صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الفتاوى الفقهية الكبرى
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

سبحانه وتعالى أعلم .

(10/342)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عمن ادعى في تركة ميت بلفظ إني أستحق في تركة مورثك كذا أو بغيره دعوى مجردة ولم يقم بينة وأراد تحليف الوارث هل تكون يمينه في الصورة الأولى على البت وفي غيرها على نفي العلم أم لا ؟ ( فأجاب ) نفع الله تعالى ببركته وعلومه المسلمين بأن في هذه المسألة تفصيلا وهو أنه تارة يريد تحليفه على عدم حصول التركة في يده فيحلف على البت أو على الموت والدين فيحلف على نفي العلم سواء أكانت دعواه بلفظ أستحق في تركة مورثك كذا أو بغيره فقد قالوا إن الحلف يكون على البت في الإثبات والنفي إلا على نفي فعل الغير كأبرأني مورثك فلا بد أن يذكر الدين وصفته وموت المدين وحصول التركة بيد وارثه وأنه عالم بدينه على مورثه فيحلف في الموت والدين على نفي العلم .
وفي عدم حصول التركة بيده على البت ولو أنكر كلا من الدين والتركة فللمدعي أن يحلفه مع حلفها على عدم حصولها بيده على نفي العلم بالدين لأن له غرضا في إثبات الدين وإن لم يكن عند الوارث شيء فلعله يظفر بوديعة أو دين للميت فيأخذ منه حقه ا هـ فافهم قولهم فيحلف في الدين على نفي العلم لا فرق بين أن تكون الدعوى به بلفظ أستحق أو بغيره .
وأي فرق بين أستحق في تركة مورثك كذا أو لي على مورثك أو عنده كذا نعم ذكر الأزرق رحمه الله تعالى في نفائسه أن اليمين قد تكون على البت حيث قال إذا وجبت اليمين على شخص حلف على البت في فعله وكذا غيره إن كان إثباتا وإن

(10/343)


كان نفيا فعلى نفي العلم فيقول لا أعلم لك على مورثي دينا فإن أراد حيلة تكون اليمين على الجزم فيقول يلزمك أن تسلم إلي من تركة والدك كذا فيجب أن تكون اليمين على الجزم ذكره في البسيط في نظيرها من الخلع .
ا هـ .
وبه يعلم أنه لو قال أستحق في تركة مورثك كذا فيلزمك تسليمه إلي حلف حينئذ على البت فيقول والله لا يلزمني تسليم ذلك إليك ويوافقه ما في فتاوى الأصبحي من أنه لو ادعى أرضا في يد آخر فقال من هي في يده هي أرضي ورثتها من أبي فيقول المدعي بل ملكي وطلب يمين المدعى عليه على البت وامتنع أن يحلف إلا على نفي العلم فما الحكم الذي صرح به الأئمة رضي الله عنهم فأجاب بما حاصله أن كيفية اليمين هنا على نفي الاستحقاق اتفاقا .
ا هـ .
ويوافق ذلك وما في الجواهر وغيرها من أنه لو ادعى على إنسان عينا أو دينا فأنكر وحلف ثم مات المدعى عليه فهل له تحليف وارثه ثانيا وجهان أصحهما نعم وتحليفه على نفي استحقاق تسليم العين ونفي العلم بالدين وكذا له تحليف وارث الوارث .
ا هـ .
وبما تقرر يعلم أنه حيث أسند المدعى به إلى الميت كأستحق على مورثك أو في تركته أو عنده كذا حلف الوارث على نفي العلم به وحيث أسنده إلى الوارث كيلزمك تسليم هذا إلى ملكي أو أستحقه حلف على البت فيقول لا يلزمني تسليمه إليك أو لا تملكه أو لا تستحقه ثم رأيت البلقيني رحمه الله تعالى صرح بما يؤيد ذلك فقال في حواشي الروضة والاختصار والمعتبر أن يقال يحلف على

(10/344)


البت في كل عين إلا فيما يتعلق بالوارث فيما ينفيه وكذلك العاقلة بناء على أن الوجوب لا في القاتل .
ا هـ .
وهذا أحسن من إطلاق الشيخين رحمهما الله تعالى كالبندنيجي وغيره أن الضابط في ذلك أن يقال كل يمين فهي على البت إلا على نفي فعل الغير وفي الروضة آخر الدعاوى أن النفي المحصور كالإثبات في إمكان الإحالة به قال الزركشي رحمه الله تعالى فعلى هذا يحلف في مثله على البت وإن كان نفي فعل الغير كما تجوز الشهادة به وقد يحلف على البت في موجود لا ينسب لفعله ولا لفعل غيره كأن يقول لزوجته إلا كان هذا الطائر غرابا فأنت طالق فطار ولم يعرف فادعت أنه غراب وأنكر فيحلف على البت على أنه ليس بغراب كما قاله الإمام والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/345)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عما لو ادعى زيد على عمرو أنه أقر أنه باعه عينا بألف وأشهد على ذلك وأقام عمرو بينة أن زيدا مقر أنه اشترى هذه العين بألفين وشهود عمرو على لفظ الشراء فمن ترجح بينته ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بأن البينتين المذكورتين في السؤال يقبل قولهما وذلك لأنهما إن أطلقتا بأن لم يذكرا تاريخا لوقت الإقرارين أو أطلقت واحدة وأرخت الأخرى لزم زيدا لعمرو الألفان اللذان شهدت بهما بينة عمرو على إقراره ولا تعارض حينئذ بين البينتين لإمكان الجمع بينهما بأن يكون عمرو باعها لزيد بألف وأقر به ثم استردها منه ثم باعها له بألفين ثم أقر زيد بذلك فعملنا بكل من البينتين وألزمنا زيدا الألفين لأن البينة الشاهدة على إقراره معها زيادة علم والبينة الشاهدة على إقرار عمرو بالألف لا تعارض تلك البينة لما تقرر وإن أرختا بتاريخين .
فإن اختلف التاريخ ومضى زمن يمكن فيه الانتقال لزم زيدا الألفان أيضا وإن اتفق التاريخ أو لم يمض زمن يمكن فيه الانتقال تعارضت البينتان في الألف الزائدة بمعنى أن زيدا يقر بها لعمرو وعمرو ينكر استحقاقها فيلزم زيدا الألف الأولى والألف الأخرى لا يستحقها عمرو إلا بإقرار جديد من زيد فإن أقر له ثانيا بالألف الثانية لزمته أيضا وإلا لم يلزمه إلا الأولى .
وهذا كله إن لم يتفقا على أنه لم يجز إلا عقد واحد أما لو اتفقا على أنه لم يجر إلا عقد واحد فحكمه حكم

(10/346)


الحالة الأخيرة وهو أن زيدا مقر بالألف الثانية لعمرو وعمرو ينكر استحقاقها فلا يستحقها إلا بإقرار جديد وأما قول السائل وشهود عمرو على لفظ الشراء فهو مناقض لقوله قبله وأقام عمرو بينة أن زيدا مقر أنه اشترى هذه العين بالألفين فإن قلت فما حكم هذه الحالة أعني ما لو شهدت البينة على عمرو أنه أقر بأنه باع بألف وشهدت البينة على زيد أنه اشترى قلت حكمه أنه يأتي فيه ما مر من التفصيل ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/347)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عما لو ادعى على زيد دينا فقال إنما هو على عمرو وأنا شاهد بذلك عليه هل تقبل شهادة عمرو ` على زيد أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى به بأن قول زيد ما ذكر جواب غير صحيح فلا يقبل منه بل يلزم بالخروج من جواب هذه الدعوى بالوجه الشرعي فلو فرض أنه حلف أنه ليس عليه ثم ادعى به على عمرو وأراد أن يستشهد زيد به لم تقبل شهادته لأنه مقر بفسقه لجحده دينه الذي ادعاه عليه ولأنه متهم في تبرئة نفسه بإلزام غيره مما ادعي عليه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/348)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن شخصين توارثا من أبيهما ومات أحدهما بعد أزمان فادعى الآخر على ورثة الميت بأنه لم يفرد له حصة من الميراث ولم يبين قدر المال وشهد الشهود بدعواه فأجاب ورثة الميت بأنهم لا يعلمون ذلك ولا يستحق عليهم شيئا فهل تقبل هذه الدعوى من غير تعيين المقدار أم لا فإن قلتم بقبول هذه الدعوى والحالة هذه أو عين المدعي المقدار فهل الواجب أداء القدر الذي عينه المدعي أو القدر الكائن وقت الدعوى ( فأجاب ) بأنه حيث ادعى ولد الميت أولا على ورثة الميت ثانيا بأن مورثهم استولى على حصته من أبيه وبينها ومات وهي تحت يده أو تصرف فيها في حياته فإن شهد له شاهدان عدلان أهلان للشهادة بما يطابق داعوه المذكورة قبلت شهادتهما وألزم القاضي ورثة الميت ثانيا بدفع تلك الحصة وأما إذا لم يبين تلك الحصة فلا تسمع دعواه فإن بينها لكن لم يشهد له شاهدان كذلك حلف ورثة الميت ثانيا على نفي العلم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/349)


( وسئل ) رحمه الله عما لو ادعى على شخص بجهة عامة بشيء في أرض أو غيرها وكان المدعي متلقي ذلك من آخر ولا حجة له فهل يمين المدعى عليه على البت أو على نفي العلم أو فيه تفصيل كأن كان في أرض أمداد معلومة فباعها الوارث وادعى المشتري وهو المدعى عليه قدرا والذي إلى جهته الصدقة قدرا آخر ولا بينة ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بأن يمين المدعى عليه تكون على البت وإذا تنازع ذو اليد وغيره في قدر المدعى به صدق ذو اليد بيمينه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/350)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن رجل ادعى على آخر أن هذه العين تحت يدك رهن فيها مائة أشرافي وأقام على ذلك بينة وأقام المدعى عليه بينة أن العين ملكه اشتراها من الراهن والراهن قد مات والمرتهن أيضا قد مات لكن الدعوى بين وارث الراهن ووارث المرتهن فأقام وارث الراهن بينة أن المرتهن أقر عند الموت أن العين مرهونة فأقام وارث المرتهن بينة أن الراهن أقر بعد موت المرتهن أني بعتها من المرتهن أو من وارثه أعني وارث المرتهن وأقام أيضا وارث الراهن بينة أن المرتهن ووارثه أقر أنها رهن تحت أيديهما لم يجز فيها بيع من أحد فأقام أيضا وارث المرتهن بينة أن وارث الراهن أقر أنه باعها هو أو مورثه وأقام وارث الراهن أيضا بينة أن آخر مجلس أنك أقررت أنها مرهونة لم يجز فيها بيع فأي البينتين تقدم أوضحوا لنا ذلك فإن الحاجة داعية إلى ذلك وقد حصل في هذه الدعوى فتنة عظيمة ثم إنهم قد أقروا لما يجيبهم في الورقة من تقديم البينات فاكتبوا بخطكم الشريف جوابا عن ذلك كله .
وإذا لم يلق في بعض ذلك بينة فما الحكم أفتونا مأجورين ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله إنه إذا شهدت البينة أن المرتهن أقر عند موته أن العين مرهونة عمل بإقراره ولم يفد إقرار الراهن بعد موت المرتهن أنه باعها له قبل الموت لأن شرط صحة الإقرار أن لا يكذب المقر له المقر وهنا المرتهن لما أقر عند موته أنها مرهونة عنده كان مكذبا للراهن في قوله

(10/351)


إنه باعها له فتبقى العين على ملك الرهن لأن من أقر لشخص بشيء فكذبه فيه ترك في يد المقر وجاز له التصرف فيه ظاهرا أما في الباطن فالمدار فيه على حقيقة الحال هذا ما يتعلق بإقرار المرتهن وبإقرار الراهن أنه باعه .
وأما إذا قامت بينة بأن الراهن أقر أنه باع وارث المرتهن أو أن وارث الراهن أقر بذلك وأقام بينة أخرى بأن وارث المرتهن أقر بأنها باقية على رهنيتها لم يجز فيها بيع فإن أرخت الإقرارين وكان إقرار الراهن أو وارثه متقدما كان إقرار وارث المرتهن المذكور مكذبا للراهن أو وارثه فتبقى العين على ملكه وإن كان إقراره متأخرا ولم يكذبه وارث المرتهن المقر له كانت العين ملكه وإن لم يؤرخاه أو أرخت واحدة وأطلقت أخرى فإن كان وارث المرتهن المقر له بالبيع موجودا وكذب الراهن أو وارثه في إقراره بالبيع لم يلتفت للبينة الشاهدة بإقراره بل تبقى العين رهينتها لما مر وإن لم يكذبه تعارضت البينتان فيحلف منكر البيع على نفسه وتبقى العين على رهنيتها أيضا لأن صورة المسألة كما يفهم من السؤال أن الرهينة متفق عليها وإنما النزاع في أنه وقع من الراهن أو وارثه بيع أو لا وكذا الحكم إذا لم يكن بينة من الجانبين هذا ما يتجه في هذه المسألة وإن لم أر فيها نقلا بخصوصها .
ولا ينافيه قول الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم الكبير في الراهن ولو قال رهنتك داري بألف آخذها منك وقال المقر له بالرهن بل اشتريت منك تحالفا ولم

(10/352)


تكن الدار هنا وكانت عليه الألف بلا رهن ولا بيع لأن صورة هذا النص غير صورة هذا السؤال كما هو جلي على أنه ضعيف وإن جزم به صاحب المهذب والمحاملي لأن شرط التحالف أن يتفقا على عقد ويختلفا في صفته وهنا لم يتفقا على عقد فالمعتمد ما نقله الرافعي عن البغوي وجزم به في الروضة .
وجرى عليه المتولي وغيره من أن المالك يصدق بيمينه لأن الأصل عدم البيع ويرد الألف ويسترد العين بزوائدها ولا يمين على الآخر قال المتولي رحمه الله تعالى لأن الرهن جائز من جهته فالخيرة له في قبوله وقال العمراني لأن الرهن زال بإنكاره لأنه يبطل بإنكار المرتهن وإنما رد إليه الألف مع أنه ينكر استحقاقها لأنه مدع لاستحقاق العين المقابلة عنده بالألف فلما تعذر إبقاؤها رد عليه مقابلها الذي هو بدله كما هو شأن تراد العوضين عند الفسخ أو نحوه ووقع لبعض الجهلة أنه رأى هذا النص في بعض الكتب فتوهم منه أنه في صورة السؤال فكتب فيها الجواب أن البينتين تتعارض في جميع ذلك فإذا تعارضت بطلت وتحالفا .
فقد قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الرهن في الأم الكبير ما نصه ولو قال رهنتك داري وساق النص المذكور ولو استحى من الله سبحانه وتعالى لم يكتب ذلك ولم يتسور على هذا المنصب الخطير مع أنه ليس فيه أهلية له بوجه كما تدل على ذلك عبارته المذكورة فإنها تسجل عليه بالجهل وتنادي على فهمه بالعجز فعليه أن ينكف عن ذلك ولا يفتي إلا بما هو

(10/353)


معلوم مقطوع به في المذهب كالنية واجبة في الوضوء والوتر مندوب ومتى تعدى ذلك دخل في زمرة من قال الله تبارك وتعالى في حقهم عز من قائل { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } الآية لكن لما اندرست أطلال العلم وعفت رسومه تسور سوره الرفيع الكذابون وتشدق في حلقهم المتفيهقون المتشبعون بما لم يعطوه فكانوا كلابس ثوبي زور كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم .

(10/354)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن قول ابن السبكي رحمه الله تعالى في الأشباه والنظائر لو قال هذا العبد لفلان ثم ادعى أنه شراه منه لم يصح للمضادة وعن ابن سريج أنه يسمع ولو قال هذا العبد لفلان وقد اشتريته منه منفصلا كان مسموعا لأن العادة جرت أنه يراد به كان لفلان ذكر ذلك شريح في أدب القضاء .
ا هـ .
ما قاله في الأشباه والنظائر فما الصحيح عندكم ؟ ( فأجاب ) نفع الله تعالى بعلومه بقوله إن ما نقله ابن السبكي رحمهما الله تعالى متجه فليعتمد ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/355)


( وسئل ) رحمه الله سبحانه وتعالى عن رجل تحت يده حديقة ورثها من أبيه وهي تحت يده يتصرف فيها تصرف الملاك مدة مديدة فادعى رجل أنها رهن بكذا وأقام بذلك بينة وأقام ذو اليد بينة أنها ملكه مدة مديدة أو أنه اشتراها من صاحبها أو أنه أقر بها أو أنه وهبه إياها بجميع حقوقها وأذن له في قبضها وقبضها فهل بينة الخارج الذي ادعى الرهن تقدم أم بينة الذي ادعى الشراء أو الهبة أو الإقرار وهل يكفي قول الراهن هي رهن بكذا أم لا بد من قوله كما قال الإمام الأذرعي الوجه أن يقول هي ملكي رهنتها منه بكذا وأحضرت المبلغ ويلزمه التسليم إلي وأخذ الحق مني أوضحوا لنا الجواب وإذا أقام مدعي الرهن بينة على إقرار المرتهن أنها تحت يدي رهينة ولم يمض بعد إقراره زمن يمكن فيه البيع فأي البينتين تقدم ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله إذا أقام الخارج بينة بأنه ملكه وأن الداخل غصبه منه أو غصبه منه زيد وباعه للداخل أو أنه اكتراه منه أو أودعه عنده قدمت بينة الخارج وكالإيجار والإيداع الرهن المذكور في السؤال كما لا يخفى أما إذا أقام الخارج بينة بالرهن وأقام الداخل بينة بأنه اشتراه من الراهن أو أن الراهن أقر له به أو وهبه إياه أو أقبضه له أو أذن له في قبضه فتقدم بينة الداخل وما ذكره الأذرعي ذكره غيره وهو ظاهر إذ لا بد في الدعوى أن تكون ملزمة بأن يكون المدعى به لازما فلا تسمع دعوى هبة شيء أو بيعه أو

(10/356)


إقرار به حتى يقول المدعي وقبضته بإذن الواهب ويلزم البائع أو المقر تسليمه إلي وإذا ادعى دينا قال وهو ممتنع من أدائه وإذا ادعى دارا مثلا بيد غيره لم يكف أن يقتصر في دعواه على قوله هي ملكي رهنتها منه بكذا لأنه لا يمكنه أن يقول ويلزمه تسليمها إلي وطريقه لتسمع دعواه أن يقول وقد أحضرت المبلغ فيلزمه تسليمها إلي إذا قبضه مني وكذا لو ادعاها وقال هي ملكي أجرتها منه مدة كذا إذ لا يمكنه أن يقول قبل مضي المدة ويلزمه تسليمها في طريقه أن يصير إلى انقضاء المدة ثم يدعي وتقدم بينة مدعي الرهن في الصورة المذكورة آخر السؤال ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/357)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن رجل اشترى جارية وامتلكها مدة مديدة فأتت بولد في أثناء المدة فلم ينكر سيدها وشاع بين الناس أن الولد من سيدها ثم إن الجارية أدخلت على سيدتها من قتلها بالليل واعترفت الجارية أنها التي كانت السبب في ذلك ثم إن السيد باع الجارية وأمسك الولد فنكر عليه في ذلك فادعى عدم الوطء وأن الولد ليس منه ثم إن السيد مرض مرض الموت فاستلحق الولد بعد نفيه له ليجوز ميراثه فهل يلحقه الولد بعد ما صدر منه البيع والإقرار بذلك أو لا وما يكون حكم الله تعالى في هذه المسألة ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله نعم يلحقه الولد إن وجدت فيه شروط الاستلحاق من كون المستلحق ذكرا مكلفا مختارا والمستلحق مجهول النسب حرا لا ولاء عليه لأحد وهو في سن يمكن كونه ولد المقر ولا بد أن يصدقه البالغ العاقل الحي ولا يلزم من ثبوت النسب ثبوت الإيلاد للأم بل لا بد في ثبوته .
مع النسب من أن يقول مع ذلك ولو في المرض علقت به في ملكي أو هو ولدي منها ولها في ملكي عشر سنين مثلا وكان الولد ابن سنة مثلا وبهذا يعلم أنا لا نحكم عليه بالإثم ولا بفساد بيع الأمة إلا أن قال علقت به في ملكي أو فيما بعده مما ذكر وأما مجرد قوله هو ولدي فإنه لا يلزم منه إيلادها .
وإن قال ولدته في ملكي لاحتمال أنه أحبلها بنكاح أو بشبهة ثم ملكها والكلام في غير المزوجة أما هي فيلغى الإقرار ويلحق الولد بالزوج إن أمكن وفي غير المستفرشة

(10/358)


له أما المستفرشة له فيلحقه الولد بالاستفراش لا بالإقرار ولو قال هذا ولدي من أمتي لحقه وإن قال بعده من زنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/359)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن رجل مات وعليه دين وخلف تركة من جملتها أمة ادعت أنها حامل من سيدها ولم يعلم من سيدها أنه وطئها ولا سمع منه ذلك فإن صح الحمل فهل يقبل قولها في أن سيدها وطئها وأن الحمل منه أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى به بقوله لا يقبل قولها في ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/360)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن رجلين ادعيا عينا في يد ثالث وأقام أحدهما بينة أن العين ملكي وأن من في يده العين غصبها مني وأقام الآخر بينة أن الذي العين في يده أقر بها وأنكر المالك الإقرار والغصب فهل بينة مدعي الإقرار تقدم أم بينة مدعي الملك والغصب منه فقد قال في الروضة إنه يثبت الملك والغصب ويلغى إقرار الغاصب لغير المغصوب منه ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى به بقوله إذا ادعيا عينا بيد ثالث فأنكر فأقام أحدهما بينة أنه غصبها منه وأقام الآخر بينة أنه أقر بأنه غصبها منه قدمت بينة الأول لأن الغصب منه ثبت بطريق المشاهدة ولا يغرم شيئا للمقر له لأن الملك ثبت بالبينة وأصل ذلك قول أصل الروضة دار في يد رجل ادعاها اثنان وأقام أحدهما بينة أنها له غصبها منه المدعى عليه وأقام الآخر بينة أن من هي في يده أقر له بها فلا منافاة بينهما فيثبت الملك والغصب بالبينة الأولى ويلغو إقرار الغاصب لغير المغصوب منه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/361)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن امرأة بيدها مستند شرعي مضمونه أن فلانة الفلانية اشترت من أختها فلانة الفلانية بيتا بيعا مطلقا بثمن كذا وكذا قبضت البائعة الثمن باعترافها وحكم حاكم شافعي بالتبايع المذكور مؤرخ التبايع والحكم بعام سنة عشرين وتسعمائة والشاهد لم يكتب في المستند معرفته للبائعة ولا عرفه أحد بها والحالة أن البائعة منكرة للبيع المذكور وأنها لم تقبض الثمن المذكور وأنها لم تكن أختا لها كما كتب الكاتب في المستند ثم إن البائعة جاءت عند حاكم شرعي مخالف للحاكم المثبت وادعت على المشترية المذكورة أنها واضعة يدها على بيتها بمقتضى أنها جعلته تحت يدها في مبلغ اثني عشر أشرافيا هو ومستندات شرعية تشهد لها بذلك فأجابت بأنها صار إليها ذلك بالشراء الشرعي منها كما ذكر أعلاه وأنني تقايلت أنا وإياك أحكام التبايع الصادر منك كما ذكر فهل تسمع دعواها الآن بأنها لم تبع ولم تقبض الثمن وهل حكم الحاكم الشافعي يمنعها من الدعوى بذلك وهل طول المدة مع تصريفها في البيت بالهدم والبناء مسقط للطلب أيضا أم لا وهل للحاكم المدعى لديه إلزام المشترية بحضور البينة ثانيا لتشهد في وجه البائعة بالمعرفة والبيع وبقبض الثمن أم لا ؟ ( فأجاب ) نفع الله تعالى بعلومه بقوله لا تسمع دعواها الآن بأنها لم تبع حيث ثبت عند الحاكم وليس للحاكم المدعى لديه إلزام المشترية بحضور البينة ثانيا لتشهد في وجه البائعة بالمعرفة لأن من

(10/362)


لازم حكم الحاكم بصحة البيع استيفاء مسوغاته الشرعية ومنها أن الشهادة لا تكون إلا على عينها أو باسمها ونسبها ولا نظر لطول المدة المذكورة ولا لقصرها وأما دعواها أنها لم تقبض الثمن فإن كانت الشهادة عليها بطريق المعاينة لم تسمع دعواها وإن كانت بطريق الشهادة على إقرارها سمعت دعواها أنها لم تقر إلا على رسم القبالة فتحلف المشترية أنها أقبضتها الثمن فإن نكلت حلفت البائعة أنها لم تقبض واستحقت الثمن ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/363)


( وسئل ) نفعنا الله تعالى به في أرض تكون تحت يد مستأجر أو مشتر مدة سنين كثيرة ثم ادعى المؤجر أو البائع أو أولادهما بعد انقراضهما أن هذه الأرض وقفها أبونا أو جدنا علينا وأقامت بذلك يعني بالوقف بينة بالتسامع ولم يعلم أنه قد ثبت هذا الوقف عند حاكم هل تسمع الدعوى والبينة ويصير ذلك وقفا ويبطل البيع أو الإجارة ويغرم واضع اليد أجرة المثل لتلك المدة وما يفوت من المنافع وما يتلف من الأرض وما يكون الحكم لو تنقلت تحت أياد كثيرة تكون كالمغصوبة أو لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله تسمع الدعوى بالوقف في الصورة المذكورة والبينة الشاهدة به لكن إن جزمت بالشهادة بخلاف ما لو صرحت بأن مستندها التسامع فإنها لا تقبل شهادتها حينئذ إن ذكرت ذلك على جهة الجزم دون التردد على ما قاله جماعة ، والله تعالى أعلم .

(10/364)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن رجلين اختصما في أرض وهي تحت أيديهما أو في يد أحدهما وجاء أحدهما بكتاب فيه اشتراء صحيح بحكم حاكم وجاء آخر بكتاب صحيح فيه وقف صحيح بحكم حاكم متقدم على الشراء أو لم يكن فيه حكم حاكم ولكن قامت البينة بالوقف الصحيح التاريخ المتقدم فما المعتمد في ذلك ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله إذا سمعت شهادتها بالوقف بشروطها حكم به للموقوف عليه وانتزع ممن هو في يده وغرم ذو اليد أجرة مثله مدة وضع يده عليه وما فات من منافعه وأجزائه وكذا لو تعاقبت عليه أيد كثيرة كالمغصوب ، والله أعلم .

(10/365)


( وسئل ) رحمه الله تعالى فيما ذكره الأئمة في باب الدعاوى من أنه لا بد لصحة الدعوى مع شروطها أن تكون ملزمة إلا إذا كانت لدفع المنازعة هل ذلك خاص بالدعوى أو يتعدى إلى اليمين والشهادة وهل يفرق في الدعوى بين أن تكون إقرارا فلا يحتاج يمينها وشهادتها إلى ذلك أو لا فيحتاج ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه وبركته بقوله الذي ذكروه أن شرط الدعوى العلم سواء أقصد بها دفع المنازعة أم لا والإلزام فإن ادعى ملكا بنحو بيع أو هبة أو ادعى استحقاق عين لم تسمع دعواه حتى يقول ويلزمه التسليم إلي فإن كان سفيها قال إلى وليي أو أنه يمتنع من الأداء اللازم له لأنه قد يرجع الواهب قبل القبض ويفسخ البائع بسبب .
ويكون الدين مؤجلا أو على نحو معسر أو العين موجودة مع المدعى عليه ويستثنى من هذا الشرط أعنى اشتراط ما ذكر وهو يلزمه التسليم إلي ما لو قصد بالدعوى نحو المنازعة دون تحصيل الحق فلا يشترط حينئذ ذكر ذلك فإذا قال هذه الدار لي وهو يمنعنيها سمعت دعواه وإن لم يقل هي في يده لأنه يمكن أن ينازعه وإن لم تكن الدار بيده ولأنه لو قال ذلك أو قال يلزمه التسليم إلي سأله القاضي عن سببه من شراء أو رهن أو إجارة مثلا وبهذا الذي تقرر من كلامهم علم أن ذلك لا يمكن إتيان نظيره في اليمين والشهادة لا في الإقرار ولا في غيره وهذا واضح جدا وكان سبب الالتباس فيه ما أوهمه كلام السائل من أنها إذا كانت لدفع المنازعة لا يشترط فيها شيء من

(10/366)


شروط الدعوى وليس كذلك وإنما هو مستثنى من اشتراط ذكر ويلزمه التسليم إلي كما تقرر ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/367)


( وسئل ) رحمه الله تعالى في رجل ادعى على آخر أن هذه العين تحت يدك غصب وأقام على ذلك بينة وادعى آخر أنها تحت يدك عارية أو إجارة وأقام بذلك بينة ولم يقر لأحد منهما أو أقر لأحدهما فما يكون الحكم في ذلك ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله إن البينتين المذكورتين فيها إن شهدت كل منهما بالملك لمن أقامها تعارضتا فيتساقطان ويعمل بإقرار ذي اليد وإن شهدت إحداهما بالملك والأخرى بمجرد الغصب أو الاستعارة أو الاستئجار من الآخر قدمت الشاهدة بالملك .

(10/368)


( وسئل ) رحمه الله تعالى هل يجوز للمفلس الحلف على أنه لا مال له ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى به بقوله حكى الصيدلاني رحمه الله تعالى فيه وجهين أحدهما له الحلف أنه لا حق عليه ناويا لا حق عليه يلزمه أداؤه الثاني لا يحلف لأن الحاكم العادل لا يحبسه إلا بعد الكشف عن حاله ذكره في البيان وقضيته اتفاق الوجهين على أن له الحلف ناويا ذلك إذا كان الحاكم جائرا وحينئذ فيستفاد منه أن التورية تنفع عند الجائر في نحو ذلك أيضا ويكون ذلك مستثنى من قولهم لا تنفع التورية عند الحاكم .

(10/369)


( وسئل ) رضي الله تعالى عنه في شخص أرسل أمانة إلى آخر ليصرفها على زوجته ومستولدته بإخبار الأمين المرسل مع ذلك فأنفقها المرسل إليه كما ذكره المخبر المذكور وأنفق بعد فراغها من مال نفسه بنية الرجوع من غير تعيين لذلك حال الإنفاق والإشهاد به فمات مرسل الأمانة وعليه دين ثبت بعد وفاته وأراد الدائن المطالبة بدينه لمن وضع يده على المال المرسل من مدينه بعد الإنفاق المذكور فهل له ذلك وعلى من يتوجه طلبه على الوارث أو المنفق أو المنفق عليه وإذا توجه طلبه على واحد منهم فما الحكم في الإنفاق والإذن فيه هل يقبل قول المنفق وحده أو قوله مع الزوجة المنفق عليها أو قول جميع الورثة أو يحتاج إلى البينة وإذا عجز المنفق عن البينة على الإذن له فهل له الرجوع على المنفق عليه .
وهل تعيينه بعد الإنفاق لما أنفقه من مال نفسه المال المرسل مقبول وإذا اختلف المنفق والمنفق عليه في النفقة من مال نفسه فادعى المنفق عليه التبرع وادعى المنفق أن ذلك على نية الرجوع فمن يقبل قوله منهما وهل للمتبرع بالإنفاق الرجوع به أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى به بقوله صرح السبكي كابن الصلاح رحمهما الله تبارك وتعالى بأن للدائن المطالبة بحقوق الميت أي بأعيان أمواله لا بديونه وحينئذ فللدائن هنا مطالبة المرسل إليه بما وضع يده عليه فإن أثبت إذن الميت له في الإنفاق المذكور برئ وإلا غرم بدل ما أرسل إليه وللدائن مطالبة الوارث

(10/370)


أيضا دون المنفق عليه ولا يكتفى في دفع طلب الدائن اتفاق هذين والمرسل إليه على إذن الميت في الإنفاق لا بد من ثبوته كما مر وإذا لم يثبت فإن استمر المنفق على دعوى الإذن له في الإنفاق لم يرجع على المنفق عليه وإن قال إنما أنفقت لظني الإذن وقد بان خلافه رجع هذا بالنسبة للمال المرسل إليه وأما ما أنفقه من مال نفسه فلا رجوع له به على المنفق عليه وإن أنفق بنية الرجوع والله سبحانه وتعالى أعلم ( فائدة ) اعلم أن ما قدمته عن السبكي وابن الصلاح رحمهما الله تبارك وتعالى مشكل فإن كلام الأصحاب دال على خلافه وذلك أنهم قالوا ليس للغريم ابتداء الدعوى إذا تركها الوارث أو المفلس ذكره الشيخان رحمهما الله تعالى في الروضة وأصلها وجرى ابن الصلاح رحمه الله تبارك وتعالى على ما يوافقه فإنه سئل عمن أثبت دينا على امرأة ميتة وادعى على زوجها أن لها عليه مهرا ولم يدع بذلك وارثها فأجاب بقوله لا تسمع دعواه فإنه يدعي حقا لغيره غير منتقل منه إليه وغايته أنه إذا ثبت ثبت له فيه حق تعلق كما لو ادعت الزوجة دينا لزوجها أي فإنها لا تسمع وإن كان لو ثبت لتعلق به حق النفقة وتبعه على ذلك جمع متأخرون بل جزم به الشرف الغزي رحمه الله تعالى وغيره لكنه ناقض نفسه حيث قال لو كان حق على ميت وأقام بينة بذلك وحكم له الحاكم به ثم جاء بمحضر يتضمن ملكا للميت وأراد أن يثبته ليبيعه في دينه ولم يوكله الوارث في إثباته فالأحسن

(10/371)


القول بجواز ذلك قال الغزي رحمه الله تعالى وهو واضح وصرح بمثله السبكي رحمه الله تعالى في فتاويه فقال للوارث والموصي والدائن المطالبة بحقوق الميت .
ا هـ .
وعند تأمل كلامي ابن الصلاح والسبكي المذكورين يعلم أنهما لم يتواردا على محل واحد فإنه فرض الأول في الدين والثاني في العين فهو قائل بالفرق بينهما وأن الدين لا تسمع فيه الدعوى من الغريم بخلاف العين وكأن هذا هو الحامل لشيخنا شيخ الإسلام زكريا سقى الله عهده حيث قال في مختصر أدب القضاء للشرف الغزي تبعا له وهذا أي ما قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى آخرا لا يخالف قولهم ليس للدائن أن يدعي على من عليه دين لغريمه الغائب أو الميت وإن قلنا غريم الغريم غريم أي بالنسبة لجواز الظفر بماله بشرطه للفرق بين العين والدين .
ا هـ .
والفرق الذي أشار إليه بين العين والدين هو أنه بالموت تعلق الحق بأعيان ماله لرهنها به شرعا بخلاف الدين وبخلاف الغريم الحي حاضرا كان أو غائبا لأن مال دائنهما لا يتعلق بمالهما على الغريم أو عنده إلا بعد ثبوته وعلى تسليم أنه يتعلق به قبله نظرا إلى أن العبرة في مثل ذلك بما في نفس الأمر فهو تعلق تقديري وهو أضعف من ذلك التعلق السابق في الميت فإن قلت غاية ذلك التعلق أنه تصير الأعيان مرهونة كما تقرر فيكون الغريم كالمرتهن والمقرر فيه أنه لا يخاصم وإن امتنع الراهن من الخصام إلا لعذر قلت طلب المسارعة إلى براءة ذمة الميت اقتضت أن

(10/372)


يوسع في طرقها بتمكين كل من الوارث والوصي والدائن من المطالبة بحقوقه ألا ترى أن وليه إذا تحمل دينه برئ بمجرد ذلك على خلاف القاعدة وسبب خروجه عنها الحاجة إلى تعجيل براءته فكذلك هنا ساغ طلب الدائن على خلاف القاعدة للحاجة إلى تعجيل ذلك بتوسيع طرقه فإن قلت هذه العلة تقتضي أن الدين كالعين في ذلك قلت الدين لما كان أمرا تقديريا ضعف عن أن يلحق بالعين فلم تتحقق الحاجة في الطلب به حتى يسوغ تجويزه على خلاف القاعدة على أن ابن الأستاذ رحمه الله تعالى نظر لذلك فألحقه بالعين فجوز للغريم الطلب أيضا إذا أعرض الوارث أو تكاسل ورد على ابن الصلاح رحمه الله تعالى ما مر عنه أولا في الدين فقال عقبه بل تسمع دعواه إذا أعرض الوارث أو تكاسل ولا يمنع ذلك كونه لا ينتقل إليه بعينه فإن جميع ما يخلفه الميت بهذه المثابة ولا يتعين وفاء دين الميت من عين معينة ولا دين حتى لو كان عنده رهن كان للراهن وورثته صرف دينه من غيره ولا يمنع ذلك المطالبة وقياسه على الزوجة الكلام فيه أيضا كذلك إذا كان لها عليه حق ثابت لو صدق المدعى عليه والحالة هذه وجب الدفع لإيفاء دينه وتمسك أعني ابن الأستاذ رحمه الله تعالى بقول الإمام رحمه الله تعالى إذا أعرض فللمرتهن الخصام عند المحققين قال وفي التهذيب إذا كان له دين في ذمة شخص فلا دعوى له على غريمه فإن مات أو حجر عليه سمعت الدعوى عليه حينئذ قال ونقل الإمام رحمه الله تعالى عن والده أن

(10/373)


لغرماء الميت والمفلس الابتداء بالدعوى ونقل الأصحاب رضي الله عنهم المنع محمول على ما إذا لم يقع التكاسل من الوارث والمفلس .
قال وقد أجاب ابن الصلاح رحمه الله تعالى في موضع آخر بالسماع .
ا هـ .
وليس كما قال وإن أقره جمع فإن ما احتج به أولا يرده ما تقرر من الفرق الواضح بين العين والدين ولا تمسك له فيما نقله عن الإمام وأبيه والبغوي رحمهم الله تعالى لأنها مقالات مخالفة لصرائح كلام الشيخين رحمهما الله تعالى وغيرهما أن المرتهن لا يخاصم وإن أعرض الراهن وأن الدائن لا يدعي ولو بعد الموت أو الحجر وإن أعرض الوارث ووقع لأبي زرعة رحمه الله تعالى أنه أفتى بنحو ما مر عن ابن الأستاذ فقال تسمع الدعوى على غريم الغريم ولا يقال قد قالوا بجواز الظفر من مال غريم الغريم ولا تسمع الدعوى عليه لأن ذلك مع حضور الغريم أما إذا غاب وثبت حق صاحب الدين فرفع غريمه ليستوفي منه الدين فلا مانع منه لا سيما إذا تعين ذلك طريقا لوفائه والمدعي لا يأخذه بيده وإنما الحاكم يقبضه بنفسه أو نائبه ثم يقبضه للدائن .
ا هـ .
وهذا أيضا فيه نظر وإطلاقهم يرده فالمعتمد ما قدمته من عدم سماع دعوى غريم الحي مطلقا وكذا غريم الميت في الدين ولا ينافي ذلك قول شريح رحمه الله تعالى لو ثبت لزيد دين على عمرو فادعى زيد على خالد أن الثوب الذي بيدك لعمرو فأنكر وادعاه لنفسه لم يحلف إذ لو وجبت يمين فربما نكل فترد اليمين على المدعي فيحلف فيؤدي إلى إثبات ملك

(10/374)


الشخص بيمين غيره ولو قصد إقامة بينة عليه لم تسمع .
ا هـ .
ووجه عدم منافاة هذا لما مر من سماع الدعوى وطلب التحليف في عين الميت أن هذا مفروض فيما إذا كان عمرو حيا حاضرا كان أو غائبا ليوافق ما مر عن ابن الصلاح والسبكي رحمهما الله تعالى من سماع الدعوى في العين المملوكة للميت وكلام الغزالي وشيخنا رحمهما الله تعالى يشير إلى ذلك فإنهما عقبا كلام شريح رحمه الله تعالى هذا بما مر عن ابن الصلاح والسبكي رحمهما الله تعالى إما بيانا لمراده أو تخصيصا له بغير صورة الميت ويلزم من سماعها تحليف من هي تحت يده فإن قلت ظاهر قول شريح إذ لو وجبت يمين فربما نكل إلخ أن هذا لا يختص بالحي قلت ما علل به ممنوع من أصله لأن ظاهر كلام شريح رحمه الله تعالى سماع الدعوى وإنما الذي ينفيه طلب التحليف لما يلزم عليه مما ذكره وليس ما ذكره بلازم بل متى سمعت الدعوى سمع طلبه للتحليف وفاء بالقاعدة ولا ملازمة بين التحليف ورد اليمين ألا ترى أن الولي يدعي ويطلب التحليف ولا ترد عليه اليمين ومن جملة الأيمان التي لا ترد يمين التهمة والقسامة واليمين المتممة مع الشاهد الواحد ويمين الاستظهار واليمين المردودة ويمين القذف التي تجب على القاذف ويمين الشهود وهي يمين التزكية وكان هذا الذي قررته في رد علته وأن قضية كلامه سماع الدعوى هو منشأ قول شيخنا عقبه قلت في عدم سماعها أي البينة نظر .
ا هـ .
ويوجه بما تقرر أن قضية نفيه الحلف وسماع

(10/375)


البينة سماع الدعوى ويلزم من سماعها سماع البينة حيث لا مناقضة ونحوها مما لم يوجد هنا وكذا يلزم من سماعها طلب التحليف ولكنه وجه عدم طلبه بما قدمه فبقي عدم سماع البينة بلا توجيه فاتضح التنظير فيه فإن قلت ما تقرر عن شيخ الإسلام في أدب القضاء ناقضه في شرح البهجة فقال كما أن ليس له دعوى على من للمفلس عليه دين أو له عنده عين بهما إذا تركهما المفلس أو وارثه قلت لا مناقضة في الحقيقة لأنه إنما جرى في الشرح على مقتضى إطلاق كلام الأصحاب من عدم سماعها من الغريم مطلقا لأنه لم ير كلام ابن الصلاح والسبكي رحمهما الله تعالى في ذلك لكونه إنما ذكر ذلك في باب الفلس وليس هو محلا لذلك وأما عند من رآه وظهر له وجهه فإنه قيد به إطلاق الأصحاب فكان هذا مقدما على ما في الشرح للقاعدة المقررة أن ما ذكر في بابه مقدم على ما ذكر في غيره لأن المذكور في الغير لا يعطي حق النظر والتفتيش لكونه ذكر استطرادا وأما المذكور في بابه فإنه يعطي ذلك فلا يجزم فيه بشيء أو يعتمد إلا بعد مزيد التحري والتدبر فلذلك كان هذا مقدما على ذلك غالبا هذا وقد سبق مني إفتاء متكرر في هذه المسألة مسطر بعبارات مختلفة في الفتاوى وفي بعضها مخالفة لبعض ما قررته هنا الآن فليعتمد هذا دون ما خالفه ( تتمة ) حكى في الجواهر وجهين فيما إذا لم يكن للميت وارث أحدهما أن الغريم يدعي ويحلف والذي يتجه ترجيحه ما مر في هذه الصورة أيضا أعني أنه لا يحلف ولا يدعي

(10/376)


في الدين بخلاف العين ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/377)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن رجل أقامه حاكم شرعي متكلما على صغير قاصر بمقتضى موت أبيه من غير وصية فأراد القيم المذكور أن يبيع عقارا من عقار الصغير المذكور فحضر عند حاكم شرعي وأثبت أن الصغير محتاج إلى مصروف ونفقة ليسوغ له البيع ثم باع العقار وثبت البيع لدى الحاكم المذكور أعلاه وحكم بموجب ذلك ثم بعد مدة بلغ الصغير وادعى على المشتري عدم صحة البيع الصادر من القيم بمقتضى أن غلاله المتحصلة من أمواله تكفيه وتزيد على ذلك منذ مات أبوه وإلى حين دعواه وأقام بينة شرعية عادلة تشهد له بذلك وظاهر الحال يساعده أيضا فهل تسمع البينة الثانية أم لا وإذا قلتم أنها مسموعة فهل ينقض حكم الحاكم بموجب البيع المترتب على البينة الأولى الشاهدة بخلاف ظاهر الحال والحال ما ذكر أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله المنقول كما في مقنع المحاملي وقواعد ابن عبد السلام وشرح الجيلي وأفتى به الإمام ابن عجيل رحمهم الله تعالى تقديم بينة اليسار على بينة الإعسار .
ووجهه أن بينة اليسار ناقلة عن أصل العدم الموافق لما شهدت به بينة الإعسار وقاعدة أصحابنا أن الناقلة عن الأصل مقدمة على المستصحبة له نعم يشترط في بينة اليسار أن تعين المال الذي هو موسر به كما صرح به في الشامل وفي الأنوار عن القفال ما يوافقه وهو أنهم لو شهدوا على مفلس بالغنى لم تسمع حتى يبينوا من أي وجه استفاد المال .
ويمكن الأخذ بإطلاق الأولين وحمل هذا

(10/378)


على ما إذا عرف له إعسار سابق فلا تقبل بينة اليسار حينئذ إلا إن بينت السبب وهذا هو نظير مسألة القفال رحمه الله تعالى ثم الذي دل عليه كلام الأذرعي رحمه الله تعالى وغيره وصرح به جمع متأخرون أن محل تقديم بينة اليسار إن جهل حاله أما لو علم له مال قبل ذلك فتقدم بينة الإعسار لأنها الناقلة حينئذ إذا تقرر ذلك فالموافق لما قررناه ولكلامهم في محل آخر أن الصغير متى جهل حاله في الاحتياج وعدمه قبيل البيع ثم شهدت بينة عند البيع باحتياجه وأخرى بغناه وبينت ذلك على نظير ما مر قدمت الثانية على الأولى وإن حكم بها إذ الحكم ليس من المرجحات فينقض الحكم حينئذ ومتى علم أنه كان عند البيع غنيا ثم تعارضت البينتان كما ذكر قدمت الشاهدة بالحاجة لأنها الناقلة حينئذ نعم الأعيان التي تتحصل منها الغلال الشاهدة بها بينة الغنى إذا كانت الآن باقية مشاهدة بحيث يعلم منها أنها كانت تكفي الصغير بغلالها علما قطعيا قاضية على شهادة بينة الحاجة بالكذب والبطلان فلا يلتفت إليها وإن حكم شافعي للقطع بما أبطل حكمه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/379)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن شخص له أولاد صغار تحت حجره ولهم حصة من دار فأجر والدهم تلك الحصة لهم وأشهد على نفسه بقبض الأجرة لهم والحال أن بعض الأجرة كانت دينا عليه للمستأجر والبعض الآخر قبضه وقضى به ديونا عليه فقامت جدة الأولاد لأمهم وادعت أن هذه الإجارة لا مصلحة للأولاد فيها وعندها بينة تشهد للأولاد بذلك فهل تسمع دعواها وبينتها وتنقض الإجارة أم لا وإذا سمعت ونقضت الإجارة فمن يتولى قبض الحصة المذكورة للأولاد ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله تسمع دعواها وبينتها كما يصرح به كلام القفال رحمه الله تعالى والأذرعي وعبارته نقلا عنه ولا خفاء أنها تسمع دعوى الحسبة على قيم الصبي أنه أتلف مالا للصبي وله أن يحلف القيم إن اتهمه فيه قال الأذرعي .
وقد عمت البلوى بهذه المسألة وهو أن يدعي قريب للميت على وصية إتلاف شيء من ماله أو خيانة أو نحوها محتسبا فترد دعواه كما عاينته من كثير من قضاة العصر معتلين بأنه لا حق له ولا ولاية على الطفل ويرون دعواه فضولا والظاهر أنه إذا كان للمحتسب أن يحلف القيم فله أن يقيم بينة على ما ادعاه بل أولى وحسن أن يأذن له الحاكم في الدعوى فيتعين ذلك عند ظهور أمارات خيانته وفساد حاله أو جهالته سيما في هذا الزمان .
وقد يعود الضمير في قول القفال وله أن يحلف القيم على الحاكم لا على المدعي حسبة .
ا هـ .
ورجوعه إلى الحاكم متعين إذا تقرر ذلك وثبت عند القاضي

(10/380)


أن الإجارة وقعت على خلاف الحظ حكم ببطلانها ثم إن ثبت عنده فسق الولي أقام على الأولاد غيره وإلا فولايته باقية فإن قلت صحح الشيخان رحمهما الله تعالى أن بينة الحسبة تقبل من غير تقدم دعوى فكيف قال القفال رحمه الله تعالى تسمع دعواه قلت إما أن يكون هذا مستثنى أو ضعيفا في هذا الحكم فقط وضعفه فيه لا يقتضي ضعفه في سماع البينة والعمل بموجبها .

(10/381)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عمن باع شيئا ثم ادعى أنه لم يكن ملكه هل تسمع دعواه وبينته ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله إن صرح بأنه ملكه حال البيع لم تسمع دعواه ولا بينته مطلقا وكذا إن لم يصرح بذلك ولكن ادعاه لغيره ولم يكن وليا عليه ولا وليا عنه ولم يدع انتقالا منه إليه فإن ادعاه الآن لنفسه وكان قصده بالدعوى للغير أن يتوصل بذلك إلى حقه كما إذا قال بعته وهو ملك فلان ثم ملكته منه بنحو إرث وأقام بينة أنه وقت البيع ملك ذلك الأجنبي وأنه انتقل إليه منه بعد البيع سمعت دعواه وبينته وإنما سمعت دعواه للغير لأنه يدعي ملكا لغيره منتقلا منه إليه كالوارث فيما يدعيه ملكا لمورثه .

(10/382)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن الامتناع من يمين الاستظهار هل هو كالامتناع من غيرها حتى يقضي على الممتنع بالنكول ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله ليس مثله لأنها شرط للحكم لا مثبتة له فإذا لم يحلفها امتنع الحكم له فقط ولا يقضى عليه بشيء .

(10/383)


( وسئل ) رحمه الله تعالى بما صورته تداعيا عينا وأقام كل بينة أنه اشتراها من زيد وتعرضت إحداهما لنقد الثمن فهل ترجح به ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى به بقوله نعم ترجح به كما اقتضاه كلام الغزي رحمه الله تعالى .

(10/384)


( وسئل ) رحمه الله تعالى هل للمدين حيلة في إقامة البينة بإبرائه عن الدين قبل الدعوى به عليه ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله قال القاضي حسين رحمه الله تعالى الحيلة في ذلك أن ينصب القاضي مسخرا يدعي على المدين فيقول لي على فلان كذا وله علي هذا كذا فمره بتسليمه إلي فيقيم المدعى عليه البينة حينئذ بالإبراء ا هـ واستشكله الغزي رحمه الله تعالى بأن غريم الغريم ليس بغريم وأجيب بأن محل كونه أنه غير غريم إذا كان منكر الدين الغريم فحينئذ لا تقام عليه البينة وأما إذا كان مقرا كما في صورتنا فهو غريم يستوفي منه الحاكم ما على الغريم إلا أن يقيم البينة على الإبراء .

(10/385)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عمن له عين تحت يد آخر فهل له الاستقلال بأخذها مطلقا أو فيه تفصيل ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله إن كانت بيد من ائتمنه كالوديع أو اشتراها منه وبذل له الثمن فليس له ذلك إلا بإذنه لما فيه من الإرعاب وإن كانت تحت يد عادية استقل بأخذها مطلقا إن لم يخف فتنة وإلا رفع الأمر للقاضي وبحث الزركشي كالأذرعي رحمهما الله تعالى أن مستحق المنفعة كالمستأجر والموقوف عليه كالمالك في ذلك أخذا من النص على أن للولي ذلك إن غلب على ظنه السلامة جاز أو الفتنة امتنع وكذا إن استوى الأمران وخالفهما البلقيني رحمه الله تعالى فقال لا يحرم على الإنسان أخذ عينه ممن هي في يده .

(10/386)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن بناء تحت أيدي جماعة ينتفعون به ويدعون استحقاق الانتفاع به فنازعهم شخص بأن هذا البناء أحدثه الحاكم الفلاني ظلما على الشارع وأقام بينة بذلك وأقامت تلك الجماعة الواضعون أيديهم بينة بأن هذا البناء كان موجودا قبل وجود هذا الحاكم المذكور في هذا المكان فهل تقبل بينة واضع اليد ويحكم باستمرار الانتفاع أو تقدم بينة المنازع فيمنع واضع اليد من الانتفاع والتصرف ؟ ( فأجاب ) بقوله الذي دل عليه كلامهم أنه يحكم باستمرار انتفاع واضع اليد وعدم رفع يده لأن هاتين البينتين إما متعارضتان لأن إحداهما تقول إنه أحدث ظلما وقت كذا والأخرى تقول إنه كان موجودا قبل ذلك الوقت فتواردا على النفي والإثبات في عين واحدة .
وهذا تعارض من وجهين فهو أولى من قولهم لو شهدا بأنه سرق كذا أو غصبه غدوة وشهد آخران بأنه سرقه أو غصبه عشية تعارضتا ومن قول ابن الصلاح رحمه الله تعالى لو شهدت بينة بأنه برئ من مرضه الفلاني ومات من غيره وشهدت بينة أخرى بأنه مات من مرضه الفلاني تعارضتا وإذا ثبت تعارضهما وأنه لا مرجح لإحداهما حكم بتساقطهما لتناقضهما ولأنهما لم يشهدا بشيء فتبقى يد الواضعين على حالها فيتصرفون في ذلك البناء بما أرادوا .
وإما متعارضتان ولإحداهما مرجح وهو ليس إلا للبينة الثانية في السؤال لأنها اعتضدت بشيئين أحدهما اليد وقد قالوا إذا تعارضتا ولأحد المتداعيين يد قضي له بما ادعاه وإن

(10/387)


تأخر تاريخ بينته لترجحها باليد سواء تعرضت لسبب ملك ذي اليد أم لا .
ثانيهما سبق التاريخ لأن الشاهدة بالأحداث ظلما تشهد به سنة عشر مثلا والأخرى تشهد بالوجود سنة تسع مثلا فالثانية أسبق تاريخا فتقدم كما صرحوا به بقولهم لو أقام أحدهما بينة بملكه من سنة والآخر بينة بملكه من أكثر قدمت بينة الأكثر لأنها تثبت الملك في وقت بلا معارضة وفي وقت بمعارضة فيتساقطان في الثاني ويثبت موجبها في الأول والأصل في الثابت دوامه .
فكذا هنا تقدم الثانية لأنها أثبتت وجود ذلك البناء في وقت بلا معارضة وفي وقت بمعارضة فيتساقطان في الثاني ويثبت موجبها في الأول والأصل في الثابت دوامه ويؤيد ذلك إفتاء ابن الصلاح رحمه الله تعالى فيمن مات وخلف ملكا فادعى أجنبي أنه ملك بيت المال وأنه كان بيد الميت غصبا وأقام بينة بذلك وأقام الوارث بينة بأنه ملكه وأن يده ثابتة عليه بحق وأن يد الميت أيضا يد حق إلى أن مات بأنه تقدم بينة الوارث لأن معها زيادة علم وهو حصول الملك ولا يعارض إفتاؤه هذا إفتاءه أيضا بأنه لو قال الخارج غصبتني فقال الداخل هو ملكي وأقاما بينتين قدمت بينة الخارج لأن يد الداخل هنا أثبتت هنا أن يده ثابتة بخلافه في مسألة الغصب الثانية ووجه تأييد الأولى لمسألتنا أن دعوى الأجنبي أنه ملك بيت المال كدعوى المنازع في السؤال بأنه شارع بجامع أن الحق للمسلمين في كل منهما فإذا قدمت بينة الوارث لزيادة

(10/388)


علمها بتعرضها لحصول الملك فأولى أن تقدم بينة ذي اليد في مسألتنا لتعرضها لوجود البناء قبل وجود ذلك الظالم فهي أولى بأن معها زيادة علم فإن قلت هل يمكن أن يقال بتقديم البينة الأولى في السؤال أخذا من قولهم لو أقام بينة بأن مورثه فلانا مات يوم كذا فورثه وهو ابنه لا وارث له غيره وأقامت امرأة بينة أنه تزوجها يوم كذا ليوم بعد ذلك اليوم ثم مات بعده عمل ببينة المرأة لأن معها زيادة علم فكذا الأولى معها زيادة علم بالأحداث المستند إلى فعل فلان الظالم فالقياس واضح قلت الفرق بين المسألتين أظهر وأوضح لأن السبب زيادة العلم فيما قالوا إن الثانية أثبتت حياته في زمن ثان فهي وإن كانت مستصحبة لأصل الحياة لكن لما ضمت إلى ذلك تصرفه في ذلك الزمن بالنكاح فيه كان معها زيادة علم على الشاهدة بموته قبل ذلك فقدمت تلك على هذه لذلك وأيضا فهذه قالت لا وارث له سواه فهي نافية وتلك قالت إن الزوجة وارثة له فهي مثبتة والمثبتة مقدمة على النافية لأن معها زيادة علم فزيادة العلم هنا في ثلاث أشياء علمه ببقاء حياته بعد زمن الموت الذي بينته الأخرى ومن ثم قالوا لو شهدا بموته وشهد آخران بحياته بعد ذلك فشهادة الحياة أولى وبتعاطيه للنكاح بعد ذلك وبأن معها إثباتا فقدمت لمجموع هذه الأمور وأما في مسألة السؤال فلم يوجد نظير ذلك وإنما غاية ما فيه أن الثانية تشهد بوجوب ذلك البناء في الزمن السابق والأولى تشهد بأنه لم يكن

(10/389)


حينئذ وإنما حدث بعد فالثانية هي المثبتة فزيادة العلم ليست إلا معها فكلامهم المذكور دليل لنا لا علينا على أنه يشكل عليه إفتاء ابن الصلاح رحمه الله تعالى بأنه لو شهدت بينة بأنه مات في رمضان سنة كذا فأقام بعض الورثة بينة بأنه أقر له بدار سنة كذا لسنة كذا بعد السنة المذكورة لموته قدمت بينة موته في رمضان ووجه الإشكال أن قياس ما مر تقديم بينة الإقرار لأن معها زيادة علم بحياته بعد رمضان وإقراره وقد يجاب بما قررته في تلك من أن زيادة العلم ثم إنما جاءت من مجموع تلك الأمور الثلاثة وليس هنا إلا بعضها فلا إشكال على أن في تلك ما يتضح به أن بينهما فرقا ظاهرا لا يحتاج معه ذلك الجواب وهو أن الثانية في تلك شهدت بنكاحه بعد الزمن الذي عينته الأولى ثم بموته بعد ذلك فمعها زيادة علم بتأخر حياته وتعاطيه للنكاح ثم بموته بعد ذلك وأما في هذه فلم تتعرض البينة الثانية إلا لمجرد الإقرار المستلزم للحياة فكأنها شهدت بمطلق حياته بعد شهادة الأخرى بموته وشهادة الموت مقدمة لأنها ناقلة عن أصل الحياة بخلاف الشاهدة بها لاستصحابها لذلك الأصل فتأمل ذلك فإنه مهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/390)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن دين شرعي ثبت بطريقه الشرعي فأوجب الوارث الشرعي على رب الدين يمين الاستظهار الجامعة لنفي المسقطات فاختار الوارث الشرعي رفع اليمين المذكورة بعد ذلك عن رب الدين فهل تسقط اليمين عن رب الدين ويأخذ ما ثبت له من الدين المذكور أم تجب اليمين المذكورة على رب الدين حتما أم لا وهل يكون الحكم كذلك في جميع الدعاوى سواء أكانت أصلا على المدعي إذا أنكر أو مردودة على المدعي ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله حيث كان للميت وارث خاص لم تجب اليمين إلا بطلبه وكذا سائر الدعاوى لا تجب اليمين فيها إلا بطلب من وجبت له إن تصور منه طلب .

(10/391)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن شخص تملك مالا ونقله عن ملكه إلى شخص آخر بالغ أو صبي بطريق شرعي ببيع أو صيرورة شرعية ثم ادعى شخص على الواضع يده على المال المنقول المذكور بأنه ملكه ورثه من أبيه فأنكر الواضع يده وقال هذا ملكي وأنا حائز له صار لي من فلان بطريق شرعي فقال له المدعي أنت تعلم أنه كان ملك أبي وصار لي بالإرث الشرعي فاحلف لي على ذلك أنك ما تعلم فهل تلزمه اليمين أو تلزم الناقل الذي صار له من قبله إذا كان حيا وإن كان ميتا هل تلزم ورثته أو لا فإذا قلتم بلزومها على الناقل أو المنقول ونكل فهل يحلف المدعي المذكور اليمين الشرعية لاستحقاقه لذلك ويأخذ المال أو لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله إنما تسمع الدعوى على واضع اليد ثم وهو الذي يجيب بالاعتراف أو الإنكار فيطالب بالبينة وإلا فباليمين بتا وإذا نزعت منه العين بحجة رجع بثمنها إن كان على من تملكها به منه بشرطه .

(10/392)


( وسئل ) نفعنا الله تعالى به عما إذا ادعى زيد على عمرو مدعى فأجاب المدعى عليه بدعوى رافعة للمدعى به كقوله أبرأتني من هذا المبلغ أو أديتك إياه أو أقررت بأنه ليس لك علي حق ولم يمض زمان بعد هذا الإقرار يمكن فيه ترتب حق للمقر على المقر له وأراد المدعى عليه الذي صار مدعيا بالدافع تحليف المدعي أولا علي نفي وقوع الدافع وأراد المدعي أولا تحليف المدعى عليه على عدم المدعى به من يقدم منهما في الإجابة وهل يفرق بين اقتران جواب المدعى عليه بالدافع بنفي المدعى به أم لا يفرق وهل قوله أقررت بأنه ليس لك علي حق بشرطه المتقدم واقع أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله ليس هنا يمينان مترتبتان حتى يتوهم التعارض في المقدم منهما وإنما هنا يمين واحدة هي على المدعي أنه ما أبرأ وما أقر وأن المدعى عليه ما أدى إليه فإن حلفها المدعي أخذ الحق من المدعى عليه لأنه اعترف به رافعا له لم يثبت فلزمه أداؤه عملا بأصل الاستصحاب .
وإن نكل المدعي عنهما حلف المدعى عليه على الإبراء أو الإقرار أو الأداء أو لا شيء عليه فعلم أن اليمين هنا متوجهة أولا على المدعي فإن نكل عنها توجهت على المدعى عليه ومن غير نظر إلى الفرق الذي ذكره السائل وقوله أقررت إلخ دافع كما هو جلي وإن فارق ما مر من وجه آخر فقد صرحوا بأنه لو ادعى عليه ألف درهم فقال للحاكم قد أقر أنه أبرأني أو أنه استوفى مني الألف فليس بإقرار

(10/393)


بخلاف دعوى الإبراء والاستيفاء فإنه إقرار بالدين المدعى به ثم عقبه بما يسقطه فلم يقبل منه فكانت اليمين في جهة المدعي أولا كما قدمته .

(10/394)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن اليمين التي تطلب من المدعي أو المدعى عليه هل يشترط سماع القاضي إياها أو أن يكون بحيث تسمع أو لا وإذا نكل هل يشترط سماعه نكوله بقوله أنا ناكل أو لو سمعه غيره كفى أو يفرق بين أن يكون بحيث يسمع أو لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله كلامهم مصرح في مسائل بأنه لا بد من سماع القاضي أو من أنابه في ذلك لليمين والنكول ويوجه بأن تحليفه حكم عليه بحلفه أو بنكول خصمه وإذا كان حكما بذلك فهو كالحكم بشهادة البينة فكما اشترط سماعه لشهادتهما حتى يحكم بها كذلك يشترط سماعه لليمين أو النكول حتى يحكم بأحدهما وهذا ظاهر لا غبار عليه .
ومما يدل عليه قولهم لو شهدت بينة على قاض أنك حلفت فلانا على كذا ولم يتذكره لم يلتفت لتلك البينة قالوا لأن القاضي لا يمضي حكمه إلا إذا تذكره ولا يعتمد فيه على البينة فإذا لم يقبل البينة على ذلك فأولى أن لا يقبلها إذا شهدت عنده أنه حلف بين يديه ومن غير أن يسمعه إذ لو قلنا إنه لا يشترط سماعه لاكتفى بخلاف من وجه عليه اليمين في حضرته .
وإن لم يسمعه فلما لم يكتفوا بتلك البينة علمنا أن هذه البينة لا يكتفى بها بالأولى كما تقرر وصرحوا أيضا بأنه لا بد أن تكون اليمين بتحليف القاضي أو نائبه ومع ذلك كيف يتوهم أن القاضي لا يشترط سماعه إذ كيف يدار الأمر على تحليفه ولا يدار على سماعه فإن قلت يمكن أن يراد بتحليفه أمره بالحلف ولا يلزم من أمره

(10/395)


به سماعه له بعد انقضاء أمره به لأنه قد يأمر به ثم يشتغل عنه فيحلف في حال اشتغاله ويثبت عنده أنه حلف على ما أمره به فما المانع حينئذ من صحة يمينه قلت المانع منها ما قدمته من أن تحليف الخصم حكم له بموجب يمينه ولا يكون حاكما له بموجبها إلا إذا سمعها على أنه لا يسمى محلفا له بمجرد الأمر وإنما يسمى بذلك إن سمع ما حلف به وعليه وأيضا فالعبرة بنية القاضي واعتقاده حال الحلف ولا يعتبر ذلك إلا إذا سمع يمينه وأما إذا لم يسمعها فكيف يكون على نيته واعتقاده وأيضا فإنه يشترط فيها مطابقتها للدعوى والمطابقة أمر دقيق بدليل اختلاف الأئمة رضي الله تعالى عنهم في مسائل منها هل الجواب عنها بكذا مطابق أو لا فذلك كله صريح في أنه لا بد من سماعه لليمين والنكول حقيقة ولا يكفي قيام البينة عنده بهما .

(10/396)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عمن ادعي عليه بعين فقال هي لابني الطفل ففي أدب القضاء في موضع لا يحلف وفي موضع لا تنصرف الخصومة عنه فهل بينهما تناف ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله لا تنافي فإن معنى لا يحلف أي بالنسبة للرقبة فلا تسلم للمدعي بحلفه كما يأتي ومعنى لا تنصرف الخصومة عنه أي بالنسبة لإقامة البينة عليه وغرم بدل العين إن نكل وحلف المدعي إذ العين لا تسلم إليه حينئذ بل قيمتها لأنه حال بينه وبينها بإقراره بها لطفله .

(10/397)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عما إذا أبرأه عن اليمين أو عن إتمامها فأراد الحالف إتمامها فمن المجاب منهما ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله الإبراء عن اليمين يسقط حقه منها في هذه الدعوى فله أن يجددها ويحلفه ثم ظاهر كلامهم سقوط الحق منها وإن شرع القاضي في التحليف نعم بحث بعضهم أنه لو طلب الخصم إتمامها أجيب قياسا على ما نقله الأذرعي رحمه الله تعالى عن تعليق القاضي رحمه الله تعالى أنه لو شرع المدعي في يمين الرد فقال المدعى عليه لا تحلفه وأنا أغرم له المال فله أن يكمل اليمين حتى يأخذه على وجه الاستحقاق فكذا يقال هنا إذا شرع المدعى عليه في يمين الأصل فقال أبرأته عن اليمين له إتمامها لينقطع الطلب عنه والجامع بينهما حصول الانتفاع وقطع العلق .

(10/398)


( وسئل ) رحمه الله تعالى هل يشترط التفصيل في دعوى المهر أو الإرث كما في دعوى عقد النكاح أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله إن وجهت الدعوى إلى عقد النكاح كأن قالت أستحق المهر أو الإرث بسبب عقده علي اشترط فيها ذكر كون العقد بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها إن شرط لأنها لما رتبت دعواها نحو المهر على العقد كانت مدعية نفس العقد فاحتاجت لذكر شروطه ولا يقبل منها حينئذ إلا رجلان وعليه حمل قول البلقيني رحمه الله تعالى لا بد من رجلين أو إلى نحو المهر أو الإرث بأن قالت أستحق على المتوفى المهر والإرث لم يحتج لذكر شروط العقد وكفاها رجل وامرأتان وشاهد ويمين لأن مدعاها محض مال وعليه حمل قول الشيخين رحمهما الله تعالى تسمع دعواها ويقبل رجل وامرأتان أو رجل ويمين لأن المدعى مال .

(10/399)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن قيم طفل ادعى على قيم طفل وأقام بينة فهل يجب الانتظار للبلوغ ثم الحلف ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله ظاهر كلام الشيخين رحمهما الله تعالى بل صريحه وجوب ذلك وبه صرح القاضي حسين وخالفهما كثير من المتأخرين كالسبكي تبعا لابن عبد السلام فقالوا يسلم له المال بعد الحكم له به وتبعهم بعض العلماء من القضاة فحكم به مرارا بل قال إنه الذي عليه العمل وأن أهل عصره لم يعترضوه في حكمه به واعتمده أيضا شيخنا سقى الله تعالى عهده في شرح المنهج ووجهه السبكي رحمه الله تعالى بأنه قد يترتب على الانتظار ضياع الحق فإن تركة المدين قد تضيع أو يأكلها ورثته فتعريضها لذلك وتأخير الحكم مع قيام البينة مشكل لا سيما ونحن نعلم أن الصبي المستحق لا علم عنده من ذلك واليمين التي عليه بعد بلوغه إنما هي على عدم العلم بالبراءة .
وهذا أمر حاصل فكيف يؤخر الحق لمثل ذلك قال والوجه عندي خلاف ما قاله القاضي رحمه الله تعالى ومن تأخير الحكم وأنه لا يحكم الآن بالبينة ويؤخذ له الدين وإن أمكن أخذ كفيل به حتى إذا بلغ يحلف فهو احتياط وإن لم يمكن فلا يكلف وينبغي للقاضي إذا حكم لا يهمل مكتوبا بيد المحكوم عليه أن له تحليف المحكوم له إذا بلغ وقال البلقيني رحمه الله تعالى لا حاجة إلى الحيلولة لما فيها من عدم الفائدة لجواز أن يتلف المأخوذ .
فإن بقي الدين أضررنا بالمديون وإن لم يبق أضررنا بصاحب الدين

(10/400)


فلم يبق إلا إسقاط الاستظهار للاحتياط في أخذ المال فإن يمين الاستظهار إنما شرعت للاحتياط والاحتياط أن يؤخذ لأنه قبل الأخذ بصدد الضياع وبعد الأخذ ثبت الحق والأصل عدم ما يقتضي إسقاطه فالفتوى على عدم الأخذ ويدل له أنه لو ادعى وكيل غائب على ميت أو غائب قضي له ولا يتوقف الأخذ على حضور الموكل وتحليفه ولك أن تقول انتصارا للأول نظركم إلى أن تركة المدين قد تضيع إلى آخر ما مر يعارضه أن تركة الدائن قد تضيع أيضا فإذا بلغ ونكل عن اليمين لا يجد المدين مرجعا فنظركم إلى احتمال الضياع في جانب المدين تحكم بل احتماله موجود فيهما فبطل النظر كذلك كما هو ظاهر وجلي وقول السبكي رحمه الله تعالى ونحن نعلم إلخ يرد بأن علمنا بذلك لا يمنع احتمال نكوله ووجوب رد ما أخذه مع احتمال ضياعه منه أو من وليه ومن غير بدل يخلفه فاندفع قوله أيضا وهذا أمر حاصل وقول البلقيني رحمه الله تعالى فلم يبق إلا إسقاط الاستظهار إلخ يرد بمنع ما ذكره المتفرع عليه قوله فلم يبق إلخ ووجه منعه أن لنا طريقة يحصل بها الجمع بين المصلحتين ومن غير ضرر ويعود على أحد الجانبين بأن يمنع القاضي قيم المدين من التصرف في قدر الدين ويجعله في محل لائق به ويختم عليه بختمه وحينئذ فلا ضرر بتلفه على أحد أما المدين فلأنه لو لم يكن عليه دين وفعل بماله ذلك لا يقال إنه سعى في إتلافه فإنه لو كان في ذلك المحل من غير ختم لأصابه ذلك التلف أيضا وأما

(10/401)


الدائن فهو لم يدخل في ملكه حتى يحسب عليه من دينه وقوله الاحتياط أن يؤخذ إلخ ممنوع لأنه احتياط بالنسبة للدائن لا للمدين وهو تحكم لما قررناه أو لا أنه يحتمل تلف تركة الدائن ونكوله عن يمين الاستظهار فيفوت الحق على المدين ولا دليل له في مسألة الوكيل لأن الأصحاب أجابوا عنها بأنا لو أمهلنا الحق لحضور الموكل وحلفه لتعذر الاستيفاء بالوكلاء وهذا أمر عام الضرر فلم يقولوا به لعموم ضرره بخلافه في مسألتنا فإنه لو فرض فيها ضرر هو خاص على أنه متكافئ من الجانبين كما تقرر فعلم أن الأول الذي هو المنقول له وجه واضح جلي فلا مساغ للعدول عنه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/402)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عمن بيده عين اشتراها من ورثة في زمن كذا فادعى خارج أنها ملكه وبيده سرقت منه في زمن كذا فمن تقدم منهما بينته ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله إن ذكرت بينة الخارج أنها ملكه وأن الداخل سرقها أو أنها سرقت من يد من ترتبت يد الداخل عليه قدمت الخارجة كما أفتى به جمع متأخرون كالشرف ابن المقري رحمه الله تعالى وتلامذته عمر الفتى ويوسف المقري رحمهما الله تعالى وغيرهما قالوا ولا فرق بين أن تذكر الداخلة أنه اشتراها من مالك يملك أم لا أي فتقدم الخارجة الذاكرة لما مر أن معها زيادة علم بأن يد الداخل بغير حق قالوا لأن الداخل صار خارجا وعكسه لبيان مستند اليد وخالف في ذلك بعض أهل اليمن فقدموا الداخلة حيث قالت اشتراها من مالك يملك لأنا علمنا أن يد الداخل ليست عادية قال بعض المتأخرين والمعتمد الأول لما تقرر أن الداخل صار خارجا بإثبات الخارج أنه مسروق منه ومن المعلوم أن الخارج لا يقدم على الداخل بإثبات الانتقال من غير المدعى عليه ونحن فرضنا الداخل خارجا فلا تقدم بينته إلا إن أثبتت الشراء من الخارج لأنه صار بإثبات بينة السرقة هو صاحب اليد .

(10/403)


( سئل ) رحمه الله تعالى عمن ادعى على آخر أن ما اشتراه يعلم بالاستفاضة أنه وقف مسجد كذا فهل تسمع هذه الدعوى أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله أفتى بعضهم بأنها لا تسمع لأن شرط الدعوى الجزم ولا يلزم من سماعه من جمع يبعد تواطؤهم على الكذب بوجود الوقف أنه لا يكون ملكا .
ا هـ .
وليس في محله لأن ما علل به لا يتأتى إلا لو كانت صيغة الدعوى أن ما اشتراه سمع بالاستفاضة أنه وقف مسجد كذا فهذه هي التي لا تسمع إذ لا يلزم من سماعه بذلك علمه به أما إذا كانت صيغة الدعوى ما ذكر في السؤال من أنه يعلم بالاستفاضة إلخ فتسمع الدعوى حينئذ بلا شك ويطالب بالجواب وتكون دعوى حسبة .

(10/404)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن الإكراه على الطلاق أو البيع أو نحوهما هل يشترط في ثبوته رجلان ؟ ( فأجاب ) بقوله الإكراه على البيع أو البراءة أو نحوهما يثبت بشاهد ويمين لأن القصد منه المال فهو نظير ثبوت القتل الذي لا يوجب قودا بذلك نظرا إلى أن القصد المال بخلاف الإكراه على الطلاق لا يثبت إلا برجلين لأن الطلاق المقصود لا يثبت إلا بهما ويشترط في شاهده تفصيله لاختلافه باختلاف الأشخاص والأحوال والمذاهب بل أهل المذهب كثر اختلافهم في حده وما يثبت به .

(10/405)


( وسئل ) رحمه الله تعالى هل جداد النخلة يورث يدا عليها كالهدم والبناء أم لا ؟ ( فأجاب ) بقوله مجرد الجداد وحده لا يورث يدا على النخلة كما هو ظاهر لأنه لا يعد استيلاء عليها كالهدم وحده بخلاف البناء ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/406)


( وسئل ) رحمه الله تعالى هل تثبت الحدود بالاستفاضة ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله الذي نقله البلقيني رحمه الله تعالى في فتاويه في باب الجزية عن ابن عبد السلام رحمه الله تعالى واعتمده أنها لا تثبت بها وعبارته الحدود لا تثبت بمجرد الوجود ألا ترى أن غاصبا لو غصب دارا وجاء مدعيها ليدعي بها وأقام بينة بالدار ولم تتعرض البينة لحدودها لا بالإشارة ولا بالعبارة فإنا لا ننزع الدار من الغاصب بمجرد ما ذكر فإن قيل فقد ذكر العلماء رضي الله تعالى عنهم أن ما اشتهر لا حاجة إلى ذكر حدوده فالجواب أن ذلك في المشهور المقطوع به فأما غير ذلك مما شك في حدوده فلا بد من ذكر حدوده وقال الشيخ الإمام ابن عبد السلام رحمه الله تعالى إن الحدود لا تثبت بالاستفاضة ورأيت ذلك في مكتوب له مسجلا عليه بقضية بركة الحبش وقال في آخره ولم تثبت الحدود إذ الحدود عندنا لا تثبت بالاستفاضة .

(10/407)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن حاكم شرعي صدرت عنده دعوى شرعية بين متداعيين في قضية لا تثبت عنده إلا بشاهدين دون شاهد ويمين أو شاهد وامرأتين كنحو طلاق ونكاح وقصاص وتنفيذ حكم حاكم آخر فلم يحضر عنده غير شاهد واحد وتعذر الثاني بموت أو غيره فهل يجوز للحاكم أن يقول للشاهد فوضت إليك الحكم في هذه القضية فيحكم فيها الشاهد بعلمه أو لا يجوز له ذلك وإذا قلتم بالجواز وحكم فيها الشاهد بعلمه وأخبر مستنيبه بذلك فهل للمستنيب أن يعتمد عليه وينفذ حكم نائبه في القضية المذكورة بإخباره بذلك أوضحوا لنا ذلك فلقد رأينا من يفعل ذلك من غير تفويض ولا نيابة منه في ذلك بل يكتفي بإخباره من غير زيادة ويحكم فيها أو ينفذها فهذا مما أشكل علينا .
( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله إذا كان في الشاهد أهلية القضاء في تلك المسألة المفوضة إليه ولم يكن ثم تهمة ويبين مستنده كما هو الشرط في القضاء بالعلم من غير المجتهد وكان للقاضي الاستنابة جاز له أن يستنيبه فيها ليقضي فيها بعلمه بشروطه التي ذكرناها وغيرها مما هو مقرر في كتب الفقه ومتى اختل شرط من ذلك بطل التفويض والقضاء وكم ارتكب قضاة السوء وشهوده من القبائح ما تصم عنه الآذان فلا يبعد عليهم ما ذكره عنهم السائل ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/408)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عما إذا ثبت حرية الأصل في الأم بيمينها فهل يحكم بحرية ولدها بمجرد يمينها أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله يحكم بحرية الولد بما ذكر ، والله سبحانه وتعالى أعلم

(10/409)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عما إذا أذن له يصرف على دابته أو على من تلزمه مؤنته من فرع أو أصل واختلفا بعد ذلك في أصل الإنفاق أو قدره المعتاد فلم يحلف المنفق اليمين المتوجهة عليه في ذلك بل ردها على الآذن فهل له أن يطالبه باليمين المردودة أم لا وهل يكون حلف الآذن فيها على نفي العلم أم لا فإن قلتم نعم ترد عليه اليمين ويجب عليه الحلف فما فائدة طلب هذه اليمين منه سواء وجبت عليه على نفي العلم أو على البت وهو لو نكل عنها لم يحكم عليه أصلا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله المراد طلب حلف المنكر ويكون على البت وفائدة طلب حلفه أنه ربما خاف من اليمين فوافقه على داعوه .

(10/410)


( وسئل ) رحمه الله سبحانه وتعالى عما إذا شهد أربع نسوة بأن فلانة ولدت قبل فلانة وشهد الشهود الذكور ببلوغها فهل يجوز تزويج الأخرى بذلك أو لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله إذا ثبتت عند القاضي بطريقه الشرعي أن هذه المرأة بلغت بالسن وثبت عنده أن فلانة ولدت قبل هذه ثبت أنها بلغت بالسن أيضا فيثبت لها أحكام البالغة ويجوز تزويجها بالإذن .

(10/411)


( وسئل ) رحمه الله سبحانه تعالى عما إذا شهدت بينة ببلوغ الصبي بالسن وأخرى بأنه لم يبلغ بل عمره ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة هل هي شهادة يكتفى بها أو لا وإذا شهدت بينة أنه ولد يوم ولد فلان أو مات يكفي ذلك أو لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله اختلاف هاتين البينتين فيما ذكر اختلاف في وقت ولادته إذ حاصل شهادة الأولى أنه مضى له من حين ولادته خمس عشرة سنة وشهادة الثانية أنه لم يمض له من وقت ولادته إلا ثلاث أو أربع عشرة سنة فالأولى تثبت وجوده وولادته في زمن معين والثانية تنفي وجوده في ذلك الزمن فهما متعارضتان لكن الثانية مستصحبة لأصل العدم والأولى ناقلة عنه فمعها زيادة علم فيعمل بشهادتها وتلغى شهادة الثانية وإذا أرخت الشاهدة بالولادة بنحو موت فلان وثبت بالحجة الشرعية موته يوم كذا ثبتت ولادة فلان يوم كذا وأدير حكمه عليه ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

(10/412)


( باب العتق ) ( وسئل ) رحمه الله تعالى في رجل معه أمة فسافر بها إلى بلاد في اليمن تسمى جازان من أعمال الترك فنزل على البلاد ولد الإمام الزيدي فشردوا الترك وتركوا البلاد فمسكوا التجار والمتسببين جميعهم ومسك الرجل في جملتهم وحبس هو وجاريته مع من حبس فأرادوا أخذ الجارية فذكر لهم أنها حملت منه فلم يصدقوه فذكر لهم أنه أعتقها وتزوج بها خوفا أن تؤخذ منه فقام أكابر البلاد ودخلوا على المتولي وجعلوا مصلحته مائة وثلاثين أشرفيا حتى خلص هو وجاريته فهل يقع عليه عتق في الجارية أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله لا تعتق الجارية المذكورة باطنا أي فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى إن قصد بقوله أعتقتها الإخبار بالعتق كذبا حتى يكون ذلك سببا لخلاصها ، وأما في ظاهر الشرع فيؤخذ بإقراره المذكور بمعنى أنه إذا ادعي عليه به وثبت لدى حاكم شرعي حكم عليه بعتقها ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/413)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عمن قال متى وجدت عبدي ولم أطوشه فهؤلاء الثلاثة أحرار فوجده وباعه ولم يطوشه فهل يحنث أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى به بقوله إذا وجده وتمكن من تطويشه فلم يفعل عتق عليه أرقاؤه الثلاثة المذكورون ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/414)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عمن قال أي عبد من عبيدي ضربك فهو حر فضربه واحد عتق ولو ضربه آخر عتق حتى لو ضربوه كلهم عتقوا ولو قال أي عبد من عبيدي ضربته فهو حر فضرب واحدا عتق فإن ضرب آخر لم يعتق فما الفرق مع أن في كل منهما صيغة أي الدالة على العموم .
( فأجاب ) بقوله الفرق بينهما أن أي وإن كان للعموم إلا أن ضرب في الأول مسند إلى ضميره وقد وقع صفة له فيكون على طبقه في العموم ويصير المعنى حينئذ أي عبد من عبيدي اتصف بضربك فهو حر فكل من اتصف بضربه يكون حرا ، وأما ضرب في الثاني فهو لم يسند إلى ضمير أي التي للعموم فلم يمكن وقوعه أعني ضرب صفة لأي وإذا لم يقع صفة لها لم يكتسب عموما بل هو باق على وضعه ومن أن الفعل المثبت لا عموم له .
وحينئذ فلا يعتق إلا الأول لا يقال النكرة في سياق الشرط للعموم لأنا نقول العموم فيها ضعيف لأن دلالة السياق في غاية الضعف فلا تساوي العموم بالصيغة الموجودة في اللفظ لأنه أقوى على أن الأصل عدم عتق ما زاد على واحد فلا يعتق إلا زيد عليه إلا إن قويت الصيغة الدالة على الشمول له ومن ثم لو قال من ضربك من عبيدي فهو حر عتق كل من ضربه لأن ضرب حينئذ مسند إلى ضمير من العام فيعم كما سبق في الصيغة الأولى بخلاف ما لو قال من ضربت من عبيدي فهو حر فإنه لا يعتق إلا من ضربه أولا أخذا مما مر في الصيغة الثانية ، ثم ما ذكر هو ما صرح به القاضي حسين رحمه الله تعالى في الأخيرة وأما المسألة الأولى فهي

(10/415)


في كتب الحنفية وحاصل ما في الجامع لو قال أي عبد ضربته فهو حر وضرب الكل فإن كانوا معا عتق واحد وبينه السيد لا الضارب أو مرتبا عتق الأول لعدم المزاحم وقت ضربه أو أي عبيدي ضربك فهو حر فضربوه معا أو مرتبا عتقوا والفرق من وجوه ذكرها منها لو قال أي نسائي شئت طلاقها فهي طالق فشاء طلاق الكل لم تطلق إلا واحدة ويبينها الزوج أو من شاءت طلاقها فهي طالق فشئن طلقن .
ولو قال لرجل طلق أي نسائي شئت لم يطلق غير واحدة ، أو أي نسائي شاءت طلاقها فطلقها فشئن جميعا فطلقهن طلقن ، أو من شئت عتقه من عبيدي فاعتقه فأعتقهم جميعا فعلى الخلاف ولو شاء عتقهم ولم يعتقهم ، لا يعتقون أو من شاء من عبيدي عتقه فهو حر فشاءوا ، أو أعتق من عبيدي من شاء فإذا شاءوا فأعتقهم عتق الكل ، أو من سرق من الناس فاقطعه كان له قطع كل سارق ، أو اقطع من السراق من شئت لم يفهم منه التعميم فلا يقطع إلا واحد منهم ا هـ وينبغي اختصاص جريان هذه التفاصيل بالنحوي وأن غيره لا يحمل كلامه إلا على واحد في الكل أخذا مما ذكره أئمتنا رضي الله تبارك وتعالى عنهم في أنت طالق إن دخلت الدار بكسر إن وفتحها ونظائره ، وإنما اقتصرت على واحد فيهما لأن الأصل عدم العتق فلا يصار إلى أزيد من واحد إلا إن قصد أو وجدت قرينة لفظية قوية ولا يتصور وجود تلك القرينة إلا من النحوي دون غيره لأنه لا يفرق بين الصيغتين فحملناه على المتيقن وألغينا المشكوك فيه

(10/416)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية