صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين

فأجاب فضيلته بقوله: إذا مات الإنسان وعليه صيام فإنه يصوم عنه وليه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». قال أهل العلم: وليه وارثه، فمثلا إذا كان رجل قد أفطر في رمضان لسفر أو لمرض ثم عافاه الله من المرض ولم يصم القضاء الذي عليه ثم مات، فإن وليه يصوم عنه، سواء كان ابنه، أو أباه، أو أمه، أو ابنته، المهم أن يكون من الورثة، وإن تبرع أحد غير الورثة فلا حرج أيضا، وإن لم يقم أحد بالصيام عنه فإنه يطعم من تركته لكل يوم مسكينا.
وأما الصلاة فإنه إذا مات أحد وعليه صلاة فإنها لا تصلى عنه، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح قياس الصلاة على الصوم، لأن الشارع فرق بينهما في مسائل كثيرة، فلما جاء الفرق بينهما في مسائل كثيرة لم يمكن قياس أحدهما على الا?خر، لكن إذا مات الإنسان وعليه صلاة لم يقضها فإنه يدعى له بالمغفرة والرحمة والعفو عن تفريطه وإهماله. والله الموفق.
* * *
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من ... إلى جناب الوالد المكرم الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله بطاعته آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
على الدوام دمت محروسا آمين، أما بعد: أمتعني الله في حياتك رجل في عام 0931هـ مرض وأدخل المستشفى وجاءه شهر رمضان وهو في المستشفى ولا يستطيع الصوم، وخرج من المستشفى ومشى في صحة وعليه صوم رمضان أي عام 0931هـ فلما جاء شعبان هذه السنة عام 1931هـ مرض وفي رمضان عام 1931هـ أغمي عليه ولم يفق وتوفي في شهر شوال من هذه السنة عام 1931هـ فما حكم الصورة الأولى والصورة الثانية؟ أفتني أثابك الله الجنة بمنه وكرمه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
من أخيك محمد الصالح العثيمين إلى المكرم...حفظه الله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته، نرجو الله لكم دوام التوفيق لما يحب ويرضى، وإليكم جواب السؤالين:

(17/291)


ج 1: صيام رمضان عام 0931هـ واجب في ذمة الميت، فإن أحب وليه وهو قريبه أن يصوم عنه فليصم عنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه، فإن عمومه يشمل صيام الفرض والنذر، ومن خصه بالنذر فلا دليل له، فإن أكثر الصيام الواجب هو الصيام المفروض، والنذر قليل فكيف يحمل الحديث على القليل، وتلغى دلالته على ما هو أكثر وقوعا. وإن لم يصم عنه وليه فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكينا من البر، أو الرز، أو غيره، والصاع من البر يكفي لخمسة فقراء عن خمسة أيام.
ج 2: وأما رمضان عام 1931هـ فما دام أنه لا يشعر فقد قال بعض العلماء: لا صيام عليه، وقيل: بل يلزمه الصيام إذا برىء، وهذا أحوط، فإن كان الرجل المذكور يرجى شفاؤه من مرضه أيام الشهر فلا شيء عليه، لأن فرضه قضاء الصيام ولم يتمكن منه، وإن كان لا يرجى برؤه ففرضه الإطعام بدلا عن الصيام، فأطعموا عنه عن كل يوم مسكينا، والصاع لخمسة أيام إذا كان من البر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في 81/11/1931هـ.
473 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: لي قريب صدم شابا فمات هذا الشاب، ولكن القريب تهاون في صيام الشهرين حتى مات، وقد تطوعت أخته فصامت عنه الشهرين، لكن بقي منهما يومان وقد دخل شهر رمضان، فكيف تصوم هذين اليومين؟
فأجاب فضيلته بقوله: أقول: لا حرج عليها إن شاءالله إذا دخل رمضان وبقي عليها يومان تصومهما بعد رمضان في اليوم الثاني واليوم الثالث من شهر شوال.
* * *

(17/292)


مجموع فتاوى ورسائل العثيمين - المجلد الثامن عشر

مقدمة كتاب الزكاة
محمد بن صالح العثيمين

1 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ما المقصود بالزكاة في اللغة والشرع؟ وما العلاقة بين المفهومين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الزكاة في اللغة الزيادة والنماء، فكل شيء زاد عددا، أو نما حجما فإنه يقال له: زكاة، فيقال: زكى الزرع إذا نما وطاب، وأما في الشرع فهي: التعبد لله تعالى بإخراج جزء واجب شرعا في مال معين لطائفة أو جهة مخصوصة.

(18/1)


والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن الزكاة وإن كان ظاهرها نقص كمية المال، لكن آثارها زيادة المال بركة وكمية، فإن الإنسان قد يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يخطر بباله، إذا قام بما أوجب الله عليه في ماله. قال تعالى: {ومآ ءاتيتم من ربا ليربوا فى أموال الناس فلا يربوا عند الله ومآ ءاتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولائك هم المضعفون }. وقال تعالى: {ومآ أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } {يخلفه} أي: يأتي بخلفه وبدله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال»، وهذا أمر مشاهد فإن الموفقين لأداء ما يجب عليهم في أموالهم يجدون بركة فيما ينفقونه، وبركة في ما بقي عندهم، وربما يفتح الله لهم أبواب رزق يشاهدونها رأي العين بسبب إنفاقهم أموالهم في سبيل الله، ولهذا كانت الزكاة في الشرع ملاقية للزكاة في اللغة من حيث النماء والزيادة، ثم إن في الزكاة أيضا زيادة أخرى وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، فإن الزكاة من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تزيد من إيمان الرجل؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة من الإيمان، وأن الإيمان يزداد بزيادتها، وينقص بنقصها، وهي أيضا تزيد الإنسان في خلقه فإنها بذل وعطاء، والبذل والعطاء يدل على الكرم والسخاء، والكرم والسخاء لا شك أنه خلق فاضل كريم، بل إن له آثارا بالغة في انشراح القلب، وانشراح الصدر، ونور القلب وراحته، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليجرب الإنفاق، يجد الا?ثار الحميدة التي تحصل له بهذا الإنفاق، ولاسيما فيما إذا كان الإنفاق واجبا مؤكدا كالزكاة، فالزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي التي تأتي كثيرا مقرونة بالصلاة التي هي عمود الإسلام، وهي في الحقيقة محك تبين كون الإنسان محبا لما عند الله عز

(18/2)


وجل؛ لأن المال محبوب عند النفوس، وبذل المحبوب لا يمكن إلا من أجل محبوب يؤمن به الإنسان وبحصوله، ويكون هذا المحبوب أيضا أحب مما بذله، ومصالح الزكاة وزيادة الإيمان بها وزيادة الأعمال وغير ذلك أمر معلوم يحصل بالتأمل فيه أكثر ما ذكرنا الا?ن.
* * *
2 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ما آثار الزكاة التي تنعكس على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي؟
فأجاب فضيلته بقوله: آثار الزكاة على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي ظاهرة أيضا، فإن فيها من مواساة الفقراء والقيام بمصالح العامة ما هو معلوم ظاهر من مصارف هذه الزكاة، فإن الله سبحانه وتعالى قال في مصارف هذه الزكاة: {إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } وهؤلاء الأصناف الثمانية منهم من يأخذها لدفع حاجته، ومنهم من يأخذها لحاجة المسلمين إليه، فالفقراء والمساكين والغارمون لأنفسهم، وابن السبيل والرقاب، هؤلاء يأخذون لحاجتهم، ومنهم من يأخذ لحاجة الناس إليه: كالغارم لإصلاح ذات البين، والعاملين عليها والمجاهدين في سبيل الله، فإذا عرفنا أن توزيع الزكاة على هذه الأصناف يحصل بها دفع الحاجة الخاصة لمن أعطيها، ويحصل بها دفع الحاجة العامة عن المسلمين ـ عرفنا مدى نفعها للمجتمع ـ وفي الاقتصاد تتوزع الثروات بين الأغنياء والفقراء، حيث يؤخذ من أموال الأغنياء هذا القدر ليصرف للفقراء، ففيها توزيع للثروة حتى لا يحصل التضخم من جانب، والبؤس والفقر من جانب آخر، وفيها أيضا من صلاح المجتمع ائتلاف القلوب، فإن الفقراء إذا رأوا من الأغنياء أنهم يمدونهم بالمال ويتصدقون عليهم بهذه الزكاة التي لا يجدون فيها منة عليهم، لأنها مفروضة عليهم من قبل الله، فإنهم بلا شك يحبون

(18/3)


الأغنياء ويألفونهم، ويرجون ما أمرهم الله به من الإنفاق والبذل، بخلاف إذا ما شح الأغنياء بالزكاة، وبخلوا بها، واستأثروا بالمال، فإن ذلك قد يولد العداوة والضغينة في قلوب الفقراء، ويشير إلى هذا ختم الا?ية الكريمة التي بها بيان لمصالح الزكاة، يقول الله تعالى: {فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما }.
* * *
3 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ما حكم الزكاة في الإسلام؟ ومتى فرضت؟

(18/4)


فأجاب فضيلته بقوله: الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام» وهي فرض بإجماع المسلمين، فمن أنكر وجوبها فقد كفر، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو ناشىء في بادية بعيدة عن العلم وأهله فيعذر، ولكنه يعلم، وإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتدا، وأما من منعها بخلا وتهاونا ففيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يكفر، وهو إحدى روايتين عن الإمام أحمد، ومنهم من قال: إنه لا يكفر، وهذا هو الصحيح، ولكنه قد أتى كبيرة عظيمة، والدليل على أنه لا يكفر حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة، ثم قال: «حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار». وإذا كان يمكن أن يرى له سبيلا إلى الجنة فإنه ليس بكافر؛ لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلا له إلى الجنة، ولكن على مانعها بخلا وتهاونا من الإثم العظيم ما ذكره الله تعالى في قوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ءاتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير }. وفي قوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هاذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون}. فعلى المرء المسلم أن يشكر الله على نعمته

(18/5)


بالمال، وأن يؤدي زكاته حتى يزيد الله له في ماله بركة ونماء.
وأما قول السائل: متى فرضت الزكاة؟
فجوابه: أن الزكاة فرضت في أصح أقوال أهل العلم بمكة، ولكن تقدير الأنصبة والأموال الزكوية وأهل الزكاة كان بالمدينة.
* * *
4 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: يقول الله تعالى: {وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة} فما المراد بالزكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: قوله تعالى: {الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالأخرة هم كافرون } يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يراد بالزكاة زكاة النفس وهو تطهيرها من الشرك، لقوله تعالى: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} فيكون قوله: {الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالأخرة هم كافرون } تفسيرا لقوله: «للمشركين» بمعنى الذين لا يؤتون أنفسهم زكاتها بالتخلي عن الشرك ووسائله.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالزكاة زكاة المال، ويكون تركهم للزكاة وتركهم البذل من أوصافهم، وإن كان هذا ليس بزكاة لأنه بالنسبة لهم لا يقبل منهم زكاة ولا غيرها ماداموا على شركهم.
* * *
5 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن شروط وجوب الزكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: شروط وجوب الزكاة: الإسلام والحرية، وملك النصاب، واستقراره، ومضي الحول إلا في المعشرات.
فأما الإسلام فإن الكافر لا تجب عليه الزكاة، ولا تقبل منه لو دفعها باسم الزكاة، لقوله تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا? أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون }.

(18/6)


ولكن ليس معنى قولنا: إنها لا تجب على الكافر ولا تصح منه أنه معفي عنها في الا?خرة بل إنه يعاقب عليها لقوله تعالى: {إلا أصحاب اليمين * فى جنات يتسآءلون * عن المجرمين * ما سلككم فى سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخآئضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين} وهذا يدل على أن الكفار يعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام، وهو كذلك.
وأما الحرية فلأن المملوك لا مال له، إذ أن ماله لسيده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع عبدا له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع». فهو إذن غير مالك للمال حتى تجب عليه الزكاة، وإذا قدر أن العبد ملك بالتمليك فإن ملكه في النهاية يعود لسيده؛ لأن سيده له أن يأخذ ما بيده، وعلى هذا ففي ملكه نقص ليس بمستقر استقرار أموال الأحرار، فعلى هذا تكون الزكاة على مالك المال، وليس على المملوك منها شيء، ولا يمكن أن تسقط الزكاة عن هذا المال.
وأما ملك النصاب: فمعناه أن يكون عند الإنسان مال يبلغ النصاب الذي قدره الشرع، وهو يختلف باختلاف الأموال، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فإنه لا زكاة عليه؛ لأن ماله قليل لا يحتمل المواساة.
والنصاب في المواشي مقدر ابتداء وانتهاء، وفي غيرها مقدر ابتداء وما زاد فبحسابه.
وأما مضي الحول: فلأن إيجاب الزكاة في أقل من الحول يستلزم الإجحاف بالأغنياء، وإيجابها فيما فوق الحول يستلزم الضرر في حق الفقراء، فكان من حكمة الشرع أن يقدر لها زمن معين تجب فيه وهو الحول، وفي ربط ذلك بالحول توازن بين حق الأغنياء وحق أهل الزكاة.
وعلى هذا فلو مات الإنسان مثلا، أو تلف المال قبل تمام الحول سقطت الزكاة، إلا أنه يستثنى من تمام الحول ثلاثة أشياء:
الأول: ربح التجارة.
الثاني: نتاج السائمة.
الثالث: المعشرات.

(18/7)


أما ربح التجارة فإن حوله حول أصله، وأما نتاج السائمة فحول النتاج حول أمهاته، وأما المعشرات فحولها وقت تحصيلها والمعشرات هي الحبوب والثمار.
مثال ذلك في الربح أن يشتري الإنسان سلعة بعشرة آلاف ريال، ثم قبل تمام حول الزكاة بشهر تزيد هذه السلعة، أو تربح نصف الثمن الذي اشتراها به، فيجب عليه زكاة رأس المال وزكاة الربح، وإن لم يتم للربح حول لأنه فرع، والفرع يتبع الأصل.
وأما النتاج مثل أن يكون عند الإنسان من البهائم نصاب ثم في أثناء الحول يتوالد هذا النصاب حتى يبلغ نصابين، فيجب عليه الزكاة للنصاب الذي حصل بالنتاج وإن لم يتم عليه الحول، لأن النتاج فرع فيتبع الأصل. وأما المعشرات فحولها حين أخذها مثل الحبوب والثمار، فإن الثمار في النخل مثلا لا يتم عليه الحول حين يجز فتجب الزكاة عند جزه، وكذلك الزرع يزرع ويحصد قبل أن يتم عليه الحول، فتجب الزكاة عند حصاده، لقوله تعالى: {وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفو?ا إنه لا يحب المسرفين } فهذه الأشياء الثلاثة تستثنى من قولنا: إنه يشترط لوجوب الزكاة تمام الحول.
* * *
6 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ذكر الشيخ عبدالرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ في الفتاوى ص 302 هذه الجملة: (الزكاة تصير على رأس المال منه، وعلى المصلحة إن كان هو حال وإلا فبقسطه) فما معنى قول الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ؟

(18/8)


فأجاب فضيلته بقوله: معنى قول الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ أن الدين إن كان حالا وجبت زكاة أصله وربحه، وإن كان مؤجلا وجبت زكاة أصله، أما ربحه فيجب بقسطه، فمثلا إذا بعت عليه ما يساوي ألفا بألف ومائتين إلى سنة، وكان حول زكاة الألف يحل في نصف السنة وجب عليك زكاة ألف ومائة فقط عند تمام حول الألف، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يلزم من زكاة الربح إلا ما تم حوله، وقد سبق ما يدل على وجوب الزكاة في الربح وإن لم يتم حوله؛ لأنه تبع لأصله لا يشترط له تمام الحول؛ ولأن الدين ثابت كله بأصله وربحه، والله أعلم.
* * *
7 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا كان عند الإنسان بيت أو دكان يؤجره فهل يبدأ حول الأجرة للزكاة من حين العقد أو من استلام الأجرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يبتدىء حول الزكاة من العقد؛ لأن الأجرة تثبت بالعقد ـ وإن كانت لا تستقر إلا باستيفاء المنفعة ـ فإذا استوفى المنفعة وقبض الأجرة وقد تم لها سنة أي العقد وجب عليه إخراج زكاتها، وأما إذا قبضها في نصف السنة وأنفقها قبل أن تتم السنة فليس عليه زكاة فيها، فإذا قدر أنه أجر هذا الدكان بعشرة آلاف، ولما مر ستة أشهر أخذ خمسة آلاف ثم أنفقها، فإن الخمسة التي أخذها ليس فيها زكاة؛ لأنها لم يتم عليها الحول من العقد، وأما الخمسة الباقية التي يأخذها عند تمام الحول فعليه زكاتها؛ لأنها تم عليها الحول من العقد.
* * *
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
س 1: والدنا توفي من مدة سنة وخمسة شهور وعنده أراضي، ولما توفي أصبحت الأراضي ملك الورثة، وبعد وفاته بستة شهور قام الورثة ببيع الأراضي وقسموا الورث فيما بينهم، وهذه المبالغ قسمت مدة خمسة شهور هل يزكى على هذه المبالغ وهي لم تكمل سنة؟
س 2: أيهما أفضل الوضوء بماء بارد أو بماء دافىء في الشتاء؟

(18/9)


أفتونا جزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
جـ 1: لا زكاة عليكم حتى يحول الحول
جـ 2: الوضوء بالماء الدافىء أفضل.
أملاه محمد الصالح العثيمين في 11/9/2141هـ.
8 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن رجل مات وترك مالا ولم يحل عليه الحول، وظل هذا المال فترة لم يوزع على الورثة فهل إذا حال الحول عليه تخرج زكاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للميت الذي مات قبل أن يتم الحول فلا زكاة عليه، لأنه مات قبل الوجوب، فلا يقضى عنه.
أما بالنسبة للورثة فالذي يبلغ نصيبه نصابا عليه الزكاة إذا تم الحول على موت مورثه، والذي ماله قليل لا يبلغ النصاب وليس عنده ما يكمله به فإنه لا زكاة عليه.
* * *
9 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: يشترط في الزكاة مضي الحول فما كيفية إخراج زكاة الرواتب الشهرية؟
فأجاب فضيلته بقوله: أحسن شيء في هذا أنه إذا تم حول أول راتب استلمه فإنه يؤدي زكاة ما عنده كله، فما تم حوله فقد أخرجت زكاته في الحول، وما لم يتم حوله فقد عجلت زكاته، وتعجيل الزكاة لا شيء فيه، وهذا أسهل عليه من كونه يراعي كل شهر على حدة، لكن إن كان ينفق راتب كل شهر قبل أن يأتي راتب الشهر الثاني فلا زكاة عليه؛ لأن من شروط وجوب الزكاة في المال أن يتم عليه الحول.
* * *
01 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هناك استحقاقات لبعض الموظفين العاملين في قطاعات الدولة المختلفة، وهذه الاستحقاقات لا يتم صرفها لمستحقيها ـ في بعض الأحيان ـ إلا بعد مضي عدة سنوات، فهل تجب فيها الزكاة؟ وهل تكون الزكاة لسنة واحدة فقط؟ أم تجب لمجموع السنوات التي أمضتها هذه المبالغ لدى الدولة؟ وفي حالة كون صاحب الاستحقاق عليه دين فهل يزكي على ما استلم من استحقاق وما تبقى يسدد به الدين؟ أم تسقط عنه الزكاة لسداد دينه؟

(18/10)


فأجاب فضيلته بقوله: إذا قبض الموظف ماله عند الحكومة فإن كان قبل تمام السنة فلا زكاة فيه حتى تتم عليه سنة، وإن قبضه بعد تمام السنة فإنه يزكيه مرة واحدة، سواء مضى عليه سنة واحدة أو سنتان أو أكثر. وسواء كان عليه دين أم لم يكن؛ لأن الدين لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال التي بيد المدين على القول الراجح. قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في 4/6/0141هـ.
* * *
11 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ما حكم زكاة الديون؟
فأجاب فضيلته بقوله: الديون التي في ذمة الناس سواء كانت ثمنا لمبيع، أو أجرة، أو قرضا، أو قيمة متلف أو أرش جناية، أو غير ذلك مما يثبت في الذمة تنقسم إلى قسمين:
الأول: أن تكون مما لا تجب الزكاة في عينه كالعروض بأن يكون عند الإنسان لشخص ما مئة صاع من البر أو أكثر، فهذا الدين لا زكاة فيه، وذلك لأن الزروع أو الحبوب لا تجب الزكاة في عينها إلا لمن زرعها.

(18/11)


وأما الثاني: فهي الديون التي تجب الزكاة في عينها كالذهب والفضة، وهذا فيه الزكاة على الدائن لأنه صاحبه، ويملك أخذه والإبراء منه فيزكيه كل سنة إن شاء زكاه مع ماله، وإن شاء أخر زكاته، وأخرجها إذا قبضه، فإذا كان لشخص عند آخر مائة ألف فإن من له المئة يزكيها كل عام، أو فإن الزكاة تجب على من هي له كلها لكنه بالخيار: إما أن يخرج زكاتها مع ماله، وإما أن ينتظر حتى يقبضها ثم يزكيها لما مضى، هذا إذا كان الدين على موسر، فإن كان الدين على معسر فإن الصحيح أن الزكاة لا تجب فيه؛ لأن صاحبه لا يملك المطالبة به شرعا، فإن الله تعالى يقول: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } فهو حقيقة عاجز شرعا عن ماله فلا تجب عليه الزكاة فيه، لكن إذا قبضه فإنه يزكيه سنة واحدة فقط، وإن بقي في ذمة المدين عشر سنوات؛ لأن قبضه إياه يشبه تحصيل ما خرج من الأرض يزكى عند الحصول عليه، وقال بعض أهل العلم: لا يزكيه لما مضى، وإنما يبتدىء به حولا من جديد، وما ذكرناه أحوط وأبرأ للذمة أنه يزكيه عن سنة واحدة لما مضى، ثم يستأنف به حوله، والأمر في هذا سهل، وليس من الصعب على الإنسان أن يؤدي ربع العشر من دينه الذي قبضه بعد أن أيأس منه، فهذا من شكر نعمة الله عليه بتحصيله. هذا هو القول في زكاة الديون.
والخلاصة أنه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لا زكاة فيه: وهو إذا كان الدين مما لا تجب الزكاة في عينه، مثل أن يكون في ذمة شخص لا?خر أصواع من البر أو كيلوات من السكر أو من الشاي وما أشبه ذلك، فهذا لا زكاة فيه حتى ولو بلغ النصاب.
القسم الثاني: الدين الذي تجب الزكاة في عينه كالذهب والفضة، ولكنه على معسر فهذا لا زكاة فيه إلا إذا قبضه، فإنه يزكيه لسنة واحدة، ثم يستأنف به حولا، وقيل: إنه يستأنف به حولا على كل حال، ولكن ما قلناه أولى لما ذكرنا من التعليل.

(18/12)


القسم الثالث: ما فيه الزكاة كل عام، وهو الدين الذي تجب فيه الزكاة لعينه، وهو على موسر، فهذا فيه الزكاة كل عام، ولكن إن شاء صاحب الدين أن يخرج زكاته مع ماله، وإن شاء أخرها حتى يقبضه من المدين.
* * *
21 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن الديون التي في ذمم الناس هل فيها زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت الديون على مليء ففيها الزكاة كل عام، لكن صاحبها بالخيار: إن شاء أخرج الزكاة مع زكاة ماله، وإن شاء أخر زكاة الديون حتى يقبضها، فيزكيها لكل ما مضى.
أما إذا كانت الديون على غير مليء فلا زكاة فيها على القول الراجح، لكن إذا قبضها يؤدي زكاة سنة واحدة.
* * *
31 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: لي أمانة عند رجل منذ أربع سنوات وزكيت عنها ثلاث سنوات، وطلبت الأمانة التي ادخرتها عنده في السنة الأخيرة فلم يعطني شيئا منها، هل تجب الزكاة في السنة الأخيرة أم لا؟

(18/13)


فأجاب فضيلته بقوله: الأمانة التي للإنسان عند الناس هي في الحكم الموجود في ماله، يجب عليه أن يزكيها إلا إذا منع منها، بمعنى أن الذي كانت عنده قد أنفقها وكان فقيرا، فإنه لا يجب عليك أن تؤدي زكاتها؛ لأن الدين الذي في ذمة الفقراء ليس فيه زكاة لكن إذا قبضتها فزكاها لسنة واحدة، وذلك لأن الديون التي في ذمة الفقراء يجب على أصحابها أن ينظروا هؤلاء الفقراء، وأن لا يطلبوا منهم الوفاء، ولا يطالبوهم به، فإنه لا يجوز للإنسان إذا كان له مدين فقير لا يجوز له أن يقول له: أعطني ديني، ولا يتكلم إليه ولا بربع كلمة، لأن الله تعالى يقول: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون }. ومن المؤسف جدا أن يكون في بعض هذه الأمة من يشبهون اليهود في أكل الربا والعياذ بالله؛ فإن بعض الناس يأكلون الربا ويظلمون الناس، إذا حل الدين على الفقير الذي لا يستطيع وفاءه، ذهب هذا الطالب يتحيل على قلب الدين على الفقير فيدينه ليوفيه ويقلب عليه الدين، أو يقول: استدن من فلان وأوفني. ثم إذا أوفاه دينه مرة ثانية ليوفي الدائن الثاني، وهكذا حتى تنقلب المئات إلى ألوف، والألوف إلى مئات الألوف، ومئات الألوف إلى الملايين على هذا الفقير المعدم. وهؤلاء والعياذ بالله عصوا الله عز وجل فلم يخافوا منه، ولم يرحموا هؤلاء الفقراء، والواجب عليك إذا كان لك عند فقير معسر دين أن تسكت ولا تطلب منه الدين ولا تطالبه به، وأنت إذا طالبته أو طلبته منه فإنك عاص لله عز وجل.
* * *
41 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عندي مبلغ خمسون ألف ريال، وأعطيتها والدي ليحفظها وعندما قلت لوالدي: أخرج الزكاة عني. قال: إني قد صرفتها وسأعطيك بدلا منها فيما بعد. فهل علي زكاة أم لا؟

(18/14)


فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة مثل المسألة السابقة في الحقيقة، والظاهر من السؤال أن والده أنفقها أخرج هذه الدراهم وبقيت في ذمته، فإذا كانت في ذمة الوالد فمن العلماء من يقول: إن الدين الذي على الوالد لا زكاة فيه؛ لأنه لا يمكن الولد مطالبة أبيه بالدين، فهو كالدين الذي على المعسر، فلا يجب على الإنسان أن يؤدي زكاة دين كان على أبيه؛ لأنه لو أراد أن يطلبه من أبيه أو يطالبه به لم يتمكن من ذلك شرعا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك».
وقال بعض العلماء: إن الدين الذي في ذمة الوالد إذا لم ينو الوالد تملك هذه الدراهم فإنه تجب زكاته، والاحتياط أن يخرج زكاة الدين الذي في ذمة أبيه، لاسيما إذا كان أبوه موسرا وسهلا لو أراد أن يستوفيه ولده أعطاه إياه بسرعة، فإنه ينبغي أن تجب الزكاة فيه حينئذ، وهذا أحسن وأولى أن يؤدي الزكاة عن الدين الذي في ذمة أبيه، إلا أن يكون الأب معسرا فإن كان معسرا فإنه كغيره من المدينين المعسرين لا تجب الزكاة في الديون التي عليهم.
* * *
51 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن زكاة الدين؟

(18/15)


فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب على من له دين على شخص أن يؤدي زكاته قبل قبضه؛ لأنه ليس في يديه، ولكن إن كان الدين على موسر فإن عليه زكاته كل سنة، فإن زكاها مع ماله فقد برئت ذمته، وإن لم يزكها مع ماله وجب عليه إذا قبضها أن يزكيها لكل الأعوام السابقة، وذلك لأن الموسر يمكن مطالبته فتركه باختيار صاحب الدين، أما إذا كان الدين على معسر أو غني لا يمكن مطالبته فإنه لا يجب عليه زكاته لكل سنة، وذلك لأنه لا يمكنه الحصول عليه، فإن الله تعالى يقول: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون }، فلا يمكن أن يستلم هذا المال وينتفع به فليس عليه زكاته، ولكن إذا قبضه فمن أهل العلم من يقول: يستقبل به حولا من جديد، ومنهم من يقول: يزكي لسنة واحدة، وإذا دارت السنة يزكيه أيضا، وهذا أحوط. والله أعلم.
* * *
61 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا كانت جميع مستحقاتي من مشاريع سواء لدى الحكومة أو لدى الأفراد متأخرة وليس لدي سيولة إلا من خلال الاقتراض من البنوك بزيادة ربوية فهل يحق لي أن أدفع الزكاة منها أو أنتظر حتى استلام مستحقاتي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أخذ القرض أصلا من البنك مع زيادة ربوية؛ لأنه حرام طالما هو بفائدة فكيف يدفع منها الزكاة؟
* * *
71 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: معروف أن صوامع الغلال تستلم محصول القمح والشعير كل عام ثم تقوم بدورها باستقطاع الزكاة وتقوم بتسليم المزارع قيمة المحصول في نفس العام هذا في السنوات الماضية. أما الا?ن فإن قيمة المحصول تبقى لدى الصوامع لعدة سنوات فهل قيمة المحصول هذا تجب فيها الزكاة عن سنة واحدة أم عن كل السنوات الماضية؟

(18/16)


فأجاب فضيلته بقوله: لا تجب الزكاة فيما عند الحكومة سواء قيمة زرع أو أجرة أو أي شيء آخر حتى تقبضه فإذا قبضته فزكي سنة واحدة حتى لو بقي عند الدولة خمس أو عشر سنوات أو أكثر زكه سنة واحدة فقط، وجه ذلك لأن بقاءه عند الحكومة قد تأخر لظروف لا يستطيع صاحب الحق أن يستوفيه.
* * *
81 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: امرأة مؤخر صداقها ثلاثة آلاف ريال، وتقول: إذا أخرجت الزكاة كل عام فسينفد عن قريب فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الزوج فقيرا فلا تزكي ما في ذمته من المهر، وهكذا كل دين، فالدين الذي في ذمة فقير لا زكاة عليه؛ لأن صاحب الدين لا يستطيع أن يستوفيه؛ لأن الفقير يجب إنظاره ولا يجوز طلبه ولا مطالبته ولا حبسه، بل يجب إذا علم الإنسان أن مدينه معسر أن يعرض عنه ولا يطلب منه الوفاء ولا يجوز أن يحبس على ذلك.
* * *
91 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هل يصح تأجيل صداق المرأة؟ وهل هو دين على الرجل يلزم بدفعه؟ وهل تجب الزكاة فيه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصداق المؤجل جائز ولا بأس به؛ لقول الله تعالى: {ياأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد }، والوفاء بالعقد يشمل الوفاء به وبما شرط فيه.
فإذا اشترط الرجل تأجيل الصداق أو بعضه فلا بأس، ولكن يحل إن كان قد عين له أجلا معلوما، فيحل بهذا الأجل، وإن لم يؤجل فيحل بالفرقة: بطلاق، أو فسخ، أو موت، ويكون دينا على الزوج يطالب به بعد حلول أجله في الحياة، وبعد الممات كسائر الديون.
وتجب الزكاة على المرأة في هذا الصداق المؤجل إذا كان الزوج مليا، وإن كان فقيرا فلا يلزمها زكاة.
ولو أخذ الناس بهذه المسألة وهي تأجيل المهر لخفف كثيرا على الناس في الزواج.

(18/17)


ويجوز للمرأة أن تتنازل عن مؤخر الصداق إن كانت رشيدة، أما إن أكرهها أو هددها بالطلاق إن لم تفعل فلا يسقط؛ لأنه لا يجوز إكراهها على إسقاطه.
* * *
02 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: رجل يقول: إذا دينت مبلغا من المال في رمضان فهل يجب علي إخراج زكاة المصلحة (الغائبة) أو بعدما يحول عليها الحول؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجب عليه إخراج زكاة الغائبة، وذلك أن الدين قد ثبت في ذمة المدين بأصله وربحه، ولذلك لو مات المدين ثبت للدائن الحق كاملا في ذمته، وحل تأجيله ـ على المذهب ـ إذا لم يوثق الورثة برهن يحرز أو كفيل مليء، فمثلا إذا بعت على شخص سلعة تساوي ألفا بألف ومائتين إلى سنة، ومات المشتري بعد عقد البيع بشهر واحد أو بيوم واحد ثبت لك في تركته ألف ومائتان كاملة حالة غير مؤجلة إلا أن يوثق الورثة برهن يحرز أو كفيل مليء فإنها تبقى كاملة مؤجلة إلى أجلها، كما أنه لو أراد المشتري أن ينقد لك الثمن قبل حلول أجله وطلب منك أن تسقط مقابل الأجل من الربح لم يلزمك قبول ذلك بل لك الحق أن تقول: لا أقبله الا?ن إلا كاملا، وإلا فيبقى إلى أجله، ولك أن تتعجل وتسقط على القول الصحيح، والمذهب: يجوز لك أن تتعجل لكن بدون إسقاط، فإذا تبين أن هذا الربح ملك لك لا يمكن أن يسقط إلا باختيارك وأنه لو وجد ما يوجب حلوله لحل كاملا، فلماذا لا تجب زكاته وإن لم يحل أجله، ثم إن هذه الغائبة ـ كما يقولون ـ ربح للأصل، وقد نص العلماء على أن ربح التجارة لا يشترط له تمام الحول، وأن حوله حول أصله، ولذلك لو اشتريت عروضا بألف ريال وقبل تمام الحول بأسبوع فقط زادت قيمتها حتى بلغت عند الحول ألفين وجب عليك زكاة الألفين كلها.
وبعد فلعلك تعرف أن الدين وإن وجبت زكاته فإنه لا يجب إخراجها إلا بعد قبضه، فإذا قبضه زكاه لما مضى عن جميع السنوات إن كان المدين غنيا، أو عن سنة واحدة سنة قبضه إن كان المدين فقيرا.
* * *

(18/18)


12 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: بعت على شخص سيارة وبقي لي عنده خمسة آلاف ولها سنوات، والشخص اختفى لا أدري أين هو، هل أزكي عنها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدين الذي على معسر ليس فيه زكاة، إلا إذا قبضته فإنك تزكيه سنة واحدة، والا?ن مادمت لا تعرف أين ذهب الرجل فليس عليك زكاة.
* * *
22 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عندي مبلغ من المال مرت عليه ثلاث سنوات ولم أزكه، فكيف أزكيه؟ ولمن تدفع الزكاة؟ ومتى تخرج؟
فأجاب فضيلته بقوله: زكاة المال الواجبة مقدارها في الذهب والفضة ربع العشر، بمعنى أن تقسم ما لديك على أربعين، فما خرج بالقسمة فهو الزكاة، وإذا كنت تركت الزكاة ثلاث سنوات فاقسم المال على أربعين، والناتج يكون زكاة السنة الأولى، ثم اقسمه على أربعين لتخرج زكاة السنة الثانية، ثم اقسمه على أربعين لتخرج زكاة السنة الثالثة.
وأما من تدفع إليهم الزكاة فقد ذكرهم الله في قوله: {إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } فيعطي الفقراء والمساكين ما يكفيهم وعائلتهم لمدة سنة، ويعطي الغارمين منها ما يوفون به ديونهم.
وأما وقت إخراج الزكاة فإنه إذا تم للمال الزكوي سنة، فإنه تخرج زكاته، إلا زكاة الثمار والحبوب فإن وقت إخراجها وقت حصادها، ولكنها تجب إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر كما هو معروف عند أهل العلم.
* * *
32 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا كان الدين عند أناس فقراء واستمر مدة من الزمن فهل عليه زكاة؟ وعن أي سنة؟

(18/19)


فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانوا فقراء فليس عليك زكاة إلا إذا قبضته لو بقي عشر سنين، تزكيه لسنة واحدة ـ السنة الحاضرة فقط ـ وإذا كان عند أغنياء يمكنك أن تقول: أعطوني مالي. ويعطونك إياه، فهذا تزكيه كل سنة، ولكن أنت بالخيار: إن شئت أخرجت زكاته مع مالك قبل أن تقبضه منهم، وإن شئت انتظرت حتى تأخذه، وفي هذه الحال لو فرض أنك انتظرت حتى تأخذ ثم افتقروا ولم يوفوا فليس عليك زكاة.
* * *
42 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هل تجب الزكاة في المال المرهون؟ وهل في القرض زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المال المرهون تجب الزكاة فيه إذا كان مالا زكويا، لكن يخرجها الراهن منها إذا وافق المرتهن، مثال ذلك: رجل رهن ماشية من الغنم ـ والماشية مال زكوي ـ رهنها عند إنسان، فالزكاة فيها واجبة لابد منها؛ لأن الرهن لا يسقط الزكاة، ويخرج الزكاة منها، لكن بإذن المرتهن.
وأما القرض فقد سبق لنا أن القرض إذا كان على غني باذل ففيه الزكاة كل سنة، وإذا كان على فقير فليس فيه زكاة لو بقي عشر سنين إلا إذا قبضه فيزكيه بسنة واحدة.
* * *
52 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ما حكم دفع الزكاة للمدين المعسر؟ وهل في الدين زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: دفع الزكاة إلى المدين المعسر الذي لا يجد الوفاء أو دفعها إلى غريمه جائز ومجزىء؛ لأن الا?ية الكريمة تدل على هذا، قال تعالى: {إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } فالتعبير مختلف بين الأربعة الأول، وبين الأربعة الأخر.

(18/20)


الأربعة الأول كان التعبير باللام الدالة على التمليك، فلابد أن تملكهم، أي: تعطيهم الزكاة وتتركهم يفعلون ما شاءوا، وفي الأربعة الأخر كان التعبير بفي، وهي للظرفية لا للتمليك، قال تعالى: {وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } {الغارمين}: معطوف على الرقاب، فيكون التقدير «في» وعلى هذا فيجوز أن تذهب إلى الغريم الذي يطالب الفقير وتوفي عنه.
ولكن هنا مسألة: هل الأولى أن أذهب إلى الغريم وأوفيه دون أن أعطي الفقير، أو أن أعطي الفقير؟
هذا فيه تفصيل: إذا علمت أن الفقير الذي تريد القضاء عنه رجل دين يحب إبراء ذمته، وأنك إذا أعطيته سوف يذهب إلى صاحبه ويوفيه فأعطه هو؛ لأن ذلك أجبر لخاطره، وأبعد من الخجل، وأسلم من الرياء الذي قد يصيب الإنسان، فكونك تعطي المدين في هذه الحال أولى.
أما إذا خفت أن يكون المدين متلاعبا تعطيه ليوفي، لكن يذهب فيلعب بها أو يشتري كماليات أو غيرها فلا تعطها إياه، بل اذهب إلى صاحبه الذي يطلبه وأوفه.
وأما زكاة الديون فقد سبق الكلام عنها.
* * *
62 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا أقرض شخص شخصا آخر كيف يزكي عن هذا؟ ولو تأخر ثلاث سنين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدين فيه تفصيل: إذا كان الدين على معسر فلا زكاة فيه ولو بقي عشر سنوات، لكن إذا قبضته فتؤدي زكاة سنة واحدة فقط.

(18/21)


أما إذا كان على غني باذل وامتدت المدة فتزكيه كل سنة لكنك بالخيار: إن شئت تدفع زكاته مع مالك كل سنة، وإن شئت إذا قبضته تزكي لما مضى، وأستحب أن تزكيه مع مالك، لأنه ربما يموت الإنسان ويتهاون الورثة في إخراج الزكاة. وربما يحصل أشياء تمنع الزكاة. فإذا أديته مع مالك يكون اطمئنانا لقلبك، أما إذا ماطل الغني، فإن كان لا يمكن مطالبته كالأب مثلا وكالسلطان والأمير المتسلط وما أشبه ذلك فهو كالمعسر ليس فيه زكاة إلا سنة قبضه.
وأما إذا ماطل وهو يمكن مطالبته تشكوه على الأمير ويسلمك، فهذا عليك الزكاة فيه؛ لأن الأمر باختيارك.
* * *
72 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا استغرق الدين جميع المال فهل فيه زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: منهم من يرى أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن عمومات النصوص لم تفرق بين مدين وغيره، ولأن الزكاة إنما تجب في المال لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» فالزكاة واجبة في المال ومتعلقة به، والمال موجود بين يديه، والدين في ذمته، فقد اختلف المحل: الدين في الذمة، والزكاة في المال، والمال موجود يتصرف فيه الإنسان تصرف الملاك في أمالكهم تصرفا حرا، فتجب الزكاة عليه في هذا المال ولو كان عليه مقداره من الدين. ومن العلماء من قال: إنه إذا كان على الرجل دين بمقدار ما بيده من المال الزكوي فإنه لا زكاة عليه، وليس لهم دليل من الأثر فيما أعلم، وإنما عندهم نظر، ومعنى يقولون: إن الزكاة وجبت مواساة. فإذا كانت وجبت للمواساة فإن المدين ليس أهلا لها؛ لأن المال الذي بيده هو في الحقيقة لغيره لوجوب وفائه فليس أهلا لأن يكون ممن يجب عليه مواساة إخوانه الفقراء.

(18/22)


ومن العلماء من فصل في هذا وقال: إذا كان المال ظاهرا فإن الدين لا يمنع وجوب الزكاة فيه، والمال الظاهر هو الذي ليس يخزن في الصناديق وراء الإبواب مثل الماشية والثمار والزروع، قالوا: فهذه وإن كان على صاحبها دين فيجب عليه إخراج زكاتها؛ لأنها أموال ظاهرة تتعلق بها أطماع الفقراء، والدين أمر خفي لا يعلم، فيجب أن تؤدى الزكاة من هذه الأموال الظاهرة، والنبي عليه الصلاة والسلام يرسل السعاة لقبض الزكاة من هذه الأموال ولم يستفصل أهلها: هل عليهم دين أو ليس عليهم دين.
والأموال الباطنة كالذهب والفضة والأوراق النقدية إذا كان على صاحبها دين بمقدار ما عنده منها لا زكاة عليه فيه.
والأرجح عندي: أن الزكاة تجب في المال ظاهرا أو باطنا ولو كان على صاحبه دين يستوعبه، وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال، وكوننا نعلل بأن الزكاة مؤاساة، لا يوجب تخصيص هذه العمومات، والزكاة تلاحظ فيها العبادة أكثر مما تلاحظ المواساة؛ لأنها ركن من أركان الإسلام، والمواساة علة مستنبطة قد تكون من مراد الشارع، وقد لا تكون من مراد الشارع، اللهم إلا إذا كان الدين حالا ويطالب به، وأراد أن يوفيه فحينئذ نقول: أوف الدين، ثم زك ما يبقى بعده إذا بلغ نصابا، ويؤيد ذلك ما قاله فقهاء الحنابلة في الفطرة فإنهم قالوا: لا يمنعها الدين إلا بطلبه، وكذلك الأثر المروي عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يقول في شهر رمضان: «هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه» فهذا يدل على أن الدين إذا كان حالا وصاحبه يريد قضاءه قدمه على الزكاة، أما الديون المؤجلة فإنها لا تمنع وجوب الزكاة بلا ريب.
* * *
82 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن الدين الذي يكون في ذمة الناس هل فيه زكاة؟

(18/23)


فأجاب فضيلته بقوله: الدين الذي يكون في ذمة الناس، إما أن يكون عند الأغنياء أو عند الفقراء، فإن كان عند الفقراء فليس فيه زكاة، إلا إذا قبضته تزكيه لسنة واحدة، وأما الدين الذي عند الأغنياء ففيه زكاة كل سنة، ولكن إن أحببت أخرجت زكاته قبل القبض، وإن أحببت أخرجت زكاته بعد القبض.
* * *
92 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: شخص عنده رأس مال قدره مائتا ألف ريال وعليه دين قدره مائتا ألف ريال بحيث يدفع منه كل سنة عشرة آلاف فما هو الحكم في ذلك؟

(18/24)


فأجاب فضيلته بقوله: نعم تجب الزكاة في المال الذي في يده، وذلك لأن النصوص الواردة في وجوب الزكاة عامة، ولم تستثن شيئا، لم تستثن من عليه دين. وإذا كانت النصوص عامة وجب أن نأخذ بها، ثم إن الزكاة واجبة في المال، لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم } وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» فبين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن الزكاة في المال، وليست في ذمة الإنسان، والدين واجب في ذمته، فالجهة منفكة، وإذا كانت الجهة منفكة فإن أحدهما لا يجب على الا?خر، وإذا لم يجب أحدهما على الا?خر لم يوجد التعارض، وعلى هذا فتجب زكاة المال الذي بيدك والدين واجب في ذمتك، فهذا له وجهة، وهذا له وجهة، فعلى المرء أن يتقي ربه ويخرج الزكاة عما في يده، ويستعين الله تعالى في قضاء الدين الذي عليه، ويقول: اللهم اقض عني الدين واغنني من الفقر. وربما يكون أداء زكاة المال الذي بيده سببا في بركة هذا المال ونمائه، وتخليص ذمته من الدين، وربما يكون منع الزكاة منه سببا في فقره، وكونه يرى نفسه دائما في حاجة وليس من أهل الزكاة، واحمد الله عز وجل أن جعلك من المعطين ولست من الا?خذين، ثم إن تعليل بعض العلماء الذين يقولون: إن الدين يسقط الزكاة تعليلهم ذلك بأن الزكاة وجبت مواساة، والمدين ليس أهلا لها نقول: لا نستطيع أن نجزم أن الزكاة وجبت مواساة، بل الزكاة وجبت بما فيها من عبادة الله عز وجل، ولما فيها من كبح النفس عن الشح، ولما في ذلك من سد الحوائج العامة والخاصة بالمسلمين، ولهذا وجب صرفها في سبيل الله، وليس ذلك من باب المواساة، فالجزم بأن العلة هي

(18/25)


المواساة وأن المدين ليس أهلا لها هذا يحتاج إلى نص من الكتاب والسنة، وليس في ذلك نص، بل إن النصوص تدل على أن الزكاة إنما وجبت لأنها عبادة عظيمة يتقي بها الإنسان الشح، ويتعبد بها الإنسان لله تعالى، ويعرف بها تفضيل عبادة الله وتقديمها على هوى نفسه ومحبته للمال، وتسد بها حاجات عظيمة خاصة وعامة.
* * *
03 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: أنا رجل صاحب عقارات أبيع وأشتري، وقد يحين علي وقت الزكاة إلا أن علي ديونا للا?خرين.. فكيف أزكي عقاراتي التي دار عليها الحول مع وجود الديون علي أرجو بيان ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل، وذلك أن القول الراجح عندي أن الزكاة تجب على من عنده مال زكوي. ولو كان عليه دين، وأن الدين لا يمنع الزكاة نهائيا، لأن الدين واجب في الذمة، فهو واجب على المدين؛ سواء بقي معه المال الزكوي أو لم يبق. حتى ولو تلف المال الذي معه كله، فإن الذمة تبقى مشغولة بهذا الدين، فلا علاقة لهذا الدين بالمال الذي بين يديه.

(18/26)


وأما الزكاة فإنها واجبة في المال، لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم }. ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ حينما بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، ثم إن عموم الأدلة في الأموال الزكوية ليس فيها استثناء من عليه دين، وعلى هذا فمن أسقطوا الزكاة بالدين فعليهم بالدليل. ولا دليل لهم إلا أنهم قالوا: تجب الزكاة مواساة، والمدين ليس من أهل المواساة، فنقول: ليست للمواساة فقط، بل كما قال عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم }.
فإنها تطهر الإنسان من البخل، وتزكي أعمالهم وتنميها قبل كل شيء، أما المواساة فهي في المرتبة الثانية، ويدل عليها قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» فهذا يشير إلى أن من حكمة الزكاة أن تسد حاجة الفقراء، ولكنها ليست هي الحكمة الأساسية.
وعلى هذا فنقول: إن المدين تجب عليه الزكاة في ماله، فيعطي الفقير منها، أو من الأصناف الثمانية المذكورين في سورة التوبة، فإذا احتاج المدين إلى ما يسدد دينه يعطى من الزكاة، لأن الغارم الذي لا يجد ما يسد ما عليه من ديون هو من أهل الزكاة، هذا هو القول الراجح في المسألة.

(18/27)


فنقول للأخ: جميع الأموال الزكوية أخرج ما عليها من زكاة، والديون سيجعل الله لك فرجا ومخرجا، قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب}. والله الموفق.
* * *
13 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هل تصح صدقة المدين؟ وماذا يسقط عن المدين من الحقوق الشرعية؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة من الإنفاق المأمور به شرعا، والإحسان إلى عباد الله إذا وقعت موقعها، والإنسان مثاب عليها، وكل امرىء في ظل صدقته يوم القيامة، وهي مقبولة سواء كان على الإنسان دين أم لم يكن عليه دين، إذا تمت فيها شروط القبول، بأن تكون بإخلاص لله عز وجل، ومن كسب طيب، ووقعت في محلها، فبهذه الشروط تكون مقبولة بمقتضى الدلائل الشرعية، ولا يشترط أن لا يكون على الإنسان دين، لكن إذا كان الدين يستغرق جميع ما عنده فإنه ليس من الحكمة ولا من العقل أن يتصدق ـ والصدقة مندوبة وليست بواجبة ـ ويدع دينا واجبا عليه، فليبدأ أولا بالواجب ثم يتصدق.
وقد اختلف أهل العلم فيما إذا تصدق وعليه دين يستغرق جميع ماله: فمنهم من يقول: إن ذلك لا يجوز له؛ لأنه إضرار بغريمه، وإبقاء لشغل ذمته بهذا الدين الواجب.
ومنهم من قال: إنه يجوز، ولكنه خلاف الأولى، وعلى كل حال فلا ينبغي للإنسان الذي عليه دين يستغرق جميع ما عنده أن يتصدق حتى يوفي الدين؛ لأن الواجب مقدم على التطوع.
وأما الحقوق الشرعية التي يعفى عنها من عليه دين حتى يقضيه:
فمنها الحج، فالحج لا يجب على الإنسان الذي عليه دين حتى يوفي دينه.
أما الزكاة فقد اختلف أهل العلم: هل تسقط عن المدين أو لا تسقط؟
فمن أهل العلم من يقول: إن الزكاة تسقط فيما يقابل الدين، سواء كان المال ظاهرا أم غير ظاهر.
ومنهم من يقول: إن الزكاة لا تسقط فيما يقابل الدين، بل عليه أن يزكي جميع ما في يده ولو كان عليه دين ينقص النصاب.

(18/28)


ومنهم من فصل فقال: إن كان المال من الأموال الباطنة التي لا ترى ولا تشاهد: كالنقود وعروض التجارة فإن الزكاة تسقط فيما يقابل الدين، وإن كان المال من الأموال الظاهرة: كالمواشي والخارج من الأرض فإن الزكاة لا تسقط.
والصحيح عندي أنها لا تسقط، سواء كان المال ظاهرا أم غير ظاهر، وأن كل من في يده مال مما تجب فيه الزكاة فعليه أن يؤدي زكاته ولو كان عليه دين، وذلك لأن الزكاة إنما تجب في المال؛ لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم }. ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ حينما بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». والحديث في البخاري بهذا اللفظ، وبهذا الدليل من الكتاب والسنة تكون الجهة منفكة، فلا تعارض بين الزكاة وبين الدين؛ لأن الدين يجب في الذمة، والزكاة تجب في المال، فإذا كل منهما يجب في موضع دون ما يجب فيه الا?خر، فلم يحصل بينهما تعارض ولا تصادم، وحينئذ يبقى الدين في ذمة صاحبه، وتبقى الزكاة في المال يخرجها منه بكل حال.
* * *
23 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: يقول السائل: أنا تاجر أملك رأس مال خاص بي، وعندي دين بضاعة من المؤسسات أقوم بتقدير جميع ما أملك بالإضافة إلى الدين الذي عندي للمؤسسات، وأزكي عليها جميعا في نهاية العام، فقال لي بعض الناس: اخصم الدين الذي عندك للناس وزك رأس المال الصافي؛ لأن الناس سيقومون بزكاة مالهم الذي عندك. لذا أرجوك يا فضيلة الشيخ حسم هذا الموضوع؟

(18/29)


فأجاب فضيلته بقوله: هذا الموضوع لا يمكن حسمه في الواقع؛ لأن العلماء مختلفون في هذه المسألة: إذا كان عند الإنسان مال يتجر به وعليه دين يقابل هذا المال: فهل يخصم الدين من المال الذي عنده أو لا يخصمه، في هذا للعلماء أقوال ثلاثة، والذي يظهر لي أن الواجب زكاة المال الذي بيده، بدون أن يخصم الدين، فإذا قدر أن رجلا عنده مال يساوي مائة ألف، وعليه دين قدره خمسون ألفا، يزكي على القول الذي اخترناه مائة ألف، ولا يخصم منها الدين الذي كان عليه.
وعلى القول الثاني: يزكي عن خمسين ألفا، ويخصم مقدار الدين الذي عليه.
وقول ثالث يقول: إن الأموال الظاهرة لا تخصم منها الديون، والأموال الباطنة تخصم منها الديون والأموال الباطنة هي الذهب والفضة وعروض التجارة؛ لأن هذه يتصرف فيها الإنسان دون أن تظهر للناس.
والأموال الظاهرة هي بهيمة الأنعام والخارج من الأرض من الحبوب والثمار. يقول: هذه لا يخصم منها الدين، فإذا قدر أن شخصا عنده نخل وثمره يساوي عشرة آلاف ريال، وعليه دين يبلغ خمسة آلاف ريال، فإن هذا الدين لا يخصم، ويجب عليه أن يزكي جميع الثمر، وكذلك لو كان عنده مائة من الإبل وعليه دين يستغرق خمسين بعيرا فإنه يجب أن يزكي جميع المائة. وحجة هذا القول الذي يفرق بين المال الظاهر والباطن؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث العمال لأخذ الزكاة فيأخذونها بدون أن يستفصلوه: هل على صاحبها دين أم لا؟
ولكن: الذي يترجح عندي أن كل من بيده مال فإنه يجب عليه إخراج زكاته، سواء كانت ذمته سالمة من الدين أم مشغولة بالدين.
* * *
33 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن امرأة كان عندها ذهب يبلغ النصاب، وفي أثناء الحول أبدلته بذهب آخر فهل ينقطع الحول، وتحسب الحول من وقت الإبدال أو لا ينقطع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا ينقطع الحول في هذه المسألة؛ لأن هذه المرأة أبدلت الذهب بجنسه.
* * *

(18/30)


43 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن رجل توفي وفي ذمته زكاة: فهل تخرج وتقدم على قسمة التركة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الرجل المسؤول عنه يخرج الزكاة في حياته، ولكن تم الحول ومات، فعلى الورثة إخراج الزكاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء».
وأما إذا كان تعمد ترك إخراج الزكاة ومنعها بخلا فهذا محل خلاف بين العلماء ـ رحمهم الله ـ والأحوط ـ والله أعلم ـ أن الزكاة تخرج، لأنه تعلق بها حق أهل الزكاة فلا تسقط، وقد سبق حق أهل الزكاة في هذا المال حق الورثة، ولكن لا تبرأ ذمة الميت بذلك؛ لأنه مصر على عدم الإخراج، والله أعلم.
* * *
مجموع فتاوى ورسائل - المجلد السابع عشر
زكاة بهيمة الأنعام
محمد بن صالح العثيمين

باب زكاة بهيمة الأنعام

53 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هل في المواشي التي تعلف نصف السنة زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المواشي التي تعلف نصف السنة كاملا ليس فيها زكاة، وذلك لأن زكاة المواشي لا تجب إلا إذا كانت سائمة، والسائمة هي التي ترعى مما أنبته الله في الأرض السنة كاملة أو أكثر السنة، وأما ما يعلف بعض السنة أو نصف السنة فإنه لا زكاة فيه، إلا إذا كانت معدة للتجارة، فهذه لها حكم زكاة العروض، وإذا كانت كذلك فإن فيها الزكاة حيث تقدر كل سنة بما تساوي، ثم يخرج ربع عشر قيمتها، أي اثنين ونصف في المئة من قيمتها.
* * *
63 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: اشتريت إبلا منذ أكثر من عام، لكي أنتفع بشرب حليبها، وبيع الذكران منها، ولها راع يرعاها بأجر شهري، وأصرف عليها أيضا علفا شهريا، وقد تجاوزت أكثر من نصاب، فهل تجب فيها الزكاة أم لا؟

(18/31)


فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر من هذا أن صاحب الإبل أرادها للاقتناء لا للتجارة، لأن الذي يشتري الإبل تارة يشتريها للاقتناء والبقاء والنسل، وتارة يشتريها للتجارة يبيع هذه ويشتري هذه، أما الذي يقتنيها للتجارة، فإن حكمها حكم عروض التجارة، بمعنى أنها تقدر عند تمام الحول بما تساوي من الدراهم وتأخذ زكاتها من الدراهم، حتى لو كانت ناقة واحدة.
أما إذا كان الإنسان يقتنيها للنسل والدر، فهذه ليس فيها زكاة إلا إذا كانت سائمة.
والسائمة هي التي ترعى المباح، أي ترعى ما أنبته الله ـ عز وجل ـ من النبات السنة كاملة أو أكثرها، فإذا كان يصرف عليها فلا زكاة فيها، ولو كانت تبلغ نصاب الإبل، وبناء على ذلك نقول: الإبل الموجودة عند الفلاحين التي يعدونها للتناسل والدر لا تجب فيها الزكاة؛ لأن الفلاحين يعلفونها والزكاة لا تجب في هذا النوع مما يقتنى، إلا إذا كان يرعى السنة كلها أو أكثرها، وبيع الذكور لا يعد هذا تجارة؛ لأننا نعلم أن الثمار التي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والتي أوجب فيها النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الثمار يبيعها أهلها، أو يبيعون ما لا يحتاجون إليه منها.
* * *
73 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: لدي إبل وغنم سائمة فآمل من فضيلتكم بيان النصاب والواجب فيه حتى نتمشى على ذلك براءة للذمة؟

(18/32)


فأجاب فضيلته بقوله: أقل نصاب الإبل خمس، وفيها شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض وهي بكرة صغيرة لها سنة، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وهي ما تم لها سنتان، وفي ست وأربعين حقة، وهي ما تم لها ثلاث سنوات، وفي إحدى وستين جذعة، وهي ما تم لها أربع سنوات، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم تستقر الفريضة في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقات، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين خمس بنات لبون، أو أربع حقاق.
أما الغنم فأقل النصاب أربعون شاة، والواجب فيها شاة واحدة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة، ففي ثلاثمائة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه، وفي خمسمائة خمس شياه، وهكذا.
* * *
فوائد من المنتقى من فرائد الفوائد
فائدة: إذا أبدل نصاب سائمة بمثله فعلى أربعة أقسام:
الأول: أن يبدل نصابا لتجارة بنصاب لتجارة فيبني.
الثاني: أن يبدل نصابا لقنية، بنصاب لقنية فيبني، إلا أن يبدل ما تجب الزكاة في عينه بما تجب في غيره، كخمس وعشرين بعيرا بخمس في ظاهر كلامهم.
الثالث: أن يبدل نصابا لقنية بنصاب لتجارة، كأن يشتري نصابا للتجارة بمثله للقنية، فيبني كما صرح به في الفروع، والتنقيح والإقناع، وشرح الزاد. وعللوه بقولهم: «لأن السوم سبب للزكاة قدم عليه زكاة التجارة، لقوتها، فبزوال المعارض يثبت حكم السوم لظهوره» اهـ.
وهذا التعليل كما ترى لا يتلاءم مع الصورة المذكورة، وإنما يتلاءم مع صورة القسم الرابع:

(18/33)


أن يبدل نصابا لتجارة بنصاب لقنية، وهي صورة المنتهى، لكن عارضه الشيخ منصور بكلام الفروع والتنقيح وبقول المنتهي بعد. ومن ملك نصاب سائمة لتجارة نصف حول ثم قطع نية التجارة استأنفه. قال فهنا أولى. اهـ
وهذه الصورة أعني صورة القسم الرابع، هي التي صورها في الكافي، وعللها بما عللوا به الصورة في القسم الثالث. والظاهر أن الصورة منقلبة على صاحب الفروع، وتبعه من بعده، وعلى تقدير الانقلاب يكون كلام المنتهى في المسألة الأخيرة على الوجه الثاني في المسألة التي في القسم الرابع، فإن فيها وجهين: الانقطاع، والبناء، والله أعلم.
فائدة:
إذا اختلفت نيته في النصاب فلا يخلو من حالين:
إحداهما: أن يكون للتجارة ونواها لغيرها، فتؤثر نيته، ثم إن نواه على حالة تجب فيها الزكاة استأنف حولا، وإلا فلا زكاة، ولكن في المنتهى أنه إذا نوى بعبيد التجارة أو ثيابها شيئا محرما انقطع بمجرد نيته، فمفهومه إن لم يكن محرما فلابد من تحقق ذلك بالفعل، كالسائمة إذا نواها لعمل محرم انقطع بنيته، وإن كان لعمل مباح لم ينقطع إلا بالفعل.
الحالة الثانية: أن يكون لغير التجارة فنيته على صور:
الأولى: أن ينوي به التجارة فلا يكون لها إلا حلي اللبس.
الثانية: أن يكون حليا معدا للكراء أو النفقة، ثم ينوي إعارته أو لبسه، فلا تكون نيته مؤثرة حتى يعيره أو يلبسه.
الثالثة: عكس ذلك، ففيه الزكاة بمجرد النية.
الرابعة: أن يكون له سائمة للدر والنسل فينويها لقطع الطريق أو نحوه من الأفعال المحرمة فينقطع الحول ولا زكاة. كذا قالوا، وفيه نظر.
الخامسة: إن نواها لعمل مباح فلا ينقطع إلا بمباشرته.
السادسة: عكس ذلك، فتؤثر نيته، وتكون للسوم بمجردها.
السابعة: له سائمة للدر والنسل، فنواها للتجارة فلا عبرة بنيته.
الثامنة: عكسها، ففيها الزكاة للسوم ويبتدىء الحول.
التاسعة: عنده عروض للقنية فنواها للتجارة فلا أثر لها.

(18/34)


العاشرة: عكسها، فظاهر كلام المنتهى في باب زكاة السائمة، أنه إن نواها لمحرم انقطع، وإلا فلا قبل مباشرة العمل وصرح في باب زكاة العروض أنها تصير لها بمجرد النية، وهو الموافق للقياس.
فائدة:
النية في إخراج الزكاة على أربعة أقسام:
الأول: أن تكون شرطا من المالك فقط، وذلك فيما إذا فرقها مالكها المكلف بنفسه.
الثاني: أن تكون شرطا من غيره فقط وذلك فيما إذا كان المالك غير مكلف، فينوي إخراجها وليه في ماله.
الثالث: أن تكون شرطا من المالك ومن غيره، وذلك فيما إذا وكل في أخراجها وبعد الزمن فتشترط من الوكيل أيضا عند دفعها للفقير.
الرابع: أن لا تشترط النية أصلا وذلك في ثلاث صور:
الأولى: إذا تعذر الوصول إلى المالك بحبس أو غيره فأخذها الإمام أو الساعي، وتجزىء ظاهرا وباطنا.
الثانية: إذا امتنع المالك من أدائها فأخذها الإمام أو الساعي قهرا، فتجزىء ظاهرا لا باطنا.
الثالثة: إذا غيب ماله فأخذها الإمام أو الساعي بعد العثور عليه، وتجزىء ظاهرا لا باطنا.
* * *
83 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: يقوم بعض الناس بتربية الطيور فهل عليهم زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذين يربون الطيور إذا كانوا يريدون التجارة فعليهم الزكاة؛ لأنها عروض التجارة، يعني الإنسان يتكسب منها يبيع ويشتري فيها، أما إذا كانوا يريدون التنمية؛ يأكلونها أو يبيعون منها ما زاد عن حاجتهم، فلا زكاة عليهم، لأن الزكاة لا تجب في الحيوان إلا في ثلاثة أصناف: الإبل، والبقر والغنم فقط، بشروطها المعروفة.
* * *
مجموع فتاوى ورسائل - المجلد السابع عشر
زكاة الحبوب والثمار
محمد بن صالح العثيمين

باب زكاة الحبوب والثمار
رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد

(18/35)


كثير من البيوت يوجد بها نخيل وفيها ثمر قد يصل إلى حد النصاب وقد يتجاوزه؛ فهل تجب فيها الزكاة؟ وإن كان يهدى منها ويؤكل فهل يجزي ذلك عن الزكاة أم لا؟ وما مقدار الزكاة إن وجدت؟ وما مقدار النصاب؟ وإذا كانت فسائلها تباع فهل فيها زكاة؟ وإذا كان النخيل يغرس بقصد بيع الفسائل (الفراخة) فهل فيها زكاة؟ وجزاكم الله خيرا.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الجواب: النخيل التي في البيوت تجب الزكاة في ثمرها إذا بلغت نصابا، لقول الله تعالى: {ياأيها الذين ءامنو?ا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا? أن تغمضوا فيه واعلمو?ا أن الله غني حميد } وهذه مما أخرج الله لنا من الأرض، فتجب فيها الزكاة، سواء كانت تهدى بعد خرفها، أو تؤكل، أو تباع.
وإذا لم تبلغ النصاب فلا زكاة فيها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» والوسق الواحد ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، ومقدار صاع النبي صلى الله عليه وسلم كيلوان اثنان وأربعون غراما، فيكون النصاب ستمائة واثني عشر كيلو (216)، والمعتبر في هذا الوزن بالبر (القمح) الجيد؛ فتزن من البر الجيد ما يبلغ كيلوين اثنين وأربعين غراما، ثم تضعه في مكيال يكون بقدره من غير زيادة ولا نقص، فهذا هو الصاع النبوي، تقيس به كيلا ما سوى البر.
ومن المعلوم أن الأشياء المكيلة تختلف في الوزن خفة وثقلا، فإذا كانت ثقيلة فلابد من زيادة الوزن حسب الثقل.

(18/36)


ومقدار الزكاة نصف العشر، لأنها تسقى بالماء المستخرج من الا?بار أو من البحر، لكن بمؤونة إخراج وتحلية وتصفية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» رواه البخاري.
وليس في الفسائل زكاة، ولكن إذا بيعت بالدراهم وحال على ثمنها الحول وجبت زكاته.
وليس في النخيل التي تغرس لبيع الفسائل زكاة، كما أن النخيل التي تغرس لقصد بيع ثمرتها ليس فيها زكاة.
وما بيع من ثمر النخل التي في البيوت تخرج زكاته من قيمته، وما أكل رطبا تخرج زكاته رطبا من النوع الوسط إذا كان كثيرا في النخل. وما بقي حتى يتمر تخرج زكاته تمرا.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 2/3/514هـ.
93 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عندي في منزلي خمس نخلات وكلها مثمرة هل في ثمارها زكاة؟ وما مقدارها؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه مسألة في الحقيقة السؤال عنها جيد. كثير من الناس عندهم بيوت فيها نخل، والنخل تكون ثمارها بالغة للنصاب، ومع ذلك لا يزكونه؛ لأنهم يظنون أن الزكاة تجب في الحوائط الكبيرة. أما النخلات التي في البيت فيظن كثير من الناس أنه ليس فيها زكاة، ولكن الأمر ليس كذلك، بل نقول: إذا كان في بيتك نخل وعندك بستان آخر، وكانت النخل الموجودة في البيت لا تبلغ النصاب، فإنها تضم إلى النخل الذي في البستان.
أما إذا لم يكن عندك بستان فإننا ننظر في النخل الذي في البيت إن كان يبلغ النصاب وجبت الزكاة، وإن كان لا يبلغ النصاب فلا زكاة فيه.
والنصاب ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فينظر ويحسب من أجل أن يحول إلى وزنه بالمثاقيل، وأنا لم أحرره الا?ن، ولكن من الممكن أن يحرر بمعرفة صاع النبي صلى الله عليه وسلم بالمثاقيل.

(18/37)


الخلاصة: أن النخل الذي في البيت إن كان مالك البيت عنده بستان فيه نخل فإن ثمرة النخل الذي في البيت تضم إلى ثمرة النخل الذي في البستان، فإذا بلغ مجموعها نصابا وجب إخراج الزكاة.
وإن لم يكن له بستان فإننا نعتبر النخل الذي في البيت بنفسه، ونقول: إذا بلغت ثمرتها نصابا وجب فيها الزكاة وإلا فلا.
والزكاة نصف العشر فيما يسقى بمؤونة، والعشر كاملا فيما يسقى بلا مؤونة.
* * *
04 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: اشتريت قبل ثلاث سنوات بيتا، وفيه ـ ولله الحمد ـ ثلاث نخلات مثمرات من نوعين، وفيهن ثمر كثير، فهل علي زكاة والحال هذه؟ فإذا كان الجواب بنعم والناس يجهلون ذلك جدا فأسأل أسئلة:
أولا: كيف يكون معرفتي بلوغ النصاب من عدمه وأنا أخرفها خرفا؟
ثانيا: كيف يكون تقدير الزكاة؟ وهل تدفع من كل نوع بنسبته أم يضم بعضها إلى بعض وتخرج من نوع واحد؟ وهل يجوز أن أدفع نقودا؟ وماذا أصنع في السنوات الماضية؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما ذكره السائل من خفاء حكم هذه النخيل التي تكون في البيوت على كثير من الناس فهو صحيح، كثير من الناس يكون عنده سبع نخل أو عشر نخل أو أكثر أو أقل، وثمرتها تبلغ النصاب، لكنهم لا يعلمون أن فيها زكاة، يظنون أن الزكاة في البساتين فقط. والزكاة في ثمر النخل، سواء كان في البستان أو في الدور، وعلى هذا فليأت بإنسان عنده خبره، وليقدر ثمر هذا النخل: هل يبلغ النصاب أو لا؟ فإذا بلغ النصاب وجب عليه أن يزكيه، ولكن كيف يزكيه وهو يخرفه كما قال السائل؟
أرى أنه في مثل هذه الحالة تقدر قيمة النخل، ويخرج نصف العشر من قيمتها؛ لأن ذلك أسهل على المالك وأنفع للمحتاج، يعني إعطاء الدراهم أنفع للمحتاج وتقويمها بالدراهم أسهل على المالك، ولكن كم مقدار الزكاة؟ مقدار الزكاة خمسة في المائة، بينما زكاة المال في المائة اثنين ونصف، لكن هذه فيها خمسة في المائة، لأن زكاتها زكاة ثمر وليست زكاة تجارة.

(18/38)


أما ما مضى من السنوات وهو لم يزكه جاهلا، فإنه يقدر الا?ن في نفسه: كم يظن الثمرات الماضية ويخرج زكاتها الا?ن، وليس عليه إثم فيما سبق من تأخير الزكاة؛ لأنه جاهل بذلك، لكن لابد من أداء زكاة ما سبق. 01/2/5141هـ.
* * *
14 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: بعض المزارعين يخرج زكاة النخل من ثمرة مع العلم أن هناك نوعا أحسن منه، والله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شىء فإن الله به عليم } فما توجيهكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشهور من المذهب أنه يجب إخراج زكاة كل نوع منه، فتخرج زكاة الشقر من الشقر، وأم حمام منها، والسكري من السكري، والبرحي من البرحي، وهكذا كل نوع تخرج زكاته منه.
والصحيح أنه يجوز أن يخرج من الوسط بحسب القيمة، فإذا كان بستانه ثلاثة أصناف: صنف طيب، وصنف رديء، وصنف متوسط، وكان نقص قيمة الرديء بمقدار زيادة الطيب جاز أن يخرج من الوسط، أما مع التفاوت الكبير كما هو معروف الا?ن فإنه يجب أن تخرج زكاة كل نوع منه، لكن إذا كان يبيع الدقل فله أن يخرج الزكاة من قيمته.
* * *
24 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هل في العنب زكاة قبل أن يجف؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم فيه زكاة، حتى وإن لم يحصل منه زبيب على رأي جمهور العلماء، ففي عنبنا زكاة.
وقيل: إذا لم يحصل منه زبيب فلا زكاة فيه، بل يكون من جنس الفواكه والخضر، وعلى هذا فليس في عنبنا زكاة، لأنه لا يحصل منه زبيب، والأحوط إخراج الزكاة، والله أعلم.
* * *
34 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: كم يساوي الوسق من صاع أو كيلو؟

(18/39)


فأجاب فضيلته بقوله: الوسق هو الحمل، ومقداره ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، ففي قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» فيبلغ ثلاثمائة صاع، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم أقل من الصاع المعروف في القصيم بخمس وخمس الخمس.
* * *
44 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: بعض المزارعين يزرع الحلبة والرشاد هل يجب فيها الزكاة أم لا؟ وما هو النصاب فيها؟
فأجاب فضيلته بقوله: تجب الزكاة في الحلبة والرشاد بشرط أن تبلغ نصابا ولا يضم بعضها إلى بعض، الحلبة وحدها والرشاد وحده، أما إذا لم تبلغ نصابا، فلا زكاة فيها. والنصاب فيها ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
54 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: لو فرضنا أن عند إنسان بستانا أراد أن يبيعه، وفي هذا البستان من جملة ما فيه نخل، وانقضت سنة دون أن يبيعه، فهل على هذا الشخص زكاتان: زكاة على البستان جميعه على اعتبار أنه عروض تجارة، وزكاة على الثمر؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر العلماء رحمهم الله: أن البستان المعد للتجارة تجب فيه زكاة ثمره وزكاة أصله، فزكاة الثمر نصف العشر أو العشر بحسب مؤونة سقيه وعدمها، وزكاة الأصل ربع العشر.
والسؤال المذكور: إن كان قد تملك البستان من أجل الربح بالاتجار به ففيه زكاة عروض في أصله، وزكاة ثمار في ثمره. وإن كان قد تملك البستان للاستغلال ثم نواه للتجارة فالمشهور من المذهب أنه لا يزكي للتجارة؛ لأن العروض يشترط لوجوب الزكاة فيها أن يكون ناويا التجارة فيها من أول تملكه إياها، وعليه فليس في البستان المذكور إلا زكاة الثمر.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنها تكون للتجارة بمجرد النية، فعليها يجب في البستان المذكور زكاة العروض وزكاة الثمر، والله أعلم.
* * *

(18/40)


64 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا كان ما يجب على صاحب الزرع أكثر مما قدرته لجنة جمع الزكاة فهل يلزم صاحب الزرع أن يخرج زكاة الزائد؟
فأجاب فضيلته بقوله: ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال في زكاة الخارج من الأرض: «فيما سقت السماء أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر». فيجب على المرء المسلم أن يخرج هذا القسط مما تجب فيه الزكاة من الخارج من الأرض إذا بلغ نصابا.
وإذا قدر أن الساعي على الزكاة وهم اللجنة الذين قدروا الزرع وأخذوا زكاته نقص عن الواقع فإنه يجب على المالك إخراج زكاة مازاد، سواء كان هذا الزائد يبلغ نصابا أم لم يبلغ؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوجب سهما معينا نسبته كما سبق العشر أو نصف العشر، فلابد من إخراج هذا الواجب.
* * *
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة المكرم الشيخ محمد بن صالح العثيمين سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
اتصل بنا مندوب من ... كجباة لزكاة الثمار، وأشاروا إلى تشكيل هيئة لتقديرها بدراهم، ويكون كل نوع يقدر على حدة بدراهم، وعمال الحكومة قد قدروها كالمعتاد، وحيث إننا لم يسبق هذا التصرف طيلة السنين الماضية ولم نسمع به من عند النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود أفاضل علماء موثوق بعلمهم وعملهم، ولم يتعرض أحد منهم لذلك، ونحن ـ ولله الحمد ـ لا ننكر وجوب الزكاة، ولم نمتنع من دفعها، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى معاذا رضي الله عنه بقوله: «إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم» إلخ. والهيئة المشكلة لا علم لها بما يلحق ثمار النخيل من الأجور والمؤنة، والنقص والعيب، والفقهاء نصوا على أن يترك لهم الربع، أو الثلث. لذا نطلب الإيضاح لنا بالأدلة الشرعية لنكون على بصيرة، لأن هذا التصرف بتحويلها إلى دراهم يوجب التشويش وربما سبب مشاكل، أفيدونا وفقكم الله والسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم

(18/41)


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
سؤالكم عن تصرف الهيئة المشكلة لتقدير زكاة الثمار بدراهم، وكل نوع على حدة. إلخ ما ذكرتم.
نفيدكم: أولا: أن ولاة الأمور إذا رأوا المصلحة في شيء لا يخالف الشريعة فإن طاعتهم واجبة، لقول الله تعالى: {يـ?اأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذالك خير وأحسن تأويلا }.
ثانيا: أن أخذ زكاة النخيل، كل نوع على حدة ليس مخالفا للشرع، بل هو الواجب عند فقهاء الحنابلة ـ رحمهم الله تعالى ـ كما صرحوا به في كتبهم المختصرة والمطولة، قال في شرح الزاد (ص 773 ج 1 مع حاشية العنقري): ويزكى كل نوع على حدته أي مفرده. وقال في المنتهى وشرحه (ص 984 ج1 ط مقبل): ويجب خرص متنوع، كل نوع على حدة، وتزكيته أي المتنوع من ثمر وزرع كل نوع على حدة. وقال في الإقناع وشرحه (ص 554 ج 1ط مقبل): ويأخذ العشر من كل نوع على حده بحصته، ولو شق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها؛ لأن الفقراء بمنزلة الشركاء فينبغي أن يتساووا في كل نوع، فإن أخرج الوسط عن جيد ورديء بقدر قيمتي الواجب منهما لم يجزئه، أو أخرج الرديء عن الجيد بالقيمة بأن زاد في الرديء بحيث يساوي قيمة الواجب من الجيد لم يجزئه. اهـ. وقال في الإنصاف (ص 211 ج 3): ويؤخذ العشر من كل نوع على حدة، هذا الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب. اهـ. وقال في المغني (ص 217 ج 2) عن القول بأنه يخرج من كل نوع على حدة. إنه قول أكثر أهل العلم.

(18/42)


ثالثا: وأما أخذ الدراهم عن التمر ففيه مصلحة كبيرة للفقراء؛ لأنه أنفع لهم وأرغب إليهم، ولقد مضت السنوات السابقة والتمور المقبوضة زكاة في المخازن لم يستفد منها أحد حتى فسدت، وقد علم الناس كلهم قلة رغبة الناس في التمر هذه السنين، فكيف تطيب نفس الفلاح، أو أهل الأصل أن يبيعوا تمورهم بدراهم ثم يخرجوا زكاتها من التمر، وربما يكون من نوع لا يساوي زكاة النوع الجيد. وعليه فإخراج الدراهم فيه فائدة لرب المال من الفلاحين وأهل الأصل، وهي تيقن إبراء ذممهم وخروجهم من العهدة. وإجزاء القيمة عن الزكاة هو مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ وعنه رواية أخرى يجزىء للحاجة. وذكر بعضهم رواية أخرى يجزىء للمصلحة، هذا معنى ما قاله في الفروع (ص 365 ج 2 ط آل ثاني). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في مجموع الفتاوى (ص 28، 38 ج 52 لابن القاسم): وأما إخراج القيمة للحاجة، أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به، وذكر لذلك أمثلة منها أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، ومنها أن يرى الساعي (يعني جابي الزكاة) أن أخذها أنفع للفقراء.
رابعا: وأما إذا بيع النخل ثمرته بدراهم فإن العدل الذي تبرأ به الذمة أن يخرج الزكاة من الدراهم، إذا كان ذلك أرغب للفقراء وأنفع لهم، قال في الفروع (ص 565 ج 2 ط آل ثاني): ونقل عنه (يعني عن الإمام أحمد) صالح وابن منصور إذا باع ثمره أو زرعه وقد بلغ ففي ثمنه العشر أو نصفه. ونقل أبو طالب: يتصدق بعشر الثمن. قال القاضي: أطلق القول هنا أن الزكاة في الثمن وخير في رواية أبي داود، وعنه لا يجزىء أن يخرج من الثمن. اهـ. والقول الأول وهو إخراج الزكاة من الثمن إذا بيع أقرب إلى العدل، وأظهر في براءة الذمة، لاسيما مع اختلاف الأنواع ومشقة الإخراج من كل نوع على حدة.

(18/43)


وبهذا علم أن أخذ القيمة عن الزكاة، أو أخذ الزكاة من ثمن الثمر أو الزرع إذا بيع ليس مخالفا للشرع، بل هو من الشرع إذا دعت الحاجة، أو المصلحة إليه، أو كان أقرب إلى العدل.
وأما كون هذا لم يسبق طيلة السنين الماضية مع وجود علماء أفاضل موثوق بعلمهم وعملهم، فجوابه: أن كونه لم يسبق لا يوجب أن لا يكون حقا، فالحق ثابت سواء عمل به أم لم يعمل به، وعذر العلماء في ترك العمل: أن الحاجة لم تكن داعية إليه في أوقاتهم، فلم يكن هذا الاختلاف الكبير بين أنواع التمر، وكان تمر الشقر في وقتهم هو النوع الوسط إن لم يكن الخيار. فقد حدثني من أثق به: أن تمر الشقر كان أغلى عند الناس فيما سبق من تمر السكري، وكان غالب قوتهم من التمر تمر الشقر، ولم تكثر تمور البرحي الغالية في ذلك الوقت، فمن أجل هذا لم يتعرض العلماء للناس في إخراج زكاتهم من الشقر، أما لما تغير الوضع واختلفت أنواع التمور هذا الاختلاف الكبير، فإنه لابد أن يعاد النظر في هذا، ويلزم الناس بالعدل، لأن الحكم يدور مع علته، كما هو معلوم مقرر عند أهل العلم.
خامسا: وأما وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ في قوله: «وإياك وكرائم أموالهم» فإن الذي أوصاه بذلك رسول من قال: {ياأيها الذين ءامنو?ا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا? أن تغمضوا فيه واعلمو?ا أن الله غني حميد * الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم}.

(18/44)


فالكريم من المال: الجيد منه. والخبيث منه: الرديء، والجودة والرداءة أمران نسبيان، فقد يكون الجيد في مال شخص رديئا في مال آخر، فإذا قدر أن شخصا عنده بستان فيه برحي وسكري كان السكري رديئا بالنسبة للبرحي؛ لأنه أقل ثمنا ورغبة عند الناس، وإذا قدر أن شخصا عنده بستان فيه سكري وشقر كان السكري جيدا بالنسبة للشقر؛ لأنه أغلى وأرغب عند الناس، ولهذا قال الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا? أن تغمضوا فيه واعلمو?ا أن الله غني حميد } ثم قال: {ولستم بأخذيه إلا? أن تغمضوا فيه واعلمو?ا أن الله غني حميد } يعني لو كان الحق لكم لم تأخذوا هذا الرديء من المال، إلا على إغماض.
ومن المعلوم أن الواجب في زكاة الثمار والزروع نصف العشر إن كان يسقى بمؤونة، والعشر كاملا إن كان يسقى بدون مؤونة، فإذا كان لك العشر أو نصفه من بستان فيه برحي وشقر: فهل ترضى أن تعطى من الشقر وينفرد شريكك في البرحي؟ الجواب سيكون بالنفي، أي أنك لا ترضى إلا على إغماض، فإذا كان كذلك فكيف ترضى أن يكون نصيب زكاتك من الشقر بدلا عن البرحي أو السكري مع ظهور الفرق الكبير بينهما رغبة وقيمة. والحديث ظاهر فيما يطابق الا?ية، لأنه أضاف الكرائم إلى أموالهم فكريم كل مال بحسبه.

(18/45)


والمقصود من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم معاذا بقوله: «إياك وكرائم أموالهم» أن يأخذ الجيد من المال عن الوسط أو الرديء منه؛ لأن ذلك ظلم لصاحب المال، ولهذا أردفه بقوله: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» كما أن أخذ الوسط أو الردىء عن الجيد ظلم لأهل الزكاة، والعدل أن يؤخذ عن الجيد جيد، وعن الوسط وسط، وعن الردىء منه، فإذا أخذنا عن الكريم كريما فهذا هو العدل المأمور به في قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى? أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } وقوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون }.
وإني أضرب لك مثلا يتضح به الأمر لمن شاءالله:

(18/46)


لو كان لك بستان ربعه برحي، وربعه سكري، وربعه أمهات حمام، وربعه شقر وكان مقداره ثمانية آلاف كيلو من كل نوع ألفان من الكيلوات ،وكان الكيلو من البرحي باثني عشر ريالا، ومن السكري بستة ريالات، ومن أمهات حمام بثلاثة ريالات، ومن الشقر بريالين، فإن قيمة البرحي أربعة وعشرون ألفا، وقيمة السكري اثنا عشر ألفا، وقيمة أمهات حمام ستة آلاف ريال، وقيمة الشقر أربعة آلاف ريال. فزكاة البرحي تساوي ألفا ومائتي ريال، وزكاة السكري تساوي ستمائة ريال، وزكاة أمهات حمام تساوي ثلاثمائة ريال، وزكاة الشقر تساوي مائتي ريال، فتبلغ زكاة الجميع ألفين وثلاثمائة ريال إذا أخرج زكاة كل نوع منه، ولو أخرجها من البرحي لبلغت أربعة آلاف وثمانمائة ريال، ولو أخرجها من الشقر لم تبلغ إلا ثمانمائة ريال. فإلزام المزكي بإخراجها من البرحي ظلم له وهو الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا منه، والاكتفاء بإخراجها من الشقر ظلم لأهل الزكاة، وهو الذي نهى الله عنه في قوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا? أن تغمضوا فيه واعلمو?ا أن الله غني حميد } وهو خلاف ما أمر الله به من العدل.
وبهذا المثل يتبين ما وقع فيه كثير من الناس اليوم من ظلم أنفسهم وظلم غيرهم بإخراج الزكاة عن الأنواع الجيدة من أنواع رديئة بالنسبة إليها. وأن الواجب على المؤمن أن ينظر بعين البصيرة والعدل في إخراج الواجب عليه، وأن يحاسب نفسه اليوم لأنه يستطيع التخلص قبل أن يأتيه الموت فيقول: {رب ارجعون * لعلى? أعمل صالحا فيما تركت} أو يقول: {رب لولا? أخرتنى? إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين } أو يقول: {ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن الساخرين }.

(18/47)


سادسا: وأما قول القائل: أنا لم أمتنع من دفع الزكاة. فنقول: إن من دفع الرديء زكاة عن الجيد لم يدفع الزكاة في الحقيقة؛ لأن الزكاة معتبرة بالكمية والكيفية، فنقص الوصف فيها كنقص المقدار.
سابعا: وأما قولكم: إن هيئة النظر لا علم لها بالمؤونة وما يلحق الثمار من العيب ونحو ذلك. فنقول: هذا صحيح، ولكن لصاحب الثمر أو الزرع أن يبين للهيئة الواقع، ثم تنظر الهيئة ماذا عليه في حكم الشرع.
ثامنا: وأما قولكم: إن الفقهاء نصوا على أن يترك لصاحب
الثمر الثلث أو الربع. فهذا مبني على حديث سهل بن أبي حتمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع»، وقد تفرد به راو لا تعرف حاله، ثم إن العلماء اختلفوا في المراد بترك الثلث أو الربع فقيل: يترك ليخرجوه زكاة لمن يعرفون ويحبون أن يخصوه بها، وقيل: يترك بلا زكاة. فعلى الأول يكون المعنى اتركوا ثلث الزكاة أو ربعها يخرجونه هم، وعلى الثاني يكون المعنى: أسقطوا عنهم ثلث الزكاة أو ربعها، وعلى كلا المعنيين فإن الفرق قد يكون بين قيمة الجيد والوسط والرديء أكثر من الثلث كما يعلم من المثال السابق.

(18/48)


هذا وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يترك لصاحب الثمر شيء لا ثلث ولا ربع، قال النووي في المجموع ص 634 ج 5 تحقيق محمد نجيب المطيعي: المذهب الصحيح المشهور يعني من مذهب الشافعية الذي قطع به المصنف والأكثرون أنه يخرص جميع النخل والعنب، وفيه قول للشافعي: أنه يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكلها أهله، ويختلف باختلاف حال الرجل في قلة عياله وكثرتهم، ثم ذكر من حكاه من الشافعية، وقال في حكاية الماوردي أنه يترك الربع أو الثلث اهـ. وحكى ابن حزم في المحلى (ص 952 ج 5) عن مالك وأبي حنيفة أنه لا يترك له شيئا. وقال ابن عبدالبر في كتاب الكافي (ص 603 ج 1): والمشهور من مذهب مالك أنه لا يترك الخارص شيئا في خرصه من ثمر النخل أو العنب إلا خرصه اهـ.
وخلاصة جواب كتابكم ما يلي:
1 ـ أن طاعة ولاة الأمور واجبة إذا رأوا المصلحة في أمر لا يخالفه الشرع.
2 ـ أن أخذ زكاة النخيل من كل نوع على حدته ليس مخالفا للشرع، بل هو الواجب في مذهب الحنابلة وأكثر أهل العلم.
3 ـ أن أخذ الدراهم عن زكاة التمر فيه مصلحة للفقراء، وفائدة لرب المال، وأنه مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ.
4 ـ أن أخذ زكاة الثمار من القيمة إذا بيعت من تمام العدل، وأن هذه رواية عن الإمام أحمد نقلها صالح، وابن منصور، وأبو طالب. وذكرنا عذر العلماء عن العمل بذلك فيما سبق.
5 ـ أن المراد بتحذير النبي صلى الله عليه وسلم معاذا عن أخذ كرائم الأموال أخذها عن الرديء والوسط؛ لأن ذلك ظلم لرب المال، وضربنا مثلا يتضح به المراد.
6 ـ أن الزكاة معتبرة بالكمية والكيفية، فنقص الوصف فيها كنقص المقدار.
7 ـ أنه إذا كانت هيئة النظر لا تعلم ما يلحق الثمار من النقص فلصاحب الثمار أن يخبرها؛ لتنظر حكم الشرع في ذلك.

(18/49)


8 ـ أن ترك الثلث أو الربع لصاحب الثمر ليس محل إجماع من العلماء، فمذهب المالكية والشافعية أنه لا يترك، وحكاه ابن حزم عن الحنفية. والحديث المذكور فيه، محل نظر في سنده ومعناه.
هذا ما لزم، والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه محمد الصالح العثيمين في 71/3/2041هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى... حفظه الله وتولاه في الدنيا والا?خرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد.
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو الجواد الكريم. ثم إن نعم الله تعالى كثيرة لا تعد ولا تحصى، وخصوصا ما أنعم به علينا في الأعوام الأخيرة بأنواع ثمار النخيل اللذيذة الطعم، المريئة المأكل، التي تفضل كثيرا مما كان شائعا من قبل في المأكل والنوع والقيمة، {ونفضل بعضها على بعض فى الاكل إن فى ذالك لآيات لقوم يعقلون } وقد أمرنا الله سبحانه أن نأكل من هذه الطيبات ونشكره عليها، ومن أوجب الشكر أن نخرج ما أوجبه الله علينا من الزكاة فيها، فإن الزكاة أوجب واجبات المال، وهي أحد أركان الإسلام، وأهميتها عظيمة، وأخطارها جسيمة. لذلك وجب علي أن أذكر أخي بما أوجب الله تعالى، فقد بين الله تعالى فيما آتاه نبيه من البينات والهدى ما يجب إخراجه في الزكاة قدرا وصفة:
فأما القدر: فهو العشر كاملا، فيما لا يحتاج إلى كلفة في إخراج الماء لسقيه: كالذي يشرب بالقصب السائحة والأنهار والعيون، أو يشرب بعروقه، ونصف العشر فيما يحتاج إلى كلفة مثل الذي يشرب بالسواني والمكائن.

(18/50)


وأما الصفة: فقد قال الله عز وجل: {ياأيها الذين ءامنو?ا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا? أن تغمضوا فيه واعلمو?ا أن الله غني حميد الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا? أن تغمضوا فيه واعلمو?ا أن الله غني حميد } فنهى الله تعالى عن قصد الإنفاق من الخبيث وهو الرديء هنا، وأشار إلى الحكمة في ذلك، وهو أنه ليس من العدل فإنكم لو أعطيتموه لم تأخذوه إلا على إغماض وكراهية. والنهي لا يتضمن إلا النهي عن قصد الرديء ففهم من ذلك جواز إخراج المتوسط، وهو أقل الواجب، كما فهم من الا?ية جواز إخراج الطيب، وهذا أكمل وأفضل.

(18/51)


وإذا كانت الا?ية دالة على جواز إخراج المتوسط فإنه يجوز إخراج المتوسط إذا كان النوع واحدا، مثل أن يكون البستان كله شقر أو كله سكري أو كله برحي، ويكون البعض طيبا والبعض رديئا والبعض متوسطا، فتخرج من المتوسط بالقسط، وأما إذا كانت الأنواع متعددة مثل أن يكون البستان أنواعا بعضه سكري، وبعضه شقر، وبعضه برحي، وبعضه دقل أخرى، فإن مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عند أصحابه أنه يجب عليك أن تخرج زكاة كل نوع على حدة، فتخرج زكاة السكري من السكري، وزكاة الشقر من الشقر، وزكاة البرحي من البرحي، حتى لو كانت نخلة واحدة من نوع وجب عليك أن تخرج زكاتها منها، هذا هو المذهب كما صرح به الأصحاب ـ رحمهم الله ـ في كتبهم المختصرة والمطولة، وأنا لا أقول: إنه يجب على الإنسان أن يعمل بهذا القول، لأنه مشقة وحرج خصوصا إذا كثرت الأنواع وقلت أفرادها، والله سبحانه وتعالى ما جعل علينا في الدين من حرج، ولكني أقول: إنه يجوز ـ إن شاءالله ـ أن يخرج من متوسط الأنواع، كما يجوز أن يخرج من متوسط الأفراد، لكن بشرط مراعاة العدل ومساواة أهل الزكاة في الواجب، فإذا قدرنا أن البستان ثلاثة أنواع: نوع طيب، ونوع رديء ونوع متوسط، وكانت قيمة الطيب تزيد على قيمة المتوسط بقدر نقص قيمة الرديء عن المتوسط فحينئذ يجوز أن يخرج من المتوسط؛ لأن نقصه عن قيمة الطيب يقابل زيادته على قيمة الرديء، فأما إذا كانت قيمة الطيب تزيد على قيمة ما يسمى بالمتوسط أكثر مما يزيد المتوسط على قيمة الرديء فكيف يقال: إنه متوسط؟ وكيف يجوز أن نخرج منه؟ هل هذا من العدل أو مساواة أهل الزكاة؟!

(18/52)


إن أهل الزكاة شركاء لك فيما أوجب الله عليك لهم، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم لهم سهما مشاعا، وغاية ما رخص فيه أن تعطيهم من المتوسط، فلو قدرنا أن لك سهما مشاعا في بستان شخص يجب لك من متوسطه: هل تقبل أن يعطيك من رديئه؟ لا، لا تقبل ذلك إلا على إغماض أو محاباة، ولا محاباة في الزكاة إلا بإخراج المتوسط فقط.
ولنضرب مثلا يتضح به المقصود: لقد كان البستان الذي يشتمل على الكثير من هذه الأنواع الطيبة يباع مثلا بعشرة آلاف أو أكثر وقد خرص مثلا عشرة آلاف وزنة، فيخرج صاحب البستان عنه خمسمائة وزنة من الشقر باعتبار أن هذا هو نصف العشر، وهذه الخمسمائة في وقتنا هذا ربما لا تساوي إلا مائتي ريال أو تزيد خمسين ريالا أو تنقص خمسين ريالا، فهل مائتا ريال أو مائتان وخمسون نصف عشر عشرة آلاف؟ كلا. إذن فالواجب على المسلم أن يلاحظ ذلك ويحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب عليها في الا?خرة.
لكن ههنا أمر مشكل ربما يرد على المرء وهو: لماذا لم يتكلم العلماء السابقون في البلد على هذه المسألة كمشائخنا الذين أدركناهم؟ ولماذا أقروا الناس على إخراج الشقر وسكتوا عنهم من غير تفصيل؟
والجواب على ذلك من وجهين:
الأول: أن الأنواع الطيبة خصوصا البرحي لم تكن فيما مضى بهذه الكثرة، وإنما هي أفراد قليلة بالنسبة للأنواع التي في البساتين.
الثاني: أنه لم يكن التفاوت بين قيمتها وقيمة الشقر مثل ما كان عليه في وقتنا الحاضر، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، كما قال ذلك أهل العلم والفقه.
ثم إنه متى قامت الحجة واستبان الدليل من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد عذر في ترك العمل بمقتضاه.
فإن قيل: فكيف نخرج بعد أن عرفنا أن الشقر ليست هي النوع المتوسط إذا كانت قيمة الأنواع التي فوقها تزيد على قيمتها أكثر مما تنقص عنها قيمة الرديء؟

(18/53)


فالجواب أن نقول: إن الزكاة وجبت لمواساة الفقراء وسد حاجتهم، وأكثر الناس الا?ن يبيعون هذه الأنواع الطيبة بالدراهم فإذا أخرجوا الفرق دراهم فأرجو أن يكون ذلك جائزا؛ لأنهم واسوا الفقير في ذلك، ولأن الدراهم أرغب للفقير غالبا من التمر.
هذا حررته لكم للتذكير بهذه المسألة لأهميتها وعظم خطرها وأعتقد أنكم قد رأيتم أو سترون ما رأيته أنا إن شاءالله، وإنكم سوف تستعينون الله على أنفسكم بإبراء ذمتكم وإخراج الواجب قبل يوم القيامة إذا علمتم أن الزكاة ليست مغرما وخسارة، وإنما هي إيمان ومغنم وبركة وفلاح وسعادة، وأسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن رأى الحق حقا واتبعه، ورأى الباطل باطلا واجتنبه إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه. في 72/3/3831هـ.
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
سائل يسأل ويقول: حصدت عيشي العام الماضي سنة 8041هـ في شهر رمضان، وأدخلت جزءا من العيش في الصوامع بعد رمضان وآخره بعد عيد الأضحى، واستلمت الفلوس في شهر شعبان عام 9041هـ. السؤال: هل في الفلوس المستلمة زكاة هذا العام 9041هـ أم إذا حال عليها الحول من حين استلامي لها.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
من المعلوم أن على المرء المسلم زكاة زرعه نصف العشر إن كان يسقى بالمكائن وشبهها مما يحتاج لمؤونة، أو العشر كاملا مما يشرب سيحا أو بالأمطار ونحوها مما لا يحتاج لمؤونة، لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» رواه البخاري.

(18/54)


فإذا باعه الإنسان على الصوامع أو غيرها فإن قبض الثمن حالا وحال عليه الحول وجبت عليه الزكاة، وابتداء الحول يكون من حين تمام العقد، وإن لم يقبض الثمن إلا بعد مضي مدة فإن كان قبل تمام السنة من العقد لم تجب عليه الزكاة حتى يتم الحول، وإن كان بعد تمام السنة زكاه في الحال. كتبه محمد الصالح العثيمين في 91/01/9041هـ.
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
المزارع تسقى بمؤونة بواسطة المكائن، وتم خرص النخيل وكلفت الجمعية من قبل القاضي بتوزيع زكاة التمور على المستحقين، ولكن هذا الخرص زاد في بعض المزارع عن الواقع، كما نقص في مزارع أخرى، وكذلك هذه المزارع أصناف التمور فيها مختلفة من سكري، وبرحي، وشقرى وأنواع أخرى كثيرة، وتمر البرحي بيع بسرا فما رأي فضيلتكم بتوجيه الفلاحين إلى بيع التمر، ومن ثم إعطاء الجمعية مقدار الزكاة، وهو نصف العشر حتى يكون ذلك إبراء لذمة المزارع، وأفضل للمستحق حتى يشتري من التمور أو غيرها ما يريد من حيث النوع أو الكيف، وحتى يزول الحرج عن بعض الفلاحين الذي يتحرج من بيعه. والله يحفظكم ويرعاكم.
أخوكم
رئيس الجمعية الخيرية في...
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لا بأس أن يخرج الفلاح زكاة ثماره من الدراهم، إذا باع الثمر، فإن ذلك أبرأ للذمة وأقرب للعدل.
أما إذا لم يبعه فالواجب إخراجها من الوسط، ولا يجوز إخراجها من الرديء، ولا يلزم بإخراجها من الجيد. والمشهور من المذهب وجوب إخراج زكاة كل نوع منه، ولكن الراجح ما ذكرته من إخراج الوسط. وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح. كتبه محمد الصالح العثيمين في 61/3/0141هـ.
74 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا باع المزارع ثمر نخل له ونسي أن يخرج الزكاة فهل يشتري تمرا ويخرجه أو يخرجها نقودا؟ وما هو نصاب الزكاة؟

(18/55)


فأجاب فضيلته بقوله: إذا باع الإنسان ثمرة نخله أو زرعه فإنه يخرج الزكاة من قيمتها؛ لأن هذا أقرب إلى العدل، وهذا أنفع للفقراء في وقتنا، فمثلا إذا بعته بعشرة آلاف ريال تخرج نصف العشر يعني خمسمائة ريال.
* * *
84 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: كيف تخرج زكاة الثمار؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز إخراج زكاة الثمار المخروصة من الثمر بعد جذه، ويجوز إخراجها مشاعة على رؤوس النخل بحيث يخرص الثمرة على رؤوس النخل، ثم يعين شجرات للزكاة، والباقي لرب المال، فههنا صفتان لتعيين الزكاة:
الأولى: أن ينتظر فيها إلى الجذاذ، وبعد الجذاذ تقسم فيخرج منهم الزكاة، والباقي لرب المال.
الثانية: أن تخرص الثمرة على رؤوس الشجر، ويعين سهم الزكاة في شجر مفرد، ينفرد بها أهل الزكاة، والباقي من الشجر يختص رب المال بثمره، كما نص على ذلك في الفروع والإقناع وغيرهما، قال في الفروع (2/624 ط آل ثاني): وله أن يخرج الواجب منه مشاعا، أو مقسوما بعد الجذاذ، أو قبله بالخرص وفاقا لمالك والشافعي؛ لأنها مواساة فيتخير الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ بالخرص، ويأخذ نصيبه شجرات مفردة، وبين مقاسمته الثمرة بعد جذها بالكيل. اهـ. وهذا الذي قاله تفريع على قول القاضي وجماعة، وهو الصواب.
ويكون الخرص حين يبدو صلاحه فيحمر أو يصفر.
* * *
94 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا أخرج المزارع زكاة الحب عند الحصاد، ثم باعه بنقد، فهل تجب الزكاة فيه؟

(18/56)


فأجاب فضيلته بقوله: إذا زكاه عند حصاده، أو عند جنيه إذا كان ثمرا، فإن بقي عنده على ما هو عليه، فإنه لا تعاد زكاته مرة ثانية، وأما إذا باعه بدراهم أو أعده للتجارة بعد ذلك، فإنه يجب عليه أن يخرج زكاته إذا تم الحول على هذه الدراهم، التي أخذها عوضا عنه أو تم الحول من نيته التجارة؛ لأنه إذا نوى به التجارة صار عروض تجارة، وعروض التجارة تجب فيها الزكاة، وإذا باع هذا المحصول بنقد فإنه يكون نقدا، ويتحول إلى زكاة النقد إلا أنه لا تجب فيه الزكاة حتى يتم له حول، وفي هذه الحال يكون قد أخرج الزكاة مرتين، ولكن المرة الأولى عن زكاته باعتباره خارجا من الأرض، والثانية باعتباره نقدا، أو باعتباره عروض تجارة، وبينهما فرق في المقدار، ففي النقود ربع العشر، وكذلك في قيمة عروض التجارة ربع العشر، بخلاف الخارج من الأرض ففيه العشر، أو نصفه على ما سبق.
* * *
05 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هل على العسل زكاة؟ وما هو النصاب؟ وكم مقدارها لأنه قد كثر النحل هذه الأيام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن العسل ليس فيه زكاة، لأن ذلك لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه حرس أماكن النحل وأخذ عليهم العشر، وعلى هذا فلا تجب الزكاة في العسل، لكن إن إخرجها الإنسان تطوعا فهذا خير، وربما يكون ذلك سببا لنمو نحله وكثرة عسله، أما أنها لازمة يأثم الإنسان بتركها فهذا لا دليل عليه.
* * *
15 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هل على العسل زكاة؟ وإن كان الإنسان يريده لبيته والتصدق منه، وإذا كان للتجارة فهل يزكي عنه؟ وما مقدار هذه الزكاة؟

(18/57)


فأجاب فضيلته بقوله: المشهور من مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أن العسل فيه الزكاة، ومقدارها العشر، لأنه يؤخذ بدون كلفة وبدون مؤونة، فهو كالثمار التي تسقى بدون مؤونة، ولكن المشهور من مذهب أحمد ـ رحمه الله ـ أنه لابد أن يبلغ نصابا، وهو وزن واحد وستين كيلو وخمس. والله الموفق.
* * *
25 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن حكم الركاز والواجب فيه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الركاز حديث عهد فهو لقطة لواجده، ينشده، أي: يعرفه لمدة سنة، فإن وجد صاحبه وإلا فهو له، وأما إن كان الركاز قديما لا يغلب على الظن أنه لأحد معروف من أهل العصر فهو لواجده بدون تعريف، ولكن عليه أن يخرج منه الخمس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الركاز الخمس».
* * *
35 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا وجد عمال هدم البيوت التي تهدم لصالح الشوارع ركازا فهل يدخل هذا الركاز في بيت مال المسلمين؟ وهل يأثم كانزه بسبب تعطيله وعدم إخراج زكاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الركاز حديث عهد فهو لقطة لواجده، يعرفه لمدة سنة، فإن وجد صاحبه وإلا فهو له، وأما إن كان الركاز قديما لا يغلب على الظنه أنه لأحد معروف من أهل العصر فهو لواجده أيضا بدون تعريف، ولكن عليه أن يخرج منه الخمس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي الركاز الخمس».
أما كانزه فأمره إلى الله قد يكون كنزه لعذر كالخوف من السرقة أو لغير ذلك، وربما أنه يخرج زكاته فلا يمكن أن نحكم عليه بالإثم ولا بالبراءة من الإثم.
* * *
45 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: شخص وجد مبلغا من المال يقدر بعشرين جنيها من الفضة داخل حفرة، فأخذ هذا المال وصرفه في علاج ابنه وهو في أمس الحاجة، فهل عليه شيء؟ وهل فيه زكاة؟

(18/58)


فأجاب فضيلته بقوله: المال المدفون إن كان عليه علامة على أنه مال سابق ليس من أموال المسلمين، فهذا يسمى عند العلماء ركازا، ويجب إخراج خمسه، فإذا وجد هذا الركاز وهو يساوي خمسة آلاف مثلا، فالواجب إخراج (ألف)، والباقي له يدخله في ماله.
أما إذا كان هذا المال الذي وجده مدفونا في الأرض ليس فيه دليل على أنه من مدفون الجاهلية الأولى، فإنه يعتبر لقطة يبحث عن صاحبه لمدة سنة فإذا جاء صاحبه وإلا فهو له.

مجموع فتاوى ورسائل - المجلد السابع عشر
زكاة النقدين
محمد بن صالح العثيمين

باب زكاة النقدين

55 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن نصاب الذهب والفضة، ومقدار صاع النبي صلى الله عليه وسلم بالكيلو؟
فأجاب فضيلته بقوله: نصاب الذهب عشرون مثقالا، ويساوي بالجرام خمسة وثمانين جراما.
أما نصاب الفضة فهو مئة وأربعون مثقالا، ويساوي بدراهم الفضة السعودية ستة وخمسين ريالا.
وأما مقدار صاع النبي صلى الله عليه وسلم بالكيلو فهو كيلوان وأربعون غراما من البر الرزين.
* * *
65 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: كم يساوي ربع الدينار من الذهب، أو ثلاثة الدراهم من الفضة بالنسبة للعملة السعودية؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدينار الإسلامي زنته مثقال من الذهب، والجنية السعودي زنته مثقالان إلا ربعا، فيكون ربع الدينار سبع جنيه سعودي. والدرهم الإسلامي سبعة أعشار مثقال، والريال السعودي مثقالان وربع صافيا، فتكون ثلاثة الدراهم ريالا سعوديا إلا عشر مثقال ونصف العشر.
* * *
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.... حفظه الله ووفقه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم الكريم المؤرخ 21 الجاري وصل، سرنا صحتكم، الحمد لله على ذلك، نشكركم على التهنئة بهذا الشهر المبارك، ونسأل الله تعالى أن يجزيكم عنا خيرا، وأن يعين الجميع على عبادته، ويتقبل ذلك بمنه وكرمه.

(18/59)


سؤالكم عن تحرير عشرين مثقال الذهب، وكم قدرها من الجنيه، فهي أحد عشر جنيها وثلاثة أسباع جنيه بالتحرير.
وعن دم ترك طواف الوداع فإنه يذبح بمكة، ويفرق على فقراء الحرم كله، ولا يؤكل منه شيء.
وعن المداينة بالصفة التي ذكرت، فنحن نرى أنها لا تحل للجميع على هذا الوجه، وإنها حيلة وخداع لا تخفى على رب العالمين، بل ولا على أبسط خلق الله، بل المتعاقدان أنفسهما يعرفان أن هذا البيع صوري لا حقيقة له، فليس للمستدين غرض بالسلعة التي اشتراها من المعزب، بدليل أنه لا يقلبها، ولا يسأل عنها سؤال من له غرض فيها، وشراؤه مشترى حقيقي، وإني أعتقد بناء على عملهم هذا أن صاحب الدكان لو أتى بأكياس من الرمل ووضعها في دكانه وقال لهم: هذا سكر. لعقدوا عليه هذه الصفة ومسحوه بأيديهم، وانتهى كل شيء فأي تلاعب بدين الله أبلغ من هذا التلاعب.
والله يحفظكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 31/9/6831هـ.
75 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى : قلتم: إن نصاب الذهب أحد عشر وثلاثة أسباع، لكن لا أعرف كم يساوي هذا بالنقود؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرجل يسأل يقول: إن نصاب الذهب أحد عشر جنيها وثلاثة أسباع، ولكن لا أدري ماذايساوي بالنقود. نقول: إن هذا النصاب إذا عرفته فإنه يختلف من سنة إلى أخرى، إذا زاد الذهب ارتفعت العروض، وإذا نقص الذهب انخفض سعره، ولا يمكن أن يحدد هذا بالنقود،والنقود تبع للقيمة وقت وجوب الزكاة، فإذا قدر أن هذاالذهب اشتري بمائة ألف مثلا، وصار عند وجوب الزكاة لا يساوي إلا خمسين ألفا فزكاته زكاة خمسين ألفا، وإذا كاناشتري بخمسين ألفا فصار عند وجوب الزكاة يساوي مائة ألف وجب أن يزكى زكاة مائة ألف، وزكاة الدراهم معلومة للجميع أنها ربع العشر، يعني اثنين ونصف بالمائة، أو خمسة وعشرين بالألف.
* * *
85 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا كان مع ذهب ألماس ونحوه فكيف تقدر زكاته؟

(18/60)


فأجاب فضيلته بقوله: يقدر ذلك أهل الخبرة فيذهب بها إلى تجار الذهب أو الصاغة، لينظروا هل يبلغ الذهب النصاب أو لا يبلغ؟ فإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه إلا أن يكون عندها من الذهب ما يكمل به النصاب، وتقدر قيمة الذهب الذي مع الماس، ثم تخرج زكاته وهي ربع العشر.
* * *
95 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ما حكم اقتناء المجوهرات مثل الألماس؟ وهل تجب فيها الزكاة؟ وهل يعتبر حكم الألماس حكم الذهب والفضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: اقتناء المجوهرات لاستعمالها جائز بشرط ألا يصل إلى حد الإسراف، فإن وصل إلى حد الإسراف كان ممنوعا بمقتضى القاعدة العامة التي تحرم الإسراف، وهو مجاوزة الحد لقول الله تعالى: {ولا تسرفو?ا إنه لا يحب المسرفين }. وإذا لم يخرج اقتناء هذه المجوهرات من الألماس وغيره إلى حد الإسراف فهي جائزة؛ لعموم قوله تعالى: {هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شىء عليم } وليس فيها زكاة إلا أن تعد للتجارة، فإنها تكون كسائر الأموال التجارية.
* * *
06 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: يقول بعض الناس: إن تقدير نصاب الفضة كان في زمن يتغير عن هذا الوقت بقلة المال، وأنه يجب أن يقدر بما يناسب هذا الوقت فما قولكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: قول بعض الناس: إن تقدير نصاب الفضة كان في زمن يتغير عن هذا الوقت بقلة المال، وأنه يجب أن يقدر بما يناسب هذا الوقت.

(18/61)


جوابه: أن هذا قول باطل، فإن الأمور المقدرة بالشرع لا مجال للرأي فيها، ولا تتغير بتغير الزمان والأحوال؛ لأن ذلك يفضي إلى تغير الشرع بتغير الزمان والأحوال، فلا تكون الملة واحدة ولا الأمة متفقة، ويكون لكل عصر شريعة ولكل قوم ملة. ثم إن تقدير أنصباء الزكاة كان في السنة الثانية من الهجرة، وقد كثرت الأموال بعد ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولم يغير الرسول صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون ـ رضي الله عنهم ـ ولا أئمة المسلمين وعلماؤهم ـ رحمهم الله ـ هذا التقدير من أجل كثرة المال وقلة هذا النصاب بالنسبة لكثرة المال.
ثم إذا قلنا بتغيير هذا التقدير لكثرة المال لزم أن نقول بتغييره أيضا إذا قل المال.
ثم لو قلنا بتغيير تقدير النصاب بحسب مستوى المعيشة لجاز أن نقول بتغيير تقدير الواجب، فإذا كان الواجب في الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر في مثل مستوى المعيشة عند تقديره، لزم أن يزيد أو ينقص بحسب حال مستوى المعيشة، فترفع النسبة عند كثرة المستحقين، وتخفض عند قلتهم، وهذا لا يمكن لأحد أن يقول به.
وأما كون نصاب الفضة وهو ما يساوي وزن ستة وخمسين ريالا قد ارتفعت قيمته بالنسبة للعملة الورقية، فهنا قد نقول بأن النصاب من الأوراق المالية هو ما يساوي قيمة ستة وخمسين ريالا من الفضة بناء على ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن نصاب الفضة مقدر بالوزن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة». والورق ـ الفضة ـ ولكن الاحتياط أن نقول للبدل حكم المبدل، وإن نصاب الأوراق المالية ست وخمسون ورقة، بناء على أن كل ورقة تقابل ريالا من الفضة حسب وضع الحكومة في كل زمن بحسبه.
* * *
16 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا كانت زوجة وبناتها، ومعهن حلي، ولكن حلي كل واحدة منهن لا يبلغ النصاب، فهل يجمع كله ويدفع زكاته؟

(18/62)


فأجاب فضيلته بقوله: هذه امرأة عندها حلي لا يبلغ النصاب، مثلا عندها حلي وزنه عشرة جنيهات، ولها بنات لهن حلي، لكن حلي كل واحدة لا يبلغ النصاب أيضا تسأل: هل يجب أن يجمع حلي البنات مع حلي الأم وتخرج الزكاة؟ نقول: لا يجب، لأن مال كل إنسان يخصه، إلا إذا كان الحلي الذي على البنات ملك للأم أعطته البنات على سبيل العارية فإنه يضم إلى حلي المرأة، وأما إذا كان الحلي الذي على البنات لهن، فإن مال كل واحد يخصه ولا يكمل نصاب مال إنسان بمال إنسان آخر.
* * *
26 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: ما حكم لبس دبلة الزواج الفضية للرجال، أي لبسها في الأصبع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لبس الدبلة للرجال أو النساء من الأمور المبتدعة، وربما تكون من الأمور المحرمة، ذلك لأن بعض الناس يعتقدون أن الدبلة سبب لبقاء المودة بين الزوج والزوجة، ولهذا يذكر لنا أن بعضهم يكتب على دبلته اسم زوجته، وتكتب على دبلتها اسم زوجها، وكأنهما بذلك يريدان دوام العلاقة بينهما، وهذا نوع من الشرك؛ لأنهما اعتقدا سببا لم يجعله الله سببا لا قدرا ولا شرعا، فما علاقة هذه الدبلة بالمودة أو المحبة، وكم من زوجين بدون دبلة وهما على أقوى ما يكون من المودة والمحبة، وكم من زوجين بينهما دبلة وهما في شقاء وعناء وتعب.
فهي بهذه العقيدة الفاسدة نوع من الشرك، وبغير هذه العقيدة تشبه بغير المسلمين؛ لأن هذه الدبلة متلقاة من النصارى، وعلى هذا فالواجب على المؤمن أن يبتعد عن كل شيء يخل بدينه.
أما لبس خاتم الفضة للرجل من حيث هو خاتم لا باعتقاد أنه دبلة تربط بين الزوج وزوجته، فإن هذا لا بأس به، لأن الخاتم من الفضة للرجال جائز، والخاتم من الذهب محرم على الرجال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى خاتما في يد أحد الصحابة رضي الله عنهم فطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في يده».
* * *
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم

(18/63)


فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
لقد شاهدت في بعض محلات الذهب في مدينة... انتشار قطع ذهبية تحمل صورا لعيسى عليه الصلاة والسلام وأمه مريم كما يدعي النصارى، وأيضا قطعا ذهبية يوجد عليها رسوم للأبراج (العقرب، السنبلة، الثور...) وأخرى على شكل قارورة عليها كلمة إنجليزية تعني نوع من أنواع الخمور.
وعندما حاولت نصح أصحاب المحلات قال لي بعضهم: إنهم يبيعونها على النصارى فقط، والبعض الا?خر ادعى أن الصور ليست لعيسى عليه الصلاة والسلام ومريم، آملا من فضيلتكم كتابة رأيكم في بيع هذه الأشياء وتوجيههم. وجزاكم الله خيرا ورفع درجاتكم في المهديين.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
بيع القطع التي عليها صورة عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام أو أمه مريم (كما يزعمون) محرم، سواء بيعت على المسلمين أم على النصارى، أما بيعها على المسلمين فتحريمه ظاهر، وأما على النصارى فلأنه مداهنة لهم على الكفر، وإشارة إلى رضا ما هم عليه، ومداهنة النصارى وغيرهم بموافقتهم على ما يرونه شعارا لدينهم محرمة بلا شك، فعلى المؤمن أن يكره ما يكرهه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من أعمال وعقائد وغيرها، ليحقق موالاة الله ورسوله. فتحريم بيع القطع التي عليها صور عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام أو صورة أمه مريم لوجهين:
الأول: أنه شعار ديني للنصارى.
والثاني: أنه صور مجسمة.
وإذا كانت الصور لغير عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه كانت محرمة لوجه واحد وهو أنها مجسمة.
وكذلك القطع التي عليها صور البروج؛ لأنهم يتفاءلون بها، أو يتشاءمون، وهذا من أعمال الجاهلية، وفيه نوع من الشرك.
وكذلك شكل القارورة التي كتب عليها اسم نوع من الخمر، لأن ذلك دعاية لهذا النوع من الخمر، ويستلزم التهاون بالخمر واستساغته فالله الهادي.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 91/4/9141هـ.

(18/64)


36 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن الحكمة في تحريم لبس الذهب على الرجال؟
فأجاب فضيلته بقوله: اعلم أيها السائل، وليعلم كل من يطلع على هذا الجواب أن العلة في الأحكام الشرعية لكل مؤمن، هي قول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا }. فأي واحد يسألنا عن إيجاب شيء، أو تحريم شيء دل على حكمه الكتاب والسنة فإننا نقول: العلة في ذلك قول الله تعالى، أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه العلة كافية لكل مؤمن، ولهذا لما سئلت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» لأن النص من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم علة موجبة لكل مؤمن، ولكن لا بأس أن يتطلب الإنسان العلة، وأن يلتمس الحكمة في أحكام الله تعالى، لأن ذلك يزيده طمأنينة، ولأنه يتبين به سمو الشريعة الإسلامية، حيث تقرن الأحكام بعللها، ولأنه يتمكن به من القياس إذا كانت علة هذا الحكم المنصوص عليه ثابتة في أمر آخر لم ينص عليه، فالعلم بالحكمة الشرعية له هذه الفوائد الثلاث.

(18/65)


ونقول ـ بعد ذلك ـ في الجواب على السؤال: إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم لبس الذهب على الذكور دون الإناث، ووجه ذلك أن الذهب من أغلى ما يتجمل به الإنسان ويتزين به فهو زينة وحلية، والرجل ليس مقصودا لهذا الأمر، أي ليس إنسانا يتكمل بغيره أو يكمل بغيره، بل الرجل كامل بنفسه لما فيه من الرجولة، ولأنه ليس بحاجة إلى أن يتزين لشخص آخر تتعلق به رغبته، بخلاف المرأة، فإن المرأة ناقصة تحتاج إلى تكميل بجمالها، ولأنها محتاجة إلى التجمل بأغلى أنواع الحلي، حتى يكون ذلك مدعاة للعشرة بينها وبين زوجها؛ فلهذا أبيح للمرأة أن تتحلى بالذهب دون الرجل، قال الله تعالى في وصف المرأة: {أومن ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين }. وبهذا يتبين حكمة الشرع في تحريم لباس الذهب على الرجال.
وبهذا المناسبة أوجه نصيحة إلى هؤلاء الذين ابتلوا من الرجال بالتحلي بالذهب، فإنهم بذلك قد عصوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وألحقوا أنفسهم بمصاف الإناث، وصاروا يضعون في أيديهم جمرة من النار يتحلون بها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعليهم أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا شاءوا أن يتحلوا بالفضة في الحدود الشرعية فلا حرج في ذلك، وكذلك بغير الذهب من المعادن لا حرج عليهم أن يلبسوا خواتم منه إذا لم يصل ذلك إلى حد السرف.
46 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن حكم لبس الرجل الذهب؟

(18/66)


فأجاب فضيلته بقوله: لبس الذهب حرام على الرجال، سواء كان خاتما، أو أزرارا، أو سلسلة يضعها في عنقه، أو غير ذلك، لأن مقتضى الرجولة أن يكون الرجل كاملا برجولته، لا بما ينشأ به من الحلي ولباس الحرير ونحو ذلك مما لا يليق إلا بالنساء، قال الله تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمان مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم * أومن ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين}. فالمرأة هي التي تحتاج إلى لبس الذهب والحرير ونحوهما، لأنها في حاجة إلى التجمل لزوجها، أما الرجل فهو في غنى عن ذلك برجولته، وبما ينبغي أن يكون عليه من البذاذة والاشتغال بشئون دينه ودنياه.
والدليل على تحريم الذهب على الرجال:
أولا: ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده». فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به، فقال: لا والله لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: عن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الا?خر فلا يلبس حريرا ولا ذهبا». رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات.
ثالثا: عن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة». رواه الطبراني ورواه الإمام أحمد ورواته ثقات.
رابعا: عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من ذهب، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار». رواه النسائي.

(18/67)


خامسا: وعن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبع: «نهى عن خاتم الذهب». الحديث رواه البخاري.
سادسا: وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب. رواه البخاري أيضا.
سابعا: عن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس خاتما من ذهب فنبذه، فقال: «لا ألبسه أبدا» فنبذ الناس خواتيمهم. رواه البخاري.
ثامنا: ما نقله في فتح الباري شرح صحيح البخاري، قال: وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا وذهبا فقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثهم».
فهذه الأحاديث صريحة وظاهرة في تحريم خاتم الذهب على الذكور لمجرد اللبس، فإن اقترن بذلك اعتقاد فاسد كان أشد وأقبح، مثل الذين يلبسون ما يسمى بـ(الدبلة) ويكتبون عليه اسم الزوجة، وتلبس الزوجة مثله مكتوبا عليه اسم الزوج، يزعمون أنه سبب للارتباط بين الزوجين، وهذه بلا شك عقيدة فاسدة، وخيال لا حقيقة له؛ فأي ارتباط وأي صلة بين هذه الدبلة وبين بقاء الزوجية وحصول المودة بين الزوجين؟ وكم من شخص تبادل الدبلة بينه وبين زوجته، فانفصمت عرى الصلات بينهما، وكم من شخص لا يعرف الدبلة وكان بينه وبين زوجته أقوى الصلات والروابط.
فعلى المرء أن يحكم عقله وألا يكون منجرفا تحت وطأة التقليد الأعمى الضار في دينه وعقله وتصرفه، فإني أظن أن أصل هذه الدبلة مأخوذ من الكفار، فيكون فيه قبح ثالث، وهو قبح التشبه بالكافرين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» أسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يتولانا في الدنيا والا?خرة، إنه جواد كريم.
* * *
56 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن حكم لبس الساعة المطلية بالذهب الأبيض؟

(18/68)


فأجاب فضيلته بقوله: الساعة المطلية بالذهب للنساء لا بأس بها، وأما للرجال فحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الذهب على ذكور أمته.
وأما قول السائل الذهب الأبيض فلا نعلم أن هناك ذهبا أبيض، الذهب كله أحمر، لكن إن كان قصده بالذهب الأبيض الفضة، فإن الفضة ليست من الذهب، ويجوز منها ما لا يجوز من الذهب كالخاتم ونحوه.
* * *
66 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن حكم تركيب الأسنان الذهبية؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأسنان الذهبية لا يجوز تركيبها للرجال إلا لضرورة، لأن الرجل يحرم عليه لبس الذهب والتحلي به، وأما للمرأة فإذا جرت عادة النساء بأن تتحلى بأسنان الذهب فلا حرج عليها في ذلك، فلها أن تكسو أسنانها ذهبا إذا كان هذا مما جرت العادة بالتجمل به، ولم يكن إسرافا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي». وإذا ماتت المرأة في هذه الحال أو مات الرجل وعليه سن ذهب قد لبسه للضرورة فإنه يخلع إلا إذا خشي المثلة، يعني خشي أن تتمزق اللثة فإنه يبقى؛ وذلك أن الذهب يعتبر من المال، والمال يرثه الورثة من بعد الميت فإبقاؤه على الميت ودفنه إضاعة للمال.
* * *
76 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: عن حكم طلاء الأسنان بالذهب لإزالة التسوس؟ وعن حكم ملء الفراغ بأسنان الذهب؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا لم يمكن إزالة السوس إلا بكسائها بالذهب فلا بأس بذلك، وإن كان يمكن بدون الذهب فلا يجوز.
وأما ملء الفراغ بأسنان الذهب فلا يجوز إلا بشرطين:
الأول: أن لا يمكن ملؤها بشيء غير الذهب.
الثاني: أن يكون في الفراغ تشويه للفم.
* * *
86 سئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: هل التختم للرجال سنة؟

(18/69)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية