقضه بترك التزام الذمة وهل يستتاب ؟ يحتمل وجهين
أحدهما : يستتاب لأنه يسترجع عن دين باطل انتقل إليه فيستتاب كالمرتد والثاني : لا يستتاب لأنه كافر أصلي أبيح قتله فأشبه الحربي فعلى هذا إن بادر وأسلم أو رجع إلى ما يقر عليه عصم دمه وإلا قتل والرواية الثانية : عن أحمد قال إذا دخل اليهودي في النصرانية رددته إلى اليهودية ولم أدعه فيما انتقل إليه فقيل له أتقتله ؟ قال لا ولكن يضرب ويحبس قال وإن كان نصرانيا أو يهوديا فدخل في المجوسية كان أغلظ لأنه لا تؤكل ذبيحة ولا تنكح له امرأة ولا يترك حتى يرد إليها فقيل له تقتله إذا لم يرجع ؟ قال أنه لأهل ذلك وهذا نص في أن الكتابي المنتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب لا يقتل بل يكره بالضرب والحبس
الفصل الرابع : أن امرأة المسلم الذمية إذا انتقلت إلى دين غير دين أهل الكتاب فهي كالمرتدة لأن غير دين أهل الكتاب لا يحل نكاح نسائهم فمتى كان قبل الدخول انفسخ نكاحها في الحال ولا مهر لها لأن الفسخ من قبلها وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة في إحدى الروايتين والأخرى ينفسخ في الحال أيضا

(7/504)


مسألة وفصلان
مسألة : قال : وأمته الكتابية حلال له دون أمته المجوسية
في هذه المسألة في فصلين :
الفصل الأول : الكلام ان أمته الكتابية حلال له وهذا قول عامة أهل العلم إلا الحسن فإنه كرهه لأن الأمة الكتابية يحرم نكاحها فحرم التسري بها كالمجوسية
ولنا قول الله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } ولأنها ممن يحل نكاح حرائرهم فحل له التسري بها كالمسلمة فأما نكاحها فيحرم لأن فيه ارقاق ولد وابقاءه مع كافرة بخلاف التسري
الفصل الثاني : أن من حرم نكاح حرائرهم من المجوسيات وسائر الكوافر سوى أهل الكتاب لا يباح وطء الإماء منهن بملك اليمين في قول أكثر أهل العلم منهم مرة الهمذاني و الزهري و سعيد بن جبير و الأوزاعي و الثوري و أبو حنيفة و مالك و الشافعي وقال ابن عبد البر على هذا جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء وما خالفه فشذوذ لا يعد خلافا ولم يبلغا إباحة ذلك إلا عن طاوس ووجه قوله عموم تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } والآية الأخرى روى أبو سعيد [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث يوم حنين بعثا قبل أوطاس فأصابوا منهم سبايا وكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز و جل في ذلك : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } ] قال فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن وعنه [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في سبايا أوطاس : لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة ] رواهما أبو داود وهو حديث صحيح وهم عبدة أوثان وهذا ظاهر في إباحتهن ولأن الصحابة في عصر النبي صلى الله عليه و سلم كان أكثر سباياهم من كفار العرب وهم عبدة أوثان فلم يكونوا يرون تحريمهن لذلك ولا نقل عن النبي صلى الله عليه و سلم تحريمهن ولا أمر الصحابة باجتنابهن وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأة من بعض السبي نفلها إياه وأخذ عمر وابنه من سبي هوزان وغيرهم من الصحابة والحنيفة أم محمد بن الحنفية من سبي بني حنيفة وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهم مجوس فلم يبلغنا أنهم اجتنبوهن وهذا ظاهر في إباحتهن ولا اتفاق بين أهل العلم على خلافه وقد أجبت عن حديث أبي سعيد باجوبة منها أنه يحتمل أنهن أسلمن كذلك وري عن أحمد أنه سأله محمد بن الحكم قال : قلت لأبي عبد الله هوزان أليس كانوا عبدة أوثان ؟ قال لا أدري كانوا أسلموا أو لا وقال ابن عبد البر إباحة وطئهن منسوخة بقوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }

(7/506)


مسألة ليس للمسلم إن كان عبدا أن يتزوج أمه كتابية
مسألة : قال : وليس للمسلم وإن كان عبدا أن يتزوج أمة كتابية
لأن الله تعالى قال : { من فتياتكم المؤمنات } هذا ظاهر مذهب أحمد رواه عنه جماعة وهو قول الحسن و الزهري و مكحول و مالك و الشافعي و االثوري و الأوزاعي و الليث و إسحاق وروي ذلك عن عمر وابن مسعود و مجاهد وقال أبو ميسرة و أبو حنيفة يجوز للمسلم نكاحها لأنها تحل بملك اليمين فحلت بالنكاح كالمسلمة
ونقل ذلك عن أحمد قال لا بأس بتزويجها إلا أن الخلال رد هذه الرواية وقال إنما توقف أحمد فيها ولم ينفذ له قول ومذهبه أنها لا تحل لقول الله تعالى : { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } فشرط في إباحة نكاحهن الإيمان ولم يوجد وتفارق المسلمة لأنه لا يؤدي إلى استرقاق الكافر ولدها لأن الكافر لا يقر ملكه على مسلمة والكافرة تكون ملكا لكافر ويقر ملكه عليها وولدها مملوك لسيدها ولأنه عقد اعتوره نقصان الكفر والملك فإذا اجتمعا منعا كالمجوسية لما اجتمع فيها نقص الكفر وعدم الكتاب لم يبح نكاحها ولا فرق بين الحر والعبد في تحريم نكاحها لعموم ما ذكرنا من الدليل ولأن ما حرم على الحر تزويجه لأجل دينه حرم على العبد كالمجوسية

(7/508)


مسألة حكم تزوج المسلم الأمة المسلمة وما يشترط له
مسألة : قال : ولا لحر مسلم أن يتزوج أمة مسلمة إلا أن لا يجد طولا لحرة مسلمة ويخاف العنت
الكلام في هذه المسألة في شيئين أحدهما : أنه يحل له نكاح الأمة المسلمة إذا وجد فيه الشرطان عدم الطول وخوف العنت وهذا وقول عامة العلماء لا نعلم بينهم اختلافا فيه والأصل فيه قول سبحانه : { ومن لم يستطع منكم طولا } الآية والصبر عنها مع ذلك خير وأفضل لقول الله تعالى : { وأن تصبروا خير لكم } والثاني : إذا عدم الشرطان أو أحدهما لم يحل نكاحها لحر روي ذلك عن جابر وابن عباس وبه قال عطاء و طاوس و الزهري و عمرو بن دينار و مكحول و مالك و الشافعي و إسحاق
وقال مجاهد مما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة وإن كان موسرا وبه قال أبو حنيفة إلا أن يكون تحته حرة لأن القدرة على النكاح لا تمنع النكاح كما يمنعه وجود النكاح كنكاح الأخت والخامسة وقال قتادة و الثوري إذا خاف العنت حل له نكاح الأمة وإن وجد الطول لأن إباحتها لضرورة خوف العنت وقد وجدت فلا يندفع إلا بنكاح الأمة فأشبهه عادم الطول
ولنا قول الله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } ـ إلى قوله ـ { ذلك لمن خشي العنت منكم } فشرط في نكاحها عدم استطاعة الطول فلم يجز مع الاستطاعة كالصوم في كفارة الظهار مع عدم استطاعة الاعتاق ولأن في تزويج الأمة إرقاق ولده مع الغنى عنه فلم يجز كما لو كان تحته حرة وقياسهم ليس بصحيح فإن نكاح الخامسة والأخت إنما حرم لأجل الجمع وبالقدرة على الجمع لا يصير جامعا والعلة ههنا هو الغنى عن إرقاق ولده وذلك يحصل بالقدرة على نكاح الحرة وأما من يجد الطول ويخاف العنت فإن كان ذلك لكونه لا يجد إلا حرة صغيرة أو غائبة أو مريضة لا يمكن وطؤها أو وجد مالا ولم يتزوج لقصور نسبه فله نكاح الأمة لأنه عاجز عن حرة تعفه وإن كانت الحرة في حبالة غيره فله نكاح أمة نص عليه أحمد في الغائبة وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال بعضهم لا يجوز لوجدان الطول
ولنا أنه غير مستطيع الطول إلى حرة تعفه فأشبه من لا يجد شيئا ألا ترى أن الله سبحانه جعل ابن السبيل الذي له اليسار في بلده فقيرا لعدم قدرته عليه في الحال فإن كانت له حرة يتمكن من وطئها والعفة بها فليس بخائف العنت

(7/509)


فصل كل من قدر على تزوج كتابية تعفه لا يحل له نكاح الأمة
فصل : وإن قدر على تزوج كتابية تعفه لم يحل له نكاح الأمة وهذا ظاهر مذهب الشافعي وذكر وجها آخر أنه يجوز لقول الله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات } وهذا غير مستطيع لذلك
ولنا قول الله تعالى : { ذلك لمن خشي العنت منكم } وهذا غير خائف له ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق فلم يجز له إرقاقه كما لو قدر على نكاح مؤمنة

(7/511)


فصل من كانت تحته حرة تعفه لا يجوز له نكاح الأمة
فصل : ومن كانت تحته حرة يمكنه أن يستعف بها لم يجز له نكاح الأمة لا نعلم في هذا خلافا ولا فرق بين الكتابية و المسلمة في ذلك لما ذكرنا من قبل

(7/511)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية