صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجموع فتاوى ابن تيمية
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام على جيرانه سكان " المدينة طيبة " من الأحياء والأموات من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته . إلى الشيح الإمام العارف الناسك المقتدي الزاهد العابد : شمس الدين كتب الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما وجعله من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وخاصته المصطفين ورزقه اتباع نبيه باطنا وظاهرا واللحاق به في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه - من أحمد بن تيمية : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد : فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل : وهو على كل شيء قدير ونسأله أن يصلي على صفوته من خلقه وخيرته من بريته النبي الأمي " محمد " وعلى آله وسلم تسليما . كتابي إليك - أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة إحسانا ينيلك به عالي الدرجات في خير وعافية عن نعمة من الله ورحمة وعافية شاملة لنا ولسائر إخواننا - والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله . وقد وصل ما أرسلته من الكتب الثلاثة ونحن نسأل الله تعالى ونرجو منه أن يكون ما قضاه وقدره من مرض ونحوه من مصائب الدنيا مبلغا لدرجات قصر العمل عنها وسبق في أم الكتاب أنها ستنال وأن تكون الخيرة فيما اختاره الله لعباده المؤمنين . وقد علمنا من حيث العموم أن الله تعالى لا يقضي للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له وأن النية وإن كانت متشوقة إلى أمر حجز عنه المرض فإن الخيرة - إن شاء الله تعالى - فيما أراده الله والله تعالى يخير لكم في جميع الأمور خيرة تحصل لكم رضوان الله في خير وعافية وما تشتكي من مصيبة في القلب والدين نسأل الله أن يتولاكم بحسن رعايته توليا لا يكلكم فيه إلى أحد من المخلوقين ويصلح لكم شأنكم كله صلاحا يكون بدؤه منه وإتمامه عليه ويحقق لكم مقام { إياك نعبد وإياك نستعين } ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم . مع أنا نرجو أن تكون رؤية التقصير وشهادة التأخير من نعمة الله على عبده المؤمن التي يستوجب بها التقدم ويتم له بها النعمة ويكفي بها مؤنة شيطانه المزين له سوء عمله ومؤنة نفسه التي تحب أن تحمد بما لم تفعل وتفرح بما أتت . وقد قال سبحانه : { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون } - إلى قوله - { أنهم إلى ربهم راجعون } . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه } وفي الأثر - أظنه عن عمر بن الخطاب أو عن ابن مسعود - : من قال : إنه مؤمن فهو كافر ومن قال إنه في الجنة فهو في النار . وقال : والذي لا إله غيره ما أمن أحد على إيمان يسلبه عند الموت ألا يسلبه . وقال أبو العالية : أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه . وقال الصديق - رضي الله عنه - إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها فيقول الرجل : أين أنا من هؤلاء يعني : وهو منهم وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم وأحبط حسنها فيقول القائل لست من هؤلاء ؟ يعني : وهو منهم . هذا الكلام أو قريبا منه . فليبرد القلب من وهج حرارة هذه الشهادة إنها سبيل مهيع لعباد الله الذين أطبق شهداء الله في أرضه أنهم كانوا من الله بالمكانة العالية مع أن الازدياد من مثل هذه الشهادة هو النافع في الأمر الغالب ما لم يفض إلى تسخط للمقدور أو يأس من روح الله ؛ أو فتور عن الرجاء ؛ والله تعالى يتولاكم بولاية منه ولا يكلكم إلى أحد غيره . وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة التي لا بد فيها من صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه فأنا أذكر ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ذلك وهو ما حكيته لك وطلبته وكان إن شاء الله له ولغيره به منفعة على ما في الحكاية من زيادة ونقص وتغيير . قال لي بعض الناس : إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة قلنا كما قال الشافعي - رضي الله عنه - : آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق فإن الحق مذهب من يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين . فقلت له : أما ما قاله الشافعي فإنه حق يجب على كل مسلم أن يعتقده ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة وأما إذا بحث الإنسان وفحص وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلا وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرا وباطنا . فاستعظم ذلك وقال : أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا ؟ فتواعدنا يوما فكان فيما تفاوضنا : أن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين - ممن ينتحل مذهب الأشعري - لأهل الحديث " ثلاث مسائل " وصف الله بالعلو على العرش . ومسألة القرآن . ومسألة تأويل الصفات . فقلت له : نبدأ بالكلام على " مسألة تأويل الصفات " فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها وقلت له : مذهب " أهل الحديث " وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف : أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل وتكييف يفضي إلى تمثيل . وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابي - مذهب السلف : أنها تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها ؛ وذلك أن الكلام في " الصفات " فرع على الكلام في " الذات " يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله ؛ فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية ؛ فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية فنقول إن له يدا وسمعا ولا نقول إن معنى اليد القدرة ومعنى السمع العلم . فقلت له : وبعض الناس يقول : " مذهب السلف " أن الظاهر غير مراد ويقول : أجمعنا على أن الظاهر غير مراد وهذه العبارة خطأ : إما لفظا ومعنى أو لفظا لا معنى ؛ لأن الظاهر قد صار مشتركا بين شيئين : ( أحدهما أن يقال : إن اليد جارحة مثل جوارح العباد وظاهر الغضب غليان القلب لطلب الانتقام وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف فلا شك أن من قال : إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن ؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ؛ بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة . لكن هذا القائل أخطأ حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث ؛ وحيث حكي عن السلف ما لم يقولوه ؛ فإن " ظاهر الكلام " هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع وقد يكون بسياق الكلام ؛ وليست " هذه المعاني " المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقل المؤمنين بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضا تدل على حدوثنا يمتنع أن يوصف الله سبحانه بمثلها ؛ فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوها أجساما كذلك محدثة يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها . ثم لم يقل أحد من أهل السنة : إذا قلنا إن لله علما وقدرة وسمعا وبصرا إن ظاهره غير مراد ثم يفسر بصفاتنا . فكذلك لا يجوز أن يقال : إن ظاهر اليد والوجه غير مراد ؛ إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم . ومن قال : إن ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ ؛ لأنه ما من اسم يسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به فكان قول هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد . ( والمعنى الثاني : أن هذه الصفات إنما هي صفات الله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص وكذلك الوجه . ولا يقال : إنه مستغن عن هذه الصفات ؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته و " الإله " المعبود سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات . وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقا وإنما الكلام مع من يثبت بعض الصفات . وكذلك " فعله " نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم وإن كنا لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل والله غني حميد . وكذلك " الذات " تعلم من حيث الجملة وإن كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا يعلم ما هو إلا هو ولا يدرك لها كيفية فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه الصفات وهو الذي يجب أن تحمل عليه . فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه فيعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات ونحو ذلك . كما يعلم أن له ربا وخالقا ومعبودا ولا يعلم كنه شيء من ذلك ؛ بل غاية علم الخلق هكذا : يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب . قلت له : أفيجوز أن يقال : إن " الظاهر غير مراد " بهذا التفسير ؟ فقال : هذا لا يمكن . فقلت له : من قال : إن الظاهر غير مراد بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة قلنا له : أصبت في " المعنى " لكن أخطأت في " اللفظ " وأوهمت البدعة وجعلت للجهمية طريقا إلى غرضهم وكان يمكنك أن تقول : تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه . ومن قال : " الظاهر غير مراد " بالتفسير الثاني - وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وبعض الأشعرية وغيرهم - فقد أخطأ . ثم أقرب هؤلاء " الجهمية " الأشعرية يقولون : إن له صفات سبعا : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر . وينفون ما عداها وفيهم من يضم إلى ذلك " اليد " فقط ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها . وأما " المعتزلة " فإنهم ينفون الصفات مطلقا ويثبتون أحكامها وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير وأما كونه مريدا متكلما فعندهم أنها صفات حادثة أو إضافية أو عدمية . وهم أقرب الناس إلى " الصابئين الفلاسفة " من الروم ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس حيث زعموا : أن الصفات كلها ترجع إلى سلب أو إضافة ؛ أو مركب من سلب وإضافة ؛ فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل . ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله ؛ ولهذا كانوا يقولون : إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه ويقولون : إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة ؛ والأشعرية مخانيث المعتزلة . وكان يحيى بن عمار يقول : المعتزلة الجهمية الذكور والأشعرية الجهمية الإناث . ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية وأما من قال منهم بكتاب " الإبانة " الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة ؛ لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب شر والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير .

(2/50)


قلت له : إذا وصف الله نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله أو وصفه بها المؤمنون - الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم - فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها : إلى باطن يخالف الظاهر ومجاز ينافي الحقيقة لا بد فيه من أربعة أشياء : - ( أحدها : أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي ؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب أو خلاف الألسنة كلها ؛ فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له ؛ وإن لم يكن له أصل في اللغة . ( الثاني : أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة وفي معنى بطريق المجاز لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف . وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز . ( الثالث : أنه لا بد من أن يسلم ذلك الدليل - الصارف - عن معارض ؛ وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح . ( الرابع : أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد مجازه سواء عينه أو لم يعينه لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم ؛ دون عمل الجوارح ؛ فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن نورا وهدى وبيانا للناس وشفاء لما في الصدور وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل . ثم هذا " الرسول " الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما وأنصحهم للأمة وأبينهم للسنة فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره ؛ إما أن يكون عقليا ظاهرا مثل قوله : { وأوتيت من كل شيء } فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها وكذلك : { خالق كل شيء } يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم . أو سمعيا ظاهرا مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر . ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس سواء كان سمعيا أو عقليا ؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة ؛ وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره ؛ لأن هناك دليلا خفيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسا وتلبيسا وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان . فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة ؟ . فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات . قلت : ونحن نتكلم على صفة من الصفات ونجعل الكلام فيها أنموذجا يحتذى عليه ونعبر بصفة " اليد " وقد قال تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } وقال تعالى لإبليس : { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } وقال تعالى : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } وقال تعالى : { تبارك الذي بيده الملك } وقال { بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } وقال تعالى : { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون } . وقد تواتر في السنة مجيء " اليد " في حديث النبي صلى الله عليه وسلم . فالمفهوم من هذا الكلام : أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما يليق بجلاله ؛ وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السموات بيده اليمنى وأن [ { يداه مبسوطتان } ] ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة العطاء ؛ لأن الإعطاء والجود في الغالب يكون ببسط اليد ومدها ؛ وتركه يكون ضما لليد إلى العنق صار من الحقائق العرفية إذا قيل هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقة وكان ظاهره الجود والبخل كما قال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ويقولون : فلان جعد البنان وسبط البنان . قلت له : فالقائل ؛ إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين : وأن يده ليست جارحة فهذا حق . وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع ؛ فهو مبطل . فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة . أما " الأول " فيقول : إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية تسمية للشيء باسم سببه كما يسمى المطر والنبات سماء ومنه قولهم : لفلان عنده أياد وقول أبي طالب لما فقد النبي صلى الله عليه وسلم يا رب رد راكبي محمدا رده علي واصطنع عندي يدا وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية : لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك . وقد تكون اليد بمعنى القدرة تسمية للشيء باسم مسببه ؛ لأن القدرة هي تحرك اليد يقولون : فلان له يد في كذا وكذا ؛ ومنه قول " زياد " لمعاوية : إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي ويدي الأخرى فارغة يريد نصف قدرتي ضبط أمر العراق . ومنه قوله : { بيده عقدة النكاح } والنكاح كلام يقال وإنما معناه أنه مقتدر عليه . وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه قال الله تعالى : { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } - إلى قوله - { ذلك بما قدمت أيديكم } أي : بما قدمتم ؛ فإن بعض ما قدموه كلام تكلموا به . وكذلك قوله تعالى { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } - إلى قوله - { ذلك بما قدمت أيديكم } والعرب تقول : يداك أوكتا . وفوك نفخ : توبيخا لكل من جر على نفسه جريرة ؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه . ( قلت له : ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا في أسمائه وآياته تأولوا قوله : { بل يداه مبسوطتان } وقوله : { لما خلقت بيدي } على هذا كله فقالوا : إن المراد نعمته أي : نعمة الدنيا ونعمة الآخرة وقالوا : بقدرته وقالوا : اللفظ كناية عن نفس الجود ؛ من غير أن يكون هناك يد حقيقة ؛ بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود . وقوله : { لما خلقت بيدي } أي : خلقته أنا وإن لم يكن هناك يد حقيقية قلت له فهذه تأويلاتهم ؟ قال : نعم قلت له : فننظر فيما قدمنا : ( المقام الأول : أن لفظ " اليدين " بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة ؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع كقوله : { إن الإنسان لفي خسر } ولفظ الجمع في الواحد كقوله : { الذين قال لهم الناس إن الناس } ولفظ الجمع في الاثنين كقوله : { صغت قلوبكما } أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين أو الاثنين في الواحد فلا أصل له ؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها ولا يجوز أن يقال : عندي رجل ويعني رجلين ولا عندي رجلان ويعني به الجنس ؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس والجنس يحصل بحصول الواحد . فقوله : { لما خلقت بيدي } لا يجوز أن يراد به القدرة ؛ لأن القدرة صفة واحدة ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد . ولا يجوز أن يراد به النعمة لأن نعم الله لا تحصى ؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية . ولا يجوز أن يكون " لما خلقت أنا " لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله : { بما قدمت يداك } { بما قدمت أيديكم } ومنه قوله : { مما عملت أيدينا أنعاما } . أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله : { لما خلقت بيدي } فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى : أن يقال فعلت هذا بيديك ويقال : هذا فعلته يداك لأن مجرد قوله : فعلت كاف في الإضافة إلى الفاعل فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة ولست تجد في كلام العرب ولا العجم - إن شاء الله تعالى - أن فصيحا يقول : فعلت هذا بيدي أو فلان فعل هذا بيديه إلا ويكون فعله بيديه حقيقة . ولا يجوز أن يكون لا يد له أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها . وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة ؛ ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز ألبتة من جهة نفس اللغة . قال لي : فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله : { ألقيا في جهنم } وإنما هو خطاب للواحد . قلت له : هذا ممنوع ؛ بل قوله : { ألقيا } قد قيل تثنية الفاعل لتثنية الفعل والمعنى ألق ألق . وقد قيل : إنه خطاب للسائق والشهيد . ومن قال : إنه خطاب للواحد قال : إن الإنسان يكون معه اثنان : أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله فيقول : خليلي خليلي ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين كأنه يخاطب موجودين ؛ فقوله : { ألقيا } عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما فلا حجة فيه ألبتة . قلت له : ( المقام الثاني : أن يقال : هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد وأن يعني بها القدرة أو النعمة أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل ؛ لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة ؟ . فإن قلت : لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه . قلت لك : هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدا من جنس أيدي المخلوقين وهذا لا ريب فيه ؛ لكن لم لا يجوز أن يكون له " يد " تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات ؟ قال : ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا ؛ " قلت " فإذا كان هذا ممكنا وهو حقيقة اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه ؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به - وصحت الدلالة - سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه وإنما حقيقة اللفظ وظاهره " يد " يستحقها الخالق كالعلم والقدرة بل كالذات والوجود . ( المقام الثالث : قلت له : بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من أئمة المسلمين : أنهم قالوا : المراد باليد خلاف ظاهره أو الظاهر غير مراد أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة ؛ بل أو دلالة خفية ؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله : { قل هو الله أحد } وقوله : { ليس كمثله شيء } وقوله : { هل تعلم له سميا } وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه . أما انتفاء يد تليق بجلاله فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه . وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا " يد " له ألبتة ؟ لا " يدا " تليق بجلاله ولا " يدا " تناسب المحدثات وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا ؛ ولو بوجه خفي ؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد ألبتة ؛ وإن فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية - عند من يدعيه - وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة . فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وأن الله تعالى خلق بيده وأن [ { يداه مبسوطتان } ] وأن الملك بيده وفي الحديث ما لا يحصى ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر : لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره حتى ينشأ " جهم بن صفوان " بعد انقراض عصر الصحابة فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم ويتبعه عليه " بشر بن غياث " ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق . وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى " الخراءة " ويقول : { ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به } { تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك } ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم وأن اعتقاد ظاهره ضلال وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه وكيف يجوز للسلف أن يقولوا : أمروها كما جاءت مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شيء لا يفهمه العرب حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار ؟ . ( المقام الرابع ) : قلت له : أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة ما يبين لك أن لله " يدين " حقيقة . فمن ذلك تفضيله لآدم : يستوجب سجود الملائكة وامتناعهم عن التكبر عليه ؛ فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته أو مجرد إضافة خلقه إليه لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات . قال لي : فقد يضاف الشيء إلى الله على سبيل التشريف كقوله : { ناقة الله } وبيت الله . قلت له : لا تكون الإضافة تشريفا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة والأمر هنا كذلك فإضافة خلق آدم إليه أنه خلقه بيديه يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه وخلق هؤلاء بقوله : كن فيكون كما جاءت به الآثار . ومن ذلك أنهم إذا قالوا : بيده الملك أو عملته يداك فهما شيئان : ( أحدهما ) إثبات اليد و ( الثاني ) إضافة الملك والعمل إليها و ( الثاني ) يقع فيه التجوز كثيرا أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له " يد " حقيقة ولا يقولون : " يد " الهوى ولا " يد " الماء فهب أن قوله : بيده الملك قد علم منه أن المراد بقدرته لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة والفرق بين قوله تعالى { لما خلقت بيدي } وقوله : { مما عملت أيدينا } من وجهين : ( أحدهما ) : أنه هنا أضاف الفعل إليه وبين أنه خلقه بيديه وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي . ( الثاني ) : أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس كقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } أي : يديهما وقوله : { فقد صغت قلوبكما } أي : قلباكما فكذلك قوله : { مما عملت أيدينا } . وأما السنة فكثيرة جدا مثل قوله صلى الله عليه وسلم { المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا } رواه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم { يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ؟ فإنه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض إلى يوم القيامة } رواه مسلم في صحيحه ؛ والبخاري فيما أظن . وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم بيده خبزته في السفر } . وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { يأخذ الرب عز وجل سمواته وأرضه بيديه - وجعل يقبض يديه ويبسطهما - ويقول : أنا الرحمن حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه حتى إني أقول : أساقط هو برسول الله ؟ } - { وفي رواية - أنه قرأ هذه الآية على المنبر : { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } قال : يقول : أنا الله أنا الجبار } وذكره . وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض ؟ } وما يوافق هذا من حديث الحبر . وفي حديث صحيح { إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان : اختر أيهما شئت قال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته } وفي الصحيح { أن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق : إن رحمتي تغلب غضبي } . وفي الصحيح : { أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم : يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده ؛ وقد قال له موسى : أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه . } وفي حديث آخر أنه { قال سبحانه : وعزتي وجلالي ؛ لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له : كن فكان } وفي حديث آخر في السنن : { لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون } . فذكرت له " هذه الأحاديث " وغيرها ؛ ثم " قلت له " : هل تقبل هذه الأحاديث تأويلا ؛ أم هي نصوص قاطعة ؟ وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها من بحر غزير . فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق . فهذا الذي أشرت إليه - أحسن الله إليك - أن أكتبه . وهذا " باب واسع " { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } و { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى المحمدين وأبي زكريا وأبي البقاء عبد المجيد وأهل البيت ومن تعرفونه من أهل المدينة وسائر أهل البلدة الطيبة . وإن كنتم تعرفون للمدينة كتابا يتضمن أخبارها ؛ كما صنف أخبار مكة . فلعل تعرفونا به . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

(2/51)


قال شيخ الإسلام رحمه الله - فصل قال المعترض في " الأسماء الحسنى " النور الهادي يجب تأويله قطعا ؛ إذ النور كيفية قائمة بالجسمية وهو ضد الظلمة وجل الحق سبحانه أن يكون له ضد ؛ ولو كان نورا لم تجز إضافته إلى نفسه في قوله : { مثل نوره } فيكون من إضافة الشيء إلى نفسه وهو غير جائز . وقوله : { الله نور السماوات والأرض } قال المفسرون : يعني هادي أهل السموات والأرض وهو ضعيف لأن ذكر الهادي بعده يكون تكرارا وقيل : منور السموات بالكواكب وقيل : بالأدلة والحجج الباهرة . والنور جسم لطيف شفاف ؛ فلا يجوز على الله . والتأويل مروي عن ابن عباس وأنس وسالم وهذا يبطل دعواه أن التأويل يبطل الظاهر ولم ينقل عن السلف . ولو كان نورا حقيقة - كما يقوله المشبهة - لوجب أيضا أن يكون الضياء ليلا ونهارا على الدوام . وقوله : { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } { وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن السراج المعروف وإنما سمي سراجا بالهدى الذي جاء به ؛ ووضوح أدلته بمنزلة السراج المنير وروي عن ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن : يعني منور " السموات والأرض " : شمسها وقمرها ونجومها . ومن كلام العارفين : " النور " هو الذي نور قلوب الصادقين بتوحيده ونور أسرار المحبين بتأييده . وقيل : هو الذي أحيا قلوب العارفين بنور معرفته ونفوس العابدين بنور عبادته . ( والجواب ) : أن هذا الكلام وأمثاله ليس باعتراض علينا وإنما هو ابتداء نقص حرمته منهم ؛ لما يظن أنه يلزمنا أو يظن أنا نقوله على الوجه الذي حكاه . وقد قال تعالى : { اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم } وقال النبي صلى الله عليه وسلم { إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث } . وإذا كان في الكلام إخبار عن الغير بأنه يقول أقوالا باطلة في العقل والشرع وفيه رد تلك الأقوال كان هذا كذبا وظلما ؛ فنعوذ بالله من ذلك . ثم مع كونه ظلما لنا يا ليته كان كلاما صحيحا مستقيما فكنا نحلله من حقنا ويستفاد ما فيه من العلم ولكن فيه من تحريف كتاب الله والإلحاد في آياته وأسمائه والكذب والظلم والعدوان الذي يتعلق بحقوق الله مما فيه ؛ لكن إن عفونا عن حقنا فحق الله إليه لا إلى غيره . ونحن نذكر من القيام بحق الله ونصر كتابه ودينه ما يليق بهذا الموضع ؛ فإن هذا الكلام الذي ذكره فيه من التناقض والفساد ما لا أظن تمكنه من ضبطه من وجوه . ( أحدها ) : أنه قال في أوله : النور كيفية قائمة بالجسمية . ثم قال في آخره : جسم لطيف شفاف فذكر في أول الكلام أنه عرض وصفة وفي آخره جسم وهو جوهر قائم بنفسه . ( الثاني ) : أنه ذكر عن المفسرين أنهم تأولوا ذلك بالهادي وضعف ذلك ثم ذكر في آخره أن من كلام العارفين أن " النور " هو الذي نور قلوب الصادقين بتوحيده ؛ وأسرار المحبين بتأييده وأحيا قلوب العارفين بنور معرفته وهذا هو معنى الهادي الذي ضعفه أولا فيضعفه أولا ويجعله من كلام العارفين وهي كلمة لها صولة في القلوب وإنما هو من كلام بعض المشايخ الذين يتكلمون بنوع من الوعظ الذي ليس فيه تحقيق . فإن الشيخ أبا عبد الرحمن ذكر في حقائق التفسير من الإشارات التي بعضها كلام حسن مستفاد وبعضها مكذوب على قائله مفترى كالمنقول عن جعفر وغيره وبعضها من المنقول الباطل المردود . فإن " إشارات المشايخ الصوفية " التي يشيرون بها : تنقسم إلى إشارة حالية - وهي إشارتهم بالقلوب - وذلك هو الذي امتازوا به وليس هذا موضعه . وتنقسم إلى الإشارات المتعلقة بالأقوال : مثل ما يأخذونها من القرآن ونحوه فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس ؛ وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص مثل الاعتبار والقياس ؛ الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام ؛ لكن هذا يستعمل في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك فإن كانت " الإشارة اعتبارية " من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة ؛ وإن كانت كالقياس الضعيف كان لها حكمه وإن كان تحريفا للكلام عن مواضعه وتأويلا للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية ؛ فتدبر هذا فإني قد أوضحت هذا في " قاعدة الإشارات " . ( الوجه الثالث ) في تناقضه فإنه قال : التأويل منقول عن ابن عباس وأنس وسالم ولم يذكر إلا ثلاثة أقوال : ( أحدها ) : أنه هادي أهل السموات والأرض وقد ضعف ذلك فإن كان المنقول هو هذا الضعيف فيا خيبة المسعى ؛ إذ لم ينقل عن السلف في جميع كلامه إلى هنا شيئا عن السلف إلا هذا الذي ضعفه وأوهاه . وإن كان المنقول عن هؤلاء الثلاثة أنه منور السموات بالكواكب كان متناقضا من وجه آخر وهو أنه قد ذكر فيما بعد أن هذا روي عن ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن أنه منورها بالشمس والقمر والنجوم وهذا يوجب أن يكون المنقول عن ابن عباس والاثنين أولا غير المنقول عنه في رواية أخرى وعمن ليس معه في الأولى . وإن كان نوره بالحجج الباهرة والأدلة كان متناقضا فإن هذا هو معنى " الهادي " : إذ نصبه للأدلة والحجج هي من هدايته وهو قد ضعف هذا القول فما أدري من أيهما العجب أمن حكايته القولين اللذين أحدهما داخل في معنى الآخر ؟ أم من تضعيفه لقول السائل الذي يوجب تضعيف الاثنين - وهو لا يدري أنه قد ضعفهما جميعا - فيجب على الإنسان أن يعرف معنى الأقوال المنقولة ويعرف أن الذي يضعفه ليس هو الذي عظمه . ( الوجه الرابع ) أنه قد تبين أنه لم ينقل عن ابن عباس وأنس وسالم إلا القول الذي ضعفه أو ما يدخل فيه ؛ فإنه إن كان قولهم : " الهادي " فقد صرح بضعفه وإن كان " مقيم الأدلة " فهو من معنى " الهادي " ؛ وإن كان " المنور بالكواكب " فقد جعله قولا آخر ؛ وإن كان ما ذكره عن بعض العارفين فهو أيضا داخل في " الهادي " ؛ وإذا كان قد اعترف بضعف ما حكاه عن ابن عباس وأنس وسالم لم يكن فيه حجة علينا ؛ فتبين أن ما ذكره عن " السلف " إما أن يكون مبطلا في نقله أو مفتريا بتضعيفه وعلى التقديرين لا حجة علينا بذلك . ( الوجه الخامس ) أنه أساء الأدب على السلف ؛ إذ يذكر عنهم ما يضعفه وأظهر للناس أن السلف كانوا يتأولون ليحتج بذلك على التأويل في الجملة وهو قد اعترف بضعف هذا التأويل ومن احتج بحجة وقد ضعفها وهو لا يعلم أنه ضعفها فقد رمى نفسه بسهمه ومن رمى بسهم البغي صرع به { والله لا يهدي القوم الظالمين } . ( الوجه السادس ) قوله : هذا يبطل دعواه أن " التأويل دفع الظاهر ولم ينقل عن السلف " فإن هذا القول لم أقله ؛ وإن كنت قلته فهو لم ينقل إلا ما عرف أنه ضعيف والضعيف لا يبطل شيئا فهذه الوجوه في بيان تناقضه وحكايته عنا ما لم نقله . وأما " بيان فساد الكلام " فنقول : أما قوله : " يجب تأويله قطعا " فلا نسلم أنه يجب تأويله ولا نسلم أن ذلك لو وجب قطعي ؛ بل جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم وهذا مذهب السلفية وجمهور الصفاتية من أهل الكلام والفقهاء والصوفية وغيرهم وهو قول أبي سعيد بن كلاب ذكره في الصفات ورد على الجهمية تأويل " اسم النور " وهو شيخ المتكلمين الصفاتية من الأشعرية - الشيخ الأول - وحكاه عنه أبو بكر بن فورك في كتاب " مقالات ابن كلاب " ، والأشعري ولم يذكرا تأويله إلا عن الجهمية المذمومين باتفاق وهو أيضا قول أبي الحسن الأشعري ذكره في " الموجز " . وأما قوله : إن هذا ورد في الأسماء الحسنى فالحديث الذي فيه ذكر ذلك هو حديث الترمذي روى الأسماء الحسنى في " جامعه " من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ورواها ابن ماجه في سننه من طريق مخلد بن زياد القطواني ؛ عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة . وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كل منهما من كلام بعض السلف فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرا في بعض طرق حديثه . ولهذا اختلفت أعيانهما عنه ؛ فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى ؛ لأن الذين جمعوها قد كانوا يذكرون هذا تارة وهذا تارة ؛ واعتقدوا - هم وغيرهم - أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئا معينا ؛ بل من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه كالأحد والواحد ؛ فإن في رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عنه رواها عثمان بن سعيد " الأحد " بدل " الواحد " و " المعطي " بدل " المغني " وهما متقاربان وعند الوليد هذه الأسماء بعد أن روى الحديث عن خليد بن دعلج عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة . ثم قال هشام : وحدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال : كلها في القرآن { هو الله الذي لا إله إلا هو } . . . مثل ما ساقها الترمذي لكن الترمذي رواها عن طريق صفوان بن صالح عن الوليد عن شعيب وقد رواها ابن أبي عاصم وبين ما ذكره هو والترمذي خلاف في بعض المواضع وهذا كله مما يبين لك أنها من الموصول المدرج في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الطرق ؛ وليست من كلامه . ولهذا جمعها " قوم آخرون " على غير هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم ؛ كما قد ذكرت ذلك فيما تكلمت به قديما على هذا ؛ وهذا كله يقتضي أنها عندهم مما يقبل البدل ؛ فإن الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين . قالوا : - ومنهم الخطابي - قوله : { إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها } التقييد بالعدد عائد إلى الأسماء الموصوفة بأنها هي هذه الأسماء . فهذه الجملة وهي قوله : { من أحصاها دخل الجنة } صفة للتسعة والتسعين ليست جملة مبتدأة ولكن موضعها النصب ويجوز أن تكون مبتدأة والمعنى لا يختلف والتقدير أن لله أسماء بقدر هذا العدد من أحصاها دخل الجنة كما يقول القائل : إن لي مائة غلام أعددتهم للعتق وألف درهم أعددتها للحج فالتقييد بالعدد هو في الموصوف بهذه الصفة لا في أصل استحقاقه لذلك العدد ؛ فإنه لم يقل إن أسماء الله تسعة وتسعون . قال : ويدل على ذلك قوله في الحديث الذي رواه أحمد في المسند : { اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك } فهذا يدل على أن لله أسماء فوق تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين . وأيضا فقوله : { إن لله تسعة وتسعين } تقييده بهذا العدد بمنزلة قوله تعالى { تسعة عشر } فلما استقلوهم قال : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } فأن لا يعلم أسماءه إلا هو أولى ؛ وذلك أن هذا لو كان قد قيل منفردا لم يفد النفي إلا بمفهوم العدد الذي هو دون مفهوم الصفة والنزاع فيه مشهور وإن كان المختار عندنا أن التخصيص بالذكر - بعد قيام المقتضي للعموم - يفيد الاختصاص بالحكم فإن العدول عن وجوب التعميم إلى التخصيص إن لم يكن للاختصاص بالحكم وإلا كان تركا للمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع . فقوله : { إن لله تسعة وتسعين } قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد غير الحصر . و ( منها ) ذكر أن إحصاءها يورث الجنة ؛ فإنه لو ذكر هذه الجملة منفردة وأتبعها بهذه منفردة لكان حسنا ؛ فكيف والأصل في الكلام الاتصال وعدم الانفصال فتكون الجملة الشرطية صفة ؛ لا ابتدائية . فهذا هو الراجح في العربية مع ما ذكر من الدليل . ولهذا قال : { إنه وتر يحب الوتر } ومحبته لذلك تدل على أنه متعلق بالإحصاء ؛ أي يحب أن يحصى من أسمائه هذا العدد ؛ وإذا كانت أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين أمكن أن يكون إحصاء تسعة وتسعين اسما يورث الجنة مطلقا على سبيل البدل ؛ فهذا يوجه قول هؤلاء وإن كان كثير من الناس يجعلها أسماء معينة ؛ ثم من هؤلاء من يقول : ليس إلا تسعة وتسعين اسما فقط وهو قول ابن حزم وطائفة والأكثرون منهم يقولون : وإن كانت أسماء الله أكثر ؛ لكن الموعود بالجنة لمن أحصاها هي معينة وبكل حال : فتعيينها ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه ؛ ولكن روي في ذلك عن السلف أنواع : من ذلك ما ذكره الترمذي . ومنها غير ذلك . فإذا عرف هذا : فقوله في أسمائه الحسنى " النور الهادي " لو نازعه منازع في ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن له حجة ولكن جاء ذلك في أحاديث صحاح مثل قوله في الحديث الذي في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : { اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن } الحديث . وفي صحيح مسلم عن { أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال : نور أنى أراه ؟ أو قال : رأيت نورا } . فالذي في القرآن والحديث الصحيح إضافة النور كقوله : { الله نور السماوات والأرض } أو { نور السماوات والأرض } ومن فيهن . وأما قوله : " إذ النور كيفية قائمة " فنقول : النور المخلوق محسوس لا يحتاج إلى بيان كيفية لكنه نوعان : أعيان وأعراض . " فالأعيان " هو نفس جرم النار حيث كانت - نور السراج والمصباح الذي في الزجاجة وغيره - وهي النور الذي ضرب الله به المثل ، ومثل القمر فإن الله سماه نورا فقال : { جعل الشمس ضياء والقمر نورا } ولا ريب أن النار جسم لطيف شفاف . " وأعراض " مثل ما يقع من شعاع الشمس والقمر والنار على الأجسام الصقيلة وغيرها فإن المصباح إذا كان في البيت أضاء جوانب البيت فذلك النور والشعاع الواقع على الجدر والسقف والأرض هو عرض وهو كيفية قائمة بالجسم . وقد يقال : ليس الصفة القائمة بالنار والقمر ونحوهما نورا فيكون الاسم على الجوهر تارة وعلى صفة أخرى ؛ ولهذا يقال لضوء النهار نور كما قال تعالى : { وجعل الظلمات والنور } ومن هذا تسمية الليل ظلمة والنهار نورا فإنهما عرضان وقد قيل : هما جوهران ؛ وليس هذا موضع بسط ذلك . فتبين أن اسم النور يتناول هذين والمعترض ذكر أولا حد " العرض " وذكر ثانيا حد " الجسم " فتناقض وكأنه أخذ ذلك من كلامي ولم يهتد لوجه الجمع . وكذلك اسم " الحق " يقع على ذات الله تعالى وعلى صفاته القدسية كقول النبي صلى الله عليه وسلم { أنت الحق وقولك الحق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق } . وأما قول المعترض : النور ضد الظلمة وجل الحق أن يكون له ضد . فيقال له : لم تفهم معنى الضد المنفي عن الله ؛ فإن " الضد " يراد به ما يمنع ثبوت الآخر كما يقال في الأعراض المتضادة مثل السواد والبياض . ويقول الناس : الضدان لا يجتمعان ويمتنع اجتماع الضدين ؛ وهذا التضاد عند كثير من الناس لا يكون إلا في " الأعراض " وأما " الأعيان " فلا تضاد فيها ؛ فيمتنع عند هذا أن يقال : لله ضد أو ليس له ضد ؛ ومنهم من يقول يتصور التضاد فيها والله تعالى ليس له ضد يمنع ثبوته ووجوده بلا ريب ؛ بل هو القاهر الغالب الذي لا يغلب . وقد يراد " بالضد " المعارض لأمره وحكمه وإن لم يكن مانعا من وجود ذاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره } رواه أبو داود . وتسمية المخالف لأمره وحكمه ضدا كتسميته عدوا . وبهذا الاعتبار فالمعادون المضادون لله كثيرون ؛ فأما على التفسير الأول فلا ريب أنه ليس في نفس الأمر مضاد لله ؛ لكن التضاد يقع في نفس الكفار فإن الباطل ضد الحق والكذب ضد الصدق ؛ فمن اعتقد في الله ما هو منزه عنه كان هذا ضدا للإيمان الصحيح به . وأما قوله : النور ضد الظلمة - وجل الحق أن يكون له ضد - فيقال له : والحي ضد الميت والعليم ضد الجاهل والسميع والبصير والذي يتكلم ضد الأصم الأعمى الأبكم وهكذا سائر ما سمي الله به من الأسماء لها أضداد وهو منزه عن أن يسمى بأضدادها فجل الله أن يكون ميتا أو عاجزا أو فقيرا ونحو ذلك . وأما وجود مخلوق له موصوف بضد صفته : مثل وجود الميت والجاهل والفقير والظالم فهذا كثير ؛ بل غالب أسمائه لها أضداد موجودة في الموجودين . ولا يقال لأولئك إنهم أضداد الله ولكن يقال إنهم موصوفون بضد صفات الله ؛ فإن التضاد بين الصفات إنما يكون في المحل الواحد لا في محلين فمن كان موصوفا بالموت ضادته الحياة ومن كان موصوفا بالحياة ضاده الموت والله سبحانه يمتنع أن يكون ظلمة أو موصوفا بالظلمة كما يمتنع أن يكون ميتا أو موصوفا بالموت . فهذا المعترض أخذ لفظ " الضد بالاشتراك " ولم يميز بين الضد الذي يضاد ثبوته ثبوت الحق وصفاته وأفعاله وبين أن يكون في مخلوقاته ما هو موصوف بضد صفاته وبين ما يضاده في أمره ونهيه فالضد الأول هو الممتنع وأما الآخران فوجودهما كثير ؛ لكن لا يقال إنه ضد لله فإن المتصف بضد صفاته لم يضاده . والذين قالوا " النور ضد الظلمة " قالوا يمتنع اجتماعهما في عين واحدة لم يقولوا : إنه يمتنع أن يكون شيء موصوفا بأنه نور وشيء آخر موصوفا بأنه ظلمة ؛ فليتدبر العاقل هذا التعطيل والتخليط . وأما قوله : لو كان نورا لم يجز إضافته إلى نفسه في قوله : { مثل نوره } فالكلام عليه من طريقين : ( أحدهما ) أن نقول : النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السموات والأرض وقد أخبر النص أن الله نور وأخبر أيضا أنه يحتجب بالنور ؛ فهذه ثلاثة أنوار في النص وقد تقدم ذكر الأول . ( وأما الثاني ) فهو في قوله : { وأشرقت الأرض بنور ربها } وفي قوله : { مثل نوره } وفيما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل . } ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء الطائف : { أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك } رواه الطبراني وغيره . ومنه قول ابن مسعود : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه . ومنه قوله : ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه } . فهذا الحديث فيه ذكر حجابه . فإن تردد الراوي في لفظ النار والنور لا يمنع ذلك فإن مثل هذه النار الصافية التي كلم بها موسى يقال لها نار ونور كما سمى الله نار المصباح نورا بخلاف النار المظلمة كنار جهنم فتلك لا تسمى نورا . فالأقسام ثلاثة : " إشراق بلا إحراق " وهو النور المحض كالقمر . و " إحراق بلا إشراق " وهي النار المظلمة . و " ما هو نار ونور " كالشمس ونار المصابيح التي في الدنيا توصف بالأمرين ؛ وإذا كان كذلك صح أن يكون نور السموات والأرض وأن يضاف إليه النور وليس المضاف هو عين المضاف إليه . ( الطريق الثاني ) أن يقال : هذا يرد عليكم لا يختص بمن يسميه بما سمى به نفسه وبينه ؛ فأنت إذا قلت : " هاد " أو " منور " أو غير ذلك : فالمسمى " نورا " هو الرب نفسه ؛ ليس هو النور المضاف إليه . فإذا قلت : " هو الهادي فنوره الهدى " جعلت أحد النورين عينا قائمة والآخر صفة ؛ فهكذا يقول من يسميه نورا ؛ وإذا كان السؤال يرد على القولين والقائلين كان تخصيص أحدهما بأنه مخالف لقوله ظلما ولددا في المحاجة أو جهلا وضلالا عن الحق . وأما ما ذكره من الأقوال : فلا ريب أن للناس فيها من الأقوال أكثر مما ذكره والموجود بأيدي الأمة من الروايات الصادقة والكاذبة والآراء المصيبة والمخطئة لا يحصيه إلا الله والكلام في " تفسير أسماء الله وصفاته وكلامه " فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا رب العالمين وإنما الشأن في الحق والعلم والدين . وقد كتبت قديما في بعض كتبي لبعض الأكابر : إن العلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول فالشأن في أن نقول علما وهو النقل المصدق والبحث المحقق فإن ما سوى ذلك - وإن زخرف مثله بعض الناس - خزف مزوق وإلا فباطل مطلق مثل ما ذكره في هذه الآية وغيرها . وهذه الكتب التي يسميها كثير من الناس " كتب التفسير " فيها كثير من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأي المجرد ؛ بل بمجرد شبهة قياسية أو شبهة أدبية . فالمفسرون الذين ينقل عنهم لم يسمهم ومع هذا فقد ضعف قولهم بالباطل فإن القوم فسروا النور في الآية : بأنه الهادي ؛ لم يفسروا النور في الأسماء الحسنى والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح تضعيف قولهم بما ضعفه . ونحن إنما ذكرنا ذلك لبيان تناقضه وأنه لا يحتج علينا بشيء يروج على ذي لب فإن التناقض أول مقامات الفساد وهذا التفسير قد قاله طائفة من المفسرين . وأما كونه ثابتا عن ابن عباس أو غيره فهذا مما لم نثبته . ومعلوم أن في " كتب التفسير " من النقل عن ابن عباس من الكذب شيئا كثيرا من رواية الكلبي عن أبي صالح وغيره فلا بد من تصحيح النقل لتقوم الحجة فليراجع " كتب التفسير " التي يحرر فيها النقل مثل تفسير محمد بن جرير الطبري الذي ينقل فيه كلام السلف بالإسناد - وليعرض عن تفسير مقاتل والكلبي - وقبله تفسير بقي بن مخلد الأندلسي وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الشامي وعبد بن حميد الكشي وغيرهم إن لم يصعد إلى تفسير الإمام إسحاق بن راهويه وتفسير الإمام أحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة الذين هم أعلم أهل الأرض بالتفاسير الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين كما هم أعلم الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين في الأصول والفروع وغير ذلك من العلوم . فإما أن يثبت أصلا يجعله قاعدة بمجرد رأي فهذا إنما ينفق على الجهال بالدلائل الأغشام في المسائل ؛ وبمثل هذه المنقولات - التي لا يميز صدقها من كذبها والمعقولات التي لا يميز صوابها من خطئها - ضل من ضل من أهل المشرق في الأصول والفروع والفقه والتصوف . وما أحسن ما جاء هذا في آية النور التي قال الله تعالى فيها : { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } نسأل الله أن يجعل لنا نورا . ثم نقول : هذا القول الذي قاله بعض المفسرين في قوله : { الله نور السماوات والأرض } أي هادي أهل السموات والأرض لا يضرنا ولا يخالف ما قلناه فإنهم قالوه في تفسير الآية التي ذكر النور فيها مضافا ؛ لم يذكروه في تفسير نور مطلق كما ادعيت أنت من ورود الحديث به ؛ فأين هذا من هذا ؟ . ثم قول من قال من السلف : هادي أهل السموات والأرض لا يمنع أن يكون في نفسه نورا : فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض " صفات المفسر " من الأسماء أو بعض أنواعه ؛ ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى بل قد يكونان متلازمين ولا دخول لبقية الأنواع فيه . وهذا قد قررناه غير مرة في القواعد المتقدمة ومن تدبره علم أن أكثر أقوال السلف في التفسير متفقة غير مختلفة . مثال ذلك قول بعضهم في { الصراط المستقيم } إنه الإسلام وقول آخر : إنه القرآن وقول آخر : إنه السنة والجماعة وقول آخر : إنه طريق العبودية . فهذه كلها صفات له متلازمة لا متباينة ؛ وتسميته بهذه الأسماء بمنزلة تسمية القرآن والرسول بأسمائه : بل بمنزلة أسماء الله الحسنى . ومثال " الثاني " قوله تعالى { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } فذكر منهم صنفا من الأصناف والعبد يعم الجميع . فالظالم لنفسه المخل ببعض الواجب والمقتصد القائم به والسابق المتقرب بالنوافل بعد الفرائض . وكل من الناس يدخل في هذا بحسب طريقه في التفسير والترجمة : ببيان النوع والجنس ؛ ليقرب الفهم على المخاطب كما لو قال الأعجمي ما الخبز ؟ فقيل له : هذا وأشير إلى الرغيف . فالغرض الجنس لا هذا الشخص . فهكذا تفسير كثير من السلف وهو من جنس التعليم . فقول من قال : { الله نور السماوات والأرض } هادي أهل السموات والأرض كلام صحيح فإن من معاني كونه نور السموات والأرض أن يكون هاديا لهم ؛ أما إنهم نفوا ما سوى ذلك فهذا غير معلوم وأما إنهم أرادوا ذلك فقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه . وقد تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر نور وجهه . وفي رواية " النور " ما فيه كفاية ؛ فهذا بيان معنى غير الهداية . وقد أخبر الله في كتابه أن الأرض تشرق بنور ربها فإذا كانت تشرق من نوره كيف لا يكون هو نورا ؟ ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه إضافة خلق وملك واصطفاء - كقوله { ناقة الله } ونحو ذلك - لوجوه : ( أحدها ) أن النور لم يضف قط إلى الله إذا كان صفة لأعيان قائمة فلا يقال في المصابيح التي في الدنيا ؛ إنها نور الله ولا في الشمس والقمر وإنما يقال كما قال عبد الله بن مسعود : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم { أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة } . ( الثاني ) أن الأنوار المخلوقة كالشمس والقمر تشرق لها الأرض في الدنيا وليس من نور إلا وهو خلق من خلق الله وكذلك من قال : منور السموات والأرض لا ينافي أنه نور وكل منور نور فهما متلازمان . ثم إن الله تعالى ضرب مثل نوره الذي في قلوب المؤمنين بالنور الذي في المصباح وهو في نفسه نور وهو منور لغيره فإذا كان نوره في القلوب هو نور وهو منور فهو في نفسه أحق بذلك وقد علم أن كل ما هو نور فهو منور . وأما قول من قال : معناه منور السموات بالكواكب : فهذا إن أراد به قائله : أن ذلك من معنى كونه نور السموات وأنه أراد به ليس لكونه نور السموات والأرض معنى إلا هذا فهو مبطل ؛ لأن الله أخبر أنه نور السموات والأرض ؛ والكواكب لا يحصل نورها في جميع السموات والأرض . وأيضا فإنه قال : { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } فضرب المثل لنوره الموجود في قلوب المؤمنين ؛ فعلم أن النور الموجود في قلوب المؤمنين نور الإيمان والعلم مراد من الآية ؛ لم يضربها على النور الحسي الذي يكون للكواكب وهذا هو الجواب عما رواه عن ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن بعد المطالبة بصحة النقل والظن ضعفه عن ابن عباس لأنهم جعلوا ذلك من معاني النور أما إنهم يقولون قوله : { الله نور السماوات والأرض } ليس معناه إلا التنوير بالشمس والقمر والنجوم فهذا باطل قطعا . وقد قال صلى الله عليه وسلم { أنت نور السموات والأرض ومن فيهن } ومعلوم أن العميان لا حظ لهم في ذلك ومن يكون بينه وبين ذلك حجاب لا حظ له في ذلك والموتى لا نصيب لهم من ذلك وأهل الجنة لا نصيب لهم من ذلك فإن الجنة ليس فيها شمس ولا قمر ؛ كيف وقد روي أن أهل الجنة يعلمون الليل والنهار بأنوار تظهر من العرش مثل ظهور الشمس لأهل الدنيا فتلك الأنوار خارجة عن الشمس والقمر . وأما قوله : قد قيل : بالأدلة والحجج فهذا بعض معنى الهادي وقد تقدم الكلام على قوله : " هذا يبطل قوله إن التأويل دفع للظاهر ولم ينقل عن السلف " فإن هذا الكلام مكذوب علي وقد ثبت تناقض صاحبه وأنه لم يذكر عن السلف إلا ما اعترف بضعفه . وأما الذي أقوله الآن وأكتبه - وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي وإنما أقوله في كثير من المجالس - أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها . وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ؛ بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله . وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيئا كثيرا . وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى { يوم يكشف عن ساق } فروي عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات ؛ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين . ولا ريب أن ظاهر القرآن [ لا ] يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال : { يوم يكشف عن ساق } نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر ومثل هذا ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف ؛ ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولا له ثم يريدون صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلا ، وهذا خطأ من وجهين كما قدمناه غير مرة . وأما قوله : " لو كان نورا حقيقة - كما تقوله المشبهة - لوجب أن يكون الضياء ليلا ونهارا على الدوام " : فنحن نقول بموجب ما ذكره من هذا القول . فإن المشبهة يقولون : إنه نور كالشمس ؛ والله تعالى { ليس كمثله شيء } فإنه ليس كشيء من الأنوار كما أن ذاته ليست كشيء من الذوات ؛ لكن ما ذكره حجة عليه فإنه يمكن أن يكون نورا يحجبه عن خلقه كما قال في الحديث : { حجابه النور - أو النار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه } . لكن هنا غلط في النقل وهو إضافة هذا القول إلى المشبهة فإن هذا من أقوال الجهمية المعطلة أيضا كالمريسي فإنه كان يقول . إنه نور وهو كبير الجهمية ؛ وإن كان قصده بالمشبهة من أثبت أن الله نور حقيقة فالمثبتة للصفات كلهم عنده مشبهة وهذه " لغة الجهمية المحضة " يسمون كل من أثبت الصفات مشبها . فقد قدمنا أن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ذكرا أن نفي كونه نورا في نفسه هو قول الجهمية والمعتزلة وأنهما أثبتا أنه نور وقررا ذلك هما وأكابر أصحابهما فكيف بأهل الحديث وأئمة السنة . وأول هؤلاء المؤمنين بالله وبأسمائه وصفاته رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال الذي عارض به المعترض فقال صلى الله عليه وسلم { حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه } . فأخبر أنه حجب عن المخلوقات بحجابه النور أن تدركها سبحات وجهه وأنه لو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه فهذا الحجاب عن إحراق السبحات يبين ما يرد في هذا المقام . وأما ما ذكره عن ابن عباس في روايته الأخرى فمعناه بعض الأنوار الحسية وما ذكره من كلام العارفين ؛ فهو بعض معاني هدايته لعباده وإنما ذلك تنويع بعض الأنواع بحسب حاجة المخاطبين كما ذكرناه من عادة السلف أن يفسروها بذكر بعض الأنواع يقع على سبيل التمثيل لحاجة المخاطبين لا على سبيل الحصر والتحديد . فقد تبين أن جميع ما ذكر من الأقوال يرجع إلى معنيين من معاني كونه نور السموات والأرض وليس في ذلك دلالة على أنه في نفسه ليس بنور .

(2/52)


سئل الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنها - عن قول النبي صلى الله عليه وسلم { الحجر الأسود يمين الله في الأرض } وقوله : { إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن } وقوله : { ثم استوى على العرش } وقوله : { يد الله فوق أيديهم } وقوله : { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا }
الجواب
. ( فأجاب ) : رحمه الله أما الحديث الأول : فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت والمشهور إنما هو عن ابن عباس قال : { الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه } ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره فإنه قال : { يمين الله في الأرض } فقيده بقوله { في الأرض } ولم يطلق فيقول يمين الله وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق . ثم قال : { فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه } ومعلوم أن المشبه غير المشبه به ؛ وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلا ولكن شبه بمن يصافح الله فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتا يطوفون به : جعل لهم ما يستلمونه ؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء فإن ذلك تقريب للمقبل وتكريم له كما جرت العادة والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه إضلال الناس [ بل لا بد ] من أن يبين لهم ما يتقون ؛ فقد بين لهم في الحديث ما ينفي من التمثيل . وأما ( الحديث الثاني ) : فقوله { من اليمن } يبين مقصود الحديث فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه الذين قال فيهم : { من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } . وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية : سئل عن هؤلاء ؛ فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري ؛ وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله : { أتاكم أهل اليمن أرق قلوبا وألين أفئدة ؛ الإيمان يماني والحكمة يمانية } وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة وفتحوا الأمصار فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات ومن خصص ذلك بأويس فقد أبعد . وأما الآية : فقد استفاض أنه سئل عنها مالك بن أنس وقال له السائل : { الرحمن على العرش استوى } كيف استوى ؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ؛ ثم قال : الاستواء معلوم ؛ والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ؛ وما أراك إلا مبتدعا . ثم أمر به فأخرج . وجميع أئمة الدين : كابن الماجشون والأوزاعي والليث بن سعد وحماد بن زيد والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم : كلامهم يدل على ما دل عليه كلام مالك ؛ من أن العلم بكيفية الصفات ليس بحاصل لنا لأن العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف فإذا كان الموصوف لا تعلم كيفيته امتنع أن تعلم كيفية الصفة . ومتى جنب المؤمن طريق التحريف والتعطيل وطريق التمثيل : سلك سواء السبيل ؛ فإنه قد علم بالكتاب والسنة والإجماع : ما يعلم بالعقل أيضا أن الله تعالى { ليس كمثله شيء } لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فلا يجوز أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين ؛ [ لأنه متصف ] بغاية الكمال منزه عن جميع النقائص فإنه سبحانه غني عن ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه ومن زعم أن القرآن دل على ذلك فقد كذب على القرآن ؛ ليس في كلام الله سبحانه ما يوجب وصفه بذلك ؛ بل قد يؤتى الإنسان من سوء فهمه فيفهم من كلام الله ورسوله معاني يجب تنزيه الله سبحانه عنها ولكن حال المبطل مع كلام الله ورسوله كما قيل : - وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم ويجب على أهل العلم أن يبينوا نفي ما يظنه الجهال من النقص في صفات الله تعالى وأن يبينوا صون كلام الله ورسوله عن الدلالة على شيء من ذلك وأن القرآن بيان وهدى وشفاء ؛ وإن ضل به من ضل فإنه من جهة تفريطه ؛ كما قال تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } وقوله : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى } .

(2/53)


قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - قدس الله روحه - الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما . حديث { رؤية المؤمنين ربهم في الجنة في مثل يوم الجمعة من أيام الدنيا } رواه أبو الحسن الدارقطني في كتابه في الرؤية - وما علمنا أحدا جمع في هذا الباب أكثر من كتاب أبي بكر الآجري وأبي نعيم الحافظ الأصبهاني - رواه من حديث أنس مرفوعا ومن حديث ابن مسعود موقوفا ورواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعا . فأما حديث أنس فرواه الدارقطني من خمس طرق أو ست طرق في غالبها { إن الرؤية تكون بمقدار صلاة الجمعة في الدنيا } وصرح في بعضها : { بأن النساء يرينه في الأعياد } . وأما حديث ابن مسعود ففي جميع طرقه - مرفوعها وموقوفها - التصريح بذلك ؛ وإسناد حديث ابن مسعود أجود من جميع أسانيد هذا الباب . ورواه أبو عبد الله بن بطة في " الإبانة " بإسناد آخر من حديث أنس أجود من غيره وذكر فيه : { وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة } . ورواه أبو أحمد بن عدي من حديث صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أنس وما أعلم لفظه . ورواه أبو عمرو الزاهد بإسناد آخر لم يحضرني لفظه . ورواه أبو العباس السراج حدثنا علي بن أشيب حدثنا أبو بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن مسلم عن أنس بن مالك وليس فيه الزيادة . ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن عن علي بن الحكم البناني عن أنس نحوه ولا أعلم لفظه . ورواه أبو بكر البزار وأبو بكر الخلال وابن بطة من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعا ولم يذكر فيه هذه الزيادة لكن قال في آخره : { فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه } - قال - وذلك قول الله في كتابه : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } . ورواه الآجري وابن بطة أيضا مرفوعا من حديث ابن عباس وفيه : { وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدوا } . وله طريق آخر من حديث أبي هريرة ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الحميد بن أبي العشرين عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي هريمان وقال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد روى سويد بن عمرو عن الأوزاعي شيئا من هذا وقالوا : ورواه سويد بن عبد العزيز عن الأوزاعي قال : قال : حديث عن سعيد . وروي أيضا معناه عن كعب الأحبار موقوفا وفيه معنى الزيادة . وأصل حديث { سوق الجنة } قد رواه مسلم في صحيحه ولم يذكر فيه الرؤية وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر ؛ بل قد يقتضي القطع بها . وأيضا فقد روي عن " الصحابة " و " التابعين " ما يوافق ذلك ومثل هذا لا يقال بالرأي ؛ وإنما يقال بالتوقيف . فروى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن المبارك أخبرنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : { سارعوا إلى الجمعة فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور فيكونون في قرب منه على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا } وأيضا بإسناد صحيح إلى شبابة بن سوار عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال : { سارعوا إلى الجمعة فإن الله عز وجل يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون في الدنو منه على مقدار مسارعتهم في الدنيا إلى الجمعة فيحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه فيما خلا . } قال : وكان عبد الله بن مسعود لا يسبقه أحد إلى الجمعة قال : فجاء يوما وقد سبقه رجلان فقال : رجلان وأنا الثالث إن الله يبارك في الثالث . ورواه ابن بطة بإسناد صحيح من هذا الطريق وزاد فيه : { ثم يرجعون إلى أهليهم فيحدثونهم بما قد أحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه فيما خلا } هذا إسناد حسن حسنه الترمذي وغيره . ويقال إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه وهذه حال متكررة من عبد الله - رضي الله عنه - فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل إنه لم يسمع من أبيه . وقد روي هذا عن ابن مسعود من وجه آخر رواه ابن بطة في " الإبانة " بإسناد صحيح عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن عمرو بن قيس إلى عبد الله بن مسعود قال : { إن الله يبرز لأهل جنته في كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون في الدنو منه كتسارعهم إلى الجمعة فيحدث لهم من الحياة والكرامة ما لم يروا قبله } . وروي عن ابن مسعود من " وجه ثالث " رواه سعيد في سننه : حدثنا فرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة عن ابن مسعود أنه كان يقول : { بكروا في الغدو في الدنيا إلى الجمعات ؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة على كثيب من كافور أبيض فيكون الناس منه في الدنو كغدوهم في الدنيا إلى الجمعة } . وهذا الذي أخبر به ابن مسعود أمر لا يعرفه إلا نبي أو من أخذه عن نبي فيعلم بذلك أن ابن مسعود أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يكون أخذه عن أهل الكتاب لوجوه : ( أحدها ) : أن الصحابة قد نهوا عن تصديق أهل الكتاب فيما يخبرونهم به : فمن المحال أن يحدث ابن مسعود رضي الله عنه بما أخبر به اليهود على سبيل التعليم ويبني عليه حكما . ( الثاني ) : أن ابن مسعود - رضي الله عنه - خصوصا كان من أشد الصحابة - رضي الله عنهم - إنكارا لمن يأخذ من أحاديث أهل الكتاب . ( الثالث ) : أن الجمعة لم تشرع إلا لنا والتبكير فيها ليس إلا في شريعتنا فيبعد مثل أخذ هذا عن الأنبياء المتقدمين ويبعد أن اليهودي يحدث بمثل هذه الفضيلة لهذه الأمة وهم الموصوفون بكتمان العلم والبخل به وحسد هذه الأمة . ورواه ابن ماجه في سننه من وجه آخر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن { علقمة قال : خرجت مع عبد الله بن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال : رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس يجلسون من الله يوم الجمعة على قدر رواحهم إلى الجمعة الأول والثاني والثالث ثم قال : رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد } . وهذا الحديث مما استدل به العلماء على استحباب التبكير إلى الجمعة وقد ذكروا هذا المعنى من جملة معاني قوله : { والسابقون السابقون } قال بعضهم : السابقون في الدنيا إلى الجمعات هم السابقون في يوم المزيد في الآخرة أو كما قال ؛ فإنه لم يحضرني لفظه وتأييد ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم المخرج في الصحيحين : { نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع : اليهود غدا والنصارى بعد غد } فإنه جعل سبقنا لهم في الآخرة لأجل أنا أوتينا الكتاب من بعدهم فهدينا لما اختلفوا فيه من الحق حتى صرنا سابقين لهم إلى التعبيد فكما سبقناهم إلى التعبيد في الدنيا نسبقهم إلى كرامته في الآخرة . وأما " حديث أنس " - وهو أشهر الأحاديث - فيما يكون يوم الجمعة في الآخرة من زيارة الله ورؤيته وإتيان سوق الجنة فأصح حديث عنه ما رواه مسلم في صحيحه عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم : والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون : وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا } . فهذا ليس فيه إلا أنهم يأتون السوق وفيه يزدادون حسنا وجمالا وأن أهليهم ازدادوا أيضا في غيبتهم عنهم حسنا وجمالا وإن كانوا لم يأتوا سوق الجنة . وإن كانت زيادة بعض الحديث على بعض غير مقبولة ؛ بل يجعل نوع تعارض ؟ فينبغي أن لا يقبل في الباب حديث برؤية الله يوم الجمعة ؛ لأنه ليس فيها شيء يقاوم حديث أنس هذا فإنه هو الذي أخرجه أصحاب الصحيح دون الجميع ؛ بل قد يقال : لو كانت رؤية الله خاصة وأن زيادة الوجوه حسنا وجمالا كان عنها لأخبر به في هذا الحديث بل قد يقال : ظاهره أن زيادة الحسن والجمال إنما كان من الريح التي تهب في وجوههم وثيابهم . وإن كان الواجب أن يقال : ما في تلك الأحاديث من الزيادات لا ينافي هذا - وإن كان هذا أصح - فإن الترجيح إنما يكون عند التنافي وأما إذا أخبر في أحد الحديثين بشيء وأخبر في الآخر بزيادة أخرى لا تنافيها كانت تلك الزيادة بمنزلة خبر مستقل فهذا هو الصواب . وليس هذا مما اختلف فيه الفقهاء من الزيادة في النص هل هي نسخ ؟ فإن ذلك إنما هو في " الأحكام " التي هي الأمر والنهي والإباحة وتوابعها : مثل ما قال الله تعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } وقال النبي صلى الله عليه وسلم { البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام } وقال لآخر : { على ابنك جلد مائة وتغريب عام } فهنا اختلف العلماء هل هذه الزيادة نسخ لقوله : { الزانية والزاني فاجلدوا } ؟ مع أن الجمهور على أنها ليست بنسخ وهو الصحيح كما هو مقرر في موضعه . وأما زيادة أحد الخبرين على الآخر في " الأخبار المحضة " فهذا مما لم يختلف المسلمون أنه ليس بنسخ وأنه لا ترد الزيادة إذا لم تناف المزيد ؛ فإن رجلا لو قال : رأيت رجلا ثم قال : رأيت رجلا عاقلا أو عالما لم يكن بين الكلامين منافاة ؛ ففرق بين الإطلاق والتقييد والتجريد والزيادة في " الأمور الطلبية " ؛ وبين ذلك في " الأمور الخبرية " . وإذا كان كذلك فيقال : قد جاء في أحاديث أخر أن " السوق " يكون بعد " رؤية الله سبحانه " كما أن العادة في الدنيا أنهم ينتشرون في الأرض ويبتغون من فضل الله بعد زيارة الله والتوجه إليه في الجمعة . وما في هذا الحديث من " ازدياد وجوههم حسنا وجمالا " لا يقتضي انحصار ذلك في الريح فإن أزواجهم قد ازدادوا حسنا وجمالا ولم يشركوهم في الريح ؛ بل يجوز أن يكون حصل في الريح زيادة على ما حصل لهم قبل ذلك ويجوز أن يكون هذا الحديث مختصرا من بقية الأحاديث بأن سبب الازدياد " رؤية الله تعالى " مع ما اقترن بها . وعلى هذا فيمكن أن يكون " نساؤهم المؤمنات " رأين الله في منازلهن في الجنة " رؤية " اقتضت زيادة الحسن والجمال - إذا كان السبب هو الرؤية كما جاء مفسرا في أحاديث أخر - كما أنهم في الدنيا كان الرجال يروحون إلى المساجد فيتوجهون إلى الله هنالك والنساء في بيوتهن يتوجهن إلى الله بصلاة الظهر ؛ والرجال يزدادون نورا في الدنيا بهذه الصلاة وكذلك النساء يزددن نورا بصلاتهن كل بحسبه ؛ والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن بل كل عبد يراه مخليا به في وقت واحد كما جاء في غير حديث بل قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض مخلوقاته - وهو القمر - يراه كل واحد مخليا به إذا شاء . إذا تلخص ذلك . فنقول : " الأحاديث الزائدة على هذا الحديث " في بعضها ذكر الرؤية في الجمعة وليس فيه ذكر تقدير ذلك بصلاة الجمعة في الدنيا كما في حديث أبي هريرة حديث سوق الجنة وفي بعضها أنهم يجلسون من الله يوم الجمعة في الآخرة على قدر رواحهم إلى الجمعة في الدنيا ؛ وليس فيه ذكر الرؤية - كما تقدم في حديث ابن مسعود المرفوع - وفي بعضها ذكر الأمرين جميعا وهي أكثر الأحاديث . وليست الأحاديث المتضمنة " للرؤية المجردة " عن تقدير ذلك بصلاة الجمعة بدون الأحاديث المتضمنة لذلك : لا في الكثرة ولا في قوة الأسانيد ؛ بل المتضمنة لذلك أكثر منها وإسناد بعضها أجود من إسناد تلك ولو كانت تلك أكثر ورويت هذه الزيادة بإسناد واحد - من جنس تلك الأسانيد - لكان حكمها في القبول والرد كحكم المزيد ؛ لعدم المنافاة . ولو فرض أن " بعض العامة " الذين يسمعون الأحاديث من القصاص أو من النقاد أو بعض من يطالع الأحاديث ولا يعتني بتمييزها اشتهر عنده شيء من ذلك دون شيء لم يكن بهذا عبرة أصلا . فكم من أشياء مشهورة عند العامة ؛ بل وعند كثير من الفقهاء والصوفية والمتكلمين أو أكثرهم ؛ ثم عند حكام الحديث العارفين به لا أصل له بل قد يقطعون بأنه موضوع وكم من أشياء مشهورة عند " العارفين بالحديث " بل متواترة عندهم وأكثر العامة ؛ بل كثير من العلماء الذين لم يعتنوا بالحديث ما سمعوها أو سمعوها من وراء وراء وهم إما مكذبون بها وإما مرتابون فيها وهم مع ذلك لم يضبطوها ضبط العالم لعلمه كضبط النحوي للنحو والطبيب للطب وإن ضبطوا منها شيئا : ضبطوا اللفظة بعد اللفظة مما لا تسمن ولا تغني من جوع وليس ذلك مما يعتمد عليه ولا ينضبط به دين الله ولا يسقط به عن الأمة الفرض في حفظ علم النبوة والفقه فيه . قال " الإمام أحمد " : معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلي من حفظه . وأنا أذكر شواهد ما ذكرته : فروى الدارقطني في " كتاب الرؤية " - وهي من أوائل ما رواه في ترجمة أنس - : حدثنا أحمد حدثنا سليمان حدثنا محمد بن عثمان بن محمد حدثنا مروان بن جعفر حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني هشام حدثنا عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عز وجل فأحدثهم عهدا بالنظر إليه في كل جمعة وتراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر } . وروى " الدارقطني " أيضا عن جماعة ثقات عن عبد الله بن روح المدائني حدثنا سلام بن سليمان حدثنا ورقاء وإسرائيل وشعبة وجرير بن عبد الحميد - كلهم - قالوا : حدثنا ليث عن عثمان بن حميد عن { أنس بن مالك قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه كالمرآة البيضاء يحملها فيها كالنكتة السوداء فقلت : ما هذه التي في يدك يا جبريل فقال : هذه الجمعة . قلت : وما الجمعة ؟ قال : لكم فيها خير قلت : وما يكون لنا فيها ؟ قال : تكون عيدا لك ولقومك من بعدك وتكون اليهود والنصارى تبعا لكم قلت : وما لنا فيها ؟ قال لكم فيها ساعة لا يسأل الله عبده فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه إياه وليس له بقسم إلا ادخر له في آخرته ما هو أعظم منه قلت : ما هذه النكتة التي فيها ؟ قال : هي الساعة ونحن ندعوه يوم المزيد قلت : وما ذلك يا جبريل ؟ قال ؛ إن ربك أعد في الجنة واديا فيه كثبان من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين عز وجل على كرسيه فيحف الكرسي بكراسي من نور ؛ فيجيء النبيون حتى يجلسوا على تلك الكراسي ويحف الكرسي بمنابر : من نور ومن ذهب . مكللة بالجوهر ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر ثم ينزل أهل الغرف من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان ثم يتجلى لهم عز وجل فيقول : أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فسلوني فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وذلك مقدار منصرفكم من الجمعة ثم يرتفع على كرسيه عز وجل وترتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم وهي لؤلؤة بيضاء وزمردة خضراء وياقوتة حمراء غرفها وأبوابها منها وأنهارها مطردة فيها وأزواجها وخدامها وثمارها متدليات فيها فليسوا إلى شيء بأحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا منه نظرا إلى ربهم عز وجل ويزدادوا منه كرامة } . وروى " ابن بطة " هذا الحديث مثل هذا عن القافلاني : حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عثمان عن أنس وفيه { ثم يتجلى لهم ربهم تعالى ثم يقول : سلوني أعطكم فيسألونه الرضا فيقول : رضائي أحلكم داري وأنالكم كرامتي فسلوني أعطكم فيسألونه الرضا فيشهدهم أنه قد رضي عنهم - قال - : فيفتح لهم ما لا ترى عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر - قال - : وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ؛ ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم } وذكر تمامه . وهذا الطريق يبين أن هذا الحديث محفوظ عن ليث بن أبي سليم واندفع بذلك الكلام في سلام بن سليم ؛ فإن هذا الإسناد الثاني كلهم أئمة إلى ليث وأما الأول فكأن في القلب حزازة من أجل أن " سلاما " رواه عن جماعة من المشاهير ورواه عنه عبد الله بن روح المدائني وقد اختلف في سلام " هذا : فقال ابن معين مرة : لا بأس به وقال أبو حاتم : صدوق صالح الحديث . وسئل عنه ابن معين مرة أخرى فقيل له : أثقة هو ؟ فقال : لا . وقال العقيلي لا يتابع على حديثه . فإذا كان الحديث قد روي من تلك الطريق الجيدة اندفع الحمل عليه . ورواه الدارقطني من هذه الطريق من " وجه ثالث " من حديث الحسن بن عرفة : حدثنا عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن عثمان عن أنس بن مالك قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل وفي كفه كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء } وساق الحديث نحو ما تقدم ولم يذكر : " وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة " . وهذا يقوي أن للحديث أصلا عن ليث ؛ ولا يضر ترك الزيادة ؛ فإن عمار بن محمد بن أبي أخت سفيان لا يحتج لا بزيادته ولا بنقصه ؛ وإنما ذكرناه للمتابعة . وفي هذا الحديث أن الصالحين هم الذين يرجعون إلى أهليهم فأما النبيون والصديقون والشهداء فلا يرجعون حينئذ وليس فيه ما يدل على رؤية النساء ؛ لا بنفي ولا إثبات . ورواه " أبو العباس محمد بن إسحاق السراج " حدثنا علي بن أشيب حدثنا أبو بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن مسلم عن { أنس بن مالك قال : أبطأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلما خرج قلنا : لقد احتبست قال : فإن جبريل أتاني وفي كفه كهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء . فقال : إن هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها فقلت : يا جبريل ما في هذه النكتة السوداء ؟ قال : إن هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد يسأل الله خيرا من قسمه إلا أعطاه إياه أو ادخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وأنه خير الأيام عند الله وأن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد . قلت : يا جبريل وما يوم المزيد ؟ قال : إن في الجنة واديا أفيح تربته مسك أبيض ينزل الله إليه كل يوم جمعة فيوضع كرسيه ثم يجاء بمنابر من نور فتوضع خلفه فتحف به الملائكة ثم يجاء بكراسي من ذهب فتوضع ثم يجيء النبيون والصديقون والشهداء والمؤمنون أهل الغرف فيجلسون ثم يتبسم الله إليهم فيقول : سلوا فيقولون : نسألك رضوانك فيقول : قد رضيت عنكم فسلوا فيسألون مناهم فيعطيهم ما سألوا وأضعافها ويعطيهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؛ ثم يقول : ألم أنجزكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي ؟ ثم ينصرفون إلى غرفهم ويعودون كل يوم جمعة قلت : يا جبريل ما غرفهم ؟ قال : من لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزبرجدة خضراء مقدرة منها أبوابها فيها أزواجها مطردة أنهارها } رواه " أبو يعلى الموصلي " في ( مسنده ) عن شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن عن علي بن الحكم البناني عن أنس نحوه لم يحضرني لفظه . ورواه الدارقطني " أيضا من حديث عبد الله بن الحميم الرازي وحدثنا عمرو بن قيس عن أبي شبيبة عن عاصم عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس . ومن حديث إسحاق بن سليمان الرازي حدثنا عنبسة بن سعيد عن عثمان بن عمير عن أنس بن مالك بنحو من السياق المتقدم وليس فيه ذكر الزيادة . وروى " ابن بطة " بإسناد صحيح عن الأسود بن عامر قال : ذكر لي عن شريك عن أبي اليقظان عن أنس { ولدينا مزيد } قال : يتجلى لهم كل جمعة . ورواه أيضا الدارقطني " من حديث محمد بن حاتم المصيصي : حدثنا محمد بن سعيد القرشي حدثنا حمزة بن واصل المنقري حدثنا قتادة بن دعامة سمعته يقول : حدثنا { أنس بن مالك قال : بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال : أتاني جبريل وفي يده المرآة البيضاء } وذكر الحديث المتقدم بأبسط مما تقدم وفيه ما يجمع بين حديث أنس الذي في صحيح مسلم وبين سائر الأحاديث وفيه : { ويكون كذلك حتى مقدار متفرقهم من الجمعة } . وروي من طريق آخر رواه " أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد غلام ثعلب " حدثنا محمد بن جعفر بن أبي الدميك المروزي حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا يحيى بن عبد الله الحراني حدثنا ضرار بن عمرو عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك وذكر " الحديث " بأبسط مما تقدم ولم يحضرني سياقه ولكن أظن فيه الزيادة المذكورة وهذا الإسناد ضعيف من جهة يزيد الرقاشي وضرار بن عمرو ؛ لكن هو مضموم إلى ما تقدم . وروي من طريق عن أنس رواه " أبو حفص بن شاهين " حدثنا جعفر بن محمد العطار حدثنا جدي عبد الله بن الحكم سمعت عاصما أبا علي يقول : سمعت حميدا الطويل قال : سمعت { أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يتجلى لأهل الجنة كل يوم على كثيب كافور أبيض } وقيل : إن جعفرا وجده وعاصما : مجهولون وهذا لا يمنع المعارضة . ورواه أيضا " الدارقطني " بإسناد صحيح إلى العباس بن الوليد بن مزيد : أخبرني محمد بن شعيب أخبرني عمر مولى عفرة عن أنس بن مالك : بنحو ما تقدم في الروايات المتقدمة وفيه : { فيفتح عليهم بعد انصرافهم من يوم الجمعة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر } . فهذا قد روي عن أنس " من طريق جماعة وفي أكثر رواية هؤلاء ذكر الزيادة كما تقدم . وأما " حديث حذيفة " رضي الله عنه - فرواه " أبو بكر الخلال بن يزيد بن جمهور " حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن إبراهيم بن المبارك عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل وإذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها } وساق الحديث بزيادته على ما تقدم وفيه ألفاظ أخرى ولم يذكر الزيادة . ورواه أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن معمر وأحمد بن عمرو العصفوري قالا : حدثنا يحيى بن كثير العنبري عن إبراهيم بن المبارك عن القاسم بن مطيب عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة وذكر الحديث وفيه : { فيوحي الله إلى حملة العرش أن يفتحوا الحجب فيما بينه وبينهم فيكون أول ما يسمعون منه تعالى : أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري ؟ سلوني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة : أن قد رضينا فارض عنا - ويرجع في قوله - يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي هذا يوم المزيد فسلوني فيجتمعون على كلمة واحدة : أرنا وجهك رب ننظر إليه فيكشف الله الحجب فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله قضى أن لا يموتوا لاحترقوا ثم يقال لهم : ارجعوا إلى منازلكم فيرجعون إلى منازلهم في كل سبعة أيام يوم وذلك يوم المزيد } . وأما " حديث ابن عباس " - رضي الله عنه - فروي من غير وجه صحيح في ( كتاب الآجري ) وابن بطة وغيرهما : عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني حدثنا عمي محمد بن الأشعث حدثنا ابن جسر حدثنا أبي جسر عن الحسين عن ابن عباس عن { النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أهل الجنة يرون ربهم تعالى في كل يوم جمعة في رمال الكافور وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدوا } وهذا تصريح بالزيادة المطلوبة . وأما " حديث أبي هريرة " - رضي الله عنه - فرواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الحميد بن أبي العشرين حدثنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن { سعيد بن المسيب : أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة : أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة ؟ فقال سعيد : أفيها سوق ؟ قال : نعم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوا نزلوا فيها بفضل أعمالهم ثم يؤذن في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ؛ ويجلس أدناهم - وما فيهم من دني - على كثبان المسك والكافور ؛ ما يرون بأن أصحاب الكراسي أفضل منهم مجلسا - قال أبو هريرة - : قلت : يا رسول الله وهل نرى ربنا عز وجل ؟ قال : نعم هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر ؟ قلنا : لا . قال : كذلك لا تمارون في رؤية ربكم تبارك وتعالى ولا يبقى في ذلك المجلس - يعني : رجلا - إلا حاضره الله محاضرة حتى يقول للرجل منهم : يا فلان بن فلان أتذكر يوم قلت : كذا وكذا - فيذكره ببعض غدراته في الدنيا - فيقول : يا رب ؟ أفلم تغفر لي ؟ فيقول : بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه . فبينما هم كذلك غشيهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط ويقول ربنا : قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشترى وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا - قال - : فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقاه من هو دونه - وما فيهم دني - فيروعه ما عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل إليه ما هو أحسن منه ؛ وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا فيقلن : مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه ؛ فيقول : إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا } قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد روى سويد بن عمرو عن الأوزاعي شيئا من هذا . قلت : قد روى هذا الحديث " ابن بطة " في ( الإبانة ) بأسانيد صحيحة عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن الأوزاعي وعن محمد بن كثير عن الأوزاعي عن عبد الله بن صالح حدثني الهقل عن الأوزاعي قال : نبئت أنه لقي سعيد بن المسيب أبا هريرة فقال : أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة وذكر الحديث مثل ما تقدم . وهذا يبين أن الحديث محفوظ عن الأوزاعي لكن في تلك الروايات سمى من حدثه وفي الروايات البواقي الثانية لم يسم فالله أعلم . و " مضمون هذا الحديث " أن أزواجهم لم تكن معهم في جمعة الآخرة ولا في سوقها ؛ لكنه لا ينفي أنهن رأين الله في دورهن ؛ فإن الرجال قد عللوا زيادة الحسن والجمال بمجالسة الجبار والنساء قد شركتهم في زيادة الحسن والجمال كما تقدم في أصح الأحاديث .

(2/54)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية