صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتاوى يسألونك
المؤلف : حسام الدين عفانة
عدد الأجزاء : 10 و ينقص هنا الجزء 6
مصدر الكتاب : موقع الشيخ على الإنترنت
www.yasaloonak.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بفهرسة و تنسيق الكتاب أخوكم أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه- لملتقى أهل الحديث

وأما ما يتعلق بالولد الذي هو ثمرة الزنا فقد قرر أهل العلم أن الولد للفراش أي أن الولد ينسب لزوج المرأة الزانية ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت ( كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال ابن أخي قد عهد إلي فيه فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا - أي اختصما - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي كان قد عهد إلي فيه فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو لك يا عبد بن زمعة ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم قال لسودة بنت زمعة: زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله ) رواه البخاري ومسلم.
قال الإمام النووي:[ قوله - صلى الله عليه وسلم -:( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) قال العلماء: العاهر الزاني وعهر زنى وعهرت زنت والعهر الزنا, ومعنى الحجر أي له الخيبة ولا حق له في الولد. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -:( الولد للفراش ), فمعناه أنه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشا له فأتت بولد لمدة الإمكان منه لحقه الولد وصار ولدا يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة, سواء كان موافقا له في الشبه أم مخالفا ) شرح النووي على صحيح مسلم 4/31.

(8/207)


وقال الحافظ ابن عبد البر:[ فكانت دعوى سعد سبب البيان من الله عز وجل على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أن العاهر لا يلحق به في الإسلام ولد يدعيه من الزنا وأن الولد للفراش على كل حال والفراش النكاح أو ملك اليمين لا غير . أجمع العلماء – لا خلاف بينهم فيما علمته - أنه لا يلحق بأحد ولد يستلحقه إلا من نكاح أو ملك يمين فإذا كان نكاح أو ملك فالولد للفراش على كل حال ] الاستذكار 2/167-168.
ولا يجوز أن ينسب الولد للزاني حتى ولو اعترف الزاني بأن الولد منه ما دامت الزانية ذات زوج وأما إذا كانت الزانية لا زوج لها فيصح إلحاق الولد بالزاني إن أقر به على قول جماعة من أهل العلم.

(8/208)


وأما قول السائل إن زوج المرأة قد أنكر الولد لما رأى أنه لا يشبهه فإن الشريعة قد شرعت اللعان في هذه الحالة وهي أن ينكر الزوج ولدا أنجبته زوجته قال الله تعالى: { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } سورة النور الآيات 6-9. وقد ذكر أهل العلم أن سبب نزول هذه الآيات هو ما ورد في الحديث عن ابن عباس - رضي الله عنه - ( أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريك بن سحماء فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - البينة أو حد في ظهرك، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول البينة وإلا حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه { والذين يرمون أزواجهم } فقرأ حتى بلغ إن { كان من الصادقين } فانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ) رواه البخاري.
ويشترط في اللعان بين الزوجين أن يكون اللعان فوريا بأن ينفي الزوج الولد بمجرد الولادة قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ وإذا ولدت امرأته ولدا فسكت عن نفيه مع إمكانه لزمه نسبه ولم يكن له نفيه بعد ذلك وبهذا قال الشافعي ] المغني 8/61. وإذا تم اللعان بين الزوجين تفرقا فرقة أبدية لما ورد في الحديث عن سهل بن سعد (.فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا ) رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/424.

(8/209)


حكم إسقاط الحمل الناتج عن اغتصاب
يقول السائل: ما قولكم فيمن يقول بجواز إسقاط الحمل الناتج عن اغتصاب مهما كان عمر الجنين لأن ذلك من باب الستر على الفتاة البريئة؟
الجواب: لاشك أن الزنا من أفظع الجرائم وتزداد فظاعته في حق الرجل عندما يكون مغتصبا، قال الله تعالى: { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } سورة الإسراء الآية 32.
والفتاة المغتصبة لا إثم عليها حيث إنها مكرهة لما ورد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.

(8/210)


كما أن المكرهة لا حد عليها قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ ولا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم روي ذلك عن عمر والزهري وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا وذلك لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( عفي لأمتي عن الخطأ , والنسيان وما استكرهوا عليه ) وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه ( أن امرأة استكرهت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فدرأ عنها الحد ) رواه الأثرم قال : وأتي عمر بإماء من إماء الإمارة , استكرههن غلمان من غلمان الإمارة فضرب الغلمان ولم يضرب الإماء وروى سعيد بإسناده عن طارق بن شهاب : قال : أتي عمر بامرأة قد زنت , فقالت : إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلا برجل قد جثم علي فخلى سبيلها ولم يضربها، ولأن هذا شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الإكراه بالتهديد بالقتل ونحوه ونص عليه أحمد , في راع جاءته امرأة قد عطشت فسألته أن يسقيها , فقال لها : أمكنيني من نفسك قال : هذه مضطرة وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن امرأة استسقت راعيا فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت , فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي : ما ترى فيها ؟ قال : إنها مضطرة فأعطاها عمر شيئا وتركها ] المغني 9/59-60 .

(8/211)


إذا تقرر هذا فإن الأصل هو تحريم الإجهاض قبل مرور مئة وعشرين يوما على الحمل إلا لعذر مشروع على الراجح من أقوال العلماء، وأما بعد مضي مئة وعشرين يوما على الحمل فقد اتفق أهل العلم على تحريم الإجهاض في هذه الحالة؛ لأن الروح تنفخ في الجنين عند مرور تلك المدة على رأي كثير من العلماء لما ثبت في حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق قال:( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيأمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح . ) رواه البخاري. ويستثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقط، وهي إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء الثقات أهل الاختصاص أن استمرار الحمل يشكل خطرا مؤكدا على حياة الأم فحينئذ يجوز إسقاط الحمل.
وقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ما يلي:[ إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوما لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوها أم لا دفعا لأعظم الضررين ] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص 123.

(8/212)


وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية:[ من الضروريات الخمس التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة دلالة قاطعة على وجوب المحافظة عليها وأجمعت الأمة على لزوم مراعاتها حفظ نفس الإنسان وهو في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين سواء كانت النفس حملا قد نفخ فيه الروح أم كانت مولودة ... فلا يجوز الاعتداء عليها بإجهاض إن كانت حملا قد نفخ فيه الروح أو بإعطائها أدوية تقضي على حياتها وتجهز عليها، طلبا لراحتها أو راحة من يعولها أو تخليصا للمجتمع من أرباب الآفات والعاهات والمشوهين والعاطلين، أو غير ذلك مما يدفع بالناس إلى التخلص لعموم قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } وذلك لأن الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفسا، يجب صيانتها والمحافظة عليها ].
وأما إسقاط الجنين الناتج عن اغتصاب قبل المئة والعشرين يوما فله وجه شرعي، وقال به بعض أهل العلم وخاصة إن خشي قتل الأم بسبب الأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد السائدة.

(8/213)


وبناء على ما تقدم يحرم الإجهاض بعد مرور مئة وعشرين يوما على الحمل بغض النظر عن سبب الحمل هل الحمل حمل شرعي أم حمل ناتج عن زنا؟ برضا من المرأة والرجل أو كان نتيجة اغتصاب وإكراه؟ ودعوى جواز الإجهاض لستر الفتاة المغتصبة دعوى غير مقبولة شرعا لما في ذلك من الاعتداء على نفس معصومة وهي الجنين بعد نفخ الروح فيه فما ذنب هذه النفس لتقتل من أجل دفع العار عن أمه ولا شك أن حفظ النفس مقدم على مسألة الستر المدعاة ومن المعلوم أن الإسلام قد شرع كثيرا من الأحكام الشرعية للمحافظة على الجنين فأجاز للحامل أن تفطر في رمضان إذا خافت على نفسها أو جنينها، فقد ورد في الحديث عن أنس بن مالك - رجل من بني عبد الله بن كعب - - رضي الله عنه - :[ قال أغارت علينا خيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدته يتغدى فقال: ادن فكل. فقلت: إني صائم. فقال: ادن أحدثك عن الصوم أو الصيام إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام. والله لقد قالهما النبي - صلى الله عليه وسلم - كليهما أو أحدهما فيا لهف نفسي أن أكون طعمت من طعام النبي - صلى الله عليه وسلم - ] رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن ... والعمل على هذا عند أهل العلم ] عارضة الأحوذي 3/188. وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن الترمذي 1/218.

(8/214)


وأجاز الشرع لها أن تؤجل الحج بسبب الحمل وإن حجت فأجاز لها أن تنيب عنها في بعض المناسك كما أن المرأة الحامل من زنا لا يقام عليها الحد حال حملها لما ورد في الحديث عن بريدة - رضي الله عنه - قال:( ... جاءت امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنى فقال آنت قالت نعم فقال لها حتى تضعي ما في بطنك قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال قد وضعت الغامدية فقال إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها ) رواه مسلم. قال الإمام النووي:[ قوله:( فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك) فيه: أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع, سواء كان حملها من زنا أو غيره, وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها, وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع] شرح النووي على صحيح مسلم 11/201.
وخلاصة الأمر أن ما ذكر في السؤال من جواز إجهاض الحمل الناتج عن اغتصاب بغض النظر عن عمر الجنين هو رأي غير صحيح ومخالف لما قرره أهل العلم قديما وحديثا.

(8/215)


حدود طاعة الوالدين
يقول السائل: إن الإسلام أوجب طاعة الوالدين ولكن ما هي حدود طاعة الوالدين؟
الجواب: طاعة الوالدين من أوجب الواجبات التي أمر بها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه- صلى الله عليه وسلم - وحق الوالدين عظيم ولهذا جاء حقهما في الترتيب بعد حق الله تعالى مباشرة. قال تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } سورة الإسراء الآيتان23-24. وقال الله تعالى: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } سورة النساء الآية 36. وقال تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } سورة العنكبوت الآية8.
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( أفضل الأعمال أو العمل الصلاة لوقتها وبر الوالدين ) رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد ) رواه الترمذي وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم 516.

(8/216)


ويجب أن يعلم أن طاعة الوالدين من أسباب تفريج الكرب والمصائب كما صح في الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:( بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم فقال أحدهم اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني وأنه نأى بي ذات يوم الشجر فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أسقي الصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء وقال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فتعبت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت عنها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ففرج لهم وقال الآخر اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه فرقه فرغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعاءها فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني حقي قلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها فقال اتق الله ولا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك خذ ذلك البقر ورعاءها فأخذه فذهب به فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي ففرج الله ما بقي ) رواه مسلم.

(8/217)


وكذلك فإن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر ومن أسباب دخول جهنم والعياذ بالله فقد ورد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا، فقال: ألا وقول الزور. قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:( ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث ) رواه أحمد والنسائي وابن حبان. وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح انظر صحيح سنن النسائي 2/541. وغير ذلك من النصوص الكثيرة.
إذا تقرر هذا فإن طاعة الوالدين ليست مطلقة وإنما لها حدود لا يجوز تعديها وأهم هذه الحدود أن طاعة الوالدين إنما تكون في المعروف فإذا أمر الوالدان ولدهما بمعصية فلا طاعة لهما قال الله تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } سورة لقمان الآية 15. ويدل على ذلك أيضا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:( إنما الطاعة في المعروف ) رواه البخاري ومسلم.

(8/218)


وجاء في حديث آخر عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( لا طاعة لأحد في معصية الخالق ) رواه أحمد والبزار وقال الحافظ ابن حجر: وسنده قوي. فتح الباري 5/241، وقال الشيخ الألباني: وإسناده صحيح على شرط مسلم. وجاء في رواية أخرى:( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) وهي رواية صحيحة. راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني 1/137-144. وقال الحسن البصري [ إن منعته أمه عن صلاة العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها ] رواه البخاري تعليقا.فإذا أمر الوالدان أو أحدهما ولدهما بمعصية أو منكر فلا تجب طاعتهما لما تقدم من الأدلة وعلى الولد أن يرفض طاعة والديه إذا أمراه بمعصية ولكن برفق وحكمة دون أن يسيء لهما بالقول ولا بد من معاملتهما معاملة كريمة طيبة حتى لو كانا كافرين كما قال تعالى: { وصاحبهما في الدنيا معروفا } سورة لقمان الآية 15. وقد ورد في الحديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:( قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك) رواه البخاري ومسلم. وكذلك فإن الولد غير ملزم بطاعة والديه فيما يتعلق بشؤونه الخاصة ما دام أنه ملتزم فيها بشرع الله مثل أن يلزماه بأن يتزوج امرأة معينة كما تفعل بعض الأمهات من إلزام ولدها من الزواج من إحدى قريباتها أو أن يطلق زوجته بسبب خلاف وقع بين الأم وزوجة الابن وكذلك الأمر بالنسبة للبنت إذا أجبرها أبوها على الزواج من شخص لا ترضاه كأن يكون فاسقا أو سيء الأخلاق ولو كان ابن عمها وفي هذه الحالات وأمثالها إذا امتنع الولد من طاعة والديه لم يكن عاقا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية [ ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد وأنه إذا امتنع لا يكون عاقا وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر عنه

(8/219)


مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه كان النكاح كذلك وأولى فإن أكل المكروه مرارة ساعة وعشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذي صاحبه كذلك ولا يمكن فراقه] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 32/30. وإن احتج أحد بما ورد في الحديث عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال ( كانت لي امرأة أحبها وكان أبي – أي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - - يكرهها فأمرني أبي أن أطلقها فأبيت فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وهذا الاحتجاج فيه نظر لأن عمر - رضي الله عنه - عندما أمر ابنه بطلاق زوجته كان له سبب شرعي لذلك وأين آباء اليوم من عمر - رضي الله عنه - !!! وقد جاء رجل إلى الإمام أحمد بن حنبل فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي؟ فقال له الإمام أحمد: لا تطلقها، فقال الرجل: أليس الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمر عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته حين أمره عمر بذلك؟ فقال الإمام أحمد: وهل أبوك مثل عمر؟.

(8/220)


وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل متزوج، و له أولاد، ووالدته تكره الزوجة و تشير عليه بطلاقها هل يجوز له طلاقها؟ فأجاب: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه؛ بل عليه أن يبر أمه، و ليس تطليق امرأته من برها. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا عن امرأة و زوجها متفقين وأمها تريد الفرقة فلم تطاوعها البنت فهل عليها إثم في دعاء أمها عليها؟ فأجاب رحمه الله:[ إذا تزوجت المرأة لم يجب عليها أن تطيع أباها و لا أمها في فراق زوجها ولا في زيارتهم بل طاعة زوجها عليها إذا لم يأمرها بمعصية الله أحق من طاعة أبويها ( وأيما امرأة ماتت وزوجها عليها راض دخلت الجنة ) و إذا كانت الأم تريد التفريق بينها و بين زوجها فهي من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك ولو دعت عليها اللهم إلا أن يكونا مجتمعين على معصية أو يكون أمره للبنت بمعصية الله والأم تأمرها بطاعة الله ورسوله الواجبة على كل مسلم ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 33/112.
وخلاصة الأمر أن طاعة الوالدين فريضة من فرائض الله عز وجل كما أن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب ولكن طاعتهما لا تكون إلا في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

(8/221)


توريث القاتل خطأ من مال مورثه المقتول
يقول السائل: ما قولكم في مسألة توريث القاتل خطأ من مال مورثه المقتول؟
الجواب: اتفق أهل العلم على أن القتل هو أحد موانع الميراث بشكل عام واختلفوا في مسألة القاتل خطأ هل يرث من مال مورثه المقتول خطأ والذي عليه جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء على أن القاتل خطأ لا يرث من مال المقتول ولا من ديته وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ أجمع أهل العلم على أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئا... فأما القاتل خطأ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يرث أيضا، نص عليه أحمد، ويروى ذلك عن عمر، وعلي وزيد وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وروي نحوه عن أبي بكر رضي الله عنهم. وبه قال شريح وعروة وطاووس وجابر بن زيد والنخعي والشعبي والثوري وشريك والحسن بن صالح ووكيع والشافعي ويحيى بن آدم وأصحاب الرأي وورثه قوم من المال دون الدية، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب وعطاء والحسن ومجاهد والزهري ومكحول والأوزاعي وابن أبي ذئب وأبي ثور، وابن المنذر وداود، وروي نحوه عن علي لأن ميراثه ثابت بالكتاب، والسنة تخصص قاتل العمد بالإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. ولنا: الأحاديث المذكورة ولأن من لا يرث من الدية لا يرث من غيرها، كقاتل العمد، والمخالف في الدين، والعمومات مخصصة بما ذكرناه ] المغني 6/364-365.
وقد خالف في ذلك المالكية وبعض أهل العلم كما سبق في كلام ابن قدامة فقالوا بتوريث القاتل خطأ من مال مورثه المقتول لا من ديته وهذا القول مرجوح لما يلي: ما ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( ليس للقاتل شيء وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه ولا يرث القاتل شيئا ) رواه أبو داود وغيره وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود 3/864. وجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:( ليس لقاتل ميراث) قال صاحب الزوائد: إسناده حسن. سنن ابن ماجة 2/884. وقال الشيخ الألباني عنه حديث صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة 2/98.

(8/222)


وقد ورد الحديث السابق بطرق كثيرة وهو حديث حسن أو صحيح والقاتل خطأ يدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -:( لا يرث القاتل شيئا ) حيث إن لفظ القاتل لفظ عام فيشمل من قتل عمدا ومن قتل خطأ.
وكذلك فإن الرواية الأخرى للحديث:( ليس لقاتل ميراث) تشمل القاتل خطأ لأن لفظة قاتل نكرة في سياق النفي والنكرة في سياق النفي تعم فتشمل القاتل خطأ والقاتل عمدا.
ومما يدل على حرمان القاتل خطأ من الميراث ما ورد عن عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي أنه قتل امرأته خطأ فقال - صلى الله عليه وسلم -:( اعقلها ولا ترثها) رواه الطبراني.
قال الشوكاني:[ وحديث عمر بن شيبة بن أبي كثير الأشجعي نص في محل النزاع فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:( ولا ترثها ) وكذلك حديث عدي الجذامي الذي أشرنا إليه ولفظه في سنن البيهقي:( إن عديا كانت له امرأتان اقتتلتا فرمى إحداهما فماتت، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه فذكر له ذلك، فقال له:( اعقلها ولا ترثها ) ] نيل الأوطار 6/85-86. وحديث عدي الجذامي قال عنه الهيثمي :[ رواه أبو يعلى بطوله والطبراني باختصار ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيه راو لم يسم ] مجمع الزوائد4/230.
وحديث عدي الجذامي رواه البيهقي أيضا وروى غيره بمعناه ثم قال:[ هذه مراسيل جيدة يقوي بعضها بعضا ] السنن الكبرى 6/219. وروى البيهقي بإسناده عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال:[ لا يرث القاتل خطأ ولا عمدا].
وروى أيضا بإسناده عن علي وزيد وعبد الله قالوا:[ لا يرث القاتل عمدا ولا خطأ شيئا ].

(8/223)


وروى أيضا بإسناده عن جابر بن زيد قال:[ أيما رجل قتل رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ ممن يرث فلا ميراث له منهما، وأيما امرأة قتلت رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث لها منهما، وإن كان القتل عمدا فالقود إلا أن يعفو أولياء المقتول فإن عفوا فلا ميراث له من عقله ولا من ماله، قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين ] السنن الكبرى 6/220.
وروى عبد الرزاق بسنده عن أبي قلابة قال: قتل رجل أخاه في زمن عمر بن الخطاب، فلم يورثه، فقال: يا أمير المؤمنين! إنما قتلته خطأ، قال: لو قتلته عمدا أقدناك به] مصنف عبد الرزاق 9/403.
وروى عبد الرزاق بسنده عن إبراهيم النخعي قال:[ لا يرث القاتل من الدية ولا من المال عمدا كان أم خطأ ] وروى عبد الرزاق أيضا عن الثوري:[ ونحن على ذلك لا يرث على حال] مصنف عبد الرزاق 9/404.
ومما يرد به على قول المالكية ومن وافقهم في توريث القاتل خطأ أن قولهم فيه تشجيع على القتل فقد يتعمد الوارث قتل مورثه ويدعي أنه قتله خطأ ويصعب إثبات صفة العمد في القتل وقد يحتال في ذلك ويظهر أنه قتله خطأ فمن باب سد الذرائع يجب حرمان القاتل خطأ من الميراث وقاعدة سد الذرائع قاعدة معتبرة عند الأصوليين وتشهد لها قواعد الشرع وأصوله.
واستدل الإمام السرخسي على حرمان القاتل خطأ من الميراث بأن تهمة استعجال الشيء قبل أوانه قائمة في القتل الخطأ فمن الجائز أنه كان قاصدا إلى ذلك وأظهر الخطأ من نفسه فيجعل هذا التوهم كالمتحقق في حرمان الميراث. ويرى السرخسي أيضا أن القاتل خطأ كما عوقب بالكفارة على قتله فكذلك يعاقب بالحرمان من الميراث. انظر المبسوط 30/47.

(8/224)


ويضاف إلى ما سبق أن دعوى المالكية تخصيص عموم الأدلة الواردة بحرمان القاتل من الميراث وإخراج القاتل خطأ منها دعوى ضعيفة وما اعتمدوا عليه لا يقوى على التخصيص. قال الشوكاني:[ ولا يخفى أن التخصيص لا يقبل إلا بالدليل ] نيل الأوطار 6/85.
وما ذكره المالكية من تخصيص القاتل خطأ من العموم استدلالا بما روي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام يوم فتح مكة، فقال:( المرأة ترث من دية زوجها وماله.،وهو يرث من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه فإذا قتل أحدهما صاحبه عمدا، لم يرث من ديته وماله شيئا،وإن قتل أحدهما صاحبه خطأ، ورث من ماله، ولم يرث من ديته).
قال في الزوائد: في إسناده محمد بن سعيد، وهو المصلوب. قال أحمد: حديثه موضوع، وقال مرة: عمدا كان يضع. وقال أبو أحمد الحاكم: كان يضع الحديث، صلب على الزندقة. وقال الحاكم أبو عبد الله: ساقط بلا خلاف ] سنن ابن ماجة 2/914.
وقال الشيخ الألباني عن الحديث السابق إنه موضوع أي مكذوب على النبي - صلى الله عليه وسلم - انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 10/1/205، ضعيف الجامع الصغير حديث رقم 5926 ص854. فهذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به كما ترى من كلام أهل العلم فيه ولا يكون مخصصا لإخراج القاتل خطأ من عموم حرمان القاتل من الميراث.
وخلاصة الأمر أن القاتل خطأ لا يرث وهذا هو القول الراجح الذي تؤيده الأدلة ومقاصد الشريعة في المحافظة على الأنفس.

(8/225)


متفرقات
العمل عند تضارب الفتوى
يقول السائل: ما العمل عند اختلاف فتاوى المفتين في مسألة واحدة ؟
الجواب:إن الفتوى من أخطر الأمور وأشدها لأنها في الحقيقة توقيع عن رب العالمين كما قال العالمون، وكثير من الذين يتصدرون للفتوى اليوم لا يدركون خطورة شأن الفتوى وما يجب أن يكون عليه المفتي من علم وصدق والتزام بشرع الله. قال الله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } سورة النحل الآية 43، قال ابن عباس رضي الله عنهما:[ أهل الذكر هم أهل العلم ] تفسير القرطبي 10/108.
وقال العلامة ابن القيم:[ ولما كان التبليغ عن الله سبحانه وتعالى يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالما بما يبلغ، صادقا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب } سورة النساء الآية 127، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة، إذ يقول في كتابه: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } سورة النساء الآية 176، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غدا وموقوف بين يدي الله ] إعلام الموقعين عن رب العالمين 2/ 16-17.

(8/226)


إذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول: إن الأصل في المستفتي أن يسأل من يثق في علمه ودينه فيعرض مسألته عليه فإن أفتاه لزم المستفتي أن يأخذ بفتواه.
قال محمد بن سيرين من أئمة التابعين:[ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه ] رواه مسلم في مقدمة صحيحه 1/76 .
وقال الإمام القدوة يزيد بن هارون:[ إن العالم حجتك بينك وبين الله تعالى فانظر من تجعل حجتك بين يدي الله عز وجل ] ذكره الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 2/178.
وقال الخطيب البغدادي:[ أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره فقد رحل غير واحد من السلف في مسألة ... إلى أن قال: وإذا قصد أهل محلة للاستفتاء عما نزل به فعليه أن يسأل من يثق بدينه ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم؛ ليقصده ويؤم نحوه، فليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله ] الفقيه والمتفقه 2/177.
وقال الإمام الآمدي:[ القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة بأن يراه منتصبا للفتوى والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن بالضد من ذلك] الإحكام في أصول الأحكام 4/453. وقال الإمام القرافي المالكي:[ ولا يجوز لأحد الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع ] الذخيرة 1/147.

(8/227)


وقال الإمام الشوكاني:[ إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم والمقصر يسأل الكامل فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما، المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما من العلوم الآلية حتى يدلوه عليه ويرشدوه إليه فيسأله عن حادثته طلبا منه أن يذكر له فيها ما في كتاب الله سبحانه أو ما في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحينئذ يأخذ الحق من معدنه ويستفيد الحكم من موضعه ويستريح من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع المباين للحق ومن سلك هذا المنهج ومشى في هذا الطريق لا يعدم مطلبه ولا يفقد من يرشده إلى الحق فإن الله سبحانه وتعالى قد أوجد لهذا الشأن من يقوم به ويعرفه حق معرفته وما من مدينة من المدائن إلا وفيها جماعة من علماء الكتاب والسنة وعند ذلك يكون حكم هذا المقصر حكم المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإنهم كانوا يستروون النصوص من العلماء ويعملون على ما يرشدونهم إليه ويدلونهم عليه وقد ذكر أهل الأصول أنه يكفي العامي في الاستدلال على من له أهلية الفتوى بأن يرى الناس متفقين على سؤاله مجتمعين على الرجوع إليه ولا يستفتي من هو مجهول الحال كما صرح به الغزالي والآمدي وابن الحاجب وحكى في المحصول الاتفاق على المنع ] إرشاد الفحول ص 271. وغير ذلك من أقوال أهل العلم.

(8/228)


ولا ينبغي التنقل بالسؤال من مفت إلى آخر حتى يحصل المستفتي على الجواب الذي يوافق هواه من المفتي المتساهل فإن التساهل في الفتوى من المحرمات قال الإمام النووي رحمة الله عليه:[ يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حرم استفتاؤه، فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالمبادرة، وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة، ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة، على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبه طلبا للترخيص، لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره، وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها للتخليص من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسن جميل، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان -الثوري- إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد ] المجموع 1/46.

(8/229)


وبهذه المناسبة فقد سئلت منذ عهد قريب عن فوائد صندوق التوفير في إحدى الشركات فأفتيت بتحريمها لأنها الربا المحرم في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وقد طرح السؤال على بعض المفتين وغير المفتين فأجابوا بأن ذلك عين الحلال بحجج هي أوهى من بيت العنكبوت ،فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. كيف أصبح الربا المحرم قطعا في كتاب ربنا وسنة نبينا حلالا خالصا عند بعض المتسورين على الفتوى وعند بعض المجاهيل الذين يصدرون الفتاوى باسم حزب أو جماعة دون أن يعرفوا بأعيانهم حتى ينظر الناس هل هؤلاء أهل للفتوى أم ليسوا لها أهلا؟ ويجب أن يعلم أن الفتوى خاصة وأمور الدين عامة لا تقبل من المجاهيل فالمجهول مردود الرواية ولا يعتد بقوله لا في وفاق ولا في خلاف.وقد قرر العلماء أن المستفتي إن تعارضت لديه الفتاوى أنه يأخذ بقول الأعلم والأتقى والأكثر اعتمادا على الكتاب والسنة وقواعد الشرع تدل أيضا أنه إذا تعارض الحل والتحريم فيقدم التحريم كما في مسألة صندوق التوفير لأن ذلك أحوط مع أن القول بالتحريم هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. انظر المجموع 1/92، شرح الكوكب المنير 4/580-581، الفتوى في الإسلام ص105-106.
وقد حق لنا أن نبكي على أحوال المفتين كما بكى ربيعة الرأي -شيخ الإمام مالك-فقيل: ما يبكيك؟ فقال: استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم! وقال: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق! وقال بعض العلماء:[ فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب...] إعلام الموقعين عن رب العالمين 6/118.

(8/230)


لا يترتب حكم شرعي على رؤية سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام
يقول السائل: ما الحكم الشرعي فيمن يزعم أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام وطلب منه أن يفعل فعلا كأن يطلق زوجته فهل يلزمه طلاقها أفيدونا.
الجواب: رؤية سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام ممكنة وهذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة وقد وردت عدة أحاديث في ذلك منها عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي ) قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته. رواه البخاري.

(8/231)


وعن أنس - رضي الله عنه -قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:( من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. ويؤخذ من الأحاديث الصحيحة الواردة في رؤية سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قد يرى في النوم وأن من رآه في النوم على صورته المعروفة فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل في صورته - صلى الله عليه وسلم - ولكن الأمر الهام الذي يجب أن يعلم أن العلماء قد قرروا أنه لا يؤخذ أي حكم شرعي من رؤية النبي- صلى الله عليه وسلم - في المنامات لأن الشريعة الإسلامية قد تمت وكملت قبل وفاة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } سورة المائدة الآية 3. كما أن مصادر التشريع معلومة ومعروفة وقد بينها الأصوليون وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصادر التبعية على خلاف بينهم فيها وليس منها الرؤى ولا المنامات ولا يحتج بالرؤى في باب الأحكام الشرعية إلا من ضعف عقله وزاغ عن طريق الحق والصواب. فليست الرؤى والمنامات من مصادر التشريع وهذا هو الحق والصواب وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وأكثر ما يؤخذ من الرؤى أن تكون بشارة أو نذارة لا أن تكون مصدرا للتشريع.

(8/232)


قال الإمام النووي عند كلامه على رؤى الرواة:[ قال القاضي عياض رحمه الله: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت ولا تثبت به سنة لم تثبت وهذا بإجماع العلماء, هذا كلام القاضي. وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع. وليس هذا الذي ذكرناه مخالفا لقوله - صلى الله عليه وسلم - ( من رآني في المنام فقد رآني ) فإن معنى الحديث أن رؤيته صحيحة وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي, وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظا لا مغفلا ولا سيئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط, والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة, أما إذا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام بل تقرر من أصل ذلك الشيء ] شرح النووي على صحيح مسلم 1/115.
وقال الإمام النووي أيضا:[ لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان, ولم ير الناس الهلال, فرأى إنسان النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان لم يصح الصوم بهذا المنام، لا لصاحب المنام ولا لغيره ] المجموع 6/292.

(8/233)


وقال الإمام النووي أيضا عند كلامه على خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -:[ ومنه أن من رآه في المنام فقد رآه حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ولكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام إن خالف ما استقر في الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤيا لأن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف والنائم بخلافه ] تهذيب الأسماء واللغات1/43.
وقال الشاطبي:[ وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضا لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر وإن أخبر بمخالف فمحال لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية لأن ذلك باطل بالإجماع فمن رأى شيئا من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول عن رؤياه غير صحيحة إذ لو رآه حقا لم يخبر بما يخالف الشرع ] الاعتصام 1/321. وانظر أيضا الموافقات للشاطبي1/114-115.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق ] مجموع الفتاوى 27/457.
وقال ابن حزم الظاهري:[ الشرائع لا تؤخذ بالمنامات ] المحلى 6 / 507.

(8/234)


وقال الشوكاني:[ المسألة السابعة: في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر جماعة من أهل العلم منهم الأستاذ أبو إسحاق أنه يكون حجة ويلزم العمل به وقيل حجة ولا يثبت به حكم شرعي وإن كانت رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم -رؤية حق والشيطان لا يتمثل به لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعا ثابتا، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد كمله الله عز وجل وقال: { اليوم أكملت لكم دينكم } ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته - صلى الله عليه وسلم -إذ قال فيها بقول أو فعل فيها فعلا يكون دليلا وحجة بل قبضه الله إليه عند أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبينها بالموت وإن كان رسولا حيا وميتا وبهذا تعلم أن لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة ] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ص249.

(8/235)


وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز:[ ولا يجوز أن يعتمد عليها في شيء يخالف ما علم من الشرع، بل يجب عرض ما سمعه الرائي من النبي - صلى الله عليه وسلم - من أوامر أو نواهي أو خبر أو غير ذلك من الأمور التي يسمعها أو يراها الرائي للرسول - صلى الله عليه وسلم - على الكتاب والسنة الصحيحة، فما وافقهما أو أحدهما قبل، وما خالفهما أو أحدهما ترك؛ لأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز أن يقبل من أحد من الناس ما يخالف ما علم من شرع الله ودينه سواء كان ذلك من طريق الرؤيا أو غيرها وهذا محل إجماع بين أهل العلم المعتد بهم، أما من رآه عليه الصلاة والسلام على غير صورته فإن رؤياه تكون كاذبة كأن يراه أمرد لا لحية له، أو يراه أسود اللون أو ما أشبه ذلك من الصفات المخالفة لصفته عليه الصلاة والسلام، لأنه قال - صلى الله عليه وسلم -:( فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ) فدل ذلك على أن الشيطان قد يتمثل في غير صورته عليه الصلاة والسلام ويدعي أنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -من أجل إضلال الناس والتلبيس عليهم. ثم ليس كل من ادعى رؤيته - صلى الله عليه وسلم - يكون صادقا وإنما تقبل دعوى ذلك من الثقات المعروفين بالصدق والاستقامة على شريعة الله سبحانه، وقد رآه في حياته - صلى الله عليه وسلم - أقوام كثيرون فلم يسلموا ولم ينتفعوا برؤيته كأبي جهل وأبي لهب وعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وغيرهم، فرؤيته في النوم عليه الصلاة والسلام من باب أولى ] ونقل صاحب تهذيب الفروق والقواعد السنية عن العلامة العطار قوله: ولا يلزم من صحة الرؤيا التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط الرائي ] تهذيب الفروق والقواعد السنية 4/270. وقد وجدت كلاما للإمام القرافي في مسألة قريبة من مسألة طلاق الزوجة بناء على الرؤية حيث قال:[ فلو رآه عليه الصلاة

(8/236)


والسلام فقال له: إن امرأتك طالق ثلاثا, وهو يجزم بأنه لم يطلقها فهل تحرم عليه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقول إلا حقا وقع فيه البحث مع الفقهاء واضطربت آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه لتعارض خبره عليه الصلاة والسلام عن تحريمها في النوم وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له, والذي يظهر لي أن إخباره عليه الصلاة والسلام في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال, فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طروء الطلاق مع الجهل به واحتمال طروء الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في المثال أيسر وأرجح, ومن هو من الناس يضبط المثال على النحو المتقدم إلا أفراد قليلة من الحفاظ لصفته عليه الصلاة والسلام وأما ضبط عدم الطلاق فلا يختل إلا على النادر من الناس والعمل بالراجح متعين, وكذلك لو قال له عن حلال: إنه حرام, أو عن حرام إنه حلال, أو عن حكم من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم لما ذكرناه كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان فإنا نقدم الأرجح بالسند أو باللفظ أو بفصاحته أو قلة الاحتمال في المجاز أو غيره فكذلك خبر اليقظة وخبر النوم يخرجان على هذه القاعدة ] الفروق 4/245-246.
وأخيرا أذكر ما قاله الشاطبي:[ وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة نعم يأتي المرئي تأنيسا وبشارة ونذارة خاصة بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكما ولا يبنون عليها أصلا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها ] الاعتصام 1/322. وبعد هذه النقول عن فحول أهل العلم أقول لا شك أنه لا يصح في دين الإسلام الاعتماد على الرؤى والأحلام في إثبات الأحكام ولا يجوز للسائل أن يطلق زوجته بناء على تلك المنامات.

(8/237)


الرقية الشرعية
يقول السائل: إني أمارس العلاج بالقرآن الكريم منذ سنة 1993 حتى كتابة هذه السطور لأرضي ربي أولا وعونا للناس وكفايتهم عن التردد على السحرة والمشعوذين. وألخص طريقة العلاج وبحضور محارم المريضة فقط كالآتي:
أضع يدي على رأس المريض أو المريضة، مع وضع حاجز بيننا عند القراءة عليها، وأقرأ ما تيسر من القرآن وآيات الرقية في أذنها ( المرأة ) من خلال ماسورة بلاستيك.
لا أعالج أي مريضة إطلاقا إلا إذا لبست طويلا أو غطت الرأس بإشارب إن كانت متبرجة وبحضور صاحبات أو من الأهل أو محارمها.
أستغل العلاج بالقرآن الكريم وأوظفه في الدعوة إلى الله حيث تلبس المرأة الجلباب بعد تماثلها للشفاء وتصلي وكذلك الرجال.
في الجلسة الأولى وبعد قراءة آيات الكشف على المصروع ( وحسب الحاجة ) أسأل أسئلة كثيرة هي علامات الصرع أو تأثير سحر أعرفها من خلال معرفة أحوال وأعمال الممسوس وكذلك من خلال التجربة.
من هذه الأسئلة ما يتعلق بالجنس خلال المنام أو اليقظة وعن رفض المرأة لزوجها في الفراش دون إرادتها، أو ربط الرجل عن زوجته بسحر أو أمور متعلقة بعقم المرأة والزوج من خلال الجماع وغيره. أو العادة السرية عند رفض المرأة لزوجها - بعد فترة طويلة - أو عند المراهقين.
إذا صرعت المرأة ممكن أن تتكشف ونغطيها مباشرة.
إذا صرعت المريضة فإنها تحاول إنزال يدي عن رأسها فتلمسني.
إذا صرع الجان المرأة أو الرجل يمنعها عن متابعة العلاج من غير إرادتها ويمنع إدخال أي سائل مقروء عليه قرآن - آيات الرقية وغيرها - إلى جوف المريض فاضطر إلى لمس الوجه لتثبيته بهدف إدخال الماء أو الزيت إلى فم المريض. وكذلك بعض نقاط في الأنف إذا خاف محارمها هذا العمل بأنفسهم.
لتعميم الجسد جميعه بالماء المقروء عليه قرآنا نرش على ملابس المريض ثم أطلب من أهلها رش البنطلون، فحينما يخشون ذلك أرش البنطلون بنفسي من خلال مضخة دون أن نكشف جسدها وبحضور أهلها.

(8/238)


ويمسح جسد المصروعة بزيت حبة البركة المقروء عليه قرآن حتى إذا اقتضت الضرورة لكل الجسد حينها يخرج كل الرجال من الجلسة وأنا كذلك.
مرات قليلة أو نادرة جدا أمسح الوجه أو الرقبة بدون حائل أنا بدل أهلها وذلك لخوف الاقتراب منها غالبا حين الصرع.
لكشف أماكن تأثير الجن أو الشيطان الصارع في الجسد اضطر إلى تحسس بعض أماكن مع حائل طبعا كالظهر أو الصدر أو البطن أو الكتف أو الأطراف.
يحتاج المريض إلى أشرطة قرآن للسماع خاصة آيات الرقية وسورة البقرة وآية الكرسي والمعوذتين والإخلاص، وكذلك إلى زيت حبة البركة بثمنه كما في السوق.
بعضهم برفض أخذ الباقي من النقود فيتبرعوا بها لدعم العلاج.
يتبرع أهل المريض بشيء من المال في سبيل الله دون أن أطلب منهم غير ثمن المواد المساعدة في العلاج.
وهل في ذلك شيء حتى لو طلبت أجرا بسيطا أرد به بعض الناس لأخفف عني كثيرا من الحالات في الوقت نفسه.
لم يختلف شيء في طريقة العلاج منذ أن بدأت حتى الآن فحسب إحصاء خاص تبين أن 80% من الناس يتماثلون للشفاء حين يلتزمون بالعلاج من خلال هذه الطريقة. أفتوني في ذلك يرحمكم الله وجزاكم الله خيرا.
( ملحوظة: صياغة السؤال من السائل )
الجواب: بعد الاطلاع على رسالة السائل أفيده بما يلي:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المسلمين وعلى آله وصحبه الطيبين . وبعد فهذه أهم ضوابط المعالجة بالرقية الشرعية:
إن العلاج بالقرآن والرقية بآياته من الأمور المشروعة، يقول الله سبحانه وتعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } سورة الإسراء الآية 82.
وثبت في الحديث الصحيح، عن عائشة رضي الله عنها قالت:( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين ) رواه مسلم.

(8/239)


ولا بد أن تكون الرقية شرعية فلا تصح الرقى الشركية، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:( لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا ) رواه مسلم .
ويشترط في الرقية الشرعية ما يلي:
أولا: أن تكون بكلام الله، أو بأسمائه، أو صفاته، أو بالأدعية النبوية المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.
ثانيا: أن تكون باللسان العربي فكل كلام مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلا عن أن يدعو به ولو عرف معناه لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارا فليس من دين الإسلام كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ثالثا: أن تكون مفهومة المعنى.
رابعا: ألا تشتمل على شيء غير مباح، كالاستغاثة بغير الله أو دعاء غيره، أو اسم للجن، أو ملوكهم ونحو ذلك.
خامسا: ألا يعتمد عليها.
سادسا: أن يعتقد أنها لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى.
سابعا: لا يجوز اللجوء لأي إنسان يدعي المعالجة بالقرآن أو أنه يستطيع إخراج الجن من المصروع إلا بعد التأكد من أن هذا الشخص من الصالحين الملتزمين بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يتبع الطرق المشروعة في الرقية والعلاج ولا يستخدم شياطين الجن الذين لا يخدمونه إلا إذا وقع في المحرمات.
وكذلك فإن بعض هؤلاء المعالجين يستخدمون الطلاسم في المعالجة، أو يذكرون كلاما غير مفهوم المعنى، فهذا لا يجوز استعماله.

(8/240)


ثامنا: لا ينبغي لأحد من الناس أن يتفرغ لعلاج الناس بالرقى القرآنية أو بالأذكار الواردة، والإعلان عن نفسه بأنه المعالج بالقرآن والبديل الشرعي لفك السحر ومس الجان والعين والعقم والأمراض المستعصية، أو يعلن عن نفسه العيادة القرآنية، ويوزع الكروت، ويحدد المواعيد كالأطباء المختصين، لأن ذلك ليس من منهج الصحابة والتابعين والصالحين، ولم يكن معروفا مثل هذا التفرغ عندهم مع أن الناس لا زالوا يمرضون على مر العصور والأزمان، ولأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة، ويلج منه الدجالون والمشعوذون وأمثالهم.
تاسعا: لا يجوز للراقي مس شيء من بدن المرأة التي يرقيها لما في ذلك من الفتنة، وإنما يقرأ عليها بدون مس، وهناك فرق بين عمل الراقي وعمل الطبيب، لأن الطبيب قد لا يمكنه العلاج إلا بمس الموضع الذي يريد أن يعالجه، بخلاف الراقي فإن عمله - وهو القراءة والنفث - لا يتوقف على اللمس كما أفتت بذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية، ولا يصح مس جسد المرأة إلا عند الحاجة.
عاشرا: لا يجوز للراقي أن يخلو بالمريضة أبدا ولا بد من وجود زوجها أو محرم أو أكثر من امرأة لقوله- صلى الله عليه وسلم - :( ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 2546.
أحد عشر: يجب أن تكون المريضة لابسة للباس الشرعي أثناء العلاج.
ثاني عشر: لا يجوز إلصاق الأوراق المكتوب فيها شيء من القرآن أو الأدعية على الجسم أو على موضع منه، أو وضعها تحت الفراش ونحو ذلك على الراجح من أقوال أهل العلم لأنه من تعليق التمائم المنهي عنه بقوله - صلى الله عليه وسلم -:( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ) وقوله - صلى الله عليه وسلم -:( إن الرقى والتمائم والتولة شرك ) رواه أحمد وأبو داود.

(8/241)


ويمنع ذلك سدا للذرائع أيضا خشية أن يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن. ولأن التعليق قد يعرضه للامتهان فيحمله معه عند قضاء الحاجة والاستنجاء.
قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز [ واختلف العلماء في التمائم إذا كانت من القرآن أو من الدعوات المباحة هل هي محرمة أم لا؟ والصواب تحريمها لوجهين: أحدهما: عموم الأحاديث المذكورة، فإنها تعم التمائم من القرآن وغير القرآن . والوجه الثاني: سد ذريعة الشرك فإنها إذا أبيحت التمائم من القرآن اختلطت بالتمائم الأخرى واشتبه الأمر وانفتح باب الشرك بتعليق التمائم كلها ومعلوم أن سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي من أعظم القواعد الشرعية ].
وذكر الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عن جماعة من العلماء أنه:[ . لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به؛ لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به؛ فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد؛ فمعنى ذلك أننا فعلنا سببا ليس مشروعا. ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء؛ لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمرا ظاهرا؛ فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم؛ فإنه يتأثر بذلك.
ولهذا نقول؛ الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا سيما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن؛ كالغيبة مثلا، ودخول بيت الخلاء، وأيضا إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة؛ فمثلا علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغنى بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرآن على صدره ] مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين 1/58.

(8/242)


وقال الشيخ عبد الله الجبرين:[ ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -وهو الذي نزل عليه القرآن، وهو بأحكامه أعرف وبمنزلته أعلم أنه علق على نفسه أو غيره تميمة من القرآن أو غيره، أو اتخذه أو آيات منه حجابا يقيه الحسد أو غيره من الشر، أو حمله أو شيئا منه في ملابسه أو في متاعه على راحلته لينال العصمة من شر الأعداء أو الفوز والنصر عليهم أو لييسر له الطريق ويذهب عنه وعثاء السفر أو غير ذلك من جلب نفع أو دفع ضر. فلو كان مشروعا لحرص عليه وفعله، وبلغه أمته، وبينه لهم، عملا بقوله تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } سورة المائدة الآية 67، ولو فعل شيئا من ذلك أو بينه لأصحابه لنقلوه إلينا، ولعملوا به، فإنهم أحرص الأمة على البلاغ والبيان، وأحفظها للشريعة قولا وعملا، وأتبعها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن لم يثبت شيء من ذلك عن أحد منهم؛ فدل ذلك على أن حمل المصحف أو وضعه في السيارة أو متاع البيت أو خزينة المال لمجرد دفع الحسد أو الحفظ أو غيرهما من جلب نفع أو دفع ضر لا يجوز ].
أحد عشر:أن يكون الراقي مسلما عدلا من أهل الصلاح والتقوى معتقدا أن الله عز وجل هو الذي يشفي ملتزما بأحكام الشرع ويحسن القراءة على المرقي وعارفا بأحكام الرقية الشرعية ويفضل أن يكون من أهل العلم وليس ذلك بشرط على الصحيح من أقوال العلماء يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين:[ الذي أرى أنه لا يشترط أن يكون من أهل العلم إذا كان حافظا لكتاب الله معروفا بالتقى والصلاح ولم يقرأ إلا بالقرآن أو ما جاء عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا بأس، وليس من شرطه أن يكون عالما، وبعض العلماء يكون عالما لكن في القراءة يكون أقل من الآخرين أي من بعض الناس ].

(8/243)


ويقول الشيخ عبدالله بن جبرين:[ الصواب أنه يجوز استعمال الرقية من كل قارئ يحسن القرآن ويفهم معناه ويكون حسن المعتقد صحيح العمل مستقيما في سلوكه، ولا يشترط إحاطته بالفروع ولا دراسته للفنون العلمية، وذلك لقصة أبي سعيد في الذي رقى اللديغ قال: وما كنا نعرف منه الرقية أو كما قال، وعلى الراقي أن يحسن النية وأن يقصد نفع المسلم ولا يجعل همه المال والأجرة ليكون ذلك أقرب إلى الإنتفاع بقراءته].
ثالث عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرقية بضوابطها الشرعية، فقد أقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك كما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال:( انطلق نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط! الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، فقال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهما ) رواه البخاري ومسلم.

(8/244)


ومع القول بجواز أخذ الأجرة فالأولى أن يكون الراقي متبرعا بعمله لله تعالى قال الشيخ عبد الله الجبرين:[ يفضل أن الراقي يتبرع برقيته لنفع المسلمين واحتساب الأجر من الله في شفاء مرضى المسلمين وإزالة الضرر عنهم وأن لا يطلب أجرة على رقيته بل يترك الأمر إلى المرضى فإن دفعوا له أكثر من تعبه زهد فيها وردها وإن كانت دون حقه تغاضى عن الباقي وهذا من أكبر الأسباب لتأثير الرقية ].
وخلاصة الأمر أن المعالجة بالقرآن وبالأدعية النبوية المأثورة أمر مشروع وينبغي للراقي أن يكون من أهل الخير والصلاح والتقى ومن المتمسكين بدين الله ومن المحافظين على الصلوات وغيرها من العبادات وأن يكون صحيح العقيدة وبعيدا عن البدع والخرافات وغير ذلك من المنكرات. وعلى الراقي أن يلتزم بالأحكام الشرعية للعلاج - المذكورة سابقا - .

(8/245)


حديث النهي عن الامتشاط يوميا
يقول السائل: إنه سمع حديثا نبويا فيه ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يمتشط الرجل كل يوم ) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما دلالته إن صح أفيدونا.
الجواب:الحديث المذكور رواه أبو داود والنسائي والبيهقي ولفظه ( عن حميد بن عبد الرحمن قال لقيت رجلا صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما صحبه أبو هريرة - رضي الله عنه - أربع سنين قال نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله أو يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعا ) والحديث قال عنه الإمام النووي:رواه أبو داود بإسناد حسن، المجموع 1/293، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود 1/9.

(8/245)


ويجب أن يعلم أن النهي في الحديث ليس للتحريم وإنما لكراهة التنزيه فليس كل نهي وارد في الشرع يدل على التحريم، فإن كثيرا من النواهي الشرعية تدل على الكراهة التنزيهية وقد عجبت ممن جمعوا أحاديث النواهي الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحشروها في باب واحد وكأنها كلها تدل على التحريم مما أوقع كثيرا من طلبة العلم الشرعي في إشكالات كثيرة وكان الواجب أن يبينوا إما بيانا إجماليا أو بيانا تفصيليا أن من أحاديث النواهي ما هو محمول على الكراهة التنزيهية حتى يكون طلبة العلم على بصيرة.
والمراد من الحديث المذكور في السؤال أنه لا ينبغي أن يكون المسلم مترفها منعما يهتم كثيرا بتسريح شعره على سبيل المبالغة في ذلك وخير الأمور الوسط ومثله ما ورد في حديث آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -:( نهى عن الترجل إلا غبا ) رواه أبو داود والترمذي، وصححه والترجل والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:(إلا غبا ) أي يوما بعد يوم فلا يكره بل يسن فالمراد النهي عن المواظبة عليه والاهتمام به لأنه مبالغة في التزيين وتهالك به كما قاله المناوي في فيض القدير 6/404.
ومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عبد الله بن بريدة أن رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقدم عليه وهو يمد ناقة له فقال إني لم آتك زائرا إنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجوت أن يكون عندك منه علم فرآه شعثا فقال ما لي أراك شعثا وأنت أمير البلد؟ قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينهانا عن كثير من الإرفاه ) رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، والإرفاه: من الرفاهية وهي السعة والدعة والتنعم.

(8/246)


ويضاف إلى ذلك أنه قد وردت أحاديث كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العناية بالشعر وتنظيفه وتسريحه منها: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من كان له شعر فليكرمه ) . رواه أبو داود وقال صاحب عون المعبود:[ قوله (من كان له شعر فليكرمه) أي فليزينه ولينظفه بالغسل والتدهين والترجيل ولا يتركه متفرقا فإن النظافة وحسن المنظر محبوب ] عون المعبود شرح سنن أبي داود 11/147.
وقال الشوكاني:[ الحديث قال في الفتح : وإسناده حسن وله شاهد من حديث عائشة في الغيلانيات وإسناده حسن أيضا وسكت عنه أبو داود والمنذري وقد صرح أبو داود أيضا أنه لا يسكت إلا عما هو صالح للاحتجاج ورجال إسناده أئمة ثقات . وفيه دلالة على استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح وإعفائه عن الحلق لأنه يخالف الإكرام إلا أن يطول كما ثبت عند أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال : ( أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ولي شعر طويل فلما رآني قال : ذباب ذباب قال : فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال : إني لم أعنك ) و قوله : ذباب . قال صاحب النهاية : الذباب الشؤم أي هذا شؤم.
وأخرج مالك عن عطاء بن يسار قال : ( أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول - صلى الله عليه وسلم - كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع فقال - صلى الله عليه وسلم - أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان ) والثائر الشعث بعيد العهد بالدهن والترجيل .
وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - ( أنه كانت له جمة ضخمة فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم ) رواه النسائي .

(8/247)


قال الشوكاني أيضا:[ الحديث رجال إسناده كلهم رجال الصحيح وأخرجه أيضا مالك في الموطأ ولفظ الحديث عن أبي قتادة قال : ( قلت يا رسول الله إن لي جمة أفأرجلها قال : نعم وأكرمها ) فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله - صلى الله عليه وسلم - نعم وأكرمها ] نيل الأوطار 1/239-241 بتصرف.
وذكر المناوي أن حديث أبي قتادة محمول على أنه كان محتاجا للترجيل كل يوم لغزارة شعره أو هو لبيان الجواز وذكر الحافظ السيوطي في حاشية أبي داود قال الشيخ ولي الدين العراقي في حديث أبي داود نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أن يمتشط أحدنا كل يوم ) هو نهي تنزيه لا تحريم, والمعنى فيه أنه من باب الترفه والتنعم فيجتنب, ولا فرق في ذلك بين الرأس واللحية. فيض القدير 6/404.
وروى الإمام البخاري بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي- صلى الله عليه وسلم - ( يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض ).
وأخرج الترمذي في الشمائل عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( يكثر دهن رأسه, وتسريح لحيته ).
وذكر العلامة ابن القيم: حديث ( من كان له شعر فليكرمه ) وحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( نهى عن الترجل إلا غبا ) ورد على من قال بوقوع التعارض بينهما فقال:[ والصواب: أنه لا تعارض بينهما بحال, فإن العبد مأمور بإكرام شعره, ومنهي عن المبالغة والزيادة في الرفاهية والتنعم, فيكرم شعره, ولا يتخذ الرفاهية والتنعم ديدنه, بل يترجل غبا. هذا أولى ما حمل عليه الحديثان, وبالله التوفيق ] حاشية ابن القيم مطبوعة مع عون المعبود شرح سنن أبي داود 11/147.
وخلاصة الأمر أنه ينبغي للمسلم أن يحافظ على شعره ويكرمه وينظفه دون مبالغة في ذلك.

(8/248)


مناداة الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم غير ثابت
يقول السائل: سمعت حديثا ينص على أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم فهل ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفيدونا؟
الجواب: روي في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:( يدعى الناس يوم القيامة بأمهاتهم سترا من الله عز وجل عليهم ) وهذا الحديث مكذوب على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات 3/248، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة 2/449، وقال العجلوني:[ أخرجه ابن عدي عن أنس وقال منكر، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ] كشف الخفاء 2/394. وبهذا يظهر لنا أن الحديث المذكور حديث مكذوب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك أي أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم فقد روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:( إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان ). وقال الحافظ ابن حجر:[ حديث ابن عمر في الغادر يرفع له لواء لقوله فيه ( غدرة فلان ابن فلان ) فتضمن الحديث أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم... وقال ابن بطال: في هذا الحديث رد لقول من زعم أنهم لا يدعون يوم القيامة إلا بأمهاتهم سترا على آبائهم. قلت: هو حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس وسنده ضعيف جدا, وأخرج ابن عدي من حديث أنس مثله وقال: منكر أورده في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الطبري. قال ابن بطال: والدعاء بالآباء أشد في التعريف وأبلغ في التمييز. وفي الحديث جواز الحكم بظواهر الأمور. قلت: وهذا يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على ما هو في نفس الأمر وهو المعتمد] فتح الباري10/691.

(8/249)


وقال الشيخ ابن القيم:[ الفصل العاشر في بيان أن الخلق يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم هذا الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة ونص عليه الأئمة كالبخاري وغيره فقال في صحيحه باب يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم ثم ساق في الباب حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع الله لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان ) وفي سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم ) فزعم بعض الناس أنهم يدعون بأمهاتهم واحتجوا في ذلك بحديث لا يصح وهو في معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:( إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله الحديث وفيه فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه قال فلينسبه إلى أمه حواء يا فلان ابن حواء ) قالوا وأيضا فالرجل قد لا يكون نسبه ثابتا من أبيه كالمنفي باللعان وولد الزنا فكيف يدعى بأبيه؟ والجواب أما الحديث فضعيف باتفاق أهل العلم بالحديث، وأما من انقطع نسبه من جهة أبيه فإنه يدعى بما يدعى به في الدنيا فالعبد يدعى في الآخرة بما يدعى به في الدنيا من أب أو أم والله أعلم ] تحفة المودود ص 139.

(8/250)


وقال الشيخ ابن القيم في موضع آخر:[ وفي هذا الحديث – حديث أبي الدرداء -: رد على من قال: إن الناس يوم القيامة إنما يدعون بأمهاتهم, لا آبائهم وقد ترجم البخاري في صحيحه لذلك فقال ( باب يدعى الناس بآبائهم ) وذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ( الغادر يرفع له لواء يوم القيامة؟ يقال له: هذه غدرة فلان بن فلان ). واحتج من قال بالأول. بما رواه الطبراني في معجمه من حديث سعيد بن عبد الله الأودي قال ( شهدت أبا أمامة - وهو في النزع - قال: إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره , فليقم أحدكم على رأس قبره , ثم ليقل يا فلان بن فلانة , فإنه يسمعه ولا يجيبه, ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله - فذكر الحديث - وفيه فقال رجل يا رسول الله, فإن لم يعرف أمه, قال: فلينسبه إلى أمه حواء فلان بن حواء ). ولكن هذا الحديث متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة فضلا عن أن يعارض به ما هو أصح منه. وحديث التلقين الذي ورد في كلام العلامة ابن القيم السابق احتج به من يرى أن الميت يدعى بأمه ففيه ( يا فلان بن فلانة ) فهذا الحديث ورد عن جابر بن سعيد الأزدي قال:( دخلت على أبي أمامة وهو في النزع فقال لي: يا أبا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصنع بموتانا فإنه قال: إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة! فإنه يستوي قاعدا فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول أرشدني رحمك الله فليقل: اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا شهادة أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول له: ما نصنع عند رجل لقن حجته؟ فيكون الله حجيجهما

(8/251)


دونه ) قال الشيخ الألباني: منكر. أخرجه القاضي الخلعي في الفوائد 2/55، قلت - أي الألباني - :[ وهذا إسناد ضعيف جدا لم أعرف أحدا منهم غير عتبة بن السكن . قال الدار قطني: متروك الحديث. وقال البيهقي: واه منسوب إلى الوضع. والحديث أورده الهيثمي. وقال: رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جماعة لم أعرفهم ] ثم ذكر الشيخ الألباني أن الأئمة النووي وابن الصلاح والحافظ العراقي قد ضعفوا الحديث. السلسلة الضعيفة 2/64-65. ونقل ابن علان قول الحافظ ابن حجر بعد تخريج حديث أبي أمامة:[ هذا حديث غريب وسند الحديثين من الطريقين ضعيف جدا] الفتوحات الربانية على الأذكار النووية 4/196. وقال الصنعاني:[ ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله ] سبل السلام 2/234. وورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي يده كتابان فقال:( أتدرون ما هذان الكتابان )؟ فقلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال( هذا كتاب رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ... ) الحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي والطبراني وابن عاصم وغيرهم، وقال الشيخ الألباني حديث حسن. وهذا الحديث يدل على أن الناس يدعون بآبائهم يوم القيامة.
وخلاصة الأمر أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم كما صحت الأحاديث بذلك ولا يدعون بأمهاتهم. وعلى المسلم أن يستعد لليوم الآخر بالعمل الصالح فإن استعد بالعمل الصالح فلا يؤثر عليه إن دعي بأبيه أو أمه.

(8/252)


حديث ( تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله )
يقول السائل: سمعت حديثا يقول ( تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما معناه؟
الجواب: هذا الحديث ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وله عدة ألفاظ منها ما رواه الطبراني في المعجم الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ) وفي رواية أخرى ( فإنكم لن تدركوه إلا بالتصديق ) وفي رواية ثالثة (لا تفكروا في الله وتفكروا في خلق الله ) وفي رواية رابعة ( تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ) والحديث بمجموع طرقه حديث حسن كما بين ذلك العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/395-397. وفي صحيح الجامع الصغير 1/572.
إذا تقرر هذا فإن المراد بالحديث أن يتفكر الإنسان في مخلوقات الله وفي نعم الله عز وجل، وقد أمرنا الله عز وجل أن نتفكر فيما خلق في آيات كثيرة منها: قوله تعالى { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } سورة الغاشية الآية 17..وقوله تعالى: { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } سورة الأنعام الآية99.

(8/253)


وقوله تعالى: { أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون } سورة الأعراف 185.وقوله تعالى: { قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } سورة يونس الآية 101.وقوله تعالى: { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير } سورة العنكبوت الآية 20.وقوله تعالى: { فانظر إلى ءاثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } سورة الروم الآية 50.وقوله تعالى: { فلينظر الإنسان إلى طعامه } سورة عبس الآية 24.وغير ذلك من الآيات الكريمات.
ولا ينبغي التفكر في ذات الله لأن التفكر في ذات الله قد يقود الإنسان إلى الشك وهذا الأمر من وساوس الشيطان ومن إضلاله للمؤمن ليخرجه من الإيمان إلى الكفر والعياذ بالله ولن يستطيع الإنسان بعقله المحدود أن يعرف قدر الله سبحانه وتعالى، قال جل جلاله:(ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) سورة البقرة الآية 255. وقال تعالى:(ولا يحيطون به علما) سورة طه الآية110. وقال تعالى:(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير))سورة الشورى الآية 11.

(8/254)


قال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المرضية عند أهل السنة والجماعة ما نصه:[ ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله ]. وقال الشيخ ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية في شرح العبارة السابقة:[ يشير الشيخ رحمه الله إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل وذم علمهم فإنهم يتكلمون في الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) سورة النجم الآية 23. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال:[ لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ...] شرح العقيدة الطحاوية ص 427.

(8/255)


وقد علمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - كيفية معالجة شكوك ووساوس الشيطان عندما يعرض لنا فقد ورد في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال :( يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته ) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول:الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل: آمنت بالله ورسوله ) رواه أحمد والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم 1656. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :( يوشك الناس يتساءلون، حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك؛ فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذ من الشيطان) رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 2/24. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :( إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول الله. فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقرأ آمنت بالله ورسله فإن ذلك يذهب عنه ) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 2/22. وفي صحيح الجامع حديث رقم 1657 .وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( من وجد من هذا الوسواس، فليقل: آمنا بالله ورسوله ثلاثا فإن ذلك يذهب عنه ) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 2/22. وفي صحيح الجامع حديث رقم 6587. وقد ذكر بعض أهل العلم أنه يؤخذ من

(8/256)


هذه الأحاديث ست وسائل للتغلب على وساوس الشيطان: 1- أن يقول المرء إذا انتابته هذه الخواطر: آمنت بالله ورسوله. 2- أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فيقول مثلا:( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه). 3- أن يتفل عن يساره ثلاثا. 4- أن ينتهي عما هو فيه، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ( ولينته )، وهذه وسيلة مهمة؛ فإن الاستطراد مع الشيطان في هذه الوساوس يزيد نارها اشتعالا وضراما، والواجب أن يقطع المسلم هذه الخواطر بقدر المستطاع، وأن يشغل ذهنه بالمفيد النافع. 5- أن يقرأ سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) فإن فيها ذكر صفات الرحمن، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، وقراءة هذه السورة العظيمة وتدبرها كفيل بقطع هذه الوساوس. 6- أن يتفكر الإنسان في خلق الله، وفي نعم الله، ولا يتفكر في ذات الله، لأنه لن يصل بعقله القاصر إلى تصور ذات الله، قال تعالى: { ولا يحيطون به علما } سورة طه الآية 110انتهى.وقال الشيخ العلامة الألباني بعد أن ذكر الأحاديث السابقة:[ دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله: من خلق الله؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث المذكورة، وخلاصتها أن يقول:[ آمنت بالله ورسله، الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. ثم يتفل عن يساره ثلاثا، ويستعيذ بالله من الشيطان، ثم ينتهي عن الانسياق مع الوسوسة وأعتقد أن من فعل ذلك طاعة لله ورسوله، مخلصا في ذلك أنه لا بد أن تذهب الوسوسة عنه، ويندحر شيطانه لقوله - صلى الله عليه وسلم -:( فإن ذلك يذهب عنه). وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه القضية، فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها. ومن المؤسف أن أكثر الناس في غفلة عن هذا التعليم النبوي الكريم، فتنبهوا أيها المسلمون وتعرفوا إلى سنة نبيكم واعملوا بها، فإن فيها شفاؤكم وعزكم ] السلسلة الصحيحة 2/25.
وخلاصة الأمر أن الحديث ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن المطلوب من المسلم أن يتفكر في مخلوقات الله عز وجل وآلائه وأن لا يتفكر في ذات الله لأن التفكير في ذات الله من المضلات والعياذ بالله.

(8/257)


حديث أمر موسى بالسجود لقبر آدم عليه السلام مكذوب
يقول السائل: إنه قرأ الحديث التالي ويسأل عن صحته والحديث هو:( ذكر أن إبليس جاء إلى موسى صلوات الله تعالى وسلامه عليه فقال له: أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلمك تكليما، وإنما أنا خلق من خلق الله تعالى أردت أن أتوب إلى ربك فاسأله أن يتوب علي ففرح بذلك موسى فدعا وصلى ما شاء الله تعالى. ثم قال: يا رب إنه إبليس خلق من خلقك يسألك التوبة فتب عليه. فقيل له: يا موسى إنه لا يتوب. فقال: يا رب إنه يسألك التوب. فأوحى الله تعالى: إني استجبت لك يا موسى فمره أن يسجد لقبر آدم فأتوب عليه فرجع موسى مسرورا فأخبره بذلك، فغضب من ذلك واستكبر ثم قال: أنا لم أسجد له حيا أأسجد له ميتا...).

(8/258)


الجواب: هذا الحديث ليس ثابتا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما ذكره بعض أهل التفسير كالسيوطي حيث ذكره عند تفسير قوله تعالى: { وعلم ءادم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال ياآدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } سورة البقرة الآيات 31- 33، قال السيوطي في الدر النثور:[ أخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن ابن عمر قال : لقي إبليس موسى فقال : يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلمك تكليما إذ تبت ؟ وأنا أريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي قال موسى : نعم . فدعا موسى ربه فقيل : يا موسى قد قضيت حاجتك ، فلقي موسى إبليس قال : قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك . فاستكبر وغضب وقال : لم أسجد له حيا أأسجد له ميتا ؟ ثم قال إبليس : يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن . اذكرني حين تغضب فإني أجري منك مجرى الدم، واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف . فأذكره ولده وزوجته حتى يولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها ] وذكره السيوطي أيضا في الجامع الصغير ورمز لضعف الحديث انظر فيض القدير 3/166.
وكذلك فإن الشيخ الألباني قد ضعف الحديث في ضعيف الجامع الصغير ص 326 حديث رقم 2213 وذكر أن الحكيم الترمذي رواه في كتاب أسرار الح.

(8/259)


وقد ورد هذا الحديث في حادثة أخرى مع نوح عليه السلام كما ذكره السيوطي في الدر المنثور في تفسير سورة هود فقال [ ... وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال : لما رست السفينة سفينة نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كوتل السفينة . . . ! فقال له نوح عليه السلام : ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك . ؟ ! قال له إبليس : فما أصنع ؟ قال : تتوب . قال : فسل ربك هل لي من توبة ؟ فدعا نوح ربه، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم . قال : قد جعلت لك توبة قال : وما هي ؟ قال : تسجد لقبر آدم . قال : تركته حيا وأسجد له ميتا ؟ !] .
وبهذا يظهر لنا أن الحديث غير ثابت رواية كم أنه مردود دراية فالله سبحانه وتعالى لا يأمر أحدا من خلقه أن يسجد لقبر فإن السجود لغير الله شرك أكبر ويبدو أن الحديث من وضع بعض عباد القبور.

(8/260)


حديث استئذان ملك الموت على النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ثابت
يقول السائل: إنه سمع حديث استئذان ملك الموت على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند وفاته وأنه ما استأذن على آدمي قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يستأذن على آدمي بعده، فهل هذا الحديث ثابت أفيدونا؟
الجواب: حديث استئذان ملك الموت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد بعدة روايات منها:
عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رجلا من قريش دخل على أبيه علي بن الحسين، فقال: ألا أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بلى حدثنا عن أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - قال: لما مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل فقال: يا محمد! إن الله أرسلني إليك تكريما لك، وتشريفا لك، خاصة لك؛ يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبريل! مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا، ثم جاءه اليوم الثاني، فقال له ذلك، فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث، فقال له كما قال أول يوم، ورد عليه، كما رد عليه، وجاء معه ملك - يقال له إسماعيل - على مئة ألف ملك، كل ملك على مئة ألف ملك، فاستأذن عليه، فسأله عنه؟ ثم قال جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك؛ ما استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال : ائذن له، فأذن له، فسلم عليه، ثم قال : يا محمد! إن الله أرسلني إليك؛ فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضت، وإن أمرتني أن أتركه تركته! فقال: وتفعل يا ملك الموت؟!، قال: نعم، بذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك، قال: فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل عليه السلام فقال جبريل: يا محمد! إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لملك الموت: امض لما أمرت به، فقبض روحه، فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاءت التعزية؛ سمعوا صوتا من ناحية البيت! السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فاتقوا وإياه فارجوا؛ فإنما المصاب من حرم الثواب! فقال علي: أتدرون من هذا هو الخضر عليه السلام ) رواه البيهقي في دلائل النبوة وذكره صاحب مشكاة المصابيح وقال الشيخ الألباني في تعليقه على المشكاة :[ إسناده واه وكل حديث فيه حياة الخضر إلى عهده - صلى الله عليه وسلم - لا

(8/261)


يصح ] مشكاة المصابيح 3/1685 .
وجاء في رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها لما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأوا منه خفة في أول النهار فتفرق عنه الرجال إلى منازلهم وحوائجهم مستبشرين وأخلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنساء فبينا نحن على ذلك لم نكن على مثل حالنا في الرجاء والفرح قبل ذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أخرجن عني! هذا الملك يستأذن علي" فخرج من في البيت غيري ورأسه في حجري فجلس وتنحيت في جانب البيت فناجى الملك طويلا، ثم إنه دعاني فأعاد رأسه في حجري وقال للنسوة "ادخلن" فقلت. ما هذا بحس جبريل عليه السلام؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أجل يا عائشة هذا ملك الموت جاءني فقال:إن الله عز وجل أرسلني وأمرني أن لا أدخل عليك إلا بإذن، فإن لم تأذن لي ارجع وإن أذنت لي دخلت، وأمرني أن لا أقبضك حتى تأمرني، فماذا أمرك؟ فقلت: اكفف عني حتى يأتيني جبريل عليه السلام، فهذه ساعة جبريل" فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها، فاستقبلنا بأمر لم يكن له عندنا جواب ولا أرى، فوجمنا وكأنما ضربنا بصاخة ما نحير إليه شيئا وما يتكلم أحد من أهل البيت إعظاما لذلك الأمر وهيبة ملأت أجوافنا، قالت وجاء جبريل في ساعته فسلم فعرفت حسه وخرج أهل البيت فدخل فقال: إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول؛ كيف تجدك وهو أعلم بالذي تجد منك، ولكن أراد أن يزيدك كرامة وشرفا وأن يتم كرامتك وشرفك على الخلق وأن تكون سنة في أمتك فقال "أجدني وجعا" فقال: أبشر فإن الله تعالى أراد أن يبلغك ما أعد لك فقال "يا جبريل إن ملك الموت استأذن علي" وأخبره الخبر فقال جبريل: يا محمد إن ربك إليك مشتاق ألم يعلمك الذي يريد بك؟ لا والله تعالى ما استأذن ملك الموت على أحد قط ولا يستأذن عليه أبدا، إلا أن ربك متم شرفك وهو إليك مشتاق، قال "فلا تبرح إذن حتى يجيء" وأذن للنساء فقال "يا فاطمة ادني" فأكبت

(8/262)


عليه فناجاها فرفعت رأسها وعيناها تدمع وما تطيق الكلام، ثم قال "ادني مني رأسك" فأكبت عليه فناجاها فرفعت رأسها وهي تضحك وما تطيق الكلام، فكان الذي رأينا منها عجبا، فسألتها بعد ذلك فقالت أخبرني وقال "إني ميت اليوم" فبكيت ثم قال "إني دعوت الله أن يلحقك بي في أول أهلي وأن يجعلك معي" فضحكت، وأدنت ابنيها منه فشمهما قالت. وجاء ملك الموت واستأذن فأذن له فقال الملك. ما تأمرنا يا محمد؟ قال "ألحقني بربي الآن" فقال بلى من يومك هذا إما إن ربك إليك مشتاق ولم يتردد عن أحد تردده عنك ولم ينه عن الدخول على أحد إلا بإذن غيرك ولكن ساعتك أمامك وخرج قالت وجاء جبريل فقال السلام عليك يا رسول الله هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض أبدا "طوي الوحي وطويت الدنيا وما كان لي في الأرض حاجة غيرك، وما لي فيها حاجة إلا حضورك، ثم لزوم موقفي لا والذي بعث محمدا بالحق ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة ولا يبعث إلى أحد من رجاله، لعظم ما يسمع من حديثه ووجدنا وإشفاقنا، فقالت: فقمت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أضع رأسه بين ثديي وأمسكت بصدره. وجعل يغمى عليه حتى يغلب وجبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قط، فجعلت أسلت ذلك العرق وما وجدت رائحة شيء أطيب منه فكنت أقول له - إذا أفاق - بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي ما تلقى جبهتك من الرشح؟ فقال "يا عائشة إن نفس المؤمن تخرج بالرشح ونفس الكافر تخرج من شدقيه كنفس الحمار" فعند ذلك ارتعنا وبعثنا إلى أهلنا، فكان أول رجل جاءنا ولم يشهده أخي، بعثه إلى أبي، فمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يجيء أحد، وإنما صدهم الله عنه لأنه ولاه جبريل وميكائيل، وجعل إذا أغمي عليه قال (بل الرفيق الأعلى) كأن الخيرة تعاد عليه، فإذا أطاق الكلام قال:(الصلاة، الصلاة!) إنكم لا تزالون متماسكين ما صليتم جميعا، (الصلاة! الصلاة!) كان يوصي بها حتى مات وهو يقول (الصلاة! الصلاة!)

(8/263)


بطوله في مجيء ملك الموت ثم ذهابه ثم مجيء جبريل ثم مجيء ملك الموت ووفاته - صلى الله عليه وسلم - .
قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء : [ أخرجه الطبراني في الكبير من حديث جابر وابن عباس مع اختلاف في حديث طويل فيه: فلما كان يوم الاثنين اشتد الأمر وأوحى الله إلى ملك الموت أن اهبط إلى حبيبي وصفيي محمد - صلى الله عليه وسلم - في أحسن صورة وارفق به في قبض روحه. وفيه دخول ملك الموت واستئذانه في قبضه فقال (يا ملك الموت أين خلفت حبيبي جبريل" قال خلفته في سماء الدنيا والملائكة يعزونه فيك، فما كان بأسرع أن أتاه جبريل فقعد عند رأسه وذكر بشارة جبريل له بما أعد الله له، وفيه أدن يا ملك الموت فانته إلى ما أمرت به... الحديث. وفيه: فدنا ملك الموت يعالج قبض روح النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر به لذلك، إلى أن قال: فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو حديث طويل في ورقتين كبار وهو منكر، وفيه عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه قال أحمد: كان يكذب على وهب بن منبه، وأبوه إدريس أيضا متروك قاله الدارقطني، ورواه الطبراني أيضا من حديث الحسين بن علي: أن جبريل جاءه أولا فقال له عن ربه كيف تجدك ثم جاءه جبريل اليوم الثالث ومعه ملك الموت وملك الهواء إسماعيل وأن جبريل دخل أولا فسأله ثم استأذن ملك الموت وقوله امض لما أمرت به).
وهو منكر أيضا فيه عبد الله بن ميمون القداح قال البخاري ذاهب... الحديث ورواه أيضا من حديث ابن عباس في مجيء ملك الموت أولا واستئذانه وقوله. إن ربك يقرئك السلام فقال "أين جبريل" فقال هو قريب مني الآن يأتي فخرج ملك الموت حتى نزل عليه جبريل... الحديث وفيه المختار بن نافع منكر الحديث. وقال الشوكاني:[ وفي إسناده القاسم بن عبد الله بن عمر وهو متروك وقد كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقال أحمد إنه كان يضع الحديث ] تحفة الذاكرين ص 316.

(8/264)


وقال العلامة ابن القيم عند تعداده للضوابط التي يعرف بها أن الحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ومنها الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد ] المنار المنيف ص 67 .
وقال الشيخ الألباني أيضا عن الحديث السابق:[ موضوع – أي مكذوب – أخرجه الإمام الشافعي في السنن عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن جعفر . وهذا إسناد ضعيف جدا على إرساله، آفته القاسم هذا – وهو العمري المدني – قال الإمام أحمد: ليس بشيء كان يكذب ويضع الحديث . وكذبه ابن معين أيضا، ولهذا قال الحافظ في التقريب: متروك رماه أحمد بالكذب ] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 11/2/642-643.
وقال محقق كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من وظائف:[ وهذا الحديث بطوله فيه انقطاع فإن محمدا الباقر والد جعفر الصادق وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب تابعي لم يدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ولا أبوه زين العابدين ] لطائف المعارف ص 212.

(8/265)


وجاء في رواية أخرى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما كان قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلاثة أيام هبط عليه جبريل فقال: يا محمد إن الله عز وجل أرسلني إليك إكراما لك، وتفضيلا لك، وخاصة لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أجدني يا جبريل مغموما وأجدني يا جبريل مكروبا، فلما كان اليوم الثالث، هبط جبريل وهبط مع ملك الموت وهبط معهما ملك الهواء يقال له: إسماعيل على سبعين ألف ملك، ليس فيهم ملك إلا على سبعين ألف ملك يشيعهم جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراما لك، وتفضيلا لك، وخاصة لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا، فاستأذن ملك الموت على الباب فقال له جبريل: يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولا استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: ائذن له، فأذن له جبريل فأقبل حتى وقف بين يديه فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك، فيما أمرتني به، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت تركتها، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتفعل يا ملك الموت؟ قال: نعم وبذلك أمرت أن أطيعك فيما أمرتني به، فقال له جبريل: إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: امض لما أمرت به، فقال له جبريل: هذا آخر وطئي الأرض، إنما كنت حاجتي في الدنيا، فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاءت التعزية جاء آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات، فبالله ثقوا، وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) رواه الطبراني وفيه: عبد الله بن ميمون القداح ، قال أبو حاتم وغيره متروك .
وقال الهيثمي :[ رواه الطبراني وفيه عبد الله بن ميمون القداح ذاهب الحديث ] مجمع الزوائد 9/35.
وقال الشيخ الألباني عن عبد الله بن ميمون القداح:[ قلت: والقداح هذا، قال أبو حاتم: متروك. وقال البخاري: ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به. وفي التقريب: منكر الحديث متروك. وبه أعله الهيثمي في مجمع الزوائد 9/35. ] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 11/2/643.
وخلاصة الأمر أن حديث استئذان ملك الموت على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند وفاته لا يصح ولا يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل هو من الأحاديث الواهية ولا تجوز رواية مثل هذا الحديث إلا مع بيان درجته.

(8/266)


قصة غدير خم
يقول السائل: هل الحديث الوارد في قصة غدير خم وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد إلى علي - رضي الله عنه - بالخلافة ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفيدونا؟
الجواب:أولا أذكر أن غدير خم هو موضع بين مكة و المدينة، و هو واد عند الجحفة به غدير، يقع شرق رابغ البلدة المعروفة في الحجاز. وأما الحديث فقد روى مسلم بإسناده عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال:أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ) وروى الإمام أحمد في مسنده عدة أحاديث في قصة غدير خم منها

(8/267)


( عن زاذان أبي عمر قال سمعت عليا في الرحبة وهو ينشد الناس من شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم غدير خم وهو يقول ما قال، فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهو يقول من كنت مولاه فعلي مولاه )ومنها عن سعيد بن وهب وزيد بن يثيع قالا نشد علي الناس في الرحبة من سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم غدير خم إلا قام قال فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لعلي - رضي الله عنه - يوم غدير خم أليس الله أولى بالمؤمنين قالوا بلى قال اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) وغير ذلك. وقصة غدير خم صحيحة ثابتة كما قال أهل الحديث ولكن ما يدعيه الشيعة من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد إلى علي - رضي الله عنه - بالخلافة وأوصى بالخلافة له محض افتراء وكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ ليس في هذا الحديث – حديث غدير خم – ما يدل على أنه نص على خلافة علي - رضي الله عنه -، إذ لم يرد به الخلافة أصلا، و ليس في اللفظ ما يدل عليه، ولو كان المراد به الخلافة لوجب أن يبلغ مثل هذا الأمر العظيم بلاغا بينا] منهاج السنة 4/84-85.

(8/268)


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا عند ذكره حديث غدير خم مرجعه - صلى الله عليه وسلم - من حجة الوداع، فإنه - صلى الله عليه وسلم - خطب فيه خطبة وصى فيها بإتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك، حتى زعموا أنه عهد إلى علي - رضي الله عنه - بالخلافة بالنص الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاما وعملا قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسقوا وكفروا إلا نفرا قليلا . ] اقتضاء الصراط المستقيم 1/293.
و قال الشيخ ابن كثير:[ و أما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى - أي النبي - صلى الله عليه وسلم - - إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم، يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة وممالأتهم بعده على ترك تنفيذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب ] البداية والنهاية 7/225.
وخلاصة الأمر أن حديث الغدير صحيح ولكن ادعاء الشيعة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصى لعلي - رضي الله عنه - بالخلافة كذب وافتراء.
- - -
تم الكتاب بحمد الله تعالى
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
المقدمة ... 5
الطهارة والصلاة ... 9
حكم قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد ... 11
الانحراف اليسير في قبلة المسجد لا يبطل الصلاة ... 15
لا تصح الصلاة بقراءة القرآن بغير اللغة العربية ... 17
حكم الصلاة جلوسا على الكرسي ... 20
ترك صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك والصلاة في مساجد ضواحي القدس ... 24
حكم طرد الأطفال من المسجد بحجة التشويش على المصلين ... 28
حكم الجلوس للتعزية ثلاثة أيام ... 32
الصيام ... 36
حكم الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول شهر رمضان ... 37

(8/269)


اختلاف بدء الصوم من بلد لآخر ... 42
الصوم والفطر مع الجماعة ... 43
يجوز للحائض إذا طهرت أثناء النهار الأكل والشرب والأولى أن تمسك بقية يومها لحرمة الشهر ... 47
المجاهرة بالفطر في رمضان من كبائر الذنوب ... 48
الخطأ في الفطر ... 51
تذكير الناسي للصيام ... 54
حكم صوم يوم السبت في غير الفريضة ... 56
الصوم في العشر الأوائل من شهر ذي الحجة ... 68
الحج والعمرة ... 71
حكم الحج عن السجين المحكوم بالمؤبد ... 72
لا يشترط في النائب بالحج أن يخرج للحج من بلد المحجوج عنه ... 74
مات شخص قبل أن يحج الفريضة وهو مستطيع ... 75
لا يجوز ذبح الهدي في بلد الحاج ... 79
المشروع عند استقبال الحجاج ... 81
التطوع بإنفاق المال في وجوه الخير أولى من تكرار العمرة ... 82
لا فضيلة خاصة للعمرة في شهر رجب ... 86
الأيمان ... 90
الاستثناء في اليمين ... 91
يحرم الكذب في اليمين لتحصيل أمر دنيوي ... 94
المعاملات ... 98
الأصل في المعاملات الإباحة ... 99
حكم التعامل ببطاقات الائتمان ... 104
المضاربة الصحيحة ... 108
فتوى المفتي لا تحل المال الحرام ولا غيره ... 111
فوائد صندوق التوفير هي الربا المحرم ... 115
يجوز للشريك أن يتقاضى راتبا شهريا ... 119
لا يصح البيع بدون ذكر الثمن عند العقد ... 121
يجوز أخذ التعويض بسبب شرعي ... 123
حكم ما يعرف بجمعية الموظفين ... 127
الرد على فتوى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر التي أباحت فوائد البنوك ... 131
ضمان ما يتلفه الحيوان ... 149
يحرم بيع اللحوم المثلجة المستوردة على أنها لحوم طازجة ... 153
المرأة والأسرة ... 159
قراءة الفاتحة عند الخطبة لا تعتبر عقدا ... 160
خروج المرأة من بيتها بغير جلباب من كبائر الذنوب ... 161
الحجاب ومسألة التكفير ... 165
القواعد من النساء ... 169
الإحسان إلى الزوجة من واجبات الزوج ... 173
لا ينبغي البحث عن الماضي السيئ للزوجين ... 178

(8/270)


لا تصح الرجعة بالنية المجردة عن القول أو الفعل ... 182
وطء الزوجة في الدبر من المحرمات ولكنه لا يعد طلاقا ... 187
عدم الالتزام بالأحكام الشرعية يجلب المصائب ... 191
حكم إسقاط الحمل الناتج عن اغتصاب ... 194
حدود طاعة الوالدين ... 198
توريث القاتل خطأ من مال مورثه المقتول ... 202
متفرقات ... 207
العمل عند تضارب الفتوى ... 208
لا يترتب حكم شرعي على رؤية سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام ... 212
الرقية الشرعية ... 217
حديث النهي عن الامتشاط يوميا ... 224
مناداة الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم غير ثابت ... 228
حديث ( تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ) ... 231
حديث أمر موسى بالسجود لقبر آدم عليه السلام مكذوب ... 235
حديث استئذان ملك الموت على النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ثابت ... 237
قصة غدير خم ... 243
الفهرس ... 245
الأعمال العلمية للمؤلف الدكتور .حسام الدين عفانه
الحقيقة والمجاز في الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية
( رسالة الماجستير )
بيان معاني البديع في أصول الفقه ( رسالة الدكتوراه )
الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية ( كتاب )
أحكام العقيقة في الشريعة الإسلامية ( كتاب )
يسألونك الجزء الأول ( كتاب )
يسألونك الجزء الثاني ( كتاب )
بيع المرابحة للآمر بالشراء على ضوء تجربة شركة بيت المال الفلسطيني العربي
( كتاب )
صلاة الغائب دراسة فقهية مقارنة ( كتاب )
يسألونك الجزء الثالث ( كتاب )
يسألونك الجزء الرابع ( كتاب )
يسألونك الجزء الخامس ( كتاب )
المفصل في أحكام الأضحية ( كتاب )
شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي ( دراسة وتعليق وتحقيق)
فهارس مخطوطات مؤسسة إحياء التراث الإسلامي 12 جزءا بالاشتراك
( صدر الأول منها )
الفتاوى الشرعية (1) بالاشتراك ( هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي )

(8/271)


الفتاوى الشرعية (2) بالاشتراك ( هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي )
الشيخ العلامة مرعي الكرمي وكتابه دليل الطالب ( بحث )
الزواج المبكر ( بحث )
الإجهاض ( بحث )
مسائل مهمات في فقه الصوم والتراويح والقراءة على الأموات ( كتاب )
مختصر كتاب جلباب المرأة المسلمة للعلامة المحدث الألباني ( كتاب )
اتباع لا ابتداع ( كتاب )
بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود للغزي التمرتاشي ( دراسة وتعليق وتحقيق )
يسألونك الجزء السادس ( كتاب )
رسالة إنقاذ الهالكين للعلامة محمد البركوي ( دراسة وتعليق وتحقيق )
الخصال المكفرة للذنوب ( يتضمن تحقيق مخطوط للخطيب الشربيني ) ( كتاب )
أحاديث الطائفة الظاهرة وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين
( كتاب )
التنجيم ( بحث بالاشتراك )
الحسابات الفلكية ( بحث بالاشتراك )
يسألونك الجزء السابع ( كتاب )
المفصل في أحكام العقيقة ( كتاب )
يسألونك الجزء الثامن ( كتاب )
يسألونك الجزء التاسع ( هذا الكتاب )
www.yasaloonak.netموقع الدكتور حسام الدين على شبكة الانترنت
وعنوان البريد الإلكتروني : yasaloonak.net.fatawa@

(8/272)


يسألونك
الجزء العاشر
تأليف : الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه
رئيس دائرة الفقه والتشريع
كلية الدعوة وأصول الدين / جامعة القدس
الطبعة الأولى
بيت المقدس
1426هـ / 2005م
توزيع
المكتبة العلمية ودار الطيب للطباعة والنشر
القدس / أبوديس / شارع جامعة القدس تلفون ( 2791365)
طباعة وتنسيق: شفاء بنت حسام الدين عفانه
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } سورة آل عمران الآية 102.
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } النساء الآية 1
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } سورة الأحزاب الآيتان 70-71.
أما بعد

(9/1)


فإن العلم أمانة ورعاية، وصيانة وخشية وورع، ومسؤولية عظيمة، وإن أهل العلم عامة، وأهل الفتيا خاصة، مطالبون بحفظ الأمانة وأدائها على الوجه الصحيح، ومما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان، ما يقوم به بعض المنتسبين للعلم الشرعي، من إهدار لكرامة العلم الشرعي، وتشويه صورته، وتسويد محياه، والانحراف عن نهج العلماء العاملين، حملة الدين المخلصين، الذين ذكرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث:( ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) وهو حديث مشهور صححه الإمام أحمد والحافظ ابن عبد البر وغيرهما.
فترى هؤلاء يقفون في مواطن الريب والشبهات، وترى بعضهم يزج بنفسه في أماكن وملتقيات، يجب أن يتنزه آحاد المسلمين عن التواجد فيها، فضلا عن علمائهم.
وترى بعضهم يفتي في قضايا إرضاء لذوي الجاه والمال والسلطان، وترى بعضهم يظهر في بعض الفضائيات مع المذيعات المتبرجات يفتي في الحلال والحرام، وينسى نفسه، إن هذا لشيء عجاب!!
وترى بعضهم يدافع بكل ما أوتي من قوة عن الظلمة والفسقة والطغاة، بل عن الكفار، وترى بعضهم يكيل المديح للفساق والفاسقات، ويصفهم بأرفع الصفات.
وترى بعضهم يسير على قول القائل: النفاق سيد الأخلاق، وترى ... وترى... وترى ...
إن واجب أهل العلم الشرعي والمنتسبين له، أن يكونوا كما كان سلفهم من العلماء الربانيين، ورثة الأنبياء، وصفوة الأتقياء، السائرين على هدي المصطفى - صلى الله عليه وسلم -،الجامعين بين العلم والعمل، فإن فرقوا بينهما فقد خابوا وخسروا،وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل).
وقال الخطيب البغدادي:[ ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يعد عالما من لم يكن بعلمه عاملا.

(9/2)


وقيل: العلم والد، والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل مادمت مستوحشا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرا في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما، ... والقليل من هذا - أي العلم - مع القليل من هذا - أي العمل- أنجى في العاقبة، إذا تفضل الله بالرحمة، وتمم على عبده النعمة، فأما المدافعة والإهمال، وحب الهوينا والاسترسال، وإيثار الخفض والدعة، والميل مع الراحة والسعة، فإن خواتم هذه الخصال، ذميمة وعقباها كريهة وخيمة.
والعلم يراد للعمل، كما العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرا عن العلم، كان العلم كلا على العالم، ونعوذ بالله من علم عاد كلا، وأورث ذلا، وصار في رقبة صاحبه غلا.] اقتضاء العلم العمل ص 14- 15.
وقال الحسين بن منصور في آداب العلماء [ الثالث: أن يصون العلم كما صانه علماء السلف، ويقوم له بما جعله الله تعالى له من العزة والشرف، فلا يدنسه بالأطماع، ولا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا، من غير ضرورة أو حاجة أكيدة، ولا إلى من يتعلمه منه منهم، وإن عظم شأنه وكبر قدره وسلطانه.
قال الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم. وقال مالك بن أنس للمهدي وقد استدعاه لولديه يعلمهما: العلم أولى أن يوقر ويؤتى، وفي رواية: العلم يزار ولا يزور ويؤتى ولا يأتي. وفي رواية: أدركت أهل العلم يؤتون ولا يأتون، ويروى عنه أيضا أنه قال: دخلت على هارون الرشيد فقال يا أبا عبد الله: ينبغي أن تختلف إلينا - أي تزورنا - حتى يسمع صبياننا منك الموطأ، قال: فقلت أعزك الله إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز، وإن أذللتموه ذل والعلم يؤتى ولا يأتي، فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع من سمع الناس.]
وصدق القائل:
يا معشر القراء يا ملح البلد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟

(9/3)


ولله در القاضي الجرجاني حيث قال:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما!
ولكن أهانوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما!
وختاما فهذا هو الجزء العاشر من كتابي يسألونك وأصله حلقات تنشر صباح كل يوم جمعة في جريدة القدس المقدسية وسلكت فيه المنهج الذي سلكته في الأجزاء السابقة من اعتماد على كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى فهم سلف هذه الأمة، فإن أصبت فذلك الفضل من الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأختم بما قاله القاضي البيساني يرحمه الله:[ إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه، إلا قال في غده لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر ].
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه
أبوديس/القدس
صباح يوم الجمعة السادس من شعبان 1426هـ
وفق التاسع من أيلول 2005 م.

(9/4)


العقيدة والتفسير
لا يجوز طلب الاستغفار من سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول السائل: ما حكم أن يقول المسلم: يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي سواء أكان ذلك عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو في أي مكان آخر؟
الجواب:لا يجوز لأحد أن يقول:[يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي] سواء أكان ذلك عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو في أي مكان آخر ويعتبر هذا القول وسيلة من وسائل الشرك والعياذ بالله حيث إن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد انتقل من هذه الدنيا إلى دار الآخرة فهو - صلى الله عليه وسلم - في حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله عز وجل وقد قال سبحانه وتعالى: { إنك ميت وإنهم ميتون } سورة الزمر الآية 30. والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا عمل له حيث انقطع عمله بوفاته - صلى الله عليه وسلم -.
وأما قول الله عز وجل: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } سورة النساء الآية 64. فالمراد بها المجيء إلى سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حال حياته وليس بعد وفاته ويدل على ذلك قوله تعالى: { إذ } ومن المعلوم أن الأصل في لفظة (إذ) في لغة العرب أنها تستعمل لما مضى من الزمان ولا تستعمل للزمان المستقبل.
قال الجوهري:[إذ كلمة تدل على ما مضى من الزمان...] الصحاح 2/560. وانظر لسان العرب 1/101. وأما لفظة إذا فتستعمل لما يستقبل من الزمان.

(9/5)


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من يستدل بالآية السابقة على جواز سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء حال موته:[ومنهم من يتأول قوله تعالى: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } ويقولون إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدا منهم لم يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك - رضي الله عنه - سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله تعالى ...] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 1/159.

(9/6)


وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين عند حديثه عن أنواع التوسل:[النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته كطلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله لهم مثل قول الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فقال: ادع الله أن يغيثنا؛ وقول عكاشة بن محصن للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ادع الله أن يجعلني منهم. وهذا إنما يكون في حياة الداعي، أما بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له: فقد انتقل إلى دار الجزاء؛ ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يطلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستسقي لهم؛ بل استسقى عمر بالعباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: قم فاستسق؛ فقام العباس فدعا، وأما ما يروى عن العتبي أن أعرابيا جاء إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:(السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } وقد جئتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربي) وذكر تمام القصة؛ فهذه كذب لا تصح؛ والآية ليس فيها دليل لذلك؛ لأن الله يقول: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } ولم يقل:(إذا ظلموا أنفسهم ) و (إذ) لما مضى لا للمستقبل؛ والآية في قوم تحاكموا أو أرادوا التحاكم إلى غير الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كما يدل على ذلك سياقها السابق واللاحق] التوسل حكمه وأقسامه ص 22-23.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز أن يقال [يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي] سواء أكان ذلك عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو في أي مكان آخر.

(9/7)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية