صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المنتقى من فتاوى الفوزان

وهناك كتب جمعها الأئمة فيها أحاديث جوامع في العبادات والأعمال والأخلاق مثل : " رياض الصالحين " للإمام النووي، و " مشكاة المصابيح " للإمام البغوي، وغير ذلك من الجوامع المفيدة في علوم الحديث، وهناك كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه، وغير ذلك من الكتب النافعة من مؤلفات أئمة الإسلام .
186 ـ أرجو أن تدلوني عن بعض الكتب المفيدة في الفقه والتوحيد ؟
الكتب المفيدة ـ ولله الحمد ـ كثيرة، ودين الإسلام ثري بالكتب النافعة من الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح على المذاهب الأربعة، فمن الكتب المختصرة في الفقه الحنبلي بالنسبة للمبتدئ مثلا كتاب " آداب المشي للصلاة " لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فإن ذلك يبين لك أحكام الصلاة وأحكام الزكاة وأحكام الصيام هذه ضروريات من دينك، وقبل ذلك رسائل مختصر في أحكام الطهارة وأحكام المياه تجدها في " مجموع الرسائل والمسائل " لعلماء نجد أو غيرهم من علماء المسلمين الموثوقين المحققين، وإذا تجاوزت هذا المقدار فهناك " عمدة الأحكام " لموفق الدين ابن قدامة، وهناك " متن الدليل " لمرعي بن يوسف الكري الحنبلي وهو مختصر مفيد وسهل، وهناك " متن زاد المستقنع " ، أيضا كل هذه مختصرات في الفقه .
أما في العقيدة فهناك " الأصول الثلاثة " للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرحمه الله، و " العقيدة الواسطية " لشيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، وكتاب " التوحيد الذي هو حق الله على العبيد " للشيخ محمد بن عبد الوهاب يرحمه الله، وهناك " العقيدة الطحاوية وشرحها " ، فكل هذه كتب مفيدة في العقيدة، وهناك كتب الشيخين : شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم في العقيدة والفقه .

(45/10)


والمسلم يعمل بما يقوم عليه الدليل دون نظر إلى كونه للحنابلة أو الشافعية أو المالكية أو الحنفية إن كان يحسن معرفة الدليل، أما إذا كان مبتدئا فهذا عليه أن يسأل أهل العلم ويأخذ بما يفتونه به، قال تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [ سورة النحل : آية 43 ] ، ومذهب العامة مذهب من يفتيه ومن يقلده من أهل العلم .
2 ـ الدعوة إلى الله تعالى
187 ـ الدعوة فرض كفاية فهل هذا يوافق ما نحن من الجهل والضلال ؟ أم أصبحت الدعوة واجبة على الجميع في هذه الأيام بسبب الجهل وانتشار الفساد ؟ الرجاء التوضيح .
ما كل يستطيع الدعوة بمعنى أنه يعلم الناس أمور الدين وأمور العقيدة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ما كل يستطيع هذا، إما لضعف في جسمه وشخصيته، وإما لضعف في علمه وأنه ليس عنده من العلم ما يعرف به الحلال والحرام، والواجب والمندوب والمكروه والمستحب، وإنما تجب الدعوة على من يستطيع القيام بها وعنده مؤهلات لها، لكن على كل مسلم مسئولية بحسب استطاعته، فمثلا صاحب البيت وإن كان عاميا عليه الدعوة لأهل بيته بأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وينقي البيت من المنكرات، ويهيئه للأعمال الصالحة، لأن الله جل وعلا يقول : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [ سورة التحريم : آية 6 ] .

(45/11)


فالإنسان مكلف بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أهل بيته ومن تحت يده، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر . . ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 1/130 ) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم ] ، فالخطاب هذا موجه لعموم الآباء، فليس هناك أحد من المسلمين ليس عليه مسئولية إما عامة وإما خاصة، وعلى أهل العلم بالذات المسئولية أكبر والواجب عليهم أعظم .
188 ـ ما رأيكم في أساليب الدعوة الحالية هل إدخال أساليب جديدة تناسب العصر أمر مناسب ؟
لا شك أن الدعوة إلى الله من أعظم الواجبات في كل زمان ومكان، وذلك منذ بدء إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام من وقت آدم عليه السلام وحتى نهاية الخليقة، والمؤمنون مكلفون بهذه المهمة، قال تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [ سورة آل عمران : آية 110 ] ، وقال تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } [ سورة آل عمران : آية 104 ] ، فمسئولية الأمة المحمدية في مجال الدعوة أكبر مسئولية، ذلك بما حباها الله من هذا الدين وهذا الكتاب العظيم، وهذا الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام بما أعطاه الله من قدرة على البيان وحرص على هداية الخلق .

(45/12)


وأساليب الدعوة إلى الله لا شك أنها تستمد من الكتاب والسنة، فالرسول عليه الصلاة والسلام قام بالدعوة منذ أن بعثه الله إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وقد اتخذ عليه الصلاة والسلام أسلوبا متكاملا في الدعوة وقد استوعبها وفهمها وطبقها هو ومن حوله من صحابته، قال تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [ سورة الأحزاب : آية 21 ] ، فهو قدوة الدعاة والعاملين والمجاهدين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر .
ولا مانع في الأساليب أن نستعين بالخبرات والوسائل المتعددة المفيدة والمتجددة مع الأخذ في الاعتبار ألا نحيد عن منهج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حيث المنهج والأسلوب المتبع، وكذلك لا يكون التجديد في أساليب الدعوة تجديدا مخالفا لهدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما يكون التجديد في نطاق منهج الرسول صلى الله عليه وسلم .
وعلينا أن ندرك أن حالة كل مجتمع تختلف عن الآخر، ولهذا يجب أن نختار الأسلوب المناسب لكل مجتمع ندعو فيه إلى الله، كذلك علينا أن نعي بأن الدعوة عالمية وليست دعوة محلية أو قبلية، قال تعالى : { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } [ سورة الفرقان : آية 1 ] ، ولأن الدعوة عالمية وشاملة لابد أن نلم بأحوال العالم كله واختلاف طبيعة كل مجتمع، وأن نعد لكل حالة ما يناسبها .
189 ـ يقع بعض المسلمين في أعمال شركية أو يتلفظون بألفاظ شركية جهلا منهم بأنها مخالفة لمنهج الإسلام، فهل هم معذورون بالجهل ؟ وماذا يجب على طلبة العلم والعلماء تجاه الناس في أمور العقيدة وغيرها ؟
من وقع منه أعمال شركية أو ألفاظ شركية وهو في مجتمع مسلم ويمكنه سؤال العلماء ويقرأ القرآن الكريم والأحاديث النبوية ويسمع كلام أهل العلم فهو غير معذور فيما وقع منه، لأنه قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة .

(45/13)


أما من كان بعيدا عن بلاد الإسلام ويعيش في بلاد جاهلية أو في مجتمع لا يعرف عن الإسلام شيئا فهذا يعذر بجهله، لأنه لم تقم عليه الحجة، لكن إذا بلغته الدعوة وعرف خطأه وجب عليه التوبة إلى الله تعالى .
واليوم مع تطور وسائل الإعلام وتقارب البلدان بسبب وسائل النقل السريعة لم يبق أحد لم تبلغه الدعوة إلا نادرا؛ لأنه انتشر الوعي في أقطار المعمورة بالقدر الذي تقوم به الحجة، ولكن المشكلة أن غالب الذين يقع منهم الشرك الأكبر يعيشون في قلب البلاد الإسلامية، وفيهم علماء، ولا يقبلون الدعوة إلى التوحيد، بل ينفرون منها وينفرون غيرهم وينبذون الدعاة إلى التوحيد بأسوأ الألقاب، وهذه هي المصيبة العظمى .
فالواجب على العلماء القيام بالدعوة إلى التوحيد الذي دعا إليه رسل الله عليهم الصلاة والسلام، والتحذير مما يضاده من الشرك، وبيان ما وقع فيه بعض المجتمعات من الشرك الأكبر، وشرح أسباب ذلك حتى تقوم الحجة وتتضح المحجة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
أما إذا سكت العلماء واستسلموا للأمر الواقع، أو صرفوا عنايتهم بالدعوة إلى أمور جانبية وتركوا الأساس كما تفعله بعض الجماعات التي تنتمي إلى الدعوة اليوم، فإن هذا لا يجدي شيئا ولا يعتبر دعوة إلى الإسلام .
190 ـ إنني أجيد التحدث بخمس لغات أجنبية ولكنني لا أعلم أنني مطالب بالدعوة بإحداها إلى الله، ولم أستخدمها إلا في الترجمة أو علم خاص، فهل سأسأل عن هذا العلم ؟
الدعوة إلى الله تعالى واجبة على من عنده الأهلية إذا احتيج إليه، وتتوفر فيه شروط الداعية، فإذا ترك الدعوة في هذه الحالة فهو آثم؛ لأنه تارك لواجب تعين عليه، أما إذا لم يحتج إليه بأن قام بالدعوة غيره ممن تحصل بهم الكفاية فإن الدعوة لا تجب عليه في هذه الحالة، وإنما تستحب فقط .
وأما من لم تتوفر فيه شروط الدعوة - وأهمها العلم - بما يدعو إليه فلا يجوز له القيام بالدعوة وهو جاهل؛ لأن ما يفسد أكثر مما يصلح .

(45/14)


وقد صار اسم الدعوة في هذا الزمان مظلة يدخل تحتها كل جاهل لا يحسن ما يقول، وكل مغرض يدعو إلى اتجاه باطل أو اتجاه مشبوه، وكل منافق يدعو إلى إثارة فتنة بين المسلمين وتفريق الكلمة، فيجب التحفظ في هذا الموضوع ووضع الضوابط اللازمة، وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن هناك على أبواب جهنم دعاة من أطاعهم قذفوه فيها (1) ، فلنكن على حذر منهم .
191 ـ ما هي الواجبات التي يراها فضيلتكم التي يمكن لمجلة " الدعوة " أن تضطلع بها كمجلة إسلامية ؟
المجلة يجب أن ترتقي إلى مجال أوسع وأرحب لمخاطبة القارئ في كل مكان، وأن تبحث عن المادة الخصبة التي تشد انتباه المسلمين وعقولهم مهما أمكن ذلك، وهذا لا يكون إلا من حسن إلى أحسن .
والمجلة بوضعها الحالي - والحمد لله - فيها الخير الكثير، ولكن لا يكفي هذا مادام في الإمكان تقديم الأفضل وتطويرها إلى الأحسن وما هو أشمل .
وأحب أن أبشركم فالناس الآن مسرورون من المجلة ويتطلعون إليها خاصة الشباب والفتيات، والمجلة في حاجة إلى جهود ومجهودات الجميع .
192 ـ وما هي الأمور التي ينبغي أن تطرحها المجلة ؟
أي شيء نافع للإسلام والمسلمين، فالعقيدة والفتاوى والمقالات هذه متطلبات الدعوة، كما يجب عليها أن تحرص على عرض الآراء والمناقشات التي ينتفع بها المسلمون .
193 ـ ما حكم ( التمثيل ) ؟ وما حكم كتابة القصص الخيالية ؟
التمثيل من وسائل اللهو المستوردة إلى بلاد المسلمين، فلا يجوز فعله والاشتغال به، وفيه كذب ومخالفة للواقع، وفيه تنقص للشخصيات المحترمة الممثلة، وفيه تشبه بالشخصيات الكافرة الممثلة أيضا، وفيه محاذير كثيرة .

(45/15)


وقد كتب فيه بعض المشايخ ـ جزاهم الله خيرا ـ كتابات قيمة شخصت مضاره وحذرت منه، مثل ما كتبه فضيلة الدكتور الشيخ بكر أبو زيد، وما كتبه فضيلة الشيخ عبد السلام بن برجس العبد الكريم، وما كتبه الشيخ حمود التويجري، فلتراجع، وما يقال فيه من المنافع فإن المضار الحاصلة بسببه أضعافها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
194 ـ تتنازع بعض الجماعات الإسلامية في الأساسيات التي يبدأ بها في دعوة الناس، فمنهم من يرى أن الدعوة إلى التوحيد وتصحيح العقائد أولى وأهم، ومنهم من يرى أن يبدأ بشرح محاسن الدين وتبصير الناس بواقع حياتهم العامة المخالفة للإسلام، وتربيتهم على فضائل الأخلاق ومكارمها .
فأي الرأيين أصوب من واقع الهدي النبوي، ثم ألا يمكن الجمع بين الأمرين ؟
الرأي الأصوب هو الرأي القائل : إن الدعوة إلى التوحيد هي أول ما يبدأ بها في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن هذا هو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [ سورة النحل : آية 36 ] ، وقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } [ سورة الأنبياء : آية 25 ] .

(45/16)


وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن : ( إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 2/125 ) من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بألفاظ متقاربة في مواضع من كتاب الزكاة ] الحديث، هذا منهج الرسل في الدعوة إلى الله تعالى ما كانوا يبدءون بشيء قبل إصلاح العقيدة، وفي سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدعوة خير شاهد على ذلك، حيث مكث في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله، وترك عبادة ما سواه .
فأي جماعة من الجماعات التي تنتسب للدعوة تخالف منهج الرسل وتبدأ بغير ما بدءوا به فدعوتها دعوة فاشلة، كيف والمجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام يوجد في غالبها الشرك الأكبر المتمثل بعبادة الأضرحة ودعاء الموتى من دون الله، كيف يتركون على ما هم عليه، ويدعون إلى محاسن الدين فقط وفضائل الأخلاق مع ما عليه غالبهم من الشرك الأكبر ؟ !
نعم إذا كان مجتمع من المجتمعات خاليا من الشرك، وعنده قصور في الجوانب الأخرى من الدين، فإنه يدعى إلى إصلاح ما عنده من الخلل، مع العناية بتدريس العقيدة وشرح مسائلها لئلا يتطرق إليه الخلل من حيث لا يشعرون، ولئلا تنسى قواعدها وأحكامها .
195 ـ نرجو من فضيلتكم أن تحثوا أئمة المساجد ومن له مسئولية في هذا الأمر بأن يجتهدوا وينصحوا إخوانهم، كما قال تعالى : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } [ سورة الذاريات : آية 55 ] ، لأننا نلاحظ في بعضهم نوعا من التقصير حتى في الصلاة وغير ذلك، وجزاكم الله خيرا .
لا شك أن أئمة المساجد عليهم مسئولية يجب عليهم القيام بها؛ لأن الإمام مؤتمن، فيجب عليه :

(45/17)


أولا : أن يحافظ على الصلاة بالجماعة، ولا يتخلف عن جماعته، ولا يتأخر عنهم ويشق عليهم، وإذا رأى أنه لا يمكن من الحضور فإنه ينوب عنه من يقوم بالواجب .
ثانيا : يجب عليه أن يتخولهم بالموعظة؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتخول أصحابه بالموعظة من حين لآخر، وخصوصا عندما تحصل مناسبة أو تنبيه على خطأ .
ثالثا : على الإمام أيضا أن يتفقد المتخلفين عن الصلاة ويعظهم ويذكرهم، وإذا استدعى الأمر أن يبلغ عنهم ولاة الأمور للأخذ على أيديهم، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتفقد أصحابه وحضورهم للصلاة، وكان ينهى عن التأخر ويقول : ( تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من خلفكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/325 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] .
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجالا معهم حزم من حطب، ثم أخالف على قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 1/158 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] ، فهذا دليل على أنه واجب على الإمام أن يتفقد المصلين معه، وأن يعاتب المتأخرين، وأن يقوم بالواجب نحوهم من باب النصيحة، أما أنه يترك المتخلفين ويترك الناس، فهذا يكون نقصا في المسئولية .
196 ـ فضيلة الشيخ ! لكم باع في عالم الخطابة وخاصة وأنكم خطيب جامع، فما رأيكم فيما يشاع حاليا أن خطبة الجمعة أصبحت كالمسكن ينتهي مفعولها بمجرد الخروج من المسجد، ولماذا لم تعد خطبة الجمعة تتعايش مع أحوال المسلمين ومشاكلهم الحياتية ؟
أرى أن التقصير لا يرجع إلى خطبة الجمعة في حد ذاتها وإنما يرجع إلى المتلقين أنفسهم . . فأكثرهم لا يلتزم بما يسمع وبما يقال له، إنما هو سائر في طريقه ولو كان غير صحيح .

(45/18)


أما الخطبة نفسها فالغالب أنها من كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخاصة في هذه البلاد والحمد لله . . وأعتقد أن غالبية خطبائها من أهل العلم ومن طلابه المتمكنين، وإذا كانوا من الذين لا يعدون الخطبة فإنهم يستعينون بخطب معدة من قبل علماء لهم مكانتهم في العلم والفقه . ولذلك فالخطب في المملكة هي خطب في المستوى المطلوب .
وإذا كان هناك من تقصير أو عدم تأثير فمرده إلى الناس أنفسهم، لأن كثيرا من الناس لا يعدلون من سلوكهم مهما قيل لهم . إنما يفرحون إذا سمعوا أن الخطيب يتكلم في حق غيرهم أو يتناول أخطاء غيرهم، فهم يصغون له بشدة . . أما إذا تناول أخطاءهم فإنهم يصدون عنه ويعرضون في الغالب، ويخرجون بدون فائدة .
3 ـ الجماعات
197 ـ ما رأيكم في أن تعدد هذه الجماعات اختلاف تنوع وليس اختلاف تفرقة ؟
هذا اختلاف ليس محمودا، لأنه اختلاف تفرق، والله تعالى نهانا عن التفرق والاختلاف، وأوجب علينا أن نكون أمة واحدة، كما قال تعالى : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } [ سورة الأنبياء : آية 92 ] ، نحن أمة واحدة - كما ذكر الله - لا تعرف التفرق أو التحزب، وإذا كان عندنا اختلاف في الرأي فعلينا أن نجتمع ونرده إلى كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما قال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [ سورة النساء، آية 59 ] ، ويقول تعالى : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } [ سورة الشورى : آية 10 ] .
198 ـ يوجد في المسلمين هذه الأيام جماعات كثيرة تريد أن تدعو الناس إلى الله بطريقتها الخاصة فينفتح من ذلك اختلاف كثير فما رأي فضيلتكم ؟

(45/19)


نعم ما ذكره السائل موجود وواقع للأسف، فالدعاة اليوم منقسمون إلى جمعيات وجماعات، وكل جماعة تطلق لنفسها اسما خاصا وتختط لنفسها منهجا خاصا، وتخطئ الجماعة الأخرى، وهذا مما يضر بالمسلمين ويفرح الأعداء .
فالواجب على المسلمين أن يتشاوروا وأن يجتمعوا وأن يوحدوا كلمتهم حتى ولو كانوا في أقطار متباعدة، يجب عليهم التراجع، وأن يجتمعوا ولو مرة في العام للتدارس في هذا الموضوع، وخط الخطط التي يسيرون عليها، وأن يكونوا جماعة واحدة كما قال الله تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } [ سورة آل عمران : آي 103 ] ، فالفرقة لا ينتج عنها إلا الشر، فتفرق الدعاة إلى جماعات لا يبشر بخير، وإنما هذا يفتح على المسلمين باب شر .
فكل فرقة تخطئ الأخرى وتنال منها، مما يعطل العمل الإسلامي، وهذا من التخاذل، فالواجب على الدعاة أن يجتمعوا ويتدارسوا، والإنسان منهم لا تحمله العصبية على أن يستمر على الخطأ، فالواجب على الإنسان أن يرجع إلى الصواب إذا بين له .
أما أن يقول : أعتزل هؤلاء لأنهم يرون كذا وأنا أرى كذا، فهذا خطأ فالله جل وعلا يقول : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } [ سورة النساء آية : 59 ] .
والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرجوع إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته، وإلى سنته بعد وفاته .
وبهذا ينحسم النزاع وتتألف الكلمة، فيجتمع الدعاة على الخير . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
199 ـ ما رأي الدين في قيام الأحزاب ذات التوجه الإسلامي ؟ وما موقف المسلم الذي يختار الحياد طريقا له ؟

(45/20)


يقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } [ سورة التوبة : آية 119 ] ، ويقول تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } [ سورة المائدة : آية 2 ] ، ويقول تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } [ سورة النحل : آية 125 ] الآية .
فالمطلوب من المسلم أن يستقيم في نفسه، وأن يقوم بما يستطيع من الدعوة إلى الله سواء كان منفردا أو مع إخوانه المسلمين، ولا شك أن الاجتماع على البر والتقوى ولزوم جماعة المسلمين أمر مطلوب من المسلم، فالواجب عليك أن تكون مع الجماعة المسلمة المستقيمة على أمر الله التي ليس لها أهداف دنيوية ولا أغراض دنيئة، والتي تسير على المنهج النبوي وعلى هدي الكتاب والسنة .
أما الجماعات المشبوهة والجماعات المبتدعة والمخالفة لهدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في القول والعمل، فابتعد عنها والزم الجماعة التي تدعو إلى إصلاح العقيدة وتحقيق توحيد الله تعالى، وتنهى عن الشرك؛ لأنها هي الطائفة المنصورة التي أخبر عنها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 3/1523 ) من حديث ثوبان رضي الله عنه ] ، وهي الفرقة الناجية : أهل السنة والجماعة ( وهم من كان على مثل ما كان عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ) [ رواه الترمذي في " سننه " ( 7/296، 297 ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ورواه بن ماجه في " سننه " ( 2/1322 ) بنحوه من حديث وف بن مالك وأنس بن مالك، وانظر " مسند الإمام أحمد " ( 2/332 ) ، و " سنن أبي داود " ( 4/197 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] .

(45/21)


200 ـ هل يعتقد فضيلتكم أن كثرة الجماعات الإسلامية وتعددها في صالح الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي والمسلمين بوجه عام ؟
الواجب أن يكون المسلمون جماعة واحدة، أما الجماعات المتفرقة فقد نهى الله عنها بقوله تعالى : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } [ سورة الأنفال : آية 46 ] ، وكما في قوله تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } [ سورة آل عمران : آية 105 ] ، وقوله : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } [ سورة آل عمران : آية 103 ] .
فالتفرق والتجزؤ إلى جماعات أو إلى جمعيات هو مما نهى عنه ديننا، وما يطلبه ديننا منا ألا نختلف أو تتضارب أفكارنا، وبالتالي يضيع مجهود الدعوة .
فالواجب علينا أن نكون جماعة واحدة على منهج الإسلام وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا واجب المسلمين، أما منطق الجماعات فهذا ليس لصالح الدعوة الإسلامية، بل هو على حساب الدعوة .
201 ـ ما هي المذاهب والطرائق المنحرفة عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وهل هناك طرائق صوفية على الطريقة الإسلامية الصحيحة ؟
الطرائق المنحرفة كثيرة لا يمكن حصرها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ) [ رواه الترمذي في " سننه " ( 7/296، 297 ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 2/1322 ) بنحوه من حديث عوف بن مالك وأنس بن مالك، وانظر " مسند الإمام أحمد " ( 2/332 ) ، و " سنن أبي داود " ( 4/197 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] ، وهذا عدد كثير، والموجود الآن من تشعب الفرق كثير، ولكن الثلاث والسبعين فرقة أصولها كما قال أهل العلم .

(45/22)


وليس هناك فرقة ناجية إلا فرقة واحدة وهي ما كانت على مثل ما كان عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، وهم الذي أخبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنهم بقوله : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) [ رواه مسلم في " صحيحه " ( 3/1523 ) من حديث ثوبان رضي الله عنه ] ، ففرقة واحدة هي الناجية وهم أهل السنة والجماعة الذين بقوا وثبتوا على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يبدلوا ولم يغيروا، هؤلاء هم الفرقة الناجية وما عداهم فهم ضالون، وكما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلها في النار .
والطرق الصوفية طرق ضالة ومنحرفة خصوصا في وقتنا الحاضر، لأنها مخالفة لما كان عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه فهي داخلة في الفرق الضالة، بل ربما يصل ضلالهم إلى الكفر، فمنهم أهل وحدة الوجود، وهم أكفر أهل الأرض وهم من فروع الصوفية، أو من أكابرهم، وكذلك منهم الحلولية، ومنهم الآن : السادة الذين يعبدون من دون الله ويتقرب إليهم مريدوهم بأنواع القربات من دون الله عز وجل إذا كانوا أمواتا إلى أضرحتهم وقبورهم يريدون منهم المدد والشفاعة وغير ذلك، وإن كانوا أحياء فإنهم ينقادون لأوامرهم لتحريم الحلال وتحليل الحرام وغير ذلك .
ولا نعلم الآن أن هناك فرقة صوفية معتدلة بل كل الفرق الصوفية منحرفة، وانحرافها يتفاوت : منه ما هو كفر، ومنه ما هو دون ذلك .
وعلى كل حال الصوفية وغيرهم كل من خالف هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخالف سنته فإنه ضال ومنحرف وواقع تحت هذا الوعيد الشديد .

(45/23)


202 ـ تنتشر عندنا كثير من الطرق الصوفية لدرجة أن يعتقد الكثير منا أنه لابد أن يسلك منهجا من هذه المناهج وأن يتبع طريقة من هذه الطرق ويقلد شيخها وقد انتشرت بعض الكتب في ذلك منها كتاب " السؤال والجواب لاختصار أحكام الطريقة الفضلى التيجانية الأحمدية " فما رأيكم في هذه الطرق وفي مثل هذه الكتب هل هي صحيحة ونعتقد ما فيها ونؤمن به أو أنها غير ذلك ويجب علينا أن نبتعد عنها ونحاربها ؟
يقول الله سبحانه وتعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } [ سورة الأعراف : آية 3 ] ، ويقول جل وعلا : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } [ سورة النساء : آية 59 ] ، ويقول سبحانه وتعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا } [ سورة النساء : آية 80 ] .
والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في خطبه وأحاديثه : ( إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) [ رواه مسلم في " صحيحه " ( 2/592 ) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ] ويقول عليه الصلاة والسلام : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 3/167 ) ] ، " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .
والنصوص من الكتاب والسنة في هذا كثيرة تلزم المسلم بأن يعمل بما يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وألا يلتفت إلى ما أحدث من البدع والخرافات، ومن ذلك الطرق الصوفية فإنها طرق مبتدعة محدثة ليست من دين الإسلام، بل هي من دس أعداء الإسلام، وتلقفها كثير من الجهال أو من الضلال الذين يريدون أن يحتالوا بها على الناس ويتزعموا بها على الناس بالباطل .

(45/24)


فالطرق الصوفية طرق محدثة وطرق فاسدة وطرق ضالة مخالفة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لما سئل عن الفرقة الناجية التي هي أهل السنة والجماعة قال عليه الصلاة والسلام : ( هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) [ رواه الترمذي في " سننه " ( 7/296، 297 ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 2/1322 ) بنحوه من حديث عوف بن مالك وأنس بن مالك، وانظر " مسند الإمام أحمد " ( 2/232 ) . و " سنن أبي داود " ( 4/197 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] . وليست الطرق الصوفية مما كان عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه والقرون المفضلة .
ومن ذلك الطريقة التيجانية فإنها من أضل الطرق الصوفية وأفسدها ولها عقائد كفرية، وقد أنقذ الله منها بعض معتنقيها فردوا عليها وكتبوا في بيان كفرها وضلالها الكتابات الطيبة المفيدة، وهي مطبوعة ومتداولة، ولله الحمد .
ومن عقائدهم الباطلة : ما قالوه في " جواهر المعاني " وفي كتبهم في الورد الذي اختاروه قالوا : إن هذا الورد ادخره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يعلمه لأحد من أصحابه إلى أن قال : لعلمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتأخير وقته وعدم وجود من يظهره الله على يديه .
وقال في " جواهر المعاني " : إن المرة الواحدة من صلاة الفاتح - وهي صلاة اخترعوها يزعمون أنهم يصلون بها على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا : إن المرة الواحدة من هذه الصلاة - تعدل كل تسبيح وقع في الكون وكل ذكر وكل دعاء كبير وصغير، وتعدل تلاوة القرآن ستة آلاف مرة .
فهل بعد هذا الكفر كفر ؟ ! وله بعد هذا الضلال ضلال ؟ !
ومن عقائدهم : ما قالوه في كتاب " الإفادة " : من لم يعتقد أنها ( أي : صلاة الفاتح ) من القرآن لم يصب الثواب فيها .
وأي ضلال أعظم من هذا أن يجعل من القرآن ما ليس منه ؟

(45/25)


ومن عقائدهم الفاسدة : قولهم في " الإفادة الأحمدية " ( ص74 ) : إن رئيسهم يقول بوضع منبر من نور يوم القيامة، وينادي منادي حتى يسمعه كل من في الموقف : يا أهل الموقف ! هذا إمامكم الذي كنتم تستمدون منه من غير شعوركم، وذكره أيضا في كتابهم " بغية المستفيد " .
وعقائدهم من هذا النوع كثيرة، وإنما ذكرت نموذجا منها ليعرف المسلمون أي فرقة هذه الفرقة، وأي طريقة هذه الطريقة حتى يكونوا على حذر منها، والله الموفق للصواب
4 ـ الأمة
203 ـ ما هو تفسير الآية القرآنية { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } [ سورة البقرة : آية 143 ] ؟
معنى قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } [ سورة البقرة : آية 143 ] ، أي : إنما أمرناكم باستقبال الكعبة في الصلاة التي هي قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، اخترنا لكم هذه القبلة لتشريفكم بذلك، ولنجعلكم خير الأمم، ولتكونوا عدولا خيارا تشهدون على الأمم يوم القيامة بأن رسلهم قد بلغتهم رسالات ربهم، وأقامت عليهم الحجة، فالوسط هو الخيار والأجود .
ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأحسن المناهج، قال تعالى : { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا } [ سورة الحج : آية 78 ] .
204 ـ هل المسلمون الآن متخلفون ؟ ولماذا ؟ وكيف يمكن النهوض بهم ؟

(45/26)


لا شك أن وضع المسلمين حاليا لا يرضى عنه أي مؤمن، فهم قد تخلفوا كثيرا بسبب تقصيرهم في مسئوليتهم التي أوجبها الله عليهم، قصروا من ناحية تبليغ الدين إلى العالم والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، قصروا في إعداد القوة التي أمرهم الله بها، كما في قوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } [ سورة الأنفال : آية 60 ] ، وقصروا في الحذر من عدوهم، والله تعالى يقول : { خذوا حذركم } [ سورة النساء : آية 102 ] ، ويقول : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم } [ سورة آل عمران : آية 118 ] ، وكما يقول أيضا : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } [ سورة المائدة : آية 51 ] .

(45/27)


فهذه الأمور التي قصروا فيها سببت لهم ما وقعوا فيه من هذا التأخر الذي نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يزيله عنهم برجوعهم إلى المسار الصحيح الذي وضعهم عليه رسول الأمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله : ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 4/126 ) ، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( في المقدمة ) ( 1/16 ) ، كلاهما من حديث العرباض بن سارية، وهو جزء من حديث أوله : وعظنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ موعظة بليغة . . . ، وللحديث رواية أخرى ] ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ) [ رواه الحاكم في " المستدرك " ( 1/93 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الإمام مالك في " الموطأ " ( 2/899 ) بنحوه بلاغا ] ، فسبب تأخر المسلمين هو أنهم لم يعملوا بما أوصاهم الله تعالى به، وما أوصاهم به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التمسك بدينهم والتمسك بكتاب ربهم وسنة نبيهم، كذلك لم يأخذوا الحذر ليأمنوا مكر عدوهم .
ولكن مع هذا لا نقول : إن الخير معدوم، وإن الفرصة قد انتهت، فالخير في هذه الأمة لا يزال مهما بلغت من ضعف، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) [ رواه الترمذي في " سننه " ( 7/296، 297 ) ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 2/1322 ) بنحوه من حديث عوف بن مالك وأنس بن مالك، وانظر " مسند الإمام أحمد " ( 2/332 ) ، و " سنن أبي داود " ( 4/197 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] .
فمهما بلغت الأمة من ضعف إلا أن الخير لا ينعدم فيها، ولابد أن يكون فيها من يقوم بدين الله سبحانه وتعالى ولو في محيط ضيق، وسيبقى الخير بهذه الأمة متى رجع إليها أبناؤها .

(45/28)


205 ـ هناك أمور تفرض على الإنسان التجاوز بعض الشيء حيث يواجه ببعض المشاكل المطروحة على الساحة بقضايا العصر، هذه تشغل حيزا كبيرا من أبناء الجيل الحالي، والتي يقع فيها الناس حاليا، وتغشاهم الحيرة بين أحكام الشريعة من جهة ومقتضيات العصر من جهة أخرى، مثلا : التليفزيون، الاختلاط، قضية السياحة، والفوائد الربوية وغيرها من القضايا التي تعن لجيل اليوم، فكيف يتعامل مع هذه القضايا الشائكة ؟
لا شك أن دين الإسلام دين متكامل بمعنى أنه ما ترك شيئا من مشاكل الحياة إلى قيام الساعة إلا وقد وضع له حلا مناسبا، ومما لا شك فيه أن الله أكمل هذا الدين { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [ سورة المائدة : آية 3 ] ، ولا شك أن علماءنا قد استنبطوا من كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الفقه العظيم والكثير الذي يلقي الضوء على مشاكل العالم ويقدم لها الحلول الشاملة، وهذه الحلول كلها في الكتاب والسنة، ولا نستطيع أن ننكر الآن أن العالم يموج حاليا بمتغيرات ومشاكل لا حصر لها، ولكن على المسلم الحق أن يرجع في حل هذه المشاكل والمتغيرات إلى الكتاب والسنة، وكما نعلم أن هذين المصدرين لا يرفضان الشيء النافع للمسلم، بل يرفضان الشيء الضار للفرد والجماعة .

(45/29)


أما عن كيفية استثمار الإنسان المسلم لأمواله فلقد وضع الإسلام الحلول والأساليب لهذا الاستثمار، فهناك البيع والشراء سواء ممارسة الإنسان المسلم بنفسه، أو أن يضارب مع الآخرين المضاربة الشرعية بأن يدفعها إلى من يبيع ويشتري بها بجزء من الربح غير محدد بمبلغ معين، وإما بأن يسهم في الشركات النزيهة والشركات الإنتاجية كشركات التصنيع والكهرباء والنقل الجماعي، وهي الشركات التي تستثمر الأموال استثمارا نظيفا، فالسبل كثيرة للاستثمار كالعقارات والمزارع وغيرها، وإقامة المشاريع المنتجة النزيهة .
206 ـ هل نقبل على حضارة الغرب بعقل مستنير لتحقيق نهضة إسلامية كبرى ؟
الدول الغربية الآن عندها الكثير من المستجدات التي يفتقدها المسلمون وعندهم شرور كثيرة، لهذا أرى أنه لا يجوز للمسلمين أخذ كل ما لدى الغرب أو رفضه كله، بل الواجب عليهم التمحيص وأخذ ما ينفع منه وما يوافق دينه وما أرشد إليه كتابنا، وترك ما حذر منه الدين ونهانا عنه .
207 ـ كثير من القضايا الفقهية التي تطرح على الساحة والتي تمس واقع الناس يختلف حولها الكثير، وبالتالي تختلف الفتوى ووجهات النظر، فما تعليقكم على هذا ؟
الاختلاف في آراء المفتين والعلماء أمر لابد منه؛ لأن الناس ليسوا على مستوى واحد في العلم والمدارك، وكذلك الأدلة تختلف؛ فالاختلاف في استيعابها واقع، واختلاف في الحكم عليها بالصحة أو بعدم الصحة واقع أيضا والاختلاف في فهمها واقع .
فهذا الاختلاف ليس بغريب ولا مذموم، إنما المحرم والذي لا يجوز إذا كان الاختلاف دافعه الهوى والشهوة النفسية؛ لأن الإنسان كثيرا ما يأخذ ما وافق هواه ورغبته، وهذا هو الاختلاف المذموم .

(45/30)


وفي هذا الصدد يقول الله تعالى : { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } [ سورة الفرقان : آية 43 ] ، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) [ رواه الخطيب التبريزي في " مشكاة المصابيح " ( 1/59 ) ، ورواه النووي في " الأربعين " ، انظر " جامع العلوم والحكم " ( ص364 ) ، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه ] ، أما إذا كان الاختلاف نتيجة لاختلاف المفاهيم والمدارك فهذا شيء لا يذم ولا يعاب ما دام الدافع إليه هو الوصول إلى الحقيقة، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ) [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 8/157 ) من حديث عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ ] لماذا ؟ لأنه يقصد الحق فكونه لم يصل إليه ليس بتقصير منه في طلبه، بل لأنه لم يوفق في ذلك، فهذا العالم بذل السبب، والتوفيق من الله سبحانه وتعالى .
أما قضية التشديد والتسهيل فلا ينظر إليها وإنما ينظر إلى المستوى العلمي للشخص، فإن كان عنده ما يؤهله من العلم وحكم بموجب ما توصل إليه علمه فإنه لا يلام في ذلك، أما إذا كان دون ذلك، وليس عنده ما يؤهله لبلوغه المرحلة التي يحكم فيها على الأمور، ويجيب فيها على الفتاوى فهذا لا نصفه بأنه ميسر، بل نصفه بأنه مقصر، لأن المدار ليس على السهولة أو على الشدة، إنما المدار هنا على ما يقوم عليه الدليل من أقوال العلماء .

(45/31)


208 ـ هناك بعض التهم يدفع بها إلينا بعض العلمانيين فيقولون : إن المسلمين حاليا مشغولون بتوافه الأمور، ومظاهرها كاللحية والالتزام بالسنة في الثياب وغيرها، وأن ذلك أهم من القضايا التي يتعرض لها المسلمون كالتنكيل بالأقليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية، وكذلك الجوع والعرب في أفريقيا وآسيا وانتهاك بعض الأراضي الإسلامية بأقدام يهودية وغيرها من القضايا المهمة، فما هو تعليقكم على ذلك وهل هذا الاتهام صحيح ؟
كثيرا ما نسمع هذه المقولة لكنها غير سليمة؛ لأن المسلم مطلوب منه أن يعمل بالإسلام كله، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [ سورة البقرة : آية 208 ] ، يعني : خذوا الإسلام كله، لا تأخذوا بعضه وتتركوا بعضه .
أما القول بأننا يجب أن نشتغل بالرد على أعداء الإسلام والملحدين ولا نهتم بآداب الإسلام وأحكامه فهذا ليس صحيحا، بل لابد أن نعتني بالأمرين معا : نصلح أحوالنا أولا، ونستقيم على أمور ديننا ونلتزم بالسنن التي يأمرنا بها ديننا، وبهذا نستطيع أن نقف في وجه أعدائنا، هل نقف في وجه عدونا ونحن مجروحون، وقد ضيعنا قسطا من ديننا وتساهلنا فيه، وقلنا هذه فروع وهذه توافه ؟ !
وأنا أقول : لابد من الالتزام بجميع قضايانا الإسلامية كبيرها وصغيرها؛ لأن ديننا دين التكامل فلا يحق لنا أن نأخذ شيئا ونترك غيره، فالدين يسر لكن هذا لا يعني أن نترك بعض الأوامر، ونرتكب ما نهينا عنه في بعض الجوانب ونقول : إن هذه أمور سهلة؛ لأن التساهل بالمعصية قد يجر إلى معصية أكبر منها، والتساهل بالصغيرة يصيرها كثيرة، كما قال أهل العلم .
والواجب أن نعظم حرمات الله سبحانه وتعالى، ومن يعظم حرمات الله فإنه من تقوى القلوب، فنحن نأخذ ديننا كله بما فيه من التزام السنن والعمل بالواجبات .
209 ـ ما هو واجب الناس تجاه علمائهم وواجب العلماء تجاههم ؟

(45/32)


واجب الناس تجاه علمائهم أن يحترموهم وأن يستفيدوا منهم، كما يجب على العلماء أن يتقوا الله سبحانه وتعالى، ويكونوا قدوة حسنة وصالحة، وعلى العلماء أن ينشروا العلم ويدعوا إلى الله عز وجل ويرشدوا الرعاة والرعية . كما قال صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ) قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/74 ) من حديث تميم الداري رضي الله عنه ] .
5 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
210 ـ قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } [ سورة المائدة : آية 105 ] ، نريد الجمع بين هذه الآية وبين قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث الأمر بالمعروف : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده . . . ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] ؟

(45/33)


السائل يطلب الجواب عن الجمع بين الآية والحديث فنقول : ليس بين الآية والحديث تعارض؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نأخذ بأنفسنا إلى طريق الحق وأن نلتزمه، وألا ننظر إلى فعل الآخرين وانحراف الآخرين، ولا نكون مع الناس إن أساءوا أسأنا وإن أحسنوا أحسنا، بل نلزم طريق الإحسان دائما وأبدا، مع أننا نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب استطاعتنا كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] ، وهذا تشير إليه الآية الكريمة حيث قال : { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } [ سورة المائدة : آية 105 ] ، قيد سبحانه انتفاء الضرر بالاهتداء، ومن الاهتداء أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر حسب استطاعتنا بعد إصلاح أنفسنا بأن نكون أول من يتمثل الخير ويتجنب الشر .
وصديق هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها، أبو بكر الصديق رضي الله عنه تنبه لهذا وقال : يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } [ سورة المائدة : آية 105 ] ، وإني سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 4/11 ) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . وهو جزء من حديث أوله : ( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل . . ) وللحديث رواية أخرى ] ، فهو يبين بهذا أنه لا تعارض بين الآية والحديث، وأن من ظن أن معنى الآية ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد أخطأ في فهمه للآية . والله تعالى أعلم .

(45/34)


211 ـ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ] فهذا الحديث يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حسب استطاعة الإنسان لكون الناس فيهم من يغيره بيده نظرا لقوته الجسمية والنفسية، ومنهم من لا يستطيع أن يغيره إلا بلسانه، ومنهم الضعيف جدا ولا يستطيع أن يغير المنكر إلا بالقلب، وهذا يكون يكره المنكر وأهله، فإذا هذا الضعيف لا شك يخشى على نفسه من بطش الناس لضعفه .
وهناك حديث آخر روي عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتى يقول له : ما منعك إذا رأيت المنكر فلم تغيره ؟ فيقول : خشيت الناس، فيقول الله تعالى : ( أنا أحق أن تخشاني ) ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 3/47، 48 ) وفي مواضع أخرى، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 2/1328 ) ، كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] ، وفي هذا الحديث، يشير على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد منه مهما كانت استطاعة المرء وقوته سواء أكان ضعيفا أو قويا، فأرجو من فضيلتكم التكرم بالجمع بين الحديثين السابقين في حالة صحة الحديث الثاني ؟

(45/35)


لا تعارض بين الحديثين؛ لأن الحديث الأول يدل على أن إنكار المنكر لابد منه، ولكنه على مراتب : فالمرتبة الأولى : أن يغيره بيده وذلك إذا كان من أهل السلطة وأهل الحسبة الذين يأخذون على يد العصاة بالأدب والعقوبة، وليس هو كما ذكر السائل القوي في بدنه والقوي في نفسه، لا بل المراد به صاحب السلطة الذي يتمكن من إزال المنكر بالقوة لكونه سلطانا أو مأمورا من قبل السلطان، أو لكونه صاحب البيت ؟ لأن صاحب البيت له السلطة على من فيه من أولاده وأهله فيغير عليهم المنكر بيده؛ لأن الله أعطاه السلطة عليهم، فإذا لم يكن بيده سلطة عامة ولا خاصة فإنه يغير بلسانه بأن يبين المنكر وينهى عنه ويحذر منه إن استطاع ذلك، فإن لم يستطع أن يبين بلسانه لكونه يخشى مفسدة أشد فإنه ينكره بقلبه، ويبغض المنكر وأهل المنكر ولا يطمئن إلى العصاة ولا يأنس بهم، وإنما يخالفهم ويتباعد عنهم، ولا يكون كبني إسرائيل الذين كانوا ينهون عن المنكر في أول الأمر ثم لا يمنعهم بعد ذلك أن يجالسوا العصاة وأن يأنسوا بهم، هذا ما يدل عليه الحديث الأول .
أما الحديث الثاني وهو أن الله سبحانه يسأل العبد يوم القيامة : لماذا لم ينكر المنكر ؟ فيقول : إني خشيت الناس، فيقول الله : أن أحق أن تخشاني الحديث أيضا ظاهر في أن هذا في شخص كان يستطيع أن ينكر بيده ولكنه لم ينكر، أو يستطيع أن ينكر بلسانه ولكنه لم ينكر، بل ادخر وسعه وترك ما يقدر عليه من إنكار المنكر مداراة للناس ومجاملة لهم، فهذا هو الذي يكون ملوما، أما الذي يترك إنكار المنكر بيده أو بلسانه لكونه لا يستطيع ذلك، أو يخشى من مفسدة أشد، فهذا يكون معذورا في هذه الحالة على أن ينكر ذلك بقلبه ويبتعد عنه وعن أهله، فلا تعارض بين الحديثين، ولله الحمد .
212 ـ كيف ننكر المنكر ؟ وكيف نتجنب البدع بصفة عامة وخصوصا في التعزية ؟

(45/36)


كيفية إنكار المنكر بينها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ] ، وفي رواية : ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69، 70 ) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ] ، وكل مسلم يعلم ما يستطيعه من تلك المراتب فيجب عليه أن يقوم به .
وكيفية تجنب البدع تكون بالنهي عنها، وبيانها للناس والتحذير منها، وعدم الحضور في الأمكنة التي تقام فيها ومقاطعتها وهجر أهلها حتى يتوبوا منها ويتركوها .
ويكون أيضا - وهذا شيء مهم - بتوعية المسلمين في إحياء السنن وإماتة البدع، وذلك عن طريق خطب الجمعة والمحاضرات والندوات، وعن طريق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، حتى يكون المسلمون على بصيرة من أمر دينهم .
فأمر البدع أمر خطير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لأنها تقضي على السنن وتفسد الدين وتغضب الرب سبحانه، لأنها من شريعة الشيطان، والمبتدع أحب إلى الشيطان من العاصي، لأن العاصي يتوب، والمبتدع يبعد أن يتوب .
وأما التعزية بالميت فهي مشروعة بأن يقول للمصاب : أحسن الله عزاءك وجبر مصيبتك وغفر لميتك - إن كان الميت مسلما - ولا يكون للتعزية مكان خاص، ولا تقام لها سرادقات ولا تكاليف مالية واستعدادات باهظة، فهذا من المنكر، قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه : ( كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 2/204 ) ، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 1/514 ) ] . والله أعلم .

(45/37)


213 ـ لي أقارب وأرحام ومنهم خال لي، ووالداي في بعض الأيام يسهران عندهم ويريداني أن أذهب معهم لزيارتهم، ولكني أرفض لأن مجلسهم لا يخلو من المنكرات، ويقولون لي : الله غفور رحيم، وأن علي أن أصل رحمي، فهل أذهب معهم وأتحمل الصبر على منكراتهم كي أصل الرحم أم أقطعهم ؟
أما إذا كان في ذهابك إليهم رجاء أن تؤثر عليهم وأن توعظهم إلى ترك المنكر، وتقوم بواجب إنكار المنكر، فإنه يجب عليك الذهاب إليهم من ناحيتين :
الناحية الأولى : صلة الرحم .
الناحية الثانية : إنكار المنكر الذي تقوم به إذا ذهبت، أما إذا لم يحصل منك إنكار المنكر أو كان الإنكار لا يجدي وهم يستمرون على منكرهم على الرغم مما تنكر عليهم فإنك لا تذهب إليهم؛ لأنك إذا ذهبت إليهم فإنك تجلس في مجلس يكون فيه منكر وأنت لا تغيره أو لا تقدر على تغييره، فعليك أن تبتعد عنهم لعل الله سبحانه وتعالى يهديهم .
214 ـ هل إذا ذهب المرء إلى المسجد ووجد أناسا عند المسجد ودخل المسجد ولم يقل لهم : صلوا، هل عليه إثم أم لا ؟
يجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب استطاعته إما باليد وإما باللسان وإما بالقلب .
ولا يجوز للمسلم ترك إنكار المنكر، فإذا رأى أناسا لا يصلون فإنه يأمرهم بالصلاة، فإن امتثلوا وإلا فإن كان له سلطة ألزمهم وأدبهم، وإن لم يكن له سلطة فإنه يبلغ أهل السلطة عن وضعهم، ولا يجوز له السكوت على المنكر وإقراره لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ] .
215 ـ هل يجوز لي أن أجالس وأشارك في المأكل والمشرب تارك الصلاة المصر على تركها ؟

(45/38)


لا يجوز لك أن تجالسه وتشاركه في المأكل والمشرب إلا إذا كنت تقوم بنصيحته والإنكار عليه، وترجو أن يهديه الله على يديك، فإذا كنت تقوم بهذا معه وجب عليك أن تقوم به معه؛ لأن هذا من إنكار المنكر والدعوة إلى الله تعالى لعل الله أن يهديه على يديك .
أما إذا كنت تشاركه وتجالسه وتأكل وتشرب معه من غير إنكار، وهو مقيم على ترك الصلاة أو مقيم على شيء من الكبائر، فإنه لا يجوز لك أن تخالطه، وقد لعن الله بني إسرائيل على مثل هذا، قال تعالى : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } [ سورة المائدة : الآيتين 78، 79 ] ، وجاء في تفسير الآية أن أحدهم كان يرى الآخر على المعصية فينهاه عن ذلك، ثم يلقاه في اليوم الآخر وهو مقيم على معصية فلا ينهاه، ويخالطه، ويكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما رأى الله منهم ذلك ضرب قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان أنبيائهم .
وحذرنا نبي الله ( من أن نفعل مثل هذا الفعل لئلا يصيبنا ما أصابهم من العقوبة . والله أعلم .
216 ـ متى يكون المسلم معذورا في إنكار المنكر ؟ وما حدود الاستطاعة القولية الواردة في حديث : ( من رأى منكم منكرا ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ] ؟
إنكار المنكر لا يسقط عن المسلم بحال ولا يعذر في تركه، لكنه يكون واجبا عليه بحسب استطاعته لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) .

(45/39)


فالذي بيده سلطة يغير المنكر بيده، والذي ليس معه سلطة يغيره بلسانه، والذي لا يقدر بلسانه ينكره بقلبه فيبتعد عن المنكر وعن أهله؛ لأن الذي لا ينكر المنكر ليس بمؤمن كما في الحديث : ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) .
ومن أصحاب السلطة الذين ينكرون باليد : صاحب البيت فإن له سلطة على من في بيته لقوله صلى الله عليه وسلم : ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ) . وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [ سورة التحريم : آية 6 ] ، وقال تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [ سورة طه : آية 132 ] .
217 ـ هل يجوز للإنسان أن ينصب نفسه حكما على غيره في كل المواقف ؟ ومتى يسوغ شرعا للشخص أن يقول : هذا خبيث، وهذا غير ذلك ؟

(45/40)


لا يصلح للإنسان أن ينصب نفسه حكما على الناس وينسى نفسه . . بل على الإنسان أن ينظر إلى عيوب نفسه أولا قبل أن ينظر إلى عيوب غيره . . لكن إن نصب المسلم نفسه ناصحا لإخوانه آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر فهذا شيء طيب ولا يقال : إنه نصب نفسه حكما على الناس، يقول الله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } [ سورة الحجرات : آية 10 ] ، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) ، ويقول الله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } [ سورة المائدة : آية 2 ] ، ويقول صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ) قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/74 ) من حديث تميم الداري رضي الله عنه ] ، ويقول صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 1/9 ) من حديث أنس رضي الله عنه ] .
وعلى الإنسان أن يصلح نفسه أولا ثم يحاول إصلاح الآخرين من باب محبة الخير لهم والنصيحة إليهم، وليس من باب تنقيص الآخرين أو التماس عيوبهم، فإن هذا هو ما نهى عنه الإسلام، وإنما في حب الخير لهم .
وبالنسبة لقول الإنسان : هذا خبيث وهذا غير ذلك . . فالإنسان المسلم لا يسوغ له شرعا أن يقول ذلك في حق أخيه المسلم إلا إذا كان معروفا بالانحراف ومعروفا بالمقاصد السيئة، من يعرف حاله يجب عليه أن يقول ما يعلم عن خبثه وانحرافه إذا كان ذلك يترتب عليه مصلحة دينية بأن يحذر الناس منه حتى يمكنهم مقاومة خطره، أما إذا قال ذلك لمجرد النيل منه أو لمجرد الذم فهذا لا يجوز؛ لأن هذا يصبح تعرضا شخصيا لا مصلحة فيه .

(45/41)


ولا شك أن الحكم على الناس يحتاج إلى روية وتثبت . . فالإنسان لا يعتمد على ظنه، والله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا } [ سورة الحجرات : آية 12 ] .
كذلك يجب على الإنسان ألا يعتمد في هذا الموضوع على خبر فاسق . . فالله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } [ سورة الحجرات : آية 6 ] ، ولهذا على المرء أن يتجنب الظنون السيئة ولا يحكم لمجرد ظنونه . وعليه ألا يقبل الأخبار ممن جاء بها بدون تمحيص وبدون تثبت، ولا يحكم على الناس إلا بموجب العلم الشرعي، فإذا كان عنده علم شرعي فإنه يحكم بموجب ما ثبت لديه، أما إذا كان جاهلا بالأحكام الشرعية فلا يجوز له الحكم على تصرفات الناس .
وعلى المرء ألا يخوض في هذه المجالات التي ليس له بها علم { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } [ سورة الإسراء : آية 36 ] وقال تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ سورة الأعراف : آية 33 ] .

(45/42)


فالذي ليس عنده علم لا يصدر الأحكام بمجرد ظنه أو مجرد رأيه أو ما تمليه عليه نفسه، بل عليه أن يتوقف لأن الأمر خطير جدا، ومن رمى مؤمنا بما ليس فيه أو وصفه بصفة لا تنطبق عليه فإن ذلك يرجع وباله عليه، كما جاء في الحديث أن الإنسان إذا لعن من لا يستحق اللعنة فإن اللعنة ترجع على من قالها، وكذلك لا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه : يا فاسق، أو يا كافر، أو يا خبيث أو ما شابه ذلك من الألقاب السيئة، يقول الله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } [ سورة الحجرات : آية 11 ] .
فالمسلم يجب عليه أن يتحفظ من هذه المجالات وأن يكون عنده علم وبصيرة يستطيع الحكم بها على نفسه أولا، وعلى الناس ثانيا، كما أنه يجب أن تكون عنده تؤدة وتثبت وبعد نظر وعدم تسرع في الأمور .
6 ـ معاملة : الكفار - والمبتدعة
218 ـ ما هي حدود موالاة أعداء الله والمحادين التي إذا وصلها المسلم أو تجاوزها خرج عن الملة ؟ وما هي الحدود التي يجب أن يلتزم بها المسلم في تعامله مع غير المسلمين ؟
الموالاة التي حرمها الله ورسوله : موالاة الكفار هي محبتهم في القلوب، لأنه لا يحبهم إلا إذا كان يرى صحة ما هم عليه، أما لو كان يرى بطلان ما هم عليه فإنه يعاديهم في الله عز وجل .
ومن الموالاة المحرمة : مناصرتهم على المسلمين ومظاهرتهم أو الدفاع عنهم بالقول بتبرير ما هم عليه والاعتزاز بما هم عليه، كل هذا من أنواع الموالاة المحرمة والتي تصل إلى الردة عن الإسلام، والعياذ بالله، قال الله تعالى : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } [ سورة المائدة : آية 51 ] .

(45/43)


أما ما يجوز لنا من التعامل مع الكفار فهو التعامل المباح نتعامل معهم بالتجارة، ونستورد منهم البضائع، ونتبادل منهم المنافع، ونستفيد من خبراتهم، نستقدم منهم من نستأجره على أداء عمل كهندسة أو غير ذلك من الخبرات المباحة، هذا حدود ما يجوز لنا معهم ولابد من أخذ الحذر، وأن لا يكون له سلطة في بلاد المسلمين إلا في حدود عمله، ولا يكون له سلطة على المسلمين، أو على أحد من المسلمين، وإنما تكون السلطة للمسلمين عليهم .
219 ـ نحن في بعض الأحيان نسب أو نلعن بعض المشركين أو الكفار أو نتكلم عليهم بتشبيههم بالحيوانات وهم أصحاب شرك، والعياذ بالله، ويدعون من دون الله، وبعضهم أصحاب شعوذة أيضا ومنهم الحي ومنهم الميت، وبعضهم يؤم المسلمين في المساجد وخطباء على المنابر، فهل يجوز لنا هذا أم لا ؟
أما بالنسبة للعن الكافر والمشرك والفاسق بفعل كبيرة من الكبائر فلعن هؤلاء على وجه العموم لا بأس به أن يقال : لعنة الله على الظالمين، لعنه الله على الكافرين، لعنة الله على الفاسقين، لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه .
أما لعن معين وسب معين فهذا محل خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن لا يجوز لأنك لا تدري ماذا ختم له إن كان ميتا، وما يختم له به إن كان حيا .
220 ـ ما هو النفاق ؟ وما الفرق بينه وبين الكفر ؟ وهل هو أشد خطرا أم الكفر ؟
النفاق هو إخفاء الشر وإظهار الخير وهو على نوعين : نفاق اعتقادي ونفاق عملي :

(45/44)


النفاق الاعتقادي : والعياذ بالله هو إخفاء الكفر وإظهار الإيمان، كحال المنافقين الذين نزل فيهم القرآن وفضحهم الله سبحانه وتعالى، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار تحت عبدة الأوثان، هؤلاء كفار وكفرهم أشد من كفر من لم يتظاهر بالإسلام؛ لأن الكفار على قسمين : كافر متظاهر بكفره وعداوته للمسلمين، وكافر في الباطن ولكنه في الظاهر يخادع المسلمين ويظهر أنه منهم، وهذا هو المنافق وهذا نفاق اعتقادي صاحبه كافر مخلد في النار، وعذابه أشد من عذاب عبدة الأصنام - والعياذ بالله .
والنوع الثاني : نفاق عملي : وهذا يصدر من بعض المؤمنين بأن يفعل فعلا من صفات المنافقين، كالكذب في الحديث كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 1/14 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] .
فهذه صفات من صفات المنافقين يصدر بعضها من ضعاف الإيمان، لكن صاحبها لا يخرج عن الملة، فهو مؤمن لكن فيه خصلة من خصال المنافقين تنقص إيمانه وعليه وعيد شديد في ارتكاب هذا الشيء لكنه لا يخرج بهذا من دائرة الإيمان، هذا ما يسمى بالنفاق العملي .
221 ـ سئل فضيلة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عن حكم السفر إلى البلاد التي لا تدين بالإسلام سواء كانت نصرانية أو لا دينية ؟ وهل هناك فرق بين السفر للسياحة والسفر للعلاج والدراسة ونحو ذلك ؟

(45/45)


السفر إلى بلاد الكفر لا يجوز؛ لأن فيه مخاطر على العقيدة والأخلاق ومخالطة للكفار وإقامة بين أظهرهم لكن إذا دعت حاجة ضرورية وغرض صحيح للسفر لبلادهم كالسفر لعلاج مرض لا يتوفر إلا ببلادهم، أو السفر لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين، أو السفر لتجارة، فهذه أغراض صحيحة يجوز السفر من أجلها لبلاد الكفار بشرط المحافظة على شعائر الإسلام، والتمكن من إقامة الدين في بلادهم، وأن يكون ذلك بقدر الحاجة فقط ثم يعود إلى بلاد المسلمين .
أما السفر للسياحة فإنه لا يجوز؛ لأن المسلم ليس بحاجة إلى ذلك، ولا يعود عليه منه مصلحة تعادل أو ترجح على ما فيه من مضرة وخطر على الدين والعقيدة .
222 ـ ما حكم السفر إلى البلاد الإسلامية التي تكثر فيها المنكرات والكبائر كالزنا والخمر ونحوهما ؟
المراد بالبلاد الإسلامية هي التي تتولاها حكومة تحكم بالشريعة الإسلامية . . لا البلاد التي فيها مسلمون وتتولاها حكومة تحكم بغير الشريعة فهذه ليست إسلامية، والبلاد الإسلامية بالمعنى الأول إذا كان فيها فساد ومنكرات لا ينبغي السفر إليها خشية من التأثر بما فيها من فساد . . أما البلاد التي هي بالمعنى الثاني - أي غير الإسلامية - فقد بينا حكم السفر إليها في الجواب الأول .
223 ـ ما هي نصيحتكم للآباء الذين يرسلون أبناءهم للخارج في الصيف بحجة دراسة اللغة الإنجليزية أو السياحة ؟ وما هي نصيحتكم لمن يسافرون للخارج ؟
نصيحتي لهؤلاء الآباء أن يتقوا الله في أبنائهم، فإنهم أمانة في أعناقهم يسألون عنها يوم القيامة، فلا يجوز لهم المغامرة بهؤلاء الأبناء بإرسالهم إلى بلاد الكفر والفساد خشية عليهم من الانحراف، وتعلم اللغة الإنجليزية إن كانوا بحاجة إليها أمكنهم تعليمهم إياها في بلادهم بدون سفر إلى بلاد الكفار، وأعظم من هذا خطر إرسالهم للسياحة . والسفر لهذا الغرض محرم كما سبق في الجواب الأول .

(45/46)


ونصيحتي لمن يسافرون للخارج ممن يجوز لم السفر شرعا أن يتقوا الله ويحافظوا على دينهم ويظهروه ويعتزوا به ويدعوا إليه ويبلغوه للناس، وأن يكونوا قدوة صالحة يمثلون المسلمين تمثيلا صحيحا، وأن لا يبقوا في بلاد الكفار أكثر من الحاجة الضرورية . . والله أعلم .
224 ـ يوجد لدي خادمة غير مسلمة وزودتها بالكتب والأشرطة الإسلامية حسب لغة بلادها لعل الله يهديها للإسلام، ولكنها امتنعت عن ذلك، هل برئت ذمتي في ذلك خاصة وأنها جيدة في عملها وأمينة ؟
لا يجوز استقدام الخادمة غير المسلمة لما في ذلك من الخطر على عقائد الأسرة وأخلاقهم، فالواجب عليك أن لا تعيد استقدامها مرة أخرى، بل إن استقدام النساء بدون محارمهن لا يجوز ولو كن مسلمات لما في ذلك من المحاذير الظاهرة، فإذا كنت مضطرا لاستقدام خادمة فلتكن مسلمة ومع محرمها .
225 ـ أعمل في شركة تضم موظفين غير مسلمين، وفي كل صباح يحيي بعضنا بعضا لكني سمعت أن تحية غير المسلمين لا تجوز فهل هذا صحيح ؟ وهل هنا فرق بين السلام والتحية المعتادة كصباح الخير أو نحوها ؟
لا يجوز للمسلم أن يبدأ الكافر بالسلام، ولكن إذا بدأه الكافر به فإنه يرد عليه بأن يقول : ( وعليكم ) كما أرشد إلى ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (1) . وذلك لأن السلام ينبئ عن المودة والمحبة في القلب، ولا يجوز للمسلم أن يحب الكافر؛ لأن الله لا يحب الكافرين، ونهى المؤمنين عن محبتهم فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق } [ سورة الممتحنة : آية 1 ] وكل ألفاظ التحية سواء في التحريم مثل صباح الخير ونحوها لعموم الأدلة، ولأن ذلك يدل على المحبة .

(45/47)


226 ـ لقد هداني الله وأدخلني دين الحق والإسلام على أيدي بعض الشيوخ السودانيين، وتبع ذلك تغيير اسمي من عبد الصليب إلى عبد الله، ولكن ذلك لم يرض والدي الذي أمرني ألا أعتدي على اسمه واسم العائلة، وقد احتد بيني وبينه الخلاف مما جعلني أغادر مكان إقامة والدي وأهاجر إلى هذه الديار الكريمة؛ إلا أنني مازلت في حيرة من أمري هل الإسلام يطالبني بإرضاء والدي والعمل على طاعته ولو كان مسيحيا ؟ أم يطالبني بأن أتجاهل ما قاله لي الوالد علما بأن والدي مسيحي ومازال يتعصب للمسيحية، واسمي السابق كان عبد الصليب ؟
أولا : نشكر الله سبحانه وتعالى على ما وفقك من معرفة الحق والدخول في دين الإسلام الذي هو الدين الحق، والذي كلف الله به جميع أهل الأرض على اختلاف مللهم ونحلهم أن يتركوا ما هم عليه، وأن يدخلوا في هذا الدين الحق، الذي هو دين الله سبحانه وتعالى الذي ارتضاه لنفسه، فنشكر الله أن وفقك لهذا الخير العظيم، ونسأل الله أن يثبتك على دين الإسلام .
وأما من ناحية تغيير الاسم من عبد الصليب إلى عبد الله فهذا هو الواجب عليك؛ لأنه لا يجوز أن يعبد أحد لغير الله عز وجل فلا يقال : عبد الصليب، ولا عبد المسيح، ولا عبد الرسول، ولا عبد الحسين، قال الإمام ابن حزم : ( أجمعوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب ) (2).

(45/48)


وأما المسألة الثانية : وهو علاقتك بوالدك فالله سبحانه وتعالى أوجب بر الوالدين بالمعروف والإحسان ولو كانا كافرين، وقال تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي } [ سورة لقمان : الآيتين 14، 15 ] فيجب عليك أن تحسن إلى والديك الإحسان الدنيوي .
وأما في الدين فأنت تتبع الدين الحق ولو خالف دين آبائك، مع الإحسان للوالدين من باب المكافأة فأنت تحسن إليهما وتكافئهما على معروفهما ولو كانا كافرين، فلا مانع أن تواصل والدك وأن تبر به وأن تكافئه؛ ولكن لا تطيعه في معصية الله عز وجل .
227 ـ هل تجوز الصلاة على صاحب جنازة نعرف أنه يعتقد في الأولياء أنهم ينفعون أو يضرون ويستغيث بهم، ويفعل أفعالا كلها في حكم الإسلام شرك، فهل تجوز الصلاة على من مات على هذه الحالة ؟ أو كان لا يصلي إلا في المناسبات العامة كالأعياد ونحوها ؟
من مات على هذه الحالة التي ذكرتها من الشرك الأكبر والاستغاثة بالأموات والاعتقاد فيهم أنهم ينفعون أو يضرون، أو كان تاركا للصلاة متعمدا لتركها ومات على هذه الحالة فهذا كافر لا يصلى عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين، قال الله سبحانه وتعالى في المنافقين : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } [ سورة التوبة : آية 84 ] ، فمن مات على الكفر والشرك بالله فإنه لا يصلى عليه ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين .

(45/49)


فإذا كنت متأكدا أنه مات على هذه الحالة ولم يتب فإنك لا تصلي عليه؛ لأنه مستمر على الشرك الأكبر الذي ذكرته، أو أنه مصر على ترك الصلاة متعمدا، ومات على ذلك فهذا لا يصلى عليه كما ذكرنا - والعياذ بالله - لأنه مات على الكفر والشرك .
228 ـ يوجد في قريتنا جامع ليس له إمام بل يؤم الجماعة كل من تتوفر فيه شروط الإمامة والجماعة، الذين يصلون في هذا الجامع أكثرهم من أهل البدع والضلالات - والعياذ بالله - ويميلون إلى الدروشة والصوفية، وعندما نقدم لهم النصيحة ونناقشهم بالكتاب والسنة النبوية لا يقبلون بذلك بل كل واحد منهم على مذهب، وعندما يسألوني : أنت على أي مذهب ؟ أقول لهم : إني على كتاب الله وسنة رسوله وما صح من الأحاديث فهو مذهبي، وآتي لهم بالأدلة من الكتاب والسنة فلا يقبلون، ويقولون : إنك لابد لك أن تتبع مذهبا معينا، والذي ليس على مذهب معين فإن عمله باطل غير صحيح، وإذا طال النقاش معهم تكثر الخلافات والمشاكل بدون فائدة، فهل يجوز السكوت عن ذلك وتركهم في أهوائهم وفي غيهم ؟ وهل يجوز ترك الصلاة معهم في المسجد مع العلم أني أسمع الأذان ولا أصبر على ذلك ؟ وإذا ذهبت إلى الجامع يقدموني للإمامة، وإذا صليت بهم يشركوني في بدعهم، فماذا أعمل كي أتخلص من ذلك ؟ أفتوني جزاكم الله خيرا .
هذا السؤال يتكون من عدة نقاط : -

(45/50)


النقطة الأولى : سؤال عن إمامة المبتدع ؟ المبتدع بدعة يكفر بها أو يفسق بها لا تصح إمامته، إذا كانت بدعته مكفرة أو مفسقة لا تصح إمامته، فإذا كان هؤلاء يزاولون بدعا في الدين تؤول بهم إلى الكفر كالاعتقاد في الأولياء والصالحين أنهم ينفعون أو يضرون أو ما عليه غالب الصوفية المتطرفة من الاعتقاد في مشايخهم وأصحاب الطرق الذين يشرعون لهم من الأذكار والدين ما لم يأذن به الله، ويأتون بأذكار قد تشتمل على الشرك ودعاء الأموات ودعاء المخلوقين من دون الله، فمثل هؤلاء لا تصح إمامتهم ولا تجوز الصلاة خلفهم .
أما ما ذكرت من أنك تناصحهم وأنهم لا يقبلون، فالواجب عليك بذل النصيحة والبيان، وأما القبول والهداية فهذا بيد الله سبحانه وتعالى، أما أنت فما عليك إلا البيان والنصيحة والتكرار على هذا، لأن هذا من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ومن إنكار المنكر .
وأما ما ذكرت من التمذهب بمذهب معين فهذا فيه تفصيل : إذا كان الإنسان عنده المقدرة على معرفة الحق ومعرفة الحكم بدليله فهذا لا يتمذهب بمذهب معين، إنما يرجع إلى الكتاب والسنة ولكن هذا في الحقيقة منصب المجتهدين، والغالب على أهل هذا الزمن أنهم لا يبلغون هذه المرتبة أما من كان دون ذلك بأن كان لا يستطيع معرفة الحكم بدليله من الكتاب والسنة، فإنه يقلد أحد المذاهب الأربعة السنية، ويأخذ به ما لم يظهر له من بعض أقوالهم مخالفة الدليل، فإذا ظهر له قول مخالف للدليل فإنه يتركه ويأخذ بالقول الموافق للدليل من المذهب أو من غيره، والتمذهب بمذهب من المذاهب الأربعة ليس ممنوعا مطلقا، وليس جائزا مطلقا، إنما يجوز عند الحاجة بشرط ألا يأخذ بالأقوال المخالفة للدليل من ذلك المذهب وإنما يأخذ ما لا يخالف الدليل .

(45/51)


وأما النقطة الأخيرة وهي أنهم إذا ذهبت إليهم يقدمونك للصلاة هذا شيء طيب، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب عليك أن تذهب لتصلي بهم على السنة وعلى الطريقة الصحيحة، إذا كانوا يقدمونك للصلاة، فإنه يجب عليك أن تذهب وأن تصلي بهم، وأن تدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا تشاركهم في البدع ولا تطع أقوالهم وهم لا يلزمونك في هذا، فعليك أن تذهب وأن تصلي بهم على وفق السنة وأن تناصحهم، وأن تدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا تدخل معهم في بدعهم بل أنكر عليهم وامتنع من مشاركتهم .
229 ـ ذكر الفسوق والفاسقون مرات عديدة في القرآن والسنة فمن ذلك قوله تعالى : { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } [ سورة الحجرات : آية 7 ] فما الفسوق ؟ وكيف يحذر المسلم من أن يكون مع القوم الفاسقين ؟
قوله تعالى : { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } [ سورة الحجرات : آية 7 ] ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أنواع المعاصي الثلاثة، المعاصي التي تخرج من الملة كالكفر . والمعاصي التي لا تخرج من الملة ولكنها تنقص الإيمان نقصا ظاهرا كالزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك من الكبائر، وسميت فسوقا وصاحبها فاسق؛ لأن الفسق معناه الخروج عن طاعة الله عز وجل .
وذكر المعاصي التي هي دون الكبائر ولا تقتضي الفسق وهي صغائر الذنوب . . فأخبر سبحانه وتعالى أنه كره هذه الأنواع الثلاثة إلى أهل الإيمان وحبب إليهم أنواع الطاعات والقربات .
230 ـ إذا هم المسلم بارتكاب معصية ثم لم يتمكن من فعلها وحيل بينها وبينه، فهل تكتب عليه معصية ؟
إذا هم الإنسان بمعصية ثم لم يفعلها خوفا من الله تعالى، فإنها تكتب له عند الله حسنة كاملة، وإن لم يفعلها، لأنه لم يتمكن من فعلها ولو تمكن لفعلها، فإنها تكتب له عند الله سيئة بناء على نيته الخبيثة، وإن لم يفعلها لأنه نسيها فهذا لا له ولا عليه .

(45/52)


دليل الحالة الأول قوله صلى الله عليه وسلم : ( من هم بسيئة فلم يفعلها كتبت له عند الله حسنة ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 7/187 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( وهو حديث قدسي ) ] .
ودليل الحالة الثانية قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) قالوا : يا رسول الله هذا شأن القاتل فما بال المقتول ؟ قال : ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) [ رواه النسائي في " سننه " ( 7/125 ) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 2/1311 ) من حديث أبي موسى رضي الله عنه ] .
وتعليل الحالة الثالثة : أنه لم ينو خيرا ولم يفعل شرا .
231 ـ أنا شاب - والحمد لله - محافظ على الصلاة وباستمرار، ولكن هناك زملاء وأقارب وجيران لا يصلون في المسجد أبدا مع جماعة المسلمين، وأنا أجالسهم وأزاورهم مع أنني أكره فعلهم ذلك، ولكني أحببت نصيحتكم لي في هذا الشأن وحكم زيارتهم مع أنني نصحتهم مرارا ولم ينتصحوا بذلك ؟
أما كونك محافظا على الصلاة فالحمد لله على ذلك ونسأله سبحانه أن يثبتنا وإياك على دينه، وأن يجعلنا وإياك من المحافظين على صلواتهم .
وأما ما ذكرت من أن لك أقارب لا يحافظون على الصلوات، وأنك تجالسهم وتخالطهم فهذا الأمر يحتاج إلى تفصيل :
أولا : إذا كانت مخالطتك لهم مع بذلك للنصيحة وإنكار للمنكر ورجاء أن يتوبوا وأن تؤثر عليهم، فإن الواجب عليك أن تخالطهم، وأن تزورهم وأن تناصحهم، وأن تدعوهم إلى الله عز وجل حتى لو لم يكونوا أقارب . فالأمر آكد .

(45/53)


أما إذا كان نصحك لا يجدي فيهم ولا يتأثرون ففارقهم خصوصا إذا كانت مفارقتك لهم واعتزالك لهم فيه مصلحة بأن يدركوا خطأهم ويتأثرون من هجرك لهم، فإنه يجب عليك أن تهجرهم وألا تزورهم، وإن كانت مفارقتك لهم تزيدهم شرا وفي مخالطتك لهم تخفيف من شرهم، فخالطهم وناصحهم، وعلى كل حال لا تيأس من مناصحتهم وبذل الدعوة لهم لعل الله سبحانه أن يهديهم .
232 ـ أنا شاب عمري اثنتا عشرة سنة، أصوم وأصلي وأقرأ القرآن الكريم، والحمد لله، ولي أخذ أكبر مني بخمس سنوات ولكنه للأسف لا يصلي ولا يصوم ولا يقرأ القرآن الكريم، ومع ذلك فهو مداوم على لعب القمار، وصار له على هذه الحالة عمر طويل، وحينما أنصحه وأبين له أنه على خطأ، وأن فعله هذا حرام ولا يجوز، يقول لي : أنت على حق وليتني أكون مثلك، ولكنني لا أقدر على ترك لعب القمار . فماذا أفعل له؛ هل أطرده من البيت علما أن ذلك قد يجلب المشكلات ؟ وبم تنصحونه جزاكم الله خيرا ؟
ما ذكرت من أن أخاك يلعب القمار وما هو أشد منه وهو أنه لا يصلي ولا يصوم، فترك الصلاة وترك الصيام أشد من لعب القمار، وإن كان لعب القمار كبيرة من كبائر الذنوب، ومحرم شديد التحريم ولكن ترك الصلاة أشد من هذا؛ لأن ترك الصلاة إن كان ممن يجحد بوجوبها فهو كفر بإجماع المسلمين، وإن كان ترك الصلاة ممن يعترف بوجوبها، ولكنه تركها تكاسلا وتهاونا فهو كافر على الصحيح من قولي العلماء . وكذلك تركه لصيام رمضان قد ترك ركنا من أركان الإسلام وهذا أشد من لعب القمار .

(45/54)


فالحاصل أن ما ذكرت من حال أخيك أمر فظيع ولا يجوز إقرارك له في البيت إذا كان لك سلطة على البيت إذا لم تجد فيه النصيحة ولم يرتدع عما هو عليه ويؤدي الصلاة والصيام كما أوجب الله، وتجنب ما حرم الله، فإذا كان لك سلطة في البيت فإنه يتعين عليك أن تتخذ معه الإجراء الذي تسلم به من شره وإثمه، وما ذكرت من أن هذا يحدث مشكلات، فالمشكلات موجودة ببقائه في البيت وهو لا يصوم ولا يصلي ويلعب القمار، هذه مشكلات أعظم من المشكلة التي تحصل بطرده من البيت .
فالحاصل أنه إذا كان بإمكانك معالجته بالموعظة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا له تأثير عليه في إصلاحه وتوبته فلا تبخل عليه بذلك ولا تيأس من هدايته، وأما إذا كان ذلك لا يجدي، فحينئذ فراقه هو المتعين .
233 ـ هناك مجتمعات قائمة على الاختلاط . . فهل على المسلم أن ينأى بنفسه عن هذا المجتمع في حين أنه لا يملك التغيير . . كذلك هل يتعامل مع كل وسائل اللهو أم يمنع نفسه . . أم ماذا يفعل ؟
لا شك أن غالب المجتمعات البشرية في العالم الآن تموج بأنواع من الفتن التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، وموقف المسلم من هذه الفتن وتلك المستجدات يجب أن يكون موقف المسلم الصحيح . . فإذا كان يترتب على اختلاطه بهذه المجتمعات أن يتمكن من أن يغير شيئا منها وأن يدعوهم إلى الله ويرشدهم إلى الصواب، فهذا أمر مطلوب وهو من مقاصد الدعوة .

(45/55)


أما إذا كان ليس باستطاعته التأثير عليهم بل في اختلاطه هذا خطر عليه وعلى ذويه . . فعليه أن يهاجر بأن ينتقل إلى بلاد أخرى يمكن فيها ذلك . فالله عز وجل وسع المجالات وعدد الفرص، { ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب } [ سورة الطلاق : الآيتين 2، 3 ] فعلى الإنسان ألا يبدي العجز . . فالله قد تكفل بالأرزاق وجعل مع العسر يسرا ومع الكرب فرجا، ولهذا فالإنسان عليه أن يحسن الظن بالله ويتوكل عليه ويخشاه . . فالله قد وعد باليسر للمسلم وهو لا يخلف وعده .
والسفر إلى بلاد الكفار فيه مخاطر على دين الإنسان، فإذا كان ليس مضطرا إليه فلا يسافر، وإن كانت هناك ضرورة له فعليه أن يتقي الله حسب استطاعته { فاتقوا الله ما استطعتم } [ سورة التغابن : آية 16 ] فالإنسان الذي يلقي نفسه في الخطر ولا يأخذ بالأسباب الواقية، فهذا هو الذي يضيع نفسه، أما الذي يواجه الخطر بالأسباب الواقية بتقوى الله والتزام طاعته، والابتعاد عن الشر مهما أمكن فهذا حري أن يوفق ويحفظ .
234 ـ لي أقارب يشربون الدخان، وربما حضروا لمنزلنا أو ذهبنا إليهم فنجالسهم وهم يشربون الدخان، فما حكم مجالستنا لهم ؟
شرب الدخان محرم ومنكر؛ لأنه خبيث مضر، والواجب نصيحة من يشربه والإنكار عليه، وإذا كان في عدم مجالسته ردع له وحافز له على تركه فإنه لا يجالس حتى يتركه .
ومهما ابتعد الإنسان عن مجالسة العصاة فإنه أحسن له إلا إذا كان يجالسهم لنصيحتهم ووعظهم وتذكيرهم، فهذا مأمور به لما فيه من المصلحة للطرفين .

(45/56)


235 ـ أنا امرأة متزوجة من خمسة أعوام ولي بنت واحدة، وأحمد الله كثيرا أنني من المسلمين وفي بلد مسلم يطبق أحكام دينه ولا يخاف في الله لومة لائم، فأنا حريصة على ديني فقد كنت في السابق وقبل زواجي أستمع لمزمار الشيطان ( الأغاني والموسيقى ) ولكن بعد معرفتي أنها حرام ولا يجوز لنا الاستماع إليها وأنه لا يجتمع إيمان وسماع الأغاني في قلب مؤمن، تركتها واتجهت إلى خالقي بالتوبة النصوح الخالصة من كل نفاق أو رياء .
ولكن لي إخوة خمسة أصغرهم عمره 12 سنة وأكبرهم 30 سنة وكذلك أبي - هداهم الله - لا يصلون ولا يصومون، وأبي كل أمواله ربا في ربا، والله لم يبارك فيها فكلها تذهب في الأشياء التي لا فائدة منها مثل الأفلام الخليعة والتلفزيونات فلكل غرفة تلفزيون، وعلى الرغم من أنه يملك الملايين لم نر منه إلا نكد العيش والفقر الشديد، وكل أمواله تذهب في شراب الخمر، وكل إجازة سعيدة يقلبها إلى أحزان وهم بشربه لهذا المسكر، وتكون الأسرة مشتتة لبضعة أيام فهو يقوم بضرب أفراد الأسرة حين شربه للمسكرات .
والسؤال : ماذا أفعل أنا معهم ؟ فأنا خائفة عليهم من دخول النار لأنهم أبي وإخواني وأهلي ودائما أطلب لهم الهداية والاستقامة في كل صلاة ؟
وإني أتمنى أن يكون هناك اهتمام من مراكز هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا الشأن وترسل أناسا للمساجد لتقصي أحوال الناس الذين يتخلفون عن الجماعة ويذهبون إليهم ويهدونهم لعل الله يكتب على أيديهم الهداية لهم . . وجزاكم الله خيرا .

(45/57)


الواجب على المسلم أن يبادر بالتوبة إلى الله من المعاصي ولا يتمادى في فعلها لئلا ينزل به الموت وهو مقيم عليها، فتسبب له دخول النار، وترك الصلاة كفر وشرب الخمر فسق . والواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما في حق الأقارب . قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [ سورة التحريم : آية 6 ] وقال تعالى : { وأنذر عشيرتك الأقربين } [ سورة الشعراء : آية 214 ] ، وقال تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [ سورة طه : آية 132 ] .
فالواجب على السائلة تجاه والدها وإخوانها مواصلة النصيحة لهم بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ولا تيأس من هدايتهم وتستعين بغيرها من أقاربهم وجيرانهم في نصيحتهم، وإذا أمكن إبلاغ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البلد عن حالهم من أجل إلزامهم بطاعة الله ورسوله وترك المعاصي فهذا أمر واجب . . والله أعلم .
236 ـ ما الحكم في التلفظ بكلمة فيها لعن لشخص آخر ؟

(45/58)


لا يجوز التلفظ باللعن والسب والشتم والتنقص للناس قال تعالى : { ولا تنابزوا بالألقاب } [ سورة الحجرات : آية 11 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لعن المؤمن كقتله ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " عن ثابت بن الضحاك ( 7/223 ) وأوله : ( من حلف بغير ملة الإسلام . . . ) ] وقال : ( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء ) [ رواه الترمذي في " سننه " ( 6/199 ) من حديث عبد الله رضي الله عنه ] فالمؤمن من يصوم لسانه من التفوه بالسباب والشتم، وأشد ذلك اللعن، فإن اللعنة إذا صدرت منه إلى غير مستحق فإنها تعود عليه كما أخبر بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (3) فإن اللعنة ترجع على من قالها إذا كان من أصدرت إليه لا يستحقها، فلا يجوز للمؤمن أن يستعمل اللعن لا في حق الآدميين ولا في حق البهائم ولا في حق المساكين ولا غير ذلك فإن هذه الكلمة شنيعة وقبيحة لا تليق بالمسلم .

(45/59)


16 ـ المصطلحات العقيدية
237 ـ ماذا يعني الأمن من مكر الله ؟ وهل المؤمن العامل منهي عن الأمن من مكر الله، والله وعده بالخير العظيم والأجر الكريم ؟ وكيف نجمع بين النهي عن أمن مكر الله وبين إحسان الظن بالله ؟
يجب على المؤمن أن يكون خائفا راجيا، لا يطغى عليه جانب الرجاء حتى يأمن مكر الله، لأن الله تعالى يقول : { أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } [ سورة الأعراف : آية 99 ] ، فالأمن من مكر الله يحمل على فعل المعاصي وعدم الخوف من الله تعالى، وكذلك لا يطغى عليه جانب الخوف حتى ييأس من رحمة الله، فإن اليأس من رحمة الله كفر، قال تعالى : { ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } [ سورة الحجر : آية 56 ] ، وقال تعالى : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } [ سورة يوسف : آية 87 ] .
وإحسان الظن بالله لابد معه من تجنب المعاصي وإلا كان أمنا من مكر الله، فحسن الظن بالله مع فعل الأسباب الجالبة للخير وترك الأسباب الجالبة للشر هو الرجاء المحمود .
وأما حسن الظن بالله مع ترك الواجبات وفعل المحرمات، فهو الرجاء المذموم وهو الأمن من مكر الله .
238 ـ قال سبحانه مخاطبا الكفار وهم في النار : { اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } [ سورة الجاثية : آية 34 ] ، وقال سبحانه في آية أخرى : { في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } [ سورة طه : آية 52 ] ، فكيف نجمع بين الآيتين ؟
معنى النسيان المذكور في الآيتين مختلف، فالنسيان الذي نفاه الله عن نفسه هو النسيان الذي هو بمعنى الغفلة والذهول، والله سبحانه منزه عن ذلك، لأنه نقص وعيب .

(46/1)


أما النسيان المثبت لله في قوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } [ سورة التوبة : آية 67 ] ، فمعناه : تركهم في الضلال وإعراضه سبحانه عنهم، وذلك من باب المقابلة والمجازاة، فإنهم لما تركوا أوامره وأعرضوا عن دينه تركهم الله وأعرض عنهم، وكلمة النسيان لفظ مشترك يفسر في كل مقام بحسبه وعلى مقتضاه اللغوي، وهذا مثل مكره سبحانه بالماكرين، وسخريته من الساخرين، واستهزائه بالمستهزئين كله من باب المجازاة والمقابلة وهو عدل وكمال منه سبحانه .
239 ـ هل هناك فرق بين الحمد والثناء على الله وتمجيد الله ؟ وأيهما أبلغ ؟
الحمد والثناء على الله لا فرق بينهما، فالحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، والله سبحانه يحمد لذاته ولصفاته ولأفعاله الدائرة بين العدل والفضل، فما بالعباد من نعمة إلا منه سبحانه وتعالى .
240 ـ قرأت حديثا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة، فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال : ( ما شئت ) ، قال : فقلت : الربع، قال : ( ما شئت وإن زدت فهو خير لك ) ، قال : فقلت : الثلث، قال : ( ما شئت فإن زدت فهو خير لك ) ، قال : فقلت : النصف، قال : ( ما شئت وإن زدت فهو خير لك ) ، قال : أجعل لك صلاتي كلها، قال : ( إذن يكفى همك ويغفر ذنبك ) ، فهل هذا الحديث صحيح بهذا اللفظ ؟ وما معناه ؟ وما المقصود بجعل الصلاة للرسول صلى الله عليه وسلم ؟
هذا الحديث رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح (1) .

(46/2)


والمراد بالصلاة هنا الدعاء، فأبي بن كعب رضي الله عنه كان يكثر من الدعاء، ومعنى الحديث أنه سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هل يجعل ربع دعائه أو نصفه أو كل دعائه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يعني : يستبدل الدعاء الذي كان يدعو به بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه إذا جعل دعاءه كله صلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يكفى همه ويغفر ذنبه؛ لأن من صلى على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشر صلوات، ومن صلى الله عليه فقد كفاه همه وغفر له ذنبه، فهذا الحديث فيه فضيلة الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
241 ـ يطلق على بعض الناس صفة أولياء الله، فما هي صفتهم الحقيقية ؟ وكيف وصلوا إلى هذه المرتبة ؟ وهل لهم زمن محدد أم أنهم يوجدون في كل زمان ؟
صفة أولياء الله كما حددها الله تعالى بقوله : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون } [ سورة يونس : الآيتين 62، 63 ] ، فأولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون هذه صفتهم، فمن اتصف بالإيمان والتقوى هو من أولياء الله عز وجل، وهذه حاصلة لكل مسلم بحسب إيمانه وبحسب تقواه لله عز وجل، فالمسلمون أولياء الله عز وجل وهم يتفاوتون في هذه الولاية بحسب قوة إيمانهم وضعفه وبحسب أعمالهم الصالحة، وكلما قوي إيمانهم وكثرة أعمالهم الصالحة وتقواهم لله عظمت ولايتهم لله عز وجل .

(46/3)


وهم - والحمد لله - يوجدون في كل زمان ما وجد المسلمون على وجه الأرض، فما دام أن المسلمين موجودون على وجه الأرض فإنهم أولياء الله عز وجل، فأولياء الله هذه صفتهم، ولكن ليس معنى هذا أننا نعتقد فيهم كما يعتقد الخرافيون من أن أولياء الله يتصرفون في الكون، أو أن لهم شيئا من الأمر والتدبير مع الله سبحانه وتعالى، وأنهم يجيبون من دعاهم، ويفكون حاجة من استغاث بهم، وهم أموات، فيلجئون إلى قبورهم وأضرحتهم يتبركون بها وينادون أصحابها، وهم أموات، ويطلبون منهم قضاء الحوائج، فإن هذا شرك أكبر، وأولياء الله على حقيقة لا يرضون بهذا، ولا يرضى به مؤمن، فإن هذا هو الشرك الأكبر .
ولكننا نحب أولياء الله ونقتدي بهم في أعمالهم الصالحة، ونترحم عليهم، ونستغفر لهم، أما أننا نتخذهم أربابا من دون الله عز وجل فهذا هو الشرك الأكبر والذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة .
242 ـ ما معنى السيادة ؟ وكيف تتحقق ؟ وبم تتم ؟ ومن هو السيد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟
السيد يطلق ويراد به المالك، ويطلق ويراد به زعيم القوم ورئيسهم كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأنصار : ( قوموا إلى سيدكم ) : يعني سعد بن معاذ [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 4/28 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] .

(46/4)


وإطلاق لفظ السيد على الشخص فيه خلاف بين أهل العلم، منهم من منع، ومنهم من أجاز، والذي منعوا احتجوا بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما قال له بعض الناس : أنت سيدنا وابن سيدنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما السيد الله ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 4/24، 25 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/255 ) ، ورواه البخاري في " الأدب المفرد " ( ص85 ) ( حديث رقم 211 ) ، كلهم من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه رضي الله عنهم ] ، فأنكر عليهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك، قالوا : فهذا يدل على أنه لا يجوز إطلاق السيد على المخلوق؛ لأنه وصف للخالق، وقوم أجازوه واحتجوا بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للأنصار : ( قوموا إلى سيدكم ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 4/28 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] لما أقبل وكان يحمل على دابة، لأنه كان جريحا، فهذا يدل على جواز إطلاق السيد على بعض الناس .
والقول الصحيح - إن شاء الله - أنه يجوز أن يقال لبعض الناس : سيد إذا كان زعيما أو رئيسا في قبيلته، فيقال : سيد بني فلان، أو سيد القبيلة الفلانية بمعنى أنه زعيمها ورئيسها، ولا يكون هذا للإطراء والغلو، وإنما يكون من باب الوصف والتميز، يقال : فلان سيد بني فلان، لكن لا يواجه به الشخص أو في حضوره؛ لأنه يحمله على الكبر والعجب، بل يقال في غير حضوره جمعا بين الأحاديث .
أما ما يتعارف عليه بعض المنحرفين اليوم من إطلاق السيد على بعض المضللين من زعمائهم، ويعتقدون منهم البركة، وأنهم يمنحون شيئا من المقاصد التي تطلب منهم فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا يجوز، وهؤلاء في الحقيقة ليسوا سادة، وإنما هم مضللون يجب الحذر منهم .
243 ـ بعض الشخصيات الإسلامية عرفت باسم الإمام، كالإمام علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وابن تيمية، والغزالي وغيرهم، لماذا خص هؤلاء بهذا اللقب ؟

(46/5)


الإمام من معانيه : القدوة - كالإمام في الصلاة، والإمام في العلم - وتلقيب بعض الشخصيات العلمية بالإمام من أجل علمه وصلاحه لا بأس به، قال تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام : { إني جاعلك للناس إماما } [ سورة البقرة : آية 124 ] وقال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } [ سورة السجدة : آية 24 ] ، وقال تعالى عن عباد الرحمن أنهم يقولون في دعائهم : { واجعلنا للمتقين إماما } [ سورة الفرقان : آية 74 ] أي : اجعلنا قدوة في الخير .
أما من لم يتصف بالعلم والعمل، فإنه لا يلقب بهذا اللقب إذا أريد به الإمامة في الدين .
244 ـ يقول المولى تبارك وتعالى في محكم التنزيل : { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم } [ سورة الحجرات : آية 12 ] .
فهل يعني قوله : { اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم } [ سورة الحجرات : آية 12 ] يعني أن الإنسان يظن بأخيه المسلم ظنا وهو لا يعلم هل صدر منه ذلك الأمر أم لا، فيقول : إن الله لم ينه عن الظن كله مثلما نهى عن الزنى حيث قال : { ولا تقربوا الزنى } [ سورة الإسراء : آية 32 ] لم يقل : بعض الزنى، فهل هذا يعني أن الظن إلزام على كل الناس ؟

(46/6)


الظن المنهي عنه هنا هو مجرد التهمة التي لا دليل عليها كمن يتهم غيره بالفواحش، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، ونهيه سبحانه عن كثير من الظن من أجل أن يتثبت الإنسان ولا يندفع مع الظنون من غير تثبت لئلا يقع في الظن الذي فيه الإثم، ولم ينه عن كل الظن؛ لأن من الظن ما يجب اتباعه والأخذ به، فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على غلبة الظن كدلالة القياس ودلالة العموم، والظن المنهي عنه كأن يظن بأهل الخير سوءا، فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم شرا حسبما يظهر منهم، والله أعلم .
245 ـ سوء الظن من أمراض القلوب فما حقيقته وأسبابه وطرق علاجه ؟
سوء الظن فيه تفصيل على النحو التالي :
1ـ سوء الظن بالله تعالى كفر، قال تعالى : { يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية } [ سورة آل عمران : آية 154 ] ، وقال تعالى في المنافقين : { الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } [ سورة الفتح : آية 6 ] .
2ـ سوء الظن بالمؤمنين والأبرياء وهذا لا يجوز، لأنه ظلم للمؤمن والمطلوب من المسلم حسن الظن بأخيه المسلم، وسوء الظن بالمسلم يسبب البغضاء بين المسلمين .
3ـ سوء الظن بأهل الشر والفساد وهذا مطلوب؛ لأنه يسبب الابتعاد عنهم وبغضهم .
246 ـ ما هو الحسد ؟ وكيف يتلافى المسلم أن يكون حسودا ؟ وكيف يدرؤه المسلم عن نفسه وعن أهله ؟ وهل القول الشائع : لا يحسد المال إلا صاحبه - أي إن الشخص يمكن أن يحسد نفسه أو أحدا من أهله - صحيح ؟ وكيف ذلك ؟
الحسد : هو تمني زوال النعمة عن المحسود، وهو صفة ذميمة؛ لأنه من صفات إبليس ومن صفات اليهود، ومن صفات شرار الخلق قديما وحديثا، ولأنه اعتراض على الله في قدره، وعدم رضى بقسمته .

(46/7)


ويدفع المسلم عن نفسه الاتصاف بالحسد بأن يرضى بقضاء الله وقدره، وأن يحب لأخيه المسلم من الخير ما يحبه لنفسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/9 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ] ، ويدفع الاتصاف بالحسد عن نفسه أيضا بالسعي في الأسباب التي تجلب له الخير وتدفع عنه الشر، وبحسن الظن بالله ورجاء ما عنده .
ويدفع عن نفسه وعن أهله شر حسد الحاسدين بالاستعاذة بالله من شرهم، فقد أمر الله نبيه في سورة الفلق بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد، وكذلك يدفع شر الحاسدين بالصدقة والبر والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، خصوصا عندما يحصل على مال، وعنده من ينظر إليه من المحتاجين فإنه يتصدق عليهم، ويدفع تطلعهم ونظرهم إلى ما بيده، والله أعلم .
247 ـ ما معنى هذا الحديث عن سفيان بن أسيد - أو ابن أسد - رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 4/295 ) من حديث سفيان بن أسيد الحضرمي رضي الله عنه ] ؟
نعم معناه واضح في تحريم الكذب في الحديث؛ لأن هذا فيه تغرير بالمسلمين، وفيه استعمال كبيرة الكذب، لأن الكذب من الكبائر، والله تعالى يقول : { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون } [ سورة النحل : آية 105 ] ، وقوله سبحانه وتعالى : { فنجعل لعنت الله على الكاذبين } [ سورة آل عمران : آية 61 ] .

(46/8)


والكذب من صفات المنافقين كما قال صلى الله عليه وسلم : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 1/14 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] ، فالكذب لا يجوز للمسلم أن يستعمله في حق أخيه المسلم ليغرر به وليخدعه، والله أعلم .
248 ـ نرجو إيضاح حقيقة الصبر ؟ وكيف يرد على من يضعف ويجبن في مواجهة الضلال ويقول : إن ذلك من الصبر؛ لأن الله تكفل بإظهار الحق وإعزازه ؟
الصبر في اللغة : الحبس والكف، وشرعا : حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما .
وهو ثلاثة أقسام : صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة .
والجبن عن مواجهة الضلال وعدم مقاومته ضد الصبر؛ لأن الصبر هو تحمل المشقة في مواجهة الشدائد ومقاومتها، والله إنما تكفل بإظهار الحق وإعزازه إذا قام به أهله ودافعوا عنه، قال تعالى : { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } [ سورة محمد : آية 7 ] ، وقال تعالى : { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } [ سورة الحج : آية 40 ] ، ونصر الله هو نصر دينه وكتابه ورسوله وأوليائه .
249 ـ ما معنى الطاغوت ؟ وهل كل طاغوت كافر ؟
الطاغوت في اللغة مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، ومجاوزة الحق إلى الباطل، ومجاوزة الإيمان إلى الكفر وما أشبه ذلك، والطواغيت كثيرون، وكل طاغوت فهو كافر بلا شك .
والطواغيت كثيرون ولكن رءوسهم خمسة كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم وغيره .
الأول : إبليس - لعنة الله - فإنه رأس الطواغيت، وهو الذي يدعو إلى الضلال والكفر والإلحاد ويدعو إلى النار فهو رأس الطواغيت .

(46/9)


والثاني : من عبد من دون الله وهو راض بذلك، فإن من رضي أن يعبده الناس من دون الله فإنه يكون طاغوتا، كما قال تعالى : { وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } [ سورة المائدة : آية 60 ] ، فالذي يعبد من دون الله وهو راض بذلك طاغوت، أما إذا لم يرض بذلك فليس كذلك .
والثالث : من ادعى شيئا من علم الغيب، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو طاغوت؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى : { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } [ سورة النمل : آية 65 ] ، والذي يدعي أنه يعلم الغيب يجعل نفسه شريكا لله عز وجل في علم الغيب فهو طاغوت .
والرابع : من دعا الناس إلى عبادة نفسه، وهذا كما يفعل بعض أصحاب الطرق الصوفية والمخرفين الذين يسيطرون على عباد الله، ويجعلون لأنفسهم مقام الألوهية في أنهم ينفعون ويضرون، وأنهم إلى آخره، ويستغل العباد ويترأس عليهم بالباطل .
والخامس : من حكم بغير ما أنزل الله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى يقول : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } [ سورة النساء : آية 60 ] ، فالذي يحكم بغير ما أنزل الله فهو يرى أن حكمه بغير ما أنزل الله أصلح للناس وأنفع للناس، أو أنه مساو لما أنزل الله، وأنه مخير بين أن يحكم بما أنزل الله أو يحكم بغيره، أو أن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهذا يعتبر طاغوتا وهو كافر بالله عز وجل .
هذه رءوس الطواغيت، والله تعالى أعلم .

(46/10)


250 ـ هل يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 5/137 ) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ] التحذير من المبالغة في أساليب الكلام والتقعر في الكلمات واختيار الألفاظ ؟
قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 5/137 ) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ] ، فهم منه بعض العلماء أنه من باب الذم لبعض الفصاحة، وذهب أكثر العلماء إلى أنه من باب المدح .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في " شرح كتاب التوحيد " : قلت : والأول أصح وأنه خرج مخرج الذم لبعض البيان لا كله، وهو الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه حتى يتوهم السامع أنه حق أو يكون فيه بلاغة زائدة عن الحد أو قوة في الخصومة حتى يسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق ونحو ذلك، فسماه سحرا، لأنه يستميل القلوب كالسحر، ولهذا لما جاءه رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 5/137 ) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ] ، كما رواه مالك والبخاري وغيرهما .
وأما جنس البيان فمحمود بخلاف الشعر فجنسه مذموم إلا ما كان حكما، ولكن لا يحمد البيان إلا إذا لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب أو تصوير الباطل في صورة الحق، فإذا خرج إلى هذا الحد فمذموم، وعلى هذا تدل الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها ) رواه أحمد وأبو داود [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 2/165 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/303 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 8/67 ) ، كلهم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ] . انتهى (2) .

(46/11)


وعليه فإنه ينبغي للمسلم أن يتكلم بالكلام المتوسط المعتاد، والذي يفهمه السامع، ويحصل به المقصود، ويكره التقعر في الكلام، وفي الحديث الذي رواه مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هلك المتنطعون ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 4/2055 ) من حديث عبد الله رضي الله عنه ] . قالها ثلاثا .
قال أبو السعادات : هم المتعمقون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقهم (3) .
وقال النووي : فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام (4) .
251 ـ ما معنى قوله تعالى في سورة الإسراء : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا، إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا } [ سورة الإسراء : الآيات 85-87 ] ؟
كانت اليهود قد قالت لمشركي قريش : اسألوا هذا الرجل - يعنون محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ - عن ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : عن أصحاب أهل الكهف .
المسألة الثانية : عن ذي القرنين .
المسألة الثالثة : عن الروح .
فإن أجابكم عنها فإنه نبي، نعم، الله سبحانه وتعالى أنزل على رسوله الإجابة عن هذه الأسئلة عن أصحاب الكهف، وذي القرنين .

(46/12)


وأما الروح : فإن الله سبحانه وتعالى قال : { قل الروح من أمر ربي } [ سورة الإسراء : آية 85 ] ، فلم يجبهم إلى سؤالهم، بل بين أنها من خصوصياته سبحانه وتعالى، وأنه هو الذي خلقها، وهو الذي يعلمها ولا يعلمها أحد من الخلق، فهي سر من الأسرار، ولا تزال سرا، وهذا من معجزات القرآن، فإنه مع تقدم الطب والمهارة فيه ومع حرص الناس على البحث في هذا الشأن لم يعرفوا شيئا عن حقيقة الروح : { قل الروح من أمر ربي } [ سورة الإسراء : آية 86 ] على أن المراد بالروح ما يحيا به الإنسان وغيره من ذوات الأرواح، وإذا فارقه مفارقة تامة يكون ميتا، وإذا فارقه بعض المفارقة يكون نائما، فالروح لها اتصالات بالبدن، اتصال بالبدن وهو في بطن أمه، واتصال في البدن بعدما يولد في الحياة الدنيا وهو متيقظ، واتصال بالبدن وهو نائم، واتصال بالبدن وهو في القبر، واتصال بالبدن في الدار الآخرة، وهذا الاتصال الأخير لا مفارقة بعده .

(46/13)


فهذه الروح من العجائب التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وقيل : المراد بالروح : جبريل عليه السلام، وقيل : المراد بالروح : ملك من الملائكة، أو جماعة من الملائكة، فعلى كل حال فالروح سر من أسرار الله لم يطلع عليها عباده سبحانه : { قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } [ سورة الإسراء : آية 85 ] ، فالبشر مهما أوتوا من العلم والمعارف فإن علمهم قليل أو لا شيء بالنسبة لعلم الله سبحانه وتعالى، وقوله تعالى : { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } [ سورة الإسراء : آية 86 ] يعني : القرآن؛ لأن الله جل وعلا أنزل هذا القرآن نعمة ومنة على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى أمته، فهو من أكبر النعم : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } [ سورة النساء : آية 113 ] ، فهو من أفضل النعم التي أنعم الله بها على هذا النبي الكريم وعلى أمته إلى يوم القيامة، لأن به سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، والله قادر على أن يرفع هذا القرآن، وأن يزيل هذه النعمة كما أنزلها، كما أنه هو الذي أنزلها قادر على رفعها وذلك مما يوجب على العباد أن يشكروا الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة ليستفيدوا منها وينتفعوا بها .
{ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا، إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا } [ سورة الإسراء : الآيتين 86، 87 ] .
فهذا القرآن نزل بفضل الله وبرحمته، وإحسانه إلى خلقه، فهو قادر على أن يرفعه وأن يزيله وأن يحرمهم من الانتفاع به، ولكنه سبحانه وتعالى تفضلا منه على خلقه فإنه أنزله وجعله ميسرا للفهم والتدبر .

(46/14)


252 ـ ما معنى قوله تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } [ سورة الزمر : آية 42 ] ؟ وقوله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين } [ سورة الدخان : الآيات 10-13 ] ؟

(46/15)


أما قوله تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } [ سورة الزمر : آية 42 ] ، فهذا من عجائب قدرة الله سبحانه وتعالى الدالة على وحدانيته، وعلى أنه المتصرف في ملكه بما يشاء، وأولى الأقوال في تفسير هذه الآية أنه ذكر سبحانه أنه { يتوفى الأنفس حين موتها } [ سورة الزمر : آية 43 ] يعني : عند انقضاء آجالها بأن يتوفاها بالموت، { والتي لم تمت في منامها } [ سورة الزمر : آية 43 ] أي : ويقبض الأنفس التي لم تحن آجالها يقبضها ويتوفاها بالنوم، فذكر سبحانه وتعالى الوفاتين الكبرى وهي الموت، والوفاة الصغرى وهي النوم؛ لأن النوم وفاة كما قال تعالى : { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } الآية [ سورة الأنعام : آية 60 ] ، والله ذكر في هذه الآية أنه يتوفى الأنفس بالموت ويتوفاها بالنوم، فالتي انتهت آجالها يتوفاها بالموت والانتقال من هذه الدنيا إلى دار الآخرة، والتي لم تتم آجالها ولها بقية من الحياة في الدنيا يتوفاها بالنوم، ثم يردها إلى أجسادها، ولهذا قال تعالى : { فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى } [ سورة الزمر : آية 43 ] أي : التي توفيت بالنوم يرسلها إلى أجسادها فيستيقظ الإنسان ويقوم من نومه .
وقد جاء في تفسير الآية ما يوضح هذا، وهو أن الله سبحانه وتعالى يجمع أرواح الموتى وأرواح النائمين وتتلاقى وتتعارف وتختلط، ثم يمسك الله الأرواح التي قضى عليها بالموت في مكانها ويسمح للأخرى - أرواح النائمين - بالذهاب إلى أجسادها فيستيقظ صاحبها .
الثانية : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } [ سورة الدخان : آية 10 ] :

(46/16)


لما ذكر الله سبحانه وتعالى عن الكفار أنهم في شك يلعبون وأنهم لا تجدي فيهم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى قال الله متوعدا لهم : { فارتقب } يعني : فانتظر، { يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس هذا عذاب أليم } [ سورة الدخان : الآيتين 10، 11 ] فهذه عقوبة لهؤلاء الكفرة الذين أعرضوا عن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، واستمروا في كفرهم، وقد اختلف المفسرون في هذا، فقيل : إن ذلك ما أصاب كفار قريش من المجاعة لما دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال : ( اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 6/19 ) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وللحديث قصة، وورد عن مسلم ( 1/467 ) بلفظ : ( اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] ، فأرسل الله عليهم المجاعة والقحط حتى صار الرجل ينظر إلى السماء فيرى كأن دونها دخان من شدة الجوع والجهد، إلى أن فرج الله عنهم، وهذا ما رجحه الإمام الشوكاني في " تفسيره " (5) .
وقيل : إن المراد بالدخان هنا هو دخان يكون في آخر الزمان، صح به الحديث أيضا (6) ، وهو من علامات الساعة يملأ الأرض، ويمكث أربعين يوما وهو من أشراط الساعة، فهو المراد في هذه الآية، وهذا ما رجحه ابن كثير (7) .
والظاهر - والله أعلم - أنه لا تعارض بين القولين أن هذا حصل، وهذا سيحصل، وكلا الدخانين من آيات الله، وكلاهما عقوبة .
253 ـ ما هي أنواع النفوس ؟ وما طريق تزكيتها ومداراتها كما قال تعالى : { قد أفلح من زكاها } [ سورة الشمس : آية 9 ] ؟
أنواع النفس المذكورة في القرآن الكريم ثلاثة : النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة .
فالأمارة بالسوء : هي التي تأمر صاحبها بما تهواه من الشهوات المحرمة واتباع الباطل .

(46/17)


وأما اللوامة : فهي التي تلوم صاحبها على ما فات من الخير وتندم عليه .
وأما المطمئنة : فهي التي سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه .
قال العلامة ابن القيم : فكونها مطمئنة وصف مدح لها، وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها، وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه (8) .
وطريق تزكية النفس إلزامها بطاعة الله تعالى، ومنعها من معصيته، ومنعها من شهواتها المحرمة .
254 ـ ما هي مصائد الشيطان وحباله ؟
مصائد الشيطان : كل المعاصي والشهوات المحرمة والوساوس وضعف الإيمان ومصاحبة الأشرار، وكل الوسائل والذرائع المفضية إلى المحرمات، كالنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه من النساء والصور الخليعة والأفلام الماجنة، والاستماع إلى ما لا يجوز الاستماع إليه من الأغاني والمزامير، والغيبة والنميمة، والشتم، وقول الزور .
وبالجملة فكل المنكرات فهي مصائد للشيطان يصطاد بها بني آدم ليوقعهم معه في النار .
255 ـ باب سد الذرائع وحماية جناب التوحيد باب واسع يستعمله البعض لمنع بعض الأمور المباحة والتضييق على الناس في الأقوال والأعمال، فما وجاهة ذلك ؟
سد الذرائع التي تفضي إلى الحرام أمر واجب، قال الإمام ابن القيم في " إعلام الموقعين " : فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن نقرب حماه . ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء بل سياسة زعماء الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده انتهى (9).

(46/18)


فالذرائع إنما تحرم إذا كانت تفضي إلى محرم، أما التي لا تفضي إلى محرم فإنها لا تحرم، ويعد تحريمها تضييقا على الناس، والمرجع في ذلك إلى الأدلة وأقوال العلماء لا إلى أقوال الجهال .
ومثال الذرائع التي حرمها الشارع لأنها تفضي إلى محرم : الصلاة عند القبور، والدعاء عندها، والذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله، والصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها - أعني : صلاة النافلة - ومثل البناء على القبور كل هذه الأمور تحرم، لأنها تفضي إلى الشرك .
256 ـ من هم أهل الفترة ؟ وهل في زماننا أهل فترة وما الحكم فيهم ؟
أهل الفترة هم الذين يعيشون في وقت لم تبلغهم فيه دعوة رسول ولم يأتهم كتاب كالفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى : { قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل } [ سورة المائدة : آية 19 ] ، ويلحق بأهل الفترة من كان يعيش منعزلا أو بعيدا عن الإسلام والمسلمين، وأما حكمهم فإلى الله سبحانه وتعالى .
257 ـ ما تفسير هاتين الآيتين وما أوجه الاختلاف والتشابه بينهما ؟
الآية الأولى : قال الله تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } [ سورة الزمر : آية 53 ] .
الآية الثانية : يقول تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } [ سورة النساء : آية 48 ] أفيدوني بارك الله فيكم ؟

(46/19)


لا اختلاف بين الآيتين؛ لأن الآية الأولى فيمن تاب إلى الله عز وجل من الذنوب، فإن الله يتوب عليه مهما كانت ذنوبه : الكفر والشرك وقتل النفس وسائر الذنوب إذا تاب منها العبد تاب الله عليه، قال تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [ سورة الأنفال : آية 38 ] ، وقال تعالى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } [ سورة التوبة : آية 5 ] ، وفي الآية الأخرى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } [ سورة التوبة : آية 11 ] ، فالتوبة تجب ما قبلها ويكفر الله بها الذنوب مهما بلغت من الكفر والشرك وغير ذلك، هذا مدلول قوله تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } [ سورة الزمر : آية 53 ] ، أي بالذنوب والمعاصي مهما بلغت { لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } [ سورة الزمر : آية 53 ] ، يعني : إذا تبتم إليه فإنه يغفر لكم ذنوبكم جميعا، ولا يحملكم القنوط على أن تتركوا التوبة بل توبوا إلى الله مهما كانت ذنوبكم، فإن الله جل وعلا يغفر لكم كما في قوله تعالى : { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } [ سورة المائدة : آية 74 ] .

(46/20)


أما الآية الثانية وهي قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ سورة النساء : آية 48 ] ، فالمراد بهذه الآية الذنوب مع عدم التوبة، فمع عدم التوبة الشرك لا يغفر أبدا لما مات عليه ولم يتب، ويكون خالدا مخلدا في النار، كما قال تعالى : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } [ سورة المائدة : آية 72 ] ، وفي هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } [ سورة النساء : آية 48 ] ، فمن مات على الشرك ولم يتب منه قبل وفاته، فإنه يكون خالدا مخلدا في النار .
أما من مات على غير الشرك من المعاصي ( الكبائر ) التي هي دون الشرك كالزنا والسرقة وشرب الخمر إذا لم يتب منها ومات على ذلك فهو تحت المشيئة إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يخرجه من النار بعد ذلك؛ لأنه لا يخلد في النار من كان في قلبه شيء من الإيمان ولو قل بأن كان من أهل التوحيد وسلم من الشرك، فإنه لا يخلد في النار ولو كان عنده شيء من الكبائر فإنه تحت المشيئة إن شاء الله غفرها له، وإن شاء عذبه كما قال تعالى : { ويغفر ما دون ذلك } [ سورة النساء : آية 48 ] يعني ما دون الشرك { لمن يشاء } [ سورة النساء : آية 48 ] .
فالحاصل أن التوبة تمحو جميع الذنوب : الشرك وغيره، أما إذا لم يتب المذنب، فإن كان ذنبه شركا بالله عز وجل فهذا لا يغفر له ولا مطمع له في دخول الجنة، أما إذا كان ذنبه دون الشرك فهذا قابل للمغفرة إذا شاء الله سبحانه وتعالى، وهذا مدلول الآية الأخرى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ سورة النساء : آية 48 ] .

(46/21)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية