صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجموع فتاوى ابن تيمية
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ومن هؤلاء من يظن أن الحق إذا وهبه حالا يتصرف به وكشفا لم يحاسبه على تصرفه به وهذا بمنزلة من يظن أنه إذا أعطاه ملكا لم يحاسبه على تصرفه فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد } فبين أنه مع أنه المعطي المانع فلا ينفع المجدود جده إنما ينفعه الإيمان والعمل الصالح . فهذا أصل عظيم ضل بالخطأ فيه خلق كثير حتى آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى أن جعلوا أولياء الله المتقين يقاتلون أنبياءه ويعاونون أعداءه وأنهم مأمورون بذلك وهو أمر شيطاني قدري ولهذا يقول من يقول منهم : إن الكفار لهم خفراء من أولياء الله كما للمسلمين خفراء من أولياء الله ويظن كثير منهم أن أهل الصفة قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي فقال : { يا أصحابي تخلوني وتذهبون عني } فقالوا : نحن مع الله من كان مع الله كنا معه . ويجوزون قتال الأنبياء وقتلهم كما قال شيخ مشهور منهم كان بالشام لو قتلت سبعين نبيا ما كنت مخطئا فإنه ليس في مشهدهم لله محبوب مرضي مراد إلا ما وقع فما وقع فالله يحبه ويرضاه وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه والواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فهم من غلب كانوا معه ؛ لأن من غلب كان القدر معه ، والمقدور عندهم هو محبوب الحق فإذا غلب الكفار كانوا معهم وإذا غلب المسلمون كانوا معهم وإذا كان الرسول منصورا كانوا معه وإذا غلب أصحابه كانوا مع الكفار الذين غلبوهم . وهؤلاء الذين يصلون إلى هذا الحد غالبهم لا يعرف وعيد الآخرة ؛ فإن من أقر بوعيد الآخرة وأنه للكفار لم يمكنه أن يكون معاونا للكفار مواليا لهم على ما يوجب وعيد الآخرة ؛ لكن قد يقولون بسقوطه مطلقا وقد يقولون بسقوطه عمن شهد توحيد الربوبية وكان في هذه الحقيقة القدرية ؛ وهذا يقوله طائفة من شيوخهم كالشيخ المذكور وغيره . فلهذا يوجد هؤلاء الذين يشهدون القدر المحض وليس عندهم غيره إلا ما هو قدر أيضا - من نعيم أهل الطاعة ، وعقوبة أهل المعصية - لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ولا يجاهدون في سبيل الله بل ولا يدعون الله بنصر المؤمنين على الكفار بل إذا رأى أحدهم من يدعوا ، قال الفقير أو المحقق أو العارف ما له يفعل الله ما يشاء وينصر من يريد ؛ فإن عنده أن الجميع واحد بالنسبة إلى الله وبالنسبة إليه أيضا ؛ فإنه ليس له غرض في نصر إحدى الطائفتين لا من جهة ربه فإنه لا فرق على رأيه عند الله تعالى بينهما ولا من جهة نفسه فإن حظوظه لا تنقص باستيلاء الكفار ؛ بل كثير منهم تكون حظوظه الدنيوية مع استيلاء الكفار والمنافقين والظالمين أعظم فيكون هواه أعظم . وعامة من معهم من الخفراء هم من هذا الضرب فإن لهم حظوظا ينالونها باستيلائهم لا تحصل لهم باستيلاء المؤمنين . وشياطينهم تحب تلك الحظوظ المذمومة وتغريهم بطلبهم وتخاطبهم الشياطين بأمر ونهي وكشف يظنونه من جهة الله وأن الله هو أمرهم ونهاهم وأنه حصل لهم من المكاشفة ما حصل لأولياء الله المتقين ويكون ذلك كله من الشياطين وهم لا يفرقون بين الأحوال الرحمانية والشيطانية ؛ لأن الفرق مبني على شهود الفرق من جهة الرب تعالى وعندهم لا فرق بين الأمور الحادثة كلها من جهة الله تعالى إنما هو مشيئة محضة تناولت الأشياء تناولا واحدا فلا يحب شيئا ولا يبغض شيئا . ولهذا يشترك هؤلاء في جنس السماع الذي يثير ما في النفوس من الحب والوجد والذوق ؛ فيثير من قلب كل أحد حبه وهواه وأهواؤهم متفرقة ؛ فإنهم لم يجتمعوا على محبة ما يحبه الله ورسوله ؛ إذ كان محبوب الحق - على أصل قولهم - هو ما قدره فوقع وإذا اختلفت أهواؤهم في الوجد اختلفت أهواء شياطينهم فقد يقتل بعضهم بعضا بشياطينه ؛ لأنها أقوى من شياطين ذاك وقد يسلبه ما معه من الحال الذي هو التصرف والمكاشفة الحاصلة له بسبب شياطينهم ؛ فتكون شياطينه هربت من شياطين ذلك فيضعف أمره ؛ ويسلب حاله ؛ كمن كان ملكا له أعوان فأخذت أعوانه ؛ فيبقى ذليلا لا ملك له . فكثير من هؤلاء كالملوك الظلمة الذين يعادي بعضهم بعضا : إما مقتول ؛ وإما مأسور ؛ وإما مهزوم . فإن منهم من يأسر غيره فيبقى تحت تصرفه ؛ ومنهم من يسلبه غيره فيبقى لا حال له ؛ كالملك المهزوم ؛ فهذا كله من تفريع أصل الجهمية الغلاة في الجبر في القدر . وإنما يخلص من هذا كله من أثبت لله محبته لبعض الأمور وبغضه لبعضها ؛ وغضبا من بعضها ؛ وفرحا ببعضها وسخطا لبعضها كما أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وهذا هو الذي يشهد : أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويعلم أن التوحيد الذي بعثت به الرسل أن يعبد الله وحده لا شريك له فيعبد الله دون ما سواه . وعبادته تجمع كمال محبته وكمال الذل له كما قال تعالى : { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } فينيب قلبه إلى الله ويسلم له ويتبع ملة إبراهيم حنيفا { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا } . ويعلم أن ما أمر الله ورسوله به فإن الله يحبه ويرضاه وما نهى عنه فإنه يبغضه وينهى عنه ويمقت عليه ويسخط على فاعله فصار يشهد الفرق من جهة الحق تعالى . ويعلم أن الله تعالى يحب أن يعبد وحده لا شريك له ، ويبغض من يجعل له أندادا يحبونهم كحب الله وإن كانوا مقرين بتوحيد الربوبية كمشركي العرب وغيرهم وأن هؤلاء القدرية الجبرية الجهمية أهل الفناء في توحيد الربوبية حقيقة قولهم من جنس قول المشركين الذين قالوا : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } قال الله تعالى : { كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } { قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } . فإن هؤلاء المشركين لما أنكروا ما بعثت به الرسل من الأمر والنهي وأنكروا التوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له وهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن الله خالق كل شيء ما بقي عندهم من فرق من جهة الله تعالى بين مأمور ومحظور . فقالوا : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } وهذا حق ؛ فإن الله لو شاء أن لا يكون هذا لم يكن ؛ لكن أي فائدة لهم في هذا هذا غايته أن هذا الشرك والتحريم بقدر ولا يلزم إذا كان مقدورا أن يكون محبوبا مرضيا لله ولا علم عندهم بأن الله أمر به ولا أحبه ولا رضيه بل ليسوا في ذلك إلا على ظن وخرص . فإن احتجوا بالقدر فالقدر عام لا يختص بحالهم . وإن قالوا : نحن نحب هذا ونسخط هذا فنحن نفرق الفرق الطبيعي لانتفاء الفرق من جهة الحق قال : لا علم عندكم بانتفاء الفرق من جهة الله تعالى والجهمية المثبتة للشرع تقول : بأن الفرق الثابت هو أن التوحيد قرن به النعيم ، والشرك قرن به العذاب وهو الفرق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عندهم يرجع إلى علم الله بما سيكون وإخباره بل هؤلاء لا يرجع الفرق عندهم إلى محبة منه لهذا وبغض لهذا . وهؤلاء يوافقون المشركين في بعض قولهم لا في كله كما أن القدرية من الأمة - الذين هم مجوس الأمة - يوافقون المجوس المحضة في بعض قولهم لا في كله وإلا فالرسول قد دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى محبة الله دون ما سواه وإلى أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما والمحبة تتبع الحقيقة فإن لم يكن المحبوب في نفسه مستحقا أن يحب لم يجز الأمر بمحبته فضلا عن أن يكون أحب إلينا من كل ما سواه . وإذا قيل " محبته " محبة عبادته وطاعته قيل محبة العبادة والطاعة فرع على محبة المعبود المطاع وكل من لم يحب في نفسه لم تحب عبادته وطاعته ولهذا كان الناس يبغضون طاعة الشخص الذي يبغضونه ولا يمكنهم مع بغضه محبة طاعته إلا لغرض آخر محبوب مثل عوض يعطيهم على طاعته فيكون المحبوب في الحقيقة هو ذلك العوض فلا يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما إلا بمعنى أن العوض الذي يحصل من المخلوقات أحب إليهم من كل شيء . ومحبة ذلك العوض مشروط بالشعور به فما لا يشعر به تمتنع محبته . فإذا قيل : هم قد وعدوا على محبة الله ورسوله بأن يعطوا أفضل محبوباتهم المخلوقة قيل : لا معنى لمحبة الله ورسوله عندكم إلا محبة ذلك العوض ، والعوض غير مشعور به حتى يحب وإذا قيل : بل إذا قال : من قال : لا يحب غيره إلا لذاته المعنى : أنك إذا أطعتني أعطيتك أعظم ما تحبه صار محبا لذلك الآمر له . قيل : ليس الأمر كذلك بل يكون قلبه فارغا من محبة ذلك الآمر وإنما هو معلق بما وعده من العوض على عمله كالفعلة الذين يعملون من البناء والخياطة والنساجة وغير ذلك ما يطلبون به أجورهم فهم قد لا يعرفون صاحب العمل أو لا يحبونه ولا لهم غرض فيه إنما غرضهم في العوض الذي يحبونه . وهذا أصل قول الجهمية والقدرية والمعتزلة الذين ينكرون محبة الله تعالى ولهذا قالت المعتزلة ومن اتبعها من الشيعة ؛ إن معرفة الله وجبت لكونها لطفا في أداء الواجبات العقلية فجعلوا أعظم المعارف تبعا لما ظنوه واجبا بالعقل وهم ينكرون محبة الله والنظر إليه فضلا عن لذة النظر . وابن عقيل لما كان في كثير من كلامه طائفة من كلام المعتزلة سمع رجلا يقول : اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك . فقال : يا هذا هب أن له وجها أفتتلذذ بالنظر إليه وهذا اللفظ مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه النسائي وغيره عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الدعاء : { اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم : زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين } . وقد روي هذا اللفظ من وجه آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم - أظنه من رواية زيد بن ثابت - ومعناه في الصحيح من حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد ؛ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه . فيقولون : ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة } يعني قوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } . فقد أخبر أنه ليس فيما أعطوه من النعيم أحب إليهم من النظر وإذا كان النظر إليه أحب الأشياء إليهم علم أنه نفسه أحب الأشياء إليهم وإلا لم يكن النظر أحب أنواع النعيم إليهم ؛ فإن محبة الرؤية تتبع محبة المرئي وما لا يحب ولا يبغض في نفسه لا تكون رؤيته أحب إلى الإنسان من جميع أنواع النعيم . و " في الجملة " فإنكار الرؤية والمحبة والكلام - أيضا - معروف من كلام الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم . والأشعرية ومن تابعهم يوافقونهم على نفي المحبة ويخالفونهم في إثبات الرؤية ولكن الرؤية التي يثبتونها لا حقيقة لها . وأول من عرف عنه في الإسلام أنه أنكر أن الله يتكلم وأن الله يحب عباده : " الجعد بن درهم " . ولهذا أنكر أن يكون اتخذ الله إبراهيم خليلا أو كلم موسى تكليما فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال : ضحوا أيها الناس تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقوله الجعد علوا كبيرا . ثم نزل فذبحه . وأما " الصوفية " فهم يثبتون المحبة بل هذا أظهر عندهم من جميع الأمور وأصل طريقتهم إنما هي الإرادة والمحبة وإثبات محبة الله مشهور في كلام أوليهم وآخريهم كما هو ثابت بالكتاب والسنة واتفاق السلف . والمحبة جنس تحته أنواع كثيرة فكل عابد محب لمعبوده : فالمشركون يحبون آلهتهم كما قال الله تعالى : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } وفيه قولان . ( أحدهما ) : يحبونهم كحب المؤمنين لله . و ( الثاني ) : يحبونهم كما يحبون الله ؛ لأنه قد قال : { والذين آمنوا أشد حبا لله } فلم يمكن أن يقال : إن المشركين يعبدون آلهتهم كما يعبد الموحدون الله بل كما يحبون - هم - الله ؛ فإنهم يعدلون آلهتهم برب العالمين . كما قال : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } وقال : { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } { إذ نسويكم برب العالمين } . وقد قال : بعض من نصر القول الأول في الجواب عن حجة ( القول الثاني ) قال : المفسرون : قوله : { والذين آمنوا أشد حبا لله } أي أشد حبا لله من المشركين لآلهتهم . فيقال لا : ما قاله هؤلاء المفسرون مناقض لقولك فإنك تقول : إنهم يحبون الأنداد كحب المؤمنين لله وهذا يناقض أن يكون المؤمنون أشد حبا لله من المشركين لأربابهم فتبين ضعف هذا القول وثبت أن المؤمنين يحبون الله أكثر من محبة المشركين لله ولآلهتهم ؛ لأن أولئك أشركوا في المحبة والمؤمنون أخلصوها كلها لله . و ( أيضا فقوله ) : { كحب الله } أضيف فيه المصدر إلى المحبوب المفعول وحذف فاعل الحب فإما أن يراد كما يحب الله - من غير تعيين فاعل - فيبقى عاما في حق الطائفتين وهذا يناقض قوله : { والذين آمنوا أشد حبا لله } وإما أن يراد كحبهم لله ولا يجوز أن يراد كما يحب غيرهم لله إذ ليس في الكلام ما يدل على هذا بخلاف حبهم فإنه قد دل عليه قوله : { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله } فأضاف الحب المشبه إليهم فكذلك الحب المشبه لهم إذ كان سياق الكلام يدل عليه . إذا قال : يحب زيدا كحب عمرو أو يحب عليا كحب أبي بكر أو يحب الصالحين من غير أهله كحب الصالحين من أهله أو قيل : يحب الباطل كحب الحق أو يحب سماع المكاء والتصدية كحب سماع القرآن وأمثال ذلك لم يكن المفهوم إلا أنه هو المحب للمشبه والمشبه به وأنه يحب هذا كما يحب هذا لا يفهم منه أنه يحب هذا كما يحب غيره هذا إذ ليس في الكلام ما يدل على محبة غيره أصلا . والمقصود أن المحبة تكون لما يتخذ إلها من دون الله ، وقد قال تعالى : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } فمن كان يعبد ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه فما هويه [ هويه ] إلهه فهو لا يتأله من يستحق التأله بل يتأله ما يهواه وهذا المتخذ إلهه هواه له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم ، ومحبة عباد العجل له وهذه محبة مع الله لا محبة لله وهذه محبة أهل الشرك . والنفوس قد تدعي محبة الله وتكون في نفس الأمر محبة شرك تحب ما تهواه وقد أشركته في الحب مع الله وقد يخفى الهوى على النفس فإن حبك الشيء يعمي ويصم . وهكذا الأعمال التي يظن الإنسان أنه يعملها لله وفي نفسه شرك قد خفي عليه وهو يعمله : إما لحب رياسة وإما لحب مال وإما لحب صورة ولهذا { قالوا : يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله } . فلما صار كثير من الصوفية النساك المتأخرين يدعون المحبة ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب والسنة دخل فيها نوع من الشرك واتباع الأهواء والله تعالى قد جعل محبته موجبة لاتباع رسوله . فقال { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وهذا لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله وليس شيء يحبه الله إلا والرسول يدعو إليه وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا والله يحبه فصار محبوب الرب ومدعو الرسول متلازمين بل هذا هو هذا في ذاته وإن تنوعت الصفات . فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب ليست محبته لله وحده بل إن كان يحبه فهي محبة شرك فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب فكانوا يتبعون الرسول فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين . وهكذا أهل البدع فمن قال : إنه من المريدين لله المحبين له وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدعة . فإن البدع التي ليست مشروعة وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر .

(2/230)


و ( أيضا فمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله والجهاد في سبيله ؛ لقوله تعالى { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } . وقال تعالى : { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون } { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون } وقال تعالى : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } . فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومن معه حيث أبدوا العداوة والبغضاء لمن أشرك حتى يؤمنوا بالله وحده فأين هذا من حال من لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة وهؤلاء سلكوا طريق الإرادة والمحبة مجملا من غير اعتصام بالكتاب والسنة كما سلك أهل الكلام والرأي طريق النظر والبحث من غير اعتصام بالكتاب والسنة فوقع هؤلاء في ضلالات وهؤلاء في ضلالات . كما قال تعالى : { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } { قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } وقال : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } وقال : { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } وقال : { قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } . ومثل هذا كثير في القرآن . وقد بسط الكلام على هذا الأصل في غير هذا الموضع . فإن قيل : صاحب الفناء في توحيد الربوبية قد شهد أن الرب خلق كل شيء وقد يكون ممن يثبت الحكمة فيقول : إنما خلق المخلوقات لحكمة وهو يحب تلك الحكمة ويرضاها وإنما خلق ما يكرهه لما يحبه . والذين فرقوا بين المحبة والإرادة قالوا : المريض يريد الدواء ولا يحبه وإنما يحب ما يحصل به وهو العافية وزوال المرض . فالرب تعالى خلق الأشياء كلها بمشيئته فهو مريد لكل ما خلق ولما أحبه من الحكمة ؛ وإن كان لا يحب بعض المخلوقات من الأعيان والأفعال ؛ لكنه يحب الحكمة التي خلق لأجلها ؛ فالعارف إذا شهد هذا أحب أيضا أن يخلق لتلك الحكمة وتكون الأشياء مرادة محبوبة له كما هي للحق ؛ فهو وإن كره الكفر والفسوق والعصيان لكن ما خلقه الله منه خلقه لحكمة وإرادة فهو مراد محبوب باعتبار غايته لا باعتباره في نفسه . قيل : من شهد هذا المشهد فهو يستحسن ما حسنه الله وأحبه ورضيه ؛ ويستقبح ما كرهه الله ، وسخطه ولكن إذا كان الله خلق هذا المكروه لحكمة يحبها ؛ فالعارف هو أيضا يكرهه ويبغضه كما كرهه الله ؛ ولكن يحب الحكمة التي خلق لأجلها فيكون حبه وعلمه موافقا لعلم الله وحبه لا مخالفا . والله عليم حكيم ؛ فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه وهو حكيم فيما يحبه ويريده ويتكلم به وما يأمر به ويفعله . فإن كان يعلم أن الفعل الفلاني والشيء الفلاني متصف بما هو مذموم لأجله مستحق للبغض والكراهة كان من حكمته أن يبغضه ويكرهه ؛ وإذا كان يعلم أن في وجوده حصول حكمة محبوبة محمودة كان من حكمته أنه يخلقه ويريده لأجل تلك الحكمة المحبوبة التي هي وسيلة إلى حصوله . وإذا قيل : إن هذا " الوسط " يحب باعتبار أنه وسيلة إلى محبوب لذاته ، ويبغض باعتبار ما اتصف به من الصفات المذمومة كان هذا حسنا كما تقول إن الإنسان قد يبغض الدواء من وجه ويحبه من وجه وكذلك أمور كثيرة تحب من وجه وتبغض من وجه . و ( أيضا يحب الفرق بين أن يكون مضرا بالشخص مكروها له بكل اعتبار وبين أن يكون الله خلقه لحكمة في ذلك . وإذا كان الله خلق كل شيء لحكمة له في ذلك فإذا شهد العبد أن له حكمة ورأى هذا مع الجمع الذي يشترك فيه المخلوقات فلا يمنعه ذلك أن يشهد ما بينهما من الفرق الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار ؛ بل لا بد من شهود هذا الفرق في ذلك الجمع وهذا الشهود مطابق لعلم الله وحكمته والله أعلم . وقد قال تعالى : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } فأخبر أن من كانت محبوباته أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله فهو من أهل الوعيد ، وقال في الذين يحبهم ويحبونه : { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } . فلا بد لمحب الله من متابعة الرسول والمجاهدة في سبيل الله ؛ بل هذا لازم لكل مؤمن . قال تعالى : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } فهذا حب المؤمن لله .

(2/231)


وأما " المحبة الشركية " فليس فيها متابعة للرسول ولا بغض لعدوه ومجاهدة له كما يوجد في اليهود والنصارى والمشركين يدعون محبة الله ولا يتابعون الرسول ولا يجاهدون عدوه . وكذلك " أهل البدع " المدعون للمحبة لهم من الإعراض عن اتباع الرسول بحسب بدعتهم وهذا من حبهم لغير الله وتجدهم من أبعد الناس عن موالاة أولياء الرسول ومعاداة أعدائه والجهاد في سبيله لما فيهم من البدع التي هي شعبة من الشرك . والذين ادعوا المحبة من " الصوفية " وكان قولهم في القدر من جنس قول الجهمية المجبرة هم في آخر الأمر لا يشهدون للرب محبوبا إلا ما وقع وقدر وكل ما وقع من كفر وفسوق وعصيان فهو محبوبه عندهم فلا يبقى في هذا الشهود فرق بين موسى وفرعون ولا بين محمد وأبي جهل ولا بين أولياء الله وأعدائه ولا بين عبادة الله وحده وعبادة الأوثان ؛ بل هذا كله عند الفاني في توحيد الربوبية سواء ؛ ولا يفرق بين حادث وحادث إلا من جهة ما يهواه ويحبه ؛ وهذا هو الذي اتخذ إلهه هواه إنما يأله ويحب ما يهواه وهو وإن كان عنده محبة لله فقد اتخذ من دون الله أندادا يحبهم كحب الله وهم من يهواه ؛ هذا ما دام فيه محبة لله ؛ وقد ينسلخ منها حتى يصير إلى التعطيل كفرعون وأمثاله الذي هو أسوأ حالا من مشركي العرب ونحوهم . ولهذا هؤلاء يحبون بلا علم ويبغضون بلا علم والعلم ما جاء به الرسول كما قال : { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم } وهو الشرع المنزل ولهذا كان الشيوخ العارفون كثيرا ما يوصون المريدين باتباع العلم والشرع كما قد ذكرنا قطعة من كلامهم في غير هذا الموضع ؛ لأن الإرادة والمحبة إذا كانت بغير علم وشرع كانت من جنس محبة الكفار وإرادتهم ، فهؤلاء السالكون المريدون الصوفية والفقراء الزاهدون العابدون الذين سلكوا طريق المحبة والإرادة إن لم يتبعوا الشرع المنزل والعلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحبون ما أحب الله ورسوله ويبغضون ما أبغض الله ورسوله وإلا أفضى بهم الأمر إلى شعب من شعب الكفر والنفاق . ولا يتم الإيمان والمحبة لله إلا بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر . ومن الإيمان بما أخبر الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فمن نفى الصفات فقد كذب خبره . ومن الإيمان بما أمر فعل ما أمر ، وترك ما حظر ومحبة الحسنات وبغض السيئات ولزوم هذا الفرق إلى الممات فمن لم يستحسن الحسن المأمور به ولم يستقبح السيئ المنهي عنه لم يكن معه من الإيمان شيء . كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان } . وكما قال في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب ؛ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل } رواه مسلم . فأضعف الإيمان الإنكار بالقلب فمن لم يكن في قلبه بغض المنكر الذي يبغضه الله ورسوله لم يكن معه من الإيمان شيء ؛ ولهذا يوجد المبتدعون الذين يدعون المحبة المجملة المشتركة التي تضاهي محبة المشركين يكرهون من ينكر عليهم شيئا من أحوالهم ويقولون : فلان ينكر وفلان ينكر وقد يبتلون كثيرا بمن ينكر ما معهم من حق وباطل فيصير هذا يشبه النصراني الذي يصدق بالحق والباطل ويحب الحق والباطل كالمشرك الذي يحب الله ويحب الأنداد وهذا كاليهودي الذي يكذب بالحق والباطل ويبغض الحق والباطل فلا يحب الله ولا يحب الأنداد ؛ بل يستكبر عن عبادة الله كما استكبر فرعون وأمثاله . وهذا موجود كثيرا في أهل البدع من أهل الإرادة والبدع من أهل الكلام هؤلاء يقرون بالحق والباطل مضاهاة للنصارى ، وهؤلاء يكذبون بالحق والباطل مضاهاة لليهود وإنما دين الإسلام وطريق أهل القرآن والإيمان إنكار ما يبغضه الله ورسوله ، ومحبة ما يحبه الله ورسوله ، والتصديق بالحق ، والتكذيب بالباطل فهم في تصديقهم ومحبتهم معتدلون يصدقون بالحق ويكذبون بالباطل ويحبون الحق ويبغضون الباطل . يصدقون بالحق الموجود ويكذبون بالباطل المفقود ويحبون الحق الذي يحبه الله ورسوله وهو المعروف الذي أمر الله ورسوله به ، ويبغضون المنكر الذي نهى الله ورسوله عنه وهذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لا طريق المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق فلا يصدقون به ولا يحبونه ، ولا الضالين الذين يعتقدون ويحبون ما لم ينزل الله به سلطانا . و ( المقصود هنا ) أن المحبة الشركية البدعية هي التي أوقعت هؤلاء في أن آل أمرهم إلى أن لا يستحسنوا حسنة ولا يستقبحوا سيئة ؛ لظنهم أن الله لا يحب مأمورا ولا يبغض محظورا فصاروا في هذا من جنس من أنكر أن الله يحب شيئا ويبغض شيئا كما هو قول الجهمية نفاة الصفات وهؤلاء قد يكون أحدهم مثبتا لمحبة الله ورضاه وفي أصل اعتقاده إثبات الصفات لكن إذا جاء إلى القدر لم يثبت شيئا غير الإرادة الشاملة وهذا وقع فيه طوائف من مثبتة الصفات تكلموا في القدر بما يوافق رأي جهم والأشعرية فصاروا مناقضين لما أثبتوه من الصفات كحال صاحب " منازل السائرين " وغيره . وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورون من القدماء : مثل الجنيد بن محمد وأتباعه ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله فهؤلاء من أعظم الناس لزوما للأمر والنهي وتوصية باتباع ذلك وتحذيرا من المشي مع القدر كما مشى أصحابهم أولئك وهذا هو " الفرق الثاني " الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه . والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور ، وترك المحظور والصبر على المقدور ولا يثبت طريقا تخالف ذلك أصلا لا هو ولا عامة المشايخ المقبولين عند المسلمين ويحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون اتباع الأمر والنهي كما أصاب أولئك الصوفية الذين شهدوا القدر وتوحيد الربوبية وغابوا عن الفرق الإلهي الديني الشرعي المحمدي الذي يفرق بين محبوب الحق ومكروهه ، ويثبت أنه لا إله إلا هو . وهذا من أعظم ما تجب رعايته على أهل الإرادة والسلوك فإن كثيرا من المتأخرين زاغ عنه فضل سواء السبيل وإنما يعرف هذا من توجه بقلبه وانكشفت له حقائق الأمور وصار يشهد الربوبية العامة والقيومية الشاملة ، فإن لم يكن معه نور الإيمان والقرآن الذي يحصل به الفرقان حتى يشهد الإلهية التي تميز بين أهل التوحيد والشرك وبين ما يحبه الله وما يبغضه وبين ما أمر به الرسول وبين ما نهى عنه وإلا خرج عن دين الإسلام بحسب خروجه عن هذا فإن الربوبية العامة قد أقر بها المشركون الذين قال فيهم : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } . وإنما يصير الرجل مسلما حنيفا موحدا إذا شهد : أن لا إله إلا الله . فعبد الله وحده بحيث لا يشرك معه أحدا في تألهه ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه وإسلامه له ودعائه له والتوكل عليه وموالاته فيه ؛ ومعاداته فيه ؛ ومحبته ما يحب ؛ وبغضه ما يبغض ويفنى بحق التوحيد عن باطل الشرك ؛ وهذا فناء يقارنه البقاء فيفنى عن تأله ما سوى الله بتأله الله تحقيقا لقوله : لا إله إلا الله فينفي ويفنى من قلبه تأله ما سواه ؛ ويثبت ويبقي في قلبه تأله الله وحده ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح - : { من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة } وفي الحديث الآخر : { من كان آخر كلامه : لا إله إلا الله دخل الجنة } وقال في الصحيح : { لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنها حقيقة دين الإسلام فمن مات عليها مات مسلما } . والله تعالى قد أمرنا ألا نموت إلا على الإسلام في غير موضع . كقوله تعالى : { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } وقال الصديق { توفني مسلما وألحقني بالصالحين } والصحيح من القولين أنه لم يسأل الموت ولم يتمنه . وإنما سأل أنه إذا مات يموت على الإسلام ؛ فسأل الصفة لا الموصوف كما أمر الله بذلك ؛ وأمر به خليله إبراهيم وإسرائيل ؛ وهكذا قال غير واحد من العلماء ؛ منهم ابن عقيل وغيره . والله تعالى أعلم .

(2/232)


وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى ( فصل ) قد تكلم الناس من أصحابنا وغيرهم في " استطاعة العبد " هل هي مع فعله أم قبله ؟ وجعلوها قولين متناقضين فقوم جعلوا الاستطاعة مع الفعل فقط وهذا هو الغالب على مثبتة القدر المتكلمين من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحابنا وغيرهم . وقوم جعلوا الاستطاعة قبل الفعل وهو الغالب على النفاة من المعتزلة والشيعة وجعل الأولون القدرة لا تصلح إلا لفعل واحد إذ هي مقارنة له لا تنفك عنه وجعل الآخرون الاستطاعة لا تكون إلا صالحة للضدين ولا تقارن الفعل أبدا والقدرية أكثر انحرافا ؛ فإنهم يمنعون أن يكون مع الفعل قدرة بحال فإن عندهم أن المؤثر لا بد أن يتقدم على الأثر لا يقارنه بحال سواء في ذلك القدرة والإرادة والأمر . والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة : أن الاستطاعة متقدمة على الفعل ومقارنة له أيضا وتقارنه أيضا استطاعة أخرى لا تصلح لغيره . فالاستطاعة " نوعان " : متقدمة صالحة للضدين ، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل فتلك هي المصححة للفعل المجوزة له وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له . قال الله تعالى في الأولى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } . ولو كانت هذه الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج ولما عصى أحد بترك الحج ولا كان الحج واجبا على أحد قبل الإحرام به ؛ بل قبل فراغه . وقال تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما فعل فقط إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة . وقال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } و " الوسع " الموسوع وهو الذي تسعه وتطيقه فلو أريد به المقارن لما كلف أحد إلا الفعل الذي أتى به فقط دون ما تركه من الواجبات . وقال تعالى : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } والمراد به الاستطاعة المتقدمة ؛ وإلا كان المعنى فمن لم يفعل الصيام فإطعام ستين فيجوز حينئذ الإطعام لكل من لم يصم ولا يكون الصوم واجبا على أحد حتى يفعله . وقال النبي صلى الله عليه وسلم { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } ولو أريد به المقارنة فقط لكان المعنى : فأتوا منه ما فعلتم فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه ؛ وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : { صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب } ولو أريد المقارن لكان المعنى : فإن لم تفعل فتكون مخيرا ونظائر هذا متعددة فإن كل أمر علق في الكتاب والسنة وجوبه بالاستطاعة ، وعدمه بعدمها لم يرد به المقارنة وإلا لما كان الله قد أوجب الواجبات إلا على من فعلها وقد أسقطها عمن لم يفعلها فلا يأثم أحد بترك الواجب المذكور . وأما " الاستطاعة المقارنة الموجبة " فمثل قوله تعالى { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } وقوله : { الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا } فهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة إذ الأخرى لا بد منها في التكليف . " فالأولى " هي الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب وعليها يتكلم الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس . و " الثانية " : هي الكونية التي هي مناط القضاء والقدر وبها يتحقق وجود الفعل فالأولى للكلمات الأمريات الشرعيات و " الثانية " للكلمات الخلقيات الكونيات . كما قال : { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } . وقد اختلف الناس في قدرة العبد على خلاف معلوم الحق أو مراده والتحقيق أنه قد يكون قادرا بالقدرة الأولى الشرعية المتقدمة على الفعل فإن الله قادر أيضا على خلاف المعلوم والمراد وإلا لم يكن قادرا إلا على ما فعله وليس العبد قادرا على ذلك بالقدرة المقارنة للفعل فإنه لا يكون إلا ما علم الله كونه وأراد كونه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكذلك قول الحواريين : { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } إنما استفهموا عن هذه القدرة وكذلك ظن يونس أن لن نقدر عليه أي فسر بالقدرة كما يقال للرجل ؛ هل تقدر أن تفعل كذا ؟ أي هل تفعله ؟ وهو مشهور في كلام الناس . ولما اعتقدت القدرية أن الأولى كافية في حصول الفعل وأن العبد يحدث مشيئته جعله مستغنيا عن الله حين الفعل كما أن الجبرية لما اعتقدت أن الثانية موجبة للفعل وهي من غيره رأوه مجبورا على الفعل وكلاهما خطأ قبيح فإن العبد له مشيئة وهي تابعة لمشيئة الله كما ذكر الله ذلك في عدة مواضع من كتابه : { فمن شاء ذكره } { وما يذكرون إلا أن يشاء الله } { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } { لمن شاء منكم أن يستقيم } { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } . فإذا كان الله قد جعل العبد مريدا مختارا شائيا امتنع أن يقال هو مجبور مقهور مع كونه قد جعل مريدا . وامتنع أن يكون هو الذي ابتدع لنفسه المشيئة فإذا قيل هو مجبور على أن يختار مضطر إلى أن يشاء فهذا لا نظير له وليس هو المفهوم من الجبر بالاضطرار ولا يقدر على ذلك إلا الله . ولهذا افترق القدرية والجبرية على طرفي نقيض وكلاهما مصيب فيما أثبته دون ما نفاه فأبو الحسين البصري ومن وافقه من القدرية يزعمون : أن العلم بأن العبد يحدث أفعاله وتصرفاته : علم ضروري وأن جحد ذلك سفسطة . وابن الخطيب ونحوه من الجبرية يزعمون أن العلم بافتقار رجحان فعل العبد على تركه إلى مرجح من غير العبد ضروري ؛ لأن الممكن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وكلا القولين صحيح ؛ لكن دعوى استلزام أحدهما نفي الآخر ليس بصحيح ؛ فإن العبد محدث لأفعاله كاسب لها وهذا الإحداث مفتقر إلى محدث فالعبد فاعل صانع محدث وكونه فاعلا صانعا محدثا بعد أن لم يكن لا بد له من فاعل كما قال : { لمن شاء منكم أن يستقيم } فإذا شاء الاستقامة صار مستقيما ثم قال : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } . فما علم بالاضطرار وما دلت عليه الأدلة السمعية والعقلية كله حق ؛ ولهذا كان لا حول ولا قوة إلا بالله والعبد فقير إلى الله فقرا ذاتيا له في ذاته وصفاته وأفعاله مع أن له ذاتا وصفات وأفعالا فنفي أفعاله كنفي صفاته وذاته وهو جحد للحق شبيه بغلو غالية الصوفية الذين يجعلونه هو الحق أو جعل شيء منه مستغنيا عن الله أو كائنا بدونه جحد للحق شبيه بغلو الذي قال : { أنا ربكم الأعلى } وقال إنه خلق نفسه وإنما الحق ما عليه أهل السنة والجماعة . وإنما الغلط في اعتقاد تناقضه بطريق التلازم وأن ثبوت أحدهما مستلزم لنفي الآخر فهذا ليس بحق وسببه كون العقل يزيد على المعلوم المدلول عليه ما ليس كذلك وتلك الزيادة تناقض ما علم ودل عليه .

(2/233)


وقال الشيخ - قدس الله روحه - ( فصل ) وأما السؤال : عن " تعليل أفعال الله " . فالذي عليه جمهور المسلمين - من السلف والخلف - أن الله تعالى يخلق لحكمة ويأمر لحكمة وهذا مذهب أئمة الفقه والعلم ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكلام : من المعتزلة والكرامية وغيرهم . وذهب طائفة من أهل الكلام ونفاة القياس إلى نفي التعليل في خلقه وأمره وهو قول الأشعري ومن وافقه وقالوا : ليس في القرآن لام تعليل في فعل الله وأمره ولا يأمر الله بشيء لحصول مصلحة ولا دفع مفسدة بل ( ما يحصل من مصالح العباد ومفاسدهم ) بسبب من الأسباب فإنما خلق ذلك عندها لا أنه يخلق هذا لهذا ولا هذا لهذا واعتقدوا أن التعليل يستلزم الحاجة والاستكمال بالغير وأنه يفضي إلى التسلسل . والمعتزلة : أثبتت التعليل لكن على أصولهم الفاسدة في التعليل والتجويز وأما أهل الفقه والعلم وجمهور المسلمين الذين يثبتون التعليل فلا يثبتونه على قاعدة القدرية ولا ينفونه نفي الجهمية وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في مواضع . لكن قول الجمهور : هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والمعقول الصريح وبه يثبت أن الله حكيم فإنه من لم يفعل شيئا لحكمة لم يكن حكيما والكلام في هذا يبنى على أصول . ( أحدها ) : إثبات محبة الله ورضاه وأنه يستحق أن يعبد لذاته ويحب لذاته وليس شيء سواه يستحق أن يحب إلا هو ، وكل محبة لغيره فهي فاسدة وهذا من معاني الإلهية فإن " الإله " هو المألوه : الذي يستحق أن يؤله فيعبد والعبادة تجمع غاية الذل وغاية الحب وهذا لا يستحقه إلا هو وهو سبحانه يحمد نفسه ويثني على نفسه ويمجد نفسه ويفرح بتوبة التائبين ؛ ويرضى عن عباده المؤمنين . و " الحمد " هو الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لها . فلو أخبر مخبر بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامدا ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن حامدا . والرب - سبحانه وتعالى - إذا حمد نفسه فذكر أسماءه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الجميلة وأحب نفسه المقدسة فكان هو الحامد والمحمود والمثني والمثنى عليه والممجد والممجد والمحب والمحبوب كان هذا غاية الكمال ؛ الذي لا يستحقه غيره ولا يوصف به إلا هو . وهو سبحانه رب كل شيء ؛ فلا يكون شيء إلا به وهو الإله الذي لا إله إلا هو ولا يجوز أن نعبد إلا هو فما لا يكون به لا يكون ؛ وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم وكل عمل لم يرد به وجهه فهو باطل ؛ { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } . وهو الذي جعل المسلم مسلما ؛ والمصلي مصليا والتائب تائبا والحامد حامدا فإذا يسر عبده لليسرى فتاب إليه وفرح الله بتوبته وشكره فرضي بشكره وعمل صالحا فأحبه ؛ لم يكن المخلوق هو الذي جعل الخالق راضيا محبا فرحا بتوبته ؛ بل الرب هو الذي جعل المخلوق فاعلا لما يفرحه ويرضيه ويحبه وكل ذلك حاصل بمشيئته وقدرته لا شريك له في إحداث شيء من المحدثات ولا هو مفتقر إلى غيره بوجه من الوجوه ؛ بل هو الغني عن كل ما سواه من كل وجه وكل ما سواه فقير إليه من كل وجه فإذا خلق شيئا لحكمة يحبها ويرضاها لم يجز أن يقال هو مفتقر إلى غيره إلا إذا كان هناك خالق غيره يفعل ما يحبه ويرضاه وهذا يجيء على قول القدرية : الذين يزعمون أنه لم يخلق أفعال العباد وأن الطاعات وجدت بدون قدرته وخلقه فإذا قيل : إنه يحبها ويرضاها لزم أن يكون المخلوق جعله كذلك . وأما على قول أهل السنة - الذين يقولون : إنه خالق كل شيء من [ أفعال ] العباد وغيرها فلم يوجد إلا ما خلقه هو وله في ذلك من الحكمة البالغة ما يعلمه هو على وجه التفصيل . وقد يعلم بعض عباده من ذلك ما يعلمه إياه إذ لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . وأما كون ذلك يستلزم قيام الأمور الاختيارية بذاته فهذا قول السلف وأئمة الحديث والسنة وكثير من أهل الكلام . وأما كون ذلك يستلزم التسلسل في المستقبل فإنه إذا خلق شيئا لحكمة توجد بعد وجوده وتلك الحكمة لحكمة أخرى لزم التسلسل في المستقبل فهذا جائز عند المسلمين وغيرهم ممن يقول بدوام نعيم أهل الجنة وإنما يخالف في ذلك من شك : كالجهم بن صفوان الذي يقول : بفناء الجنة والنار وكأبي الهذيل الذي يقول : بانقطاع حركات أهل الجنة والنار . فإن هذين ادعيا امتناع وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل . وخالفهم جماهير المسلمين . و ( الجواب الثاني ) : أن يقال التسلسل نوعان : ( أحدهما ) : في الفاعلين . وهو أن يكون لكل فاعل فاعل ، فهذا باطل بصريح العقل ، واتفاق العقلاء . و ( الثاني ) : التسلسل في الآثار ؛ مثل أن يقال : إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ويقال : إن كلمات الله لا نهاية لها . فهذا التسلسل يجوزه أئمة أهل الملل . وأئمة الفلاسفة ولكن الفلاسفة يدعون قدم الأفلاك . وأن حركات الفلك لا بداية لها ولا نهاية لها . هذا كفر مخالف لدين الرسل . وهو باطل في صريح المعقول . وكذلك القول : بأن الرب لم يكن يمكنه أن يتكلم ولا يفعل بمشيئته ثم صار يمكنه الكلام والفعل بمشيئته كما يقول ذلك الجهمية والقدرية . ومن وافقهم من أهل الكلام قول باطل . وهو الذي أوقع الاضطراب بين ملاحدة المتفلسفة ومبتدعة أهل الكلام . في هذا الباب والكلام على هذه الأمور مبسوط في موضعه وهذه مطالب غالية . إنما يعرف قدرها من عرف مقالات الناس والإشكالات اللازمة على كل قول حتى أوقعت كثيرا من فحول النظار في بحور الشك والارتياب وهي مبسوطة في غير هذا الموضع

(2/234)


قال شيخ الإسلام - رحمه الله - ( فصل ) حدثني بعض ثقات أصحابنا : أن شيخنا أبا عبد الله محمد بن عبد الوهاب عاد شيخنا أبا زكريا بن الصرمي وعنده جماعة فسألوه الدعاء . فقال في دعائه : اللهم بقدرتك التي قدرت بها أن تقول بها للسموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها . قالتا أتينا طائعين . افعل كذا وكذا . قال أبو عبد الوهاب : ولم أخاطبه فيه بحضرة الناس حتى خلوت به وقلت له : هذا لا يقال لو قلت : قدرت بها على خلقك جاز فأما قدرت بها أن تقول فلا يجوز لأن هذا يقتضي أن يكون قوله مقدورا له مخلوقا وذكر لي الحاكي - وهو من فضلاء أصحاب الشافعي - أنه بلغ الإمام أبا زكريا النواوي فلم يتفطن لوجه الإنكار في هذا الدعاء حتى تبين له فعرف ذلك . قلت : هذه المسألة مثل مسألة المشيئة وهو قولنا يتكلم إذا شاء فإن ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة فإن ما شاء الله كان ولا يكون شيء إلا بقدرته وما تعلقت به القدرة من الموجودات تعلقت به المشيئة فإنه لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة وكذلك بالعكس وما لا فلا ولهذا قال : { إن الله على كل شيء قدير } والشيء في الأصل مصدر شاء يشاء شيئا كنال ينال نيلا ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسموا المشيء شيئا كما يسمى المنيل نيلا فقالوا : نيل المعدن وكما يسمى المقدور قدرة والمخلوق خلقا فقوله : { على كل شيء قدير } أي على كل ما يشاء ؛ فمنه ما قد شيء فوجد ومنه ما لم يشأ لكنه شيء في العلم بمعنى أنه قابل لأن يشاء وقوله : { على كل شيء } يتناول ما كان شيئا في الخارج والعلم أو ما كان شيئا في العلم فقط بخلاف ما لا يجوز أن تتناوله المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته أو الممتنع لنفسه فإنه غير داخل في العموم ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفسه ليس بشيء وتنازعوا في المعدوم الممكن : فذهب فريق من أهل الكلام من المعتزلة والرافضة وبعض من وافقهم من ضلال الصوفية : إلى أنه شيء في الخارج لتعلق الإرادة والقدرة به وهذا غلط . وإنما هو معلوم لله ومراد له إن كان مما يوجد وليس له في نفسه لا موت ولا وجود ولا حقيقة أصلا بل وجوده وثبوته وحصوله شيء واحد وماهيته وحقيقته في الخارج هي نفس وجوده وحصوله وثبوته ليس في الخارج شيئان وإن كان العقل يميز الماهية المطلقة عن الوجود المطلق إذا عرف ذلك فهذه المسألة مبنية على " مسألة كلام الله ونحو ذلك من صفاته " هل هي قديمة لازمة لذاته لا يتعلق شيء منها بفعله وبمشيئته ولا قدرته ؟ أو يقال : إنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء وأنها مع ذلك صفات فعلية وهذا فيه قولان لأصحابنا وغيرهم من أهل السنة . " قلت " : وهذا الدعاء الذي دعا به الشيخ أبو زكريا مأثور عن الإمام أحمد ومن هناك حفظه الشيخ والله أعلم فإنه كان كثير المحبة لأحمد وآثاره والنظر في مناقبه وأخباره وقد ذكروه في مناقبه ورواه الحافظ البيهقي في مناقب أحمد وهي رواية الشيخ أبي زكريا عن الحافظ عبد القادر الرهاوي إجازة وقد سمعوها عليه عنه إجازة قال البيهقي : وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازة حدثني أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس حدثني أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي . حدثنا أبو جعفر محمد بن يعقوب الصفار . قال : كنا عند أحمد بن حنبل فقلنا : ادع الله لنا فقال : " اللهم إنك تعلم أنا نعلم أنك لنا على أكثر ما نحب فاجعلنا نحن لك على ما تحب " . قال ثم جلست ساعة فقيل له : يا أبا عبد الله زدنا فقال : اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ، اللهم وفقنا لمرضاتك ؛ اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ؛ ونعوذ بك من الذل إلا لك اللهم لا تكثر فنطغى ولا تقل علينا فننسى وهب لنا من رحمتك وسعة من رزقك تكون بلاغا في دنياك وغنى من فضلك قلت : هذا على المعنى المتقدم موافق لقوله : يتكلم إذا شاء فجعله معلقا بالقدرة والمشيئة وإن جعل القول هنا عبارة عن سرعة التكوين بلا قول حقيقي فهذا خلاف ما احتج به أحمد في كتاب الرد على الجهمية في هذه فإنه احتج بهذه الآية على أن الكلام لا يقف على لسان وأدوات .

(2/235)


ما قول أهل الإسلام الراسخين في جذر الكلام الباسقين في فن الأحكام حياكم العلام في صدور دار السلام ؛ وحباكم القيام بتوضيح ما استبهم على الأفهام في معتقد أهل السنة والجماعة . نضر الله أرواح السلف وكثر أعداد الخلف وأمدهم بأنواع اللطف . بأن الأفعال الاختيارية من العباد تحصل بخلق الله تعالى وبخلق العبد فحقيقة كسب العبد ما هي ؟ وبعد هذا هل هو مؤثر في وجود الفعل ؟ أم غير مؤثر ؟ . فإن كان فيصير العبد مشاركا للخالق في خلق الفعل فلا يكون العبد كاسبا ؛ بل شريكا خالقا - وأهل السنة بررة برآء من هذا القول - وإن لم يكن مؤثرا في وجود الفعل فقد وجد الفعل بكماله بالحق سبحانه وتعالى وليس للعبد في ذلك شيء [ فلزم ] الجبر الذي يطوي بساط الشرع وأهل السنة الغراء والمحجة البيضاء فارون من هذه الكلمة الشنعاء والعقيدة العوراء . ولم ينسب إلى العبد الطاعة والعصيان والكفر والإيمان حتى يستحق الغضب والرضوان . فكيف السلوك أيها الهداة الأدلاء على اللحب المستقيم والمنهج القويم ؟ وطرفي قصد الأمور ذميم . فبينوا بيانا يطلق العقول من هذا العقال ويشفي القلوب من هذا الداء العضال . أيدكم بروح القدس من له صفات الكمال .
الجواب
فأجاب الشيخ الإمام العالم الرباني . المقذوف في قلبه النور الإلهي الجامع أشتات الفضائل . مفتي المسلمين تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قال : رضي الله عنه تلخيص الجواب : أن الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر كما قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } فبين سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها والناس يقولون : فلان كسب مالا أو حمدا أو شرفا كما أنه ينتفع بذلك ولما كان العباد يكملون بأفعالهم ويصلحون بها إذ كانوا في أول الخلق خلقوا ناقصين صح إثبات السبب إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم والله سبحانه وتعالى فعله وصنعه عن كماله وجلاله فأفعاله عن أسمائه وصفاته ومشتقة منها كما قال سبحانه وتعالى : { أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي } والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله فيحدث له اسم العالم والكامل بعد حدوث العلم والكمال فيه . ومن هنا ضلت " القدرية " حيث شبهوا أفعاله - سبحانه وتعالى - عما يقولون علوا كبيرا - بأفعال العباد وكانوا هم المشبهة في الأفعال فاعتقدوا أن ما حسن منهم حسن منه مطلقا وما قبح منهم قبح منه مطلقا بقدر علمهم وعقلهم أو ما علموا ( أنها إنما حسنت منهم لإفضائها إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم ؛ وقبحت لإفضائها إلى ما فيه فسادهم والله سبحانه متعال عن أن يلحقه ما لا يليق به سبحانه . وأما قوله : هل هو مؤثر في وجود الفعل أو غير مؤثر ؟ فالكلام في مقامين : ( أحدهما ) أن هذا سؤال فاسد إن أخذ على ظاهره ؛ لأن كسب العبد هو نفس فعله وصنعه فكيف يقال : هل يؤثر كسبه في فعله أو هل يكون الشيء مؤثرا في نفسه ؟ وإن حسب حاسب أن الكسب هو التعاطي والمباشرة وقصد الشيء ومحاولته فهذه كلها أفعال يقال فيها ما يقال في أفعال البدن من قيام وقعود . وأظن السائل فهم هذا وتشبث بقول من يقول : إن فعل العبد يحصل بخلق الله عز وجل وكسب العبد . وتحقيق الكلام أن يقال : فعل العبد خلق لله - عز وجل - وكسب للعبد ؛ إلا أن يراد أن أفعال بدنه تحصل بكسبه : أي بقصده وتأخيه . وكأنه قال : أفعاله الظاهرة تحصل بأفعاله الباطنة ؛ وغير مستنكر عدم تجديد هذا السؤال فإنه مزلة أقدام ومضلة أفهام . وحسن المسألة نصف العلم . إذا كان السائل قد تصور السؤال . وإنما يطلب إثبات الشيء أو نفيه ولو حصل التصور التام لعلم أحد الطرفين . و ( المقام الثاني ) : في تحرير السؤال وجوابه - وهو أن يقال هل قدرة العبد المخلوقة مؤثرة في وجود فعله فإن كانت مؤثرة لزم الشرك ؛ وإلا لزم الجبر والمقام مقام معروف ؛ وقف فيه خلق من الفاحصين والباحثين والبصراء والمكاشفين وعامتهم فهموا صحيحا . ولكن قل منهم من عبر فصيحا . فنقول : التأثير اسم مشترك قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد بالاختراع فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا لله لم يقله سني وإنما هو المعزو إلى أهل الضلال . وإن أريد بالتأثير نوع معاونة إما في صفة من صفات الفعل . أو في وجه من وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات . فهو أيضا باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل ؛ إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرة أو فيل . وهل هو إلا شرك دون شرك وإن كان قائل هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحق . وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة . بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله - سبحانه وتعالى - الفعل بهذه القدرة . كما خلق النبات بالماء وكما خلق الغيث بالسحاب . وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب فهذا حق وهذا شأن جميع الأسباب والمسببات . وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا . وقد قال الحكيم الخبير : { فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات } . { فأنبتنا به حدائق ذات بهجة } وقال تعالى : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } . فبين أنه المعذب ، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول العذاب إليهم وقال صلى الله عليه وسلم { لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني حتى أصلي عليه فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة } . فالله سبحانه هو الذي يجعل الرحمة وذلك إنما يجعله بصلاة نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى هذا التحرير فنقول : خلق الله سبحانه أعمال الأبدان بأعمال القلوب ويكون لأحد الكسبين تأثير في الكسب الآخر بهذا الاعتبار ويكون ذلك الكسب من جملة القدرة المعتبرة في الكسب الثاني ؛ فإن القدرة هنا ليست إلا عبارة عما يكون الفعل به لا محالة : من قصد وإرادة وسلامة الأعضاء والقوى المخلوقة في الجوارح وغير ذلك ولهذا وجب أن تكون مقارنة للفعل وامتنع تقديمها على الفعل بالزمان . وأما القدرة التي هي مناط الأمر والنهي فذاك حديث آخر ليس هذا موضعه . وبالتمييز بين هاتين القدرتين يظهر لك قول من قال : القدرة مع الفعل ومن قال : قبله ، ومن قال : الأفعال كلها تكليف ما لا يطاق ، ومن منع ذلك ؛ وتقف على أسرار المقالات وإذا أشكل عليك هذا البيان فخذ مثلا من نفسك : أنت إذا كتبت بالقلم وضربت بالعصا ونجرت بالقدوم هل يكون القلم شريكك أو يضاف إليه شيء من نفس الفعل وصفاته ؟ أم هل يصلح أن تلغي أثره وتقطع خبره ، وتجعل وجوده كعدمه ؟ أم يقال : به فعل وبه صنع - ولله المثل الأعلى - فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله وهو محتاج إليها لا يتمكن إلا بها والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها وجعل خلق البعض شرطا وسببا في خلق غيره وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها والله عزيز حكيم . وأما قوله : إذا نفينا التأثير لزم انفراد الله سبحانه بالفعل . ولزم الجبر . وطي بساط الشرع الأمر والنهي . فنقول : إن أردت بالتأثير المنفي التأثير على سبيل الانفراد في نفس الفعل أو في شيء من صفاته فلقد قلت الحق وإن كان بعض أهل الاستنان يخالفك في القسم الثاني . وإن أردت به أن القدرة وجودها كعدمها وأن الفعل لم يكن بها ولم يصنع بها فهذا باطل كما تقدم بيانه وحينئذ لا يلزم الجبر بل ينبسط بساط الشرع وينشر علم الأمر والنهي ويكون لله الحجة البالغة . فقد بان لك أن إطلاق القول بإثبات التأثير أو نفيه دون الاستفصال ، وبيان معنى التأثير ركوب جهالات واعتقاد ضلالات ولقد صدق القائل : أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وبأن لك ارتباط الفعل المخلوق بالقدرة المخلوقة . ارتباط الأسباب بمسبباتها ويدخل في عموم ذلك جميع ما خلقه الله تعالى في السموات والأرض والدنيا والآخرة فإن اعتقاد تأثير الأسباب على الاستقلال دخول في الضلال ، واعتقاد نفي أثرها وإلغاؤه ركوب المحال وإن كان لقدرة الإنسان شأن ليس لغيرها كما سنومئ إليه إن شاء الله تعالى . فلعلك أن تقول بعد هذا البيان : أنا لا أفهم الأسباب ولا أخرج عن دائرة التقسيم والمطالبة بأحد القسمين وما أنت إن قلت هذا : إلا مسبوق بخلق من الضلال : { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } وموقفك هذا مفرق طرق إما إلى الجنة وإما إلى النار فيعاد عليك البيان بأن لها تأثيرا من حيث هي سبب كتأثير القلم وليس لها تأثير من حيث الابتداع والاختراع ونضرب لك الأمثال لعلك تفهم صورة الحال ويبين لك أن إثبات الأسباب مبتدعات هو الإشراك وإثباتها أسبابا موصولات هو عين تحقيق التوحيد عسى الله أن يقذف بقلبك نورا ترى هذا البيان { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } فإن قلت : إثبات القدرة سبب نفي للتأثير في الحقيقة فما بال الفعل يضاف إلى العبد ؟ وما باله يؤمر وينهى ؟ ويثاب ويعاقب وهل هذا إلا محض الجبر ؟ وإذا كنت مشبها لقدرة الإنسان بقلم الكاتب وعصا الضارب فهل رأيت القلم يثاب أو العصا تعاقب ؟ وأقول لك الآن إن شاء الله وجب هداك بمعونة مولاك وإن لم تطلع من أسرار القدر إلا على مثل ضرب الأثر وألق السمع وأنت شهيد عسى الله أن يمدك بالتأييد : اعلم أن العبد فاعل على الحقيقة وله مشيئة ثابتة وله إرادة جازمة وقوة صالحة وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية كقوله : { لمن شاء منكم أن يستقيم } { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } { فمن شاء ذكره } { وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة } ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن : { يعملون } { يفعلون } { يؤمنون } { يكفرون } { يتفكرون } { يحافظون } { يتقون } . وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه تعالى خالق فارقنا الجبرية بإثبات أن العبد كاسب فاعل صانع عامل والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو أن يكون الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح وحركة بإطباق الأيدي ومثله في الأناسي حركة المحموم والمفلوج والمرتعش فإن كل عاقل يجد تفرقة بديهية بين قيام الإنسان وقعوده وصلاته وجهاده وزناه وسرقته وبين انتعاش المفلوج وانتفاض المحموم ونعلم أن الأول قادر على الفعل مريد له مختار وأن الثاني غير قادر عليه ولا مريد له ولا مختار . والمحكي عن جهم وشيعته " الجبرية " أنهم زعموا : أن جميع أفاعيل العباد قسم واحد وهو قول ظاهر الفساد وبما بين القسمين من الفرقان انقسمت الأفعال : إلى اختياري واضطراري واختص المختار منها بإثبات الأمر والنهي عليه ولم يجئ في الشرائع ولا في كلام حكيم أمر الأعمى بنقط المصحف والمقعد بالاشتداد أو المحموم بالسكون وشبه ذلك وإن اختلفوا في تجويزه عقلا أو سمعا فإنما منع وقوعه بإجماع العقلاء أولى العقل من جميع الأصناف . فإن قيل : هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو واقع بمشيئتي وإرادتي أليست تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق الله تعالى ؟ وإذا خلق الأمر الموجب للفعل . فهل يتأتى ترك الفعل معه ؟ أقصى ما في الباب أن الأول جبر بغير توسط الإرادة من العبد وهذا جبر بتوسط الإرادة . فنقول : الجبر المنفي هو الأول كما فسرناه وأما إثبات القسم الثاني فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولي الألباب والأبصار لكن لا يطلق عليه اسم الجبر خشية الالتباس بالقسم الأول وفرارا من تبادر الأفهام إليه وربما سمي [ جبرا ] إذا أمن من اللبس وعلم القصد قال علي رضي الله عنه في الدعاء المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم داحي المدحوات وباري المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها . فبين أنه سبحانه جبر القلوب على ما فطرها عليه : من شقاوة أو سعادة وهذه الفطرة الثانية ليست الفطرة الأولى وبكلا الفطرتين فسر قوله صلى الله عليه وسلم { كل مولود يولد على الفطرة } وتفسيره بالأولى واضح قاله محمد بن كعب القرظي - وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم وربما فضل على أكثرهم - في قوله { الجبار } قال جبر العباد على ما أراد وروي ذلك عن غيره وشهادة القرآن والأحاديث ورؤية أهل البصائر والاستدلال التام لتقليب الله سبحانه وتعالى قلوب العباد وتصريفه إياها وإلهامه فجورها وتقواها وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين حتى تتحرك الجوارح بما قضي لها وعليها بين غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصره وقلبه . فإن قلت : أنا أسألك على هذا التقدير بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه وأبطلوه وثباتي على ما قالوه وبينوه كيف انبنى الثواب والعقاب على فعله وصح تسميته فاعلا على حقيقته . وانبنى فعله على قدرته ؟ . فأقول : - والله الهادي إلى سواء الصراط - اعلم أن الله تعالى خلق فعل العبد سببا مقتضيا لآثار محمودة أو مذمومة والعمل الصالح مثل صلاة أقبل عليها بقلبه ووجهه وأخلص فيها وراقب وفقه ما بنيت عليه من الكلمات الطيبات والأعمال الصالحات يعقبه في عاجل الأمر نور في قلبه وانشراح في صدره وطمأنينة في نفسه ومزيد في علمه وتثبيت في يقينه وقوة في عقله إلى غير ذلك من قوة بدنه وبهاء وجهه وانتهائه عن الفحشاء والمنكر وإلقاء المحبة له في قلوب الخلق ودفع البلاء عنه وغير ذلك مما يعلمه ولا نعلمه . ثم هذه الآثار التي حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسباب مفضية إلى آثار أخر من جنسها ومن غير جنسها أرفع منها وهلم جرا . ولهذا قيل : إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وكذلك العمل السيئ مثل الكذب - مثلا - يعاقب صاحبه في الحال بظلمة في القلب وقسوة وضيق في صدره ونفاق واضطراب ونسيان ما تعلمه وانسداد باب علم كان يطلبه ونقص في يقينه وعقله واسوداد وجهه وبغضه في قلوب الخلق واجترائه على ذنب آخر من جنسه أو غير جنسه وهلم جرا . إلا أن يتداركه الله برحمته . فهذه الآثار هي التي تورثها الأعمال هي الثواب والعقاب وإفضاء العمل إليها واقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - [ أسبابا إلى ] مسبباتها والإنسان إذا أكل أو شرب حصل له الري والشبع وقد ربط الله سبحانه وتعالى الري والشبع بالشرب والأكل ربطا محكما ولو شاء أن لا يشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل إما أن لا يجعل في الطعام قوة أو يجعل في المحل قوة مانعة أو بما يشاء سبحانه وتعالى ولو شاء أن يشبعه ويرويه بلا أكل ولا شرب أو بأكل شيء غير معتاد فعل . كذلك في الأعمال : المثوبات والعقوبات حذو القذة بالقذة فإنه إنما سمي الثواب ثوابا ؛ لأنه يثوب إلى العامل من عمله : أي يرجع والعقاب عقابا لأنه يعقب العمل : أي يكون بعده ولو شاء الله أن لا يثيبه على ذلك العمل إما بأن لا يجعل في العمل خاصة تفضي إلى الثواب أو لوجود أسباب تنفي ذلك الثواب أو غير ذلك لفعل - سبحانه وتعالى - وكذلك في العقوبات . وبيان ذلك أن نفس الأكل والشرب باختيار العبد ومشيئته . التي هي من فعل الله سبحانه وتعالى أيضا وحصول الشبع عقب الأكل ليس للعبد فيه صنع ألبتة حتى لو أراد دفع الشبع بعد تعاطي الأسباب الموجبة له لم يطق وكذلك نفس العمل هو بإرادته واختياره فلو شاء أن يدفع أثر ذلك العمل وثوابه بعد وجود موجبه لم يقدر . فهذه حكمة الله تعالى ومشيئته في جميع الأسباب في الدنيا والآخرة لكن العلم بالأعمال النافعة في الدار الآخرة والأعمال الضارة أكثره غيب عن عقول الخلق وكذلك مصير العباد ومنقلبهم بعد فراق هذه الدار . فبعث الله سبحانه وتعالى رسله وأنزل كتبه مبشرين ومنذرين ؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وحكمته في ذلك تضارع حكمته في جميع خلق الأسباب والمسببات . وما ذاك إلا أن علمه الأزلي ومشيئته النافذة وقدرته القاهرة اقتضت ما اقتضته وأوجبت ما أوجبته من مصير أقوام إلى الجنة بأعمال موجبة لذلك منهم . وخلق أعمالهم وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه وكذلك أهل النار كما قال : الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لما قيل : له { ألا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ فقال : لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له . أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة } . فبين صلى الله عليه وسلم أن السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى به إلى السعادة وكذلك الشقي . وتيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل وتهيئة أسبابه وهذا هو تفسير خلق أفعال العباد فنفس خلق ذلك العمل هو السبب المفضي إلى السعادة أو الشقاوة . ولو شاء لفعله بلا عمل بل هو فاعله فإنه ينشئ للجنة خلقا لما يبقى فيها من الفضل . يبقى أن يقال : فالحكمة الكلية التي اقتضت ما اقتضته من الأسباب الأول وحقائق ما الأمر صائر إليه في العواقب والتخصيصات والتمييزات الواقعة في الأشخاص والأعيان إلى غير ذلك من كليات القدر التي لا تختص بمسألة خلق أفعال العباد . وليس هذا الاستفتاء معقودا لها وتفسير جمل ذلك لا يليق بهذا الموضع . فضلا عن بعض تفصيله . ويكفي العاقل أن يعلم أن الله عز وجل عليم حكيم رحيم بهرت الألباب حكمته ووسعت كل شيء رحمته . وأحاط بكل شيء علمه وأحصاه لوحه وقلمه وأن لله تعالى في قدره سرا مصونا وعلما مخزونا احترز به دون جميع خلقه واستأثر به على جميع بريته ؛ وإنما يصل به أهل العلم وأرباب ولايته إلى جمل من ذلك وقد لا يؤذن لهم في ذكر ما وربما كلم الناس في ذلك على قدر عقولهم وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا - تبارك وتعالى - عن شيء من سر القدر وأنه لو شاء أن يطاع لأطيع وأنه مع ذلك يعصى فأخبرهم - سبحانه وتعالى - أن هذا سره . وفي هذا المقام تاهت عقول كثير من الخلائق وفيه ضل القائلون [ بقدم العالم ] وأن صانعه موجب بذاته ومقتضي بنفسه اقتضاء العلة للمعلول وأنه ليس في الإمكان أبدع مما صنع ودب بعض هذا الداء إلى بعض أهل الكتاب وأتباع الرسل فقد قرروا انحصار الممكن في الموجود وكل ذلك طلبا للاستراحة من مؤمنة تعليل الأفعال الإلهية ووجود الأسباب الحادثة للأمور الحادثة وعلله أهل القدر بعللهم العائلة في التعديل والتجويز ووجوب رعاية الصالح أو الأصلح ؛ ولم يستقم لواحد من الفريقين أصلهم ولم يطرد لهم . ومن هنا ذهب أهل التثنية والتمجس إلى الأصلين والقول بقدم النور والظلمة وسلم بعض السلامة - وإن كان فيه نوع من ظن السوء بالله وضرب من الجفاء - أكثر متكلي أهل الإثبات حيث ردوا الأمر إلى محض المشيئة وصرف الإرادة وأن إنشاءها جميع الجائزات واقتضاءها كل الممكنات على نحو واحد ووتيرة واحدة وأنها بذاتها تخصص وتميز . ولو خلط بهذا الكلام ضرب من وجوه الرحمة وأنواع الحكمة - علمناها أو جهلناها - لكان أقرب إلى القبول . وبكل حال فلام التعليل في فعله - سبحانه وتعالى - ليست على ما يعقله أكثر الخلق من لام التعليل في أفعالهم ووراء ما يعلمه هؤلاء ويقولون : مما أنار الله - سبحانه وتعالى - به قلوب أوليائه وقذف في أفئدة أصفيائه ممن استمسك فيما يظهر من الكلام بسبيل أهل الآثار ، واعتصم فيما يبطن عن الأفهام بحبل أهل الأبصار . وفي هذا المقام تعرف أولوا الألباب سر قوله : { سبقت رحمتي غضبي } وقوله : { الشر ليس إليك } وقوله : { بيدك الخير } وقوله : { من شر ما خلق } وقوله : { وإذا مرضت فهو يشفين } . { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } ؟ وما شاكل ذلك من أن الشر إما أن يحذف فاعله أو يضاف إلى الأسباب أو يندرج في العموم وأما إفراده بالذكر مضافا إلى خالق كل شيء فلا يقتضيه كلام حكيم لما توجبه الحقيقة المقتضية للأدب المؤسس لا لمحض متميز . وهنا يعرف سبب دخول خلق كثير الجنة بلا عمل وإنشاء خلق لها وأما النار فلا تدخل إلا بعمل ولن يدخلها إلا أهل الدنيا ويعرف حقيقة : { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } مع أن السيئة من القدر ، وقول الصديق وغيره من الصحابة : إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان إلى غير ذلك مما فيه ما قد لحظ كل ناظر منه شعبة من الحق وتعلق بسبب من الصواب وما يتبع وجوه الحق ويؤمن بالكتاب كله إلا أولو الألباب وقليل ما هم فهذه إشارة يسيرة إلى كلي التقدير . وأما كون قدرة العبد وكسبه له شأن من بين سائر الأسباب . فإن الله - عز وجل - خص الإنسان بأن علمه يورثه في الدنيا أخلاقا وأحوالا وآثارا . وفي الآخرة أيضا أمورا أخر لم يحصل هذا لغيره من مخلوقاته والوجوه التي خص بها الإنسان في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله شخصا ونوعا أكثر من أن تحصى وما من عاقل إلا وعنده منها طرف ولهذا حسن توجيه الأمر والنهي إليه . وصح إضافة الفعل إليه حقيقة وكسبا مع أنه خلق الله تعالى فإن الله تعالى خلق العبد وعمله وجعل هذا العمل له عملا قام به وصدر عنه وحدث بقدرته الحادثة . وأدنى أحوال " الفعل " أن يكون بمنزلة الصفات والأخلاق المخلوقة في العبد إذا جعلت مفضية إلى أمور أخر فهل يصح تجريد العبد عنها ؟ كلا ولم ؟ . وأما " الأمر " فإنه في حق المطيعين من الأسباب التي بها يكون الفعل منهم ؛ فإنه يبعث داعيتهم ثم إنه يوجب لهم الطاعة ومحض الانقياد والاستسلام فهو من جملة القدر السابق لهم إلى السعادة وفي حق العاصين هو السبب الذي يستحقون به العصيان إذ لولا هو لما تميز مطيع من عاص . و " أيضا " في حقهم من القدر السابق لهم إلى المعصية ؛ ليضل به كثيرا ويهدي به كثيرا عن إدخال الأمر والنهي في جملة المقادير يحل عقدة كثيرة هذا سبحانه وتعالى لعلمه بالعواقب . وأما أمر العباد فظاهر العدم من المعاصي في علمهم وأن قصدهم نفس صدور الفعل من الجميع فهو في ظاهر الأمر الشرعي على لسان المرسلين بالكتب المنزلة والله كله مظهر أمر وحكم يمضيه فالإرادة والأمر كل منهما منقسم عام الوقوع جامع للقسمين وإلى شرع وربما بعد وربما وقف القدر له والخير كل الخير في نفوذه وهو خاص الوقوع بفرق إلى القسمين واضع الأشياء في مراتبها . وإذا صح نسبة الطاعة والمعصية إلى من خلقت فيه ولو أنه يخلق الصفات . أفيحسن بالإنسان أن يقول : أسود وأحمر وطويل وقصير وذكي وبليد وعربي وعجمي فيضيف إليه جميع الصفات التي ليس للإنسان فيها إرادة أصلا ألبتة لقيامها به ، وتأثيرها فيه تارة بما يلائمه وتارة بما ينافره ثم يستبعد أن يضاف إليه ما خلق فيه من الفعل بواسطة قصده وإرادته المخلوقين أيضا ؟ ثم يقول : ليس للعبد في السيئ شيء فهل الجميع إلا له ؟ بل ليست لأحد غيره ؛ لكن الله سبحانه وتعالى خلقها له وإضافة الفعل إلى خالقه ومبدعه لا تنافي إضافته إلى صاحبه ومحله الذي هو فاعله وكاسبه وقد بينا الجبر المذموم ما هو . ونختم الكلام بكلام وجيز في سبب الفرق بين الخلق والكسب . فنقول : الخلق يجمع معنيين ( أحدهما ) الإبداع والبرء و ( الثاني ) : التقدير والتصوير . فإذا قيل : خلق فلا بد أن يكون أبدع إبداعا مقدرا ولما كان - سبحانه وتعالى - أبدع جميع الأشياء من العدم وجعل لكل شيء قدرا صح إضافة الخلق إليه بالقول المطلق . والتقدير في المخلوق لازم إذ هو عبارة عن تحديده والإحاطة به وهذا لازم لجميع الكائنات لا كما زعم من حسب أن الخلق في ذوات المساحة وهي الأجسام مفرقا بين الخلق والأمر بذلك فإنه قول باطل مبتدع والأمر هو كلامه كما فسره الأولون والخلق مفسر يجعل الخلق بإزاء إبداع الصور الذهنية وتقديرها ومنه تسمية اختلافا إذ هو صور ذهنية ليس لها حقيقة خارجة عن الذهن و جعل الخلق بمعنى التقدير فقط مقطوعا عنه النظر إلى الإبداع بما قال : سدى ما خلقت وكما قال علي في تمثال صنعه : أنا خلقته والفرق الأولى من حيث إن تلك الصورة مبتدعة لكان قولا يكون إلا الله سبحانه وتعالى صح وصفه سبحانه بأنه خالق كل شيء . وأما الكسب فقد ذكرنا أنه إنما ينظر فيه إلى تأثيره في محله ولو لم يكن له عليه قدرة حتى يقال : الثوب قد اكتسب من ريح المسك ، والمسجد قد اكتسب الحرمة من أفعال العابدين والجلد قد اكتسب الحرمة لمجاورة المصحف والثمرة قد اكتسبت لونا وريحا وطعما فكل محل تأثر عن شيء مؤثرا وملائما ومنافرا صح وصفه بالاكتساب بناء على تأثره وتغيره وتحوله من حال إلى حال والإنسان يتأثر عن الأفعال الاختيارية ولا يتأثر عن الأفعال الاضطرارية فتورثه أخلاقا وأحوالا على أي حال كان حتى على رأي من يطلق اسم الجبر على مجموع أفعاله فإنه يستيقن تأثير الأفعال الاختيارية في نفسه بخلاف الاضطرارية اللهم إلا من حيث قد توجب الأفعال الاضطرارية أمرا في نفسه فيكون ذلك اختيارا . ثم اعلم أن الاضطرار إنما يكون في بدنه دون قلبه إما بفعل الله تعالى كالأمراض والأسقام وإما بفعل العباد كالقيد والحبس وأما أفعال روحه المنفوخة فيه ؛ إذا حركت يديه فهي كلها اختيارية ومن وجه قد بيناه كلها اضطرارية فاضطرارها هو عين واختيارها إنما هو بالاضطرار وحقيقة الاضطرار هو أن اضطرار وربما أحبت من وجه وكرهت من وجه آخر وهذا كله لا يمنع ورود التكليف واقتضاء الثواب والعقاب . هذا الذي تيسر كتابته في الحال : { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } والحمد لله وحده

(2/236)


سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - في " أفعال العباد " : هل هي قديمة أم مخلوقة حين خلق الإنسان ؟ وما الحجة على من يقول : إن سائر أفعال العباد من الحركات وغيرها من القدر الذي قدر قبل خلق السموات والأرض ؟ وفيمن لم يستثن في الأفعال الماضية كقول القائل : هذه نخلة أو شجرة زيتون قطعا لم يقل شيئا إلا ويسترجع فيه المشيئة ويسأل البسط في ذلك .
الجواب
فأجاب رضي الله عنه الحمد لله رب العالمين . " أفعال العباد " مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام : الإمام أحمد ومن قبله وبعده حتى قال بعضهم : من قال : إن أفعال العباد غير مخلوقة ، فهو بمنزلة من قال : إن السماء والأرض غير مخلوقة وقال يحيى بن سعيد العطار : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة . وكان السلف قد أظهروا ذلك لما أظهرت القدرية أن أفعال العباد غير مخلوقة لله وزعموا أن العبد يحدثها أو يخلقها دون الله فبين السلف والأئمة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها . ثم لما أظهر طائفة من المنتسبين إلى السنة أن ألفاظ العباد [ بالقرآن ] غير مخلوقة وأنكر الإمام أحمد ذلك وبدع من قاله ثم لما مات قام بعده صاحبه أبو بكر المروذي فصنف في ذلك مصنفا ذكره أبو بكر الخلال في " كتاب السنة " وذكر مسألة أبي طالب لما أنكر عليه أحمد القول بأن لفظي بالقرآن غير مخلوق والجهمية أول من قال اللفظ بالقرآن مخلوق ورواه عنه ابناه صالح وعبد الله وحنبل ابن عمه والمروذي وقوران وغيرهم من أجلاء أصحابه . وأنكر الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم من علماء السنة من قال : إن أصوات العباد وأفعالهم غير مخلوقة وصنف البخاري في ذلك مصنفا كما أنهم بدعوا وجهموا من قال : إن الله لا يتكلم بصوت أو إن حروف القرآن مخلوقة . أو قالوا : إن اللفظ بالقرآن مخلوق فرد الأئمة هذه البدعة كما ذكرنا ذلك مبسوطا في غير هذا الموضع . ولم يقل قط أحد لا من أصحاب أحمد المعروفين ولا من غيرهم من العلماء المعروفين : إن أفعال العباد قديمة . وإنما رأيت هذا [ قولا ] لبعض المتأخرين بأرض العجم وأرض مصر من المنتسبين إلى مذهب الشافعي أو أحمد فرأيت بعض المصريين يقولون : إن أفعال العباد من خير وشر قديمة ويقولون : ليس مرادنا بالأفعال نفس الحركات ولكن مرادنا الثواب الذي يكون عليها كما جاء في الحديث : { إن المؤمن يرى عمله في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح } واحتجوا على ذلك بأن الأفعال من القدر والقدر سر الله وصفة من صفاته وصفاته قديمة . واحتجوا بأن الشرائع غير مخلوقة لأنها أمر الله وكلامه والأفعال هي الشرائع فتكون قديمة . وهذا قول في غاية الفساد وهو مخالف لنصوص أئمة الإسلام كلهم ؛ وأحدهم الإمام أحمد فإنه نص هو وغيره من الأئمة على أن الثواب الذي يعطيه الله على قراءة القرآن مخلوق . فكيف بالثواب الذي يعطيه على سائر أعمال العباد . ولما احتج الجهمية على الإمام أحمد وغيره من أهل السنة على أن القرآن مخلوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم { تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف ويأتي القرآن في صورة الرجل الشاحب } ونحو ذلك قالوا : ومن يأتي ويذهب لا يكون إلا مخلوقا أجابهم الإمام أحمد بأن الله تعالى قد وصف نفسه بالمجيء والإتيان بقوله : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } وقال : { وجاء ربك والملك صفا صفا } ومع هذا فلم يكن هذا دليلا على أنه مخلوق بالاتفاق بل قد يقول القائل : جاء أمره وهكذا تقوله المعتزلة الذين يقولون : القرآن مخلوق يتأولون هذه الآية على أن المراد بمجيئه مجيء أمره فلم لا يجوز أن يتأول مجيء القرآن على مجيء ثوابه ؟ ويكون المراد بقوله تجيء البقرة وآل عمران بمجيء ثوابها وثوابها مخلوق . وقد ذكر هذا المعنى غير واحد وبينوا أن المراد بقوله : { تجيء البقرة وآل عمران } أي : ثوابهما ليجيبوا الجهمية الذين احتجوا بمجيء القرآن وإتيانه على أنه مخلوق فلو كان الثواب أيضا الذي يجيء في صورة غمامة أو صورة شاب غير مخلوق لم يكن فرق بين القرآن والثواب ولا كان حاجة إلى أن يقولوا : يجيء ثوابه ؟ ولا كان جوابهم للجهمية صحيح بل كانت الجهمية تقول : أنتم تقولون إنه غير مخلوق ؛ وأن ثوابه غير مخلوق فلا ينفعكم هذا الجواب . فعلم أن أئمة السنة مع الجهمية كانوا متفقين على أن ثواب قراءة القرآن مخلوق فكيف يكون ثواب سائر الأعمال ؛ وهذا بين فإن الثواب والعقاب هو ما وعد الله به عباده وأوعدهم به ؛ فالثواب هو الجنة بما فيها ؛ والعقاب هو النار بما فيها ؛ والجنة بما فيها مخلوق والنار بما فيها مخلوق وقد ذكر الإمام أحمد هذه الحجة فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فقال : ( باب : ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق من الأحاديث التي رويت { إن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب ؛ فيأتي صاحبه فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول له : من أنت ؟ فيقول : أنا القرآن الذي أظمأت نهارك ؛ وأسهرت ليلك ؛ قال : فيأتي به الله ؛ فيقول : يا رب } فادعوا . أن القرآن مخلوق ؛ فقلنا لهم : إن القرآن لا يجيء بمعنى أنه قد جاء : { من قرأ : { قل هو الله أحد } فله كذا وكذا } ألا ترون من قرأ : { قل هو الله أحد } لا يجيئه ؛ بل يجيء ثوابه ؛ لأنا نقرأ القرآن فنقول لا يجيء ؛ ولا يتغير من حال إلى حال . فبين أحمد أن الثواب هو الذي يجيء ؛ وهو المخلوق من العمل ؛ فكيف بعقوبة الأعمال الذي تتغير من حال إلى حال فإذا كان هذا ثواب { قل هو الله أحد } وهو ثواب القرآن فكيف ثواب غيره وأما احتجاج المحتج بأن الأفعال قدر الله فيقال له : لفظ " القدر " يراد به التقدير ؛ ويراد به المقدر . فإن أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي هو علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته ؛ فهذا غلط وباطل . فإن أفعال العباد ليست شيئا من صفات الله تعالى ؛ وإن أردت أنها مقدرة قدرها الله تعالى ؛ فهذا حق ، فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة ؛ وقد ثبت في الصحيح { أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة } وكل تلك المقدورات مخلوقة . وثبت في الصحيحين عن { عبد الله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ؛ إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيقال : اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح } . فالرزق والأجل قدره كما قدر عمله ؛ ومعلوم أن الرزق الذي يأكله مخلوق مع أنه مقدر . فكذلك عمله ؛ وكذلك سعادته وشقاؤه ؛ وسعادته وشقاؤه هي ثواب العمل وعقابه ؛ وكل ذلك مقدر ؛ كما أن الرزق مقدر والمقدر مخلوق . وأما قولهم ؛ إن الأعمال هي الشرائع والشرائع غير مخلوقة فيقال لهم أيضا لفظ الشرع يراد به كلام الله الذي شرع به الدين ويراد به الأعمال المشروعة فإن هذه الألفاظ يراد بها المصدر ويراد بها المفعول كلفظ " الخلق " ونحوه . فإن قلتم : إن أعمال العباد هي الشرع الذي هو كلام الله فهذا باطل ظاهر البطلان . وإن أردتم : أن الأعمال هي المشروعة بأمر الله بها فهذا حق ؛ لكن أمر الله غير مخلوق وأما المأمور به المكون بأمر الله أو الممتثل بأمر الله فإنه مخلوق كما أن العبد المأمور مخلوق . ولفظ " الأمر " يراد به المصدر والمفعول فالمفعول مخلوق كما قال : { أتى أمر الله } وقال : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } . فهنا المراد به المأمور به ليس المراد به أمره الذي هو كلامه وهذه الآية التي احتج بها هؤلاء تضمنت الشرع وهو الأمر والقدر وقد ضل في هذا الموضع فريقان : " الجهمية " الذين يقولون : كلام الله مخلوق ويحتجون بقوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } . ويقولون : ما كان مقدورا فهو مخلوق . وهؤلاء " الحلولية " الضالون الذين يجعلون فعل العباد قديما بأنه أمر الله وقدره وأمره وقدره غير مخلوق . ومثار الشبهة أن اسم " القدر " و " الأمر " و " الشرع " يراد به المصدر ويراد به المفعول ففي قوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } المراد به المأمور به المقدور وهذا مخلوق وأما في قوله : { ذلك أمر الله أنزله إليكم } فأمره كلامه إذ لم ينزل إلينا الأفعال التي أمرنا بها وإنما أنزل القرآن وهذا كقوله : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } فهذا الأمر هو كلامه . فإذا احتج الجهمي الذي يئول أمره إلى أن يجعله حالا في المخلوقات بقوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } قيل له المراد به المأمور به كما في قوله : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } وكما يقال عن الحوادث التي يحدثها الله هذا أمر عظيم وإذا احتج الحلولي الذي يجعل صفات الرب تقارن ذاته وتحل في المخلوقات بقوله : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } وقال الأفعال قدره وأمره وأمره غير مخلوق وقدره غير مخلوق . قيل له : أمره وقدره الذي هو صفته كمشيئته وكلامه غير مخلوق فأما أمره الذي هو قدر مقدور فمخلوق فالمقدور مخلوق والمأمور به مخلوق وإن سميا أمرا وقدرا . ثم يقال لهؤلاء الضالين : هب أن المأمور به يسمى أمرا وشرعا فالمنهي عنه ليس هو مأمورا به ولا مشروعا وإنما هو مخالفة للأمر والشرع وهو منهي عنه فكيف سميتم الكفر والفسوق والعصيان شرائع وليست من الشرائع ولكن هي مما نهت عنه الشريعة ولما قال سبحانه : { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } هل دخل في هذه الشريعة الكفر والفسوق والعصيان وهل أمر الرسول باتباع ذلك وباجتنابه واتقائه .

(2/237)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية