صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجموع فتاوى ابن تيمية
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
ومن ذلك التيمم ؛ منهم من يقول : لا يجب أن يتيمم لكل صلاة ؛ كقول أبي حنيفة . ومنهم من يقول : بل يتيمم لكل صلاة كقول الشافعي ومذهب مالك يتيمم لوقت كل صلاة . وهذا أعدل الأقوال وهو يشبه الآثار المأثورة عن الصحابة والمأثورة في المستحاضة ولهذا كان ذلك هو المشهور فيهما عند فقهاء الحديث .

(4/321)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
ومن ذلك أهل المدينة يوجبون الزكاة في مال الخليطين ؛ كمال المالك الواحد ويجعلون في الإبل إذا زادت على عشرين ومائة في كل أربعين بنت لبون ؛ وفي كل خمسين حقة وهذا موافق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقة الذي أخرجه البخاري من حديث أبي بكر الصديق وعامة كتب النبي صلى الله عليه وسلم كالتي كانت عند آل عمر بن الخطاب وآل علي بن أبي طالب وغيرها توافق هذا . ومن خالفهم من الكوفيين يستأنف الفريضة بعد ذلك ولا يحصل للخلطة تأثير ومعهم آثار الاستئناف ؛ لكن لا تقاوم هذا وإن كان ثابتا فهو منسوخ كما نسخ ما روي في البقر أنها تزكى بالغنم . ومذهب أهل المدينة أن لا وقص إلا في الماشية ففي النقدين ما زاد فبحسبه كما روي ذلك في الآثار وأبو حنيفة يجعل الوقص تابعا للنصاب ففي النقدين عنده لا زكاة في الوقص كما في الماشية . وأما المعشرات فعنده لا وقص فيها ولا نصاب بل يجب العشر في كل قليل وكثير في الخضراوات لكن صاحباه وافقا أهل المدينة ؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة . وليس فيما دون خمس ذود صدقة } وبما ثبت عنه من ترك أخذ الصدقة من الخضراوات مع ما روي عنه : { ليس في الخضراوات صدقة } . ومذهب أهل المدينة أن الركاز الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم { وفي الركاز الخمس } لا يدخل المعدن بل المعدن تجب فيه الزكاة كما أخذت من معادن بلال بن الحارث كما ذكر ذلك مالك في موطئه فإن الموطأ لمن تدبره وتدبر تراجمه وما فيه من الآثار وترتيبه علم قول من خالفها من أهل العراق فقصد بذلك الترتيب والآثار بيان السنة والرد على من خالفها ومن كان بمذهب أهل المدينة والعراق أعلم كان أعلم بمقدار الموطأ ؛ ولهذا كان يقول : كتاب جمعته في كذا وكذا سنة تأخذونه في كذا وكذا يوما كيف تفقهون ما فيه ؟ أو كلاما يشبه هذا . ومن خالف ذلك من أهل العراق يجعلون الركاز اسما يتناول المعادن ودفن الجاهلية .

(4/322)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
وكذلك أمور المناسك فإن أهل المدينة لا يرون للقارن أن يطوف إلا طوافا واحدا ولا يسعى إلا سعيا واحدا . ومعلوم أن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها توافق هذا القول . ومن صار من الكوفيين إلى أن يطوف أولا ثم يسعى للعمرة ثم يطوف ثانيا ويسعى للحج فمتمسك بآثار منقولة عن علي وابن مسعود وهذا إن صح لا يعارض السنة الصحيحة . فإن قيل : فأبو حنيفة يرى القران أفضل ؛ ومالك يرى الإفراد أفضل وعلماء الحديث لا يرتابون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا كما هو مبسوط في غير هذا الموضع . قيل : هذه المسائل كثر نزاع الناس فيها واضطرب عليهم ما نقل فيها وما من طائفة إلا وقد قالت فيها قولا مرجوحا والتحقيق الثابت بالأحاديث الصحيحة : أن { النبي صلى الله عليه وسلم لما حج بأصحابه أمرهم أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدي فلما لم يحلل توقفوا فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة } وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العمرة والحج . فالذي تدل عليه السنة أن من لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له وإن من ساق الهدي فالقران أفضل له هذا إذا جمع بينهما في سفرة واحدة . وأما إذا سافر للحج سفرة وللعمرة سفرة فالإفراد أفضل له . وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة اتفقوا على أن الإفراد أفضل إذا سافر لكل منهما سفرة والقران الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بطواف واحد وبسعي واحد لم يقرن بطوافين وسعيين كما يظنه من يظنه من أصحاب أبي حنيفة كما أنه لم يفرد الحج كما يظنه من ظنه من أصحاب الشافعي ومالك ولا اعتمر بعد الحج لا هو ولا أحد من أصحابه إلا عائشة لأجل عمرتها التي حاضت فيها مع أنه قد صح أنه اعتمر أربع عمر : إحداهن في حجة الوداع ولم يحل النبي صلى الله عليه وسلم من إحرامه كما ظنه بعض أصحاب أحمد . ومذهبهم أن المحصر لا قضاء عليه . وهذا أصح من قول الكوفيين فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صدوا عن العمرة عام الحديبية ثم من العام القابل اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة ممن معه لم يعتمروا وجميع أهل الحديبية كانوا أكثر من ألف وأربعمائة وهم الذين بايعوا تحت الشجرة ومنهم من مات قبل عمرة القضية . ومذهبهم أنه لا يستحب لأحد بل يكره أن يحرم قبل الميقات المكاني والكوفيون يستحبون الإحرام قبله . وقول أهل المدينة الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر قبل حجة الوداع : عمرة الحديبية وعمرة القضية وكلاهما أحرم فيهما من ذي الحليفة واعتمر عام حنين من الجعرانة ثم حجة الوداع وأحرم فيها من ذي الحليفة ولم يحرم من المدينة قط ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليداوم على ترك الأفضل وخلفاؤه كعمر وعثمان نهوا عن الإحرام قبل الميقات . وقد سئل مالك عن رجل أحرم قبل الميقات ؟ فقال : أخاف عليه من الفتنة فقال : قال تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة } فقال السائل : وأي فتنة في ذلك ؟ وإنما هي زيادة امتثال في طاعة الله تعالى قال : وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك خصصت بفعل لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أو كما قال . وكان يقول : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد بجدل هذا ؟ ومذهب أهل المدينة إن وطئ بعد التعريف قبل التحلل فسد حجه ومن وطئ بعد التحلل الأول فعليه عمرة وهذا هو المأثور عن الصحابة دون قول من قال : إن الوطء بعد التعريف لا يفسد وقول من قال : إن الوطء بعد التحلل الأول لا يوجب إحراما ثانيا . واتبع مالك في ذلك قول ابن عباس وذكره في موطئه ؛ لكن لم يسم من نقله فيه عن ابن عباس ؛ إذ الراوي له عكرمة لما بلغه فيه عن ابن عمر وسعد وإن كان الذي أتمه توثيق عكرمة ولهذا روى له البخاري . فإن قيل : قد خالف حديث ضباعة بنت الزبير في اشتراطها التحلل إذا حبسها حابس { وحديث عائشة في تطييب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إحرامه وقبل طوافه بالبيت } { وحديث ابن عباس في أنه ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة } وغير ذلك ؟ قيل : إذا قيس هذا بما خالفه غيره من الكوفيين ونحوه كان ذلك أكثر مع أنه في مثل هذه المسائل اتبع فيها آثارا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وغيرهما وإن كان الصواب عند تنازع الصحابة الرد إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن من لم تبلغه بعض السنة فاتبع عمر وابن عمر ونحوهما كان أرجح مما خفي عنه أكثر مما خفي عن أهل المدينة النبوية ولم يكن له سلف مثل سلف أهل المدينة .

(4/323)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
ومن ذلك حرم المدينة النبوية ؛ فإن الأحاديث قد تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه بإثبات حرمها بل صح عنه أيضا أنه جعل جزاء من عضد بها شجرا أن سلبه لواجده ومذهب أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد أنها حرام أيضا وإن كان لهم في جزاء الصيد نزاع ومن خالف في ذلك من الكوفيين لم تبلغه هذه السنن ؛ ولكن بعض أتباعهم أخذ يعارض ذلك بمثل حديث أبي عمير ؛ وحديث الوحش ؛ وهذه لو كانت تقاوم ذلك في الصحة لم يجز أن تعارض بها لكن تلك متواترات وحديث أبي عمير محمول على أن الصيد صيد خارج المدينة ثم أدخل إليها كذلك حديث الوحش إن صح . وإن قدر أنهما متعارضان فكان مثل تحريم المدينة لأن أحاديث الحرم رواها أبو هريرة ونحوه ممن صحبته متأخرة ؛ وأما دخول النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي طلحة فكان من أوائل الهجرة أو أنه إذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل والآخر ناف مبق لحكم الأصل كان الناقل أولى ؛ لأنه إذا قدم الناقل لم يلزم تعيين الحكم إلا مرة واحدة وإذا قدم المبقي تغير الحكم مرتين . فلو قيل : إن حديث أبي عمير بعد أحاديث تحريم المدينة لكان قد حرمه ثم أحله وإذا قدر أنه كان قبل ذلك لم يلزم إلا كونه قد حرمه بعد التحليل وهذا لا ريب فيه والله أعلم .

(4/324)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
فصل وأما المناكح فلا ريب أن مذهب أهل المدينة في بطلان نكاح المحلل ونكاح الشغار أتبع للسنة ممن لم يبطل ذلك من أهل العراق ؛ فإنه قد ثبت { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المحلل والمحلل له } وثبت عن أصحابه كعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس : أنهم نهوا عن التحليل لم يعرف عن أحد منهم الرخصة في ذلك وهذا موافق لأصول أهل المدينة . فإن من أصولهم أن القصود في العقود معتبرة كما يجعلون الشرط المتقدم كالشرط المقارن ويجعلون الشرط العرفي كالشرط اللفظي . ولأجل هذه الأصول أبطلوا نكاح المحلل وخلع اليمين الذي يفعل حيلة لفعل المحلوف عليه وأبطلوا الحيل التي يستحل بها الربا وأمثال ذلك . ومن نازعهم في ذلك من الكوفيين . ومن وافقهم ألغى النيات في هذه الأعمال وجعل القصد الحسن كالقصد السيئ وسوغ إظهار أعمال لا حقيقة لها ولا قصد بل هي نوع من النفاق والمكر كما قال أيوب السختياني يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون عليهم . والبخاري قد أورد في صحيحه كتابا في الرد على أهل الحيل وما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون على من فعل ذلك كما بسطناه في الكتاب المفرد . ونكاح الشغار قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه النهي عنه ولكن من صححه من الكوفيين رأى أنه لا محذور فيه إلا عدم إعلام المهر والنكاح يصح بدون تسمية المهر ولهذا كان المبطلون له لهم مأخذان : أحدهما : أن مأخذه جعل بضع كل واحدة مهر الأخرى فيلزم التشريك في البضع كما يقول ذلك الشافعي وكثير من أصحاب أحمد . وهؤلاء منهم طائفة يبطلونه إلا أن يسمى مهرا ؛ لأنه مع تسميته انتفى التشريك في البضع . ومنهم من لا يبطله إلا بقول : وبضع كل واحدة مهر للأخرى ؛ لكونه إذا لم يقل ذلك لم يتعين جعل البضع مهرا . ومنهم من يبطله مطلقا كما جاء عنه بذلك حديث مصرح به في السنن وهذه الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره . والمأخذ الثاني : أن بطلانه لاشتراط عدم المهر وفرق بين السكوت عن تسمية المهر وبين اشتراط المهر ؛ فإن هذا النكاح من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فلو سمى المهر بما يعلمان تحريمه كخمر وخنزير بطل النكاح كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد وهو أشبه بظاهر القرآن وأشبه بقياس الأصول .

(4/325)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
وكذلك نكاح الحامل أو المعتدة من الزنا باطل في مذهب مالك وهو أشبه بالآثار والقياس لئلا يختلط الماء الحلال بالحرام . وقد خالفه أبو حنيفة فجوز العقد دون الوطء والشافعي جوزهما . وأحمد وافقه وزاد عليه ؛ فلم يجوز نكاح الزانية حتى تتوب لدلالة القرآن والأحاديث على تحريم نكاح الزانية . وأما من ادعى أن ذلك منسوخ وأن المراد به الوطء ففساد قوله ظاهر من وجوه متعددة . وكذلك مسألة تداخل العدتين من رجلين كالتي تزوجت في عدتها ؛ أو التي وطئت بشبهة ؛ فإن مذهب مالك أن العدتين لا يتداخلان ؛ بل تعتد لكل واحد منهما . وهذا هو المأثور عن عمر وعلي رضي الله عنهما وهو مذهب الشافعي وأحمد . وأبو حنيفة قال بتداخلهما . وكذلك مسألة إصابة الزوج الثاني : هل تهدم ما دون الثلاث ؟ وهو الذي يطلق امرأته طلقة أو طلقتين ثم تتزوج من يصيبها ثم تعود إلى الأول ؛ فإنها تعود على ما بقي عند مالك وهو قول الأكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وإنما قال لا تعود على ما بقي ابن عمر وابن عباس وهو قول أبي حنيفة .

(4/326)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
وكذلك في الإيلاء مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث وغيرهم أنه عند انقضاء أربعة أشهر يوقف إما أن يفي وإما أن يطلق . وهذا هو المأثور عن بضعة عشر من الصحابة وقد دل عليه القرآن والأصول من غير وجه وقول الكوفيين أن عزم الطلاق انقضاء العدة فإذا انقضت ولم يف طلقت وغاية ما يروى ذلك عن ابن مسعود إن صح عنه .

(4/327)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
ومسألة الرجعة بالفعل كما إذا طلقها : فهل يكون الوطء رجعة ؟ فيه ثلاثة أقوال . أحدها : يكون رجعة كقول أبي حنيفة . والثاني : لا يكون كقول الشافعي . والثالث : يكون رجعة مع النية وهو المشهور عند مالك وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد .

(4/328)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
فصل وأما العقوبات والأحكام فمذهب أهل المدينة أرجح من مذهب أهل الكوفة من وجوه : أحدها : أنهم يوجبون القود في القتل بالمثقل كما جاءت بذلك السنة وكما تدل عليه الأصول بل بالغ مالك حتى أنكر الخطأ شبه العمد وخالفه غيره في ذلك لهجر الشبه لكنه في الحقيقة نوع من الخطأ امتاز بمزيد حكم فليس هو قسما من الخطأ المذكور في القرآن . ومن ذلك مسألة قتل المسلم بالكافر والذمي والحر بالعبد للناس فيه ثلاثة أقوال : أحدها : يقتل به بكل حال ؛ كقول أبي حنيفة وأصحابه . والثاني : لا يقتل به بحال كقول الشافعي وأحمد في أحد القولين . والثالث : لا يقتل به إلا في المحاربة ؛ فإن القتل فيها حد لعموم المصلحة فلا تتعين فيه المكافأة بل يقتل فيه الحر وإن كان المقتول عبدا والمسلم وإن كان المقتول ذميا . وهذا قول أهل المدينة والقول الآخر لأحمد وهو أعدل الأقوال وفيه جمع بين الآثار المنقولة في هذا الباب أيضا . ومذهب مالك في المحاربين وغيرهم إجراء الحكم على الردء والمباشر كما اتفق الناس على مثل ذلك في الجهاد . ومن نازعه في هذا سلم أن المشتركين في القتل يجب عليهم القود فإنه متفق عليه من مذهب الأئمة كما قال عمر لو تمالأ أهل صنعاء لقتلتهم به فإن كانوا كلهم مباشرين فلا نزاع وإن كان بعضهم غير مباشر لكنه متسبب سببا يفضي إلى القتل غالبا : كالمكره وشاهد الزور إذا رجع والحاكم الجائر إذا رجع : فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء كما قال علي رضي الله عنه في الرجلين اللذين شهدا على رجل أنه سرق فقطع يده ثم رجعا وقالا : أخطأنا قال : " لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما " فدل على قطع الأيدي باليد وعلى وجوب القود على شاهد الزور . والكوفيون يخالفون في هذين وعمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل رقبة المحاربين بينهم ومعلوم أن قول من جعل المتعاونين على الإثم والعدوان مشتركين في العقوبة أشبه بالكتاب والسنة لفظا ومعنى ممن لم يوجب العقوبة إلا على نفس المباشر . ومن ذلك أهل المدينة يتبعون ما خطب به عمر بن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : الرجم في كتاب الله حق على كل من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن وقامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف . كذلك يحدون في الخمر بما إذا وجد سكرانا أو تقيأ ؛ أو وجدت منه الرائحة ولم يكن هناك شبهة وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين كعمر وعثمان وعلي . وأبو حنيفة والشافعي لا يرون الحد إلا بإقرار أو بينة على الفعل وزعموا أن ذلك شبهة وعن أحمد روايتان . ومعلوم أن الأول أشبه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وهو حفظ لحدود الله تعالى التي أمر الله بحفظها والشبهة في هذا كالشبهة في البينة والإقرار الذي يحتمل الكذب والخطأ . ومن ذلك أن أهل المدينة يرون " العقوبات المالية " مشروعة حيث مضت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين كما أن العقوبات البدنية مشروعة حيث مضت بها السنة وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من أهل الكوفة ومن اتبعهم وادعوا أنها منسوخة ومن أين يأتون على نسخها بحجة ؟ وهذا يفعلونه كثيرا إذا رأوا حديثا صحيحا يخالف قولهم وأما علماء أهل المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما جاءت بالعقوبات البدنية : مثل كسر دنان الخمر وشق ظروفها وتحريق حانوت الخمار كما صنع موسى بالعجل وصنع النبي صلى الله عليه وسلم بالأصنام وكما أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين وكما أمرهم عليه السلام بكسر القدور التي فيها لحم الحمر ثم أذن لهم في غسلها وكما ضعف القود على من سرق من غير الحرز وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب غرم الضالة المكتومة وضعف ثمن دية الذمي المقتول عمدا . وكذلك مذهبهم في " العقود والديات " من أصح المذاهب فمن ذلك دية الذمي فمن الناس من قال : ديته كدية المسلم ؛ كقول أبي حنيفة . ومنهم من قال : ديته ثلث دية المسلم ؛ لأنه أقل ما قيل ؛ كما قاله الشافعي . والقول الثالث : أن ديته نصف دية المسلم وهذا مذهب مالك وهو أصح الأقوال ؛ لأن هذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أهل السنن : أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك العاقلة تحمل جميع الدية كما يقول الشافعي أو تحمل المقدرات كدية الموضحة والأصابع فما فوقها كما يقوله أبو حنيفة أو تحمل ما زاد على الثلث وهو مذهب مالك وهذا الثالث هو المأثور وهو مذهب أحمد وفي الثلث قولان في مذهب مالك وأحمد . ويذكر أنه تناظر مدني وكوفي فقال المدني للكوفي : قد بورك لكم في الربع كما تقول : يمسح ربع الرأس ويعفى عن النجاسة المخففة عن ربع المحل وكما تقولونه في غير ذلك . فقال له الكوفي : وأنتم بورك لكم في الثلث كما تقولون : إذا نذر صدقة ماله أجزأه الثلث ؛ وكما تقولون : العاقلة تحمل ما فوق الثلث وعقل المرأة كعقل الرجل إلى الثلث فإذا زادت كانت على النصف وأمثال ذلك . وهذا صحيح ؛ ولكن يقال للكوفي : ليس في الربع أصل لا في كتاب الله ولا سنة رسوله وإنما قالوا : الإنسان له أربع جوانب ويقال : رأيت الإنسان إذا رأيت أحد جوانبه وهي أربعة فيقام الربع مقام الجميع . وأما الثلث فله أصل في غير موضع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق المسلمين أن المريض له أن يوصي بثلث ماله لا أكثر كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص لما عاده في حجة الوداع وكما ثبت في الصحيح في الذي أعتق ستة مملوكين له عند موته فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة وكما روي أنه قال لأبي لبابة " يجزيك الثلث " وكما في غير ذلك فأين هذا من هذا ؟ وما في هذا الحديث يقول [ به ] أهل المدينة والقرعة فيها آية من كتاب الله وستة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم منها هذا الحديث . ومنها قوله : { لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه } . ومنها : { إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه } ومنها أن الأنصار كانوا يستهمون على المهاجرين لما هاجروا إليهم ومنها في المتداعيين اللذين أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين حبا أم كرها ومنها في { اللذين اختصما في مواريث درست فقال لهما : توخيا الحق واستهما وليحلل كل منكما صاحبه } . والقرعة يقول بها أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد وغيرهما ومن خالفهم من الكوفيين لا يقول بها بل نقل عن بعضهم أنه قال : القرعة قمار وجعلوها من الميسر والفرق بين القرعة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الميسر الذي حرمه ظاهر بين ؛ فإن القرعة إنما تكون مع استواء الحقوق وعدم إمكان تعيين واحد وعلى نوعين : أحدهما : أن لا يكون المستحق معينا كالمشتركين إذا عدم المقسوم فيعين لكل واحد بالقرعة وكالعبيد الذين جزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء وكالنساء اللاتي يريد السفر بواحدة منهن فهذا لا نزاع بين القائلين بالقرعة أنه يقرع فيه . والثاني : ما يكون المعين مستحقا في الباطن كقصة يونس والمتداعيين وكالقرعة فيما إذا أعتق واحدا بعينه ثم أنسيه وفيما إذا طلق امرأة من نسائه ثم أنسيها أو مات : أو نحو ذلك . فهذه القرعة فيها نزاع وأحمد يجوز ذلك دون الشافعي .

(4/329)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
فصل ومذهبهم في الأحكام أنهم يرجحون جانب أقوى المتداعيين ويجعلون اليمين في جانبه فيقضون بالشاهد ويمين الطالب في الحقوق وفي القسامة يبدءون بتحليف المدعين فإن حلفوا خمسين يمينا استحقوا الدم . والكوفيون يرون أنه لا يحلف إلا المدعى عليه فلا يحلفون المدعي لا في قسامة ولا في غيرها ولا يقضون بشاهد ويمين ولا يرون اليمين على المدعي . ومعلوم أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة توافق مذهب المدنيين ؛ فإن حديث القسامة صحيح ثابت فيه وقد { قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار : تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم } وكان الشافعي ونحوه من أهل العراق إذا ناظروا علماء أهل المدينة كأبي الزناد وغيره في القسامة ؛ واحتج عليهما أهل المدينة بالسنة التي لا مندوحة لأحد عن قبولها ويقولون لهم : إن السنة ووجوه الحق لتأتي على خلاف الرأي : فلا يجد المسلمون بدا من قبولها . في كلام طويل مروي بإسناد . وكذلك " مسألة الحكم بشاهد ويمين " L192 فيها أحاديث في الصحيح والسنن كحديث ابن عباس الذي رواه مسلم وكحديث أبي هريرة وغيره مما رواه أبو داود لما قال بعض العلماء : نرى أن من حكم بشاهد ويمين نقض حكمه انتصر لهذه السنة العلماء كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم . فمالك بحث فيها في L293 موطئه بحثا لا يعد له نظير في L293 الموطأ والشافعي في L95 " الأم " بحث فيها نحو عشر أوراق وكذلك أبو عبيد في L431 كتاب القضاء . وليس مع الكوفيين إلا ما يروونه من قوله : { البينة على من ادعى واليمين على من أنكر } . وهذا اللفظ ليس في السنن وإن كان قد رواه بعض المصنفين في الأحاديث ولكن في الصحيح حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه } وهذا اللفظ إما أن يقال : لا عموم فيه ؛ بل اللام لتعريف المعهود وهو المدعى عليه إذ ليس مع المدعي إلا مجرد الدعوى كما قال : لو يعطى الناس بدعواهم ومن يحلف المدعي لا يحلفه مع مجرد الدعوى بل إنما يحلفه إذا قامت حجة يرجح بها جانبه كالشاهد في الحقوق والإرث في القسامة إن قيل : هو عام فالخاص يقضي على العام . واحتجاجهم بما في القرآن من ذكر الشاهدين والرجل والمرأتين ضعيف جدا ؛ فإن هذا إنما هو مذكور في تحمل الشهادة دون الحكم بها ؛ ولو كان في الحكم فالحكم بالشهادة المجردة لم يفتقر إلى ذلك ومن حلف مع الشاهد لم يحكم بشهادة غير الشهادة المذكورة في القرآن . ثم الأئمة متفقون على أنه يحكم بلا شهادة أصلا بل بالنكول أو الرد وأنه يحكم بشهادة النساء منفردات في مواضع فكيف يحكم مع أن هذا ليس بمخالف للقرآن ؟ فكيف باليمين مع الشاهد ؟ ثم مالك يوجب القود في القسامة ويقيم الحد على المرأة إذا التعن الرجل ولم تلتعن المرأة والشافعي يقيم الحد ولا يقتل من القسامة وأبو حنيفة يخالف في المسألتين وأحمد يوافق على القود بالقسامة دون حد المرأة بل يحبسها إذا لم تلتعن ويخليها . وظاهر الكتاب والسنة يوافق قول مالك .

(4/330)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
ومن ذلك أهل المدينة يرون قتل اللوطي الفاعل والمفعول به ؛ محصنين كانا أو غير محصنين وهذا هو الذي دلت عليه السنة واتفاق الصحابة وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد . ومن قال لا قتل عليه من الكوفيين فلا سنة معه ولا أثر عن الصحابة وقد قال ربيعة للكوفي الذي ناظره أيجعل ما لا يحل بحال كما يباح بحال دون حال ؟ وذكر الزهري أن السنة مضت بذلك .

(4/331)


وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عن " صحة أصول مذهب أهل المدينة " ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
الجواب
ومن ذلك أن الدعوى في التهم كالسرقة والقتل يراعون فيها حال المتهم : هل هو من أهل التهم أم ليس من أهل ذلك ؟ ويرون عقوبة من ظهرت التهمة في حقه وقد ذكر ذلك من صنف في الأحكام السلطانية من أصحاب الشافعي وأحمد ذكروا في عقوبة مثل هذا هل يعاقبه الوالي والقاضي أم يعاقبه الوالي ؟ قولان . وكما يجب أن يعرف أن أمر الله تعالى ورسوله متناول لكل من حكم بين الناس سواء كان واليا أو قاضيا أو غير ذلك فمن فرق بين هذا وهذا بما يتعلق بأمر الله ورسوله فقد غلط وأما من فرق بينهما بما يتعلق بالولاية لكون هذا ولي على مثل ذلك دون هذا فهذا متوجه . وهذا كما يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين وفي تصانيفهم إذا احتج عليهم محتج بمن قتله النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر بقتله ؛ كقتله اليهودي الذي رض رأس الجارية وكإهداره لدم السابة التي سبته وكانت معاهدة وكأمره بقتل اللوطي ونحو ذلك . قالوا : هذا يعمله سياسة فيقال . لهم : هذه السياسة : إن قلتم هي مشروعة لنا فهي حق ؛ وهي سياسة شرعية وإن قلتم : ليست مشروعة لنا فهذه مخالفة للسنة . ثم قول القائل بعد هذا سياسة : إما أن يريد أن الناس يساسون بشريعة الإسلام أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام . فإن قيل بالأول فذلك من الدين وإن قيل بالثاني فهو الخطأ . ولكن منشأ هذا الخطأ أن مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسياسة خلفائه الراشدين . وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال : { إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي قام نبي . وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء يكثرون ؛ قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : أوفوا بيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم ؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم } فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة : احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال : الشرع والسياسة وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة . والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود حتى تسفك الدماء وتؤخذ الأموال وتستباح المحرمات ؟ والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل وكثير منهم يحكمون بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك . وكذلك كانت الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل المدينة يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها من جعل صاحب الحرب متبعا لصاحب الكتاب ما لا يكون في الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل العراق ومن اتبعهم حيث يكون في هذه والي الحرب غير متبع لصاحب العلم وقد قال الله تعالى في كتابه : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم } الآية فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر { وكفى بربك هاديا ونصيرا } . ودين الإسلام : أن يكون السيف تابعا للكتاب . فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما وأهل المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك . أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الأمر كذلك وأما بعدهم فهم في ذلك أرجح من غيرهم . وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه : كان دين من هو كذلك بحسب ذلك . وهذه الأمور من اهتدى إليها وإلى أمثالها تبين له أن أصول أهل المدينة أصح من أصول أهل المشرق بما لا نسبة بينهما . ومن ذلك أن القتال في الفتنة الكبرى . كان الصحابة فيها ثلاث فرق : فرقة قاتلت من هذه الناحية وفرقة قاتلت من هذه الناحية وفرقة قعدت والفقهاء اليوم على قولين : منهم من يرى القتال من ناحية علي - مثل أكثر المصنفين - لقتال البغاة . ومنهم من يرى الإمساك . وهو المشهور من قول أهل المدينة وأهل الحديث والأحاديث الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر هذه الفتنة توافق قول هؤلاء ولهذا كان المصنفون لعقائد أهل السنة والجماعة يذكرون فيه ترك القتال في الفتنة والإمساك عما شجر بين الصحابة . ثم إن أهل المدينة يرون قتال من خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم . ويفرقون بين هذا وبين القتال في الفتنة وهو مذهب فقهاء الحديث . وهذا هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين فإنه قد ثبت عنه الحديث في الخوارج من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه وخرج البخاري بعضها . وقال فيه : { يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة } وقد ثبت اتفاق الصحابة على قتالهم وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر فيهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمنة لقتالهم وفرح بقتلهم وسجد لله شكرا لما رأى أباهم مقتولا وهو ذو الثدية بخلاف ما جرى يوم الجمل وصفين ؛ فإن عليا لم يفرح بذلك بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنة بل ذكر أنه قاتل باجتهاده . فأهل المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة وترك القتال في الفتنة وعلى ذلك أئمة أهل الحديث بخلاف من سوى بين قتال هؤلاء وهؤلاء بل سوى بين قتال هؤلاء وقتال الصديق لمانعي الزكاة فجعل جميع هؤلاء من باب البغاة كما فعل ذلك من فعله من المصنفين في قتال أهل البغي ؛ فإن هذا جمع بين ما فرق الله بينهما . وأهل المدينة والسنة فرقوا بين ما فرق الله بينه واتبعوا النص الصحيح والقياس المستقيم العادل ؛ فإن القياس الصحيح من العدل وهو : التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتخالفين وأهل المدينة أحق الناس باتباع النص الصحيح والقياس العادل . وهذا باب يطول استقصاؤه ؛ وقد ذكرنا من ذلك ما شاء الله من القواعد الكبار في القواعد الفقهية وغير ذلك ؛ وإنما هذا جواب فتيا نبهنا فيه تنبيها على جمل يعرف بها بعض فضائل أهل المدينة النبوية ؛ فإن معرفة هذا من الدين لا سيما إذا جهل الناس مقدار علمهم ودينهم فبيان هذا يشبه بيان علم الصحابة ودينهم إذا جهل ذلك من جهله فكما أن بيان السنة وفضائل الصحابة وتقديمهم الصديق والفاروق من أعظم أمور الدين عند ظهور بدع الرافضة ونحوهم فكذلك بيان السنة ؛ ومذاهب أهل المدينة ؛ وترجيح ذلك على غيرها من مذاهب أهل الأمصار ؛ أعظم أمور الدين عند ظهور بدع الجهال المتبعين للظن وما تهوى الأنفس . والله أعلم . والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

(4/332)


وقال : فصل وأما " نسخ القرآن بالسنة " فهذا لا يجوزه الشافعي ؛ ولا أحمد في المشهور عنه ؛ ويجوزه في الرواية الأخرى . وهو قول أصحاب أبي حنيفة وغيرهم وقد احتجوا على ذلك بأن الوصية للوالدين والأقربين نسخها قوله : { إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث } وهذا غلط فإن ذلك إنما نسخه آية المواريث كما اتفق على ذلك السلف ؛ فإنه لما قال بعد ذكر الفرائض : { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم } { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } فلما ذكر أن الفرائض المقدرة حدوده ونهى عن تعديها : كان في ذلك بيان أنه لا يجوز أن يزاد أحد على ما فرض الله له وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث } وإلا فهذا الحديث وحده إنما رواه أبو داود ونحوه من أهل السنن ليس في الصحيحين ولو كان من أخبار الآحاد لم يجز أن يجعل مجرد خبر غير معلوم الصحة ناسخا للقرآن . وبالجملة فلم يثبت أن شيئا من القرآن نسخ بسنة بلا قرآن وقد ذكروا من ذلك قوله تعالى { فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { خذوا عني ؛ خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم } . وهذه الحجة ضعيفة لوجهين : أحدهما : أن هذا ليس من النسخ المتنازع فيه ؛ فإن الله مد الحكم إلى غاية والنبي صلى الله عليه وسلم بين تلك الغاية لكن الغاية هنا مجهولة فصار هذا يقال : إنه نسخ بخلاف الغاية البينة في نفس الخطاب كقوله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فإن هذا لا يسمى نسخا بلا ريب . الوجه الثاني : أن جلد الزاني ثابت بنص القرآن وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى ثم نسخ لفظه وبقي حكمه وهو قوله : والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وقد ثبت الرجم بالسنة المتواترة وإجماع الصحابة . وبهذا يحصل الجواب عما يدعى من نسخ قوله : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } الآية ؛ فإن هذا إن قدر أنه منسوخ فقد نسخه قرآن جاء بعده ؛ ثم نسخ لفظه وبقي حكمه منقولا بالتواتر وليس هذا من موارد النزاع ؛ فإن الشافعي وأحمد وسائر الأئمة يوجبون العمل بالسنة المتواترة المحكمة وإن تضمنت نسخا لبعض آي القرآن لكن يقولون : إنما نسخ القرآن بالقرآن لا بمجرد السنة ويحتجون بقوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه إلا بقرآن .

(4/333)


وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه - فصل قال أبو الحسن الآمدي في أحكامه : " المسألة الثانية " : اختلف الأصوليون في اشتمال اللغة على الأسماء المجازية ؛ فنفاه الأستاذ أبو إسحاق ومن تابعه ؛ - يعني أبا إسحاق الإسفراييني - وأثبته الباقون وهو الحق . قلت الكلام في شيئين : أحدهما : في تحرير هذا النقل ؛ والثاني في النظر في أدلة القولين . أما الأول فيقال : إن أراد بالباقين من الأصوليين كل من تكلم في أصول الفقه من السلف والخلف فليس الأمر كذلك ؛ فإن الكلام في أصول الفقه وتقسيمها إلى : الكتاب ؛ والسنة ؛ والإجماع ؛ واجتهاد الرأي ؛ والكلام في وجه دلالة الأدلة الشرعية على الأحكام : أمر معروف من زمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان ؛ ومن بعدهم من أئمة المسلمين وهم كانوا أقعد بهذا الفن وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم وقد كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى شريح : اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن فبما اجتمع عليه الناس - وفي لفظ - فبما قضى به الصالحون ؛ فإن لم تجد فإن شئت أن تجتهد رأيك . وكذلك قال ابن مسعود وابن عباس وحديث معاذ من أشهر الأحاديث عند الأصوليين . وإن كان مقصوده بالأصولي من يعرف " أصول الفقه " وهي أدلة الأحكام الشرعية على طريق الإجمال ؛ بحيث يميز بين الدليل الشرعي وبين غيره ؛ ويعرف مراتب الأدلة ؛ فيقدم الراجح منها - وهذا هو موضوع أصول الفقه ؛ فإن موضوعه معرفة الدليل الشرعي ومرتبته - فكل مجتهد في الإسلام فهو أصولي ؛ إذ معرفة الدليل الشرعي ومرتبته بعض ما يعرفه المجتهد ولا يكفي في كونه مجتهدا أن يعرف جنس الأدلة بل لا بد أن يعرف أعيان الأدلة ومن عرف أعيانها وميز بين أعيان الأدلة الشرعية وبين غيرها كان بجنسها أعرف كمن يعرف أن يميز بين أشخاص الإنسان وغيرها فالتمييز بين نوعها لازم لذلك ؛ إذ يمتنع تمييز الأشخاص بدون تمييز الأنواع . وأيضا فالأصوليون يذكرون في مسائل أصول الفقه مذاهب المجتهدين كمالك ؛ والشافعي ؛ والأوزاعي ؛ وأبي حنيفة ؛ وأحمد بن حنبل وداود ومذهب أتباعهم بل هؤلاء ونحوهم هم أحق الناس بمعرفة أصول الفقه ؛ إذ كانوا يعرفونها بأعيانها ويستعملون الأصول في الاستدلال على الأحكام بخلاف الذين يجردون الكلام في أصول مقدرة بعضها وجد وبعضها لا يوجد من غير معرفة أعيانها فإن هؤلاء لو كان ما يقولونه حقا فهو قليل المنفعة أو عديمها ؛ إذ كان تكلما في أدلة مقدرة في الأذهان لا تحقق لها في الأعيان كمن يتكلم في الفقه فيما يقدره من أفعال العباد وهو لا يعرف حكم الأفعال المحققة منه فكيف وأكثر ما يتكلمون به من هذه المقدرات فهو كلام باطل وإذا كان اسم الأصوليين يتناول المجتهدين المشهورين المتبوعين كالأئمة الأربعة ؛ والثوري ؛ والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وغيرهم وإن كان مقصود الأصوليين من جرد الكلام في أصول الفقه عن الأدلة المعينة كما فعله الشافعي وأحمد بن حنبل ومن بعدهما وكما فعله عيسى بن أبان ونحوه وكما فعله المصنفون في أصول الفقه من الفقهاء والمتكلمين : فمعلوم أن أول من عرف أنه جرد الكلام في أصول الفقه هو الشافعي وهو لم يقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز بل لا يعرف في كلامه مع كثرة استدلاله وتوسعه ومعرفته الأدلة الشرعية أنه سمى شيئا منه مجازا ولا ذكر في شيء من كتبه ذلك ؛ لا في الرسالة ولا في غيرها . وحينئذ فمن اعتقد أن المجتهدين المشهورين وغيرهم من أئمة الإسلام وعلماء السلف قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز كما فعله طائفة من المتأخرين : كان ذلك من جهله وقلة معرفته بكلام أئمة الدين وسلف المسلمين كما قد يظن طائفة أخرى أن هذا مما أخذ من الكلام العربي توقيفا وأنهم قالوا : هذا حقيقة وهذا مجاز كما ظن ذلك طائفة من المتكلمين في أصول الفقه وكان هذا من جهلهم بكلام العرب كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى وكما يظن بعضهم أن ما يوجد في كلام بعض المتأخرين كالرازي والآمدي وابن الحاجب : هو مذهب الأئمة المشهورين وأتباعهم ولا يعرف ما ذكره أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أصول الفقه الموافق لطريق أئمتهم فهذا أيضا من جهله وقلة علمه . وإن قال الناقل عن كثير من الأصوليين : مرادي بذلك أكثر المصنفين في أصول الفقه من أهل الكلام والرأي كالمعتزلة والأشعرية وأصحاب الأئمة الأربعة فإن أكثر هؤلاء قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز . قيل له : لا ريب أن هذا التقسيم موجود في كتب المعتزلة ومن أخذ عنهم وشابههم وأكثر هؤلاء ذكروا هذا التقسيم وأما من لم يكن كذلك فليس الأمر في حقه كذلك . ثم يقال : ليس في هؤلاء إمام من أئمة المسلمين الذين اشتغلوا بتلقي الأحكام من أدلة الشرع ولهذا لا يذكر أحد من هؤلاء في الكتب التي يحكي فيها أقوال المجتهدين ممن صنف كتابا وذكر فيه اختلاف المجتهدين المشتغلين بتلقي الأحكام عن الأدلة الشرعية وهم أكمل الناس معرفة بأصول الفقه وأحق الناس بالمعنى الممدوح من اسم الأصولي فليس من هؤلاء من قسم الكلام إلى الحقيقة والمجاز . وإن أراد من عرف بهذا التقسيم من المتأخرين المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام ومن سلك طريقتهم من ذلك من الفقهاء . قيل له : لا ريب أن أكثر هؤلاء قسموا هذا التقسيم لكن ليس فيهم إمام في فن من فنون الإسلام لا التفسير ولا الحديث ولا الفقه ولا اللغة ولا النحو بل أئمة النحاة أهل اللغة كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء وأمثالهم وأبي عمرو بن العلاء وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عمرو الشيباني وغيرهم : لم يقسموا تقسيم هؤلاء .

(4/334)


فصل وأما " المقام الثاني " ففي أدلة القولين . قال الآمدي : حجة المثبتين أنه قد ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الأسد على الإنسان الشجاع ؛ والحمار على الإنسان البليد وقولهم ظهر الطريق ومتنها وفلان على جناح السفر ؛ وشابت لمة الليل ؛ وقامت الحرب على ساق ؛ وكبد السماء وغير ذلك . وإطلاق هذه الأسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد . وعند ذلك فإما أن يقال : هذه الأسماء حقيقة في هذه الصورة أو مجازية ؛ لاستحالة خلو هذه الأسماء اللغوية عنها ما سوى الوضع الأول كما سبق تحقيقه لا جائز أن يقال : بكونها حقيقة فيها ؛ لأنها حقيقة فيما سواه بالاتفاق فإن لفظ الأسد حقيقة في السبع ؛ والحمار في البهيمة والظهر والمتن والساق والكبد في الأعضاء المخصوصة بالحيوان ؛ واللمة في الشعر إذا جاوز الأذن . وعند ذلك فلو كانت هذه الأسماء حقيقة فيما ذكر من الصور لكان اللفظ مشتركا ولو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند إطلاق هذه الألفاظ البعض دون البعض ضرورة التساوي في الأدلة الحقيقية ولا شك أن السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ الأسد إنما هو السبع ومن إطلاق لفظ الحمار إنما هو البهيمة وكذلك في باقي الصور كيف وأن أهل الأعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجازا ؟ فإن قيل : لو كان في لغة العرب لفظ مجازي فإما أن يقيد معناه بقرينة : أو لا يقيد بقرينة . فإن كان الأول فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى فكان مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى وإن كان الثاني فهو أيضا حقيقة ؛ إذ لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستعملا بالإفادة من غير قرينة . وأيضا فإنه ما من صورة من الصور إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي الخاص بها فاستعمال اللفظ المجازي فيها مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم . قلنا : الجواب عن الأول أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة ولا معنى للمجاز سوى هذا النوع في ذلك اللفظي . كيف وأن المجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية ؛ فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع . وجواب ثان : أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقة قد يكون لاختصاصه بالخفة على اللسان : أو لمساعدته على وزن الكلام نظما ونثرا ؛ أو للمطابقة والمجانسة والسجع ؛ وقصد التعظيم والعدول عن الحقيقي للتحقير ؛ إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام . هذا كلام أبي الحسن الآمدي في كتابه الكبير ؛ وهو أجل كتب المتأخرين الناصرين لهذا الفرق . والجواب عن هذه الحجة من وجوه : أحدها : أن يقال ما ذكرته من الاستعمال غير ممنوع لكن قولك إن هذه الأسماء إما أن تكون حقيقية أو مجازية : إنما يصح إذا ثبت انقسام الكلام إلى الحقيقة والمجاز وإلا فمن ينازعك - ويقول لك : لم تذكر حدا فاصلا معقولا بين الحقيقة والمجاز يتميز به هذا عن هذا ؛ وأنا أطالبك بذكر هذا الفرق بين النوعين . أو يقول : ليس في نفس الأمر بينهما فرق ثابت . أو يقول : أنا لا أثبت انقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز إما لمانع عقلي أو شرعي أو غير ذلك . أو يقول : لم يثبت عندي انقسام الكلام إلى هذا وهذا ؛ وجواز ذلك في اللغة والشرع والعقل ونحو ذلك من الأقوال : ليس لك أن تحتج عليه بقولك : إما أن تكون حقيقية أو مجازية ؛ إذ دخول هذه الألفاظ في أحد النوعين فرع ثبوت التقسيم فلو أثبت التقسيم بهذا كان دورا ؛ فإنه لا يمكن أن يقال : إن هذه من أحد القسمين دون الآخر إلا إذا أثبت أن هناك قسمين لا ثالث لهما وأنه لا يتناول شيء من أحدهما شيئا من الآخر ؟ وهذا محل النزاع ؛ فكيف تجعل محل النزاع مقدمة في إثبات نفسه وتصادر على المطلوب ؟ فإن ذلك أثبت الشيء بنفسه فلم تذكر دليلا وهذا أثبت الأصل بفرعه الذي لا يثبت إلا به فهذا التطويل أثبت غاية المصادرة على المطلوب . الوجه الثاني : أن يقال : من الناس القائلين بالحقيقة والمجاز من جعل بعض الكلام حقيقة ومجازا فوصف اللفظ الواحد بأنه حقيقة ومجاز : كألفاظ العموم المخصوصة ؛ فإن كثيرا من الناس قال : هي حقيقة باعتبار دلالتها على ما بقي وهي مجاز باعتبار سلب دلالتها على ما أخرج . وعند هؤلاء : الكلام إما حقيقة ؛ وإما مجاز وإما حقيقة ومجاز . الوجه الثالث : أنك أنت وطائفة كالرازي ومن اتبعه كابن الحاجب يقولون : إن الألفاظ قبل استعمالها وبعد وضعها ليست حقيقة ولا مجازا أو المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له وحينئذ فهذه الألفاظ كقولهم : ظهر الطريق ؛ وجناح السفر ؛ ونحوها : إن لم يثبتوا أنها وضعت لمعنى ثم استعملت في غيره لم يثبت أنها مجاز وهذا مما لا سبيل لأحد إليه ؛ فإنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب أنها وضعت هذه الألفاظ لغير هذه المعاني المستعملة فيها . فإن قالوا : قد قالوا : جناح الطائر وظهر الإنسان وتكلموا بلفظ الظهر والجناح وأرادوا به ظهر الإنسان وجناح الطائر . قيل لهم : هذا لا يقتضي أنهم وضعوا جناح السفر وظهر الطريق بل هذا استعمل مضافا إلى غير ما أضيف إليه ذاك ؛ إن كان ذلك مضافا . وإن لم يكن ذلك مضافا فالمضاف ليس هو مثل المعرف الذي ليس بمضاف ؛ فاللفظ المعرف والمضاف إلى شيء ليس هو مثل اللفظ المضاف إلى شيء آخر فإذا قال : الجناح والظهر ؛ وقيل : جناح الطائر وظهر الإنسان : فليس هذا وهذا مثل لفظ جناح السفر وظهر الطريق ؛ وجناح الذل . كذلك إذا قيل : رأس الطريق وظهره ووسطه وأعلاه وأسفله كان ذلك مختصا بالطريق ؛ وإن لم يكن ذلك مماثلا كرأس الإنسان وظهره ووسطه وأعلاه وأسفله وكذلك أسفل الجبل وأعلاه هو مما يختص به وكذلك سائر الأسماء المضافة يتميز معناه بالإضافة ومعلوم أن اللفظ المركب تركيب مزج أو إسناد أو إضافة ليس هو من لغتهم كاللفظ المجرد عن ذلك لا في الإعراب ولا في المعنى . بل يفرقون بينهما في النداء والنفي فيقولون : يا زيد ويا عمرو بالضم كقوله : يا آدم ويا نوح ويقولون في المضاف وما أشبهه : يا عبد الله يا غلام زيد كقوله : يا بني آدم يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب ويا أهل يثرب ويا قومنا أجيبوا داعي الله ونحو ذلك في المضاف المنصوب وكذلك في تركيب المزج فليس قولهم : خمسة كقولهم : خمسة عشر بل بالتركيب يغير المعنى . وإذا كان كذلك فلو قال القائل : الخمسة حقيقة في الخمسة ؛ وخمسة عشر مجاز : كان جاهلا ؛ لأن هذا اللفظ ليس هو ذلك وإن كان لفظ الخمسة موجودا في الموضعين ؛ لأنها ركبت تركيبا آخر وجنس هذا التركيب موضوع كما أن جنس الإضافة موضوع . وكذلك قولهم : جناح السفر والذل وظهر الطريق تركيب آخر أضيف فيه الاسم إلى غير ما أضيف إليه في ذلك المكان فليس هذا كالمجرد مثل الخمسة ؛ ولا كالمقرون بغيره كلفظ الخمسة والعشرين وهذا المعنى يقال في الوجه الرابع : وهو أنه سواء ثبت وضع متقدم على الاستعمال ؛ أو كان المراد بالوضع هو ما عرف من الاستعمال : فعلى التقديرين هذا اللفظ المضاف لم يوضع ولم يستعمل إلا في هذا المعنى ولا يفهم منه غيره بل ولا يحتمل سواه ولا يحتاج في فهم المراد به إلا قرينة معنوية غير ما ذكر في الإضافة بل دلالة الإضافة على معناه كدلالة سائر الألفاظ المضافة فكل لفظ أضيف إلى لفظ دل على معنى يختص ذلك المضاف إليه فكما إذا قيل : يد زيد ورأسه ؛ وعلمه ودينه ؛ وقوله وحكمه وخبره : دل على ما يختص به وإن لم يكن دين زيد مثل دين عمرو ؛ بل دين هذا الكفر ودين هذا الإسلام ولا حكمه مثل حكمه ؛ بل هذا الحكم بالجور وهذا الحكم بالعدل ولا خبره مثل خبره ؛ بل خبر هذا صدق وخبر هذا كذب وكذلك إذا قيل : لون هذا ولون هذا كان لون كل منهما يختص به وإن كان هذا أسود وهذا أبيض . فقد يكون اللفظ المضاف واحدا مع اختلاف الحقائق في الموضعين ؛ كالسواد والبياض وإنما يميز اللون أحدهما عن الآخر بإضافته إلى ما يميزه . فإن قيل : لفظ الكون والدين والخبر ونحو ذلك عند الإطلاق يعم هذه الأنواع ؛ فكانت عامة ؛ وتسمى متواطئة ؛ بخلاف لفظ الرأس والظهر والجناح فإنها عند الإطلاق إنما تنصرف إلى أعضاء الحيوان . قيل : فهب أن الأمر كذلك : أليست بالإضافة اختصت ؟ فكانت عامة مطلقة ثم تخصصت بالإضافة أو التعريف فهي من باب اللفظ العام إذا خص بإضافة أو تعريف . وتخصيصه بذلك كتخصيصه بالصفة والاستثناء ؛ والبدل والغاية كما يقال : اللون الأحمر والخبر الصادق أو قيل : ألف إلا خمسين فقد تغيرت دلالتها بالإطلاق والتقييد . ثم إنه في كلا الموضعين لم يستعمل اللفظ المعين في غير ما استعمل فيه أولا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال : { رأس الأمر الإسلام ؛ وعموده الصلاة : وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله } وقال : { وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم } قد أضاف الرأس إلى الأمر : وهذا اللفظ لم يستعمل في رأس الحيوان . وكذلك إذا قالوا : رأس المال ؛ والشريكان يقتسمان ما يفضل بعد رأس المال والمضارب يستحق نصيبه من الربح بعد رأس المال فلفظ رأس المال لم يستعمل في رأس الحيوان . وكذلك لفظ رأس العين سواء كان جنسا أو علما بالغلبة . وأيضا فقولهم : تلك عند الإطلاق ينصرف إلى أعضاء الحيوان عنه جوابان : أحدهما : أن اللفظ لا يستعمل قط مطلقا لا يكون إلا مقيدا ؛ فإنه إنما تقيد بعد العقد والتركيب إما في جملة اسمية أو فعلية من متكلم معروف قد عرفت عاداته بخطابه ؛ وهذه قيود يتبين المراد بها . الثاني : أن تجريده عن القيود الخاصة قيد ؛ ولهذا يقال : للأمر صيغة موضوعة له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمرا وللعموم صيغة موضوعة له في اللغة تدل بمجردها على كونه عاما فنفس التكلم باللفظ مجردا قيد : ولهذا يشترط في دلالته الإمساك عن قيود خاصة فالإمساك عن القيود الخاصة قيد كما أن الاسم الذي يتكلم به لقصد الإسناد إليه مع تجريده عن العوامل اللفظية فيه هو المبتدأ الذي يرفع وسر ذلك تجريده عن العوامل اللفظية فهذا التجريد قيد في رفعه كما أن تقييده بلفظ مثل : " كان " و " إن " و " ظننت " : يوجب له حكما آخر . ولهذا كان المتكلم بالكلام له حالان : تارة يسكت ويقطع الكلام ويكون مراده معنى . وتارة يصل ذلك الكلام بكلام آخر بغير المعنى الذي كان يدل عليه اللفظ الأول إذا جرد فيكون اللفظ الأول له حالان : حال يقرنه المتكلم بالسكوت والإمساك وترك الصلة . وحال يقرنه بزيادة لفظ آخر . ومن عادة المتكلم أنه إذا أمسك أراد معنى آخر ؛ وإذا وصل أراد معنى آخر وفي كلا الحالين قد تبين مراده وقرن لفظه بما يبين مراده . ومعلوم أن اللفظ دلالة على المعنى : والدلالات تارة تكون وجودية وتارة تكون عدمية ؛ سواء في ذلك الأدلة التي تدل بنفسها التي قد تسمى الأدلة العقلية ؛ والأدلة التي تدل بقصد الدال وإرادته ؛ وهي التي تسمى الأدلة السمعية أو الوضعية أو الإرادية . وهي في كلا القسمين كثيرا ما كان مستلزما لغيره ؛ فإن وجوده يدل على وجود اللازم له وعدم اللازم لا يدل على عدمه كما يدل عدم ذات من الذوات على عدم الصفات القائمة بها وعدم كل شرط معنوي على عدم مشروطه كما يدل عدم الحياة على عدم العلم وعدم الفساد على عدم إلهية سوى الله وأمثال ذلك . وأما الثاني الذي يدل بالقصد والاختيار . فكما أن حروف الهجاء إذا كتبوها يعلمون بعضها بنقطة وبعضها بعدم نقطة ؛ كالجيم والحاء والخاء فتلك علامتها نقطة من أسفل والخاء علامتها نقطة من فوق والحاء علامتها عدم النقطة . وكذلك الراء والزاي ؛ والسين والشين ؛ والصاد ؛ والضاد ؛ والطاء ؛ والظاء . وكذلك يقال في حروف المعاني : علامتها عدم علامات الأسماء والأفعال فكذلك الألفاظ إذا قال له : علي ألف درهم وسكت : كان ذلك دليلا على أنه أراد ألفا وازنة فإذا قال : ألف زائفة أو ناقصة ؛ وإلا خمسين : كان وصله لذلك بالصفة والاستثناء دليلا ناقض الدليل الأول . وهنا ألف متصلة بلفظ : وهناك ألف منقطعة عن الصلة والانقطاع فيها غير الدلالة فليست الدلالة هي نفس اللفظ بل اللفظ مع الاقتصار عليه وعدم زيادة عليه . وسواء قيل : إن ترك الزيادة من المتكلم أمر وجودي أو قيل : إنه عدمي فإن أكثر الناس يقولون : الترك أمر وجودي يقوم بذات التارك وذهب أبو هاشم وطائفة إلى أنه عدمي ويسمون الذمية ؛ لأنهم يقولون : العبد يذم على ما لم يفعله . وعلى التقديرين فهو يقصد الدلالة باللفظ وحده لا باللفظ مع المعنى وكونه وحده قيد في الدلالة وهذا القيد منتف إذا كان معه لفظ آخر . ثم العادة في اللفظ أن الزيادة في الألفاظ المقيدة نقص من اللفظ المفرد ولهذا يقال : الزيادة في الحد نقص في المحدود وكلما زادت قيود اللفظ العام نقص معناه ؛ فإذا قال : الإنسان ؛ والحيوان : كان معنى هذا أعم من معنى الإنسان العربي ؛ والحيوان الناطق . الوجه الخامس : لا جائز أن يقال بكونها حقيقة فيها ؛ لأنها حقيقة فيما سواها بالاتفاق ؛ فإن لفظ الأسد حقيقة في السبع ؛ والحمار في البهيمة ؛ والظهر والمتن والساق والكلكل في الأعضاء المخصوصة بالحيوان ولو كانت حقيقة فيما ذكر كان اللفظ مشتركا ولو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند الإطلاق هذا البعض دون بعض ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية . يقال له : قولك : لو كان حقيقة فيما ذكر كان اللفظ مشتركا ما تعني بالمشترك ؟ إن عنيت الاشتراك الخاص - وهو : أن يكون اللفظ دالا على معنيين من غير أن يدل على معنى مشترك بينهما ألبتة - فمن الناس من ينازع في وجود معنى هذا في اللغة الواحدة التي تستند إلى وضع واحد ؛ ويقول : إنما يقع هذا في موضعين كما يسمي هذا ابنه باسم ويسمي آخر ابنه بذلك الاسم . وهم لا يقولون : إن تسمية الكوكب سهيلا والمشتري وقلب الأسد والنسر ونحو ذلك هو باعتبار وضع ثان سماها من سماها من العرب وغيرها بأسماء منقولة كالأعلام المنقولة كما يسمي الرجل ابنه كلبا وأسدا ونمرا وبحرا ونحو ذلك . ولا ريب أن الاشتراك بهذا المعنى مما لا ينازع فيه عاقل لكن معلوم أن هذا وضع ثان وهذا لا يغيره دلالة الأعلام الموضوعة على مسمياتها والعلامة المميزة في المجاز وإن كان المسمى بالاسم قد يقصد به اتصاف المسمى : إما التفاؤل بمعناها ؛ وإما دفع العين عنه ؛ وإما تسميته باسم محبوب له من أب أو أستاذ ؛ أو مميز ؛ أو يكون فيه معنى محمود كعبد الله وعبد الرحمن ومحمد وأحمد لكن بكل حال هذا وضع ثان لهذا واللفظ بهذا الاعتبار يصير به مشتركا ولهذا احتيج في الأعلام إلى التمييز باسم الأب أو الجد مع الأب إذا لم يحصل التمييز باسمه واسم أبيه وإن حصل التمييز بذلك اكتفى به كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الصلح بينه وبين قريش حيث كتب : { هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو } بعد أن امتنع المشركون أن يكتبوا محمدا رسول الله وهو صلى الله عليه وسلم متميز بصفة الرسالة والنبوة عند الله فلما غير تمييزه بوصفه الذي يوجب تصديقه والإيمان به وافقهم على التمييز باسم أبيه . والمقصود أن من الناس من يقول : ما من لفظ على معنيين في اللغة الواحدة إلا وبينهما قدر مشترك بل ويلتزم ذلك في الحروف فيجعل بينها وبين المعاني مناسبة تكون باعثة للمتكلم على تخصيص ذلك المعنى بذلك اللفظ . ولم يقل أحد من العقلاء : إن اللفظ يدل على المعنى بنفسه من غير قصد أحد وإن تلك الدلالة صفة لازمة للفظ حتى يقول القائل : لو كان اللفظ يناسب المعنى لم يختلف باختلاف الأمم فإن الأمور الاختيارية من الألفاظ والأعمال العادية يوجد فيها مناسبات وتكون داعية للفاعل المختار وإن كانت تختلف بحسب الأمكنة والأزمنة والأحوال . والأمور الطبيعية التي ليست باختيار حيوان تختلف أيضا فالحر والبرد والسواد والبياض ونحو ذلك من الأمور الطبيعية تختلف باختلاف طبائع البلاد والأمور الاختيارية من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمركب والمنكح وغير ذلك تختلف باختلاف عادات الناس مع أنها أمور اختيارية ولها مناسبات فتناسب أهل مكان وزمان من ذلك ما لا تناسب أهل زمان آخر كما يختار الناس من ذلك في الشتاء والبلاد الباردة ما لا يختارونه في الصيف والبلاد الحارة مع وجود المناسبة الداعية لهم ؛ إذ كانوا يختارون في الحر من المأكل الخفيف والفاكهة ما يخف هضمه لبرد بواطنهم وضعف القوى الهاضمة وفي الشتاء والبلاد الباردة . يختارون من المآكل الغليظة ما يخالف ذلك لقوة الحرارة الهاضمة في بواطنهم أو كان زمن الشتاء تسخن فيه الأجواف وتبرد الظواهر من الجماد والحيوان والشجر وغير ذلك ؛ لكون الهواء يبرد في الشتاء وشبيه الشيء منجذب إليه فينجذب إليه البرد فتسخن الأجواف وفي الحر يسخن الهواء فتنجذب إليه الحرارة فتبرد الأجواف فتكون الينابيع في الصيف باردة لبرد جوف الأرض وفي الشتاء تسخن لسخونة جوف الأرض .

(4/335)


والمقصود هنا : أن بشرا من الناس ليس عباد بن سليمان وحده ؛ بل كثير من الناس بل أكثر المحققين من علماء العربية والبيان يثبتون المناسبة بين الألفاظ والمعاني ويقسمون الاشتقاق إلى ثلاثة أنواع : الاشتقاق الأصغر : وهو اتفاق اللفظين في الحروف والترتيب : مثل علم وعالم وعليم . والثاني الاشتقاق الأوسط : وهو اتفاقهما في الحروف دون الترتيب مثل سمي ووسم ؛ وقول الكوفيين إن الاسم مشتق من السمة صحيح إذا أريد به هذا الاشتقاق وإذا أريد به الاتفاق في الحروف وترتيبها فالصحيح مذهب البصريين أنه مشتق من السمو : فإنه يقال في الفعل سماه ولا يقال : وسمه ويقال في التصغير : سمي ولا يقال : وسيم . ويقال في جمعه : أسماء ولا يقال أوسام . وأما الاشتقاق الثالث : فاتفاقهما في بعض الحروف دون بعض لكن أخص من ذلك أن يتفقا في جنس الباقي مثل أن يكون حروف حلق كما يقال : حزر ؛ وعزر ؛ وأزر فالمادة تقتضي القوة والحاء والعين والهمزة جنسها واحد ولكن باعتبار كونها من حروف الحلق . ومنه المعاقبة بين الحروف المعتل والمضعف كما يقال : تقضى البازي ؛ وتقضض . ومنه يقال : السرية مشتق من السر وهو النكاح . ومنه قول أبي جعفر الباقر : العامة مشتقة من العمى . ومنه قولهم : الضمان مشتق من ضم إحدى الذمتين إلى الأخرى . وإذا قيل : هذا اللفظ مشتق من هذا فهذا يراد به شيئان : أحدهما : أن يكون بينهما مناسبة في اللفظ والمعنى من غير اعتبار كون أحدهما أصلا والآخر فرعا فيكون الاشتقاق من جنس آخر بين اللفظين . ويراد بالاشتقاق أن يكون أحدهما مقدما على الآخر أصلا له كما يكون الأب أصلا لولده . وعلى الأول فإذا قيل : الفعل مشتق من المصدر ؛ أو المصدر مشتق من الفعل : فكلا القولين : قول البصريين ؛ والكوفيين صحيح . وأما على الثاني فإذا أريد الترتيب العقلي فقول البصريين أصح فإن المصدر إنما يدل على الحدث فقط ؛ والفعل يدل على الحدث والزمان وإن أريد الترتيب الوجودي - وهو تقدم وجود أحدهما على الآخر - فهذا لا ينضبط فقد يكونون تكلموا بالفعل قبل المصدر ؛ وقد يكونون تكلموا بالمصدر قبل الفعل وقد تكلموا بأفعال لا مصادر لها مثل بد وبمصادر لا أفعال لها مثل " ويح " و " ويل " وقد يغلب عليهم استعمال فعل ومصدر فعل آخر كما في الحب ؛ فإن فعله المشهور هو الرباعي يقال : أحب يحب ومصدره المشهور هو الحب دون الإحباب وفى اسم الفاعل قالوا : محب ولم يقولوا : حاب وفي المفعول قالوا : محبوب ولم يقولوا : محب إلا في الفاعل وكان القياس أن يقال : أحبه إحبابا كما يقال : أعلمه إعلاما . وهذا أيضا له أسباب يعرفها النحاة وأهل التصريف : إما كثرة الاستعمال : وإما نقل بعض الألفاظ ؛ وإما غير ذلك كما يعرف ذلك أهل النحو والتصريف ؛ إذ كانت أقوى الحركات هي الضمة ؛ وأخفها الفتحة ؛ والكسرة متوسطة بينهما ؛ فجاءت اللغة على ذلك من الألفاظ المعربة والمبنية فما كان من المعربات عمدة في الكلام لا بد له منه : كان له المرفوع ؛ كالمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول القائم مقامه وما كان فضلة كان له النصب ؛ كالمفعول والحال والتمييز . وما كان متوسطا بينهما لكونه يضاف إليه العمدة تارة والفضلة تارة : كان له الجر وهو المضاف إليه . وكذلك في المبنيات ؛ مثل ما يقولون في أين وكيف : بنيت على الفتح طلبا للتخفيف لأجل الياء . وكذلك في حركات الألفاظ المبنية الأقوى له الضم وما دونه له الفتح ؛ فيقولون : كره الشيء والكراهية يقولون فيها : كرها بالفتح كما قال تعالى : { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } وقال : { ائتيا طوعا أو كرها } . وكذلك الكسر مع الفتح فيقولون في الشيء المذبوح والمنهوب : ذبح ونهب بالكسر كما قال تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } وكما في الحديث { أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل } وفي المثل السائر : " أسمع جعجعة ولا أرى طحنا " بالكسر ؛ أي : ولا أرى طحينا ومن قال بالفتح أراد الفعل كما أن الذبح والنهب هو الفعل ومن الناس من يغلط هذا القائل . وهذه الأمور وأمثالها هي معروفة من لغة العرب لمن عرفها معروفة بالاستقراء والتجربة تارة وبالقياس أخرى كما تفعل الأطباء في طبائع الأجسام وكما يعرف ذلك في الأمور العادية التي تعرف بالتجربة المركبة من الحس والعقل ثم قد قيل : تعرف ما لم تجرب بالقياس . ومعلوم أن هذه الأمور لها أسباب ومناسبات عند جماهير العقلاء من المسلمين . وغيرهم ومن أنكر ذلك من النظار فذلك لا يتكلم معه في خصوص مناسبات هذا فإنه ليس [ عنده ] في المخلوقات قوة يحصل بها الفعل ولا سبب يخص أحد المتشابهين ؛ بل من أصله أن محض مشيئة الخالق تخصص مثلا عن مثل بلا سبب ولا لحكمة فهذا يقول : كون اللفظ دالا على المعنى إن كان بقول الله فهذا لمجرد الاقتران العادي ؛ وتخصيص الرب عنده ليس لسبب ولا لحكمة بل نفس الإرادة تخصص مثلا عن مثل بلا حكمة ولا سبب . وإن كان باختيار العبد فقد يكون السبب خطور ذلك اللفظ في قلب الواضع دون غيره . وبسط هذه الأمور له موضع آخر والمقصود هنا أن الحجة التي احتج بها على إثبات المجاز وهي قوله : إن هذه الألفاظ إن كانت حقيقة لزم أن تكون مشتركة : هي مبنية على مقدمتين : إحداهما : أنه يلزم الاشتراك . والثانية : أنه باطل . وهذه الحجة ضعيفة ؛ فإنه قد تمنع المقدمة الأولى ؛ وقد تمنع المقدمة الثانية ؛ وقد تمنع المقدمتان جميعا ؛ وذلك أن قوله : يلزم الاشتراك : إنما يصح إذا سلم له أن في اللغة الواحدة باعتبار اصطلاح واحد ألفاظا تدل على معان متباينة من غير قدر مشترك وهذا فيه نزاع مشهور وبتقدير التسليم فالقائلون بالاشتراك متفقون على أنه في اللغة ألفاظ بينها قدر مشترك وبينها قدر مميز وهذا يكون مع تماثل الألفاظ تارة ؛ ومع اختلافها أخرى ؛ وذلك أنه كما أن اللفظ قد يتحد ويتعدد معناه فقد يتعدد ويتحد معناه كالألفاظ المترادفة . وإن كان من الناس من ينكر الترادف المحض فالمقصود أنه قد يكون اللفظان متفقين في الدلالة على معنى ويمتاز أحدهما بزيادة كما إذا قيل في السيف : إنه سيف وصارم ومهند فلفظ السيف يدل عليه مجردا ولفظ الصارم في الأصل يدل على صفة الصرم عليه والمهند يدل على النسبة إلى الهند وإن كان يعرف الاستعمال من نقل الوصفية إلى الاسمية فصار هذا اللفظ يطلق على ذاته مع قطع النظر عن هذه الإضافة لكن مع مراعاة هذه الإضافة : منهم من يقول : هذه الأسماء ليست مترادفة لاختصاص بعضها بمزيد معنى . ومن الناس من جعلها مترادفة باعتبار اتحادها في الدلالة على الذات وأولئك يقولون : هي من المتباينة كلفظ الرجل والأسد فقال لهم هؤلاء : ليست كالمتباينة . والإنصاف : أنها متفقة في الدلالة على الذات متنوعة في الدلالة على الصفات فهي قسم آخر قد يسمى المتكافئة . وأسماء الله الحسنى وأسماء رسوله وكتابه من هذا النوع . فإنك إذا قلت : إن الله عزيز ؛ حكيم ؛ غفور ؛ رحيم ؛ عليم ؛ قدير : فكلها دالة على الموصوف بهذه الصفات سبحانه وتعالى كل اسم يدل على صفة تخصه فهذا يدل على العزة ؛ وهذا يدل على الحكمة وهذا يدل على المغفرة ؛ وهذا يدل على الرحمة ؛ وهذا يدل على العلم ؛ وهذا يدل على القدرة . وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم { إن لي خمسة أسماء : أنا محمد ؛ وأنا أحمد ؛ وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر ؛ وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي ؛ وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي } . والأسماء التي أنكرها الله على المشركين بتسميتهم أوثانهم بها من هذا الباب حيث قال : { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } فإنهم سموها آلهة فأثبتوا لها صفة الإلهية التي توجب استحقاقها أن تعبد وهذا المعنى لا يجوز إثباته إلا بسلطان - وهو الحجة - وكون الشيء معبودا تارة يراد به أن الله أمر بعبادته فهذا لا يثبت إلا بكتاب منزل وتارة يراد به أنه متصف بالربوبية والخلق المقتضي لاستحقاق العبودية ؛ فهذا يعرف بالعقل ثبوته وانتفاؤه . ولهذا قال تعالى : { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين } وقال في سورة فاطر : { قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا } فطالبهم [ بحجة ] عقلية عيانية وبحجة سمعية شرعية فقال : { أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات } ثم قال : { أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه } كما قال هناك : { أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات } ثم قال : { ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم . } فالكتاب المنزل ؛ والأثارة ما يؤثر عن الأنبياء بالرواية والإسناد . وقد يقيد في الكتب ؛ فلهذا فسر بالرواية وفسر بالخط . وهذا مطالبة بالدليل الشرعي على أن الله شرع أن يعبد غيره فيجعل شفيعا أو يتقرب بعبادته إلى الله وبيان أنه لا عبادة أصلا إلا بأمر من الله ؛ فلهذا قال تعالى : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه } كما قال في موضع آخر : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } { منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين } { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون } { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون } { ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } . والسلطان الذي يتكلم بذلك : الكتاب المنزل كما قال : { أم لكم سلطان مبين } { فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } وقال : { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } . والمقصود هنا : أنه إذا كان من الأسماء المختلفة الألفاظ ما يكون معناه واحدا كالجلوس والقعود - وهي المترادفة - ومنها ما تتباين معانيها كلفظ السماء والأرض ومنها ما يتفق من وجه ويختلف من وجه كلفظ الصارم والمهند وهذا قسم ثالث ؛ فإنه ليس معنى هذا مباينا لمعنى ذاك كمباينة السماء للأرض ولا هو مماثلا لها كمماثلة لفظ الجلوس للقعود : فكذلك الأسماء المتفقة اللفظ قد يكون معناها متفقا وهي المتواطئة وقد يكون معناها متباينا وهي المشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ سهيل المقول على الكوكب وعلى الرجل وقد يكون معناها متفقا من وجه مختلفا من وجه فهذا قسم ثالث ليس هو كالمشترك اشتراكا لفظيا ولا هو كالمتفقة المتواطئة فيكون بينها اتفاق هو اشتراك معنوي من وجه وافتراق هو اختلاف معنوي من وجه ولكن هذا لا يكون إلا إذا خص كل لفظ بما يدل على المعنى المختص . وهذه الألفاظ كثيرة في الكلام المؤلف ؛ أو هي أكثر الألفاظ الموجودة في الكلام المؤلف الذي تكلم به كل متكلم ؛ فإن الألفاظ التي يقال : إنها متواطئة كأسماء الأجناس ؛ مثل لفظ الرسول والوالي والقاضي ؛ والرجل ؛ والمرأة والإمام والبيت ؛ ونحو ذلك : قد يراد بها المعنى العام وقد يراد بها ما هو أخص منه مما يقترن بها تعريف الإضافة أو اللام كما في قوله : { إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } { فعصى فرعون الرسول } وقال في موضع آخر : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } فلفظ الرسول في الموضعين لفظ واحد مقرون باللام لكن ينصرف في كل موضع إلى المعروف عند المخاطب في ذلك الموضع فلما قال هنا : { كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } { فعصى فرعون الرسول } كان اللام لتعريف رسول فرعون وهو موسى بن عمران عليه السلام . ولما قال لأمة محمد : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } كان اللام لتعريف الرسول المعروف عند المخاطبين بالقرآن المأمورين بأمره المنتهين بنهيه وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم . ومعلوم أن مثل هذا لا يجوز أن يقال : هو مجاز في أحدهما باتفاق الناس . ولا يجوز أن يقال : هو مشترك اشتراكا لفظيا محضا كلفظ المشتري للمبتاع والكوكب وسهيل للكوكب والرجل . ولا يجوز أن يقال : هو متواطئ دل في الموضعين على القدر المشترك فقط ؛ فإنه قد علم أنه في أحد الموضعين هو محمد وفي الآخر موسى مع أن لفظ الرسول واحد . ولكن هذا اللفظ تكلم به في سياق كلام من مدلول لام التعريف وهكذا جميع أسماء المعارف ؛ فإن الأسماء نوعان : معرفة ؛ ونكرة . والمعارف مثل : المضمرات ؛ وأسماء الإشارة مثل : أنا وأنت ؛ وهو ومثل : هذا ؛ وذاك . والأسماء الموصولة مثل : { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة } . وأسماء المعرفة باللام كالرسول . والأسماء الأعلام مثل : إبراهيم وإسماعيل : وإسحاق ويعقوب ؛ ويوسف ومثل شهر رمضان . والمضاف إلى المعرفة مثل قوله : { وطهر بيتي } وقوله : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } ومثل : { ناقة الله وسقياها } ومثل قوله : { أحل لكم ليلة الصيام } . ومثل المنادى المعين مثل قول يوسف : { يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا } وقول ابنة صاحب مدين : { يا أبت استأجره } فإن لفظ الأب هناك أريد به يعقوب وهنا أريد به صاحب مدين الذي تزوج موسى ابنته وليس هو شعيبا كما يظنه بعض الغالطين بل علماء المسلمين من أهل السلف وأهل الكتاب يعرفون أنه ليس شعيبا كما قد بسط في موضع آخر . والمقصود هنا : أن هذه الأسماء المعارف - وهي أصناف - كل نوع منها لفظه واحد كلفظ أنا وأنت ؛ ولفظ هذا وذاك ومع هذا ففي كل موضع يدل على المتكلم المعين والمخاطب والغائب المعين ولا يجوز أن يقال : هي مشتركة كلفظ سهيل ولا متواطئة كلفظ الإنسان بل بينها قدر مشترك وقدر مميز فباعتبار المشترك تشبه المتواطئة وباعتبار المميز تشبه المشتركة اشتراكا لفظيا وهي لا تستعمل قط إلا مع ما يقترن بها مما تعين المضمر والمشار إليه ونحو ذلك فصارت دلالتها مؤلفة من لفظها ومن قرينة تقترن بها تعين المعروف وهذه حقيقة باتفاق الناس لا يقول عاقل : إن هذه مجاز مع أنها لا تدل قط إلا مع قرينة تبين تعيين المعروف المراد . فإذا قيل : لفظ أنا ؛ قيل : يدل على المتكلم مطلقا ولكن لم ينطق به أحد قط مطلقا ؛ إذ ليس في الوجود متكلم مطلق كلي مشترك بل كل متكلم هو معين متميز عن غيره فإذا طلب معرفة مدلولها ومعناها قيل : من هو المتكلم بها ؟ ومن هو المخاطب بأنت وإياك ونحو ذلك ؟ فإن كان المتكلم بها هو الله كقوله تعالى لموسى : { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } ونحو ذلك : كان هذا اللفظ في هذا الموضع اسما لله تعالى لا يحتمل غيره ولا يمكن مخلوق أن يقول : { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } وقد ذكر سبحانه أن الذي حاج إبراهيم في ربه قال : { أنا أحيي وأميت } وذكر عن صاحب يوسف أنه قال : { أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني } وأخبر عن عفريت من الجن أنه قال : { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } وعن الذي عنده علم من الكتاب أنه قال : { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } فلفظ أنا في كل موضع معين ليس هو مدلوله في الموضع الآخر وإن كان لفظ أنا في الموضعين واحدا . ولم يقل أحد من العقلاء : إن هذا اللفظ مشترك ولا مجاز مع أنه لا يدل إلا بقرينة تبين المراد . فصل إذا تبين هذا فيقال له : هذه الأسماء التي ذكرتها مثل لفظ الظهر ؛ والمتن والساق ؛ والكبد لا يجوز أن تستعمل في اللغة إلا مقرونة بما يبين المضاف إليه وبذلك يتبين المراد . فقولك : ظهر الطريق ومتنها : ليس هو كقولك : ظهر الإنسان ومتنه بل ولا كقولك : ظهر الفرس ومتنه ولا كقولك : ظهر الجبل . وكذلك كبد السماء ليس مثل كبد القوس ولا هذان مثل لفظ كبد الإنسان . وكذلك لفظ السيف في { قول النبي صلى الله عليه وسلم إن خالدا سيف سله الله على المشركين } ليس مثل لفظ السيف في قوله : { من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان } فكل من لفظ السيف هاهنا وهاهنا مقرون بما يبين معناه . نعم قد يقال : التشابه بين معنى الرسول والرسول أتم من التشابه بين معنى الكبد والكبد والسيف والسيف . فيقال : هذا القدر الفارق دل عليه اللفظ المختص ؛ كما في قوله : { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } وفي قوله : { وطهر بيتي للطائفين } وقوله : { لا تدخلوا بيوت النبي } وقول النبي صلى الله عليه وسلم { من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة } ومعلوم أن بيت العنكبوت ليس مماثلا في الحقيقة لبيته ولا لبيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا لبيت في الجنة ؛ مع أن لفظ البيت حقيقة في الجميع بلا نزاع إذ كان المخصص هو الإضافة في بيت العنكبوت وبيت النبي دل على سكنى صاحب البيت فيه وبيت الله لا يدل على أن الله ساكن فيه لكن إضافة كل شيء بحسبه بل بيته هو الذي جعله لذكره وعبادته ودعائه فهو كمعرفته بالقلوب وذكره باللسان وكل موجود فله وجود عيني ؛ وعلمي ؛ ولفظي ؛ ورسمي . واسم الله يراد به كل من هذه الأربعة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام الله . فإذا قال : { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } فهو الله نفسه وإذا قال : { لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ؛ وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ؛ ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر ؛ وبي يبطش ؛ وبي يمشي } وقوله : { عبدي مرضت فلم تعدني فيقول : ربي كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ فيقول : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده } فالذي في قلوب المؤمنين هو الإيمان بالله ومعرفته ومحبته وقد يعبر عنه بالمثل الأعلى ؛ والمثال العلمي ويقال : أنت في قلبي كما قيل : مثالك في عيني ؛ وذكرك في فمي ومثواك في قلبي ؛ فأين تغيب ؟ ويقال : ساكن في القلب يعمره لست أنساه فأذكره وما ينقل { عن داود عليه السلام أنه قال : أنت تحل قلوب الصالحين } فمعلوم أن هذا كله لم يرد به أن نفس المذكور المعلوم المحبوب ؛ المعبر عنه بالمثال العلمي . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : { أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه } فقوله : " بي " أراد أنها تتحرك باسمه لم تتحرك بذاته ولا ما في القلب هنا ذاته . وفي الصحيح عن أنس { أن نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كان ثلاثة أسطر : الله سطر ؛ ورسول سطر ؛ ومحمد سطر } فمعلوم أن مراده بلفظ الله هو النقش المنقوش في الخاتم المطابق للفظ الدال على المعنى المعروف بالقلب المطابق للموجود في نفس الأمر . فهذه الأسماء العائدة إلى الله تعالى في كل موضع اقترن بها ما بين المراد ولم يكن في شيء من ذلك التباس فكذلك لفظ بيته . وقلنا : المساجد بيوت الله فيها ما بني للقلوب والألسنة من معرفته والإيمان به وذكره ودعائه والأنوار التي يجعلها في قلوب المؤمنين كما في قوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض } ثم قال : { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة } إلى قوله : { في بيوت أذن الله أن ترفع } فبين أن هذا النور في هذه القلوب وفي هذه البيوت كما جاء في الأثر : " إن المساجد تضيء لأهل السموات كما تضيء الكواكب لأهل الأرض " . وإذا كان كذلك ؛ فقول القائل : لو كانت هذه الأسماء حقيقة فيما ذكر لكان اللفظ مشتركا يقال له : ما تعني باللفظ المشترك ؟ تعني به ما هو الاشتراك اللفظي وهو مذكور في كتابك ؟ حيث قلت في تقسيم الألفاظ : الاسم إما أن يكون واحدا ؛ أو متعددا . فإن كان واحدا فمفهومه ينقسم على وجوه . القسمة الأولى : إنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه : أو لا يصح . فإن كان الأول فهو طلبي . وذكر تمامه بكلام بعضه حق ؛ وبعضه باطل اتبع فيه المنطقيين . ثم قال : أما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه فهو الجزئي وذكر أنه العلم خاصة ؛ وقسمه تقسيم النحاة . ثم قال : وأما إن كان الاسم واحدا والمسمى مختلفا : فإما أن يكون موضوعا على الكل حقيقة بالوضع الأول ؛ أو هو مستعار في بعضها . فإن كان الأول فهو المشترك وسواء كانت المسميات متباينة كالجون للسواد والبياض أو غير متباينة كما إذا أطلقنا اسم الأسود على شخص بطريق العلمية وبطريق الاشتقاق من السواد وإن كان الثاني فهو مجاز . فإن أردت هذا فالمشترك هو الاسم الواحد الذي يختلف مسماه ويكون موضوعا على الكل حقيقة بالوضع الأول وتقسيم هذا أن يكون المسمى واحدا ويكون كليا وجزئيا كما ذكرته . وحينئذ فيقال لك : لا نسلم أن هذه الأسماء إذا كانت حقيقة فيما ذكر من الصور كان اللفظ مشتركا وذلك لأن هذا التقسيم إنما يصح في واحد يكون معناه إما واحدا وإما متعددا ونحن لا نسلم أن مورد النزاع داخل فيما ذكرته فإنما يصح هذا إذا كان اللفظ واحدا في الموضعين ؛ وليس الأمر كذلك فإن اللفظ المذكور في محل النزاع هو لفظ ظهر الطريق ومتنها وجناح السفر ونحو ذلك وهذا اللفظ ليس له إلا معنى واحد ؛ ليس معناه متعددا مختلفا : بل حيث وجد هذا اللفظ كان معناه واحدا كسائر الأسماء . فإن قلت : لكن لفظ الظهر والمتن والجناح يوجد له معنى غير هذا . قيل : لفظ ظهر الطريق وجناحها ليس هو لفظ ظهر الإنسان وجناح الطائر ولا أجنحة الملائكة ولفظ الظهر والطريق معرف باللام الدالة على معروف يدل اللفظ عليه وهو ظهر الإنسان مثلا ؛ ليس هو مثل لفظ ظهر الطريق بل هذا اللفظ مغاير لهذا اللفظ . فلا يجوز أن يقال : اللفظ في موضع واحد بل أبلغ من هذا أن لفظ الظهر يستعمل في جميع الحيوان حقيقة بالاتفاق ومع هذا فكثير من الناس قد لا يسبق إلى ذهنهم إلا ظهر الإنسان لا يخطر بقلبه ظهر الكلب ؛ ولا ظهر الثعلب والذئب وبنات عرس وظهر النملة والقملة ؛ وذلك لأن ظهر الإنسان هو الذي يتصورونه ويعبرون عنه كثيرا في عامة كلامهم معرفا باللام ؛ ينصرف إلى الظهر المعروف . ولهذا كانت الأيمان عند الفقهاء تنصرف إلى ما يعرفه المخاطب بلغته وإن كان اللفظ يستعمل في غيره حقيقة أيضا كما إذا حلف لا يأكل الرءوس فإما أن يراد به رءوس الأنعام : أو رءوس الغنم ؛ أو الرأس الذي يؤكل في العادة وكذلك لفظ البيض ؛ يراد به البيض الذي يعرفونه . فأما رأس النمل والبراغيث ونحو ذلك فلا يدخل في اللفظ ولا يدخل بيض السمك في اليمين ؛ وإن كان ذلك حقيقة إذا قيل : بيض النمل وبيض السمك بالإضافة وكذلك إذا قال : بعتك بعشرة دراهم أو دنانير : انصرف الإطلاق إلى ما يعرفونه من مسمى هذا اللفظ في مثل ذلك العقد في ذلك المكان حتى إنه في المكان الواحد يكون لفظ الدينار يراد به في ثمن بعض السلع الذهب الخالص ؛ وفي سلعة أخرى ذهب مغشوش ؛ وفي سلعة أخرى مقدار من الدراهم فيحمل العقد المطلق على ما يعرفه المتبايعان باتفاق الفقهاء وإن كان اللفظ إنما يستعمل في غيره بما يبين معناه فكيف إذا كان نفس اللفظ متغايرا كلفظ ظهر الإنسان ؛ وظهر الطريق ؛ ورأس الإنسان ورأس الدرب ؛ ورأس المال ؛ أو رأس العين ؛ أو قيد أحدهما بالتعريف كلفظ الظهر ؛ وقيد الآخر بالإضافة ؛ وكان اللام يوجب إرادة المعروف عند المخاطب ؛ والإضافة توجب الاختصاص بالمضاف إليه . فالمعرف باللام ليس هو المعرف بالإضافة لا لفظا ولا معنى . وقد يكون التعريف باللام في الموضعين ومع هذا يختلف المعنى كما في لفظ الرسول ؛ لأن جزء الدلالة معرفة المخاطب وهو حقيقة في الموضعين : فكيف يكون تعريف الإضافة مع تعريف اللام ؟ فقد تبين أنه ليس اللفظ الدال على ظهر الإنسان هو اللفظ الدال على ظهر الطريق وحينئذ فلا يلزم من اختلاف معنى اللفظين أن يكون مشتركا لأن الاشتراك لا يكون في لفظ واحد اختلف معناه ؛ وليس الأمر كذلك . فإن قيل : فهذا يوجب أن لا يكون في اللغة لفظ مشترك اشتراكا لفظيا ؛ فإن اللفظ المشترك لا يستعمل إلا مقرونا بما يبين أحد المعنيين قيل : إما أن يكون هذا لازما ؛ وإما أن لا يكون . فإن لم يكن لازما بطل السؤال ؛ وإن كان لازما التزمنا قول من ينفي الاشتراك إذا كان الأمر كذلك كما يلتزم قول من ينفي المجاز . فإن قيل : كيف تمنعون ثبوت الاشتراك وقد قام الدليل على وجوده ؟ قيل : لا نسلم أنه قام دليل على وجوده على الوجه الذي ادعوه وصاحب الكتاب أبي الحسين الآمدي يعترف بضعف أدلة مثبتيه وقد ذكر لنفسه دليلا هو أضعف مما ذكره غيره ؛ فإنه قال : في مسائله " المسألة الأولى " : اختلف الناس في اللفظ المشترك : هل له وجود في اللغة ؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون . قال : والمختار جواز وقوعه أما الخطابي العقلي فلا يمتنع من واضع واحد وأن يتفق وضع قبيلة للاسم على معناه ووضع أخرى له بإزاء معنى آخر من غير شعور كل واحدة بما وضعت الأخرى ثم يشتهر الوضعان لخفاء سببه قال : وهو الأشبه . قال وأما بيان الوقوع أنه لو لم تكن الألفاظ المشتركة واقعة في اللغة مع أن المسببات غير متناهية ؛ والأسماء متناهية ضرورة تركيبها من الحروف المتناهية لخلت أكثر المسميات عن ألفاظ الأسماء الدالة عليها مع الحاجة إليها . وهو ممتنع قال : وهو غير سديد من حيث إن الأسماء إن كانت مركبة من الحروف المتناهية فلا يلزم أن يكون متناهية إلا أن يكون ما يحصل من تضاعف التركيبات متناهية فلا نسلم أن المسميات المتضادة والمختلفة - وهي التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة إليها - : غير متناهية وإن كانت غير متناهية غير أن وضع الأسماء على مسمياتها مشروط بكون كل واحد من المسميات مقصودا بالوضع وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك وإن سلمنا أنه غير ممتنع ؛ ولكن لا يلزم من ذلك الوضع . ولهذا يأتي كثير من المعاني لم تضع العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها بطريق الاشتراك ولا التفضيل كأنواع الروائح وكثير من الصفات . قال : وقال أبو الحسين البصري : أطلق أهل اللغة اسم " القرء " على الحيض والطهر ؛ وهما ضدان ؛ فدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة . قال : ولقائل أن يقول : القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع بل غاية الموضوع اتحاد الاسم وتعدد المسمى ولعله أطلق عليها باعتبار معنى واحد مشترك بينهما لا باعتبار اختلاف حقيقتهما أو أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الأخرى وإن خفي علينا موضع الحقيقة والمجاز . وهذا هو الأولى إما بالنظر إلى الاحتمال الأول فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك وإما بالنظر إلى الاحتمال [ الثاني ] فلأن التجوز أولى من الاشتراك كما يأتي في موضعه . قال : والأقرب من ذلك اتفاق إجماع الكل على إطلاق اسم الوجود على القديم والحادث حقيقة ولو كان مجازا في أحدهما لصح نفيه إذ هي أمارة المجاز ؛ وهو ممتنع وعند ذلك فإما أن يكون اسم الوجود دالا على ذات الرب ؛ أو على حقيقة زائدة على ذاته . فإن كان الأول فلا يخفى أن ذات الرب مخالفة بذاتها لما سواها من الموجودات الحادثة ؛ وإلا لوجب الاشتراك بينها وبين ما شاركها في معناها في الوجوب ؛ ضرورة التساوي في مفهوم الذات ؛ وهو محال . وإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب تعالى : فإما أن يكون المفهوم منها هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث ؛ وإما خلافه . فالأول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الوجود واجبا لذاته ؛ ضرورة أن وجود الباري واجب لذاته ؛ أو أن يكون وجود الرب ممكنا ؛ ضرورة إمكان وجود ما سوى الله ؛ وهو محال . وإن كان الثاني لزم منه الاشتراك ؛ وهو المطلوب . فهذا في دليله وهو في غاية الضعف ؛ فإنه مبني على مقدمتين : على أن اسم الوجود حقيقة في الواجب والممكن ؛ وأن ذلك يستلزم الاشتراك . والمقدمة الثانية باطلة قطعا . والأولى فيها نزاع ؛ خلاف ما ادعاه من الإجماع . فمن الناس من قال : إن كل اسم تسمى به المخلوق لا يسمى به الخالق إلا مجازا حتى لفظ الشيء وهو قول جهم ومن وافقه من الباطنية وهؤلاء لا يسمونه موجودا ولا شيئا ؛ ولا غير ذلك من الأسماء . ومن الناس من عكس وقال : بل كلما يسمى به الرب فهو حقيقة ؛ ومجاز في غيره . وهو قول أبي العباس الناشي من المعتزلة . والجمهور قالوا : إنه حقيقة فيهما ؛ لكن أكثرهم قالوا : إنه متواطئ التواطؤ العام ؛ أو مشككا إن جعل المشكك نوعا آخر ؛ وهو غير التواطؤ الخاص الذي تتماثل معانيه في موارد ألفاظه . وإنما جعله مشتركا شرذمة من المتأخرين لا يعرف هذا القول عن طائفة كبيرة ولا نظار مشهورين . ومن حكى ذلك عن الأشعري كما حكاه الرازي فقد غلط ؛ فإن مذهب الرجل وعامة أصحابه : أن الوجود اسم عام ينقسم إلى : قديم ؛ وحادث ولكن مذهبه أن وجود كل شيء عين ماهيته وهذا مذهب جماهير العقلاء من المسلمين وغيرهم فظن الظان أن هذا يستلزم [ أن يكون ] اللفظ مشتركا كما احتج به الآمدي وذلك غلط كما قد بسطناه في موضعه وهو يتبين بالكلام على حجته . وقوله : إما أن يكون اسم الوجود دالا على الذات ؛ أو على صفة زائدة على الذات . يقال له : أتريد به لفظ الوجود العام المنقسم إلى واجب وممكن ؛ أم لفظ الوجود الخاص ؟ كما يقال : وجود الواجب ووجود الممكن ؛ فإنه من المعلوم أن الأسماء التي يسمى بها الرب وغيره - بل كل مسميين - تارة تعتبر مطلقة عامة تتناول النوعين ؛ وتارة تعتبر مقيدة بهذا المسمى . ولفظ الحي والعليم ؛ والقدير ؛ والسميع ؛ والبصير والموجود ؛ والشيء ؛ والذات : إذا كان عاما يتناول الواجب وإذا قيل : { وتوكل على الحي الذي لا يموت } { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } { وهو العليم الحكيم } ونحو ذلك مما يختص بالرب : لم يتناول ذلك المخلوق كما إذا قيل : { يخرج الحي من الميت } لم يدخل الخالق في اسم هذا الحي . وكذلك إذا قيل : العلم والقدرة ؛ والكلام ؛ والاستواء ؛ والنزول ونحو ذلك : تارة يذكر مطلقا عاما : وتارة يقال : علم الله وقدرته ؛ وكلامه ؛ ونزوله ؛ واستواؤه : فهذا يختص بالخالق ؛ لا يشركه فيه المخلوق . كما إذا قيل : علم المخلوق وقدرته : وكلامه ؛ ونزوله ؛ واستواؤه فهذا يختص بالمخلوق ولا يشركه فيه الخالق . فالإضافة أو التعريف خصص وميز وقطع الاشتراك بين الخالق والمخلوق . وكذلك إذا قيل لفظ الوجود مطلقا وقيل : وجود الواجب ووجود الممكن فهذه ثلاثة معان . فإذا قيل : وجود العبد وذاته وماهيته وحقيقته كان ذلك مختصا به دالا على ذاته المختصة به المتصفة بصفاته . وكذلك إذا قيل : وجود الرب ونفسه ؛ وذاته ؛ وماهيته وحقيقته : كان دالا على ما يختص بالرب : وهو نفسه المتصفة بصفاته . فقوله : اسم الوجود إما أن يكون دالا على ذات الرب ؛ أو صفة زائدة . يقال له : إن أردت لفظ الوجود المطلق العام الذي يتناول الواجب والممكن ؛ فهذا لا يدل على ما يختص بالواجب ولا على ما يختص بالممكن ؛ بل يدل على المشترك الكلي والمشترك الكلي إنما يكون مشتركا كليا في الذهن واللفظ وإلا فليس في الخارج شيء هو نفسه كلي مع كونه في الخارج . وهذا كما إذا قيل : الذات والنفس : بحيث يعم الواجب والممكن فإنما يدل على المعنى العام الكلي لا على ما يختص بواحد منهما كما إذا قيل : الوجود ينقسم إلى : واجب ؛ وممكن . والذات تنقسم إلى : واجب : وممكن . ونحو ذلك . وأما إن أريد بالوجود ما يعمهما جميعا كما إذا قيل : الوجود كله واجبه وممكنه ؛ أو الوجود الواجب والممكن فهنا يدل على ما يختص بكل منهما كما إذا قيل : وجود الواجب ووجود الممكن . ففي الجملة اللفظ : إما أن يدل على المشترك فقط كالوجود المنقسم أو على المميز فقط كقول : وجود الواجب : وقول : وجود الممكن أو عليهما كقولك : الوجود كله واجبه وممكنه ؛ والوجود الواجب والممكن . وعلى كل تقدير فلا يلزم الاشتراك . وقوله : إذا كان دالا على ذات الرب فذاته مخالفة لما سواها من الموجودات يقال : لفظ الوجود المطلق المنقسم لا يدل على ما يختص بالرب وأما لفظ الوجود الخاص لوجود الرب أو العام كقولنا : الوجود الواجب والممكن ونحو ذلك : فهذا يدل على ما يختص بذات الرب وإن كان مخالفا لذات غيره كما أن لفظ ذات الرب وذات العبد تدل على ما يختص بالرب وبالعبد : وإن كان حقيقة هذا مخالفا لحقيقة هذا فكذلك لفظ الوجود يدل عليهما مع اختلاف حقيقة الموجودين . فإن قيل : إذا كان حقيقة هذا الوجود يخالف حقيقة هذا الوجود كان اللفظ مشتركا . قيل : هذا غلط منه نشأ غلط هذا وأمثاله : وذلك أن جميع الحقائق المختلفة تتفق في أسماء عامة تتناول بطريق التواطؤ والتشكيك كلفظ اللون ؛ فإنه يتناول السواد والبياض والحمرة مع اختلاف حقائق الألوان . وكذلك لفظ الصفة والعرض والمعنى يتناول العلم ؛ والقدرة ؛ والحياة والطعم ؛ واللون : والريح مع اختلاف حقائق الألوان . وكذلك لفظ الحيوان يتناول الإنسان والبهيمة مع اختلاف حقائقهما فلفظ الوجود أولى بذلك . وذلك أن هذه الحقائق المختلفة قد تشترك في معنى عام يشملها ؛ ويكون اللفظ دالا على ذلك المعنى كلفظ اللون ثم بالتخصيص يتناول ما يختص بكل واحد كما يقال : لون الأسود ولون الأبيض وقيل : وجود الرب ووجود العبد ولو تكلم بالاسم العام المتناول لأفراده كما إذا قيل : اللون أو الألوان ؛ أو الحيوان ؛ والعرض ؛ أو الوجود : يتناول جميع ما دخل في اللفظ وإن كانت حقائق مختلفة ؛ لشمول اللفظ لها كسائر الألفاظ العامة وإن كانت أفرادها تختلف باعتبار آخر من جهة اللفظ العام . وأيضا فقوله : إن كان مدلول اسم الوجود صفة فإن كان المفهوم واحدا في الواجب والممكن : لزم كون الواجب ممكنا والممكن واجبا وإلا لزم الاشتراك . يقال له : أتعني مدلول الاسم الوجود المطلق أو المقيد المضاف ؟ كما إذا قيل : وجود الواجب ؛ ووجود الممكن ؟ فإن عنيت الأول فالمفهوم واحد ولا يلزم تماثلهما في الموضعين ؛ وإن كان ما في الذهن من معنى الوجود مماثلا لا يلزم أن يكون ما في الخارج منه متماثلا وإنما يلزم أن يطابق الاثنين ويعمهما فقط كسائر الألفاظ المتواطئة المشككة إذا قيل : السواد شارك سواد القار والحبر مع عدم تماثلهما وإذا قيل : الأبيض والأحمر ونحو ذلك يتناول الكامل والناقص وكذلك اسم الحي يتناول حياة الملائكة وحياة أهل الجنة وحياة الذباب والبعوض مع عدم تماثلهما فكيف يكون وجود الرب أو علمه أو قدرته مماثلا لوجود المخلوق وعلمه وقدرته ؟ إذ يشملها اسم الوجود المطلق أو العلم المطلق أو القدرة المطلقة . وإن قال : بل أعني به الوجود المقيد مثل قولنا : وجود الواجب ووجود الممكن . قيل : هنا المفهوم يختلف ؛ لاختصاص كل منهما بلفظ قيد به الوجود وهو الإضافة فهذه الإضافة المقيدة تمنع التماثل ولا يلزم من ذلك الاشتراك اللفظي فإن الاختلاف هنا يحصل في نفس لفظ الوجود بل الإضافة الزائدة على اللفظ والإضافة أو التعريف كقولنا : وجود الرب أو الوجود الواجب ووجود المخلوق ؛ أو الوجود الممكن ونحو ذلك . فهذا الذي احتج به على الاشتراك فيما يسمى به الرب والعبد يلزم منه الاشتراك في سائر الأسماء العامة وهي من جنس الحجة التي احتج بها على المجاز حيث قال : إن كان اللفظ حقيقة في الموضعين لزم الاشتراك ؛ وهو غلط ؛ فإن الذي دل على خصوص هذا المعنى ليس هو الذي دل على خصوص ذاك بل الزائد على اللفظ . فإذا قيل : وجود الرب ووجود العبد فهو من جنس ظهر الإنسان وظهر الفرس كما تقول ظهر الإنسان وظهر الطريق يعني جميع هذه المواضع الدال على ما يخالف به هذا هو مما يختص بكل موضع لا مجرد اللفظ المشترك بل المشترك يدل على المشترك . والمختص يدل على المختص وهذا يقتضي أن بين الظهرين جهة اتفاق وافتراق وكذلك بين الوجودين جهة اتفاق وافتراق وهو الذي يعني به الاشتراك والامتياز لكن بعض الناس يظن أن المشترك بينهما موجود في الخارج مشتركا بينهما ؛ وذلك غلط بل كل واحد مختص بالخارج ولكن الذهن يأخذ منهما قدرا مشتركا كليا ويقال : هما مشتركان في الوجود والحيوانية والإنسانية كما قال تعالى : { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } وقال : { فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون } فالعذاب الذي يصيب الآخر هو نظيره وهو من جنسه اشتراكا في جنس العذاب ليس في الخارج شيء بعينه يشتركان فيه ولكن اشتركا في العذاب الخاص . بمعنى : أن كل واحد له منه نصيب كالمشتركين في العقار ونحو ذلك . الجواب السادس : أن يقال : منع " المقدمة الثانية " قوله : لو كان مشتركا لما سبق إلى الفهم عند إطلاق هذه الألفاظ البعض دون البعض ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية . ولا شك أن السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ الأسد إنما هو السبع ومن إطلاق لفظ الحمار إنما هو البهيمة وكذلك ما في الضرورة . فيقال : إطلاق لفظ الأسد والحمار المعرف بالألف واللام ينصرف إلى ما يعرفه المتكلم أو المخاطب وإذا كان المعرف هو البهيمة انصرف إليها وهذا هو المعروف عند أكثر الناس في أكثر الأوقات ولا يلزم من ذلك إذا كان معرفا يوجب انصرافه إلى البليد والشجاع ولا يكون حقيقة أيضا كقول أبي بكر : لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه . وكما أشير إلى شخص وقيل : هذا الأسد أو إلى بليد وقيل : هذا الحمار . فالتعريف هنا عينه وقطع إرادة غيره كما أن لفظ الرءوس والبيض والبيوت وغير ذلك ينصرف عند الإطلاق إلى الرءوس والبيض الذي يؤكل في العادة ؛ والبيوت إلى مساكن الناس ثم إذا قيل بيت العنكبوت وبيض النمل ورءوس الجراد كان أيضا حقيقة باتفاق الناس . الجواب السابع : أن يقال : أنت جعلت دليل الحقيقة أن يسبق إلى الفهم عند إطلاق اللفظ فاعتبرت في المستمع السابق إلى فهمه ؛ وفي المتكلم إطلاق لفظه وهذا لا ضابط له فإنه إنما يسبق إلى فهم المستمع في كل موضع ما دل عليه دليل في ذلك الموضع فإذا قال : ظهر الطريق ومتنها لم يسبق إلى فهمه ظهر الحيوان ألبتة بل ممتنع عنده إرادته . الجواب الثامن : قولك : من إطلاق جميع اللفظ : كلام مجمل ؛ فإن أردت كون اللفظ مطلقا عن القيود فهذا لا يوجد قط ؛ فإن النظر إنما هو في الأسماء الموجودة في كلام كل متكلم : كلام الله وملائكته وأنبيائه والجن وسائر بني آدم والأمم لا يوجد إلا مقرونا بغيره إما في ضمن جملة اسمية أو فعلية ولا يوجد إلا من متكلم ولا يستدل به إلا إذا عرفت عادة ذلك المتكلم في مثل ذلك اللفظ فهنا لفظ مقيد مقرون بغيره من الألفاظ ومتكلم قد عرفت عادته ومستمع قد عرف عادة المتكلم بذلك اللفظ فهذه القيود لا بد منها في كلام يفهم معناه فلا يكون اللفظ مطلقا عنه . فإن أراد أنه مطلق عن قيد دون قيد لم يكن ما ذكره دالا على ذلك . فعلم أن قوله : يرجع إلى ما يفهم من إطلاق اللفظ . الجواب التاسع : أن يقال له : اذكر أي قيد شئت وفرق بين مقيد ومقيد ؛ فلا يذكر شيئا إلا انتقض وأبين لك من الحدود التي تذكرها فارقة بين الحقيقة والمجاز أن ما جعلته حقيقة تجعله مجازا وما جعلته مجازا تجعله حقيقة وأن المتكلم الفارق بين هذا وهذا بالإطلاق والتقييد تكلم بكلام من لا يتصور ما يقول فضلا عن أن يمكنه التعبير عنه ؛ فإن التعبير فرع التصور فمن لم يتصور ما يقول لم يقل شيئا إلا كان خطأ .

(4/336)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية