صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجموع فتاوى ابن تيمية
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقوله تعالى { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } دليل على أن الزكاة هي التقوى والتقوى تنتظم الأمرين جميعا ؛ بل ترك السيئات مستلزم لفعل الحسنات إذ الإنسان حارث همام ولا يدع إرادة السيئات وفعلها إلا بإرادة الحسنات وفعلها ؛ إذ النفس لا تخلو عن الإرادتين جميعا ؛ بل الإنسان بالطبع مريد فعال وهذا دليل على أن هذا يكون سببه الزكاة والتقوى التي بها يستحق الإنسان الجنة كما في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من تكفل لي بحفظ ما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة } . ومن تزكى فقد أفلح فيدخل الجنة ؛ والزكاة متضمنة حصول الخير وزوال الشر فإذا حصل الخير وزال الشر - من العلم والعمل - حصل له نور وهدى ومعرفة وغير ذلك والعمل يحصل له محبة وإنابة وخشية وغير ذلك . هذا لمن ترك هذه المحظورات وأتى بالمأمورات ويحصل له ذلك أيضا قدرة وسلطانا وهذه صفات الكمال : العلم والعمل والقدرة . وحسن الإرادة وقد جاءت الآثار بذلك وأنه يحصل لمن غض بصره نور في قلبه ومحبة كما جرب ذلك العالمون العاملون . وفي مسند أحمد حدثنا عتاب عن عبد الله - وهو ابن المبارك - أنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها } . ورواه أبو بكر بن الأنباري في أماليه من حديث ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب به ولفظه : { من نظر إلى امرأة فغض بصره عند أول دفعة رزقه الله عبادة يجد حلاوتها } . وقد رواه أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن يعقوب : قال : حدثنا أبو اليمان حدثنا أبو مهدي سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { النظرة الأولى خطأ والثانية عمد والثالثة تدبر نظر المؤمن إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه خشية الله ورجاء ما عنده أثابه الله تعالى بذلك عبادة تبلغه لذتها } رواه أبو جعفر الخرائطي في " كتاب اعتلال القلوب " ثنا علي بن حرب ثنا إسحاق بن عبد الواحد ثنا هشيم ثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن جبلة عن حذيفة ابن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه خوفا من الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه } . وقد رواه أبو محمد الخلال من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي وفيه ذكر السهم . ورواه أبو نعيم : ثنا عبد الله بن محمد هو أبو الشيخ ثنا ابن عفير قال ثنا شعيب بن سلمة ثنا عصمة بن محمد عن موسى يعني ابن عقبة عن القاسم بن محمد عن عائشة : قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما من عبد يكف بصره عن محاسن امرأة ولو شاء أن ينظر إليها لنظر إلا أدخل الله قلبه عبادة يجد حلاوتها } وروى ابن أبي الفوارس من طريق ابن الجوزي عن محمد بن المسيب ثنا عبد الله قال حدثني الحسن عن مجاهد قال : " غض البصر عن محارم الله يورث حب الله " وقد روى مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده { جرير بن عبد الله البجلي : قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري } ورواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس به ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضا وقال : الترمذي حسن صحيح . وفي رواية قال : { أطرق بصرك } أي انظر إلى الأرض والصرف أعم فإنه قد يكون إلى الأرض أو إلى جهة أخرى . وقال أبو داود : حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري حدثنا شريك عن ربيعة الإيادي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : يا علي لا تتبع النظرة النظرة . فإن لك الأولى وليست لك الأخرى } ورواه الترمذي من حديث شريك وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه وفي الصحيح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إياكم والجلوس على الطرقات قالوا : يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نقعد فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر } وروى أبو القاسم البغوي عن { أبي أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اكفلوا لي ستا أكفل لكم الجنة : إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف : غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا فروجكم } . فالنظر داعية إلى فساد القلب . قال بعض السلف : النظر سهم سم إلى القلب فلهذا أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بغض الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا : { لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكسفن وجوهكم } وقال الطبراني حدثنا أحمد بن زهير التستري قال قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقري : حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثنا هزيم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم فمن تركه من مخافة الله أبدله الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه } وفي حديث أبي هريرة الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم { زنا العينين النظر } وذكر الحديث رواه البخاري تعليقا ومسلم مسندا وقد كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى المردان وكانوا يتهمون من فعل ذلك في دينه . وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلا . قال شيخ الإسلام : وأما النور والعلم والحكمة فقد دل عليه قوله تعالى في قصة يوسف : { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } فهي لكل محسن . وفي هذه السورة ذكر آية النور بعد غض البصر وحفظ الفرج وأمره بالتوبة مما لا بد منه أن يدرك ابن آدم من ذلك . وقال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت أبا الحسين الوراق يقول : من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهتدي بها ويهدي بها إلى طريق مرضاته . وهذا لأن الجزاء من جنس العمل ؛ فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو أحب إليه منه وإذا كان النظر بنور العين مكروها أو إلى مكروه فتركه لله أعطاه الله نورا في قلبه وبصرا يبصر به الحق . قال شاه الكرماني : من غض بصره عن المحارم وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وعود نفسه أكل الحلال وكف نفسه عن الشهوات : لم تخطئ له فراسة وإذا صلح علم الرجل فعرف الحق وعمله واتبع الحق : صار زكيا تقيا مستوجبا للجنة . ويؤيد ذلك حديث أبي أمامة المشهور من رواية البغوي : حدثنا طالوت بن عباد حدثنا فضالة بن جبير سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة : إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا فروجكم } . فقد كفل بالجنة لمن أتى بهذه الست خصال فالثلاثة الأولى تبرئة من النفاق والثلاثة الأخرى تبرئة من الفسوق والمخاطبون مسلمون فإذا لم يكن منافقا كان مؤمنا وإذا لم يكن فاسقا كان تقيا فيستحق الجنة . ويوافق ذلك ما رواه ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو سعيد المدني حدثني عمر بن سهل المازني قال حدثني عمر بن محمد بن صهبان حدثني صفوان بن سليم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم الله وعين سهرت في سبيل الله وعين يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله } . وقوله سبحانه : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه } يتناول النظر إلى الأموال واللباس والصور وغير ذلك من متاع الدنيا : أما اللباس والصور فهما اللذان لا ينظر الله إليهما كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } وقد قال تعالى : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا } وذلك أن الله يمتع بالصور كما يمتع بالأموال وكلاهما من زهرة الحياة الدنيا وكلاهما يفتن أهله وأصحابه وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأخرى . والهلكى رجلان . فمستطيع وعاجز فالعاجز مفتون بالنظر ومد العين إليه والمستطيع مفتون فيما أوتي منه غارق قد أحاط به ما لا يستطيع إنقاذ نفسه منه . وهذا المنظور قد يعجب المؤمن وإن كان المنظور منافقا أو فاسقا كما يعجبه المسموع منهم قال تعالى : { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله } فهذا تحذير من الله تعالى من النظر إليهم واستماع قولهم فلا ينظر إليهم ولا يسمع قولهم فإن الله سبحانه قد أخبر أن رؤياهم تعجب الناظرين إليهم وأن قولهم يعجب السامعين . ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله : { كأنهم خشب مسندة } فهذا مثل قلوبهم وأعمالهم وقال تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } الآية : وقد قال تعالى في قصة قوم لوط : { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } . والتوسم من السمة وهي العلامة فأخبر سبحانه أنه جعل عقوبات المعتدين آيات للمتوسمين . وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله } ثم قرأ : { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } فدل ذلك على أن من اعتبر بما عاقب الله به غيره من أهل الفواحش كان من المتوسمين . وأخبر تعالى عن اللوطية أنه طمس أبصارهم فكانت عقوبة أهل الفواحش طمس الأبصار كما قد عرف ذلك فيهم وشوهد منهم . وكان ثواب المعتبرين بهم التاركين لأفعالهم إعطاء الأنوار وهذا مناسب لذكر آية النور عقيب غض الأبصار . وأما القدرة والقوة التي يعطيها الله لمن اتقاه وخالف هواه فذلك حاصل معروف كما جاء { إن الذي يترك هواه يفرق الشيطان من ظله } وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب } وفي رواية : { أنه مر بقوم يخذفون حجرا فقال : ليس الشدة في هذا وإنما الشدة في أن يمتلئ أحدكم غيظا ثم يكظمه لله } أو كما قال . وهذا ذكره في الغضب ؛ لأنه معتاد لبني آدم كثيرا ويظهر للناس . وسلطان الشهوة يكون في الغالب مستورا عن أعين الناس وشيطانها خاف ويمكن في كثير من الأوقات الاعتياض بالحلال عن الحرام وإلا فالشهوة إذا اشتعلت واستولت قد تكون أقوى من الغضب وقد قال تعالى : { وخلق الإنسان ضعيفا } أي ضعيفا عن النساء لا يصبر عنهن وفي قوله : { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ذكروا منه العشق والعشق يفضي بأهله إلى الأمراض والإهلاك وإن كان الغضب قد يبلغ ذلك أيضا وقد دل القرآن على أن القوة والعزة لأهل الطاعة التائبين إلى الله في مواضع كثيرة كقوله في سورة هود : { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم } وقوله : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } . وإذا كان الذي قد يهجر السيئات يغض بصره ويحفظ فرجه وغير ذلك مما نهى الله عنه يجعل الله له من النور والعلم والقوة والعزة ومحبة الله ورسوله فما ظنك بالذي لم يحم حول السيئات ولم يعرها طرفه قط ولم تحدثه نفسه بها بل هو يجاهد في سبيل الله أهلها ليتركوا السيئات ؟ فهل هذا وذاك سواء ؛ بل هذا له من النور والإيمان والعزة والقوة والمحبة والسلطان والنجاة في الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ذاك وحاله أعظم وأعلى ونوره أتم وأقوى فإن السيئات تهواها النفوس ويزينها الشيطان فتجتمع فيها الشبهات والشهوات . فإذا كان المؤمن قد حبب الله إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن شهوات الغي بحب الله ورسوله وما يتبع ذلك وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى وأعطاه الله من القوة والقدرة ما أيده به : حيث دفع بالعلم الجهل وبإرادة الحسنات إرادة السيئات وبالقوة على الخير القوة على الشر في نفسه فقط والمجاهد في سبيل الله يطلب فعل ذلك في نفسه وغيره أيضا حتى يدفع جهله بالظلم وإرادته السيئات بإرادة الحسنات ونحو ذلك . والجهاد تمام الإيمان وسنام العمل كما قال تعالى : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } وقال : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } الآية وقال { أجعلتم سقاية الحاج } الآية فكذلك يكون هذا الجزاء في حق المجاهدين كما قال تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } فهذا في العلم والنور وقال : { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } إلى قوله : { صراطا مستقيما } فقتل النفوس هو قتل بعضهم بعضا وهو من الجهاد والخروج من ديارهم هو الهجرة ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ما يوعظون به من الهجرة والجهاد كان خيرا لهم وأشد تثبيتا ففي الآية أربعة أمور : الخير المطلق والتثبيت المتضمن للقوة والمكنة والأجر العظيم وهداية الصراط المستقيم . وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } وقال : { ولينصرن الله من ينصره } إلى قوله : { عاقبة الأمور } وقال : { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } . وأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون فروجهم فقد وصفهم الله بضد ذلك : من السكرة والعمه والجهالة وعدم العقل وعدم الرشد والبغض وطمس الأبصار هذا مع ما وصفهم به من الخبث والفسوق والعدوان والإسراف والسوء والفحش والفساد والإجرام فقال عن قوم لوط : { بل أنتم قوم تجهلون } فوصفهم بالجهل وقال : { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } وقال : { أليس منكم رجل رشيد } وقال : { فطمسنا أعينهم } وقال : { بل أنتم قوم مسرفون } وقال : { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } وقال : { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين } وقال : { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر } إلى قوله : { انصرني على القوم المفسدين } إلى قوله : { بما كانوا يفسقون } وقوله : { مسومة عند ربك للمسرفين } .

(3/378)


فصل في قوله في آخر الآية : { وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } فوائد جليلة : منها أن أمره لجميع المؤمنين بالتوبة في هذا السياق تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التي هي : ترك غض البصر وحفظ الفرج وترك إبداء الزينة وما يتبع ذلك فمستقل ومستكثر كما في الحديث : { ما من أحد من بني آدم إلا أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا } وذلك لا يكون إلا عن نظر وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون } وفي الصحيح عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم { يقول الله تعالى : يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم . } وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : " ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة : { إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق } الحديث إلى آخره . وفيه : { والنفس تتمنى ذلك وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه } أخرجه البخاري تعليقا من حديث طاووس عن أبي هريرة . ورواه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك لا محالة : العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليدان زناهما البطش والرجلان زناهما الخطى والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه } وقد روى الترمذي حديثا واستغربه عن ابن عباس في قوله { إلا اللمم } { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما . } ومنها أن أهل الفواحش الذين لم يغضوا أبصارهم ولم يحفظوا فروجهم مأمورون بالتوبة وإنما أمروا بها لتقبل منهم فالتوبة مقبولة منهم ومن سائر المذنبين كما قال تعالى : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } وقال تعالى : { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } وسواء كانت الفواحش مغلظة لشدتها وكثرتها - كإتيان ذوات المحارم وعمل قوم لوط أو غير ذلك - وسواء تاب الفاعل أو المفعول به فمن تاب تاب الله عليه بخلاف ما عليه طائفة من الناس فإنهم إذا رأوا من عمل من هذه الفواحش شيئا أيسوه من رحمة الله حتى يقول أحدهم : من عمل من ذلك شيئا لا يفلح أبدا ولا يرجون له قبول توبة ويروى عن علي أنه قال : منا كذا ومنا كذا والمعفوج ليس منا ويقولون : إن هذا لا يعود صالحا ولو تاب مع كونه مسلما مقرا بتحريم ما فعل . ويدخلون في ذلك من استكره على فعل شيء من هذه الفواحش ويقولون : لو كان لهذا عند الله خير ما سلط عليه من فعل به مثل هذا واستكرهه كما يفعل بكثير من المماليك طوعا وكرها وكما يفعل بأجراء أهل الصناعات طوعا وكرها وكذلك من في معناهم من صبيان الكتاتيب وغيرهم ونسوا قوله تعالى { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } وهؤلاء قد لا يعلمون صورة التوبة وقد يكون هذا حالا وعملا لأحدهم وقد يكون اعتقادا فهذا من أعظم الضلال والغي ؛ فإن القنوط من رحمة الله بمنزلة الأمن من مكر الله تعالى وحالهم مقابل لحال مستحلي الفواحش ؛ فإن هذا أمن مكر الله بأهلها وذاك قنط أهلها من رحمة الله ؛ والفقيه كل الفقيه هو الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله ولا يجرئهم على معاصي الله . وهذا في أصل الذنوب الإرادية نظير ما عليه أهل الأهواء والبدع فإن أحدهم يعتقد تلك السيئات حسنات فيأمن مكر الله وكثير من الناس يعتقد أن توبة المبتدع لا تقبل وقد قال تعالى : { إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال : أنا محمد وأنا أحمد والمقفى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة } وفي حديث آخر : { أنا نبي الرحمة وأنا نبي الملحمة } وذلك أنه بعث بالملحمة وهي : المقتلة لمن عصاه وبالتوبة لمن أطاعه وبالرحمة لمن صدقه واتبعه وهو رحمة للعالمين وكان من قبله من الأنبياء لا يؤمر بقتال . وكان الواحد من أممهم إذا أصاب بعض الذنوب يحتاج مع التوبة إلى عقوبات شديدة كما قال تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم } وقد روي عن أبي العالية وغيره : أن أحدهم كان إذا أصاب ذنبا أصبحت الخطيئة والكفارة مكتوبة على بابه فأنزل الله في حق هذه الأمة : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } إلى قوله : { ونعم أجر العاملين } فخص الفاحشة بالذكر مع قوله { ظلموا أنفسهم } والظلم يتناول الفاحشة وغيرها تحقيقا لما ذكرناه من قبول التوبة من الفواحش مطلقا : من الذين يأتيانها من الرجال والنساء جميعا . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها } وفي الصحيح عنه أنه قال : { من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه } وفي السنن عنه أيضا أنه قال : { لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها } وعنه صلى الله عليه وسلم قال : { قال الشيطان وعزتك يا رب لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب تعالى : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني } وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يقول الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطيئة ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة . } والذي يمنع توبة أحد هؤلاء إما بحاله وإما بقاله ولا يخلو من أحد أمرين : أن يقول : إذا تاب أحدهم لم تقبل توبته وإما أن يقول أحدهم : لا يتوب الله علي أبدا أما الأول فباطل بكتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين وإن كان قد تكلم بعض العلماء في توبة القاتل وتوبة الداعي إلى البدع وفي ذلك نزاع في مذهب أحمد وفي مذهب مالك أيضا نزاع ذكره صاحب التمثيل والبيان في " الجامع " وغيره وتكلموا أيضا في توبة الزنديق ونحو ذلك . فهم قد يتنازعون في كون التوبة في الظاهر تدفع العقوبة : إما لعدم العلم بصحتها وإما لكونها لا تمنع ما وجب من الحد ولم يقل أحد من الفقهاء : إن الزنديق ونحوه إذا تاب فيما بينه وبين الله توبة صحيحة لم يتقبلها الله منه وأما القاتل والمضل فذاك لأجل تعلق حق الغير به والتوبة من حقوق العباد لها حال آخر وليس هذا موضع الكلام فيها وفي تفصيلها وإنما الغرض أن الله يقبل التوبة من كل ذنب كما دل عليه الكتاب والسنة . والفواحش خصوصا ما علمت أحدا نازع في التوبة منها والزاني والمزنى به مشتركان في ذلك إن تابا تاب الله عليهما ويبين التوبة خصوصا من عمل قوم لوط من الجانبين ما ذكره الله في قصة قوم لوط ؛ فإنهم كانوا يفعلون الفاحشة بعضهم ببعض ومع هذا فقد دعاهم جميعهم إلى تقوى الله والتوبة منها فلو كانت توبة المفعول به أو غيره لا تقبل لم يأمرهم بما لا يقبل قال تعالى : { كذبت قوم لوط المرسلين } { إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون } { إني لكم رسول أمين } { فاتقوا الله وأطيعون } فأمرهم بتقوى الله المتضمنة لتوبتهم من هذه الفاحشة والخطاب وإن كان للفاعل فإنه إنما خص به لأنه صاحب الشهوة والطلب في العادة ؛ بخلاف المفعول به ؛ فإنه لم تخلق فيه شهوة لذلك في الأصل ؛ وإن كانت قد تعرض له لمرض طارئ أو أجر يأخذه من الفاعل أو لغرض آخر . والله سبحانه وتعالى أعلم .

(3/379)


سئل شيخ الإسلام عن قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون } { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } الآية والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر " زنا الأعضاء كلها " وماذا على الرجل إذا مس يد الصبي الأمرد فهل هو من جنس النساء ينقض الوضوء أم لا ؟ وما على الرجل إذا جاءت إلى عنده المردان ومد يده إلى هذا وهذا ويتلذذ بذلك وما جاء في التحريم من النظر إلى وجه الأمرد الحسن ؟ وهل هذا الحديث المروي : { إن النظر إلى الوجه المليح عبادة } [ صحيح ] أم لا ؟ وإذا قال أحد : أنا ما أنظر إلى المليح الأمرد لأجل شيء ؛ ولكني إذا رأيته قلت : سبحان الله تبارك الله أحسن الخالقين فهل هذا القول صواب أم لا ؟ أفتونا مأجورين .
الجواب
فأجاب : قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه ورضي عنه ونفع بعلومه وحشرنا في زمرته . الحمد لله . إذا مس الأمرد لشهوة ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره : " أحدهما " أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء وهو المشهور في مذهب مالك وذكره القاضي أبو يعلى في شرح المذهب وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي . " والثاني " أنه لا ينقض وهو المشهور من مذهب الشافعي . والقول الأول أظهر فإن الوطء في الدبر يفسد العبادات التي تفسد بالوطء في القبل كالصيام والإحرام والاعتكاف ويوجب الغسل كما يوجبه هذا ؛ فتكون مقدمات هذا في باب العبادات كمقدمات هذا فلو مس الأمرد لشهوة وهو محرم فعليه دم كما عليه لو مس أجنبية لشهوة ؛ كذلك إذا مس الأمرد لشهوة وجب أن يكون كما لو مس المرأة لشهوة في نقض الوضوء . والذي لا ينقض الوضوء بمسه يقول : إنه لم يخلق محلا لذلك . فيقال : لا ريب أنه لم يخلق لذلك وأن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات ؛ لكن هذا القدر لم يعتبر في بعض الوطء فلو وطئ في الدبر تعلق به ما ذكر من الأحكام وإن كان الدبر لم يخلق محلا للوطء مع أن نفرة الطباع عن الوطء في الدبر أعظم من نفرتها عن الملامسة ونقض الوضوء باللمس يراعى فيه حقيقة الحكمة وهو أن يكون المس لشهوة عند الأكثرين - كمالك وأحمد وغيرهما - يراعى كما يراعى مثل ذلك في الإحرام والاعتكاف وغير ذلك . وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم حتى لو مس بنته وأخته وأمه لشهوة انتقض وضوءه ؛ فكذلك من الأمرد . وأما الشافعي وأحمد في رواية فيعتبر المظنة وهو أن النساء مظنة الشهوة فينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة ؛ ولهذا لا ينقض مس المحارم ؛ لكن لو مس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة . وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة والتلذذ بمس الأمرد - كمصافحته ونحو ذلك - حرام بإجماع المسلمين - كما يحرم التلذذ بمس ذوات المحارم والمرأة الأجنبية كما أن الجمهور على أن عقوبة اللوطي أعظم من عقوبة الزنا بالأجنبية فيجب قتل الفاعل والمفعول به سواء كان أحدهما محصنا أو لم يكن وسواء كان أحدهما مملوكا للآخر أو لم يكن كما جاء ذلك في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم وقتله بالرجم كما قتل الله قوم لوط ؛ وبذلك جاءت الشريعة في قتل الزاني أنه بالرجم ؛ { فرجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك والغامدية واليهوديين والمرأة التي أرسل إليها أنيسا وقال : اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فرجمها } . والنظر إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم والمرأة الأجنبية بالشهوة سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو كانت شهوة التلذذ بالنظر كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية كان معلوما لكل أحد أن هذا حرام فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة .

(3/380)


سئل شيخ الإسلام عن قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون } { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } الآية والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر " زنا الأعضاء كلها " وماذا على الرجل إذا مس يد الصبي الأمرد فهل هو من جنس النساء ينقض الوضوء أم لا ؟ وما على الرجل إذا جاءت إلى عنده المردان ومد يده إلى هذا وهذا ويتلذذ بذلك وما جاء في التحريم من النظر إلى وجه الأمرد الحسن ؟ وهل هذا الحديث المروي : { إن النظر إلى الوجه المليح عبادة } [ صحيح ] أم لا ؟ وإذا قال أحد : أنا ما أنظر إلى المليح الأمرد لأجل شيء ؛ ولكني إذا رأيته قلت : سبحان الله تبارك الله أحسن الخالقين فهل هذا القول صواب أم لا ؟ أفتونا مأجورين .
الجواب
وقول القائل : إن النظر إلى وجه الأمرد عبادة كقوله : إن النظر إلى وجوه النساء [ الأجانب ] والنظر إلى محارم الرجل كبنت الرجل وأمه وأخته عبادة . ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة فهو بمنزلة من جعل الفواحش عبادة . قال الله تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } . ومعلوم أنه قد يكون في صور النساء الأجنبيات وذوات المحارم من الاعتبار والدلالة على الخالق من جنس ما في صور المردان فهل يقول مسلم : إن للإنسان أن ينظر على هذا الوجه إلى صور النساء نساء العالمين وصور محارمه . ويقول : إن ذلك عبادة ؛ بل من جعل مثل هذا النظر عبادة فإنه كافر مرتد يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل . وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفاحشة عبادة أو جعل تناول يسير الخمر عبادة أو جعل السكر من الحشيشة عبادة ؛ فمن جعل المعاونة بقيادة أو غيرها عبادة أو جعل شيئا من المحرمات التي يعلم تحريمها في دين الإسلام عبادة : فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل . وهو مضاه به للمشركين { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } وفاحشة أولئك إنما كانت طوافهم بالبيت عراة وكانوا يقولون : لا نطوف في الثياب التي عصينا الله فيها فهؤلاء إنما كانوا يطوفون عراة على وجه اجتناب ثياب المعصية . وقد ذكر الله عنهم ما ذكر فكيف بمن جعل جنس الفاحشة المتعلقة بالشهوة عبادة . والله سبحانه قد أمر في كتابه بغض البصر . وهو نوعان : غض البصر عن العورة . وغضه عن محل الشهوة . فالأول : كغض الرجل بصره عن عورة غيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة } ويجب على الإنسان أن يستر عورته كما { قال لمعاوية بن حيدة : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت : فإذا كان أحدنا مع قومه قال : إن استطعت أن لا تريها أحدا فلا يرينها قلت : فإذا كان أحدنا خاليا ؟ قال : فالله أحق أن يستحيا منه من الناس } . ويجوز كشفها بقدر الحاجة كما تكشف عند التخلي وكذلك إذا اغتسل الرجل وحده - بحيث يجد ما يستره - فله أن يغتسل عريانا كما اغتسل موسى عريانا وأيوب وكما في اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح واغتساله في حديث ميمونة . وأما النوع الثاني من النظر - كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية - فهذا أشد من الأول كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير وعلى صاحبها الحد وتلك المحرمات إذا تناولها مستحلا لها كان عليه التعزير ؛ لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي الخمر . وكذلك النظر إلى عورة [ الرجل ] لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى النساء ونحوهن . وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة . والخالق سبحانه يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها وليس خلق الأمرد بأعجب في قدرته من خلق ذي اللحية ؛ ولا خلق النساء بأعجب في قدرته من خلق الرجال ؛ فتخصيص الإنسان بالتسبيح بحال نظره إلى الأمرد دون غيره كتخصيصه بالتسبيح بالنظر إلى المرأة دون الرجل ؛ وما ذاك لأنه أدل على عظمة الخالق عنده ؛ ولكن لأن الجمال يغير قلبه وعقله وقد يذهله ما رآه فيكون تسبيحه لما حصل في نفسه من الهوى كما أن النسوة لما رأين يوسف { أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم } . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } فإذا كان الله لا ينظر إلى الصور والأموال ؛ وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله الله به . وقد قال تعالى : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه } وقال في المنافقين : { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله } . فإذا كان هؤلاء المنافقون الذين تعجب الناظر أجسامهم ؛ لما فيهم من البهاء والرواء والزينة الظاهرة وليسوا ممن ينظر إليه لشهوة قد ذكر الله عنهم ما ذكر فكيف بمن ينظر إليه لشهوة وذلك أن الإنسان قد ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى وهنا الاعتبار بقلبه وعمله لا بصورته وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة على المصور فهذا حسن . وقد ينظر إليه من جهة استحسان خلقه كما ينظر إلى الخيل والبهائم وكما ينظر إلى الأشجار والأنهار والأزهار ؛ فهذا أيضا إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرئاسة والمال فهو مذموم بقوله : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه } . وأما إن كان على وجه لا ينقص الدين وإنما فيه راحة النفس فقط : كالنظر إلى الأزهار فهذا من الباطل الذي لا يستعان به على الحق . وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة كان حراما بلا ريب سواء كانت شهوة تمتع بالنظر أو كان نظرا بشهوة الوطء وفرق بين ما يجده الإنسان عند نظره إلى الأشجار والأزهار وما يجده عند نظره إلى النسوان والمردان . فلهذا الفرقان افترق الحكم الشرعي فصار النظر إلى المردان ثلاثة أقسام : " أحدها " ما تقترن به الشهوة . فهو محرم بالاتفاق . و " الثاني " ما يجزم أنه لا شهوة معه . كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن وابنته الحسنة وأمه الحسنة فهذا لا يقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس ومتى اقترنت به الشهوة حرم . وعلى هذا نظر من لا يميل قلبه إلى المردان كما كان الصحابة وكالأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه بين نظره إلى ابنه وابن جاره وصبي أجنبي لا يخطر بقلبه شيء من الشهوة ؛ لأنه لم يعتد ذلك وهو سليم القلب من قبل ذلك وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات مكشفات الرءوس ويخدمن الرجال مع سلامة القلوب فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين كان هذا من باب الفساد . وكذلك المردان الحسان . لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزقة التي يخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة فلا يمكن الأمرد الحسن من التبرج ولا من الجلوس في الحمام بين الأجانب ؛ ولا من رقصه بين الرجال ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس والنظر إليه كذلك . وإنما وقع النزاع بين العلماء في " القسم الثالث " من النظر وهو النظر إليه بغير شهوة ؛ لكن مع خوف ثورانها ففيه وجهان في مذهب أحمد أصحهما وهو المحكي عن نص الشافعي وغيره أنه لا يجوز . و " الثاني " يجوز ؛ لأن الأصل عدم ثورانها ؛ فلا يحرم بالشك بل قد يكره . والأول هو الراجح كما أن الراجح في مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية ؛ لكن لأنه يخاف ثورانها ؛ ولهذا حرم الخلوة بالأجنبية ؛ لأنه مظنة الفتنة . والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز فإن الذريعة إلى الفساد سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة . ولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لحاجة راجحة مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة مع عدم الشهوة . وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز . ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه وأدامه وقال : إني لا أنظر لشهوة كذب في ذلك فإنه إذا لم يكن له داع يحتاج معه إلى النظر لم يكن النظر إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك . وأما نظر الفجأة فهو عفو إذا صرف بصره كما ثبت في الصحاح { عن جرير قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة قال : اصرف بصرك } وفي . السنن أنه { قال لعلي رضي الله عنه يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية } وفي الحديث الذي في المسند وغيره : { النظر سهم مسموم من سهام إبليس } وفيه : { من نظر إلى محاسن امرأة ثم غض بصره عنها أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة } أو كما قال . ولهذا يقال : إن غض البصر عن الصورة التي ينهى عن النظر إليها : كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر . " أحدها " حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه والنفس تحب النظر إلى هذه الصور لا سيما نفوس أهل الرياضة والصفا ؛ فإنه يبقى فيها رقة تنجذب بسببها إلى الصور حتى تبقى الصورة تخطف أحدهم وتصرعه كما يصرعه السبع . ولهذا قال بعض التابعين : ما أنا على الشاب التائب من سبع يجلس إليه بأخوف عليه من حدث جميل يجلس إليه . وقال بعضهم : اتقوا النظر إلى أولاد الملوك فإن فتنتهم كفتنة العذارى . وما زال أئمة العلم والدين - كأئمة الهدى وشيوخ الطريق - يوصون بترك صحبة الأحداث حتى يروى عن فتح الموصلي أنه قال : صحبت ثلاثين من الأبدال كلهم يوصيني عند فراقه بترك صحبة الأحداث وقال بعضهم : ما سقط عبد من عين الله إلا ابتلاه بصحبة هؤلاء الأنتان . ثم النظر يولد المحبة فيكون علاقة ؛ لتعلق القلب بالمحبوب ثم صبابة ؛ لانصباب القلب إليه ثم غراما ؛ للزومه للقلب . كالغريم الملازم لغريمه ثم عشقا إلى أن يصير تتيما والمتيم المعبد وتيم الله عبد الله ؛ فيبقى القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون أخا ولا خادما . وهذا إنما يبتلى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله الذين فيهم نوع من الشرك وإلا فأهل الإخلاص كما قال الله تعالى في حق يوسف عليه السلام { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين } فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء ويوسف عليه السلام مع عزوبته ومراودتها له واستعانتها عليه بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على العفة : عصمه الله بإخلاصه لله تحقيقا لقوله : { لأغوينهم أجمعين } { إلا عبادك منهم المخلصين } قال تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } و " الغي " هو اتباع الهوى . وهذا الباب من أعظم أبواب اتباع الهوى ومن أمر بعشق الصور من المتفلسفة - كابن سينا وذويه أو من الفرس كما يذكر عن بعضهم من جهال المتصوفة - فإنهم أهل ضلال فهم مع مشاركة اليهود في الغي والنصارى في الضلال : زادوا على الأمتين في ذلك فإن هذا وإن ظن أن فيه منفعة للعاشق كتلطيف نفسه وتهذيب أخلاقه أو للمعشوق من السعي في مصالحه وتعليمه وتأديبه وغير ذلك فمضرة ذلك أضعاف منفعته وأين إثم ذلك من نفعه ؟ . وإنما هذا كما يقال : إن في الزنا منفعة لكل منهما بما يحصل له من اللذة والسرور ويحصل لها من الجعل وغير ذلك وكما يقال : إن في شرب الخمر منافع بدنية ونفسية . وقال تعالى في الخمر والميسر : { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } . وهذا قبل التحريم دع ما قاله عند التحريم وبعده فإن التعبد بهذه الصور هو من جنس الفواحش وباطنه من باطن الفواحش وهو من باطن الإثم . قال الله تعالى : { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } وقال تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } وقال تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } . وليس بين أئمة الدين نزاع في أن هذا ليس بمستحب كما أنه ليس بواجب فمن جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج عن إجماع المسلمين واليهود والنصارى ؛ بل وعما عليه عقلاء بني آدم من جميع الأمم وهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين } وقال تعالى : { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } { فإن الجنة هي المأوى } وقال تعالى : { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } .

(3/381)


سئل شيخ الإسلام عن قوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون } { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } الآية والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر " زنا الأعضاء كلها " وماذا على الرجل إذا مس يد الصبي الأمرد فهل هو من جنس النساء ينقض الوضوء أم لا ؟ وما على الرجل إذا جاءت إلى عنده المردان ومد يده إلى هذا وهذا ويتلذذ بذلك وما جاء في التحريم من النظر إلى وجه الأمرد الحسن ؟ وهل هذا الحديث المروي : { إن النظر إلى الوجه المليح عبادة } [ صحيح ] أم لا ؟ وإذا قال أحد : أنا ما أنظر إلى المليح الأمرد لأجل شيء ؛ ولكني إذا رأيته قلت : سبحان الله تبارك الله أحسن الخالقين فهل هذا القول صواب أم لا ؟ أفتونا مأجورين .
الجواب
وأما من نظر إلى المردان ظانا أنه ينظر إلى مظاهر الجمال الإلهي وجعل هذا طريقا له إلى الله كما يفعله طوائف من المدعين للمعرفة فقوله هذا أعظم كفرا من قول عباد الأصنام ومن كفر قوم لوط . فهؤلاء من شر الزنادقة المرتدين الذين يجب قتلهم بإجماع كل أمة فإن عباد الأصنام قالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } . وهؤلاء يجعلون الله سبحانه موجودا في نفس الأصنام وحالا فيها ؛ فإنهم لا يريدون بظهوره وتجليه في المخلوقات أنها أدلة عليه وآيات له بل يريدون أنه سبحانه ظهر فيها وتجلى فيها ويشبهون ذلك بظهور الماء في الصوفة والزبد في اللبن والزيت في الزيتون والدهن في السمسم ونحو ذلك مما يقتضي حلول نفس ذاته في مخلوقاته أو اتحاده بها فيقولون في جميع المخلوقات : نظير ما قاله النصارى في المسيح خاصة ثم يجعلون المردان مظاهر الجمال فيقرون هذا الشرك الأعظم طريقا إلى استحلال الفواحش بل إلى استحلال كل محرم ؛ كما قيل لأفضل مشايخهم التلمساني : إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق فما الفرق بين أمي وأختي وبنتي حتى يكون هذا حلال وهذا حرام ؟ قال : الجميع عندنا سواء لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم . ومن هؤلاء الحلولية والاتحادية من يخص الحلول والاتحاد ببعض الأشخاص إما ببعض الأنبياء كالمسيح أو ببعض الصحابة كقول الغالية في علي أو ببعض الشيوخ كالحلاجية ونحوهم أو ببعض الملوك أو ببعض الصور كصور المردان . ويقول أحدهم : إنما أنظر إلى صفات خالقي وأشهدها في هذه الصورة والكفر في هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله . ولو قال مثل هذا الكلام في نبي كريم لكان كافرا فكيف إذا قاله في صبي أمرد فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس موطوئها . وقد قال تعالى : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } فإذا كان من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا مع اعترافهم بأنهم مخلوقون لله كفارا فكيف بمن اتخذ بعض المخلوقات أربابا ؟ مع أن الله فيها أو متحد بها فوجوده وجودها ونحو ذلك من المقالات . وأما " الفائدة الثانية " في غض البصر : فهو نور القلب والفراسة قال تعالى عن قوم لوط : { لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب بل جنونه كما قيل : سكران : سكر هوى وسكر مدامة فمتى يفيق من به سكران وقيل أيضا : قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم : العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في الحين وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال : { الله نور السماوات والأرض } وكان شجاع بن شاه الكرماني لا تخطئ له فراسة وكان يقول : من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وذكر خصلة سادسة أظنه هو أكل الحلال : لم تخطئ له فراسة . والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال ببصيرة القلب . " الفائدة الثالثة " قوة القلب وثباته وشجاعته ؛ فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة فإن في الأثر : { الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله } ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه فإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه . قال تعالى : { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } وقال تعالى : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } . ولهذا كان في كلام الشيوخ : الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله . وكان الحسن البصري يقول : وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم ذلل البغال فإن ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت : { إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت } . ثم الصوفية المشهورون عند الأمة - الذين لهم لسان صدق في الأمة - لم يكونوا يستحسنون مثل هذا ؛ بل ينهون عنه ولهم في الكلام في ذم صحبة الأحداث وفي الرد على أهل الحلول وبيان مباينة الخالق : ما لا يتسع هذا الموضع لذكره . وإنما استحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو فاسق أو كافر فيتظاهر بدعوى الولاية لله وتحقيق الإيمان والعرفان وهو من شر أهل العداوة لله وأهل النفاق والبهتان . والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة ويجعل لأعدائه الصفقة الخاسرة . والله سبحانه أعلم .

(3/382)


سورة الفرقان قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل أكبر الكبائر ثلاث : الكفر ثم قتل النفس بغير الحق ثم الزنا كما رتبها الله في قوله : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال : { قلت يا رسول الله : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت : ثم أي ؟ قال : ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني بحليلة جارك } . ولهذا الترتيب وجه معقول وهو أن قوى الإنسان ثلاث : قوة العقل وقوة الغضب وقوة الشهوة . فأعلاها القوة العقلية - التي يختص بها الإنسان دون سائر الدواب وتشركه فيها الملائكة كما قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا وغيره : خلق للملائكة عقول بلا شهوة وخلق للبهائم شهوة بلا عقل وخلق للإنسان عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه . ثم القوة الغضبية التي فيها دفع المضرة ثم القوة الشهوية التي فيها جلب المنفعة . ومن الطبائعيين من يقول : القوة الغضبية هي الحيوانية ؛ لاختصاص الحيوان بها دون النبات . والقوة الشهوية هي النباتية لاشتراك الحيوان والنبات فيها . واختصاص النبات بها دون الجماد . لكن يقال : إن أراد أن نفس الشهوة مشتركة بين النبات والحيوان فليس كذلك فإن النبات ليس فيه حنين ولا حركة إرادية ولا شهوة ولا غضب . وإن أراد نفس النمو والاغتذاء فهذا تابع للشهوة وموجبها . وله نظير في الغضب . وهو أن موجب الغضب وتابعه هو الدفع والمنع وهذا معنى موجود في سائر الأجسام الصلبة القوية فذات الشهوة والغضب مختص بالحي . وأما موجبهما من الاعتداء والدفع فمشترك بينهما وبين النبات القوي فقوة الدفع والمنع موجود في النبات الصلب القوي دون اللين الرطب فتكون قوة الدفع مختصة ببعض النبات ؛ لكنه موجود في سائر الأجسام الصلبة فبين الشهوة والغضب عموم وخصوص . وسبب ذلك : أن قوى الأفعال في النفس إما جذب وإما دفع فالقوة الجاذبة الجالبة للملائم هي الشهوة وجنسها : من المحبة والإرادة ونحو ذلك والقوة الدافعة المانعة للمنافي هي الغضب وجنسها : من البغض والكراهة وهذه القوة باعتبار القدر المشترك بين الإنسان والبهائم هي مطلق الشهوة والغضب وباعتبار ما يختص به الإنسان العقل والإيمان والقوى الروحانية المعترضة . فالكفر متعلق بالقوة العقلية الناطقة الإيمانية ؛ ولهذا لا يوصف به من لا تمييز له والقتل ناشئ عن القوة الغضبية وعدوان فيها . والزنا عن القوة الشهوانية . فالكفر اعتداء وفساد في القوة العقلية الإنسانية وقتل النفس اعتداء وفساد في القوة الغضبية والزنا اعتداء وفساد في القوة الشهوانية . ومن وجه آخر ظاهر : أن الخلق خلقهم الله لعبادته وقوام الشخص بجسده وقوام النوع بالنكاح والنسل فالكفر فساد المقصود الذي له خلقوا وقتل النفس فساد النفوس الموجودة والزنا فساد في المنتظر من النوع . فذاك إفساد الموجود وذاك إفساد لما لم يوجد بمنزلة من أفسد مالا موجودا أو منع المنعقد أن يوجد وإعدام الموجود أعظم فسادا ؛ فلهذا كان الترتيب كذلك . ومن وجه ثالث أن الكفر فساد القلب والروح الذي هو ملك الجسد والقتل إفساد للجسد الحامل له وإتلاف الموجود . وأما الزنا فهو فساد في صفة الوجود لا في أصله لكن هذا يختص بالزنا ومن هنا يتبين أن اللواط أعظم فسادا من الزنا . فصل وباعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم التي أفضل الجنس الإنساني ؛ وهم العرب والروم والفرس . فإن هذه الأمم هي التي ظهرت فيها الفضائل الإنسانية وهم سكان وسط الأرض طولا وعرضا فأما من سواهم كالسودان والترك ونحوهم فتبع . فغلب على العرب القوة العقلية النطقية واشتق اسمها من وصفها فقيل لهم : عرب : من الإعراب وهو البيان والإظهار وذلك خاصة القوة المنطقية . وغلب على الروم القوة الشهوية من الطعام والنكاح ونحوهما واشتق اسمها من ذلك فقيل لهم الروم فإنه يقال : رمت هذا أرومه إذا طلبته واشتهيته . وغلب على الفرس القوة الغضبية من الدفع والمنع والاستعلاء والرياسة واشتق اسمها من ذلك فقيل فرس كما يقال فرسه يفرسه إذا قهره وغلبه . ولهذا توجد هذه الصفات الثلاث غالبة على الأمم الثلاث حاضرتها وباديتها ؛ ولهذا كانت العرب أفضل الأمم وتليها الفرس لأن القوة الدفعية أرفع وتليها الروم . فصل وباعتبار هذه القوى كانت الفضائل ثلاثا : فضيلة العقل والعلم والإيمان : التي هي كمال القوة المنطقية وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية وكمال الشجاعة هو الحلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب } والحلم والكرم ملزوزان في قرن كما أن كمال القوة الشهوية العفة فإذا كان الكريم عفيفا والسخي حليما اعتدل الأمر . وفضيلة السخاء والجود التي هي كمال القوة الطلبية الحبية فإن السخاء يصدر عن اللين والسهولة ورطوبة الخلق كما تصدر الشجاعة عن القوة والصعوبة ويبس الخلق فالقوة الغضبية هي قوة النصر والقوة الشهوية قوة الرزق وهما المذكوران في قوله : { الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } والرزق والنصر مقترنان في الكتاب والسنة وكلام الناس كثيرا . وأما الفضيلة الرابعة التي يقال لها العدالة فهي صفة منتظمة للثلاث وهو الاعتدال فيها وهذه الثلاث الأخيرات هي الأخلاق العملية كما جاء من { حديث سعد لما قال فيه العبسي : إنه لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ولا يخرج في السرية } . فصل وباعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث : المسلمون واليهود والنصارى فإن المسلمين فيهم العقل والعلم والاعتدال في الأمور فإن معجزة نبيهم هي علم الله وكلامه ؛ وهم الأمة الوسط . وأما اليهود فأضعفت القوة الشهوية فيهم حتى حرم عليهم من المطاعم والملابس ما لم يحرم على غيرهم وأمروا من الشدة والقوة بما أمروا به ومعاصيهم غالبها من باب القسوة والشدة لا من باب الشهوة والنصارى أضعفت فيهم القوة الغضبية فنهوا عن الانتقام والانتصار ولم تضعف فيهم القوة الشهوية فلم يحرم عليهم من المطاعم ما حرم على من قبلهم بل أحل لهم بعض الذي حرم عليهم وظهر فيهم من الأكل والشرب والشهوات ما لم يظهر في اليهود وفيهم من الرقة والرأفة والرحمة ما ليس في اليهود فغالب معاصيهم من باب الشهوات لا من باب الغضب وغالب طاعاتهم من باب النصر لا من باب الرزق . ولما كان في الصوفية والفقهاء عيسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الشهوات ووقع فيهم من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المطربة ما يذمون به ولما كان في الفقهاء موسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الغضب ووقع فيهم من القسوة والكبر ونحو ذلك ما يذمون به .

(3/383)


فصل جنس القوة الشهوية الحب . وجنس القوة الغضبية البغض والغضب والبغض متفقان في الاشتقاق الأكبر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم { أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله } فإن هاتين القوتين هما الأصل وقال : { من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان } فالحب والبغض هما الأصل والعطاء عن الحب وهو السخاء والمنع عن البغض وهو الشحاحة . فأما الغضب فقد يقال : هو خصوص في البغض وهو الشدة التي تقوم في النفس التي يقترن بها غليان دم القلب لطلب الانتقام وهذا هو الغضب الخاص ولهذا تعدل طائفة من المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة ومن قابل الشهوة بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع إلى الشهوة فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة الجاذبة الحبية .

(3/384)


فصل فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية الحبية الشهوية وترك المنهي عنه صادر عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية والأمر بالمعروف صادر عن المحبة والإرادة والنهي عن المنكر صادر عن البغض والكراهة كذلك الترغيب في المعروف والترهيب عن المنكر والحض على هذا والزجر عن هذا ولهذا لا تكف النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية وبذلك يقوم العدل والقسط في الحكم والقسم وغير ذلك كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية الشهوية فإن اندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدم ؛ إذ لا محبوب ولا مكروه وحصول المحبوب والمكروه وجود فاسد إذ قد حصلا معا وهما متقابلان في الترجيح فربما يختار بعض النفوس هذا ويختار بعضها هذا وهذا عند التكافؤ وأما المكروه اليسير مع المحبوب الكثير فيترجح فيه الوجود كما أن المكروه الكثير مع المحبوب اليسير يترجح فيه العدم . لكن لما كان المقتضي لكل واحد من المحبوب والمكروه الذي هو الخير والشر موجودا ؛ وبتقدير وجودهما يحصل النصر كالرزق مع الخوف صار يعظم في الشرع والطبع دفع المكروه . أما في الشرع فبالتقوى فإن اسمها في الكتاب والسنة والإجماع عظيم والعاقبة لأهلها والثواب لهم . وأما في الطبع فتعظيم النفوس لمن نصرهم بدفع الضرر عنهم من عدو أو غيره فإن أهل الرزق معظمون لأهل النصر أكثر من تعظيم أهل النصر لأهل الرزق وذاك - والله أعلم - لأن النصر بلا رزق ينفع فإن الأسباب الجالبة للرزق موجودة تعمل عملها وأما الرزق بلا نصر فلا ينفع فإن الأسباب الناصرة تابعة وفي هذا نظر فقد يقال : هما متقابلان فإن أهل النصر يحبون أهل الرزق أكثر مما يحب أهل الرزق لأهل النصر فإن الرزق محبوب والنصر معظم . وقد يقال : بل النصر أعظم كما تقدم فإن اندفاع المكروه محبوب أيضا وهو لا يحصل إلا بقوة الدفع التي هي أقوى من قوة الجذب فاختص الناصر بالتعظيم لدفعه المعارض وأما الرازق فلا معارض له بل له موافق فالناصر محبوب معظم . وقد يقابل هذا بأن يقال : وفوات المحبوب مكروه أيضا والمحبوب لا يحصل إلا بقوة الجذب ولا نسلم أن قوة الدفع أقوى ؛ بل قد يكون الجذب أقوى ؛ بل الجذب في الأصل أقوى ؛ لأن المقصود بالقصد الأول والدفع خادم تابع له وكما أن الدافع دفع المعارض فالجاذب حصل المقتضي وترجيح المانع على المقتضي غير حق ؛ بل المقتضي أقوى بالقول المطلق فإنه لا بد منه في الوجود . وأما المانع فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض وقد لا يكون معارض فالمقتضي والمحبة هو الأصل والعمدة في الحق الموجود والحق المقصود وأما المانع والبغضة فهو الفرع والتابع . ولهذا كتب الله في الكتاب الموضوع عنده فوق العرش : { إن رحمتي تغلب غضبي } . ولهذا كان الخير في أسماء الله وصفاته وأما الشر ففي الأفعال كقوله : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم } { وأن عذابي هو العذاب الأليم } وقوله : { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } يبقى أن يقال : فلم عظمت التقوى ؟ فيقال : إنها هي تحفظ الفطرة وتمنع فسادها واحتاج العبد إلى رعايتها لأن المحبة الفطرية لا تحتاج إلى محرك ؛ ولهذا كان أعظم ما دعت إليه الرسل الإخلاص والنهي عن الإشراك لأن الإقرار الفطري حاصل لوجود مقتضيه وإنما يحتاج إلى إخلاصه ودفع الشرك عنه ؛ ولهذا كانت حاجة الناس إلى السياسة الدافعة لظلم بعضهم عن بعض والجالبة لمنفعة بعضهم بعضا كما أوجب الله الزكاة النافعة وحرم الربا الضار وأصل الدين هو عبادة الله : الذي أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه وهو الفطرة التي فطر عليها الناس . وهذه المحبة التي هي أصل الدين : انحرف فيها فريق من منحرفة الموسوية من الفقهاء والمتكلمين حتى أنكروها وزعموا أن محبة الله ليست إلا إرادة عبادته ثم كثير منهم تاركون للعمل بما أمروا به فيأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهذا فاش فيهم وهو عدم المحبة والعمل وفريق من منحرفة العيسوية من الصوفية والمتعبدين خلطوها بمحبة ما يكرهه وأنكروا البغض والكراهية فلم ينكروا شيئا ولم يكرهوه أو قصروا في الكراهة والإنكار وأدخلوا فيها الصور والأصوات ومحبة الأنداد . ولهذا كان لغواة الأولين وصف الغضب واللعنة الناشئ عن البغض لأن فيهم البغض دون الحب وكان لضلال الآخرين وصف الضلال والغلو لأن فيهم محبة لغير معبود صحيح ففيهم طلب وإرادة ومحبة ولكن لا إلى مطلوب صحيح ولا مراد صحيح ولا محبوب صحيح بل قد خلطوا وغلوا وأشركوه ففيهم محبة الحق والباطل وهو وجود المحبوب والمكروه كما في الآخرين بغض الحق والباطل وهو دفع المحبوب والمكروه والله سبحانه يهدينا صراطه المستقيم . فيحمد من هؤلاء محبة الحق والاعتراف به ومن هؤلاء بغض الباطل وإنكاره .

(3/385)


سورة النمل قال شيخ الإسلام هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ [ فيها ] . منها قوله تعالى { من جاء بالحسنة فله خير منها } الآية . المشهور عن السلف أن الحسنة : لا إله إلا الله وأن السيئة الشرك وعن السدي قال : ذلك عند الحساب ألغي بدل كل حسنة عشر سيئات فإن بقيت سيئة واحدة فجزاؤه النار إلا أن يغفر الله له . قلت : تضعيف الحسنة إلى عشر وإلى سبعمائة ثابت في الصحاح وأن السيئة مثلها وأن الهم بالحسنة حسنة والهم بالسيئة لا يكتب . فأهل القول الأول قالوه لأن أعمال البر داخلة في التوحيد ؛ فإن عبادة الله بما أمر به كما قال : { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن } الآية . وقال تعالى : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة } الآية . فالكلمة الطيبة التوحيد وهي كالشجرة والأعمال ثمارها في كل وقت وكذلك السيئة هي العمل لغير الله وهذا هو الشرك ؛ فإن الإنسان حارث همام لا بد له من عمل ولا بد له من مقصود يعمل لأجله . وإن عمل لله ولغيره فهو شرك . والذنوب من الشرك فإنها طاعة للشيطان . قال : { إني كفرت بما أشركتموني من قبل } الآية وقال : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان } الآية . وفي الحديث : { وشر الشيطان وشركه } لكن إذا كان موحدا وفعل بعض الذنوب نقص توحيده كما قال : { لا يزني الزاني } إلخ . ومن ليس بمؤمن فليس بمخلص وفي الحديث { تعس عبد الدينار } إلخ . وحديث أبي بكر { قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم } إلخ ؛ لكن إذا لم يعدل بالله غيره فيحبه مثل حب الله بل الله أحب إليه وأخوف عنده وأرجى من كل مخلوق فقد خلص من الشرك الأكبر .

(3/386)


سورة الأحزاب وقال شيخ الإسلام رحمه الله قوله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا } دليل على مثل معنى الحديث الصحيح : { أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فمن ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا أو ضياعا فعلي } حيث جعله الله أولى بهم من أنفسهم . ثم جعل الأقارب بعضهم أولى ببعض ؛ لأن كونه أولى بهم من أنفسهم يقتضي أن يكون أولى بهم من أولي أرحامهم ؛ وذلك لا يقتضي ملك مالهم أحياء فكذلك أمواتا وإنما يقتضي حمل الكل والضياع من ماله وهو الخمس أو خمسه أو مال الفيء كله على الخلاف المعروف وفيه دليل على أن الأولوية المقتضية للميراث المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم { فلأولى رجل ذكر } مشروطة بالإيمان . وهذه الآية المقيدة تقضي على تلك المطلقة في الأنفال لثلاثة أوجه . " أحدها " أن هذه في سورة الأحزاب بعد الخندق وتلك في الأنفال عقب بدر . " الثاني " أن هذا مطلق ومقيد في حكم واحد وسبب واحد والحكم هنا متضمن للإباحة والاستحقاق والتحريم على الغير وإيجاب الإعطاء . " الثالث " أن آية الأنفال ذكر فيها الأولوية بعد أن قطع الموالاة بين المؤمنين والكافرين أيضا فهي دليل ثان وهاتان الآيتان تفسران المطلق في آية المواريث ويكون هذا تفسير القرآن بالقرآن وإن كان قوله : { لا يرث الكافر المسلم } موافقا له ؛ فأما ميراث المسلم من الكافر ففيه الخلاف الشاذ فنستفيد من الآيتين أيضا مع الحديث ويدخل في الآيتين سائر الولايات من المناكح والأموال والعقل والموت وفي قوله : { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } دليل على الوصية كآيات النساء . قوله : { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم } الآية دليل على أن ما أبيح له كان مباحا لأمته ؛ لأنه أخبر أن التزويج كان لمنع الحرج عن الأمة في مثل ذلك التزويج فلولا أن فعله المباح له يقتضي الإباحة لأمته لم يحسن التعليل وهذا ظاهر . وأيضا فإنه إذا كان ذلك في تزويجه امرأة الدعي الذي كان يعتقد أن تزوجها حرام ففي ما لا شبهة فيه أولى . وأيضا إذا كان هذا في النكاح الذي خص فيه من المباحات بما لم تشركه أمته كالنكاح بلا عدد وتزوج الموهوبة بلا مهر وقد بين أن إباحة عقدة النكاح دليل على إباحة ذلك لأمته ففيما لم يظهر خصوصية فيه كالنكاح أولى . وهذا يدل على أن سائر ما أبيح له مباح لأمته إلا ما خصه الدليل من المعاملات والأطعمة واللباس ونحو ذلك . وأيضا فيدل على هذا الأصل قوله : في سياق ما أحله له : { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج } من وجهين . " أحدهما " أنه لما أحل له الواهبة قال : { خالصة لك من دون المؤمنين } ليبين اختصاصه بذلك . فعلم أنه حيث سكت عن الاختصاص كان الاشتراك ثابتا وإلا فلا معنى لتخصيص هذا الموضع ببيان الاختصاص . " الثاني " أنه ما أحله من الأزواج ومن المملوكات ومن الأقارب أطلق وفي الموهوبة قيدها بالخلوص له ؛ فعلم أن سكوته عن التقييد في أولئك دليل الاشتراك . فإن قيل : السكوت لا يدل على واحد منهما والتقييد بالخلوص ينفي الاشتراك فتكون فائدته أن لا يظن الاشتراك بدليل منفصل فإن التحليل له لا يدل على الاختصاص قطعا لكن هل يدل على الاشتراك أم لا يدل على واحد منهما ؟ هذا موضع التردد . فإذا قيد بالخلوص دل على الاختصاص . قيل : لو لم يدل على الاشتراك لم يثبت الحكم في حق الأمة لانتفاء دليله كما أن ما سكت عنه من المحرمات لم يثبت الحكم لانتفاء دليله . وهنا إما أن يقال : كانوا يستحلونه على الأصل وليس كذلك ؛ لأن الفروج محظورة إلا بالتحليل الشرعي فكان يكون محظورا عليهم فلا يحتاج إلى إخلاصه له لو لم يكن الخطاب المطلق يقتضي الاشتراك والعموم وأنه من باب الخاص في اللفظ العام في الحكم . وأصل هذا أن اللفظ في اللغة قد يصير بحسب العرف الشرعي أو غيره أخص أو أعم ؛ فالخطاب له وإن كان خاصا في اللفظ لغة فهو عام عرفا وهو مما نقل بالعرف الشرعي من الخصوص إلى العموم كما ينقل مثل ذلك في مخاطبات الملوك ونحو ذلك وهو كثير . كما أن العام قد يصير بالعرف خاصا . وأيضا فإنه يبنى ذلك على أصل دليل الخطاب وأن التخصيص بالذكر مع العام المقتضي للتعميم يدل على التخصيص بالحكم فلما خص خطاب الموهوبة بذكر الخلوص دل على انتفاء الخلوص عن الباقي . وإنما انتفاء الخلوص عن الباقي بعدم ذكر الخلوص مع إثبات التحليل للرسول صلى الله عليه وسلم فعلم أن إثبات التحليل له مع عدم تخصيصه به يقتضي العموم . وعلى هذا فالخطاب الذي مخرجه في اللغة خاص ثلاثة أقسام . إما أن يدل على العموم كما في العام عرفا مثل خطاب الرسول والواحد من الأمة ومثل تنبيه الخطاب كقوله : لا أشرب لك الماء من عطش ومثقال حبة وقنطار ودينار . وإما أن يدل على اختصاص المذكور بالحكم ونفيه عما سواه كما في مفهوم المخالفة إذا كان المقتضي للتعميم قائما وخص أحد الأقسام بالذكر . وإما أن لا يدل على واحد منهما لفظا ثم يوجد العموم من جهة المعنى إما من جهة قياس الأولى وإما من جهة سائر أنواع القياس ويجب الفرق بين تنبيه الخطاب وبين قياس الأولى فإن الحكم في ذاك مستفاد من اللفظ عمهما عرفا [ و ] خطا [ با ] وهنا مستفاد من الحكم بحيث لو دل على الحكم فعل أو إقرار أو خطاب يقطع معه بأن المتكلم لم يرد إلا الصورة لكان ثبوت الحكم لنوع يقتضي ثبوته لما هو أحق به منه ؛ فالعموم هنا معنوي محض وهناك لفظي ومعنوي فتدبر هذا فإنه فصل بين المتنازعين من أصحابنا وغيرهم في التنبيه هل هو مستفاد من اللفظ أو هو قياس جلي ؟ لتعلم أنه قسمان . والفرق أن المستفاد من اللفظ يريد المتكلم به العموم . ويمثل بواحد تنبيها كقول النحوي : ضرب زيد عمرا ؛ بخلاف المستفاد من المعنى . والآية المتقدمة وهي قوله : { زوجناكها لكي لا } تدل على أن أفعاله صلى الله عليه وسلم تقتضي الإباحة لأمته مع القطع بأن الفعل في نفسه لا يعم لفظا ووضعا وإنما يعم بما ثبت من أن الأصل الاشتراك والايتساء . ويدل على ذلك أيضا قوله في السورة : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } الآية . فإن فيها التأسي فيما أصابه . ومتى ثبت الحكم في الايتساء به في حكمه عندما أصابه : كان كذلك فيما فعله ؛ إذ المصاب عليه فيه واجبات ومحرمات ؛ فدلت هذه الآية على أن الأصل مشاركته في الإيجاب والحظر كما دلت تلك على أن الأصل مشاركته في الإحلال .

(3/387)


قوله : { قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } الآية : دليل على أن الحجاب إنما أمر به الحرائر دون الإماء ؛ لأنه خص أزواجه وبناته ولم يقل وما ملكت يمينك وإمائك وإماء أزواجك وبناتك ثم قال : { ونساء المؤمنين } والإماء لم يدخلن في نساء المؤمنين كما لم يدخل في قوله : { نسائهن } ما ملكت أيمانهن حتى عطف عليه في آيتي النور والأحزاب : وهذا قد يقال إنما ينبني على قول من يخص ما ملكت اليمين بالإناث وإلا فمن قال : هي فيهما أو في الذكور ففيه نظر . وأيضا فقوله : { للذين يؤلون من نسائهم } وقوله : { الذين يظاهرون منكم من نسائهم } إنما أريد به الممهورات دون المملوكات فكذلك هذا فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن ؛ فهذا مع ما في الصحيح من أنه { لما اصطفى صفية بنت حيي وقالوا : إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإلا فهي مما ملكت يمينه } دل على أن الحجاب كان مختصا بالحرائر . وفي الحديث دليل على أن أمومة المؤمنين لأزواجه دون سراريه والقرآن ما يدل إلا على ذلك ؛ لأنه قال : { وأزواجه أمهاتهم } وقال : { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } وهذا أيضا دليل ثالث من الآية ؛ لأن الضمير في قوله : { وإذا سألتموهن } عائد إلى أزواجه فليس للمملوكات ذكر في الخطاب ؛ لكن إباحة سراريه من بعده فيه نظر .

(3/388)


فصل من قال من أن السراح والفراق صريح في الطلاق ؛ لأن القرآن ورد بذلك وجعل الصريح ما استعمله القرآن فيه كما يقوله : الشافعي والقاضي وغيرهما من الأصحاب : فقوله ضعيف لوجهين . " أحدهما " أن هذا الأصل لا دليل عليه بل هو فاسد ؛ فإن الواقع أن الناس ينطقون بلغاتهم التي توافق لغة العرب أو تخالفها من عربية أخرى عربا مقررة أو مغيرة لفظا أو معنى أو من عربية مولدة أو عربية معربة تلقيت عن العجم أو عن عجمية ؛ فإن الطلاق ونحوه يثبت بجميع هذه الأنواع من اللغات : إذ المدار على المعنى ولم يحرم ذلك عليهم أو حرم عليهم فلم يلتزموه ؛ فإن ذلك لا يوجب وقوع ما لم يوقعوه . وأيضا فاستعمال القرآن لفظا في معنى لا يقتضي أن ذلك اللفظ لا يحتمل غير ذلك المعنى . " الوجه الثاني " وهو القاصم أن هذه الألفاظ أكثر ما جاءت في القرآن في غير الطلاق ؛ مثل قوله : { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن } فهذا بعد التطليق البائن الذي لا عدة فيه أمر بتسريحهن مع التمتيع ولم يرد به إيقاع طلاق ثان ؛ فإنه لا يقع ولا يؤمر به وفاقا وإنما أراد التخلية بالفعل وهو رفع الحبس عنها حيث كان النكاح فيه الجمع ملكا وحكما والجمع حسا وفعلا بالحبس وكلاهما موجبه وهما متلازمان ؛ فإذا زال الملك أمر بإزالة اليد : كما يقال في الأموال الملك والحيازة فالقبض في الموضعين تابع للعقد فإذا رفع العقد إما بإزالة اليد التي هي القبض . وقوله : { فتعالين أمتعكن وأسرحكن } لا يستدل به على أن التسريح هو التطليق ؛ فإنه قد يريد به التخلية الفعلية : حيث قرنه بالمتاع ؛ لكن التخلية الفعلية مستلزمة للتطليق أو يريد به الأمرين ولم يرد به الطلاق وحده لأن ذلك لا يفيدهن بل يضرهن وكذلك قوله : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } وقوله : { أو فارقوهن بمعروف } كذلك . فإن الرجعية إذا قاربت انقضاء العدة لا يؤمر فيها بتطليق ثان : إذا لم يرتجعها وإنما يؤمر بتخلية سبيلها وهو التسريح والفراق بالأبدان ؛ بحيث لا يحبسهن ولا يستولي عليهن كرفع اليد عن الأموال . قوله : { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } نص في أنه لا حرج فيما أخطأ به من دعاء الرجل إلى غير أبيه أو إلى غير مولاه . ثم قد يستدل به على رفع الجناح في جميع ما أخطأ به الإنسان من قول أو عمل : إما بالعموم لفظا ويقال : ورود اللفظ العام على سبب مقارن له في الخطاب لا يوجب قصره عليه وإما بالعموم المعنوي بالجامع المشترك من أن الأخطاء لا تأثير له في القلب ؛ فيكون عمل جارحة بلا عمد قلب والقلب هو الأصل كما قال : { إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد } وإذا كان الأصل لم يعمل شيئا لم يضر عمل الفروع دونه لأنه صالح لا فساد فيه فيكون الجسد كله صالحا فلا يكون فاسدا : فلا يكون في ذلك إثم إذ الإثم لا يكون إلا عن فساد في الجسد وتكون هذه الآية ردفا لقوله : { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال قد فعلت . ويؤيده قوله في الإيمان : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } فإنه إذا كان اليمين بالله - وفيها ما فيها - لا يؤاخذ فيها إلا بما كسب القلب فغيرها من الأقوال كذلك وأولى وإذا كان ما حلف عليه من اليمين يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه هو من الخطأ الذي هو اللغو ؛ لأن قلبه لم يكسب مخالفة كما لو أنه أخبر بذلك من غير يمين لم يكن عليه إثم الكاذب كما لو دعا الرجل لغير أبيه ومولاه خطأ وإذا لم يكن بلا يمين عليه إثم الكاذب لم يكن مع اليمين عليه حكم الحالف المخالف ؛ إذ اليمين على الماضي حين يؤكد بالقسم فكذلك ما حلف عليه من المستقبل وفعل المحلوف عليه ناسيا ليمينه أو مخطئا جاهلا بأنه المحلوف عليه لم يكسب قلبه مخالفة ولا حنثا كما أنه لو وعد بذلك من غير يمين لم يكن مخالفا ولو أمر به فتركه كذلك لم يكن عاصيا . وهذا دليل يتناول الطلاق وغيره إما من جهة العموم المعنوي أو المعنوي واللفظي وأي فرق بين أن يقارن اللغو عقد اليمين أو يقارن الحنث فيها وقوله : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } أي هذا سبب المؤاخذة ؛ لا أنه موجب لها بالاتفاق فيوجد الخطأ في سببها وشرطها ومن قال : لا لغو في الطلاق فلا حجة معه ؛ بل عليه لأنه لو سبق لسانه بذكر الطلاق من غير عمد القلب لم يقع به وفاقا وأما إذا قصد اللفظ به هازلا فقد عمد قلبه ذكره كما لو عمد ذكر اليمين به .

(3/389)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سورة الزمر قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه فصل قد قال تعالى : { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } والمراد بالقول القرآن كما فسره بذلك سلف الأمة وأئمتها كما قال تعالى : { أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين } واللام لتعريف القول المعهود ؛ فإن السورة كلها إنما تضمنت مدح القرآن واستماعه وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا فساد قول من استدل بهذه على سماع الغناء وغيره وجعلها عامة وبينا أن تعميمها في كل قول باطل بإجماع المسلمين . وهنا سؤال مشهور وهو أنه قال : { يستمعون القول فيتبعون أحسنه } فقد قسم القول إلى حسن وأحسن والقرآن كله متبع وهذا حجتهم . فيقال : الجواب من ثلاثة أوجه : إلزام وحل . " الأول " أن هذا مثل قوله : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } ومثل قوله : { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } فقد أمر المؤمنين باتباع أحسن ما أنزل إليهم من ربهم وأمر بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسن التوراة وهذا أبلغ من تلك الآية ؛ فإن تلك إنما فيها مدح باتباع الأحسن ولا ريب أن القرآن فيه الخبر والأمر بالحسن والأحسن واتباع القول إنما هو العمل بمقتضاه ومقتضاه فيه حسن وأحسن ليس كله أحسن وإن كان القرآن في نفسه أحسن الحديث ؛ ففرق بين حسن الكلام بالنسبة إلى غيره من الكلام وبين حسنه بالنسبة إلى مقتضاه المأمور والمخبر عنه . " الوجه الثاني " أن يقال : إنه قال : { فبشر عباد } { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب } والقرآن تضمن خبرا وأمرا فالخبر عن الأبرار والمقربين وعن الكفار والفجار ؛ فلا ريب أن اتباع الصنفين حسن واتباع المقربين أحسن والأمر يتضمن الأمر بالواجبات والمستحبات . ولا ريب أن الاقتصار على فعل الواجبات حسن وفعل المستحبات معها أحسن ومن اتبع الأحسن فاقتدى بالمقربين وتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض كان أحق بالبشرى . وعلى هذا فقوله : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } هو أيضا أمر بذلك ؛ لكن الأمر يعم أمر الإيجاب والاستحباب . فهم مأمورون بما في ذلك من واجب أمر إيجاب وبما فيه من مستحب أمر استحباب كما هم مأمورون مثل ذلك في قوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } وقوله : { يأمرهم بالمعروف } والمعروف يتناول القسمين وقوله : { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } وهو يعم القسمين : وقوله : { اركعوا واسجدوا } وأمثال ذلك .

(3/390)


وقال رحمه الله فصل في السماع أصل السماع الذي أمر الله به هو سماع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سماع فقه وقبول ؛ ولهذا انقسم الناس فيه أربعة أصناف : صنف معرض ممتنع عن سماعه وصنف سمع الصوت ولم يفقه المعنى وصنف فقهه ولكنه لم يقبله والرابع الذي سمعه سماع فقه وقبول . ف " الأول " كالذين قال فيهم : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } و " الصنف الثاني " من سمع الصوت بذلك لكن لم يفقه المعنى . قال تعالى : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } وقال تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين } وقال تعالى : { ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون } { ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون } { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون } وقال تعالى : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } { نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } وقال تعالى : { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا } . وقوله : { أن يفقهوه } يتناول من لم يفهم منه تفسير اللفظ كما يفهم بمجرد العربية ومن فهم ذلك لكن لم يعلم نفس المراد في الخارج وهو : " الأعيان " و " الأفعال " و " الصفات " المقصودة بالأمر والخبر ؛ بحيث يراها ولا يعلم أنها مدلول الخطاب : مثل من يعلم وصفا مذموما ويكون هو متصفا به أو بعضا من جنسه ولا يعلم أنه داخل فيه . وقال تعالى : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } قال ذلك بعد قوله : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون } { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } فقوله : { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } لم يرد به مجرد إسماع الصوت لوجهين . " أحدهما " أن هذا السماع لا بد منه ولا تقوم الحجة على المدعوين إلا به . كما قال { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه } وقال { لأنذركم به ومن بلغ } وقال : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } . والثاني أنه وحده لا ينفع ؛ فإنه قد حصل لجميع الكفار الذين استمعوا القرآن وكفروا به كما تقدم بخلاف إسماع الفقه فإن ذلك هو الذي يعطيه الله لمن فيه خير وهذا نظير ما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين } وهذه الآية والحديث يدلان على أن من لم يحصل له السماع الذي يفقه معه القول فإن الله لم يعلم فيه خيرا ولم يرد به خيرا وأن من علم الله فيه خيرا أو أراد به خيرا فلا بد أن يسمعه ويفقهه ؛ إذ الحديث قد بين أن كل من يرد الله به خيرا يفقهه : فالأول مستلزم للثاني والصيغة عامة فمن لم يفقهه لم يكن داخلا في العموم فلا يكون الله أراد به خيرا وقد انتفى في حقه اللازم فينتفي الملزوم . وكذلك قوله : { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } بين أن الأول شرط للثاني : شرطا نحويا وهو ملزوم وسبب فيقتضي أن كل من علم الله فيه خيرا أسمعه هذا الإسماع فمن لم يسمعه إياه لم يكن قد علم فيه خيرا فتدبر كيف وجب هذا السماع وهذا الفقه وهذا حال المؤمنين بخلاف الذين يقولون بسماع لا فقه معه أو فقه لا سماع معه أعني هذا السماع . وأما قوله : { ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } فقد يشكل على كثير من الناس . لظنهم أن هذا السماع المشروط هو السماع المنفي في الجملة الأولى الذي كان يكون لو علم فيهم خيرا وليس في الآية ما يقتضي ذلك ؛ بل ظاهرها وباطنها ينافي ذلك ؛ فإن الضمير في قوله : { ولو أسمعهم } عائد إلى الضميرين في قوله : { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } وهؤلاء قد دل الكلام على أن الله لم يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم إذ " لو " يدل على عدم الشرط دائما : وإذا كان الله ما علم فيهم خيرا فلو أسمعهم لتولوا وهم معرضون . بمنزلة اليهود الذين قالوا سمعنا وعصينا وهم " الصنف الثالث " . ودلت الآية على أنه ليس لكل من سمع وفقه يكون فيه خير ؛ بل قد يفقه ولا يعمل بعلمه فلا ينتفع به فلا يكون فيه خيرا ودلت أيضا على أن إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير فإنه هو الذي ينتفع به فأما من ليس ينتفع به فلا يطلب تفهيمه . و " الصنف الثالث " من سمع الكلام وفقهه ؛ لكنه لم يقبله ولم يطع أمره : كاليهود الذين قال الله فيهم : { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } وقال تعالى : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } إلى قوله : { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } أي تلاوة . فهؤلاء من " الصنف الأول " الذين يسمعون ويقرءون ولا يفقهون ويعقلون - إلى قوله : { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا } إلى قوله : { ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } كما قال في تلك الآية : { ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } وقال في النساء : { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } إلى آخر القصة فأخبر بذنوبهم التي استحقوا بها ما استحقوه . ومنها قولهم : { قلوبنا غلف } . فعلم أنهم كاذبون في هذا القول قاصدون به الامتناع من الواجب ؛ ولهذا قال : { بل لعنهم الله } و { طبع الله عليها بكفرهم } فهي وإن سمعت الخطاب وفقهته لا تقبله ولا تؤمن به لا تصديقا له ولا طاعة وإن عرفوه كما قال : { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } . ف ( غلف جمع أغلف . وأما " غلف " بالتحريك فجمع غلاف والقلب الأغلف بمنزلة الأقلف . فهم ادعوا ذلك وهم كاذبون في ذلك واللعنة الإبعاد عن الرحمة فلو عملوا به لرحموا ؛ ولكن لم يعملوا به فكانوا مغضوبا عليهم ملعونين وهذا جزاء من عرف الحق ولم يتبعه وفقه كلام الرسل ولم يكن موافقا له بالإقرار تصديقا وعملا . و " الصنف الرابع " الذين سمعوا سماع فقه وقبول فهذا هو السماع المأمور به كما قال تعالى : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } وقال تعالى : { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا } { يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } وقال تعالى : { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين } { قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم } { يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به } الآيات . وقال تعالى : { إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } { ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا } الآية : وقال تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } وقال تعالى : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون } { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } وقال تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } وكذلك قوله : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى } ومثله قوله : { هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } فالبيان يعم كل من فقهه والهدى والموعظة للمتقين . وقوله : { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } وقوله : { الم } { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } . وهنا لطيفة تزيل إشكالا يفهم هنا وهو أنه ليس من شرط هذا المتقي المؤمن أن يكون كان من المتقين المؤمنين قبل سماع القرآن فإن هذا أولا ممتنع ؛ إذ لا يكون مؤمنا متقيا من لم يسمع شيئا من القرآن . وثانيا أن الشرط إنما يجب أن يقارن المشروط لا يجب أن يتقدمه تقدما زمانيا كاستقبال القبلة في الصلاة . وثالثا أن المقصود أن يبين شيئان : " أحدهما " أن الانتفاع به بالاهتداء والاتعاظ والرحمة هو وإن كان موجبا له ؛ لكن لا بد مع الفاعل من القابل إذ الكلام لا يؤثر فيمن لا يكون قابلا له وإن كان من شأنه أن يهدي ويعظ ويرحم وهذا حال كل كلام . " الثاني " أن يبين أن المهتدين بهذا هم المؤمنون المتقون ويستدل بعدم الاهتداء به على عدم الإيمان والتقوى كما يقال المتعلمون لكتاب بقراط هم الأطباء وإن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه بل بتعلمه وكما يقال : كتاب سيبويه كتاب عظيم المنفعة للنحاة وإن كانوا إنما صاروا نحاة بتعلمه وكما يقال : هذا مكان موافق للرماة والركاب .

(3/391)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية