صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجموع فتاوى ابن تيمية
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فإن قيل : إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين - تارة يتوسل بذلك إلى ثوابه وجنته ( وهذا أعظم الوسائل وتارة يتوسل بذلك في الدعاء كما ذكرتم نظائره - فيحمل قول القائل : أسألك بنبيك محمد على أنه أراد : أني أسألك بإيماني به وبمحبته وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته ونحو ذلك وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع . قيل : من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا نزاع وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته من السلف - كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره كان هذا حسنا . وحينئذ فلا يكون في المسألة نزاع . ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر . وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه وشفاعته وهذا جائز بلا نزاع ثم إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ . فإن قيل : فقد يقول الرجل لغيره بحق الرحم قيل : الرحم توجب على صاحبها حقا لذي الرحم كما قال الله تعالى : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } وقال النبي صلى الله عليه وسلم { الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله } وقال { لما خلق الله الرحم تعلقت بحقوي الرحمن وقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال : ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى قد رضيت } وقال صلى الله عليه وسلم { يقول الله تعالى : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته } . وقد روي عن علي أنه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه أعطاه لحق جعفر على علي . وحق ذي الرحم باق بعد موته كما في الحديث { أن رجلا قال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال نعم الدعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاذ وعدهما من بعدهما وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما } وفي الحديث الآخر حديث ابن عمر { من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي } . فصلة أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره .

(1/66)


والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق : لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين كما تقدم . ( أحدهما ) الإقسام على الله سبحانه وتعالى به وهذا منهي عنه عند جماهير العلماء كما تقدم كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء . و ( الثاني ) السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف وهو موجود في دعاء كثير من الناس لكن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله ضعيف بل موضوع . وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى الذي علمه أن يقول : { أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة } وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته وهو طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول : { اللهم شفعه في } ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم . ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله . ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار وقوله : " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا " : يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته ؛ إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس . وشاع النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين ؛ دون الإقسام بهم ؛ لأن بين السؤال والإقسام فرقا : فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم والمقسم لا يقسم إلا على من يرى أنه يبر قسمه فإبرار القسم خاص ببعض العباد . وأما إجابة السائلين فعام ؛ فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافرا وفي الصحيح عن النبي أنه قال : { ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث : إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا : يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر } .

(1/67)


وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم - وهو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم أنه لا يجوز - ليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا أن يجعل هذا من مسائل السب ؛ فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوز التوسل به بمعنى الإقسام به أو السؤال به : فليس معه في ذلك نقل عن مالك وأصحابه فضلا عن أن يقول مالك : إن هذا سب للرسول أو تنقص له . بل المعروف عن مالك أنه كره للداعي أن يقول : يا سيدي سيدي وقال : قل كما قالت الأنبياء : يا رب يا رب يا كريم . وكره أيضا أن يقول : يا حنان يا منان فإنه ليس بمأثور عنه . فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء إذ لم يكن مشروعا عنده فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبيا كان أو غيره وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا الله بمخلوق لا نبي ولا غيره بل قال عمر : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا . فيسقون . وكذلك ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر وأنس وغيرهما أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستسقائه لم ينقل عن أحد منهم أنه كان في حياته صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى بمخلوق لا به ولا بغيره لا في الاستسقاء ولا غيره وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى ؛ فلو كان السؤال به معروفا عند الصحابة لقالوا لعمر : إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس فلم نعدل عن الأمر المشروع الذي كنا نفعله في حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه وفي ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل وسؤال الله تعالى بأضعف السببين مع القدرة على أعلاهما - ونحن مضطرون غاية الاضطرار في عام الرمادة الذي يضرب به المثل في الجدب . والذي فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجرشي كما توسل عمر بالعباس ؛ وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم أنه يتوسل في الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح قالوا : وإن كانوا من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل اقتداء بعمر ولم يقل أحد من أهل العلم إنه يسأل الله تعالى في ذلك لا بنبي ولا بغير نبي .

(1/68)


وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين - غير مالك - كالشافعي وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذي فيها هو هذا ؛ بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة ولكن من الناس من يحرف نقلها وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء الله تعالى والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة ؛ قبره بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه وإنما ذكرها في سياق أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم ؛ كما كان حال حياته وكذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه . وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني فقال : ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه . قال : وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه . وقال مصعب بن عبد الله : كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه . فقيل له يوما في ذلك فقال : لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون لقد كنت أرى محمد بن المنكدر - وكان سيد القراء - لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه . ولقد كنت أرى جعفر بن محمد - وكان كثير الدعابة والتبسم - فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة . ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصليا وإما صامتا وإما يقرأ القرآن . ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله . ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع . ولقد رأيت الزهري - وكان لمن أهنأ الناس وأقربهم - فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه . فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة ثم ذكر حكاية بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة قالوا : حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال : حدثنا أبو الحسن علي بن فهر حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا ابن حميد قال : ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك . يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله أدب قوما فقال : { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } الآية ومدح قوما فقال : { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } الآية وذم قوما فقال : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا . فاستكان لها أبو جعفر فقال : يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو ؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله قال الله تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } . قلت وهذه الحكاية منقطعة ؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكا لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة . وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث كذبه أبو زرعة وابن وارة وقال صالح بن محمد الأسدي : ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه . وقال يعقوب بن شبيبة : كثير المناكير . وقال النسائي : ليس بثقة . وقال ابن حبان : ينفرد عن الثقات بالمقلوبات . وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين . وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي توفي سنة تسع وخمسين ومائتين وفي الإسناد أيضا من لا تعرف حاله . وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته هذا إن ثبت عنه ، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث ؟ . مع أن قوله " وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة " إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة وهذا حق ؛ كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين تأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم فيردهم آدم إلى نوح ثم يردهم نوح إلى إبراهيم وإبراهيم إلى موسى وموسى إلى عيسى ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال { أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر } ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه : - ( أحدها قوله " أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله وأدعو ؟ " فقال " ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم " فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له . هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم . وعند أصحاب أبي حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضا . ثم منهم من قال : يجعل الحجرة على يساره - وقد رواه ابن وهب عن مالك - ويسلم عليه . ومنهم من قال : بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر لذلك . قال القاضي عياض في المبسوط عن مالك قال لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لكن يسلم ويمضي " قال : وقال نافع : كان ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول : السلام على النبي صلى الله عليه وسلم السلام على أبي بكر السلام على أبي . ثم ينصرف . ورئي واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه . قال : وعن ابن أبي قسيط والقعنبي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا برمانة المنبر التي تلقاء القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون . قال : وفي الموطأ من رواية يحيى بن الليثي أنه كان - يعني ابن عمر - يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر وعند ابن القاسم للمروذي : ويدعو لأبي بكر وعمر . قال مالك في رواية ابن وهب : يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . وقال في المبسوط : ويسلم على أبي بكر وعمر . قال أبو الوليد الباجي : وعندي أن يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة ولأبي بكر وعمر [ بلفظ السلام ] لما في حديث ابن عمر من الخلاف . وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب قال مالك في رواية ابن وهب : إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر . فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره .

(1/69)


وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في الواضحة وغيره قال : وقال مالك في المبسوط : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء . وقال فيه أيضا : ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر . قيل له : فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة . فقال مالك : لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده . قال ابن القاسم : ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلموا قال ولذلك رأى . قال أبو الوليد الباجي : ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد } { اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } قال : وقال النبي صلى الله عليه وسلم { لا تجعلوا قبري عيدا } . قال ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا وفي ( العتبية يعني عن مالك : يبدأ : بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف . قال : والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت . فهذا قول مالك وأصحابه وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا القبر إلا للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له . وقد كره مالك إطالة القيام لذلك وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له فإنه تحية للنبي صلى الله عليه وسلم . فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم فكيف بدعائه لنفسه . وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فهذا لم يفعله أحد من السلف ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعا لفعله الصحابة والتابعون وكذلك السؤال به فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته ؟ . فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله " استقبله واستشفع به " كذب على مالك مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي يفعلها مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه فضلا عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له يا رسول الله اشفع لي أو ادع لي أو يشتكي إليه مصائب الدين والدنيا أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له أو يشتكي إليهم المصائب فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة ؛ ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين وإن كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويبلغ سلام البعيد . وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذي رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد من حديث حيوة بن شريح المصري حدثنا أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام } . وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة في السلام عليه عند قبره صلوات الله وسلامه عليه فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين . ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئا منها وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني والبزار وغيرهما . وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمري - وهو ضعيف والكذب ظاهر عليه - مثل قوله : { من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي } فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين فإن من زاره في حياته وكان مؤمنا به كان من أصحابه لا سيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه } أخرجاه في الصحيحين . والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين ؟ بل ولا شرع السفر إليه بل هو منهي عنه . وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب والسفر إلى الكعبة للحج فواجب . فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته فكيف بالسفر المنهي عنه

(1/70)


وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين ؛ لم يكن عليه أن يوفي بنذره بل ينهى عن ذلك . ولو نذر السفر إلى مسجده أو المسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعي : أظهرهما عنه يجب ذلك وهو مذهب مالك وأحمد . والثاني لا يجب وهو مذهب أبي حنيفة لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما كان واجبا بالشرع وإتيان هذين المسجدين ليس واجبا بالشرع فلا يجب بالنذر عنده . وأما الأكثرون فيقولون هو طاعة لله وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه } . وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه ؟ وهذا مالك كره أن يقول الرجل : زرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعظمه . وقد قيل إن ذلك ككراهية زيارة القبور وقيل لأن الزائر أفضل من المزور وكلاهما ضعيف عند أصحاب مالك . والصحيح أن ذلك لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين كما تقدم ذكره : زيارة شرعية وزيارة بدعية . فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة فهذه الزيارة الشرعية . والثاني : أن يزورها كزيارة المشركين وأهل البدع لدعاء الموتى وطلب الحاجات منهم ؛ أو لاعتقاده أن الدعاء عند قبر أحدهم أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت ؛ أو أن الإقسام بهم على الله وسؤاله سبحانه بهم أمر مشروع يقتضي إجابة الدعاء فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها . فإذا كان لفظ " الزيارة " مجملا يحتمل حقا وباطلا عدل عنه إلى لفظ . لا لبس فيه كلفظ " السلام " عليه ولم يكن لأحد أن يحتج على مالك بما روي في زيارة قبره أو زيارته بعد موته فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة لا يحتج بشيء منها في أحكام الشريعة والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة } هذا هو الثابت في الصحيح ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال قبري . وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قبر بعد صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه ولو كان هذا عندهم لكان نصا في محل النزاع . ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه . ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز أمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في المسجد من حينئذ وبنوا الحائط البراني مسنما محرفا فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أنه قال صلى الله عليه وسلم { لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها } لأن ذلك يشبه السجود لها وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى . وكما نهي عن اتخاذها مساجد ونهي عن قصد الصلاة عندها وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له . فمن قصد قبور الأنبياء والصالحين لأجل الصلاة والدعاء عندها فقد قصد نفس المحرم الذي سد الله ورسوله ذريعته وهذا بخلاف السلام المشروع حسبما تقدم . وقد روى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام } رواه النسائي وأبو حاتم في صحيحه وروي نحوه عن أبي هريرة . فهذا فيه أن سلام البعيد تبلغه الملائكة . وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي يومئذ فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة } . وفي مسند الإمام أحمد : حدثنا شريح حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني } ورواه أبو داود . قال القاضي عياض وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا أبلغته } . وهذا قد رواه محمد بن مروان السدي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذا هو السدي الصغير وليس بثقة وليس هذا من حديث الأعمش . وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد بن حبان عن أبي بكر الحنفي : حدثنا عبد الله بن نافع حدثنا العلاء بن عبد الرحمن سمعت الحسن بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ولا تتخذوا بيتي عيدا . صلوا علي وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني } . وروى سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يكثر الاختلاف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني } فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء . وروي هذا المعنى عن علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي بن أبي طالب ذكره أبو عبد الله محمد بن [ عبد ] الواحد المقدسي الحافظ في مختاره الذي هو أصح من صحيح الحاكم . وذكر القاضي عياض عن الحسن بن علي قال : إذا دخلت فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم } .

(1/71)


ومما يوهن هذه الحكاية أنه قال فيها " ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة " إنما يدل على أنه يوم القيامة تتوسل الناس بشفاعته وهذا حق كما تواترت به الأحاديث لكن إذا كان الناس يتوسلون بدعائه وشفاعته يوم القيامة كما كان أصحابه يتوسلون بدعائه وشفاعته في حياته فإنما ذاك طلب لدعائه وشفاعته فنظير هذا - لو كانت الحكاية صحيحة - أن يطلب منه الدعاء والشفاعة في الدنيا عند قبره . ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا سنه لأمته ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا غيره من الأئمة فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة أدلتها الشرعية مع علو قدر مالك وعظم فضيلته وإمامته وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها ؟ وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع ؟ فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقول مثل هذا . ثم قال في الحكاية : " استقبله واستشفع به فيشفعك الله " والاستشفاع به معناه في اللغة أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة وكما كان أصحابه يستشفعون به . ومنه الحديث الذي في السنن { أن أعرابيا قال : يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ويحك أتدري ما تقول ؟ شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه } وذكر تمام الحديث . فأنكر قوله " نستشفع بالله عليك " ومعلوم أنه لا ينكر أن يسأل المخلوق بالله أو يقسم عليه بالله وإنما أنكر أن يكون الله شافعا إلى المخلوق ولهذا لم ينكر قوله " نستشفع بك على الله " فإنه هو الشافع المشفع . وهم - لو كانت الحكاية صحيحة - إنما يجيئون إليه لأجل طلب شفاعته صلى الله عليه وسلم ولهذا قال في تمام الحكاية : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك } الآية وهؤلاء إذا شرع لهم أن يطلبوا منه الشفاعة والاستغفار بعد موته فإذا أجابهم فإنه يستغفر لهم واستغفاره لهم دعاء منه وشفاعة أن يغفر الله لهم . وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته فإنما يقال في ذلك " استشفع به فيشفعه الله فيك " لا يقال : فيشفعك الله فيه . وهذا معروف الكلام ولغة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر العلماء يقال : شفع فلان في فلان فشفع فيه . فالمشفع الذي يشفعه المشفوع إليه هو الشفيع المستشفع به . لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له فإن هذا ليس هو الذي شفع فمحمد صلى الله عليه وسلم الشفيع المشفع ليس المشفع الذي يستشفع به . ولهذا يقول في دعائه : يا رب شفعني فيشفعه الله فيطلب من الله سبحانه أن يشفعه لا أن يشفع طالبي شفاعته فكيف يقول : واستشفع به فيشفعك الله ؟ وأيضا فإن طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعا عند أحد من أئمة المسلمين ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابه القدماء وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين : ذكروا حكاية عن العتبي أنه رأى أعرابيا أتى قبره وقرأ هذه الآية وأنه رأى في المنام أن الله غفر له . وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين . الذين يفتى الناس بأقوالهم ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلا شرعيا . ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعا لكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم ولكان أئمة المسلمين يذكرون ذلك وما أحسن ما قال مالك " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها " قال : ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك . فمثل هذا الإمام كيف يشرع دينا لم ينقل عن أحد السلف ويأمر الأمة أن يطلبوا الدعاء والشفاعة والاستغفار - بعد موت الأنبياء والصالحين - منهم عند قبورهم وهو أمر لم يفعله أحد من سلف الأمة ؟ ولكن هذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل فيقول أحدهم : اللهم إنا نستشفع إليك بفلان وفلان أي نتوسل به . ويقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره " قد تشفع به " من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له بل وقد يكون غائبا لم يسمع كلامه ولا شفع له وهذا ليس هو لغة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلماء الأمة ؛ بل ولا هو لغة العرب فإن الاستشفاع طلب الشفاعة . والشافع هو الذي يشفع السائل فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه . وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله فليس هذا استشفاعا لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول : نعم هذا سؤال به ودعاؤه ليس هو استشفاعا به . ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة - كما غيروا الشريعة - وسموا هذا استشفاعا أي سؤالا بالشافع صاروا يقولون " استشفع به فيشفعك " أي يجيب سؤالك به وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة وليس لفظها من ألفاظ مالك . نعم قد يكون أصلها صحيحا ويكون مالك قد نهى عن رفع الصوت في مسجد الرسول اتباعا للسنة كما كان عمر ينهى عن رفع الصوت في مسجده ويكون مالك أمر بما أمر الله به من تعزيره وتوقيره ونحو ذلك مما يليق بمالك أن يأمر به .

(1/72)


ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي صلى الله عليه وسلم وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه فإن كثيرا من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك . وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معاني أخر مخالفة لمعانيهم ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم ويقولون : إنا موافقون للأنبياء وهذا موجود في كلام كثير من الملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة مثل من وضع " المحدث " و " المخلوق " و " المصنوع " على ما هو معلول وإن كان عنده قديما أزليا ويسمي ذلك " الحدوث الذاتي " ثم يقول : نحن نقول إن العالم محدث وهو مراده . ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار ليس لغة أحد من الأمم وإنما المحدث عندهم ما كان بعد أن لم يكن . وكذلك يضعون لفظ " الملائكة " على ما يثبتونه من العقول والنفوس وقوى النفس . ولفظ " الجن " و " الشياطين " على بعض قوى النفس ثم يقولون : نحن نثبت ما أخبرت به الأنبياء وأقر به جمهور الناس من الملائكة والجن والشياطين . ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم علم بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك مثل أن يعلم مرادهم بالعقل الأول وأنه مقارن عندهم لرب العالمين أزلا وأبدا وأنه مبدع لكل ما سواه أو بتوسطه حصل كل ما سواه والعقل الفعال عندهم عنه يصدر كل ما تحت فلك القمر ويعلم بالاضطرار من دين الأنبياء أنه ليس من الملائكة عندهم من هو رب كل ما سوى الله ولا رب كل ما تحت فلك القمر ولا من هو قديم أزلي أبدي لم يزل ولا يزال . ويعلم أن الحديث الذي يروى { أول ما خلق الله العقل } حديث باطل عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لو كان حقا لكان حجة عليهم فإن لفظه { أول ما خلق الله العقل } بنصب الأول على الظرفية { فقال له : أقبل فأقبل . ثم قال له : أدبر فأدبر . فقال : وعزتي ما خلقت خلقا أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وبك العقاب } وروي { لما خلق الله العقل } فالحديث لو كان ثابتا معناه أنه خاطب العقل في أول أوقات خلقه وأنه خلق قبل غيره وأنه تحصل به هذه الأمور الأربعة لا كل المصنوعات . و " العقل " في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا يراد به القوة التي بها يعقل وعلوم وأعمال تحصل بذلك لا يراد بها قط في لغة : جوهر قائم بنفسه فلا يمكن أن يراد هذا المعنى بلفظ العقل . مع أنا قد بينا في مواضع أخر فساد ما ذكروه من جهة العقل الصريح وأن ما ذكروه من المجردات والمفارقات ينتهي أمرهم فيه إلى إثبات النفس التي تفارق البدن بالموت وإلى إثبات ما تجرده النفس من المعقولات القائمة بها ؛ فهذا منتهى ما يثبتونه من الحق في هذا الباب .

(1/73)


والمقصود هنا أن كثيرا من كلام الله ورسوله يتكلم به من يسلك مسلكهم ويريد مرادهم لا مراد الله ورسوله كما يوجد في كلام صاحب ( الكتب المضنون بها وغيره مثل ما ذكره في " اللوح المحفوظ " حيث جعله النفس الفلكية ولفظ " القلم " حيث جعله العقل الأول ولفظ " الملكوت " و " الجبروت " و " الملك " حيث جعل ذلك عبارة عن النفس والعقل ولفظ " الشفاعة " حيث جعل ذلك فيضا يفيض من الشفيع على المستشفع وإن كان الشفيع قد لا يدري وسلك في هذه الأمور ونحوها مسالك ابن سينا كما قد بسط في موضع آخر . والمقصود هنا ذكر من يقع ذلك منه من غير تدبر منه للغة الرسول صلى الله عليه وسلم كلفظ القديم فإنه في لغة الرسول التي جاء بها القرآن خلاف الحديث وإن كان مسبوقا بغيره كقوله تعالى : { حتى عاد كالعرجون القديم } وقال تعالى عن إخوة يوسف : { تالله إنك لفي ضلالك القديم } وقوله تعالى { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } { أنتم وآباؤكم الأقدمون } . وهو عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل أو عما لم يسبقه وجود غيره إن لم يكن مسبوقا بعدم نفسه ويجعلونه - إذا أريد به هذا - من باب المجاز ولفظ " المحدث " في لغة القرآن يقابل للفظ " القديم " في القرآن . وكذلك لفظ " الكلمة " في القرآن والحديث وسائر لغة العرب إنما يراد به الجملة التامة كقوله صلى الله عليه وسلم { كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم } وقوله { إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل } ومنه قوله تعالى { كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } وقوله تعالى { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } الآية وقوله تعالى { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا } وأمثال ذلك ؛ ولا يوجد لفظ الكلام في لغة العرب إلا بهذا المعنى . والنحاة اصطلحوا على أن يسموا ( الاسم وحده ( والفعل ( والحرف كلمة ثم يقول بعضهم : وقد يراد بالكلمة الكلام ؛ فيظن من اعتاد هذا أن هذا هو لغة العرب وكذلك لفظ " ذوي الأرحام " في الكتاب والسنة يراد به الأقارب من جهة الأبوين فيدخل فيهم العصبة وذوو الفروض وإن شمل ذلك من لا يرث بفرض ولا تعصيب ثم صار ذلك في اصطلاح الفقهاء اسما لهؤلاء دون غيرهم فيظن من لا يعرف إلا ذلك أن هذا هو المراد بهذا اللفظ في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة ونظائر هذا كثيرة . ولفظ " التوسل " و " الاستشفاع " ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول وأصحابه ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم . والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق . والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله . فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية . ونصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلي على النبي ونسلم عليه في كل مكان ؛ فهذا مما اتفق عليه المسلمون وكذلك رغبنا وحضنا في الحديث الصحيح على أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه مقاما محمودا الذي وعده . فهذه الوسيلة التي شرع لنا أن نسألها الله تعالى - كما شرع لنا أن نصلي عليه ونسلم عليه - هي حق له كما أن الصلاة عليه والسلام حق له صلى الله عليه وسلم .

(1/74)


والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إلى الله بطاعته وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله . وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان به وطاعته وهذا التوسل به فرض على كل أحد . وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره مثل توسل الأعمى بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته - فهذا نوع ثالث هو ومن باب قبول الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه فمن شفع له الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولا يشفع له . ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به فظن هذا مشروعا مطلقا لكل أحد في حياته ومماته وظنوا أن هذا مشروع في حق الأنبياء والملائكة بل وفي الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح وإن لم يكن صالحا في نفس الأمر . وليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها في الأحاديث - لا في الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره - وإنما يوجد في الكتب التي عرف أن فيها كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي يختلقها الكذابون بخلاف من قد يغلط في الحديث ولا يتعمد الكذب فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم في السنن ومسند الإمام أحمد ونحوه بخلاف من يتعمد الكذب فإن أحمد لم يرو في مسنده عن أحد من هؤلاء . ولهذا تنازع الحافظ أبو العلاء الهمداني والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي : هل في المسند حديث موضوع ؟ فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع وأثبت ذلك أبو الفرج وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة ؛ ولا منافاة بين القولين . فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج هو الذي قام دليل على أنه باطل وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب بل غلط فيه ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره وقالوا إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل بل بينوا ثبوت بعض ذلك لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء . وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه الكذب والكذب كان قليلا في السلف .

(1/75)


أما الصحابة فلم يعرف فيهم - ولله الحمد - من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق . ولا كان فيهم من قال إنه أتاه الخضر فإن خضر موسى مات كما بين هذا في غير هذا الموضع والخضر الذي يأتي كثيرا من الناس إنما هو جني تصور بصورة إنسي أو إنسي كذاب ولا يجوز أن يكون ملكا مع قوله أنا الخضر فإن الملك لا يكذب وإنما يكذب الجني والإنسي . وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيا مما يطول ذكره في هذا الموضع . وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس . وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها كما فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم ولا كان فيهم من تسرق الجن أموال الناس وطعامهم وتأتيه به فيظن أن هذا من باب الكرامات كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع . وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب في التابعين من أهل مكة والمدينة والشام والبصرة بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم وقد عرف الكذب بعد هؤلاء في طوائف . وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس بل في الصحابة من قد يغلط أحيانا وفيمن بعدهم . ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط وإن كان جمهور متون الصحيحين مما يعلم أنه حق . فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين أنه رواها لتعرف بخلاف ما تعمد صاحبه الكذب ؛ ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروي عنهم أهل السنن كأبي داود والترمذي مثل مشيخة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده وإن كان أبو داود يروي في سننه منها فشرط أحمد في مسنده أجود من شرط أبي داود في سننه . والمقصود أن هذه الأحاديث التي تروى في ذلك من جنس أمثالها من الأحاديث الغريبة المنكرة بل الموضوعة التي يرويها من يجمع في الفضائل والمناقب الغث والسمين كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف في فضائل الأوقات وفضائل العبادات وفضائل الأنبياء والصحابة وفضائل البقاع ونحو ذلك فإن هذه الأبواب فيها أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث كذب موضوعة ؛ ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب . وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف الإجماع . وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي لكن إذا علم تحريمه وروي حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله . وهذا كالإسرائيليات : يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيها علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا . فأما أن يثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة . ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين : صحيح وضعيف . والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به وإلى ضعيف حسن كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك . وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام - صحيح وحسن وضعيف - هو أبو عيسى الترمذي في جامعه . والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ . فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفا ويحتج به ولهذا مثل أحمد الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما . وهذا مبسوط في موضعه . والأحاديث التي تروى في هذا الباب - وهو السؤال بنفس المخلوقين - هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها مثل الحديث الذي يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده { أن أبا بكر الصديق أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أتعلم القرآن ويتفلت مني . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل : اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وبإبراهيم خليلك وبموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد وبكل وحي أوحيته وقضاء قضيته } وذكر تمام الحديث . وهذا الحديث ذكره رزين بن معاوية العبدري في جامعه ونقله ابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين لكنه قد رواه من صنف في عمل ( اليوم والليلة كابن السني وأبي نعيم وفي مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء . وقد رواه الشيخ الأصبهاني في كتاب فضائل الأعمال وفي هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة . ورواه أبو موسى المديني من حديث زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة وقال هذا حديث حسن مع أنه ليس بالمتصل قال أبو موسى : ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه عن جده عن الصديق رضي الله عنه وعبد الملك ليس بذاك القوي وكان بالري وأبوه وجده ثقتان . قلت : عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب . قال يحيى بن معين : هو كذاب . وقال السعدي : دجال كذاب . وقال أبو حاتم بن حبان : يضع الحديث . وقال النسائي : متروك . وقال البخاري : منكر الحديث . وقال أحمد بن حنبل : ضعيف . وقال ابن عدي : له أحاديث لا يتابعه عليها أحد . وقال الدارقطني : هو وأبوه ضعيفان . وقال الحاكم في ( كتاب المدخل : عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيباني روى عن أبيه أحاديث موضوعة : وأخرجه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب ( الموضوعات وقول الحافظ أبي موسى " هو منقطع " يريد أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع . وقد روى عبد الملك هذه الأحاديث الأخر المناسبة لهذا في استفتاح أهل الكتاب به كما سيأتي ذكره وخالف فيه عامة ما نقله المفسرون وأهل السير وما دل عليه القرآن وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه : من أنه متروك إما لتعمده الكذب وإما لسوء حفظه وتبين أنه لا حجة لا في هذا ولا في ذاك . ومثل ذلك الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعا وموقوفا عليه { إنه لما اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي قال : وكيف عرفت محمدا ؟ قال : لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك . قال : صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك } وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن مسلم العوفي عن إسماعيل بن سلمة عنه . قال الحاكم : وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن في هذا الكتاب وقال الحاكم : هو صحيح . ورواه الشيخ أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة موقوفا على عمر من حديث عبد الله بن إسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم موقوفا ورواه الآجري أيضا من طريق آخر من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه موقوفا عليه وقال حدثنا هارون بن يوسف التاجر حدثنا أبو مروان العثماني حدثني أبو عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال ؛ { من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال : اللهم إني أسألك بحق محمد عليك . قال الله تعالى : وما يدريك ما محمد ؟ قال : يا رب رفعت رأسي فرأيت مكتوبا على عرشك : لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه أكرم خلقك } . قلت : ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فإنه نفسه قد قال في ( كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم : عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه . قلت : وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرا ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم وقال أبو حاتم بن حبان : كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك . وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا : إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث كما صحح حديث زريب بن برثملي : الذي فيه ذكر وصي المسيح وهو كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقي وابن الجوزي وغيرهما وكذا أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها وهي عند أئمة أهل العلم بالحديث موضوعة ومنها ما يكون موقوفا يرفعه . ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه وإن كان الصواب أغلب عليه . وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه بخلاف أبي حاتم بن حبان البستي فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدرا وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن منده وأمثالهم فيمن يصحح الحديث . فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب ؛ والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه وقد ذكر الترمذي أنه لم ير أحدا أعلم بالعلل منه ولهذا كان من عادة البخاري إذا روى حديثا اختلف في إسناده أو في بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه . ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه . بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها وكان الصواب فيها مع من نازعه كما روى في حديث الكسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه صلى بركوعين . والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم وقد بين ذلك الشافعي وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم . ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان . ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب وكذلك روى مسلم { خلق الله التربة يوم السبت } ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى بن معين والبخاري وغيرهما فبينوا أن هذا غلط ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم . والحجة مع هؤلاء فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام وأن آخر ما خلقه هو آدم وكان خلقه يوم الجمعة وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أنه خلق ذلك في الأيام السبعة وقد روي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد وكذلك روى أن أبا سفيان لما أسلم طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بأم حبيبة وأن يتخذ معاوية كاتبا . وغلطه في ذلك طائفة من الحفاظ . ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث تلقوها بالقبول وأجمعوا عليها وهم يعلمون علما قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها . وبسط الكلام في هذا له موضع آخر . وهذا الحديث المذكور في آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير إسناد وما هو من جنسه مع زيادات أخر كما ذكر القاضي عياض قال : وحكى أبو محمد المكي وأبو الليث السمرقندي وغيرهما { أن آدم عند معصيته قال : اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي - قال ويروى تقبل توبتي - فقال الله له : من أين عرفت محمدا ؟ قال رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله قال ويروى : محمد عبدي ورسولي فعلمت أنه أكرم خلقك عليك ؛ فتاب عليه وغفر له } . ومثل هذا لا يجوز أن تبنى عليه الشريعة ولا يحتج به في الدين باتفاق المسلمين ؛ فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التي لا تعلم صحتها إلا بنقل ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار ( المبتدأ وقصص المتقدمين عن أهل الكتاب لم يجز أن يحتج بها في دين المسلمين باتفاق المسلمين ؛ فكيف إذا نقلها من لا ينقلها لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين ؟ بل إنما ينقلها عمن هو عند المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه واضطرب عليه فيها اضطرابا يعرف به أنه لم يحفظ ذلك . ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد على نقلهم وإنما هي من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر وأمثاله في ( كتب المبتدأ وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعا لهم وحينئذ فكان الاحتجاج بها مبنيا على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا ؟ والنزاع في ذلك مشهور . لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أو بما تواتر عنهم لا بما يروى على هذا الوجه فإن هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع المسلمين أحد من المسلمين . ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس مرفوعا أنه قال : { من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه ويدعو به في إدبار صلواته : اللهم إني أسألك بأنك مسئول لم يسأل مثلك ولا يسأل وأسألك بحق محمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك } وذكر تمام الدعاء . وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين قال أبو أحمد بن عدي فيه : منكر الحديث . وقال أبو حاتم بن حبان : دجال يضع الحديث وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتابا في التفسير جمعه من كلام الكلبي ومقاتل ويروى نحو هذا - دون الصوم - عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزي حدثنا وكيع عن عبيدة عن شقيق عن ابن مسعود وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحيى بن معين : كذاب وقال الدارقطني : متروك وقال ابن حبان : كان مغفلا يلقن فيتلقن فاستحق الترك . ويروى هذا عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف من الأول . ورواه أبو الشيخ الأصبهاني من حديث أحمد بن إسحاق الجوهري : حدثنا أبو الأشعث حدثنا زهير بن العلاء العتبي حدثنا يوسف بن يزيد عن الزهري ورفع الحديث قال { من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره في آخر الأيام السبعة على هؤلاء الكلمات } . قلت : وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شيء . وقد رواه أبو موسى المديني في أماليه وأبو عبد الله المقدسي على عادة أمثالهم في رواية ما يروى في الباب سواء كان صحيحا أو ضعيفا كما اعتاده أكثر المتأخرين من المحدثين أنهم يروون ما روى به الفضائل ويجعلون العهدة في ذلك على الناقل كما هي عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات . كما يرويه أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل الأعمال وغيره حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة وأحاديث كثيرة ضعيفة موضوعة وواهية . وكذلك ما يرويه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة وما يرويه أبو نعيم الأصبهاني في ( فضائل الخلفاء ) في كتاب مفرد وفي أول ( حلية الأولياء ) وما يرويه أبو الليث السمرقندي وعبد العزيز الكناني وأبو علي بن البناء وأمثالهم من الشيوخ وما يرويه أبو بكر الخطيب وأبو الفضل بن ناصر وأبو موسى المديني وأبو القاسم بن عساكر والحافظ عبد الغني وأمثالهم ممن لهم معرفة بالحديث فإنهم كثيرا ما يروون في تصانيفهم ما روي مطلقا على عادتهم الجارية ؛ ليعرف ما روي في ذلك الباب لا ليحتج بكل ما روي وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول : غريب ومنكر وضعيف ؛ وقد لا يتكلم . وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به ويبنون عليه دينهم ؛ مثل مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي وابن خزيمة وابن المنذر وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري وغير هؤلاء ؛ فإن هؤلاء الذين يبنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها وتمييز رجالها . وكذلك الذين تكلموا في الحديث والرجال ؛ ليميزوا بين هذا وهذا لأجل معرفة الحديث ؛ كما يفعل أبو أحمد بن عدي وأبو حاتم البستي وأبو الحسن الدارقطني وأبو بكر الإسماعيلي وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقي وأبو إسماعيل الأنصاري وأبو القاسم الزنجاني وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وأمثال هؤلاء ؛ فإن بسط هذه الأمور له موضع آخر . ولم نذكر من لا يروي بإسناد - مثل كتاب ( وسيلة المتعبدين لعمر الملا الموصلي وكتاب ( الفردوس لشهريار الديلمي وأمثال ذلك - فإن هؤلاء دون هؤلاء الطبقات ؛ وفيما يذكرونه من الأكاذيب أمر كبير . والمقصود هنا : أنه ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه في مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه ؛ بل المروي في ذلك إنما يعرف أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات إما تعمدا من واضعه وإما غلطا منه . وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة . فمنها حديث الأربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا ؛ وهم عبد الله ومصعب ابنا الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب ( مجابي الدعاء ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوي عن سفيان الثوري عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبي أنه قال : " لقد رأيت عجبا كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان ؛ فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم : ليقم كل رجل منكم فليأخذ بالركن اليماني وليسأل الله حاجته فإنه يعطى من سعة . ثم قالوا : قم يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود في الإسلام بعد الهجرة فقام فأخذ بالركن اليماني ثم قال : اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم ؛ أسألك بحرمة وجهك وحرمة عرشك وحرمة نبيك أن لا تميتني من الدنيا حتى توليني الحجاز ويسلم علي بالخلافة ؛ ثم جاء فجلس . ثم قام مصعب فأخذ بالركن اليماني ثم قال : اللهم إنك رب كل شيء وإليك يصير كل شيء أسألك بقدرتك على كل شيء ألا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق وتزوجني بسكينة بنت الحسين . ثم قام عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن اليماني ثم قال : اللهم رب السموات السبع ؛ ورب الأرض ذات النبت بعد القفر أسألك بما سألك به عبادك المطيعون لأمرك وأسألك بحقك على خلقك وبحق الطائفين حول عرشك " إلى آخره . قلت : وإسماعيل بن أبان الذي روى هذا عن سفيان الثوري كذاب قال أحمد بن حنبل : كتبت عنه ثم حدث بأحاديث موضوعة فتركناه . وقال يحيى بن معين : وضع حديثا على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة يعني المأمون وقال البخاري ومسلم وأبو زرعة والدارقطني : متروك . وقال الجوزجاني : ظهر منه على الكذب . وقال أبو حاتم : كذاب . وقال ابن حبان : يضع على الثقات . وطارق بن عبد العزيز الذي ذكر أن الثوري روى عنه لا يعرف من هو . قال : فإن طارق بن عبد العزيز المعروف الذي روى عنه ابن عجلان ليس من هذه الطبقة . وقد خولف فيها فرواها أبو نعيم عن الطبراني : حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش حدثنا أبو حاتم السجستاني حدثنا الأصمعي قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال : " اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا : تمنوا . فقال عبد الله بن الزبير : أما أنا فأتمنى الخلافة وقال عروة : أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم وقال مصعب : أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وقال عبد الله بن عمر : أما أنا فأتمنى المغفرة . قال : فنال كلهم ما تمنوا ولعل ابن عمر قد غفر له " . قلت : وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم وليس فيه سؤال بالمخلوقات .

(1/76)


وفي الباب حكايات عن بعض الناس أنه رأى مناما قيل له فيه : ادع بكذا وكذا ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلا باتفاق العلماء وقد ذكر بعض هذه الحكايات من جمع الأدعية وروي في ذلك أثر عن بعض السلف مثل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ( مجابي الدعاء قال : حدثنا أبو هاشم سمعت كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة يقول : جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر فجس بطنه فقال : بك داء لا يبرأ . قال : ما هو ؟ قال : الدبيلة . قال فتحول الرجل فقال : الله الله الله ربي لا أشرك به شيئا اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم تسليما يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي يرحمني مما بي . قال فجس بطنه فقال : قد برئت ما بك علة . قلت : فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السلف ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء ونهى عنه آخرون . فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا نزاع بين الطائفتين وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع وما تنازعوا فيه يرد إلى الله والرسول . وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة فإن كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضهم وبعض الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك ويدعو التماثيل التي في الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم . فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته وإن كان الغرض مباحا فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد لكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها كما أن كثيرا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة لكن لما كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع . فهذا أصل يجب اعتباره ولا يجوز أن يكون الشيء واجبا أو مستحبا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه . والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة . والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرا مباحا . وفي الجملة فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين . وحديث الأعمى الذي رواه الترمذي والنسائي هو من القسم الثاني من التوسل بدعائه فإن { الأعمى قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره . فقال له إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك فقال . بل ادعه فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول : اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها اللهم فشفعه في } فهذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال : " وشفعه في " فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه . وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات فإنه صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره . وهذا الحديث - حديث الأعمى - قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره : رواه البيهقي من حديث عثمان بن عمر عن شعبة عن أبي جعفر الليثي قال : سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن العتبية { أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ادع الله أن يعافيني فقال له إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك وإن شئت دعوت قال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فيقضيها لي اللهم فشفعه في وشفعني فيه قال فقام وقد أبصر } ومن هذا الطريق رواه الترمذي من حديث عثمان بن عمر . ومنها ما رواه النسائي وابن ماجه أيضا وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الليثي هكذا وقع في الترمذي وسائر العلماء قالوا هو أبو جعفر الخطمي وهو الصواب وأيضا فالترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء بل رووه إلى قوله { اللهم شفعه في } . قال الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن العتبية { أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ادع الله أن يعافيني قال إن شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه قال فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى اللهم شفعه في } . قال البيهقي : رويناه في ( كتاب الدعوات بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة قال : ففعل الرجل فبرأ قال : وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي . قلت . ورواه الإمام أحمد في مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقي قال أحمد : حدثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني : سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن العتبية { أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ادع الله أن يعافيني قال إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك وإن شئت دعوت لك قال : لا بل ادع الله لي فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه فتقضى لي وتشفعني فيه وتشفعه في قال ففعل الرجل فبرئ } . رواه البيهقي أيضا من حديث شبيب بن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني - وهو الخطمي - عن أبي أمامة سهل بن العتبية { عن عثمان بن العتبية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير يشتكي إليه ذهاب بصره فقال يا رسول الله : ليس لي قائد وقد شق علي ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيجلى عن بصري اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان بن حنيف : والله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط } . فرواية شبيب عن روح عن أبي جعفر الليثي خالفت رواية شعبة وحماد بن سلمة في الإسناد والمتن ؛ فإن في تلك أنه رواه أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة وفي هذه أنه رواه عن أبي أمامة سهل وفي تلك الرواية أنه قال : فشفعه في وشفعني فيه وفي هذه وشفعني في نفسي . لكن هذا الإسناد له شاهد آخر من رواية هشام الدستوائي عن أبي جعفر . ورواه البيهقي من هذا الطريق وفيه قصة قد يحتج بها من توسل به بعد موته - إن كانت صحيحة - رواه من حديث إسماعيل بن شبيب بن سعيد الحبطي عن شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني عن أبي أمامة سهل بن العتبية أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي الرجل عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي ثم اذكر حاجتك ثم رح حتى أروح معك . قال فانطلق الرجل فصنع ذلك ثم أتى بعد عثمان بن عفان فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : انظر ما كانت لك من حاجة . فذكر حاجته فقضاها له . ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في : فقال عثمان بن حنيف : ما كلمته ولكن { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوتصبر ؟ فقال له : يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال ائت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه إلى ربي فيجلي لي عن بصري اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان بن العتبية فوالله ما تفرقنا وما طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط } . قال البيهقي : ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله وساقه من رواية يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب بن سعيد . قال : ورواه أيضا هشام الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل عن عمه - وهو عثمان بن العتبية - ولم يذكر إسناد هذه الطرق . قلت : وقد رواه النسائي في كتاب ( عمل اليوم والليلة من هذه الطريق من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن العتبية عن عمه عثمان بن العتبية . ورواه أيضا من حديث شعبة وحماد بن سلمة كلاهما عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة ولم يروه أحد من هؤلاء - لا الترمذي ولا النسائي ولا ابن ماجه - من تلك الطريق الغريبة التي فيها الزيادة : طريق شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم . لكن رواه الحاكم في مستدركه من الطريقين فرواه من حديث عثمان بن عمر : حدثنا شعبة عن أبي جعفر المدني سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان بن العتبية { أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ادع الله أن يعافيني فقال : إن شئت أخرت ذلك فهو خير لك وإن شئت دعوت قال : فادعه . فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه اللهم فشفعه في وشفعني فيه } قال الحاكم على شرطهما . ثم رواه من طريق شبيب بن سعيد الحبطي وعون بن عمارة عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الليثي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن العتبية عن عمه { عثمان بن العتبية أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره وقال : يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال : ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيجلي لي عن بصري اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأن لم يكن به ضر قط } . قال الحاكم : على شرط البخاري . وشبيب هذا صدوق روى له البخاري ولكنه قد روى له عن روح بن الفرج أحاديث مناكير رواها ابن وهب وقد ظن أنه غلط عليه . ولكن قد يقال مثل هذا إذا انفرد عن الثقات الذين هم أحفظ منه مثل شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي بزيادة كان ذلك عليه في الحديث ؛ لا سيما وفي هذه الرواية أنه قال { فشفعه في وشفعني في نفسي } وأولئك قالوا { فشفعه في وشفعني فيه } ومعنى قوله " وشفعني فيه " أي في دعائه وسؤاله لي فيطابق قوله " وشفعه في " . قال أبو أحمد بن عدي في كتابه المسمى ( بالكامل في أسماء الرجال - ولم يصنف في فنه مثله - : شبيب بن سعيد الحبطي أبو سعيد البصري التميمي حدث عنه ابن وهب بالمناكير وحدث عن يونس عن الزهري بنسخة الزهري أحاديث مستقيمة وذكر عن علي بن المديني أنه قال : هو بصري ثقة كان من أصحاب يونس كان يختلف في تجارة إلى مصر وجاء بكتاب صحيح قال : وقد كتبها عنه ابنه أحمد بن شبيب . وروى عن عدي حديثين عن ابن وهب عن شبيب هذا عن روح بن الفرج : أحدهما : عن ابن عقيل عن سابق بن ناجية عن ابن سلام قال : مر بنا رجل فقالوا إن هذا قد خدم النبي صلى الله عليه وسلم . والثاني عنه عن روح بن الفرج عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة حديث دخول المسجد قال ابن عدي : كذا قيل في الحديث عن عبد الله بن الحسين عن أمه فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عدي . ولشبيب بن سعيد نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري وهي أحاديث مستقيمة . وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير . وحدثني روح بن الفرج اللذين أمليتهما يرويهما ابن وهب عن شبيب وكان شبيب بن سعيد إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة الزهري : ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير التي يرويها عنه ولعل شبيبا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب . قلت : هذان الحديثان اللذان أنكرهما ابن عدي عليه : رواهما عن روح بن القاسم وكذلك هذا الحديث حديث الأعمى رواه عن روح بن القاسم . وهذا الحديث مما رواه عنه ابن وهب أيضا كما رواه عنه ابناه لكنه لم يتقن لفظه كما أتقنه ابناه . وهذا يصحح ما ذكره ابن عدي فعلم أنه محفوظ عنه وابن عدي أحال الغلط عليه لا على ابن وهب وهذا صحيح إن كان قد غلط وإذا كان قد غلط على روح بن القاسم في ذينك الحديثين أمكن أن يكون غلط عليه في هذا الحديث وروح بن القاسم ثقة مشهور روى له الجماعة فلهذا لم يحيلوا الغلط عليه . والرجل قد يكون حافظا لما يرويه عن شيخ ؛ غير حافظ لما يرويه عن آخر : مثل إسماعيل بن عياش فيما يرويه عن الحجازيين ؛ فإنه يغلط فيه ؛ بخلاف ما يرويه عن الشاميين . ومثل سفيان بن حسين فيما يرويه عن الزهري . ومثل هذا كثير فيحتمل أن يكون هذا يغلط فيما يرويه عن روح بن القاسم - إن كان الأمر كما قاله ابن عدي - وهذا محل نظر . وقد روى الطبراني هذا الحديث في المعجم من حديث ابن وهب عن شبيب بن سعيد : ورواه من حديث أصبغ بن الفرج : حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الليثي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن العتبية عن عمه عثمان بن حنيف { أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك عز وجل فيقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة وقال : ما كانت لك من حاجة فأتنا . ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في . فقال له عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أفتصبر ؟ فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات فقال عثمان بن حنيف : فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط . } قال الطبراني روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر واسمه عمر بن يزيد وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر عن شعبة قال أبو عبد الله المقدسي : والحديث صحيح . قلت والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه ولم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة وذلك إسناد صحيح : يبين أنه لم ينفرد به عثمان بن عمر وطريق ابن وهب هذه تؤيد ما ذكره ابن عدي فإنه لم يحرر لفظ الرواية كما حررها ابناه ؛ بل ذكر فيها أن الأعمى دعا بمثل ما ذكره عثمان بن العتبية وليس كذلك بل في حديث الأعمى أنه قال { اللهم فشفعه في وشفعني فيه - أو قال - في نفسي } . وهذه لم يذكرها ابن وهب في روايته فيشبه أن يكون حدث ابن وهب من حفظه كما قال ابن عدي فلم يتقن الرواية . وقد روى أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه حديث حماد بن سلمة فقال : حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن العتبية { أن رجلا أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أصبت في بصري فادع الله لي قال اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة . يا محمد أستشفع بك على ربي في رد بصري اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصري وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك فرد الله عليه بصره } . قال ابن أبي خيثمة : وأبو جعفر هذا - الذي حدث عنه حماد بن سلمة - اسمه عمير بن يزيد وهو أبو جعفر الذي يروي عنه شعبة ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة . قلت : وهذه الطريق فيها { فشفعني في نفسي } مثل طريق روح بن القاسم وفيها زيادة أخرى وهي قوله : { وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك - أو قال - فعل مثل ذلك } . وهذه قد يقال : إنها توافق قول عثمان بن العتبية لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى وقوله { وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك } قد يكون مدرجا من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل " وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك " بل قال " وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك " . وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة وإنما غايتها أن يكون عثمان بن العتبية ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع ؛ بل ببعضه وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم ولفظ الحديث يناقض ذلك فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول { اللهم فشفعه في } وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داعيا شافعا له بخلاف من لم يكن كذلك فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم . وفيه أيضا أنه قال { وشفعني فيه } وليس المراد أنه يشفع للنبي صلى الله عليه وسلم في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم - وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من قال إذا سمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته . حلت له شفاعتي يوم القيامة } . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة } . وسؤال الأمة له الوسيلة هو دعاء له وهو معنى الشفاعة ولهذا كان الجزاء من جنس العمل فمن صلى عليه صلى عليه الله ومن سأل الله له الوسيلة المتضمنة لشفاعته شفع له صلى الله عليه وسلم كذلك الأعمى سأل منه الشفاعة فأمره أن يدعو الله بقبول هذه الشفاعة وهو كالشفاعة في الشفاعة ؛ فلهذا قال : { اللهم فشفعه في وشفعني فيه } . وذلك أن قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا هو من كرامة الرسول على ربه ولهذا عد هذا من آياته ودلائل نبوته ؛ فهو كشفاعته يوم القيامة في الخلق ولهذا أمر طالب الدعاء أن يقول { فشفعه في وشفعني فيه } بخلاف قوله " وشفعني في نفسي " فإن هذا اللفظ لم يروه أحد إلا من هذا الطريق الغريب . وقوله { وشفعني فيه } رواه عن شعبة رجلان جليلان : عثمان بن عمر وروح بن عبادة . وشعبة أجل من روى هذا الحديث ومن طريق عثمان بن عمر عن شعبة رواه الثلاثة : الترمذي والنسائي وابن ماجه : رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عثمان بن عمر عن شعبة . ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سيار عن عثمان بن عمر وقد رواه أحمد في المسند عن روح بن عبادة عن شعبة فكان هؤلاء أحفظ للفظ الحديث . مع أن قوله { وشفعني في نفسي } إن كان محفوظا مثل ما ذكرناه وهو أنه طلب أن يكون شفيعا لنفسه مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يدع له النبي صلى الله عليه وسلم كان سائلا مجردا كسائر السائلين . ولا يسمى مثل هذا شفاعة وإنما تكون الشفاعة إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرا فيكون أحدهما شفيعا للآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره . فهذه الزيادة فيها عدة علل : انفراد هذا بها عن من هو أكبر وأحفظ منه وإعراض أهل السنن عنها واضطراب لفظها وأن راويها عرف له - عن روح هذا - أحاديث منكرة . ومثل هذا يقتضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة فلا حجة فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما فهمه إذا كان اللفظ الذي رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه .

(1/77)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية