صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الفتاوى الفقهية الكبرى
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ الكتاب مشكول ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

اللسان ما أمكن وما في الروضة إن فرض شموله لمسألتنا محمول على ما ذكرته فتأمله .

(10/205)


( وسئل ) رحمه الله تعالى بما لفظه أطلق بعض المفتين أن من استعمل الحشيشة كفر فهل ينكر عليه إطلاق هذه المقالة ؟ ( فأجاب ) نفع الله تعالى به بقوله استفتي عن ذلك الجلال السيوطي فقال لا ينكر عليه هذا الإطلاق لأن مثل هذا يجوز أن يقال فيه في معرض الزجر والتغليظ كقوله صلى الله عليه وسلم { من ترك الصلاة فقد كفر } فيكون مؤولا على المستحل أو يكون المراد كفر النعمة لا كفر الملة والعالم إذا أفتى بمثل هذه العبارة إنما يطلقها متأولا على ما ذكرناه .

(10/206)


( وسئل ) رحمه الله تعالى ما المراد بالمقلد الذي لا يصح إيمانه عند كثير من المتكلمين ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله المراد به من نشأ بقلة جبل ولم يرزق فطنة حتى يستدل بهذا العالم على أن له موجدا ومدبرا فمر عليه شخص فقال له ذلك فاعتقده وجزم به تقليدا له من غير أن يتفطن لذلك الاستدلال وهذا نادر جدا وأما من قال يلزم على القول بعدم صحة إيمان المقلد تكفير العوام فإنما يتمشى كلامه على أن المراد بالمقلد من لم يتقن الدليل على قواعد الاستدلال وهذا بعيد جدا فإنه صلى الله عليه وسلم اكتفى من كثيرين من أجلاف الأعراب والنساء بما هو في طبع كل أحد حتى العجائز والصبيان من الاستدلال بالنجوم والسماء والأرض والأنهار والأشجار والزروع على أن لها خالقا ومدبرا وعلى هذا لا تجد عاميا مقلدا أصلا .

(10/207)


( وسئل ) رحمه الله تعالى في شخص يقرأ ويطالع الكتب الفقهية بنفسه ولم يكن له شيخ يقرر له المسائل الدينية والدنيوية ثم إنه يسأل عن مسائل دينية ودنيوية فيفتيهم ويعتمد على مطالعته في الكتب ولم يتوقف فيما يسأل عنه هل يجوز له ذلك وإذا قلتم بعدم الجواز فماذا يستحقه من قبل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ ( فأجاب ) نفع الله تعالى به بقوله لا يجوز لهذا المذكور الإفتاء بوجه من الوجوه لأنه عامي جاهل لا يدري ما يقول بل الذي أخذ العلم عن المشايخ المعتبرين لا يجوز له أن يفتي من كتاب ولا من كتابين بل قال النووي رحمه الله تعالى ولا من عشرة فإن العشرة والعشرين قد يعتمدون كلهم على مقالة ضعيفة في المذهب فلا يجوز تقليدهم فيها بخلاف الماهر الذي أخذ العلم عن أهله وصارت له فيه ملكة نفسانية فإنه يميز بين الصحيح من غيره ويعلم المسائل وما يتعلق بها على الوجه المعتمد به فهذا هو الذي يفتي الناس ويصلح أن يكون واسطة بينهم وبين الله تعالى وأما غيره فيلزمه إذا تسور هذا المنصب الشريف التعزير البليغ والزجر الشديد الزاجر له ولأمثاله عن هذا الأمر القبيح الذي يؤدي إلى مفاسد لا تحصى ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/208)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن وظيفة شغرت بموت صاحبها فأقام من له ولاية الإقامة شخصا في الوظيفة المذكورة فباشرها نحوا من سنة فأنهى في خلال ذلك شخص آخر إلى ولي الأمر أن الوظيفة المذكورة شاغرة بسبب وفاة صاحبها الأول من غير تعرض لذكر من أقيم فيها فأقامه فيها ولي الأمر من غير تصريح بعزل من أقيم فيها أولا فهل الولاية الثانية تبطل الأولى أم هما صحيحتان فيشتركان ؟ ( فأجاب ) بقوله إذا صرح المولي بترتيب التولية على إنهاء الشغور الحقيقي كانت باطلة فيقدم المتولي أولا مباشرة ومعلوما من غير مشاركة له في ذلك وإن لم يصرح بذلك ولا بعزل الأول ولا دلت على عزله قرينة اشترك فيها الأول والثاني فإن قلت ينافي ذلك ما في أصل الروضة أن الإمام لو أخبر بموت القاضي أو فسقه فولى قاضيا ثم بان خلافه لم يقدح في تولية الثاني قال في الخادم .
ومقتضاه الجزم بانعزال الأول أي وإن كان فيه وجهان فيكون ترجيحا للوجه القائل بانعزال الأول ثم استشكله الزركشي بأنه بناء على ظن غير مطابق ثم أجاب بأن للإمام العزل من غير موجب أي لمن لم يتعين قال ونظيره ما لو قال لمن يظنها أجنبية أنت طالق فبانت زوجته وقع الطلاق قلت إذا تأملت قولي إذا صرح إلخ وقول الزركشي إنه بناه على ظن وبتنظيره المذكور ظهر لك عدم المنافاة وأن كلام الشيخين فيما إذا ولى ظانا صحة الخبر بالموت أو الفسق وحينئذ فهو لم يقع منه تصريح بترتيب التولية على صحة الخبر فصحت

(10/209)


لأنها وجدت مساغا هو أن للإمام التولية مع سبق التولية لأنها كالمعلقة بشرط لم يوجد فإن قلت ما الفرق بين الظن والتصريح مع أن كلا فيه الترتيب على ما بان خلافه قلت الفرق بينهما واضح فإن الولاية من الأمور المتوقفة على اللفظ وما توقف عليه كالبيع والطلاق إنما يؤثر فيه التصريح لا الظن وقولي ولا دلت على عزله قرينة أخذته من قول الماوردي رحمه الله تعالى إذا قلد آخر فإن اقترن بتقليده شواهد عزل الأول كان وإلا فهو باق على ولايته ( تنبيه ذكر أجلاء المتأخرين أن هذا في الأمور العامة قالوا أما الوظائف الخاصة كالإمامة والخطابة والتدريس فلا يجوز عزل متوليها من غير سبب ولا ينفذ واستدلوا بكلام الروضة وغيره ويتعين تقييده بما إذا كان المولي غير الإمام أو الإمام ولم يخش منه فتنة أما إذا كان المولي هو الإمام وخشي من عدم نفوذ توليته فتنة فينبغي صحتها مطلقا كما هو واضح ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/210)


( وسئل ) رضي الله تعالى عنه عما إذا استناب السلطان شخصا بقرية مخصوصة نيابة خاصة أو عامة فأخرب السلطان المذكور القرية المذكورة هل ينعزل النائب بخراب موضع التولية أم لا كما لا ينعزل بموته ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله الذي يظهر في ذلك إنه إذا قيد التولية بتلك القرية بأن قال وليتك بقرية كذا لم ينعزل إلا بخرابها خرابا مستأصلا لها بحيث صارت لا تسمى قرية كذا لزوال ما أناط التولية به بخلاف ما إذا لم تصر كذلك لبقاء ما ولي فيه فتبقى التولية ببقائه وليس هذا كموته إذ لا جامع بينهما كما هو جلي هذا كله إن لم يمنع السلطان الناس من سكناها وإلا كان ذلك عزلا لقاضيها عن الحكم فيها وإن بقي اسمها كما هو واضح ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

(10/211)


( وسئل ) رضي الله تعالى عنه رجل وطئ جارية له ثم تركها بلا وطء نحو شهرين فظن أنها حاضت فزوجها من عبده فولدت بعد ستة أشهر ونحو عشرة أيام من دخول الزوج عليها فهل الولد لاحق بالسيد أو بالزوج والنكاح صحيح أو لا ؟ ( فأجاب ) حيث لم يثبت حيضها وهي من ذوات الحيض فالنكاح باطل لكن الوطء وطء شبهة والولد ممكن منهما فيعرض على القائف فإن ألحقه بأحدهما لحقه وإلا وقف أمره حتى يكلف فيلزم ولو بالحبس بالانتساب إلى أحدهما إن وجد ميلا إليه وإلا وقف إلى أن يجده ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

(10/212)


( وسئل ) رضي الله تعالى عنه لو أردنا قسمة حلي مغشوش من ذهب أو فضة بين أيتام أو أردنا أن نبتاع لهم ذلك فما الطريق في صحة القسمة والبيع هل يجزئ في ذلك التبايع بعرض احتيالا للصحة حيث اقتضته المصلحة للأيتام كما لو جرى ذلك بين رشد أو لا وهل لهم طريق في الشرع سوى ذلك أم لا فإن في سد الباب عليهم من الحرج ما لا يخفى ؟ ( فأجاب ) نفع الله تعالى بعلومه المسلمين بأن الحلي إما أن تستوي أجزاؤه أو لا فإن استوت أجزاؤه جازت قسمته حيث لم تنقص قيمته بالقسمة لأن الصحيح في هذه القسمة أنها إفراز للحق لا بيع ولا ينافي ذلك جعلهم الغش مقصودا في باب القسمة كالزكاة والربا بخلاف المعاملة بالمغشوشة لأن الغش لا ينظر إليه في باب القسمة إلا حيث جعلت بيعا وأما حيث كانت إفرازا فلا ينظر إليه كما يعلم مما يأتي عن الشيخين .
وإن اختلفت أجزاؤه امتنعت قسمته لأنها حينئذ بيع وبيع بعض المغشوش ببعضه لا يجوز لأنه من قاعدة مد عجوة وقد ذكر الشيخان ما يدل على ما ذكرته فإنهما قالا وحيث قلنا القسمة بيع اشترط في قسمة الربوي التقابض في المجلس وامتنعت في الرطب والعنب وما عقدت النار أجزاءه قال غيرهما ونحو ذلك وما نحن فيه من نحو ذلك وحيث قلنا هي إفراز جازت قسمة ذلك أي ومن ثم جازت قسمة الرطب والعنب على القول بأن القسمة إفراز وامتنعت على القول بأنها بيع وحيث امتنعت قسمة الحلي المذكور إما لكونها بيعا أو لكونها تنقص قيمته بالكسر

(10/213)


باعه ولي الأيتام أو أولياؤهم بذهب إن كان فضة أو عكسه لا بعرض إلا لمصلحة وقسموا ثمنه بينهم على حسب شركتهم في المبيع هذا إن كان البيع أحظ من إيجاره وإبقائه لمن يستعمله بأجرة المثل فأكثر .
أما إذا استوى البيع والإيجار المذكوران في الحظ فيتخير الولي أو الأولياء وأما إذا كان الإيجار أحظ من البيع فيجب فعله واعلم أن آنية القنية التي للمحجور إذا كانت من صفر ونحوه كالعقار فيما ذكروه في بيع الولي له من أنه لا يباع إلا لخوف تلفه أو لحاجة نحو نفقة ما لم يجد قرضا ينتظر معه غلة تفي بالقرض أو لغبطة ظاهرة كبيعه بزيادة على ثمن مثله وهو يجد مثله ببعضه أو خيرا منه بكله وإذا كانت آنية نحو الصفر كالعقار فيما ذكر كما نقله ابن الرفعة عن البندنيجي واعتمده فليكن الحلي المذكور كالعقار فيما ذكرنا بالمساواة أو الأولى فلا يجوز بيعه إلا لأحد الأقسام الثلاثة المذكورة الخوف أو الحاجة أو الغبطة واعلم أيضا أنه لا يجوز لولي الأيتام أن يتولى القسمة بينهم بنفسه وحده قلنا إنها بيع سواء أكان فيها تقويم أم لا وكذا إن قلنا إنها إفراز أو كان فيها تقويم لقولهم حيث كان في القسمة تقويم فلا بد من اثنين يشهدان بالقسمة وكذا إن لم يكن فيها تقويم كما في فتاوى الأصبحي ، والله سبحانه وتعالى أعلم

(10/214)


( وسئل ) رحمه الله تعالى لو كان بينهما أي بين شخصين أرض واحدة فيها بناء أو شجر فأراد أحدهما قسمة البناء أو الشجر دون الأرض أو بالعكس مع المساواة بالتعديل فهل يجبر الممتنع أو لا ولو كان البناء أو الشجر لأجنبي وأراد الشركاء قسمة الأرض أو بالعكس فهل يختلف الحكم أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بأن كلام الماوردي والروياني صريح في أنه لا يجبر الممتنع في الصورة الأولى في السؤال بقسميها وذلك لأنهما صرحا بأنه لو كان بينهما أرض واحدة فيها بناء أو شجرة فأراد أحدهما قسمة الأرض دون البناء والشجر لا يجبر الآخر فإن تراضيا دخل في الأرض قسمة الإجبار ما داما على هذا الاتفاق وقسمت بينهما إجبارا بالقرعة فإذا رجع أحدهما عن الاتفاق زالت قسمة الاتفاق ا هـ .
وجزم به في الأنوار حيث قال ولو كان بينهما أرض مزروعة وأراد قسمة الأرض وحدها جاز وأجبر الممتنع بخلاف البناء والشجر .
ا هـ .
فقوله بخلاف البناء والشجر هو مسألتنا بعينه ومما يصرح بذلك قوله في الأنوار أيضا تبعا للشيخين في الروضة وأصلها ولو كانت الشركة لا ترتفع بالقسمة إلا عن بعض الأعيان كعبدين بين اثنين قيمة أحدهما مائة والآخر مائتان وطلب أحدهما القسمة ليختص من خرجت له قرعة الخسيس به وبربع النفيس فلا إجبار .
ا هـ .
وعبارة الشيخين الأصح لا إجبار لأن الشركة لا ترتفع بالكلية وهذا منهما صريح في أن محل الإجبار إذا ارتفعت الشركة بينهما بالكلية

(10/215)


وإلا فلا إجبار فيكون نصا في مسألتنا أنه لا إجبار في مسألتنا ومما يصرح بذلك أيضا قول الدارمي إذا كان العلو مشتركا فتراضوا على قسمته جاز وإن طلبوا الإجبار يجوز وقال ابن القطان لا يجوز .
ا هـ .
قال الأذرعي وكأن الصورة فيما إذا كان العلو مشتركا فقط والسفل لأحدهما أو لغيرهما .
ا هـ .
وإذا كانت الصورة كذلك كان كلام ابن خيران ضعيفا لما علمت أن ما قاله ابن القطان حينئذ يشهد له كلام الماوردي والروياني وكلام الشيخين السابق ويؤيده أيضا اشتراط الماوردي في قسمة الجدار المشترك بين المالكين تفريعا على القول بالإجبار أن تكون الأرض لهما ولا يشكل على ذلك قولهم في الأرض المزروعة إذا طلب أحدهما قسمتها دون الزرع أجبر الممتنع لأن للزرع أمدا ينتظر بخلاف البناء والغراس وكأن السبكي لم يطلع على ذلك حيث توقف في الإجبار فيما لو كان بين اثنين شركة في أنشاب وبساتين وبئر والأرض مستأجرة لهما فإنه قال لا إجبار في البئر المحتكرة ولا في الأنشاب إن اختلف نوعها أو جنسها أو قيمتها بحيث لا يمكن التعديل وإن اتحد النوع وأمكن التعديل فعندي فيه توقف .
ا هـ .
وقد علمت أن المنقول يقتضي هنا عدم الإجبار أيضا لبقاء الشركة بينهما في الأرض فلم توجد فائدة القسمة وأما الصورة الثانية بقسميها فواضح أنه يجبر الممتنع من القسمة فيها والفرق بينها وبين الأولى أن القسمة هنا تزيل ضرر الشركة بالكلية ولا تبقي بينهما تعلقا بعدها بخلافها في الأولى فإن

(10/216)


التعلق المؤدي إلى المنازعة والمضارة باق بينهما بعد القسمة فلم يجبر الممتنع منهما لانتفاء فائدتها من إزالة ما هو سبب للمنازعة والمضارة بين الشريكين ثم رأيت بعض المتأخرين وجه بذلك أيضا حيث قال وقد صرح الماوردي بأن قسمة البناء والشجر دون أرضه لا تجوز جبرا وتجوز اختيارا ووجهه أن قسمة التعديل في غير هذه الصورة تقطع العلق بينهما واعتراض أحدهما على الآخر وهو المقصود الأعظم من القسمة وههنا لو أجبرنا لم تنقطع العلق والاعتراضات بينهما لبقاء الشركة في المنفعة فلو أراد أحدهما أن يعوض عن شجره الذي اقتلع لاعتراضه الآخر .
ا هـ .

(10/217)


( وسئل ) في قسمة النخل هل يجبر عليها الممتنع إذا اتحد النوع والقيمة من غير رد كما أفتى به إسماعيل الحيائي أو الشرط اتحاد الجنس فقط كما أفتى به أبو شكيل اليمانيين فما المعتمد من ذلك ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بأن المعتمد في ذلك كما يعلم مما يأتي عن الشيخين وكلام السبكي السابق أنه لا يجبر الممتنع من قسمة النخل إذا اختلف نوعها أو جنسها أو قيمتها إذا لم يمكن التعديل ودعوى أبي شكيل أن الشرط اتحاد الجنس فقط ممنوعة ولعله أراد أن ذلك شرط لصحة القسمة دون الإجبار عليها على أن في إطلاق هذا نظرا أيضا ففي الروضة وأصلها والمشترك الذي يعدل بالقيمة منه ما يعد شيئا واحدا كأرض تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة الإنبات .
وكذا بستان بعضه نخل وبعضه عنب ودار بعضها مبني بآجر وبعضها مبني بخشب وطين هذا إن لم يمكن قسمة الجيد وحده والرديء وحده وإلا فلا إجبار ومنه ما يعد شيئين فصاعدا ولا إجبار فيه ثم قالا والعبيد والدواب والشجر والثياب ونحوها إذا كانت من نوع واحد وأمكن التسوية عددا وقيمة أجبر على القسمة وإن لم تمكن التسوية أو كانت الأعيان أجناسا أو أنواعا فلا إجبار وكذا لو اختلطت الأنواع وعسر التمييز كتمر جيد ورديء .
ا هـ .
ملخصا وعبارة الأنوار كما يجري الإجبار إذا اختلفت الصفات يجري إذا اختلف الجنس كالبستان الواحد بعضه نخل وبعضه عنب .
والدار المبني بعضها بالآجر وبعضها بالطين والخشب وهذا إذا لم تمكن قسمة الجيد

(10/218)


وحده والرديء وحده وإلا فلا يجبر على قسمة التعديل ثم قال وإن لم يكن عقارا كالعبيد والدواب والأشجار ونحوها فإن كانت نوعا واحدا وأمكنت التسوية عددا وقيمة أجبر الممتنع وإلا فلا وكأن أبا شكيل توهم ما ذكر عنه من مسألة البستان المذكورة وليس كما توهم فإن اختلاف الجنس فيها ألغي لأن المقسوم بالقصد هو أرض البستان فلا نظر لاختلاف جنس ما فيها بخلاف مسألتنا فإن المختلف الجنس هو المقسوم من غير تبع لشيء ومن ثم ذكر الشيخان في الأشجار المنفردة أنه لا بد من اتحاد نوعها وإمكان تسويتها عددا وقيمة فلا تلتبس عليك إحدى الصورتين بالأخرى كما وقع فيه أبو شكيل إن صح ما نقل عنه .

(10/219)


( وسئل ) رحمه الله تعالى في الربويات كالرطب والعنب هل تصح قسمتها كيلا مع اتحاد نوعه واختلافه أو لا بد من اتحاد النوع ولو اقتسماه بدون كيل بل بامتحان باليد أو دونه هل يقوم مقام الكيل وهل يقدح في الصحة اختلاف حباته كبرا وصغرا أو اختلافه رطبا وبلحا أو لا وكذلك قسمة الحب في سنبله بكيل أو دونه وهل يجوز ذلك أو لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بأن الذي صرح به الشيخان وغيرهما أنا حيث جعلنا القسمة بيعا فاقتسما ربويا وجب التقابض في المجلس ولم تجز قسمة المكيل وزنا وعكسه ولا قسمة رطب وعنب وما عقدت النار أجزاءه ولا قسمة ثمر على شجر خرصا وحيث جعلناها إفرازا وهو المعتمد جاز كل ذلك وإنما يفوت إمكان القسمة فقط نعم الثمار على الشجر غير الرطب والعنب لا تجوز قسمتها خرصا وكذلك سائر الزروع .
وأما التمر والعنب فيجوز قسمتها خرصا على المعتمد عند الشيخين واختار السبكي قول جمع لا يجوز خرصها وإن قلنا إنها إفراز قال لأن الخرص ظن لا يعلم به نصيب واحد على الحقيقة وفي الزكاة جوز للحاجة مع كون شركة المساكين ليست بشركة حقيقة بدليل أنه يجوز أداء حقهم من موضع آخر ويجاب بأن الظن المستفاد من خرص الرطب والعنب قائم مقام المحقق شرعا في باب الزكاة والعرايا فكذا هنا لأن قسمة الإفراز فيها أنواع من المسامحة يجعل هذا منها وصرح الشيخان أيضا بأنهما لو أراد قسمة أرض مزروعة مع ما فيها وقد اشتد الحب أو كان بذرا بعد لم يجز وإن

(10/220)


كان فصيلا جاز أو قسمة ما فيها وحدها يأتي فيه هذا التفصيل ولا فرق بين أن تجعل القسمة هنا إفراز أو بيعا أما في الزرع وحده فلأنه مجهول وأما في الزرع مع الأرض وهو بذر أو قد بدا صلاحه فلأنها على الإفراز قسمة معلوم ومجهول وعلى البيع بيع طعام وأرض بطعام وأرض إذا تقرر ذلك علم أنه لا يصح قسمة الحب في سنبله مطلقا وأنه تصح قسمة الرطب والعنب كيلا ووزنا مع اتحاد النوع واختلافه ولو رطبا وبلحا ومع اختلاف الحبات لأن الشرط في قسمة الإفراز تعديل السهم بما يعلم به نصيب كل واحد على الحقيقة كالكيل أو الوزن أو الزرع ومن ثم علم أنه لا يكفي عن الكيل مثلا الامتحان باليد ثم ما ذكر في الرطب والعنب إنما يأتي إذا قلنا إنهما مثليان وهو ما صححه الشيخان في القصب وصحح في المجموع ما عليه الأكثرون تبعا للنص أنهما متقومان ومن ثم قال الإسنوي إنه المفتى به لكن القائل بالأول يحمل النص القائل بوجوب قيمتها على ما إذا فقد المثل وعلى القول بأنهما متقومان تكون قسمتهما قسمة تعديل فلا بد فيها من شروطها السابقة في الجواب الذي قبل هذا .

(10/221)


( وسئل ) في قسمة اللحم نيئا ومشويا بدون نزع العظام ودون وزن اللحم كما عليه عمل الناس من غير نكير أو لا يصح ذلك كذلك وما طريق الصحة في جميع ذلك فلو ضحى جماعة ببدنة أو بقرة وقلتم إن لهم قسمة اللحم فهل يجب أن يتصل كل منهم بنصيبه من الكبد والقلب والكرش والشحم واللحم وهي أجناس أو يجوز أن يختص بعضهم ببعضها وغيره بالبعض الآخر .
( فأجاب ) بقوله إن اللحم النيء مثلي فتكون قسمة إفراز وحينئذ فتصح بشرط نزع عظمه الذي يمنع معرفة مقادير الأنصباء لما مر في الجواب الذي قبله أن شرط قسمة الإفراز تعديل السهام بما يعلم به نصيب كل واحد على الحقيقة ولا يتيسر ذلك في نحو اللحم إلا بوزنه فلا تصح قسمته جزافا لأنها لا تكون إلا قسمة تعديل وهو بيع وبيع الربوي الذي دخل النار بعضه ببعض لا يجوز وإذا ضحى جمع ببدنة .
فلا بد من قسمة كل من أجزائها كالكبد والطحال على حدته لأن قسمتها تعديلا باطلة لأنها بيع وهو ممتنع في الربويات المختلفة الجنس لأنه يصير من قاعدة مد عجوة كما علم مما قدمته في الجواب .
الذي قبل هذا في تقدير بطلان قسمة الزرع مع الأرض وقد بدا صلاحه أو كان بذرا بعد والكلام حيث لم يرضوا بتخصيص بعضهم بشيء منها على وجه الهبة مثلا أما إذا رضوا بذلك فلا مانع منه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/222)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن قول الروضة وأما الأقرحة الأراضي فإن كانت متفرقة فهي كالدور وإن كانت متجاورة ففي الشامل أن أبا إسحاق جعلها كالقراح الواحد المختلف الأجزاء وأن غيره قال إنما تكون كالقراح الواحد إذا اتحد الشرب والطريق فإن تعدد فهو كما لو تفرقت قال وهذا أشبه بكلام الشافعي رضي الله تعالى عنه فما صورة الاتحاد في الشرب والطريق .
هل هو في الشرب ما إذا كانت الأقرحة المتجاورة تشرب من ثقبة واحدة دون ما إذا تعددت لكل أرض ثقبة تخصها من النهر أو كيف صورة الاتحاد ولو أن أحد الأقرحة أسفل من الآخر وبينهما حاجز وفيه ثقب يمر الماء فيها من الأعلى إلى الأسفل بلا سد وقد يسد بحيث لا يرسل إلى الأسفل إلا بعد ري الأعلى فهل يجري الإجبار في الصورتين أم في الصورة الأولى فقط وهل ما ثبت فيه الإجبار بالقسمة يثبت في خلطة الجوار أم الحكم مختلف ؟ أفتونا مأجورين .
( فأجاب ) بأن المعتمد ما رجحه الشيخان من أنه لا بد مع اتحاد الأقرحة من اتحاد مشربها وطريقها بأن يكون النهر الذي تشرب منه واحدا وتكون طريقها التي يصل فيها ماء النهر إليها واحدة سواء وصل إليها من ثقبة واحدة أو من ثقب بخلاف ما إذا اختلف النهر أو اتحد لكن اختلفت طرقها إليه فإنه لا إجبار حينئذ لاختلاف الأغراض باختلاف الأنهار وباختلاف القرب إليه باختلاف الطريق مع تلاصقها كما هو فرض المسألة يختلف قربها وبعدها منه فامتنع الإجبار حينئذ بخلاف ما إذا تلاصقت واتحد النهر

(10/223)


واتحدت طريقها إليه فإن الأغراض حينئذ لا تختلف باختلاف أعيانها فمن ثم دخلها الإجبار حينئذ وبما تقرر علم أنه لا إجبار فيما ذكره السائل بقوله ولو أن أحد الأقرحة أسفل من الآخر إلخ لأن الطريق حينئذ إلى النهر لم تتحد بل اختلفت قربا وبعدا ومن لازم اختلافها كذلك اختلاف الأغراض بأعيانها ومع اختلاف الأغراض كذلك يمتنع الإجبار وواضح أن خلطة الجوار لا شركة فيها فكيف يتصور فيها القسمة فضلا عن أن يتصور فيها إجبار أو عدمه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/224)


( وسئل ) رحمه الله تعالى فيما ذكره الأئمة أن الشيء الذي لا تتأتى قسمته إجبارا ولم يرض الشركاء فيه بالمهايأة أن الحاكم يؤجره وهل للحاكم أن يؤجره لبعض الشركاء أم لا فإن قلتم لا فهل إجارته صحيحة أو فاسدة ولو أن بعض الشركاء طلبه بأكثر من أجرة المثل هل يجاب أو لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه وبركته بقوله قضية قولهم في امتناع الشركين من المهايأة إن الحاكم يؤجره عليهما وتوزع الأجرة بينهما أنه لا يجوز له أن يؤجره لأحدهما ووجهه ظاهر لأنه بامتناعهما صار نائبا عنهما شرعا إذ تصرفه عليهما إنما هو بنيابة اقتضتها الولاية أخذا مما قالوه في الحاكم إذا زوج بعضل الولي أو غيبته مثلا وإذا كان نائبا عنهما فكيف يؤجر أحدهما لأنه حينئذ يكون متصرفا مع مستنيبه فيما هو نائب فيه وهو ممتنع لاستلزامه أن المالك يستأجر ماله من نائبه .
بل لو قلنا إن القاضي ليس نائبا عنهما وإنما يتصرف في ذلك بحكم الولاية الشرعية كان الامتناع واضحا أيضا لأنه ولي على المستأجر منه في حصته والولي لا يجوز له أن يتصرف مع المولى عليه فيما هو ولي عليه فيه فإن قلت يمكن توجيه الصحة بأن أحدهما إذا رضي بالاستئجار صار القاضي غير نائب عنه لأنه إنما ينوب عن ممتنع وغير مولى عليه كذلك أيضا وحينئذ فلا يتأتى ما ذكرته في توجيه الامتناع قلت هذا وإن أمكن أن يتخيل إلا أنه عند التأمل واضح الفساد لأن الحاكم لا يؤجره عليهما إلا إذا لم

(10/225)


يتراضيا بالمهايأة وإذا لم يتراضيا بها فولاية الحاكم أو نائبه مستمرة عليهما وإن رضي أحدهما بأن يستأجره لأن رضاه باستئجاره غير رضاه بالمهايأة فلا يكون رضاه بالاستئجار مبطلا لولاية الحاكم ولا لنيابته لوجود السبب المقتضي لها وهو امتناعهما من المهايأة وبما تقرر علم أن إيجار الحاكم لأحدهما فاسد ولو بأكثر من أجرة المثل لأن ملحظ الفساد ما تقرر وهو موجود مع استئجاره بأجرة المثل أو بأكثر منها ثم رأيت ابن عبسين أفتى بخلاف ذلك وفيما قررته رد لجميع كلامه فتأمله .

(10/226)


( وسئل ) بعض الناس عن رجل مات وخلف خمسة أولاد ذكور داود وأحمد وعمر وعليا وعبد الرحمن مات عمر عن ولد اسمه إدريس ثم مات إدريس عن غير ولد وخلف أربعة أعمام ثم مات أحمد عن غير ولد وانحصر إرثه في إخوته الثلاثة الباقين ثم مات داود وخلف ولدين ذكرين هما عبد الله ويوسف وبنتا هي فاطمة ثم مات عبد الله وخلف ولدا ذكرا اسمه إدريس ثم مات إدريس المذكور عن غير ولد وخلف عما له وهو يوسف المذكور وعمة له هي فاطمة المذكورة ثم غاب على المذكور في السفر وجهل مكانه وله مدة ستين سنة لم يعلم أهو حي أم ميت وترك ولدا له اسمه شكر وانحصر الآن إرث عبد الله الجد في ولده عبد الرحمن وفي أولاد ولده داود وفي ولد ولده على الغائب شكر المذكور وللجد عبد الله أراض ومزارع باليمن فوضع يده عليها عمهما عبد الرحمن المذكور وقسم لأولاد داود وأولاد علي المذكورين قطعتين من الأراضي المذكورة في بيتين من ثلث الأراضي المتروكة ومسك الثلثين بيده وغلب على أولاد إخوته .
فماذا يخص كل واحد من هؤلاء الأولاد وأولادهم من هذه الأراضي بحكم الفريضة الشرعية فأجاب بقوله حصة عبد الرحمن ثلث وعلي ثلث ويوسف أربعة أخماس ثلث وفاطمة خمس ثلث وعلى الغائب ستين سنة إذا مضت مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها فيجتهد القاضي ويحكم بموته ويعطي ماله من يرثه وقت الحكم والقسمة المذكورة من عبد الرحمن إن كانت بطلب الشركاء بإذن الحاكم أم لا وهم بالغون

(10/227)


رشداء ولم يحصل حيف في القسمة فالقسمة صحيحة إلا في حصة على الغائب لأنه لا يحكم بموته إلى الآن وإن كان عبد الرحمن هو القاسم باختياره فكل أحد من الورثة على حصته المتقدمة من كل أرض ومزرعة .
ا هـ .
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب فرفع هذا السؤال إلى شيخنا - فسح الله تعالى في مدته ورضي عنه وقمع به جراءة متهجم على العلم قبل دريته والتمس منه تبيين الصواب عما به - هذا المفتي أجاب .
( فأجاب ) نفع الله تبارك وتعالى بعلومه المسلمين بقوله المجيب والقسمة المذكورة من عبد الرحمن إلى آخر جوابه غير صحيح لأمور منها أن المصرح به في السؤال والجواب أن القاسم هو عبد الرحمن وحيث تولى بعض الشركاء القسمة بنفسه فالقسمة باطلة وإن أذن له الباقون لأنه وكيل عنهم فلا يحتاط لهم كنفسه ومنها أنه حيث كان في الشركاء غائب فلا يقسم عنهم إلا القاضي بشرطه وإلا فالقسمة باطلة من أصلها وهذان كافيان في بطلان جميع ما ذكره هذا المفتي فالصواب أن هذه القسمة باطلة من أصلها مطلقا وأن ما ذكره هذا المفتي من هذا التفصيل باطل لا يعول على شيء منه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/228)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن شخص هلك وخلف بنتا وأختا لأب وأختا لأم ما الجواب عن ذلك فإن في بلدنا من لا يسأل عن دينه إلا من لا يعلم أفتونا كيف يقسم الميراث مع أن أهل العلم قالوا إن الولد للأب يمنع الأخ للأم من الميراث وكذا قالوا الأخوات مع البنات عصبات ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله للبنت النصف وللأخت للأب النصف الباقي ولا شيء للأخ للأم لأنه محجوب بالبنت لا بالأخت ولم يقولوا إن ولد الأب يمنع الأخ للأم من الميراث خلافا لما ذكره السائل ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/229)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن شخص مات وخلف بنتا وابنا لعتيقه أو بنت معتقه وقبيلة ينسب إليهم من غير تحقيق بل يقال إنه منهم فجاء رجل من الأرض التي هو بها فقال الميراث بين البنت وابن العتيق نصفان هل ما فعل هذا عن حقيقة أو جاهل فنعرفه فإن قبل وإلا رفعنا أمره أم يكون النصف للبنت والنصف للعصبة إذا تبين له عصبة وحيث لا بيت مال فهل يحكم بالرد على البنت أم يرصد إذا رجا أنه يكون من حي من أحياء العرب ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه وبركته بقوله أما أولاد العتيق فلا يرثون من المعتق شيئا مطلقا سواء كانوا ذكورا أو إناثا وأما بنت المعتق فلا ترث من عتيق أبيها شيئا وحينئذ فتستحق بنت الميت النصف ثم إن ثبت انحصار الإرث فيها بأن لم يكن له وارث غيرها فإن كان بيت المال منتظما في تلك الأراضي أخذ المتولي عليه النصف الباقي وإن لم يكن منتظما أخذت البنت النصف الباقي أيضا وأما إذا لم يثبت انحصار الإرث فيها فتعطى النصف فقط والباقي يحفظ بأن يجعل تحت يد قاض أمين فإن لم يكن ثم قاض أمين اتفق أهل تلك البلد على وضعه عند من يرضون بأمانته وديانته إلى أن يظهر مستحقه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/230)


( وسئل ) رحمه الله تعالى سؤالا صورته أيس من صاحب دين فهل يتعلق بتركة المديون مع ذلك ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تبارك وتعالى بعلومه بقوله صرح الإسنوي رحمه الله تعالى في طرازه في باب القسمة بعدم تعلقه لئلا يؤدي إلى دوام حجر التركة به لا إلى غاية وتبعه الدميري وزاد عليه أنه لا يحجر بدين اللقطة إذا تملكها الميت ولم يعرف مالكها وجرى عليه الزركشي رحمه الله تعالى في صورة اللقطة وعلله بما ذكر وإطلاق الأصحاب ينازع في ذلك كله وما عللوا به ممنوع فإنه إذا أيس من مالكه صار من أموال بيت المال فيتولى ناظر بيت المال قبضه وبه ينفك الحجر فلم يلزم دوام الحجر ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/231)


( وسئل ) رضي الله تعالى عنه سؤالا صورته زيد وشقيقته فولدت الشقيقة بنتا وولدت البنت ولدا فماتت الشقيقة والبنت فزعم ابن البنت أن البنت الشقيقة تقدم موتها قبل البنت فالوارث للشقيقة البنت والأخ الذي هو زيد فزعم الأخ الذي هو زيد أن بنت الشقيقة تقدم موتها على موت أمها التي هي الشقيقة فالوارث للشقيقة هو أي الأخ الذي هو زيد وحده فمن المرجح منهما وسواء في هذه الواقعة إذا كان المال في يدهما أو في يد أحدهما أو في يد غيرهما ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله إن زيدا الأخ يستحق النصف على كل تقدير ثم النصف الثاني هو يزعم أن له أيضا وابن البنت يزعم أنه لأمه فإذا لم يكن لأحدهما بينة وقف حتى يتبين أو يصطلحا كما شمل ذلك قولهم متى علم تقدم موت أحد متوارثين على الآخر ونسي وقف ميراث كل إلى البيان أو الصلح وإنما لم نقل بالوقف في جميع مال الشقيقة لأن إرث أخيها النصف منه محقق تقدمت على بنتها أو تأخرت فلا مسوغ للوقف فيه إذ لا مسوغ له إلا الشك في الاستحقاق وهو في هذه الصورة في النصف الثاني فقط .

(10/232)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن شخص قتل أباه وللقاتل ولد وليس للمقتول وارث سوى القاتل فإن قلتم لا يرث القاتل فهل يرث ولده أم لا فإذا قلتم يرثه كيف يرث وهو بعض القاتل كأنه هو وهو ممنوع ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله قيام مانع الإرث بشخص يصيره كالعدم فالقاتل حينئذ كأنه لم يوجد فيرث ولده بالقرابة التي بينه وبين الميت لما تقرر أن قتل أبيه صيره كالميت .

(10/233)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عن شخص مات وخلف بني عمة وخالا وابن خالة وقلنا بتوريث ذوي الأرحام فمن الوارث من هؤلاء ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به بقوله لبني العمة الثلثان والثلث الآخر بين الخال وابن الخالة أثلاثا للخال ثلثاه ولابن الخالة ثلثه هذا ما يظهر من مذهب أهل التنزيل لأنا إذا نزلنا كل فرع منزلة أصله كان بنو العمة بمنزلة العمة وهي بمنزلة الأب والخال بمنزلة الأم وابن الخالة بمنزلة أمه التي هي بمنزلة الأم فيقدر الخال والخالة كأنهما ورثا أختهما فيكون للخال الثلثان وللخالة الثلث ومالها يأخذه ولدها ومن ثم جعلنا كأن الأم والأب موجودان فما للأب وهو الثلثان يكون لبني العمة وما للأم وهو الثلث يكون لمن بمنزلتها وهما الخال وابن الخالة أما الخال فواضح وأما ابن الخالة فلتنزيله منزلة أمه في المساواة للخال فلم يحجب به فإن قلت القياس حجب الخال له لأنه أقرب منه إلى الوارث المنزلين منزلته وهو الأم قلت إنما يتأتى هذا على مذهب أهل القرابة أما على مذهب أهل التنزيل فلا لأنا على مذهبهم ننزل الفرع منزلة أصله ثم نعتبر حينئذ السبق إلى الوارث وأما اعتبار السبق إليه قبل التنزيل فغير مقيس على مذهب المنزلين ثم رأيت ابن الصلاح .

(10/234)


سئل عمن ترك خالا وابني خالة من يرث منهما ؟ فأجاب رحمه الله تعالى بقوله يصرف ميراثه إلى من يورثه المورثون لذوي الأرحام وهذا الجواب مجمل إذ لم يتبين منه أن الخال يحجب ابني الخالة أم لا .

(10/235)


ثم سئل عمن تركت زوجا وعمة وابنتي أخ شقيق فأفتى بعد الاستخارة بأن للزوج النصف والباقي بين الثلاث أثلاثا إلا أن تكون العمة للأم فحسب فيكون الباقي بين بنتي الأخ ووجه ذلك بقوله وذلك أني وجدت العمة تترجح بأن أكثر أهل التنزيل نزلوها أبا وقالوا بتقديمها على ابنة الأخ التي هي منزلة منزلة الأخ عند أهل التنزيل أجمعين ووجدت ابنة الأخ تترجح أيضا من جهة أن أهل القرابة كالبغوي والمتولي قالوا بتقديم بنت الأخ ووافقهم بعض أهل التنزيل ومنهم من نزل العمة عما فقدموا ابنة الأخ عليها .
كما يقدم الأخ على العم فرأيت أن لا أسقط إحدى الجهتين بالأخرى ووجدتهما متعادلتين فسويت بين الثلاث وهو مذهب بعض أهل التنزيل ومنهم من نزل العمة لغير الأم بمنزلة الجد ثم قال بعد حكاية مذهب أن إعطاء ذوي الأرحام على سبيل المصلحة لا الإرث فرأيت والحال على ما وصفت الإفتاء بالجمع والتسوية بينهن أقرب الوجوه وأعدل المذاهب وأرعاها للجهات فاستخرت الله سبحانه وتعالى في المصير إليه كلامه ملخصا ثم قال في بنتي أخ وابن بنت اجتهدت أياما وأفتيت على مذهب أهل التنزيل بأن لابن البنت النصف ولبنتي الأخ النصف بينهما ورأيت الميل إلى التنزيل أقرب في هذا الباب لأنه مذهب الأكثرين وأقوى ا هـ .
وما ذكره في هذه الأخيرة ظاهر وأما ما ذكره في التي قبلها بقياس مذهب أهل التنزيل أن المال كله للعمة لأنها منزلة منزلة الأب وبنتا الأخ

(10/236)


منزلتان منزلة الأخ والأب يحجب الأخ فكذا المدلي بالأب يحجب المدلي بالأخ تنزيلا لكل فرع منزلة أصله والحاصل أن فيما ذكره من عدم حجب العمة تعارض فيها مذهب أهل التنزيل والقرابة فالأولون يورثونها وحدها وأهل القرابة يورثون بنتي الأخ وحدهما فلتعادل المذهبين عنده قال باشتراك الثلاث وفي مسألة السؤال مذهب أهل القرابة حجب الخال لابن الخالة فكذا مذهب أهل التنزيل على ما يتبادر منه ببادي الرأي لأن الخال أقرب إلى الوارث فلا جامع بين ما ذهب إليه ابن الصلاح وما قدمته في صورة السؤال بل ما ذكرته في رده من حجب العمة لبنت الأخ يؤيد حجب الخال لابن الخالة إلا أن يفرق بأن العمة تدلي إلى غير من تدلي إليه بنت الأخ لما مر أن العمة تدلي إلى الأب وبنت الأخ تدلي إلى وارث آخر غيره وهو الأخ ولا كذلك في مسألتنا لأن الخال يدلي إلى الأم وابن الخالة لا يدلي لوارث غير الأم .
بل إنما يدلي لها أيضا بعد تنزيله منزلة أمه الذي هو طريقة أهل التنزيل فاستويا هنا في الإدلاء إلى وارث فلم يحجب أحدهما الآخر وأما العمة وبنت الأخ فلم يستويا في ذلك بل أدليا بوارثين مختلفين فنظرنا لحجب أحدهما الآخر وعملنا بذلك فقلنا بحجب العمة لبنت الأخ فإن قلت يؤيد حجب الخال لابن الخالة قول ابن الصرد في كافيه بنت خال وخالة أم المال لخالة الأم لأنك إذا نزلتها درجة صارت جدة وبنت الخال إذا نزلتها درجة صارت خالا ولم تصل إلى الوارث قلت الفرق بين هذه

(10/237)


وصورة السؤال ظاهر لأن بنت الخال بعد تنزيلها منزلة أصلها لا تساوي خالة الأم في درجتها بل هي بعد التنزيل أعلى منها بدرجة فلذلك نزلنا خالة الأم منزلة الجدة فلا تسبقها بنت الخال بدرجة بعد تنزيلها منزلة أبيها وهو الخال وأما في مسألتنا فابن الخالة بعد تنزيله منزلة أمه يساوي الخال في درجته وحينئذ فيلزم استواء كل منهما في القرب إلى الأم فلم يبق مسوغ لحجب الخال لابن الخالة فلذلك قلنا باستوائهما ويؤيده قول صاحب الكافي بناء على مذهب أهل التنزيل بعد أن ذكر إنك تنزل كلا منهم منزلة من يدلي به فإن استويا في درجة فإنك تورث كل واحد ميراث من يدلي به وإن سبق بعضهم إلى وارث بدرجة انفرد بجميع المال وإن كان فيه من يحجب حجبته كما تعمل في مسائل الصلب فتأمل كونه اعتبر الاستواء في الدرجة والسبق إلى الوارث بعد تنزيل الفرع منزلة أصله لا قبله تجده شاهدا لما ذكرته من عدم حجب الخال لابن الخالة لاستوائهما بعد تنزيل ابن الخالة منزلة أمه والحاصل أن المسألة مشكلة وأن في كلامهم ظواهر تقتضي حجب الخال لولد الخالة وظواهر تقتضي عكسه وأن الأول أقرب من مداركهم ببادي الرأي فتأمله ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/238)


( وسئل ) رحمه الله تعالى قدر بعضهم مدة للمفقود بسبعين سنة فهل تتقدر بذلك أم كيف الحال أفتونا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى به وبعلومه بقوله المنقول المعتمد أنها لا تتقدر بشيء وإنما المدار على مضي مدة يغلب على ظن الحاكم أن المفقود لا يعيش إليها وقد يظهر له بقرائن الأحوال موته في أقل من سبعين سنة نعم التقدير بها وجه ضعيف لبعض أصحابنا أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم { أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين } ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

(10/239)


( مسألة ) قال السبكي رحمه الله تعالى في فتاويه ما لفظه نجد كتاب مبايعة أو وقف أو غيرهما بعقار أو دار أو أرض أو قرية أو نحوها مشتمل على حدود يقع اختلاف في تلك الحدود وبطلت منا إثبات تلك الحدود كما تضمنه ذلك الكتاب وما فعلته قط لأن المشهود به في البيع أو الوقف أو نحوهما هو العقد الصادر على المحدود بتلك الحدود وقد لا يكون الشاهد عارفا بتلك الحدود ألبتة وإنما سمع لفظ العاقد فالذي شهد به إقراره بذلك والحدود من كلامه لا من كلام الشاهد وهذا ظاهر في العقود والأقارير وظهوره في الأقارير أكثر لأنهما من كلام المقر لا من كلام الشاهد وفي العقود دونه لأن الشهادة بالعقد من كلام الشاهد وحكايته عن حضوره العقد وسماعه فهو شاهد بالبيع والوقف لا بالإقرار بهما فلا بد من علمه بصدور البيع على المبيع والوقف على الموقوف .
لكنا نقول إن ذلك لا يستدعي معرفته للمبيع والموقوف لجواز أن يقول بعتك البلد أو الدار التي حدها كذا ولا يكون عند الشاهد على أكثر من ذلك فيجوز له أن يشهد على جريان البيع على المحدود وإن لم يعرفه ولا حدوده يبقى علينا شيء واحد وهو قد يشكل وهو الشهادة بالملك والحيازة فكثيرا ما يقع هذا في كتب المبايعات والأوقاف مستقلا تقوم بينة أن فلانا مالك حائز للمكان الفلاني الذي حدوده كذا ويكون ذلك المكان معروفا مشهورا لا منازعة فيه وتقع المنازعة في حدوده أو في بعضها والشهود قد ماتوا بعد أن قد ثبت المكتوب بشهادتهم ويقصد

(10/240)


الذي بيده المكتوب أن يتمسك به في الحدود وينزع من صاحب يد بعض ما في يده بمقتضى ذلك المكتوب ويدعي أن تلك الحدود ثابتة له بمقتضى مكتوبه وقد طلب مني ذلك فلم أفعله لأني أعلم بحسب العادة أن الشاهد قد يعلم ملك زيد للبلد الفلاني مثلا علما يسوغ له الشهادة بملكه ويده وذلك البلد مشتهر وتحقيق حدوده قد لا يحيط علم الشاهد بها فيستسميها ممن هو يعرفها هكذا رأينا العادة كما يشهد على زيد الذي يعرفه ويتحققه ولا يتحقق نسبه فيعتمد عليه أو على واحد فيه فالتمسك في إثبات الحدود كالتمسك في إثبات الشرف ونحوه والذي يظهر لي من ذلك أن من كانت يده على شيء واحتمل أن تكون يده بحق لا تزال إلا ببينة تشهد أن يده عادية ولا يعتمد في رفع يده على كتاب قديم بتلك الشهادة التي لا يدرى مستندها وقال أيضا مسألة تعم بها البلوى كثيرا ولم أر أحدا تكلم فيها وتكررت في المحاكمات كثيرا يأتي كتاب مبايعة أو وقف على عقار مشتمل على حدود وصفات ويجري نزاع في تلك الحدود ويوجد بعض ما يشتمل عليه الحد في يد أجنبي غير المشتري أو الموقوف عليه ويراد انتزاع ذلك القدر ممن هو في يده بمقتضى ما تضمنه الكتاب ويكون الكتاب في يده مدة طويلة أو قصيرة .
وذلك الكتاب ثابت وقد قامت فيه بينة بالملك والحيازة وعندي توقف في الانتزاع بمثل ذلك حتى تثبت بينة صريحة أن هذا العقار المبيع أو الموقوف ملك البائع أو الواقف إلى هذا الحد ويكون الحد مشهودا به

(10/241)


والواقع ليس كذلك فإن الواقع كما شهدنا أن الشهود بالبيع أو الوقف إنما يشهدون على الإنشاء فإن شهدوا على الإقرار فقول المقر داري على جاره بأن ملكه ينتهي إلى ذلك الحد والجار لم يصدقه على ذلك وإن كان على الإنشاء فهم إنما سمعوا قول المنشئ والغالب أنهم يعتمدون في كتابة الحدود والصفات عليه أو على غيره كائنا من كان هكذا رأينا الكتاب والوراقين والشهود يفعلون ولا يحيط علمهم بحقيقة الحال والشهود بالملك والحيازة يعرفون من حيث الجملة أن الدار الفلانية والضيعة الفلانية ملك لفلان ولو سئلوا عن تحرير حدودها لم يصرحوا به ولم يحرروه ولا يشهدوه فلا يكتفى بإطلاق شهادتهم بالملك والحيازة في ذلك ولا بذكره على سبيل الصفة والتعريف لأنه حينئذ لا يكون مشهودا به حتى يقولوا إنا نشهد بالحدود وحينئذ يكون انتزاعه ببينة أما بدون ذلك فمتى انتزعناه بدون بينة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول { شاهداك أو يمينه } .
فالذي أراه هنا في حكم الفرع أن اليمين هنا على صاحب اليد ولا ينزع ولا ترفع يده حتى تقوم بينة صريحة بأن الذي في يده ملك لغيره لما قلنا ولأمور أخرى منها أن الشهادة بالملك أمس في قبولها خلاف والكتب القديمة كذلك ومنها أن الأسماء قد تتغير والأحوال قد تتغير فقد يكون الاسم المذكور في كتاب القديم في حد نقل إلى غير ذلك المكان وهذا الاحتمال قد يقوى بعض الأوقات وقد يضعف لكن مقصودنا أنه لا بد في دفعه من شهادة صريحة حتى

(10/242)


يكون انتزاعا ببينة ومنها أنه قد يكون طرأ ناقل لبعض ما اشتمل عليه الحد وهذا في الملك محتمل احتمالا قويا وفي الوقف أيضا محتمل مبادلة على مذهب من يراها ومنها أن الاشتمال على ما يدخل في الحدود عموم .
وقد يكون قامت بينة بإخراج بعضه وقدمت لأنها خصوص وتكون اليد مستندة إليها والخصوص مقدم على العموم فلا يكتفى في رفع اليد الخاصة بالبينة العامة حتى يصرح بالخصوص بل أقول إن اليد على البعض خصوص والبينة بالكل من غير تصريح بذلك البعض عموم وهو وإن كان من دلالة الكل على أجزائه وليس بعموم في الاصطلاح لكن لضعفه يصير كدلالته على جزئياته بأداة العموم لا سيما في الحدود فقد كثر فيها ذلك وضعفت وإنما قلنا ذلك دفعا لما يتمسك من البينة التي قد تقوم بالملك والحيازة فإنه قد يقال إنها رافعة لليد ا هـ .
كلام السبكي في فتاويه فهل ما قاله معمول به مطلقا أو لا وفيه تفصيل .
( الجواب ) ما قاله في ذلك مبني كما أشار إليه أواخر الجواب الأول على مسألة ذكرها قبل الجواب الأول في فتاويه أيضا وقال إن بينهما تشابها وتلك المسألة هي قوله فرع ليس بمنقول وذكر أنه استفتى فيه بالقاهرة من أكثر من أربعين سنة تتبع كثيرا في مكاتيب أقر زيد بن عمرو بن خالد مثلا لفلان بكذا وتذيل بشهادة شهود بذلك وهم ذاكرون للشهادة وأدوها وذلك المكتوب بشهادتهم ويقع الاختلاف في نسب زيد وربما يكون في المكتوب أنه شريف حسني أو حسيني أو غير ذلك مما يقصد

(10/243)


إثباته ويقال إن هذا المكتوب ثابت على القاضي الفلاني فهل ذلك مستند صحيح أم لا والجواب أنه ليس مستندا صحيحا في إثبات نسب المذكور فإن المشهود به إنما هو إقرار بكذا للمقر له وهو على حالين تارة لا يعرفه الشهود فيشهدون بحليته والأخلص حينئذ أقر من ذكر أن اسمه كذا وعند الأداء لا يشهدون إلا على شخصه فهذا الإشهاد فيه نسب وتارة لا يكتب الشهود ذلك مع عدم معرفتهم وهو تقصير منهم .
وقد يقع ذلك كثيرا لأنه قد كثر ذلك وعرف أن الاعتماد على تسمية الشخص نفسه ما لم يقولوا هو معروف وقد تطول معاشرة الإنسان لآخر ولا يعرف نسبه فإذا شهدا عليه اعتمدا على إخباره أو إخبار غيره وإن لم يحصل عنده ظن قوي يسوغ له الشهادة بذلك النسب بل كثير ممن اشتهر بين الناس بالشرف ويطلقونه عليه ليلا ونهارا في مخاطباتهم ولو سئلوا بالشهادة له بالشرف لامتنعوا ومن شهد منهم معتمدا على ذلك لم يخلصه إذ لم ينته إلى تواتر ولا استفاضة ولا ركون بحيث يغلب على الظن بل إلى ظن ضعيف وهو مسوغ للمخاطبة لا للشهادة فإذا رأينا مكتوبا ليس مقصوده إثبات النسب لم نحمله على إثبات النسب ولا يجوز التعلق به في إثباته إذا كان المقصود منه غيره وهنا بحث نذكره والجواب عنه وهو أن الفقهاء احتجوا على صحة نكاح الكفار بقوله تبارك وتعالى { وامرأة فرعون إذ قالت } الآية .
{ وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك } ففيه دليل على أن وضع هذا الكلام الإخبار بأنها امرأته فليكن قولنا

(10/244)


قال زيد بن عمرو كذا إخبارا بأنه ابن عمرو فتحصل الشهادة به فتقتضي ثبوته والجواب أن دلالة الآية على أنها امرأة فرعون دلالة التزام ودلالة الإخبار عنها بالقول دلالة مطابقة والله سبحانه وتعالى عالم بكل شيء ومن جملته أنها هل هي امرأته أو لا فلما قال ذلك اقتضى أنها امرأة فرعون وأما الشهود فليسوا عالمين بحقائق الأمور فإن قالوا نشهد على زيد بن عمرو الحسيني وصرحوا بالشهادة بنسبه ونسبته رجع إليهم وإلا لم يحمل كلامهم على ذلك لجهلهم بحقائق الأحوال والنسب غالبا وإنهم إنما اعتمدوا على أدنى ظن فضعفت الدلالة الالتزامية في كلامهم بل لو قويت لم تعتمد في الشهادة لأن المشهود به الذي يقصد إثباته لا يكتفى فيه بدلالة الالتزام بل لا بد أن يذكره الشاهد ويدل عليه مطابقة كان أو التزاما فافهم الفرق بين الموضعين .
ا هـ كلامه ملخصا وهو معزور فيه فإنه صرح بأن هذا الفرع ليس بمنقول وإنه إنما تكلم فيه .
وفي مسألتي الحدود المتقدمين برأيه وبحسب ما ظهر له وذلك كله عجيب منه مع سعة اطلاعه إذ كيف لم يستحضر مسألة النسب المصرح بها في كلامهم وممن صرح بها ابنه تاج الدين في جمع الجوامع وبها يعلم أن جميع ما قاله في مسألة النسب وما يشابهها كما قال في مسألتي الحدود رأي له مخالف للمنقول ولنبين أولا مسألة النسب المنقولة ثم نبين ما هو مقيس عليها من مسألتي الحدود متعرضين لما في كلامه رحمه الله تعالى من نقد ورد .
فنقول قال

(10/245)


الهروي رحمه الله تبارك وتعالى في الإشراق والماوردي رحمه الله تعالى في الحاوي والروياني رحمه الله تعالى في البحر وغيرهم ما حاصله لو شهدا أن فلان بن فلان وكل فلانا كانت شهادة بالنسب للموكل ضمنا وبالتوكيل أصلا لتضمن ثبوت التوكيل المقصود لثبوت نسب الموكل لغيبته عن مجلس الحكم وقيل لا كما يأتي وهذا ينبني على القاعدة الأصولية وهي أن مورد الصدق والكذب في الخبر النسبة الإسنادية كالنسبة التي تضمنها نائم من قولك زيد بن عمرو نائم لا ما يقع في أحد الطرفين من النسب التقييدية كبنوة زيد لعمرو في هذا المثال ويفرع على هذا الأصل وهو أن مورد الخبر ما ذكر قول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وبعض أصحابنا في مسألة الوكالة المذكورة إن الشهادة فيها شهادة بالتوكيل دون نسب الموكل ويشهد للراجح عندنا وهو أنها شهادة بهما كما مر استدلال الشافعي رضي الله تعالى عنه وغيره من الأئمة رضي الله تعالى عنهم على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى قالت امرأة فرعون .
وما في البخاري مرفوعا أنه يقال للنصارى ما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد وإذا تقرر لك ذلك وعلمت أن المسألة منقولة هكذا وإنها مشهورة خلافية بيننا وبين مالك وأن بعض أصحابنا وافق مالكا وأن الراجح مخالفته للأدلة التي ذكرت ظهر لك واتضح أن جميع ما قاله السبكي رحمه الله تعالى في مسألة النسب ومسألتي الحدود

(10/246)


إنما هو رأي مخالف للمنقول وأنه إنما قال هذا الرأي ظنا منه أن المسألة ليست منقولة كما صرح به هو بقوله فرع ليس بمنقول وبما ذكره في خلال ذلك وخلال مسألتي الحدود وأنه لو رأى مسألة النسب التي ذكرتها لم يسعه مخالفتها ولما أجاب عن إيراده دليلها عليه وهو { قالت امرأة فرعون } .
بقوله إن دلالة الآية على أنها امرأة فرعون دلالة التزام إلخ وإذا اتضح لك ذلك وإن المنقول أن الشهادة الضمنية كالمطابقة اتضح لك أن الشاهد متى قال أشهد أن الدار المحدودة بكذا أقر بها فلان أو باعها فلان أو وقفها أو نحو ذلك كان ذلك شهادة بالإقرار أو العقد أصلا وبالحدود ضمنا فنقبل كلا من الشهادتين ويعمل بهما وبتأمل قولهم إن الشهادة بالبنوة ضمنية يندفع قول السبكي في أواخر مسألة النسب لأن المشهود به الذي يقصد إثباته لا يكتفى فيه بدلالة الالتزام بل لا بد أن يذكره الشاهد ويدل عليه مطابقة كان أو التزاما ووجه رده أن ما هنا ليس من الدلالة الالتزامية في شيء .
وإنما هو من الدلالة التضمنية وشتان ما بين الدلالتين وبهذا يندفع أيضا جوابه عن الاستدلال بآية { قالت امرأة فرعون } ويظهر صحة استدلالهم للراجح أن الشهادة بالنبوة مقصودة أيضا ووجه دلالتها لذلك أن القصد صدور ذلك القول من المرأة الموصوفة بالزوجية لفرعون فوصفها بذلك من جملة المقصود من الخبر وفرقه بين الله والشهود بما مر صحيح لكنه لا ينتج ما قاله ويرد ما قالوه

(10/247)


لأنهم إنما نظروا إلى أن اللفظ له دلالة على ذلك مع قطع النظر عن علم المتكلم وكونه عاما أو خاصا لأن ذاك أمر خارج عن الدلالات اللفظية التي هي وضع هذه المسألة ومما يوضح لك ذلك استدلالهم بما مر عن النصارى وتكذيبهم في أن عيسى ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلولا أن دعواهم بنوته وقعت في كلامهم مقصودة لما كذبوا إذ التكذيب كالتصديق إنما يكون في النسب الخبرية سواء أقصدت مطابقة أم تضمنا فنتج من ذلك أن ما نحن فيه من مسألتي النسب .
والحدود من النسب الخبرية المقصودة ضمنا فوجب العمل بها إذا وقعت في لفظ الشاهد لما تقرر أنها مقصودة نعم الحق أنه لا بد في الشاهد الذي يقبل منه ذلك أن يكون عنده مزيد تحر وضبط ومعرفة بحيث يغلب على الظن أنه لا يتساهل بإطلاق البنوة والحدود في شهادته من غير مستند له في ذلك يجوز له الاعتماد عليه وأنه لا يعتمد في ذلك على ما لا يجوز له الاعتماد عليه كقول العاقد أو غيره مما لا يفيده ظنا قويا يستند إليه في شهادته وكلامهم وإن كان مطلقا هنا أعني في مسألة البنوة إلا أنه في مواضع أخرى دال على ذلك وبهذا اندفعت تلك الاحتمالات والقرائن التي نظر إليها السبكي وجعلها حجة له في رد الشهادة المتضمنة للبنوة والحدود .
ووجه اندفاعه أنا إذا اعتبرنا في الشاهد تلك الصفات أخذا من متفرقات كلامهم قوي الظن بقبول قوله المقصود له كما تقرر وإذا قوى الظن به وجب قبوله والحكم به وقوله لا

(10/248)


يكون مشهودا به حتى يقولوا إنا نشهد بالحدود ممنوع لما تقرر أنه مشهود به ضمنا وإن لم يقولوا ذلك وأن الضمني في ذلك كالمقصود فتأمل ما قلناه المستند إلى ما قالوه وصرحوا به يظهر لك به رد جميع ما قاله واستند إليه ثم رأيتني استفتيت عن هذه المسألة بما لفظه ما قولكم في مستند لفظه هذا ما اشترى فلان جميع العزلة التي يحدها من المشرق كذا ومن المغرب كذا ومن الشام كذا ومن اليمن الطريق المسلوك اشتراء صحيحا شرعيا .
ثم قال شاهده لما تكامل ذلك ثبت لدى فلان الحاكم الشرعي بشهادة شاهديه جريان عقد التبايع المشروح أعلاه في جميع المبيع المعين بأعاليه على الوجه المشروح فيه شراء صحيحا شرعيا وحكم بموجب ذلك حكما صحيحا شرعيا فهل ذلك شامل للحكم بأن الحد اليمني طريق مسلوك أو لا فأجبت نعم ذلك شامل للحكم بما ذكر فقد صرح أصحابنا رحمهم الله تعالى بنظيره حيث قالوا لو شهد اثنان أن فلان بن فلان وكل فلان بن فلان هذا في كذا ثبت النسب تبعا للوكالة .
وإن كان غير مقصود بالشهادة كما أن من شهد بثمن في بيع أو مهر في نكاح كان شاهدا بالعقد وإن لم يقصد بشهادته إلا المال ا هـ فكذا في مسألتنا إذا شهدا عند الحاكم بجريان عقد التبايع المشتمل على تحديدهما للمبيع بما ذكر كان ذلك شهادة منهما بأن الحد اليمنى شارع مسلوك فإذا حكم الشافعي بجميع ما شهدا به كان حكما منه بأنه شارع ا هـ فإن قلت يفرق بين مسألة الحدود ومسألة الشهادة بأن التوكيل متضمن

(10/249)


لثبوت النسب تضمنا لا انفكاك عنه إذ لا يتصور وجود توكيل فلان إلا إن كان ابن فلان لأن الصورة أنه غائب عن مجلس الحكم بخلاف الحدود فإن القصد انتهاؤها إلى كذا وإن لم يثبت كذا قلت هذا الفرق خيال باطل بل هما على حد سواء إذ الحدود يتوقف عليها صحة البيع أيضا فشهادتهما ببيع المحل المحدود بكذا وكذا شهادة بأن المبيع ينتهي حده إلى ملك فلان فمتى لم يثبت أنه ملك فلان وإلا كان الحد غير معلوم ويلزم من عدم علمه بطلان الشهادة بالبيع لأنه يشترط في صحة الشهادة كالدعوى التحديد من الجهات الأربع ما لم يحصل شهرة بدون ذلك فظهر توقف البيع المشهود به على التحديد كما أن الوكالة المشهود بها متوقفة على البنوة .
فإذا قالوا في الشهادة بالوكالة المذكورة إنها شهادة بالبنوة فكذلك الشهادة بالبيع المذكور شهادة بالحدود بلا فرق والله سبحانه وتعالى أعلم ثم رأيت في فتاوى السيد السمهودي شكر الله تعالى سعيه ما لفظه مسألة ادعى دارا في يد رجل وأقام البينة أنه شراها من آخر وصورة مكتوب الشراء الذي شهدت به البينة اشترى فلان من فلان ما هو بيده وملكه يومئذ وكتب كل من الشهود وشهدت بمضمونه وشهد كذلك عند الحاكم فهل يكتفى بذلك في ثبوت الملك للبائع في ذلك التاريخ حتى يقضى للمدعي بها الجواب هذه المسألة .
نقل الأذرعي فيها عن الزبيلي أن هذه الدار لا تثبت بهذه الشهادة ملكا للبائع حين باعها قال لأن القبالة مكتتبة على إقرار البائع والمشتري

(10/250)


فشهدوا بما سمعوه منهما فلا يثبت بقولهم ملك البائع حتى يشهدوا أنه يوم باعها كانت ملكا له وهذا حكم آخر ليس في القبالة وأما إذا شهدوا بنفس الصك لم تسمع من جهة الملك ا هـ قال الأذرعي عقبه وهذا واضح ويغفل عنه أكثر قضاة عصرنا وشهوده بل يشهد الشاهد بما تضمنته القبالة من غير تصريح منه بالشهادة للبائع بالملكية .
ويرتب الحاكم على ذلك حكمه غفلة عن الحقائق ا هـ قلت وهذا شاهد جيد لما في فتاوى السبكي في ضمن فروع عموم البلوى باشتمال كتب المبايعات ونحوها على حدود قال ثم يقع الاختلاف ويطلب منا إثبات أن الحدود كما تضمنه ذلك الكتاب قال وما فعلته قط لأن المشهود به في البيع مثلا هو العقد الصادر على المحدود بتلك الحدود وقد لا يكون الشاهد عارفا بتلك الحدود ألبتة وإنما يسمع لفظ العاقد والحدود محكية عن العاقد ا هـ وهو جيد فليتنبه لذلك ا هـ ما في فتاوى السمهودي وإطلاقه أن ما قاله السبكي جيد ليس بجيد وكأنه هو أيضا لم يطلع على مسألة النسب السابقة .
وما ذكره الزبيلي واعتمده الأذرعي لا ينافي ما قدمته في مسألة الحدود لأنه فرض ذلك في الشهادة على إقرار البائع والمشتري بما سمعه الشاهد أن منهما والحكم حينئذ ظاهر بخلاف ما لو صرح الشاهدان بذلك من عند أنفسهما فيثبت الملك ضمنا كما قدمته في مسألة الحدود فهما سواء انتهت .

(10/251)


( وسئل ) رحمه الله سبحانه وتعالى عن قول المنهاج ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع وقال ابن الحسين المدني في شرح تكملة شرحه يعني و لا يقضي القاضي بخلاف علمه بلا خلاف بل إذا علم أن المدعي أبرأه عما ادعاه وأقام بينة أو أن المدعي قتله حي أو رأى غير المدعى عليه قتله أو سمع مدعي الرق قد أعتق ومدعي النكاح قد طلق ثلاثا أو تحقق كذب الشهود امتنع من القضاء وكذا إذا علم فسق الشهود إلى آخر كلام ابن الحسين الذي يحيطه علمكم فهل يا شيخ الإسلام بل إمام أئمة الأنام المحكم كالحاكم في جميع ما ذكر أم لا فإن قلتم نعم فإذا علم المحكم أن الشاهد لا يدري عن سبب استحقاق المدعى به فهل يجب عليه أن يسأله عن سببه وعن سبب شهادتهم كما إذا شهدوا على زنا وغصب وإتلاف وولادة فإنها لا تتم شهادتهم إلا بالإبصار فإذا شهدوا فهل يجب على المحكم أن يسألهم هل أبصروا ذلك حيث علم أن الشهود لم يبصروا ذلك وإذا سألهم ولم يبينوا له الإبصار بل اقتصروا على الشهادة فهل يقبلهم أم لا يقبلهم لكونه خلاف علمه وهل إذا قال المدعي استحق عليك كذا وكذا وأقام على ذلك بينة فهل يقبل المحكم البينة ويحكم بالمدعى أو لا يقبلها حتى يسأل الشهود لكونه يعلم أي المحكم أن الشهود لا يعرفون الاستحقاق أم لا يجب عليه ذلك ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه وبركته بأن المحكم ليس كالحاكم في جواز الحكم بعلمه كما بينته لكم في بعض الأجوبة التي هي واصلة إليكم فحينئذ

(10/252)


لا يقضي بعلمه ولا بخلاف علمه وقول السائل فإذا علم المحكم إلخ جوابه أن أصحابنا اختلفوا في أن الشاهد هل له أن يشهد باستحقاق زيد على عمرو درهما مثلا إذا عرف سببه كأن أقر له به فشهد أن له عليه درهما وفي ذلك وجهان .
قال ابن الرفعة عن ابن أبي الدم أشهرهما لا تسمع شهادته وإن وافقه في مذهبه لأن الشاهد قد يظن ما ليس بسبب سببا ولأنه ليس له أن يرتب الأحكام على أسبابها بل وظيفته نقل ما سمعه من إقرار أو عقد أو غيره أو ما شاهده من الأفعال ثم الحاكم ينظر فيه فإن رآه سببا رتب عليه مقتضاه .
وهذا ظاهر نص الأم والمختصر وقال ابن الصباغ كغيره بعد اطلاعه على النص تسمع شهادته وهو مقتضى كلام الروضة وأصلها ويندب للقاضي أن يسأل الشاهد عن جهة الحق إذا لم يثق بشدة عقله وقوة حفظه والذي يتجه حمل الوجه الأول الموافق للنص على شاهد غير فقيه فلا يكتفي الحاكم منه بإطلاق السبب والثاني على فقيه لا يجهل ترتب المشهود به على سببه فله أن يعتمد شهادته بمطلق الاستحقاق ويستثنى من ذلك مسائل يجب فيها تفصيل الشهادة كأن أقر لغيره بعين ثم ادعاها وأراد أن يقيم بينة بالملك المطلق أو بتلقي الملك من غير المقر له فلا تسمع بل لا بد أن يصرح المدعي والبينة بناقل من جهة المقر له لأنه يؤاخذ بإقراره وكالشهادة بالردة على خلاف فيها أو بالإكراه أو بالسرقة أو بأن نظر الوقف الفلاني لفلان أو بأن هذا وارث فلان أو ببراءة المدين

(10/253)


من الدين المدعى به أو باستحقاق الشفعة أو بالرشد أو بأن العاقد كان يوم الجمعة زائل العقل فيبين زواله أو بالجرح أو بانقضاء العدة أو بالرضاع أو بالنكاح أو بالقتل أو بأن فلانا طلق زوجته لأن الحال يختلف بالصريح والكناية والتنجيز والتعليق أو بأنه بلغ بالسن فيبينه للاختلاف فيه بخلاف الشهادة بمطلق البلوغ أو بأن فلانا وقف داره فلا بد من بيان مصرف الوقف بخلافها بأن فلانا أوصى إلى فلان فإنها تسمع وإن لم يذكر المصرف ولا الموصى به وإنما وجب التفصيل في جميع هذه الصور لاختلاف الناس في أسبابها وأحكامها ويلحق بها في ذلك ما يشابهها نعم لو شهدا على امرأة باسمها ونسبها جاز فإن سألهما الحاكم هل يعرفان عينها فلهما أن يسكتا أو يقولا لا يلزمنا الجواب وهذا في الشاهد الضابط العارف وإلا فينبغي أن يسألهما وتلزمهما الإجابة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/254)


( سئل ) رحمه الله تعالى عن مسألة وقع فيها جوابان مختلفان صورتهما بلاد ليس فيها سلطان ولا قاض وفيها قبائل ليس فيها من العدول إلا القليل فهل يجب على من يريد الحكم بينهم أن يبحث عن حال الشهود من عدالة وفسق أم يكتفي بظاهر الحال ويقبل منها الأمثل فالأمثل .
أجاب الأول فقال يجب البحث عن حال الشهود ولا يقبل إلا عدول لأمور أحدها أن الله عز وجل قال في محكم كتابه العزيز { وأشهدوا ذوي عدل منكم } وقال تبارك وتعالى { اثنان ذوا عدل } .
وقال جل وعلا { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } وقرئ فتثبتوا دال على أنه لا يحل أن يشهد الفاسق وإن كان حقا كما قاله الإمام ابن الحسين في تكملته قال بعض المتأخرين وإذا لم يحل ذلك فلا يحل للحاكم سماع شهادته كما قاله الشيخان وغيرهما قال لأنها إعانة على حرام والإعانة على حرام حرام ولقوله تبارك وتعالى { ممن ترضون من الشهداء } والفاسق غير عدل ولا يرضى لأنه غير مأمون على دينه أي لأنه لا ينظر لدينه فكيف ينظر لغيره .
فلا يقبل قوله بالاتفاق كما قاله الشيخان أيضا لأن الله سبحانه وتعالى أمر برد شهادة الفساق من المسلمين قال الشافعي رضي الله تعالى عنه بل القاضي بشهادة الفاسق أبين خطأ من القاضي بشهادة العبد وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال { وأشهدوا ذوي عدل منكم } وقال تعالى { ممن ترضون من الشهداء } وليس الفاسق واحدا من هذين فمن قضى بشهادته فقد خالف حكم الله عز وجل وعليه رد

(10/255)


قضائه فإن الفاسق مردود الشهادة بالنص والإجماع ولا نعلم خلافا في رد شهادته قال في الأشباه والنظائر ولو حكم الحاكم بشهادة فاسقين اعتقد عدالتهما نقض حكمه على الصحيح كالكافرين ا هـ وعلله الإمام نور الدين الأزرق بأن عدالة الشهود شرط في الحكم الأمر الثاني أن الإمام نجم الدين بن الرفعة وغيره قال ليس للحاكم الحكم بشهادة المجهولين قبل البحث لقوله تعالى { ممن ترضون من الشهداء } والمجهول قبل البحث غير مرض ونقل الشيخان عن الإمام الهروي أن البحث عن حال الشهود حق لله تعالى ونقل الإمام جمال الدين الإسنوي والإمام شهاب الدين الأذرعي عن الإمام ابن الرفعة أن رواية مجهول العدالة لا تسمع بل قال الإمام تاج الدين ابن الإمام السبكي في جمع الجوامع أن روايته باطنا وظاهرا مردودة بالإجماع ونقل الإمام البيضاوي في منهاجه عن الإمام الباقلاني أن من لا تعرف عدالته لا تقبل روايته لأن الفسق مانع فلا بد من تحقق عدمه كالصبا والكفر والعدالة تعرف بالتزكية ا هـ قال الشافعي ومالك رضي الله تعالى عنهما ولا يكتفي القاضي بظاهر العدالة حتى يعرف عدالتهم الباطنة سواء كانت شهادتهم في حد أو غيره ا هـ قال الإمام المقدسي في الإشارات لا ينفذ الحكم بالشهادة حتى يتبين له عدالة الشهود في الظاهر والباطن ا هـ الأمر الثالث أن غير القاضي يعسر عليه معرفتها كما قاله في الروضة وغيرها وأما القاضي فقال الإمام ابن الرفعة وغيره لا يشق عليه البحث عنها قال

(10/256)


الشيخان وإذا لم يعرف القاضي من الشهود عدالة ولا فسقا فلا يجوز له قبول شهادتهم إلا بعد الاستزكاء والتعديل قال الإمام الأذرعي في شرح المنهاج سواء في ذلك الشهادة بالمال وغيره قال لأن تزكية الشهود إلى الحاكم دون غيره ا هـ قال بعض المتأخرين ولا أدري ما الذي يعتذر به من يجوز شهادة غير المتيقن عدالته الأمر الرابع أن الإمام الأذرعي قال في شرح المنهاج في الكلام على التزكية اعتبار العلم بالعدالة والفسق وأسبابهما كما قال الرافعي وغيره ظاهر في جانب التعديل لأنه إذا لم يعلم العدالة وشروطها وأسبابها وموانعها لا يدري بماذا يشهد قال ومن هذا يؤخذ أن ما يعتمده كثير من حكام العصر أو أكثرهم من قبول التزكية من العوام المقبولين عندهم غير سديد لأنا نقطع بأنهم لا يعرفون ذلك ويبنون الشهادة على ما يظهر من خير يظنونه بالمزكى وأكثر الناس يجهل معرفة العدالة وأسبابها ويجهلون اعتبار المعرفة الباطنة قال فيجب على القاضي البحث والسؤال والاستفسار قال وإذا لم يعرف المعدل أسباب الفسق ظنا بما هو فسق ليس فسقا فيعدل جهلا ا هـ كلام الأذرعي ويؤيده قول الشيخ المقدسي في الإشارات العامي لا يعرف العدل من غيره ا هـ ومعظم شهادات الناس يشوبها جهل وغيره يحوج الحاكم إلى الاستفسار وإن كانوا عدولا كذا قال الشيخان تبعا للإمام وبه قال ابن الرفعة وغيره واختاره الأذرعي في مواضع في شرح المنهاج وقال إنه الحق قال بعضهم ولعمري إن أكثر شهود عصرنا غير

(10/257)


مرضيين وإن كان ظاهرهم العدالة فإذا كان هذا في عصره فما ظنك بما بعده الأمر الخامس أن الإمام ابن عجيل اليمني رحمه الله تعالى سئل عن أهل بلاد لا يقسمون للنساء ميراثا ظلما منهم ويقاتل بعضهم بعضا في الباطل وليس في تلك البلاد من العدول إلا ناس قليل فهل تقبل شهادتهم أو لا ؟ فأجاب رحمه الله تعالى فقال لا يقبل قولهم ولا يرجع إليهم في شيء وهم من أفسق الفساق حتى يقسموا للنساء ما جعل الله تعالى لهن ولا يقبل الله تعالى منهم صرفا ولا عدلا حتى يردوا الحقوق إلى أهلها وكذلك الذين يقاتل بعضهم في الباطل حكمهم كذلك لا تقبل شهادتهم وهم فسقة من أعظم الفساق وقتل النفس التي حرم الله تعالى أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى قال صلى الله عليه وسلم { لزوال الدنيا عند الله تعالى أهون من قتل رجل مسلم } ا هـ جوابه قال بعض المتأخرين بعد أن رأى جوابه هذا المذهب المعروف في هذه المسألة عدم قبول الشهادة الأمر السادس أن الإمام شهاب الدين الأذرعي قال في كتاب الشهادات من شرح المنهاج لم أر لأصحابنا كلاما فيما إذا فاتت العدالة في شهود الحاكم وظاهر كلامهم عدم قبول الشهادة كما اختاره الإمام ابن عبد السلام واختاره أيضا الأذرعي في القضاء من الشرح المذكور وقال أن الأحكام لا تتغير بتغير الأزمان ويؤيده ما أفتى به بعض المتأخرين أن فوات العدالة لا يغير ما اعتبره الشارع من العدالة والستر في شاهد عقد النكاح مثلا لأن النكاح يقع غالبا بين أوساط

(10/258)


الناس والعوام وفي البوادي والقرى فلو كلفوا معرفة العدالة الباطنة لطال الأمر وشق بخلاف الحكم فإن الحاكم يسهل عليه مراجعة المزكين ومعرفة العدالة الباطنة والله سبحانه تعالى أعلم .
ا هـ جواب الأول .
وأجاب الثاني فقال : لا يجب البحث عن حال الشهود في هذه البلاد المذكورة لأمور أحدها أن بعض الشافعية المتأخرين رأوا اغتفار ما يغلب مخالطة الناس له وإن كان مفسقا إذا عرف صاحبه بالتصون عن الكذب وسبقه إلى ذلك الإمام حجة الإسلام الغزالي فصرح به في بعض كتبه ويدل له تصحيح ولاية القضاء لمن ليس بأهل لفسق وغيره مع الضرورة على ما حرر من الفقه حتى صرح بعضهم أنه إذا لم يوجد غيره صحت قطعا وقال الإمام ابن الرفعة رحمه الله تعالى إنه الحق .
الأمر الثاني أن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه اعتبر الأغلب فإن كان الغالب الطاعة وندرت المعصية في بعض الأوقات فهو عدل وإن كان الغالب الصغائر فهو فاسق ترد شهادته لقوله تعالى { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم } فاعتبر الكثرة والغلبة لأن في النفس دواعي الطاعات ودواعي المعاصي فاعتبر الأغلب وهو كما يعتبر في الماء إذا اختلط بمائع وفي الرافعي الإصرار بالمداومة على الفعل لكنه قال هل المداومة على نوع من الصغائر أو الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع فيه وجهان كلام الشافعي رضي الله تعالى عنه والجمهور يوافق الثاني فعلى هذا لا تضر

(10/259)


المداومة على نوع من الصغائر إذا غلبت الطاعات الأمر الثالث أنا لو كلفنا البحث عن حال الشهود في هذه البلاد المذكورة لحصل عليهم الضرر ولاتخذه بعض أهل البلاد ذريعة حتى يتعطل كثير من أموالهم قال تعالى { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وقال سبحانه وتعالى { سيجعل الله بعد عسر يسرا } وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه الأمر إذا ضاق اتسع سيما أن الشيخ محيي الدين النووي قال في باب نقض الكعبة من شرح مسلم إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم وقال في باب الخديعة من الشرح المذكور واحتمال المفسدة اليسيرة لدفع أعظم منها أو لتحصيل مصلحة أعظم منها إذا لم يمكن ذلك إلا بذلك ا هـ .
وجواب الثاني فما الراجح ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تعالى بعلومه بأن المعتمد من هذين الجوابين أولهما وهو أنه لا بد من عدالة الشهود عند الحاكم ظاهرا وباطنا سواء أكانت العدول في تلك الناحية قليلين أو كثيرين لما ذكره المجيب الأول وإن كان في بعض كلامه نظر يعرف للمتأمل فمن ذلك قوله لا يحل أن يشهد الفاسق وإن كان محقا إلخ فإن فيه تفصيلا وهو أنه تارة يكون فسقه مجمعا عليه وتارة يكون مختلفا فيه ففي الحالة الأولى يحرم عليه أن يشهد بالحق وإن خفي فسقه كذا قاله الشيخان لكن قال الأذرعي في تحريم الأداء مع الفسق الخفي نظر لأنه شهادة بحق وإعانة عليه في نفس الأمر ولا إثم على القاضي إذا لم يقصر بل يتجه الوجوب

(10/260)


عليه إذا كان في الأداء إنقاذ نفس أو عضو أو بضع قال وبه صرح الماوردي وفرق بينه وبين الفسق الظاهر بأن رد الشهادة بالخفي مختلف فيه وبالظاهر متفق عليه وصرح ابن أبي الدم فيهما من كلام الأصحاب بعدم التحريم وقال إنها مستحبة ونقل أعني الأذرعي عن ابن عبد السلام ما يوافقه وهو قوله لو شهد أبو الولد لولده أو العدو على عدوه أو الفاسق بما يعلمونه من الحق والحاكم لا يشعر بمانع الشهادة فالمختار جوازه لأنهم لم يحملوا الحاكم على باطل بل على إيصال حق إلى مستحقه ولا إثم عليه ولا على الخصم ولا على الشاهد والحالة الثانية وهي ما إذا لم يجمع على فسقه كشارب النبيذ يلزمه الأداء سواء أكان القاضي يرى التفسيق ورد الشهادة به أم لا فقد يتغير اجتهاده ويرى قبولها وقضية العلة عدم اللزوم إذا كان القاضي مقلدا لمن يرى التفسيق بذلك كالشافعي رضي الله تعالى عنه في صورة النبيذ وهو ظاهر ولا نظر إلى أنه لا يجوز أن يقلد غير مقلده لأن اعتبار مثل ذلك بعيد نادر فلا يلتفت إليه وما نقله عن الأشباه والنظائر من نقض الحكم بشهادة الفاسقين صرح به الشيخان كالأصحاب وعللوه بأنه نقض خطأه فكان كما لو حكم باجتهاده ثم بان النص بخلافه وقوله الأمر الثاني لأن الإمام نجم الدين ابن الرفعة إلخ عجيب منه نقل هذا وأمثاله الكثيرة في كلامه عن بعض المتأخرين مع أنه المنقول المعتمد في كتب سائر الأصحاب أو أكثرهم بل وقع له رد رواية المجهول عن الإسنوي

(10/261)


والأذرعي عن ابن الرفعة ثم انتقل من ذلك ببل إلى بيان أن ذلك مجمع عليه وفي هذا من التهافت في الوضع ما لا يخفى وأما ما ذكره المجيب الثاني فكلام واه ساقط ضعيف فلا يلتفت إليه وأما ما نقله عن الغزالي وغيره إما باطل أو مؤول واستدلاله عليه بصحة تولية القضاء للفاسق غير صحيح فقد نقل محققو المتأخرين عن ابن عبد السلام رحمه الله تعالى ما يفهم الفرق بين المسألتين واعتمدوه حيث قالوا لو تعذر جميع شروط القضاء فولى الإمام فاسقا أو مقلدا جاز للضرورة وسكتوا عن نظيره في الشهادة وهو ما لو رتب الإمام شهودا فيهم جارح الفسق أو غيره وفي قواعد ابن عبد السلام لو فاتت العدالة في شهود الحاكم فهذا فيه وقفة من جهة أن مصلحة المدعي معارضة لمصلحة المدعى عليه والمختار أنها لا تقبل لأن الأصل عدم الحقوق المتعلقة بالذمم والأبدان والظاهر مما في الأيدي أنه لأربابها ولا يلحق بتنفيذ ولاية فاقد الأهلية لعدم المعارضة المذكورة .
ا هـ .
فتأمل ما اختاره ابن عبد السلام وما أفهمه كلامه من الفرق تجده ردا فيما ذكره المجيب الثاني وقوله إن الشافعي رضي الله تعالى عنه اعتبر الأغلب إلخ يدل على تساهله في الاستدلال وعدم إتقانه بما يستدل به وذلك لأنا لا ننظر إلى غلبة الطاعات أو المعاصي أو استوائهما إلا إذا لم توجد كبيرة بأن وجدت صغائر أو صغيرة وداوم عليها فإن غلبت طاعاته أو استوى الأمران فيعدل ولا يؤثر فيه ما ارتكبه من تلك الصغائر وإن لم تغلب

(10/262)


طاعاته فغير عدل لأن غلبة المعاصي حينئذ تنزل منزلة ارتكاب الكبيرة فزالت به العدالة وأما إذا ارتكب كبيرة فإنه يصير فاسقا وإن غلبت طاعاته على معاصيه لأن ارتكاب الكبيرة مزيل للعدالة من غير نظر إلى غلبة طاعاته أو عدمه وأما استدلاله بما ذكره في الأمر الثالث وبكلام شرح مسلم فغير صحيح أيضا لما مر في كلام ابن عبد السلام من أن ما نحن فيه ليس فيه تعارض مصلحة ومفسدة وإنما فيه تعارض مصلحتين - ولا مرجح فلا يعمل بالشهادة وتركنا الأشياء على ما هي عليه من بقاء الحقوق في أيدي أربابها وعملنا بالأصل الثابت في ذلك وبراءة الذمم ونحوها ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

(10/263)


( وسئل ) رحمه الله تعالى عما لو أوصى شخص لآخر بشيء فادعى عصبة الموصي الرجوع وأقاموا شاهدا بعد أن أقام الموصى له شاهدين ولم يكن مع العصبة غيره من غير العصبة هل تقبل شهادة بعضهم لبعض والحال أنهم إخوة حتى تكمل الحجة وترجح أم لا ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله تبارك وتعالى بعلومه بقوله إن عصبة الموصي إن كانوا ورثة لم تقبل شهادة أحد منهم بالرجوع عن الوصية وإن لم يكونوا ورثة قبلت شهادتهم وإذا تعارضت بينتان بالرجوع وعدمه قدمت بينة الرجوع لأنها ناقلة والأخرى مستصحبة أو قالت الأخرى شاهدناه بعد الوصية تكلم أو فعل ما يكون رجوعا تعارضتا وبقيت الوصية بحالها ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

(10/264)


( وسئل ) رحمه الله تعالى في مستودع مأذون له من المودع في دفع الوديعة إلى شخص معين فطلب الشخص الوديعة من المستودع في غيبة المودع وأقام بينة له بالإذن عند حاكم شرعي وهو ولد المستودع وأجنبي وقبلهما الحاكم وحكم بالدفع ثم حضر المودع بعد الدفع وأنكر الإذن في الدفع فأقام المستودع البينة المحكوم بها فهل تقبل ويبرأ المستودع من الوديعة بعد إنكار الإذن من المودع بمقتضى هذه البينة أم لا أم كيف الحال ؟ ( فأجاب ) نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بأن الوديع كان هو المقيم للبينة المذكورة لم تقبل لأنها شهادة له بما يدعيه على المودع من أنه أذن له في الدفع وإن كان المقيم لها غير الوديع كأن ادعى المأذون له الإذن وأنكره الوديع فأقام عليه البينة المذكورة قبلت وجاز للحاكم أن يحكم بها ولا نظر حينئذ إلى أن أحدهما ولده لأن الشهادة حينئذ عليه لا له ولا نظر لما يترتب على ذلك من براءة الوديع بهذا الدفع إذا حضر المودع وأنكر الإذن لأن هذا أمر أجنبي عن المدعى به فلا يؤثر في قبول الشهادة ومما يصرح بما ذكرته قول الشيخين رحمهما الله تعالى وغيرهما .
والعبارة للرافعي رحمه الله تعالى عبد في يد زيد ادعى مدع أنه اشتراه من عمرو بعد ما اشتراه عمرو من زيد صاحبه وقبضه وطالبه بالتسليم وأنكر زيد جميع ذلك فشهد ابناه للمدعي بما يقوله حكى القاضي أبو سعيد رحمه الله تعالى قولين أحدهما رد شهادتهما لتضمنها إثبات الملك لأبيهما

(10/265)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية