صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الإقناع
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

الاقناع - موسى الحجاوي ج 1
الاقناع موسى الحجاوي ج 1

(1/)


الاقناع في حل ألفاظ أبى شجاع تأليف شمس الدين محمد بن أحمد الشربينى الخطيب القاهرى الشافعي من علماء القرن العاشر الهجري وبهامشه تقرير الشيخ عوض بكماله، وبعض تقارير لشيخ الاسلام الشيخ إبراهيم الباجورى، رحمهم الله أجمعين ولغيره من الافاضل الجزء الاول

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي نشر للعلماء أعلاما، وثبت لهم على الصراط المستقيم أقداما، وجعل مقام العلم أعلى مقام، وفضل العلماء باقامة الحجج الدينية ومعرفة الاحكام، وأودع العارفين لطائف سره فهم أهل المحاضرة والالهام، ووفق العالمين لخدمته فهجروا لذيذ المنام، وأذاق المحبين لذة قربه وأنسه فشغلهم عن جميع الانام، أحمد سبحانه وتعالى على جزيل الانعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلالم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم عبده، ورسوله وصفيه وخليله إمام كل إمام، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين.
صلاة وسلاما.

(1/2)


دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وبعد: فيقول الفقير إلى رحمة ربه القريب المجيب " محمد الشربينى الخطيب " إن مختصر الامام العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة شهاب الدنيا والدين " أحمد بن الحسين بن أحمد الاصفهانى " الشهير بأبى شجاع المسمى " بغاية الاختصار " لما كان من أبدع مختصر في الفقيه صنف، وأجمع موضوع له فيه على مقدار حجمه ألف، التمس منى بعض الاعزة على
المترددين إلى، أن أضع عليه شرحا يوضح ما أشكل منه، ويفتح ما أغلق منه.
ضاما إلى ذلك من الفوائد المستجادات، والقواعد المحررات، التى وضعتها في شروحي على التنبيه والمنهاج والبهجة، فاستخرت الله تعالى مدة من الزمان بعد أن صليت ركعتين في مقام إمامنا الشافعي رضى الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه، فلما انشرح لذلك صدري شرعت في شرح تقر به أعين أولى الرغبات راجيا بذلك جزيل الاجر والثواب أجافي فيه الايجاز المخل والاطناب الممل، حرصا على التقريب لفهم قاصده، والحصول على فوائد ليكتفي به المبتدى عن المطالعة في غيره، والمتوسط عن المراجعة لغيره، فانى مؤمل من الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب عمدة ومرجعا ببركة الكريم الوهاب، فما كل من صنف أجاد، ولا كل من قال وفى بالمراد، والفضل مواهب، والناس في الفنون مراتب، والناس يتفاوتون في الفضائل، وقد تظفر الاواخر

(1/3)


بما تركته، وكم ترك الاول للاخر، وكم لله على خلقه من فضل وجود، وكل ذى نعمة محسود، والحسود لا يسود، وسميته ب [ الاقناع: في حل ألفاظ أبى شجاع ] أعانني الله على إكماله وجعله خالصا لوجهه الكريم بكرمه وإفضاله، فلا ملجأ منه إلا إليه، ولا اعتماد إلا عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل، وأسأله الستر الجميل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم) أي أبتدئ أو أفتتح أو أؤلف وهذا أولى إذكل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يضمر ما جعل التسمية مبدأ له كما أن المسافر إذا حل أو أرتحل فقال بسم الله كان المعنى باسم الله أحل أو أرتحل والاسم مشتق من السمو وهو العلو فهو من الاسماء المحذوفة الاعجاز كيدودم لكثرة الاستعمال بنيت أوائلها على السكون وأدخل عليها همزة الوصل لتعذر الابتداء بالسكن وقيل من الوسم وهو العلامة وفيه عشر لغات نظمها بعضهم في بيت فقال: سم وسما واسم بتثليث أول * لهن سماء عاشر ثمت انجلى والله على على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد لم يتسم به سواه تسمى به قبل أن يسمى وأنزله على آدم في جملة الاسماء قال تعالى - هل تعلم له سميا - أي هل تعلم أحدا اسمى الله غير الله وأصله إله كامام

(1/4)


ثم أدخلوا عليه الالف واللام ثم حذفت الهمزة الثانية طلبا للخفة ونقلت حركتها إلى اللام فصار اللاه بلامين متحركتين ثم سكنت الاولى وأدغمت في الثانية لتسهيل والالة في الاصل يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا وهو عربي عند الاكثر وعند المحققين أنه اسم الله الاعظم، وقد ذكر في القران العزيز في ألفين وثلثمائة وستين موضعا: واختار النووي تبعا لجماعة أنه الحى القيوم.
قال ولذلك لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع: في البقرة وال عمران وطه.
والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من مصدر رحم والرحمن أبلغ من الرحيم لان زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع بالتخفيف وقطع بالتشديد وقدم الله عليهما لانه اسم ذات وهما اسما صفة وقدم الرحمن على الرحيم لانه خاص إذ لا يقال لغير الله بخلاف الرحيم والخاص مقدم على العام.
فائدة: قال النسفى في تفسيره: قيل إن الكتب المنزلة من السماء إلى الدنيا مائة وأربعة: صحف شيث ستون وصحف إبراهيم ثلاثون وصحف موسى قبل التوراة عشرة والتوراة والزبور والانجيل والفرقان، ومعانى كل الكتب مجموعة في القرآن، ومعانى القرآن مجموعة في الفاتحة، ومعانى الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعانى البسلمة مجموعة في بائها، ومعناها بى كان ما كان وبى يكون ما يكون زاد بعضهم ومعانى الباء في نقطتها (الحمد لله) بدأ بالبسملة ثم بالحمد لة اقتداء بالكتاب

(1/5)


العزيز وعملا " كل أمر ذى بال " أي حال يهتم به شرعا " لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " أي ناقص غير تام فيكون قليل البركة.
وفى رواية رواها أبو داود بالحمد لله وجمع المصنف رحمه الله تعالى كغيره بين الابتداءين عملا بالروايتين وإشار إلى أنه لا تعارض بينهما إذ الابتداء حقيقي وإضافى فالحقيقي حصل بالبسملة والاضافى بالحمد لة أو أن الابتداء ليس حقيقيا بل هو أمر عرفى يمتد من الاخد في التأليف إلى الشروع في المقصود فالكتب المصنفة مبدؤها الخطبة بتمامها والحمد اللفظى لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل: أي التعظيم سواء تعلق بالفضائل وهى النعم القاصرة أم بالفواضل وهى النعم المتعدية فدخل في الثناء الحمد وغيره وخرج باللسان الثناء بغيره كالحمد النفسي وبالجميل الثناء باللسان على غير جميل إن قلنا برأى ابن
عبد السلام إن الثناء حقيقة في الخير والشر، وإن قلنا برأى الجمهور وهو الظاهر إنه حقيقة في الخير فقط ففائدة ذلك تحقيق الماهية أو دفع توهم إرادة الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يجوزه وبالاختياري المدح فانه يعم الاختياري وغيره تقول مدحت اللؤلؤة على حسنها دون حمدتها وبعلى جهة التبجيل ما كان على جهة الاستهزاء والسخرية نحو - ذق إنك أنت العزيز الكريم - وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد أو غيره سواء كان ذكرا باللسان أم اعتقاده ومحبة بالجنان أم عملا وخدمة بالاركان كما قيل: أفادتكم النعماء منى ثلاثة * * يدى ولساني والضمير المحجبا

(1/6)


والشكر لغة هو الحمد عرفا، وعرفا العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لاجله والمدح لغة الثناء باللسان على الجميل مطلقا على جهة التعظيم، وعرفا ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل وجملة الحمد لله خبرية لفظا إنشائية معنى لحصول الحمد بالتكلم بها مع الاذعان لمدلولها ويجوز أن تكون موضوعة شرعا للانشاء والحمد مختص بالله تعالى كما أفادته الجملة سواء جعلت فيه أل للاستغراق كما عليه الجمهور وهو ظاهر أم للجنس كما عليه الزمخشري لان لام لله للاختصاص فلا فرد منه لغيره تعالى أم اللعهد العلمي كالتى في قوله تعالى إذ هما في الغار كما نقله ابن عبد السلام وأجازه الواحدى على معنى أن الحمد الذى حمد الله به نفسه وحمد به أنبياؤه وأولياؤه مختص به والعبرة بحمد من ذكر فلا فرد منه لغيره وأولى الثلاثة الجنس وقوله (رب) بالجر على الصفة معناه المالك لجميع الخلق من الانس والجن والملائكة والدواب وغيرهم إذ كل منها يطلق عليه عالم يقال عالم الانس وعالم الجن إلى غير ذلك وسمى المالك بالرب لانه يحفظ ما يملكه ويربيه ولا يطلق على غيره إلا مقيدا كقوله تعالى - إرجع إلى ربك - وقوله (العالمين) اسم جمع عالم بفتح اللام وليس جمعاله لانه العالم عام في العقلاء وغيرهم والعالمين مختص بالعقلاء والخاص لا يكون جمعا لما هو أعم منه قاله ابن مالك وتبعه ابن في توضيحه وذهب كثير إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمع ثم اختلفوا في تفسير العالم الذي الذي جمع هذا الجمع فذهب أبو الحسن إلى أنه أصناف الخلق العقلاء وغيرهم وهو ظاهر كلام الجوهرى وذهب أبو عبيدة إلى أنه أصناف
العقلاء فقط وهم الانس والجن والملائكة.
ثم قرن بالثناء على الله تعالى الثناء على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقوله (وصلى الله) وسلم (على سيدنا محمد النبي) لقوله تعالى ورفعناك ذكرك لا أذكر إلا وتذكر معى كما في صحيح ابن حبان ولقول الشافعي رضى الله عنه أحب أن يقدم المرء بين يدى خطبته أي بكسر الخاء وكل أمر طلبه وغيرها حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإفراد الصلاة عن السلام مكروه كما قاله النووي في أذكاره وكذا عكسه ويحتمل أن المصنف أتى بها لفظا وإسقطها

(1/7)


خطا ويخرج بذلك من الكراهة والصلاة من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم ومن الملائكة استغفار ومن الادميين أي ومن الجن تضرع ودعاء قاله الاژهرى وغيره.
واختلف في وقت وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال: أحدها كل صلاة واختاره الشافعي في التشهد الاخير منها.
والثانى في العمر مرة.
والثالث كلما ذكر واختاره الحليمى من الشافعية والطحاوى من الحنفية واللخمي من المالكية وابن بطة من الحنابلة.
والرابع في كل مجلس.
والخامس في أول كل دعاء وفى وسطه وفى آخره لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تجعلونى كقدح الراكب بل اجعلوني في أول كل دعاء وفى وسطه وفى آخره " رواه الطبراني عن جابر.
ومحمد ومحمد علم على نبينا صلى الله عليه وسلم منقول من اسم مفعول الفعل المضعف سمى به بإلهام من الله تعالى بأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة خصاله الحميدة كما روى في السير أنه قيل لجده عبد المطلب وقد سماه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها: لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك ولا قومك ؟ قال رجوت أن يحمد في السماء والارض وقد حقق الله تعالى رجاءه كما سبق في علمه.
والنبى إنسان حر ذكر من بنى آدم سليم عن منفر طبعا ومن دناءة أب وخنا أم أوحى إليه بشرع يعمل به وإن لم يؤمر بتبليغه.
والرسول إنسان أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه فكل رسول نبى ولا عكس (و) على (آله) وهم على الاصح مؤمنو بنى هاشم وبنى المطلب وقيل كل مؤمن تقى وقيل أمته واختاره جمع من المحققين.
والمطلب مفتعل من الطلب واسمه شيبة الحمد على الاصح لانه ولد وفى رأسه شيبة ظاهرة في ذؤابتيه وهاشم لقب واسمه عمرو وقيل له هاشم لانه قريشا أصابهم قحط فنحر بعيرا وجعله لقومه مرقة وثريدا فذلك سمى هاشما لهشمه العظم
(و) على (صحبه) وهو جمع صاحب، والصحابى من اجتمع مؤمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته

(1/8)


ولو ساعة ولو لم يرو عنه شيئا فيدخل في ذلك الاعمى كابن أم مكتوم والصغير ولو غير مميز كمن حنكه صلى الله عليه وسلم أو وضع يده على رأسه وقوله (أجمعين) تأكيد وفى بعض النسخ أما بعد ساقطة في أكثرها أي بعد ما تقدم من الحمد وغيره وهذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر ولا يجوز الاتيان بها في أول الكلام ويستحب الاتيان بها في الخطب والمكاتبات اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عقد البخاري لها بابا في الكتاب الجمعة وذكر فيه أحاديث كثيرة والعامل فيها أما عند سيبويه لنيابتها عن الفعل أو الفعل نفسه عند غيره والاصل مهما يكن من شى بعد (فقد سألني) أي طلب منى (بعض الاصدقاء) جمع صديق وهو الخليل وقوله (حفظهم الله تعالى) جملة دعائية (أن أعمل) أي أصنف (مختصرا) وهو ما قل لفظه وكثر معناه لا مبسوطا وهو ما كثر لفظه ومعناه قال الخليل الكلام يبسط ليفهم ويختصر ليحفظ (في) علم (الفقه) الذى هو المقصود من بين العلوم بالذات وباقيها له كالالات لان به يعرف الحلال والحرام وغيرهما من الاحكام وقد تظاهرت الايات والاخبار والاثار وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد

(1/9)


في اقتباسه وتعليمه.
فمن الايات قوله تعالى - هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون - وقوله تعالى وقل رب زدنى علما.
وقوله تعالى - إنما يخشى الله من عباده العلماء - والايات في ذلك كثيرة معلومة.
ومن الاخبار قوله صلى الله عليه وسلم " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " رواه البخاري ومسلم وقوله صلى الله عليه وسلم لعلى رضى الله تعالى عنه " لان يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " رواه سهل عن ابن مسعود وقوله صلى الله عليه وسلم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " والاحاديث في ذلك كثيرة معلومة مشهورة.
ومن الاثار عن على رضى الله تعالى عنه: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه وكفى بالجهل ذما أن يتبر أمنه من هو فيه وعن على رضى الله تعالى عنه أيضا العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال
والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالانفاق وعن الشافعي رضى الله تعالى عنه: من لا يجب العلم لاخير فيه فلا تكن بينك وبينه، معرفة ولا صداقة فانه حياة القلوب ومصباح البصائر.
وعن الشافعي أيضا رضى الله تعالى عنه: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
وعن ابن عمر لعنة الله عليه عنهما قال " مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة " والاثار في ذلك كثيرة معلومة.
ثم اعلم أن ما ذكرناه في فضل العلم إنما هو فيمن طلبه مريدا به وجه الله تعالى، فمن أراده لغرض دنيوى كمال أو رياسة أو منصب أو جاه أو شهرة أو نحو ذلك فهو مذموم قال الله تعالى - من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الاخرة من صيب - وقال صلى الله عليه وسلم " من تعلم علما ينتفع به في الاخرة يريد به عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة " أي لم يجد ريحها وقال صلى الله عليه وسلم " أشد الناس عذابا يوم القيامة " أي من المسلمين عالم لا ينتفع بعلمه وفى ذم العالم الذى لم يعمل بعلمه أيضا أخبار كثيرة وفى هذا القدر كفاية لمن وفقه الله تعالى.
والفقه لغة الفهم مطلقا كما صوبه لا سنوي واصطلاحا كما في قواعد الزركشي معرفة أحكام الحوادث نصا واستنباطا (على مذهب)

(1/10)


أي ما ذهب إليه (الامام الشافعي) من الاحكام في المسائل مجازا عن مكان الذهاب، وإذ ذكر المصنف هنا الشافعي (رضى الله تعالى عنه) فلنتعرض إلى طرف من أخباره تبركا به فنقول: هو حبر الامة وسلطان الائمة محمد أبو عبد الله بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد المناف جد النبي النبي صلى الله عليه وسلم لانه صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وهذا نسب عظيم كما قيل: نسب كأن عليه من شمس الضحى * * نورا ومن فلق الصباح عمودا ما فيه إلا سيد من سيد * * حاز المكارم والتقى والجودا وشافع بن السائب هو الذى ينسب إليه الشافعي لقى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع وأسلم أبوه السائب يوم بدر فانه كان صاحب راية بنى هاشم فأسر في جملة من أسر وفدى نفسه ثم أسلم وعبد مناف ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بالهمز وتركه ابن غالب
بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن مضر بن إلياس بن نزار بن معد بن عدنان والاجماع منعقد على هذا النسب إلى عدنان وليس فيما بعده إلى آدم طريق صحيح فيما ينقل، وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتهى في النسب إلى عدنان أمسك ثم يقول

(1/11)


كذب النسابون أي بعده.
ولد الشافعي رضى الله تعالى عنه على الاصح بغزة التى توفى فيها هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل بعسقلان وقيل بمعنى سنة خمسين ومائة ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين والمؤطأ وهو ابن عشر وتفقه على مسلم بن خالد مفتى مكة المعروف بالزنجي لشدة شقرته من باب أسماء الاضداد وأذن له له في الافتاء وهو ابن خمس عشرة سنة مع أنه نشأ يتيما في حجر أمه في قلة من العيش وضيق حال وكان في صباه يجالس العلماء ويكتب ما يستفيده في العظام ونحوها حتى ملا منها خبايا ثم رحل إلى مالك بالمدينة ولازمه مدة ثم قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين فاجتمع عليه علماؤها ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه وصنف بها كتابه القديم ثم عاد إلى مكة فأقام بها مدة ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهرا ثم خرج إلى مصر ولم يزل بها ناشرا للعلم ملازما للاشتغال بجامعها العتيق إلى أن أصابته ضربة شديدة فمرض بسببها أياما على ما قيل ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى وهو قطب الوجود يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه وانتشر علهم في جميع الافاق وتقدم على الائمة في الخلاف والوفاق وعليه حمل الحديث المشهور " عالم قريش يملا طباق الارض علما " ومن كلامه رضى الله تعالى عنه: أمت مطامعي فأرحت نفسي * * فان النفس ما طمعت تهون: وأحييت القنوع وكان ميتا * * ففى إحيائه عرضى مصون إذا طمع يحل بقلب عبد * * علته مهانة وعلاه هون وله أيضا رضى الله تعالى عنه ما حك جلدك مثل ظفرك * * فتول أنت جميع أمرك
وإذا قصدت لحاجة * * فاقصد لمعترف بقدرك وقد أفرد بعض أصحابه في فضله وكرمه ونسبه وأشعاره كتبا مشهورة وفيما ذكرته تذكرته لاولى الالباب ولولا خوف الملل لشخنت كتابي هذا منها بأبواب وذكرت في شرح المنهاج وغيره ما فيه الكفاية ويكون ذلك المختصر (في غاية الاختصار) أي بالنسبة إلى أطول منه وغاية الشئ معناها

(1/12)


ترتب الاثر على ذلك الشئ كما نقول غاية البيع الصحيح حل الانتفاع بالمبيع وغاية الصلاة الصحيحة إجزاؤها (و) في (نهاية الايجاز) بمثناة تحتية بعد الهمزة أي القصر وظاهر كلامه تغاير لفظي الاختصار والايجاز والغاية والنهاية وهو كذلك فالاختصار حذف عرض الكلام والايجاز حذف طوله كما قاله ابن الملقن ابن الملقن في إشاراته عن بعضهم وقد علم مما تقرر الفرق بين الغاية والنهاية (يقرب) أي يسهل لوضوح عبارته (على المتعلم) أي المبتدى في التعلم شيئا فشيئا (درسه) أي بسبب اختصاره وعذوبة ألفاضه (ويسهل) أي يتيسر (على المبتدى) أي في طلب الفقه (حفضه) عن ظهر قلب لما مر عن الخليل أن الكلام يختصر ليحفظ.
تنبيه: حرف المضارعة في الفعلين مفتوح (و) سألني أيضا بعض الاصدقاء (أن أكثر فيه من التقسيمات) لما يحتاج إلى تقسيمه من الاحكام الفقهية الانية كما في المياه وغيرها مما ستعرفه (و) من (حصر) أي ضبط (الخصال) الواجبة والمندوبة (فأجبته) أي السائل (إلى ذلك) أي إلى تصنيف مختصر بالكيفية المطلوبة وقوله (طالبا) حال من ضمير الفاعل أي مريدا (للثواب) أي الجزاء من الله سبحانه وتعالى على تصنيف هذا المختصر لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم بنتفع به أو ولد صالح يدعو له " وقوله (راغبا) حال أيضا مما ذكر أي ملتجئا (إلى الله سبحانه وتعالى في) الاعائة من فضله على بحصول (التوفيق)

(1/13)


الذى هو خلق قدرة الطاعة في العبد (للصواب) الذى هو ضد الخطأ بأن يقدرى الله على اتمامه كما أقدرنى على ابتدائه فانه كريم جواد لا يرد من سأله واعتمد عليه (إنه) سبحانه وتعالى (على
ما يشاء) أي يريد (قدير) أي قادر والقدرة صفة تؤثر في الشئ عند تعلقها به وهى إحدى الصفات الثمانية القديمة الثابتة عند أهل السنة التى هي صفات الذات القديم المقدس (و) هو سبحانه وتعالى (بعباده جمع عبد وهو كما قال في المحكم الانسان حرا كان أو رقيقا فقد دعى صلى الله عليه وسلم بذلك في أشرف المواطن كالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وقال أبو على الدقاق ليس للمؤمن صفة أتم ولا أشرف من العبودية كما قال القائل: لا تدعني إلا ببا عبدها * * فانه أشرف أسمائي وقوله (لطيف) من أسمائه تعالى بالاجماع واللطف الرأفة والرفق وهو من الله تعالى التوفيق والعصمة بأن يخلق قدرة الطاعة في العبد.
فائدة: قال السهيلي لما جاء البشير إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام أعطاه في البشارة كلمات كان يرويها عن أبيه عن جده عليهم الصفلاة والسلام: وهى يالطيفا فوق كل لطيف الطف بى في أمورى كلها كما أحب ورضني في دنياى وآخرتي وقوله (خبير) من أسمائه تعلى أيضا بالاجماع أي هو عالم بعباده وبأفعالهم وأقوالهم وبمواضع حوائجهم وما تحفيه صدورهم.
وإذ قد أنهينها الكلام بحمد الله تعالى على ما قصدناه من ألفاظ الخطبة فنذكر طرفا من محاسن هذا الكتاب قبل الشروع في المقصود فنقول: إن الله تعالى قد علم من مؤلفه خلوص نيته في تصنيفه فعم النفع به فقل من متعلم إلا ويقرؤه إؤلا إما بحفظ وإما بمطالعة وقد اعني بشرحه كثير من العلماء ففى ذلك دلالة على أنه كان من العلماء العاملين القاصدين بعلمهم وجه الله تعالى جعل الله تعالى قراه الجنة وجعله في أعلى عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وفعل ذلك بنا وبوالدينا ومشايخنا ومحيبنا ولاحول قوة إلا بالله العلى العظيم.
ولما كانت الصلاة أفضل العبادات بعد الايمان

(1/14)


ومن أعظم شروطها الطهارة لقوله صلى الله عليه وسلم " مفتاح الصلاة الطهور " والشرط مقدم طبعا فقدم وضعا بدأ المصنف بها فقال: هذا (كتاب) بيان أحكام (الطهارة) اعلم أن الكتاب لغة معناه الضم والجمع يقال: كتبت كتبا وكتابة وكتابا ومنه قولهم: تكتبت بنو فلان
إذا اجتمعوا، وكتب إذا خط بالقلم لما فيه من اجتماع الكلمات والحروف.
قال أبو حيان: ولا يصح أن يكون مشتقا من الكتب لان المصدر لا يشتق من المصدر.
وأجيب بأن المزيد يشتق من المجرد.
واصطلاحا اسم لجملة مختصة من العلم ويعبر عنها بالباب وبالفصل أيضا.
فإن جمع بين الثلاثة قيل: الكتاب اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبا، والباب اسم لجملة مختصة من الكتاب مشتملة على فصول ومسائل غالبا، والفصل اسم لجملة مختصة من الباب مشتملة على مسائل غالبا.
والباب لغة ما يتوصل منه إلى غيره، والفصل لغة الحاجز بين الشيئين، والكتاب هنا خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى محذوفين كما قدرته، وكذا يقدر في كل كتاب أو باب أو فصل بحسب ما يليق به، وإذ قد علمت ذلك فلا احتياج إلى تقدير ذلك في كل كتاب أو باب أو فصل اختصارا.
(الطهارة لغة وشرعا) والطهارة لغة النظافة والخلوص من الادناس حسية كانت كالانجاس أو معنوية كالعيوب يقال: طهر بالماء وهم قوم يتطهرون، أي يتنزهون عن العيب، وأما في الشرع فاختلف في تفسيرها وأحسن ما قيل فيه إنه ارتفاع المنع المترتب على الحدث والنجس فيدخل فيه غسل الذمية والمجنونة ليحلا لحليلهما المسلم، فإن الامتناع من الوطئ قد زال، وقد يقال: إنه ليس شرعيا لانه لم يرفع حدثا ولم يزل نجسا، وكذا يقال في غسل الميت المسلم فإنه أزال المنع من

(1/15)


الصلاة عليه ولم يزل به حدث ولا نجس بل هو تكرمة للميت، وقيل هي فعل ما تستباح به الصلاة.
(تقسيم الطهارة إلى واجب ومستحب) وتنقسم إلى واجب كالطهارة عن الحدث، ومستحب كتجديد الوضوء والاغسال المسنونة ثم الواجب ينقسم إلى بدني وقلبي، فالقلبي كالحسد والعجب والكبر والرياء.
قال الغزالي: معرفة حدودها وأسبابها وطبها وعلاجها فرض عين يجب تعلمه، والبدني إما بالماء أو بالتراب أو بهما كما في ولوغ الكلب أو بغيرهما كالحريف في الدباغ أو بنفسه كانقلاب الخمر خلا.
(القول في أنواع المياه) وقوله: (المياه) جمع ماء، والماء ممدود على الافصح، وأصله موه تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ثم أبدلت الهاء همزة.
ومن عجيب لطف الله تعالى أنه أكثر منه ولم يحوج فيه إلى كثير معالجة لعموم الحاجة إليه (التي يجوز التطهير بها) أي بكل واحد منها عن الحدث والخبث.
والحدث في اللغة: الشئ الحادث وفي الشرع يطلق على أمر اعتباري يقوم بالاعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص، وعلى الاسباب التي ينتهي بها
الطهر، وعلى المنع المترتب على ذلك، والمراد هنا الاول لانه الذي لا يرفعه إلا الماء بخلاف المنع لانه صفة الامر الاعتباري فهو غيره، لان المنع هو الحرمة وهي ترتفع ارتفاعا مقيدا بنحو التيمم بخلاف الاول.
ولا فرق في الحدث بين الاصغر وهو ما نقض الوضوء، والمتوسط وهو ما أوجب الغسل من جماع أو إنزال، والاكبر وهو ما أوجبه من حيض أو نفاس.
والخبث في اللغة ما يستقذر، وفي الشرع مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص ولا فرق فيه بين المخفف كبول صبي لم يطعم غير لبن، والمتوسط كبول غيره من غير نحو الكلب، والمغلظ كبول نحو الكلب.
وإنما تعين الماء في رفع الحدث لقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * والامر للوجوب فلو رفع غير الماء لما وجب التيمم عند فقده.
ونقل ابن المنذر وغيره الاجماع على اشتراطه في الحدث إزالة الخبث لقوله (ص) في خبر الصحيحين حين بال الاعرابي في المسجد: صبوا عليه ذنوبا من ماء والذنوب: الدلو الممتلئة ماء.
والامر للوجوب كما مر، فلو كفى غيره لما وجب غسل البول به ولا يقاس به غيره، لان الطهر به عند الامام تعبدي، وعند غيره معقول المعنى لما فيه من الرقة واللطافة التي لا توجد في غيره.
تنبيه: يجوز إذا أضيف إلى العقود كان بمعنى الصحة، وإذا أضيف إلى الافعال كان بمعنى الحل

(1/16)


وهو هنا بمعنى الامرين، لان من أمر غير الماء على أعضاء الطهارة بنية الوضوء أو الغسل لا يجوز ويحرم لانه تقرب بما ليس موضوعا للتقرب فعصى لتلاعبه، (سبع مياه) بتقديم السين على الموحدة: أحدها (ماء السماء) لقوله تعالى * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) * وبدأ المصنف رحمه الله بها لشرفها على الارض كما هو الاصح في المجموع.
وهل للمراد بالسماء في الآية الجرم المعهود أو السحاب ؟ قولان.
حكاهما النووي في دقائق الروضة، ولا مانع من أن ينزل من كل منهما.
(و) ثانيها: (ماء البحر) أي المالح لحديث: هو الطهور ماؤه الحل ميتته صححه الترمذي وسمي بحرا لعمقه واتساعه.
تنبيه: حيث أطلق البحر فالمراد به المالح غالبا، ويقل في العذب كما قاله في المحكم.
فائدة: اعترض بعضهم على الشافعي في قوله: كل ماء من بحر عذب أو مالح فالتطهير به جائز بأنه لحن، وإنما يصح من بحر ملح وهو مخطئ في ذلك.
قال الشاعر: (الطويل)
فلو تفلت في البحر والبحر مالح لاصبح ماء البحر من ريقها عذبا ولكن فهمه السقيم أداه إلى ذلك قال الشاعر: وكم من عائب قولا صحيحا وافته من الفهم السقيم (و) ثالثها: (ماء النهر) العذب وهو بفتح الهاء وسكونها كالنيل والفرات ونحوهما بالاجماع.
(و) رابعها: (ماء البئر) لقوله (ص): الماء لا ينجسه شئ لما سئل عن بئر بضاعة بالضم لانه توضأ منها ومن بئر رومة.
تنبيه: شمل إطلاقه البئر بئر زمزم لانه (ص) توضأ منها.
وفي المجموع حكاية الاجماع على صحة الطهارة به، وإنه لا ينبغي إزالة النجاسة به، سيما في الاستنجاء لما قيل إنه يورث البواسير، وذكر نحوه ابن الملقن في شرح البخاري، وهل إزالة النجاسة به حرام أو مكروه أو خلاف الاولى ؟ أوجه حكاها الدميري والطيب الناشري من غير ترجيح تبعا للاذرعي.
والمعتمد الكراهة، لان أبا ذر رضي الله تعالى عنه أزال به الدم الذي أدمته قريش حين رجموه كما هو في صحيح مسلم، وغسلت أسماء بنت أبي بكر ولدها عبد الله ابن الزبير رضي الله تعالى عنهم حين قتل وتقطعت أوصاله بماء زمزم بمحضر من الصحابة وغيرهم، ولم ينكر ذلك عليها أحد منهم.
(و) خامسها: (ماء العين) الارضية كالنابعة من أرض أو الجبل، أو الحيوانية كالنابعة من الزلال وهو شئ ينعقد من الماء على صورة الحيوان، أو الانسانية كالنابعة، من بين أصابعه (ص) من ذاتها على خلاف فيه، وهو أفضل المياه مطلقا.
(و) سادسها: (ماء الثلج) بالمثلثة (و) سابعها: (ماء البرد) بفتح الراء لانهما ينزلان من السماء ثم يعرض لهما الجمود في الهواء كما يعرض لهما على وجه الارض قاله ابن الرفعة في الكفاية.
فلا يردان على المصنف وكذا لا يرد عليه أيضا رشح بخار الماء لانه ماء حقيقة وينقص بقدره، وهذا هو المعتمد كما صححه النووي

(1/17)


في مجموعه وغيره، وإن قال الرافعي تازع فيه عامة الاصحاب وقالوا يسمونه بخارا أو رشحا لا ماء على الاطلاق، ولا ماء الزرع إذا قلنا بطهوريته وهو المعتمد لانه لا يخرج عن أحد المياه المذكورة على أربعة أقسام).
أحدها: ماء (طاهر) في نفسه (مطهر) لغيره (غير مكروه) استعماله (وهو الماء
المطلق) وهو ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد بإضافة كماء ورد أو بصفة كماء دافق، أو بلام عهد كقوله (صلى الله عليه واله وسلم): نعم إذا رأت الماء يعني المني قال الولي العراقي: ولا يحتاج لتقييد القيد بكونه لازما لان القيد الذي ليس بلازم كماء البئر مثلا ينطلق اسم الماء عليه بدونه، فلا حاجة للاحتراز عنه، وإنما يحتاج إلى القيد في جانب الاثبات كقولنا غير المطلق هو المقيد بقيد لازم.
اه.
(الماء المطلق يشمل المتغير بما لا يستغنى عنه حكما أو اسما) تنبيه: تعريف المطلق بما ذكر هو ما جرى عليه في المنهاج.
وأورد عليه المتغير كثيرا بما لا يؤثر فيه كطين وطحلب، وما في مقره وممره فإنه مطلق مع أنه لم يعر عما ذكر.
وأجيب بمنع أنه مطلق وإنما أعطى حكمه في جواز التطهير به للضرورة فهو مستثنى من غير المطلق على أن الرافعي قال: أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه وعليه لا إيراد، ولا يرد الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره ولا الماء المستعمل لانه غير مطلق.
(و) ثانيها: ماء (طاهر) في نفسه (مطهر) لغيره إلا (أنه مكروه) استعماله شرعا تنزيها في الطهارة (وهو الماء المشمس) أي المتشمس، لما روى الشافعي

(1/18)


رضي الله تعالى عنه، عن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه كان يكره الاغتسال به وقال: إنه يورث البرص لكن بشروط: الاول: أن يكون ببلاد حارة أي وتنقله الشمس عن حالته إلى حالة أخرى كما نقله في البحر عن الاصحاب.
والثاني: أن يكون في آنية منطبعة غير النقدين وهي كل ما طرق نحو الحديد والنحاس.
والثالث: أن يستعمل في حال حرارته في البدن، لان الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء، فإذا لاقت البدن بسخونتها خيف أن تقبض عليه فيحتبس الدم فيحصل البرص، ويؤخذ من هذا أن استعماله في البدن لغير الطهارة كشرب كالطهارة بخلاف ما إذا استعمل في غير البدن كغسل ثوب لفقد العلة المذكورة، وبخلاف المسخن بالنار المعتدل، وإن سخن بنجس ولو بروث نحو كلب فلا يكره لعدم ثبوت النهي عنه، ولذهاب الزهومة لقوة تأثيرها، وبخلاف ما إذا كان ببلاد باردة أو معتدلة، وبخلاف المشمس في غير المنطبع كالخزف والحياض، أو في منطبع نقد لصفاء جوهره أو استعمل في البدن بعد أن برد، وأما المطبوخ به فإن كان مائعا كره وإلا فلا كما قاله الماوردي.
ويكره في الابرص لزيادة الضرر، وكذا في الميت لانه محترم، وفي غير الآدمي من الحيوان إن كان البرص يدركه كالخيل، وإنما لم يحرم المشمس كالسم لان ضرره مظنون
بخلاف السم، ويجب استعماله عند فقد غيره.
أي عند ضيق الوقت.
(القول في الماء شديد السخونة والبرودة) ويكره أيضا تنزيها شديد السخونة أو البرودة في الطهارة لمنعه الاسباغ، وكذا مياه ديار ثمود وكل ماء مغضوب على أهله كماء ديار قوم لوط وماء البئر التي وضع فيها السحر لرسول الله (ص).
فإن الله تعالى مسخ ماءها حتى صار كنقاعة الحناء وماء ديار بابل.
(القول في أقسام الطاهر غير المطهر) (و) ثالثها: ماء (طاهر) في نفسه (غير مطهر) لغيره (وهو الماء) القليل (المستعمل) في فرض الطهارة عن حدث كالغسلة الاولى، أما كونه طاهرا فلان السلف الصالح كانوا لا يحترزون عما يتطاير عليهم منه.
وفي الصحيحين أنه (ص): عاد جابرا في مرضه فتوضأ وصب عليه من وضوئه.
وأما دليل إنه غير مطهر لغيره فلان السلف الصالح كانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل للاستعمال ثانيا بل انتقلوا إلى التيمم ولم يجمعوه للشرب لانه مستقذر.
(القول في الماء المستعمل) تنبيه: المراد بالفرض ما لا بد منه أثم الشخص بتركه كحنفي توضأ بلا نية، أم لا كصبي إذ لا بد لصحة صلاتهما من وضوء، ولا أثر لاعتقاد الشافعي أن ماء الحنفي فيما ذكر لم يرفع حدثا بخلاف اقتدائه بحنفي مس فرجه حيث لا يصح اعتبارا باعتقاده لان الرابطة معتبرة في الاقتداء دون الطهارات.

(1/19)


تنبيه: اختلف في علة منع استعمال الماء المستعمل، فقيل وهو الاصح إنه غير مطلق كما صححه النووي في تحقيقه وغيره، وقيل: مطلق ولكن منع من استعماله تعبدا كما جزم به الرافعي.
وقال النووي في شرح التنبيه: إنه الصحيح عند الاكثرين.
وخرج بالمستعمل في فرض المستعمل في نفل الطهارة كالغسل المسنون والوضوء المجدد فإنه طهور على الجديد.
تنبيه: من المستعمل ماء غسل بدل مسح من رأس أو خف، وماء غسل كافرة لتحل لحليلها المسلم.
وأورد على ضابط المستعمل ماء غسل به الرجلان بعد مسح الخف، وماء غسل به الوجه قبل بطلان التيمم، وماء غسل به الخبث المعفو عنه، فإنها لا ترفع الحدث مع أنها لم تستعمل في فرض.
وأجيب عن الاول بمنع عدم رفعه لان غسل الرجلين لم يؤثر شيئا.
وعن الثاني بأنه استعمل في فرض وهو رفع الحدث المستفاد به أكثر من فريضة.
وعن الثالث بأنه استعمل في فرض أصالة.
(لا يكون الماء مستعملا إلا إذا انفصل عن العضو)
فائدة: الماء ما دام مترددا على العضو لا يثبت له حكم الاستعمال ما بقيت الحاجة إلى الاستعمال بالاتفاق للضرورة، فلو نوى جنب رفع الجنابة ولو قبل تمام الانغماس في ماء قليل أجزأه الغسل به في ذلك الحدث، وكذا في غيره ولو من غير جنسه كما هو مقتضى كلام الائمة، وصرح به القاضي وغيره، ولو نوى جنبان معا بعد تمام الانغماس في ماء قليل طهرا أو مرتبا ولو قبل تمام الانغماس فالاول فقط، أو نويا معا في أثنائه لم يرتفع حدثهما عن باقيهما، ولو شكا في المعية فالظاهر كما بحثه بعضهم أنهما يطهران لانا لا نسلب الطهورية بالشك وسلبها في حق أحدهما فقط ترجيح بلا مرجح، والماء المتردد على عضو المتوضئ وعلى بدن الجنب وعلى المتنجس إن لم يتغير طهور، فإن جرى الماء من عضو المتوضئ إلى عضوه الآخر، وإن لم يكن من أعضاء الوضوء كأن جاوز منكبه أو تقاطر من عضو - ولو من عضو بدن الجنب صار مستعملا نعم منا يغلب فيه التقاذف كمن الكف إلى لساعد وعكسه لا يصير

(1/20)


مستعملا للعذر، وإن خرقه الهواء كما جزم به الرافعي، ولو غرف بكفه جنب نوى رفع الجنابة أو محدث بعد غسل وجهه الغسلة الاولى على ما قاله الزركشي وغيره أو الغسلات الثلاث كما قاله ابن عبد السلام وهو أوجه إن لم يرد الاقتصار على أقل من ثلاث من ماء قليل ولم ينو الاغتراف بأن نوى استعمالا أو أطلق صار مستعملا، فلو غسل بما في كفه باقي يده لا غيرها أجزأه، أما إذا نوى الاغتراف بأن قصد نقل الماء من الاناء والغسل به خارجه لم يصر مستعملا.
(و) مثل الماء المستعمل الماء (المتغير) طعمه أو لونه أو ريحه (بما) أي بشئ (خالطه من) الاعيان (الطاهرات) التي لا يمكن فصلها المستغنى عنها كمسك وزعفران وماء شجر ومني وملح جبلي تغيرا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، سواء كان الماء قليلا أم كثيرا لانه لا يسمى ماء، ولهذا لو حلف لا يشرب ماء أو وكل في شرائه فشرب ذلك أو اشتراه له وكيله لم يحنث ولم يقع الشراء له، وسواء أكان التغير حسيا أم تقديريا.
(حقيقة التغيير التقديري) حتى لو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات كماء الورد المنقطع الرائحة فلم يتغير، ولو قدرناه بمخالف وسط كلون العصير وطعم الرمان وريح اللاذن لغيره ضر بأن تعرض عليه جميع هذه الصفات لا المناسب للواقع فيه فقط، ولا يقدر بالاشد كلون الحبر وطعم الخل وريح المسك، بخلاف الخبث لغلظه، أما الملح المائي
فلا يضر التغير به وإن كثر لانه منعقد من الماء، والماء المستعمل كمائع فيفرض مخالفا وسطا للماء في صفاته لا في تكثير الماء، فلو ضم إلى ماء قليل فبلغ قلتين صار طهورا وإن أثر في الماء بفرضه مخالفا.
ولا يضر تغير يسير بطاهر لا يمنع الاسم لتعذر صون الماء عنه، ولبقاء إطلاق اسم الماء عليه، وكذا لو شك في أن تغيره كثير أو يسير، نعم إن كان التغير كثيرا ثم شك في أن التغير الآن يسير أو كثير لم يطهر عملا بالاصل في الحالتين قاله الاذرعي، ولا يضر تغير بمكث وإن فحش التغير وطين وطحلب وما في مقره وممره ككبريت وزرنيخ ونورة لتعذر صون الماء عن ذلك، ولا يضر أوراق شجرة تناثرت وتفتتت واختلطت وإن كانت ربيعية أو بعيدة عن الماء لتعذر صون الماء عنها، إن طرحت وتفتتت

(1/21)


أو أخرج منه الطحلب أو الزرنيخ ودق ناعما وألقي فيه فغيره فإنه يضر، أو تغير بالثمار الساقطة فيه، لامكان التحرز عنها غالبا.
(حقيقة الفرق بين المخالط والمجاور) واحترز بقيد المخالط عن المجاور الطاهر كعود ودهن ولو مطيبين وكافور صلب فلا يضر التغير به لامكان فصله وبقاء اسم الاطلاق عليه.
وكذا لا يضر التغير بتراب ولو مستعملا طرح لان تغيره مجرد كدورة فلا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، نعم إن تغير حتى صار لا يسمى إلا طينا رطبا ضر، وما تقرر في التراب المستعمل هو المعتمد وإن خالف فيه بعض المتأخرين.
(القول في أقسام الماء المتنجس) (و) رابعها: (ماء نجس) أي متنجس (وهو الذي حلت فيه) أو لاقته (نجاسة) تدرك بالبصر (وهو) قليل (دون القلتين) بثلاثة أرطال فأكثر سواء تغير أم لا، لمفهوم حديث القلتين الآتي ولخبر مسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده نهاه عن الغمس خشية النجاسة، ومعلوم أنها إذا خفيت لا تغير الماء فلولا أنها تنجسه بوصولها لم ينهه.
(لا يتنجس الكثير إلا بالتغيير بالنجاسة) (أو كان كثيرا) بأن بلغ قلتين فأكثر (فتغير) بسبب النجاسة لخروجه عن الطاهرية، ولو كان التغير يسيرا حسيا أو تقديريا، فهو نجس بالاجماع المخصص لخبر القلتين الآتي ولخبر الترمذي وغيره: الماء لا ينجسه شئ كما خصصه مفهوم خبر القلتين الآتي، فالتغير الحسي ظاهر.
(حقيقة التغيير التقديري) والتقديري بأن وقعت فيه نجاسة مائعة توافقه في الصفات، كبول انقطعت رائحته ولو فرض مخالفا له في أغلظ الصفات، كلون الحبر وطعم الخل وريح المسك لغيره، فإنه يحكم بنجاسته فإن لم يتغير فطهور لقوله (ص):
إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث قال الحاكم: على شرط الشيخين.
وفي رواية لابي داود وغيره بإسناد صحيح: فإنه لا ينجس وهو المراد بقوله: لم يحمل الخبث أي يدفع النجس ولا يقبله وفارق كثير الماء كثير غيره فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة بأن كثيره قوي ويشق حفظه عن النجس بخلاف غيره وإن كثر.
تنبيهان: الاول: لو شك في كونه قلتين ووقعت فيه نجاسة هل ينجس أو لا ينجس ؟ رأيان أصحهما الثاني، بل قال النووي في شرح المهذب: الصواب أنه لا ينجس إذ الاصل الطهارة، وشككنا في نجاسة منجسة ولا يلزم من حصول النجاسة التنجيس.
الثاني: لو تغير بعض الماء فالمتغير كنجاسة جامدة لا يجب التباعد عنها بقلتين والباقي إن قل فنجس وإلا فطاهر، فلو غرف دلوا من ماء قلتين فقط وفيه نجاسة جامدة لم تغيره ولم يغرفها مع الماء فباطن الدلو طاهر لانفصال ما فيه عن الباقي قبل أن ينقص عن قلتين لا ظاهرها لتنجسه بالباقي المتنجس بالنجاسة لقلته، فإن دخلت مع الماء أو قبله في الدلو انعكس الحكم.

(1/22)


فائدة: تأنيث الدلو أفصح من تذكيره.
(القول في حكم زوال التغيير) فإن زال تغيره الحسي أو التقديري بنفسه بأن لم يحدث فيه شئ كأن زال بطول المكث أو بماء انضم إليه بفعل أو غيره أو أخذ منه، والباقي قلتان طهر لزوال سبب التنجيس.
فإن زال تغيره بمسك أو نحوه كزعفران أو بتراب لم يطهر، لانا لا ندري أن أوصاف النجاسة زالت أو غلب عليها ما ذكر فاستترت، ويستثنى من النجس ميتة لا دم لها سائل أصالة بأن لا يسيل دمها عند شق عضو منها في حياتها كزنبور وعقرب ووزغ وذباب وقمل وبرغوث، لا نحو حية وضفدع وفأرة فلا تنجس ماء أو غيره بوقوعها فيه بشرط أن لا يطرحها طارح، ولم تغيره لمشقة الاحتراز عنها ولخبر البخاري: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء أي وهو اليسار كما قيل وفي الآخر شفاء زاد أبو داود وإنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء وقد يفضي غمسه إلى موته، فلو نجس المائع لما أمر به، وقيس بالذباب ما في معناه من كل ميتة لا يسيل دمها، فلو شككنا في سيل دمها امتحن بجنسها
فيجرح للحاجة قاله الغزالي في فتاويه، ولو كانت مما يسيل دمها لكن لا دم فيها أو فيها دم لا يسيل لصغرها فلها حكم ما يسيل دمها قاله القاضي أبو الطيب.
(القول في النجاسة المعفو عنها) ويستثنى أيضا نجس لا يشاهد بالبصر لقلته كنقطة بول وخمر، وما يعلق بنحو رجل ذباب لعسر الاحتراز عنه فأشبه دم البراغيث.
قال الزركشي: وقياس استثناء دم الكلب من يسير الدم المعفو عنه أن يكون هنا مثله، وقد يفرق بينهما بالمشقة والفرق أوجه ويعفى أيضا عن روث سمك لم يغير الماء، وعن اليسير عرفا من شعر نجس من غير نحو كلب، وعن كثيره من مركوب، وعن قليل دخان نجس وغبار سرجين ونحوه مما تحمله الريح كالذر، وعن حيوان متنجس المنفذ إذا وقع في الماء للمشقة في صونه، ولهذا لا يعفى عن آدمي مستجمر

(1/23)


وعن الدم الباقي على اللحم والعظم، فإنه يعفى عنه ولو تنجس فم حيوان طاهر من هرة أو غيرها ثم غاب وأمكن وروده ماء كثيرا، ثم ولغ في طاهر لم ينجسه مع حكمنا بنجاسة فمه، لان الاصل نجاسته وطهارة الماء وقد اعتضد أصل طهارة الماء باحتمال ولوغه في ماء كثير في الغيبة فرجح.
(القول في ضبط القلتين بالوزن) (والقلتان) بالوزن (خمسمائة رطل) بكسر الراء أفصح من فتحها (بالبغدادي) أخذا من رواية البيهقي وغيره إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه شئ والقلة في اللغة الجرة العظيمة سميت بذلك لان الرجل العظيم يقلها بيديه أي يرفعها وهجر بفتح الهاء والجيم قرية بقرب المدينة النبوية يجلب منها القلال، وقيل هي بالبحرين قاله الازهري.
قال في الخادم: وهو الاشبه.
ثم روي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر فإذا القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا.
أي من قرب الحجاز، فاحتاط الشافعي رضي الله تعالى عنه فحسب الشئ نصفا، إذ لو كان فوقه لقال تسع ثلاث قرب إلا شيئا على عادة العرب، فتكون القلتان خمس قرب، والغالب أن القربة لا تزيد على مائة رطل بغدادي وهو مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم في الاصح، فالمجموع به خمسمائة رطل.
(تقريبا في الاصح) فيعفى عن نقص رطل أو رطلين على ما صححه في الروضة وصحح في التحقيق ما جزم به الرافعي أنه لا يضر نقص قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغير بقدر معين من الاشياء المغيرة، كأن تأخذ إناءين في واحد قلتان وفي الآخر دونهما،
ثم تضع في أحدهما قدرا من المغير وتضع في الآخر قدره.
فإن لم يظهر بينهما تفاوت في التغير لم يضر ذلك وإلا ضر، وهذا أولى من الاول لضبطه.
(القول في القلتين بالمساحة) وبالمساحة في المربع ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا.
وفي المدور ذراعان طولا وذراع عرضا، والمراد فيه بالطول العمق، وبالعرض ما بين حائطي البئر من سائر الجوانب، وبالذراع في المربع ذراع الآدمي وهو شبران تقريبا.
وأما في المدور فالمراد به في الطول ذراع التجار الذي هو بذراع الآدمي ذراع وربع تقريبا.
(حقيقة حكم الماء الجاري) والماء الجاري وهو ما اندفع في مستو أو منخفض كراكد فيما مر من التفرقة بين القليل والكثير، وفيما استثني لمفهوم حديث القلتين فإنه لم يفصل بين الجاري والراكد، لكن العبرة في الجاري بالجرية نفسها لا بمجموع الماء وهي كما في المجموع الدفعة بين حافتي النهر عرضا، والمراد بها ما يرتفع من الماء عند تموجه: أي تحقيقا أو تقديرا فإن كثرت الجرية لم تنجس إلا بالتغير وهي في نفسها منفصلة عما أمامها وما خلفها من الجريات حكما، وإن اتصلت بهما حسا.
إذ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها من الجريات، ويعرف كون الجرية قلتين بأن يمسحا ويجعل الحاصل ميزانا، ثم يؤخذ قدر عمق الجرية ويضرب

(1/24)


في قدر طولها، ثم الحاصل في قدر عرضها بعد بسط الاقدار من مخرج الربع لوجوده في مقدار القلتين في المربع، فمسح القلتين بأن تضرب ذراعا وربعا طولا في مثلهما عرضا في مثلهما عمقا يحصل مائة وخمسة وعشرون وهي الميزان، أما إذا كان أمام الجاري ارتفاع يرده فله حكم الراكد.
(فصل) في بيان ما يطهر بدباغه وما يستعمل من الآنية وما يمتنع (وجلود) الحيوانات (الميتة) كلها (تطهر) ظاهرا وباطنا (بالدباغ) وأو بإلقاء الدابغ عليه بنحو ريح أو بإلقائه على الدابغ كذلك لقوله (ص): أيما إهاب دبغ فقد طهر رواه مسلم.
وفي رواية: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به والظاهر ما لاقى الدابغ والباطن ما لم يلاق الدابغ، ولا فرق في الميتة بين أن تكون مأكولة اللحم أم لا، كما يقتضيه عموم الحديث.
(ضابط الدباغ) والدبغ: نزع فضوله وهي مائيته ورطوبته التي يفسده بقاؤها ويطيبه نزعها بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه النتن والفساد، وذلك إنما يحصل بحريف بكسر الحاء المهملة وتشديد الراء كالقرظ والعفص وقشور الرمان، ولا فرق
في ذلك بين الطاهر كم ذكر والنجس كذرق الطيور، ولا يكفي التجميد بالتراب ولا بالشمس، ونحو ذلك مما لا ينزع الفضول.
وإن جف الجلد وطابت رائحته لان الفضلات لم تزل، وإنما جمدت بدليل أنه لو نقع في الماء عادت إليه العفونة.
(القول في حكم الجلد بعد الدبغ) ويصير المدبوغ كثوب متنجس لملاقاته للادوية النجسة، أو التي تنجست به قبل طهر عينه فيجب غسله لذلك، فلا يصلى فيه ولا عليه قبل غسله، ويجوز بيعه قبله ما لم يمنع من ذلك مانع، ولا يحل أكله سواء كان من مأكول اللحم أم من غيره لخبر الصحيحين: إنما حرم من الميتة أكلها وخرج بالجلد الشعر لعدم تأثره بالدبغ.
قال النووي: ويعفى عن قليله.
(إلا جلد الكلب والخنزير) فلا يطهره الدبغ قطعا، لان الحياة في إفادة الطهارة أبلغ من الدبغ والحياة لا تفيد طهارته.
(و) كذا (ما تولد منهما أو من أحدهما) مع حيوان طاهر لما ذكر، (وعظم) الحيوانات (الميتة وشعرها) وقرنها وظفرها وظلفها (نجس) لقوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة والدم) * وتحريم ما لا حرمة له ولا ضرر فيه يدل على نجاسته، والميتة: ما زالت حياتها بغير ذكاة شرعية فيدخل في الميتة ما لا يؤكل إذا ذبح، وكذا ما يؤكل إذا اختل فيه شرط من شروط التذكية كذبيحة المجوسي والمحرم للصيد وما ذبح بالعظم ونحوه.
(القول في ما قطع من حي) والجزء المنفصل من الحي: كميتة ذلك الحي إن كان طاهرا فطاهر، وإن كان نجسا فنجس لخبر: ما قطع من حي فهو كميتته رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين، فالمنفصل من الآدمي أو السمك أو الجراد طاهر ومن غيرها نجس.
(إلا شعر)

(1/25)


أو صوف أو ريش أو وبر المأكول فطاهر بالاجماع ولو نتف منها أو انتتفت.
قال الله تعالى: * (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) * وهو محمول على ما أخذ بعد التذكية أو في الحياة على ما هو المعهود، ولو شككنا فيما ذكر هل انفصل من طاهر أو نجس حكمنا بطهارته، لان الاصل الطهارة.
وشككنا في النجاسة والاصل عدمها بخلاف ما لو رأينا قطعة لحم وشككنا هل هي من مذكاة أو لا ؟ لان الاصل عدم التذكية والشعر على العضو المبان نجس إذا كان العضو نجسا تبعا له، والشعر المنفصل من (الآدمي) سواء انفصل منه في حال حياته أم بعد موته طاهر لقوله تعالى: * (ولقد كرمنا بني آدم) * وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسته بالموت وسواء المسلم وغيره، وأما
قوله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * فالمراد به نجاسة الاعتقاد أو اجتنابهم كالنجس لا نجاسة الابدان.
وتحل ميتة السمك والجراد لقوله (ص): أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال.
ثم اعلم أن الاعيان جماد وحيوان: فالجماد كله طاهر لانه خلق لمنافع العباد ولو من بعض الوجوه.
قال تعالى: * (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا) * وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة إلا ما نص الشارع على نجاسته وهو كل مسكر مائع لقوله (ص): كل مسكر خمر وكل خمر حرام وكذا الحيوان كله طاهر لما مر إلا ما استثناه الشارع أيضا وهو: الكلب ولو معلما لخبر مسلم: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب.
وجه الدلالة أن الطهارة إما لحدث أو خبث أو تكرمة ولا حدث على الاناء ولا تكرمة له، فتعينت طهارة الخبث فثبتت نجاسة فمه وهو أطيب أجزائه، بل هو أطيب الحيوانات نكهة لكثرة ما يلهث فبقيتها أولى، والخنزير لانه أسوأ حالا من الكلب وفرع كل منهما مع الآخر أو مع غيره من الحيوانات الطاهرة كالمتولد بين ذئب وكلبة تغليبا للنجاسة، وإن الفضلات منها ما يستحيل في باطن الحيوان وهو نجس كدم ولو تحلب من كبد أو طحا لقوله تعالى * (حرمت عليكم الميتة والدم) * أي الدم المسفوح وقيح لانه دم مستحيل وقئ، وإن لم يتغير وهو الخارج من المعدة لانه من الفضلات المستحيلة كالبول وجرة وهي بكسر الجيم ما يخرجه البعير أو غيره للاجترار، ومرة وهي بكسر الميم ما في المرارة.
وأما الزباد فطاهر.
قال في المجموع: لانه إما لبن سنور بحري كما قاله الماوردي أو عرق سنور بري كما سمعته من ثقات من أهل الخبرة بهذا، ولكن يغلب اختلاطه بما يتساقط من شعره فليحترز عما وجد فيه، فإن الاصح منع أكل البري، وينبغي العفو عن قليل شعره، وأما المسك فهو أطيب الطيب كما رواه مسلم.
وفأرته طاهرة، وهي خراج بجانب سرة الظبية كالسلعة فتحتك حتى تلقيها واختلفوا في العنبر، فمنهم من قال: إنه نجس لانه مستخرج من بطن دويبة لا يؤكل لحمها،

(1/26)


ومنهم من قال إنه طاهر لانه ينبت في البحر ويلفظه، وهذا هو الظاهر وروث ولو من سمك وجراد لما روى البخاري: إنه (ص) لما جئ له بحجرين وروثة ليستنجي بها أخذ الحجرين
ورد الروثة وقال: وهذا ركس والركس: النجس وبول للامر بصب الماء عليه في بول الاعرابي في المسجد رواه الشيخان.
ومذي وهو بالمعجمة ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة عند ثورانها للامر بغسل الذكر منه في خبر الصحيحين في قصة علي رضي الله تعالى عنه، وودي وهو بالمهملة ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول أو عند حمل شئ ثقيل قياسا على ما قبله، والاصح طهارة مني غير الكلب والخنزير، وفرع أحدهما لانه أصل حيوان طاهر، ولبن ما لا يؤكل غير لبن الآدمي كلبن الاتان لانه يستحيل في الباطن كالدم، أما لبن ما يؤكل لحمه كلبن الفرس وإن ولدت بغلا فطاهر.
قال تعالى: * (لبنا خالصا سائغا للشاربين) *.
وكذا لبن الآدمي إذ لا يليق بكرامته أن يكون منشؤه نجسا وكلامهم شامل للبن الميتة، وبه جزم في المجموع ولبن الذكر والصغيرة وهو المعتمد، ومنها ما لا يستحيل وهو طاهر كعرق ولعاب ودمع من حيوان طاهر، والعلقة وهي الدم الغليظ المستحيل من الدم في الرحم والمضغة وهي العلقة التي تستحيل فتصير قطعة لحم، ورطوبة الفرج من حيوان طاهر ولو غير مأكول طاهرة.
(القول في ما يطهر من نجس العين) ولا يطهر نجس العين بغسل ولا باستحالة إلا شيئان أحدهما: الجلد إذا دبغ كما مر، والثاني: الخمرة إذا تخللت بنفسها فتطهر وإن نقلت من شمس إلى ظل أو عكسه، فإن خللت بطرح شئ فيها لم تطهر وما نجس بملاقاة شئ من كلب غسل سبعا.
إحداها: بتراب طهور يعم محل النجاسة والخنزير كالكلب، وكذا ما تولد منهما أو من أحدهما، فيلحف بذلك.
وما نجس ببول صبي لم يتناول قبل مضي حولين غير لبن للتغذي نضح بالماء لخبر الصحيحين عن أم قيس، أنها جاءت بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه رسول الله (ص) في حجره فبال عليه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله.
وما نجس بغير الكلب ونحوه والصبي الذي لم يتناول غير اللبن إن كانت النجاسة حكمية وهي ما يتيقن وجودها ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا ريح كفى وصول الماء إلى ذلك المحل بحيث يسيل عليه زائدا على النضح، وإن كانت عينية وجب بعد زوال عينها إزالة الطعم، وإن عسر، ولا يضر بقاء لون كلون الدم أو ريح كريح الخمر عسر زواله للمشقة، بخلاف ما إذا سهل فيضر بقاؤه فإن بقيا بمحل واحد معا ضر لقوة دلالتهما على بقاء العين، ويشترط ورود الماء على المحل إن كان قليلا لئلا يتنجس الماء لو عكس.
(القول في حكم الغسالة) والغسالة طاهرة إن انفصلت بلا تغير ولم يزد الوزن وقد طهر المحل.
فروع: يطهر بالغسل مصبوغ بمتنجس انفصل منه، ولم يزد المصبوغ وزنا بعد الغسل على وزنه قبل

(1/27)


الصبغ، وإن بقي اللون لعسر زواله، فإن زاد وزنه ضر، فإن لم ينفصل عنه لتعقده به لم يطهر لبقاء النجاسة فيه، ولو صب على موضع نحو بول أو خمر من أرض ماء غمره طهر.
أما إذا صب على نفس نحو البول فإنه لا يطهر، واللبن بكسر الموحدة إن خالطه نجاسة جامدة كالروث لم يطهر وإن طبخ وصار آجرا لعين النجاسة، وإن خالطه غيرها كالبول طهر ظاهره بالغسل، وكذا باطنه إن نقع في الماء إن كان رخوا يصله الماء كالعجين، ولو سقيت سكين أو طبخ لحم بماء نجس كفى غسلهما، ويطهر الزئبق المتنجس بغسل ظاهره إن لم يتخلل بين تنجسه وغسله تقطع، وإلا لم يطهر كالدهن.
ويكفي غسل موضع نجاسة وقعت على ثوب ولو عقب عصره ولو تنجس مائع غير الماء ولو دهنا تعذر تطهيره إذ لا يأتي الماء على كله، وإذا غسل فمه المتنجس فليبالغ في الغرغرة ليغسل كل ما في حد الظاهر، ولا يبلع طعاما ولا شرابا قبل غسله لئلا يكون آكلا للنجاسة.
(القول في حكم أواني الذهب والفضة) (ولا يجوز) لذكر أو غيره (استعمال) شئ من (أواني الذهب) وأواني (الفضة) بالاجماع، ولقوله (ص): لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها.
متفق عليه.
ويقاس غير الاكل

(1/28)


والشرب عليهما، وإنما خصا بالذكر لانهما أظهر وجوه الاستعمال وأغلبها، ويحرم على الولي أن يسقي الصغير بمسعط من إنائهما، ولا فرق بين الاناء الكبير والاناء الصغير حتى ما يخلل به أسنانه، والميل الذي يكتحل به إلا لضرورة، كأن يحتاج إلى جلاء عينه بالميل فيباح استعماله والوضوء منه صحيح، والمأخوذ منه من مأكول أو غيره حلال، لان التحريم للاستعمال لا لخصوص ما ذكر.
ويحرم البول في الاناء منهما أو من أحدهما، وكما يحرم استعمالهما يحرم أيضا اتخاذهما من غير استعمال، لان ما لا يجوز استعماله للرجال ولا لغيرهم يحرم اتخاذه كآلة الملاهي.
(القول في أواني غير الذهب والفضة) ويحل (استعمال كل إناء طاهر) ما عدا ذلك سواء أكان من نحاس أم من غيره، فإن موه غير النقد كإناء نحاس وخاتم وآلة حرب من نحاس أو نحوه بالنقد، ولم يحصل منه شي ولو بالعرض على النار أو موه النقد بغيره أو صدأ مع
حصول شئ من المموه به أو الصدأ حل استعماله لقلة المموه في الاولى، فكأنه معدوم ولعدم الخيلاء في الثانية، فإن حصل شئ من النقد في الاولى لكثرته أو لم يحصل شئ من غيره في الثانية لقلته حرم استعماله وكذا اتخاذه، فالعلة مركبة من تضييق النقدين والخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
ويحرم تمويه سقف البيت وجدرانه وإن لم يحصل منه شئ بالعرض على النار، ويحرم استدامته إن حصل منه شئ بالعرض عليها وإلا فلا.
ويحل استعمال واتخاذ النفيس كياقوت وزبرجد وبلور بكسر الباء الموحدة وفتح اللام، ومرجان وعقيق والمتخذ من الطيب المرتفع كمسك وعنبر وعود لانه لم يرد فيه نهي ولا يظهر فيه معنى السرف والخيلاء.
وما ضبب من إناء بفضة ضبة كبيرة وكلها أو بعضها وإن قل لزينة حرم استعماله واتخاذه، أو صغيرة بقدر الحاجة فلا تحرم للصغر ولا تكره للحاجة.
ولما روى البخاري عن عاصم الاحول قال: رأيت قدح رسول الله (ص) عند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وكان قد انصدع أي انشق فسلسله بفضة أي شده بخيط فضة والفاعل هو أنس كما رواه البيهقي قال أنس: لقد سقيت رسول الله (ص) في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، أو صغيرة وكلها أو بعضها لزينة أو كبيرة كلها لحاجة جاز مع الكراهة فيهما، أما في الاولى فللصغر وكره لفقد الحاجة، وأما في الثانية فللحاجة وكره للكبر، وضبة موضع الاستعمال لنحو شرب كغيره فيما ذكر من التفصيل لان الاستعمال منسوب إلى الاناء كله.
تنبيه: مرجع الكبر والصغر العرف.
فإن شك في كبرها فالاصل الاباحة قاله في المجموع.
وخرج بالفضة الذهب فلا يحل استعمال إناء ضبب بذهب سواء أكان معه غيره أم لا.
لان الخيلاء

(1/29)


في الذهب أشد من الفضة، وبالطاهر النجس كالمتخذ من ميتة فيحرم استعماله فيما ينجس به كماء قليل ومائع لا فيما لا ينجس به كماء كثير أو غيره مع الجفاف.
فروع: (تسمير الدراهم والدنانير في الاناء) كالتضبيب فيأتي فيه التفصيل السابق بخلاف طرحها فيه فلا يحرم به استعمال الاناء مطلقا ولا يكره، وكذا لو شرب بكفه وفي إصبعه خاتم أو في فمه دراهم أو شرب بكفيه وفيهما دراهم.
(القول في حكم استعمال أواني الكفار وأشباههم) ويجوز استعمال أواني المشركين إن كانوا لا يتعبدون باستعمال النجاسة
كأهل الكتاب فهي كآنية المسلمين، لان النبي (ص) توضأ من مزادة مشركة، ولكن يكره استعمالها لعدم تحرزهم، فإن كانوا يتدينون باستعمال النجاسة كطائفة من المجوس يغتسلون بأبوال البقر تقربا، ففي جواز استعمالها وجهان أخذا من القولين في تعارض الاصل، والغالب والاصح الجواز، لكن يكره استعمال أوانيهم وملبوسهم وما يلي أسافلهم، أي مما يلي الجلد أشد وأواني مائهم أخف ويجري الوجهان في أواني مدمني الخمر والقصابين الذين لا يحترزون من النجاسة، والاصح الجواز أي مع الكراهة أخذا مما مر.
فصل: في السواك وهو بكسر السين، مشتق من ساك إذا دلك.
(والسواك) لغة الدلك وآلته، وشرعا استعمال عود من أراك أو نحوه.
كأشنان في الاسنان وما حولها لاذهاب التغير ونحوه واستعماله (مستحب في كل حال) مطلقا كما قاله الرافعي عند الصلاة وغيرها لصحة الاحاديث في استحبابه كل وقت.
(إلا بعد الزوال) أي زوال الشمس وهو ميلها عن كبد السماء، فإنه حينئذ يكره تنزيها استعماله (للصائم) ولو نفلا لخبر الصحيحين: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
والخلوف: بضم الخاء تغير رائحة الفم، والمراد به الخلوف بعد الزوال لخبر: أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا، ثم قال: وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك والمساء بعد الزوال وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه فكرهت إزالته، وتزول الكراهة بالغروب لانه ليس بصائم الآن، ويؤخذ من ذلك أن من وجب عليه الامساك لعارض

(1/30)


كمن نسي نية الصوم ليلا لا يكره له السواك بعد الزوال، وهو كذلك لانه ليس بصائم حقيقة، والمعنى في اختصاصها بما بعد الزوال أن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ قاله الرافعي: ويلزم من ذلك كما قال الاسنوي: أن يفرقوا بين من تسحر أو تناول في الليل شيئا أم لا فيكره للمواصل قبل الزوال، وأنه لو تغير فمه بأكل أو نحوه ناسيا بعد الزوال أنه لا يكره له السواك وهو كذلك.
قال الترمذي الحكيم: يكره أن يزيد طول السواك على شبر، واستحب بعضهم أن يقول في أوله: اللهم بيض به أسناني وشد به لثاتي وثبت به لهاتي وبارك لي فيه يا أرحم الراحمين.
قال النووي: وهذا لا بأس به.
(القول في كيفية الاستياك)
ويسن أن يكون السواك في عرض الاسنان ظاهرا وباطنا في طول الفم لخبر: إذا استكتم فاستاكوا عرضا رواه أبو داود في مراسيله، ويجزئ طولا لكن مع الكراهة.
نعم يسن أن يستاك في اللسان طولا كما ذكره ابن دقيق العيد.
(القول في آلة السواك) ويحصل بكل خشن يزيل القلح كعود من أراك أو غيره أو خرقة أو أشنان لحصول المقصود بذلك، لكن العود أولى من غيره.
والاراك أولى من غيره من العيدان، واليابس المندى بالماء أولى من الرطب ومن اليابس الذي لم يند، ومن اليابس المندى بغير الماء كماء الورد وعود النخل أولى من غير الاراك كما قاله في المجموع.
ويسن غسله للاستياك ثانيا إذا حصل عليه وسخ أو ريح أو نحوه كما قاله في المجموع، ولا يكفي الاستياك بأصبعه وإن كانت خشنة لانه لا يسمى استياكا، هذا إذا كانت متصلة فإن كانت منفصلة وهي خشنة أجزأت إن قلنا بطهارتها وهو الاصح.
ويسن أن يستاك باليمنى من يمنى فمه لانه (ص) كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله وسواكه.
رواه أبو داود.
(القول في مواضع تأكد السواك) (وهو في ثلاثة مواضع) أي أحوال (أشد استحبابا) أحدها: (عند تغير) الفم وقوله: (من أزم) بفتح الهمزة وسكون الزاي وهو السكوت أو الامساك عن الاكل.
(و) من (غيره) أي الازم كثوم وأكل ذي ريح كريه (و) ثانيها: (عند القيام من النوم) لخبر الصحيحين: كان (ص) إذا قام من النوم يشوص فاه أي يدلكه بالسواك (و) ثالثها: (عند القيام إلى الصلاة) ولو نفلا ولكل ركعتين من نحو التراويح أو لمتيمم أو لفاقد الطهورين وصلاة الجنازة، ولو لم يكن الفم متغيرا أو استاك في وضوئها لخبر الصحيحين: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة أي أمر إيجاب ولخبر: ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بلا سواك رواه الحميدي بإسناد جيد، وكما يتأكد فيما ذكر يتأكد أيضا للوضوء لقوله (ص): لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل وضوء أي أمر إيجاب، ومحله في الوضوء على ما قاله ابن الصلاح وابن النقيب في عمدته بعد غسل الكفين،

(1/31)


وكلام الامام وغيره يميل إليه، وهذا هو الظاهر وإن قال الغزالي كالماوردي محله قبل التسمية، ولقراءة قرآن أو حديث أو علم شرعي ولذكر الله تعالى ولنوم ولدخول منزل وعند الاحتضار، ويقال: إنه يسهل خروج الروح وفي السحر وللاكل وبعد الوتر وللصائم قبل وقت الخلوف.
فائدة: من فوائد السواك أنه يطهر الفم، ويرضي الرب، ويبيض الاسنان، ويطيب النكهة، ويسوي الظهر، ويشد اللثة، ويبطئ الشيب، ويصفي الخلقة، ويذكي الفطنة، ويضاعف الاجر، ويسهل النزع كما مر، ويذكر الشهادة عند الموت.
ويسن التخليل قبل السواك وبعده ومن أثر الطعام وكون الخلال من عود السواك ويكره بالحديد ونحوه.
(فصل في الوضوء) وهو بضم الواو اسم للفعل وهو استعمال الماء في أعضاء مخصوصة وهو المراد هنا، وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به وهو مأخوذ من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة والضياء من ظلمة الذنوب.
وأما في الشرع فهو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية.
قال الامام: وهو تعبدي لا يعقل معناه لان فيه مسحا ولا تنظيف فيه، وكان وجوبه مع وجوب الصلوات الخمس كما رواه ابن ماجه.
وفي موجبه أوجه: أحدها: الحدث وجوبا موسعا.
ثانيها: القيام إلى الصلاة ونحوها.
ثالثها: هما وهو الاصح كما في التحقيق وشرح مسلم.
وله شروط وفروض وسنن.
(القول في شروط الوضوء والغسل) فشروطه، وكذا الغسل: ماء مطلق، ومعرفة أنه مطلق ولو ظنا، وعدم الحائل، وجري الماء على العضو وعدم المنافي من نحو حيض ونفاس في غير أغسال الحج ونحوها.
ومس ذكر، وعدم الصارف ويعبر عنه بدوام النية وإسلام وتمييز ومعرفة كيفية الوضوء كنظيره الآتي في الصلاة، وأن يغسل مع المغسول جزءا يتصل بالمغسول ويحيط به ليتحقق به استيعاب المغسول وتحقق المقتضي للوضوء، فلو شك هل أحدث أم لا لم يصح وضوءه

(1/32)


على الاصح، وأن يغسل مع المغسول ما هو مشتبه به، فلو خلق له وجهان أو يدان أو رجلان واشتبه الاصلي بالزائد وجب غسل الجميع.
(القول فيما يختص به صاحب الضرورة) ويزيد وضوء صاحب الضرورة باشتراط دخول الوقت ولو ظنا، وتقدم الاستنجاء والتحفظ حيث احتيج إليه وبالموالاة بينهما وبين الوضوء.
(القول في فروض الوضوء) وأما فروضه، فذكرها بقوله: (وفروض الوضوء) جمع فرض وهو والواجب مترادفان إلا في بعض أحكام الحج كما ستعرفه إن شاء الله تعالى هناك.
وقوله: (ستة) خبر فروض زاد بعضهم سابعا وهو الماء الطهور.
قال في المجموع: والصواب أنه شرط كما مر.
واستشكل بعد التراب ركنا في التيمم.
وأجيب: بأن التيمم
طهارة ضرورة.
الاول من الفروض: (النية) لرفع حدث عليه أي رفع حكمه، لان الواقع لا يرتفع وذلك كحرمة الصلاة ولو لماسح الخف لان القصد من الوضوء رفع المانع، فإذا نواه فقد تعرض للمقصود وخرج بقولنا عليه ما لو نوى غيره، كأن بال ولم ينم فنوى رفع حدث النوم، فإن كان عامدا لم يصح أو غالطا صح.
وضابط ما يضر الغلط فيه وما لا يضر كما ذكره القاضي وغيره أن ما يعتبر التعرض له جملة وتفصيلا أو جملة لا تفصيلا يضر الغلط فيه فالاول كالغلط من الصوم إلى الصلاة وعكسه، والثاني كالغلط في تعيين الامام، وما لا يجب التعرض له لا جملة ولا تفصيلا لا يضر الغلط فيه كالخطأ هنا.
وفي تعيين المأموم حيث لم يجب التعرض للامامة، أما إذا وجب التعرض لها كإمام الجمعة فإنه يضر.
والاصل في وجوب النية قوله (ص) كما في الصحيحين: إنما الاعمال

(1/33)


بالنيات أي الاعمال المعتد بها شرعا.
(القول في مقاصد النية) وحقيقتها لغة: القصد، وشرعا قصد الشئ مقترنا بفعله.
وحكمها الوجوب كما علم مما مر.
ومحلها القلب.
والمقصود بها تمييز العبادات عن العادات كالجلوس في المسجد للاعتكاف تارة وللاستراحة أخرى، أو تمييز رتبتها كالصلاة تكون للفرض تارة وللنفل أخرى.
وشرطها إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكما وأن لا تكون معلقة، فلو قال إن شاء الله، فإن قصد التعليق أو أطلق لم تصح، وإن قصد التبرك صحت.
ووقتها أول الفروض كأول غسل جزء من الوجه، وإنما لم يوجبوا المقارنة في الصوم لعسر مراقبة الفجر وتطبيق النية عليه.
وكيفيتها تختلف بحسب الابواب، فيكفي هنا نية رفع حدث كما مر، أو نية استباحة شئ مفتقر إلى وضوء كالصلاة والطواف ومس المصحف، لان رفع الحدث إنما يطلب لهذه الاشياء، فإذا نواها فقد نوى غاية القصد أو أداء فرض الوضوء أو فرض الوضوء، وإن كان المتوضئ صبيا أو أداء الوضوء أو الوضوء فقط لتعرضه للمقصود، فلا يشترط التعرض للفرضية كما لا يشترط في الحج والعمرة وصوم رمضان.
(النية في الوضوء المجدد) تنبيه: ما تقرر من الامور السابقة محله في الوضوء غير المجدد، أما المجدد فالقياس عدم الاكتفاء فيه بنية الرفع أو الاستباحة.
قال الاسنوي: وقد يقال يكتفي بها كالصلاة المعادة غير أن ذلك مشكل خارج
عن القواعد فلا يقاس عليه.
قال ابن العماد: وتخريجه على الصلاة ليس ببعيد لان قضية التجديد أن يعيد الشئ بصفته الاولى انتهى.
والاول أولى لان الصلاة اختلف فيها هل فرضه الاولى أو الثانية ؟ ولم يقل أحد في الوضوء فيما علمت بذلك، وإنما اكتفي بنية الوضوء فقط دون نية الغسل لان الوضوء لا يكون إلا عبادة فلا يطلق على غيرها، بخلاف الغسل فإنه يطلق على غسل الجنابة وغسل النجاسة وغيرهما.
ولو نوى الطهارة عن الحدث صح، فإن لم يقل عن الحدث لم يصح على الصحيح كما في زوائد الروضة، وعلله في المجموع بأن الطهارة قد تكون عن حدث، وقد تكون عن خبث فاعتبر التمييز، ومن دام حدثه كمستحاضة ومن به سلس بول أو ريح كفاه نية الاستباحة المتقدمة دون نية الرفع المار لبقاء حدثه، ويندب له الجمع بينهما خروجا من خلاف من أوجبه لتكون نية الرفع للحدث السابق ونية الاستباحة أو نحوها للاحق.
وبهذا يندفع ما قيل: إنه قد جمع في نيته بين مبطل وغيره، ويكفيه أيضا نية الوضوء ونحوها مما تقدم كما صرح به في الحاوي الصغير.
(القول في نية دائم الحدث) تنبيه: حكم نية دائم الحدث فيما يستبيحه من الصلوات الخمس وغيرها حكم نية المتيمم.
كما ذكره الرافعي هنا، وأغفله في الروضة.
وسيأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى

(1/34)


في التيمم ولا يشترط في النية الاضافة إلى الله تعالى، لكن تستحب كما في الصلاة وغيرها، ولو توضأ الشاك بعد وضوئه في حدثه احتياطا فبان محدثا لم يجزه للتردد في النية بلا ضرورة، كما لو قضى فائتة الظهر مثلا شاكا في أنها عليه، ثم بان أنها عليه لم يكف، أما إذا لم يتبين حدثه فإنه يجزئه للضرورة، ولو توضأ الشاك وجوبا بأن شك بعد حدثه في وضوئه فتوضأ أجزأه وإن كان مترددا، لان الاصل بقاء الحدث، بل لو نوى في هذه الحالة إن كان محدثا فمن حدثه، وإلا فتجديد صح أيضا كما في المجموع.
(القول في حكم من نوى التبرد مع الوضوء) ومن نوى بوضوئه تبردا أو شيئا يحصل بدون قصد كتنظيف ولو في أثناء وضوئه مع نية معتبرة أي مستحضرا عند نية التبرد أو نحوه نية الوضوء أجزأه لحصول ذلك من غير نية، كمصل نوى الصلاة ودفع الغريم فإنها تجزئه لان اشتغاله عن الغريم لا يفتقر إلى نية، فإن فقدت النية المعتبرة كأن نوى التبرد وقد غفل عنها لم يصح غسل ما غسله بنية التبرد ونحوه، ويلزمه إعادته دون استئناف الطهارة.
تنبيه: هذا بالنسبة للصحة، أما الثواب فقال الزركشي: الظاهر عدم حصوله.
وقد اختار الغزالي فيما إذا شرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي اعتبار الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الاغلب لم يكن فيه أجر.
وإن كان القصد الديني أغلب فله بقدره، وإن تساويا تساقطا.
واختار ابن عبد السلام أنه لا أجر فيه مطلقا سواء تساوى القصدان أم اختلفا.
انتهى وكلام الغزالي هو الظاهر، وهو المعتمد وإذا بطل وضوءه في أثنائه بحدث أو غيره، قال في المجموع عن الروياني: يحتمل أن يثاب على الماضي كما في الصلاة أو يقال إن بطل باختياره فلا، أو بغير اختياره فنعم.
ومن أصحابنا من قال: لا ثواب له بحال لانه مراد لغيره بخلاف الصلاة.
اه.
والاوجه التفصيل في الوضوء والصلاة، ويبطل بالردة التيمم ونية الوضوء والغسل، ولو نوى قطع الوضوء انقطعت النية فيعيدها للباقي، ولو نوى بوضوئه ما يندب له وضوء كقراءة القرآن أو الحديث لم يجزئه لانه مباح مع الحدث فلا يتضمن قصده قصد رفع الحدث، فلو نواه مع نية معتبرة ينبغي أنه يكفي كما لو نوى التبرد مع نية معتبرة، وقد وقعت هذه المسألة في الفتاوى ولم أر من تعرض لها.
فروع: لو نوى أن يصلي بوضوئه ولا يصلي به لم يصح وضوءه لتلاعبه وتناقضه، وكذا لو نوى به الصلاة بمكان نجس ولو نسي لمعة في وضوئه أو غسله فانغسلت في الغسلة الثانية أو الثالثة بنية التنفل أو في إعادة وضوء أو غسل لنسيان له أجزأه، بخلاف ما لو انغسلت في تجديد وضوء فإنه لا يجزئ لانه طهر مستقبل بنية لم تتوجه لرفع الحدث أصلا.
(القول في وقت نية الوضوء) ويجب أن تكون (عند) أول (غسل) أي مغسول من أجزاء (الوجه) لتقترن بأول الفرض كالصلاة وغيرها من العبادات، ما عدا

(1/35)


الصوم فلا يكفي اقترانها بما بعد الوجه قطعا لخلو أول المغسول وجوبا عنها.
ولا بما قبله من السنن، إذ المقصود من العبادات أركانها والسنن توابع لها.
هذا إذ عزبت النية قبل غسل شئ من الوجه، فإن بقيت إلى غسل شئ منه كفى، بل هو أفضل ليثاب على السنن السابقة لانها إذا خلت عن النية لم يحصل ثوابها.
ولو اقترنت النية بالمضمضة أو الاستنشاق وانغسل معه جزء من الوجه أجزأه، وإن عزبت النية بعده، سواء أغسله بنية الوجه وهو ظاهر، أم لا لوجود غسل جزء من الوجه مقرونا بالنية، لكن يجب إعادة
غسل الجزء مع الوجه على الاصح في الروضة لوجود الصارف، ولا تجزئ المضمضة ولا الاستنشاق في الشق الاول لعدم تقدمهما على غسل الوجه قاله القاضي مجلي، فالنية لم تقترن بمضمضة ولا استنشاق حقيقة، ولو وجدت النية في أثناء غسل الوجه دون أوله كفت ووجب إعادة المغسول منه قبلها، فوجوبها عند أول غسل جزء منه ليعتد به، ويفهم منه أنه لا يجب استصحاب النية إلى آخر الوضوء، لكن محله في الاستصحاب الذكري.
أما الحكمي وهو أن لا ينوي قطعها ولا يأتي بما ينافيها كالردة فواجب كما علم مما مر، وله تفريق النية على أعضاء الوضوء، بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه كما ذكره الرافعي، لانه يجوز تفريق أفعاله، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله وهل تنقطع النية بنوم ممكن ؟ وجهان أوجهها.
لا والحدث الاصغر لا يحل كل البدن بل أعضاء الوضوء خاصة كما صححه في التحقيق والمجموع، وإنما لم يجز مس المصحف بغيرها لان شرط الماس أن يكون مطهرا ويرتفع حدث كل عضو بمجرد غسله.

(1/36)


(و) الثاني من الفروض (غسل) ظاهر كل (الوجه) لقوله تعالى: * (فاغسلوا وجوهكم) * وللاجماع والمراد بالغسل الانغسال، سواء كان بفعل المتوضئ أم بغيره، وكذا الحكم في سائر الاعضاء.
وحد الوجه طولا ما بين منابت شعر رأسه وتحت منتهى لحييه، وهما بفتح اللام على المشهور العظمان اللذان تنبت عليهما الاسنان السفلى وعرضا ما بين أذنيه، لان الوجه ما تقع به المواجهة وهي تقع بذلك.
وخرج بظاهر داخل الانف والفم والعين فإنه لا يجب غسل ذلك قطعا، وإن انفتحا بقطع جفن أو شفة لان ذلك في حكم الباطن، ولا يشكل ذلك بما لو سلخ جلدة الوجه، فإنه يجب غسل ما ظهر منه لان هذا من محل ما يجب غسله فكان بدلا، بخلاف ما ذكره فإنه ليس بدلا عن شئ مع أنه يمكن غسله قبل إزالة ما ذكر فلا يجب غسله بعد إزالته وهو ظاهر، ولا يسن غسل داخل العين ولكن يجب غسل ذلك إن تنجس والفرق غلظ النجاسة بدليل أنها لا تزال عن الشهيد إذا كانت من غير دم الشهادة، أما مآق العين فيغسل بلا خلاف فإن كان عليه ما يمنع وصول الماء إلى المحل الواجب كالرماص وجبت إزالته وغسل ما تحته، وبمنابت شعر رأسه الاصلع وهو من انحسر الشعر عن ناصيته فإنه لا يلزمه غسلها، ودخل موضع الغمم فإنه من الوجه لحصول المواجهة به، وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة والغمم
أن يسيل الشعر حتى تضيق الجبهة والقفا قال شاعر: ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا * * أغم القفا والوجه ليس بأنزعا يقال رجل أغم وامرأة غماء والعرب تذم به وتمدح بالنزع، لان الغمم يدل على البلادة والجبن والبخل والنزع بضد ذلك.
تنبيه: منتهى اللحيين من الوجه كما تقرر، وأما موضع التحذيف فمن الرأس لاتصال شعره بشعر الرأس وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة، سمي بذلك لان النساء والاشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه.
وضابطه كما قال الامام أن يضع طرف خيط على رأس الاذن، والطرف الثاني على أعلى الجبهة، ويفرض هذا الخيط مستقيما فما نزل عنه إلى جانب الوجه فهو موضع التحذيف، ومن الرأس أيضا النزعتان وهما بياضان يكتنفان الناصية وهو مقدم الرأس من أعلى الجبين والصدغان، وهما فوق الاذنين متصلان بالعذارين لدخولهما في تدوير الرأس، ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه للخلاف في وجوبها في غسله.
ويجب غسل

(1/37)


جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن الاذنين ومن الوجه البياض الذي بين العذار والاذن لدخوله في حده وما ظهر من حمرة الشفتين ومن الانف بالجدع.
(القول في الكلام على شعور الوجه) ويجب غسل كل هدب وهو الشعر النابت على أجفان العين، وحاجب وهو الشعر النابت على أعلى العين سمي بذلك لانه يحجب عن العين شعاع الشمس، وعذار وهو الشعر النابت المحاذي للاذن بين الصدغ والعارض، وشارب وهو الشعر النابت على الشفة العليا سمي بذلك لملاقاته فم الانسان عند الشرب، وشعر نابت على الخد وعنفقة وهو الشعر النابت على الشفة السفلى أي يجب غسل ذلك ظاهرا وباطنا وإن كثف الشعر، لا كثافته نادرة فألحق بالغالب، واللحية من الرجل وهي بكسر اللام الشعر النابت على الذقن خاصة وهي مجمع اللحيين إن خفت وجب غسل ظاهرها وباطنها وإن كثفت وجب غسل ظاهرها ولا يجب غسل باطنها لعسر إيصال الماء إليه مع الكثافة غير النادرة ولما روى البخاري أنه (ص) توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه وكانت لحيته الكريمة كثيفة.
وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى
ذلك غالبا فإن خف بعضها وكثف بعضها وتميز فلكل حكمه، فإن لم يتميز بأن كان الكثيف متفرقا بين أثناء الخفيف وجب غسل الكل كما قاله الماوردي لان إفراد الكثيف بالغسل يشق، وإمرار الماء على الخفيف لا يجزئ وهذا هو المعتمد، وإن قال في المجموع ما قاله الماوردي خلاف ما قاله الاصحاب.
والشعر الكثيف ما يستر البشرة عن المخاطب بخلاف الخفيف والعارضان وهما المنحطان عن القدر المحاذي للاذن كاللحية في جميع ما ذكر، وخرج بالرجل المرأة فيجب غسل ذلك منها ظاهرا وباطنا، وإن كثف لندرة كثافتها ومثلها الخنثى، ويجب غسل سلعة نبتت في الوجه وإن خرجت عن حده لحصول المواجهة بها.
واعلم أن هذا التفصيل المذكور في شعور الوجه إذا كان في حده أما الخارج عنه فيجب غسل ظاهرها وباطنها مطلقا إن خفت كما في العباب، وظاهرها فقط مطلقا إن كثفت كما في الروضة، وبعضهم قرر في هذه الشعور خلاف ذلك فاحذره تنبيه: من له وجهان وكان الثاني مسامتا للاول وجب عليه غسلهما كاليدين على عضو واحد أو رأسان كفى مسح بعض أحدهما، والفرق أن الواجب في الوجه غسل جميعه فيجب عليه غسل جميع ما يسمى وجها، وفي الرأس مسح بعض ما يسمى رأسا وذلك يحصل ببعض أحدهما ذكره في المجموع (و) الثالث من الفروض (غسل) جميع (اليدين) من كفيه وذراعيه (إلى) أي مع

(1/38)


(المرفقين) أو قدرهما إن فقدا لما رواه مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله (ص): " أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم اليسرى حتى أشرع في العضد إلخ.
وللاجماع ولقوله تعالى: * (وأيديكم إلى المرافق) * وإلى بمعنى مع كما في قوله تعالى: * (من أنصاري إلى الله) * أي مع الله.
وقوله تعالى: * (ويزدكم قوة إلى قوتكم) * فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين وجب غسل ما بقي منه لان الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقوله (ص): إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أو قطع من مرفقيه بأن سل عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد، فيجب غسل رأس عظم العضد لانه من المرفق، أو قطع من فوق المرفق ندب غسل باقي عضده، كما لو كان سليم اليد، وإن قطع من منكبه ندب غسل محل القطع بالماء كما نص عليه، ويجب غسل
شعر على اليدين ظاهرا وباطنا وإن كثف لندرته وغسل ظفر وإن طال، وغسل باطن ثقب وشقوق فيهما إن لم يكن له غور في اللحم، وإلا وجب غسل ما ظهر منه فقط، ويجري هذا في سائر الاعضاء كما يقتضيه كلام المجموع في باب صفة الغسل، وغسل يد زائدة إن نبتت بمحل الفرض ولو من المرفق كأصبع زائدة وسلعة، سواء جاوزت الاصلية أم لا.
وإن نبتت بغير محل الفرض وجب غسل ما حاذى منها محله لوقوع اسم اليد عليه مع محاذاته لمحل الفرض، بخلاف ما لم يحاذه فإن لم تتميز الزائدة عن الاصلية بأن كانتا أصليتين أو إحداهما زائدة ولم تتميز بنحو فحش قصر ونقص أصابع وضعف بطش غسلهما وجوبا، سواء أخرجتا من المنكب أم من غيره ليتحقق إتيان الفرض بخلاف نظيره في السرقة بقطع إحداهما فقط كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بابها، لان الوضوء مبناه على الاحتياط لانه عبادة والحد مبناه على الدرء لانه عقوبة، وتجري هذه الاحكام في الرجلين وإن تدلت جلدة العضد منه لم يجب غسل شئ منها لا المحاذي ولا غيره لان اسم اليد لا يقع عليها مع خروجها عن محل الفرض، أو تقلصت جلدة الذراع منه وجب غسلها لانها منه، وإن تدلت جلدة أحدهما من الآخر بأن تقلعت من أحدهما وبلغ التقلع إلى الآخر ثم تدلت منه فالاعتبار بما انتهى إليه تقلعها، لا بما منه تقلعها، فيجب غسلها فيما إذا بلغ تقلعها من العضد إلى الذراع دون ما إذا بلغ من الذراع إلى العضد لانها صارت جزءا من محل الفرض في الاول دون الثاني ولو التصقت بعد تقلعها من أحدهما بالآخر وجب غسل محاذي الفرض منها دون غيره، ثم إن تجافت عنه وجب غسل ما تحتها أيضا لندرته، وإن سترته اكتفى بغسل ظاهرها ولا يجب فتقها، فلو غسله ثم زالت عنه لزمه غسل ما ظهر من تحتها لان الاقتصار على ظاهرها كان للضرورة وقد زالت، ولو توضأ فقطعت يده أو تثقبت لم يجب غسل ما ظهر إلا لحدث فيجب غسله كالظاهر أصالة، ولو عجز عن الوضوء لقطع يده مثلا وجب عليه أن يحصل من يوضئه

(1/39)


ولو بأجرة مثل، والنية من الآذن، فإن تعذر عليه ذلك تيمم وصلى وعاد لندرة ذلك.
(و) الرابع من الفروض (مسح بعض الرأس) بما يسمى مسحا ولو لبعض بشرة رأسه أو بعض شعرة ولو واحدة أو بعضها في حد الرأس بأن لا يخرج بالمد عنه من جهة نزوله، فلو خرج به عنه منها لم يكف حتى لو كان متجعدا بحيث لو مد لخرج عن الرأس لم يكف المسح عليه قال تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم) *.
وروى
مسلم أنه (ص) مسح بناصيته وعلى عمامته.
واكتفى بمسح البعض فيما ذكر لانه المفهوم من المسح عند إطلاقه، ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية وهي الشعر الذي بين النزعتين، والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع وجوب التقدير بالربع أو أكثر لانها دونه، والباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غيره كما في قوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * تكون للالصاق.
فإن قيل: لو غسل بشرة الوجه وترك الشعر أو عكسه لم يجزه فهلا كان هنا كذلك ؟ أجيب: بأن كلا من الشعر والبشرة يصدق عليه مسمى الرأس عرفا إذ الرأس اسم لما رؤس وعلا والوجه ما تقع به المواجهة وهي تقع على الشعر والبشرة معا.
فإن قيل: هلا اكتفى بالمسح على النازل عن حد الرأس كما اكتفى بذلك للتقصير في النسك ؟ أجيب: بأن الماسح عليه غير ماسح على الرأس، والمأمور به في التقصير إنما هو شعر الرأس وهو صادق بالنازل.
ويكفي غسل بعض الرأس لانه مسح وزيادة ووضع اليد عليه بلا مد لحصول المقصود من وصول البلل إليه، ولو قطر الماء على رأسه أو تعرض للمطر وإن لم ينو المسح أجزأه لما مر ويجزئ مسح ببرد وثلج لا يذوبان لما ذكره ولو حلق رأسه بعد مسحه لم يعد المسح لما مر في قطع اليد.
(و) الخامس من الفروض (غسل) جميع (الرجلين) بإجماع من يعتد بإجماعه (مع الكعبين) من كل رجل أو قدرهما إن فقدا كما مر في المرفقين وهما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم ففي كل رجل كعبان، لما روى النعمان بن بشير أنه (ص) قال: أقيموا صفوفكم فرأيت الرجل منا يلصق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه.
رواه البخاري قال تعالى: * (وأرجلكم إلى الكعبين) * قرئ في السبع بالنصب والجر عطفا على الوجوه لفظا في الاول ومعنى في الثاني لجره على الجواز، ودل على دخول الكعبين في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه وقد مر.

(1/40)


تنبيه: ما أطلقه الاصحاب هنا من أ غسل الرجلين فرض محمول كما قال الرافعي على غير لابس الخف، أو على أن الاصل الغسل والمسح بدل عنه، ويجب إزالة ما في شقوق الرجلين من عين كشمع وحناء.
وقال الجويني لم يصل إلى اللحم ويحمل على ما إذا كان في اللحم غور أخذا مما مر عن
المجموع ولا أثر لدهن ذائب ولون نحو حناء، ويجب إزالة ما تحت الاظفار من وسخ يمنع وصول الماء، ولو قطع بعض القدم وجب غسل الباقي، وإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه ويسن غسل الباقي كما مر في اليدين.
(و) السادس من الفروض (الترتيب على) حكم (ما ذكرناه) من البداءة بغسل الوجه مقرونا بالنية ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين لفعله (ص) المبين للوضوء المأمور به رواه مسلم وغيره، ولقوله (ص) في حجة الوداع: ابدأوا بما بدأ الله به رواه النسائي بإسناد صحيح، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولانه تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات وتفريق المتجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة وهي هنا وجوب الترتيب لا ندبه بقرينة الامر في الخبر، ولان الآية بيان للوضوء الواجب، فلو استعان بأربعة غسلوا أعضاءه دفعة واحدة ونوى حصل له غسل وجهه فقد، ولو اغتسل محدث حدثا أصغر بنية رفع الحدث أو نحوه ولو متعمدا أو بنية رفع الجنابة غالطا صح، وإن لم يمكث قدر الترتيب لانه يكفي لرفع أعلى الحدثين فللاصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات لطيفة، ولو أحدث وأجنب أجزأه الغسل عنهما لاندراج الاصغر وإن لم ينوه في الاكبر، فلو اغتسل إلا رجليه أو إلا يديه مثلا ثم أحدث ثم غسلهما عن الجنابة، توضأ ولم يجب إعادة غسلها، لارتفاع حدثهما بغسلهما عن الجنابة.
وهذا وضوء خال عن غسل الرجلين أو اليدين وهما مكشوفتان بلا علة.
قال ابن القاص: وعن الترتيب، وغلطه الاصحاب بأنه غير خال عنه بل وضوء لم يجب فيه غسل الرجلين أو اليدين.
قال في المجموع: وهو إنكار صحيح ولو غسل بدنه إلا أعضاء الوضوء ثم أحدث لم يجب ترتيبها، ولو شك في تطهير عضو قبل فراغ طهره أتى به وما بعده أو بعد الفراغ لم يؤثر.
(القول في سنن الوضوء) ولما فرغ من فروض الوضوء شرع في سننه فقال: (وسننه عشرة أشياء) بالمد غير مصروف جمع شئ والمصنف لم يحصر السنن فيما ذكره.
وسنذكر زيادة على ذلك: (القول في التسمية) الاولى: (التسمية)

(1/41)


أول الوضوء لخبر النسائي بإسناد جيد عن أنس قال: طلب بعض أصحاب النبي (ص) وضوءا فلم يجدوا فقال (ص): هل مع أحد منكم ماء ؟ فأتي بماء فوضع يده في الاناء الذي فيه الماء ثم قال: توضؤوا بسم الله أي قائلين ذلك.
فرأيت الماء يفور من بين أصابعه حتى
توضأ نحو سبعين رجلا.
ولخبر: توضؤوا بسم الله رواه النسائي وابن خزيمة، وإنما لم تجب لآية الوضوء المبينة لواجباته.
وأما خبر: لا وضوء لمن لم يسم الله فضعيف.
وأقلها بسم الله وأكملها كمالها، ثم الحمد لله على الاسلام ونعمته، والحمد لله الذي جعل الماء طهورا وزاد الغزالي بعدها: * (رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) * وتسن التسمية لكل أمر ذي بال أي حال يهتم به من عبادة وغيرها، كغسل وتيمم وذبح وجماع وتلاوة ولو من أثناء سورة لا لصلاة وحج وذكر، وتكره لمحرم أو مكروه، والمراد بأول الوضوء أول غسل الكفين فينوي الوضوء ويسمي الله تعالى عنده بأن يقرن النية بالتسمية عند أول غسلهما، ثم يتلفظ بالنية، ثم يكمل غسلهما لان التلفظ بالنية والتسمية سنة، ولا يمكن أن يتلفظ بهما في زمن واحد، فإن تركها سهوا أو عمدا أو في أول طعام كذلك أتى بها في أثنائه فيقول: بسم الله أوله وآخره لخبر: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ويقاس بالاكل الوضوء وبالنسيان العمد، ولا يسن أن يأتي بها بعد فراغ الوضوء لانقضائه.
كما صرح به في المجموع بخلافه بعد فراغه من الاكل فإنه يأتي بها ليتقيأ الشيطان ما أكله، وينبغي أن يكون الشرب كالاكل.
(القول في غسل الكفين) (و) الثانية: (غسل الكفين) إلى كوعيه قبل المضمضة وإن تيقن طهرهما أو توضأ من نحو إبريق للاتباع رواه الشيخان.
فإن شك في طهرهما غسلهما (قبل إدخالهما الاناء) الذي فيه ماء قليل أو مائع وإن كثر (ثلاثا) فإن أدخلهما قبل أن يغسلها كره لقوله (ص): إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده متفق عليه إلا لفظ (ثلاثا) فلمسلم فقط، أشار بما علل به فيه إلى احتمال

(1/42)


نجاسة اليد في النوم كأن تقع على محل الاستنجاء بالحجر، لانهم كانوا يستنجون به فيحصل لهم التردد، وعلى هذا حمل الحديث لا على مطلق النوم كما ذكره النووي في شرح مسلم، وإذا كان هذا هو المراد فمن لم ينم واحتمل نجاسة يده كان في معنى النائم، وهذه الغسلات الثلاث هي المندوبة أول الوضوء، لكن ندب تقديمها عند الشك على غمس يده ولا تزول الكراهية إلا بغسلهما ثلاثا، لان
الشارع إذا غيا حكما بغاية فإنما يخرج من عهدته باستيفائها، فسقط ما قيل من أنه ينبغي زوال الكراهة بواحدة لتيقن الطهر بها كما لا كراهة إذا تيقن طهرهما ابتداء، ومن هنا يؤخذ ما بحثه الاذرعي أن محل عدم الكراهة عند تيقن طهرهما إذا كان مستندا ليقين غسلهما ثلاثا، فلو غسلهما فيما مضى من نجاسة متيقنة أو مشكوكة مرة أو مرتين كره غمسهما قبل إكمال الثلاثة، ومثل المائع فيما ذكر كل مأكول رطب كما في العباب، فإن تعذر عليه الصب لكبر الاناء ولم يجد ما يغرف به منه استعان بغير أو أخذه بطرف ثوب نظيف أو بفيه أو نحو ذلك، أما إذا تيقن نجاستهما فإنه يحرم عليه إدخالهما في الاناء قبل غسلهما لما في ذلك من التضمخ بالنجاسة، وخرج بالماء القليل الكثير فلا يكره فيه كما قاله النووي في دقائقه.
(القول في المضمضة والاستنشاق) (و) الثالثة (المضمضة) وهي جعل الماء في الفم ولو من غير إدارة فيه ومج منه (و) الرابعة (الاستنشاق) بعد المضمضة، وهو جعل الماء في الانف، وإن لم يصل إلى الخيشوم وذلك للاتباع.
رواه الشيخان، وأما خبر: تمضمضوا واستنشقوا فضعيف.
تنبيه: تقديم غسل اليدين على المضمضة، وهي على الاستنشاق مستحق لا مستحب عكس تقديم اليمنى على اليسرى، وفرق الروياني بأن اليدين مثلا عضوان، متفقان اسما وصورة بخلاف الفم والانف.
فوجب الترتيب بينهما كاليد والوجه: فلو أتى بالاستنشاق مع المضمضة حسبت دونه وإن قدمه عليها، فقضية كلام المجموع أن المؤخر يحسب.
وقال في الروضة: لو قدم المضمضة والاستنشاق على غسل الكف لم يحسب الكف على الاصح.
قال الاسنوي: وصوابه ليوافق ما في المجموع لم تحسب المضمضة والاستنشاق على الاصح انتهى.
والمعتمد ما في الروضة لقولهم في الصلاة الثالث عشر ترتيب الاركان خرج السنن فيحسب منها ما أوقعه أولا، فكأنه ترك غيره فلا يعتد بفعله بعد ذلك، كما لو تعوذ ثم أتى بدعاء الافتتاح.
ومن فوائد غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق أولا معرفة أوصاف الماء وهي اللون والطعم والرائحة هل تغيرت أو لا ؟ ويسن أخذ الماء باليد اليمنى، ويسن أن يبالغ فيهما غير الصائم لقوله (ص) في رواية، صحح ابن القطان إسنادها: إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائما والمبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الاسنان واللثات، ويسن
إدارة الماء في الفم ومجه، وإمرار أصبع يده اليسرى على ذلك، والاستنشاق أن يصعد الماء بالنفس إلى الخيشوم، ويسن الاستنثار للامر به في خبر الصحيحين، وهو أن يخرج بعد الاستنشاق ما في أنفه من ماء وأذى بخنصر يده اليسرى، وإذا بالغ في الاستنشاق فلا يستقصي فيصير سعوطا لا استنشاقا قاله في المجموع.
أما الصائم فلا تسن له المبالغة بل تكره لخوف الافطار كما في المجموع.
فإن قيل: لم لم يحرم ذلك كما قالوا بتحريم القبلة إذا خشي الانزال مع أن العلة في كل منهما خوف الفساد ؟.
أجيب: بأن القبلة غير

(1/43)


مطلوبة بل داعية لما يضاد الصوم من الانزال، بخلاف المبالغة فيما ذكر، وبأنه هنا يمكنه إطباق الحلق ومج الماء وهناك لا يمنكه رد المني إذا خرج لانه ماء دافق، وبأنه ربما كان في القبلة إفساد لعبادة اثنين.
(الجمع والفصل في المضمضة والاستنشاق) والاظهر تفضيل الجمع بين المضمضة والاستنشاق على الفصل بينهما لصحة الاحاديث الصريحة في ذلك، ولم يثبت في الفصل شئ كما قاله النووي في مجموعه، وكون الجمع بثلاث غرف يتمضمض من كل ثم يستنشق مرة أفضل من الجمع بغرفة يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق ثلاثا، أو يتمضمض منها ثم يستنشق مرة، ثم كذلك ثانية وثالثة للاخبار الصحيحة في ذلك.
وفي الفصل كيفيتان: أفضلهما يتمضمض بغرفة ثلاثا ثم يستنشق بأخرى ثلاثا، والثانية أن يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بثلاث غرفات وهذه أنظف الكيفيات وأضعفها، والسنة تتأدى بواحدة من هذه الكيفيات لما علم أن الخلاف في الافضل منها.
فائدة: في الغرفة لغتان الفتح والضم، فإن جمعت على لغة الفتح تعين فتح الراء، وإن جمعت على لغة الضم جاز إسكان الراء وضمها وفتحها.
فتلخص في غرفات أربع لغات.
(القول في مسح جميع الرأس) (و) الخامسة: (مسح جميع الرأس) للاتباع رواه الشيخان وخروجا من خلاف من أوجبه والسنة في كيفيته أن يضع يديه على مقدم رأسه ويلصق سبابته بالاخرى وإبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إن كان له شعر ينقلب، وحينئذ يكون الذهاب والرد مسحة واحدة لعدم تمام المسحة بالذهاب، فإن لم ينقلب شعره لضفره أو لقصره أو عدمه لم يرد لعدم الفائدة فإن ردهما لم تحسب ثانية لان الماء صار مستعملا.
فإن قيل: هذا مشكل بمن انغمس في ماء قليل
ناويا رفع الحدث ثم أحدث وهو منغمس، ثم نوى رفع الحدث في حال انغماسه فإن حدثه يرتفع ثانيا.
أجيب: بأن ماء المسح تافه فليس له قوة كقوة هذا، ولذلك لو أعاد ماء غسل الذراع مثلا ثانيا لم يحسب له غسلة أخرى لانه تافه بالنسبة إلى ماء الانغماس.
تنبيه: إذا مسح كل رأسه هل يقع كله فرضا أو ما يقع عليه الاسم والباقي سنة ؟ وجهان.
كنظيره من تطويل الركوع والسجود والقيام وإخراج البعير عن خمس في الزكاة، واختلف كلام الشيخين في كتبهما في الترجيح في ذلك، ورجح صاحب العباب أن ما يقع عليه الاسم في الرأس فرض، والباقي تطوع، ومثله في ذلك ما أمكن فيه التجزي كالركوع بخلاف ما لم يمكن كبعير الزكاة وهو تفصيل حسن.
(القول في المسح على العمامة) فإن كان على رأسه نحو عمامة كخمار وقلنسوة ولم يرد رفع ذلك كمل بالمسح عليها وإن لبسها على حدث لخبر مسلم: أنه (ص) توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته.
وسواء أعسر تنحيتها أم لا.
ويفهم من قولهم كمل أنه لا يكفي الاقتصار على العمامة ونحوها وهو كذلك.
(القول في مسح الاذنين وكيفيته) (و) السادسة: (مسح) جميع (أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد) لانه (ص) مسح في وضوئه برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه ويأخذ لصماخيه أيضا ماء جديدا.
وكيفية المسح أن يدخل مسبحتيه في صماخيه ويديرهما في المعاطف، ويمر إبهاميه على ظاهر أذنيه ثم يلصق كفيه وهما مبلولتان بالاذنين استظهارا.
والصماخ بكسر الصاد ويقال بالسين هو خرق الاذن، وتأخير مسح الاذنين عن الرأس مستحق كما هو الاصح في الروضة، ولو أخذ بأصابعه ماء لرأسه فلم يمسحه بماء بعضها ومسح به الاذنين كفى لانه ماء جديد.

(1/44)


فائدة: روى الدارقطني وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله (ص): إن الله أعطاني نهرا يقال له الكوثر في الجنة لا يدخل أحدكم أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر.
قالت فقلت: يا رسول الله: وكيف ذلك ؟ قال: أدخلي أصبعيك في أذنيك وسدي فالذي تسمعين فيهما من خرير الكوثر وهذا النهر يتشعب منه أنهار الجنة وهو مختص بنبينا (ص) نسأل الله تعالى من فضله وكرمه أن يمن علينا وعلى محبينا بالشرب منه، فإن من شرب منه
شربة لا يظمأ بعدها أبدا.
(الكلام على تخليل اللحية) (و) السابعة: (تخليل اللحية الكثة) وكل شعر يكفي غسل ظاهره بالاصابع من أسفله، لما روى الترمذي وصححه: أنه (ص) كان يخلل لحيته الكريمة.
ولما روى أبو داود أنه (ص) كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي أما ما يجب غسله من ذلك كالخفيف والكثيف الذي في حد الوجه من لحية غير الرجل وعارضيه، فيجب إيصال الماء إلى ظاهره وباطنه ومنابته بتخليل أو غيره.
تنبيه: ظاهر كلام المصنف في سن التخليل أنه لا فرق بين المحرم وغيره، وهو المعتمد كما اعتمده الزركشي في خادمه خلافا لابن المقري في روضة تبعا للمتولي، لكن المحرم يخلل برفق لئلا يتساقط منه شعره كما قالوه في تخليل شعر الميت.
(القول في تخليل الاصابع) (و) من السابعة (تخليل أصابع الرجلين واليدين) أيضا لخبر لقيط بن صبرة أسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع رواه الترمذي وغيره وصححوه والتخليل في أصابع اليدين بالتشبيك بينهما، في أصابع الرجلين يبدأ بخنصر الرجل اليمنى ويختم بخنصر الرجل اليسرى، ويخلل بخنصر يده اليسرى أو اليمنى، كما رجحه في المجموع من أسفل الرجلين.
وإيصال الماء إلى ما بين الاصابع واجب بتخليل أو غيره إذا كانت ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل أو نحوه، فإن كانت ملتحمة ليجز فتقها.
قال الاسنوي: ولم يتعرض النووي ولا غيره إلى تثليث التخليل.
وقد روى البيهقي بإسناد جيد كما قاله في شرح المهذب، عن عثمان رضي الله تعالى عنه: أنه توضأ فخلل بين أصابع قدميه ثلاثا ثلاثا وقال: رأيت رسول الله (ص) فعل كما فعلت.
ومقتضى هذا استحباب تثليث التخليل انتهى وهذا ظاهر.
(القول في تقديم اليمنى على اليسرى) (و) الثامنة: (تقديم) غسل (اليمنى على) غسل (اليسرى) من كل عضوين لا يسن غسلهما معا كاليدين والرجلين لخبر: وإذا توضأتم فابدأوا بميامنكم رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما، ولانه (ص): كان يحب التيامن في شأنه كله أي مما هو للتكريم كالغسل واللبس والاكتحال والتقليم وقص الشارب ونتف الابط وحلق الرأس والسواك ودخول المسجد وتحليل الصلاة ومفارقة الخلاء والاكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الاسود والركن اليماني والاخذ والاعطاء والتياسر في ضده، كدخول الخلاء والاستنجاء والامتخاط وخلع اللباس وإزالة القذر وكره عكسه.
أما ما يسن غسلهما معا كالخدين والكفين والاذنين، فلا يسن
تقديم اليمنى فيهما.
نعم من به علة لا يمكنه معها ذلك كأن قطعت إحدى يديه فيسن له تقديم اليمنى.
(القول في التثليث في الطهارة) (و) التاسعة: (الطهارة ثلاثا ثلاثا) ويستوي في ذلك المغسول والممسوح والتخليل المندوب والمفروض للاتباع.
رواه مسلم وغيره، وإنما لم يجب التثليث لانه (ص) توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين.
تنبيه: سكت المصنف عن تثليث القول كالتسمية والتشهد آخر الوضوء مع أن ذلك سنة، فقد روى التثليث في القول في التشهد أحمد وابن ماجة، وصرح به الروياني، وظاهر أن غير التشهد مما في معناه كالتسمية مثله، وسيأتي إن شاء الله تعالى أنه يكره تثليث مسح الخف.
قال الزركشي: والظاهر إلحاق الجبيرة والعمامة إذا كمل بالمسح عليهما بالخف، وتكره الزيادة على الثلاث والنقص عنها

(1/45)


إلا لعذر كما سيأتي، لانه (ص) توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم.
رواه أبو داود وغيره، وقال في المجموع: إنه صحيح.
قال نقلا عن الاصحاب وغيرهم: فمن زاد على الثلاث أو نقص عنها فقد أساء وظلم في كل من الزيادة والنقص.
فإن قيل: كيف يكون إساءة وظلما وقد ثبت أنه (ص) توضأ مرة مرة ومرتين مرتين ؟ أجيب: بأن ذلك كله كان لبيان الجواز.
فكان في ذلك الحال أفضل لان البيان في حقه (ص) واجب.
قال ابن دقيق العيد: ومحل الكراهة في الزيادة إذا أتى بها على قصد نية الوضوء، أي أو أطلق فلو زاد عليها بنية التبرد أو مع قطع نية الوضوء عنها لم يكره.
وقال الزركشي: ينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا توضأ ماء مباح أو مملوك له، فإن توضأ بماء موقوف على من يتطهر منه أو يتوضأ منه كالمدارس والربط حرمت عليه الزيادة بلا خلاف لانها غير مأذون فيها.
انتهى.
تنبيه: قد يطلب ترك التثليث كأن ضاق الوقت بحيث لو اشتغل به لخرج الوقت فإنه يحرم عليه التثليث، أو قل الماء بحيث لا يكفيه إلا للفرض فتحرم الزيادة لانها تحوجه إلى التيمم مع القدرة على الماء كما ذكره البغوي في فتاويه، وجرى عليه النووي في التحفة، أو احتاج إلى الفاضل عنه لعطش بأن كان معه من الماء ما يكفيه للشرب لو توضأ به مرة مرة، ولو ثلث لم يفضل للشرب شئ
فإنه يحرم عليه التثليث كما قاله الجيلي في الاعجاز، وإدراك الجماعة أفضل من تثليث الوضوء وسائر آدابه، ولا يجزئ تعدد قبل إتمام العضو نعم لو مسح بعض رأسه ثلاثا حصل التثليث لان قولهم من سنن الوضوء تثليث الممسوح شامل لذلك، وأما ما تقدم فمحله في عضو يجب استيعابه بالتطهير ولا بعد تمام الوضوء، فلو توضأ مرة مرة ثم توضأ ثانيا وثالثا كذلك لم يحصل التثليث كما جزم به ابن المقري في روضه، وفي فروق الجويني ما يقتضيه، وإن أفهم كلام الامام خلافه.
فإن قيل: قد مر في المضمضة والاستنشاق أن التثليث يحصل بذلك.
أجيب: بأن الفم والانف كعضو واحد، فجاز فيهما كاليدين بخلاف الوجه واليد مثلا لتباعدهما، فينبغي أن يفرغ من أحدهما ثم ينتقل إلى الآخر، ويأخذ الشاك باليقين في المفروض وجوبا وفي المندوب ندبا، لان الاصل عدم ما زاد، كما لو شك في عدد الركعات، فإذا شك هل غسل ثلاثا أو مرتين أخذ بالاقل وغسل أخرى.
(القول في الموالاة وضابطها) (و) العاشرة: (الموالاة) بين الاعضاء في التطهير بحيث لا يجف الاول قبل الشروع في الثاني مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص نفسه والزمان والمكان، ويقدر الممسوح مغسولا.
هذا في غير وضوء صاحب الضرورة كما تقدم، وما لم يضق الوقت وإلا فتجب والاعتبار بالغسلة الاخيرة ولا يحتاج التفريق الكثير إلى تجديد نية عند عزوبها لان حكمها باق.
(القول في السنن الزائدة على العشر) وقد قدمنا أن المصنف لم يحصر سنن الوضوء فيما ذكره، فلنذكر منها شيئا مما تركه، فمن السنن ترك الاستعانة في الصب عليه لغير عذر لانه الاكثر من فعله (ص)، ولانها نوع من التنعم والتكبر، وذلك لا يليق بالمتعبد والاجر على قدر النصب، وهي خلاف الاولى.
أما إذا كان ذلك لعذر كمرض أو نحوه فلا يكون خلاف الاولى دفعا للمشقة، بل قد تجب الاستعانة إذا لم يمكنه التطهير إلا بها ولو ببذل أجرة مثل، والمراد بترك الاستعانة الاستقلال بالافعال لا طلب الاعانة فقط حتى لو أعانه غيره وهو ساكت كان الحكم كذلك.
ومنها ترك نفض الماء لانه كالتبري من العبادة فهو خلاف الاولى كما جزم به النووي في التحقيق، وإن رجح في زيادة الروضة أنه مباح.
ومنها ترك تنشيف الاعضاء بلا عذر لانه يزيل أثر العبادة، ولانه (ص) بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة بمنديل فرده، وجعل يقول بالماء هكذا ينفضه.
رواه الشيخان ولا دليل

(1/46)


في ذلك لاباحة النفض، فقد يكون فعله (ص) لبيان الجواز، أما إذا كان هناك عذر كحر أو برد أو التصاق نجاسة فلا كراهة قطعا، أو كان يتيمم عقب الوضوء لئلا يمنع البلل في وجهه ويديه التيمم، وإذا نشف فالاولى أن لا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما.
قال في الذخائر: فقد قيل إن ذلك يورث الفقر.
ومنها أن يضع المتوضئ إناء الماء عن يمينه إن كان يغترف منه، وعن يساره إن كان يصب منه على يديه كإبريق، لان ذلك أمكن فيهما.
قاله في المجموع.
ومنها تقديم النية مع أول السنن المتقدمة على الوجه ليحصل له ثوابها كما مر.
ومنها التلفظ بالمنوي قال ابن المقري: سرا مع النية بالقلب، فإن اقتصر على القلب كفى أو التلفظ فلا.
أو التلفظ بخلاف ما نوى فالعبرة بالنية.
ومنها استصحاب النية ذكرا إلى آخر الوضوء.
ومنها التوجه للقبلة.
ومنها دلك أعضاء الوضوء ويبالغ في العقب خصوصا في الشتاء فقد ورد: ويل للاعقاب من النار.
ومنها البداءة بأعلى الوجه وأن يأخذ ماءه بكفيه معا.
ومنها أن يبدأ في غسل يديه بأطراف أصابعه وإن صب عليه غيره كما جرى عليه النووي في تحقيقه خلافا لما قاله الصيمري من أنه يبدأ بالمرفق إذا صب عليه غيره.
ومنها أن يقتصد في الماء فيكره السرف فيه.
ومنها أن لا يتكلم بلا حاجة وأن لا يلطم وجهه بالماء.
ومنها أن يتعهد موقه وهو طرف العين الذي يلي الانف بالسبابة الايمن باليمنى والايسر باليسرى، ومثله اللحاظ وهو الطرف الآخر ومحل سن غسلهما إذا لم يكن فيهما رمص يمنع وصول الماء إلى محله، وإلا فغسلهما واجب كما ذكره في المجموع، ومرت الاشارة إليه.
وكذا كل ما يخاف إغفاله كالغضون.
ومنها أن يحرك خاتما يصل الماء تحته.
ومنها أن يتوقى الرشاش ومنها أن يقول بعد فراغ الوضوء وهو مستقبل القبلة رافعا يديه إلى السماء كما قاله في العباب: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لخبر مسلم: من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.
زاده الترمذي على مسلم: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك لخبر الحاكم وصححه: من توضأ ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت إلى آخرها كتب في رق ثم طبع بطابع وهو بكسر الباء وفتحها الخاتم.
فلم يكسر إلى يوم القيامة أي لم يتطرق إليه إبطال،
ويسن أن يصلي ركعتين عقب الفراغ من الوضوء.
تتمة: يندب إدامة الوضوء، ويسن لقراءة القرآن أو سماعه أو الحديث أو سماعه أو روايته أو حمل كتب التفسير إذا كان التفسير أكثر أو الحديث أو الفقه وكتابتهما، ولقراءة علم شرعي أو إقرائه، ولاذان وجلوس في المسجد أو دخوله، وللوقوف بعرفة للسعي، ولزيارة قبره عليه الصلاة والسلام أو غيره ولنوم أو يقظة.
ويسن من حمل ميت ومسه، ومن فصد وحجم وقئ وأكل لحم جزور وقهقهة مصل، ومن لمس الرجل أو المرأة بدن الخنثى أو أحد قبليه وعند الغضب وكل كلمة قبيحة، ولمن قص شاربه أو حلق رأسه، ولخطبة غير الجمعة، والمراد بالوضوء الوضوء الشرعي لا اللغوي، ولا يندب للبس ثوب وصوم وعقد نكاح وخروج لسفر ولقاء قادم وزيارة والد وصديق وعيادة مريض وتشييع جنازة، ولا لدخول سوق، ولا لدخول على نحو أمير.

(1/47)


(فصل: في الاستنجاء) وهو طهارة مستقلة على الاصح.
وأخره المصنف عن الوضوء إعلاما بجواز تقديم الوضوء عليه، وهو كذلك بخلاف التيمم لان الوضوء يرفع الحدث وارتفاعه يحصل مع قيام المانع، ومقتضاه كما قال الاسنوي: عدم صحة وضوء دائم الحدث قبل الاستنجاء، لكونه لا يرفع الحدث وهو الظاهر، وإن قال بعض المتأخرين: إن الماء أصل في رفع الحدث.
فكان أقوى من التراب الذي لا يرفعه أصلا.
(القول في حكم الاستنجاء) (والاستنجاء): استفعال من طلب النجاء وهو الخلاص من الشئ، وهو مأخوذ من نجوت الشجرة وأنجيتها إذا قطعتها لان المستنجي يقطع به الاذى عن نفسه، وقد يترجم هذا الفصل بالاستطابة، ولا شك أن الاستطابة طلب الطيب، فكأن قاضي الحاجة يطلب طيب نفسه بإخراج الاذى، وقد يعبر عنه بالاستجمار من الجمار وهو الحصى الصغار، وتطلق الثلاثة على إزالة ما على المنفذ، لكن الاولان يعمان الحجر والماء، والثالث يختص بالحجر.
(واجب ومن) خروج (البول والغائط) وغيرهما، من كل خارج ملوث ولو نادرا كدم ومذي وودي إزالة للنجاسة لا على الفور بل عند الحاجة إليه.
(القول في الافضل في الاستنجاء) (والافضل أن يستنجي بالاحجار) أو ما في معناها.
(ثم يتبعها بالماء) لان العين تزول بالحجر أو ما في معناه، والاثر يزول بالماء من غير حاجة إلى مخامرة النجاسة، وقضية التعليل أنه
لا يشترط في حصول فضيلة الجمع طهارة الحجر، وأنه يكتفي بدون الثلاث مع الانقاء، وبالاول صرح الجيلي نقلا عن الغزالي، وقال الاسنوي في الثاني: المعنى وسياق كلامهم يدلان عليه انتهى.
والظاهر أن بهذا يحصل أصل فضيلة الجمع، وأما كمالها فلا بد من بقية شروط الاستنجاء بالحجر وقضية كلامهم أن أفضيلة الجمع لا فرق فيها بين البول والغائط، وبه صرح سليم وغيره وهو المعتمد، وإن جزم القفال باختصاصه بالغائط، وصوبه الاسنوي وشمل إطلاقه حجارة الذهب والفضة إذا كان كل منهما قالعا وحجارة الحرم، فيجوز الاستنجاء بها وهو الاصح.
(ويجوز) له (أن يقتصر) فيه (على الماء) فقط لانه الاصل في إزالة النجاسة (أو) يقتصر (على ثلاثة أحجار) لانه (ص) جوزه بها حيث فعله كما رواه البخاري، وأمر بفعله بقوله فيما رواه الشافعي: وليستنج بثلاثة أحجار الموافق له ما رواه مسلم وغيره من نهيه (ص) عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار ويجب

(1/48)


في الاستنجاء بالحجر أمران أحدهما: ثلاث مسحات بأن يعم بكل مسحة المحل ولو كانت بأطراف حجر لخبر مسلم عن سلمان: نهانا رسول الله (ص) أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وفي معناها ثلاثة أطراف حجر، بخلاف رمي الجمار، فلا يكفي حجر له ثلاثة أطراف عن ثلاث رميات، لان القصد ثم عدد الرمي، وهنا عدد المسحات، ولو غسل الحجر وجف جاز له استعماله ثانيا كدواء دبغ به.
ثانيهما: نقاء المحل كما قال: (ينقي بهن) أي بالاحجار أو ما في معناها (المحل) فإن لم ينق بالثلاث وجب الانقاء برابع فأكثر إلى أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء أو صغار الخزف.
ويسن بعد الانقاء إن لم يحصل بوتر الايتار بواحدة كأن حصل برابعة فيأتي بخامسة لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود وهي قوله (ص): من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه.
(القول في شروط الحجر) وفي معنى الحجر الوارد كل جامد طاهر قالع غير محترم كخشب وخزف لحصول الغرض به كالحجر فخرج بالجامد المائع غير الماء الطهور كماء الورد والخل، وبالطاهر النجس كالبعر والمتنجس كالماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة، وبالقالع نحو الزجاج والقصب الاملس،
وبغير محترم المحترم كمطعوم آدمي كالخبز أو جني كالعظم لما روى مسلم: أنه (ص) نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: إنه زاد إخوانكم أي من الجن، فمطعوم الآدمي أولى، ولان المسح بالحجر رخصة وهي لا تناط بالمعاصي.
وأما مطعوم البهائم كالحشيش فيجوز، والمطعوم لها وللآدمي يعتبر فيه الاغلب، فإن استويا فوجهان بناء على ثبوت الربا فيه، والاصح الثبوت قال الماوردي والروياني، وإنما جاز بالماء مع أنه مطعوم لانه يدفع النجس عن نفسه بخلاف غيره.
وأما الثمار والفواكه ففيها تفصيل ذكرته في شرح المنهاج وغيره.
ومن المحترم ما كتب عليه اسم معظم أو علم كحديث أو فقه.
قال في المهمات: ولا بد من تقييد العلم بالمحترم سواء كان شرعيا كما مر أم لا.
كحساب ونحوه وطب وعروض فإنها تنفع في العلوم الشرعية، أما غير المحترم كفلسفة ومنطق مشتمل عليها فلا، كما قاله بعض المتأخرين.
أما غير المشتمل عليها فلا يجوز.
وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاق من جوزه، وجوزه القاضي بورق التوراة والانجيل وهو محمول على ما علم تبديله منهما.
وخلا عن اسم الله تعالى ونحوه، وألحق بما فيه علم محترم جلده المتصل به دون المنفصل عنه، بخلاف جلد المصحف، فإنه يمتنع الاستنجاء به مطلقا.
(القول في بقية شروط الاستنجاء بالحجر) وشرط الاستنجاء بالحجر وما ألحق به لان يجزئ أن لا يجف النجس الخارج، فإن جف تعين الماء نعم لو بال ثانيا بعد جفاف بوله الاول ووصل إلى ما وصل إليه الاول كفى فيه الحجر.
وحكم الغائط المائع كالبول في ذلك وأن لا ينتقل عن المحل الذي أصابه عند خروجه واستقر فيه، وأن لا يطرأ عليه أجنبي نجسا كان أو طاهرا رطبا ولو ببلل الحجر، أما الجاف الطاهر

(1/49)


فلا يؤثر فإن طرأ عليه ما ذكر تعين الماء، نعم البلل بعرق المحل لا يضر لانه ضروري، وأن يكون الخارج المذكور من فرج معتاد فلا يجزئ في الخارج من غيره، كالخارج بالفصد ولا في منفتح تحت المعدة ولو كان الاصلي مفسدا، لان الاستنجاء به على خلاف القياس ولا في بول خنثى مشكل، وإن كان الخارج من أحد قبليه لاحتمال زيادته.
نعم إن كان له آلة فقط لا تشبه آلة الرجال ولا آلة النساء أجزأ الحجر فيها، ولا في بول ثيب تيقنته دخل مدخل الذكر لانتشاره عن مخرجه بخلاف البكر لان البكارة تمنع دخول البول مدخل الذكر، ولا في بول الاقلف إذا وصل البول إلى الجلدة، ويجزئ في دم حيض
أو نفاس، وفائدته فيمن انقطع دمها وعجزت عن استعمال الماء فاستنجت بالحجر، ثم تيممت لنحو مرض فإنها تصلي ولا إعادة عليها، ولو ندر الخارج كالدم والودي والمذي أو انتشر فوق عادة الناس، وقيل عادة نفسه.
ولم يجاوز في الغائط صفحته وهي ما انضم من الاليين عند القيام وفي البول حشفته وهي ما فوق الختان أو قدرها من مقطوعها كما قاله الاسنوي جاز الحجر، وما في معناه.
أما النادر فلان انقسام الخارج إلى معتاد ونادر مما يتكرر ويعسر البحث عنه، فنيط الحكم بالمخرج، وأما المنتشر فوق العادة فلعسر الاحتراز عنه، ولما صح أن المهاجرين أكلوا التمر لما هاجروا ولم يكن ذلك عادتهم وهو مما يرق البطون، ومن رق بطنه انتشر ما يخرج منه ومع ذلك لم يؤمروا بالاستنجاء بالماء، ولان ذلك يتعذر ضبطه فنيط الحكم بالصفحة والحشفة، أو ما يقوم مقامها، فإن جاوز الخارج ما ذكر مع الاتصال لم يجز الحجر لا في المجاوز ولا في غيره لخروجه عما تعم به البلوى، ولا يجب الاستنجاء لدود وبعر بلا لوث لفوات مقصود الاستنجاء من إزالة النجاسة أو تخفيفها ولكن يسن خروجا من الخلاف.
والواجب في الاستنجاء أن يغلب على ظنه زوال النجاسة ولا يضر شم ريحها بيده، فلا يدل على بقائها على المحل وإن حكمنا على يده بالنجاسة لانا لم نتحقق أن محل الريح باطن الاصبع الذي كان ملاصقا للمحل لاحتمال أنه من جوانبه فلا ننجس بالشك، ولان هذا المحل خفف فيه بالاستنجاء بالحجر فخفف فيه هنا فاكتفى فيه بغلبة ظن زوال النجاسة.
(فإذا أراد) المستنجي (الاقتصار على أحدهما) أي الماء والحجر (فالماء أفضل) من الاقتصار على الحجر لانه يزيل العين والاثر، بخلاف الحجر ولا استنجاء من غير ما ذكر، فقد نقل الماوردي وغيره الاجماع على أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح.
قال ابن الرفعة: ولم يفرق الاصحاب بين أن يكون المحل رطبا أو يابسا، ولو قيل بوجوبه إذا كان المحل رطبا لم يبعد كما قيل به في دخان النجاسة، وهذا مردود فقد قال الجرجاني: إن ذلك مكروه.
وصرح الشيخ نصر الدين المقدسي بتأثيم فاعله، والظاهر كلام الجرجاني وقال في الاحياء: يقول بعد فراغه من الاستنجاء: اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش.
القول في آداب قاضي الحاجة ندبا (ويجتنب) قاضي الحاجة

(1/50)


(استقبال القبلة واستدبارها) ندبا إذا كان في غير المعد لذلك مع ساتر مرتفع ثلثي ذراع تقريبا فأكثر
بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل بذراع الآدمي، وإرخاء ذيله كاف في ذلك فهما حينئذ خلاف الاولى، ويحرمان في البناء غير المعد لقضاء الحاجة، و (في الصحراء) بدون الساتر المتقدم.
والاصل في ذلك ما في الصحيحين أنه (ص) قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا.
وفيهما: أنه (ص) قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
وقال جابر: نهى النبي (ص) أن تستقبل القبلة ببول فرأيته (ص) قبل أن يقبض بعام يستقبلها.
رواه الترمذي وحسنه، فحملوا الخبر الاول المفيد للحرمة على القضاء وما ألحق به لسهولة اجتناب المحاذاة فيه، بخلاف البناء غير المذكور مع الصحراء، فيجوز فيه ذلك كما فعله (ص) بيانا للجواز، وإن كان الاولى لنا تركه كما مر.
وأما في المعد لذلك فلا حرمة فيه ولا كراهة ولا خلاف الاولى قاله في المجموع.
ويستثنى من الحرمة ما لو كانت الريح تهب عن يمين القبلة وشمالها، فإنهما لا يحرمان للضرورة كما سيأتي، وإذا تعارض الاستقبال والاستدبار تعين الاستدبار ولا يحرم ولا يكره استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء أو الجماع أو إخراج الريح، إذ النهي عن استقبالها واستدبارها مقيد بحالة البول والغائط، وذلك منتف في الثلاثة.
القول في آداب قاضي الحاجة (ويجتنب) ندبا (البول) والغائط (في الماء الراكد) للنهي عن البول فيه في حديث مسلم ومثله الغائط بل أولى، والنهي في ذلك للكراهة وإن كان الماء قليلا لامكان طهره بالكثرة وفي الليل أشد كراهة لان الماء بالليل مأوى الجن، أما الجاري ففي المجموع عن جماعة الكراهة في القليل منه دون الكثير، ولكن يكره في الليل لما مر، ثم قال: وينبغي أن يحرم في القليل مطلقا لان فيه إتلافا عليه وعلى غيره، ورد بما تقدم من التعليل وبأنه مخالف للنص وسائر الاصحاب، فهو كالاستنجاء بخرقة ولم يقل أحد بتحريمه، ولكن يشكل بما مر من أنه يحرم استعمال الاناء النجس في الماء القليل.
وأجيب: بأن هناك استعمالا بخلافه هنا.

(1/51)


تنبيه: محل عدم التحريم إذا كان الماء له ولم يتعين عليه الطهر به بأن وجد غيره، أما إذا لم يكن له كمملوك لغيره أو مسبل أو له وتعين للطهارة بأن دخل الوقت ولم يجد غيره، فإنه يحرم عليه.
فإن قيل: الماء العذب ربوي لانه مطعوم فلا يحل البول فيه.
أجيب: بما تقدم، ويكره أيضا قضاء
الحاجة بقرب الماء الذي يكره قضاؤها فيه لعموم النهي عن البول في الموارد، وصب البول في الماء كالبول فيه.
(و) يجتنب ذلك ندبا (تحت الشجرة المثمرة) ولو كان التمر مباحا وفي غير وقت الثمرة صيانة لها عن التلويث عند الوقوع فتعافها النفس ولم يحرموه لان التنجيس غير متيقن، نعم إذا لم يكن عليها ثمر وكان يجري عليها الماء من مطر أو غيره قبل أن تثمر لم يكره كما لو بال تحتها، ثم أورد عليه ماء طهورا، ولا فرق في هذا وفي غيره مما تقدم بين البول والغائط.
(و) يجتنب ذلك ندبا (في الطريق) المسلوك لقوله (ص): (اتقو اللعانين).
قالوا وما اللعانان يا رسول الله ؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم تسببا بذلك في لعن الناس لهما كثيرا عادة فنسب إليهما بصيغة المبالغة، إذ أصله اللاعنان فحول الاسناد للمبالغة، والمعنى احذروا سبب اللعن المذكور، ولخبر أبي داود بإسناد جيد: اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل والملاعن مواضع اللعن والموارد طرق الماء والتخلي التغوط وكذا البراز وهو بكسر الباء على المختار وقيس بالغائط البول كما صرح في المهذب وغيره بكراهة ذلك في المواضع الثلاثة.
وفي المجموع ظاهر كلام الاصحاب كراهته، وينبغي حرمته للاخبار الصحيحة ولايذاء المسلمين انتهى.
والمعتمد ظاهر كلام الاصحاب وقارعة الطريق أعلاه وقيل صدره وقيل ما برز منه أما الطريق المهجور فلا كراهة فيه.
(و) يتجنب ذلك ندبا في (الظل) للنهي عن التخلي في ظلهم أي في الصيف، ومثله مواضع اجتماعهم في الشمس في الشتاء (و) في الثقب وهو بضم المثلثة المستدير النازل، للنهي عنه في خبر أبي داود وغيره لما قيل إنه مسكن الجن، ولانه قد يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى أو قوي فيؤذيه أو ينجسه ومثله السرب وهو بفتح السين والراء الشق المستطيل.
قال في المجموع: ينبغي تحريم ذلك للنهي عنه إلا أن يعد لذلك أي لقضاء الحاجة فلا تحريم ولا كراهة، والمعتمد ما مر من عدم التحريم.
(ولا يتكلم على البول والغائط) أي يسكت حال قضاء الحاجة فلا يتكلم بذكر ولا غيره أي يكره له ذلك إلا لضرورة كإنذار أعمى فلا يكره، بل قد يجب لخبر: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك رواه الحاكم وصححه، ومعنى يضربان يأتيان والمقت البغض، وهو إن كان على المجموع فبعض موجباته مكروه، فلو عطس حمد الله تعالى بقلبه ولا يحرك لسانه: أي بكلام يسمع به نفسه، إذ لا يكره الهمس ولا
التنحنح وظاهر كلامهم أن القراءة لا تحرم حينئذ، وقول ابن كج إنها لا تجوز أي جوازا مستوي الطرفين فتكره.
وأن قال الاذرعي اللائق بالتعظيم المنع.
ويسن أن لا ينظر إلى فرجه ولا إلى الخارج منه ولا إلى السماء ولا يعبث بيده ولا يلتفت يمينا ولا شمالا.
(ولا يستقبل الشمس) ولا (القمر) ببول ولا غائط أي يكره له ذلك (ولا يستدبرهما) وهذا ما جرى عليه ابن المقري في روضه والذي نقله النووي في أصل الروضة عن الجمهور أنه يكره الاستقبال دون الاستدبار.
وقال في المجموع: وهو الصحيح المشهور وهذا هو المعتمد، وإن قال في التحقيق إنه لا أصل للكراهة فالمختار إباحته، وحكم استقبال بيت المقدس واستدباره حكم استقبال الشمس والقمر واستدبارهما.
ويسن أن يبعد عن الناس في الصحراء وما ألحق بها من البنيان إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت ولا يشم له ريح، فإن تعذر عليه الابعاد عنهم سن لهم الابعاد عنه كذلك، ويستتر عن أعينهم بمرتفع ثلثي ذراع فأكثر بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل لقوله (ص)

(1/52)


من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم.
من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه ويحصل الستر براحلة أو وهدة أو إرخاء ذيله.
هذا إذا كان بصحراء أو بنيان لا يمكن تسقيفه كأن جلس في وسط مكان واسع، فإن كان في بناء يمكن تسقيفه أي عادة كفى كما في أصل الروضة.
قال في المجموع: وهذا الادب متفق على استحبابه، ومحله إذا لم يكن ثم من لا يغض بصره عن نظر عورته ممن يحرم عليه نظرها، وإلا وجب الاستتار.
وعليه يحمل قول النووي في شرح مسلم يجوز كشف العورة في محل الحاجة في الخلوة كحالة الاغتسال والبول ومعاشرة الزوجة، أما بحضرة الناس فيحرم كشفها ولا يبول في موضع هبوب الريح وإن لم تكن هابة إذ قد تهب بعد شروعه في البول فترد عليه الرشاش ولا في مكان صلب لما ذكر ولا يبول قائما لخبر الترمذي وغيره بإسناد جيد أن عائشة رضي الله عنها قالت: من حدثكم أن النبي (ص) كان يبول قائما فلا تصدقوه أي يكره له ذلك إلا لعذر فلا يكره ولا خلاف الاولى، وفي الاحياء عن الاطباء أو بولة في الحمام في الشتاء قائما خير من شربة دواء ولا يدخل الخلاء حافيا ولا مكشوف الرأس للاتباع.
ويعتمد في قضاء الحاجة على يساره لان ذلك أسهل لخروج الخارج، ويندب أن يرفع لقضاء
الحاجة ثوبه عن عورته شيئا فشيئا إلا أن يخاف تنجس ثوبه فيرفع بقدر حاجته ويسبله شيئا فشيئا قبل انقضاء قيامه ولا يستنجي بماء في مجلسه إن لم يكن معدا لذلك أي يكره له ذلك لئلا يعود عليه الرشاش فينجسه بخلاف المستنجي بالحجر والمعد لذلك، وللمشقة في المعد لذلك ولفقد العلة في الاستنجاء بالحجر، ويكره أن يبول في المغتسل لقوله (ص): ولا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه ومحله إذا لم يكن ثم منفذ ينفذ منه البول والماء وعند قبر محترم احتراما له قال الاذرعي: وينبغي أن يحرم عند قبور الانبياء وتشتد الكراهة عند قبور الاولياء والشهداء، قال: والظاهر تحريمه بين القبور المتكرر نبشها لاختلاط ترابها بأجزاء الميت انتهى.
وهو حسن ويحرم على القبر، وكذا في إناء في المسجد على الاصح، ويسن أن يستبرئ من البول عند انقطاعه بنحو تنحنح ونثر ذكر.
قال في المجموع: والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الناس، والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شئ يخاف خروجه، فمنهم من يحصل هذا بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرره، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من لا يحتاج إلى شئ من هذا، وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة، وإنما لم يجب الاستبراء - كما قال به القاضي والبغوي وجرى عليه النووي في شرح مسلم - لقوله (ص): تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه لان الظاهر من انقطاع البول عدم عوده ويحمل الحديث على ما إذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه لو لم يستبرئ خرج منه، ويكره حشو مخرج البول من الذكر بنحو القطن.
وإطالة المكث في محل قضاء الحاجة، لما روي عن لقمان أنه يورث وجعا للكبد.
ويندب أن يقول عند وصوله إلى مكان قضاء الحاجة: باسم الله - أي أتحصن من الشيطان - اللهم أي يا الله - إني أعوذ بك أي أعتصم بك - من الخبث - بضم الخاء والباء جمع خبيث - والخبائث

(1/53)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية