صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : سلسلة لقاءات الباب المفتوح
هي عبارة عن سلسلة لقاءات كان يعقدها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - طيب الله ثراه - بمنزله كل خميس.
ابتدأ الشيخ هذه اللقاءات في أواخر شوال تقريبا في العام (1412هـ)
وانتهت هذه السلسلة في الخميس الرابع عشر من شهر صفر، عام (1421هـ).
قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.

تحريم الحيل في البيع والشراء:
________________________________________
السؤال: بعض المحلات التجارية تعلن عمولة أو نسبة أو هدية -مثلا- لمن يشتري منهم كمية من البضاعة, فبعض العمال وهو يعمل دهانا, فيقول: هو عندما يتفق مع صاحب العمارة ويذهب إلى هذا المكان المتجر يعطى هذه العمولة, فيسأل: هل له أن يأخذ هذه العمولة، أم يتفق مع صاحب العمارة ويكون بينهما؟
________________________________________
الجواب: حرام على العامل إذا كان صاحب التجارة ينزل من التجارة إذا أخذ منه كمية كبيرة, أن يأخذ هذه النسبة لنفسه, ويقيد على صاحب العمارة بالسعر الأول, يعني: هذا ظلم، نعم لو أنه استأذن من صاحب العمارة وقال: إنهم يبيعونه بـ(10)، وأنه مع الكمية الكبيرة ينزلون إلى (9)، وأرجو أن يكون الريال الزائد لي, فإذا سمح فلا بأس, وإلا فإن التنزيل يكون لصاحب العمارة. السائل: أحيانا تكون في شكل آلة يعمل بها مثل: فرشاة..؟ الشيخ: المهم -على كل حال- كل شيء زائد لا يحل. ......

(102/9)


مدى صحة القاعدة التي تقول: كل عبادة مؤقتة بوقت فيسن أداؤها في أول وقتها:
________________________________________
السؤال: سمعت بعض طلبة العلم يقول: كل عبادة مؤقتة بوقت فيسن أداؤها في أول وقتها, فهل هذه القاعدة صحيحة؟
________________________________________
الجواب: هذه ليست على إطلاقها, إنما فعلها في أول الوقت أفضل إن لم يورد الشرع بسنية التأخير، فمثلا صلاة العشاء الأفضل أن تؤخر إلا إذا شق على الناس, فالأصل أن الإنسان كلما بادر في العبادة فهو أفضل؛ لعموم قوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض [آل عمران:133]^، وقال تعالى: فاستبقوا الخيرات [البقرة:148]، وقال تعالى: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض [الحديد:21]^ إلا ما ورد الشرع بتأخيره فإنه يؤخر.......

(102/10)


الرد على من يحتج بقوله تعالى: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول) على عدم العذر بالجهل:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! بعض الناس يحتج بقول الله سبحانه وتعالى: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول [هود:91] في عدم العذر بالجهل, فهل لهم حجة في هذه الآية؟
________________________________________
الجواب: يجب أن تعلم أن القاعدة الشرعية الإيمانية أن الإنسان يحمل المتشابه من النصوص على المحكم منها, والنصوص المحكمة كلها تدل على أن الإنسان معذور بالجهل, وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء:15]، وقال تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء:165]، وقال تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة:115] والآيات في هذا كثيرة, ولو نعذر بالجهل ما احتجنا إلى الرسل. وهذه الآية التي قلت: (ما نفقه كثيرا مما تقول) لم يقولوا: ما نفقه ما تقول, قالوا: (كثيرا مما تقول), ثم هم قد يكونوا صادقين في قولهم: (ما نفقه) وقد يكونون كاذبين، لكنهم معاندين, فالآية الآن: ليس فيها دليل على أنهم لا يفقهون كل ما يقول, بل لا يفقهون كثيرا مما يقول. والثاني: أنهم يكونون معاندين وليسوا صادقين في قولهم: (ما نفقه)، وعلى هذا فلا يجوز أن يعارض الآيات الصريحة بمثل هذه الآية المحتملة. السائل: لقد جاءت الرسل ولا يوجد رسول آخر بعد ذلك، فنحن مكلفون فقط -أي: نسمعهم الآية- فإذا سمعوا الآية قامت الحجة عليهم.. الجواب: أرأيت لو قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره عند رجل لا يعرف العربية أيفهم؟ لا. ولهذا قال الله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم:4]. ......

(102/11)


من نام عن صلاة الفجر فليصلها إذا استيقظ:
________________________________________
السؤال: رجل غلبه النوم عن صلاة الفجر, وما سبقها من النوافل كصلاة الليل وسنة الفجر, ثم استيقظ قبل طلوع الشمس بقليل, بحيث أنه لو صلى قد توافق صلاته طلوع الشمس, فكيف يصلي؟
________________________________________
الجواب: يصلي راتبة الفجر ثم الفجر, أما النوافل الأخرى فيصليها في النهار بعد ذلك. السائل: لكن يصليها بعد طلوع الشمس؟ الشيخ: إي نعم، بعد طلوع الشمس. السائل: ينتظر قليلا حتى طلوع الشمس؟ الشيخ: لا. لا ينتظر، يبادر. السائل: إلى الآن ما طلعت الشمس . الشيخ: يبادر لو كان طلوع الشمس بقي عليه دقيقتان لابد عليه أن يبادر إذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. ......

(102/12)


حكم السلام عند دخول المسجد والناس يصلون:
________________________________________
السؤال: صلينا في بعض المساجد صلاة الجماعة, وكلما دخل شخص يصلي يقول: السلام عليكم، المصلون كلهم يشيرون عليه، ثلاث مرات وأربع هكذا؟
________________________________________
الجواب: الأفضل ألا يفعلوا, لكن من دخل قاصدا شخصا معينا ووجده يصلي سلم عليه إن شاء, وإن شاء لا يسلم, وأما كون كل من دخل فهذا ليس معروفا عند الصحابة رضي الله عنهم أن كل من دخل سلم، وهو غلط من الإنسان؛ لأنه يشوش على الناس, فربما يتعجل أحد ويقول: وعليكم السلام, فلذلك ينهى أن يكون الإنسان كلما دخل المسجد سلم, أما لو كان قاصدا شخصا معينا في المسجد وجاء وسلم عليه وهو يصلي فلا بأس أن يشير بيده بالإجابة. السائل: بعض المصلين يشيرون هكذا أليس تلاعبا؟ الجواب: لا. هو أصلا غير وارد, فالمسلم لا يستحق ردا إطلاقا لا بالإشارة إلى فوق ولا إلى أسفل ولا إلى اليمين، ولا إلى اليسار، لا يستحق الإجابة. ......

(102/13)


الحكم فيمن رضعت زوجته من زوجة أخيه من الرضاعة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! لقد تزوجت زوجة وبعد الدخول عليها بأربعة شهور, أتاني خبر أنها رضعت من زوجة أخي من الرضاع عشرة أيام, مع العلم أن والدها ووالدتها وزوج امرأة المرضع كذبوها في ذلك, فهل تحرم علي؟ وهل يجوز لي إذا كانت تحرم علي بالمطالبة في حقي الذي دفعته عليها؟
________________________________________
الجواب: إذا كانت المرأة التي أخبرت بأنها أرضعت ثقة مأمونة فإنه يؤخذ بقولها حتى وإن أنكر زوجها أو أبو الزوج أو أمه؛ لأن المثبت مقدم على النافي، وبناء على ذلك: يتبين أن النكاح غير صحيح, فيفارق أحدهما الآخر. أما المهر فإن كان قد جامعها فهو لها كاملا بما استحل من فرجها, ولا يستحق منه شيئا, وأما الأولاد الذين أتوا من هذه المرأة فهم أولاد شرعيون؛ لأنهم خلقوا من وطء شبهة, فيكون نسبهم فيه ثابت, فهذه ثلاثة أشياء: أولا: نقدم قول المرضعة إذا كانت ثقة, ولا نعتبر بالمخالف. ثانيا: لها المهر كاملا إذا كان قد جامعها بما استحل من فرجها. ثالثا: بالنسبة للأولاد فهم أولاد شرعيون لأبيهم؛ لأنهم خلقوا من وطء شبهة. ......

(102/14)


حكم الكتابة على الألواح ثم مسحها وشربها كدواء:
________________________________________
السؤال: بعض الناس إذا مرض يكتب على الألواح ويمسح ويشرب كدواء، فهل على ذلك أثر أو شيء؟
________________________________________
الجواب: لا بأس في ذلك, يعني: لا حرج على الإنسان أن يكتب كتابة من القرآن ثم يغسلها بالماء ويشرب الماء؛ لأن هذا ورد عن بعض السلف ، ولعله داخل في قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك [الأنعام:92] فهو من بركته, وداخل في قوله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين [الإسراء:82] فأطلق الشفاء ولم يقيده بالشفاء المعنوي، كما أن القرآن شفاء معنوي لقوله تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [يونس:57]. ......

(102/15)


حكم التأمين على الممتلكات وخصوصا السيارات:
________________________________________
السؤال: ما رأي فضيلتكم في التأمين على الممتلكات وخصوصا السيارات, بحيث يدفع أجرا سنويا لهذه الشركة مقدر بقوانين معروفة, وتتكفل الشركة بتعويض المستفيد لما يحصل لهذه السيارة من حوادث في هذه المدة المحددة, مع ملاحظة: أن الشركة لا تعيد شيئا من المبلغ إذا لم يحدث للسيارة حادث؟
________________________________________
الجواب: هذا حرام, التأمين على الوجه الذي ذكرت: أن المؤمن يدفع دراهم سنوية أو شهرية إلى الشركة، ثم إن حصل حادث فالشركة تقوم به, سواء كان أكثر مما دفع المؤمن أو أقل, وإن لم يحصل حادث فإن الشركة لا ترد ما أخذته, هذا من الميسر المحرم المقرون تحريمه بتحريم الخمر والأصنام, فلا يحل للإنسان أن يتعامل بهذا التعامل. السائل: يقولون فيها فتاوى؟ الجواب: فتاوى من عند من؟! السائل: ما أدري. الشيخ: حتى من أفتى بها فهو ضال. السائل: يقولون: عندنا فتاوى. الشيخ: أقول: هذا خطأ ما هو صحيح, ولا أحد يفتي بذلك؛ لأن كل عقد تضمن المخاطرة: وهو أن يكون أحد العقدين غانما أو غارما، فهو من الميسر قال تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان [المائدة:90]. ......

(102/16)


حكم الزكاة عن العملات القديمة التي بطل التعامل بها إن جمعت على سبيل الهواية:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! لي قريب كان لديه هواية في جمع العملات الأجنبية قديما, وانقطع عنها, فهل يزكي عنها أم لا؟ وإذا كانت هذه العملات قد مضى عليها الزمن ولا يتعامل بها, فما الحكم؟ الشيخ: من المعلوم أن هذا الرجل إنما اشتراها للتجارة؟ السائل: ليست للتجارة إنما هواية يجمع فقط. الشيخ: هل تساوي شيئا؟ السائل: نعم تساوي شيئا؛ إلا أنها قديمة. الشيخ: وحديثا؟ السائل: انتهت مدتها لا تستخدم أكثرها لا يستخدم.
________________________________________
الشيخ: أولا نقول: هذه إذا كان اتخذها على سبيل التجارة أي: يتكسب فيها, يشتري هذه العملة بـ(10) ثم يبيعها بعد ذلك بـ(20) هذه عروض تجارة, تقدر قيمتها عند تمام الحول ويخرج ربع العشر. وأما إذا كان مجرد هواية واقتناء فإن بقيت ماليتها أي: مالية هذه النقود, فهي على قيمتها تزكى قيمتها, وإن أبطلت وانتهى التعامل بها فلا شيء فيها. السائل: بعضها يعلم أنها انتهت قيمتها, وبعض الدول لا يعلم، هل يتعاملون بها أم لا؟ الشيخ: يبحث ليست مشكلة, الإنسان الحريص يبحث هل انتهت مدتها أو لا, إن قالوا: انتهت مدتها قبل سنة، فهذه السنة التي مضت ما عليه شيء, وإن قالوا: نصف سنة أيضا ما عليه شيء؛ لأنه لم يتم الحول. ......

(102/17)


الدعاء بعد الأذان للمؤذن والمستمع:
________________________________________
السؤال: هل المؤذن إذا انتهى من الأذان يقول الدعاء المأثور بعد الأذان؟
________________________________________
الجواب: الظاهر أنه يقول؛ لأن هذا الدعاء لا يوجد مثله في الأذان, ولكنه لا يجيب نفسه, كما ادعى ذلك بعض العلماء, بعض العلماء يقول: إن المؤذن يجيب نفسه, فإذا قال: الله أكبر بصوت مرتفع, قال في نفسه: الله أكبر, فيكون التكبير ثمان، مرة في الأصل ومرة في التبعية, وكذلك التشهد إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله يقول بلسانه أشهد أن لا إله الله، وعلى هذا يكون الأذان كله مكرر, مرة بالأصالة، ومرة بالتبعية, ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا..) فجعل السامع شيئا، والمؤذن شيئا آخر. أما الذكر فلما كان المؤذن لا يقوله في حال الأذان فليقله بعد الأذان كما يقوله الآخرون. فالصواب: أن الدعاء بعد الأذان, يشمل المؤذن والسامع. ......

(102/18)


العبرة في فعل الصلاة لا بوقتها والجمع في الصلاة يشرع عند الحاجة إليه:
________________________________________
السؤال: شاب خرج من بلدته مسافرا وحان وقت الصلاة فهل يقصر تلك الصلاة أم لا؟ ثم أقام في البر لمدة ثلاثة أيام، أو خمسة أيام، فهل يقصر الصلاة ويجمعها، هل يسن له ذلك؟
________________________________________
الجواب: أما المسألة الأولى فإنه يصلي ركعتين؛ لأن العبرة في فعل الصلاة لا بوقتها, ولهذا لو قدم الإنسان إلى بلده بعد دخول الوقت صلى أربعا, ولا يقول: إنه دخل علي الوقت وأنا مسافر فأصلي ركعتين, لا، العبرة بفعل الصلاة, كما أنه لو أذن وهو في بلده ثم سافر بعد الأذان؛ فإنه يصلي ركعتين اعتبارا بفعل الصلاة. وأما وقت إقامته يومين أو ثلاثة فالقصر سنة, يعني: يسن أن يقصر الرباعية إلى ركعتين, وأما الجمع فالأفضل ألا يجمع؛ لأنه ليس بحاجة إلى الجمع, والجمع إنما يشرع عند الحاجة إليه, أما إذا لم يحتج إليه فإن الأفضل ألا يجمع. السائل: يا شيخ! إذا كان هناك -مثلا- بعض الزملاء يريدون الجمع والبعض لا، فسوف يكون هناك مخالفة بينهم؟ الجواب: لكن هل هناك شيء من المشقة؟ فيقال لهؤلاء الذين اختاروا الجمع: الأفضل ألا يجمعوا, فإن أصروا فليجمعوا ولا بأس. السائل: يجمع معهم؟ الشيخ: يجمع الجميع؛ لئلا يتفرقوا ولئلا تنقص الجماعة. ......

(102/19)


أفضلية طلب العلم على النوافل:
________________________________________
السؤال: أيهما أفضل: قراءة القرآن وصلاة الضحى، أم حضور مجلس العلم؟
________________________________________
الجواب: لا. مجلس العلم أفضل, أفضل من صلاة الضحى ومن قراءة القرآن, أما قراءة القرآن فلأنه يمكن له أن يستدركها في وقت آخر من ساعة الليل أو النهار, وأما صلاة الضحى فإن طلب العلم أفضل من جميع النوافل, أي: أفضل من صلاة الضحى ومن التهجد ومن جميع النوافل, ولهذا كان أبو هريرة رضي الله عنه يسهر في الليل يتحفظ الأحاديث ولا يتهجد, فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أوتر قبل أن تنام) ولم يقل اترك العلم وتهجد, وهذه قاعدة ينبغي لنا أن نفهمها, وعلى هذا فطالب العلم في مناقشته ومراجعته ومذاكرته وتحفظه أفضل من القائم الصائم حتى لو قال مثلا: أنا أحب أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر, لكن إذا صمت تعوقني عن طلب العلم بالتعب والكسل, قلنا: لا تصم؛ ما دام أنه يؤثر عليك في طلب العلم, فطلب العلم أفضل.......

(102/20)


حكم صلاة الجمعة في البلد الذي تعددت فيه المساجد لغير حاجة:
________________________________________
السؤال: إذا تعددت الجمعة في بلد واحد من غير حاجة, فأين نصلي؟
________________________________________
الجواب: إذا تعددت الجمع في بلد واحد من غير حاجة فالواجب على المسئولين أن يمنعوا الثانية؛ يعني: التي حدثت الأخيرة؛ لأنها طرأت على الأولى، والأولى قد ثبتت وصحت, وإذا لم يمكن -كما يوجد في البلاد الأخرى- يعني: إذا لم يمكن منع الجمع, فليصل الإنسان في الجمعة التي تقام أولا, فإن لم يتيسر له لبعدها فلا بأس أن يصلي الجمعة في المسجد الآخر. ......

(102/21)


التحذير من إفتاء الجنود بغير علم:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! أحد الشباب يقول: إنه في سلك عسكري ويسكن معنا عشرون من الشباب, والمسجد يبعد عنا -تقريبا- مسافة كيلو أو أكثر بقليل, فلا يصلي إلا القليل في هذا المسجد, والبقية يصلون في غرفهم, فنصحناهم ووجهناهم فاحتجوا ببعد المسافة, فاقترح هذا الشخص أن يتخذ مصلى في هذا السكن الذي يبعد عن المسجد هذا البعد, فما رأيكم؟ الجواب: رأينا أنه يرجع إلى الجهة المسئولة عن هذه الفرقة ويقرر ما يرى أنه أفضل, أو يوجه سؤالا إلى دار الإفتاء في الموضوع, أو إلي, المهم أن يقع السؤال من الرئيس على هذه الفرقة؛ لأن في مثل هذه المسألة أنا أقولها عن نفسي وأنصح إخواني بها: إذا كان هناك فرقة في عمل من الأعمال، وجاء السؤال من أحد هؤلاء الذين يعملون تحت رئاسته, فلا تجبه؛ لأنك سوف تحدث فتنة, فإن هذا العامل إذا أفتيته على ما يرى أنه حق قام يجادل الجهة المسئولة ويحصل فرقة واختلاف, لكن إذا جاء السؤال ممن له الأمر والنهي في هذه الفرقة، والذي يستطيع أن يحكم فيه فيما يتبين له من الشرع فحينئذ وجب عليك الجواب, وهذه مسألة انتبهوا لها؛ لأنا جربنا، يأتي جندي -مثلا- من الجنود يقول: ما تقول في كذا وكذا؟ أنت تفتيه عن سلامة القلب بأن هذا حرام, ماذا يعمل؟ يذهب لأجل أن يضاد مسئوله في هذا, يقول: أنت تقول افعلوا كذا. وهذه فتوى فلان، فيحصل في هذا فتنة أشد وأعظم, ولا يكاد أحد من المسئولين يسلم من كراهة من تحت يده أو بعضهم إلا أن يشاء الله, فتجده إذا كره مسئوله ذهب يبحث لعل عليه أخطاء في أمور شرعية حتى يسأل عنها ثم يأتي بالجواب من العالم المعتبر عند الجميع, فينابذه في ذلك, فالمهم أنني أنصحكم خاصة طلبة العلم أن ينتبهوا لمثل هذه الأمور. السائل: هذا الشخص سيرجع إلى الشئون الدينية ويستشيرهم, لكن يريد مسألة شرعية؟ الجواب: يرجع لهم ويستشيرهم, ويبلغهم عن الموضوع. نسأل الله لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح.......

(102/22)


فتاوى: لقاءات الباب المفتوح
لفضيلة الشيخ العلامة:محمد بن صالح العثيمين
- طيب الله ثراه -
لقاء الباب المفتوح [103]
________________________________________
لقد من الله على قريش -أهل مكة- بأن جعل لهم الإيلاف -وهو: الضم والجمع ويراد به التجارة- مرتين: مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ففي الأولى يتجهون إلى الشام؛ لأن غالب تجارة الفواكه تكون في الصيف، أما في الشتاء فيتجهون إلى اليمن للمحصولات الزراعية فيه، ولقد أمرهم الله تعالى أن يعبدوه؛ لأنه هو الذي أطعمهم بعد أن كانوا جياعا، وأمنهم بعد أن كانوا خائفين.

(103/1)


تفسير سورة قريش:
________________________________________
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن هذا اللقاء لقاء الباب المفتوح هو اللقاء الثالث بعد المائة, نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع به, ويقع هذا اللقاء يوم الخميس الحادي عشر من شهر جمادى الأولى عام (1416هـ). نتكلم فيه عن قول الله تبارك وتعالى لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف [قريش:1-4] هذه السورة لها صلة بالسورة التي قبلها, إذ أن السورة التي قبلها فيها بيان منة الله عز وجل على أهل مكة بما فعل بأصحاب الفيل الذين قصدوا مكة لهدم الكعبة. فبين الله في هذه السورة نعمة أخرى كبيرة على أهل مكة -على قريش- وهو إيلافهم مرتين في السنة: مرة في الصيف ومرة في الشتاء, والإيلاف بمعنى: الجمع والضم ويراد به التجارة التي كانوا يقومون بها مرة في الشتاء ومرة في الصيف, أما في الشتاء فيتجهون نحو اليمن ؛ للمحصولات الزراعية فيه؛ ولأن الجو مناسب, وأما في الصيف فيتجهون إلى الشام ؛ لأن غالب تجارة الفواكه وغيرها تكون في الصيف مع مناسبة الجو البارد, فهي نعمة من الله سبحانه وتعالى على قريش في هاتين الرحلتين. لما ذكرهم بهذه النعمة وهي نعمة عظيمة؛ لأنهم يجدون منها فوائد كثيرة ومكاسب كبيرة في هذه التجارة, أمرهم الله عز وجل أن يعبدوا رب هذا البيت عز وجل, قال: فليعبدوا رب هذا البيت شكرا له على هذه النعمة, والفاء هذه إما أن تكون فاء سببية, أي: فبسبب هاتين الرحلتين ليعبدوا رب هذا البيت, وأيا كانت فهي مبنية على ما سبق, أي: فبهذه النعم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله, والعبادة هي: التذلل لله عز وجل محبة وتعظيما, أن يتعبد الإنسان لله, ويتذلل له بالسمع والطاعة, إذا بلغه عن الله ورسوله أمر قال: سمعنا وأطعنا, وإذا بلغه خبر قال: سمعنا وآمنا, على وجه المحبة والتعظيم, فبالمحبة يقوم الإنسان بفعل الأوامر, وبالتعظيم يترك النواهي خوفا من هذا العظيم عز وجل, هذا معنى من معاني العبادة. وتطلق العبادة على نفس المتعبد به, وقد حدها شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى فقال: إن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ولهذا لو سألك سائل: الصلاة عبادة أم عادة؟ قلت: عبادة, ولو سألك سائل: أنت الآن تصلي فما معنى صلاتك هذه؟ لقلت: معناها العبادة لله عز وجل، أتعبد لله عز وجل, أتذلل له بالسمع والطاعة وبما أمرني به. وقوله: رب هذا البيت يعني به الكعبة المعظمة, وقد أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله تعالى: وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود [الحج:26] وهنا أضاف ربوبيته إليه قال: رب هذا البيت وهل هو رب لغيره؟ الجواب: نعم. لكن إضافة الربوبية إليه على سبيل التشريف والتعظيم. وطهر بيتي للطائفين [الحج:26] أليس كل شيء لله؟ لله ملك السماوات والأرض [المائدة:120] كل شيء لله، كل شيء يملكه الله، لماذا أضاف الله البيت إليه؟ تشريفا وتعظيما, إذا خصصه بالربوبية أي: خصص البيت بالربوبية مرة, وأضافه إلى نفسه مرة أخرى تشريفا وتعظيما في آية ثانية: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء [النمل:91] احترازا من أن يتوهم واهم بأنه رب البلدة وحدها, فقال: وله كل شيء [النمل:91] ولكل مقام صيغة مناسبة, فبقوله: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء [النمل:91] المناسبة: بيان عموم منكر لئلا يدعي المشركون أنه رب للبلدة فقط, أما هنا فالمقام مقام تعظيم للبيت, فناسب ذكره وحده. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (الذي) هذه صفة للرب أو للبيت؟ للرب, إذا محله النصب, ولهذا يحسن أن تقف فتقول: فليعبدوا رب هذا البيت ثم تقول: الذي أطعمهم لأنك لو واصلت فقلت: رب هذا البيت * الذي أطعمهم لظن السامع أن (الذي) صفة للبيت، وهذا بعيد من المعنى ولا يستقيم بالمعنى. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف بين الله تعالى نعمته عليهم, النعمة الظاهرة والباطنة, فإطعامهم من الجوع وقاية من الهلاك في أمر باطن وهو الطعام الذي يأكلونه, وآمنهم من خوف وقاية من الخوف في الأمر الظاهر؛ لأن الخوف ظاهر, إذا كانت البلاد محوطة بالعدو خاف أهلها, وامتنعوا عن الخروج, وبقوا في ملاجئهم, فذكرهم الله بهذه النعمة, أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وآمن مكان في الأرض هو مكة , ولذلك لا يقطع شجرها، ولا يحش حشيشها, ولا تلتقط ساقطتها, ولا يصاد صيدها, ولا يسفك فيها دم, وهذه الخصائص لا توجد في البلاد الأخرى, حتى المدينة محرمة ولها حرم لكن حرمها دون حرم مكة بكثير، حرم مكة لا يمكن يأتيه أحد من المسلمين لم يأته أول مرة إلا محرما يجب عليه أن يحرم, والمدينة ليست كذلك, حرم مكة يحرم حشيشه وشجره مطلقا, وأما حرم المدينة فرخص في بعض شجره للحرث ونحوه، صيد مكة حرام وفيه الجزاء, وصيد المدينة ليس فيه جزاء, المهم أن أعظم مكان آمن هو مكة , حتى الأشجار آمنة فيه, وحتى الصيود آمنة فيه, ولولا أن الله تعالى يسر على عباده لكان حتى البهائم -قصدي حتى بهيمة الأنعام- التي ليست صيودا لكن الله تعالى رحم العباد وأذن لهم فيه بأن يذبحوا ويأكلوا في هذا المكان, وهذه النعمة ذكرهم الله بها في قوله: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت:67] يعني: أفلا يشكرون الله على هذا؟! فهذه السورة -كما ترى- كلها تذكير لقريش بما أنعم الله عليهم في هذا البيت العظيم, وفي الأمن من الخوف, وفي الإطعام من الجوع, فإذا بلغ أي: ما واجب قريش نحو هذه النعمة؟ وكذلك ما واجب من حل في مكة الآن من قريش أو غيرهم؟ إن الواجب الشكر لله تعالى, بالقيام بطاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه, ولهذا إذا كثرت المعاصي في الحرم فالخطر على أهله أكثر من الخطر الذي على غيره؛ لأن المعصية في مكان فاضل أعظم من المعصية في مكان مفضول، ولهذا قال الله تعالى: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [الحج:25] فتوعد الله تعالى من أراد فيه أي: من هم فيه بإلحاد فضلا عمن ألحد. والواجب على المرء أن يذكر نعمة الله عليه في كل مكان, لا في مكة فحسب؛ بلادنا -ولله الحمد- اليوم من آمن بلاد العالم, وهي من أشد بلاد العالم رغدا وعيشا, أطعمها الله تعالى من الجوع وآمنها من الخوف فعلينا أن نشكر هذه النعمة, وأن نتعاون على البر والتقوى, وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعلى الدعوة إلى الله على بصيرة وتأن وتثبت, وأن نكون أخوة متآلفين, والواجب علينا ولا سيما على طلبة العلم إذا اختلفوا بينهم أن يجلسوا للتشاور وللمناقشة الهادئة التي يقصد منها الوصول إلى الحق, ومتى تبين الحق من إنسان وجب عليه اتباعه, ولا يجوز أن ينفصل لرأيه؛ لأنه ليس مشرعا معصوما حتى يقول: إن رأيي هو الصواب، وأن ما عداه فهو الخطأ, الواجب على الإنسان المؤمن أن يكون كما أراد الله منه, وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا [الأحزاب:36] أما كون الإنسان ينفصل لرأيه, ويصر على ما هو عليه ولو تبين له أنه باطل، فهذا خطأ, هذا من دأب المشركين الذين أبوا أن يتبعوا الرسل وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف:23]. نسأل الله أن يديم علينا وعليكم نعمة الإسلام, والأمن في الأوطان, وأن يجعلنا إخوة متآلفين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.......

(103/2)


حكم السكوت على المنكر مجاملة:
________________________________________
السؤال: هل السكوت على المنكر مجاملة إثم؟
________________________________________
الجواب: السكوت على المنكر مجاملة حرام, ومن جلس مع من يفعل المنكر فإنه مثله؛ لأن الله تعالى قال: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا [النساء:140]. أما من سكت عن المنكر متعاطفا بمعنى: أنه يتحين الفرصة المناسبة لإنكاره فلا بأس؛ لأن هذا من باب المعالجة كصبر المريض على مر الدواء، فلو رأيت شخصا -مثلا- له قيمته في المجتمع وذو جاه وشرف رأيته على منكر, فإنه لا شك أنه ليس من المستحسن أن تقوم أمام الناس وتقول: يا فلان! أنت على منكر، أنت أسبلت ثوبك، أنت حلقت لحيتك، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يرى أنه في مقام أعلى منك فلا يزيده إلا نفورا, وربما إن كان قادرا على إيذائك آذاك, لكن يجب عليك أن تحفظ هذه الزلة منه وتحتفظ بها، فإذا خلوت به في مكان فذكره بها, إذا لم يتيسر لك أن تخلو به في أي مكان اكتب له, إذا لم يتيسر فأنت تعرف أنه لا بد لكل إنسان من صاحب وصديق, اتصل بأصحابه وأصدقائه الذين يوصلونه ما تقول وبلغه.

(103/4)


حكم قول القائل في الوطن: كل الوجود سواك هالك:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! هناك أغنية أذيعت يقول صاحبها:
كل الوجود وما احتواه إلى الردى *** إلا هواك يبقى مرفوع اللواء
أو نحوها، فما أدري ينبغي الاعتقاد بهذه أو ترديده من غير اعتقاد هل هو حرام؟
________________________________________
الجواب: لا يجوز تردديها ولا إقرارها, بل يجب على من قالها أن يتوب إلى الله عز وجل منها, فإن تاب وإلا فإن ظاهر كلامه ردة -والعياذ بالله-؛ لأن ذكر: كل الوجود سواك هالك، معناه: ضد قول الله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه [القصص:88] فيكون هذا ردة إن بقي صاحبه عليه مع تذكيره وتبيين الحق له, أما ترديدها فهو حرام, ولا يجوز أن تلقى بين يدي الناس يرددونها. ثم إن الانتصار للوطن ليس محمودا على كل حال ولا مذموما على كل حال, إنما هو حسب طاعة الله ورسوله, فإذا كان الإنسان منتصرا لوطنه؛ لأنه وطن إسلامي فيدافع عنه من أجل أنه إسلامي فهذا محمود, أما من أجل أنه وطن فقط فهذه عصبية جاهلية.

(103/5)


الأمور التي تعين على ترك المعصية:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! ما هي الأمور التي تعين الإنسان على ترك المعصية؟
________________________________________
الجواب: أهم شيء يعين الإنسان على ترك المعصية خوف الله عز وجل, وأن يردد في فكره قول الله تعالى: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه [الانشقاق:6] وأن يؤمن ويوقن بأن أي عمل يعمله فإنه سيلاقي ربه بذلك. ثانيا: أن يفكر في العاقبة، ما هي العاقبة من المعصية؟ عواقب المعاصي سيئة؛ لأنها تهون على العبد معصية الله عز وجل, فلا يزال مع الشيطان حتى يوصله إلى الشرك, ولهذا قال بعض أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر. أي: أن الإنسان يرتحل منها مرحلة مرحلة حتى يصل إلى غايته -والعياذ بالله- ويدل لهذا القول قول الله تبارك وتعالى: إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين:13-14] فالذنوب لما رانت على القلب -والعياذ بالله- أرته آيات الله القرآن العظيم أنه أساطير الأولين يعني: سواليف, فإذا تأمل الإنسان في عواقب المعصية فإن هذه من أسباب تركها. ثالثا: أن يعلم أن المعصية لا تزيده من الله إلا بعدا, وإذا ابتعد عن الله ابتعد الناس عنه, لأن الإنسان إذا ابتعد عن الله -والعياذ بالله- صار في قلبه وحشة, وصار كأن صفحة أمامه يقرؤها الناس بمعايبه ومعاصيه، وتجده قد كتب عليه الذل، فيتأمل مثل هذه الأشياء وهذا مما يقويه على ترك المعصية. رابعا: ومن أسباب ذلك أيضا: إذا كانت المعصية بسبب معاشرة بعض أهل السوء فليبتعد عنهم ويجتنبهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مثل جليس السوء بنافخ الكير, قال: (إما أن يحرق ثيابك, وإما أن تجد منه رائحة خبيثة).

(103/6)


حكم توزيع المال على الورثة في الحياة:
________________________________________
السؤال: هل يجوز للإنسان أن يوزع ماله على الورثة في حياته؟
________________________________________
الجواب: نقول: هذا سفه في العقل؛ لأنه إذا وزعه في حياته، فهل يعرف أن هؤلاء الذين وزع عليهم هم الذين يبقون بعده, أليس من الجائز أن يموتوا قبله، فكيف يوزع عليهم؟! ثانيا: إذا وزعه عليهم وكانوا ممن لا يمكن أن يرجع بهبته لهم كالإخوة مثلا, ثم احتاجه، وحاجته واردة أو غير واردة؟ يعني: هل يمكن يحتاجون من إرثهم؟ السائل: يمكن يحتاجون. الشيخ: بعدما وزع الآن ما بقي عنده ولا شيء، يمكن يحتاج أم لا؟ السائل: يمكن يحتاج. الشيخ: وإذا احتاج والدراهم عند غيره فيبقى فقيرا فلهذا نقول: هذا من السفه, انتظر الموت والله يحسن الختام, إنما جاء لك اليوم يأتيك غدا. السائل: يقول: أنا كبرت فأوزعه؟ الشيخ: خطأ. الله عز وجل قال: ولكم نصف ما ترك أزواجكم [النساء:12] فجعل الشيء بعد تركه، ولا يتركه الإنسان إلا إذا فارق الدنيا بالموت حينئذ يقسم. وكما قلت لكم: أولا: لا يدري هل هؤلاء يموتون قبله أو يموت قبلهم. وثانيا: لا يدري ربما احتاج في المستقبل، هذا الكبير السن لو أصيب بمرض يحتاج إلى آلاف الدراهم من أين له؟ فأنصحك لا توزع لهم، انتظر لا تدري ماذا يكون بعدها.

(103/7)


رأي الشيخ في كتاب القطبية:
________________________________________
السؤال: ما رأيك في كتاب القطبية الذي انتشر بين أوساط الشباب في بعض المناطق, وهل توصي بقراءته؟
________________________________________
الجواب: أنا سمعت عنه لكني ما قرأته, ولا أدري عنه، لكن الحق أبلج والباطل لجلج, الإنسان يعرف إذا قرأ عرف الحق من الباطل, فإذا كان هذا الكتاب فيه أحكام مبنية على الكتاب والسنة وعلى التثبت وعلى الحقائق، فلا يمكن لأحد أن يقول فيه شيئا, وإن كان على سوى ذلك فالباطل باطل, أما أنا فما قرأته.

(103/8)


حكم التدريس في المدارس التي فيها اختلاط:
________________________________________
السؤال: حكم العمل في التدريس في المدارس التي فيها اختلاط الطلبة بالطالبات, واختلاط المدرسين والمدرسات؟
________________________________________
الجواب: لا شك أن خلط البنين بالبنات في المدارس أمر منكر, وأنه لا يجوز, ولكن هذا ليس إلى الشعوب هذا إلى الحكومات, والمسئول عنه الرئيس الأول في كل دولة, وهذا الذي سيحاسبه الله عز وجل يوم القيامة, فإذا لم يكن هناك طريق إلى إيصال العلم إلى الناس إلا بهذه الطريق فليدرس فيها وليغض البصر ما استطاع بالنسبة لرؤية النساء, وليحرص هو بنفسه على أن يفرقها؛ لأن المعلم الأجنبي كالمدير تماما, يعني: هو في فصله يعمل ما شاء, فتنكره إذا دخلت، أن يخفف من شأن هذا الاختلاط وتقول للنساء: كن في الخلف جميعا والرجال كلهم في الأمام جميعا, وليكن حازما في هذا, وهذا لا شك أن فيه تخفيفا من الشر والبلاء.

(103/9)


حكم من يتلفظ ببعض الشركيات ناسيا:
________________________________________
السؤال: جرى على لسان بعض العامة أو بعض الناس أنهم يقولون بعض الشركيات ويتخلصوا منها بحكمها, أي: علموا الحكم ولكنهم يرددونها, فعندما تقول له: هذا كذا، يقول: والله نسيت، مثلا: يقول كلمة شرك عند القسم يقول: عليك النبي، وحياة النبي, هذه الكلمات، فعندما توضح له يقول لك: والله نسيت يا أخي، لكني لا أقر بهذا؟
________________________________________
الجواب: أنت تعرف أن الله عز وجل قال في كتابه: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [البقرة:286] فإذا كان الإنسان قد اعتاد الحلف بغير الله, كما يوجد في كثير من الشعوب الإسلامية -مع الأسف- يحلفون بالنبي صلى الله عليه وسلم, فإذا كان قد اعتاد هذا من الصغر، والشعب حوله كلهم يحلفون بالنبي, فإنه ليس من السهل أن يدعها في يوم أو يومين أو في شهر أو شهرين, فإذا قال: إنه نسي فإن الله قد عذر إذا كان ناسيا, ولا يستبعد أن يكون ناسيا؛ لأنه قد اعتاد عليه, فنقول: احرص على أن تتذكر أن هذا حرام, وألا تفعله.

(103/10)


حل الإشكال في قول ابن تيمية: دبر الصلاة آخرها:
________________________________________
السؤال: ذكر الشيخ ابن تيمية أن المراد بدبر الصلاة آخرها, أي: قبل السلام, ألا يشكل على هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من سبح لله دبر كل صلاة ثلاثة وثلاثين, وكبر الله ثلاثة وثلاثين .)؟
________________________________________
الجواب: لا يشكل, شيخ الإسلام يقول: دبر الصلاة آخرها إذا كان ذلك في دعاء, وأما إذا كان في تسبيح فهو بعدها, وله دليل على ذلك, أما الأول وهو أنه إذا كان دعاء فإنه يكون قبل السلام فدليله: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم عبد الله بن مسعود للتشهد قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) فدل هذا على أن الدعاء قبل السلام. وأما إذا كان ذكرا فدليله: أن المراد به بعد السلام قوله تعالى: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله [النساء:103] فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الدعاء قبل السلام, والقرآن الكريم جعل الذكر بعد السلام, وهذا واضح. أما من حيث النظر فإنا نقول لهذا الذي يدعو بعد أن يسلم: أيهما أولى: أن تدعو الله عز وجل وأنت في حال دعاء يقضي من الإجابة؛ لأنك تناجي الله عز وجل, أو تدعو الله بعد الانفصال؟ الأول أولى, فصار كلام شيخ الإسلام رحمه الله راجحا من وجهين: من جهة النص ومن جهة المعنى, وعلى هذا فقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : (لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة مكتوبة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) يراد به ما قبل السلام.

(103/11)


حكم إجابة المؤذن:
________________________________________
السؤال: بعض العلماء يقول في إجابة المؤذن أنها واجبة, ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) فقال: هذا أمر والأمر يدل على الوجوب, فما هو الصارف لهذا الأمر للاستحباب؟
________________________________________
الجواب: أولا بارك الله فيك, هذا مبني على هل الأصل في الأمر الوجوب, أو الأصل في الأمر الاستحباب؟ هذا فيه خلاف بين العلماء: منهم من يقول: الأصل في الأمر الوجوب. ومنهم من يقول: الأصل في الأمر الاستحباب. ولكل أدلة, ومن أقوى أدلة القائلين بأنه للاستحباب قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمر به كان ذلك دليلا على أنه مشروع ومحبوب إلى الله عز وجل, والأصل عدم التأثيم بالترك, ولو كان الأصل التأثيم بالترك فهذا هو المستحب, أن يكون مطلوبا ليس في تركه إثم. ومنهم من قال: إن الأمر للوجوب لقول الله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور:63]. ولهذا نقول: كل من القاعدتين ليس مطردا في الواقع, تأتي أوامر كثيرة يتفق عليها على أنها للاستحباب, وأوامر كثيرة يتفق العلماء على أنها للوجوب, لكن إذا كان هناك قرائن, فالقرائن تؤيد. فالصحيح: أن إجابة المؤذن ليست واجبة, بل هي سنة, ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ومن معه: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) ولم يقل: وليجيبه الآخر, أو ليقل الآخر كما يقول, مع أن المقام مقام تعليم وهؤلاء وفد, قد لا يحضرون مرة أخرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فالصواب: أنه سنة وليس بواجب, والقرينة الصارفة هو هذا الحديث الذي ذكرته لك.

(103/12)


مسألة دوران الشمس حول الأرض:
________________________________________
السؤال: العلم الحديث يثبت أن الشمس ثابتة وأن الكواكب تدور حولها, فهل يجوز اعتقاد هذا, وهل ينافي الآية: والشمس تجري لمستقر لها [يس:38]؟
________________________________________
الجواب: أرى أن الإنسان يأخذ بظاهر القرآن؛ لأن القرآن تكلم به الخالق عز وجل, وهو أعلم بمخلوقاته, والشمس في مكان لا نصل إليه, ولا يصل إليه أحد, فإذا قال الله تعالى: والشمس تجري لمستقر لها [يس:38]، وقال: وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال [الكهف:17] فهذه أربعة أفعال كلها مضافة إلى الشمس: إذا طلعت تزاور, وإذا غربت تقرضهم, والأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به, فترى الشمس هي التي تطلع, وهي التي تزاور, وهي التي تغرب, وهي التي تقرض, فعلينا أن نؤمن بهذا على ظاهره, وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حينما غربت الشمس: (أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم, قال: فإنها تذهب وتسجد تحت العرش وتستأذن فإن أذن لها وإلا رجعت من حيث جاءت) قال: تذهب, وقال: تسجد, وقال: رجعت, فعلينا أن نؤمن بهذا الظاهر إلا إذا جاءنا أمر يقين مثل الشمس: أن الشمس ثابتة، وأن تعاقب الليل والنهار يكون بدوران الأرض فحينئذ نؤمن بهذا, ويمكن أن يؤول القرآن إلى أن معنى قوله: (إذا طلعت) أي: في رأي العين, لأن على من يقول: إن تعاقب الليل والنهار بسبب دوران الأرض هل هي التي طلعت علينا، أم نحن الذين طلعنا عليها؟ نحن الذين طلعنا عليها؛ لأننا نحن الذين جئنا إليها, ما دام تعاقب الليل والنهار يكون بدوران الأرض معناه: نحن الذين جئنا إليها حتى رأيناها, وهي واقفة في مكان ثم دارت الأرض, نحن الذين جئنا ونحن الذين طلعنا عليها. وعلى كل حال: نحن لا نعلم الغيب إلا ما علمنا الله عز وجل, فنؤمن بظاهر القرآن ونقول: إن الشمس والقمر يكون بسيرها تعاقب الليل والنهار, هذا هو الظاهر لنا, فلو قدرنا أننا علمنا علم اليقين بأن الأمر ليس على ظاهره، أمكن أن نصرف الآيات عن ظاهرها إلى معنى لا ينافيه.

(103/13)


جواز الجمع في الصلاة من غير خوف ولا مطر:
________________________________________
السؤال: ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في غير خوف ولا مطر, وعندما سئل ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد ألا يحرج أمته) فهل هذا الحديث مقيد، ولو قال قائل: أنا سأعمل بهذا الحديث؟
________________________________________
الجواب: نقول: نعم, إذا أردت أن تقضي بهذا الحديث فمن يمنعك؟ لكن ابن عباس رضي الله عنه قال: (من غير خوف ولا مطر) ويفيد قوله هذا: أنه لا بد أن يكون هناك سبب, إما خوف، أو مطر، أو برد شديد، أو ما أشبهه, ودليل هذا أنه قال: (أراد ألا يحرج أمته) أي: ألا يوقعها في حرج, فيستفاد من هذا الحديث: أن كل أمر يكون عليك حرج كما لو صليت كل صلاة في وقتها فإنه يجوز لك أن تجمع, ولهذا يجوز للمريض الذي يشق عليه أن يصلي في كل وقت يجوز أن يجمع, حتى قال أهل العلم من الحنابلة: يجوز للمرأة المرضع التي يكثر حمل ولدها بين يديها وضرره عليها، يجوز لها أن تجمع بين الظهر والعصر للمشقة, وتجمع بين المغرب والعشاء للمشقة, فالمدار على المشقة متى وجدت المشقة جاز الجمع.

(103/14)


طلب العلم أفضل من الصوم إذا كان يضر بالطلب:
________________________________________
السؤال: بعض طلاب العلم حرصا منهم على زيادة الخير ورغبة فيه, يكثر من صيام التطوع يصوم يوما ويفطر يوما, ولكن هذا يؤثر من جانب آخر في تحصيلهم على العلم, كألا يراجع المتون أو القرآن, فما حكم هذا العمل؟
________________________________________
الجواب: الصيام لا شك أنه عمل صالح, ومن أفضل الأعمال, واختصه الله لنفسه لقوله: (الصوم لي وأنا أجزي به) وكان داود يصوم يوما ويفطر يوما وهو أفضل الصيام, لكن هناك عمل أفضل منه وهو طلب العلم, فإن طلب العلم أفضل من الصيام, وأعني صيام التطوع, فإذا كان صوم يوم وفطر يوم يمنعه من التشاغل بالعلم قلنا له: أنت الآن تعمل بالمفضول وتترك الفاضل, فإن طلب العلم أفضل, قال الإمام أحمد رحمه الله: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته, قيل: وما تصحيح النية؟ قال: ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره. أما إذا كان رجلا قد اعتاد الصيام, والصيام سهل عليه صيفا أو شتاء, وربما يكون أنشط له، فهذا لا يرده عن طلب العلم ولا يمنعه, ولهذا تجد النبي عليه الصلاة والسلام إنما يصوم الإثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر، ولكنه لا يصوم يوما ويفطر يوما؛ لأنه يشتغل دونه، أما رجل عابد وليس عنده اشتغال في العلم والصوم لا يمنعه من صلاة التطوع وقراءة القرآن وأذكار الصباح والمساء، فهذا طيب أن يصوم كما صام داود.

(103/15)


حكم وصف الله بأنه يصبر:
________________________________________
السؤال: هل يوصف الله عز وجل بالصبر, مثلا يقول: اليهود فعلوا كذا وكذا.. فصبر الله عليهم؟
________________________________________
الجواب: يوصف بأنه صابر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل) فجعل الله أصبر من كل الصابرين على أذى سمعه، لكن لا يسمى بذلك، فلا يقال مثلا: إن من أسمائه الصابر؛ لأن باب الإخبار أوسع من باب الإنشاء.

(103/16)


ضابط المروءة:
________________________________________
السؤال: ما ضوابط المروءة التي ينبغي على المسلم أن يسلكها, وما هي السبل التي ييسر للإنسان سلوك هذا العمل؟
________________________________________
الجواب: الضابط بارك الله فيك: أن المروءة فعل ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه, كل ما يعبر الناس خلقا حسنا فهو مروءة, ويجتنب كل ما يدنسه ويشينه, هكذا قال العلماء في ضبطها فهو منضبط, وهذا يختلف باختلاف الناس, من الناس من هو شريف ووجيه وذو مرتبة عالية, إذا فعل ما يفعله ما هو دونه انتقد, وإذا فعله غيره لم ينتقد, فنقول للأول: إذا فعلته فقد خالفت المروءة, ونقول للثاني: إن فعلك إياه لا يخالف المروءة, فهذا مقياس, المروءة: فعل ما يجمله ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه.

(103/17)


كيفية متابعة الإمام:
________________________________________
السؤال: ما هو الضابط في متابعة الإمام هل هو سماع الصوت، أو رؤية الحركة؛ لأن الإمام عندنا في الحي يكبر للسجود وهو واقف فيهوي الناس يسجدون قبله، فما هو الضابط يا شيخ؟ وهل فعلهم هذا صحيح؟
________________________________________
الجواب: الضابط أن يتم الفعل؛ لأن التكبير علامة عليه ودليل عليه, أشاهد الإمام فإذا قال: الله أكبر وهو قائم قبل أن يصل إلى الأرض, وأنا أراه أنه لم يصل إلى الأرض فلا أسجد, لقول البراء بن عازب : (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد لا يحني أحد منا ظهره حتى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا ثم نقع سجودا بعده). أما إذا كنت لا تراه فهنا تأتي وظيفة السمع, فاعمل بما تسمع, ويكون المسئول عن ذلك الإمام, إذا كان يكبر وهو قائم فالمسئولية عليه. وبعض الناس يكبر وهو قائم؛ لأنه يصلي (بالميكرفون) وإذا كبر عند السجود لم يسمع, وهذا أخطأ من وجهين: أولا: استعمال مكبر الصوت في الصلاة, ليس له أصل ولا له حاجة؛ لأنه سيسمع الذين هم خارج المسجد, والذين هم خارج المسجد ليسوا بحاجة له, بل لا يزيدهم ذلك إلا كسلا, تجد الكسول إذا سمع الإمام في الشرفة قال: أدرك الإمام في الثانية وكذلك في الثالثة والرابعة، بل في قول بعض العلماء: إن الصلاة تدرك بتكبيرة الإحرام, فتفوته الصلاة وهو يسوف, ولهذا يعتبر هذه خطأ من بعض الأئمة: أولا: أنه لا داعي له. ثانيا: أنه يوجب تمادي الكسلان في كسله. ثالثا وهو أشدها: أنه يشوش على غيره من المساجد, بل ومن الذين يصلون في بيوتهم, أرأيت المرأة -مثلا- وهي تصلي في بيتها والإمام يقرأ ويكبر الصوت, سوف ترتبك ويشوش عليها, وهذا مما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث سمع أصحابه يقرءون ويجهرون بالقرآن وهم يصلون قال: (لا يجهرن بعضكم على بعض في القرآن أو قال في القراءة). ونحن أحيانا نوجه -والحمد لله- عندنا في بلدنا، ولم نسمع أحدا يصلي في مكبر الصوت إلا في يوم الجمعة.

(103/18)


حكم الحلف بالقرآن:
________________________________________
السؤال: هل يجوز الحلف بالقرآن؟
________________________________________
الجواب: الحلف بالقرآن تريد بذلك القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم جائز؛ لأنه من كلام الله, وكلام الله تعالى صفة من صفاته وجميع صفات الله يجوز الحلف بها. أما إذا كنت تريد بالقرآن المصحف الذي هو الورق والحروف المكتوبة فهذا لا يجوز؛ لأن هذا مخلوق, والحلف سبالمخلوق شرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ثم نقول أيضا: ما الذي حثك على أن تحلف بالقرآن؟ ما هناك قسم إلا بالقرآن؟ احلف بالله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت).

(103/19)


الجهاد ماض إلى قيام الساعة:
________________________________________
السؤال: ما حكم الجهاد في الوقت هذا؟ ومن ذهب يجاهد دون إذن والديه فما حكمه؟
________________________________________
الجواب: الجهاد -بارك الله فيك- قائم ماض إلى يوم القيامة, وهو في الأصل فرض كفاية, إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين, ولكن قالوا: إنه يكون فرض عين في أربعة مواضع: الموضع الأول: إذا حضر والتقى الصفان فإنه يجب أن يبقى ولا يجوز الفرار, لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله [الأنفال:15-16] وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التولي يوم الزحف من الموبقات المهلكات. الموضع الثاني: إذا استنفره الإمام, قال: انفر للجهاد, فيجب عليه أن ينفر, لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير [التوبة:38-39]. الموضع الثالث: إذا كان الرجل محتاجا إليه, يعني: يحتاج إليه الناس في هذه الغزوة وجب عليه, مثل: أن يكون لديه سلاح لم يتمرن عليه أحد وهذا الغازي متمرن عليه, فيجب عليه أن يخرج؛ لأنه صار فرض عين في حقه. الموضع الرابع: قتال الدفاع, إذا حاصر العدو بلده وجب عليه أن يقاتل؛ لأنه إن لم يفعل احتل العدو بلده وحصل من الفساد ما لا تحمد عقباه. في هذه الأحوال الأربعة يكون الجهاد فرض عين, وما عدا ذلك فهو فرض كفاية. أما القتال بدون إذن الوالدين فلا يجوز, إلا إذا كان فرض عين, وعرفت الأحوال التي يكون فيها فرض عين، فإذا كان إحدى هذه الأحوال وجب أن يجاهد حتى وإن نهاه والده أو أمه. والحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ونسأل الله أن يثيبكم على حضوركم فإن: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة).

(103/20)


فتاوى: لقاءات الباب المفتوح
لفضيلة الشيخ العلامة:محمد بن صالح العثيمين
- طيب الله ثراه -
لقاء الباب المفتوح [104]
________________________________________
في هذا اللقاء تحدث الشيخ عن تفسير سورة الماعون كاملة، فبين فيها المعاني، وأتى بالفوائد والفرائد في شرح مختصر موجز بأسلوب سهل وشيق، وختمه بأجوبه مسددة على الأسئلة التي وردت فيه.

(104/1)


تفسير سورة الماعون:
________________________________________
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع بعد المائة من لقاء الباب المفتوح, والذي يتم في كل يوم خميس من كل أسبوع, وهذا هو الخميس الثامن عشر من شهر جمادى الأولى عام (1415هـ). نبتدئ هذا اللقاء بتفسير قول الله تبارك وتعالى: أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم [الماعون:2] إلى آخر السورة إن شاء الله. ......

(104/2)


تفسير قوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين):
________________________________________
فيقول الله تبارك وتعالى: أرأيت الذي يكذب بالدين [الماعون:1] (أرأيت) خطاب لكن لمن؟ هل هو للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الذي أنزل عليه القرآن، أم هو عام لكل من يتوجه إليه الخطاب؟ العموم أولى, فنقول: (أرأيت الذي) عام لكل من يتوجه إليه الخطاب, أرأيت الذي يكذب بالدين [الماعون:1] أي: بالجزاء, فهؤلاء الذين هم ينكرون البعث, ويقولون: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون [الواقعة:47] * أوآباؤنا الأولون [الواقعة:48]، ويقول القائل منهم: من يحيي العظام وهي رميم [يس:78] هؤلاء يكذبون بيوم الدين, أرأيت الذي يكذب بالدين [الماعون:1] أي: بالجزاء.

(104/3)


تفسير قوله تعالى: (فذلك الذي يدع اليتيم ...):
________________________________________
قال تعالى: فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين [الماعون:2-3] فجمع بين أمرين: الأمر الأول: عدم الرحمة بالأيتام الذين هم محل الرحمة؛ لأن الأيتام هم الذين مات آباؤهم قبل أن يبلغوا، وهم محل الشفقة والرحمة؛ لأنه فاقد لأبيه, فقلبه منكسر يحتاج إلى جبر, ولهذا ورد في النصوص فضل الإحسان إلى الأيتام, لكن هذا -والعياذ بالله- (يدع اليتيم) يدفعه بعنف؛ لأن الدع هو: الدفع بعنف، كما قال الله تعالى: يوم يدعون إلى نار جهنم دعا [الطور:13] أي: دفعا شديدا, فتجد اليتيم إذا جاء إليه يستجديه شيئا أو يكلمه في شيء يحتقره, ويدفعه بشدة, فلا يرحمه. الأمر الثاني: أيضا لا يهتمون برحمة الغير, ولا يحض على طعام المسكين [الماعون:3] فالمسكين الفقير المحتاج إلى الطعام لا يحض هذا على إطعامه؛ لأن قلبه حجر -والعياذ بالله- قاس، فقلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة [البقرة:74] إذا.. ليس فيه رحمة لا للأيتام ولا للمساكين, فهو قاسي القلب والعياذ بالله.

(104/4)


تفسير قوله تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون):
________________________________________
ثم قال الله عز وجل: فويل للمصلين [الماعون:4] و(ويل) هذه كلمة وعيد, وهي تتكرر في القرآن كثيرا, والمعنى: الوعيد الشديد على هؤلاء, (للمصلين) الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون:5] هؤلاء مصلون يصلون مع الناس أو أفرادا لكنهم (عن صلاتهم ساهون) أي: غافلون عنها لا يقيمونها على ما ينبغي, يؤخرونها عن الوقت الفاضل, لا يقيمون ركوعها ولا سجودها ولا قيامها ولا قعودها, لا يقرءون ما يجب فيها من قراءة سواء كانت قرآنا أو ذكرا, إذا دخل في صلاته وإذا به غافل, قلبه يتجول يمينا وشمالا فهو ساه عن صلاته. وهذا مذموم، الذي يسهو عن الصلاة ويغفل عنها ويتهاون بها، لا شك أنه مذموم, أما الساهي في صلاته فهذا لا يلام, والفرق بينهما: أن الساهي في الصلاة معناه: أنه نسي شيئا, نسي عدد الركعات, نسي شيئا من الواجبات وما أشبه ذلك, ولهذا وقع السهو من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أشد الناس إقبالا على صلاته, بل إنه قال عليه الصلاة والسلام: (جعلت قرة عيني في الصلاة) ومع ذلك سها في صلاته؛ لأن السهو معناه: أنه ينسى شيئا على وجه لا يلام عليه, أما الساهي عن صلاته فهو متعمد بالتهاون في صلاته, ومن السهو عن الصلاة أولئك القوم الذين يدعون الصلاة مع الجماعة, فإنهم لا شك أنهم عن صلاتهم ساهون, فيدخلون في هذا الوعيد.

(104/5)


تفسير قوله تعالى: (الذين هم يراءون):
________________________________________
قال تعالى: الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون [الماعون:6-7] أيضا إذا فعلوا الطاعة فإنما يقصدون بها التزلف إلى الناس, وأن يكون لهم قيمة في المجتمع, ليس قصدهم التقرب إلى الله عز وجل, فهذا مراء -والعياذ بالله- يتصدق من أجل أن يقول الناس: ما أكرمه، هذا مصل يحسن صلاته من أجل أن يقول الناس: ما أحسن صلاته، وما أشبه ذلك، هؤلاء يراءون، أصل العبادة لله ولكن يريدون مع ذلك أن يحمدهم الناس عليها, ويتقربون إلى الناس بتقربهم إلى الله, هؤلاء المراءون والعياذ بالله. أما من يصلي لأجل الناس بمعنى: أنه يصلي بين يدي الملك -مثلا- أو غيره يخضع له ركوعا أو سجودا فهذا مشرك كافر قد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار, لكن هذا يصلي لله مع مراعاة أن يحمده الناس على عبادته على أنه عابد لله عز وجل, وهذا يقع كثيرا في المنافقين كما قال الله تعالى: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا [النساء:142] انظر إلى هذا الوصف: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى [النساء:142] إذا.. هم عن صلاتهم ساهون, هنا يقول: (الذين هم يراءون) وإن قال إنسان: وهل الذين يسمعون مثلهم؟ مثلا: لو أن إنسانا يقرأ القرآن ويجهر في الصلاة ويحسن القراءة، ويحسن الأداء والصوت من أجل أن يقال: ما أقرأه، هل يكون مثل الذين يراءون؟ الجواب: نعم. كما جاء في الحديث: (من سمع سمع الله به, ومن راءى راءى الله به) المعنى: من سمع فضحه الله, وبين للناس أن الرجل ليس مخلصا، ولكنه يريد أن يسمعه الناس فيمدحوه على عبادته, ومن راءى كذلك راءى الله به, فالإنسان الذي يرائي الناس أو يسمع الناس فسوف يفضحه الله, وسوف يتبين أمره عاجلا أم آجلا.

(104/6)


تفسير قوله تعالى: (ويمنعون الماعون):
________________________________________
قال تعالى: ويمنعون الماعون [الماعون:7] أي: يمنعون ما يجب بذله من المواعين -وهي: الأواني- أي: يأتي الإنسان إليه ويستعير منهم آنية, يقول: أنا محتاج إلى دلو, محتاج إلى إناء أشرب به, أحتاج إلى لمبة كهرباء وما أشبه ذلك.. ويمنع, هذا أيضا مذموم, ومنع الماعون ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: يأثم به الإنسان. القسم الثاني: لا يأثم به ولكن يفوته الخير. فما وجب بذله فإن الإنسان يأثم بمنعه, وما لم يجب بذله فإن الإنسان لا يأثم بمنعه لكن يفوته خير, مثال ذلك: إنسان جاءه رجل مضطر فقال: أعطني إناء أشرب به فإن لم أشرب مت, فبذل الإناء له واجب, حتى إن بعض العلماء يقول: لو مات هذا الإنسان فإنه يضمنه ذاك بالدية؛ لأنه سبب موته, ويجب عليه بذل ما طلبه, جاء إنسان إلى آخر يقول: أعطني ثوبا أدفأ به من البرد وإلا هلكت, هنا يجب عليه أن يبذل له ذلك الثوب وجوبا. لكن اختلف العلماء في هذه المسألة: هل يجب على المستعير -في هذا الحال- أن يعطي المعير أجرة أو لا يجب؟ أو يجب في المنافع دون غيرها, كيف هذا؟ مثلا: إنسان أتاك وهو مضطر إلى طعام فإن لم تطعمه هلك, هنا يجب عليك أن تطعمه لكن هل يجب عليه أن يعطيك قيمة الطعام؟ قال بعض أهل العلم: يجب عليه أن يعطيك قيمة الطعام, وقال آخرون: لا يجب؛ لأن إطعامه في هذا الحال واجب عليك من عند الله, وهذا القول هو الراجح؛ لأنه ليس له عوض؛ لأن إنقاذ الواقع في الهلكة واجب, ولا يمكن أن يأخذ الإنسان أجرا على ما أوجب الله عليه. المسألة الثانية: جاءك إنسان مضطر إلى ثوب خوفا من البرد, فأعطيته الثوب فهل يجب عليه أجره في هذا الثوب؟ بعض العلماء يقول: يجب عليه أجره, وبعضهم يقول: لا يجب, والصحيح: أنه لا يجب عليه أجره, ولكن إذا أعطيته إياه على سبيل التملك فهو ملكه, وإن أعطيته على سبيل الإعارة وجب عليه إذا وجد ثوبا غيره أن يرده عليك, هذا هو القول الصحيح, وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة. فيجب على المرء أن ينظر في نفسه: هل هو ممن اتصف بهذه الصفات أو لا؟ إن كان ممن اتصف بهذه الصفات.. قد أضاع الصلاة وسها عنها, ومنع الخير عن الغير فليبشر بالويل -والعياذ بالله-, وإن كان قد تنزه عن ذلك فليبشر بالخير, والقرآن الكريم ليس المقصود منه أن يتلوه الإنسان فقط ليتعبد لله بتلاوته, إنما المقصود أن يتأدب به, ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: (كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم القرآن) (خلقه) أي: أخلاقه التي يتخلق بها، يأخذها من القرآن, وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.

(104/7)


كلمة توجيهية لأئمة المساجد:
________________________________________
السؤال: يقول الله في سورة المؤمنون: قد أفلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون [المؤمنون:1-2], بعض الأئمة -هداهم الله- يستعجل في الصلاة فيضطر بعض الناس لترك الصلاة في المسجد الذي في الحي الذي يسكن فيه, وينتقل لآخر؟
________________________________________
الجواب: هذا السؤال يحتاج إلى توجيه كلمة للأئمة: وهو أن الإمام هل هو يصلي لنفسه، أو يصلي لنفسه ولغيره؟ الجواب: يصلي لنفسه ولغيره, فيجب عليه مراعاة الناس, لا إفراط ولا تفريط, أي: لا إفراط بحيث يطيل عليهم أكثر مما جاءت به السنة, ولا تفريط بأن ينقص عما جاءت به السنة, الإنسان الذي يصلي وحده إن شاء طول وإن شاء نقص عما جاءت به السنة ولكنه قام بالواجب، وإن شاء اتبع السنة, لكن الإمام يجب أن يتبع السنة, لماذا؟ لأنه أمين على الناس, والأمين يجب عليه أن يفعل الأصلح, كما قال الله في مال اليتيم: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن [الأنعام:152] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ولمن أطال في صلاة الفجر -رجل آخر-: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف) ومعنى (ليخفف) أي: لا يطيل أكثر مما جاءت به السنة, فإن الإنسان لا يصلي لنفسه وإنما يصلي لنفسه ولغيره, فالواجب عليه مراعاة السنة فيها, ولا يهمه انتقاد منتقد, قد يقول: لو أتيت بالسنة، يمكن يقول بعض الناس: أطلت، لكن إذا أخل بالسنة من الذي يقول له: أخللت؟ الله عز وجل يوم القيامة, سوف يحاسب في ذلك اليوم ليس له مفر, وليس له حجة, لكن اليوم له حجة يقول: أنا أتيت بالسنة, ائتني بدليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينقص عما قلت أو عما فعلت وأنا أتبعه, أما أن آتي بالسنة وتقول: أطلت، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام أشد الناس رعاية للأمانة؟ بلى. ومع ذلك يقرأ في فجر يوم الجمعة (الم تنزيل -السجدة-) في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية (هل أتى على الإنسان)، وربما قرأ في المغرب (سورة الطور)، وربما قرأ فيها بسورة (الأعراف)، فأين الخروج عن السنة؟! فالواجب على الإمام ألا يسرع سرعة تمنع المأمومين من فعل السنة؛ لأنه مؤتمن, وأما قوله: إن الناس يقولون: أطلت. هذا ليس له حجة, لا ينفعه عند الله عز وجل, لكن لا يزيد على ما جاءت به السنة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام غضب في ذلك ونهى عنه. وإذا كان إمامك لا يمكنك من أداء الواجب فاطلب غيره, حتى لو فرضنا أنك دخلت مع إنسان بعد أن فاتتكم الصلاة، ثم رأيت أنه يسرع سرعة لا تتمكن معها من الإتيان بالواجب فانفصل عنه وكمل لنفسك.

(104/8)


كيفية التخلص من التعامل بربا النسيئة في التبادل بالعملات:
________________________________________
السؤال: هذا سؤال موجه من جماعة من الإخوة السودانيين يقولون فيه: أصحاب الفضيلة أهل الذكر المحترمين, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: أفيدونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء, نحن إخوانكم من السودان ونحن مقيمون في هذا البلد المضياف, وعندما نريد تحويل نقودنا من العملة السعودية إلى العملة السودانية يوجد تجار يشترون منا هذه العملة, ويقولون لنا: إذا أردت التسليم فورا, بمعنى: أن يقبض الريالات هنا ويستلم أهلنا منه العملة السودانية هناك, فهذا له سعر, وإذا أردنا أن نتركها عنده إلى مدة شهر أو شهرين أو أكثر فهذه لها سعر خاص, وكلما بعدت مدة التسليم زاد في قيمة التحويل, بمعنى: أنه تحويل أجل, فهل يصح لنا التحويل مع هؤلاء التجار، علما بأن أسعار التحويل بالبنك زهيدة جدا مقابل سعر التجار الفوري والآجل؟ وإذا صح التحويل معهم, هل يصح بالحالتين العاجل والآجل، أم يصح بإحداهما دون الأخرى؟ وجزاكم الله عنا خير الجزاء؟
________________________________________
الجواب: من المعلوم أن التبادل بالعملات يجري به الربا بالنسبة للنسيئة, بمعنى: أنه لا يجوز تأخير القبض لا من الدافع ولا من المدفوع إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) فإذا أراد الإنسان أن يصرف ريالات سعودية بجنيهات سودانية فالواجب أن يقبض العوض من الجانبين, من الدافع والمدفوع إليه, ولا يجوز تأخير القبض. وعلى هذا: فالصورة الصحيحة: أن يسلم السوداني دراهم سعودية إلى البنك ويأخذ بيده عوضها من الجنيهات السودانية, ثم يقول للبنك: خذها مرة ثانية حولها لي إلى السودان , هذا ليس فيه إشكال، هذه معاملة طيبة حسنة. الصورة الثانية: أن يقول للبنك: هذه دراهم سعودية حولها إلى السودان سعودية, وهناك يأخذها المحال عليه بالجنيهات السودانية بسعرها هناك, ليس بسعرها هنا, مثلا: لو كان سعرها في السعودية الجنيه السوداني في السعودية -مثلا- بريالين, وهناك بثلاثة, لازم أن نعتبر بالسعر الذي هناك, والعكس بالعكس لو كان هنا بثلاثة وهناك بريالين لا بد أن نعتبر السعر هناك. هاتان صورتان لا بأس بهما, الصورة الأولى: التقابل هنا ثم تحويل العملة السودانية إلى البنك هناك في السودان , والثانية: أن تحول الريالات السعودية إلى السودان على أنها سعودية, ثم هناك يقع التصارف يدا بيد بسعر الريال السعودي هناك؛ هاتان صورتان جائزتان وما عداهما فليس بجائز. وما ذكر في السؤال أشد إثما؛ لأن فيه تأخير القبض وفيه ربا النسيئة بالزيادة, وهذا يكون ظلمات بعضها فوق بعض, فنقول للإخوة السودانيين وغيرهم -أيضا- ممن يجري مجراهم: الطريق السليم يبنى على وجهين وقد ذكرا.

(104/9)


الحج على امرأة لديها أخت مسنة تقوم برعايتها ولا يوجد أحد يقوم بعناية أختها:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! توجد امرأة كبيرة السن, وعندها أخت أكبر منها, هذه المرأة تقوم بعناية أختها الكبيرة بحيث أنها تغسلها وتلبسها وتطعمها وتسقيها, هذه الأخت ما حجت إلى الآن، هل يجوز لها أن تذهب تحج، مع العلم أنه لا يوجد أحد ليقوم بعناية أختها؟
________________________________________
الجواب: إذا كانت الأخت الكبيرة في ضرورة فليس عليها حج, أما إن كانت مجرد أنها ألطف بها من غيرها وأحسن رعاية ويمكن لأحد أن يقوم بالواجب فإنه إذا استطاعت السبيل أي: وجدت النفقة والمحرم يجب عليها أن تحج. السائل: لا يوجد من يقوم بعنايتها؟ الشيخ: مطلقا؟ السائل: مطلقا. الشيخ: إذا تبقى معها لا تذهب للحج.

(104/10)


حكم الانحناء للمخلوقين:
________________________________________
السؤال: بعض الناس عندما يقابل أحدا أكبر منه منزلة أو رتبة, فإنه يخضع له ويطأطئ رأسه يعني: تكريما, فما رأيكم؟
________________________________________
الجواب: رأينا في هذا أنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منع من ذلك, فلا يحل لأحد أن يحني ظهره إلا لله رب العالمين, وأما المخلوق فلا تحني ظهرك له, وأقبح من ذلك أن يسجد له, فإن السجود للمخلوق تعظيما وتذللا من الشرك المخرج عن الملة -نسأل الله العافية-. وأما الانحناء فإنه حرام, لكن لا يصل إلى حد الشرك.

(104/11)


حكم طاعة المسئولين الذين تعينهم الجمعيات:
________________________________________
السؤال: بخصوص الدعوة عندنا بالتنظيم خاصة, فنوزع المنطقة عندنا خاصة جمعية إحياء التراث, حيث تتوزع على عدة قطع, وكل قطعة لها مسئول, والمسئول هذا يرجع إلى مسئول أعلى منه, كتنظيم دعوي, من ناحية دروس وغيره, فالسؤال هنا: هل المسئول هذا طاعته واجبة أم لا؟
________________________________________
الجواب: إذا كان إذا التنظيم من قبل ولي الأمر فإنه يجب التمشي بما يقول؛ لأنه نائب عن ولي الأمر الذي تجب طاعته في غير معصية الله. وأما إذا كان تنظيما داخليا لا علاقة للحكومة فيه، فهؤلاء إن رضوا أن يكون هذا أميرهم فطاعته واجبة, وإن لم يرضوا فلا يجب طاعته.

(104/12)


حكم الرد على من يسمع قارئا يخطئ في قراءته:
________________________________________
السؤال: إذا كان الإنسان جالسا في المسجد وعن يمينه أو شماله قارئ للقرآن بصوت مرتفع أو في غير المسجد, وهذا القارئ يخطئ كثيرا في الآيات, فهل يجب عليه أن يرد عليه؟ وإذا كان آثما لعدم الرد عليه, فهل يغير مكانه حتى لا يسمع قراءته؟
________________________________________
الجواب: هذه مشكلة تقع كثيرا في الواقع, فنقول أولا: القارئ ينهى أن يجهر بصوته وحوله من يصلي؛ لأنه يشوش عليهم, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يجهرون بالقراءة فنهاهم, وقال: (لا يؤذين بعضكم بعضا في القراءة) هذا بالنسبة للقارئ. أما بالنسبة للسامع فإنه من يقرأ لحنا يحيل المعنى وجب عليه أن يرد عليه, وإن كان لا يحيل المعنى فإنه لا يجب أن يرد عليه, فمثلا لو قال: "الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم" هذا لا يغير المعنى, أما إن كان يغير المعنى كما لو قال: "صراط الذين أنعمت عليهم" أو قال: " أهدنا الصراط المستقيم" وجب عليك الرد؛ لأنك تسمع أن القرآن يحرف فيجب عليك أن تعدله.

(104/13)


الضابط في معرفة الشرك الأكبر من الشرك الأصغر:
________________________________________
السؤال: يقول شيخ الإسلام : من صرف شيئا من العبادة لغير الله فهو كافر. فمثلا: طلب العلم الشرعي لغير وجه الله, السؤال: ما هو الضابط بين معرفة أن هذا الأمر شرك أكبر أم أصغر, هل هو بالاستقراء؟
________________________________________
الجواب: أولا هل أنت تعرف العبادات؟ ستقول: نعم أعرف العبادات منها: الصلاة والنذر والذبح وما أشبهها.. إذا فعلت هذا تقربا وتزلفا للآدمي فهذا شرك أكبر, وإذا فعلته لله لكن ليراك الآدمي فيمدحك فهذا رياء وهو شرك أصغر. طلب العلم لغير الله إن كان العلم مما لا يبتغى به وجه الله مثل علم الدنيا: كالحساب والهندسة والرياضة وما أشبه ذلك فلا حرج على الإنسان أن ينوي به الدنيا؛ لأنه لا يتقرب به إلى الله, وأما إذا كان علم التوحيد والفقه والتفسير والحديث وما أشبه ذلك.. فإنه لا يجوز أن يريد به عرضا من الدنيا, لكنه لا يكون شركا, حتى لو أراد الإنسان بطلب العلم أن ينال وظيفة -مثلا- فإنه لا يكون مشركا الشرك المخرج عن الملة لكن يقال: إنك على خطأ, اطلب العلم لله عز وجل.

(104/14)


حكم الابتعاد عن الزوجة أكثر من ستة أشهر بغير رضاها:
________________________________________
السؤال: هل يجوز للرجل أن يسافر ويبعد عن زوجته سنة أو أكثر بغير رضاها، مع العلم أن لها في هذه المدة حقوقا؟
________________________________________
الجواب: لا يجوز له أن يغيب عن أهله أكثر من ستة أشهر إلا لحاجة, كعلاج وما أشبهه فلا بأس؛ لأنه مضطر, وأما لغير ذلك فلا يجوز, إلا إذا رضيت وكانت في محل آمن فلا بأس, وأما إذا لم ترض فإنه يحرم عليه أن يبقى, وحينئذ نقول لها: أنت بالخيار إن شئت أن تبقين معه على هذه الحال وإلا فلك الفسخ, ونقول له أيضا: إما أن ترجع إلى أهلك، وإما أن تخيرها هل تبقى معك أو تطلقها, حتى لا يضيع حقها.

(104/15)


حكم القيام وتقبيل اليد للعالم والأكبر سنا:
________________________________________
السؤال: النبي صلى الله عليه وسلم حينما أتى سيدنا سعد بن معاذ ليفصل في أمر أهل المدينة , النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: إذا كان سيدنا سعد قادما على دابته قوموا إلى سيدكم.. هذا ما قرأناه إن كان صحيحا, ثم ما رأيكم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أصحابه يقومون إلى سيدنا سعد بن معاذ لينزلوه عن دابته, ثم ما رأيكم في تقبيل يد العلماء, هذا يقف جنبا إلى جوار ما قلته أنت من الانحناء إلى عالم أو أكبر سنا, وهل رواية سيدنا سعد هل هي صحيحة إلى جانب تقبيل يد العلماء, إلى جانب الانحناء لمن نرى أنه أفضل منا مكانة أو علما أو غير ذلك؟
________________________________________
الجواب: أما سعد بن معاذ رضي الله عنه، فإنه لما أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قوموا إلى سيدكم) لأنه سيد قومه بلا شك, وقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى سيدكم) وهذا ليس فيه إشكال أن يقال: سيد بني فلان, أو سيد آل فلان. وأما القيام إليه فلا بأس به -أيضا- لو أن رجلا دخل من الباب هنا ثم قمت من مكانك تستقبله فلا بأس, كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم وفد ثقيف وهو بالجعرانة فإنه قام عليه الصلاة والسلام حين أقبلوا، وهذا لا بأس به, وأما الانحناء فإنه خضوع ظاهر, الأول: إكرام استقبال وهذا إكرام بلا شك, وأما الانحناء فهو خضوع, ولهذا: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: عن الرجل يلقى أخاه أينحني له، قال: لا) لأن الانحناء لا يجوز إلا لله رب العالمين. وأما تقبيل يد الأب أو الأم أو الأخ الكبير أو العالم أو الشيخ الكبير احتراما، فهذا لا بأس به ولا إشكال فيه. السائل: فيه انحناء. الشيخ: لا يوجد انحناء أبدا, حتى لو فرضنا أن الرجل الذي تريد أن تقبل يده قصير ونزلت رأسك لتقبل يده فهذا ليس انحناء إكرام, هذا الانحناء للوصول للتقبيل, مع أنه يمكن أن يأخذ بيده ويرفعها ويقبلها وهو واقف تماما.

(104/16)


وصايا للكشافة الذين يقومون بخدمة الحجاج:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! لا يخفى على فضيلتكم ما يقوم به الكشافة في الحج من أعمال وخدمات, نرجو منكم التكرم بإبداء رأيكم حول هذا الموضوع من خلال ما شاهدتموه وما تتمنوا أن يكون عليه برامجهم في المستقبل؟
________________________________________
الجواب: الكشافة في الواقع أن لهم سعي مشكور في أيام الحج؛ لأنهم يقومون بتنظيم المرور من جهة, وبإرشاد الضائع من جهة أخرى, وبالمساعدة لمن يحتاج إلى مساعدة, وهم بأنفسهم -أيضا- حسب ما بلغنا مستقيمون, يقومون بالنوافل التي يستطيعونها, وبالعبادات التي يستطيعونها, وفيه أيضا من التآلف والتعارف بين أفراد الأمة الذين جاءوا من أنحاء شتى، وما يحصل فيه من الخير الكثير, فنصيحتي لهم: أولا: أن يخلصوا عملهم لله عز وجل, بحيث يريدون التقرب بذلك إلى الله عز وجل. ثانيا: أن ينووا بهذا الاحتساب على الله عز وجل بالإحسان؛ لأن الله تعالى يجزي المحسنين, ويحب المحسنين, ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)، وقال: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته). ثالثا: أوصيهم كذلك أيضا: بغض البصر عن إطلاقه في مشاهدة النساء المتبرجات؛ لأنه -كما تعلمون- في موسم الحج يكون توجد نساء متبرجات بناء على عادتهن في بلادهن, فيغضون بصرهم, وينصحون أولياء هؤلاء النساء إذا كانوا معهن: بأن يلزموا نساءهم بالحجاب الشرعي الذي أهمه تغطية الوجه, وليس الحجاب الشرعي كما تفعله بعض النساء حين تغطي كل شيء منها إلا وجهها وكفيها، هذا ناقص, فإن الأدلة تدل على وجوب ستر الوجه إلا من المحارم والزوج. ولا شك أن الإنسان إذا رأى أعمال هؤلاء الكشافة فإسنه يسر بذلك. فنوصيهم: بألا يتأخروا إذا طلب منهم المشاركة في ذلك, وأن يلاحظوا الإخلاص لله تعالى والرفق بعباد الله والإحسان إليهم.

(104/17)


التثويب في أذان الفجر:
________________________________________
السؤال: التثويب في أذان صلاة الفجر يكون في الأول أم الثاني؟ الشيخ: التثويب! السائل: نعم. الشيخ: يعني: قصدك في الإقامة أو في الأذان؟ السائل: في الأذان. الشيخ: ليس هناك أول ولا ثاني. السائل: الذي قبله يا شيخ .. الشيخ: الذي قبل الفجر؟ السائل: نعم.
________________________________________
الشيخ: هذا ليس أذانا للفجر، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) لم يقل يؤذن بليل ليخبركم بالفجر, والأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) فالأذان الأول الذي يسمى أولا, هو في الحقيقة ليس للفجر, لكنه لمن يريد أن يقوم في الليل, والتثويب الذي هو قول: "الصلاة خير من النوم" إنما يشرع في أذان الفجر الذي هو الأذان بعد طلوع الفجر, وما ورد من الحديث: (إذا أذنت الأول لصلاة الفجر) المراد به: الأذان الذي بعد طلوع الفجر, لكن سمي أولا بالنسبة إلى الإقامة؛ لأن الإقامة تسمى أذانا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)، وكذلك كما جاء في حديث ابن عمر -أظن- أنه سئل عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفجر فقال: (كان يصلي ركعتين بعد أذان الفجر, كأن الأذان بين أذنيه) قال العلماء المراد بالأذان هنا: الإقامة, أي: كأنه يقيم بمعنى: أنه يسرع في سنة الفجر؛ لأن السنة في صلاة الفجر أن تخففها, فالمهم يا أخي! التثويب وهو قول: "الصلاة خير من النوم" إنما يكون في الأذان الذي بعد طلوع الفجر. السائل: والذي يفعل بالحرم! يا شيخ؟ الشيخ: الحرم! ماذا يفعل به؟ السائل: فيه أذانان يا شيخ. الشيخ: أين هو؟ السائل: في الحرم. الشيخ: للفجر؟ السائل: نعم. الشيخ: لا يوجد أذانان للفجر. السائل: يكون قبل الوقت أذان. الشيخ: هذا ليس للفجر إنما لإرجاع القائم وإيقاظ النائم, ويوجد -أيضا- في غير الحرم, حتى هنا في عنيزة يؤذن أحدهم قبل الفجر بساعة والآخر بنصف ساعة حسب الناس, المهم أن ما كان قبل دخول الوقت فليس أذانا للصلاة، خذ هذه قاعدة.

(104/18)


الواجب في التبادل بالعملات أن يكون يدا بيد إلا في الضرورة:
________________________________________
السؤال: تعقيب بالنسبة للسؤال الأول وهو تحويل النقود السودانية, بالنسبة للتحويل تقرأ نشرة يومية أو أسبوعية من قبل الحكومة بسعر الصرف, فيعطي هذا الدافع قيمة هذه النقود ما يعادل عن طريق البنك بالعملة السودانية, هذا يوميا عن طريق السفارة أو البنوك يعطى هذا الشيك, ولكن يتأخر القبض بموجب هذا الشيك, يعني: يعطوك هذا الشيك ما يعادله، وأنت ترسل إما في هذه اللحظة أو حسب ما تريد، الإشكال الثاني: هو تحويل الرعايا عن طريق التجار, هذا فيه سعر عال والسعر الخاص بالنسبة للدولة، يعني: فرق بسيط ليس بكثير ولكنه زهيد, فيصبح على العامل أو الذي يحول هذه الحوالة عند التاجر أن ينتظر إشارة من التاجر في السودان أن يستلم عن طريق أهله هذا المبلغ, ويخبره بأنه استلم هذا المبلغ, والذي معه هنا -مثلا- في عنيزة يعطيه هذا المبلغ, فأصبح هناك فرق تقريبا يوم أو ساعات..
________________________________________
الجواب: الواجب القبض في المجلس وهو ليس حاصل. السائل: هذا هو الإشكال يا شيخ. الشيخ: هو ليس حاصل، أنا أقول: لا بد للإنسان على الأقل أن يتكلم مع أهله هناك ويقول كم سعر الريال السعودي عندكم, ثم يصارح البنك هنا بالسعر الذي قالوا له، ويرسل فورا. السائل: هذا الذي يرسل. الشيخ: هذا للضرورة قد نقول: إنه جائز؛ لأني سمعت أنه لا يمكن إلا هذا, فإذا كان حقيقة لا يمكن إلا هذا فهذا ضرورة ولا بأس به. السائل: صحيح، لكن الإشكال الذي يورد علينا هو عن طريق التجار لهم أسعار مرتفعة ولا بد أن تنتظر؛ لأنهم يرغمون المحول على أساس أنه ينتظر يوم أو ساعات إلى أن يسلموا أهله هناك. الشيخ: هذا لا يجوز.

(104/19)


وجوب العدل بين الأولاد في الهبات والعطايا:
________________________________________
السؤال: أعد لي أبي منزلا تزوجت فيه, وكان في نيته أن يصنع لإخواني الذكور مثلما صنع لي إذا بلغوا سن الزواج, والسؤال: هل يعتبر ذلك المنزل هبة من أبي ينتقل إلى ملكي بحيث إذا مات لا يرث فيه إخواني, أم أنه يعتبر من ملك أبي حيث إذا مات يرث فيه إخواني الذكور والإناث؟ وإذا كان هبة فهل يجب عليه التسوية بيني وبين أخواتي وهن لا يحتجن إلى ذلك, إذ هن مكفيات بمنازل أزواجهن, جزاكم الله خيرا؟
________________________________________
الجواب: الواجب في هذه الحال ألا يعطى الابن البيت ملكا, يعطيه إياه إعارة؛ إذ أن الابن هنا سيقضي حاجته لسكناه ولو إعارة, فيكون إعطاؤه إياه زائدا, فإما أن يعطي الآخرين الذكور مثله والبنات نصفه, وإما أن يقول: يا بني! هذا إعارة عندك حتى تستطيع أن توجد بيتا من عندك. السائل: لا يجوز أن يكون هبة؟ الشيخ: لا يجوز؛ لأن الهبة ليست ضرورة, أليس كذلك؟ يمكن أن ينتفع به وهو لأبيه، ومثله أيضا: السيارة عندنا -مثلا- أحد الأولاد يحتاج إلى سيارة للمدرسة, والآخرون لا يحتاجونها فنقول: اعط ابنك الذي يحتاج السيارة لينتفع بها وملكها لك أنت, حتى إذا حصل موت منك أو منه فتعود إلى التركة.

(104/20)


حكم إخراج نصيب تزويج الأبناء من التركة:
________________________________________
السؤال: لو أن الأب متعود أنه يزوج أبناءه كلهم, ويدفع المهر لهم, فزوجهم جميعا إلا واحد أو اثنين، وتوفي وله تركة, هل يخرج نصيب تزويج هذين.. الجواب: لا. لأن الاثنين الباقين لم يحل زواجهم بعد. السائل: حل. الشيخ: حل في حياته؟ السائل: حل في حياته. الشيخ: لماذا لم يزوجهم؟ السائل: هم كانوا ينتظرون أي ...
________________________________________
الجواب: إذا التفريط منهم هم, فإذا توفي أبوهم فإنه لا يخرج من تركته لهم شيء. السائل: إذا رضوا الإخوان؟ الشيخ: إذا رضوا لا بأس, وهذا حسن إن رضوا.

(104/21)


من ساهم بشيء من المال في مال أبيه فلا يضم إلى التركة:
________________________________________
السؤال: إذا كان المالك ملك الأرض وأنا الذي تكلفت بناء البيت، فهل يرجع للتركة مكان البيت أم كله؟
________________________________________
الجواب: لا. يرجع لك ما أنفقت وللورثة البقية. بارك الله فيكم, وتقبل الله منا ومنكم.

(104/22)


فتاوى: لقاءات الباب المفتوح
لفضيلة الشيخ العلامة:محمد بن صالح العثيمين
- طيب الله ثراه -
لقاء الباب المفتوح [105]
________________________________________
في ظلال تفسير سورتي الكوثر والكافرون كان هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ، حيث تناول آيات السورتين واستخرج منهما كثيرا من الأحكام والمعاني والدلالات، وكان من أهمها: ما هو الكوثر؟ وموضوع التكرار في القرآن وفوائده.

(105/1)


تفسير سورة الكوثر:
________________________________________
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الخامس بعد المائة من لقاء الباب المفتوح الذي يتم في كل خميس من كل أسبوع, وهذا الخميس هو الخامس والعشرون من شهر جمادى الأولى عام (1416هـ). ......

(105/2)


تفسير قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر):
________________________________________
نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على ما تيسر من سورة الكوثر: إنا أعطيناك الكوثر* فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر [الكوثر:1-3] هذه السورة قيل: إنها مكية، وقيل: إنها مدنية, والمكي: هو الذي نزل قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة , سواء نزل في مكة أو في المدينة أو في الطريق في السفر، يعني كل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وما نزل قبلها فهو مكي, هذا هو القول الراجح من أقوال العلماء. يقول الله عز وجل مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم: إنا أعطيناك الكوثر والكوثر في اللغة العربية: هو الخير الكثير, وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله تعالى خيرا كثيرا في الدنيا والآخرة, فمن ذلك: أنه النهر العظيم الذي في الجنة والذي يصب منه ميزابان على حوضه المورود صلى الله عليه وسلم, ماؤها أشد بياضا من اللبن, وأحلى مذاقا من العسل, وأطيب رائحة من المسك, وهذا الحوض في عرصات القيامة يرده المؤمنون من أمة النبي صلى الله عليه وسلم, وآنيته كنجوم السماء كثرة وحسنا, فمن كان واردا على شريعته في الدنيا كان واردا على حوضه في الآخرة, ومن لم يكن واردا على شريعته فإنه محروم منه في الآخرة. نسأل الله أن يوردنا وإياكم حوضه, ويسقينا منه. ومن الخير الكثير التي أعطيها صلى الله عليه وسلم في الدنيا: ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل, وأعطيت الشفاعة, وأحلت لي المغانم, وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) هذا من الخير الكثير؛ لأن بعثه إلى الناس عامة يستلزم أن يكون أكثر الأنبياء أتباعا وهو كذلك, فهو أكثرهم أتباعا عليه الصلاة والسلام. ومن المعلوم أن الدال على الخير كفاعل الخير, والذي دل هذه الأمة العظيمة التي فاقت الأمم كثرة هو محمد صلى الله عليه وسلم, وعلى هذا فيكون للرسول صلى الله عليه وسلم من أجر كل واحد من أمته نصيب من الأجر, ومن يحصي الأمة إلا الله عز وجل. ومن الخير الذي أعطيه في الآخرة المقام المحمود, ومنه الشفاعة العظمى, فإن الناس في يوم القيامة يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون, فيطلبون الشفاعة فيأتون إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى حتى تصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم ويشفع, ويقضي الله تعالى بين العباد بشفاعته, وهذا مقام يحمده عليه الأولون والآخرون, داخل في قوله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الإسراء:79]. إذا.. الكوثر: الخير الكثير، ومنه النهر الذي في الجنة, فالنهر الذي في الجنة هو الكوثر لا شك ويسمى كوثرا لكن ليس هو فقط الذي أعطاه الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من الخير.

(105/3)


تفسير قوله تعالى: (فصل لربك وانحر):
________________________________________
ولما ذكر منته عليه بهذا الخير الكثير قال: فصل لربك وانحر [الكوثر:2] شكرا لله على هذه النعمة العظيمة, أن تصلي وتنحر لله, والمراد بالصلاة هنا جميع الصلوات, وأول ما يدخل فيها الصلاة المقرونة في النحر وهي صلاة عيد الأضحى, لكن الآية شاملة عامة: (( فصل لربك )) الصلوات المفروضة والنوافل وصلاة العيد والجمعة, وانحر أي: تقرب إليه بالنحر, والنحر يختص بالإبل, والذبح للبقر والغنم, لكنه ذكر النحر؛ لأن الإبل أنفع من غيرها بالنسبة للمساكين؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في حجه أهدى مائة بعير, ونحر منها ثلاثا وستين بيده, وأعطى علي بن أبي طالب الباقي فنحرها, وتصدق بجميع أجزائها إلا بضعة واحدة من كل ناقة فأخذها وجعلت في قدر فطبخها, فأكل من لحمها وشرب من مرقها, وأمر بالصدقة حتى بجلودها عليه الصلاة والسلام, والأمر له أمر له وللأمة, فعلينا أن نخلص الصلاة لله وأن نخلص النحر لله, كما أمر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم.

(105/4)


تفسير قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر):
________________________________________
ثم قال تعالى: إن شانئك هو الأبتر [الكوثر:3] هذا في مقابل إعطاء الكوثر قال: إن شانئك هو الأبتر (شانئك) أي: مبغضك، والشنئان البغض, ومنه قوله تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا [المائدة:2] أي: لا يحملنكم بغضهم أن تعتدوا, وقال: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا أي: لا يحملنكم بغضهم على ترك العدل فقال سبحانه وتعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة:8], فشانئك أي: مبغضك. هو الأبتر الأبتر اسم تفضيل, من بتر يعني قطع, أي: هو الأقطع المنقطع من كل خير, وذلك أن كفار قريش يقولون: محمد أبتر, لا خير فيه ولا بركة فيه، ولا في اتباعه, أبتر لما مات ابنه القاسم رضي الله عنه قالوا: محمد أبتر, لا يولد له, وإذا ولد له فهو مقطوع النسل, فبين الله عز وجل أن الأبتر هو مبغض الرسول عليه الصلاة والسلام, فهو الأبتر المقطوع عن كل خير, الذي ليس فيه بركة وحياته ندامة عليه, وإذا كان هذا في مبغضه فهو أيضا في مبغض شرعه, فمن أبغض شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، أو أبغض شعيرة من شعائر الإسلام، أو أبغض أي طاعة مما يتعبد به الناس في دين الإسلام فإنه كافر خارج عن الدين, لقول الله تعالى: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم [محمد:9] وما حبطوا في العمل إلا بالكفر, فمن كره فرض الصلوات فهو كافر ولو زكى, ومن كره فرض الزكاة فهو كافر ولو صلى, لكن من استثقلها مع عدم الكراهة فهذا فيه خصلة من خصال النفاق لكنه لا يكفر, وفرق بين من استثقل الشيء ومن كره الشيء. إذا: هذه الآية تضمنت بيانا لنعمة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بإعطائه الخير الكثير, ثم الأمر بالإخلاص لله عز وجل في الصلوات والنحر وكذلك في سائر العبادات, ثم بيان أن من أبغض الرسول عليه الصلاة والسلام أو أبغض شيئا من شريعته فإنه هو الأقطع الذي لا خير فيه ولا بركة فيه.

(105/5)


تفسير سورة الكافرون:
________________________________________
ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين [الكافرون:1-6] هذه السورة هي إحدى سورتي الإخلاص, لأن سورتي الإخلاص: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في سنة الفجر, وفي سنة المغرب, وفي ركعتي الطواف, لما تضمناه من الإخلاص لله عز وجل, والثناء عليه بالصفات الكاملة, في سورة (قل هو الله أحد).......

(105/6)


تفسير قوله تعالى: (قل يا آيها الكافرون):
________________________________________
يقول الله آمرا نبيه: قل يا أيها الكافرون [الكافرون:1] يناديهم ويعلن لهم بالنداء, (يا أيها الكافرون) وهذا يشمل كل كافر سواء كان من المشركين أو من اليهود أو من النصارى أو من الشيوعيين أو من غيرهم, كل كافر يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضرا لتتبرأ منه ومن عبادته.

(105/7)


تفسير قوله تعالى: (لا أعبد ما تعبدون...):
________________________________________
قال تعالى: لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد [الكافرون:1-5] كرر في الجمل على مرتين مرتين, لا أعبد ما تعبدون أي: لا أعبد الذي تعبدونهم, وهم الأصنام, ولا أنتم عابدون ما أعبد وهو الله, وهنا (ما) في قوله: ما أعبد بمعنى: من؛ لأن الاسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ من لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد أي: أنا لا أعبد أصنامكم وأنتم لا تعبدون الله ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد الآن يظن الظان أن هذه مكررة للتوكيد, وليس كذلك؛ لأن الصيغة مختلفة لا أعبد ما تعبدون هذا فعل أو اسم؟ فعل, ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد عابد وعابدون اسم, وفي التوكيد لابد أن تكون الجملة الثانية كالأولى, إذا القول بأنه كرر للتوكيد ضعيف, إذا لماذا هذا التكرار؟ قال بعض العلماء: لا أعبد ما تعبدون الآن, ولا أنا عابد ما عبدتم في المستقبل, هذا قول, فصار: لا أعبد ما تعبدون يعني في الحال ولا أنا عابد ما عبدتم يعني: في المستقبل، لأن فعل المضارع يدل على الحال, واسم الفاعل يدل على الاستقبال, بدليل أنه عمل, واسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال. لكن أورد على هذا القول إيراد, كيف قال: ولا أنتم عابدون ما أعبد مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟ وعلى هذا فيكون في هذا القول نوع من الضعف, أجابوا عن ذلك بأن قوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد يخاطب المشركين الذين علم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا, فيكون الخطاب ليس عاما وهذا مما يضعف القول بعض الشيء, فعندنا الآن قولان: الأول: أنها توكيد, والثاني: أنها في المستقبل. القول الثالث: لا أعبد ما تعبدون أي: لا أعبد الأصنام التي تعبدونها, ولا أنتم عابدون ما أعبد أي: لا تعبدون الله, ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد أي: في العبادة, يعني: ليست عبادتي كعبادتكم، ولا عبادتكم كعبادتي, فيكون هذا نفي للفعل لا للمفعول له, أي: ليس نفي للمعبود ولكنه نفي للعبادة, أي: لا أعبد كعبادتكم ولا تعبدون أنتم كعبادتي؛ لأن عبادتي خالصة لله, وعبادتكم عبادة الشرك. القول الرابع: اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, أن قوله: لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد هذا الفعل, فوافق القول الأول في هذه الجملة ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد أي: في القبول, بمعنى: ولن أقبل غير عبادتي, ولن أقبل عبادتكم وأنتم كذلك لن تقبلوا, فتكون الجملة الأولى عائدة على الفعل, والجملة الثانية عائدة على القبول والرضا, أي: لا أعبده ولا أرضى به, وأنتم كذلك لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته, وهذا القول إذا تأملته لا يرد عليه شيء من الأقوال السابقة, فيكون قولا حسنا جيدا. ومن هنا نأخذ: أن القرآن الكريم ليس فيه شيء مكرر إلا وفيه فائدة, لأننا لو قلنا: إن في القرآن شيئا مكررا بدون فائدة لكان في القرآن ما هو لغو وهو منزه عن ذلك, وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن: فبأي آلاء ربكما تكذبان وفي سورة المرسلات: ويل يومئذ للمكذبين قد يقال: ليس لها فائدة, بل هو تكرار لفائدة عظيمة, وهي: أن كل آية ما بين هذه الآية المكررة فإنها تشتمل على نعم عظيمة, وآلاء جسيمة, ثم فيها من الفائدة اللفظية: تنبيه المخاطب, بحيث يكرر عليه: فبأي آلاء ربكما تكذبان [الرحمن:13] ويكرر عليه: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات:15].

(105/8)


تفسير قوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين):
________________________________________
ثم قال عز وجل: لكم دينكم ولي دين [الكافرون:5] لكم دينكم الذي أنتم عليه والذين تدينون به, ولي دين, فأنا بريء من دينكم وأنتم بريئون من ديني, قال بعض أهل العلم: وهذه السورة نزلت قبل فرض الجهاد, لأنه بعد الجهاد لا يقر الكافر على دينه إلا بالجزية إن كان من أهل الكتاب وعلى القول الراجح: أو من غيرهم. ولكن الصحيح أنها لا تنافي الأمر بالجهاد, حتى نقول: إنها منسوخة, بل هي باقية ويجب أن نتبرأ من دين اليهود والنصارى والمشركين في كل وقت وحين, ولهذا نقر اليهود والنصارى على دينهم بالجزية ونحن نعبد الله وهم يعبدون ما يعبدون. على كل حال: هذه السورة فيها البراءة والتخلي من عبادة غير الله عز وجل, سواء في المعبود أو في نوع الفعل, وفيه الإخلاص لله عز وجل, وألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. وإلى هنا ينتهي ما تيسر من الكلام على هذه السورة وسورة الكوثر.

(105/9)


سنن يوم الجمعة، وحكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة:
________________________________________
السؤال: أرجو من فضيلتكم أن تذكروا لنا السنن التي ينبغي على المسلم اتباعها في يوم الجمعة, وما حكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؟
________________________________________
الجواب: قراءة سورة الكهف سنة؛ لأن فيها أجرا عظيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم, وأما ما يفعل في يوم الجمعة فهو: أولا: الاغتسال, والاغتسال للجمعة واجب, إذا تركه الإنسان بدون عذر كان آثما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أي: على كل بالغ, وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) ولما دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه وأمير المؤمنين عمر يخطب، لامه على تأخره, فقال: (يا أمير المؤمنين! والله ما زدت على أن توضأت ثم أتيت, فقال له: والوضوء أيضا؟ -أي: وتقتصر على الوضوء أيضا- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فأنت ترى أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه عاتب عثمان بن عفان رضي الله عنه مع مقامه في الإسلام, وكما نعلم جميعا أنه الخليفة الثالث في هذه الأمة, ومع ذلك عاتبه حين اقتصر على الوضوء, ولكنه واجب تصح الصلاة بدونه؛ لأنه ليس واجبا عن حدث كغسل الجنابة لكنه واجب يأثم الإنسان بتركه إلا لعذر, كما لو كان هناك برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء أو كان مريضا يتضرر بالغسل أو ما أشبه ذلك. ومن ذلك أيضا: السواك, وهذا السواك ليس السواك المعتاد بل هو سواك خاص, تنظف به الأسنان أكثر ويدلكها أكثر. ومنها: الطيب, أن يتطيب الإنسان في رأسه ولحيته وثوبه. ومنها: التبكير إليها, أن يبكر حين تطلع الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على ذلك فقال: (من اغتسل -أي: يوم الجمعة- ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة, ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة, ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن, ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة, ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) فالذي ينبغي للمسلم أن يغتنم الفرصة, فهذه هي فرصة العمر, أي فائدة أن تبقى تقطع الوقت -كما يقولون- في البيت أو السوق, وتترك هذا الأجر العظيم؟ اذهب إلى المسجد يحصل لك ثواب هذا القربان: بدنة، أو بقرة، أو كبش أقرن أو دجاجة أو بيضة بعد أن تغتسل, ثم إذا ذهبت إلى المسجد سيحصل لك خير كثير, تشاغل بالصلاة أو بالقراءة, إذا مللت من الصلاة قرأت, وإذا مللت من القراءة صليت, ولا بأس أن تتحدث إلى أحد إخوانك بشيء نافع, كالمباحثة في العلم أو ما أشبه ذلك, لكن الحرمان! والشيطان -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه- يغلب على كثير من الناس, تجده في البيت ليس معه شغل فتراه في البيت من أجل أن يقضي الوقت من أجل يأتي وقت الصلاة، وهذا من الحرمان الكثير. كذلك أيضا مما يستن في يوم الجمعة قبل الصلاة: أن يلبس الإنسان أحسن ثيابه التي عنده سواء كان جديدا أم غسيلا؛ لأن ذلك من السنة, وينبغي أن يتحرى الدعاء إذا دخل الإمام يوم الجمعة بما شاء ولا سيما في أثناء الصلاة؛ لأن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا وهو قائم يصلي إلا أعطاه إياه. ومنها: أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, أكثرها, صل دائما، الإنسان لا يمل ولا يتعب, صل دائما: اللهم صل على محمد.. اللهم صل على محمد.. وأنت ماش وأنت جالس وفي المسجد وفي البيت وفي السوق... والخير كثير, وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أشياء كثيرة ترجع إليها إن شاء الله لتكتمل الفائدة.

(105/10)


حكم الصلاة عن الميت:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! سمعت أن فضيلتكم يجيز الصلاة للميت, أرجو التوضيح؟
________________________________________
الجواب: نعم, ما سمعت عني فهو صحيح, أن الإنسان لو صلى ركعتين لوالده أو أمه أو ما أشبه ذلك فلا بأس, ولكن ليس معنى هذا: أننا نطلب من الإنسان أن يفعله, نحن نقول هذا عمل مرجوح, والأفضل أن تدعو لهما, الدعاء لهما أفضل من الصدقة لهما, وأفضل من الحج لهما, وأفضل من الأضحية لهما, وأفضل من كل عمل؛ لأن هذا هو الذي دلنا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم, ولا أظن أن أحدا يشك أن أعظم إنسان يدل على الخير هو الرسول صلى الله عليه وسلم, لا يمكن أن يحجب عنا الخير إطلاقا, وقد قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية -أي: يعمل لنفسه عملا يكون صدقة جارية له خلال حياته- أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له) ولا يعمل له؟ يدعو له، مع أن سياق الحديث في العمل, فلو كان العمل للميت أمرا مشروعا لقال: أو ولد صالح يعمل له, أو يصلي أو يزكي أو ما أشبه ذلك.. لكن المشكلة أن العوام يقولون: لا, ويصرون على أن يتصدق أحدهم أو يعتمر لوالده أو يحج وما أشبه ذلك، ولو فتشت ما وجدته يدعو إلا قليلا لوالده, وهذا لا شك أنه اختيار المرجوح على الراجح, نقول: يا أخي! اذهب واعتمر لنفسك وادع لأبيك في الطواف وفي السعي وفي الصلاة, أما أن تجعل عباداتك التي أنت ستحتاج إليها يوما من الدهر تجعلها لهؤلاء الأموات الذين انقطع عملهم وتترك ما أرشدك إليه الرسول عليه الصلاة والسلام؟ هذا خطأ.
لقد أسمعت لو ناديت حيا *** ولكن لا حياة لمن تنادي
إلا أن الناس الآن -الحمد لله- يسرنا كثيرا أنهم بدءوا ينتبهون, كنا نعهد سابقا أنه لا أضحية إلا لميت, حتى لو قعدت أضحي لنفسي قالوا: باسم الله عليك! أنت ميت؟ الأضحية للميت, لا يعرفون أن الأضحية للحي, لكن الآن -الحمد لله- انتبهوا وصاروا يعرفون أن الأضاحي للأحياء, والأموات يدخلون تبعا إذا قلت: اللهم إن هذه عني وعن أهل بيتي وفيهم ميت يدخل تبعا, أو لهم وصايا هم أوصوا بها نعم يضحى لهم بها.

(105/11)


خطورة تهاون من يضبط الساعة للعمل ولا يضبطها لصلاة الفجر:
________________________________________
السؤال: قول الله تعالى في سورة الماعون: الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون:5] هل يدخل في هذا الذين يحسنون ضبط الساعة للعمل ولا يضبطونها لصلاة الفجر, فما توجيهكم لهم؟
________________________________________
الجواب: الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون:5] سبق لنا أنهم يفرطون في واجباتهم, سواء الفجر أو العصر كما يغلب على بعض الناس نسأل الله العافية, في صلاة الفجر لا يقومون إلا إذا جاء وقت العمل, وفي صلاة العصر حيث أنهم يأتون يتغدون ويحتاجون للنوم, لا يصلون إلا عند غروب الشمس, هؤلاء ممن ذكر الله: الذين هم عن صلاتهم ساهون سواء ضبطوا الساعة للعمل أو لم يضبطوها, المهم أنهم يضيعون الصلاة.

(105/12)


حكم قول المستفتي: ما حكم الشرع في هذه المسألة وإلقائه السلام عند السؤال:
________________________________________
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هناك بعض السائلين إذا أراد أن يسأل أحد المشايخ عن سؤال, قال: ما حكم الشرع في هذه المسألة, أو ما قول الشرع في هذه المسألة, أفتونا جزاكم الله خير؟
________________________________________
الجواب: القول بإسناد كلمة: ما قول الشرع، أو ما حكم الشرع إلى شخص يخطئ ويصيب، هذا خطأ؛ لأن الشرع ليس مقيدا بشخص إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم, هو الذي لا يقر على خطأ في دين الله, أما غير الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تقول: ما حكم الشرع وهو بشر يخطئ ويصيب, لكن قل: ما حكم الشرع في نظرك؟ أو ما رأيك في كذا؟ هذا هو الأسلم والأولى, افرض أنك قلت لهذا الرجل: ما حكم الشرع؟ فقال: حكم الشرع في كذا أنه حرام وليس بحرام, صار كذبا على الشرع, لهذا نرى: أن الأحسن في التعبير أن يقال: ما حكم الشرع في نظرك؟ أو ما ترى في كذا؟ وأما تصدير السؤال بالسلام وهو جالس مع المسئول فهذا ليس من السنة, يعني: بعض الناس الآن تجده في المجلس ثم يقول: السلام عليكم ورحمة الله، ما حكم كذا وكذا؟ هذا ليس من السنة؛ لأن الذين كانوا يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم في مكانهم لا يسلمون, إنما يسلم الذي يقدم كما في حديث المسيء في صلاته الذي جاء وصلى في ناحية المسجد صلاة لا يطمئن فيها, ثم جاء فسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام وقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل) فهذا نعم يسلم, أما إنسان جالس في الحلقة ثم إذا أراد أن يورد السؤال قال: السلام عليكم ورحمة الله، فهذا ليس من السنة, ومعلوم أننا نحن متبعون بمعنى: أننا نتمشى في عباداتنا على ما شرع لنا لا نتجاوز ولا نقصر، لكني أقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

(105/13)


السنة للإمام في الإتيان إلى المسجد:
________________________________________
السائل: ما السنة للإمام هل هو التبكير، أم الإتيان عند الإقامة؟ الشيخ: يعني حضوره إلى المسجد؟ السائل: نعم.
________________________________________
الشيخ: السنة في حق الإمام أن يبقى في بيته يتعبد النافلة القبلية كصلاة الفجر والظهر, أو يفعل ما شاء, ثم إذا جاء وقت الإقامة حضر, هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل, لكن لو جاء من قبل فلا بأس, يعني لا يقال: هذا بدعة, قد يرى الإمام -مثلا- من المصلحة أنه يأتي متقدما من أجل أن يشجع الناس على التقدم, فهذا قد يكون خيرا, أما إذا لم يكن هناك مصلحة راجحة فالأفضل أن يبقى في بيته حتى يأتي وقت الإقامة ولا سيما في يوم الجمعة, وبعض الإخوة في يوم الجمعة يأتي مبكرا وهو إمام وخطيب, يقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على التقدم يوم الجمعة, فيقال: حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التقدم يوم الجمعة لكن شرع لأمته ألا يأتي الإمام إلا إذا جاء وقت الصلاة, فكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي للجمعة إلا حين يأتي وقت الصلاة؛ فلا يسن تقدم الإمام يوم الجمعة بل يبقى في بيته إلى أن يحين وقت الصلاة, ويكون مثابا على بقائه في بيته, كما يثاب المتقدم من المأمومين.

(105/14)


حكم استلام راتب المسجد مع غياب الإمام بعض الأيام:
________________________________________
السائل: سمعنا عنك طريقة تؤديها عند استلام راتب المسجد, وهي: أنك تخصم راتب الوقت الذي تغيب عنه ولا تؤم المصلين فيه, وعلى ذلك قام بعض الأئمة بوضع جدول يبين فيه جميع أوقات الصلوات اليومية خلال شهر كامل, وإذا تغيب عن هذا الوقت وضع أمامه إشارة أنه غائب عنه, وعند استلامه للراتب إما أن يستسمح من الأوقاف بأخذ الرواتب عن الأوقات التي لم يصليها أو يخصمها هو بنفسه, ويتبرع بها ويلزم نفسه بهذه الطريقة, فهل فعلهم هذا صحيح؟ وهل ما نقل عنكم صحيح أيضا؟ جزاكم الله خيرا
________________________________________
الشيخ: أما ما نقل عنا فليس بصحيح, نتغيب الوقت والوقتين, واليوم واليومين في أعمال تقتضيها الحال, ولا نخصم شيئا, والإمام إمام, واليوم واليومان في الشهر لا يضر, لكن بعض الناس -والعياذ بالله- يأخذ الإمامة باسمه ويكلها إلى شخص آخر في كل الصلوات, فيأخذ مثلا راتب قدره (1000) ريال, ويعطي هذا الذي يصلي (500) ريال, من الذي حل له الـ(500) الباقية؟ ولا سيما أنه من بيت المال لا يمكن أن يبذل إلا في مقابل منفعة وعمل, فما الذي أحل لك أن تأخذ (1000) ريال وتعطي هذا النائب عنك (500) ريال؟!! هذا حرام بلا شك, ويأكله آكله سحتا, وشر من ذلك أن يرسم هذا الإنسان في المسجد مع أن أنظمة الدولة لا تجيزه لكنه يتستر, فيأخذ الوظيفة باسمه ويعطيها لهذا الذي رسمه هو, هذا يتضمن عدوان على الدولة وعلى نظامها, ويتضمن أكلا للباطل فيما زاد عما يعطيه هذا الذي أقامه, بعض الناس مثلا يأخذ ممن لا تجيز الدولة أن يقوموا بهذه الوظيفة ويتفق معه على أن يكون هو الذي أمام الدولة -أي: المواطن- ويكون المنفذ للعمل فعلا هو هذا الذي لا تجيزه الدولة أن يقوم به في هذا المنصب، ولا يبالي ويأخذ الزيادة, هذا حرام أيضا, وفيه كما قلت محذوران: المحذور الأول: التستر الذي هو خديعة للدولة. المحذور الثاني: أكل المال بالباطل. حتى لو فرض أنه قال: أنا أعطي الراتب كله هذا الرجل الذي قام عني، لا يجوز, ما دامت الأنظمة لا تجيز أن يقوم في هذا المنصب؛ لأن كل واحد من أبناء المملكة العربية السعودية له بيعة في عنقه لولي الأمر فيها, تستلزم بمقتضى الآيات الكريمة: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء:59] تستلزم أن يتمشى على هذا النظام. السائل: كيف بالنسبة للفراشة في المسجد؟ الفراشة -والله- قالوا لنا أي: الجهة المسئولة- المقصود أن ينظف المسجد, والفراشة لا يختلف فيها القصد, المقصود أن المسجد ينظف ويصان, وربما تكون صيانة الأجنبي في المسجد وفراشته له أحسن من الوطني, الوطني كسول ملول, لكن الأجانب في الغالب أنهم أنفع, وأنا قد سألت بعض المسئولين عن هذه المسألة وقالوا: نحن لا نريد إلا مسجدا مصانا, لكن من الورع أن الإنسان لا يأخذ شيئا زائدا عما قام به هذا الشخص أو يعطيه إياه. أما الذي فعله لنفسه هذا شيء لا نقول: فيه شيء! ربما أنه يحب الورع. السائل: طيب قلتم: يوزع الأوراق على مجموعة من الشباب .. الشيخ: لا غلط، هذا من التنطع. السائل: يعطيهم الأوراق يقول: إن أردتم .. الشيخ: لا أبدا ولا يعطيهم الأوراق، يفعله بنفسه ولا يلزم الناس به، والناس إذا أعطوا هذه الأوراق على جهة ورع وعبادة ربما يأخذون بها، وهذا من التنطع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون) لكن الورع يختلف الناس فيه, قد يتورع إنسان ويجد في نفسه حرجا من شيء, وغيره لا يرى هذا, ويذكر أن الإمام أحمد رحمه الله: جاءه سائل يسأل امرأة أو رجل، وأظنها امرأة فقالت له: يا أبا عبد الله إن السلطان يمر ونحن نغزل على ضوء القمر, وإنه بمروره يزداد عملنا, لأنه تكون الأنوار أقوى وأوسع, فهل لنا الحق في هذا؟ فقال: نعم, أنتم لم تجلبوا الأنوار هم الذي مروا في السوق ونفعكم الله بها. هذا معنى كلامه, هو تعجب من هذا السؤال, فلما انصرفت قال للذي حوله: من هذه المرأة؟ قالوا: هذه فلانة أخت إبراهيم بن أدهم , فقال: ادعوها, فدعوها فجاءت, فقال: ذلك لا يحل لك، كيف؟ قال: من بيتكم خرج الورع. أي: أنتم أهل الورع, والناس يختلفون.

(105/15)


فتاوى: لقاءات الباب المفتوح
لفضيلة الشيخ العلامة:محمد بن صالح العثيمين
- طيب الله ثراه -
لقاء الباب المفتوح [106]
________________________________________
تحدث الشيخ رحمه الله عن سورة النصر وبين أن المراد بالنصر هو تسليط الإنسان على عدوه، وأن المراد بالفتح هو فتح مكة الذي كان في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، وذكر الشيخ أن في هذه السورة إخبارا للنبي عليه الصلاة والسلام بانتهاء مهمته وأن أجله قد قرب. كما تحدث الشيخ عن سورة المسد، فقسم أعمام النبي عليه الصلاة والسلام إلى ثلاثة أقسام، وبين أصنافهم من حيث الإيمان والكفر. وفي نهاية لقائه أجاب عن أسئلة الحاضرين.

(106/1)


تفسير سورة النصر:
________________________________________
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء السادس بعد المائة من اللقاءات المعبر عنها بـ(لقاء الباب المفتوح) التي يتم بها اللقاء كل خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثاني من شهر جمادى الثانية عام (1416هـ) نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزق الجميع علما نافعا وعملا صالحا. في هذا اللقاء سنتكلم عن سورتين من كتاب الله عز وجل: أولاهما سورة النصر, يقول الله تبارك وتعالى: إذا جاء نصر الله والفتح [النصر:1] * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا [النصر:2] * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر:3] الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لا شك فيه.......

(106/2)


تفسير قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح...):
________________________________________
يقول الله عز وجل: إذا جاء نصر الله والفتح [النصر:1] النصر: هو تسليط الإنسان على عدوه, بحيث يتمكن منه ويخذله ويكبته, وهو -أعني النصر-: أعظم سرور يحصل للعبد في أعماله؛ لأن المنتصر يجد نشوة عظيمة وفرحا وطربا, لكنه إذا كان بحق فهو خير, وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) أي: أن عدوه مرعوب منه إذا كان بينه وبينهم مسافة شهر, والرعب: أشد شيء يفتك بالعدو؛ لأن الذي حصل في قلبه الرعب لا يمكن أن يثبت أبدا, بل سيطير طيران الريح, فقوله: إذا جاء نصر الله [النصر:1] أي: نصر الله إياك على عدوك, والفتح [النصر:1] معطوف على النصر, والفتح به نصر لا شك, لكنه عطفه على النصر تنويها بشأنه، وهو من باب عطف الخاص بالعام, كقوله تعالى: تنزل الملائكة والروح فيها [القدر:4] أي: في ليلة القدر, فالملائكة هم الملائكة والروح جبريل, وخصه بذكره لشرفه, وفي قوله: والفتح [النصر:1] للعهد الذهني, أي: الفتح المعهود المعروف في أذهانكم, وهو فتح مكة . وكان فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان, وسببه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشا في غزوة الحديبية الصلح المشهور نقضوا العهد, فغزاهم النبي عليه الصلاة والسلام, وخرج إليهم مختفيا وقال: (اللهم عم أخبارنا عنهم) فلم يفاجئهم إلا وهو محيط بهم عليه الصلاة والسلام, ودخل مكة في العشرين من شهر رمضان عام (8 هـ) منصورا مظفرا مؤيدا, حتى إنه في النهاية اجتمع إليه كفار قريش حول الكعبة فوقف على الباب يقول: (يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟) وهو الذي كان قبل ثماني سنوات هاربا منهم, وهو الآن في قبضته وتحت تصرفه, قال: (ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم, قال: إني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم [يوسف:92]) ثم من عليهم عليه الصلاة والسلام بالعفو, فعفى عنهم. هذا الفتح سماه الله تعالى فتحا مبينا، فقال: إنا فتحنا لك فتحا مبينا [الفتح:1] أي: بينا عظيما واضحا, ولما حصل عرف العرب بل عرف الناس جميعا أن العاقبة لمحمد صلى الله عليه وسلم, وأن دور قريش وأتباعها قد انقضى, فصار الناس يدخلون في دين الله أفواجا -أي: جماعات- بعدما كانوا يدخلون فيه أفرادا ولا يدخل فيه الإنسان في بعض الأحيان إلا مختفيا, صاروا يدخلون أفواجا في دين الله, وصارت النفوذ ترد على النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة من كل جانب, حتى سمي العام التاسع عام الوفود, فجعل الناس يدخلون في دين الله أفواجا.

(106/3)


تفسير قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا):
________________________________________
يقول الله عز وجل: إذا رأيت هذه العلامة: فسبح بحمد ربك واستغفره [النصر:3] كان متوقع أن يكون الجواب: فاشكر الله على هذه النعمة, واحمد الله عليها, نصر وفتح, ما جزاؤه من العبد؟ الشكر, هذا هو المتوقع, لكن صار المتوقع على خلاف ما نتوقع, قال: فسبح بحمد ربك واستغفره [النصر:3] وهذا نظير قوله تعالى: إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا * فاصبر لحكم ربك [الإنسان:23-24] كان المتوقع إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا أن يقال: فاشكر ربك على هذا التنزيل, وقم بحقه وما أشبه ذلك, لكن قال: فاصبر لحكم ربك إيذانا بأنه سوف ينال أذى بواسطة إبلاغ هذا القرآن ونشره بين الأمة, فسبح بحمد ربك واستغفره فكان الجواب يبدو متناكرا مع الشرط, لكن عندما تتأمل تعرف الحكمة, المعنى: أنه إذا جاء نصر الله والفتح, فقد قرب أجلك فما بقي عليك إلا التسبيح والحمد: فسبح بحمد ربك واستغفره أي: سبحه تسبيحا مقرونا بالحمد, والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله, والحمد: هو الثناء عليه بالكمال مع المحبة والتعظيم, اجمع بين التنزيه وبين الحمد, فسبح بحمد ربك واستغفره أي: اسأله المغفرة, فأمره الله تعالى بأمرين: الأمر الأول: التسبيح المقرون بالحمد. الأمر الثاني: الاستغفار, وهو: طلب المغفرة, والمغفرة: ستر الله تعالى على عبده ذنوبه مع محوها والتجاوز عنها, وهذا غاية ما يريد العبد؛ لأن العبد كثير الذنب, يحتاج إلى مغفرة, إن لم يتغمده الله برحمته هلك, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله, قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) اللهم تغمدنا برحمتك, لا أحد يدخل بعمله الجنة أبدا؛ لأن عملك هذا لو أردت أن تجعله في مقابل نعمة من النعم -نعمة واحدة- لأحاطت به النعم, فكيف يكون عوضا تدخل به الجنة؟ ولهذا يقول بعض العارفين في نظم له:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة *** علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله *** وإن طالت الأيام واتصل العمر
قال تعالى: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر:3] أي: لم يزل عز وجل توابا على عباده, فإذا استغفرته تاب عليك, هذا هو معنى السورة, لكن السورة لها مغزى عظيم لا يتفطن له إلا الأذكياء, ولهذا لما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الناس انتقدوه في كونه يدني عبد الله بن عباس مع صغر سنه ولا يدني أمثاله من شباب المسلمين, و عمر رضي الله عنه من أعدل الخلفاء الراشدين, أراد أن يبين للناس أنه لم يحاب ابن عباس في شيء, فجمع كبار المهاجرين والأنصار في يوم من الأيام ومعهم عبد الله بن عباس وقال: ما تقولون في هذه السورة: (إذا جاء نصر الله والفتح)؟ ففسروها بحسب ما يظهر فقط, فقال: ما تقول يا بن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين! هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم المعنى كأن الله يقول له: إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا [النصر:1-2] فقد انتهت مهمتك, ولن يبقى عليك إلا الرحيل, وأنت ما خلقت للدنيا لتتنعم فيها وتبقى فيها طويلا, خلقت لمهمة انتهت, فهو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم. فتبين من ذلك فضل ابن عباس وتميزه، وأن عنده من الذكاء والمعرفة بمراد الله عز وجل ما افتقده كثير من الناس. لما نزلت هذه السورة جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم -الذي هو أشد الناس عبادة لله وأتقاهم لله- جعل يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, اللهم اغفر لي) فنقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, اللهم اغفر لنا ذنوبنا, وإسرافنا في أمرنا, وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

(106/4)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية