صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتاوى يسألونك
المؤلف : حسام الدين عفانة
عدد الأجزاء : 10 و ينقص هنا الجزء 6
مصدر الكتاب : موقع الشيخ على الإنترنت
www.yasaloonak.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بفهرسة و تنسيق الكتاب أخوكم أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه- لملتقى أهل الحديث

الحجامة من السنة
يقول السائل : هل التداوي بالحجامة من السنة وما أفضل وقت للحجامة ؟
الجواب : الحجامة مأخوذة من حجم بمعنى مص ، والحجامة تعني مص الدم وإخراجه من البدن . انظر لسان العرب 3/67-68 .
وجاء في الموسوعة الطبية الفقهية ص327 ما يلي:[ والحجامة وسيلة قديمة كانت تستخدم لعلاج معظم الأمراض لأن الناس كانوا يجهلون أسباب الأمراض وكانت الوسائل العلاجية محدودة جدا وقد تجرى الحجامة باستخدام العلق الذي يوضع على الجلد فيمص الدم وقد تجرى الحجامة أيضا دون تشريط الجلد ، وذلك باستخدام كؤوس فارغة تسخن من باطنها لخلخلة الهواء وإحداث ضغط سلبي بداخلها ثم توضع على مناطق مختارة من الجلد فتجذب الدم في العروق إلى موضع الحجامة وهي طريقة تساعد في تخفيف الوجع وتعالج بعض الآفات الموضعية مثل التهاب العضلات والتهاب المفاصل والرثية ونحوها .
وفي العصر الحديث عاد الاهتمام بمثل هذه الطرق القديمة من العلاج فيما يعرف بالطب الطبيعي أو الطب البديل الذي أنشئت له في أنحاء متفرقة من العالم عيادات متخصصة أخذ روادها يتزايدون يوما بعد يوم وبخاصة بعد اكتشاف الأضرار الجانبية الخطيرة لكثير من الأدوية الكيميائية وتحول كثير من الأطباء عن الأدوية المصنعة إلى المعالجات الطبيعية ] .

(7/251)


والتداوي بالحجامة من المندوبات في الشريعة الإسلامية ، وقد ورد في فضل التداوي بالحجامة أحاديث كثيرة منها : عن أنس - رضي الله عنه - أنه سئل عن أجر الحجام فقال : احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه . وقال - صلى الله عليه وسلم - :( إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري ) رواه البخاري ومسلم . والقسط البحري من عقاقير البحر . انظر عمدة القاري 14/681 .
وروى البخاري بسنده أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عاد المقنع - أحد التابعين - ثم قال : لا أبرح حتى يحتجم فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إن فيه شفاء.
وعن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي ) رواه البخاري مسلم .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به . رواه البخاري .
وقد ذكر الأطباء والعلماء قديما وحديثا فوائد كثيرة للحجامة قال العلامة ابن القيم :
[ وأما منافع الحجامة فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد والفصد لأعماق البدن أفضل والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد ] الطب النبوي ص169 .
وقال الدكتور عبد الرزاق الكيلاني :[ وتفيد الحجامة الجافة في تسكين الآلام جميعها إذا طبقت في مكان الألم أو قريبا منه وقد سقط النبي - صلى الله عليه وسلم - على وركه فأصيب بوثي فيه فعالجه بالحجامة كما تفيد في الصداع والآلام الوربية والقطنية والآلام المفصلية وألم ذات الجنب وتفيد في التهاب القصبات وذات الرئة واحتقانات الكبد والتهاب التأمور وقصور القلب الخفيف كما تقوم مقام الاستدماء الذاتي لمكافحة أمراض الحساسية كالأكزيما والشري وغيرها وإذا أجريت في الرأس أفادت كثيرا من أمراض العين .

(7/252)


أما الحجامة المدماة فإنها عدا الأمراض التي تفيد فيها الحجامة الجافة تفيد في ارتفاع الضغط الشرياني بخاصة لأنها تكون كالفصادة وكذلك في قصور القلب الشديد ووذمة الرئة الحادة واحتقانات الكبد الشديدة وقصور الكلى الحاد والتسممات . وقد استعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجامة لعلاج الوثي ولعلاج الصداع والشقيقة والتسمم واستعملها الصحابة فوق ذلك لتبيغ الدم وأظن أنهم كانوا يقصدون به ارتفاع الضغط الشرياني ] الحقائق الطبية في الإسلام ص284-285 .
وذكر الدكتور محمود النسيمي استطبابات الحجامة ومنها : احتقانات الرئة واحتقان الكبد والتهاب الكلية الحاد والآلام العصبية . إلخ . انظر الطب النبوي والعلم الحديث 3/94-96.
وذكر الدكتور عبد المعطي قلعجي استعمال الحجامة في الطب المعاصر وذلك في تعليقه على الطب النبوي لابن القيم في هامش الصفحتين 162-163 وذكر المصادر الطبية التي ذكرت استطبابات الحجامة في الطب المعاصر .
وأما وقت الحجامة فقد وردت بعض الأحاديث التي تفيد أن أفضل الحجامة ما يكون بعد النصف الثاني من الشهر الهجري بقليل فمن ذلك : عن أنس - رضي الله عنه - قال :
( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتجم في الأخدعين والكاهل وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين ) رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/204 .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم واحد وعشرين ) رواه الترمذي وحسنه ضمن حديث طويل وقد ذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/204 وغير ذلك من الأحاديث انظر الطب النبوي للسيوطي ص 244 - 246 .

(7/253)


قال ابن القيم بعد أن ذكر الحديثين السابقين :[ وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر وآخره . قال الخلال :أخبرني عصمة بن عصام قال : حدثنا حنبل قال : كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت ] الطب النبوي ص174-175.
وقال الدكتور محمود النسيمي :[ ليس للحجامة الجافة وقت معين لإجرائها وإنما تنفذ لدى وجود استطباب لها أما الحجامة المبزغة ( الدامية ) فلها أوقات مفضلة في الطب النبوي والعربي إذا استعملت بشكل وقائي أما في حالة الاستطباب العلاجي الإسعافي فإنها تجرى في أي وقت . ولقد مر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم بعدما سم واحتجم على وركه من وثء كان به واحتجم وهو محرم على ظهر قدمه من وجع أو وثء كان به ، وفي رأسه من شقيقة ألمت به ولم يرد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه انتظر في تلك الأحوال يوما معينا أو ساعة معينة من اليوم . ولذا تحمل أحاديث تفضيل أيام معينة من الشهر لإجراء الحجامة الدامية على إجرائها لأغراض وقائية كما في الدمويين لدى اشتداد الحر والله تعالى أعلم ] الطب النبوي والعلم الحديث 3/102-103 .
وخلاصة الأمر أن التداوي بالحجامة من الأمور المستحبة ويجوز استخدامها في أي وقت إن كانت علاجا لداء معين وأما إن كان استعمالها على سبيل الوقاية فيستحب أن تكون في الأيام التي ذكرت في الأحاديث السابقة .
والله الهادي إلى سواء السبيل
تم الكتاب بحمده تعالى
فهرس الموضوعات
الموضوع ... الصفحة
المقدمة ... 5
الطهارة والصلاة ... 9
قيء الآدمي طاهر ولا ينقض الوضوء ... 11
تحرم القراءة بالقراءات الشاذة في الصلاة ... 16
صفة التشهد في الصلاة ... 19
حكم الصلاة بين السواري ... 26
حكم قطع الصلاة المفروضة ... 29

(7/254)


تقضى صلاة الوتر إذا فاتت ... 30
القنوت في النوازل ... 34
لا يجوز لمن يصلي في بيته أن يجمع بين الصلاتين بسبب المطر ... 39
حكم الجمع بين صلاة الجمعة والعصر بسبب المطر ... 45
لا يجوز تخصيص ليلة الجمعة بصلاة قيام الليل ... 46
الصلاة خير موضوع ... 48
صلاة الحفظ صلاة مبتدعة غير مشروعة ... 50
التكبير في عيد الأضحى ... 53
صلاة الجنازة ... 60
يجوز تغسيل الميت بالماء المسخن بالسخان الشمسي ... 61
لا يصلى على العضو المقطوع من الإنسان الحي ... 62
ما يصنع بأعضاء الميت إذا قطع جسده إلى أجزاء ... 63
حكم الصلاة على الجنين الذي يسقط قبل تمام الحمل ... 65
حكم وضع الميت أمام المصلين ... 67
حكم الصلاة على الجنازة داخل المسجد ... 68
السهو في صلاة الجنازة ... 74
يجوز للزوجة أن تودع زوجها الميت ... 77
الزكاة ... 79
زكاة المال المشترك ... 80
زكاة الغنم المعلوفة ... 82
لا يجوز القرض الحسن من مال الزكاة ... 83
الصدقة الجارية ... 87
لا يشترط ملك النصاب في صدقة الفطر ... 91
الصيام ... 96
هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ... 97
هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر من رمضان ... 102
حكم إكراه الزوجة على الجماع في رمضان ... 107
معاشرة للرجل زوجته في ليالي رمضان ... 109
حكم صيام يوم الجمعة في التطوع ... 112
صيام العشر الأوائل من ذي الحجة ... 117
الأضحية والعقيقة ... 123
لا تفوت الأضحية بسبب فرض نظام حظر التجول طوال أيام العيد ... 124
حكم الاستدانة ليعق عن المولود ... 129
المعاملات ... 131
المزارعة والإجارة ليستا من طرق تملك الأرض ... 132
دفع الأجرة حسب السنة الهجرية ... 135
شركات التسويق الهرمي ... 138
عقد المقاولة ... 141
انخفاض قيمة العملة وأثره على الرواتب المتأخرة ... 146
أثر وفاة أحد الشركاء على الشركة ... 149
استخدام سيارة العمل في الأمور الخاصة ... 153

(7/255)


أثر فرض نظام حظر التجول لفترات طويلة على عقود الإجارة ... 156
التصرف في الوقف ... 159
حكم دهن ثمار التين بالزيت ... 162
المرأة والأسرة ... 164
عدة المرأة المختلعة ... 165
لا يجوز طرد المطلقة الرجعية من بيت الزوجية ... 170
تنازل المطلقة عن حقها في الحضانة ... 172
يحرم قيام المرأة بعرض الأزياء الشرعية وغيرها أمام الرجال ... 175
يجوز للمرأة أن تتصرف بمالها الخاص دون إذن زوجها ... 176
حكم تصدق المرأة من مال زوجها بدون إذنه ... 182
نكاح المتعة منسوخ في الشريعة الإسلامية ... 186
العدل بين الأولاد في العطية ... 190
تحرم مصافحة المرأة الأجنبية ... 192
متفرقات ... 198
معركة هرمجدون ... 199
حديث مكذوب ... 205
حديث مكذوب ... 206
تخزين المواد الغذائية لا ينافي التوكل على الله ... 211
الدعاء للمسلمين المظلومين المقهورين ... 213
ما يفعله الشيعة في احتفالاتهم من منكرات ... 219
معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ( استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ... 225
حكم تمني الموت إذا ضاقت الدنيا بالإنسان ... 227
معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - صحابي ومن كتبة الوحي ... 230
دفاع عن صحيحي البخاري ومسلم ... 235
الحجامة من السنة ... 239
فهرس الموضوعات ... 243
تمت
الأعمال العلمية للمؤلف الدكتور . حسام الدين عفانه
الحقيقة والمجاز في الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية
( رسالة الماجستير )
بيان معاني البديع في أصول الفقه ( رسالة الدكتوراه )
الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية ( كتاب )
أحكام العقيقة في الشريعة الإسلامية ( كتاب )
يسألونك الجزء الأول ( كتاب )
يسألونك الجزء الثاني ( كتاب )
بيع المرابحة للآمر بالشراء على ضوء تجربة شركة بيت المال الفلسطيني العربي( كتاب )
صلاة الغائب دراسة فقهية مقارنة ( كتاب )
يسألونك الجزء الثالث ( كتاب )
يسألونك الجزء الرابع ( كتاب )

(7/256)


يسألونك الجزء الخامس ( كتاب )
المفصل في أحكام الأضحية ( كتاب )
شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي ( دراسة وتعليق وتحقيق)
فهارس مخطوطات مؤسسة إحياء التراث الإسلامي 12 جزءا بالاشتراك
( صدر الأول منها )
الفتاوى الشرعية (1) بالاشتراك ( هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي )
الفتاوى الشرعية (2) بالاشتراك ( هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي )
الشيخ العلامة مرعي الكرمي وكتابه دليل الطالب ( بحث )
الزواج المبكر ( بحث )
الإجهاض ( بحث )
مسائل مهمات في فقه الصوم والتراويح والقراءة على الأموات ( كتاب )
مختصر كتاب جلباب المرأة المسلمة للعلامة المحدث الألباني ( كتاب )
اتباع لا ابتداع ( كتاب )
بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود للغزي التمرتاشي ( دراسة وتعليق وتحقيق )
يسألونك الجزء السادس ( كتاب )
رسالة إنقاذ الهالكين للعلامة محمد البركوي ( دراسة وتعليق وتحقيق )
الخصال المكفرة للذنوب ( يتضمن تحقيق مخطوط للخطيب الشربيني )
( كتاب )
أحاديث الطائفة الظاهرة وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ( كتاب )
التنجيم ( بحث بالاشتراك )
الحسابات الفلكية ( بحث بالاشتراك )
يسألونك الجزء السابع ( كتاب )
المفصل في أحكام العقيقة
يسألونك الجزء الثامن ( هذا الكتاب )
www.yasaloonak.net موقع الدكتور حسام الدين على شبكة الانترنت

(7/257)


يسألونك
الجزء التاسع
تأليف : الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه أستاذ الفقه والأصول
كلية الدعوة وأصول الدين/ جامعة القدس
الطبعة الأولى
بيت المقدس
1425 هـ / 2004 م
طباعة وتنسيق : شفاء بنت حسام الدين عفانه
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } سورة آل عمران الآية 102 . { ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } النساء الآية 1.
{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } سورة الأحزاب الآيتان 70-71.

(8/1)


أما بعد ... فإن الفقه الإسلامي فقه أصيل يمتاز بالثبات والمرونة، وعلى ضوء ذلك ينبغي دراسة المسائل المستجدة وخاصة في أبواب المعاملات والمجالات الطبية الحديثة، فعند إرادة بيان حكم المسائل المستجدة لا بد من دراستها وفق الأصول الثابتة للفقه الإسلامي، وعلى ضوء القواعد المقررة عند علماء الإسلام، بعد معرفة حقيقة هذه المسائل وتصورها تصورا صحيحا، فإن بعض الباحثين والمفتين يؤتون من عدم فهم المسائل الحديثة فهما دقيقا، فيصدرون أحكاما خاطئة لها. والذي أراه في هذا الموضوع أن تدرس المسائل الحديثة بشكل جماعي لأن الدراسة الجماعية أفضل وأقوى من دراسة فرد بعينه مهما بلغ من العلم ، وخاصة في هذا الزمان الذي ضعف فيه العلم وأهله وقل فيه أهل الاجتهاد.
والدراسة الجماعية للمسائل المستجدة هو ما تقوم به المجامع الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. وبناء على ما سبق فإن من منهجي في سلسلة كتابي يسألونك أني أرجع إلى آراء المجامع العلمية والفقهية وآخذ بها لأنني اعتقد أن رأي الجماعة خير من رأي الفرد وأقرب إلى الصواب، فقد ورد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قلت:( يا رسول الله إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي، فما تأمرني؟ قال:شاوروا فيه الفقهاء والعابدين ولا تمضوا فيه رأي خاصة ). رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون من أهل الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/178.

(8/2)


وهذه هي أيضا طريقة أبي بكر - رضي الله عنه - ، فعن ميمون بن مهران قال:( كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول - صلى الله عليه وسلم - فيه قضاءا، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به) رواه الدارمي في سننه 1/42.
وعن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا، فالحق فيما رأوا. رواه الدارمي في سننه 1/37.
وقال عبيدة السلماني لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك . وهذه الآثار كلها من باب الاجتهاد الجماعي.
وعليه فإني قد نقلت في كتابي هذا عددا من قرارات المجامع الفقهية في القضايا العصرية حيث إن الأخذ بهذه الاجتهادات الجماعية أسلم.

(8/3)


وختاما فهذا هو الجزء التاسع من كتابي يسألونك وأصله حلقات تنشر صباح كل يوم جمعة في جريدة القدس المقدسية وسلكت فيه المنهج الذي سلكته في الأجزاء السابقة من اعتماد على كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى فهم سلف هذه الأمة، فإن أصبت فذلك الفضل من الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأختم بما قاله القاضي البيساني يرحمه الله:[ إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه، إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر ].
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه الأستاذ الدكتور. حسام الدين بن موسى عفانة
أبوديس/القدس
صباح يوم الأربعاء الخامس عشر من شعبان 1425هـ
وفق التاسع والعشرين من أيلول 2004 م.

(8/4)


الطهارة والصلاة
حكم قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد
وردتني عدة أسئلة من مجموعة من الأخوات حول قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد وطلبن توضيح هذه المسائل.
الجواب: هذه المسائل مما اختلف فيها أهل العلم وتعددت الأقوال فيها ولكل قول حجته ودليله والقول الذي أرجحه في هذه المسائل هو التالي:
أولا: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن الكريم من حفظها على أصح قولي العلماء في المسألة وهو مذهب الإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ورجح هذا القول الشوكاني والشيخ الألباني وهو الذي أرجحه حيث إنه لم يثبت دليل صحيح صريح على منع الحائض من قراءة القرآن الكريم من حفظها. وأما ما روي في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم، فهو حديث ضعيف عند المحدثين.

(8/4)


قال البيهقي:[ فيه نظر، قال محمد بن إسماعيل البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق ... وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة، وليس بصحيح وروي عن جابر بن عبد الله من قوله في الجنب والحائض والنفساء وليس بقوي ] السنن الكبرى 1/89. وعلق العلامة الألباني على كلام البيهقي السابق بقوله:[ قلت وهذا من روايته عن أهل الحجاز فهي ضعيفة، وقال العقيلي: قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنه وهم من إسماعيل بن عياش ...] إرواء الغليل 1/207.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحديث السابق:[ وهو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 21/460.
وقال الشوكاني:[ الحديث في إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذا منها. وذكر البزار أنه تفرد به عن موسى بن عقبة وسبقه إلى نحو ذلك البخاري وتبعهما البيهقي، لكن رواه الدارقطني من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى، ومن وجه آخر وفيه مبهم عن أبي معشر وهو ضعيف عن موسى ...وقال أبو حاتم : حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ وإنما هو من قول ابن عمر . وقال أحمد بن حنبل : هذا باطل أنكر على إسماعيل بن عياش . والحديث يدل على تحريم القراءة على الجنب وقد عرفت بما ذكرنا أنه لا ينتهض للاحتجاج به على ذلك وقد قدمنا الكلام على ذلك في الحديث قبل هذا . ويدل أيضا على تحريم القراءة على الحائض وقد قال به قوم، والحديث هذا والذي بعده لا يصلحان للاحتجاج بهما على ذلك فلا يصار إلى القول بالتحريم إلا لدليل ] نيل الأوطار 1/266- 267.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:[ وقال شيخ الإسلام: إنه ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة وإذا كان كذلك فلها أن تقرأ القرآن لما يلي:
1. أن الأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع.

(8/5)


2. إن الله أمر بتلاوة القرآن مطلقا، وقد أثنى الله على من يتلو كتابه فمن أخرج شخصا عن عبادة الله بقراءة القرآن فإننا نطالبه بالدليل وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح على المنع، فإنها مأمورة بالقراءة. فإن قيل: ألا يمكن أن تقاس على الجنب بجامع لزوم الغسل لكل منهما بسبب خارج؟ أجيب: أنه قياس مع الفارق لأن الجنب باختياره أن يزيل هذا المانع بالاغتسال، وأما الحائض فليس باختيارها أن تزيل هذا المانع، وكذا فإن الحائض مدتها تطول غالبا، والجنب مدته لا تطول لأنه سوف تأتيه الصلاة، ويلزم بالاغتسال والنفساء من باب أولى أن يرخص لها، لأن مدتها أطول من مدة الحائض وما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله مذهب قوي. ولو قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفي المسألة أحاديث ضعيفة،فلماذا لا نجعل المسألة معلقة بالحاجة، فإذا احتاجت إلى القراءة كالأوراد، أو تتحفظ ما حفظته حتى لا تنسى، أو تحتاج إلى تعليم أولادها أو البنات في المدارس فيباح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فتأخذ بالأحوط، وهي لن تحرم بقية الذكر. فلو ذهب ذاهب إلى هذا لكان مذهبا قويا ] الشرح الممتع 1/ 291-292.

(8/6)


ثانيا:قراءة الحائض للقرآن من المصحف مع مسه: إن كثيرا من أهل العلم لا يجيزون للحائض أن تمس المصحف لقوله تعالى:{ لا يمسه إلا المطهرون }سورة الواقعة الآية 79. واحتجوا بما ورد في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:( لا يمس القرآن إلا طاهر ) رواه مالك والدارقطني والطبراني وغيرهم وقال عنه العلامة الألباني:[ وجملة القول:إن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضا إذا لم يكن فيها متهم كما قرره النووي في تقريبه ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل كما سبق، وصححه أيضا صاحبه الإمام إسحق بن راهويه ] إرواء الغليل 1/160-162.

(8/7)


وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى جواز مس الحائض للمصحف وهو قول المزني صاحب الشافعي وداود وابن حزم الظاهريان وقولهم قوي ولهم أدلتهم وأهمها:عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( المؤمن لا ينجس ) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للبخاري ( إن المسلم )، وقد أجابوا هؤلاء العلماء عن أدلة المانعين بأن الآية الكريمة { لا يمسه إلا المطهرون } ليست في محل النزاع، لأن المراد بها اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة. وأما حديث ( لا يمس القرآن إلا طاهر )، فالصحيح أن كلمة طاهر، لفظ مشترك يطلق على المؤمن وعلى الطاهر من الحدث الأكبر وعلى الطاهر من الحدث الأصغر وعلى من ليس على بدنه نجاسة، وصرفه إلى واحد من هذه المعاني يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، فلا يسلم الاحتجاج به على منع الحائض من مس المصحف. قال الشوكاني [ والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرا ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة ... ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثا أكبر أو أصغر فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملا في معانيه فلا يعين حتى يبين . وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث ( المؤمن لا ينجس ) ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحا بلا مرجح وتعيينه لجميعها استعمالا للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث ( المؤمن لا ينجس ) . قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير :[ إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازا ولا لغة صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه، فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائما فلا يتناوله الحديث سواء كان جنبا

(8/8)


أو حائضا أو محدثا أو على بدنه نجاسة ] نيل الأوطار 1/243-244.
ثالثا: دخول الحائض للمسجد: يجوز للحائض أن تدخل المسجد إن أمنت من تلويثه على الراجح من أقوال أهل العلم، وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول المزني صاحب الإمام الشافعي وبه قال الإمام داود وابن حزم الظاهريان. واختار هذا القول العلامة الألباني كما في تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص 119. ويدل على الجواز البراءة الأصلية لأن الأصل عدم التحريم ولم يقم دليل صحيح صريح على تحريم دخول الحائض للمسجد.
وأما ما روي في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:( لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض ) فهو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وممن ضعفه الخطابي والبيهقي وعبد الحق الإشبيلي والنووي والألباني وبالغ ابن حزم فقال:[ إنه باطل ] انظر المحلى 1/401، خلاصة الأحكام 1/206-210، إرواء الغليل 1/162.
ومما يدل على الجواز أيضا أن العلماء أجازوا للكافر دخول المسجد رجلا كان أو امرأة فالمسلم أولى وإن كان جنبا والمسلمة كذلك وإن كانت حائضا. وغير ذلك من الأدلة.
وخلاصة الأمر أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن من حفظها ويجوز لها أن تمسه ولكن خروجا من الخلاف فأرى أن تمسه بحائل مثل كفوف اليدين ويجوز لها أن تدخل المسجد بشرط أن تأمن من تلويثه.

(8/9)


الانحراف اليسير في قبلة المسجد لا يبطل الصلاة
سألني بعض المصلين عن قبلة مسجد عمر بن عبد العزيز في بلدة العيزرية/ محافظة القدس، وشكوا من وجود انحراف عن اتجاه القبلة الصحيح وطلبوا بيان الحكم الشرعي في ذلك .
الجواب:من المعلوم أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة ويدل على ذلك قوله تعالى: { فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } سورة البقرة الآية 150. ويجب تحديد القبلة بدقة عند بناء المساجد فإذا بني المسجد، وتبين بعد ذلك أن هنالك خطأ كبيرا في قبلة المسجد فيجب تصحيح ذلك الخطأ والتوجه إلى القبلة ( والخطأ الكبير أن يكون الانحراف أكثر من 45 درجة )، وقد اتفق العلماء على أن الفرض في حق من يشاهد الكعبة هو استقبال عينها، وأما من كان غائبا عنها فلا يراها مثل البعيد، فقال جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة يجب عليه أن يستقبل جهة الكعبة ولا يجب عليه أن يستقبل عينها. وهذا القول هو الراجح لأنه المتفق مع مقاصد الشرع الحنيف من رفع الحرج قال الله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } سورة الحج الآية 78. واستدلوا بقوله تعالى: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } سورة البقرة الآية 150. واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) رواه الترمذي وابن ماجه وهو حديث صحيح .قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ والواجب على هذين وسائر من بعد من مكة طلب جهة الكعبة دون إصابة العين، قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فإن انحرف عن القبلة قليلا لم يعد ولكن يتحرى الوسط وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي في أحد قوليه كقولنا، والآخر:الفرض إصابة العين. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:(ما بين المشرق والمغرب قبلة ) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة العين لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها ] المغني 1/318.

(8/10)


هذا وقد زرت المسجد المذكور مرتين واستعنت بأهل الخبرة وقد تبين لي أن قبلة المسجد صحيحة بشكل عام وإن وجد فيها انحراف فلا يضر ولا يؤثر على صحة الصلاة لأن الانحراف المبطل للصلاة هو الانحراف الذي يكون كبيرا وقدره بعض العلماء المعاصرين بـ ( 45 ) درجة كما سبق ويكون ذلك عندما يصلى إلى غير جهة الكعبة [ فإذا كانت القبلة إلى الجنوب، وتوجه المصلي إلى جهة الجنوب بناء على اجتهاده فصلاته صحيحة. فإذا ابتعد عن عين القبلة يمينا أو يسارا حتى 45 درجة فإنه يظل متجها إلى جهة الجنوب، فإذا زاد عن ذلك فقد بدأ يتجه إلى جهة الشرق أو الغرب، لأن كل جهة من هاتين الجهتين تبعد عن جهة الجنوب 90 درجة. فإذا وصل إلى 45 درجة فقد وصل إلى نهاية الجنوب من جهة الشرق، وبدأ التوجه إلى جهة الشرق الجنوبي. أو إلى نهاية الجنوب من جهة الغرب وبدأ التوجه إلى الغرب الجنوبي . فالخطأ في هذه الحدود مغتفر إن شاء الله إذا حصل بعد البحث والتحري والاجتهاد]. فإذا كان الانحراف ضمن نفس الجهة، بحيث تكون الكعبة أمامك ولكنك لا تصيب عينها بل تتوجه عن يمينها أو شمالها، فهو انحراف يسير غير مبطل للصلاة. لأن الانحراف الذي لاحظه بعض المصلين في قبلة المسجد المذكور لا يخرج عن استقبال جهة القبلة.
وخلاصة الأمر أن قبلة مسجد عمر بن عبد العزيز في بلدة العيزرية، قبلة صحيحة والانحراف الذي ذكره بعض المصلين إن وجد لا يؤثر على صحة الصلاة. وأنصح الأخوة المصلين في مسجد عمر بن عبد العزيز أن يصلوا حسب قبلة المسجد وأن يطمئنوا أن صلاتهم صحيحة إن شاء الله تعالى.

(8/11)


لا تصح الصلاة بقراءة القرآن بغير اللغة العربية
يقول السائل: ما قولكم في الفتوى التي صدرت عن أحد المفتين الأتراك والتي أجاز فيها قراءة القرآن في الصلاة باللغة التركية؟
الجواب:يقول الله تعالى: { إنا أنزلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون } سورة يوسف الآية 2 وقال الله تعالى: { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } سورة الشعراء الآيات 192 - 195. وقد اتفق العلماء على أن القرآن الكريم هو اسم للنظم والمعنى وهذا هو الصحيح من قول أبي حنيفة أيضا قال الأصفهاني:
[ والأصح من مذهب أبي حنيفة أن القرآن هو النظم والمعنى جميعا والمراد بالنظم العبارات وبالمعنى مدلولاتها. وصح رجوع أبي حنيفة عن الإجزاء بالمعنى في الصلاة لوجوب القراءة بها لقوله تعالى: { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } سورة المزمل الآية20. ولا ينطبق حد القرآن على المعنى وحده بل حد القرآن ينطبق على مجموع العبارة والمعنى ] بيان معاني البديع ج1/ ق2/ 915.
وما نسب إلى أبي حنيفة رحمه الله أنه يجيز قراءة القرآن بغير العربية فقد بني على قول منسوب لأبي حنيفة أن القرآن اسم للمعنى فقط والنظم ركن زائد، ولكن لم يثبت هذا عنه كما حقق ذلك الأصوليون من الحنفية، انظر كشف الأسرار على أصول البزدوي 1/25، التقرير والتحبير 2/213-214، فواتح الرحموت 2/8-9.
إذا تقرر هذا التأصيل فإن جماهير أهل العلم منعوا قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة وخارج الصلاة حيث إن ترجمة القرآن لا تسمى قرآنا وقد أمرنا بقراءة القرآن: { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } .
قال الإمام النووي:[ مذهبنا أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب سواء أمكنه العربية أو عجز عنها وسواء كان في الصلاة أو غيرها فإن أتى بترجمته في صلاة بدلا عن القراءة لم تصح صلاته سواء أحسن القراءة أم لا، هذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء منهم مالك وأحمد وداود ] المجموع 3/379-380. وقال الإمام النووي أيضا:

(8/12)


[ واحتج أصحابنا بحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة على غير ما يقرأ عمر فلببه بردائه وأتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث، رواه البخاري ومسلم، فلو جازت الترجمة لأنكر عليه - صلى الله عليه وسلم - اعتراضه في شيء جائز، واحتجوا أيضا بأن ترجمة القرآن ليست قرآنا لأن القرآن هو هذا النظم المعجز وبالترجمة يزول الإعجاز فلم يجز وكما أن الشعر يخرجه ترجمته عن كونه شعرا فكذا القرآن ] المجموع 3/380. ثم نقل الإمام النووي كلام إمام الحرمين في المسألة فقال:[ ترجمة القرآن ليست قرآنا بإجماع المسلمين ومحاولة الدليل لهذا تكلف فليس أحد يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليست قرآنا وليس ما لفظ به قرآنا ومن خالف في هذا كان مراغما جاحدا وتفسير شعر امرئ القيس ليس شعره فكيف يكون تفسير القرآن قرآنا، وقد سلموا أن الجنب لا يحرم عليه ذكر معنى القرآن والمحدث لا يمنع من حمل كتاب فيه معنى القرآن وترجمته فعلم أن ما جاء به ليس قرآنا ولا خلاف أن القرآن معجز وليست الترجمة معجزة والقرآن هو الذي تحدى به النبي - صلى الله عليه وسلم - العرب ووصفه الله تعالى بكونه عربيا وإذا علم أن الترجمة ليست قرآنا وقد ثبت أنه لا تصح صلاته إلا بقرآن حصل أن الصلاة لا تصح بالترجمة، هذا كله مع أن الصلاة مبناها على التعبد والإتباع والنهي عن الاختراع وطريق القياس منسدة وإذا نظر الناظر في أصل الصلاة وأعدادها واختصاصها بأوقاتها وما اشتملت عليه من عدد ركعاتها وإعادة ركوعها في كل ركعة وتكرر سجودها إلى غير ذلك من أفعالها ومدارها على الإتباع ولم يفارقها جملة وتفصيلا فهذا يسد باب القياس حتى لو قال قائل مقصود الصلاة الخضوع فيقوم السجود مقام الركوع لم يقبل ذلك منه وإن كان السجود أبلغ في الخضوع. ثم عجبت من قولهم إن الترجمة لا يكون لها حكم القرآن في تحريمها على الجنب ويقولون لها

(8/13)


حكمه في صحة الصلاة التي مبناها على التعبد والإتباع ] المجموع 3/380-381.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ ولا تجزئه القراءة بغير العربية ولا إبدال لفظها بلفظ عربي سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد] المغني 1/350.
وقال الشيخ ابن حزم الظاهري:[ ومن قرأ أم القرآن أو شيئا منها أو شيئا من القرآن في صلاته مترجما بغير العربية أو بألفاظ عربية غير الألفاظ التي أنزل الله تعالى عامدا لذلك أو قدم كلمة أو أخرها عامدا لذلك: بطلت صلاته وهو فاسق لأن الله تعالى قال: { قرءانا عربيا } سورة الزخرف الآية 3. وغير العربي ليس عربيا فليس قرآنا ؟! وإحالة رتبة القرآن تحريف كلام الله تعالى وقد ذم الله تعالى قوما فعلوا ذلك فقال: { يحرفون الكلم عن مواضعه } سورة النساء الآية 46. وقال أبو حنيفة: تجزيه صلاته واحتج له من قلده بقول الله تعالى: { وإنه لفي زبر الأولين } سورة الشعراء الآية 196. قال علي: لا حجة لهم في هذا لأن القرآن المنزل علينا على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - لم ينزل على الأولين وإنما في زبر الأولين ذكره والإقرار به فقط ولو أنزل على غيره عليه السلام لما كان آية له ولا فضيلة له وهذا لا يقوله مسلم ! ومن كان لا يحسن العربية فليذكر الله تعالى بلغته لقوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها } سورة البقرة الآية 286. ولا يحل له أن يقرأ أم القرآن ولا شيئا من القرآن مترجما على أنه الذي افترض عليه أن يقرأه لأنه غير الذي افترض عليه كما ذكرنا فيكون مفتريا على الله تعالى ] المحلى 2/285. ويجب أن يعلم أن ما نسب إلى أبي حنيفة من جواز قراءة القرآن بالفارسية لغير القادر على العربية صح رجوع أبي حنيفة عنه والفتوى عند الحنفية على منع قراءة القرآن بغير العربية. قال صاحب الهداية الحنفي بعد ذكر
المسألة:[ ويروى رجوعه في أصل المسألة وعليه الاعتماد ] الهداية مع شرح فتح القدير 1/249. وقال الشيخ علاء الدين الحصكفي من الحنفية بعد ذكر المسألة:[ لأن الأصح رجوعه -أبو حنيفة- إلى قولهما - أبو يوسف ومحمد- وعليه الفتوى ] الدر المختار شرح تنوير الأبصار 1/484. وأكد العلامة ابن عابدين الحنفي صحة رجوع أبي حنفية عن قوله في هذه المسألة. حاشية ابن عابدين 1/484.
وخلاصة الأمر أنه تحرم قراءة القرآن بغير العربية ولا تصح الصلاة بذلك والفتوى المشار إليها في السؤال باطلة.

(8/14)


حكم الصلاة جلوسا على الكرسي
يقول السائل: صرنا نلاحظ كثرة المصلين في المساجد الذين يصلون جلوسا على الكراسي فما حكم صلاتهم؟
الجواب: اتفق أهل العلم على أن القيام في صلاة الفريضة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، لقوله تعالى: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } سورة البقرة الآية 238. ولما ورد في الحديث عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال:( كانت بي بواسير فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك ) رواه البخاري.
قال الإمام الشوكاني:[وحديث عمران يدل على أنه يجوز لمن حصل له عذر لا يستطيع معه القيام أن يصلي قاعدا ولمن حصل له عذر لا يستطيع معه القعود أن يصلي على جنبه] نيل الأوطار 3/225. وبناء على ذلك فإن من صلى الفريضة جالسا وهو قادر على القيام فصلاته باطلة.

(8/15)


وقد اتفق أهل العلم على أن المريض الذي لا يستطيع القيام فإنه يصلي قاعدا ويركع ويسجد إذا قدر عليهما فإن لم يستطع الركوع والسجود فإنه يصلي موميا ويجعل سجوده أخفض من ركوعه لأن المشقة تجلب التيسير ومن المعلوم أن رفع الحرج ودفع المشقة أصل قطعي من أصول الشريعة ودلت عليه أدلة كثيرة منها قوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } سورة البقرة الآية 286. وقوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } سورة التغابن الآية 61. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) رواه البخاري ومسلم، وغير ذلك من النصوص.
ومما يدل على جواز صلاة الفريضة قاعدا عند العجز عن القيام قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عمران السابق ( صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك ) وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( ركب فرسا فصرع عنه فجحش- أي جرح - شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد . ) رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس ) رواه مسلم.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسا ] المغني 2/106.
وقال الإمام النووي:[. أجمعت الأمة علي أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعدا ولا إعادة عليه، قال أصحابنا ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام لأنه معذور وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:( إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما ) ] المجموع 4/310.

(8/16)


ويجب أن يعلم أن من قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام، بل يصلي قائما ثم إذا استطاع الركوع فيجب عليه الركوع وإن لم يستطع جلس وأومأ بالركوع ثم يومئ بالسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ ومن قدر على القيام، وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام. ويصلي قائما فيومئ بالركوع. ثم يجلس فيومئ بالسجود ] وبهذا قال الشافعي. ولنا قوله الله تعالى: { وقوموا لله قانتين } سورة البقرة الآية 238. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:( صل قائما) ولأن القيام ركن قدر عليه، فلزمه الإتيان به كالقراءة. والعجز عن غيره لا يقتضي سقوطه كما لو عجز عن القراءة ] المغني 2/107.
ويجب أن يعلم أن حد المرض الذي يجيز للمريض أن يصلي قاعدا هو أن يخاف المريض مشقة شديدة أو زيادة المرض أو تباطؤ برئه. قال الإمام النووي [ قال أصحابنا ولا يشترط في العجز أن لا يتأتى القيام ولا يكفى أدنى مشقة بل المعتبر المشقة الظاهرة فإذا خاف مشقة شديدة أو زيادة مرض أو نحو ذلك أو خاف راكب السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعدا ولا إعادة ]المجموع 4/310. وقال الإمام الشوكاني:[ والمعتبر في عدم الاستطاعة عند الشافعية هو المشقة أو خوف زيادة المرض أو الهلاك لا مجرد التألم فإنه لا يبيح ذلك عند الجمهور ] نيل الأوطار 3/225.
ويرى بعض أهل العلم أن ضابط ذلك يتعلق بالمشقة التي تذهب الخشوع:[ قال إمام الحرمين .: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة ] المجموع 4/310.
وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين:[ الضابط للمشقة: ما زال به الخشوع، والخشوع هو حضور القلب والطمأنينة، فإذا كان إذا قام قلق قلقا عظيما ولم يطمئن وتجده يتمنى أن يصل إلى آخر الفاتحة ليركع من شدة تحمله فهذا شق عليه القيام فيصلي قاعدا ] الشرح الممتع 4/461.

(8/17)


وروى عبد الرزاق بسنده عن عمر بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: قيل له ما علامة ما يصلي المريض قاعدا؟ قال: إذا كان لا يستطيع أن يقوم لدنياه فليصل قاعدا.مصنف عبد الرزاق 2/473. وعلى كل حال فإن المريض هو الذي يحدد قدرته على القيام أو القعود أو غير ذلك فإذا أطاق المريض الصلاة قاعدا صلى قاعدا فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على قدر حاله بقدر ما يطيق على جنبه أو على ظهره ورجلاه مما يلي القبلة ووجهه مستقبل القبلة ويومئ إيماء على قدر طاقته مستلقيا على قفاه وقدماه تجاه القبلة بحيث لو قام استقبل القبلة.انظر أحكام المريض ص 66.
وكل ما سبق في صلاة الفريضة، وأما صلاة النافلة فالأفضل فيها أن يصليها المصلي قائما ويجوز فيها الجلوس حتى بغير عذر ويدل على ذلك ما ورد في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:(من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ) رواه البخاري.
وعن عبد الله بن شقيق قال:( سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر وكان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا قاعدا وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين) رواه مسلم.

(8/18)


وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال:( سألت النبي- صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد ) رواه البخاري وقال: نائما عندي مضطجعا .وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:( حدثت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة قال فأتيته فوجدته يصلي جالسا فوضعت يدي على رأسه، فقال: مالك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة وأنت تصلي قاعدا؟ قال: أجل ولكني لست كأحد منكم ) رواه مسلم وغير ذلك من النصوص.
وخلاصة الأمر أن القيام في صلاة الفريضة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه لمن كان قادرا عليه ومن عجز عن القيام صلى قاعدا أو على أي هيئة يستطيعها وترك القيام رخصة للعاجز حقيقة والرخص لا تؤتى إلا عند وجود العذر المجيز لفعلها فقط. وأخيرا فإن بعض المصلين يتساهلون في هذه المسألة فيصلون قعودا لغير عذر فهؤلاء صلاتهم باطلة.

(8/19)


ترك صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك والصلاة في مساجد ضواحي القدس
يقول السائل: إنه يسكن في ضاحية من ضواحي مدينة القدس ويحافظ على صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك إلا أن بعض الناس من سكان الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة من القدس يتركون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى ويذهبون إلى بعض مساجد ضواحي القدس فيصلون فيها بحجة أنهم يأخذون علما من خطيب ذلك المسجد فما قولكم في ذلك؟
الجواب: أذكر أولا بعض ما ورد من فضائل للمسجد الأقصى المبارك فإن في ذلك ذكرى للمؤمنين قال تعالى: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو السميع البصير } سورة الإسراء الآية 1. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومسجد الأقصى ) رواه البخاري ومسلم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء, ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم, والثاني كان قبلة الأمم السالفة, والثالث أسس على التقوى ) فتح الباري 3/84.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالا ثلاثة، سأل الله عز وجل حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه ) رواه أحمد النسائي وابن ماجه وابن حبان وهو حديث صحيح.
وعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: سمعت أبا ذر - رضي الله عنه - قال:( قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه ) رواه البخاري ومسلم.
وقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك:

(8/20)


عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة ) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي مجمع الزوائد 4/7، ورواه البزار وقال إسناده حسن الترغيب والترهيب 2/175.
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال:( تذاكرنا ونحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيهما أفضل أمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا ) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم . وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد 4/7، وصححه الشيخ الألباني بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى، السلسلة الصحيحة حديث رقم 2902، تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص 294.

(8/21)


إذا تقرر هذا من مشروعية شد الرحال إلى لمسجد الأقصى المبارك ومن مضاعفة الصلاة فيه فعلى أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس أن يشدوا الرحال إلى المسجد الأقصى وأن يحرص كل من يستطيع منهم الوصول إلى المسجد الأقصى أن يصلي فيه دائما الصلوات الخمس وصلاة الجمعة إن استطاع إلى ذلك سبيلا وأما ما يفعله بعض الناس في أيام الجمعة كما ذكر السائل حيث إنهم يقصدون مسجدا من مساجد ضواحي بيت المقدس فيصلون الجمعة فيه وحجتهم في ذلك أنهم يأخذون علما من خطيب ذلك المسجد فهذا كما قال الله تعالى: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } سورة البقرة الآية 61، وخاصة إن فعله من هم بجوار المسجد الأقصى فيتركون الصلاة في المسجد الأقصى ويصلون في غيره لتلك الحجة الواهية وكأنهم يأخذون العلم من إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل ؟؟!!!

(8/22)


وينبغي أن أذكر الذين لا يستطيعون الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك يوم الجمعة فيقيمون عدة صلوات جمعة عند أبواب البلدة القديمة بأن هذا الفعل يؤدي إلى تعدد صلاة الجمعة في أماكن متقاربة مثل باب العمود وباب الساهرة، فأرى لهؤلاء أن يصلوا ظهرا ولا يصلوا جمعة. لأن تعدد الجمعة لا يشرع في مثل هذه الحالة. كما وأنبه إلى أنه لا يصح لهم أن يصلوا جمعة مع الإمام في المسجد الأقصى وإن سمعوا صوته لأن هنالك انقطاعا كبيرا جدا في الصفوف ولا تصح الجماعة مع هذا الانقطاع الكبير كما هو قول المحققين من العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ أما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول فالأول كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يكملون الأول فالأول ويتراصون في الصف ) فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة فإن هذا لا حرمة له كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو وما فرش له لم يكن له حرمة بل يزال ويصلي مكانه على الصحيح بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء، وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول] الفتاوى الكبرى 1/134.
وخلاصة الأمر أن من استطاع الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك في صلاة الجمعة وفي غيرها من الصلوات فعليه أن يصلي فيه ولا يلتفت إلى من يدعوه إلى الصلاة في غير المسجد الأقصى المبارك من مساجد أحياء بيت المقدس بحجج واهية.

(8/23)


حكم طرد الأطفال من المسجد بحجة التشويش على المصلين
يقول السائل: هنالك مجموعة من الأطفال يحضرون إلى المسجد ليتعلموا قراءة القرآن الكريم وأحكام التجويد إلا أن بعض المصلين يطردون الأطفال من المسجد بحجة أنهم يشوشون على المصلين فما حكم ذلك ؟
الجواب: إن طريقة تعامل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الأطفال في المسجد وأثناء الصلاة تختلف اختلافا واضحا عن واقع تعامل كثير من المسلمين مع الأطفال في المساجد وإليكم بعض المواقف التي حصلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع بعض الأطفال حتى نتعلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونهتدي بهديه عليه الصلاة والسلام:
1. عن شداد - رضي الله عنه - قال:( خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل حسنا أو حسينا فتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضعه عند قدمه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد سجدة أطالها قال: فرفعت رأسي من بين الناس فإذا الصبي على ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

(8/24)


2. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: ( خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال: صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة رأيت هذين فلم أصبر ثم أخذ في الخطبة ) رواه أبو داود.
3. وفي حديث آخر:( كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره ) رواه ابن خزيمة في صحيحه.
4. وقال أبو قتادة رضي الله عنه:( رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمامة بنت العاص - ابنة زينب بنت الرسول - صلى الله عليه وسلم -- على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها ) رواه البخاري ومسلم.
5. وفي رواية أخرى عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال:( بينما نحن جلوس في المسجد إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي صبية يحملها فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي على عاتقه يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها ) رواه النسائي.
6. وفي حديث آخر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه ) رواه البخاري ومسلم .
7. وفي رواية أخرى قال أنس - رضي الله عنه -:( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة ) رواه مسلم.
8. وفي حديث آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -:( جوز ذات يوم في الفجر - أي خفف - فقيل: يا رسول الله لم جوزت؟ قال: سمعت بكاء صبي فظننت أن أمه معنا تصلي فأردت أن أفرغ له أمه ) رواه أحمد بإسناد صحيح.

(8/25)


9.وعن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار ) رواه مسلم وغير ذلك من الأحاديث.
ويحتج بعض الناس على طرد الأطفال من المساجد بما روي في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:(جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ). فهذا الحديث ضعيف عند العلماء ولا يصح الاستدلال به، قال البزار: لا أصل له وكذلك قال عبد الحق الإشبيلي، وممن ضعفه الحافظ ابن حجر وابن الجوزي والمنذري والهيثمي وغيرهم. وظن عامة الناس أن هذا الحديث ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعلهم يطردون الأطفال من المساجد وينكرون على من يحضرهم إلى المساجد وهذا موقف غير صحيح. والحق أن الإسلام اعتنى بالأطفال، وأمر الآباء والأولياء بأن يأمروا أبناءهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين. وإن المكان الصحيح لتعليمهم الصلاة وقراءة القرآن وأحكام التجويد وغيرها من أحكام الشرع هو المسجد. هذا هو هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعامله مع الأطفال في المسجد فلا يجوز لأحد أن يطرد الأطفال من المساجد لأنهم رجال المستقبل قال الله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } سورة الأحزاب الآية21. فعلينا أن نقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن نعود أطفالنا على ارتياد المساجد بدلا من بقائهم في الأزقة والحارات عرضة لفساد الأخلاق وسوء الرفاق.

(8/26)


ولكن لا بد من التنبيه أنه ينبغي عدم إحضار الأطفال الصغار جدا إلى المساجد لأنهم لا ينضبطون فمثل من كان عمره سنة أو سنتين أو ثلاث لا يحضر إلى المسجد ولا بأس بإحضار الأطفال الذين هم في الخامسة أو السادسة أو السابعة إلى المساجد.
ولو حصل أن بعض الأطفال شوشوا على المصلين في المسجد بالبكاء والصياح مثلا فلا ينبغي أن يثير ذلك المصلين فيحتجون على الطفل وعلى أبيه أو أمه وقد يشوشون بذلك الاحتجاج أكثر من تشويش الطفل وإنما يتركون الأمر لإمام المسجد ليعالج الموضوع بالحكمة وإقتداء بمنهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.وينبغي أن يعلم أن الرفق واللين أمران مطلوبان في مثل هذه المواقف. فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ) رواه مسلم.

(8/27)


ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوة حسنة فقد حدث أن أعرابيا دخل المسجد النبوي فبال فيه!؟ فصاح الصحابة به، فعالج النبي - صلى الله عليه وسلم - الموقف بكل رفق ولين، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:( قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) رواه البخاري ومسلم. وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:(بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مه مه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تزرموه دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه ) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:( دخل أعرابي المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس فصلى، فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لقد تحجرت واسعا، فلم يلبث أن بال في المسجد فأسرع إليه الناس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:(أهريقوا عليه سجلا من ماء أو دلوا من ماء، ثم قال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وخلاصة الأمر أنه يحرم طرد الأطفال من المساجد بل يجب تعويدهم على الحضور للمسجد ليتعلموا الصلاة وقراءة القرآن وأحكام التجويد وغير ذلك من الأحكام الشرعية.

(8/28)


حكم الجلوس للتعزية ثلاثة أيام
يقول السائل:ما قولكم فيما تعارف عليه الناس في بلادنا من فتح بيت العزاء لمدة ثلاثة أيام ليقصده المعزون؟
الجواب: من المعلوم أن التعزية من السنة فقد ورد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة ) رواه ابن ماجة والبيهقي بإسناد حسن. كما قال الإمام النووي في الأذكار ص 126وغير ذلك من الأحاديث.
وأما الجلوس للتعزية في بيت العزاء ثلاثة أيام كما جرى به عرف الناس في بلادنا فلا بأس به إن خلا من المنكرات والبدع وقد قال بهذا جماعة من أهل العلم وهو قول الحنفية وقول في مذهب الحنابلة والمالكية، فقد قال الكمال بن الهمام الحنفي :[ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام، وهو خلاف الأولى ] شرح فتح القدير2/150. وذكر الشيخ علاء الدين الحصكفي الحنفي أنه لا بأس بالجلوس للتعزية في غير مسجد ثلاثة أيام. وبين العلامة ابن عابدين أن استعمال لا بأس في كلام الحصكفي على حقيقته لأن الجلوس خلاف الأولى وقد سبق ذلك في كلام ابن الهمام. انظر رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار 2/ 241. ونقل الطحطاوي عن بعض الحنفية أنه لا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيام من غير ارتكاب محظور، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 339.
وقال المرداوي الحنبلي:[ وعنه - أي الإمام أحمد- الرخصة فيه لأنه عزى وجلس، قال الخلال: سهل الإمام أحمد في الجلوس إليهم في غير موضع... ] الإنصاف 2/565 وانظر أيضا حاشية الدسوقي المالكي على الشرح الكبير 1/419.

(8/29)


وقد قال جماعة من العلماء بأن الجلوس للعزاء مكروه واستدلوا على ذلك بما ورد عن جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال : ( كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة ) . رواه أحمد وابن ماجة وإسناده صحيح وهذا الأثر لا يدل على منع الجلوس للعزاء وإنما يدل على منع الجلوس مع صنع أهل الميت للطعام فهذان الأمران من النياحة وأما مجرد الجلوس للعزاء فلا يعد من النياحة ويضاف إلى ذلك أنه مع كثرة الناس واتساع المدن والقرى فمن الصعوبة بمكان تعزية أهل الميت دون فتح بيت للعزاء يجلسون فيه ليقصدهم من أراد تعزيتهم وقد كان في الزمن الماضي يمكن تعزية أهل الميت في الطريق أو السوق أو في أي مكان لقيتهم فيه فكيف يمكن أن يتحقق ذلك في المدن الكبيرة وخاصة مع كثرة الناس وانشغالهم في أعمالهم فقد يؤدي القول بمنع الجلوس للتعزية إلى تفويت سنة التعزية ويدل على جواز الاجتماع للتعزية ما رواه البخاري بإسناده عن عروة عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ( أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت كلن منها فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن ) والتلبينة حساء يصنع من دقيق أو نخالة وربما جعل فيه عسل كما بينه الحافظ ابن حجر في فتح الباري 9/681 فهذه عائشة رضي الله عنها كانت النسوة يجتمعن عندها للعزاء.

(8/30)


وقال الشيخ صالح آل الشيخ بعد أن ذكر القول بمنع الاجتماع:[ إن الشيخ عبد العزيز بن باز وبقية المشايخ يقولون لا بأس بالاجتماع، وهذا القول هو الأولى والراجح؛ لأن الاجتماع إلى أهل الميت في هذا الزمن يحصل به التعزية والتعزية سنة وعمل مشروع قد قال عليه الصلاة والسلام:( من عزى مصابا فله مثل أجره)، والمواساة مشروعة، وإذا تفرق الناس فلن تحصل المواساة والتعزية إلا بكلفة؛ يعني أين تلقاه هل في العمل الفلاني ستجده أو في بيته أو خرج، سيكون هناك مشقة في التتبع وفوت للتعزية.ولهذا قال من أفتى بمشروعية الاجتماع قال: إنه يدخل تحت قاعدة الوسيلة للمشروع مشروعة، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فلما كان المقصد وهو السعي مشروعا فوسيلته الآن وهي الاجتماع مشروعة، ...هنا هل الاجتماع يعد من النياحة؟ الاجتماع لا يعد من النياحة إلا إذا انضم إليه أن يصنع أهل الميت الطعام للحاضرين جميعا ليظهر الفخر وليظهر كثرة من يحضر الوليمة ونحو ذلك، وهذا موجود كان في الجاهلية، ولهذا جاء في حديث أبي أيوب( كذا ) كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة. فالنياحة تشمل شيئين صنع الطعام مع الاجتماع لماذا؟ لأن أهل الميت هم الذين يصنعون الطعام ويدعون الناس ليقال هذا عزاء فلان إنه أكبر عزاء، أو إنهم اجتمعوا لأجل فلان... وهم الذين يتكلفون بصنع الطعام وبنحر الإبل وذبح الذبائح؛ ليكثر من يجتمعوا عليها، هذه النياحة المنهي عنها بالاتفاق أما الاجتماع اجتماع المواساة والعزاء دون صنع الطعام ودون تكلف، فإن هذا لا يدخل في النياحة ...] أ.هـ كلام الشيخ صالح عن شبكة الإنترنت.

(8/31)


ويجب التنبيه إلى أن الاجتماع للتعزية والجلوس لها يجب أن يخلو من البدع التي يفعلها كثير من الناس وخاصة ما يسمى بقراءة الختمة للأموات فهذه من البدع المنتشرة في بلادنا حيث يجلس مجموعة من الناس بعد دفن الميت بعد صلاة العصر في يوم الوفاة ويومين بعده فيقرأون السور الأخيرة من القرآن الكريم ابتداء من سورة الضحى إلى سورة الناس ثم يقرأون سورة الفاتحة وفواتح سورة البقرة وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة وبعض الآيات الأخرى ثم يأتون ببعض الأذكار ويهللون مئة مرة ونحو ذلك. وقد يستأجرون بعض المتاجرين بالقراءة على الأموات الذين يحترفون هذا العمل فيحضرونهم ومعهم مكبرات الصوت فيقرأون الختمة بأجر متفق عليه وبعد الانتهاء يأكلون ما أعد لهم من طعام أو حلويات ويشربون القهوة والشاي وغيرها، ويفعلون هذه البدعة ثلاثة أيام اعتبارا من يوم الدفن، ثم يفعلونها ثلاثة أيام خميس تالية ثم في الأربعين وبعضهم يفعلها في ذكرى مرور سنة على وفاة الميت وبعضهم يزيد على ذلك. وهذا الأمر بدعة فلم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم فعل مثل ذلك فهذه الختمة طريقة مبتدعة في قراءة القرآن وفي الذكر. ثم إن تخصيص هذه الأوقات وهي ثلاثة أيام من يوم الدفن وثلاثة أيام خميس ويوم الأربعين، بهذه الختمة وهذه الأذكار لم يقم عليه دليل من الشرع ولا يصح عند العلماء تخصيص زمان معين بعبادة معينة إلا بدليل شرعي ولا دليل على ذلك.
وخلاصة الأمر أنه لا بأس بالجلوس للتعزية بشرط أن يخلو ذلك من البدع والمنكرات.

(8/32)


الصيام
حكم الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول شهر رمضان
يقول السائل: هل يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول شهر رمضان أفيدونا ؟
الجواب: يرى فريق من العلماء أنه لا يجوز الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات الشهور القمرية مطلقا وأن الأصل في ذلك هو الرؤية البصرية. هذا الرأي منقول عن أكثر العلماء المتقدمين بل يكاد يكون مجمعا عليه، فهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. انظر مجموعة رسائل ابن عابدين 1/224، المنتقى 2/38، شرح الحطاب على مختصر خليل 2/387، المجموع 6/270، كشاف القناع 2/272 .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[ إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب، أنه يرى أو لا يرى لا يجوز. والنصوص المستفيضة بذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا ولا خلاف حديث إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيدا بالإغمام ومختصا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه فأما إتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم ] مجموع الفتاوى 25/132.

(8/33)


شهادة القروي على البدوي... وقد روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال(شهد أعرابي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رؤية الهلال, فأمر بلالا ينادي في الناس فليصوموا غدا) فقبل شهادته وأمر الناس بالصيام] أحكام القرآن 2/229-230.
وقال الإمام الشوكاني:[وذهب الأكثر إلى القبول قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم ا.هـ. وهذا حمل مناسب لأن البدوي إذا كان معروف العدالة كان رد شهادته لعلة كونه بدويا غير مناسب لقواعد الشريعة لأن المساكن لا تأثير لها في الرد والقبول لعدم صحة جعل ذلك مناطا شرعيا ولعدم انضباطه فالمناط هو العدالة الشرعية إن وجد للشرع اصطلاح في العدالة وإلا توجه الحمل على العدالة اللغوية فعند وجود العدالة يوجد القبول وعند عدمها يعدم ولم يذكر صلى الله عليه وآله وسلم المنع من شهادة البدوي إلا لكونه مظنة لعدم القيام بما تحتاج إليه العدالة وإلا فقد قبل - صلى الله عليه وسلم - في الهلال شهادة بدوي] نيل الأوطار 8/330.
وقال الإمام القرطبي:[ ...فعمموا الحكم، ويلزم منه قبول شهادة البدوي على القروي إذا كان عدلا مرضيا وبه قال الشافعي ومن وافقه، وهو -أي البدوي- من رجالنا وأهل ديننا. وكونه بدويا ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي، قال الله تعالى: { ممن ترضون من الشهداء } وقال تعالى: { وأشهدوا ذوي عدل منكم } فمنكم خطاب للمسلمين...] تفسير القرطبي 8/231- 232.

(8/34)


ومن القائلين بالجواز من علماء العصر الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي حيث قال:[ وأقول مما يؤيد العمل بالحساب الصحيح أن أهل الشرع من الفقهاء وغيرهم يرجعون في كل حادثة إلى أهل الخبرة بها وذوي البصارة فيها فإنهم يأخذون بقول أهل اللغة في معاني ألفاظ القرآن والحديث وبقول الطبيب في إفطار شهر رمضان وغير ذلك كثير فما الذي يمنع من بناء إكمال شعبان ورمضان وغيرهما من الأشهر على الحساب؟ والرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة العارفين به إذا أشكل علينا الأمر في ذلك ].
ومن القائلين بالجواز أيضا الشيخ أحمد محمد شاكر كما في رسالته ( أوائل الشهور العربية ) انظر فتاوى معاصرة 2/216 فما بعدها.
ومنهم الشيخ مصطفى الزرقا، حيث فصل قوله في كتابه ( العقل والفقه في فهم الحديث النبوي ) ص80 فما بعدها، وفي فتاويه أيضا ص157.
ومن القائلين بالجواز الشيخ يوسف القرضاوي حيث قال:[ وقد كنت ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي - على الأقل - في النفي لا في الإثبات تقليلا للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام وفي عيد الفطر إلى حد يصل إلى ثلاثة أيام بين بعض البلاد الإسلامية وبعض. ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقا لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا، ولكن إذا نفى الحساب إمكانية الرؤية وقال: إنها غير ممكنة لأن الهلال لم يولد أصلا في أي مكان من العالم الإسلامي كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال لأن الواقع الذي أثبته العلم الرياضي القطعي يكذبهم بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلا ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها لمن يريد أن يدلى بشهادة عن رؤية الهلال ] فتاوى معاصرة 2/221. وأهم ما استدل به لهذا القول ما يلي:

(8/35)


إن رواية ( فاقدروا له ) معناها: قدروه بحساب المنازل وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم وأن قوله ( فأكملوا العدة ) خطاب للعامة. فتح الباري 4/122، شرح النووي على صحيح مسلم 3/155. واحتجوا بحديث:( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا ) فالأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللا بعلة منصوصة وهي إن الأمة لا تكتب ولا تحسب والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما فإذا وصلت الأمة إلى حال في معرفة هذا العلم باليقين في حساب أوائل الشهور وأمكن أن يثقوا به ثقتهم بالرؤية أو أقوى صار لهم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور. ليست حقيقة الرؤية شرطا في اللزوم لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بالحساب بإكمال العدة أو بالاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه ] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 3 جزء 2/829.
وقد بين العلامة مصطفى الزرقا رأيه في هذه المسألة وما اعتمد عليه بقوله:[ إن النظر إلى جميع الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في هذا الموضوع وربط بعضها ببعض وكلها واردة في الصوم والإفطار يبرز العلة السببية في أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يعتمد المسلمون في بداية الشهر ونهايته رؤية الهلال بالبصر لبداية شهر الصوم ونهايته ويبين أن العلة هي كونهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب أي ليس لديهم علم وحساب مضبوط يعرفون به متى يبدأ الشهر ومتى ينتهي ما دام الشهر القمري يكون تارة تسعة وعشرين يوما وتارة ثلاثين.

(8/36)


وهذا يدل بمفهومه أنه لو توافر العلم بالنظام الفلكي المحكم الذي أقامه الله تعالى بصورة لا تختلف ولا تتخلف وأصبح هذا العلم يوصلنا إلى معرفة يقينية بمواعيد ميلاد الهلال في كل شهر وفي أي وقت بعد ولادته تمكن رؤيته بالعين الباصرة السليمة إذ انتفت العوارض الجوية التي قد تحجب الرؤية فحينئذ لا يوجد مانع شرعي من اعتماد هذا الحساب والخروج بالمسلمين من مشكلة إثبات الهلال ومن الفوضى التي أصبحت مخجلة بل مذهلة حيث يبلغ فرق الإثبات للصوم بين مختلف الأقطار الإسلامية ثلاثة أيام كما يحصل في بعض الأعوام!! كما أن الفقهاء الأوائل واجهوا مشكلة خطيرة في عصرهم وهي الاختلاط والارتباط الوثيق إذ ذاك في الماضي بين العرافة والتنجيم والكهانة والسحر من جهة وبين حساب النجوم بمعنى علم الفلك من جهة أخرى. فيبدو أن كثيرا من أهل حساب النجوم كانوا أيضا يشتغلون بتلك الأمور الباطلة التي نهت عنها الشريعة أشد النهي فكان للقول باعتماد الحساب في الأهلة مفسدتان:
الأولى: أنه ظني من باب الحدس والتخمين مبني على طريقة التعديل التي بينا معناها فلا يعقل أن تترك به الرؤية بالعين الباصرة رغم ما قد يعتريها من عوارض واشتباهات.
الثانية: وهي الأشد خطورة والأدهى هي انسياق الناس إلى التعويل على أولئك المنجمين والعرافين الذين يحترفون الضحك على عقول الناس بأكاذيبهم وترهاتهم وشعوذاتهم.

(8/37)


أما اليوم في عصرنا هذا الذي انفصل فيه منذ زمن طويل علم الفلك بمعناه الصحيح عن التنجيم بمعناه العرفي من الشعوذة والكهانة واستطلاع الحظوظ من حركات النجوم وأصبح علم الفلك قائما على أسس من الرصد بالمراصد الحديثة والأجهزة العملاقة التي تكتشف حركات الكواكب من مسافات السنين الضوئية وبالحسابات الدقيقة المتيقنة التي تحدد تلك الحركات بجزء من مئات أو آلاف الأجزاء من الثانية وأقيمت بناء عليه في الفضاء حول الأرض محطات ثابتة وتستقبل مركبات تدور حول الأرض .إلخ. فهل يمكن أن يشك بعد ذلك بصحته ويقين حساباته وأن يقاس على ما كان عليه من البساطة والظنية والتعديل في الماضي زمن أسلافنا رحمهم الله ] فتاوى الزرقا ص 166-169.
ولكن مع هذا أقول إنه بعد التقدم العلمي الهائل لعلم الفلك ولوضوح الفصل بين علم الفلك وبين التنجيم لا بد من الاستئناس بعلم الفلك في هذه القضية المهمة، وفق الشروط والأحوال التي أشار إليها الفقهاء قديما وحديثا. وأهمها تعذر رؤية الهلال وأن يكون أهل الحساب ممن يؤمن معهم الخطأ ويحصل العلم أو الظن القوي من اتفاقهم على عدم الخطأ في الحساب. وخاصة أنه قد حدثت عوامل كثيرة تؤثر في إثبات الرؤية في العصر الحاضر، مثل: عدم صفاء الجو بسبب التلوث الصناعي بالغازات الهائلة من الصناعات، والتلوث الضوئي، وبخار الماء، والأقمار الصناعية التي تملأ الأجواء ليل نهار، إضافة إلى عوامل أخرى قد تؤثر على الرؤية منها:الوهم، وحدة البصر، وعمر القمر بعد التولد ولحظة الرؤية.
وخلاصة الأمر في هذه المسألة هو وجوب الاعتماد على الرؤية البصرية لإثبات الشهور القمرية وهذا ما نطقت به النصوص الشرعية ويستعان أو يستأنس بالحساب الفلكي والمراصد مراعاة للأحاديث النبوية والحقائق العلمية.

(8/38)


اختلاف بدء الصوم من بلد لآخر
يقول السائل: إنه كان في العمرة لما أعلن عن بدء الصيام في بلادنا يوم الأحد وصام يوم الاثنين مع أهل مكة المكرمة حيث بدأ الصوم في تلك البلاد يوم الاثنين ثم رجع إلى القدس فماذا يعمل بالنسبة لليوم الذي فاته صيامه؟
الجواب: إن حكم الصوم والفطر مرتبط مع أهل البلاد التي يوجد فيها الشخص لأن صيام رمضان يكون مع جماعة الناس ولا يصوم الإنسان رمضان لوحده فحكم صوم الفرد هو حكم صوم أهل البلد الذي وجد فيه فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون ) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح، انظر إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل 4/11.
وقال الإمام الترمذي بعد أن ذكر الحديث:[ وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس ] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي 3/312.
وبناء على ذلك فعلى هذا الشخص أن يتم صيام رمضان مع أهل بلده ويلتزم بالعيد معهم فإذا كان رمضان هذا العام ثلاثين يوما وهو قد صام تسعة وعشرين يوما فلا يلزمه قضاء يوم. وأما إذا جاء رمضان تسعة وعشرين يوما ويكون قد صام ثمانية وعشرين يوما فيلزمه قضاء يوم. لأن الشهر الهجري لا يكون أقل من تسعة وعشرين يوما لما ورد في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( الشهر تسع وعشرون ليلة لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه إلا أن يغم عليكم فإن غم عليكم فاقدروا له ) رواه مسلم.
وهكذا يقال في حق من ابتدأ الصيام في بلادنا حيث صمنا الأحد ثم سافر في آخر الشهر مثلا إلى مكة المكرمة فإنه ملزم بالفطر مع أهل مكة فإذا ثبتت رؤية الهلال في تلك الديار فهذا الشخص ملزم بأن يفطر مع أهل مكة ويصلي العيد معهم فإن كان مجموع ما صامه أقل من تسعة وعشرين يوما فهو ملزم بقضاء صوم يوم.

(8/39)


الصوم والفطر مع الجماعة
يقول السائل: ما قولكم فيما حدث يوم الثلاثين من رمضان هذا العام حيث إن بعض الناس قلدوا ما أعلن في بعض مناطق العراق أن عيد الفطر يوم الاثنين 24- 11- 2003 فعيدوا في ذلك اليوم وخالفوا ما عليه أكثر المسلمين في العالم حيث إن العيد كان يوم الثلاثاء 25-11-2003 مما أحدث بلبلة بين عامة الناس أفيدونا.

(8/40)


الجواب: إن مما يؤسف له تكرر هذه المشكلة في بلادنا على يد فئة تشذ وتخالف جماعة الناس بزعم أنهم يتبنون وحدة المطالع فيصومون مع أول من يعلن الصيام ويفطرون مع أول من يعلن الفطر، والغريب في الأمر أن هؤلاء يتبنون هذا الحكم في الصيام فقط ولا يتبنون في بقية أحكام الصوم؟! ثم هؤلاء الذين عيدوا يوم الاثنين لم يصلوا العيد في ذلك اليوم بل صلوا العيد يوم الثلاثاء. إن هذا لشيء عجاب فصلاة العيد مشروعة يوم العيد فكيف يصلونها في اليوم التالي للعيد على رأيهم الأعرج!! ومن المعلوم أن قضية بداية شهر الصوم ونهايته تشكل مثارا للنزاع والاختلاف في كل عام تقريبا، والمسألة محل اختلاف بين أهل العلم منذ عهد بعيد، فمن العلماء من يرى أن لا عبرة باختلاف المطالع، وأن على المسلمين جميعا أن يصوموا إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد، والرأي الآخر في المسألة وهو أن لكل بلد رؤيتهم قال به جماعة من أهل العلم، والمسألة مسألة اجتهادية محتملة واستدل كل فريق بأدلة من الكتاب والسنة والقياس. وإن كنت أعتقد رجحان القول الأول بعد النظر في أدلته ولكن هذا القول وهو عدم اعتبار اختلاف المطالع رأي نظري لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي في تاريخ المسلمين من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى عصرنا الحاضر لعدم توفر وسائل الاتصال التي تربط أنحاء الدولة الإسلامية بعضها مع بعض ومعلوم أن وسائل الاتصال حديثة العهد. كما وأود أن أبين أنه ينبغي الاستئناس بما يقرره علم الفلك وإن كان الأصل هو رؤية العين المجردة ولكن أصول الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة لا تمنع أن نستعين بعلم الفلك وخاصة أنه علم متقدم ومتطور وعلم الفلك ليس مجرد حسابات وإنما هو رؤية ولكن بالمراصد والآلات فلا مانع شرعا من الاستفادة من التقدم العلمي في هذا المجال وبالذات في حالة النفي أي إذا نفى علم الفلك احتمال رؤية الهلال بشكل قطعي فينبغي حينئذ عدم قبول ادعاء الرؤية وهذا

(8/41)


هو ما حصل في هذا العام فإن علم الفلك نفى احتمال رؤية الهلال مساء الأحد 23/11/2003م وأن الهلال لم يكن قد تولد لذا فإني أعتقد أن إعلان بعض العراقيين عن ثبوت رؤية الهلال إعلان باطل ولم يكن القرار بناء على رؤية حقيقية للهلال لاستحالة ذلك كليا كما قرر ذلك علماء الفلك وبعض الفقهاء، فقد أعلن معهد البحوث الفلكية بحلوان أن يوم الثلاثاء 25-11-2003 هو أول أيام عيد الفطر المبارك في مصر فلكيا. وقال الدكتور محمد سليمان رئيس قسم الفلك والشمس بالمعهد: إن الحسابات الفلكية تؤيد أن ميلاد هلال شهر شوال في جميع البلاد العربية والإسلامية لن يرى قبل غروب يوم الاثنين الموافق 24-11-2003، وعليه فإن يوم الاثنين سيكون المتمم لشهر رمضان لعام 1424هـ ويكون يوم الثلاثاء الموافق 25-11-2003 هو أول أيام عيد الفطر المبارك. وأعلن كل من المجلس الإسلامي للأهلة التابع للمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا والمجلس الأوربي للبحوث والإفتاء استحالة رؤية هلال شهر شوال لعام 1424 هجريا مساء الأحد الموافق 23-11-2003، وعليه فإن يوم الثلاثاء الموافق 25-11-2003 هو أول أيام شهر شوال، وأول أيام عيد الفطر المبارك.وجاء في بيان صادر عن المجلس الإسلامي للأهلة الجمعة 21-11-2003: إن هلال شهر شوال سيولد في الساعة 23 ودقيقة واحدة يوم الأحد بتوقيت جرينتش الموافق للساعة الثانية ودقيقة واحدة من صباح الاثنين 24-11-2003 بتوقيت مكة المكرمة. وأضاف البيان أن هلال شوال سيولد بعد 6 ساعات من غروب شمس يوم الأحد؛ الأمر الذي يعني استحالة رؤية الهلال مساء ذلك اليوم. وأوضح الدكتور محمد الهواري رئيس المجلس الأعلى للأهلة في اتصال هاتفي مع موقع إسلام أون لاين.نت الجمعة 21-11-2003 أن الهلال سيمكث في السماء لمدة 28 دقيقة بعد غروب يوم الاثنين 24-11-2003، ويمكن رؤيته بوضوح في معظم الدول العربية والأوربية. وأشار الهواري إلى أنه بناء على ما تقدم فإن يوم

(8/42)


الثلاثاء الموافق 25-11-2003 أول أيام شهر شوال 1424هـ وأول أيام عيد الفطر المبارك.] موقع إسلام أون لاين.نت.
وقال الشيخ عبد الله المنيع عضو هيئة كبار العلماء في السعودية:[ يولد هلال شهر شوال عام 1424هـ يوم الاثنين الموافق 30/9/1424هـ الساعة الثانية صباحا، أي بعد غروب شمس يوم الأحد الموافق 29/9/1424هـ بما يزيد عن سبع ساعات، ويمكث الهلال بعد غروب شمس يوم الاثنين ثمان وعشرين دقيقة وذلك بتوقيت مكة المكرمة، وعليه فيكون يوم عيد الفطر يوم الثلاثاء الموافق 25 نوفمبر 2003م، وهو أول يوم من شهر شوال سنة 1424هـ. وعليه فإذا ثبت دخول شهر رمضان يوم الأحد 26/10/2003 م حسب الرؤية الشرعية المتفقة مع الحساب الفلكي فإن يوم الاثنين 24 نوفمبر الموافق 30/9/1424هـ هو آخر يوم من أيام رمضان، ولا حاجة لترائي هلال شهر شوال مساء الاثنين، لكونه تمام الثلاثين يوما لشهر رمضان ونظرا إلى أن ولادة هلال شهر شوال هو الساعة الثانية من صباح يوم الاثنين 30/9/1424هـ، فلا يصح فلكيا ترائي الهلال مساء الأحد 29/9/1424هـ بعد غروب شمس ذلك اليوم؛ لكون الهلال ولد بعد غروب شمس يوم الأحد بما يزيد عن سبع ساعات وأي دعوى رؤية للهلال مساء هذا اليوم يوم الأحد 29/9/1424هـ فهي شهادة غير صحيحة؛ لعدم انفكاكها عما يكذبها، ويجب ردها مهما كانت عدالة أو عددا].عن شبكة الإنترنت.
ونقل القليوبي من فقهاء الشافعية عن العبادي قوله:[ إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤية الهلال لم يقبل قول العدول برؤيته، وترد شهادتهم. ثم قال القليوبي: هذا ظاهر جلي، ولا يجوز الصوم حينئذ، وإن مخالفة ذلك معاندة ومكابرة ].

(8/43)


إذا تقرر هذا فإن ما قام به هؤلاء الذين عيدوا يوم الاثنين إنما هو عمل باطل ويلزمهم قضاء يوم بدل اليوم الذي أفطروه حيث إنهم أفطروا يوما من رمضان وإفطارهم لم يكن مستندا على دليل صحيح بل قلدوا أناسا خالفوا المحسوس وأبلغ دليل على ذلك أن من أهل العراق السنة قد وافقوا أكثر المسلمين في أن العيد هذا العام هو يوم الثلاثاء ولم تثبت لديهم رؤية هلال شوال مساء الأحد كما زعم غيرهم .وينبغي التنبيه أن ما فعله هؤلاء يؤكد ما أقوله دائما أن الصوم والفطر ليس عملا فرديا يقوم به فرد أو أفراد لوحدهم بل الصيام والعيد عبادة جماعية تتم مع الجماعة فلا يصح أن يصوم أحد رمضان لوحده وكذلك لا يصح أن يعيد فرد لوحده وهذا هو المفهوم المستمد من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:( الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) رواه الترمذي وأبو داود والبيهقي وهو حديث صحيح كما قاله الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/213. قال الإمام الترمذي رحمه الله:[ وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس ].

(8/44)


يجوز للحائض إذا طهرت أثناء النهار الأكل والشرب والأولى أن تمسك بقية يومها لحرمة الشهر
تقول السائلة: إذا انقطع دم الحيض أثناء النهار فماذا يلزمها بالنسبة للصوم؟
الجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الحائض لا تصوم ولا تصلي فإذا انقطع دم الحيض أثناء نهار رمضان فيستحب لها أن تمسك عن الطعام والشراب احتراما للشهر الكريم وابتعادا عن التهمة ولكن لا يجب عليها ذلك لأنها كانت معذورة في الفطر بسبب الحيض فإذا زال حيضها أثناء النهار فلا شيء عليها إذا أكلت أو شربت ولكن يستحسن أن يكون ذلك بعيدا عن أنظار الصائمين قال الإمام النووي:[ إذا طهرت في أثناء النهار يستحب لها إمساك بقيته ولا يلزمها . ] المجموع 6/257.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ فأما من يباح له الفطر في أول النهار ظاهرا وباطنا كالحائض والمسافر والنفساء والصبي والمجنون والكافر والمريض إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار فطهرت الحائض والنفساء وأقام المسافر وبلغ الصبي وأفاق المجنون وأسلم الكافر وصح المريض المفطر ففيهم روايتان:
إحداهما: يلزمهم الإمساك في بقية اليوم. وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح والعنبري لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك كقيام البينة بالرؤية.
والثانية: لا يلزمهم الإمساك وهو قول مالك والشافعي وروي ذلك عن جابر بن زيد وروي عن ابن مسعود أنه قال: من أكل أول النهار فليأكل آخره، ولأنه أبيح له فطر أول النهار ظاهرا وباطنا. فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر ] المغني 3/145-146.
وما ذكره ابن قدامة ثانيا هو الراجح من قولي العلماء فيجوز للحائض إذا طهرت أثناء النهار الأكل والشرب والأولى أن تمسك بقية يومها لحرمة الشهر.

(8/45)


المجاهرة بالفطر في رمضان من كبائر الذنوب
يقول السائل: ما حكم من لا يصوم رمضان ويجاهر بفطره؟
الجواب: من المعلوم أن صوم رمضان فريضة مكتوبة على المسلمين لقوله تعالى: { يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } سورة البقرة الآية 183.
والصيام ركن من أركان الإسلام فمن تهاون في صيام رمضان فقد وقع في معصية كبيرة والعياذ بالله فإذا انضم إلى فطره مجاهرته في ذلك فقد ازداد عصيانا وإثما حيث إنه أظهر المعصية وتلبس بأفعال أهل المجون نسأل الله العفو والعافية.
أما لو أن هذا المفطر قد ستر على نفسه لكان ذنبه أهون وإن كان هو عظيما في ذاته قال العلامة ابن القيم:[ والمستخفي بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن والكاتم له أقل إثما من المخبر المحدث للناس به فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:( كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه ثم يصبح يكشف ستر الله عنه يقول يا فلان فعلت البارحة كذا وكذا فيبيت ربه يستره ويصبح يكشف ستر الله عن نفسه أو كما قال، وفي الحديث الآخر عنه ( من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ). وفي الحديث الآخر ( إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة ] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 2/147-148.
ولا شك أن المجاهرة بالإفطار فيها نوع من التبجح والافتخار بالمعصية وهذه وقاحة عظيمة وقلة حياء فهذا العاصي المجاهر لم يستح من الله سبحانه وتعالى ولم يستح من الناس.والحديث الأول الذي ذكره ابن القيم رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول . الحديث.

(8/46)


قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ قوله :( كل أمتي معافى ) بفتح الفاء مقصور اسم مفعول من العافية وهو إما بمعنى عفا الله عنه وإما سلمه الله وسلم منه . ومحصل الكلام كل واحد من الأمة يعفى عن ذنبه ولا يؤاخذ به إلا الفاسق المعلن أ.هـ . وقال الطيبي: الأظهر أن يقال المعنى كل أمتي يتركون في الغيبة إلا المجاهرون, والعفو بمعنى الترك وفيه معنى النفي كقوله:( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ) والمجاهر الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها, وقد ذكر النووي أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به أ.هـ . والمجاهر في هذا الحديث يحتمل أن يكون من جاهر بكذا بمعنى جهر به . ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة والمراد الذي يجاهر بعضهم بعضا بالتحدث بالمعاصي ) فتح الباري 10/597-598.
وقال الحافظ أبو العباس القرطبي في شرح الحديث السابق بعد أن ذكر اختلاف الروايات فيه:[ وهذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها هي راجعة إلى معنى واحد قد فسره في الحديث وهو أن يعمل الرجل معصية في خفية وخلوة ثم يخرج يتحدث بها مع الناس ويجهر بها ويعلنها وهذا من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش وذلك: أن هذا لا يصدر إلا من جاهل بقدر المعصية أو مستهين مستهزئ بها مصر عليها غير تائب منها مظهر للمنكر. والواحد من هذه الأمور كبيرة فكيف إذا اجتمعت؟! فلذلك كان فاعل هذه الأشياء أشد الناس بلاء في الدنيا وعقوبة في الآخرة لأنه تجتمع عليه عقوبة تلك الأمور كلها وسائر الناس ممن ليس على مثل حاله وإن كان مرتكب كبيرة فأمره أخف وعقوبته إن عوقب أهون. ورجوعه عنها أقرب من الأول لأن ذلك المجاهر قل أن يتوب أو يرجع عما اعتاده من المعصية وسهل عليه منها. فيكون كل العصاة بالنسبة إليه إما معافى مطلقا إن تاب وإما معافى بالنسبة إليه إن عوقب والله تعالى أعلم ] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 6/618.

(8/47)


وينبغي أن يعلم أن الإنسان إذا ابتلي بمعصية من المعاصي فالواجب عليه أن يستر نفسه ولا يظهر شيئا من ذلك وعليه أن يتوب إلى الله تعالى فقد ورد في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عز وجل عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله عز وجل وليتب إلى الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم 663.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين, وفيه ضرب من العناد لهم, وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف, لأن المعاصي تذل أهلها, ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حدا, وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه, فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة, والذي يجاهر يفوته جميع ذلك ] فتح الباري 10/598- 599.
وخلاصة الأمر أن الفطر في نهار رمضان بدون عذر حرام شرعا ومن كبائر الذنوب فإذا انضم إلى ذلك المجاهرة بالفطر فقد ازداد إثما على إثم والواجب على من فعل ذلك أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يقضي ما أفطر من رمضان.

(8/48)


الخطأ في الفطر
يقول السائل: إنه أفطر في أحد أيام رمضان بناء على أذان المؤذن في الإذاعة ثم تبين له أن ذلك الأذان كان في دولة أخرى، فما الحكم في ذلك؟
الجواب: يلزم هذا الشخص أن يقضي يوما بدل اليوم الذي أفطره خطأ حيث إنه ظن أن أذان المغرب كان من الإذاعة في بلده ثم ظهر له أن الأذان كان في دولة مجاورة أي أن هذا الشخص أفطر قبل الوقت الشرعي للإفطار فيلزمه القضاء على الراجح من أقوال أهل العلم وهو قول جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. فقد روى في البخاري بسنده عن هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت أفطرنا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام فأمروا بالقضاء قال لا بد من قضاء وقال معمر سمعت هشاما لا أدري أقضوا أم لا).
قال الحافظ ابن حجر:[ وقد اختلف في هذه المسألة فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء, واختلف عن عمر- رضي الله عنه - فروى ابن أبي شيبة وغيره من طريق زيد بن وهب عنه ترك القضاء, ولفظ معمر عن الأعمش عن زيد، فقال عمر - رضي الله عنه -: لم نقض والله ما يجانفنا الإثم، وروى مالك من وجه آخر عن عمر أنه قال لما أفطر ثم طلعت الشمس، الخطب يسير وقد اجتهدنا، وزاد عبد الرزاق في روايته من هذا الوجه، نقضي يوما، وله من طريق علي بن حنظلة عن أبيه نحوه, ورواه سعيد بن منصور وفيه. فقال: من أفطر منكم فليصم يوما مكانه، وروى سعيد بن منصور من طريق أخرى عن عمر نحوه. وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن وبه قال إسحاق وأحمد في رواية ., ويرجح الأول أنه لو غم هلال رمضان فأصبحوا مفطرين ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا ] فتح الباري 4/255.
وذكر مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس فجاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين طلعت الشمس فقال عمر: الخطب يسير وقد اجتهدنا ) قال مالك يريد بقوله ( الخطب يسير ) القضاء فيما نرى والله أعلم وخفة مؤونته ويسارته يقول نصوم يوما مكانه.

(8/49)


وقال الحافظ ابن عبد البر:[ وروى الثوري عن جبلة بن سحيم عن علي بن حنظلة عن أبيه: أنه شهد عمر . فذكر القصة وقال: يا هؤلاء! من كان أفطر فإن القضاء يوم يسير ومن لم يكن أفطر فليتم صومه ] الاستذكار 10/35. ثم ذكر الحافظ ابن عبد البر قولا آخر عن عمر أنه لا قضاء على المفطر خطأ، ثم قال:[ فهذا خلاف عن عمر - رضي الله عنه - في هذه المسألة والرواية الأولى أولى بالصائم إن شاء الله ] الاستذكار 10/175. وقد صحح الإمام البيهقي الروايات الواردة عن عمر بالقضاء وضعف الرواية الواردة بعدم القضاء ثم ذكر رواية تفيد أن جماعة أفطروا مع صهيب - رضي الله عنه - صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان في يوم غيم فبينما هم يتعشون إذ طلعت الشمس فقال صهيب:طعمة الله أتموا صيامكم إلى الليل واقضوا يوما مكانه ] سنن البيهقي 4/217-218.
واستدل الشيخ ابن قدامة المقدسي لقول الجمهور بقوله:[ ولنا أنه أكل مختارا ذاكرا للصوم فأفطر كما لو أكل يوم الشك ولأنه جهل بوقت الصيام فلم يعذر به كالجهل بأول رمضان ولأنه يمكن التحرز فأشبه أكل العامد وفارق الناسي فإنه لا يمكن التحرز منه وأما الخبر فرواه الأثرم أن عمر قال من أكل فليقض يوما مكانه ورواه مالك في الموطأ أن عمر قال الخطب يسير يعني خفة القضاء وروى هشام بن عروة عن فاطمة امرأته عن أسماء قالت أفطرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام أمروا بالقضاء قال لا بد من قضاء أخرجه البخاري ] المغني 3/247.
ومقتضى قول الجمهور التفريق بين الناسي والمخطئ في الأكل في نهار رمضان فإن النسيان آفة طبيعية في الإنسان خارجة عن إرادته والنسيان لا يمكن الاحتراز منه بخلاف الخطأ فإن فيه نوعا من التقصير حيث إن المخطئ لم يتثبت وكان بإمكانه أن يحترز من الخطأ.

(8/50)


قال الإمام الخطابي:[ الناسي لا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيا وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتيقن غيبوبة الشمس, فالنسيان خطأ في الفعل وهذا خطأ في الوقت والزمان والتحرز ممكن ]معالم السنن 2/94.
وأما الحديث الوارد عن النبي- صلى الله عليه وسلم -:( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، فإن المرفوع في الحديث إنما هو الإثم وأما الحكم وهو القضاء فلا يرفع. انظر المجموع للنووي 6/311. لذا أرجح القول بلزوم القضاء في حق المخطئ دون الناسي لورود النص في الناسي وهو ما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:(من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه ) رواه البخاري ومسلم.
وخلاصة الأمر أن القول بإيجاب القضاء على المخطئ هو أحوط القولين في المسألة.

(8/51)


تذكير الناسي للصيام
يقول السائل: ما قولكم فيما يقوله بعض الناس إنهم إذا رأوا شخصا يأكل أو يشرب في نهار رمضان ناسيا فلا يذكرونه باعتبار أن ذلك الطعام والشراب رزق ساقه الله إليه؟
الجواب: إن ما قاله هؤلاء إنما هو فهم غير صحيح للحديث النبوي وهو عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -:( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه ) رواه البخاري ومسلم . فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن الناسي في رمضان إن أكل أو شرب فيلزمه إتمام الصوم ولا يقطعه وليس عليه قضاء ذلك اليوم حيث إن الله قد ساق له رزقا فالأكل والشرب نسيانا أثناء الصوم لا يؤثر على الصوم لأن الناسي قد رفع عنه قلم التكليف لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } سورة البقرة الآية 284، قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال - صلى الله عليه وسلم -: قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } . قال قد فعلت: { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } قال قد فعلت : { واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا } قال قد فعلت ) رواه مسلم.
ولما ورد في الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم -:( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الطبراني والدارقطني والحاكم بألفاظ مختلفة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. وورد في رواية أخرى للحديث الأول عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -:( إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه ) رواه الدارقطني، وقال: إسناد صحيح وكلهم ثقات. سنن الدارقطني 2/178.

(8/52)


ولما ورد في الحديث عن أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق رضي الله عنها :( أنها كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه ومعه ذو اليدين - صحابي - فناولها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرقا - عظم عليه لحم - فقال: يا أم إسحاق أصيبي من هذا. فذكرت أني كنت صائمة فرددت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مالك؟ قالت: كنت صائمة فنسيت. فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك ] رواه أحمد والطبراني في الكبير كما قال الهيثمي .وغير ذلك في الأدلة.
وأما قول بعض الناس بعدم تذكير الناسي في نهار رمضان بحجة أن ذلك الطعام والشراب رزق ساقه الله إلى الناسي فغير صحيح لما يلي:
أولا: لأن الأكل أو الشراب في نهار رمضان محرم شرعا ومنكر يجب على من رآه أن ينكره وإن كان الناسي معذورا عند الله سبحانه وتعالى لما سبق من الأدلة. فتذكيره بالصيام أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وهو الأكل في نهار رمضان.
ثانيا: إن ترك الناسي مستمرا في أكله وشرابه جهارا وعدم تذكيره بالصيام فيه فتح باب شر على الناس فيجترئون على المجاهرة بالفطر في رمضان.
ثالثا:إن تذكير الناسي واجب لأنه داخل في باب التعاون على البر والتقوى لقوله تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } سورة المائدة الآية 2.

(8/53)


رابعا: يمكن أن تقاس هذه المسألة وهي تذكير الناسي في الصيام على تذكير الناسي في الصلاة فقد شرع التسبيح في الصلاة لتذكير الإمام إذا سها في صلاته. فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:( صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلما سلم قيل له يا رسول الله: أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين ) رواه البخاري ومسلم.
ومن المستظرفات في هذا الباب ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني مما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أن إنسانا جاء إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - فقال أصبحت صائما فنسيت فطعمت, قال لا بأس. قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت, قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك. ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت, فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام. فتح الباري 4/201.
وخلاصة الأمر أنه يجب تذكير الناسي في نهار رمضان ولا يصح القول بعدم تذكيره بحجة أن ذلك الطعام والشراب رزق ساقه الله إليه.

(8/54)


حكم صوم يوم السبت في غير الفريضة
يقول السائل: إن يوم عرفة يصادف هذا العام يوم السبت فما حكم صيامه حيث إنني قد سمعت حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن صوم يوم السبت إلا في الفريضة فما قولكم في ذلك؟
الجواب: يوم عرفة يوم من أيام الله سبحانه وتعالى وهو يوم عظيم مبارك ومن أفضل أعمال المؤمن أن يصوم يوم عرفة وقد ثبت في فضل صيامه أحاديث كثيرة منها:
عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ) رواه مسلم . وفي رواية أخرى عند مسلم ( قال وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم عرفة فقال يكفر السنة الماضية والباقية ).
وعن قتادة بن النعمان - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:( من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده ) رواه ابن ماجة.
وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على مشروعية صوم يوم عرفة وفضله، وصوم يوم عرفة مشروع مهما كان اليوم الذي وقع فيه سواء كان يوم الجمعة أو السبت أو الأحد. وأما الحديث الذي أشار إليه السائل وهو عن عبد الله بن بسر عن أخته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه ) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، فإن هذا الحديث محل خلاف بين المحدثين فمنهم من ضعفه ومنهم من قال بنسخه ومنهم من قال إنه كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من حسنه أو صححه ومنهم من أوله وجمع بينه وبين غيره من الأحاديث التي أثبتت صوم السبت في النافلة.
قال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر الحديث [ فقال مالك رحمه الله هذا كذب يريد حديث عبد الله بن بسر ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ وقال النسائي هو حديث مضطرب وقال جماعة من أهل العلم لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة فإن النهي عن صومه إنما هو إفراده وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد قالوا ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده ] زاد المعاد في هدي خير العباد 2/79-80.

(8/55)


وقال الشيخ سليمان العلوان عن الحديث:[ هذا الخبر منكر سندا ومتنا، قال عنه الإمام مالك هذا كذب ذكره عنه أبو داود في سننه، وقال الأوزاعي: مازلت له كاتما حتى رأيته انتشر يعني حديث ابن بسر هذا في صوم يوم السبت. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:( لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده ) متفق عليه من حديث أبي هريرة. وهو دليل على صوم يوم السبت والأحاديث في ذلك كثيرة ].
وقال الشيخ محمد الحمود النجدي:[. وهذا الحديث وإن كان رجاله ثقات معروفون، إلا أنه ليس بالقائم بل هو مضطرب. وفي متنه نكارة، ومخالفة للأحاديث الصحاح في صوم يوم الجمعة و يوما بعده، كما في الصحيحين من حديث جويرية وكذلك صوم أيام البيض، و صيام داود صيام يوم و فطر يوم كما في الصحيحين، وصوم يوم عرفة وست من شوال كما في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب وغيرها. وقد أنكر هذا الخبر الحفاظ، قال الأوزاعي رحمه الله: لم نزل نكتمه حتى انتشر. قال الإمام أحمد: يحيى بن سعيد ينفيه أبى أن يحدثني به. وقال الأثرم: حجة أبي عبد الله - أحمد بن حنبل- في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبدالله بن بسر ].
ومن أهل العلم من يرى جواز إفراد السبت بالصيام وهو اختيار الزهري والأوزاعي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد لما ورد في الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم ) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما.

(8/56)


وقال جماهير أهل العلم يكره إفراد يوم السبت بالصيام فإذا صام يوما قبله أو يوما بعده فلا كراهة وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد. قال الإمام الترمذي:[ ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت ] سنن الترمذي 3/120.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ قال أصحابنا يكره إفراد يوم السبت بالصوم لما روى عبد الله بن بسر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ) . والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية وإن وافق صوما لإنسان لم يكره لما قدمناه ] المغني 3/171.
وقال أبو بكر الأثرم في كتابه ( ناسخ الحديث ومنسوخه ):[ روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم -:( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ). فجاء هذا الحديث ثم خالفته الأحاديث كلها .فمن ذلك حديث علي وأبي هريرة وجندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بصوم المحرم.ففي المحرم السبت، وليس فيما افترض.
وقال النسائي:[ الرخصة في صيام يوم السبت ].ثم روى بسنده عن جنادة الأزدي أنهم ( دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية نفر وهو ثامنهم فقرب إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما يوم جمعة، فقال: كلوا، قالوا: صيام، قال: صمتم أمس؟ قالوا: لا، قال: فصائمون غدا؟ قالوا: لا، قال: فأفطروا ) السنن الكبرى 2/145، وعزاه الحافظ ابن حجر في الإصابة 1/256 إلى البغوي وصححه.

(8/57)


وقال الطحاوي بعد أن روى حديث عبد الله بن بسر السابق: فذهب قوم إلى هذا الحديث فكرهوا صوم يوم السبت تطوعا. وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بصومه بأسا .وكان من الحجة عليهم في ذلك: أنه قد جاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله يوم، أو بعده يوم. وقد ذكرنا ذلك بأسانيد فيما تقدم من كتابنا هذا فاليوم الذي بعده هو يوم السبت ففي هذه الآثار المروية في هذا إباحة صوم السبت تطوعا، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء، من هذا الحديث الشاذ الذي خالفها. وقد أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صوم عاشوراء وحض عليه ولم يقل: إن كان يوم السبت فلا تصوموه ففي ذلك دليل على دخول كل الأيام فيه.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( أحب الصيام إلى الله عز وجل، صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما ) الحديث في الصحيحين عن ابن عمرو رضي الله عنهما، وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضا بصيام أيام البيض، وروى عنه في ذلك ما حدثنا ... عن أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل أمره بصيام ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.
وعن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي عن أبيه قال:( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نصوم ليالي البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال: هي كهيأة الدهر) ورواه أبو داود والنسائي وسنده حسن وقد يدخل السبت في هذه، كما يدخل فيها غيره من سائر الأيام. ففيها أيضا إباحة صوم يوم السبت تطوعا أ.هـ ] شرح معاني الآثار 2/80 - 81 .

(8/58)


وقال ابن حبان:[ فصل في صوم يوم السبت: ذكر الزجر عن صوم يوم السبت مفردا، ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق، ثم عقبه بقوله: ذكر العلة التي من أجلها نهي عن صيام يوم السبت مع البيان بأنه إذا قرن بيوم آخر جاز صومه، ثم ذكر حديث أم سلمة السابق صحيح ابن حبان 5/250.
وقال ابن خزيمة:[ باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعا إذا أفرد بالصوم بذكر خبر مجمل غير مفسر بلفظ عام مراده خاص، وأحسب أن النهي عن صيامه، إذ اليهود تعظمه وقد اتخذته عيدا بدل الجمعة. ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق. ثم قال: باب ذكر الدليل على أن النهي عن صوم يوم السبت تطوعا إذا أفرد بصوم، لا إذا صام صائم يوما قبله أو يوم بعده. وقال: في إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله أو بعده يوما دلالة على أنه قد أباح يوم السبت إذا صام قبله يوم الجمعة أو بعده يوما ثم قال: باب الرخصة في يوم السبت إذا صام يوم الأحد بعده: ثم ذكر حديث كريب مولى ابن عباس: أن ابن عباس وناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثوني إلى أم سلمة أسألها الأيام التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر لها صياما، قالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم وكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا وذكر أنك قلت كذا وكذا، فقالت صدق، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، كان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم ] صحيح ابن خزيمة 3/316.

(8/59)


وقال البيهقي ( باب ما ورد من النهي عن تخصيص يوم السبت بالصوم. ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق ثم قال:[ وقد مضى في حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها في الباب قبله ما دل على جواز صوم يوم السبت، وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم له، والله أعلم. ثم استدل بحديث أم سلمة رضي الله عنها ] السنن الكبرى 4/302.
وقال البغوي:[ باب كراهية صوم يوم السبت وحده، ثم ساق حديث عبد الله بن بسر. وعقبه بقوله: ومعنى الكراهية في تخصيص يوم السبت بالصوم أنه يوم تعظمه اليهود] شرح السنة 6/361.

(8/60)


وقال الإمام النووي:[ يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره صرح بكراهة إفراده أصحابنا منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم؛ لحديث عبد الله بن بسر. قال الحاكم أبو عبد الله:. وله معارض صحيح وهو حديث جويرية السابق في صوم يوم الجمعة قال: وله معارض آخر بإسناد صحيح. ثم روى بإسناده ( عن كريب مولى ابن عباس أن ابن عباس وناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثوه إلى أم سلمة يسألها أي الأيام كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر صياما لها؟ قالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا فذكر أنك قلت كذا وكذا، فقالت: صدق، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم ) هذا آخر كلام الحاكم. وحديث أم سلمة هذا رواه النسائي أيضا والبيهقي وغيرهما. وعن عائشة رضي الله عنها قالت:( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس ) رواه الترمذي وقال حديث حسن. والصواب على الجملة ما قدمناه عن أصحابنا أنه يكره إفراد السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له؛ لحديث الصماء . وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد فلا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت وبهذا يجمع بين الأحاديث ] المجموع 6/439-440.
وقال الحافظ المنذري:[ بعد أن ذكر حديث ابن بسر:[ وهذا النهي إنما هو عن إفراده بالصوم لما تقدم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -:( لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو بعده ) فجاز إذا صومه. ثم ذكر حديث أم سلمة رضي الله عنها] الترغيب والترهيب 2/128.

(8/61)


وقال المناوي في شرحه للحديث:[ ( لا تصوموا يوم السبت إلا في فريضة... ) وهذا النهي للتنزيه لا للتحريم، والمعنى فيه: إفراده كما في الجمعة، بديل حديث (صيام يوم السبت لا لك ولا عليك ) وهذا شأن المباح، والدليل على أن المراد إفراده بالصوم حديث عائشة ( إنه كان يقوم شعبان كله ) وقوله ( إلا في فريضة ) يحتمل أن يراد ما فرض بأصل الشرع كرمضان لا بالتزام كنذر ويحتمل العموم ) فيض القدير 6/408.
وقال ابن القيم:[ وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديما وحديثا فقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت، واحتج الأثرم بما ذكر في النصوص المتواترة على صوم يوم السبت، يعني أن يقال: يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره وحديث النهي على صومه وحده، وعلى هذا تتفق النصوص. وهذه طريقة جيدة، لولا أن قوله في الحديث ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ) دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردا أو مضافا، لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه، إلا صورة الفرض، ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد، لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده، كما قال في الجمعة فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها.
وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها، كقوله في يوم الجمعة ( إلا أن تصوموا يوما قبله، أو يوما بعده ) فدل على أن الحديث غير محفوظ، وأنه شاذ. وقد قال أبو داود: قال مالك هذا كذب، وذكر بإسناده عن الزهري: أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت، يقول: هذا حديث حمصي، وعن الأوزاعي قال: مازلت كاتما له حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا. وقالت طائفة، منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ.

(8/62)


وقالت طائفة، وهم أكثر أصحاب أحمد: محكم وأخذوا به في كراهية إفراده بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه.
قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل، فإنه سئل في رواية الأثرم عنه؟ فأجاب بالحديث، وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به، لأنه ذكره في معرض الجواب فهو متضمن للجواب والاستدلال معا.
قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد: فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث .
قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متهمين، وذلك يوجب العمل به، وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه، لأنها تدل على صومه مضافا، فيحمل النهي على صومه مفردا كما ثبت في يوم الجمعة.
ونظير هذا الحكم أيضا: كراهية إفراد رجب بالصوم وعدم كراهيته موصولا بما قبله أو بعده ونظيره أيضا: ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان: أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول، فلا يكره.

(8/63)


قالوا وقد جاء هذا مصرحا به في صوم يوم السبت ففي مسند الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة: حدثنا ابن وردان عن عبيد الأعرج حدثتني جدتي يعني الصماء ( أنها دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم السبت، وهو يتغدى، فقال: تعالي تغدي فقالت: إني صائمة، فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: كلي فإن صيام يوم السبت لا لك، ولا عليك ) وهذا - وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد - لكن يدل عليه ما تقدم من الأحاديث وعلى هذا: فيكون معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - ( لا تصوموا يوم السبت ) أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده .وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا، لا المقارنة بينه وبين غيره وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة، ونحو ذلك ... إلخ.
ثم انتقل ابن القيم للكلام على سبب كراهية صومه منفردا، فقال: ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة، فعللها ابن عقيل: بأنه يوم يمسك فيه اليهود، ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبها بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. ولا يقال: فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا فإنه لا يكره، لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدا تخصيصه المقتضي للتشبه، وشاهده: استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده إليه، لتنتفي صورة الموافقة.

(8/64)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية