صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

نقل الدم والمصاهرة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
مرض ابن عمى واحتاج إلى نقل دم ، فأعطيته من دمى ، فهل يحرم عليه أن يتزوجنى ؟

الجواب
تحريم الزواج يكون بسبب النسب أو الرضاعة أو المصاهرة ، فبعد أن ذكرت الآية : 22 تحريم زوجة الأب ، وذكرت الآية : 23 تحريم الأمهات وغيرها ، وذكرت الآية : 24 تحريم المتزوجات ، وكل ذلك من سورة النساء، جاء فى الآية الأخيرة قوله تعالى{ وأحل لكم ما وراء ذلكم } وفى الحديث النهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها .
فليس من أسباب التحريم نقل الدم ، ولا يجوز أن نقيسه على الرضاع ، لأنه قياس مع الفارق ، فالدم بذاته ليس مغذيا وإنما هو ناقل للغذاء ، واللبن فى أصله غذاء .
وحتى لو فرض أن الدم مثل اللبن فيشترط أن يكون نقل الدم فى سن الحولين ، أى فى الصغر .
أما النقل بين من هم أكبر من سنتين فلا يضر أبدا ، كالرضاع بعد الحولين ، كما يعتبر عدد مرات نقل الدم ، فلا بد أن تكون خمس مرات معلومات كما ذهب إليه الإمام الشافعى فى الرضاع .
والخلاصة أن نقل الدم لا يحرم المصاهرة

(9/436)


طلاق المريض

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تزوج رجل بعد وفاة زوجته ، وكره أولاده ذلك حتى لا تقاسمهم فى ميراثه ، فطلقها فى مرضه الذى مات فيه ، فهل ترث منه أو لا ؟

الجواب
مرض الموت هو المرض الذى يغلب على الظن موت صاحبه به ويلازمه حتى الموت ، وقد يكون ذلك بتقرير الطبيب ، أو بشعور المريض بأنه لم يعد يستطيع أن يزاول أعماله الخفيفة خارج البيت كالذهاب إلى المسجد أو إلى الأماكن التى يقضى منها بعض حاجاته .
فإذا طلق الرجل فيه زوجته طلاقا رجعيا ولو كان برضاها ثم مات قبل انقضاء عدتها فإنها ترث منه ، كما لو طلقها حال صحته .
أما إذا طلقها طلاقا بائنا يقصد به حرمانها من الميراث ، وكان الطلاق بعد الدخول وبغير رضاها وكانت أهلا لأن ترثه لو مات حينئذ ، واستمرت على ذلك إلى أن مات قبل انقضاء عدتها منه فإنها ترثه ، معاملة له بنقيض مقصوده وتستحق نصيبها فى التركة . مع نفاذ الطلاق واعتباره بائنا على كل حال . لكن إذا ماتت المرأة قبل الرجل فإنه لا يرثها ولو كان موتها قبل انتهاء العدة .
ومن هذا يعلم أن الطلاق البائن فى حال الصحة أو فى حال المرض الذى لا يغلب على الظن الهلاك به لا يكون طلاق فرار فلا ترث منه ، وكذلك إذا كان الطلاق قبل الدخول بها لأنها صارت أجنبية من كل الوجوه حيث لا عدة عليها ، وثبوت الحق فى الميراث إذا حصل الموت قبل انتهاء العدة، وإذا أبانها فى مرض الموت برضاها فلا ميراث لها .
ولو كانت عند الإبانة غير أهل لاستحقاق الميراث كأن كانت كتابية فلا ترث ، وذلك لاختلاف الدين ، وكذلك لو مات بعد انقضاء عدتها فلا ترث .
ومذهب الإمام أحمد أن المطلقة للفرار من الإرث ترث من مطلقها حتى لو مات بعد انقضاء عدتها ما لم تتزوج بزوج آخر، ومذهب مالك أنها ترثه حتى بعد زواجها بغيره ولو كان هذا الغير عاشر الأزواج بعده .
هذا ، ومثل مرض الموت كل حالة يغلب على الظن فيها الهلاك ، مثل المبارزة بالسيوف كالتى كانت تحصل فى القتال قبل اشتباك الجيوس ، وانكسار سفينة فى عرض البحر وغرقها وتمسكه بأحد أجزائها ، أو كان غرقها متوقعا لشدة العواصف والأمواج ، وكذلك الحكم النهائى بالإعدام ، والوجود فى بلد فيه وباء أصاب أهل داره والدور المجاورة " انظر كتاب أحكام الأحوال الشخصية ص 283 وما بعدها " للشيخ عبد الرحمن تاج ، وكتاب " أحكام الأسرة فى الإسلام " للشيخ محمد مصطفى شلبى ص 535 وما بعدها

(9/437)


طلاق الغضبان

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يقع طلاق الغضبان ؟

الجواب
روى أبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم أن النبى @ قال " لاطلاق ولا عتاق فى إغلاق " وفسر أحمد بن حنبل الإغلاق بالغضب ، وفسره غيره بالإكراه ، وفسر بالجنون أيضا . وقيل : هو نهى عن إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة ، فيغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى منه شىء .
وجلعوا الغضب ثلاثة أقسام :
أحدها : ما يزيل العقل ، فلا يشعر صاحبه بما قال ، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع .
الثانى : ما يكون فى مبادئه ، بحيث لا يمنع صاحبه عن تصور ما يقول وقصده ، فهذا يقع طلاقه بلا نزاع . والثالث أن يستحكم ويشتد به ، فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيته ، بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال ، فهذا محل نظر، وعدم الوقوع فى هذه الحالة قوى متجه .
وأنصح من يستفتون أن يصدقوا فى تصوير حالة غضبهم ، فكثير منهم يدعى زوال عقله ، وليس للمسئول إلا ما يسمعه منه ، فعلى السائل أن يتقى الله سبحانه .
" الفتاوى الإسلامية مجلد 6 ص 029 2 ومجلد 9 ص 3155"

(9/438)


طاعة الوالدين فى الزواج والطلاق

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى بعض الأحوال يضغط الأب أو الأم على الابن أن يتزوج امرأة معينة، أو أن يطلق زوجته ، ويهددانه بالغضب عليه إن لم يفعل ، أو بالحرمان من الميراث مثلا، فما رأى الدين فى ذلك ؟

الجواب
مخالفة الوالدين فى اختيار الزوج أو الزوجة حرام إذا كان لهما رأى دينى فى الزوج أو الزوجة يحذران منه . أما إذا كان رأى الوالدين ليس دينيا، بل لمصلحة شخصية أو غرض آخر - والزواج فيه تكافؤ وصلاح - فلا حرمة فى مخالفة الوالدين .
ومطلوب أن يكون هناك تفاهم بالحسنى بين الطرفين ، رجاء تحقق الاستقرار فى الأسرة الجديدة ، وحتى يتحقق الغرض الاجتماعى من الزواج الذى ليس هو علاقة خاصة فقط بين الزوج والزوجة ، وإنما هو علاقة أيضا بين أسرتين ، وفيه دعم للروابط الاجتماعية .
ويقاس هذا على إرغام الوالدين لولدهما على طلاق زوجته التى يحبها ويستريح لها ، فقد روى الترمذى وصححه أن : عمر رضى الله عنه أمر ابنه أن يطلق زوجته فأبى، فشكاه للرسول صلى الله عليه وسلم فأمر بطلاقها ، لكن سئل أحمد بن حنبل بعد ذلك فى مثل هذه الحالة فقال للسائل :
لا تطلق زوجتك ، فذكر له حادث عمر، فقال أحمد : إذا كان أبوك مثل عمر فطلقها . والمعنى أن عمر كانت له نظرة دينية فى زوجة ابنه ، لكن غير عمر ليست له هذه النظرة، فهى غالبا نظرة شخصية ولتحقيق غرض معين يكون من ورائه هدم أسرة يستريح لها الابن خلقا ودينا .
صح أن إبراهيم عليه السلام أمر ولده إسماعيل أن يطلق زوجته الأولى ، مكنيا عن ذلك بتغيير عتبة الباب ، كما رواه البخارى ، وذلك لأنه وجدها تتأفف من عشرته فقد تكون فتنة لزوجها، وقال الإمام الغزالى فى " الإحياء ج 2 ص 51 " بعد ذكر حديث ابن عمر: فهذا يدل علي أن حق الوالد مقدم ، ولكن والد يكرهها لا لغرض ، مثل عمر .
وعلى هذا يحمل ما ورد من أمر أبى بكر الصديق ولده عبد الله أن يطلق زوجته عاتكة، وما أخرجه أحمد عن معاذ بن جبل ، أوصانى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات ، وذكر منها " ولا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك " وما جاء فى صحيح ابن حبان أن رجلا سأل أبا الدرداء فقال له ، إن أبى لم يزل بى حتى زوجنى، وإنه الآن يأمرنى بطلاقها . قال : ما أنا بالذى آمرك أن تعق والديك ، ولا بالذى آمرك أن تطلق امرأتك ، غير أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الوالد أوسط أبواب الجنة ، فحافظ على ذلك إن شئت أو دع " قال فأحسب أن عطاء - وهو الراوى - قال فطلقها .
هذا، وقد رأى جماعة أن الطاعة فى تطليق الزوجة تكون للأب لا للأم ، قال ابن تيمية فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته : لا يحل له أن يطلقها ، بل عليه أن يبرها ، وليس تطليق امرأته من برها " غذاء الألباب ج 1 ص 332 " وجاء فى هذا الكتاب أن ابن تيمية علل عدم طاعة الوالدين فى زواج امرأة معينة : إذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر طبعه عنه ، مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه ، كان النكاح بذلك أولى ، فإن أكل المكروه ساعة ، وعشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذى صاحبه ولا يمكن فراقه " ص 334 " راجع الجزء الخامس من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام "

(9/439)


الطلاق المعلق

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
رجل قال لزوجته : إن خرجت من البيت فأنت طالق فهل يقع الطلاق لو خرجت ؟

الجواب
الطلاق المعلق هو الذى يقصد به إثبات شىء أو نفيه ، أو الحث على فعل شىء أو تركه . وفيه أقوال خمسة ذكرها ابن القيبم فى كتابه " إغاثة اللهفان " ص 5 6 2 - 67 2 وملخصها هو: - 1 -أنه لا ينعقد، ولا يجب فيه شىء . وعليه أكثر أهل الظاهر، لأن الطلاق عندهم لا يقبل التعليق كالنكاح ، وعليه من أصحاب الشافعى أبو عبد الرحمن .
2-أنه لغو وليس بشىء وصح ذلك عن طاووس وعكرمة .
3- لا يقع الطلاق المحلوف به ويلزمه كفارة يمين إذا حنث فيه .
وبه قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما .
4 -الفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو على فعل نفسه أو على فعل غير الزوجة ، فيقول لامرأته : إن خرجت من الدار فأنت طالق ، فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك ، وإن حلف على نفسه أو على غير امرأته وحنث لزمه الطلاق ، وبه قال أشهب من المالكية .
5 -الفرق بين الحلف بصيغة الشرط والجزاء وبين الحلف بصيغة الالتزام ، فالأول كقوله : إن فعلت كذا فأنت طالق . والثانى كقوله : الطلاق يلزمنى أو على الطلاق إن فعلت ، فلا يلزمه الطلاق فى هذا القسم إن حنث دون الأول . وهذا أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب الشافعى والمنقول عن أبى حنيفة وقدماء أصحابه . والعمل الآن فى المحاكم المصرية حسب القانون رقم 25 لسنة 1929 م كما تنص عليه المادة الثانية منه ، على أن الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شىء أو تركه لا غير - لا يقع ، وجاء فى المذكرة الإيضاحية لهذا القانون : أن الطلاق ينقسم إلى منجز وهو ما قصد به إيقاع الطلاق فورا ، وإلى مضاف كأنت طالق غدا ، وإلى يمين نحو: على الطلاق لا أفعل كذا ، وإلى معلق كإن فعلت كذا فأنت طالق . والمعلق إن كان غرض المتكلم به التخويف أو الحمل على فعل شىء أو تركه -وهو يكره حصول الطلاق ولا وطر له فيه - كان فى معنى اليمين بالطلاق ، واليمين فى الطلاق وما فى معناه لاغ .
ويمكن الرجوع إلى الجزء السادس من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام ص 343 لمعرفة أدلة الآراء المختلفة فى هذا الموضوع . ومن المتحمسين لوقوع الطلاق المعلق الإمام تقى الدين السبكى المتوفى سنة 756 هـ فى رسالته " النظر المحقق فى الحلف بالطلاق المعلق " يرد بها على ابن تيمية، وقد فرغ منها قبل وفاة ابن تيمية بسنوات ، ويراجع كتاب " أحكام الأحوال الشخصية فى الشريعة الإسلامية " ص 291 للشيخ عبد الرحمن تاج -والفتوى على الرأى الذى يطبق فى المحاكم المصرية ، لأن ولى الأمر اختاره ، ومعلوم أن حكم الحاكم يرفع الخلاف ، وينبغى الالتزام به فى الفتوى منعا للبلبلة

(9/440)


تحريم الزوج لزوجة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لو قال الزوج لزوجته : أنت محرمة على إلى يوم القيامة ، فهل يكون طلاقا ؟

الجواب
رأى العلماء فى تحريم الزوج زوجته على نفسه عدة آراء بلغت عشرين ، ولكن أصول هذه الآراء هى : أنه لغو لا شىء فيه ، أو طلاق ، أو ظهار، أو يمين كالحلف بالله ، أو لفظ صالح لكل ما ذكر، وبحسب النية ، أو التحريم فقط ، أو الوقف .
وفى القول بأنه طلاق مذاهب ، فقيل يقع به طلقة واحدة رجعية، وقيل طلقة واحدة بائنة ، وقيل ثلاث طلقات فى المدخول بها ، وقيل كناية عن الطلاق وليس صريحا فإن نواه فهو طلاق ، وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى كتاب " زاد المعاد" لابن القيم

(9/441)


نكاح الحامل بغير طريق شرعى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
امرأة حملت بغير طريق شرعى هل يصح زواجها من أجل الستر عليها ؟

الجواب
روى مسلم " ج 10 ص 14 " عن أبى الدرداء أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى بامرأة مجح - أى حامل قربت ولادتها - على باب فسطاط فقال " لعله يريد أن يلم بها " أى يتزوجها ، فقالوا : نعم ، فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم "هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره ، كيف يورثه وهو لا يحل له ، كيف يستخدمه وهو لا يحل له " ؟ .
وروى الترمذى ، وحسنه ، وغيره من حديث ، رويفع بن ثابت أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه ولد غيره " أى لا يتزوج امرأة حاملا حتى تضع حملها وتنتهى عدتها من زوجها السابق .
قال العلماء فى نكاح الحامل : لو كان الحمل من زنا ففى صحة العقد قولان : أحدهما بطلانه ، وهو مذهب أحمد ومالك وجمهور العلماء ، والقول الثانى صحته ، وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة ، ولكن لا يدخل بها إلا بعد وضع الحمل ، لحديث النهى عن سقى زرع غيره .
جاء فى السنن عن سعيد بن المسيب عن بصرة بن أكثم قال : تزوجت امرأة بكرا فى كسرها فدخلت عليها فإذا هى حبلى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم " لها الصداق بما استحللت من فرجها ، والولد لك ، وإذا ولدت فاجلدوها " وفرق بينهما " زاد المعاد ج 4 ص 4 " .
وحكمه بعبودية الولد قيل منسوخ ، وقيل خاص بالنبى وبهذا الولد ، وقيل ليس المراد الرق وهو ضد الحرية ولكن المراد أن يكون خادما .
هذا ، وقد يحصل أن يزنى رجل بامرأة فتحمل منه ثم يتزوجها إما سترا عليها وتوبة إلى الله ، وإما لغرض آخر، وهنا يصح العقد عليها على رأى الشافعى وأبى حنيفة ويجوز له وطؤها ، لأن الحمل منه وليس فيه سقى زرع غيره بمائه ، أما من تزوج بمن زنى بها غيره وكانت حاملا فقد سبق حكمه .
والزواج من الزانية فيه خلاف للعلماء ، فقد حرمه بعضهم إذا كانت مشتهرة بالزنى ، وأجازه البعض إذا علم توبتها كما رآه ابن القيم فى بدائع الفوائد " ج 4 ص 103 "

(9/442)


وضع المرأة بعد وفاة زوجها

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الأفضل للمرأة أن تتزوج بعد موت زوجها أو تمتنع عن الزواج وفاء لزوجها أو لرعاية الأيتام ؟

الجواب
المرأة إذا مات زوجها يقال لها أرملة ما دامت لم تتزوج بعد، والترمل فترة شديدة على المرأة، بل وعلى أهلها ، فى قد فقدت زوجها الذى كان يعولها ويساعدها على الإحساس ببهجة الحياة ، وقد تستمر على هذه الحال فلا يرغب أحد فى زواجها وبخاصة إذا كانت لها أطفال من الزوج الأول ، وكذلك أهلها يحسون بالألم لمصيرها حيث لم تكتمل سعادتها فى المدة التى قدر لها أن تعيشها .
ولهذا الوضع المؤلم للأرملة مظاهر متعددة تختلف باختلاف الشعوب ، ذكر الرحلة محمد ثابت فى كتبه شيئا كثيرا منها ما رآها بنفسه أو نقلها عن كتب الرحلات التى سبقت .
ففى بعض قبائل الهند كانت الزوجة أو الزوجات يحرقن أنفسهن مع الزوج حتى لا تصيبهن لعنة الترمل ، كما يقضى بذلك الدين البرهمى ، ويوجد أيضا فى شعوب ( الأنكا) فى ( بيرو ) وفى جزر فيجى وبعض جهات الصين يمارس ذلك بخفية ، على الرغم من تحريم القوانين له .
ومن لم تدفن نفسا مع زوجها تظل بائسة منبوذة أو تحاول الابتعاد عن الناس لأنها نذير شؤم فتلجأ إلى المعابد والرهبنة وهناك يحلق شعرها وتغطف بالسواد وتخدم رواد المعابد حتى تموت ، ويطلق عليها الآن فى بعض البلاد ( الغولة) ، والهندوس يعدون ترمل المرأة كفارة لما ارتكبته فلا يحل لها الزواج ثانيا ، وقد حارب غاندى ذلك وبخاصة فى الأرامل الصغار، لأن الزواج عندهم مبكر جدا .
إن الإسلام لا يفرض على الأرملة إلا الاحتداد بالابتعاد عن الزينة وبعدم الزواج فترة محدودة تسمى بالعدة التى تنتهى بوضع الحمل أو انقصاء أربعة أشهر وعشرة أيام لغير الحامل . وبعد هذه الفترة تحل لها كل أنواع الزينة فى الحدود المشروعة كما يحل لها أن تتزوج .
غير أن بعض الزوجات لا ترغب فى الزواج ثانيا وذلك لبعض العوامل التى منها :
1 - امتداد النظرة القديمة التى كانت عند عرب الجاهلية فى معايرة الولد بزواج أمه بعد وفاة أبيه ، حيث كان يعيش من المهر الذى دفعه له زوج أمه ، ويأنف أن يرى رجلا أجنبيا ينام مكان والده .
2 - وجود أيتام صغار تعكف على تربيتهم خشية أن يضيعوا إن تزوجت .
3-شدة حبها لزوجها الأول فلا ترضى بغيره بديلا .
4 -وجود عهد بينها وبين زوجها ألا تتزوج بعده .
ومن الأمثلة لذلك : الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين ابن على رضى الله عنهما، التى قالت : ما كنت لأتخذ حما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (أبو الشهداء الحسين بن على للعقاد ص 54) ونائلة بنت الفرافصة بن الأحوص زوجة عثمان بن عفان رضى الله عنه ، خطبها معاوية بن أبى سفيان فأبت ، وقيل : إنها قالت بعد مقتل عثمان : إنى رأيت الحب يبلى كما يبلى الثوب ، وقد خشيت أن يبلى حزن عثمان من قلبى، فكسرت بعض أسنانها بحجر وقالت : والله لا قعد أحد منى مقعد عثمان أبدا (العقد الفريد لابن عبد ربه الطبعة الأولى ج 3 ص 194) وأم هانى بنت أبى طالب خطبها النبى صلى الله عليه وسلم فاعتذرت له بأن لها أيتاما إن قامت بحق النبى عليها خافت أن يضيعوا وإن قامت بحقهم خافت التقصير فى حق النبى عليها (مسلم بشرح النووى ج 16 ص 80 ، العقد الفريد ج 3 ص 194) وامرأة هدبة بن الخشرم الذى قال لها :
فلا تنكحى إن فرق الدهر بيننا * أغم القفا والوجه ليس بأنزعا فلما قدم للقتل فى ثأر غابت عن الناس وجدعت أنفها وشقت شفتيها ثم قالت له : أترانى متزوجة بعدما ترى ؟(محاضرات الأدباء ج 2 ص 98 والمستطرف ج 1 ص 165) وهجيمة بنت حى الأوصابية أم الدرداء الصغرى ، خطبها معاوية بن أبى سفيان فأبت وقالت :
سمعت أبا الدرداء يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المرأة لآخر أزواجها" ولست أريد بأبى الدرداء بديلا . وهو حديث صحيح ، رواه الطبرانى وأبو يعلى، ولفظه " أيما امرأة توفى عنها زوجا فتزوجت فهى لآخر أزواجها " (المطالب العالية ج 2 ص 67 والجامع الصغير) والأمثلة كثيرة .
الحكم : من المعلوم أن الله سبحانه حرم على المسلمين أن يتزوجوا من زوجات النبى صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ، إن ذلكم كان عند الله عظيما } الأحزاب : 53 ، فهن زوجاته فى الدنيا والآخرة، وفى إيذائهن إيذاء له صلى االله عليه وسلم .
أما غيرهن ، فإن كان هناك عهد بينها وبين زوجها ألا تتزوج بعده ، فيجوز لها أن تمتنع عن الزواج إن لم تخف الفتنة على نفسها بل يستحب إن كان هناك مبرر، فإن خافت الفتنة لا يجب عليها الالتزام بالعهد ولها أن تتزوج ، وقد حدث أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب ( أم مبشر) .
فقالت له : إن زوجى شرطت له ألا أتزوج بعده ، فقال لها " إن هذا لا يصلح " (زاد الميعاد ج 4 ص 209 والترغيب ج 3 ص 144) وذلك لأنه شرط ليس فى كتاب الله ، وفيه تعطيل للنسل ، وقد تزوج عمر بن عبد العزيز من أم هشام بنت عبد الله بن عمر التى حلفت لزوجها عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو ألا تتزوج بعده كما أوصاها بذلك وكان يحبها كثيرا (أعلام النساء لعمر كحالة) .
وإذا كان لها أيتام وخافت ضياعهم لو تزوجت كان لها أن تمتنع عن الزواج ، بل يستحب لها ذلك فقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة " وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى " امرأة أيمت من زوجها ذات منصب وجمال وحبست نفسها على يتامى لها حتى بانوا أو ماتوا " يعنى حتى انفصلوا عنها واستغنوا عن كفالتها لهم أو حتى ماتوا . رواه أبو داود .
وقد قال صلى الله عليه وسلم لما أبدت له أم هانىء عذرها بوجود الأيتام " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على طفل وأرعاه على زوج فى ذات يده" رواه مسلم (مسلم ج 16 ص 80) .
كما يجوز لها ألا تتزوج بعده لتكون زوجته فى الجنة كما تقدم عن أم الدرداء وكذلك فعلت زوجة حذيفة ، لكن امتناع المرأة عن الزواج ، لشدة حبها للزوج الأول قد يستساغ إذا كانت كبيرة فى السن آمنة على نفسها من الفتنة، لكن لو كانت شابة فخير لها أن تتزوج بعد خمود حرارة الحب ، وهى لابد خامدة بطول الزمن ، وبخاصة إذا خافت الفتنة على نفسها . وكان أبو سلمة حكيما حين أوصى زوجته أم سلمة أن تتزوج بعده ، وكانت تريد ألا تتزوج معتقدة أنه لا يوجد مثل أبى سلمة ، وقد وجدت أفضل منه وهو النبى صلى الله عليه وسلم .
إن الإسلام يساير الطبيعة البشرية فى إباحة زواج الأرملة ، ويوافق المعقول فى تحقيق المصلحة العامة ، وهو ما لجأت إليه الأمم الحديثة بعد أن عرفت صلاحيته .
وقد يحدث امتناع بعض كبريات النساء أن يتزوجن بعد وفاة أزواجهن ذوى المراكز المرموقة، تشبها بنساء النبى صلى الله عليه وسلم ، وهو تشبه باطل ، أو قياس مع الفارق كما يقال ، ولعله مأخوذ من المأثور عن بعض السلف من الامتناع عن تزوج نساء كبار الصحابة تعظيما لقدرهم ، وذكرا لمآثرهم عليهم وعلى الإسلام ، فهم يعدونهم كآبائهم ، ولا يجوز نكاح ما نكح آباؤهم من النساء .
ومهما يكن من شىء فإن الظروف لها حكمها، وتمسك المرأة بدينها أو تهاونها فيه لابد أن يوخذ فى الاعتبار، والمهم كله أن نحافظ على شرف المرأة ، وأن نقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ما دام ذلك لا يتخطى حدود الشرع ، وكل واحدة من النساء لها حكم يغاير حكم الأخرى، فلا يجوز أن يتخذ ذلك عرفا أو تقليدا عاما ، فالطبيعة قوية والشرع حكيم ، وضع مقاييس دقيقة للسلوك ، وأحكاما عادلة لحل المشكلات ، والخير كله فى اتباع هدى الله ، كما قال تعالى { فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى } طه :
123 ، وقال { وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين } النور :
54 .
هذا ، وقد جدت أوضاع لم تكن معروفة من قبل ، وهى المعاشات التى تقررها الحكومة للأرامل ، وتشترط لها عدم زواجهن ، ولحرص الأرملة على المعاش ، ولتلبية نداء الغريزة قد تنحرف بدون الارتباط بالزواج ، وفى ذلك خطورة بالغة لا يشك فيها أحد ولا يقرها دين ، وقد تلجأ إلى ما يسمى بالزواج العرفى، وهو إن كان غير مستوف لأركانه وشروطه فهو الانحراف بعينه ، وإن استوفى ذلك شفويا دون تسجيل رسمى، كانت المعاشرة مشروعة وعدم تسجيله يضمن لها بقاء المعاش حسب القوانين الوضعية ، لكن ذلك يترتب عالجه أضرار ، منها :
1 -تعريض حق الأولاد الذى نتجوا عن هذا الزواج للضياع ، وذلك لعدم تسجيلهم فى الأوراق الرسمية ، فلا يلزم أبوهم بالانفاق عليهم ، ولا تضمن لهم حقوقهم فى التعليم وما إلى ذلك .
2 -تعريض حقها للضياع عند وفاة هذا الزوج إن كان له ميراث ، وكذلك ضياع حق أولاده ، وحقه هو أيضا إن ماتت وتركت ميراثا .
3-الاستيلاء على المعاش بدون حق ، لأنه لغير المتزوجة ، فهو سرقة من الحكومة ، وأخذ مال كان أولى به مشروعات أخرى .
وكل هذه الأضرار ممنوعة شرعا ، والزواج العرفى الذى يؤدى إلى الممنوع فهو ممنوع ، ولهذا يجب تسجيله لأن المعاش المقرر لها سينتقل حقا واجبا على الزوج كنفقة بعد سقوطه بالزواج ، فهى لن تتضرر، وكذلك أولادها الذين فى كفالتها وتحت رعايتها معاشهم لا يسقط . والله يقول الحق وهو يهدى السبيل

(9/443)


عقد القران فى المسجد

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يحرص بعض الناس على عقد القران فى أحد المساجد التى بها أضرحة الصالحين ، فما رأى الدين فى ذلك ؟

الجواب
روى الترمذى عن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " أعلنوا هذا النكاح واجعلوه فى المساجد واضربوا عليه بالدفوف " قال الترمذى : حديث حسن وضعفه البيهقى .
عقد النكاح بالمسجد مظهر من مظاهر إعلانه وكذلك ضرب الدف عليه ، وذلك أمر مشروع ، وأقل درجاته أنه مباح ، وقيل سنة ، وكل هذا إذا لم يترتب على عقده بالمسجد أمر محظور، كإخلاله بحرمة المسجد أو التشويش على المصلين ، أو حضور جنب أو حائض ، أو إخلال بالآداب الاجتماعية كاختلاط الجنسين أو كشف ما يجب ستره ، أو غناء مثير أو غير ذلك . .
وتستوى كل المساجد فى هذا الحكم ، لا فضل لأحدها على الآخر، ولا شأن لمن دفن فيها أو قريبا منها فى مباركة هذا العقد، فالأمر يدور على الإشهار والإعلان فى الأماكن التى يكثر فيها اجتماع الناس ، وكانت المساجد إذ ذاك هى أحسن فرصة لذلك

(9/444)


زيارة الزوجة لأهلها

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يحق للزوج أن يمنع زوجته من زيارة أهلها ؟

الجواب
من المتفق عليه أن الزوجة يجب عليها أن تطيع الزوج فى أمرين أساسيين ، هما المتعة وملازمة البيت ، فلو عصته فى أحدهما كانت ناشزا، تسقط نفقتها ويتخذ معها إجراء بينة القرآن فى قوله تعالى {واللاتى تخافون نشوزهن } النساء : 34 ، وصحت الأحاديث بالنهى عن عصيانها فيما يجب عليها نحوه .
وفى ملازمة البيت روى حديث بسند ضعيف أن رجلا كان فى سفر وعهد إلى امرأته ألا تنزل من العلو إلى السفل ، أى من الطابق الأعلى إلى الطابق الذى تحته ، وكان أبوها فيه ، فمرض ، فاستأذنت الرسول فى زيارته فأمرها أن تطيع زوجها ، فمات أبوها ودفن ولم تنزل ، فأخبرها الرسول بأن الله غفر لأبيها بسبب طاعتها لزوجها .
بعد هذا أقول :
كما أن للزوج على زوجته حقوقا مؤكدة يعرض التفريط فيها إلى عقوبات دنيوية وأخروية -كذلك لوالديها حقوق من البر والإحسان ، منها ما هو واجب يعرض لعقوبة الله : ومنها ما هو مندوب لا عقوبة عليه ، لكن حق الزوج مقدم على حق الوالدين ، فقد روى الحاكم وصححه والبزار بإسناد حسن أن عائشة رضى الله عنها سألت الرسول صلى الله عليه وسلم : أى الناس أعظم حقا على المرأة ؟ قال " زوجها " قالت :
فأى الناس أعظم حقا على الرجل ؟ قال " أمه " .
ويمكن للزوجة أن توفق بين طاعتها لزوجها وطاعتها لوالديها دون إثارة مشكلات أو تعرض لعقوبات ، ومن العشرة بالمعروف التى أمر الله الزوج بها مع زوجته .أن يمكنها من بر والديها وصلة رحمها، لكن ليست زيارتها لهما هى الوسيلة الوحيدة للبر والصلة، فقد يتم ذلك بمكالمة تليفونية أو إرسال خطاب مثلا، أو بزيارة أهلها لها فى بيت زوجها ، وكل ذلك فى نطاق المصلحة الزوجية ، فإذا رأى الزوج أن زيارتها لأهلها تضر الحياة الزوجية كان له منعها ، ولو خرجت بدون إذنه كانت ناشزا وحكم النشوز معروف ، وليس منعه لها من زيارة أهلها معصية حتى نبيح لها أن تخالفه ، بناء على ما هو معروف من أنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ، فالبر كما قلنا-يحصل بغير زيارتها لأهلها، وقد يكون المنع فى مصلحتها هي أيضا، فلا يجوز لها أن تتمسك بهذه الزيارة وتعلق حياتها مع زوجها عليها ، فذلك عناد يجر إلى عناد أكبر قد تندم على نتيجته .
وبحسن التفاهم يمكن الخروج من هذه الأزمة ، والوسائل لذلك كثيرة ، وعلى الوالدين أن يساعدا ابنتهما على استقرار حياتها الزوجية بعدم إثارة الزوابع التى تعصف بسعادة كل من تعرض لها أو تسبب فيها .
هذا، وقد نشر كلام حدث منذ أكثر من مائة سنة جاء فيه - حول هذا الموضوع - أن الأبوين إذا كانا قادرين على زيارة ابنتهما فلا تخرج هى لزيارتهما إلا بإذن الزوج ، وكلام يبيح لها أن تخرج للزيارة كل أسبوع بإذن وبغير إذن ، وقيد بعضهم ذلك بعدم قدرتهما على زيارتها ( الشيخ محمد عبده ذكر كل ذلك بتاريخ 27 من ربيع الأول سنة 1322 انتهى . واختار أن تخرج إلى أبويها فى كل جمعة ، أذنها الزوج أو لم يأذن ، ولها أن تخرج إلى المحارم كذلك كل سنة مرة بإذنه وبغير إذنه ، كما أن لها أن تخرج إلى الأهل كذلك كل سنة مرة بالإذن وبدونه ، أما خروجها زائدا على ذلك للأهل فيسوغ لها بإذنه .
وكان اختياره لذلك بعد عرض أقوال الفقهاء الأحناف من كتبهم ، دون أن يكون لأقوالهم أو لاختياره هو أى دليل من قرآن أو سنة " الفتاوى الإسلامية مجلد 4 ص 1355 " وكل ذلك اجتهاد نظر فيه إلى العرف الجارى فى زمانهم ، لكن الأصل الذى يجب أن يعلم هو أن الزيارة فى حد ذاتها ليست ممنوعة، فقد أذن الرسول والصحابة لنسائهم بذلك ، والمدار هو على تحقيق المصلحة وعدم المفسدة، مع مراعاة تقدم حق الزوج على الأبوين ، والواجب يقدم على المندوب ، وللتحديد بمدة يرجع فيه إلى العرف ، ومخالفته لا ترقى إلى درجة التحريم وكلامهم هو فى الأولى والأفضل . ولعل ما ذكرته يكون أقرب إلى الصواب )

(9/445)


العقيقة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل العقيقة واجبة أم سنة ؟

الجواب
العقيقة هى الذبيحة عن المولود ، وقد كانت معروفة عند العرب قبل الإسلام ، فكان إذا ولد لأحدهم غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها ، فلما جاء الإسلام أمر بذبح الشاة وحلق رأس المولود وتلطيخه بالزعفران ، كما رواه أبو داود عن بريدة ، وسميت العقيقة باسم الشعر الذى على رأس الصبى حين يولد ، لأنه يحلق عند الذبح ، وكذلك الحيوان حين يولد يسمى شعره عقيقة، واختلف الفقهاء فى حكمها على ثلاثة أقوال :
(أ) فقيل : إنها مكروهة، وذلك لخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة ، فقال ( لا أحب العقوق ) .
ولأنها من فعل أهل الكتاب وجاء فى ذلك حديث البيهقى . أن اليهود تعق عن الغلام ولا تعق عن الجارية ، ولما رواه أحمد أن الحسن بن على لما ولد أرادت فاطمة أن تعق عنه بكبشين فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم "لاتعقى ، ولكن احلقى رأسه فتصدقى بوزنه من الورق -الفضة " ثم ولد الحسين فصنعت مثل ذلك .
وقد أجيب على الحديث الأول بأن النبى كره اسمها ولم يكره فعلها ، وعلى الحديث الثانى بأن النبى ما كره من اليهود إلا تفرقتهم بين الغلام والجارية ، حيث لم يعقوا عنها ، وعلى الحديث الثالث بأنه لا يصح .
(ب ) وقيل : إنها سنة ، وبه قال أهل الحديث وجمهور الفقهاء ، ولهم فى ذلك عدة أحاديث ، منها " الغلام مرتهن بعقيقته ، تذبح عنه يوم السابع ، ويحلق رأسه " رواه أصحاب السنن من حديث سمرة بن جندب ، وصححه الترمذى ، ومنها حديث : أمر النبى صلى الله عليه وسلم بتسمية المولود يوم سابعه ، ووضع الأذى عنه ، والعق . رواه الترمذى أيضا .
ومعنى : مرتهن بعقيقته أنه لا ينمو نمو مثله ، ولا يستبعد أن تكون سببا فى حسن نبات المولود وحفظه من الشيطان فهى تخليص له من حبسه ومنعه عن السعى فى مصالح أخرته . وقيل : أن المعنى إذا لم يعق عنه والده لا يشفع ،له ، كما قاله الإمام أحمد ، لكن التفسير الأول أحسن .
(ج) وقيل : إنها واجبة ، وبه قال الليث والحسن وأهل الظاهر .
والسنة أن يعق عن الذكر بشاتين ، وعن الأنثى بشاة ، وذلك لحديث عائشة الذى رواه الترمذى، وقال : حسن صحيح .
قال العلماء : إن البنت كانت على النصف من الولد تشبيها للعقيقة بالدية .
وقالوا : إن أصل العقيقة يتأدى عن الغلام بشاة ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن الذى ولد عام أحد، وعن الحسين الذى ولد بعده بعام ، كبشا كبشا . والأكمل شاتان للولد ، ففى موطأ الإمام مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم " من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل ، عن الغلام شاتان ، وعن الجارية شاة " .
والحكمة فى مشروعيتها أنها قربة إلى الله ، يرجى بها نفع المولود بدعاء الفقراء له عندما يطعمون منها، وهى أيضا شكر لله على نعمة الولد ، فالذرية محبوبة طبعا ومطلوبة شرعا ، بشر الله بها إبراهيم وزكريا عليهما السلام ، وفيها أيضا : إشهار للمولود ليعرف نسبه وتحفظ حقوقه ، وهى كفدية عنه ، تشبها بفداء إسماعيل الذبيح بالكبش .
هذا ، ويشبه العقيقة بالأضحية وفداء إسماعيل نقل عن الحنابلة أنه لو اجتمع يوم النحر مع يوم العقيقة يمكن الاستغناء بذبيحة واحدة عنهما إذا اجتمع يوم عيد مع يوم جمعة فإنه يكفى غسل واحد لهما

(9/446)


زواج التحليل

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كثر الكلام فى ذم زواج التحليل وأن المحلل والمحلل له ملعونان ، فهل معنى ذلك أنه حرام ، وكيف تعود المطلقة طلاقا بائنا بينونة كبرى إلى زوجها الأول ؟

الجواب
المقصود بزواج التحليل هو زواج المطلقة ثلاثا لتحل لزوجها الأول ، وهو أمر مشروع دل عليه الكتاب والسنة والإجماع ، قال تعالى { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } ثم قال فى الآية التى تليها { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } البقرة :
229 ، 230 ، قال العلماء : المعنى فإن طلقها للمرة الثالثة . قال القرطبى :
وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه " رواه الأئمة واللفظ للدارقطنى عن عائشة .
وحتى يكون زواج التحليل محققا للغرض منه لابد فيه من أمرين أساسيين ، أولهما أن يكون العقد صحيحا ، والثانى أن يكون معه دخول صحيح ، فإذا اختل واحد منهما لم يكن مشروعا، ولتوضيح ذلك نقول :
1 -حتى يكون العقد صحيحا لابد من استيفاء الأركان والشروط المعروفة فى كل زواج ، وزاد العلماء عليه أن يكون خاليا من نية التحليل ، ونية التحليل لها حالتان :
أ-الحالة الأولى أن يصرح بها فى العقد، كأن يقول : تزوجتك على أن أحلك لزوجك ، وهو باطل لا تترتب عليه آثاره عند جمهور الفقهاء :
مالك والشافعى وأحمد وعده ابن القيم من الكبائر لا فرق بين أن يكون اشتراط ذلك بالقول أو التواطؤ " زاد المعاد ج 4 ص 6 " وذلك لأحاديث ، منها ما رواه الترمذى عن ابن مسعود وقال : حديث حسن صحيح ، ورواه ابن ماجة وأحمد عن ابن عباس ، والحاكم وصححه "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له " وما رواه ابن ماجة والحاكم من حديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا أخبركم بالتيس المعار"؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال " هو المحلل ، لعن الله المحلل والمحلل له " .
وأما أهل الرأى " أبو حنيفة وأصحابه " فقال أبو حنيفة وزفر: يصح العقد ويحلها للأول ، لأن الشرط الفاسد يلغى ويصح العقد ، وقال محمد : إن العقد صحيح مع هذا الشرط ، لأن الشرط يلغى ولكن هذا العقد لا يحلها للأول ، وقال أبو يوسف : العقد باطل -كرأى الجمهور -ولا يحلها للأول .
هذا ، وحكى الماوردى عن الشافعى أنه إن شرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأول ، وإن شرطاه فى العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول :
وهذا قول الشافعى " تفسير القرطبى ج 3 ص 150 " .
ب - الحالة الثانية ألا يصرح بنية التحليل فى العقد وإن كان أمرا معروفا بين الناس أو على الأقل بين الأطراف الثلاثة ، المطلق والمطلقة والمحلل ، قال مالك : العقد غير صحيح ولا تحل للأول ، لأن العبرة فى الأحكام بالنيات ، وكذلك قال أحمد بن حنبل ، جاء فى " المغنى " لابن قدامة الحنبلى أن نكاح المحلل باطل إن شرط أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما، وإن نوى التحليل من غير شرط فالنكاح باطل ، وفى قول : إن شرط عليه التطليق قبل العقد ولم يذكره فى العقد ولم ينو فالعقد صحيح .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : ينعقد صحيحا مع الإثم ، ويترتب عليه حلها للأول بعد الدخول والطلاق وانتهاء العدة، لأن العبرة فى الأحكام بالظاهر، وأما الشافعى فله قولان ، القول الأول هو القديم كقول مالك وأحمد ، والقول الثانى وهو الجديد كقول أبى حنيفة وأصحابه .
2 -أما الشرط الثانى وهو الدخول الصحيح ، فهو أمر متفق عليه بين الأئمة الأربعة وجمهور العلماء ، ولا يكتفى فيه بمجرد الخلوة حتى لو كانت صحيحة، بل لابد فيه من اللقاء الجنسى، والدليل على ذلك ما رواه البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها لما طلق رفاعة القرظى امرأته فبت طلاقها تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير ، فجاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم تشكو إليه أن عبد الرحمن ضعيف فى الناحية الجنسية ، فتبسم الرسول وقال " لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة ؟ لا، حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك " .
وجاء فى سنن النسائى عن عائشة رضى الله عنها قالت . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " " العسيلة الجماع ولو لم ينزل " . وجاء فى سنن النسائى عن ابن عمر رضى الله عنهما : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا ، فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخى الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها ، فقال " لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر " .
وتشدد الحسن البصرى فلم يكتف بمجرد الجماع ، بل اشترط أن يكون معه إنزال للنص فى الحديث على ذوق العسيلة، ولكن الجمهور اكتفوا بمجرد الجماع ، بناء على تفسير الرسول للعسيلة، بالجماع ولو لم ينزل .
ولم يخالف فى شرط الدخول بالزوجة إلا سعيد بن المسيب من كبار التابعين وسعيد ابن جبير وبعض الخوارج ، وقولهم مرفوض بدليل الأحاديث السابقة . وعدم تحقيقه لحكمة التشريع .
والحكمة من اشتراط المحلل وتأكيد دخوله بالمرأة باللقاء الجنسى ، التنفير من الطلاق الثلاث ، وتنبيه الزوج إلى التريث فى استعمال حق الطلاق الذى جعله الله على مرات ، ومراعاة للشعور بالغيرة على أن يحل محله رجل آخر فى التمتع بزوجته .
هذه هى الآراء فى زواج التحليل وما شرط فيه لتترتب عليه آثاره ، وقد حمل بعض العلماء عليه حملة عنيفة بصورة تجعله كأنه غير مشروع ، دون مراعاة لبعض الظروف الضاغطة التى يتحقق بها يسر الإسلام ، والحق هو التمسك بما اتفق عليه العلماء ، مع ترك الحرية للاختيار فيما اختلفوا فيه .
وقد رأينا بعد هذا العرض الاتفاق على وجوب صحة الزواج ووجوب المعاشرة الجنسية ، ورأينا الاختلاف فى نية التحليل أو التصريح به واشتراطه فى العقد ، فعند أبى حنفية أن نية التحليل -شرطت أم لم تشرط - لا تمنع من صحة العقد ولا من حل المرأة لزوجها الأول ، وعند الشافعى قولان فى عدم الاشتراط ، قول كمالك وأحمد بالمنع ، وقول كأبى حنيفة بالجواز، وتحمل الآثار الواردة فى التنفير منه على الكراهة ، وفى المسائل الخلافية لا يفرض رأى من الآراء ، إلا باختيار ولى الأمر، والعمل فى مصر على رأى أبى حنيفة وهو الجواز، لأنه الراجح فى المذهب ، ولا مانع من اختيار أى رأى من الآراء وبخاصة عند اقتضاء .
المصلحة

(9/447)


أثر الزواج الثانى على المطلقة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لو طلق الزوج زوجته التى أبرأته من حقوقها عنده ثم تزوجها بعد ذلك ، هل تعود إليه بما بقى من عدد الطلقات ، أو بثلاث طلقات ؟

الجواب
المعروف أن المطلقة ثلاثا لا تعود إلى زوجها الأول إلا بعد نكاح صحيح مع الدخول الصحيح ، كما قال تعالى { فإن طلقها } أى الثالثة-{ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } البقرة : 230 . أما المطلقة للمرة الأولى أو الثانية فيمكن رجوعها إلى زوجها الأول بالرجعة إن كانت فى العدة أو بعقد جديد إن انتهت العدة ، أو كان الطلاق عن طريق الخلع ، فإذا عادت إلى زوجها الأول ، فهل تعود بما بقى لها من عدد الطلقات ، أى بطلقة أو طلقتين -أم تعود إليه كزوجة جديدة لها ثلاث طلقات كما تعود المطلقة ثلاثا؟ لم يرد فى هذه المسألة نص من القرآن أو السنة يعتمد عليه ، ولعل الفقهاء ، قالوا : إذا عادت المطلقة غير البائن بينونة كبرى إلى زوجها الأول ولم تكن قد تزوجت غيره عادت بما بقى لها من عدد الطلقات ، وذلك بالاتفاق .
أما إذا كانت قد تزوجت غيره فهناك خلاف بين العلماء فى العدد الذى تعود به إلى زوجها ، فقال بعضهم : الزواج الثانى يهدم الزواج الأول ، بحيث لو عادت إليه تعود بثلاث طلقات ، وتسمى هذه المسألة عند الفقهاء بمسألة الهدم ، وقال بعضهم الآخر: الزواج الثانى لا يهدم زواجها الأول ، فتعود إليه بالباقى من عدد الطلقات ، وهذا الخلاف منقول عن الصحابة .
ومن هنا اختلف فقهاء الأحناف ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : تعود إلى الزوج الأول بثلاث تطليقات ، وذهب زفر ومحمد بن الحسن إلى أنها تعود بما بقى ولا يهدم الزواج الثانى الزواج الأول ، ولكل وجهة هو موليها ، والعمل فى مصر على الرأى الأول وهو العودة بالثلاث ، "أحكام الأسرة للدكتور محمد مصطفى شلبى ص 534"

(9/448)


تزجيج الحواجب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فى تزجيج المرأة لحواجبها ونزع شعر وجهها ؟

الجواب
روى البخارى ومسلم أن عبد الله بن مسعود قال : "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله " .
والتنميص هو إزالة شعر الوجه كتزجيج الحاجبين و إزالة الشعيرات التى بجوانب الوجه وهو حرام .
وقد رأى ابن الجوزى فى هذا الحديث إباحة النمص وحده ، وحمل النهى عن التدليس أو أنه شعار الفاجرات .
يعنى أن إزالة شعر الوجه ومنه تزجيج الحواجب يكون حراما إذا قصد به الغش والتدليس على من أراد أن يتزوج فتبدو له المرأة جميلة ، ثم يظهر بعد ذلك أنها ليست كما رآها . وهو غش وكذلك يكون حراما إذا قصد به الفتنة والإغراء كما هو شأن الفاجرات المتجرات بالعرض والشرف . وبدون هذين القصدين يكون حلالا، قال ابن الجوزى فى كتابه "آداب النساء" عن عائشة قالت : يا معشر النساء ، إياكن وقشر الوجه قال : فسألتها امرأة عن الخضاب فقالت : لا بأس بالخضاب ، وقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الصالقة والحالقة والخارقة والقاشرة ، والقاشرة هى التى تقشر وجهها بالدواء ليصفو لونها ، والصالقة هى التى ترفع صوتها بالصراخ عند المصائب ، والحالقية هى التى تحلق شعرها عند النوائب ، كالخارقة التى تخرق عندها أيضا، قال ابن الجوزى :
فظاهر هذه الأحاديث تحريم هذه الأشياء التى قد نهى عنها على كل حال . وقد أخذ بإطلاق ذلك ابن مسعود . ويحتمل أن يحمل ذلك على أحد ثلاثة أشياء ، إما أن يكون ذلك شعار الفاجرات فيكن المقصودات به ، أو يكون مفعولا للتدليس على الرجل ، فهذا لا يجوز، أو يكون تضمن تغيير خلقة الله ، كالوشم الذى يؤذى اليد ويؤلمها ، ولا يكاد يستحسن ، وربما أثر القشر فى الجلد تحسنا فى العاجل ثم يتأذى به الجلد فيما بعد . وأما الأدوية التى تزيل الكلف وتحسن الوجه للزوج فلا أرى بها بأسا ، وكذلك أخذ الشعر من الوجه للتحسن للزوج ، ويكون حديث النامصة محمولا على أخد الوجهين الأولين ، انتهى ملخصا"غذاء الألباب للسفارينى ج 1 ص 273 " .
وأخرج الطبرى عن امرأة أبى إسحاق أنها دخلت على عائشة - وكانت شابة يعجبها الجمال -فقالت لها : المرأة تحف جبينها لزوجها، فقالت : أميطى عنك الأذى ما استطعت . ذكره ابن حجر فى "فتح البارى " فى شرح حديث ابن مسعود فى باب المتنمصات .
وجاء فى معجم المغنى لابن قدامة الحنبلى "صفحة 877 طبعة الكويت " أن المرأة يكره لها حلق شعرها، ويجوز لها حف وجهها ونتف شعره .
وأرى بعد ذلك أن تزجيج الحواجب ونتف شعر الخدين إن كان برضا الزوج وله ولغير الأجانب ، فلا بأس به لعدم التغرير والإغراء الذين نهى عنهما الشرع ، أما إن كان الأجنبى سيطلع عليه فهو حرام إن كان للفتنة أو التدليس ، وقد يتسامح فى إزالة التشويه المنفر كما لو نبت شعر على اللحية أو الشفة بشبه .الشارب ، أو شعرات منفرة فى الحواجب ، وما تجاوز ذلك فهو ممنوع

(9/449)


عمل المرأة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الإسلام فى عمل المرأة ؟

الجواب
هذا الموضوع طويل وضحته فى كتبى : الأسرة تحت رعاية الإسلام ، الإسلام دين العمل ، الحجاب وعمل المرأة .
ويكفى أن أقول : إن العمل حق لكل إنسان رجلا كان أو امرأة ، بل هو واجب لأنه وسيلة العيش وبقاء الحياء ، وتحقيق الخلافة فى الأرض ، ومجالاته كثيرة ، فى الحقل والمصنع والمتجر والبيت ، فى البر والبحر والجو ، قال تعالى { هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه } الملك :15 ولكل من الرجل والمرأة أن يعمل فى المجال الذى يناسب استعداده ، والعمل يستقيم دائما إذا وضع الشخص المناسب فى المكان المناسب ، والله سبحانه جعل لكل من الرجل والمرأة مواهب واستعدادات وطاقات تتناسب مع المهمة التى توكل إليه ، والطرفان شريكان فى جمعية تعاونية ، لا يمكن أن يستغنى أحدهما عن الآخر .
والجزاء هو على قدر العمل المشروع أيا كان حجمه ، قال تعالى { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض } آل عمران 195 ، وقال تعالى { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } النحل : 97 ، .
ورسالة المرأة فى البيت لا تقل أهمية عن رسالة الرجل خارجه ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت يزيد بن السكن وافدة النساء ما معناه " حسن تبعل المرأة لزوجها وقيامها بواجبها نحوه يعدل ما يقوم به الرجل من جهاد وغيره " كما رواه البزار والطبرانى ، والشاعر المصرى يقول :
فى بيتهن شؤونهن كثيرة * كشؤون رب السيف والمزراق ومع ذلك فللمرأة أن تزاول عملا خارج البيت ، وبخاصة إذا احتاجت إليه ، أو كان العمل محتاجا إليها ، بل يكون ذلك واجبا عليها لاحقا لها ، وقد قرر العلماء : أن خروجها للعمل مرهون بعدم التقصير فى الواجب الأساسى وهو المنزل الذى يوفر السكن والمودة ويربى النشء ويعده لاستمرار الحياة الاجتماعية والإنسانية ، وذلك مرهون بإذن الزوج لها ، فهو المشرف المسئول عنها فى النفقة والحماية ، كما يجب عليها أن تحافظ على كل الآداب الخاصة بالعلاقة بين الجنسين ، حتى لا يكون هناك انحراف يتنافى تماما مع المقصود من مزاولة النشاط خارج البيت ، وتفصيل هذه الآداب يرجع إليه فى الكتب السابقة .
والتقصير فيها هو الذى أثار الجدل والنقاش حول عودة المرأة العاملة إلى بيتها ، فلابد من الموازنة بين الكسب والخسارة ، شأن التاجر الواعى البعيد النظر ، فالعمل للمرأة خارج المنزل - مع أن مجالات العمل والكسب داخله كثيرة - جائز مع كل التحفظات المشروعة ، ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كما رواه البخارى " إن الله أذن لكن أن تخرجن لقضاء حوائجكن " والحوائج عامة غير مخصوصة بعمل معين ، وكان النساء يباشرن أعمالا خارج البيت ، كطلب العلم وكسب العيش ، أيام النبى صلى الله عليه وسلم ، وروى البخارى ومسلم أنه رأى أسماء بنت أبى بكر ، زوجة الزبير تحمل على رأسها النوى لتعلف به الناضح - الجمل أو الفرس -فلم ينكر عليها ، بل دعاها إلى الركوب خلفه شفقة عليها .
وإذا كان الله سبحانه قال لنساء النبى صلى الله عليه وسلم { وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } الأحزاب : 33 ، فالقرار فى البيت وسيلة عدم التبرج أى الظهور والبروز وهو الأمر المهم فى الموضوع ، ومع ذلك فهو خاص بنساء النبى صلى الله عليه وسلم ، ولم يمنعهن من الخروج من البيت للصلاة أو الاعتكاف فى المسجد أو حضور مهرجان العيد ، أو الحج إلى بيت الله .
وللعلماء كلام طويل فى بيان المجالات المناسبة لعملها خارج البيت يرجع فيه إلى الكتب المذكورة آنفا

(9/450)


الشبكة عند فسخ الخطبة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
إذا فسخت الخطبة قبل عقد الزواج فهل للخطيب أن يطلب ما دفعه للخطيبة من شبكة وخلافها ؟

الجواب
الشبكة فى بعض الأعراف هدية لا يساوم عليها فهى غير المهر تماما ، وهنا إذا فسخت الخطبة فلا حق للخاطب فيها لأن الهدية تملك بالتسليم ، وفى بعض الأعراف تكون الشبكة من ضمن المهر ، يساوم عليها ، فإن كانت كبيرة يخفف عن الخاطب المهر ، وإن كانت صغيرة زيد فى المهر ، فإذا فسخت الخطبة أى قبل العقد ردت الشبكة إلى الخاطب لعدم تمام الموضوع الذى قدمت من أجله ، سواء أكان الفسخ من جهته أم من جهتها .
بهذا حكمت بعض المحاكم المصرية ، وحكمت محاكم أخرى بأن الفسخ إذا كان من جهة الخاطب لا تسترد الشبكة ، ووجهة النظر أن الشبكة هدية إذا قبضت لا يجوز استردادها فالراجع فى هبته كالكلب الراجع فى قيئه كما فى الحديث ، لكن إذا كان العرف يعتبرها جزءا من المهر فتكون من حق الخاطب .
وننصح بأن الفسخ إذا كان من جهة الخاطب واستحق الشبكة أن يعوضها ما قد تكلفته من نفقات فى مثل حفل الخطبة أو غيرها ، كما ننصح بعدم تعجل المخطوبة فى التزامات مالية وغيرها أملا فى إتمام الزواج ، فإن فترة الخطبة بمثابة دراسة يتقرر بعدها الزواج أو عدمه ، حيث يكون لكل منهما الحق فى فسخ الخطبة ، ومن أراد التوسعة فليرجع إلى الجزء الأول من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام "

(9/451)


صورة من زواج عرفى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ماذا تعمل من تزوجت عرفيا وتركها زوجها دون طلاق أو نفقة ؟

الجواب
يحدث أن يعيش الإنسان فى بلد لا تعترف بالزواج الثانى أو يكون هناك داع من الدواعى ليتزوج امرأة زواجا عرفيا مستوفيا للأركان والشروط ومن أهمها الشهود لكنه لم يسجل رسميا ، وظهر للمرأة أن هذا الزواج فيه ضرر كبير عليها ، ولا تستطيع أن تنال حقها رسميا لعدم توثيقه ، ولا أن تناله بمجلس عرفى ، ولا أن تطلق لتتزوج غيره ، وقد يهجرها ولا ينفق عليها لإضرارها .
وقد رأينا حلا لهذه المشكلة أن ترفع أمرها إلى جهة دينية فى هذا البلد يكون معترفا بها، لتتولى بحث الموضوع ، وتتأكد من صحة دعواها ، وهنا تطلقها الجهة الدينية طلقة واحدة رجعية على مذهب الإمام أحمد ، وإذا كان تقصيره فى إعفافها ومضى على ذلك أربعة أشهر اعتبر الامتناع بمثابة الإيلاء عند مالك وأحمد ، فيطالب هذا الزوج من الجهة الدينية بالعودة إلى إعفافها أو تطليقها طلقة بائنة ، وإذا امتنع عنهما انفسخ النكاح بدون أية إجراءات على مذهب الإمام أبى حنيفة ، ولا مخلص إلا ذلك ، منعا للضرر ، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار .
ونحذر من تريد الزواج من رجل زواجا عرفيا أن تقع فى مثل هذا المأزق ، ولهذا ننصحها أن تشترط فى العقد أن تكون عصمتها بيدها ، على ما رآه الإمام أبو حنيفة ، حتى إذا لم توفق فى هذا الزواج أمكنها أن تطلق نفسها منه بدون اللجوء إلى القضاء ، لأنه لا يسمع دعواها- وبدون لجوء إلى لجنة أو غيرها ... " انظر مجلة - منبر الإسلام عدد ذى الحجة 1403 هـ "

(9/452)


أخذ الزوجة من مال زوجها

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للمرأة أن تتصرف فى مال زوجها بدون إذنه ؟

الجواب
جاء فى صحيح البخارى قوله صلى الله عليه وسلم " إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره "وجاء مثل ذلك فى صحيح مسلم ، وروى أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذى قوله " لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها " وروى الترمذى من خطبة الوداع " لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها " وروى البخارى ومسلم " إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها أجره بما اكتسب ، وللخازن مثل ذلك ، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا " وروى مسلم أن أسماء قالت للنبى صلى الله عليه وسلم : مالى مال إلا ما أدخله علي الزبير ، أفأتصدق ؟ قال " تصدقى، ولا توعى فيوعى عليك " .
الواجب على الزوجة أن تحافظ على مال زوجها ، فلا تتصرف فيه بما يضر ، والتصرف فيه إما أن يكون لمصلحة الأسرة ، أى الزوجين والأولاد ، وإما أن يكون لغير ذلك ، فما كان لمصلحة الأسرة سيقوم به الزوج لأنه هو المسئول عنه ، ولا تضطر الزوجة أن تأخذ بدون إذنه أكثر من كفايتها ، فإن قصر عن الكفاية أخذت بقدرها بدون إذنه فذلك حقها ، ودليله حديث هند لما شكت للنبى صلى الله عليه وسلم زوجها أبا سفيان بأنه شحيح مسيك ، فهل تأخذ من ماله بغير إذنه ؟ فقال " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " رواه مسلم .
وإن كان التصرف فى ماله لغير مصلحة الأسرة ، فإن كان بإذنه جاز وإن كان صدقة فإن للزوج ثواب الصدقة من ماله ، ولها مثل هذا الثواب لأنها ساعدت بالعمل ، أما إن كان بغير إذنه استحقت نصف الأجر ، وذلك فى الشىء اليسير الذى تسمح به نفس الزوج ، أما إن كان كثيرا فيحرم عليها أن تتصرف أو تتصدق إلا بإذنه .
وبهذا يمكن التوفيق بين الأحاديث التى أجازت لها التصرف ، والتى نهت عن التصرف ، والتى أعطت للزوجة مثل ثواب الصدقة أو نصف الثواب ، يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج 7 ص 111 " : لابد من إذن الزوج ، وإلا فلا أجر لها وعليها الوزر ، والإذن إما صريح أو مفهوم من العرف والعادة ، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به واطرد العرف فيه ، وعلم رضاء الزوج والمالك به ، فإذنه فى ذلك حاصل وإن لم يتكلم . وهذا إذا علم رضاه لاطراد العرف ، وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس فى السماحة بذلك والرضا به ، فإن اضطرب العرف وشك فى رضاه ، أو كان شخصا يشح بذلك ، وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه .
ثم قال النووى " ص 113 " : واعلم أن هذا كله مفروض فى قدر يسير ، يعلم رضا المالك به فى العادة ، فإن زاد على المتعارف لم يجز وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم "إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة "ثم قال : ونبه بالطعام أيضا على ذلك ، لأنه يسمح به فى العادة ، بخلاف الدراهم والدنانير فى حق أكثر الناس وفى كثير من الأحوال .
انتهى . يعلم من هذا أن الأموال الخاصة بالزوج - غير الطعام - لا يجوز للزوجة أن تتصرف فى شىء منها إلا بإذنه حتى لو كان للصدقة ، وإلا كان عليها الوزر وله الأجر ، أما إذا كان لحاجة الأسرة فلا يجوز أبدا إلا بإذنه ، لأنه هو المكلف بالإنفاق عليها ، اللهم إلا إذا كان بخيلا مقصرا فلها أخذ ما يكفى بالمعروف ، دون إسراف ودون إنفاق فى الكماليات الأخرى ، كما يعلم أيضا أن التصرف بغير الصدقة ونفقة الزوجية لا يجوز مطلقا من مال الزوج فى تقديم هدايا أو عمل ،ولائم ونحوها إلا بإذنه .
أما مالها الخاص فلها أن تتصرف فيه بغير إذن زوجها ما دام فى شىء مشروع ، بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم لما حث النساء على التصدق ألقين بالخواتم والحلى فى حجر بلال ، ولم يسألهن النبى : هل استأذن أزواجهن فى ذلك أو لا " شرح صحيح مسلم ج 6 ص 173 " .
وكانت زينب أم المؤمنين صناع اليدين ، تدبغ وتحرز وتتصدق بما تكسبه كله على المساكين " الزرقانى على المواهب ج 3 ص 247، 248" .
وأخبر عنها النبى صلى الله عليه وسلم بأنها أطول زوجاته يدا ، من أجل كثرة تصدقها ومن الخير أن تطلع الزوجة زوجها على حالتها وتصرفاتها المالية حتى لا يدخل الشك قلبه ، فكثيرا ما تدخل الشكوك والريب قلوب الأزواج من هذه الناحية .
وإذا قلنا : إن للزوجة أن تنصرف فى مالها الخاص فى الأمور المشروعة بدون إذن الزوج ، فإن ذلك محله إذا لم يكن بينهما اتفاق ، أما إذا كان هناك اتفاق مشروط أو معروف عرفا على أن مال الزوجة يكون كله أو قدر معين منه فى مصاريف الأسرة فلا بد من تنفيذ الاتفاق ، والمؤمنون عند شروطهم

(9/453)


الإجهاد

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الإجهاض ؟

الجواب
الإجهاض : الإجهاض هو إنزال الجنين قبل تمام نموه الطبيعى فى بطن أمه ، وله طرق عدة ، وإليك كلمة عن حكمه ملخصة من فتوى رسمية منشورة بالفتاوى الإسلامية ( المجلد التاسع ص 3093 ) ومن مقالات بعض العلماء ( مجلة العربى عدد أغسطس 1973 ) .
الإجهاض إن كان بعد الشهر الرابع حرام بالاتفاق ، لأنه قتل نفس بغير حق ، إلا لضرورة تقتضيه ، فالضرورات تبيح المحظورات ، قال تعالى { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } البقرة : 173 ، ومن الأعذار انقطاع لبن المرأة بعد ظهور الحمل ، والرضيع محتاج إليه ولا بديل له ومنها الشعور بالضعف عن تحمل أعباء الحمل ، وكون الوضع بالعملية القيصرية التى تعرضها للخطر ، وإقرار الأطباء أن بقاء الحمل يفضى إلى هلاكها ، والتأكد من وراثة مرض خبيث كالذى يذكره الدكتور محمد عبد الحميد وسيأتى بعد . أما قبل الشهر الرابع ففى الإجهاض خلاف :
1 - قال بعض الأحناف كالحصكفى : إنه مباح ولو بغير إذن الزوج وذلك عند العذر ، وقال صاحب " الخانية " : لا يحل ، قياسا على ما لو كسر المحرم بيض الصيد ، الذى نص الفقهاء على أنه يضمنه ، لأنة أصل الصيد ، والجزاء الدنيوى أمارة الجزاء الأخروى-، فأقل درجات منعه أنه مكروه .
2 - والمالكية منعوه فى جميع مراحله ولو قبل الأربعين يوما ، على ما هو المعتمد من مذهبهم ، كما فى نص عبارة الدردير فى الشرح الكبير : لا يجوز إخراج المنى المتكون فى الرحم ولو قبل الأربعين يوما وفى رأى أنه مكروه ، وعبارة " المتكون فى الرحم " تعطى أن النطفة لو لم تستقر فى الرحم يجوز التخلص منها .
3 - والمتجه عند الشافعية هو الحرمة ، وقيل : يكره فى فترتى النطفة و العلقة ، أو خلاف الأولى . ومحله إذا لم تكن هناك حاجة ، كأن كانت النطفة من زنا فيجوز .
4 - أما عند الحنابلة فيؤخذ من كلام " المغنى " لابن قدامة أنها إذا ألقته مضغة فشهد ثقات من القوابل بأن فيه صورة خفية ففيه غرة ، وإن شهدن أنه مبتدأ خلق آدمى ولو بقى لتصور ففيه وجهان ، أصحهما لا شىء فيه .
فالخلاصة أن للفقهاء فى الإجهاض قبل تمام الأشهر الأربعة أربعة أقوال :
1 - الإباحة مطلقا دون توقف على عذر ، وهو مذهب الزيدية وبعض الحنفية وبعض الشافعية ، ويدل عليه كلام المالكية والحنابلة .
ب - الإباحة عند وجود العذر و الكراهة عند عدمه ، وهو ما تفيده أقوال الحنفية وبعض الشافعية .
ب - الكراهة مطلقا وهو رأى بعض المالكية .
د - التحريم بغير عذر ، وهو معتمد المالكية والمتجه عند الشافعية والمتفق مع الظاهرية .
هذا ، وتونس أولى الدول الإسلامية التى تبيح الإجهاض ، وتركيا ستكون هى الثانية ، واشترطت ألا يكون بعد 12 أسبوعا من الحمل ( الأهرام 19/2/1982 ) .
ما يترتب على الإجهاض من الأحكام الدنيوية :
كل الفقهاء متفقون على وجوب الغرة " عبد أو أمة " فى إلقائه ميتا بجناية عليه من أمه أو من غيرها ، مع اختلاف فى بعض التفاصيل .
فالحنفية قالوا : تجب الغرة على العاقلة وإن أسقطه غيرها أو أسقطته هى عمدا بدون إذن زوجها ، فإن أذن أو لم تتعمد فلا غرة ، ولو أمرت الحامل غيرها بإسقاطه فلا ضمان على المأمورة بل على الحامل إذا لم يأذن الزوج ، والعاقلة هم أقارب الجانى .
والشافعية قالوا : فيه غرة لكل جنين . والظاهرية قالوا : إن كان قبل تمام الأشهر الأربعة ففيه الغرة دون كفارة ، وإن كان بعدها ففيه الاثنتان . ومن تعمدت قتل جنينها بعد الأشهر الأربعة أو تعمد قتله أجنبى ففيه القود ( القصاص بالقتل ) وصرح الإباضية بوجوب الغرة .
هذا ، وقد أفتت لجنة الفتوى بالأزهر بجواز الإجهاض للمرأة فى الشهر الأول خشية وراثة مرض خبيث ، بشرط ألا يعرض المرأة للخطر ( مجلة التصوف الإسلامى عدد 84 فى يناير 1986 ) .
ولا يجوز أن تمارس عمليات الإجهاض لغير الضرورة كالتى ذكرها الدكتور محمد عبد الحميد مدير مستشفى الملك " المنيرة " سنة 1935 من أن المرأة إذا كانت مريضة بالسل الرئوى الذى يزيده الحمل والوضع وينتقل إلى الجنين ، أو بالالتهاب الكلوى الذى يعرض للتسمم البولى لإضراب الكليتين عن العمل . ويشتد خطر الالتهاب إن صاحبه ارتشاح فى الجسم ، أو بالبول السكرى الذى لا يوجد له دواء ، أو لا يفيده " الأنسولين " أو كانت مريضة بالقلب أو ضعف القوى العقلية أو الاضطرابات النفسية . أو بالقىء الكثير الذى يخاف منه على الحامل إذا كان مصحوبا بزلال فى البول أو بحمى أو بنزف انتهى .
وإذا كان الحمل من زنا ، وأجاز الشافعية إجهاضه ، فأرى أنه يكون فى حالة الإكراه أو ما شابهها حيث يكون الإحساس بالندم والألم النفسى ، أما عند الاستهانة بالأعراض وعدم الحياء من الاتصال الجنسى الحرام فأرى عدم جواز الإجهاض ، لأن فيه تشجيعا على الفساد ، وإن كان منتشرا فى كثير من البلاد غير الإسلامية ، ولذا حرمته بعض القوانين ، ثم رفعت الحظر عنه لممارسته فعلا ، وعالجت بعض الأولاد غير الشرعيين .
ولتمام الموضوع لبيان حكم التعقيم وحكم الإجهاض وآثاره والأسباب المبررة له قبل نفخ الروح فى الجنين وبعده يرجع إلى كتاب الفتاوى الإسلامية ( مجلد 9 ص 3093 وما بعدها ) . وينظر قرار مجمع البحوث الإسلامية "فتاوى الشيخ جاد الحق ج 5ص 98 "

(9/454)


حضانة البويضة أو الرحم المؤجر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فيما يطلق عليه الآن اسم " الرحم المؤجر" ؟

الجواب
لاشك أن الزنا محرم فى جميع الشرائع السماوية ، وله فى الإسلام عقوبة شديدة . ولإقامة الحد على الزانى والزانية وضعت شروط شديدة ودقيقة يدرأ بها الحد عند قيام الشبهة فى تحققها .
غير أن هناك صورا يتحقق بها ما يتحقق بالزنا أو تقاربه إلى حد كبير منها إدخال المرأة ماء رجل أجنبى عنها فى فرجها ، فقد يحصل منه حمل تختلط به الأنساب ويثور النزاع ، وتضيع الحقوق والواجبات ، ولذلك حرم العلماء هذه الصورة كما حرموا غيرها .
وإذا كان إدخال الماء الأجنبى - وهو أحد المادتين اللتين يحصل منهما الحمل -حراما حتى لو لم يتم به حمل ، فكيف بإدخال المادتين معا مع تحقق الحمل منهما ؟ إن الحرمة أشد وتكون الحرمة - كما قال العلماء-من باب أولى .
ولذلك يمكن أن يعاد النظر فيما قاله الفقهاء قديما من أن هذه الصورة وإن كانت محرمة لا توجب عقوبة الزنا بالحد ، لعدم تحقق اللقاء الجنسى على الصورة المعهودة .
أرى أن يعاد النظر فيما قالوه ويحكم بالحد فى هذه الصورة ، لأن آثارها إن لم تكن هى تماما آثار الزنا فإنها تشبهها إلى حد كبير ، لأن من أهم أسباب تحريمه هو اختلاط الأنساب إن حصل حمل .
هذا ، وقد جاء فى قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامى التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامى الذى انعقد فى الأردن فى أكتوبر 1986 م - جاء تحريم هذه الصورة التى يطلق عليها اسم " الرحم المؤجر " .
وفى محكمة " نيو جرسى " القريبة من نيويورك قضية من هذا النوع ، عقدت صفقتها فى مارس 1985 م ، وولدت الأم التى حملت البويضة الملقحة بنتا بعد تسعة أشهر ، تنازعتها مع أصحاب هذه البويضة ، لشعورها القوى بأنها جزء منها ،على الرغم من أنها أم لطفلين غيرها .
وجاء فى أهرام 25/ 1 / 1987 م أن القضية لم يفصل فيها بعد .
وجاء فى أهرام 2/ 10/ 1987 م أن أما حملت بويضة بنتها وأنجيت ثلاثة توائم فى أحد مستشفيات " جوهانسبرج " .
أرى أن البويضة الملقحة حين وضعت فى رحم غير رحم صاحبة البويضة هى غريبة عنها ، وليست منها أبدا ولا دخل لزوجها فيها فهى ملقحة من ماء غير مائه ، وليس لصاحبة الرحم المؤجر إلا فضل التنمية والتغذية كإرضاع الطفل الأجنبى ، فهل تقاس تغذية الجنين بدمها على تغذية الرضيع بلبنها فيكون ولدها من هذه الناحية ، ويعطى حكم الرضيع فقط فى أحكامه الخاصة ، أو ينسب إليها بولادته منها كما ينسب كل المولودين ؟ ويا ترى إذا نسب إليها بالولادة هل تكون نسبة ولد زنا وهولم يتخلق منها أصلا لا بالبويضة ولا بالماء وقد سمينا غيره ولد زنا إذا كانت البويضه منها والماء من رجل أجنبى ، أو لا ينسب إليها أصلا ، لا كالرضاع ولا كالزنا وتعد هى كأنها حاضنة وإنما ينسب إلى أبويه صاحبى النطفة والبويضة ؟ نحن فى انتظار نتائج بحث الفقهاء ، وحسبى أننى أثرت هذه التساؤلات المفصلة ، وإن كان الأشبه عندى-بصفة مؤقتة-أن يعطى الولد حكم الرضيع فقط ويعطى حكم اللقيط بالنسبة إلى أبويه ، وحكم التلقيح بالنسبة إلى زوجها ، على أن يكون وضع البويضة فى رحمها حراما ، لما ينجم عنه من التنازع والاختلاف والآثار الأخرى

(9/455)


خدمة الزوجة للضيوف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يتحمس بعض المجددين لإعطاء المرأة حقها فى النشاط الاجتماعى ولا يرون بأسا فى مجالسة الزوجة لأصدقاء زوجها وخدمتهم ، فما حكم الدين فى ذلك ؟

الجواب
فى حديث رواه البخارى وترجم له بقوله " باب قيام المرأة على الرجال فى العرس وخدمتهم بالنفس " وروى عن سهل بن سعد قال :
لما عرس أبو أسيد الساعدى دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد ، بلت تمرات فى تور من حجارة بالليل ، فلما فرغ النبى من طعامه ماثته له فسقته تتحفه بذلك .
والتور إناء يشرب فيه وقد يتوضأ منه ويصنع من صفر أو حجارة ، ومعنى ماثته : خلطته بالماء .
يقول العلماء : هذه الحادثة إما أن تكون قد وقعت قبل فرض الحجاب أو بعد فرضه ، فإن كانت قبل فرضه فلا يصح أن يستدل بها على ما يدعيه بعض المتحمسين لتحرر المرأة واندماجها فى المجتمع وإن وقعت بعد فرض الحجاب - وهو لم يفرض إلا بعد الهجرة بثلات سنوات أو أربع أو خمس فهل جاء فى الحديث أن أم أسيد كانت كاشفة لما أمر الله بستره ، تسلم وتصافح المدعوين وتشاركهم الحديث وما يتبعه ؟ إن من المقطوع به أن النبى صلى الله عليه وسلم لا يقرها على ذلك مطلقا إذا حدث ، ومن هنا تكون أم أسيد قد التزمت الحجاب الذى فرضه الله .
ونقول : إن خدمة المرأة للرجال فى حدود الحشمة الشرعية بكل مقوماتها القولية والفعلية ، بل ومشاركتها لهم فى تناول الطعام غير ممنوع ، وجاء فى موطأ الإمام مالك رضى الله عنه أن المرأة يباح لها أن تأكل مع الرجال . ويقول ابن القطان بناء على هذا : فيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويدها للأجنبى ، إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا وإذا قال القرطبى فى تفسيره "ج 9 ص 68 " فى الحديث : إنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه ويستخدمها لهم - فلابد من الحذر فى فهم هذا الكلام حتى لا يتعارض مع مقررات الشرع -وقد قال بعد ذلك ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب .
إن مثل هذا النص لا يجوز أبدا أن يتخذ منطلقا للإباحة للمرأة أن تجالس أصدقاء الزوج على النحو المعروف الآن ، ولابد لأى نص دينى أن يؤخذ مع النصوص الأخرى التى توضحه بالأساليب المعروفة ، منعا لسوء الاستغلال ، وعدم الاندفاع فى تيار التقليد ا لعصرى الذى يخلق مشكلات وأخطار يعرفها الجميع

(9/456)


الفرق بين الخمار والنقاب والحجاب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نرجو تحديد معانى هذه الألفاظ وهى الخمار والنقاب والحجاب ؟

الجواب
من القواعد العلمية ما يعرف بتحديد المفاهيم ، أو تصور الموضوع تصورا صحيحا حتى يمكن الحكم عليه ، فلابد من معرفة معانى الخمار والنقاب والحجاب قبل الحكم عليها .
1 - الخمار : هو واحد الخمر التى جاءت فى قوله تعالى {وليضربن بخمرهن على جيوبهن } النور : 31 ، وهو ما يغطى به الرأس بأى شكل من الأشكال كالطرحة والشال وما يعرف بالإيشارب ، ويقال فى ذلك : اختمرت المرأة وتخمرت ، وهى حسنة الخمرة .
2 - للنقاب : هو ما تضعه المرأة على وجهها لستره ، ويسمى أيضا " البرقع " أو " النصيف " وهو معروف من زمن قديم عند اليهود كما فى سفر التكوين " إصحاح : 24" أن " رفقة " رفعت عينيها فرأت إسحاق ، فنزلت عن الجمل وقالت للعبد : من هذا الرجل الماشى فى الحقل للقائى ؟ فقال : هو سيدى ، فأخذت البرقع وتغطت ، كما كان معروفا عند العرب قبل الإسلام ، وسمى باللثام ، كما يسمى بالخمار أيضا . قال النابغة الذبيانى يصف " المتجردة " امرأة النعمان ابن المنذر لما سقط برقعها وهى مارة على مجلس الرجال :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه * فتناولته واتقتنا باليد .
3- الحجاب : فى اللغة هو الساتر كما قال تعالى {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } الأحزاب : 53 ، وكما قال { فاتخذت من دونهم حجابا } مريم : 17 .
ويراد به فى الشرع ما يمنع الفتنة بين الجنسين ، ويتحقق ذلك بستر العورة والغض من البصر ، ومنع الخلوة والكلام اللين و اللمس .
فالحجاب أعم من الخمار ومن النقاب ، وهما من مقوماته التى تتحقق بها حكمة التشريع وهى منع الفتنة بين الرجال والنساء ، أو تنظيمها ليؤدى كل من الجنسين رسالته فى هذا الوجود .
وبتحديد هذه المعانى يعرف حكم كل واحد منها ، وهو مفصل فى الجز الثانى من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام " وقد نتعرض له فى مواضع أخرى

(9/457)


تعدد الزوجات

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لماذا أجاز الله للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة ولم يجز للمرأة أن تتزوج بأكثر من رجل ؟

الجواب
قال الله تعالى { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } النساء : 3 ، ولقد كان تعدد الزوجات معروفا وسائدا فى الشرائع الوضعية والأديان السماوية السابقة ، والإسلام أقره بشرط ألا يزيد على أربع ، وألا يخاف العدل بينهن .
وفى مشروعيته مصلحة للرجل ، فمن المقررأنه بحكم تكوينه مستعد للإخصاب فى كل وقت من سنه العادى ، وتتوق نفسه إلى المتعة ما دام فى حال سوية، أما المرأة فبحكم تكوينها لا تستعد للإخصاب مدة الحمل ، وهى أشهر طوال ، ومدة الدورة وهى فى الغالب ربع الشهر طيلة عمرها حتى تبلغ سن الياس ، كما أنها تعزف عن المتعة مدة الإرضاع التى قد تبلغ حولين كاملين ، ولا ترغب فيها غالبا ، أو تلح عليها إلا فى فترة قصيرة جدا كل شهر حين تنضج البويضة ، فكان من العدل والحكمة أن يشرع التعدد ما دامت هناك قدرة عليه وعدل فيه . فالزوجة قد تكون غير محققة لمتعته كما يريد ، إما لعامل فى نفسه أو نفسها هى ولا يريد أن يطلقها ، وقد تكون عقيما لا تلد وهو يتوق إلى الولد شأن كل رجل ، بل وكل امرأة ، فيبقى عليها لسيب أو لآخر ، أو قد تكون هناك عوامل أخرى تحقق له بالتعدد مصلحة مادية أو أدبية أو عاطفية يحب أن ينالها فى الحلال بدل أن ينالها فى الحرام .
كما أن فى تعدد الزوجات مصلحة للمرأة أيظا إذا كانت عقيما أو مريضة وتفضل البقاء فى عصمة الرجل ، لعدم الاطمئنان عليها إذا انفصلت ، وقد تكون محبة له يعز عليها .أن تفارقه لشرف الانتساب إليه أو نيل خير لا يوجد عند غيره . وفيه مصلحة للمجتمع بضم الأيامى ورعاية الأيتام ، وبخاصة فى الظروف الاستثنائية ، وبالتعفف عن الفاحشة والمخاللة ، وكذلك بزيادة النسل فى بعض البلاد ، أو بعض الظروف التى تحتاج إلى جنود أو أيد عاملة .
وإذا علمنا أن الرجل مستعد للإخصاب فى كل وقت ، وبتزوجه بعدة زوجات يكثر النسل . جاز له أن يعدد الزوجات ، لكن المرأة إذا حملت أو كانت فى فترات الدم أو الرضاع لا تكون مستعدة للحمل مهما كثر اللقاء الجنسى بينها وبين زوجها الواحد ، فما هى الفائدة من كثرة اللقاء بينها وبين أكثر من رجل ؟ إنها ستكون للمتعة فقط ، تتداول كما تتداول السلعة ، وفوق أن هذا إهانة لكرامة المرأة : فيه اختلاط للأنساب وتنازع على المولود من أى هؤلاء الرجال يكون ، وتلك هى الفوضى الجنسية والاجتماعية التى تضيع بها الحقوق ، ولا يتحقق السكن بالزواج .
إن تعدد الأزواج للمرأة الواحدة صورة من صور النكاح فى الجاهلية التى أبطلها الإسلام ، كما ثبت فى صحيح البخارى . فقد كان عندهم نكاح أخبرت عنه السيدة عائشة بأن الرهط ما دون العشرة من الرجال يدخلون على المرأة كلهم يصيبونها ، فاذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع ، حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم : قد عرفتم الذى كان من أمركم ، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان - تلحقه بمن أحبت - فلا يستطيع أن يمتنع .
كما كان هناك نكاح البغايا الذى يدخل فيه كثير من الناس على .
المرأة فلا تمتنع ممن جاءها ، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها القافة-الذين يعرفون الأثر-فألحقوا ولدها بالذى يرون والتاط به - أى لحقه -ودعى ابنه لا يمتنع منه ، والإماء هن فى الغالب اللاتى يحترفن هذه الحرفة ، وينصبن الرايات على بيوتهن .
وقد أثير مثل هذا السؤال بالنسبة للجنة حيث يزوج الله الرجل بكثير من الحور العين ، ولا يجعل للمرأة إلا زوجا واحدا ، ومع الاعتقاد بأن قانون الآخرة ليس تماما كقانون الدنيا ، فإن الغرض من نعيم الآخرة هو إمتاع المؤمنين الصالحين بكل ما تشتهيه الأنفس وبخاصة ما حرموا منه فى الدنيا ، والإمتاع معنى يقدره الله ويكيفه حسب إرادته ، فكما يجعل متعة الرجل فى الحور العين ، يجعل متعة المرأة بمعنى آخر ، لأن مهمتها الدنيوية فى الحمل لا لزوم لها فى الجنة ، وسيضع الله فى قلبها القناعة بحيث لا تغار من زوجات زوجها من الحور ، كما جعل الحور أنفسهن قاصرات الطرف على من خصصن له من الرجال ، لا يملن ولايشتهين غير أزواجهن { وعندهم قاصرات الطرف أتراب } ص : 52 ، وقد منع الله عن أهل الجنة عامة الغل والحسد ، والهم والحزن : قال تعالى{ ونزعنا ما فى صدورهم من غل } الحجر: 47 ، وقال على لسانهم { الحمد لله الذى اذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور * الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } فاطر: 34، 35

(9/458)


زوجات النبى صلى الله عليه وسلم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو عدد وأسماء زوجات النبى صلى الله عليه وسلم ، ولماذا أحل الله له أكثر من أربع ؟

الجواب
المتفق عليه من زوجاته صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ، توفيت اثنتان منهما حال حياته ، وهما خديجة وزينب بنت خزيمة ، وتوفى عن تسع نسوة . والقرشيات من زوجاته ست ، والعربيات من غير قريش أربع ، وواحدة من غير العرب وهى صفية من بنى إسرائيل .
فالقرشيات هن :
1 - خديجة بنت خويلد ، تجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى جده قصى .
وهى أول من تزوج وأنجبت له كل أولاده : عبد الله والقاسم ، زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ، أما إبراهيم فهو من مارية القبطية . توفيت بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح .
2 - سودة بنت زمعة ، تجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى جده لؤى بن غالب تزوجها بعد وفاة خديجة بقليل ، عقد عليها بمكة ، وقيل : دخل عليها بمكة أو المدينة ، وتوفيت سنة 54 هـ .
3- عائشة بنت أبى بكر الصديق ، تجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى كعب ابن لؤى ، عقد عليها بعد عقده على سودة ودخل بها فى المدينة ، وتوفيت سنة 506هـ أو بعدها .
4 - حفصة بنت عمر بن الخطاب . تجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى كعب ابن لؤى . تزوجها فى السنة الثانية أو الثالثة بعد الهجرة ، وتوفيت سنة 45 هـ .
5 - أم سلمة ، واسمها هند ، وقيل : رملة . تجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى كعب بن لؤى، تزوجها بعد وفاة زوجها فى السنة الرابعة من الهجرة وتوفيت سنة 58هـ أو بعدها .
6 - أم حبيبة ، واسمها رملة ، وقيل هند . وهى بنت أبى سفيان تجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى كعب بن لوى . عقد عليها سنة سبع من الهجرة وهى فى الحبشة ، وتوفيت سنة 44 هـ وقيل غير ذلك .
والعربيات هن :
1 - زينب بنت جحش : أبوها من مضر ، وأمها قرشية وهى أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم تزوجها بعد طلاقها من زيد بن حارثة ، سنة 3 هـ أو 4 أو 5 هـ وتوفيت سنة 20 أو بعدها .
2 - جويرية بنت الحارث المصطلقية ، وقعت فى الأسر فى غزوة بنى المصطلق ، فخلصها النبى وتزوجها سنة خمس أو ست من الهجرة ، وتوفيت سنة 50 هـ أو بعدها .
3- زينب بنت خريمة ، كانت تلقب فى الجاهلية بأم المساكين ، تزوجها سنة ثلاث أو أربع من الهجرة ، وتوفيت فى السنة الرابعة ، ومدة مكثها عند النبى شهران أو ثلاثة ، وقيل ثمانية .
4 - ميمونة بنت الحارث ، تزوجها فى السنة السابعة من الهجرة فى عمرة القضية ، وتوفيت فى " سرف " سنه 51 هـ .
أما غير العربيات فهى صفية بغت حيى بن أخطب من يهود بنى النضير ، وقعت فى الأسر فاشتراها النبى صلى الله عليه وسلم من دحية وتزوجها فى غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة ، وتوفيت سنة خمسين وقيل بعد ذلك وتزوج النبى صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء ولم يدخل بهن . وأما مارية القبطية فلم تكن زوجة حرة معقودا عليها ، وإنما كان النبى صلى الله عليه وسلم يتمتع بها بملك اليمين ، وولدت له إبراهيم وتوفيت سنة 12 أو 16 هـ .
وقد تزوج النبى صلى الله عليه وسلم هذا العدد على عادة العرب وغيرهم من تعدد الزوجات ، ولم تنزل الآية التى حددت التعدد بأربع إلا بعد أن تزوجهن جميعا ، وقد نهاه الله عن الزيادة عليهن وأمره بإمساكهن جزاء على اختيارهن له مع رقة عيشه وزهده ، قال تعالى{ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن } الأحزاب : 52 ، كما حرم على أحد أن يتزوج واحدة منهن بعد النبى صلى الله عليه وسلم فقال { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } الأحزاب : 53 ، ولهذا لم يطلق واحدة منهن حتى تظل فى كنفه ويكن أزواجه فى الجنة .
وما كان زواجه بهن عن شهوة جنسية طاغية ، بل كان لمعان إنسانية كريمة يطول بيانها ، ولو كان لشهوة لاختارهن أبكارا ، لكنهن كن جميعا ثيبات ما عدا عائشة ، ولو كان لشهوة ما رفض كثيرات عرضن أنفسهن عليه هبة دون مقابل ، وكان زواج كل واحدة بإذن ربه فقد روى " ما تزوجت شيئا من نسائى ، ولا زوجت شيئا من بناتى إلا بوحى جاء لى به جبريل عن ربى عز وجل "ولا يقدح فى ذلك قوله "حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة " فهو حب رحمة ، جعلته -صلى الله عليه وسلم يوصى بهن كثيرا حتى فى أخر أيامه ، - وتوضيح كل ذلك فى الجزء السادس من : الأسرة تحت رعاية الإسلام

(9/459)


الدليل على وجود الله ورسالة محمد (ص)

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو الدليل المقنع على وجود الله وعلى أن محمدا رسول حقا من عند الله ؟

الجواب
1 - الدليل المقنع على وجود الله هو آثاره المشاهدة التى لا يمكن أن تكون موجودة بنفسها من غير قوة كبرى على قدرة وعلم وصفات يصدر عنها هذا الإبداع وهى قوة الله تعالى ، ومن البدهيات أن كل صنعة لابد لها من صانع ، وكلما كانت الصنعة أحكم كان صانعها على أعلى مستوى من الحكمة، وكما قال الحكماء : ليس هذا العالم مخلوقا بالطبع أو بالعلة، لأن مطبوع الطبيعة لا يختلف ، بل بلتزم شكلا واحدا، ومعلول العلة لا يتخلف ، بل لابد أن يكون ملازما لعلته وجودا وعدما ، حدوثا وقدما .
إن الإيمان بوجود الله حقيقة مقررة في فطرة الإنسان منذ خلق ، كما نص الحديث الصحيح .
"ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهؤدانه وينصرانه و يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء" يقول أبو هريرة راوى الحديث : اقرءوا إن شئتم {فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } الروم : 30 ، رواه البخارى ومسلم .
إن الرجل البدوى حين سئل عن وجود الله نطق بفطرته فقال : البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟ .
وأنت تعلم أن آدم عليه السلام خلق وهبط الأرض وفي قلبه هذه الحقيقة ، ونشأت ذريته الأولى على هذا الإيمان . ولما تفرقوا في طول الأرض وعرضها شغلهم طلب العيش والمأوى عن التفكير في خالق هذا الكون ، وساقتهم فطرتهم إلى أن هناك من هو أقوى منهم ، يسيرهم ، ويسيطر عليهم ، بما يرونه من كواكب ونجوم ومخلوقات شتى، وحاولوا التقرب إليها أو التحصن ضد خطرها، وكما يحدثنا علماء الفلسفة والأجناس البشرية، رمزوا إلى هذه القوة الخفية بما يعبر عن عقيدتهم في شكل تمثال أو غيره .، ومن هنا جاء الرسل لتلفت أنظار الضالين إلى حقيقة الألوهية .
ومهما يكن من شيء فإن علماء العصر الحديث -على الرغم من تنكر بعضهم للدين الذى عاشوا فى ظله قرونا، وحرمهم كثيرا مما يحتمه انطلاق الفكر ونشاط الإرادة - لم يستطيعوا أن ينكروا وجود الله وراء هذه المادة التى هي وعاء علمهم وتجارتهم ، وكان أسلوبهم في البحث بعيدا عن الأسلوب الدينى التقليدى الذى ثاروا عليه ، ولو شئت لأوردت لك كثيرا من أقوال كبارهم فى إثبات وجود الله ، ولكنى أحيلك على كتاب "الله يتجلى في عصر العلم " الذى جمع فيه "جون كلوفر مونسما " الباحث الديني الاجتماعي كثيرا من شهادات علماء أمريكا المتخصصين في كل العلوم ، بما يؤكد اعتراف العلم بوجود الله .
وإن شئت دليلا على طريقة المتكلمين وعلماء التوحيد على وجود الله أحيلك على "رسالة التوحيد " للشيخ محمد عبده ، ولعلك توفق إلى فهم الأسلوب الموضوع للاستدلال على وجوده سبحانه .
وأعتقد أيها السائل أنك ما دمت مسلما ومؤمنا بالتالي بوجود الله فلا تشغل نفسك بأمر لا يعني به إلا الفلاسفة والعلماء المتخصصون الذين ينفقون وقتا كبيرا في الجدل والمناقشة . ونحن أحوج ما نكون إلى أي وقت وأي جهد يبذل في سبيل المعركة المصيرية التي يخوضها المسلمون عامة فى هذه الأيام .
2 - إن قيام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى دين جديد حقيقة تاريخية مقررة لاشك فيها، وتلك آثارها شاهد صدق عليها .
ولما جاء بالدعوة وكذبه قومه طلبوا منه ما يدل على صدقه ، بالإضافة إلى ما عرفوه عنه من صدق وأمانة ، وقد انترع منهم هذا التصديق المبدئي بقوله " أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي " ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا فقال لهم "إنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ولذلك جاء على لسان من عرضت عليه الدعوة وعرف أنه مشهور بالصدق : ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله .
فلما أصروا على كذبهم ظلما وعلوا وقد استيقنت أنفسهم صدقه طلبوا منه آية أي علامة تدل على صدقه في أنه رسول الله من عند الله ، وليس مدعيا ذلك من نفسه فجاءهم بالقرآن متحديا إياهم به ، فعجزوا عن الإتيان بمثله ، بل بعشر سور ، بل بسورة واحدة ، على الرغم من أنهم فرسان البلاغة والفصاحة . وقد نص على ذلك قول الله تعالى {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} الإسراء : 88 .
وحيث إنهم عجزوا عن محاكاته : علم أنه ليس من صنعه فيكون من صنع الله وحده ، الذي جعل هذه المعجزة دليلا على أن الرسول مبعوث من عند الله . وقد صح في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم "ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلى ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .
وإذا صدقنا بالقرآن معجزة صدقنا برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و بكل ما جاء به ، فالآيات في القرآن كثيرة تثبت رسالة جميع الرسل السابقين .وإن شئت توضيحا لهذه الحقيقة فارجع إلى "رسالة التوحيد" للشيخ محمد عبده .
30/08/99242424242404:45 ص

(9/460)


النكاح المؤقت فى الغربة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز خلال بعثة تعليمية خارج البلاد أن يتزوج الإنسان لمدة زمنية محددة ينتهى بعدها العقد أو يتم تجديده ؟

الجواب
نكاح المتعة نكاح مؤقت ينتهى بانتهاء المدة المتعاقد عليها بدون طلاق ، ولا توارث عند الموت وقد أحله النبي صلى الله عليه وسلم لظرف طارىء ثم أبطله بعد زوال هذا الطرف واستمر باطلا إلى يوم القيامة ، وعلى نسخه جمهور أهل السنة ، وقالوا : إن المقصود من الزواج هو الدوام والاستمرار حتى يكون هناك استقرار في الأسرة لتؤدي رسالتها من الرحمة والمودة والسكن وتربية النسل تربية منظفة .
والإمام أبو حنيفة قال : إن عقد الزواج إذا كان محدودا بمدة معينة عقد صحيح ولكن يلغى التحديد ولا يلتزم به ، وفي "المغنى " لابن قدامة الحنبلى :
لو تزوجها بغير شرط المدة إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد فالنكاح صحيح ، وذلك لعدم الشرط في العقد . وإن تزوجها بشرط أن يطلقها في وقت معين لم يصح النكاح .
ومن هذا ترى أن الزواج المؤقت بمدة مشروطة صحيح عند أبي حنيفة ويقع مؤبدا وبلغى الشرط ، وصحيح عند الحنابلة إذا لم يذكر الشرط وكان في نية الزوج أن يطلقها بعد مدة ، ولا ينتهي بمضي المدة كما هو في المتعة، لكن لابد فيه من الطلاق وله حكم الزواج العادي من حيث الميراث والنسب وسائر الحقوق .
وتمكن الاستفادة بهذين الرأيين ، ولكن عند الضرورة القصوى ، وليس في كل حال وعدمه أولى، والصبر والتفرغ للعمل أفصل

(9/461)


النساء وزيارة المقابر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين في زيارة النساء للقبور، وبخاصة عند التزام جميع الآداب وعند إرادة الاتعاظ والخشوع ؟

الجواب
إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أولا عن زيارة القبور، قطعا لما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بزيارتها لتعداد مآثر من فيها من الآباء والأجداد، الذي يشير إليه قوله تعالى {ألهاكم التكاثر . حتى زرتم المقابر } التكاثر: 1 ، 2 ، ثم رخص لهم بعد في زيارتها لتذكر الموت والاستعداد للحياة الآخرة ، كما بينه الحديث الذي رواه ابن ماجه بسند صحيح "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" وغير ذلك من الأحاديث التى رواها مسلم وغيره في هذا المقام .
وأجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، وأوجبها الظاهرية ، غير أنهم قالوا : إن ذلك خاص للرجال دون النساء ، لكن لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما في خروجهن من مفاسد نهاهن عنها ، واستمر الإذن للرجال ، وقال آخرون : إن النهى عن زيارتهن كان سابقا للنهى العام عن زيارة القبور. ثم جاء الإذن للرجال ، وبقى المنع مستمرا بالنسبة لهن .
ومهما يكن من شىء فإن فى زيارتهن أقوالا تتلخص فيما بأتى :
1 -التحريم مطلقا، سواء كانت هناك فتنة أو مفسدة عند زيارتهن أم لا، ودليله حديث "لعن الله زوارات القبور" رواه الترمذى وقال : حديث حسن صحيح ، ولكن القرطبى قال يحتمل أن الحرمة منصبة على الكثرة، أخذا من التعبير بلفظ "زوارات " وهو صيغة مبالغة .
2 - التحريم عند خوف الفتنة أو المفسدة . وبهذا يحرم على الشابات زيارة القبور وكذلك على غيرهن إذا كن بزينة أو شيء يلفت إليهن الأنظار، وتجوز للعجائز اللاتي لا يفتتن بهن ، إلا إذا صاحبها شيء محرم كالنياحة وغيرها مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" رواه البخاري ومسلم وغيرهما .
والنساء لا يستطعن التخلص بسهولة من هذه العادات الشنيعة، ففي حديث أم عطية : أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم عند البيعة ألا ننوح ، فما وفت امرأة منا غير خمس نسوة... رواه البخاري . ولما بكى نساء جعفر ابن أبي طالب عليه لما استشهد أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن ينهاهن فلم يطعن الرجل مرتين ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحثو في أفواههن التراب ، رواه البخاري .
3 - الكراهة ، ودليلها القياس على اتباع الجنائز، الذي ورد فيه حديث أم عطية أيضا : نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا . رواه البخاري ومسلم وغيرهما .
4 - الإباحة ، ودليلها عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة عندما ذهبت إلى البقيع -وهو مقبرة المسلمين -وعلمها ما تقوله عند زيارة القبور وهو"السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " رواه مسلم :
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على امرأة تبكى عند القبر فأمرها بالتقوى والصبر، ونهاها عن البكاء لأنه سمع منها ما يكره من نوح وغيره ، ولم ينهها عن أصل الزيارة .
5 - الاستحباب ، كما هي مستحبة للرجال ، ودليلها عموم الإذن بالزيارة في قوله صلى الله عليه وسلم "فزروها" .
والآراء الثلاثة الأخيرة محلها عند أمن الفتنة والمفسدة ، وإلا حرمت الزيارة ، وبهذا يعلم جواب السؤال ، وإن كنت أميل إلى كراهة زيارتهن على الرغم من عدم وجود محرم محظور ، كالسفور والنياحة واللطم والجلوس على القبر والمبيت عنده وما إلى ذلك ، فإن الأولى للمرأة أن تستقر في بينها لا تغادره إلا لضرورة أو حاجة ملحة ، صيانة لها من الفساد

(9/462)


تفويض الزوجة فى الطلاق

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للزوج أن يفوض زوجته في تطليق نفسها إذا دعت الظروف بمعنى أن تكون العصمة فى يدها ؟

الجواب
يجوز للزوج أن يفوض زوجته في تطليق نفسها منه ، وذلك أخذا من تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته كما جاء في قوله تعالى{يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} الأحزاب 28 ، 29 .
إلا أن هذا التفويض يتقيد بمجلس علمها فقط ، فلا يجوز أن تطلق نفسها في غير هذا المجلس إلا إذا كانت صيغة التفويض عامة ، كما إذا قال لها : طلقى نفسك متى شئت ، أو في أي وقت شئت ، فإنها لا تتقيد بالمجلس ، وكذلك إذا كان التفويض مقيدا بزمن ، كما إذا قال لها ، طلقي نفسك في مدة ثلاثة أشهر، فإنها تتقيد بهذا الزمن ، وتفويضها طلاق نفسها إذا دعت إليه الضرورة ليس نصا في التفويض العام . ولهذا نرى أن يستبدل بها لفظ عام كقوله "متى شئت " حتى تستطيع أن تطلق نفسها في الوقت الذي تراه .
ويجوز أن يكون هذا التفويض قبل العقد ومع العقد، فإذا قال الرجل لامرأة :
إن تزوجتك فأمرك بيدك تطلقين نفسك في أي وقت ، ثم تزوجها صح هذا التفويض ولا يتقيد بزمن لعمومه وكذلك إذا قالت امرأة لرجل : زوجتك نفسي على أن يكون أمر الطلاق بيدي أطلق نفسي متى شئت فقال : قبلت ، تم عقد الزواج وصح التفويض ولا يتقيد بزمن لعمومه أيضا . وإذا قال الزوج لزوجته : طلقى نفسك كلما شئت فليس لها أن تطلق نفسها ثلاثا جملة واحدة ، بل لها تفريق الثلاث ، لأن القانون المصري رقم 25 لسنه 1929 منع الرجل من إيقاع الثلاث دفعة واحدة . فلا يستطيع أن يملك غيره مالا يملكه هو، وإن صح ذلك عند الحنفية كما هو مشهور مذهبهم .
هذا ، وتفويض المرأة بالطلاق ، أو جعل العصمة بيدها ، لا يمنع الزوج من طلاقها متى شاء

(9/463)


إكراه البنت على الزواج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى بعض البلاد يزوج الأب بنته دون أن يأخذ رأيها، وقد تكون كارهة لهذا الزواج فهل هذا الزواج صحيح ؟

الجواب
روى البخارى أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي كارهة- وكانت ثيبا - فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها . وفي السنن أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم يعني جعل لها الخيار في إمضاء هذا الزواج وفي فسخه ، وروى أحمد والنسائي وابن ماجه أن رجلا زوج بنته بغير استشارتها ، فشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : إن أبى زوجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته . فجعل الأمر إليها ، فلما رأت ذلك قالت : أجزت ما صنع أبى، ولكنى أردت أن أعلم النساء أنه ليس للأباء من الأمر شيء .
وروى عبد الرزاق أن امرأة قتل عنها زوجها يوم أحد ولها منه ولد، فخطبها عم ولدها ورجل آخر، فزوجها أبوها من هذا الرجل ، فشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تريده ، وتريد عم ولدها لأنه أخذ منها ولدها ، فقال لأبيها "أنت الذي لا نكاح لك اذهبي فانكحى عم ولدك " وذكر الحارث في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل زوج بنته دون أن يستشيرها "أشيروا على النساء في أنفسهن " إن استبداد الولى باختيار الزوج وانفراده بالعقد هو جناية على المرأة واستهانة بعواطفها وإحساساتها .
وكان العرب يستثيرون بناتهم في الزواج قبل الإسلام ، فجاء الإسلام واحترام رأيها كجزء من تكريمه لها .
وقد جاءت في ذلك عدة أحاديث ، منها ما رواه مسلم "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن " قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال "أن تسكت " وفي رواية "الثيب أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأمر و إذنها سكوتها" الأيم في اللغة من لا زوج لها ، ثيبا كانت أم بكرا، صغيرة أم كبيرة . واختلف العلماء في المراد بها فى هذا الحديث ، فالجمهور على أن المراد بها الثيب ، أي التي سبق لها زواج ، وقال الكوفيون : هي كل امرأة لا زوج لها ، بكرا كانت أم ثيبا ، كما هو مقتضاه في اللغة، وقالوا : كل امرأة بلغت فهى أحق بنفسها من وليها ، وعقدها على نفسها النكاح صحيح ، وقال الأوزاعى وأبو يوسف ومحمد : تتوقف صحة النكاح على إجازة الولى .
واختلفوا أيضا في عبارة "أحق بنفسها من وليها" هل هى أحق بالإذن فقط ، أم بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور: هي أحق بالإذن فقط ، وأما الذي يتولى العقد فهو وليها ، وقال الكوفيون : هي أحق بالإذن والعقد ، وقول الجمهور أصح لحديث "لا نكاح إلا بولى" . وقد تبين من الأحاديث وجوب احترام رأى المرأة عند الزواج ، ولابد من موافقتها عليه إما بالقول من الثيب وإما بالسكوت من البكر، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إلى من زوجت بغير رضاها ، إن شاءت أمضت وإن شاءت رفضت .
قال الشافعي وأصحابه : يستحب ألا يزوج الأب والجد البكر حتى تبلغ ويستأذنها ، لئلا يوقعها في أسر الزوج وهي كارهة ، ما لم تكن هناك مصلحة تفوت لو لم يزوجها ، وهو أدرى بها منها، كما زوج أبو بكر رضي الله عنه عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم " وهي صغيرة .
وبالجملة لابد من احترام رأى المرأة وتعاون ولى أمرها معها في اختيار زوجها ، فالرجل له من عقله الراجح وتجاربه ما يوجه به عاطفة المرأة ، وبخاصة إذا كانت نيته الوجهة الصالحة ، فالزواج يحتاج إلى العقل والعاطفة معا ، كما يقول بعض الكتاب : إن المرأة في عاطفتها القوية كحامض الكبريتيك المركز، فيه خطر كبير، والولى كالماء المخفف لتركيزه ، فيجعله صالحا لتوليد الكهرباء بين القطبين ، وينتفع بهذه القوة انتفاعا كبيرا "انظر موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام "

(9/464)


الذبح على رجل العروس

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
من عادة بعض الناس ذبح الأغنام على أساس الدار الجديدة ، وعلى رجل العروس حينما تصل إلى بيت زوجها ، فهل هذا من الدين ؟

الجواب
إذا كان الذبح شكرا لله على النعمة في بناء البيت لا أكثر فهذا لا بأس به ، وإن كان الذبح عند زفاف العروس شكرا لله على النعمة لإطعام الفقراء فهو كالوليمة المسنونة فى الزواج ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه ، وأمر الصحابة بهذه السنة ، فينبغي إذا قدمت هذه الأشياء أن تكون بنية طيبة، وألا تلتزم فيها عادة قديمة لا أصل لها في الدين كالذبح على رجل العروس ، فإن كانت بنية غير هذه فلا يوافق عليها الدين "انظر الوليمة في الجزء الأول من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام "

(9/465)


المرأة وزوج بنتها

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز شرعا لزوج بنتى أن يدخل بيتى ويجلس مع أمها في حالة حضورى أو غيابى عن البيت ، ولوجود خلاف شديد ونزاع مستمر داخل الأسرة بسبب هذا الموضوع ؟

الجواب
وجود المرأة مع زوج ابنتها في مكان خال بدون وجود محرم أو طرف ثالث - أمر جائز شرعا ، لأنه من المحارم ، أى من يحرم التناكح بينهما، فهى بمنزلة أمه ، وهو بمنزلة ابنها، قال تعالى في المحرمات من النساء{وأمهات نسائكم } النساء : 23 ، والحديث الشريف يقول "لايبيتن رجل عند امرأه ثيب إلا أن يكون ناكحا - أى زوجا - أو ذا حرم " رواه مسلم ويقول "لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذى محرم " رواه البخاري ومسلم .
فإذا أحس الزوج أن هناك ريبة في هذه الخلوة كان على المرأة أن تستجيب لرغبة زوجها، وتمتنع عن الخلوة مع زوج بنتها على الرغم من أن ذلك حلال ، وبخاصة إذا كان في المرأة ما يغرى ، وكان زوج بنتها شابا لا يستطيع التحكم فى نفسه ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة : إن أمرها أطاعته ، وإن نظر إليها سرته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله " رواه ابن ماجه ويقول "ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رءوسهم شبرا ، رجل أم قوما وهم له كارهون ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان " رواه ابن ماجه وابن حبان والترمذي وحسنه

(9/466)


شبهة فى المتعة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى قوله تعالى{نساوكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } البقرة :
223 ؟

الجواب
فهم بعض الناس من هذه الآية أن للزوج أن يباشر زوجته في غير المحل الطبيعي للمباشرة ، اعتمادا على ما يفهمه من تعبير"أنى شئتم " وعلى ما نقل خطأ عن بعض الأئمة، وقد جاء في البخارى ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال : كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول ، فأنزل الله قوله تعالى {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } وفى لفظ مسلم "إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية -والمجبية المنكبة على وجهها- غير أن ذلك في صمام واحد " والصمام الواحد هو المحل الطبيعي ، وهو موضع الحرث والولد .
وفي المسند عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم : هلكت ، قال "وما أهلكك "؟ قال : حولت رحلى البارحة . فلم يرد عليه شيئا، فأوحى الله إليه {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر .
وذكر الشافعي : بسند وثق رجاله أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال "حلال " فلما ولى دعاه فقال "كيف قلت : في أي الحرثتين أو فى أى الحرزتين أو في أى الخصفتين ؟ أمن دبرها في قبلها فنعم ، أم من دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحى من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن " وفي بعض الروايات التعيير بالحشوش والمحاش .
إن لفظ "أنى" في الآية يطلق على معان ثلاثة ، أين ومن أين وكيف .
والمعنى الثالث هو المقصود منها، فالتعميم في الحال لا في المكان كما بينته السنة الصحيحة ، والحرث هو الذي ينبت الزرع وهو الولد .
وقال مجاهد : سألت ابن عباس عن هذه الآية فقال : تأتيها من حيث أمرت أن تعتزلها ، يعني فى الحيض ، لأن هذه الآية متصلة بآية الحيض .
ومن هنا يعلم خطأ من نسب القول إلى الإتيان في غير ذلك إلى بعض الأئمة فهو مجمع على حرمته ، وتفصيله في شرح الزبيدى للإحياء "ج 5 ص 375" وزاد المعاد لابن القيم وخلاصته فى الجزء الثالث من موسوعة : الأسرة تحت رعاية الإسلام

(9/467)


زينة المعتدة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى الزينة الممنوعة على الزوجة التى توفى عنها زوجها ؟

الجواب
الزوجة التى توفى عنها زوجها يجب عليها أن تعتد، أي تمكث بلا زواج حتى تضع حملها إن كانت حاملا، أو يمر عليها أربعة أشهر وعشرة أيام إن كانت غير حامل ، كما جاء في قوله تعالى{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} البقرة : 234 ، وقوله {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } الطلاق : 4 .
ويحرم عليها أثناء العدة أمور تتنافى مع الحزن والأسف لفراق الزوج ، والوفاء لحق الحياة الزوجية، والمساعدة على عدم طمع أحد في زواجها حتى تنتهي عدتها .
فيحرم عليها التزين بأية زينة تتنافى مع هذه الحكمة ، وكانت للعرب في الجاهلية مظاهر استمر النساء عليها حتى جاء الإسلام فأقر بعضها وأبطل الآخر. وليس هناك ما يمنع من القياس على ما كان عند الجاهلية مما لم يبطله الإسلام عند عدم ورود النص فيه .
فالطيب بجميع أنواعه حرام ، وكذلك زينة بدنها من خضاب ومساحيق وكحل وما إلى ذلك ، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على النهى عن الخضاب ، للتنبيه على ما شاكله أو كان أعظم منه منافاة لمقصود الإحداد ، وكل ذلك ممنوع ليلا ونهارا ، ففى سنن أبي داود عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا تكتحل ولا تختضب " .
لكن لو احتيج لشيء من ذلك على سبيل التداوى فلا مانع منه ، ويرخص فيه بقدر الضرورة ، بدليل ما ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب " [وهو برود من اليمن يعصب غزلها ثم يصبغ ثم ينسج مصبوغا فيخرج ملونا-وقيل هو النبت الذي يصبغ به لا الزينة ] "ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت - أى من الحيض -في نبذة من قسط أو أظفار" نوعان من البخور .
وهذا القول هو ما عليه جمهور الفقهاء ، كمالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي وغيرهم . ويقاس عليه كل ما لم يقصد به الزينة كالقطرة السائلة والجافة والأصباغ الطبية التى توضع على الجروح وغيرها ، ولا تمنع المحدة من تقليم الأظفار، وإزالة الشعر المندوب إزالته وكل ما يقصد به النظافة لا الزينة .
وكذلك يحرم على المحدة لبس الثياب التي يقصد منها الزينة أيا كان لونها أو نوعها ، والعرف يختلف في تقدير الزينة من هذه الملابس ، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا ما كان نساء العرب قد اعتدنه ، فنهى عن الثوب المصبوغ للزينة .
وكذلك يحرم عليها لبس الحلى بجميع أنواعه ، فهو للزينة قطعا، وقد صح عن الصحابة نهيهم عن ذلك كابن عمر وابن عباس وأم سلمة وعائشة رضى الله عن الجميع

(9/468)


الولد للفراش

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تزوج رجل بفتاة وبعد ثلاثة أشهر اكتشف خيانتها فطلقها، وبعد ثلاثة أشهر تزوجت برجل آخر وبعد ستة اشهر وضعت طفلا وتوفيت على الأثر فلمن ينسب هذا الطفل ؟

الجواب
ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "الولد للفراش وللعاهر الحجر "رواه البخاري ومسلم ، وقد ولد هذا الطفل على فراش الزوجية الأخيرة .
فهو ينسب إلى هذا الأب الثاني ، ومدة الحمل هي من ستة أشهر من حين اجتماع الزوجين أو من حين العقد على خلاف فى ذلك . فقد روى أن رجلا تزوج امرأة فولدت لستة أشهر، فهم عثمان رضي الله عنه برجمها، فقال ابن عباس : لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم قال تعالى{وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وقال {وفصاله في عامين } فلم يبق للحمل إلا ستة أشهر وقد درأ عثمان الحد ، واشتهر ذلك بين الصحابة ولم ينكره أحد، فلو ولدته قبل ستة أشهر من الدخول أو الخلوة فلا يثبت نسبه إلا إذا ادعاه الزوج .
أما العقاب فأمره متروك إلى الله ، لأنه هو الذي يعلم السر كله فى هذا الموضوع ، وليسن لنا إلا الحكم بالظاهر، حفاظا على الأعراض والأنساب ومنعا للفتنة

(9/469)


بيت الطاعة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى إلزام القضاء للزوجة العاصية بالدخول في بيت الطاعة، وكيف تدخل الزوجة التي لا تطيق العيش مع زوجها في هذه الطاعة بإرغامها بالحكم القضائي ، وهل وردت هذه الطاعة فى القرآن أو السنة ؟

الجواب
من الأوضاع الشاذة التى تضطر الزوجة إليها من أجل الحفاظ على حق النفقة ، وبخاصة إذا كان عن طريق التحاكم إلى القضاء- ما يسمى ببيت الطاعة .
فالرجل يعمد إلى مسكن لا يرضى أن يسكنه هو، بل ولا يرضى لابنته أو أخته أن تسكنه ، ويقدم إليها من الطعام والشراب في هذا السجن ما يتنافى مع الكرامة الإنسانية ، وذلك كله من أجل التضييق عليها حتى تفتدى نفسها منه ليطلقها، وقد أمر الله سبحانه بإحسان عشرتها في المسكن والنفقة وحرم الإضرار بها لتطلب الطلاق منه فقال {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن } الطلاق : 6 ، إن هذه المعاملة تتنافى مع الوصية بالإحسان إليهن ومعاشرتهن بالمعروف . وقد يحمل عناد المرأة على عدم تمكن زوجها من الوصول إلى غرضه .
وأقول : إذا عرف كل من الزوجين حقه وواجبه نحو الآخر وجب التنفيذ بدقة وإخلاص ، فإذا ساء التفاهم بينهما أوصيهما بقول الله تعالى{فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} البقرة : 231 .
وإذا فشل التحكيم في التوفيق فليتفرقا ليغنى الله كلا من سعته ولا داعى للعناد الذي يجر إلى ما لا يرضاه الله ، وأذكرهما بالحديث الشريف "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وليحذر كل منهما أن ينعكس خلافهما على أولادهما ، وينتقم الله من الظالم في شخص ولده أو بنته عند الزواج

(9/470)


عدة من استؤصل رحمها

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كيف تعتد المرأة عدة الطلاق لو استؤصل رحمها ولم تعد تحيض ولا تحمل ؟

الجواب
المرأة المطلقة إما حامل وإما غير حامل ، وغير الحامل إما أن تحيض أو لا تحيض ، والتى لا تحيض إما أن الحيض لم يأتها بعد لصغرها ، وإما أنه انقطع بعد أن كان يأتيها لكبر سنها مثلا، ولكل حكمه فى العدة :
فالحامل عدتها تنتهى بوضع الحمل ، كما قال تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } الطلاق : 4 ، وغير الحامل التى تحيض عدتها بالأقراء ، وهى الأطهار أو الحيضات ، كما قال تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} البقرة : 288، والتى لم يأتها الحيض لصغرها عدتها بالأشهر وهى ثلاثة قمرية، ومثلها التى انقطع حيضها لليأس منه بكبر سنها ، كما قال تعالى { واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائى لم يحضن } الطلاق : 4 ، واليأس إما طبيعى أو عارض ومن استؤصل رحمها ولم تعد تحيض بعد، قد عرض لها اليأس فتعتد بثلاثة أشهر .
لأنها يئست من الحيض .
هذا ، والأئمة الذين فسروا القرء بأنه الطهر هم مالك والشافعى وأحمد فى رواية ، والذين فسروه بالحيض هم أبو حنيفة وأصحابه وأحمد فى رواية ، وقانون الأحوال الشخصية فى مصر أخذ برأى الحنفية فى القرء وهو الحيض

(9/471)


التعامل مع الحائض

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
شاب كان فى سفر طويل ثم حضر فى إجازة قصيرة فوجد زوجته حائضا أو نفساء ويريد أن يتمتع بها فكيف يتصرف ؟

الجواب
يقول الله سبحانه { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } البقرة : 222 .
تنهى الآية عن قربان الحائض حتى تطهر والطهر يكون بالغسل عند جمهور للعلماء ، فيحرم الجماع قبله ، وقال أبو حنيفة : يجوز الجماع بمجرد انقطاع الدم ولو قبل الغسل إذا كان الانقطاع لأكثر مدة الحيض ، فإن انقطع قبل ذلك حرم إلا بعد أن تغتسل أو تتيمم أو يمضى عليها وقت صلاة ، والقربان يصدق بالجماع وبغيره ، أما الجماع فهو حرام باتفاق العلماء، ويؤكد حرمته ما نصت عليه الآية وما اقره المختصون من الأذى .
وأما غير الجماع فقد ورد فيه قول النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن فى البيوت فسأل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله هذه الآية وقال صلى الله عليه وسلم " اصنعوا كل شىء إلا النكاح " وكل شىء ما عدا النكاح جائز فيما عدا ما بين السرة والركبة، كالقبلة وغيرها ، تقول السيدة عائشة رضى الله عنها : كنت أشرب وأنا حائض ، ثم أناوله النبى صلى الله عليه وسلم-أى تناوله الإناء - فيضع فاه على موضع فمى فيشرب ، وأتعرق العرق -أى العظم الذى عليه بقية من لحم - وأنا حائض ثم أناوله النبى صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على فمى رواه مسلم ، وتقول أم المؤمنين ميمونة رضى الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معى وأنا حائض ، وبينى وبينه ثوب ، رواه مسلم أيضا ، كما روى مثل هذا عن أم سلمة ، قال النووى تعليقا على ذلك : قال العلماء : لا تكره مضاجعة الحائض ولا قبلتها ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة ولحت الركبة، ولا يكره وضع يدها فى شيء من المائعات ، ولا يكره غسل رأس زوجها أو غيره من محارمها وترجيله ، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك من الصنائع ، وسؤرها-بقية شربها - وعرقها طاهران ، وكل هذا متفق عليه .
أما الاستمتاع بما بين السرة والركبة من غير جماع فالآراء فيه مختلفة، فأبو حنيفة ومالك والشافعى يحرمونه ، بدليل ما سبق عن ميمونة وأم سلمة من اضطجاع الرسول معها مع وجود ثوب حائل كما روى البخارى عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر فأتزر فيباشرنى وأنا حائض .
وروى أحمد وغيره عن عمر أنه سأل الرسول عما يحل للرجل من امرأته وهى حائض فقال " له ما فوق الإزار " .
أما أحمد بن حنبل فقد أباح الاستمتاع بما بين السرة والركبة، بناء ، على فهمه من اعتزال النساء فى المحيض أنه نهى عن موضع الحيض وهو الفرج لا غير، وهو احتمال لا يدل على الحرمة فى غيره ، مع عموم قوله صلى الله عليه وسلم " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " وقال بقول أحمد الثورى وإسحاق ، ومن قبلهم عطاء وعكرمة والشعبى، ورأى الجمهور أقوى .
وهنا يثار سؤال ، هل تجب كفارة على من وطئ زوجته وهى حائض ؟ هناك رأيان ، رأى يقول بوجوب كفارة ، بناء على حديث رواه أبو داود والنسائى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى ذلك "يتصدق بدينار أو نصف دينار " ورأى لا يقول بذلك ، بناء على حديث رواه ابن ماجه " من أتى كاهنا فصدقه بما قال ، أو أتى امرأة فى دبرها ، أو أتى حائضا فقد كفر بما أنزل على محمد " صلى الله عليه وسلم ، حيث لم يذكر الحديث كفارة ، ولأنه وطء نهى عنه لأجل الأذى فأشبه الوطء فى الدبر .
وعلى هذا الرأى أبو حنيفة ومالك وأكثر أهل العلم ، والشافعى له قولان فى ذلك .
وعلى القول بوجوب الكفارة هناك روايتان فى مقدارها ، رواية تقول :
إنها دينار أو نصف دينار، وأخرى تقول : إن كان الدم أحمر أو فى أوله فدينار وإن كان أصفر أو فى آخره فنصف دينار .
ولو كان من فعل ذلك جاهلا بالحكم أو ناسيا هل تجب عليه ؟ قيل تجب وذلك لعموم الخبر ، وقيل لا تجب ، لحديث " رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " رواه ابن ماجه .
والمرأة المختارة المطاوعة قيل تجب عليها كفارة، وقيل لا تجب لعدم تناول النص لها

(9/472)


انقطاع الدم ثم عودته

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يحدث أن الحائض أو النفساء ينقطع دمها بعض الأيام ثم يعود، فهل تحسب أيام الانقطاع طهرا أم حيضا ونفاسا ؟

الجواب
أقل مدة الحيض مختلف فيها بين لحظة ويوم وليلة وثلاثة أيام بلياليها، وأكثرها عشرة أيام عند الحنفية وخمسة عشر يوما عند غيرهم .
وغالبه ستة أو سبعة ، وأقل مد النفاس لحظة وأكثره عند بعضهم ستون يوما وعند البعض الآخر أربعون وغالبه أربعون يوما .
وعند انقطاع الدم فى أثناء الحيض أو النفاس هناك قولان للعلماء ، قول يطلق عليه اسم السحب ، أى سحب حكم الحيض والنفاس على مدة الانقطاع ، وهو قول الحنفية ، بصرف النظر عن قصر مدة الانقطاع وطولها، وقول يطلق عليه اسم اللقط أى لقط أيام الطهر وعدم سحب حكم الحيض والنفاس عليها ، وهو قول الشافعية والمالكية إذا بلغت مدة الانقطاع خمسة عشر يوما أو زادت ، فتكون طهرا، وما قبلها نفاس وما بعدها حيض ، فإن قلت مدة الانقطاع عن ذلك انسحب عليها حكم الحيض والنفاس كما يقول الحنفية ، والانقطاع فى النفاس عند أحمد وأكثره أربعون يوما يعتبر طهرا .
وإن تجاوز الحيض أكثره أو النفاس أكثره كان استحاضة لا يجرى عليها حكم الحيض والنفاس .
وإن تجاوز الحيض ما تعودته المرأة ولم يتجاوز أكثر مدته ، كأن كانت عادتها ستة أيام فامتدت إلى ثمانية مثلا عند أبى حنيفة ، أو إلى ثلاثة عشر يوما عند غيره وكذلك إذا تجاوز النفاس ما تعودته النفساء ولم يتجاوز أكثر مدته كان ذلك كله نفاسا

(9/473)


الولى فى الزواج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى المرأة التى تزوج نفسها دون وليها ؟

الجواب
مما درج عليه الناس من قديم الزمان أن تكون هناك كفاءة بين الزوجين ، ومن هنا وجد الاختيار فى قبول أحد الطرفين للآخر عند الخطبة، والمقياس الأول للكفاءة هو الدين الذى يليه فى المرتبة الأخلاق ، وما بعدها يترك للعوامل التى تختلف زمانا ومكانا .
والذى يزن ذلك هو العاقل الحكيم الذى يزن الأمور بميزان العقل البعيد عن حدة العواطف ، وذلك أحرى بالرجال إلى حد كبير، دون إغفال للناحية العاطفية عند المرأة ، فلابد من إشراكها فى الاختيار أيضا ، وبهذا الاشتراك يوجد نوع من التوازن فى تقدير كفاءة الزوج .
وللعلماء فى تقدير الكفاءة وجهان : أحدهما أنها شرط لصحة النكاح متى فقدت بطل العقد، وهو قول الشافعية وأحد الروايتين عن أحمد ، وبه قال أبو حنيفة إذا زوجت العاقلة نفسها ولها ولى عاصب لم يرض بالزواج قبل العقد ، والوجه الثانى أنها شرط للزوم النكاح ، فيصح العقد بدونها ويثبت الخيار، وهو الرواية الثانية عن أحمد ، والكفاءة بهذا حق للأولياء كما أنها حق للمرأة .
ومن هنا شرعت استشارة البنت ، واحترام رأيها وجاءت فى ذلك نصوص منها : ما رواه مسلم "لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن " قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال "أن تسكت " وفى رواية "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وأذنها سكوتها" ومما يدل على تأكدها حديث البخارى أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهى كارهة وكانت ثيبا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها ، وفى رواية أحمد والنسائى وابن ماجه أن خنساء أو غيرها قالت للرسول -إن أبى زوجنى من ابن أخيه ليرفع بى خسيسته ، فجعل النبى الأمر إليها -أى الخيار-فلما رأت ذلك قالت : أجزت ما صنع أبى ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس للآباء من الأمر شيء . وكانت الأمة "بريرة " متزوجة من العبد "مغيث " فلما عتقت لم ترض أن تبقى معه لعدم التكافؤ، ولم ترض بشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم حين تدخل بينهما ، وفى مصنف عبد الرزاق أن امرأة مات زوجها فى غزوة أحد وترك لها ولدا ، فخطبها أخوه فأراد أبوها أن يزوجها رجلا غيره ، ولما تم الزواج شكت للنبى أن عم ولدها أخذه منها لما تزوجت غيره ، فقال لأبيها "أنت الذى لا نكاح لك ، اذهبى فتزوجى عم ولدك " .
هذا كله فى المشورة واحترام رأى المرأة عند الزواج ، لكن هل لها أن تباشر العقد بنفسها أم الذى يباشر هو ولى أمرها؟ يرى جمهور الفقهاء "مالك والشافعى وأحمد" أن المرأة لا تباشر العقد بنفسها سواء أكانت بكرا أو ثيبا ، لأن العقد هو نهاية المطاف من التشاور، وولى الأمر أرجح رأيا كما تقدم وجاء فى ذلك حديث رواه أصحاب السنن "لا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانية هى التى تزوج نفسها" وحديث آخر من روايتهم "أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل " ثلاث مرات . كما ورد حديث "لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل " رواه ابن حبان . يقول النووى فى شرح صحيح مسلم ، إن العلماء اختلفوا فى اشتراط الولى فى صحة النكاح ، فقال مالك والشافعى : يشترط ولا يصح نكاح إلا بولى وقال أبو حنيفة : لا يشترط فى الثيب ولا فى البكر البالغة ، بل لها أن تزوج نفسها بغير أذن وليها ، وقال أبو ثور: يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها و لا يجوز بغير إذنه ، وقال داود : يشترط الولى فى تزويج البكر دون الثيب اهـ .
هذا ، وإذا كان القانون المصرى يأخذ برأى أبى حنيفة للتيسير، فإن المرأة المصرية التى تريد أن تثبت وجودها وتتمتع بحريتها واستقلالها استغلته استغلالا سيئا ، ورأينا بنات يخرجن عن طاعة أوليائهن ويتزوجن من يردن ، وتعرضن بذلك إلى أخطار جسيمة . وأرى العودة إلى رأى الجمهور فهو أقوى وأحكم ، والظروف الحاضرة ترجح ذلك ، وقد رأى عمر رضى الله عنه إيقاع الطلاق ثلاثا بلفظ واحد ، لسوء استغلال الرجال لما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من إيقاعه مرة واحدة ، وإذا وجدت المصلحة فثم شرع الله

(9/474)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية