صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

خلق الإنسان من علق

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى المناسبة بين خلق الإنسان من علق والتعليم بالقلم فى قوله تعالى : { خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم .الذى علم بالقلم }؟

الجواب
سورة { اقرأ باسم ربك } هى أول ما نزل من القرآن الكريم كما ثبت فى الصحيحين من حديث عائشة رضى الله عنها، ووجه المناسبة بين الخلق من علق والتعليم بالقلم وتعليم العلم أن أدنى مراتب خلق الإنسان كونه علقة ، وأعلاها كونه عالما ، فهو سبحانه امتن على الإنسان بنقله من أدنى المراتب وهى العلقة إلى أعلاها وهى العلم ، قال الزمخشرى : فإن قلت : لم قال " من علق " وإنما خلق من علقة واحدة كقوله تعالى { من نطفة ثم من علقة } قلت : لأن الإنسان فى معنى الجمع كقوله تعالى { إن الإنسان لفى خسر } أى الناس والأكرم هو الذى له الكمال فى زيادة تكرمه على كل كريم ، ينعم على عباده النعم التى لا تحصى ، ويحلم عليهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهى وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقترافهم العظام ، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكريم بإفادة الفوائد العظيمة تكرم ، حيث قال { الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم . ونبه على فضل الكتابة لما فيها من المنافع العظيمة التى لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم الأول ، ولا قيدت الحكم ، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ، ولولا هى ما استقامت أمور الدين والدنيا ، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به .
ويتصل بهذا سؤال عن العلقة السوداء التى أخرجت من قلب النبى صلى الله عليه وسلم فى صغره حين شق فؤاده ، وعن قول الملك :
هذا حظ الشيطان منك ، وقد أجاب الشيخ تقى الدين السبكى بقوله : تلك العلقة التى خلقها الله تعالى فى قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها ، فأزيلت من قلبه عليه الصلاة والسلام ، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يلقى الشيطان فيه شيئا . هذا معنى الحديث ، ولم يكن للشيطان فيه صلى الله عليه وسلم حظ قط ، وإنما الذى نفاه الملك أمر هو فى الجبلات البشرية ، فأزيل القابل الذى لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف فى قلبه عليه الصلاة والسلام .
فقيل له : لم خلق الله هذا القابل فى هذه الذات الشريفة وكان يمكنه ألا يخلقه فيها؟ فقال : لأنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنسانى فلا بد منه ، ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده . انتهى "الدميرى - العلق - حياة الحيوان الكبرى"

(7/425)


عرض الأعمال على الله

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن أعمال الناس ترفع إلى السماء يوم الإثنين والخميس ؟

الجواب
روى الترمذى حديثا قال : إنه حسن ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس ، فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم " وفى هذا دليل على ندب الصوم فى هذين اليومين ، وكان صلى الله عليه وسلم يصومهما ، كما جاء التصريح بذلك فى رواية ابن ماجه عن أبى هريرة .
وعرض الملائكة أعمال العباد على الله فى هذين اليومين أمر تنظيمى وضعه الله سبحانه لحكمة يعلمها هو، وإن كان هو يعلم كل ما فى الكون دون حاجة إلى كتابة الملائكة ورفع ذلك إليه سبحانه ، وهناك حديث رواه النسائى يدل على أن الأعمال ترفع فى شهر شعبان ، وكان الرسول يحرص على صيامه كله أو صيام أكثره لأنه يحب أن يرفع عمله وهو صائم ، فما هى الصلة بين رفع الأعمال فى شعبان ورفعها فى كل أسبوع مرتين فى يومى الاثنين والخميس ؟ إن رفع الأعمال مرتين كل أسبوع ربما لا يقصد به إخبار الله بها فهو كما قلت -غنى عن هذه الوسائل ولعل القصد منه حث العباد على الطاعة وتحذيرهم من المعصية ، فالمتابعة مستمرة حاضرة غير غائبة ، وقد يوضح ذلك عمل امتحانات للمتعلمين فى أثناء السنة الدراسية، حتى لا يتكاسلوا عن المذاكرة إلى أن يقرب امتحان اخر العام فهناك يكون الجد والتعب ، لأن نتيجته هى المهمة .
وعلى هذا الضوء يمكن فهم المقصود من عرض الأعمال فى الأسبوع مرتين ، تمهيدا للعرض العام فى كل سنة فى شهر شعبان ، ثم العرض الأكبر يوم القيامة ليقرأ كل إنسان ما كتب عليه ، ويعرف النتيجة النهائية للنشاط الذى باشره طول حياته فى الدنيا .
الزرقانى فى شرحه للمواهب اللدنية عن الصيام فى شهر شعبان ورفع الأعمال أشار إلى أن هذا الرفع هو رفع خاص ولم يوضح الخصوصية التى فيه ، فلنترك الأمر لله ولنقبل على الطاعة ولنبادر بالتوبة من المعصية، حتى تبيض وجوهنا يوم العرض على الله سبحانه

(7/426)


الكفر والشرك

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هناك فرق بين الكفر والشرك ؟

الجواب
الكفر فيه معنى الستر، وقد يكون سترا ماديا وسترا معنويا ، ومن الستر المعنوى جحود النعمة وعدم الاعتراف بالجميل ، يقول الراغب الأصفهانى فى "المفردات " وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة ، والكفران فى جحود النعمة أكثر استعمالا، ثم يقول : والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتها .
وقد يقال : كفر ، لمن أخل بالشريعة وترك ما لزمه من شكر الله عليه .
قال تعالى{من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } الروم : 44 ، والشرك يقول عنه الراغب الأصفهانى فيه معنى الاشتراك فى شىء مادى أو معنوى، وهو فى الدين ضربان ، أحدهما الشرك العظيم ، وهو إثبات شريك لله تعالى ، وهو أعظم كفر لأنه جحد الوحدانية ، والثانى الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه فى بعض الأمور وهو الرياء والنفاق ، ومنه قوله تعالى{وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } يوسف : 106 ، وقوله تعالى{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} الكهف : 110 ، محمول على الشركين . وأما قوله تعالى{فاقتلوا المشركين } التوبة :5، فأكثر الفقهاء يحملونه على الكفار جميعا ، وقيل هم غير أهل الكتاب .
والخلاصة : أن الشرك كفر بوحدانية الله وعدم إخلاص العبادة لله ، والكفر يطلق على الشرك لأنه جحود بالوحدانية، ويطلق على من يكذب بالنبوة وعلى من يكذب الشريعة فالكافر أعم من المشرك والكفار والمشركون مصيرهم النار خالدين فيها أبدا .
ومن أراد الاستزادة من المعرفة فليرجع إلى الجزء الأول من كتاب "بيان للناس من الأزهر الشريف " ص 138 ففيه بيان الفروق بين الكفر والفسوق والعصيان والنفاق

(7/427)


من مظاهر فضل الله

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن من صلى الصبح ثم جلس حتى تطلع الشمس يكون له ثواب عمرة ؟

الجواب
عن أنس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى الصبح فى جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة" قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تامة تامة تامة " رواه الترمذى وقال : حديث حسن غريب أى رواه راو واحد فقط ، وجاءت رواية أخرى عن أبى أمامة بإسناد جيد للطبرانى بهذا الثواب ، كما جاءت روايات فيها مقال لكن تقبل فى فضائل الأعمال بهذا الثواب وبغيره ، والثابت كما رواه مسلم وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس .
من هنا نعلم فضل صلاة الصبح جماعة فى المسجد والمكث فيه مع الاشتغال بذكر الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلاة الضحى التى أقلها ركعتان . ولا يستبعد أحد أن يكون ثواب ذلك كثواب حجة وعمرة ، ففضل الله واسع ، يقبل القليل ويعطى الجزيل ولذلك نظائر كثيرة منها :
1- فضل ليلة القدر، فإن قيامها خير من ألف شهر كما نص عليه القرآن الكريم .
2- فضل أداء الفرض فى رمضان . ، فثوابه كثواب سبعين فرضا فى غيره ، كما جاء فى حديث سلمان الذى رواه ابن خزيمة فى صحيحه .
3- قراءة {قل هو الله أحد. } تعدل قراءة ثلث القرآن كما رواه مسلم وغيره .
4- النفقة فى سبيل الله يضاعفها الله {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } البقرة : 216 .
5- روى البخارى ومسلم وغيرهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل " .
6- روى البخارى ومسلم وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم قال "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان إلى الرحمن :
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " وغير ذلك كثير فى الشريعة الإسلامية ، يكون العمل قليلا ويكون ثوابه كبيرا ما دام مستكملا لأركانه وشروطه مع الإخلاص لله سبحانه . وهذا تشجيع على الإقبال على طاعة الله بالفعل أو العزم عليه كما جاء فى الصحيح أن من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات .
وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن العمرة فى رمضان تعدل حجة معه كما رواه مسلم فليس معنى ذلك أنها تكفئ عن الحج إذا كان قادرا عليه ، بل لابد من أدائه ، وكذلك إذا كانت صلاة الفريضة فى رمضان تعدل سبعين فريضة فيما سواه فليس معنى ذلك أن من ترك سبعين صلاة تكفى عنها صلاة واحدة فى رمضان ، بل لا بد من قضاء كل ما فات ، وكذلك إذا صح الحديث كما رواه مسلم أن الصلاة فى مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، فليس المراد أن الصلاة الواحدة تكفى عن ألف صلاة تركها ، ومثل ذلك ما رواه أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه - لا يعنى أن يهمل الإنسان فى الصلاة سنوات طويلة ثم يعوض كل ما فات بصلاة واحدة أو اكثر قليلا فى المسجد الحرام

(7/428)


التوكل والتواكل

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما الفرق بين التوكل والتواكل ؟

الجواب
حقيقة التوكل من الصعب تعريفها كما تعرف الأمور الأخرى بماهياتها ، وإنما يعرف التوكل بآثاره . كما قال العلماء فى التيار الكهربائى ، وقد قال الإمام الغزالى - وهو الفيلسوف الصوفى الفقيه الأصولى فى حديث التوكل : إنه غامض من حيث العلم . ثم هو شاهد من حيث العمل ، ووجه غموضه من حيث الفهم أن ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك فى التوحيد، والتثاقل عنها بالكلية طعن فى السنة وقدح فى الشرع ، والاعتماد على الأسباب من غير أن ترى أسباب تغيير فى وجه العقل وانغماس فى غمرة الجهل ، وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق مع مقتضى التوحيد والنقل والشرع فى غاية الغموض والعسر، ولا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدة الخفاء إلا سماسرة العلماء .
وقد أطال الغزالى فى توضيح ذلك ، ولكن بعبارة بسيطة يمكن أن أقول : إن التوكل هو الإيمان بأن الله سبحانه هو الواحد المتفرد بالخلق ، ومنه كل النعم ، وإليه المرجع والمصير، مع إظهار مسحة هذا الإيمان على السلوك فى القول والعمل ، وامتثال أمر الله والسير على منهجه الذى أوحى به إلى الرسل .
ولو طبقنا هذا المعنى فى طلب الرزق مثلا فلابد فى التوكل من الإيمان بأن السعى والجد فى العمل وحده لا يمكن أن يوصل إلى النتيجة إلا بإرادة الله سبحانه ، فقد يكون هناك سعى وجد وعمل ولا يكون من وراء ذلك تحقيق ما يريده الإنسان ، فلا بد من الأمرين :
الأخذ فى الأسباب ثم تفويض الأمر إلى الله سبحانه وانفراد واحد منهما عن الأخر خطأ . فالأخذ بالأسباب دون التفويض لله يناقض الإيمان ، وربما لا يوصل إلى المطلوب ، والتفويض لله فقط دون الأخذ بالأسباب تعطيل لقانون الله وعدم امتثال لأمره بالسعى والعمل ، وهذا ما يعرف بالتواكل .
وعلى ضوء ذلك من يقتصر على الإيمان بقوله تعالى{وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها} هود : 6 ، دون تنفيذ لقوله تعالى { هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه } الملك :15 ، يكون مخطئا ويطلق عليه اسم المتواكل ، يوضح ذلك ما حدث أن رجلا ترك ناقته على باب المسجد النبوى وقال للرسول صلى الله عليه وسلم هل أتركها بدون عقل -قيد- وأتوكل على الله ليحفظها أو أعقلها - أقيدها بالعقال ؟ فقال له "قيدها وتوكل " رواه ابن خزيمة والطبرانى بإسناد جيد .
وقد يوضح هذا أيضا قول النبى صلى الله عليه وسلم " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " رواه الترمذى وقال: حسن صحيح فالطير تبارح الأعشاش لتطلب رزقها ولا تنتظر وتفتح أفواهها لينزل لها الرزق من السماء وهى راقدة فى الأغشاش .
يقول أبو الفتوح الرازى الواعظ المفسر الفارسى المولود بالرى فى أواخر القرن الخامس الهجرى :
توكل على الرحمن فى كل حاجة * ولا تتركن الجد فى شدة الطلب ألم تر أن الله قال لمريم * وهزى إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه * جنته ولكن كل شىء له سبب [ مجلة الإخاء العدد 193 فى إبريل 1971 م بقلم محمد على رزم آشين ] والموضوع طويل يراجع فى "إحياء علوم الدين " للأمام الغزالى ج 4 ص 210

(7/429)


لماذا خلق الله الدنيا

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لماذا خلق الله الدنيا ؟

الجواب
الدنيا جزء من العالم الذى خلقه الله ، والعالم كل ما سوى الله من حيوان ونبات وجماد ، وملائكة وأرواح وجنة ونار، وغير ذلك وهذا الخلق أثر من آثار صفاته التى تحقق له الألوهية ، خلقه بقدرته وبإرادته وأبدعه بعلمه وبحكمته ، وبسط سلطانه عليه بالأمر والنهى والثواب والعقاب . {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون } الأنبياء : 23 ، والدنيا هى الحياة الأولى قبل الحياة الآخرة ، وهى حياة فانية كما قال سبحانه عندما أهبط آدم إلى الأرض : {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين } الأعراف : 24 ، وهى دنيا فى المكانة والمنزلة بالنسبة للأخرى التى فيها النعيم الدائم الخالد للمؤمنين ، والعذاب الدائم الخالد للكافرين . {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} النساء :
77 ، والدنيا مزرعة للآخرة، وهى دار تكليف يجازى على العمل فيها بالثواب والعقاب ، وهى ليست مذمومة على كل حال إلا فيما نهى الله عنه كما فى الحديث "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم " رواه الترمذى وغيره وقال حسن صحيح .
وفى كلام الإمام على : "الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة" 000 (انظر المحاسن والمساوى للبيهقى ج 2 ص 44 ) هذا بعض تفسير للسر فى خلق الله للدنيا، وهو سبحانه أعلم بالحقيقة ولا معنى للانشغال بذلك فالمهم هو العمل الصالح فيها لنسعد به فى حياتنا الآخرة التى هى المصير الحتمى لكل من يعيش فى هذا العالم

(7/430)


نزول جبريل بعد النبى صلى الله عليه وسلم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل نزل جبريل إلى الأرض بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم ؟

الجواب
جاء فى " الحاوى للفتاوى " للسيوطى أن إنكار الناس لنزول جبريل بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم لا أصل له ، ثم استدل على ذلك بما أخرجه الطبرانى فى معجمه الكبير عن ميمونة بنت سعد قالت : قلت : يا رسول الله هل يرقد الجنب ؟ قال " ما أحب أن يرقد حتى يتوضأ، فأنى أخاف أن يتوفى فلا يحضره جبريل " .
فدل هذا على أن جبريل يحضر موتة المؤمن المتطهر. وكذا استدل بما أخرجه الطبرانى عن ابن مسعود مرفوعا فى وصف الدجال الذى جاء فيه : ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم ، فيقول : من أنت ؟ فيقول :
أنا جبريل ، بعثنى الله لأمنعه من حرمه .
كما استدل بقوله تعالى في ليلة القدر{ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم } القدر: 4 ، حيث قال الضحاك : إن الروح هنا جبريل ، وأنه ينزل هو والملائكة فى ليلة القدر ويسلمون على المسلمين وذلك فى كل سنة أنتهى .
والذى جر إلى الاعتقاد بعدم نزوله حديث " لا وحى بعدى " فالذى ينزل بالوحى جبريل ، والجواب أن الحديث موضوع ، ولو فرضت صحته فالمنفى نزوله للوحى إلى الأنبياء بشرع ، لكن قد ينزل لغير ذلك كتبليغ خبر لا يتعلق بتشريع ، ففى مسلم " أوحى الله تعالى إلى عيسى أنى أخرجت عبادا لى لا يد لأحد بقتالهم فحول عبادى إلى الطور- وهم يأجوج ومأجوج ، ( مذكرات التوحيد ج 3 ص 150 ) .
ومهما كانت قيمة الاستدلال بهذه الأدلة على نزول جبريل فإن ذلك أمر ليس من أصول العقيدة الإسلامية ، والبحث فيه ينبغى أن يحملنا على ما احتوته هذه الأدلة من الحرص على الطهارة، ومن إحياء ليلة القدر

(7/431)


التفاضل بين الملائكة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
عرفنا أن الله سبحانه قال " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض " فهل هناك تفضيل لبعض الملائكة على بعض ؟

الجواب
ذكر القسطلانى فى المواهب اللدنية " ج 2 ص 46 " أن الملائكة بعضهم أفضل من بعض وأن أفضلهم جبريل الروح الأمين المزكى من رب العالمين ، المقول فيه من ذى العزة { إنه لقول رسول كريم . ذى قوة عند ذى العرش مكين . مطاع ثم أمين } التكوير : 19 - 21 ، فوصفه بسبع صفات ، فهو أفضل الملائكة الثلاثة الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق ، وهم ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل . انتهى .
وجاء فى شرح المواهب للزرقانى (ج 6 ص 44 ا) أن أعلى الملائكة درجة : حملة العرش الحافون حوله ، فأكابرهم أربعة ، فملائكة الجنة والنار فالموكلون ببنى آدم ، فالموكلون بأطراف هذا العالم ، كذا ذكره الرازى . انتهى .
وإذا كان جبريل أفضل الملائكة الموكلين ببنى آدم ، لما سبق من وصف الله له فى القرآن ، فإن هناك خلافا فى التفاضل بينه وبين إسرافيل ، ولم يصح فى ذلك شىء كما قال السيوطى فى " الحبائك " والآثار متعارضة ، وذكر الزرقانى روايات متعددة رأيت الإعراض عنها لعدم جدواها فى حياتنا العملية ، ولسنا مكلفين باعتقاد ذلك ، ومن كان عنده نهم للمعرفة فليرجع إليه

(7/432)


التفاضل بين الملائكة والبشر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الملائكة أفضل من البشر، أم البشر أفضل منهم لأنهم أمروا بالسجود لأبيهم آدم ؟

الجواب
يقول الله سبحانه { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس } الحج :
75 .
تدل الآية على أن الملائكة والناس يصطفى الله منهم رسلا، لكن هل الاصطفاء بصورة واحدة وعلى مستوى واحد، أم أن هناك امتيازا لنوع منهما على نوع آخر؟ ليس فى ذلك نص من قرآن أو سنة صحيحة، والخوض فى ذلك قد يؤدى إلى تنقيص بعضهم أو الغض منه ، ولا توجد له أهمية بالنسبة لحياتنا العملية، لكن العلماء القدامى أثاروا هذه المسألة وهذا طرف من ذلك :
ذكر القسطلانى فى المواهب اللدنية " ج 2 ص 45 " أن هناك اختلافا فى التفاضل بين الملائكة والبشر، فقال جمهور أهل السنة والجماعة :
خواص بنى آدم وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش والمقربون والكروبيون والروحانيون [ الكروبيون ملائكة العذاب والروحانيون ملائكة الرحمة فى بعض الأقوال ] .
وخواص الملائكة أفضل من عوام بنى آدم وهم من عدا الأنبياء من الصالحين .
وذلك بالإجماع كما قال التفتازانى بل بالضرورة ، وعوام بنى آدم أفضل من عوام الملائكة ، ولذلك عدة مبررات : منها ، أن مجموع الملائكة أمروا بالسجود لمجموع البشر الممثلين فى آدم ، والمسجود له أفضل من الساجد ، فإذا ثبت تفضيل الخواص من البشر وهم الأنبياء على الخواص من الملائكة بالسجود لآدم ثبت تفضيل العوام على العوام .
فعوام الملائكة خدم عمال الخير وهم صلحاء المؤمنين ، والمخدوم له فضل على الخادم ، ومنها أن المؤمنين ركب فيهم الهوى والعقل مع تسليط الشيطان عليهم بوسوسته ، والملائكة ركب فيهم العقل دون الهوى أى الشهوة ولا سبيل للشيطان عليهم ، فالإنسان - كما قاله التفتازانى فى شرح العقائد النسفية -يحصل الفوائد والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق والموانع من الشهوة وشواغل الأمور الضرورية عن اكتساب الكمالات . ولا شك أن العبادة واكتساب الكمال مع الشواغل والصوارف أشق وأدخل فى الإخلاص فيكون الإنسان أفضل .
وذهب المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة من أهل السنة إلى تفضيل الملائكة ، وتمسكوا بنحو عشرين وجها ، ذكر القسطلانى منها أربعة لا داعى لذكرهما ، فهى ترف عقلى لمن أراد ، فليرجع إليه ، وقد وضح هذه النقطة أيضا القرطبى فى تفسير "ج 1 ص 289 " وكذلك فى الجزء العاشر " ص 294 " قائلا: وعلى الجملة فالكلام لا ينتهى فى هذه المسألة إلى القطع ، وقد تحاشى قوم من الكلام فى هذا ، كما تحاشوا من الكلام فى تفضيل بعض الأنبياء على بعض ، إذ فى الخبر "لا تخايروا بين الأنبياء، ولا تفضلونى على يونس بن متى " وهذا ليس بشىء لوجود النص فى القرآن فى التفضيل بين الأنبياء .
ولعل النهى عن التفضيل يقصد به ما يثير فتنة وتعصبا، فالمقطوع به تفضيل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . حتى على الملائكة كما قاله المحققون

(7/433)


قتال الملائكة يوم بدر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يشكك بعض الناس فى قتال الملائكة يوم بدر، قائلين إن المسلمين انتصروا بجهودهم ، ولو كان الانتصار بسبب قتال الملائكة ما كان لهم فضل ، فما مدى صحة هذا الكلام ؟

الجواب
تحدث القرطبى فى تفسير قولة تعالى { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون . إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين . بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } آل عمران : 123 - 125 ، وقال : إن الله أمد بملائكته نبيه والمؤمنين فى قول جماعة العلماء . وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت . ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان شهيد بدر: لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأرينكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أمترى - وأبو أسيد يقال إنه اخر من مات من أهل بدر .
ثم ذكر القرطبى حديثا رواه مسلم عن عمر بن الخطاب جاء فيه دعاء النبى صلى الله عليه وسلم ربه لما رأى كثرة المشركين قائلا " اللهم أنجز لى ما وعدتنى ، اللهم آت ما وعدتنى ، اللهم إن تهلك هذه العصابة - الجماعة - من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض " وما زال يهتف وأبو بكر يقول له :كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين " فأمده الله تعالى بالملائكة . ثم قال القرطبى : فتظاهرت السنة والقرآن على ما قاله الجمهور والحمد لله .
ولم تكن مهمة الملائكة هى التثبيت فقط لقلوب المؤمنين بل باشروا القتال بالفعل كما قال رب العزة { إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا ، سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " الأنفال : 12 ، وكان منهم ملكان عن يمين الرسول و يساره وعليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ، يقول سعد بن أبى وقاص : ما رأيتهما قبل ولا بعد " القرطبى ج 4 ص 190 " .
وفى حديث مسلم عن غزوة بدر قول ابن عباس : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم ، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا ، فنظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق وجهه فاخضر ذلك أجمع .
فجاء الأنصارى فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " صدقت ، ذلك من مدد السماء الثالثة" فقتلوا يؤمئذ سبعين وأسروا سبعين "القرطبى ج 4 ص 193 "وفى ص 194 عن سهل بن حنيف قال : لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه ، وعن الربيع بن أنس قال : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به ذكره البيهقى .
يؤخذ من هذا ومن غيره أن الملائكة باشرت القتال بالفعل ولم يكن دورهم هو التثبيت فقط ، وهذا ما يدل عليه ظاهر النصوص ولا حاجة لتأويلها، كما زعم بعض الناس أنهم حضروا فى بدر للدعاء بالتثبيت لا غير .
والمهم أن نأخذ العبرة من ذلك بأن الله سبحانه يمد المؤمنين الصادقين بوسائل النصر إن استغاثوه ولم يعتمدوا على أنفسهم وقوتهم ناسين ربهم ، فالله سبحانه بيده كل شىء { وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } آل عمران : 126 ،{ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } محمد : 7 ، { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } الروم :
47

(7/434)


قياس سرعة الملائكة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
قرأنا فى الصحف أن هناك محاولة لقياس سرعة الملائكة بسرعة الضوء والسرعات المعروفة لنا، فهل يصح هذا أم لا يصح ؟

الجواب
الإسلام حث على النظر والتفكر فى ملكوت السموات والأرض ، وشجع على ذلك تشجيعا ورد فى كثير من آيات القرآن الكريم ، وذكر الحكمة منه بأن فيه ايات وعلامات لذوى العقول النيرة يدركون بها من أسرار الكون ما يحملهم على الإيمان بخالقه ، أو تعميق الإيمان به لمن سبق له الإيمان كما أن من أهداف الحث على النظر الشامل : الانتفاع بما سخر الله فى الكون انتفاعا يساعد على أداء رسالة الإنسان فى الحياة وتحقيق الخلافة فى الأرض . غير أن عقل الإنسان له حدود لا يستطيع معها أن يدرك كل الأسرار، وحواسه التى تقدم له التصورات مجالاتها محدودة كما ثبت علميا ، وبالتالى تكون النتائج والمعطيات العقلية محدودة أيضا ، وهناك من الأمور الغيبية التى يتوقف العلم بها على الخبر الصادق من الرسل المبلغين عن الله ما لا مجال للعقل فيه ، ضرورة أنه لا يدرك بالحواس ، والخبر إذا صدق كان مجال العقل فيه بعيدا عن النفى والإثبات ، وإن كانت ، له صولات وجولات فى ببان حكمته مثلا. وعلى فرض عدم وصوله إلى إدراك الحكمة فإن ذلك لا يؤثر على وجوده ، فلا تلازم بينهما. والملائكة من عالم الغيب الذى يجب الإيمان به كما ورد وفى هذا النطاق فحسب ، وللملائكة خواص ليست للبشر ولا للعالم المادى المعروف ، { جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } فاطر: ا ، { عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } التحريم : 9 ، { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون } الأنبياء : 19 ، 25، { تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} المعارج : 4، إلى غير ذلك من النصوص الواردة فى القرآن والسنة . وما دامت لهم خواص غير خواص سائر المخلوقات ، فإن محاولة قياس أحوالهم فى السرعة وغيرها على السرعة المعروفة لنا محاولة غير كافية للوصول إلى نتيحة صحيحة، ذلك لأن القياس ، كما هو معروف ، قياس مع الفارق . وما تصل إليه هذه الأبحاث لا يلزمنا تصديقها فهى لم تصل بعد إلى درجة الحقائق العلمية المسلمة ، والفروض والظنون لا يجوز أبدا أن نحمل عليها آيات القرآن ، أو نفسرها على ضوئها .
ونحث الباحثين - مع تسليمنا بموقف الإسلام من النطر فى الكون وهو التشجيع - على أن يكون نشاطهم فى النطاق الذى يمس مشاكلنا مسا قويا فى المجال الفكرى والاجتماعى والأخلاقى الذى نصل به إلى المستوى اللائق بنا ، وإذا صدقت النية فى البحث كانت معونة الله بالتوفيق

(7/435)


هاروت وماروت

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن هاروت وماروت كانا من الملائكة وعاقبهما الله على معصيته ؟

الجواب
قال تعالى { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله . . . } البقرة : 102 ، . جاء فى كتب التفسير أنهما ملكان هبطا إلى الأرض وفتنا، فعاقبهما الله بتعليقهما من أرجلهما ، وكلام المفسرين - على جلالة قدرهم - ليس حجة فى هذا المقام ، فهو منقول عن تراث البابليين وشروح اليهود وكتب النصارى ، وأقرب الأقوال عنهما أن الناس كانوا قد فتنوا بالسحرة حتى رفعوهم إلى مقام الأنبياء ، فأنزل الله ملكين يعلمان الناس السحر ، ليفرقوا بينه وبين النبوة ، ويحذروهم من الفتنة به وبهما .
أو أنهما شخصان كانا يتمتعان بمنزلة كبيرة فى العلم والسلوك ، فتن الناس بهما ، فأطلقوا عليهما اسم الملكين ، من باب التشبيه والمجاز ، وهو إطلاق معروف قديما وحديثا ، حيث يطلق الآن على الشخص الممتاز اسم "ملاك " .
وفى الأساطير البابلية شخصان باسمين مقاربين لهاروت وماروت ، أعجب الناس بهما فأطلقوا عليهما اسم ملكين ، بل زاد الإعجاب بهما فاعتقدوا أنهما من الألهة . وقد أقبل اليهود على تعلم ما تركاه من حكمة وسحر، وشغلوا به عن كتاب الله الذى نبذوه وراء ظهورهم . هذا ، ولا يجوز أن نلتفت إلى ما يقال عن الملائكة مما يتنافى مع عصمتهم ، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، قال تعالى {بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } الأنبياء : 26 ، 127 ، وقال { لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون } الأنبياء : 19 ، 20

(7/436)


سؤال الملائكة عن خلق آدم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
سئل: عندما أخبر الله سبحانه الملائكة بأنه سيخلق بشرا قالوا له : إنه سيكون مفسدا، فكيف عرفوا ذلك ؟

الجواب
قال الله تعالى{وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال إنى أعلم ما لا تعلمون } البقرة :35 ، جاء في كتب التفسير: أن الأرض كانت مسكونة بخلق لم يصلحوا لعمارتها كما أراد الله سبحانه فأهلكهم ، ثم قال سبحانه للملائكة : إنى سأجعل بعد هؤلاء خليفة لإدارة الأرض إدارة صالحة ، فخافوا أن يكون كمن سبقوه من الذين ارتكبوا الجرائم وأفسدوا بالقتل وغيره ، وقالوا : نحن خلق جبلنا على الطاعة لك ، نحمدك بكل كمال هو فيك ، وننزهك عن كل نقص لا يليق بجلالك ، فأخبرهم الله أنه يعلم أن الخليفة الجديد سيصلح ولا يفسد .
فالملائكة ظنت بالقياس على الخلق السابق على آدم أنه سيقتل ويسفك الدماء ، ولم يعلموا أنه سيكون من لحم ودم ، وأن الملائكة لم تكن تعلم الغيب المستقبل لآدم . وليس في هذا الظن علم بالغيب ، ولذلك قال الله {إنى أعلم ما لا تعلمون } وقال {ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } البقرة : 33 ، فعلمهم ظن أساسه القياس ، وعلم الله حق أساسه الكشف واليقين .
وقيل : إن الملائكة تعرف أن الخليفة لن يكون له من علم الله وإرادته المطلقة ما يستطيع أن يحيط بكل شيء علما، أو يعلم علما يقينيا كاملا مرة واحدة بل على التدريج ، وعلى هذا يكون تصرفه غير حكيم ، وبالتالى يكثر الفساد وقيل غير ذلك

(7/437)


هل إبليس من الملائكة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل إبليس من الملائكة لأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم فلم يسجد ، أو هو من الجن ؟

الجواب
معرفة جنس إبليس متوقفة على الخلاف في كونه من الملائكة أولا، وهو قبل معصيته لأمر الله لا يعرف حاله بطريق ثابت ، وكل ما قيل في ذلك منسوب إلى بعض الصحابة . أما بعد الإخبار عن معصيته ففي معرفة جنسه رأيان .
الرأي الأول : أنه من الملائكة ، واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة منها :
أ-ظاهر الاستثناء فى قوله تعالى {فسجدوا إلا إبليس } وهو استثناء مفصل يدل على أنه من الملائكة .
ب -أنه لو لم يكن من الملائكة ما كان أمر الله لهم بالسجود متناولا له ، ولو لم يكن متناولا له استحال أن يكون تركه للسجود إباء معصية، ولما استحق العذاب ، وحيث حصل ذلك علمنا أن الخطاب بالسجود يتناوله ، فهو من الملائكة .
والرأي الثاني أنه ليس من الملائكة ، واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة مها :
ا - قوله تعالى {فسجدوا إلا إبليس كان من الجن } الكهف : 50 .
ب -أن الملائكة معصومون من العصيان لقوله تعالى{عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } التحريم : 6 ، وإبليس عصى واستكبر عن السجود فهو ليس من الملائكة 0 وأدلة الطرفين محتملة ، ومناقشة وبيان ذلك باختصار :
1 -أن الاستثناء قد يكون منقطعا فالمستثنى إبليس وليس من جنس المستثنى منه وهم الملائكة .
21 - أن الأمر بالسجود أصلا هو للملائكة ، وإبليس ملصق بهم لكثرة عبادته ، فلا يوجه إليه أمر خاص ، لأن الأمر العام يكون للكثرة الغالبة .
31-كون إبليس من الجن قد يراد به أنه من العالم المستتر، والملائكة من العالم المستتر أيضا ، قال تعالى {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} الصافات :
158 ، حيث قال الكفار: الملائكة بنات الله .
والدليل الذي جىء له لإثبات أنه ليس من الملائكة بأنهم معصومون ، وإبليس أخطأ دليل قوى ، فإن الثابت أن الجن منهم مؤمنون ومنهم كافرون ، والآيات في ذلك كثيرة وليس في الملائكة كافرون .
ومن أجل أن أغلب أدلة الطرفين مناقشة فلا يمكن القطع برأى في الموضوع ، ولهذا قيل : إن إبليس ليس من الملائكة-ولا من الجن بل هو خلق مفرد من نار، وإبليس يطلق عليه شيطان ، لأن الشياطين هم شرار الجن . فإن منهم أخيارا ، كما يطلق لفظ الشيطان على من تمرد من الإنس والجن والدواب .
ومن أراد تفصيلا أوضح فليرجع إلى كتاب " آكام المرجان " للمحدث الشبلى ، وإلى مجلة الأزهر- المجلد الثامن ، صفحة 566 وما بعدها ، وإلى بحث الجن في هذه الفتاوى

(7/438)


رؤية الحيوانات للملائكة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن بعض الحيوانات ترى ملك الموت عند نزوله إلى الأرض ؟

الجواب
الثابت فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله ، فإنها رأت ملكا ، وإذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان ، فإنها رأت شيطانا" . والثابت أيضا أن فرس أسيد بن حضير أحست بالملائكة التى نزلت تستمع إلى القران ، فاضطربت وكادت تؤذى الولد النائم ، كما رواه البخارى ومسلم . وروى النسائى والحاكم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير فى الليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم ، فإنها ترى ما لا ترون ، وأقلوا الخروج إذا هدأت الرجل ، فان الله يبث فى الليل من خلقه ما شاء " وقال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم .
يؤخذ من هذا أن الحيوانات ترى من مخلوقات الله المغيبة عنا ما لا يراه الإنسان ، لكن الربط بين حيوان بعينه وما يراه إن كان ملكا أو شيطانا يقتصر فيه على ما أخبرنا به النبى صلى الله عليه وسلم بطريق صحيح ، ولم أعثر .
على حديث يعتمد عليه فى الاعتقاد بأن الكلب يرى ملك الموت كما هو شائع بين العامة

(7/439)


مصير الملكين بعد موت الإنسان

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل من الحديث ما يقال : عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله عز وجل وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله فإذا مات قالا: أتأذن لنا أن نصعد إلى السماء ؟ قال :
فيقول الله تعالى: إن سمائى مملوءة بملائكتى يسبحونى . فيقولان فتأذن لنا فنقيم فى الأرض ؟ فيقول الله تعالى : إن أرضى مملوءة من خلقى يسبحونى، فيقولان : فأين نقيم ؟ فيقول : قوما على قبر عبدى، فسبحانى واحمدانى وكبرانى وهللانى، واكتبا ذلك لعبدى إلى يوم القيامة"

الجواب
يقول الله سبحانه { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } الرعد : 11 ، ويقول { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد . إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد . ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ق : 16 -18 ، ويقول النبى صلى الله عليه وسلم "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" .
إن ملائكة الله من عالم الغيب ، لا يعلم عددهم إلا الله ، ولهم أعمال كلفهم الله بها { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } التحريم : 6 ، تفاصيل أحوالهم وأعمالهم لا تقبل إلا عن طريق صحيح ، والاعتقاد لا يقوم إلا على الدليل القاطع فى ثبوته ودلالته .
وقد أخبرت الآية أن لله ملائكة مكلفين بحفظ غيرهم من البشر، مع اختلاف المفسرين فيمن يحفظه المعقبات : هل هو محمد صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره فى آية سابقة " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" أو كل الرسل كما قي دل عليه "ولكل قوم هاد" أو الناس عامة تحفظهم من الوحوش والهوام لطفا من الله ، حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينهم ، كما قاله ابن عباس وعلى رضى الله عنهما ، وقيل الحفظ هو كتابة الأقوال والأفعال ، ونقل القرطبى عن الثعلبى كلاما أن الملائكة الموكلة بكل عبد يبلغون عشرين ومعهم إبليس وولده ، وليس لهذا الكلام دليل يعتمد عليه فى العقائد "ج 9 ص 292- 294 " .
وذكر فى سورة (ق) رقيبا وعتيدا ، وهما الموكلان بكتابة الأعمال ، اثنان بالنهار واثنان بالليل وأن لكاتب الحسنات سلطانا على كاتب السيئات ، يأمره بعدم الإسراع فى الكتابة لعل الإنسان يستغفر فى ظرف سبع ساعات ، كما ذكر الحديث المذكور فى السؤال ، ولم يسنده إلى ثقات المحدثين ، بل رواه بصيغة التمريض التى تدل على عدم الصحة فى اصطلاح المحدثين ، وهى (روى) فالأولى أن نكل العلم إلى الله فيما تقوم به الملائكة مادام لم ينص عليه فى القرآن والسنة الصحيحة

(7/440)


ملك الموت

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو اسم ملك الموت ، وكيف يقبض أرواح الكثيرين فى وقت واحد، ومن الذى يقبض روحه هو، وهل صحيح أنه كان يظهر للناس ، وأنه استأذن النبى ليقبض روحه وأن موسى لطمه ؟

الجواب
نحن مكلفون بالإيمان بالملائكة إجمالا، ولا نكلف بمعرفة أسمائهم إلا ما نص عليه القران أو الحديث الصحيح لأن عددهم كبير كما قال الله سبحانه { وما يعلم جنود ربك إلا هو } المدثر: 31 ، والنص إما على الإسم الشخصى مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل ، ومنكر ونكير، ورضوان خازن الجنة ومالك خازن النار .
وعزرائيل مشهور بأنه هو ملك الموت وإن كان اسمه لم يرد فى القران الكريم .
وإما أن يكون النص على النوع مثل حملة العرش والكتبة الذين يحصون أعمال العباد . والحفظة وغيرهم .
وعزرائيل هو الملك الموكل بقبض الأرواح ، قال تعالى { قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } السجدة : 11 ، ويقال إن الله اختاره لذلك لأنه هو الذى تجرأ وأخذ من تراب الأرض ليخلق الله منه آدم على الرغم من أنها استعاذت من الملائكة الذين حاولوا قبله أن يأخذوا منها التراب ، وهذا كلام وهب بن منبه والزهرى وليس له سند صحيح " مشارق الأنوار للعدوى ص 16" وملك الموت ككل نفس سيموت والذى يقبض روحه هو الله سبحانه .
وجاء فى مشارق الأنوار أيضا "ص 13 " أن له أعوانا بعدد من يموتون ، وأخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضى الله عنهما عن نفسين اتفق موتهما فى طرفة عين ، واحد بالمشرق والآخر بالمغرب كيف قدرة الملك عليهما؟ قال : ما قدرة ملك الموت على أهل المشارق والمغارب والظلمات والهواء والبحور إلا كرجل بين يديه مائدة يتناول من أيها شاء . وأخرج ابن أبى حاتم عن زهير بن محمد قال : قيل : يا رسول الله ، ملك الموت واحد والزحفان يجتمعان بين المشرق والمغرب وما بين ذلك من السخط والهلاك ، فقال "إن الله حوى الدنيا لملك الموت حتى جعلها كالطست بين يدى أحدكم ، فهل يفوته منها شىء " .
وأخرج أحمد والبزار وصححه عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : كان ملك الموت يأتى الناس عيانا ، فأتى موسى عليه السلام فلطمه ففقأ عينه ، فأتى ربه فقال : يا رب عبدك موسى فقأ عينى ولولا كرامته عليك لشققت عينه ، قال له : اذهب إلى عبدى موسى فقل له : فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة، فأتاه فقال له : ما بعد هذا ؟ قال : الموت . قال : فالآن . قال : فشمه شمة فقبض روحه ورد الله عليه عينه ، فكان بعد يأتى الناس خفية .
وذكر الشعرانى بعد أن حكى رواية للإمام الترمذى بمثل هذا - أن موسى فقأ عين ملك الموت بإذن من ربه عز وجل ، لأنه معصوم .
ولذلك لم يعاتبه الله على ذلك "مشارق الأنوار ص 15 " .
كما أورد حديثا عن أحمد عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم وفيه دخول ملك الموت بيت داود عليه السلام - وكانت فيه غيرة - فقبض روحه .
كما نقل أن الطبرانى أخرج عن الحسين أن جبريل هبط على النبى صلى الله عليه وسلم "يوم موته وأخبره أن ملك الموت استأذن على الباب ، وما استأذن على أحد قبلك ، وأن الملك قال : إن الله أرسلنى إليك وأمرنى أن أطيعك ، إن أمرتنى أن أقبض نفسك قبضتها وإن كرهت تركتها ، وقد أذن له النبى صلى الله عليه وسلم فى قبضها "المرجع السابق " .
وجاء فى المواهب اللدنية للقسطلانى وشرح الزرقانى "ج 8 ص 285" أن جعفر الصادق بن محمد الباقر أخبر عن أبيه محمد بن على ابن الحسين أنه قال : لما بقى من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث نزل عليه جبريل وساق الكلام المذكور، وجاء فيه أن جبريل قال للنبى : يا رسول الله هذا آخر موطئ من الأرض ، إنما كنت "حاجتى من الدنيا . وذكر الزرقانى أن عدم نزول جبريل بعد ذلك إنما هو النزول بالوحى المتجدد، فلا ينافى ما ورد فى أحاديث أنه ينزل ليلة القدر ويحضر قتال المسلمين مع الكفار، ويحضر من مات على طهارة من المسلمين ، ويأتى مكة بعد خروج الدجال ليمنعه من دخولها وفى زمن عيسى عليه السلام ليس بشرع جديد .
وخلاصة الإجابة على السؤال : أن ملك الموت اسمه عزرائيل ولم يرد ذكر اسمه فى القران ، وأنه رئيس الملائكة المكلفة بقبض الأرواح فله أعوان فى هذه المهمة وأن الذى يقبض روحه هو الله بحكم أن كل نفس ذائقة الموت . وأنه كان يظهر للناس . وحادثته مع موسى عليه السلام وردت فى حديث غير متواتر. كما أن حديث استئذانه الرسول فى قبض روحه فيه كلام .
-وليس ذلك عقيدة يجب اعتقادها ، وللاجتهاد فيه نصيب

(7/441)


تصوير الملائكة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فى بعض الرسوم الكاريكاتيرية التى تظهر فى الصحف ويسخر فيها أصحابها من عالم الآخرة ، حيث يصورون ملائكة الرحمة أو زبانية الجحيم فى صورة مهرجين أو مستهترين ؟

الجواب
الملائكة أجسام نورانية قادرون على التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة ، وصفهم الله سبحانه وتعالى فى القران الكريم بأنهم مطهرون كرام بررة ، عباد مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، أى لا يتعبون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وناط بهم أعمالا فى مملكته الواسعة ، يؤدونها بأمانة وصدق كما أمرهم الله سبحانه ، وكما تقض به طبيعتهم الخيرة التى لا تعرف الشر، ولا العصيان . وقد أمرنا الله سبحانه أن نؤمن بهم على هذه الصورة الكريمة كما أمرنا أن نؤمن برسله وكتبه ، وحرم الاستهزاء والاستخفاف بهم أو تحقيرهم بأية صورة من الصور كما حرم ذلك بالنسبة للرسل ، قال تعالى { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين } البقرة : 98 وقد كان اليهود يعدون جبريل عليه السلام عدوا لأنه ينزل بالوحى الذى يفضح أحوالهم ، وبما يتعارض مع مصالحهم كما يتصورون .
ومن هنا يحرم أى شىء لا يصور الملائكة بصورتهم التى صورها القران الكريم ، سواء أكان ذلك قولا أم فعلا : برسم أو ت!مثيل أو كلام أو غيره ، فذلك كذب لأنه لا يمثل الحقيقة ، والكذب حرام ، كما حرم الكذب على الرسل الذى جاء فيه الحديث المتفق عليه " من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وهو وإن كان فى شأن النبى صلى الله عليه وسلم فهو يشمل كل الرسل { لا نفرق بين أحد من رسله } البقرة : 285 بل الكذب حرام حتى على غيرهم ممن ليست لهم مكانتهم العالية ومنزلتهم الرفيعة . كما يحرم الاستهزاء والاستخفاف بالملائكة وكل من لهم قداسة وتقدير، فإن ذلك يؤدى إلى الكفر، لمنافاته لتشريف الله لهم بأنهم عباد مكرمون ، ويقول سبحانه { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس } الحج : 75 .
وإذا فقدنا ثقتنا بهذه الصفوة الممتازة من خلق الله فبمن نثق بعد ذلك وهم ليسوا فى درجتهم ، إن مثل هذه الاستهانة بالملائكة والرسل وكرام الناس من الأولياء والعلماء الذين جعل الله لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ، وقال فيهم { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } المجادلة : 11 .
إن هذه الاستهانة مدرجة إلى التحلل من كل القيم الرفيعة، والواجب علينا جميعا أن نقف بحزم وشدة أمام هذا التسيب فى العقيدة والأخلاق ، { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } الأنفال :
25

(7/442)


التلمود

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نسمع أن لليهود كتابا يسمى التلمود ، فهل هو من الكتب المنزلة من عند الله كالتوراة ؟

الجواب
كلمة التلمود عبرية معناها العلم أو الثقافة، وعرف بهذا الاسم كتابان :
التلمود الفلسطينى والتلمود البابلى . وموضوعهما واحد ، الأول جمعه اليهود الذين بقوا فى فلسطين بعد أن دمر الملك البابلى أورشليم سنة 586 قبل الميلاد ، والثانى جمعه اليهود الذين أسرهم هذا الملك فى بابل .
ولما وجد اليهود أنفسهم منعزلين عن المجتمع لتعصبهم : حاولوا التوفيق بين يهودية التوراة والمجتمع ، فوضعوا شروحا للتوراة مزجت بالثقافات المختلفة وجمعت فى كتاب اسمه "المشنا" ثم قام زعيم لهم بنشره فى المدارس والمجامع التى عرفت باسم "الكنيست " واعتبروا هذا الزعيم نبيا كموسى .
وطغت الشروح على أصل التوراة ، منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى جاء سيدنا عيسى عليه السلام ، وبعده انقسم الكتبة إلى فئات تحاول كسب ود الحاكم الرومانى على حساب الدين . وحوالى سنة 70 ميلادية غزا "تيطوس" الرومانى فلسطين وخرب أورشليم ، وجاء كاتب يهودى اسمه "يهوذا بن سمعان " فى أواخر القرن الثانى وأوائل القرن الثالث ، فجمع كل هذه الأعمال وقسمها ستة أجزاء ، تشمل قواعد العبادة والأعياد والنساء والمعاملات والقرابين والطهارة ثم أضيفت شروح مكملة، ولما كبرت الشروح جمعها اثنان من الكتبة هما "آشى ورابين" فى القرن الخامس الميلادى، وسمياها "التلمود" وطبع بأصليه : الفلسطينى والبابلى فى البندقية .
هذا ، وقد جاء الإسلام وقرر أن اليهود حرفوا التوراة وكتبوا كتبا من عندهم يشترون بها ثمنا قليلا، وبسبب تقديسهم لما كتبوه وتركهم ما أنزل الله وقفوا من الدعوة الإسلامية مواقفهم المعروفة ، بل وقفوا من العالم مواقف لتحقيق ما سطره قدماؤهم فى التلمود وما وضعوه من بروتوكولات ، وتنصح بعدم قراءة هذه الكتب إلا للمتمكن فى دينه القادر على تمييز الحق من الباطل

(7/443)


القرآن : {سيماهم فى وجوههم}

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى قوله تعالى { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود} ؟

الجواب
السيما هى العلامة وقد جاء فى المراد منها أقوال عدة، بعضها يجعلها فى الدنيا وبعضها يجعلها فى الآخرة، ومن الأولى قول ابن عباس : هى السمت الحسن ، وقال بعض السلف : " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " روى هذا على أنه حديث مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، والصحيح أنه موقوف على جابر. وقد رواه ابن ماجه ، وقال ابن العربى : إنه غير مرفوع . وقال بعضهم عن السيما : إن للحسنة نورا فى القلب وضياء فى الوجه وسعة فى الرزق ومحبة فى قلوب الناس . ومنه قول عثمان : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه .
وقال عمر: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ونقل عن مالك أن السيما هى ما يعلق بجباههم من الأرض عند السجود . وأما ما يقال أنها هى الأثر الطاهر فى الوجه على الجبين فقد سئل عنه مجاهد ، وهو من كبار التابعين المفسرين ، فقال منكرا لذلك : ربما يكون بين عينى الرجل مثل ركبة العنز، وهى أقسى قلبا من الحجارة ، ولكنه نور فى وجوههم من الخشوع .
ومن الثانى : أى كون السيما فى الآخرة، ما قاله الحسن : إنها بياض يكون فى الوجه يوم القيامة . ففى الصحيح " أن الله يأمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا، فمن أراد الله أن يرحمه ممن يقول : لا إله إلا الله ، فيعرفونهم فى النار بأثر السجود ، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود ، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود " .
ذكر هذه الأقوال ابن كثير والقرطبى فى التفسير

(7/444)


مكر الله

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى قوله تعالى {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} مع أننا نعرف أن المكر صفة مذمومة لا تليق بالله سبحانه ؟

الجواب
فى مفردات الراغب الأصفهانى أن المكر هو صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ضربان ، مكر محمود، وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل ، وعلى ذلك قال {والله خير الماكرين} ومذموم ، وهو أن يتحرى به فعل قبيح ، قال تعالى {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} فاطر: 43 ، وقال تعالى {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال : 30 ، وقال تعالى {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين} النمل : 51 ، وقال فى المحمود والمذموم {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون } النمل :
50 ، وقال تعالى { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } آل عمران :
54 ، ومن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم " اللهم امكر لى ولا تمكر على " يعنى أن كفار بنى إسرائيل دبروا حيلة لقتل سيدنا عيسى عليه السلام ، ودبر الله أمرا آخر لحمايته فألقى شبه عيسى على غيره ، ورفع عيسى إليه ، والله خير من يدبر الأمور ولا يغلبه أحد .
هذا ما نقلته عن مفردات الأصفهانى بتصرف بسيط فى تكميل بعض الآيات ، وما يوضح معنى الآية الواردة فى السؤال ، أما التفسير الوافى فيرجع فيه إلى كتب التفسير، ومن هنا نعرف أن المكر هو التدبير، فإن كان فى شر فهو مذموم ، وإن كان فى خير فهو محمود

(7/445)


عدية يس

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هناك فضل لسورة يس ، وما رأى الدين فيما يسمى " عدية يس " لقراءتها على الظالم ؟

الجواب
جاء فى فضل سورة يس قول النبى صلى الله عليه وسلم " قلب القرآن يس ، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر الله له ، أقرءوها على موتاكم " رواه أحمد والنسائى وأبو داود والحاكم وصححه . وقولة " من قرأ يس كتب الله بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات دون يس " رواه الترمذى وقال : حديث غريب ، أى رواه راو واحد فقط ، وقوله " من قرأ يس فى ليلة ابتغاء وجه الله غفر له " رواه مالك وابن السنى وابن حبان فى صحيحه 0 وجاء فى تفسير القرطبى نقلا عن مسند الدارمى عن ابن عباس وليس مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم هذا الحديث " من قرأ يس حين يصبح أعطى يسر يومه حتى يمسى، ومن قرأها فى صدر ليلة أعطى يسر ليلته حتى يصبح " وقال القرطبى : رفع الماوردى هذا الخبر إلى النبى صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس بلفظ : " إن لكل شىء قلبا وإن قلب القرآن يس ، ومن قرأها فى ليلة أعطى يسر تلك الليلة ، ومن قرأها فى يوم أعطى يسر ذلك اليوم " ولم يبين درجة هذا الحديث .
من مجموع ما ورد فى شأنها نعلم أن لها فضلا كما أن لبعض سور القرآن فضلا يزيد على الفضل العام للقرآن وذلك من أجل الترغيب فى قراءتها ، ويمكن الأخذ بهذه الأحاديث فى فضائل الأعمال .
هذا، وما يقال عن " عدية يس" فلا أعرف له أصلا فى الدين ، فإن لها نظاما فى القراءة - كما يقال - لا يوافق عليه الدين ، مع التسليم بأن قراءة يس أو شىء من القرآن عمل صالح يمكن التقرب به إلى الله عند الدعاء ، فيقال بعد القراءة : " اللهم إنى أسألك بحق ما قرأت من القرآن الكريم أن تحفظنى من السوء ، وترفع عنى ظلم الظالمين " فيرجى أن يستجيب الله الدعاء كما دعا من انطبق عليهم الغار بصالح أعمالهم فنجاهم الله . مع العلم بأن الله سينتصف من الظالم للمظلوم ، فدعوته - كما صح فى الحديث -يرفعها الله فوق الغمام ويقول : وعزتى وجلالى لانصرنك ولو بعد حين . ولكننا نوصى بالصبر والعفو ، قال تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله } الشورى :
40

(7/446)


إحراق أوراق المصحف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
بعض أوراق المصحف تآكلت فهل يجوز أن أتخلص منها بإحراقها أو برميها فى مكان غير نظيف ؟

الجواب
لا مانع من إحراق أوراق المصحف للمحافظة عليها من التعرض للإهانة ، وقد أمر عثمان بن عفان رضى الله عنه بإحراق ما عدا مصحفه ، من المصاحف التى كانت عند بعض الصحابة، وذلك من أجل المحافظة على القرآن ولم ينكر عليه .
ولا يجوز أن تلقى أية ورقة من المصحف على الأرض أو فى مكان قذر ما دام فيها حرف من كلام الله تعالى، ولو حدث ذلك على سبيل الإهانة والاحتقار كان كفرا .
جاء فى " الاتقان " للسيوطى "ج 2 ص 172 " ما نصه : إذا احتيج إلى تعطيل بعض أوراق المصحف لبلاء ونحوه فلا يجوز وضعها فى شق أو غيره ، لأنه قد يسقط ويوطأ ، ولا يجوز تمزيقها، لما فيه من تقطيع الحروف وتفرقة الكلم ، وفى ذلك إزراء بالمكتوب ، كذا قاله الحليمى . قال : وله غسلها بالماء ، وإن أحرقها بالنار فلا بأس . أحرق عثمان مصاحف كان فيها آيات وقراءات منسوخة ولم ينكر عليه .
وذكر غيره أن الإحراق أولى من الغسل ، لأن الغسالة قد تقع على الأرض . وجزم القاضى حسين فى تعليقه بامتناع الإحراق ، لأنه خلاف الاحترام ، والنووى جزم بالكراهة ، وفى بعض كتب الحنفية أن المصحف إذا بلى لا يحرق ، بل يحفر له فى الأرض ويدفن ، وفيه وقفه ، لتعرضه للوطء بالأقدام .
هذا ما قالة العلماء فى التخلص من أوراق المصحف التى تمزقت أو تآكلت ، وقد يكون الإحراق أخف طريقة لذلك مع توفر النية الصالحة فى أن ذلك لصيانة القرآن وعدم احتقاره وتعريضه للإهانة ، والأعمال بالنيات

(7/447)


الاستماع إلى القرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الاستماع إلى القرآن واجب يأثم من ينشغل عنه ، مع أن الإنسان قد يكون فى عمل هام يحتاج إلى التركيز فى التفكير كالمذاكرة والامتحان ؟

الجواب
قال الله تعالى { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } الأعراف : 204 . حكى ابن المنذر الإجماع على أن استماع القرآن والإنصات إليه واجب فى الصلاة وخطبة الجمعة، وليس واجبا فى غير هاتين الحالتين ، بل هو سنة، وذلك لأن وجوب الاستماع فيه حرج كبير على القائمين بأعمال ضرورية تحتاج إلى يقظة وعدم انشغال ، وبخاصة أن القرآن يتلى ويذاع من جهات متعددة ، إن لم يكن من البيت أو محل العمل فمن البيوت أو المحال الأخرى .
ولكن إذا كان الإنسان فى مجلس قرآن ولا يوجد عمل يشغله ينبغى أو يجب أن يتأدب فى المجلس ولا ينشغل عن الاستماع إليه بحديث أو غيره ، وبخاصة مع رفع الصوت بالحديث ، وتعظم المسئولية إذا كان قاصدا برفع الصوت التشويش على القرآن وإذا كان الله تعالى قال {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } الحجرات : 2 ، فإن النهى عن رفع الصوت على صوت القرآن أولى ، والأدب مع الله وكلامه فوق الأدب مع الرسول وكلامه . " الفتاوى الإسلامية . ج 5 ص 1666 " .
والمراد بسماع القران فى الصلاة هو سماع المأموم لقراءة الإمام ، فلا يجوز أن يشغل المأموم عن قراءة الإمام بأن يقرأ هو، وقد مر حكم ذلك ، والإنصات إلى خطبة الجمعة واجب لأن فيها قرانا ، والنصوص ثابتة فى الأمر بالإنصات للخطبة ، وأن من لغا أو انصرف عنها فلا جمعة له .
والخلاصة أن الاستماع إلى القرآن واجب فى الصلاة عند قراءة الإمام وفى خطبة الجمعة ، ومندوب فى غير ذلك ، فقد روى أحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ، ومن تلا آية من كتاب الله كانت له نورا يوم القيامة " ذكره ابن كثير عند تفسير الآية المذكورة " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له "

(7/448)


الظلمات الثلاث

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى الظلمات الواردة فى قوله تعالى { يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث } الزمر : 6 ؟

الجواب
الكلام فى تفسير هذه الظلمات كثير، وأحسن ما قيل فيها أنها ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة. وهو المنقول عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك . وقيل : ظلمة صلب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم ، وهذا مذهب أبى عبيدة ، يقول القرطبى : أى لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين ، أى أن الله سبحانه يخلق الإنسان فى بطن أمه طورا بعد طور، من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام إلى لحم ، وقيل فى معنى " خلقا من بعد خلق " خلقا فى بطون أمهاتكم من بعد خلقكم فى ظهور آبائكم ، ثم خلقا بعد الوضع ، كما ذكره الماوردى

(7/449)


الدخان المبين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أرجو تفسير الآيتين 10، 11 من سورة الدخان ؟

الجواب
الآيتان هما قوله تعالى { فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين . يغشى الناس هذا عذاب أليم } .
الدخان هنا فيه ثلاثة أقوال :
الأول : أنه من علامات الساعة، ولم يجىء بعد، وفى صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم " ذكر من علامات الساعة الدخان . وهذا الدخان يمكث أربعين يوما ، أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام ، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران ، يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره " .
والقول الثانى : أنه ما أصاب قريشا من الجوع بسبب دعاء النبى صلى الله عليه وسلم ، حتى كان الرجل يرى السماء والأرض دخانا .
ذكره البخارى ومسلم .
والقول الثالث : أنه يوم فتح مكة، لما حجبت الغبرة السماء .
وكتب التفسير فيها توضيح لذلك فيرجع إليها من أراد

(7/450)


موسى والآيات التسع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى الآيات التسع التى آتاها الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام ؟

الجواب
قال تعالى { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بنى إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إنى لأظنك يا موسى مسحورا } الإسراء :
101 ، اختلف المفسرون فى المراد بهذه الآيات ، فقيل : هى بمعنى آيات الكتاب كما روى الترمذى والنسائى أن يهوديين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال " لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ، ولا تسرقوا ، ولا تسخروا ، ولا تمشو ببرىء إلى السلطان فيقتله ، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف " .
وقيل : إن الآيات بمعنى المعجزات والدلالات ، وهى :
1 -العصا : قال تعالى { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين } الشعراء : 32 .
2-اليد : قال تعالى {ونزع يده فإذا هى بيضاء للناظرين } الشعراء : 33 .
3- اللسان : قال تعالى {واحلل عقدة من لسانى يفقهوا قولى} طه : 27 ، 28 .
4 - البحر: قال تعالى { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } الشعراء : 63 .
5 - الطوفان . 6- الجراد . 7 - القمل . 8 - الضفادع .
9 - الدم : قال تعالى { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات } الأعراف : 133 .
وقيل غير ذلك " انظر تفسير القرطبى ج 10 ص 335 "

(7/451)


أصحاب الرس

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
من هم أصحاب الرس ، ومن هو النبى الذى أرسل إليهم ؟

الجواب
قال تعالى { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود} ق : 12 ، جاء فى تفسير القرطبى لسورة الفرقان : أن الرس فى كلام العرب هو البئر التى تكون غير مطوية أى غير مبنية ، والكلام كثير فى بيان أصحاب الرس ، ولا يوجد مستند صحيح لهذه الأقوال ، فقيل : هم أهل أنطاكية الذين قتلوا حبيبا النجار مؤمن آل يس وطرحوه فى البئر، وقيل قوم من ولد يهوذا كانوا يعبدون شجرة صنوبر قتلوا نبيهم ورسوه فى البئر. وقال وهب بن منبه : أرسل الله شعيبا إلى قوم حول بئر فكذبوه ، وقال قتادة : أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمتان أرسل الله إليهما شعيبا ، وقيل أصحابها قوم باليمامة، وقيل هم أصحاب الأخدود، وقد يكون رسولهم ممن لم يقصهم الله على نبيه ، وقيل هم قوم حنظلة بن صفوان .
وعلى كل حال لا يضر الجهل بهم فليس فيهم خبر صحيح

(7/452)


يا أيها النبى اتق الله

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كيف يأمر الله نبيه بقوله تعالى {اتق الله} فهل وقع منه خطأ أو تقصير حتى يقول الله ذلك ؟

الجواب
قال تعالى { يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما} الأحزاب : 1 .
المراد بالأمر هنا هو المداومة على التقوى ، ولا يقصد بها أن الرسول كان غير متق لله فأمره الله بالتقوى . ومثل ذلك كثير فى القرآن الكريم

(7/453)


السبع المثانى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى السبع المثانى ؟

الجواب
يقول الله تعالى{ ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم } الحجر: 87 ، اختلف العلماء فى المراد بالسبع المثانى ، فقيل هى : الفاتحة ، وهو أصح الآراء ، لورود الحديث بذلك ، فقد روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : مر بى النبى صلى الله عليه وسلم وأنا أصلى، فدعانى فلم آته حتى صليت ، ثم أتيته فقال : " ما منعك أن تاتينى"؟ فقلت : كنت أصلى ، فقال ألم يقل الله : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم }؟ الأنفال : 24 ، ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ فذهب النبى صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرته فقال : "الحمد لله رب العالمين ، هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته " وجاء فى البخارى أيضا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال "أم القرآن هى السبع المثانى والقران العظيم " وأم القرآن هى الفاتحة كما جاء فى الحديث " الحمد لله أم القران وأم الكتاب والسبع المثانى " رواه الترمذى وقال : حديث حسن صحيح ، وهذا نص يغنى عن الأقوال الأخرى فى المراد بالسبع المثانى ، ومن هذه الأقوال أنها السور السبعة الطول أى الطويلة : وهى البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال مع التوبة لعدم وجود التسمية بينهما ، وهذا هو رأى ابن عباس كما رواه النسائى عن سعيد بن جبير عنه ، وقيل : المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير والإنذار وضرب الأمثال وتعديد النعم وأنباء القرون ، وهناك أقوال أخرى لا تستند إلى نص ، فالصحيح هو الأول . ووصف الفاتحة بأنها المثانى لأنها تثنى وتكرر فى ركعات الصلاة والقرآن كذلك يوصف بالمثانى كما قال سبحانه { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } الزمر: 22، لأبها تثنى وتتكرر على مر الزمان ، كذلك تتثنى فوائدها وتتضاعف ، على ما يفيده قول النبى صلى الله عليه وسلم " ولا تنقضى عجائبه " رواه الترمذى ، وهى أيضا مأخوذة من الثناء والمدح والشرف ، لأن القرآن مجلبة لذلك كله ، فى نظمه وهدايته وقراءته وتعلمه ونشره وتعليمه والتخلق بأخلاقه وتطبيق أحكامه ، والقرآن كذلك مثانى لما يلاحظ فيه من الثنائية ، بمعنى الاقتران ، أى اقتران آية الرحمة بآية العذاب ، والوعد بالوعيد والجنة بالنار، والهدى بالضلال ، وهكذا

(7/454)


المشرق والمغرب والمشارق والمغارب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى قوله تعالى { ولله المشرق والمغرب } وكيف نوفق بينه وبين الآيات التى فيها مشرقان ومغربان ومشارق ومغارب ؟

الجواب
قال تعالى { رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} المزمل : 9، وقال تعالى { رب المشرقين ورب المغربين } الرحمن : 17 ، وقال { فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون } المعارج : 40 ، خلاصة كلام المفسرين أن المقصود بالمشرق والمغرب فى الآية الأولى مشرق الشمس ومغربها ، أى الجهة التى تشرق منها والجهة التى تغرب فيها ، والمراد الجهات كلها ، فليس هناك فى الوجود كله إله يستحق العبادة إلا الله سبحانه ، ويلتقى هذا مع قوله تعالى { وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله } الزخرف : 84، أى مالك الكون كله . والمقصود بالمشرقين والمغربين فى الآية الثانية مشرق الشمس ومشرق القمر، ومغرب الشمس ومغرب القمر، فلكل منهما مشرق ومغرب ، وقيل :
المراد من المشرقين والمغربين مشرقا الشمس ومغرباها، وذلك صيفا وشتاء ، حيث يكون شروقها من أقص منزلة فى الشمال ومن أقصى منزلة فى الجنوب ، وكذلك غروبها فى أقصى منزلة فى الشمال وفى الجنوب ، وهذا مشاهد لكل عين ، حيث يختلف مطلع الشمس ومغربها صيفا وشتاء . والله سبحانه هو الذى يقدر حركات الكون ، فتأخذ أجزاء الأرض أوضاعا من الشمس يكون منها الصيف والشتاء وبقية الفصول ، وتتراءى لنا الشمس كأنها هى التى تعلو وتنخفض عند الشروق والغروب ، وتجرى فى مسارات مختلفة باختلاف الفصول ، ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه . والمقصود بالمشارق والمغارب فى الآية الثالثة ، إما مشارق الشمس ومغاربها ، وإما مشارق جميع النجوم ومغاربها ، فإن كان المقصود الأول فإن الشمس - فى المسافة التى بين أقصى ارتفاع وأقصى انخفاض لها بحسب رؤية العين صيفا وشتاء - تشرق كل يوم من منزلة وتغرب فى منزلة، أى مشرق جديد ومغرب جديد . ولا تتكرر المنزلة فى الشروق والغروب إلا مرتين فى السنة الشمسية حين تمر عليها الشمس شمالا وجنوبا وإن كان المراد الثانى وهو مشارق جميع النجوم ومغاربها فالأمر واضح فى الكثرة، لأن لكل منها مشرقا ومغربا، بل مشارق ومغارب . هذا ولا تتنافى كثرة المشارق والمغارب للشمس مثلا كما تدل عليه الآية الثالثة - مع الإخبار بمشرقين ومغارب كثيرة بتعدد المنازل كما ذكرنا ، كما لا تتنافى الآيتان الأخيرتان مع الآية الأولى التى ذكر فيها مشرق واحد ومغرب واحد، لأن المراد - كما قال المفسرون - جهة الشروق وجهة الغروب وفى كل من الجهتين منزلة لشروق الشمس وغروبها إجمالا ومنازل تفصيلا . وقال بعض المفسرين . المراد بالمشرق والمغرب فى هذه الآية الجنس لا الوحدة والجنس يصدق بالواحد والاثنين والثلاثة وما بعدها ، فلا تنافى بين الاية والآيتين الأخريين . والمراد بالمشرقين والمغربين فى الآية الثانية جنس المشرقين للشمس والقمر وجنس المغربين لهما ، وهو يصدق بالواحد والمتعدد .
وبهذا يعلم أنه لا تضارب بين آيات القران الكريم مطلقا ، لأن القرآن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وإذا كان هناك تضارب فهو بحسب الظاهر لا بحسب الحقيقة . فلا يجوز أن يوجه الطعن إليه قبل التدبر والفهم فكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم

(7/455)


الأرضون السبع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الأرض سبع كما أن السموات سبع ؟

الجواب
روى الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الإسناد، وروى البيهقى فى شعب الإيمان وقال : إسناد صحيح عن أبى الضحى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال فى قوله تعالى { الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن } الطلاق : 12 ، قال : سبع أرضين . فى كل أرض نبى كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم . قال البيهقى : إسناد هذا الحديث إلى ابن عباس صحيح ، إلا أنى لا أعلم لأبى الضحى متابعا ، فهو شاذ، لأنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما تقرر فى علوم الحديث ، لاحتمال أن يكون فى المتن شذوذ أو علة تمنع صحته . وما دام الحديث ضعيفا فلا داعى للقول بأن سكان هذه الأرضين من البشر أم من غيرهم ، وهل الرسل فيها كانوا مقارنين لرسل هذه الأرض التى يسكنها بنو آدم . هذا، ومثلية الأرضين للسموات قد تكون مثلية كم أو كيف ، أى مثلية فى العدد، أو مثلية فى إبداع الخلق ودقة الصنع والاحتواء على الآيات والدلائل الشاهدة على عظمة الخلق والخالق .
وندع العقل يجول فى الكشف .وفى الاستنتاج ، وإذا وصل إلى حقيقة مقررة ثابتة فإنها لا تتعارض أبدا مع كلام الله سبحانه ، وكلام الله هو الأصل ، وغيره يقاس عليه ويحاكم إليه ، .إذا اتضح معنى النص ولم يحتمل عدة معان وتأويلات . والاحتياط واجب فى عدم حمل آيات القرآن على ما يقال من كشوف لم تتعد حدود النظريات والافتراضات . وقد تكون من الأراضى المريخ وزهرة وعطارد لتشابه العناصر المكونة لها مع عناصر الأرض

(7/456)


الصلب والترائب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو الصلب والترائب التى خلق منها الإنسان ؟

الجواب
هذه الآية من الآيات العلمية التي ما كان العرب يعرفون عنها شيئا ، وبالتالى لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم ليعلم عنها شيئا لولا نزول القرآن عليه من الله " والله يعلم وأنتم لا تعلمون " وذلك من أدلة صدق النبي صلى الله عليه وسلم فى دعواه الرسالة . وقد ظل الناس قرونا طويلة يجهلون كيف يتخلق الجنين فى بطن أمه حتى نزل القرآن فبين ذلك بدقة في سورة " المؤمنون " ووضحه النبى صلى الله عليه وسلم فى حديثه وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ، وبين أن الإنسان يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة . . . والمفسرون للقرآن والشارحون للأحاديث كانوا يوضحون ذلك حسب المعلومات التى كانت عندهم مع استعانتهم بمعانى الألفاط العربية التى نزل بها القرآن . والترائب هى عظام الصدر ، وهل المراد صدر الرجل ، أو صدر المرأة الذى يقابله الصلب فى الرجل ؟ رأيان .
وإليك نموذجا من التفاسير :
(أ) جاء فى تفسير القرطبى أن الانسان يخلق من ماء الرجل الذى يخرج من صلبه العظم والعصب ، ومن ماء المرأة الذى يخرج من ترائبها اللحم والدم ، وقيل من صلب الرجل وترائبه ، ومن صلب المرأة وترائبها . ولم يوضح كيف تم الخلق بهذه الصورة .
(ب ) جاء فى تفسير الجواهر للشيخ طنطاوى جوهرى معتمدا فيه على ما فى تفسير الفخر الرازى : أن الدماغ مركز الأدراك وخليفته فى الجسم النخاع الشوكى المخزون فى الصلب ، والنخاع له شعب كثيرة تصل إلى جميع أجزاء الجسم . . . ولن يتم اجتماع الرجل بالمرأة إلا بقوة الحس عن طريق الدماغ والنخاع الذى فى الصلب ، وكذلك بوجود زينة المرأة التى يغلب أن تكون على ترائبها ، أى على صدرها ، ولذا عبر عن الرجل بالصلب وعن المرأة بالترائب وهذا فحوى كلام الرازى وجوهرى ، وهو تفسير سطحى لعملية تكوين الجنين .
(ج ).وجاء فى تفسير القاسمى : أن المنى باعتبار أصله وهو الدم يخرج من شىء ممتد بين الصلب - فقرات الظهر فى الرجل - والترائب أى عظام صدره ، وذلك الشىء الممتد بينهما هو الأبهر " الأورطى " وهو أكبر شريان فى الجسم يخرج من القلب خلف الترائب ويمتد إلى آخر الصلب تقريبا ، ومنه تخرج عدة شرايين عظيمة ، ومنها شريانان طويلان يخرجان منه بعد شريانى الكليتين وينزلان إلى أسفل البطن حتى يصلا إلى الخصيتين فيغذياهما ، ومن دمهما يتكون المنى فى الخصيتين ويسميان بشريانى الخصيتين أو الشريانين المنويين ، فلذا قال تعالى عن المنى { يخرج من بين الصلب والترائب }لأنه يخرج من مكان بينهما وهو الأورطى أو الأبهر .
(د)هذا بعض ما جاء فى كتب التفسير، وهى محاولات لتقريب المعنى المعهود الآن مما وصل إليه العلم ، ولا شك أن الكشوف العلمية تتقدم يوما بعد يوم ، ثم قرأنا للمختصين أن الغدد التناسلية فى الجنين تكون أصلا فى المنطقة الواقعة بين عظام الظهر " الصلب " وعظام الصدر " الترائب " وهذا ما يدل عليه قوله تعالى { يخرح من بين الصلب والترائب } سواء منه الذكر والأنثى، فهى تخلق فى نفس المكان ، ولعل مما يؤكد ذلك قوله تعالى { وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم فريتهم } فكلمة : " بنى آدم " تشمل الذكر والأنثى . وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى المختصين ، وبخاصة فى علم الأجنة .
هذه صور من محاولات تفسير ما ورد فى القران من الأمور العلمية . ولعل فى الكشوف المستقبلة ما يوضح ذلك أكثر وأكثر، مصداقا لقوله تعالى { سنريهم آياتنا فى الافاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق }

(7/457)


أخذ الأجر على قراءة القرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل تجوز قراءة القرآن بأجر ؟

الجواب
قارىء القرآن لا خلو من حالات أربعة :
الأولى : أن يقرأه تقربا إلى الله كما يتقرب بالذكر والتسبيح وسائر أنواع القرب .
الثانية : أن يقرأه من أجل إفادة غيره بتعليمه إياه حفظا أو تجويدا ، أو بوعظه وإرشاده به .
الثالثة : أن يقرأه من أجل إفادة غيره بحسن صوته وتطريبه وتلحينه ، أو من أجل العلاج به .
الرابعة : أن يقرأه ليهب ثوابه إلى الميت .
والأجر على هذه القراءة إما أخروى وإما دنيوى ، ولكل حالة حكمها .
1 -أما القراءة تقربا إلى الله سبحانه فلها ثواب أخروى إذا خلت من الرياء، وقد جاءت نصوص كثيرة ترغب فى قراءته ، فالحرف الواحد بعشر حسنات ، ويرقى القارئ فى درجات الجنة بمقدار ما يقرأ، والقرآن شافع مشفع ، ويلبسه الله تاج الكرامة وحلة الكرامة ويرضى الله عنه ، ويأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ، إلى غير ذلك من أنواع الثواب الذى جعله لقراءته بوجه عام إلى جانب ما جعله لسور وايات مخصوصة. ولا يجوز مطلقا أن يتعاقد على أجر فى مقابل هذه القراءة، كالصلاة، وإلا حرم ثواب الله ، حيث قصد بالقراءة غير وجه الله . لكن لو قدمت له هدية من أجل تكريمه وتشجيعه على الطاعة فلا مانع من قبول الهدية، للترغيب فى قبولها ، على شرط ألا يكون متطلعا لها عند قراءته .
وفى مثل هؤلاء المتاجرين بالقراءة والمرائين والمتسولين به يقول الحديث الذى رواه أحمد " اقرءوا القران ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به " والغلو فيه والجفوة عنه هو فى التطبيق ، مغالاة فى التمسك أو تقصيرا وجفوة له ، والأكل به هو أخذ المقابل له كسلعة تباع ، والاستكثار به يكون بالرياء والتفاخر والتعالى ، وذلك على بعض ما شرح به الحديث ، وكذلك فى مثل هؤلاء يقول الحديث الذى رواه أحمد والترمذى " اقرءوا القران واسألوا الله به ، فإن من بعدكم قوما يقرءون القران يسألون به الناس " وكذلك أحاديث أخرى تقبل فى فضائل الأعمال ، هذا وقد جاء فى كتاب " الحاوى للفتاوى" للسيوطى :
لو قال شخص لاخر: اقرأ لى كل يوم ما تيسر من القران واجعل ثوابه لى أو لفلان الميت ، وجعل له على ذلك مالا معلوما ففعل ، فهل يكون ثواب القراءة لهذا الشخص أو يكون له مثل الثواب ، وهل يبقى للقارىء ثواب أم لا، وما الحكم لو كانت القراءة بدون مقابل ، بل كانت تبرعا؟ جاء فى الجواب : أن هذه القراءة جائزة إذا شرط الدعاء بعدها والمال الذى أخذه القارى هو من باب الجعالة ، والجعالة هنا على الدعاء لا على القراءة، فإن ثواب القراءة للقارئ ولا يمكن نقله للمدعو له ، وإنما يقال : له مثل ثوابه فيدعو بذلك ويحصل له إن استجاب الله الدعاء ، وكذلك حكم القارئ بدون مقابل . ثم قال السيوطى :
من يقرأ ختمات من القران بأجرة هل يحل له ذلك ؟ وهل يكون ما يأخذه من الأجرة من باب التكسب أو الصدقة؟ وأجاب بقوله : نعم يحل له أخذ المال على القراءة والدعاء بعدها ، وليس ذلك من باب الأجرة ولا الصدقة ، بل من باب الجعالة ، فإن القراءة لا يجوز الاستئجار عليها، لأن منفعتها لا تعود إلى المستأجر .
لما تقرر فى مذهبنا - الشافعية - من أن ثواب القراءة للقارىء لا للمقروء له ، وتجوز الجعالة عليها إن شرط الدعاء بعدها ، وإلا فلا ، وتكون الجعالة على الدعاء لا على القراءة، هذا مقتضى قواعد الفقه . انتهى .
2 - أما الذى يعلم القرآن للحفظ والتجويد أو للوعظ والتعليم للدين ، فله أجر من الله إن قصد به وجهه دون رياء أو طلب مقابل دنيوى ، والنصوص كثيرة فى الترغيب فى التعليم ، منها حديث "خيركم من تعلم القرآن وعلمه " رواه البخارى ومسلم وحديث " يا أبا ذر، لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلى مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم ، عمل به أو لم يعمل خير لك من أن تصلى ألف ركعة" رواه ابن ماجه بإسناد حسن .
وحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ومنهم رجل تعلم العلم وقرأ القرآن من أجل أن يقال إنه عالم وقارئ ، وقد استوفى بذلك ما أراد فى الدنيا ولم يعد له ثواب عند الله ، فيؤمر به ويسحب على وجهه ويلقى فى النار رواه مسلم وغيره ، وينظبق عليهم قول الله تعالى { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } هود :
15 ، 16 ، . أما أجر الدنيا على تعليم القرآن والوعظ به ، فينظر فيه ، فإن كان واجبا على القائم به لحاجة المتعلم إليه لمعرفة ما يجب عليه ولا يوجد غير هذا المعلم فأختار ألا يستحق عليه أجرا وألا يساوم على هنا الأجر، لأن الواجب الدينى ثوابه وأجره عند الله فقط ، والتقصير فيه يستوجب العقوبة ، أما إن كان التعليم غير واجب فلا مانع من أخذ الأجر عليه ، لأنه أمر اختيارى لا عقوبة فى التقصير فيه . وفى كلتا الحالتين - وجوب التعليم وعدم وجوبه - لو أعطيت للمعلم هدية غير مشروطة وغير مساوم عليها فلا مانع من قبولها، بل يسن قبولها كأية هدية أخرى وكذلك لو خصص بيت المال أو جهة ما مبلغا من المال يدفع للقائمين بذلك تشجيعا لهم على التفرغ لهذا العمل وعدم انشغالهم عنه بواجب كسب عيشهم بزراعة أو تجارة مثلا ، وعملهم هذا جهاد فى سبيل الله بمعناه الواسع غير القاصر على حمل السلاح لمواجهة العدو. وقد ورد فى ذلك حديث أبى بن كعب قال : علمت رجلا القرآن فأهدى لى قوسا ، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال " إن أخذتها أخذت قوسا من نار " فرددتها . رواه ابن ماجه ، ورواه غيره بألفاظ أخرى جاء فيها أنه كان يأكل أيضا من طعام من علمه ، وأن الرسول أجازه إن كان طعاما عاديا لأهل هذا الرجل وليس خاصا به . وفى هذا الحديث كلام يضعف الاحتجاج به ، وبخاصة على الحرمة، وتوضيح ذلك يرجع ، إليه فى نيل الأوطار للشوكانى " ج 5 ص 303" .
ويستدل على جواز أخذ مقابل لتعليم القرآن فى حالة عدم وجوبه بما أخرجه البخارى ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم أجاز أن يكون الصداق فى الزواج تعليم الزوجة شيئا من القرآن . يقول الشوكانى بعد ذكر أحاديث النهى عن الأكل بالقرآن والسؤال به وعن أخذ القوس وتناول الطعام عند صاحبه : إنه قد استدل بها من قال : لا تحل الأجرة على تعليم القرآن وهو أحمد بن حنبل وأصحابه وأبو حنيفة والهادوية ، وظاهره عدم الفرق بين أخذها على تعليم من كان صغيرا أو كبيرا ، وقالت الهادوية : إنما يحرم أخذها على تعليم الكبير، لأجل وجوب تعليمه القدر الواجب وهو غير متعين ، ولا يحرم على تعليم الصغير لعدم الوجوب عليه . وقال : وذهب الجمهور إلى أنها تحل الأجرة على تعليم القرآن ، وأجابوا كل عن أحاديث المنع بأجوبة منها -إلى جانب الضعف - أن الرسول علم من أبي بن كعب أنه فعل ذلك خالصا لوجه الله فكره أخذ العوض عليه ، وأما من علم القرآن على أنه لله وأن يأخذ من المتعلم ما دفعه إليه بغير سؤال ولا استشراف نفس فلا بأس به ، وأن حديث تحريم السؤال به غير أخذ الأجر على تعليمه ، وحديث منع الأكل بالقرآن لا يستلزم المنع من قبول ما يدفعه المتعلم بطيب نفس . وحاول الشوكانى رد هذه الأجوبة بأسلوب يدل عل تحمسه لمذهب من حرم أخذ الأجرة ، كما حاول الرد على حديث البخارى فى جواز أن يكون تعليم القرآن صداقا فى الزواج وهو أجر، بعدة ردود منها أنه خاص بهذين الزوجين وليس عاما، بناء على حديث سعيد بن منصور الذى جاء فيه " لا يكون لأحد بعدك مهرا " .
هذا ، وما دام الجمهور قد أجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وبخاصة إذا كانت بسخاء نفس تشبه الهدية فلا مانع من أخذ هذا المقابل ، مع الوصية بعدم الحرص الشديد عليه وإيثار ثواب الله على أجر الدنيا، هذا وقد جاء فى تفسير القرطبى "ج 1 ص 334 " لقوله تعالى { ولا تشتروا باياتى ثمنا قليلا} البقرة :
41 ، أن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك . ثم قال : وهذه الآية وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل فهى تتناول من فعل فعلهم ، فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل فى مقتضى الاية . وقد روى أبو داود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " يعنى ريحها . ثم قال القرطبى : وقد اختلف العلماء فى أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية وما كان فى معناها ، فمنع ذلك الزهرى وأصحاب الرأى فقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، لأن تعليمه واجب من الواجبات التى يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص ، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام ، وقد قال تعالى { ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا} وروى ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " معلمو صبيانكم شراركم ، أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين (1)" وعن أبى هريرة فى المعلمين " درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء" وروى عبادة بن الصامت أنه علم ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة ، فأهدى إليه رجل منهم قوسا رأى أنها ليست بمال وأنه يرمى بها فى سبيل الله ، فسأل الرسول عن ذلك فقال " إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها" . وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعى وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء ، لحديث البخارى " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " وهو نص يرفع الخلاف فينبغى أن يعول عليه . ثم قال القرطبى :
وأما ما احتج به المخالف ، من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه فى مقابل النص ، ثم إن بينهما فرقانا ، وهو أن الصلاة والصيام عبادات مختصة بالفاعل ، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم ، فتجوز الأجرة على محاولته النقل ، كتعليم كتابة القرآن . قان ابن المنذر: وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة ، ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم ، فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة . وأما الجواب عن الآية فالمراد بها بنو إسرائيل ، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟ فيه خلاف ، وهو لا يقول به . وجواب ثان وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا ، فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة فى ذلك ، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله أن يقبل على صنعته وحرفته ، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته ، وإلا فعلى المسلمين ، لأن الصديق رضى الله عنه لما ولى الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق ، فقيل له فى ذلك ، فقال : ومن أين أنفق على عيالى؟ فردوه وفرضوا له كفايته . وأما الأحاديث فليس شىء منها يقوم على ساق ، ولا يصح منها شىء عند أهل العلم بالنقل ، أما حديث ابن عباس فرواه سعد بن طريف عن عكرمة عنه ، وسعيد متروك . وأما حديث أبى هريرة فرواه على بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبى جرهم عنه ، وأبو جرهم مجهول لا يعرف ، ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم . وإنما رواه عن أبى المهزم وهو متروك الحديث أيضا ، وهو حديث لا أصل له ، وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلى عن عبادة بن نسى عن الأسود بن ثعلبة عنه ، والمغيرة معروف عند أهل العلم ولكن له مناكير، هذا منها ، قاله أبو عمر. ثم قال : وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم ، لأنه روى عن عبادة من وجهين ، وروى عن أبى بن كعب من حديث موسى بن على عن أبيه عن أبى، وهو منقطع . وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل ، وحديث عبادة وأبى يحتمل التأويل لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا ، وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال " خير الناس وخير من يمشى على جديد الأرض المعلمون ، كلما خلق ا لدين - صار قديما - جددوه ، أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم ، فإن المعلم إذا قال للصبى : قل بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال الصبى بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءه للصبى وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار" . انتهى ما قاله القرطبى ، لكنه لم يذكر درجة هذا الحديث ، وهو إن كان ضعيفا يعمل به فى فضائل، الأعمال . يتلخص من هذا ، أن الأجر على تعليم القرآن جائز إن لم يتعين عليه ، وكذلك إن تعين عليه لكنه مشغول بتحصيل قوته فيجعل له بيت المال أو المسلمون ما يجعله متفرغا للتعليم ، ثم قال القرطبى " ص 337" : واختلف العلماء فى حكم المصلى بأجرة، فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر فى رمضان يقوم للناس - صلاة التراويح وقيام الليل - فقال : أرجو ألا يكون به بأس ، وهو أشد كراهة له فى الفريضة . وقال الشافعى وأصحابه وأبو ثور: لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه . وقال الأوزاعى : لا صلاة له ، وكرهه أبو حنيفة وأصحابه .
3- أما أصحاب الأصوات الحسنة الذين يقصدون من قراءتهم إدخال السرور على السامعين ، سواء كانت المناسبة أفراحا وأعيادا أم عزاء مثلا، مع التزام كل الآداب المطلوبة من القراء والسامعين ، إن كانت هناك مساومة على الأجر يمكن أن ينطبق عليه حديث النهى عن الأكل والتسول به ، وعن الاستكثار والتفاخر بالصوت الجميل ، لأن العمل ليس تعليما للقرآن ولا تعليما للدين به ، بل مجرد قراءة لا يقصد بها وجه الله عند بعضهم ، فهى قربة كالصلاة لا تطلب بها الدنيا ماديا ولا أدبيا ، أما إذا لم تكن مساومة وأعطيت كهدية فلا مانع من قبولها ، وقد يثاب دافعها إن قصد بها تكريم القرآن وحامله إن كان غنيا ، أو مساعدته إن كان محتاجا للمساعدة . وإن قصد بقراءة القرآن علاج مريض ، كالرقى التى أجازها النبى صلى الله عليه وسلم ، فلا مانع من اشتراط الأجر وقبوله . وقد جاء النص على هذه الحالة فى حديث رواه البخارى عن ابن عباس أن نفرا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ أو سليم ، فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال : هل فيكم من راق فإن فى الماء رجلا لديغا أو سليما ؟ فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شياه - أى في مقابل شياه - فجاء بالشاه إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا : أخذت على كتاب الله أجرا ؟ حتى قدموا المدينة فقالوا : يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " وجاء فى رواية اخرى أن الراقى طلب أجرا لأن القوم أبوا أن يضيفوهم وكانوا فى حاجة إلى الضيافة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه " قد أصبتم ، اقتسموا واضربوا لى معكم سهما ، وضحك ، وذلك مبالغة فى تأنيسهم ، واللديغ يطلق عليه أيضا السليم من باب التفاؤل ، وحاول المانعون من أخذ الأجرة الرد على هذا الحديث بأنه منسوخ ، لكن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال ، بل لابد له من دليل ، كما ردوا بأن الأجر فيه هو على الرقية لا على التلاوة والتعليم ، أما الأجر على التعليم فهو ممنوع . ولا يخفى ما فى هذا من تعسف لا داعى له ، فكل منفعة تقدم للغير يجوز أخذ مقابل لها ما دامت مشروعة وغير تمتعينه أما أتمتعينه كالزكاة فليس لها مقابل مادى ممن أخذها ، لأنها حقه كما قال سبحانه { وفى أموالهم حق للسائل والمحروم } الذاريات : 19 ، . هذا هو خلاصة ما أخذته من الأحاديث الواردة فى أخذ الأجر على القرآن ، تلاوة أو تعليما أو إفادة بطريق مشروع ، وقد رأينا خلاف الفقهاء فى جواز الأخذ ومنعه ، وما دام الأمر خلافيا فلا يجوز التعصب لرأى ، مع التوصية بالمحافظة على جلال القرآن والاهتمام بثواب الله سبحانه . ويعجبنى ما ختم به صاحب " منتقى الأخبار " الذى شرحه الشوكانى ، الأحاديث الواردة فى الموضوع ، وهو يميل إلى المنع ، فقال بعد ذكر حديث رقية الرجل اللديغ ، وقد صح أن النبى صلى الله عليه وسلم زوج امرأة رجلا على أن يعلمها سورا من القرآن . ومن ذهب إلى الرخصة لهذه الأحاديث حمل حديث أبى وعبادة - المانعين - على أن التعليم كان قد تعين عليهما، وحمل فيما سواهما من الأمر والنهى على الندب والكراهة ، يعنى على عدم الوجوب والحرمة . هذا ، وأما قراءة القرآن من أجل نفع الميت بها ، ففيها خلاف للعلماء بين المنع من استفادته بها بناء على أنها عبادة بدنية لا تقبل النيابة، وبين الجواز بناء على رجاء رحمة الله وما ورد من بعض النصوص ، ومن تتبع أقوال الكثيرين يمكن استنتاج ما يلى :
4- 1 -إذا قرى القرآن بحضرة الميت فانتفاعه بالقراءة مرجو، سواء أكان معها إهداء أم لم يكن ، وذلك بحكم المجاورة ، فإن القرآن إذا تلى ، وبخاصة إذا كان فى اجتماع ، حفت القارئين الملائكة ، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، روى مسلم قول النبى صلى الله عليه وسلم : " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يقرءون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة " والقرآن ذكر بل أفضل الذكر، وقد روى مسلم وغيره حديث " لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده " بل لا يشترط لنزول الملائكة وغيرهم أن تكون القراءة أو الذكر فى جماعة ، فيحصل ذلك للشخص الواحد . روى البخارى ومسلم حديث أسيد بن حضير الذى كان يقرأ القرآن فى مربده وبجواره ولده وفرسه ، وجاء فيه :
فإذا مثل الظلة فوق رأسى، فيها أمثال السرج عرجت فى الجو حتى ما أراها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تلك الملائكة تستمع لك ، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم ) . على أن النص قد جاء بقراءة " يسو~ " عند الميت ، روى أحمد وأبو داود والنسائى ، واللفظ له ، وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " قلب القرآن يس ، ولا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر الله له ، اقرأوها على موتاكم " . وقد أعل الدارقطنى وابن القطان هذا الحديث ، لكن صححه ابن حبان والحاكم ، وحمله المصححون له على القراءة على الميت حال الاحتضار، بناء على حديث فى مسند الفردوس " ما من ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون الله عليه " . لكن بعض العلماء قال : إن لفظ الميت عام لا يختص بالمحتضر ، فلا مانع من استفادته بالقراءة عنده إذا انتهت حياته ، سواء دفن أم لم يدفن ، روى البيهقى بسند حسن أن ابن عمر استحب قراءة أول سورة البقرة وخاتمتها على القبر بعد الدفن . فابن حبان الذى قال فى صحيحه معلقا على حديث " اقرءوا على موتاكم يس " أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه ، رد عليه المحب الطبرى بأن ذلك غير مسلم له وإن سلم أن يكون التلقين حال الاحتضار .
قال الشوكانى : واللفظ نص فى الأموات ، وتناوله للحى المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة " نيل الأوطار ج 4 ص 52 " .
والنووى ذكر فى رياض الصالحين تحت عنوان : الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء له والاستغفار والقراءة " الباب الحادى والستون بعد المائة " ذكر أن الشافعى قال : يستحب أن يقرأ عنده شىء من القرآن ، وإن ختموا القرآن كان حسنا . وجاء فى المغنى لابن قدامة " ص 758" : تسن قراءة القرآن عند القبر وهبة ثوابها ، وروى أحمد أنه بدعة ، ثم رجع عنه . وكره مالك وأبو حنيفة القراءة عند القبر حيث لم ترد بها السنة . لكن القرافى المالكى قال : الذى يتجه أن يحصل للموتى بركة القراءة، كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده .
2 -إذا قرىء القرآن بعيدا عن الميت أو عن القبر وامتنع انتفاعه به بحكم المجاورة وحضور الملائكة، اختلف الفقهاء فى جواز انتفاع الميت به ، وهناك ثلاث حالات دار الخلاف حولها بين الجواز وعدمه : الحالة الأولى : إذا قرأ القارئ ثم دعا الله بما قرأ أن يرحم الميت أو يغفر له ، فقد توسل القارئ إلى الله بعمله الصالح وهو القراءة، ودعا للميت بالرحمة، والدعاء له متفق على جوازه وعلى رجاء انتفاعه به إن قبله الله ، كمن توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فانفرجت عنهم الصخرة التى سدت فم الغار. وفى هذه الحالة لا ينبغى أن يكون هناك خلاف يذكر فى عدم نفع الميت بالدعاء بعد القراءة .
الحالة الثانية : إذا قرأ القارىء ثم دعا الله أن يهدى مثل ثواب قراءته إلى الميت .
قال ابن الصلاح : وينبغى الجزم بنفع : اللهم أوصل ثواب ما قرأناه ، أى مثله ، فهو المراد ، وأن يصرح به لفلان ، لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعى فما له أولى، ويجرى ذلك فى سائر الأعمال . ومعنى كلام ابن الصلاح أن الداعى يدعو الله أن يرحم الميت : والرحمة ليست ملكا له بل لله ، فإذا جاز الدعاء بالرحمة وهى ليست له فأولى أن يجوز الدعاء بما له هو وهو ثواب القراءة أو مثلها .
وكذلك يجوز فى كل قربة يفعلها الحى من صلاة وصيام وصدقة، ثم يدعو بعدها أن يوصل الله مثل ثوابها إلى الميت . وقد تقدم كلام ابن قدامة في المغنى عن ذلك . والدعاء بإهداء مثل ثواب القارئ إلى الميت هو المراد من قول المجيزين : اللهم أوصل ثواب ما قرأته لفلان . الحالة الثالثة : إذا نوى القارئ أن يكون الثواب ، أى مثله ، للميت ابتداء أي قبل قراءته أو فى أثنائها يصل ذلك إن شاء الله ، قال أبو عبد الله الأبى : إن قرأ ابتداء بنية الميت وصل إليه ثوابه كالصدقة والدعاء ، وإن قرأ ثم وهبه لم يصل ، لأن ثواب القراءة للقارىء لا ينتقل عنه إلى غيره .
وقال الإمام ابن رشد فى نوازله : إن قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز وحصل للميت أجره ، ووصل إليه نفعه ، ولم يفصل بين كون الهبة قبل القراءة أو معها أو بعدها ، ولعله يريد ما قاله الأبى . هذا، وانتفاع الميت بالقراءة مع الإهداء أو النية هو ما رآه المحققون من متأخرى مذهب الشافعى، وأولوا المنع على معنى وصول عين الثواب الذى للقارىء أو على قراءته لا بحضرة الميت ولا بنية ثواب قراءته له ، أو نيته ولم يدع له ، وفد رجح الانتفاع به أحمد وابن تيمية وابن القيم . وقد مر كلامهم فى ذلك . قال الشوكانى " نيل الأوطار ج 4 ص 142 " : المشهور من مذهب الشافعى وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعى إلى أنه يصل ، كذا ذكره النووى فى الأذكار. وفى شرح المنهاج : لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور، والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته ، وينبغى الجزم به لأنه دعاء ، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعى فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفا على استجابة الدعاء . وهذا المعنى لا يختص بالقراءة ، بل يجرى فى سائر الأعمال . والظاهر أن الدعاء متفق عليه أن ينفع الميت والحى، والقريب والبعيد، بوصية وغيرها ، وعلى ذلك أحاديث كثيرة ، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب .
انتهى . هذا، وقد قال الأبى : والقراءة للميت ، وإن حصل الخلاف فيها فلا ينبغى إهمالها ، فلعل الحق الوصول ، فإن هذه الأمور مغيبة عنا ، وليس الخلاف فى حكم شرعى إنما هو فى أمر هل يقع كذلك أم لا. وأنا مع الأبى فى هذا الكلام ، فإن القراءة للميت إن لم تنفع الميت فهى للقارئ ، فالمستفيد منها واحد منهما، ولا ضرر منها على أحد. مع تغليب الرجاء فى رحمة الله وفضله أن يفيد بها الميت كالشفاعة والدعاء وغيرهما . وهذا الخلاف محله إذا قرئ القرآن بغير أجر، أما إن قرى بأجر الجمهور على عدم انتفاع الميت به ، لأن القارئ أخذ ثوابه الدنيوى عليها فلم يبق لديه ما يهديه أو يهدى مثل ثوابه إلى الميت ، ولم تكن قراءته لوجه الله حتى يدعوه بصالح عمله أن ينفع بها الميت ، بل كانت القراءة للدنيا . ويتأكد ذلك إذا كانت هناك مساومة أو اتفاق سابق على الأجر أو معلوم متعارف عليه ، أما الهدية بعد القراءة إذا لم تكن نفس القارئ متعلقة بها فقد يرجى من القراءة النفع للميت والأعمال بالنيات ، وأحذر قارئ القرآن من هذا الحديث الذى رواه أحمد و الطبرانى والبيهقى عن عبد الرحمن بن شبل ( اقرأوا القرآن واعملوا به ، ولا تجفوا عنه ، ولا تغلوا فيه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به ) قال الهيثمى : رجال أحمد ثقات ، وقال ابن حجر فى الفتح :
سنده قوى . وفسر الأكل به بأخذ الاجرة عليه ، كما فسره بالاستجداء به والتسول . وقد قال الشيخ حسنين محمد مخلوف فى أخذ الأجرة على قراءة القرآن : مذهب الحنفية لا يجوز أخذها على فعل القرب والطاعات كالصلاة والصوم وتعليم القرآن وقراءته ، ولكن المتأخرين من فقهاء الحنفية استثنوا من ذلك أمورا ، منها تعليم القرآن ، فقالوا بجواز أخذ الأجرة عليه استحسانا، خشية ضياعه ، ولكن بقى حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن على ما تقرر فى أصل المذهب من عدم الجواز. ومذهب الحنابلة لا يجوز أخد الأجرة على تعليم القرآن ولا على قراءته ، استنادا إلى حديث " اقرءوا القرآن . . . " الذى تقدم .
.
ومذهب المالكية لا يجوز أخذ الأجرة على ما لا يقبل النيابة من المطلوب شرعا كالصلاة والصيام ، ولكن يجوز أخذ الأجرة على ما يقبل النيابة، ومنه تعليم القرآن وقراءته ، ومذهب الشافعية يجوز أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه ، سواء أكانت القراءة عند القبر أو بعيدة عنه ، مع الدعاء بوصول الثواب إلى الميت . انتهى "الزرقانى ج 5 ص 406 "

(7/458)


اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
قال تعالى عن أهل الكتاب { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } فهل كانوا يعبدونهم ويتقربون إليهم ؟

الجواب
قال تعالى { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون . اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } التوبة : 30 ، 31 .
فى هاتين الآيتين نعى على اليهود والنصارى الذين نسبوا إلى الله ولدا كما قال الكفار: الملائكة بنات الله ، ونعى عليهم أنهم اتخذوا رؤساءهم الروحيين أربابا من دون الله ، فما معنى اتخاذهم أربابا ؟ جاء فى تفسير القرطبى "ج 8 ص 120 " قال أهل المعانى : جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم فى كل شىء ، ومنه قوله تعالى { قال انفخوا حتى إذا جعله نارا } أى كالنار. وقد سئل حذيفة عن معنى هذه الآية هل عبدوهم ؟ فقال : لا، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه ، وحرموا عليهم الحلال فحرموه ، وروى الترمذى عن عدى ابن حاتم قال : أتيت النبى صلى الله عليه وسلم وفى عنقى صليب من ذهب ، فقال " ما هذا يا عدى اطرح عنك هذا الوثن " وسمعته يقرأ فى سورة براءة { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم } ثم قال " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه " قال : هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث عبد السلام بن حرب ، وغطيف بن أعين ليس بمعروف فى الحديث . .
يؤخذ من هذا أن تفسير اتخاذهم أربابا بطاعتهم فى التحليل والتحريم ليس فيه نص صحيح يعتمد عليه ، وإنما هو اجتهاد غير ملزم ، فغاية ما يمكن أخذه من الآية أن طاعة الأحبار والرهبان طاعة مطلقة كطاعة الله خطأ، لأن هؤلاء الرؤساء غير معصومين ، فقد تجر طاعتهم إلى العصيان أو الكفر. والإسلام إذا كان يأمر بطاعة أولى الأمر فذلك محله فى غير المعصية، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ، وقد صح فى حديث المبايعة الذى رواه البخارى ومسلم أن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا ، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان .
والبواح -بضم الباء هو الصراح - بضم الصاد - الذى جاء فى رواية الطبرانى، وهو أيضا البراح - بضم الباء وبالراء بدل الواو - الذى جاء فى بعض الروايات ، والوراد به الظاهر البين الذى تشهد له النصوص ولا يقبل التأويل . ومع عدم الطاعة فى المعصية هل يجوز الخروج على ولى الأمر وعزله ؟ إن حديث عبادة يدل على أنه لا تجوز المنابذة إلا عند ظهور الكفر الواضح الذى ليس فيه شبهة ، ومنه الطعن فى صلاحية حكم الله ، واعتقاد ما أجمع على حرمته كالزنى والربا أنه حلال ، أما ارتكاب المحرمات بغير اعتقاد حلها فهو عصيان لا يخرج به إلى الكفر ولا يجيز الخروج عليه ، لكن النووى حمل الكفر فى الحديث على المعصية، وابن حجر فصل فى الموضوع فقال : والذى يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة فى الولاية فلا ينازعه بما يقدح فى الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية ، فإذا لم يقدح فى الولاية نازعه فى المعصية ، بأن ينكر عليه برفق ، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ، ومحل ذلك إذا كان قادرا .
وعلى ضوء ما قاله ابن حجر: إن فسق الإمام ولم يكفر وجب نصحه بالأسلوب الذى يرجى منه الخير ولا يؤدى إلى فتنة .
ووضع قوانين تحليل الحرام كالربا والخمر حرام دون شك ، لكن لا يحكم بالكفر على واضعها والحاكم بها بناء على قوله تعالى{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } إلا إذا كان هناك اعتقاد بأن حكم الله غير صحيح ، وأن القانون الوضعى هو الصحيح ، والطاعة لهذه القوانين غير جائزة، سواء كانت من منطلق كفر من وضعوها أو عصيانهم وفسقهم ، لأن طاعتها تدخل تحت الاية { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ولابد من تغيير هذا المنكر، لكن بالطرق المشروعة التى لا تؤدى إلى فتنة ، ويمكن الرجوع إلى كتابنا " نعم ، الإسلام هو الحل ولكن أين الطريق " الذى أعيد نشره بعنوان " المنهج السليم إلى صراط الله المستقيم " أو إلى كتابنا : الإسلام ومشاكل الحياة أو إلى الجزء الأول من كتاب " بيان للناس من الأزهر الشريف "

(7/459)


كل يوم هو فى شأن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما تفسير قوله تعالى فى سورة الرحمن {كل يوم هو فى شأن } ؟

الجواب
يقول الله تعالى{يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن } الرحمن : 29،هذه الآية فيها جملتان ، الأولى " يسأله من فى السموات والأرض " ومعناها أن كل المخلوقات محتاجة إليه ، تطلب منه بلسان حالها أو مقالها كل ما تريده من رزق ورحمة ومغفرة وما إلى ذلك ، والجملة الثانية هى {كل يوم هو فى شأن } والكلام فى تفسيرها كثير، ولكن يجب أن نعلم أن الله سبحانه علم كل شيء قبل أن يخلقه ، وكتب فى اللوح المحفوظ ما سيكون عليه كل مخلوق وما يجرى على العالم كله ، فعلمه سبحانه لا يتغير فى أى يوم من الأيام ، أى مطلقا ، سواء أردنا بالأيام أيام الدنيا ، أو أردنا أنها يومان ، يوم للدنيا ويوم للآخرة، وهو بقدرته سبحانه ينفذ مضمون علمه ، وذلك يقتضى إشرافه الدائم على شئون خلقه ، لا يشغله شأن عن شأن ، فهو ليس مثلنا إذا شغلنا بشيء شغلنا عن الآخر فى اللحظة الواحدة، على حد قوله تعالى{ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه }الأحزاب : 4 ،وهو بوجوده الدائم وألوهيته المستمرة حاضر لا يغيب ، مسيطر على الكون كله ، ومنصرف فيه بقدرته حسب علمه وإرادته ، يولج الليل فى النهار و يولج النهار فى الليل ، ويخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ويشفى سقيما ويسقم سليما ، ويبتلى معافى ويعافى مبتلى ويعز ذليلا ويذل عزيزا ، ويفقر غنيا ويغنى فقيرا إلى غير ذلك من سائر التصرفات ، وهى كلها -كما عبر بعض الكاتبين - أمور يبديها ولا يبتديها ، أى يظهرها للناس وهى معلومة له من قبل ، فلا يبدأ عملها عند وجودها .
والإله الذى بهذا الوصف لا يمكن حصر أفعاله ولا أوامره التى ينفذ بها مقاديره ، قال تعالى {ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم }لقمان : 27،وقال {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا}الكهف : 109 ،وهو وحده القادر على السيطرة على العالم كله ، كما قال سبحانه : {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعد5} فاطر: 41 .
وبعد، فإن قوله تعالى {يسأله من فى السموات والأرض كل يوم هو فى شأن } يقوى فينا الإيمان بالحاجة الدائمة إليه ، فلا نرجو أحدا سواه ، لأنه حاضر لا يغيب ، يجيب المضطر إذا دعاه ، ويستجيب لمن ناداه {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد} فاطر:15،{فسبحان الذى بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } يس 83

(7/460)


تكرار الآيات

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نرى فى القرآن الكريم تكرارا لبعض الآيات بمعنى واحد، فما هى حكمة ذلك ؟

الجواب
ذكر الله سبحانه قوله تعالى فى سورة الرحمن {فبأى آلاء ربكما تكذبان } إحدى وثلاثين مرة والآلاء هى النعم ، ومفرد الآلاء إلى مثل معى وأمعاء على بعض الأقوال اللغوية ، والخطاب هنا للأنس والجن . وهما المرادان بالأنام فى قوله تعالى فى السورة نفسها ، {والأرض وضعها للأنام } كما أنهما المرادان بالثقلين فى قوله تعالى{سنفرغ لكم أيها الثقلان } وقد صرح بذلك فى قوله تعالى{يا معشر الجن والإنس } وفى قوله تعالى {خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار } والله سبحانه عدد فى هذه السورة نعما كثيرة ، وهذه النعم أثر من آثار قدرة الله ورحمته ، وحق من له هذه القدرة ومنه هذه الرحمة أن يعبد وحده ولا يشرك به سواه من خلقه .
وبعض هذه النعم لا يظهر لأول وهلة وجه النعمة فيها مثل {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام } ولكن بالإمعان فى النظر نجد أن فناء الخلق عند نهاية الدنيا وبقاء الله وحده من أكبر النعم ، حيث يكون بعد المموت بعث وحساب وجزاء وينال أجره العادل من حرم منه فى الدنيا ، ويقع العقاب على من أفلت منه فى الدنيا ، قال تعالى{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} الأنبياء : 47،والمؤمن بهذه الحقيقة لا تضيق نفسه إن ظلم من العباد فى الدنيا فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يتحسر إن وجد العاصين الظالمين ينعمون فى الدنيا أكثر مما يتنعم به المؤمنون الصالحون ، لأن الله سيقول لهم يوم القيامة{أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } الأحقاف : 20 .
وتكرار هذه الجملة بعد كل نعمة، وعدم الاكتفاء بها مرة واحدة أسلوب من الأساليب البلاغية فى لغة العرب ، وهو دليل على أن كل نعمة بذاتها كافية للإيمان بالله وتوكيد للحجة، وذلك كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو ينكره ويكفره ، ألم تكن فقيرا فأغنيتك ، أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك ، أفتنكر هذا؟ ألم تكن ماشيا فأركبتك ، أفتنكر هذا؟ ذكره القرطبى فى تفسيره ، وروى الحاكم عن جابر قال :
قرأ علينا رسول الله سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال "ما لى أراكم سكوتا ، للجن كانوا أحسن منكم ردا ، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة {فبأى آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد

(7/461)


حكمة تكرار القصة فى القرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ذكرت قصة سيدنا موسى فى القرآن أكثر من مرة وموضوعها واحد، مع تشابه النصوص فى كل موضع ، والتكرار فى النص الأدبى يضعفه فكيف يتناسب ذلك مع إعجاز القرآن و بلاغته ؟

الجواب
قص القرآن الكريم هو أحسن القصص صدقا وبلاغة ، قال تعالى {نحن نقص عليك نبأهم بالحق } الكهف : 13 ،وقال {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } هود : 49، وتتضح حكمة هذا القصص من قوله تعالى {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك فى هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } هود :125 .
وإذا كان هناك تكرار فى القرآن للقصة الواحدة فلا ينبغى أن يغيب عن أذهاننا أن القران لم ينزل مرة واحدة حتى يعاب التكرار، ولكنه نزل منجما مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة، تنزل الجملة منه بحسب الظروف الطارئة ، والقصة الواحدة قد تصلح لكل هذه الظروف ، متسقة معها مراعاة لمقتضى الحال ، وذلك هو سر البلاغة التى نزل بها القرآن فى أعلى درجاتها .
والنظرة العابرة إلى القصة التى نزلت عدة مرات قد يفهم منها أنها متشابهة متماثلة تماما ، لكن النظرة الدقيقة ترينا أن الحكمة فى موضع يركز فيها على جانب منها وتكون الجوانب الأخرى تابعة ومكملة، لأن المقام يقتضى إبراز هذا الجانب ، بينما تراها هى فى موضع آخر يركز فيها على جانب معين منها كان فى غيرها من التوابع المكملة، وذلك لاقتضاء المقام له أيضا، ولذلك قد يهمل فى بعضها لفظ أو يترك تعيين اسم يوجد له داع للذكر، أو التعيين فى مقام آخر، ومن هنا كانت متغايرة وليست متشابهة ، بالنظر إلى الجانب الذى كان عليه التركيز فى كل منها .
وليست قصة موسى هى وحدها التى تكررت فى القرآن ، فإلى نجانبها قصص لرسل آخرين ، تحمل هذه الحكمة التى فى قصة موسى، وقد يرشح للاهتمام بها تشابه ظروف الدعوة أكثر بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، وبخاصة أن عددا كبيرا من اليهود كانت موجودا فى المدينة وكان لهم دور كبير فى مقاومة الدعوة على أن قضية ضعف النص الأدبى بتكراره ليست دائمة مسلمة، فقد يكون لتكراره ما يجعله بليغا حتى لو كان متشابها تمام التشابه فى تركيبه ، سواء منه المفردات والجمل ، وكان من البلاغة العربية تكرار اسم الحبيب فى البيت الواحد من الشعر تعميقا لحبه وإيذانا بشرفه .
ألا حبذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النأى والبعد وتكرار قوله تعالى فى سورة الرحمن {فبأى آلاء ربكما تكذبان } إحدى وثلاثين مرة تنبيه على أن كل نعمة من النعم التى احتوتها تستحق أن يذكر بها حتى لا تنسى وحتى يعرف فضل المنعم بها وتكرار قوله تعالى فى سوره المرسلات {ويل يومئذ للمكذبين } عشر مرات ، وهى قصيرة أيضا كسورة الرحمن ، دليل على أن المقام يقتضى التنبيه والتحذير عند كل ما يذكر من موجبات هذا التحذير .
وبهذا لا مجال للطعن فى بلاغة القرآن الكريم ، الذى تحدى الله به الجن والإنس وما يزال يتحدى ، ومن تعمق فى المعوقة والتدبر أدرك أنه ما يزال على الشاطئ ولم ينزل بعد إلى البحر بأعماقه المليئة بالأسرار، فهو صنع الله الذى أتقن كل شىء {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} فصلت : 42

(7/462)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية