صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المنتقى من فتاوى الفوزان

معاملة الكفار والسفر إلى بلادهم ودخولهم بلاد الإسلام
145 ـ يجاورنا بعض الأسر من هذا البلد ( كركوف في بولندا ) ، وهم يحسنون جوارنا ويعاملونا معاملة طيبة، ونحن كذلك؛ فهل يجوز لنا الاختلاط بهم عائليا ومجالستهم ومؤاكلتهم؛ رغم أنهم يحترمون ديننا، فلا يفعلون شيئا من المنكرات بحضورنا، فهل يجوز لنا ذلك ؟
لا ينبغي مخالطة الكفار والأنس بهم والاطمئنان إليهم، ولو كانوا من الجيران، ولكن الجار يحسن إليه ولا يساء إليه، ولو كان كافرا؛ لأن الجيران ثلاثة :
1ـ جار له ثلاثة حقوق : وهو الجار المسلم القريب؛ له حق الإسلام وحق الجوار وحق القرابة .
2ـ وجار له حقان : وهو الجار المسلم غير القريب - يعني في النسب -؛ فله حقان؛ حق الإسلام وحق الجوار .
3ـ وجار له حق واحد : وهو الجار الكافر؛ له حق الجوار، الجوار فقط؛ بأن تحسن إليه، ولا يصدر منك أذى في حقه أو سوء جوار، أما الانبساط معهم والاطمئنان إليهم ومحبتهم؛ فلا يجوز للمسلم أن يود الكافر أو أن ينبسط معه أو أن يأمنه أو أن يختلط به؛ لأنهم قد يؤثرون - ولو على المدى البعيد - عليكم أو على ذريتكم .
146 ـ ما هو الأسلوب الذي نقابل به الكفار الذين قدموا إلينا؛ هل نعاديهم ؟ أم نقابلهم بالخلق وندعوهم إلى الله ؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا .

(18/1)


إذا استقدمناهم وأعطيناهم الأمان؛ لا يجوز أن نعتدي عليهم أو نضرهم، بل يجب العدل حتى يذهبوا وينهوا عقدهم ويذهبوا إلى بلادهم؛ لأنهم دخلوا بأمان، ونحن استقدمناهم؛ فيجب أن نتعامل معهم بالعدل، ولا نظلمهم، ونعطيهم حقوقهم، أما محبتهم؛ فنحن لا نحبهم، لكن كوننا نبغضهم في الله لا يقتضي أننا نظلمهم أو نبخس شيئا من حقهم أو نعتدي عليهم؛ لأن الله تعالى يقول : { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } [ المائدة : 8 . ] ، لكن في المستقبل يجب أن ننهي استقدامهم، ونستبدلهم بإخواننا المسلمين من العمال في البلاد الأخرى .
147 ـ يكثر بيننا الكفار والمشركون، ويكثر التعامل معهم في بيع وشراء؛ فما حكم ذلك ؟ وما حكم أرباح تجارتنا إذا كان بعضها من أموالهم نتيجة تعاملنا معهم؛ هل هي حلال أم حرام ؟
التعامل مع الكفار من المشركين والكتابيين وغيرهم إذا كان من التعامل المباح الذي ليس فيه ربا وليس فيه ميسر وليس فيه شيء من المكاسب المحرمة : لا بأس به؛ فلا بأس أن نبيع ونشتري مع الكفار في حدود ما أباحته الشريعة الإسلامية .
أما التعامل مع الكفار فيما حرم الله من الربا والمكاسب المحرمة كالقمار والميسر والمكاسب المحرمة؛ فهذا لا يجوز للمسلم أن يتعامل به لا مع الكفار ولا مع المسلمين، وما ينتج عن ذلك من كسب يكون حراما؛ لا يجوز للمسلم أن يأكله أو أن يستعمله أو أن ينتفع به .
148 ـ ما رأي فضيلتكم فيمن يتقرب إلى الكفار ويواليهم بحجة أنهم يفهمون في أمور المادة أكثر منا ؟ وكيف يكون التعامل معه ؟

(18/2)


التودد إلى الكفار لا يجوز، لا تجوز محبتهم في القلوب؛ لأنهم أعداء الله ورسوله، تجب عداوتهم؛ قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } [ المجادلة : 22 . ] ؛ فلا يجوز للمسلم أن يحب الكافر .
أما التعامل معه في الأمور المباحة؛ فلا بأس إذا كان الكافر عنده تجارة تبيع معه وتشتري، لا بأس بالبيع والشراء معه، هذا من المعاملات المباحة، النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع اليهود، اشترى منهم، استدان منهم عليه السلام، كذلك إذا كان عندهم خبرات في بعض الأمور، ولا يوجد عند المسلمين من يقوم بها؛ فلا بأس أن نستفيد من خبراتهم، لكن لا نحبهم، ولا نواليهم، وإنما نؤاجرهم أجرة، يؤدون لنا عملا بالأجرة، مع بغضهم ومع عداوتهم .
149 ـ ما حكم من خاف من اعتداء الكفار والمشركين وجاملهم في بعض أفعالهم المنكرات؛ خوفا منهم، وليس إقرارا أو رضاء بما يفعلون ؟
لا يجوز للمسلم أن يجامل الكفار على حساب دينه، أو أن يوافقهم في أفعالهم؛ لأن أفعالهم ربما تكون كفرا وشركا وكبائر من كبائر الذنوب؛ فلا يجوز للمسلم أن يوافقهم على ذلك، أو أن يشاركهم في ذلك باختياره، بل الواجب عليه أن يظهر دينه .
ولا يجوز له الإقامة مع الكفار والبقاء في بلادهم إلا إذا كان يقدر على إظهار دينه؛ بأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله عز وجل، هذا هو إظهار الدين؛ فإذا كان لا يستطيع ذلك؛ وجب عليه أن يهاجر إلى بلاد المسلمين من بلاد الكفار، ولا يبقى فيها على حساب دينه وعقيدته .

(18/3)


وحالة الإكراه لها حكم خاص؛ قال سبحانه وتعالى : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } [ النحل : 106 . ] ، والمسموح به في هذه الحالة إنما هو القول باللسان دون موافقة القلب .
150 ـ ما حكم زيارة الكفار وقبول هداياهم والقيام لجنائزهم وتهنئتهم في المناسبات ؟
زيارة الكفار من أجل دعوتهم إلى الإسلام لا بأس بها؛ فقد زار النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب وهو يحتضر، ودعاه إلى الإسلام (3)، وزار اليهودي، ودعاه إلى الإسلام (4)، أما زيارة الكافر للانبساط له والأنس به؛ فإنها لا تجوز؛ لأن الواجب بغضهم وهجرهم .
ويجوز قبول هداياهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدايا بعض الكفار؛ مثل هدية المقوقس ملك مصر (5).
ولا تجوز تهنئتهم بمناسبة أعيادهم؛ لأن ذلك موالاة لهم وإقرارا لباطلهم .
151 ـ ما حكم الاعتداء على الكافر في بلاد المسلمين بالضرب أو القتل وإن كان ذلك بسبب ما يقوم به من إفساد أو فسق ؟
لا يجوز الاعتداء على الكافر إذا دخل بلاد المسلمين بالأمان والعهد؛ لأنه في ذمة المسلمين، ولا يجوز غدر ذمة المسلمين؛ فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالوفاء بالعهود؛ قال تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه } [ التوبة : 6 . ] ، وأما إذا ارتكب شيئا يقتضي العقوبة؛ فإن الذي يتولى ذلك هو ولي الأمر، ولا يجوز لأفراد الناس أن يعاقبوه؛ لأن هذا يحصل منه الفوضى والاعتداء، ولكن من حصل منه شيء يخل بدين المسلمين أو يضر بأحد من المسلمين؛ فإنه يرفع إلى ولي الأمر ليتولى هو مجازاة هذا المعتدي .

(18/4)


152 ـ هل يجوز للمسلم أن يسكن مع مسيحي في غرفة واحدة لظروف العمل أو الأكل معا ؟ أفيدونا في ذلك .
الأفضل أن لا يسكن مع كافر ولا يخالطه؛ فإن كان هناك ضرورة؛ فلا مانع من ذلك؛ أن يسكن المسلم مع مسيحي في غرفة واحدة، وأن يأكل معه أيضا؛ بشرط أن يحافظ المسلم على دينه .
153 ـ هل التأريخ بالتاريخ الميلادي يعتبر من موالاة النصارى ؟
لا يعتبر موالاة، لكن يعتبر تشبها بهم .
والصحابة رضي الله عنهم كان التاريخ الميلادي موجودا، ولم يستعملوه، بل عدلوا عنه إلى التاريخ الهجري، وضعوا التاريخ الهجري، ولم يستعملوا التاريخ الميلادي، مع أنه كان موجودا في عهدهم، هذا دليل على أن المسلمين يجب أن يستقلوا عن عادات الكفار وتقاليد الكفار، لا سيما وأن التاريخ الميلادي رمز على دينهم؛ لأنه يرمز إلى تعظيم ميلاد المسيح والاحتفال به على رأس السنة، وهذه بدعة ابتدعها النصارى؛ فنحن لا نشاركهم ولا نشجعهم على هذا الشيء، وإذا أرخنا بتاريخهم؛ فمعناه أننا نتشبه بهم، وعندنا ولله الحمد التاريخ الهجري، الذي وضعه لنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشد بحضرة المهاجرين والأنصار، هذا يغنينا .
154 ـ ما حكم السفر إلى بلاد غير إسلامية بقصد السكنى والاستيطان فيها ؟
الأصل أن السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز لمن لا يقدر على إظهار دينه، ولا يجوز إلا لضرورة؛ كالعلاج وما أشبه ذلك؛ مع القدرة على إظهار الدين، والقيام بما أوجب الله سبحانه وتعالى، وأن لا يداهن ولا يماري في دينه، ولا يتكاسل عن أداء ما أوجب الله عليه .

(18/5)


أما السكنى؛ فهي أشد، السكنى بين أظهر المشركين لا تجوز للمسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المسلم أن يقيم بين أظهر المشركين (6)؛ إلا إذا كان في إقامته مصلحة شرعية؛ كأن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ويكون لوجوده بين أظهر الكفار تأثير بالدعوة إلى الله وإظهار دينه ونشر الإسلام؛ فهذا شيء طيب لهذا الغرض، وهو الدعوة على الله سبحانه وتعالى، ونشر دينه، وتقوية المسلمين الموجودين هناك، أما إذا كان لمجرد الإقامة والبقاء معهم من غير أن يكون هناك مصلحة شرعية؛ فإنه لا يجوز له الإقامة في بلاد المشركين .
ومن الأغراض المبيحة للسفر إلى بلاد الكفار تعلم العلوم التي يحتاج إليها المسلمون؛ كالطب، والصناعة؛ مما لا يمكن تعلمه في بلاد المسلمين .
155 ـ معنى هذا أنه لو كان مثلا لغرض التجارة فقط؛ فيجوز له ذلك ؟
يجوز السفر لبلاد المشركين بشرطين : بشرط أن يكون هذا السفر لحاجة، وأن يكون يقدر على إظهار دينه؛ بأن يدعو إلى الله، ويؤدي الواجبات، ولا يترك أي شيء مما أوجب الله تعالى عليه، ولا يخالط الكفار في محلات فسقهم ومجونهم، ولا يغشى المجامع الفاسدة التي توجد في بلاد الكفار .
بهذه الشروط لا بأس أن يسافر، أما إذا اختل شرط منها؛ فلا يجوز له .
156 ـ زوجي يصر علي أن أسافر معه إلى خارج المملكة لدولة أوروبية لقضاء الإجازة هناك، وأنا لا أرغب بالذهاب إلى بلاد الكفار، ولا أريد أن يذهب لوحده؛ فما العمل الذي يمكن أن أقوم به ؟ وهل يلحقني إثم لمعصيتي زوجي عند ذهابي معه ؟
لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار من أجل النزهة؛ لما في ذلك من الخطر على العقيدة والأخلاق، ولا يجوز للمرأة أن تطيع زوجها في السفر في هذه الحالة؛ لأنه معصية، ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق .

(18/6)


157 ـ والدي فوق الستين عاما من عمره، ويسافر كثيرا إلى بلاد الكفر للفسق والسفور، وقد نصحته كثيرا، وهو يوبخني بأنه يريد أن يمتع نفسه؛ فهل علي أن أطلب الحجر عليه ومنعه من السفر ؟ أم أتركه وشأنه مرضاة لقوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء : 23 . ] ؟
يجب عليك مناصحة والدك عن السفر إلى بلاد الكفر، وحثه على التوبة، وإذا كان بإمكانك منعه من ذلك؛ وجب عليك منعه؛ لأن ذلك من أجل مصلحته، ومن التعاون معه على البر والتقوى، ومن إنكار المنكر، أما إذا كنت لا تستطيع منعه؛ فيكفيك مناصحته والإنكار عليه .
وعلى كل حال؛ مناصحتك له ومنعه إن أمكن هو من أعظم الإحسان إليه؛ فهو داخل في قوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } .
158 ـ ماذا ترون فيمن يصادق الرافضة، وعند تنبيهه بخطرهم؛ فإنه يصفهم بحسن الأخلاق وحسن الصحبة ؟ وجزاكم الله خيرا .
يجب أن يبين له حقيقة هؤلاء، فيجب أن يبين له ما هم عليه، ومذهبهم، وعداوتهم لأهل السنة، يجب أن يبين له؛ لأني أعتقد أنه لو عرف ما هم عليه، وفي قلبه إيمان؛ أنه لن يستمر على هذا الشيء؛ فيجب أن يبين له، لكن البيان يكون بطريقة صحيحة :
أولا : يكون البيان مدعما بالأدلة المقنعة .
وثانيا : يكون هذا البيان سريا : إما أن يؤدى إليه بالمشافهة، وإما بالكتابة سرا إليه . فهذا هو الطريق الصحيح .
159 ـ هل هو صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى قبل وفاته ألا يجتمع في أرض الجزيرة دينان ؟

(18/7)


نعم؛ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وقال : ( لا يبقى في جزيرة العرب دينان ) [ رواه الإمام مالك في " الموطأ " ( 2/892-893 ) بنحوه، وانظر : " صحيح مسلم " ( 3/1258 )(7)] ، وقد نفذ هذا الأمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (8)، وذلك لأن الجزيرة هي مصدر الدين الحق، الذي هو دين الإسلام؛ فلا يليق أن يبقى فيها ويصدر منها دين غيره .
160 ـ هل يجوز دخول الخادمات والسائقين غير المسلمين الجزيرة العربية ؟
هذا لا يجوز، دخول الكفار إلى الجزيرة العربية؛ بمعنى أننا نستقدمهم ونوليهم أمورنا وسرائرنا، ونطلعهم على أحوالنا؛ هذا لا يجوز؛ لأنهم أعداء؛ فاستقدام الأيدي العاملة من الكفرة هذا أمر لا يجوز، وذلك لأمور :
الأمر الأول : أن هذا إعانة للكفار على المسلمين، والله تعالى يقول : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } ؛ يعني : من غيركم؛ يعني : من الكفار، { لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون } [ آل عمران : 118 . ] ؛ ففي إعطائنا أموالنا لهم تقوية لهم على كفرهم وإعانة لهم .
وثانيا : أن في استقدامهم إلى بلاد المسلمين أثرا سيئا على المسلمين وعلى أولاد المسلمين، وهو مما يمكن الكفار من بث شرورهم وسمومهم بين المسلمين .
والأمر الثالث : أننا نحرم إخواننا المؤمنين من الأيدي العاملة التي هي بحاجة إلى هذه الأموال .
فالواجب على من يريد استقدام عمال أن يستقدم من المسلمين؛ لما في ذلك من المصالح العظيمة؛ إعانة لإخواننا المسلمين؛ وأمنا لشر أعدائنا .

(18/8)


هذا من مقتضى الموالاة في الله أننا نستقدم من إخواننا المؤمنين، هذا من الموالاة في الله، ومن مقتضى المعاداة في الله ألا نستقدم الكفار .

(18/9)


بر الوالدين والطاعة
161 ـ معلوم أن الزوجة مجبرة على طاعة زوجها كما في الحديث، ومأمورة أيضا بطاعة والديها في غير معصية الله؛ فما الحكم إذا تعارضت الطاعتان ؟ فأيهما تقدم ؟
لا شك أن المرأة مأمورة بطاعة الله سبحانه وتعالى، ومأمورة بطاعة زوجها، وبطاعة والديها ضمن طاعة الله عز وجل .
أما إذا كان في طاعة المخلوق من والد أو زوج معصية للخالق؛ فهذا لا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الطاعة في المعروف ) [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 8/106 ) من حديث علي رضي الله عنه . ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 5/66 ) من حديث الحكم بن عمرو الغفاري بلفظ قريب من هذا، ورواه الحاكم في " مستدركه " ( 3/123 ) من حديث علي بن أبي طالب بنحوه، ورواه البغوي في " شرح السنة " ( 10/44 ) من حديث النواس بن سمعان . ] ؛ فلا شك أن حق الوالدين مقدم، وهو يأتي بعد حق الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } [ النساء : 36 . ] ؛ فحق الوالدين متأكد .
فإذا كان الزوج سيحملها على معصية والديها وعلى عقوق والديها؛ فهي لا تطيعه في هذا؛ لأن حق الوالدين أسبق من حق الزوج؛ فإذا طلب منها أن تعق والديها؛ فإنها لا تطيعه في ذلك؛ لأن العقوق معصية، ومن أكبر الكبائر بعد الشرك .
162 ـ إذا أرضى إنسان رجلا ذا قوة وجاه بمشاركته في معصية لله تعالى، ولم يكن ذلك الإرضاء إلا لقصد الحصول على متعة خاصة، أو دفع مضرة دنيوية؛ فهل يعتبر ذلك من اتخاذ الأنداد من دون الله ؟

(19/1)


الواجب على الإنسان أن يطيع الله سبحانه، ويلتمس رضاه، ولو سخط عليه الناس؛ فإن الله سبحانه سيرضى عنه ويرضي عنه الناس؛ كما في الحديث : ( من التمس رضى الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) [ رواه الترمذي في " سننه " ( 7/132-133 ) من حديث عائشة رضي الله عنها . ] ، والله تعالى يقول : { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } [ التوبة : 13 . ] .
فالواجب على المؤمن أن يطيع الله، ويجتنب معصيته، ويصبر على ما يناله من الأذى، وإلا؛ كان من الذين قال الله فيهم : { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } [ العنكبوت : 10 . ] .
قال العلامة ابن القيم : " أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة؛ أنه إذا أوذي في الله؛ جعل فتنة الناس له - وهي أذاهم، ونيلهم منه بالمكروه، وهو الألم الذي لابد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم -؛ جعل ذلك في فراره منه وتركه السبب الذي يناله به كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان؛ فالمؤمنون - لكما بصيرتهم - فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قريب، وهذا - لضعف بصيرته - فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم، ففر من ألم عذابهم إلى عذاب الله، فجعل ألم فتنة الناس بمنزلة ألم عذاب الله، وغبن كل الغبن إذ استجار من الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد " انتهى .
وهذا أيضا بكونه قدم خشية الناس على خشية الله قد اتخذهم أندادا من دون الله بقدر ما قام بقلبه من ذلك، والله المستعان .

(19/2)


163 ـ رئيسي في العمل يجبرني على القيام بأعمال فيها إخلال بالنظام والأمانة . . . فإذا أطعته؛ ففيه إخلال بهما، وهذا لا يجوز، وإن عصيته عن القيام بذلك؛ أوقع علي جزاء؛ فما الذي أعمله ؟
لا يجوز لرئيس العمل أن يعمل ما يخل بالنظام والأمانة، ولا يجوز له أن يجبر من تحت يده على ذلك، ولا يجوز للموظف أن يطيع رئيسه في ذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والواجب على الموظف في مثل هذه الحالة أن ينتقل إلى العمل في مجال آخر، ويبتعد عن هذا الرئيس السيئ، والأعمال والحمد لله كثيرة، { ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب } [ الطلاق : 2، 3 . ] .
164 ـ
إذا كان والد شخص ما مريضا، وذهب به إلى أحد المستشفيات، وقرروا إجراء عملية له، ولكن الوالد رفض إجراء هذه العملية خوفا على حياته، ورغبة من ابنه في شفاء والده من هذا المرض؛ أجبر والده على الموافقة، أو احتال عليه حتى أجريت له العملية دون علمه ودون موافقته؛ فهل يعتبر هذا عقوقا لوالده يأثم عليه؛ علما أن الدافع له محبته لوالده وطمعه في شفائه مما يعاني من مرض ؟
ولو فرضنا وحصلت الوفاة نتيجة هذه العملية التي تسبب فيها ابنه؛ فهل يلحقه إثم بذلك أم لا ؟
تذكر أيها السائل أن والدك أصيب بمرض، وهو يحتاج إلى عملية جراحية، ولكنه لا يرغب في ذلك، وأنك ألححت عليه أو احتلت عليه حتى أجريت له العملية؛ فهل عليك في ذلك إثم ؟

(19/3)


لا حرج عليك في ذلك إن شاء الله؛ لأنك تريد له الخير، وتريد له المصلحة، ولم ترد به الضرر؛ فأنت محسن، ويرجى له الأجر إن شاء الله، وحتى لو توفي من أثر هذه العملية، ما دامت أنها عملية جارية مجراها الطبي، ولم يحصل فيها تفريط، والطبيب من أهل الخبرة، وتوافرت الشروط؛ فلا حرج عليك في ذلك؛ لأنك محسن، والله تعالى يقول : { ما على المحسنين من سبيل } [ التوبة : 91 . ] . والله تعالى أعلم .

(19/4)


الهجر وقطيعة الرحم
165 ـ يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال؛ يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 7/90، 91 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ : ( لا يحل لمسلم . . . ) . ] ، أو كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فإذا كان هذا الشخص الذي خاصمته لا يصلي ولا يصوم ويفعل المنكرات؛ فهل يعتبر خصامي له حراما ؟ أم ما هو المقصود من هذا الحديث ؟
الهجر هو ترك مكالمة الشخص وترك مجالسته والسلام عليه .
هجر المؤمن لا يجوز فوق ثلاثة أيام إذا كان على أمر من أمور الدنيا، بل عليه أن يصالح أخاه وأن يسلم عليه إذا لقيه، ومع أنه لا ينبغي ابتداءا أن يهجر على أمر من أمور الدنيا، ولكن لو حصل شيء من الهجر؛ فإنه لا يتجاوز ثلاثة أيام، وهذا هو المراد بالحديث : ( لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) ؛ يعني إذا كان الهجر على أمر من أمور الدنيا .
أما إذا كان الهجر لأجل معصية ارتكبها ذلك المهجور، وكانت هذه المعصية من كبائر الذنوب، ولم يتركها؛ فإنه يجب مناصحته وتخويفه بالله عز وجل، وإذا لم يمتنع عن فعل المعصية ولم يتب؛ فإنه يهجر؛ لأن في الهجر تعزيرا له وردعا له لعله يتوب؛ إلا إذا كان في هجره محذورا؛ بأن يخشى أن يزيد في المعصية وأن يترتب على الهجر مفسدة أكبر؛ فإنه لا يجوز هجره في هذه الحالة؛ فهجر العاصي إنما يجوز إذا كان من ورائه مصلحة ولا يترتب عليه مضرة أكبر، وبالله التوفيق .
166 ـ
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث؛ يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 7/91 ) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه . ] ، أو كما ورد في الحديث .

(20/1)


في هذا العصر كثرت القطيعة بين الناس، وخاصة بين القرابة؛ فعندنا أبناء عمومة متقاطعون من زمن بعيد منذ سن الصبا، وهم يحملون لبعضهم الكره والحقد، وقد سعى بينهم أهل الخير والإصلاح بقصد إصلاح ما فسد؛ إلا أنهم يصرون على الكره لبعضهم، وأحدهم متزوج أخت الآخر، ويقول أحدهم : لا أستطيع السيطرة على قلبي تجاه ابن عمي؛ فقلبي يكرهه ولا أستطيع مجالسته ولا مقابلته ولا حتى رد السلام عليه، رغم أنهم متدينون؛ إلا أن الموعظة لم تؤثر فيهم، ويقول أحدهم : إذا كان لا يدخلني الجنة إلا رضاء فلان؛ فلا أرجو هذا . فما ترون فضيلتكم ؟ وكيف السبيل إلى إصلاحهم مع بعضهم ؟ وهل أعمالهم مقبولة وهم بهذه الحالة رغم تقاربهم في النسب والجوار ؟
إن الله سبحانه وتعالى أوجب صلة الأرحام وحرم قطيعتها؛ قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى } [ النساء : 36 . ] ، وقال تعالى : { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } [ الروم : 38 . ] ، وقال تعالى : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } [ النساء : 1 . ] .
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، توجب صلة الأرحام، وتحرم قطيعتها . وقد لعن الله قاطع الرحم؛ قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } [ محمد : 22-23 . ] .
فقطيعة الرحم كبيرة من كبائر الذنوب بلا شك، وعظيمة وتوجب تأخير المغفرة للقاطع؛ كما جاء في المتشاحنين، وأن الله سبحانه وتعالى يقول : ( أنظروا هذين حتى يصطلحا ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 4/1987 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ] .

(20/2)


وهذا فيه خطورة عظيمة على المسلم، وفيه ضرر عاجل وآجل .
أما ما ذكر السائل من أن أقارب جرى بينهم من القطيعة ما وصفه، حتى إن بعضهم لا يكلم بعضا، ويقول إذا نصح : أنا لا أقدر على السيطرة على قلبي، وربما يبالغ فيقول : إن كان دخول الجنة لا يحصل إلا عن طريق فلان؛ فأنا لا أريدها . هذا كله من الكلام الفظيع، وكله من مجاراة الشيطان والهوى .
فيجب التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وصلة ما بينهم، وأن لا يتمادوا مع عدوهم الشيطان، لا سيما إذا كان بينهم رابطة عائلية؛ كما في السؤال أن أحدهم معه أخت الآخر، فهذا أيضا يؤثر على زوجاتهم ويؤثر على ذرياتهم، فينشأ الجميع متقاطعين متعادين فيما بينهم، والخطر في هذا عظيم، والواجب التوبة إلى الله سبحانه وتعالى .
وكما في الحديث الذي ذكره السائل : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 4/1984 ) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه . ] ؛ فالهجر - وهو ترك الكلام مع الشخص أو ترك زيارته أو الاتصال به - لا يحل فوق ثلاث، وأما إن كان لأجل دينه من أنه عاص لله ورسوله، ونصح، ولم يمتثل؛ فالهجر في حقه إذا كان يزجره عن المعصية ويؤثر فيه فإنه يكون واجبا، ولو زاد على ثلاثة أيام، حتى يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا من حقوق الإسلام : أن يهجر العصاة الذين أبوا أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى حتى يتوبوا .
وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا خمسين يوما، حتى نزلت توبة الله عليهم (9).
أما الهجر من أجل أمر من أمور الدنيا أو لأجل ضغينة في النفوس؛ فإنه حرام إذا زاد عن ثلاثة أيام؛ كما في الحديث .

(20/3)


فعلى كل حال؛ الواجب على هؤلاء أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يصلوا ما بينهم؛ قال سبحانه وتعالى : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } [ الأنفال : 1 . ] ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فساد ذات البين هو الحالقة، وبين أنه يحلق الدين (10)؛ بمعنى أنه يجني على الدين ويقضي على الحسنات؛ فالخطر هنا عظيم .
والواجب على المسلم أن يصل رحمه وإن قطعت به؛ فإنه كما في الحديث : ( ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 7/73 ) من حديث عبد الله بن عمر . ] ؛ فالواجب مواصلة الرحم وإن أساء إليك وإن أخطأ في حقك؛ فإنك تواصله، ويكون هذا سببا في تأليفه وفي ندمه على ما حصل منه .
قال تعالى : { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } [ فصلت : 34، 35 . ] .
وهذا يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى حمل على النفس، وإلى ابتعاد عن الهوى ونزغات الشيطان، ويحتاج إلى تذكر الوعيد والعقوبة العاجلة والآجلة وسوء العاقبة لمن قطع رحمه؛ فإذا تذكر الإنسان هذه الأمور واستشعرها؛ حمله ذلك على التوبة وعلى صلة الرحم؛ لأن في صلة الرحم أجرا عظيما، وفي قطيعتها إثم كبير وأضرار عاجلة وآجلة، والله الموفق .

(20/4)


التوبة
167 ـ أنا شاب قد عصيت الله جل وعلا، وشتمت والدي، ولكني ندمت كثيرا، وحاولت معهما أن يسامحاني، ولكن للأسف الشديد ما استطعت إلى ذلك سبيلا؛ فهل أدخل النار ؟ وفقكم الله .
ما دام أنك تبت إلى الله توبة صحيحة؛ فإن الله يتوب عليك، ولكن يجب عليك أن تستسمح والديك؛ لأن هذا حق لمخلوق، ومن شروط التوبة إذا كانت من حق المخلوق أن يسمح له ذلك المخلوق عن حقه؛ فعليك ببر والديك والإحسان إليهما حتى يرضيا عنك، عليك ببرهما والإحسان إليهما والعطف عليهما لعلهما يرضيان عنك إن شاء الله تعالى؛ فلا بد من هذا .
أما لعن الوالدين؛ فإنه كبيرة عظيمة؛ قال صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله من لعن والديه ) . قالوا : وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : ( يلعن أبا الرجل فيلعن أباه، ويلعن أمه فيلعن أمه ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/92 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه بلفظ قريب من هذا . ] ؛ هذا إذا لعن أبوي الآخرين؛ فإن هذا سبب يجعل الآخرين يلعنون أبويه؛ فكيف إذا باشر اللعن على والديه ؟ ! الأمر خطير .

(21/1)


ولكن التوبة تجب كل الذنوب، التوبة لا يبقى معها ذنب؛ قال الله سبحانه وتعالى : { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } [ طه : 82 . ] ، وقال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } [ الزمر : 53 . ] ، والله تعالى يفغر الشرك ويغفر الكفر إذا تاب منه؛ قال تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [ الأنفال : 38 . ] ، وقال في النصارى الذين يقولون : إن الله ثالث ثلاثة ! ويقولون : إن الله هو المسيح ابن مريم ! قال تعالى : { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } [ المائدة : 74 . ] .
فلا تيأس، ولا تقنط، وتب إلى الله، وأحسن إلى والديك، وسيعطف الله قلوبهما عليك، ويسمحان عنك إن شاء الله .
168 ـ أنا شاب أريد أن أتوب إلى الله؛ فماذا أفعل لأتجنب المعاصي ؟
التوبة إلى الله واجبة، والمبادرة بها واجبة، لا يجوز تأخير التوبة إلى وقت آخر؛ لأن الإنسان لا يدري متى يأخذه الموت .
قال الله سبحانه وتعالى : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم } [ النساء : 17 . ] ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( أتبع السيئة الحسنة تمحها ) [ رواه الترمذي في " سننه " ( 6/204 ) من حديث أبي ذر رضي الله عنه . ] ، والإتباع معناه المبادرة؛ فمن آداب التوبة المبادرة بها وعدم تأخيرها .

(21/2)


كذلك عليك إذا تبت إلى الله أن تجتنب الأسباب التي أوقعتك في الجريمة؛ تجتنب قرناء السوء، تبتعد عن جلساء السوء؛ لأنهم هم السبب في إيقاعك في هذه الجريمة، وتذهب إلى الأخيار، تجالس الأخيار، تلازم الدروس وحلق الذكر، تبكر إلى المسجد، تكثر من تلاوة القرآن ومن ذكر الله سبحانه وتعالى، هذا هو الذي ينبغي للتائب إلى الله : أن يبتعد عن كل أسباب المعصية، وأن يقترب من الخير وأسباب الطاعة .
169 ـ رجل كان يتعاطى شرب الخمر وكثيرا من المعاصي، وقد صدرت بحقه عدة أحكام، ولكنه تاب إلى الله وأصبح مواظبا على الصلاة مع الجماعة وحريصا على فعل الخير، ومن ذلك أنه يرغب في الأذان؛ بأن يكون مؤذنا في المسجد وإماما أحيانا في غياب الإمام الرسمي، ولكن بعض جماعة المسجد يرفضون ذلك منه، وأصروا على عدم فعله ذلك، وعلى شكواه إن فعل، وربما الاعتداء عليه؛ فهل هم على حق في ذلك أم يجب عليهم تشجيعه والأخذ بيده مادام جاء تائبا إلى الله، وحكمه حكم المؤلفة قلوبهم ؟
المسلم إذا تاب إلى الله توبة صحيحة مما صدر منه من المعاصي؛ فإن التوبة تجب ما قبلها، بل حتى الكافر إذا تاب إلى الله توبة صحيحة؛ فإن توبته تجب ما قبلها من الكفر؛ قال تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [ الأنفال : 38 . ] ، والله جل وعلا يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات؛ فإذا تاب المذنب توبة صحيحة وأصلح العمل بعد التوبة؛ فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه ويمحو ما كان من قبل .

(21/3)


والسائل يذكر أن هذا الرجل تاب إلى الله توبة صحيحة، وأنه أحسن العمل، ولم يعرف عنه شيء بعد التوبة من المعاصي؛ فما دام كذلك؛ فإنه لا مانع من إمامته ومن توليه الأذان؛ فالذي يعترض عليه يكون مخطئا؛ إلا إذا كان يعرف من حاله أشياء تتنافى مع مقام الأذان أو مع مقام الإمامة؛ فإذا كان المخالف أو المعارض يعلم من حال هذا الشخص أشياء لا تتناسب مع مقام الإمامة أو مقام الأذان؛ فله الحق في الاعتراض، أما إذا كان لا يعرف شيئا، وإنما يبني على الأمور التي كانت من قبل التوبة؛ فهذا خطأ، والواجب أن يمكن من الأذان إذا كان يصلح للأذان، ويمكن من الإمامة إذا كان تتوفر فيه شروط الإمامة .
170 ـ أذنبت ذنبا ثم استغفرت الله وعزمت على التوبة، وذلك بأني أقسمت بالله بأن لا أرجع إليه مرة أخرى، ولكن غلبني الشيطان، ثم كررت التوبة وكفرت عن اليمين بصيام ثلاثة أيام، ودائما أكثر بفضل الله من أعمال الطاعات، وتكرر معي هذا الذنب، فكنت أكرر التوبة وصيام الكفارة ثلاثة أيام، ولكني عملت مؤخرا أن كفارة اليمين تبدأ بإطعام عشرة مساكين؛ فمن لم يجد؛ فصيام ثلاثة أيام؛ فهل تجب علي إعادة الكفارة ( أي : كفارة اليمين بإطعام عشرة مساكين ) عن كل مرة، أم يكفي ما صمته قبل ذلك ؟ أفيدونا جزاكم الله خير الجزاء .
يجب على المسلم أن يتوب ويبادر بالتوبة، وأن يحافظ على دينه، وأن يبتعد عن المعاصي؛ لأن المعاصي تضره في دينه وفي دنياه، فيجب عليه أن يتوب توبة نصوحا صادقة عازمة لا تنقص، وأن لا يكون عند المسلم ضعف وخور، وأن يستعيذ بالله من الشيطان ومن هوى النفس ويتغلب على نفسه .
أما الذي يتوب ثم يعود على الذنب؛ فهذا يدل على ضعف إيمانه وعلى ضعف عزيمته .
وعلى كل حال؛ فالذي حصل منك نرجو الله أن يغفر لك وأن يعينك على الاستمرار في التوبة الصحيحة .

(21/4)


أما بالنسبة لكفارة اليمين؛ فكما تبين لك أنها على الترتيب، وأن الصيام هو آخر مرحلة؛ فكفارة اليمين فيها تخيير وفيها ترتيب، فيها تخيير بين العتق ( عتق الرقبة ) أو إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين، فأي خصلة من هذه الخصال الثلاث فعلتها؛ فإنها تكفي؛ فإذا لم تقدر على واحدة من هذه الخصال الثلاث؛ فإنك تنتقل إلى الصيام، فتصوم ثلاثة أيام .
وما حصل أنك صمت ثلاثة الأيام ابتداء وأنت تقدر على الإطعام أو على كسوة المساكين أو على العتق؛ فإن الصيام لا يجزيك في هذه الحالة؛ فلا بد أن تكفر بإحدى الخصال الثلاث التي ذكرنا لك ما دمت تقدر عليها .

(21/5)


العلم وتعلمه
171 ـ يلاحظ على الشباب في هذه الآونة الأخيرة إهمالهم وزهدهم في تعلم العقيدة ومدارستها والاهتمام بها، وانشغالهم بأمور أخرى؛ فما هو توجيه فضيلتكم لمثل هؤلاء الشباب ؟
أنصح للشباب ولغيرهم من المسلمين أن يهتموا بالعقيدة أولا وقبل كل شيء؛ لأن العقيدة هي الأصل الذي تبنى عليه جميع الأعمال قبولا وردا، فإذا كانت العقيدة صحيحة موافقة لما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام، خصوصا خاتم الرسل نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فإن سائر الأعمال تقبل، إذا كانت هذه الأعمال خالصة لوجه الله تعالى، وموافقة لما شرع الله ورسوله، وإذا كانت العقيدة فاسدة، أو كانت ضالة مبنية على العوائد وتقليد الآباء والأجداد، أو كانت عقيدة شركية؛ فإن الأعمال مردودة، لا يقبل منها شيء، ولو كان صاحبها مخلصا وقاصدا بها وجه الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كانت خالصة لوجهه الكريم، وصوابا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
فمن كان يريد النجاة لنفسه، ويريد قبول أعماله، ويريد أن يكون مسلما حقا؛ فعليه أن يعتني بالعقيدة؛ بأن يعرف العقيدة الصحيحة وما يضادها وما يناقضها وما ينقصها، حتى يبني أعماله عليها، وذلك لا يكون إلا بتعلمها من أهل العلم وأهل البصيرة الذي تلقوها عن سلف هذه الأمة .
قال الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } [ محمد : 19 . ] .
وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله ترجمة قال فيها : " باب : العلم قبل القول والعمل " ، وساق هذه الآية الكريمة : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } ؛ حيث بدأ الله سبحانه وتعالى بالعلم قبل القول والعمل .

(22/1)


وقال الله سبحانه وتعالى : { والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } [ العصر : 1-3 . ] ؛ فرتب السلامة من الخسارة على مسائل أربع :
المسألة الأولى : الإيمان، ويعني : الاعتقاد الصحيح .
المسألة الثانية : العمل الصالح والأقوال الصالحة، وعطف الأقوال الصالحة والأعمال الصالحة على الإيمان من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الأعمال داخلة في الإيمان، وإنما عطفها عليه اهتماما بها .
والمسألة الثالثة : { وتواصوا بالحق } ؛ يعني : دعوا إلى الله، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، لما اعتنوا بأنفسهم أولا، وعرفوا الطريق؛ دعوا غيرهم إلى ذلك؛ لأن المسلم مكلف بدعوة الناس إلى الله سبحانه وتعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .
{ وتواصوا بالصبر } ، وهذه المسألة الرابعة : الصبر على ما يلاقونه في سبيل ذلك من التعب والمشقة .
فلا سعادة لمسلم إلا إذا حقق هذه المسائل الأربع .
أما الاهتمام الثقافات العامة، والأمور الصحفية، وأقوال الناس، وما يدور في العالم؛ فهذه إنما يطلع الإنسان عليه بعدما يحقق التوحيد، ويحقق العقيدة، ويطلع على هذه الأمور؛ من أجل أن يعرف الخير من الشر، ومن أجل أن يحذر من ما يدور في الساحة من شرور ودعايات مضللة، لكن هذا بعدما يتسلح بالعلم ويتسلح بالإيمان بالله ورسوله، أما أن يدخل في مجالات الثقافة والأمور الصحفية وأمور السياسة وهو على غير علم بعقيدته وعلى غير علم بأمور دينه؛ فإن هذا لا ينفعه شيئا، بل هذا يشتغل بما لا فائدة له منه، ولا يستطيع أن يميز الحق من الباطل .

(22/2)


كثير ممن جهلوا العقيدة واعتنوا بمثل هذه الأمور ضلوا وأضلوا ولبسوا على الناس؛ بسبب أنهم ليس عندهم بصيرة وليس عندهم علم يميزون به بين الضار والنافع، وما يؤخذ وما يترك، وكيف تعالج الأمور؛ فبذلك حصل الخلل، وحصل اللبس عند كثير من الناس؛ لأنهم دخلوا في مجالات الثقافة ومجالات السياسة؛ من غير أن يكون عندهم علم بعقيدتهم وبصيرة من دينهم، فحسبوا الحق باطلا، والباطل حقا .
172 ـ لقد أعرض كثير من الشباب عن قراءة كتب السلف الصالح وتصحيح العقيدة عليها؛ ككتاب " السنة " لابن أبي عاصم وغيره، التي توضح منهج أهل السنة والجماعة وموقفهم من السنة وأهلها والبدع وأهلها، وانشغلوا بالقراءة لمن يسمون بالمفكرين والدعاة، الذي يوجد في كلامهم ما يناقض كتب السلف، ويقررون خلافها؛ فبماذا توجهون هؤلاء الشباب ؟ وما هي الكتب السلفية التي تنصحونهم بقراءتها وبناء العقيدة وتصحيحها عليها ؟
هذا سؤال متفرع عن السؤال السابق، وهول : لما عرفنا أنه يجب العناية بالعقيدة وتعلمها وتعلم ما يجب على الإنسان نحوها؛ فإنه يأتي السؤال : ما هي المصادر التي تؤخذ منها هذه العقيدة ؟ ومن هم الذين نتلقى عنهم هذه العقيدة ؟

(22/3)


المصادر التي تؤخذ عقيدة التوحيد وعقيدة الإيمان منها هي الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح؛ فإن القرآن قد بين العقيدة بيانا شافيا، وبين ما يخالفها وما يضادها وما يخل بها، وشخص كل الأمراض التي تخل بها، وكذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته ودعوته وأحاديثه صلى الله عليه وسلم، وكذلك السلف الصالح والتابعون وأتباع التابعين من القرون المفضلة قد اعتنوا بتفسير القرآن وتفسير السنة وبيان العقيدة الصحيحة منهما وتبيينها للناس، فيرجع بعد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى كلام السلف الصالح، وهو مدون ومحفوظ في كتب التفسير وشروح الحديث، ومدون أيضا بشكل خاص في كتب العقائد .
وأما من يتلقى عنه العقيدة؛ فهم أهل التوحيد وعلماء التوحيد الذين درسوا هذه العقيدة دراسة وافية وتفقهوا فيها، وهم متوفرون ولله الحمد، خصوصا في هذه البلاد؛ بلاد التوحيد؛ فإن علماء هذه البلاد على وجه الخصوص وعلماء المسلمين المستقيمين على وجه العموم لهم عناية بعقيدة التوحيد؛ يدرسونها، ويفهمونها، ويوضحونها للناس، ويدعون إليها؛ فالرجوع إلى أهل التوحيد وإلى علماء التوحيد الذين سلمت عقيدتهم وصفت؛ فهؤلاء هم الذين تؤخذ عنهم عقيدة التوحيد .
أما الانصراف عن العقيدة إلى كتب الثقافات العامة والأفكار المستوردة من هنا وهناك؛ فهذه لا تغني شيئا، وهي كما يقول القائل : لحم جمل غث فوق جبل صعب وعر ! هذه كتب لا يضر الجهل بها، ولا ينفع العلم بها .

(22/4)


ولكن من تضلع بعلوم التوحيد وعلوم العقيدة الشرعية، وأراد أن يطلع عليها من باب معرفة نعمة الله سبحانه وتعالى عليه؛ بأن هداه للعقيدة الصحيحة، وحرم هؤلاء الذين انشغلوا بالقيل والقال، وملؤوا الكتب والصحف بالكلام الذي لا طائل تحته، وشره أكثر من خيره؛ فهذا لا بأس به، على ألا ينشغل عن قراءة ما يفيد .
فلا يجوز لطالب العلم والمبتدئ بالخصوص أن يشتغل بهذه الكتب؛ لأنها لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما تأخذ الوقت، وتشتت الفكر، وتضيع الزمان على الإنسان .
فالواجب على الإنسان أن يختار الكتب النافعة، والكتب المفيدة، والكتب التي تعتني بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتشرح فهم السلف الصالح لها؛ فالعلم ما قاله رسوله صلى الله عليه وسلم؛ قال ابن القيم رحمه الله :
العلم قال الله قال رسوله ** قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ** بين النصوص وبين رأي فلان (1)
173 ـ كثير من الشباب زهدوا في متابعة الدروس العلمية المسجلة ولزوم دروس أهل العلم الموثوقين، واعتبروها غير هامة، أو قليلة النفع، واتجهوا إلى المحاضرات العصرية التي تتحدث عن السياسة وأوضاع العالم؛ لاعتقادهم أنها أهم؛ لأنها تعتني بالواقع؛ فما نصيحتكم لهؤلاء الشباب ؟
هذا كما سبق؛ الاشتغال بالمحاضرات العامة والصحافة وبما يدور بالعالم دون علم بالعقيدة ودون علم بأمور الشرع تضليل وضياع، ويصبح صاحبها مشوش الفكر؛ لأنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .

(22/5)


والله سبحانه وتعالى أمرنا بتعلم العلم النافع أولا؛ قال تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } [ محمد : 19 . ] ، { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب } [ الزمر : 9 . ] ، { إنما يخشى الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28 . ] ، { وقل رب زدني علما } [ طه : 114 . ] . . . إلى غير ذلك من الآيات التي تحث على طلب العلم المنزل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا هو العلم النافع المفيد في الدنيا والآخرة، وهذا هو النور الذي يبصر الإنسان به الطريق إلى الجنة وإلى السعادة والطريق إلى العيشة الطيبة النزيهة في الدنيا .
قال تعالى : { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما } [ النساء : 174-175 . ] .
ونحن نقرأ سورة الفاتحة، وفيها الدعاء العظيم : { اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } [ الفاتحة : 6-آخرها . ] .
والذي أنعم الله عليهم هم الذين جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح { من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } [ النساء : 69 . ] .
و { غير المغضوب عليهم } [ الفاتحة : 7 . ] : هم الذين أخذوا العلم وتركوا العمل .
{ ولا الضالين } [ الفاتحة : 7 . ] : هم الذين أخذوا العمل وتركوا العلم .

(22/6)


فالصنف الأول مغضوب عليه؛ لأنه عصى الله على بصيرة، والصنف الثاني ضال؛ لأنه عمل بدون علم، لا ينجو إلا الذين أنعم الله عليهم، وهم أهل العلم النافع والعمل الصالح؛ فيجب أن يكون هذا لنا على بال .
وأما الاشتغال بواقع العصر كما يقولون، أو فقه الواقع؛ فهذا إنما يكون بعد الفقه الشرعي؛ إذ الإنسان بالفقه الشرعي ينظر إلى واقع الناس وما يدور في العالم وما يأتي من أفكار ومن آراء، ويعرضها على العلم الشرعي الصحيح؛ ليميز خيرها من شرها، وبدون العلم الشرعي؛ فإنه لا يميز بين الحق والباطل والهدى والضلال؛ فالذي يشتغل بادئ ذي بدء بالأمور الثقافية والأمور الصحافية والأمور السياسية، وليس عنده بصيرة من دينه؛ فإنه يضل بهذه الأمور؛ لأن أكثر ما يدور فيها ضلالة ودعية للباطل وزخرف من القول وغرور، نسأل الله العافية والسلامة .
174 ـ الأخذ بمناهج دعوية مستوردة وافدة؛ هل لذلك أثر على العقيدة، إذا علمنا ضعف عقيدة المتبوعين، أو ضعف عقيدة الولاء والبراء، أو عدم التفريق بين الفرق الضالة بمناهجهم عند أولئك ؟ وجزاكم الله خيرا .
الفيصل في هذا هو اتباع منهج الرسل، خصوصا خاتم الرسل محمدا صلى الله عليه وسلم، وخاتم الرسل كان أول ما يأمر التوحيد، ويوصي دعاته أن يدعوا أول شيء إلى التوحيد، ثم يأمر بعد ذلك بأوامر الدين من صلاة وزكاة وصيام وحج .
قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات . . . ) إلى آخر الحديث [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 2/108 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنه . ] .

(22/7)


ثم أيضا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة مأخوذ من سيرته ومن كتابه الله؛ لأن الله تعالى يقول : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [ النحل : 125 . ] ، ويقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } [ يوسف : 108 . ] .
{ أدعو إلى الله } : فيجب على الداعية أن يكون مخلصا في نيته، بأن يكون قصده الدعوة إلى الله، ليس قصده الدعوة إلى نفسه أو الدعوة إلى شخص معين أو منهج معين أو طائفة معينة، وإنما يقصد الدعوة إلى الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ونفع الناس، هذا قصد الداعية المخلص .
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى على هذه الآية : { أدعو إلى الله } ؛ قال : " فيه وجوب الإخلاص في الدعوة؛ لأن بعض الناس إنما يدعو إلى نفسه، ولا يدعو إلى الله " (2).
فالذي يدعو إلى نفسه، أو يدعو إلى طائفة، أو يدعو إلى منهج، أو يدعو إلى متبوع؛ لا يدعو إلى الله، وإنما يدعو إلى ما دعا إليه من غير الله .
فالواجب على الداعية أن يكون قصده الإخلاص لله عز وجل، ويكون قصده نفع الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، لا التحزب ولا التجمع مع الطوائف الأخرى، ولا المنازعات ولا الخصومات، ولا الانتصار لفلان أو علان، وإنما ينتصر للحق، ويتبع منهج الحق، هذا هو الذي يدعو إلى الله على المنهج الصحيح .
الدعوة إلى الله بالإخلاص، الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن .

(22/8)


هذا منهج الدعوة الملخص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن سار على هذا المنهج؛ فهو الداعية إلى الله حقا، ومن خالف هذا المنهج؛ فإنه ليس داعية إلى الله، وإنما هو داعية لما أراد من الأمور الأخرى؛ فلا بد من هذا المنهج .
والمنهج في الإسلام واحد، لا مناهج في الإسلام؛ قال تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } [ الفاتحة : 6، 7 . ] ؛ هذا منهج الإسلام، وهذه المناهج الأخرى، وقال سبحانه : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [ الأنعام : 153 . ] .
ليس في الإسلام إلا منهج واحد؛ منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي سار عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من الدعاة والمجددين لدين الله، منهج واحد، لا انقسام فيه ولا اختلاف .
وعلامة هذا المنهج أن الذين عليه لا يختلفون، بل يكونون جماعة واحدة، لا يختلفون فيها، بل يكونون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وعلامة المناهج المنحرفة وجود الاختلافات بين أهلها، والعداوة بين أهلها، والنزاع بين أهلها؛ فهذا هو الفارق .
الواجب أن نكون على منهج واحد، منهج الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة، وهو المنهج الصحيح الذي يجب أن نسير عليه في دعوتنا إلى الله، وفي عملنا، وفي علمنا، وفي جميع أمورنا، لو أخذنا بهذا؛ لم يحصل اختلاف، ولم يحصل عداوات، ولم يحصل تفرق، إنما يحصل التفرق من مخالفة هذا المنهج، والتماس مناهج أخرى، هذا هو الذي يوجب التفرق واختلاف .

(22/9)


175 ـ لماذا يهتم كثير من المسلمين بعلم العقيدة، وما المقصود بالعقيدة والإيمان والتوحيد ؟ وهل هناك فرق بين هذه المصطلحات ؟ وما رأيكم فيمن يقول : إن بعض أمور العقيدة وموضوعاتها قد انتهى ومضى زمنها، وبالتالي لا جدوى من تعميم دراستها ؟
يهتم الموفقون من المسلمين بعلم العقيدة اقتداء بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ حيث كانوا يبدؤون دعوتهم بتصحيح العقيدة؛ لأنها هي الأساس الذي يبنى عليه سائر الأعمال؛ فإذا صحت العقيدة؛ صحت الأعمال الشرعية، وما لم تصح العقيدة؛ لم تصح الأعمال .
قال تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } [ الزمر : 65 . ] .
وقال تعالى : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [ الأنعام : 88 . ] .
والمقصود بالعقيدة والإيمان والتوحيد شيء واحد؛ من حيث إنها عمل قلبي، ويزيد الإيمان باقترانه مع ذلك - أي : كونه اعتقادا بالقلب - أنه أيضا قول باللسان وعمل بالجوارح .
وجميع أمور العقيدة وموضوعاتها لابد من معرفتها والعناية بها في كل زمان ومكان، ولا ينتهي العمل بها إلى أن تقوم الساعة .
والذي يرى أن بعض أمور العقيدة ومواضيعها قد انتهى وقتها؛ لا يخلو :
إما أن يكون جاهلا لا يعرف مواضيع العقيدة وأهميتها .
وإما أن يكون عنده خلل في عقيدته، ويريد التستر على هذا الخلل؛ لئلا ينكشف .
كالذين يقولون : اتركوا الكلام في موضوع توحيد الألوهية؛ لأن هذا يفرق بين المسلمين، واكتفوا بالكلام في توحيد الربوبية، وإثبات وجود الله، والرد على الملاحدة والشوعييين، ولا تتعرضوا لعباد القبور والأضرحة !

(22/10)


وكالذي يقول : اتركوا الكلام في موضوع إثبات الأسماء والصفات والرد على ما من يتعرض لها بنفي أو تأويل . . . إلى غير ذلك .
وكل هذا كلام باطل لابد من كشف زيفه وبيان مغزاه وتعرية مضمونه الباطل وما ينطوي عليه من سوء معتقد ! والرسول صلى الله عليه وسلم جاء ببيان العقيدة للناس، وبيان ما يفسدها قبل كل شيء، وكثير من آيات القرآن وسوره في توضيح هذا الأمر ووجوب بيانه للناس؛ فهل يريد هؤلاء منا أن نترك القرآن وما فيه من بيان العقيدة ؟ ! !
176 ـ هناك من يزهد في دروس العقيدة، ويقول : نحن مسلمون ولسنا بكفرة أو مشركين حتى نتعلم العقيدة أو ندرسها في المساجد . فما توجيه فضيلتكم حيال هذا ؟
ليس معنى تدريس العقيدة وتعليم العقيدة أننا نحكم على الناس أنهم كفار، نحن ندرسها للمسلمين والموحدين من أجل أن يعرفوها تماما ويعرفوا ما يناقضا ويعرفوا ما يضادها .
وكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه صحابي جليل يقول : ( كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن أقع فيه ) [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ( 4/178 ) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه . ] .
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : " يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية " .
فنحن إذا درسنا العقيدة ليس معناه أننا نحكم على الناس بالكفر، لا بل معناه أننا نريد أن نعرف العقيدة الصحيحة حتى نتمسك بها ونعرف ما يضادها حتى نتجنبها .

(22/11)


الله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } [ محمد : 19 . ] ؛ فلا بد أن الإنسان يتعلم ولا يكتفي أنه يقول : إنني أنا مسلم ! أنت مسلم والحمد لله؛ لكن لو سألناك : ما هو الإسلام ؟ أو قلنا لك : عرف لنا الإسلام ؟ فالكثيرون لا يستطيعون أن يعرفوا الإسلام تعريفا صحيحا . ولو قلت : بين لي نواقض الإسلام ؟ فالكثيرون لا يعرفون نواقض الإسلام، وإذا جهلها؛ يوشك أن يقع فيها وهو لا يدري . ولو قلت : بين لي أركان الإسلام، أو : بين لي أركان الإيمان التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم واشرحها لي . لوجدنا الكثيرين لا يعرفون ذلك .
كيف تقول : إنك مسلم وأنت لا تعرف هذه الأمور ؟
بل إن الكثير من الدعاة لا يعرفون شروط الصلاة، ولا يعرفون أحكام الوضوء، ولا يعرفون نواقض الوضوء، ولا يعرفون أركان الصلاة، وواجبات الصلاة، ولا يعرفون مبطلات الصلاة، أين هؤلاء من الإسلام ؟ !
الإسلام ليس دعوى فقط، الإسلام حقيقة ومعرفة . . . لا بد من المعرفة والعلم والبصيرة؛ لأن الذي لا يعلم يقع في الخطر وهو لا يدري، مثل الجاهل الذي يسير في طريق لا يعرفه، وهذا الطريق فيه حفر وفيه أعداء وسباع؛ يقع في الخطر وهو لا يدري .
فلا بد من تعلم التوحيد؛ لأن التوحيد هو الأساس، ولا يزهد في تعلم التوحيد إلا أحد رجلين : إما جاهل، والجاهل لا عبرة به، وإما مغرض مضل يريد أن يصرف الناس عن عقيدة التوحيد، ويريد أن يسدل الغطاء على عقائد المنحرفين الذين ينتسبون إلى الإسلام وعقائدهم فاسدة، يريد أن يرخي الستار عليها، ولا ينكر عليها، ويدخلوا مع الناس، ويتزعموا الناس، وهم أصحاب عقائد منحرفة . هذا يمكن يريده كثير من هؤلاء .

(22/12)


والله تعالى يقول : { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } [ التوبة : 122 . ] ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من يرد الله به خيرا؛ يفقهه في الدين ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 1/25، 26 ) من حديث معاوية رضي الله عنه . ] ؛ فمفهوم الحديث أن الذين لا يريد الله به خيرا لا يفقهه في الدين؛ فهذا الذي يقول : لا تتعلموا العقيدة ! يقول : لا تتفقهوا في الدين ! وهذا إما جهل وإما تضليل .
177 ـ كيف تنعكس العقيدة على حياة المسلم وتصرفاته ؟
كما أشرنا؛ إذا صحت العقيدة؛ صحت أعمال المسلم؛ لأن العقيدة الصحيحة تحمل المسلم على الأعمال الصالحة، وتوجهه إلى الخير والأفعال الحميدة، وإنه إذا شهد أن لا إله إلا الله شهادة مبنية على علم ويقين ومعرفة لمدلولها؛ توجه إلى الأعمال الصالحة؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله ليست مجرد لفظ يقال باللسان، بل هي إعلان للاعتقاد والعمل، ولا تصح هذه الشهادة، ولا تنفع؛ إلا إذا قام بمقتضاها من الأعمال الصالحة، فأدى أركان الإسلام وأركان الإيمان وما زاد على ذلك من أوامر الدين وشرائعه وسننه ومكملاته .
178 ـ إضافة لحالة التردي تعيش الأمة الإسلامية حالة اضطراب فكري، خصوصا فيما يتعلق بالدين؛ فقد كثرت الجماعات والفرق الإسلامية التي تدعي أن نهجها هو المنهج الإسلامي الصحيح الواجب الاتباع، حتى أصبح المسلم في حيرة من أمره؛ أيها يتبع ؟ وأيها على الحق ؟
التفرق ليس من الدين، لأن الدين أمرنا بالاجتماع، وأن نكون جماعة واحدة وأمة واحدة على عقيدة التوحيد وعلى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم .

(22/13)


يقول تعالى : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } [ الأنبياء : 92 . ] ، ويقول تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } [ آل عمران : 103 . ] ، وقال سبحانه وتعالى : { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } [ الأنعام : 159 . ] ، وهذا وعيد شديد في التفرق والاختلاف؛ قال تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } [ آل عمران : 105 . ] .
الإسلام دين الجماعة ودين الإلفة والاجتماع، والتفرق ليس من الدين؛ فتعدد الجماعات هذا ليس من الدين؛ لأن الدين يأمرنا أن نكون جماعة واحدة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 7/80 ) بلفظ : ( المؤمن للمؤمن ) ؛ من حديث أبي موسى . ] ، ويقول : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 4/1999-2000 ) من حديث أبي موسى . ] .
إن البنيان وإن الجسد شيء واحد متماسك، ليس فيه تفرق؛ لأن البنيان إذا تفرق؛ سقط، كذلك الجسم إذا تفرق؛ فقد الحياة . ولا بد من الاجتماع، وأن نكون جماعة واحدة، أساسها التوحيد، ومنهجها دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسارها على دين الإسلام؛ قال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [ الأنعام : 153 . ] .

(22/14)


فهذه الجماعات وهذا التفرق الحاصل على الساحة اليوم لا يقره دين الإسلام، بل ينهى عنه أشد النهي، ويأمر بالاجتماع على عقيدة التوحيد، وعلى منهج الإسلام؛ جماعة واحدة، وأمة واحدة؛ كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك .
والتفرق وتعدد الجماعات وإنما هو من كيد شياطين الجن والإنس لهذه الأمة؛ فما زال الكفار والمنافقون من قديم الزمان يدسون الدسائس لتفريق الأمة؛ قال اليهود من قبل : { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون } [ آل عمران : 72 . ] ؛ أي : يرجع المسلمون عن دينهم إذا رأوكم رجعتم عنه، وقال المنافقون : { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } [ المنافقون : 7 . ] ، { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين } [ التوبة : 107 . ] .
179 ـ هناك من يتساهل في أهمية العقيدة، ويرى أن الإيمان يكفي؛ هل لكم في بيان أهمية العقيدة للمسلم، وكيف تنعكس عليه في حياته وفي علاقاته مع نفسه ومجتمعه ومع غيره المسلمين ؟
إن تصحيح العقيدة هو الأصل؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هي أول أركان الإسلام، والرسل أول ما تدعوا الأمم إلى تصحيح العقيدة؛ لأجل أن تنبني عليها سائر الأعمال من العبادات والتصرفات، ودون تصحيح العقيدة لا فائدة من الأعمال .
قال تعالى : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [ الأنعام : 88 . ] ؛ أي : لبطلت أعمالهم .
وقال سبحانه وتعالى : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } [ المائدة : 72 . ] .

(22/15)


وقال تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } [ الزمر : 65 . ] .
من هذه النصوص وغيرها يتبين ما لتصحيح العقيدة من أهمية، وهي أول أوليات الدعوة، وأول ما تقوم الدعوة على تصحيح العقيدة؛ فقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد بعثته ثلاث عشرة سنة؛ يدعو الناس إلى تصحيح العقيدة، وإلى التوحيد، ولم تنزل عليه الفرائض إلا في المدينة، نعم؛ فرضت الصلاة عليه في مكة قبل الهجرة، وبقية الشرائع إنما فرضت عليه بعد الهجرة، مما يدل على أنه لا يطالب بالأعمال إلا بعد تصحيح العقيدة .
وهذا الذي يقول : إنه يكفي الإيمان دون الاهتمام بالعقيدة ! هذا تناقض؛ لأن الإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا صحت العقيدة، أما إذا لم تكن العقيدة صحيحة؛ فليس هناك إيمان ولا دين .
180 ـ ما الواجب على المسلم أن يعرفه من دينه عقيدة وشريعة ؟
يجب على المسلم أن يعرف جميع أمور دينه عقيدة وشريعة؛ بأن يتعلم أمور العقيدة، وما يجب لها، وما يضادها، وما يكملها، وما ينقصها، حتى تكون عقيدته عقيدة صحيحة سليمة، ويجب عليه كذلك أن يتعلم أحكام دينه العملية، حتى يؤدي ما أوجبه الله عليه، ويترك ما حرم الله عليه على بصيرة .
قال الله تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } [ محمد : 19 . ] ؛ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل .
فلا بد من العلم والعمل؛ فالعلم بدون عمل لا يكفي، وإنما يكون مغضوبا على صاحبه، ويكون حجة على الإنسان، والعمل بدون علم لا يصح؛ لأنه ضلال، وقد أمرنا الله أن نستعيذ من طريق المغضوب عليهم والضالين في آخر سورة الفاتحة في كل ركعة من صلاتنا .

(22/16)


181 ـ نلاحظ عزوف عدد كبير من الناس عن مجالس العلم المقامة في هذا البلد، وعدم التشجيع على هذا المجال من بعض الأهالي، بل قد يكون هناك تثبيط بدلا من التشجيع؛ رغم قلة هؤلاء؛ إلا أنهم يكثرون من التشدق بالقول، مع الاستهانة بأعراض طلبة العلم، ومحاولة صدهم وتشويه دورهم ودور أهل الخير؛ فما توجيهكم ؟
نقول : الله يهديهم ويدلهم على الخير، وهذا الأمر لا يجوز؛ فلا يجوز للإنسان أن يتساهل في حضور مجالس العلم والسعي إليها؛ لأنه قد يستفيد فائدة تكون سببا لدخوله الجنة، قد يسمع كلمة واحدة تكون سببا لدخوله الجنة ونجاته من النار .
والإعراض عن حضور مجالس العلم فيه خطورة عظيمة، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه ردة عن الإسلام؛ كما قال تعالى : { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } [ الأحقاف : 3 . ] ، وإن كان إن شاء الله هؤلاء لم يهجروا ويعرضوا، وإنما لم يحرصوا على حضور مجالس العلم عن كسل وتهاون لا عن عدم رغبة فيها، وهؤلاء قد حرموا أنفسهم من خير كثير .
أما إذا كان عدم الحضور لأنهم لا يرون العلم ولا يرون تعلمه؛ فهذا خطر عظيم، أو يسخرون من العلم، ويسخرون من العلماء؛ فهذا يكون ردة عن الإسلام .
182 ـ ما هي أفضل الكتب وأسهلها والتي ألفت في العقيدة ؟

(22/17)


الكتب التي ألفت في بيان العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة كتب كثيرة والحمد لله، منها المختصر ومنها المطول، ومن أخصرها وأسهلها : رسالة " ثلاثة الأصول " ، ورسالة " كشف الشبهات " ، وكتاب " التوحيد الذي هو حق الله على العبيد " ، وكلها لشيخ الإسلام الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وشروح كتاب " التوحيد " ؛ مثل " فتح المجيد " ، و " قرة عيون الموحدين " ؛ كلاهما للشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله، وغيرهما، ومن الكتب السهلة المختصرة في العقيدة : " العقيدة الواسطية " لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكتاب " شرح الطحاوية " للعز بن أبي العز الحنفي، وكذا قسم العقيدة من " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية " ، ومجموع فتاوى ورسائل علماء نجد المسمى بـ " الدرر السنية " جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، وكتاب " إغاثة اللهفان " للإمام ابن القيم، و " المنظومة النونية " له، وكتاب " الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة " له أيضا .

(22/18)


الدعوة والدعاة
183 ـ نحن شباب لدينا بعض العلم، وقد طلب منا الذهاب إلى الجمهورية السوفييتية المسلمة؛ حيث يعاني المسلمون هناك من الجهل ودخول بعض الفرق المنحرفة لتضليلهم؛ فهل يجوز لنا الذهاب هناك والدعوة إلى توحيد الله والعقيدة الصحيحة؛ علما بأن الذهاب يكون شهرا واحدا في الإجازة الصيفية ؟ أفيدونا وفقكم الله .
لا شك أن هذا أمر مهم، والذهاب إلى هؤلاء لدعوتهم للإسلام وإلى تصحيح العقيدة مهم جدا، وهو من الجهاد في سبيل الله، وفيه أجر عظيم، ولكن هذا لمن يكون عنده الاستطاعة العلمية؛ بأن يكون عنده علم يستطيع أن يبين للناس العقيدة الصحيحة ويبين للناس ما يضاد العقيدة أو ينقص العقيدة من الشركيات والبدع؛ فإذا كان عنده استعداد علمي؛ فهذا من أفضل الأعمال؛ فليذهب ويدع إلى الله ويعلم ويرشد، وهو مثاب إذا صلحت نيته :
قال صلى الله عليه وسلم : ( من دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 4/2060 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ] .
قال الله تعالى : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } [ فصلت : 33 . ] .
الدعوة إلى الله من أفضل الأعمال، لكن بشرط أن يكون الداعية مؤهلا بالعلم النافع .
184 ـ وما رأي فضيلتكم في ذلك التراشق المكتوب والمسموع الذي حدث بين بعض العلماء ؟ وألا ترون أن جلوسهم للحوار كان أجدى ؟ وأن ذلك ربما أفسد مشاريعهم الإسلامية ؟

(23/1)


العلماء المعتبرون لم يحصل بينهم شيء مما ذكر في السؤال، وإنما الذي يمكن حدوثه من ذلك هو بين بعض المتعلمين والشباب المتحمسين، ونسأل الله لهم الهداية والتوفيق، وندعوهم إلى ترك هذا العمل المشين، والتآخي فيما بينهم على البر والتقوى، والرجوع إلى أهل العلم فيما أشكل عليهم، وعليهم بدراسة منهج أهل السنة والجماعة على أيدي العلماء، حتى يتضح لهم الحق، ويستبين لهم طريق الصواب، وألا يتأثروا بالأفكار الوافدة التي تريد تفريق جماعتهم وفصلهم عن مشائخهم ومنهج سلفهم الصال؛ فإن الفتنة إنما حدثت وتحدث بين شباب المسلمين بسبب الإصغاء إلى الأفكار الوافدة المشبوهة والإعراض عن المنهج الصحيح .
185 ـ ما هي أوصاف العلماء الذين يقتدى بهم ؟
أوصاف العلماء الذين يقتدى بهم هم أهل العلم بالله سبحانه وتعالى، الذين تفقهوا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحلوا بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فلا يقتدى بعالم لا يعمل بعلمه، ولا يقتدى بجاهل ليس عنده علم، ولا يقتدى إلا بمن جمع بين الأمرين : العلم النافع، والعمل الصالح .

(23/2)


وبالنسبة للذين يقتدى بهم في بلادنا ومن تؤخذ أشرطتهم، وهم كثيرون ولله الحمد، معروفون عند الناس، لا يجهلهم أحد، لا البادية ولا الحاضرة، ولا الكبار ولا الصغار، هم القائمون على أعمال هذه الأمة من الفتوى والقضاء والتدريس وغير ذلك، الذين عرف عنهم العلم والتقى والورع، وعلى رأس علمائنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله؛ فإنه رجل من الله عليه بالعلم الغزير والعمل الصالح والدعوة إلى الله والإخلاص والصدق وما لا يخفى على كل أحد، وهو ولله الحمد صدر عنه خير كثير من الكتابات من والمؤلفات ومن الأشرطة ومن الدروس، وكذلك العلماء الذين يفتون في برنامج ( نور على الدرب ) ، هؤلاء أيضا ولله الحمد عرفت عنهم الفتاوى الصائبة والأقوال النافعة في الغالب، وكذلك إخوانهم من أصحاب الفضيلة كبار القضاة؛ لأنه لا يشتغل بالقضاء ويثق الناس به في دمائهم وأموالهم وفروجهم إلا من كان موثوقا بعلمه .
إن هؤلاء لهم جهود في الدعوة والإخلاص والرد على من يريدون الانحراف بالدعوة عن طريقها الصحيح، سواء عن قصد أو عن غير قصد، هؤلاء لهم تجارب ولهم خبرة وسبر للأقوال ومعرفة الصحيح من السقيم، فيجب أن تروج أشرطتهم ودروسهم، وأن ينتفع بها؛ فإن فيها فائدة كبيرة للمسلمين، وكل عالم لم يجرب عليه خطأ ولم يجرب عليه انحراف في سيرة أو فكر؛ فإنه يؤخذ عنه .
186 ـ لقد كثر المنتسبون إلى الدعوة هذه الأيام، مما يتطلب معرفة أهل العلم المعتبرين، الذين يقومون بتوجيه الأمة وشبابها إلى منهج الحق والصواب؛ فمن هم العلماء الذين تنصح الشباب بالاستفادة منهم ومتابعة دروسهم وأشرطتهم المسجلة وأخذ العلم عنهم والرجوع إليهم في المهمات والنوازل وأوقات الفتن ؟

(23/3)


الدعوة إلى الله أمر لابد منه، والدين إنما قام على الدعوة والجهاد بعد العلم النافع؛ { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } [ العصر : 3 . ] ؛ فالإيمان يعني العلم بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته وعبادته، والعمل الصالح يكون فرعا من العلم النافع؛ لأن العمل لا بد أن يؤسس على علم .
والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والتناصح بين المسلمين؛ هذا أمر مطلوب، ولكن ما كل أحد يحسن أن يقوم بهذه الوظائف، هذه الأمور لا يقوم بها إلا أهل العلم وأهل الرأي الناضج؛ لأنها أمور ثقيلة مهمة، لا يقوم بها إلا من هو مؤهل للقيام بها، ومن المصيبة اليوم أن باب الدعوة صار بابا واسعا، كل يدخل منه، ويتسمى بالدعوة، وقد يكون جاهلا لا يحسن الدعوة، فيفسد أكثر مما يصلح، وقد يكون متحمسا يأخذ الأمور بالعجلة والطيش، فيتولد عن فعله من الشرور أكثر مما عالج وما قصد إصلاحه، بل ربما يكون ممن ينتسبون للدعوة، ولهم أغراض وأهواء يدعون إليها ويريدون تحقيقها على حساب الدعوة وتشويش أفكار الشباب باسم الدعوة والغيرة على الدين، وربما يقصد خلاف ذلك؛ كالانحراف بالشباب وتنفيرهم عن مجتمعهم وعن ولاة أمورهم وعن علمائهم، فيأتيهم بطريق النصيحة وبطريق الدعوة في الظاهر؛ كحال المنافقين في هذه الأمة، الذين يريدون للناس الشر في صورة الخير .

(23/4)


أضرب لذلك مثلا في أصحاب مسجد الضرار؛ بنوا مسجدا، في الصورة والظاهر أنه عمل صالح، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه من أجل أن يرغب الناس به ويقره، ولكن الله علم من نيات أصحابه أنهم يريدون بذلك الإضرار بالمسلمين، الإضرار بمسجد قباء، أول مسجد أسس على التقوى، ويريدون أن يفرقوا جماعة المسلمين، فبين الله لرسوله مكيدة هؤلاء، وأنزل قوله تعالى : { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } [ التوبة : 107-108 . ] .
يتبين لنا من هذه القصة العظيمة أن ما كل من تظاهر بالخير والعمل الصالح يكون صادقا فيما يفعل، فربما يقصد من وراء ذلك أمورا بعكس ما يظهر .
فالذين ينتسبون إلى الدعوة اليوم فيهم مضللون يريدون الانحراف بالشباب وصرف الناس عن الدين الحق وتفريق جماعة المسلمين والإيقاع في الفتنة، والله سبحانه وتعالى حذرنا من هؤلاء : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين } [ التوبة : 47 . ] ؛ فليس العبرة بالانتساب أو فيما يظهر، بل العبرة بالحقائق وبعواقب الأمور .

(23/5)


والأشخاص الذين ينتسبون إلى الدعوة يجب أن ينظر فيهم : أين درسوا ؟ ومن أين أخذوا العلم ؟ وأين نشؤوا ؟ وما هي عقيدتهم ؟ وتنظر أعمالهم وآثارهم في الناس، وماذا أنتجوا من الخير ؟ وماذا ترتب على أعمالهم من الإصلاح ؟ يجب أن تدرس أحوالهم قبل أن يغتر بأقوالهم ومظاهرهم، هذا أمر لا بد منه، خصوصا في هذا الزمان، الذي كثر فيه دعاة الفتنة، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم دعاة الفتنة بأنهم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا (1)، والنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الفتن؛ قال : ( دعاة على أبواب جهنم، من أطاعهم؛ قذفوه فيها ) [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 8/92-93 ) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه . ] ، سماهم دعاة !
فعلينا أن ننتبه لهذا، ولا نحشد في الدعوة كل من هب ودب، وكل من قال : أنا أدعو إلى الله، وهذه جماعة تدعو إلى الله ! لا بد من النظر في واقع الأمر، ولا بد من النظر في واقع الأفراد والجماعات؛ فإن الله سبحانه وتعالى قيد الدعوة إلى الله بالدعوة إلى سبيل الله؛ قال تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله . . . } [ يوسف : 108 . ] ؛ دل على أن هناك أناسا يدعون لغير الله، والله تعالى أخبر أن الكفار يدعون إلى النار، فقال : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [ البقرة : 221 . ] ؛ فالدعاة يجب أن ينظر في أمرهم .
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عن هذه الآية { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله } : " فيه الإخلاص؛ فإن كثيرا من الناس إنما يدعو إلى نفسه، ولا يدعو إلى الله عز وجل " (2).

(23/6)


187 ـ هل أساليب الدعوة محددة بضوابط معينة ؟
الله سبحانه في القرآن يقول : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [ النحل : 125 . ] ؛ لأن الذي يقع في المنكر : إما أن يكون جاهلا؛ فهذا يكفي فيه الدعوة بالحكمة؛ كأن يبين له الخطأ، فإذا تبين له الخطأ؛ رجع إلى الصواب .
ومن الناس من إذا بين له الخطأ؛ لا يرجع، ويكون عنده تكاسل؛ لأن هواه ينازعه، ونفسه تنازعه؛ فهذا يحتاج إلى موعظة؛ بأن يخوف بالله عز وجل، ويبين له عقوبة من استمر على المعصية بعد معرفتها .
وهناك صنف ثالث : إذا عرف الحكم؛ فإنه يجادل عن الباطل، ويجادل عما هو عليه من المنكر، ويريد تسويغ ما هو عليه من خطأ؛ فهذا يحتاج إلى الجدال، لكن يكون الجدال بالتي هي أحسن، لا يكون بعنف، ولا يكون بتعيير، ولا بتشهير، وإنما يكون بالتالي هي أحسن، وبقرع الحجة بالحجة، حتى يتضح الحق، ويزول الباطل .
وهذه الدرجات ذكرها الله سبحانه وتعالى في الآية : { بالحكمة } الدرجة الأولى، وبـ { والموعظة الحسنة } الدرجة الثانية، والجدال بالتي هي أحسن الدرجة الثالثة، وهي درجات تختلف باختلاف المدعوين .
188 ـ ما رأي فضيلتكم فيمن يهتم بأمور المسلمين المهمة؛ كالدعوة إلى الله وتربية الشباب على التمسك بالقرآن والسنة المطهرة، ولا يجد الوقت لحفظ القرآن الكريم؛ فما نصيحتكم لمثل هؤلاء ؟
يجب على الداعية أولا أن يتأهل قبل أن يباشر الدعوة؛ بأن يدرس القرآن الكريم ومعانيه وتفسيره، ويدرس السنة النبوية ما تيسر منها، ويقرأ في شروحها، ويتعلم الأحكام الشرعية .
فيجب على الداعية إلى الله أن يكون مؤهلا؛ فلا يصلح للدعوة إلا من كان معه علم .

(23/7)


قال تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } [ يوسف : 108 . ] : البصيرة هي العلم والحكمة .
وقال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل : 125 . ] ؛ فالجاهل لا يصلح للدعوة؛ لأنه ربما يسيء للدعوة، كأن يحلل حراما، أو يحرم حلالا، أو يشدد في موضوع لا يتحمل التشدد، أو غير ذلك .
فلا بد من شروط للداعية، الشرط الأساسي منها أن يكون متعلما العلم الذي يستطيع به أن يدعو الناس إلى دين الله عز وجل، وأيضا؛ ربما يعرض على الداعية شبهات تحتاج إلى جواب عنها، فإذا كان جاهلا؛ فكيف يجيب على هذه الشبهات ؟ ! كيف يجيب على اعتراضات المعترضين ؟ ! أو كيف يقاوم الملاحدة والفساق والمشبهين، فإذا لم يكن عنده علم؛ فسوف ينهزم أمامهم؛ فلا بد للداعية من العلم بالقرآن وبالسنة النبوية وبالحديث وبالفقه وبالعقيدة وغيرها من العلوم .
189 ـ الدعوة فرض كفاية؛ فهل هذا يوافق ما نحن فيه من الجهل والضلال ؟ أم أصبحت الدعوة واجبة على الجميع في هذه الأيام بسبب الجهل وانتشار الفساد ؟ الرجاء التوضيح .
ما كل يستطيع الدعوة؛ بمعنى أنه يعلم الناس أمور الدين وأمور العقيدة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر .
ما كل يستطيع هذا : إما لضعف في جسمه وشخصيته، وإما لضعف في علمه، وأنه ليس عنده من العلم ما يعرف به الحلال والحرام، والواجب والمندوب، والمكروه والمستحب، وإنما تجب الدعوة على من يستطيع القيام بها وعند مؤهلات لها .
لكن علي كل مسل مسؤولية بحسب استطاعته؛ فمثلا صاحب البيت - وإن كان عاميا - عليه الدعوة لأهل بيته؛ بأن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وينقي البيت من المنكرات، ويهيئه للأعمال الصالحة :

(23/8)


لأن الله جل وعلا يقول : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [ التحريم : 6 . ] ؛ فالإنسان مكلف بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ على أهل بيته ومن تحت يده .
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 1/130 ) من حديث عمرو بن شيب عن أبيه عن جده ] ؛ فالخطاب هذا موجه لعموم الآباء .
فليس هناك أحد من المسلمين ليس عليه مسؤولية : إما عامة، وإما خاصة، وعلى أهل العلم بالذات المسؤولية أكبر، والواجب عليهم أعظم .
190 ـ يلاحظ على كثير من الدعاة أنهم يهتمون بجانب واحد من جوانب الدعوة، وهو فضائل الأعمال، ولا يتعرضون لواقع المسلمين؛ فلم هذا الإعراض ؟ ما رأي فضيلتكم جزاكم الله خيرا .
الواجب الجمع بين الاثنين، وهو الترغيب في فضائل الأعمال، والتنبيه على الأخطاء، ولا سيما الأخطاء في العقائد .
الواجب أن يبدأ الداعية في أمر العقيدة؛ لأنها الأساس، والفضائل إنما تأتي بعد صلاح العقيدة، والداعية يبدأ بالأهم فالأهم، والرسول صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ بالعقيدة، فقام بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى العقيدة (3)، وإنما فرضت عليه شرائع الإسلام بعد الهجرة .
والحاصل من هذا أن الداعية يكون حكيما في دعوته، يضع الأمور في مواضعها، ويعالج كل مرض بحسبه، فمن كان عنده انحراف في العقيدة؛ ننبهه على الانحراف، وندله ونبصره بالطريق الصحيح، ومن كان عنده صلاح في العقيدة ولكنه عنده تفريط في الأعمال الصالحة أو وقوع في بعض الأعمال المحرمة؛ فهذا نستعمل معه الموعظة والتذكير والتخويف .

(23/9)


فالداعية يتعامل مع كل مجتمع بما فيه من المرض، ويعالجه بما يناسبه، أما الاقتصار على فضائل الأعمال أو الاقتصار على إصلاح الحكم وترك الشرك؛ فهذا ضلال وجهل مبين، والدعوة التي من هذين النوعين لا تجدي شيئا ولا تنتج نتيجة صالحة .
191 ـ ماذا تقول لمن يخرجون إلى خارج المملكة للدعوة وهم لم يطلبوا العلم أبدا؛ يحثون على ذلك، ويرددون شعارات غريبة، ويدعون أن من يخرج في سبيل الله للدعوة سيلهمه الله، ويدعون أن العلم ليس شرطا أساسيا، وأنت تعلم أن الخارج إلى خارج المملكة سيجد مذاهب وديانات وأسئلة توجه إلى الداعي؛ ألا ترى يا فضيلة الشيخ أن الخارج في سبيل الله لا بد أن يكون معه سلاح لكي يواجه الناس، وخاصة في شرق آسيا، يحاربون مجدد الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ؟ أرجو الإجابة على سؤالي كي تعم الفائدة .
الخروج في سبيل الله ليس هو الخروج الذي يعنونه الآن، الخروج في سبيل الله هو الخروج للغزو، أما ما يسمونه الآن بالخروج؛ فهذا بدعة، لم يرد عن السلف .
وخروج الإنسان يدعو إلى الله غير متقيد في أيام معينة، بل يدعو إلى الله حسب إمكانيته ومقدرته؛ بدون أن يتقيد بجماعة أو يتقيد بأربعين يوما أو أقل أو أكثر .
وكذلك مما يجب على الداعية أن يكون ذا علم، لا يجوز للإنسان أن يدعو إلى الله وهو جاهل؛ قال تعالى : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة } [ يوسف : 108 . ] ؛ أي : على علم؛ لأن الداعية لا بد أن يعرف ما يدعو إليه من واجب ومستحب ومحرم ومكروه، ويعرف ما هو الشرك والمعصية والكفر والفسوق والعصيان؛ يعرف درجات الإنكار وكيفيته .

(23/10)


والخروج الذي يشغل عن طلب العلم عمل باطل؛ لأن طلب العلم فريضة، وهو لا يحصل إلا بالتعلم، لا يحصل بالإلهام، هذا من خرافات الصوفية الضالة؛ لأن العمل بدون علم ضلال، والطمع بحصول العلم بدون تعلم وهم خاطئ .
192 ـ مما يلاحظ على الثقافة الإسلامية المعاصرة اليوم أنه يشوبها شيء من فكر بعض الفرق الضالة؛ مثل الخوارج والمعتزلة؛ فتجد في بعضها تكفير المجتمعات والأفراد، وتسويغ العنف ضد العصاة والفساق من المسلمين؛ فما توجيهكم في ذلك ؟
هذا منهج خاطئ؛ لأنه الإسلام ينهى عن العنف في الدعوة؛ يقول تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } [ النحل : 125 . ] ، ويقول لنبيه موسى وهارون عليهما السلام تجاه فرعون : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } [ طه : 44 . ] .
والعنف يقابل بالعنف، ولا يفيد إلا عكس المطلوب، وتكون آثاره على المسلمين سيئة .
فالمطلوب الدعوة بالحكمة وبالتي هي أحسن وباستعمال الرفق مع المدعوين، أما استعمال العنف مع المدعوين، والتشدد، والمهاترات؛ فهذا ليس من دين الإسلام؛ فالواجب على المسلمين أن يسيروا في الدعوة على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى حسب توجيهات القرآن الكريم .
والتكفير له ضوابط شرعية؛ فمن ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام التي ذكرها علماء أهل السنة والجماعة؛ حكم بكفره بعد إقامة الحجة عليه، ومن لم يرتكب شيئا من هذه النواقض؛ فليس بكافر .
193 ـ هل العلماء المسلمون كعلماء الطب والعلوم والأحياء وغير ذلك من العلوم مما تدلهم على زيادة الإيمان بالله وقدرته؛ فهل هؤلاء يدخلون تحت الآية : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } [ فاطر : 28 . ] . أم لا ؟

(23/11)


عالم الطب وعالم الكيمياء وعالم الاختراع . . . إذا كان معه علم من الشريعة؛ فإن هذا يزيده خيرا بلا شك، وهذا جمع بين المصلحتين : العلم الشرعي، والعلم الذي ينفع به مجتمعه .
أما إذا كان عنده العلوم الدنيوية فقط؛ فهذا لا يستفيد منها إلا المادة، ولا تفيده خشية الله عز وجل، بل ربما تفيده غفلة عن الله؛ فالعلم الدنيوي لا بد أن يوجه بالعلم الشرعي؛ ليستفاد منه، وإلا أصبح ضررا .
194 ـ ما رأي فضيلتكم فيمن يتعلم من المسلمين الطب والمخترعات الحديثة بقصد إغناء المسلمين عن الحاجة إلى الكفار والمشركين ؟
لا بأس في ذلك، ويؤجر عليه، لكن بشرط أن يكون قد تعلم من دينه ما يحتاج إليه؛ فلا بد أن يتعلم أولا أمور الدين الضرورية، التي لا يعذر أحد بتركها، ثم يتعلم بعد ذلك أمور الطب وغيرها من العلوم، أما أن يقبل على أمور الطب والعلوم الأخرى وهو يجهل أمر دينه؛ فهذا لا يجوز .
195 ـ كثيرا ما يتفق رأي من يوصفون بالعلمانية، مع رأي السلفيين في بعض الأمور ؟ مثل الموقف من بعض الجماعات التي اتخذت العنف وسيلة للإصلاح، والموقف من غلبة المصالح الشخصية في اشتعال الحروب، والموقف من تكلف بعض الشباب ؟ فما تعليقكم ؟
الواجب أن نتمسك بالمنهج الحق المستمد من الكتاب والسنة والذي كان عليه سلفنا الصالح؛ قال تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } [ التوبة : 100 . ] ، وإذا وافقنا على بعض ذلك أحد من العلمانيين أو غيرهم؛ فذلك لا يصرفنا عنه، ولا نتركه من أجلهم، وإنما يعتبر هذا شهادة من أعدائنا على صحة ما نحن عليه، وقد قيل : الحق ما شهدت به الأعداء .

(23/12)


والأعداء من قديم الزمان يعترفون بالحق في قرارة نفوسهم ويتركونه تعصبا منهم لآرائهم ومقاصدهم؛ قال الله تعالى : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } [ الأنعام : 33 . ] ، وقال تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } [ النمل : 14 . ] .

(23/13)


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
196 ـ ما هو منهجنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟
هذا كما أسلفنا؛ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان في بلد مسلم؛ فإن الأمور منضبطة ولله الحمد؛ بأن يقوم الإنسان بالمناصحة والتذكير والموعظة الحسنة، وإذا احتاج الأمر إلى تبليغ السلطة من أجل الأخذ على يد العاصي؛ فإنه يرجع إلى السلطة ويبلغها، وإذا لم يحتج إلى الرفع إلى السلطة؛ فإن المطلوب الستر على أصحاب المعاصي إذا رأى منهم تجاوبا نحو الإنكار وقبولا للدعوة وتركا لما هم عليه من الخطأ؛ فهؤلاء يستر عليهم ويكتفي بأن يغيروا هم من أنفسهم من الفساد إلى الصلاح ما أمكن، وإذا وجد أن هذا العاصي لا يستجيب ولا يقبل النصيحة؛ يرفع الأمر لولي الأمر، فإذا بلغ هذا إلى ولي أمر المسلمين؛ برئت ذمة الناصح؛ لأنه أنهى الأمر إلى منتهاه، أما إذا كانوا في غير مجتمع مسلم؛ فعليهم الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ودرء الفتنة الكبيرة التي قد تعود على المسلمين بالضرر؛ فلا يكون هناك عنف، ولا يكون هناك مجابهة تؤدي لأن تقابل بأشد منها، وإنما هو نشر للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمناصحة لمن يقبل ذلك، ومن لا يقبل؛ فإن أمره إلى الله سبحانه وتعالى .
197 ـ هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ؟ وكيف يكون ذلك ؟
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجبان على كل مسلم بحسب استطاعته؛ قال صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكرا؛ فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه . ] ؛ فلا يجوز لمسلم أن يقر المنكر ويرضى به، ومن أنكر بحسب استطاعته؛ فقد برئ .

(24/1)


198 ـ يلاحظ على بعض المشتغلين في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أنهم يخرجون عن القاعدة القرآنية التي تقول : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } الآية [ النحل : 125 . ] ما تعليق فضيلتكم على ذلك ؟
الذين يشتغلون في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خيرة رجال الأمة، وقد أسند إليهم هذا الأمر عن اقتناع المسؤولين بصلاحيتهم، وما يقال عنهم من تجاوزات ليس بصحيح في الغالب، وإنما يقصد به التشويه وإلقاء العراقيل في طريقهم؛ فلا يجوز أن نصغي إليه ونصدقه، وإن صح منه شيء بحكم أنهم بشر؛ فلا يجوز أن نتخذه سبيلا لانتقاصهم؛ فهم كما يقول الشاعر :
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ** كفر المرء نبلا أن تعد معايبه
أو كما قال الآخر :
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
فالواجب علينا أن نتعاون معهم، وأن نشجعهم ونناصرهم؛ عملا بقوله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب } [ المائدة : 2 . ] ؛ فهم الذين ينهون عن الفساد في الأرض .
لماذا نتغاضى عن المفسدين ونلتمس عيوب المصلحين ؟ !
199 ـ إنكار المنكر . . . كيف نحققه بما يخدم المصلحة العامة ؟

(24/2)


يمكن تحقيق إنكار المنكر للمصلحة إذا كان متمشيا على ما توجبه الشريعة الإسلامية؛ بأن يكون الإنكار عن علم ويكون بحكمة ورفق وصبر على الأذى، وأن يكون على المنهج الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه ) ؛ فمن بيده سلطة يزيل بيده، ومن عنده علم وليس عنده سلطة ينكره بلسانه، ومن ليس عنده علم ولا سلطة ينكره بقلبه، ومن لم ينكر على هذا الترتيب الوارد في الحديث؛ فليس في قلبه إيمان؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69، 70 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . ] .
200 ـ ما أهمية تغيير المنكر في الإسلام ؟ وما الرد على الذين يقصرون في ذلك ؟
تغيير المنكر واجب عظيم في الإسلام وفي جميع الأديان السماوية، فقد عاب الله على اليهود وعلى النصارى، ولعنهم لما تركوا هذا الواجب :
فقال تعالى : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } [ المائدة : 78، 79 . ] .
وقال تعالى : { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } [ المائدة : 63 . ] .
وقال تعالى : { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم } [ هود : 116 . ] .

(24/3)


وقال الله تعالى لهذه الأمة : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } [ آل عمران : 104 . ] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكرا؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . ] .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغييره حسب الاستطاعة واجب مهم في الإسلام، والذين يقصرون في ذلك قد عرضوا أنفسهم وعرضوا مجتمعهم للعقوبة والهلاك؛ فإن الله سبحانه إنما أهلك الأمم السابقة بسبب تركها لتغيير المنكر؛ قال تعالى : { فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون } [ الأعراف : 165 . ] .
201 ـ ما هو المنكر الذي ينبغي تغييره ؟
المنكر الذي يجب تغييره هو كل ما نهى الله عنه من المعاصي القولية والفعلية، وأعظم ذلك الشرك بالله عز وجل؛ قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 . ] ، ثم الزنى واللواط وشرب المسكرات وتعاطي المخدرات وأكل الربا والتبرج والسفور وترك الصلاة والتكاسل عنها واستماع الأغاني الماجنة والنظر في الأفلام الخليعة والصور الفاتنة . . . إلى غير ذلك من المنكرات التي كثرت في بلاد المسلمين، فلا بد من المبادرة بالعمل على تغييرها وإزالتها من بلاد المسلمين .
202 ـ ما مراتب تغيير المنكر ودرجاته ؟

(24/4)


مراتب تغيير المنكر قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . ] ، هذه مراتب تغيير المنكر ودرجاته، وكل مسلم يجب أن يقوم بما يستطيعه منها، ولا يجوز له أن لا ينكر المنكر، ولا يجوز له أن ينتقل إلى مرتبة وهو يستطيع القيام بالمرتبة التي قبلها؛ فلا يجوز لمن يقدر على تغيير المنكر باليد أن يقتصر على إنكاره باللسان، ولا يجوز لمن يستطيع الإنكار باللسان أن يقتصر على إنكاره بالقلب .
203 ـ من المسؤول عن تغيير المنكر ؟ وكيف يمكن ضبط هذه المسؤولية ؟
إنكار المنكر بالقلب مسؤول عنه كل مسلم، ومن لم ينكر المنكر بقلبه؛ فليس بمسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( فمن لم يستطع؛ فبقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/69، 70 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . ] ، أما إنكاره باليد أو باللسان؛ فإنما يجب على من يقدر على ذلك من الولاة والعلماء وغيرهم من المسلمين إذا لم يترتب على ذلك حصول منكر أشد، أما الإنكار بالقلب؛ فلا يعجز عنه أحد ولا يعذر فيه أحد .

(24/5)


ويمكن ضبط هذه المسؤولية العظيمة بأن يوكل القيام بها لمن فيه الكفاءة من أهل العلم والدين والغيرة؛ بأن يكون في الدولة جهاز خاص من العلماء وأهل القوة والغيرة، ويعطون الصلاحيات الكافية والإمكانيات المناسبة؛ كما هو موجود في هذه المملكة من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي نرجو من الله أن يعينها على القيام بواجبها، وأن يوفق ولاة الأمور لمساعدتها ومساندتها، وإنها لميزة عظيمة لحكومتنا الرشيدة وفقها الله؛ حيث كونت هذا الجهاز الهام، ومنحته الإمكانيات اللازمة حتى يقوم بواجبه؛ فإن هذا من أعظم أسباب النصر والتمكين في الأرض وحصول الأمن والاستقرار .
قال الله تعالى : { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } [ الحج : 40، 41 . ] .
كما حصر الله الفلاح على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } [ آل عمران : 104 . ] ؛ فإذا قامت جهة خاصة بهذا الأمر كما ينبغي؛ انضبط خير انضباط وحصل المقصود .
204 ـ ما الممارسات الخاطئة في تغيير المنكر ؟ وكيف يمكن علاجها ؟
الممارسات الخاطئة في تغيير المنكر تتلخص فيما يلي :

(24/6)


1ـ أن يقوم بتغيير المنكر من لا علم عنده بما يحل ويحرم وما هو منكر وما ليس بمنكر؛ فإن هذا يفسد أكثر مما يصلح، وقد يحرم حلالا ويحل حراما . ولا يستطيع دفع الشبهات التي توجه إليه؛ فلا بد أن يكون القائم بذلك عالما بما يأمر عالما بما ينهى عنه، يستطيع المجادلة بالتي هي أحسن ودفع الشبهات التي توجه إليه من أصحاب الشهوات والمغالطات .
2ـ أو يقوم بتغيير المنكر من ليس عنده حكمة ووضع للأمور في مواضعها وترتيب للأولويات؛ فقد يقوم بإنكار منكر صغير وهناك ما هو أكبر منه وأولى بالبداءة بتغييره، أو يقوم بإنكار منكر يخلفه منكر أعظم منه؛ فلا بد من الحكمة في ذلك .
3ـ أو يقوم بتغيير المنكر بطريق العنف والشدة، ثم تقابل بمثل ذلك أو أشد؛ فلا يحصل المقصود، فلا بد أن يكون الآمر الناهي رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه .
4ـ أو يقوم بإنكار المنكر وتغييره من ليس عنده صبر وتحمل فينقطع في أول الطريق ويترك التغيير لأنه أصيب باليأس، ولا بد في الآمر الناهي من الصبر والتحمل، قال تعالى : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } [ العصر : 3 . ] ، وقال تعالى عن لقمان : { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } [ لقمان : 17 . ] .
5ـ أو يقوم بذلك من لا يتقيد بدرجات الإنكار التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم فربما ينزل إلى درجة وهو يستطيع التي قبلها، أو يصعد إلى درجة وهو ليس من أهلها .

(24/7)


6ـ قد يكون من بعض الآمرين بالمعروف تسرع في بعض الأمور المهمة؛ بأن تكون له مبادرات لا يرجع فيها إلى أهل العلم والرأي والمشهورة الذين يقومون بدراسة الأمور ويعلمون تجاه كل شيء ما يناسبه، إن ارتكاب هذه الأخطاء أو بعضها تعوق مسيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تحدث أمورا عكسية، وقد يحصل منها نتائج غير كافية، فمثلا الذي يقوم بإنكار المنكر الخفيف ويترك المنكر الذي هو أعظم منه لا ينتج عمله كبير فائدة؛ فالذي يترك إنكار الشرك والبدع وينكر أكل الربا والسفور وغير ذلك من الأمور التي يوجد ما هو أعظم منها يكون قد بدأ من آخر الطريق وعالج جسما مقطوع الرأس وخالف منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فقد كانوا يبدؤون بإنكار الأهم فالمهم، كانوا يبدؤون بإنكار الشرك وعبادة غير الله، فإذا صححوا العقيدة أولا؛ التفتوا إلى إنكار المعاصي الأخرى .
خذ هذا مثلا في منهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد بقي في مكة ينكر الشرك ويدعو إلى التوحيد ثلاث عشرة سنة قبل أن ينكر الربا والزنى وشرب الخمر ويأمر بالصلاة والزكاة .
قد يقول قائل : هذا كان في مجتمع المشركين؛ أما نحن؛ ففي مجتمع مسلم عنده بعض المخالفات . فنقول : إن ما كان موجودا عند المشركين في الجاهلية يوجد اليوم في غالب بلاد المسلمين ما هو مثله أو أعظم منه من الشرك بالله المتمثل في عبادة الأضرحة والطرق الصوفية والبدع في الدين؛ فالواجب على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في تلك البلاد أن يهتموا بذلك وأن يبدؤوا بإنكاره بجد وعزيمة حتى تطهر البلاد منه ثم يواصلوا مسيرتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بقية المخالفات .

(24/8)


السلفية
205 ـ هناك من يرى أن من يسير على مذهب السلف لديه سطحية في فهم أمور العقيدة، معللين ذلك بأن مذهب السلف لا يسبر غور النصوص، ولا يتفاعل معها، ويرون أن طريقة غيرهم أكثر فهما للنصوص في مسائل العقائد؛ فما رأيكم في مثل هذا الكلام ؟
القول بأن مذهب السلف فيه سطحية لأنه - في نظر القائل - لا يسبر غور النصوص، وأن مذهب الخلف أكثر فهما للنصوص في مسائل العقيدة وأوسع ! هذا القول يقوله علماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم؛ حيث قالوا : طريقة السلف أسلم، وطريق الخلف أعلم وأحكم ! وهذا القول مبني على فهم فاسد لمذهب السلف ومذهب الخلف؛ حيث ظنوا أن مذهب السلف لا فهم فيه، وإنما هو تفويض نصوص الصفات دون فهم لمعانيها، وأن الخلف فهموا وعرفوا أن هذه النصوص على غير ظاهرها، فأولوها إلى معان أخرى؛ كتفسير الوجه بالذات، واليد بالقدرة، والاستواء على العرش بالاستيلاء . . . وغير ذلك .
وهذا الفهم لمذهب السلف مذهب باطل، وفيه تجهيل للصحابة والتابعين والقرون المفضلة، واتهام لهم بأنهم لا يفهمون هذه النصوص، وهذا خلاف الواقع؛ فإن السلف لم يكن مذهبهم التفويض، وإنما مذهبهم الإيمان بهذه النصوص كما جاءت، وإثبات معانيها التي تدل عليها على حقيقتها ووضعها اللغوي، مع نفي التشبيه عنها؛ كما قال تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [ الشورى : 11 . ] ؛ فطريقتهم أعلم وأسلم وأحكم؛ لأن الأسلم لا بد أن يكون أعلم وأحكم .
فقول الخلف : طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم ! قول متناقض؛ إذ كيف تكون السلامة بدون العلم والحكمة ؟ !

(25/1)


ثم أيضا؛ كيف يكون المتأخرون أعلم من السابقين الأولين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وأتباع التابعين، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، فقال : ( خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 3/151 ) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه . ] ؟ !
206 ـ يتردد على ألسنة بعض الناس أن فلانا هذا سلفي، وفلانا غير سلفي؛ فما المقصود بالمذهب السلفي ؟ ومن أبرز من دعا إليه من علماء المسلمين ؟ وهل يمكن تسميتهم بأهل السنة والجماعة أو الفرقة الناجية ؟ ثم ألا يعتبر هذا من باب التزكية للنفس ؟
المقصود بالمذهب السلفي هو ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المعتبرين من الاعتقاد الصحيح والمنهج السليم والإيمان الصادق والتمسك بالإسلام عقيدة وشريعة وأدبا وسلوكا؛ خلاف ما عليه المبتدعة والمنحرفون والمخرفون .
ومن أبرز من دعا إلى مذهب السلف الأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلاميذه، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتلاميذه، وغيرهم من كل مصلح ومجدد، حيث لا يخلو زمان من قائم لله بحجة .
ولا بأس من تسميتهم بأهل السنة والجماعة؛ فرقا بينهم وبين أصحاب المذاهب المنحرفة .
وليس هذا تزكية للنفس، وإنما هو من التمييز بين أهل الحق وأهل الباطل .
207 ـ ما هي الضوابط الشرعية التي يحافظ بها المسلم على التزامه وتمسكه بمنهج السلف الصالح وعدم الانحراف عنه والتأثر بالمناهج الدخيلة المنحرفة ؟
الضوابط الشرعية تفهم من مجموع ما سبق الكلام فيه، وذلك بأن :
1ـ يرجع الإنسان إلى أهل العلم وأهل البصيرة يتعلم منهم ويستشيرهم في ما يجول في فكره من أمور؛ ليستصدر رأيهم في ذلك .

(25/2)


2ـ التروي في الأمور، وعدم العجلة، وعدم التسرع في الحكم على الناس، بل عليه أن يتثبت؛ قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } [ الحجرات : 6 . ] ، وقال سبحانه وتعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا } [ النساء : 94 . ] ؛ تبينوا؛ أي : تثبتوا مما بلغكم .
3ـ ثم إذا ثبت؛ فعليكم بمعالجته بالطرق الكفيلة بالإصلاح؛ لا بالطرق المعنفة أو بالطرق المشوشة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بشروا ولا تنفروا ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 1/25 ) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه . ] ، وقال : ( إنما بعثتم مبشرين لا منفرين ) ، وقال صلى الله عليه وسلم لبعض فضلاء أصحابه : ( إن منكم لمنفرين؛ فمن أم الناس، فليخفف؛ فإن وراءه الضعيف وذا الحاجة ) [ رواه الإمام البخاري ( 1/31 ) بلفظ : ( إنكم منفرون، فمن صلى بالناس . . . ) من حديث أبي مسعود الأنصاري . ] .
وعلى كل حال؛ فالأمور تعالج بحكمة وروية، ولا يصلح لكل أحد أن يتدخل في مجال لا يحسن التصرف فيه .

(25/3)


4ـ وكذلك من الضوابط أن يتزود الإنسان من العلم النافع بمجالسة أهل العلم والاستماع لآرائهم، وكذلك بقراءة كتب السلف الصالح وسير المصلحين من سلف هذه الأمة وعلمائها، وكيف كانوا يعالجون الأمور، وكيف كانوا يعظون الناس، وكيف كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وكيف كانوا يحكمون على الأشياء، وهذا مدون في سيرهم وفي تراجمهم وفي أخبارهم وفي قصص الماضين من أهل الخير وأهل الصلاح وأهل الصدق؛ { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } [ يوسف : 111 . ] ؛ فالإنسان فرد من هذه الأمة، والأمة هي مجموع المسلمين من أول ظهور الإسلام إلى قيام الساعة، هذا هو مجموع الأمة، والمسلم يراجع سير السلف الصالح، وأخبارهم، وكيف كانوا يعالجون الأمور، وهديهم في ذلك، حتى يسير على نهجهم، ولا ينظر إلى أقوال المتسرعين وأخبار الجهلة الذين يحمسون الناس على غير بصيرة .
كثير من الكتيبات اليوم أو المحاضرات أو المقالات تصدر عن جهلاء بأمور الشرع؛ يحمسون الناس، ويأمرون الناس بما لم يأمرهم الله به ولا رسوله، ولو كان هذا صادرا عن حسن قصد وحسن نية؛ فالعبرة ليست بالقصد والنية، العبرة بالصواب، والحق هو ما وافق الكتاب والسنة بفهم السلف، أما الناس - ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم -؛ فإنهم يخطئون ويصيبون، فيقبل الصواب، ويترك الخطأ .
208 ـ يزعم بعض الناس أن منهج أهل السنة والجماعة لم يعد مناسبا لهذا العصر، مستدلين بأن الضوابط الشرعية التي يراها أهل السنة والجماعة لا يمكن أن تتحقق اليوم .
الذي يرى أن منهج السلف الصالح لم يعد صالحا لهذا الزمان؛ هذا يعتبر ضالا مضلا؛ لأن منهج السلف الصالح هو المنهج الذي أمرنا الله باتباعه حتى تقوم الساعة :

(25/4)


يقول صلى الله عليه وسلم : ( فإنه من يعش منكم؛ فسوف يرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 4/126، 127 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/200 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 7/319، 320 ) ؛ كلهم من حديث العرباض بن ساري رضي الله عنه . ] ، وهذا خطاب للأمة إلى أن تقوم الساعة، وهذا يدل على أنه لا بد من السير على منهج السلف، وأن منهج السلف صالح لكل زمان ومكان .
والله سبحانه وتعالى يقول : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } [ التوبة : 100 . ] : { اتبعوهم بإحسان } : يشمل الأمة إلى أن تقوم الساعة؛ فالواجب عليها أن تتابع منهج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والإمام مالك بن أنس يقول : " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها " .
فالذي يريد أن يعزل الأمة عن ما فيها، ويعزل الأمة عن السلف الصالح؛ يريد الشر بالمسلمين، ويريد تغيير هذا الإسلام، ويريد إحداث البدع والمخالفات؛ هذا يجب رفضه ويجب قطع حجته والتحذير من شره؛ لأنه لا بد من التمسك بمنهج السلف والاقتداء بالسلف، ولا بد من السير على منهج السلف، وذلك في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا .
فالذي يريد قطع خلف الأمة عن سلفها مفسد في الأرض، يجب أن يرفض قوله، وأن يرد قوله، وأن يحذر منه، والذين عرف عنهم هذا القول السيئ هم الشيعة ومن وافقهم من المضللين؛ فلا عبرة بهم .

(25/5)


الجماعات
209 ـ يزعم بعض الناس أن السلفية تعتبر جماعة من الجماعات العاملة على الساحة، وحكمها حكم باقي الجماعات؛ فما هو تفنيدكم لهذا الزعم ؟
ذكرنا أن الجماعة السلفية هي الجماعة الأصيلة، التي على الحق، وهي التي يجب الانتماء إليها والعمل معها والانتساب إليها، وما عداها من الجماعات يجب ألا تعتبر من جماعات الدعوة؛ لأنها مخالفة، وكيف نتبع فرقة مخالفة لجماعة أهل السنة وهدي السلف الصالح ؟ !
فالقول : إن الجماعة السلفية واحدة من الجماعات الإسلامية ! هذا غلط، فالجماعة السلفية هي الجماعة الوحيدة التي يجب اتباعها والسير على منهجها والانضمام إليها والجهاد معها، وما عداها؛ فإنه لا يجوز للمسلم الانضمام إليه؛ لأنه من الفرق الضالة، وهل يرضى الإنسان أن ينضم إلى الفرق الضالة ؟ ! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 4/126، 127 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/200 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 7/319، 320 ) ؛ كلهم من حديث العرباض بن ساري رضي الله عنه . ] ، وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية ؟ فقال : ( ما أنا عليه وأصحابي ) [ رواه الترمذي في سننه ( 7/296، 297 ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . وابن ماجه ( 2/1322 ) بنحوه من حديث عوق بن مالك وأنس بن مالك .
وانظر مسند الإمام أحمد ( 2/332 ) وسنن أبي داود ( 4/197 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وليس فيه ذكر ( كلها في النار إلا واحدة، قيل . . . ) . ] ؛ هل يريد الإنسان النجاة ويسلك غير طريقها ؟
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ** إن السفينة لا تجري على اليبس (1)

(26/1)


210 ـ ما وجه صحة نسبة الجماعات الموجودة اليوم إلى الإسلام، أو وصفهم بالإسلامية، وصحة إطلاقة لفظ الجماعات عليهم، وإنما جماعة المسلمين واحدة؛ كما في حديث حذيفة رضي الله عنه ؟
الجماعات فرق توجد في كل زمان، وليس هذا بغريب؛ قال صلى الله عليه وسلم : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة؛ كلهم في النار؛ إلا واحدة ) (2)؛ فوجود الجماعات ووجود الفرق هذا أمر معروف، وأخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : ( من يعش منكم؛ فسيرى اختلافا كثيرا ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 4/126، 127 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/200 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 7/319، 320 ) ، كلهم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه . ] .
ولكن الجماعة التي يجب السير معها والاقتداء بها والانضمام إليها هي جماعة أهل السنة والجماعة؛ الفرقة الناجية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بين هذه الفرق؛ قال : ( كلها في النار؛ إلا واحدة ) . قالوا : من هي ؟ قال : ( ما أنا عليه وأصحابي ) (3).
هذا هو الضابط؛ فالجماعات إنما يجب الاعتبار بمن كان منها على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من السلف الصالح، والله تعالى يقول : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } [ التوبة : 100 . ] .

(26/2)


هؤلاء هم الجماعة؛ جماعة واحدة، ليس فيها تعدد ولا انقسام، من أول الأمة إلى آخرها، هم جماعة واحدة، { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } [ الحشر : 10 . ] .
هذه هي الجماعة الممتدة من وقت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة وهم أهل السنة والجماعة، وأما ما خالفهم من الجماعات؛ فإنها لا اعتبار بها، وإن تسمت بالإسلامية، وإن تسمت جماعة الدعوة أو غير ذلك؛ فكل ما خالف الجماعة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنها من الفرق المخالفة المتفرقة التي لا يجوز لنا أن ننتمي إليها أو ننتسب إليها؛ فليس عندنا انتماء إلا لأهل السنة والتوحيد، { اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم } [ الفاتحة : 6، 7 . ] ، والذين أنعم الله عليهم بينهم في قوله : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } [ النساء : 69 . ] .

(26/3)


فالجماعة التي اتخذت منهجها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعملت بقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 4/126، 127 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/200 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 7/319، 310 ) ؛ كلهم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه . ] ؛ هؤلاء هم الجماعة المعتبرة، وما عداها من الجماعات؛ فإنه لا اعتبار بها، بل هي جماعة مخالفة، وتختلف في بعدها عن الحق وقربها من الحق، ولكن كلها تحت الوعيد، كلها في النار؛ إلا واحدة، نسأل الله العافية .
211 ـ يدعي البعض أن قيام هذه الجماعات لازم للقيام بالدعوة إلى الله، خصوصا في المجتمعات التي لا تكون شوكة الدين فيها ظاهرة ؟
الدعوة إلى الله مطلوبة وواجبة؛ قال سبحانه وتعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل : 125 . ] ، ولكن ليس من منهج الدعوة أن يتفرق المسلمون وأن تكون كل طائفة منهم تزعم لنفسها أنها على حق وأن غيرها ليس على حق؛ كما هو الواقع في هذه الجماعات اليوم .

(26/4)


فالواجب على المسلم الذي عنده علم وقدرة أن يدعو إلى الله على بصيرة، ويتعاون مع الآخرين، من غير أن تكون كل جماعة لها منهج مختص بها يخالف الجماعة الأخرى، بل الواجب أن يكون المنهج واحدا عند المسلمين، وأن يتعاونوا جميعا، وأن يتشاوروا فيما بينهم، ولا حاجة إلى إيجاد جماعات ومناهج متفرقة ومتشتتة؛ لأن هذا يقضي على وحدة المسلمين وعلى كلمة المسلمين، ويسبب النزاع والخصام بين الناس؛ كما هو الواقع اليوم بين تلك الجماعات على الساحة في البلاد الإسلامية وغيرها؛ فليس من ضروريات الدعوة تكوين جماعة، إنما من ضروريات الدعوة أن من عنده علم وعنده حكمة وعنده معرفة أن يدعو إلى الله عز وجل، ولو كان واحدا .
212 ـ ما حكم من ينتمي إلى تلك الجماعات، خصوصا تلك التي تقوم على السرية والبيعة ؟
النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بحصول التفرق، وأمرنا عند ذلك بالاجتماع، وأن نكون على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
قال صلى الله عليه وسلم : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار؛ إلا واحدة ) . قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : ( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) [ رواه الترمذي في " سننه " ( 7/297 ) من حديث عبد الله بن عمرو، وقد رواه غير الترمذي بألفاظ قريبة من هذا، وفي بعضها نقص، كابن ماجه وغيره . ] .

(26/5)


وقال صلى الله عليه وسلم لما طلب منه أصحابه الوصية؛ قال : ( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم؛ فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي؛ تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 4/126-127 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/200 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 7/319-320 ) ؛ كلهم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه . ] .
وهذا منهج يجب أن يسير عليه المسلمون إلى يوم القيامة، وهو أنه عند وجود الاختلاف؛ فإنهم يرجعون إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة في المنهج والدين والبيعة وغير ذلك .
213 ـ مما يتساهل به الناس قضية البيعة؛ فهناك من يرى جواز أخذ البيعة لجماعة من الجماعات مع وجود بيعة أخرى، وقد لا يكون المبايع في هذه الجماعات معروفا بدواعي السرية؛ ما حكم هذا ؟ ثم هل يختلف الحكم في بلاد الكفار أو تلك التي لا تحكم بما أنزل الله ؟
البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين، وهذه البيعات المتعددة مبتدعة، وهي من إفرازات الاختلاف، والواجب على المسلمين الذين هم في بلد واحد وفي مملكة واحدة أن تكون بيعتهم واحدة لإمام واحد، ولا يجوز المبايعات المتعددة، وإنما هذا من إفرازات تجوز المبايعات من اختلافات هذا العصر، ومن الجهل بالدين .

(26/6)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية