صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : فتاوى ابن حجر الهيثمى

وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ بما لفظه: ذكر الأذرعي في تفريق الصفقة أنه لو قال أحد الشريكين لآخر بعتك نصف هذه العين وكانت بينهما مناصفة صح وحمل على النصف الذي يملكه البائع فكيف هذا مع ما في الروضة في التشطير أنه يصح ويحمل على الإشاعة حتى يصح في نصف ما يملكه فقط فما الفرق؟. فأجاب نفعنا الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله: ما ذكره الأذرعي رحمه الله تبارك وتعالى هو ما في زيادة الروضة في العتق وما رجحوه في التشطير من الإشاعة هو في الصداق فقط، والفرق أن الصداق جميعه للزوجة إلا أن يحصل الفراق فلفظها بالتصرف فيه صدر منها حال ملكها للجميع ولا مرجح يقتضي اختصاص اللفظ ببعض المملوك حالة التصرف دون بعض فحمل اللفظ المطلق على الإشاعة إذ لا مرجح، وأما البيع فإنما يملك البائع فيه حال تصرفه النصف فحمل اللفظ المطلق على ما يملكه، لأن الظاهر أن الإنسان لا يبيع ما لا يملكه فهذا مرجح للحمل على الحصر دون الإشاعة فعمل به.
وسئل رحمه الله تعالى عن قول النووي رحمه الله تعالى في الروضة ولو وقف على طرف الأرض وقال بعتك كذا ذراعا من موقفي هذا في جميع العرض إلى حيث ينتهي في الطول صح هل ما يفهم منه من التقييد بما صوره معتبر أم لا؟. فأجاب نفع الله سبحانه وتعالى بعلومه بقوله قوله وقف وقوله في جميع العرض وقوله إلى حيث ينتهي في الطول تمثيل لا تقييد، إذ لا فرق بين أن يقف على طرفها أو في وسطها إذا عين جهة المبيع من موقفه وعلم ممره، ولا فرق بين أن يقول في جميع الأرض أو نصفه أو ثلثه مثلا ولا بين أن يقول إلى حيث ينتهي في الطول أو يسكت عن ذلك فإن قوله يعني ذراعا من موقفي هذا في جميع العرض يستلزم أن يكون المبيع من الموقف إلى حيث ينتهي الذراع في الطول فذكره زيادة إيضاح كما ذكره بعضهم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211

(1/453)


وسئل رحمه الله تعالى بما لفظه: لا يخفى عليكم ما يقع في بندر جدة والإسكندرية وغيرهما من أنه قد يباع الشيء بسعر كذا ثم يوزن هو وظرفه ويحط للظرف مقدار معلوم مصطلح عليه وللوزان شيء وللحمال شيء وقد يعتادون دخول الظرف وقد لا فما الحكم في ذلك كله؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: الذي دل عليه كلامهم أنه لا أثر للعرف المطرد في ذلك وغيره بل إن اشتمل البيع على جهالة أو اشتراط ما ليس مبيعا لغير مالكه أو نحو ذلك بطل البيع، وأما ما أفتى به بعضهم في نحو ذلك مما يخالف ذلك حيث قال إنه يجري في ذلك على العادة المطردة كما قاله ابن عبد السلام في الوقف بالعرف المطرد يقتضي أنه شرط في العقد أن الجميع من الظرف والمظروف مبيع كل كذا منه بكذا على ما اعتيد ويحط من ذلك قدر عشرين مثلا فلا يجب ثمن زيد في مقابلته وكان العشر أو نصفه مردودا على ذلك بالتوزيع وما جعل في العقد ثمنا للقنطار مثلا فهو ثمن له ولما رد عليه من الموزع فكأنه قال في صورة حط العشر قنطار وتسع قنطار من الظرف والمظروف بكذا وهذا مما لا يتردد فيه أحد للإجماع الفعلي السكوتي في الأعصار والأمصار، ولأن العادة محكمة ولا فرق في ذلك بين أن يكون المبيع لمن يعبر عن نفسه أو غيره اهـ ففيه نظر والفرق بين المبيع والوقف ظاهر والإجماع الفعلي ليس موجودا وكون العادة محكمة فيما للعادة فيه دخل، وهذا ليس منه ثم رأيت البلقيني سئل عن بيع ما يوزن كل قنطار منه بوزن معلوم على أن يطرح أرطالا معلومة بسبب الظرف ونحوه، وقد يزيد وقد ينقص عن القدر المطروح فأجاب بأن البيع في هذه الحالة لا يصح وهو يؤيد ما ذكرته ويؤيده أيضا قول الروياني كالأصحاب لو قال بعتك هذا السمن بعشرة على أن أزنه بظرفه ثم أسقط من الثمن بقسط وزن الظرف إن علما عند العقد وزنه وقدر قسطه صح البيع وإن جهلاه أو أحدهما لم يصح لجهالة الثمن، قالوا وهذا بخلاف ما لو قال بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم ثم

(1/454)


أطرح وزن الظرف فإنه يصح، لأن حاصله بيع السمن جميعه كل رطل بدرهم فلا يضر جهالة وزن الظرف اهـ، ويؤيده أيضا أطباقهم على أنه لو قال بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم على أن يوزن الظرف معه ويحسب على المشتري وزنه ولا يكون الظرف مبيعا كان البيع باطلا لأنه شرط في بيع السمن أن يوزن معه غيره وليس ذلك الموزون مبيعا فلم يصح هكذا أطلقوه ولم يفرقوا بين أن يعلما وزن الظرف أم لا، ويؤيده أيضا ما في شرح المهذب من أنه إذا اشترى سمنا أو غيره من المائعات أو غيرها في ظرفه كل رطل بدرهم مثلا على أن يوزن بظرفه ويسقط أرطالا معينة بسبب الظرف ولا يوزن الظرف فالبيع باطل بلا خلاف لأنه غرر ظاهر. قال: وهذا من المنكرات المحرمة التي تقع في كثير من الأسواق.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211
وسئل رحمه الله تعالى عمن باع أمة ثم ادعى أنها حامل بحر وأنكرالمشتري فمن المصدق منهما؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: إذا أنكر المشتري أصل الحمل صدق فإن ثبت بالعرض على القوابل وادعى البائع حريته لكون أعتقه أو لكونه من وطء شبهة أو لكونه منه لم يصدق أخذا بقاعدة يصدق مدعي الصحة.
وسئل رحمه الله تعالى عمن قال أد حقي إلى هذا الصبي هل يبرأ أو يفرق بين العين والدين؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: الذي عليه أكثر الأصحاب أنه لا يبرأ في الدين بل صرح به جمع منهم أنه لا يصح قبضه للعين أيضا، وأما ما في الوسيط من أنه لو قال رد الوديعة إليه بريء فالبراءة فيه ليست لصحة القبض بل للإذن منه المنزل منزلة الإذن في الإتلاف ولو أذن له بإتلاف ماله فأتلفه لم يضمن وإن عصى وما في البيان من صحة قبضه وللوالدين ضعيف على أنه ناقض نفسه فقال في محل آخر لا يصح.

(1/455)


وسئل رحمه الله تعالى عن المقبوض بسوم الإجارة أو البيع هل تضمن منافعه لو مكث مدة عند القابض أم لا؟. فأجاب بقوله: الذي ذكروه أن المقبوض بالسوم مضمون فيحتمل شموله للمقبوض بسوم البيع والإجارة وللعين والمنفعة ويحتمل تخصيصه بعين المقبوض بسوم البيع بخلاف منفعته وبخلاف المقبوض بسوم الإجارة عينه ومنفعته وللنظر في ذلك مجال، ولكن الثاني هو المنقدح لأن يد المستأجر يد أمانة فلا يضمن العين والموجب لضمان المنفعة، أما العقد أو التعدي ولم يوجد واحد منهما.
وسئل رحمه الله تعالى عما إذا تلفظ البائع بالصريح فأجاب المشتري بالكناية أو عكسه فهل هو من توافق الإيجاب والقبول؟. فأجاب نفع الله تبارك تعالى بعلومه بقوله: نعم هو من توافقهما فيصح العقد بلا توقف في ذلك لمن راجع كلامهم.
وسئل رحمه الله تبارك وتعالى عن الفرق بين بطلان البيع في بعتك نصفك ووقوع نحو الطلاق بطلقت نصفك؟. فأجاب نفع الله تبارك وتعالى بعلومه المسلمين بقوله: الفرق أن نحو الطلاق والعتق عهدت فيه السراية والتعبير بالبعض عن الكل فأثر ذلك فيه بخلاف نحو البيع فإنه يشترط فيه وقوع الخطاب صحيحا وبعتك نصفك غير صحيح، أما على السراية فواضح إذ البيع لا يقبلها وأما على التعبير بالبعض عن الكل فلأنه مجاز لم تقم عليه قرينة.

(1/456)


وسئل رحمه الله تبارك وتعالى هل تجوز المعاملة بالمغشوشة وهل هي مثلية، وما المراد بكونها مثلية هل هو في السكة أو في قدر الغش أو في غير ذلك؟. فأجاب نفع الله تبارك وتعالى بعلومه المسلمين بقوله: الأكثرون على جواز المعاملة بها وإن جهل قدر ما فيها من الفضة وفي التتمة إن جوزنا المعاملة بها فهي مثلية وإلا فهي متقومة وإذا أتلفت. قال ابن الرفعة : ضمن قيمتها بالنقد الآخر وبالعكس بلا خلاف وكأنه أخذ ذلك من قول الشيخ أبي حامد وغيره في الدعوى بها أنه يذكر قيمتها من النقد الآخر وهذا من هؤلاء الجماعة فيه تصريح بأنها متقومة فإن قلنا بأنها مثلية كما مر عن التتمة فينبغي كما قاله السبكي و الأذرعي ضمانها بمثلها من السكة التي أتلفت وإن جهل معيارها أو من سكة أخرى إن راجت رواجها ولم تتفاوت قيمتها.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211
وسئل رضي الله تبارك وتعالى عنه عما إذا خرس البائع أو الراهن قبل الإقباض أو في زمن الخيار أو نحو ذلك ولم يكن له إشارة مفهمة فما الحكم؟. فأجاب نفع الله تبارك وتعالى بعلومه المسلمين بقوله: يقوم القاضي مقامه فيفعل هو أو نائبه ما فيه مصلحته.
وسئل رضي الله تبارك وتعالى عنه هل ذكر حدود المبيع وما يعرف به في العقد مما يطول به الفصل أو لا؟. فأجاب نفع الله تعالى بعلومه المسلمين بقوله: هذا من مصالح العقد بل قد يكون من واجباته إذا توقفت معرفة المبيع عليه وحينئذ فلا يضر ذكره وإن كانا عارفين بتلك الحدود قبل العقد.

(1/457)


وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ عما إذا اختلفا في رؤية المبيع فمن المصدق منهما؟. فأجاب نفع الله تعالى بعلومه بقوله المعتمد: الذي صرح به الشيخان وغيرهما ومشى عليه البلقيني وغيره قال: ولا تغتر بخلافه أي وإن قال به جمع متأخرون ك الإسنوى والأذرعي والزركشي أن القول قول مثبتها لأنه الموافق لقاعدة أن القول قول مدعي الصحة ولأن إقدام المنكر على العقد اعتراف منه بصحته ففيه تكذيب لدعواه، ولأن الأصل في العقود الجارية بين المسلمين الصحة كما صرحوا به.
وسئل رحمه الله تعالى عن جماعة باعوا أرضا بيعا صحيحا وحكم به حاكم حنفي المذهب ومضى على ذلك سنون فادعى البائعون أن ذلك المبيع وقف علينا فهل تسمع دعواهم بعد الثبوت لدى الحاكم والحكم به؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: هذه المسألة مع قطع النظر عن حكم الحنفي المذكور تناقض فيها كلام الشيخين في مواضع والمعتمد فيها بل الصواب أن البائع إن قال حين البيع هو ملكي لم تسمع دعواه ولا بينته وإن لم يقل ذلك بأن اقتصر على بعتك سمعت دعواه وبينته فإن لم تكن له بينة حلف المشتري أنه باعه وهو ملكه وحكم الحاكم المذكور لا يمنع ما ذكرناه من التفصيل فقد صرحوا بأنه ليس من المرجحات وما في أصل الروضة عن الشيخ أبي إسحق لا يخالف ما ذكر.
وسئل رحمه الله تبارك وتعالى عمن أقر بالبيع وقبض الثمن ثم ادعى أنه لم يقبض وأنه قدم الإشهاد على القبض فهل تسمع دعواه لتحليف خصمه أو لا؟. فأجاب نفعنا الله بعلومه بقوله: نعم تسمع دعواه لتحليف خصمه كما يصرح به كلامهم في باب الرهن، وأما ما وقع في الجواهر في باب الإقرار من أن المذهب أنه لا تسمع دعواه لتحليف خصمه في هذه الصورة ففيه نظر نقلا ومعنى، فالوجه خلافه.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211

(1/458)


وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ بما لفظه لا يخفى ما عليه اليهود والنصارى من بيع الخمور وتعاطي الربا وغير ذلك فهل تحل معاملتهم وهداياهم وتحرم معاملة من أكثر ماله حرام أو لا؟. فأجاب نفعنا الله به بقوله: حيث لم يتحقق حراما معينا جازت معاملتهم وقبول هديتهم فإنه قبل هداياهم أما إذا تحقق كان رأي ذميا يبيع خمرا وقبض ثمنه وأعطاه للمسلم عن دين أو غيره فإنه لا يحل للمسلم قبوله كما قاله الشيخان، ونقل الزركشي و ابن العماد عن النص ما يوافقه ووجهه أن الاعتبار بعقيدتنا وإن كنا نقرهم على ذلك وكذا يقال في الأكل من أموال الظلمة ومن أكثر أمواله حرام فيكره ما لم يعلم عين الحرام أو ما اختلط به ويمكن معرفة صاحبه كما في المجموع فإن لم يمكن معرفته صار من أموال بيت المال، وحديث البيهقي وغيره من لم يسأل من أين مطعمه ولا من أين مشربه لم يبال الله عز وجل من أي أبواب جهنم أدخله ظاهر فيمن يقدم على تناول ما حل بيده وإن علم أنه من حرام فأما من لم يعلم فلا يصدق عليه ذلك وإن اقتضى الورع تركه وقول الغزالي في غير البسيط تحرم معاملة من أكثر ماله حرام بالغ في المجموع في رده، وقال ليس من مذهبنا وإنما حكاه أصحابنا عن الأبهري المالكي ولو علم أن أكثر ما في يد السوقة حرام لم يجب السؤال خلافا للغزالي ووافقه ابن عبد السلام فيما لو اعترف أن بيده ألف دينار حرام فيها واحد حلال كما لو اختلطت حمامة برية بألف حمامة بلدية، وفرق بأن هنا أصلا يعتمد عليه وهو اليد المقتضية للحل بخلافه في مسألة الحمامة، ومن ثم لم يخرجوه على القولين في النجاسة والطهارة لأن الأصل هنا الحل وترجح باليد، وليس هناك مثل هذا المرجح فثار الخلاف وفارق أيضا ما لو اختلطت مذكيات محصورة بميتات محصورة بأن الميتة حرام لذاتها ولا قرينة تدل عليها بخلاف الحلال بيد من أكثر ماله حرام، وظاهر كلام المالكية تحريم الأخذ والمعاملة إذا كان الأكثر حراما واشتبه واختلف فيه

(1/459)


الحنابلة.
وسئل رحمه الله تعالى عمن باع شيئا في يده لا يدري هو له أم لا وقبض ثمنه فهل يحل له أو لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: قال في البحر: ينبغي أن لا يحل له لأنه مكلف في نفس الأمر بالاحتياط ما أمكن وهو ظاهر إذا اجتهد فلم يظفر بعلامة تدل على أنه له ولا نظر لدلالة اليد على الملك لأن محله بالنسبة لغير ذي اليد، وأما ذو اليد إذا لم يدر استنادها لما يدل على الملك فلا تكون دالة على الملك في حقه، ويحتمل خلافه أخذا بعموم قولهم اليد دالة على الملك ويدل للأول جواز معاملة من يعلم اختلاط ماله بحرام من غير وجوب اجتهاد في تمييز الحلال من الحرام ووجوبه على ذي اليد إذا اختلط ما فيها بحرام، وعلل بأن العبرة في ذلك به لا بنا وإذا جهل وتصرف في المشتبه من غير اجتهاد فالإثم عليه لا علينا، فإن قيل كيف يعول عليه مع العلم بظلمه وفسقه قلنا: لأن دلالة اليد كافية على أنه في الروضة والمجموع قال: لو أخبر فاسق أو كتابي أنه ذكى هذه الشاة قبلناه لأنه من أهله ذكره في التتمة اهـ.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211

(1/460)


وسئل رحمه الله تعالى عن قوم عرفوا بعدم توريث البنات كأهل بجيلة فما حكم ما يجلبونه لمكة من الحب واللوز والزبيب؟. فأجاب نفعنا الله تعالى ببركته وعلومه بقوله: إن علم أن ما بأيديهم اكتسبوا منه شيئا من وجه حل أو لم يعلم شيء فلا يحكم على ما بأيديهم بالحرمة ونحل معاملتهم مع الكراهة إن كان أكثر ما بأيديهم حراما ولا يجب سؤالهم عن الحلال والحرام خلافا للغزالي فيهما وإن لم يكن لهم إلا ذلك الموروث فإن علمت عين مالكه وبقاؤه لم يجز تصرفهم فيه وإن فقد المالك أو جهلت عينه فهو مال بيت المال وإن كانت العين الموروثة أرضا فزرعها بنذره حل تصرفه فيه وتعلقت أجرة الأرض بذمته، وللمحب الطبري في ذلك إفتاء فيه التحذير عن الشراء منهم والتغليظ على فاعله وهو محمول على أن ذلك ورع وإلا فهو مخالف لقواعد المذهب.

(1/461)


وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ عن شراء الأرقاء الموجودين في الأسواق مع عدم التخميس كيف يحل واحتمال جلب كافر لهم بعيد، وللنووي رحمه الله تبارك وتعالى في ذلك تصنيف بينوا حاصله؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: حاصل المذهب في ذلك أنه حيث لم يعلم أنه من غنيمة لم تخمس ولم تقسم حل شراؤه لأن طريق ملكه وإن كان الرق أثر الكفر لا ينحصر في الغنيمة لاحتمال أن يكون حربيا أخذه من حربي أو قهر حربيا واسترقه ولو أباه فإنه يملكه من غير أن يخمس عليه، نعم لو قهر أباه أو ابنه عتقا عليه فلا يصح بيعه لهما كما رجحه الشيخان ومع ذلك فقد قال الأصحاب إن المسلم إذا اشتراه منه وأخرجه إلى بلادنا ملكه بالقهر وكذا لو اشتراه من حربي شراه من أصله أو فرعه وكالحربي فيما مر الذمي فما يأخذه الذميون من الحربيين بقتال أو غيره لا يخمس أيضا فمتى احتمل كون الرقيق من هذه الأنواع لم يحرم شراؤه ولا وطء الأنثى منه اعتمادا على ظاهر اليد لاحتمال انتقالها إليه شرعا، أما بما مر أو عمن سرقها على ما يأتي أو بشرائه خمسها من أهل الفيء على رأي الرافعي أو كلها منهم إن كانت فيئا أو من الغانمين إن كانت غنيمة وقد كان بعض المتورعين إذا أراد التسري بجارية اشتراها ثانيا من وكيل بيت المال ومثله القاضي بناء على ما في فتاوى السبكي ولا يبقى بعد ذلك إلا احتمال بقاء الثمن أو بعضه في الذمة وهو سهل وإن علم أن الآخذ له مسلم ولو بسرقة أو نهب لم يجز الشراء منه قبل تخميسه بناء على وجوبه حتى في نحو المسروق وهو ما رجحه
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211

(1/462)


الشيخان لكن رجح مقابله مرجحون واعتمده كثير من المتأخرين فعليه يحل شراؤه وإن لم يخمس وعلى الأول يحمل قول أصحابنا أصول الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة على تحريم وطء السراري اللاتي يجلبن اليوم من الروم والهند والترك إلا أن ينصب الإمام من يقسم الغنائم من غير حيف، وقول الفزاري لا يجب على الإمام قسمة الغنائم بحال ولا تخميسها وله أن يفضل ويحرم بعض الغانمين، رده النووي رحمه الله تبارك وتعالى في تصنيفه في المسألة ووافقه ابن الرفعة و السبكي وغيرهما بأنه خارق للإجماع في ذلك ولو انتصر لقول أبي حنيفة، وحكي عن مالك وأحمد رضي الله تبارك وتعالى عنهما وأن للشافعي ـ رضى الله تعالى عنه ـ قولا بمثله، وهو أن الإمام أو الأمير إذا قال للغانمين دون غيرهم قبل الغنيمة لا بعدها من أخذ شيئا من الغنيمة فهو له صح لكان له وجه وعليه فلو كان الإمام والغانمون مقلدين لأبي حنيفة وفعلوا ذلك فهل يحل للشافعي ما دام على معتقده الشراء منهم الأوجه لا لأنه يرى أنهم غير مالكين عنده، فإن قلد إمامهم جاز، فإن قلت فإذا علم أنها غنيمة لم تخمس فهل له طريق إلى تملكها، قلت إن علمت عين الغانمين فلا طريق إلى ذلك وإلا بأن أيس من معرفتهم فهي مال ضائع وهو لبيت المال وحينئذ فلمن يستحق في خمس المصالح شيئا أن يتملكها بطريق الظفر إذا لم يتمكن من الوصول إلى حقه من بيت المال كما اقتضاه كلام المجموع حيث قال عن الغزالي وأقره لو لم يدفع السلطان إلى كل المستحقين حقوقهم من بيت المال فهل يجوز أخذ شيء منه قال فيه أربعة مذاهب: أحدها: لا يجوز لأنه مشترك ولا يدري حصته منه حبة أو دانق أو غيرهما وهو غلو. والثاني: يأخذ قوت كل يوم فيه. والثالث: كفاية سنة. والرابع: يأخذ ما يعطي وهو حقه والباقون مظلومون. قال الغزالي : وهو القياس لأنه ليس مشتركا كالغنيمة والميراث لأن ذلك ملك لهم حتى لو ماتوا قسم بين ورثتهم وهنا لا يستحق وارثه شيئا وهذا إذا صرف إليه ما

(1/463)


يليق صرفه إليه اهـ فتقرير النووي الغزالي رحمهما الله تبارك وتعالى على ترجيح. الرابع: لكونه القياس ظاهر في اعتماده لذلك فيتفرع عليه جواز الأخذ ظفرا سواء أكان هناك أحوج منه كما اقتضاه كلام البغوي أم لا خلافا للسبكي وبه صرح ابن الفركاح و ابن جماعة حيث قال في المال الضائع ولمن كان في يده إذا عدم الحاكم العادل أن يصرفه لنفسه إذا كان بهذه الصفة وهو عالم بالأحكام الشرعية أي واقتصر على ما يليق أن يصرف إليه من ذلك وبالجواز أيضا صرح الأذرعي بحثا قياسا على مال الغريم قال بل أولى. ونقل عن محقق عصره الجلال المحلي ما يقتضي الجواز أيضا فهو المعتمد ويدل له أيضا قول ابن عبد السلام إن قيل الجزية للأجناد على قول أو المصالح العامة على قول، وقد رأينا جماعة من أهل العلم والصلاح لا يتورعون عنها ولا يخرجون من الخلاف فيها مع ظهوره، فالجواب أن الجند قد أكلوا من مال المصالح التي يستحقها أهل العلم والورع وغيرهم ممن يجب تقديمه أكثرها فيؤخذ من الجزية ما يكون قصاصا ببعض ما أخذوه وأكلوه فتصير كمسألة الظفر اهـ فما نقله عنه الزركشي من إطلاق منع الأخذ ظفرا من بيت المال يحمل على ما إذا كان الآخذ غير عالم بالأحكام الشرعية أو أخذ فوق حقه وإلا فإطلاقه ضعيف وإن اقتضى كلام السبكي في فتاويه الميل إليه، وفي بعض كتب الحنفية أن من له حظ في بيت المال فظفر بما هو لبيت المال فله أخذه ديانة.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211

(1/464)


وسئل رحمه الله تبارك وتعالى عمن قلد إماما في إسقاط الزكاة عنه فهل لمقلد من لم ير عدم سقوطها الشراء منه ولا اعتبار بعقيدته؟. فأجاب نفع الله بعلومه المسلمين بقوله في فتاوى السبكي ما حاصله: أنه لو رأى مسلما يتصرف تصرفا فاسدا في اعتقاده جائزا في اعتقاد المتصرف لم يجز له قبضه عن دين له عليه وإن كان مما لا ينقض فيه قضاء القاضي بناء على أن المصيب واحد وهو الأصح ما لم يتصل بحكم حاكم لأنه يفيد الحل باطنا وهذا صريح في مسألتنا بأنه حيث لم يقلد ذلك الإمام ولا حكم حاكم بسقوط الزكاة لا يحل الشراء منه وهو ظاهر خلافا لمن أطال فيه بما لا يجدي، والفرق بين الزكاة والمعاملات ليس في محله إذ المدار على أن يقدم على ما يعتقد حل تناوله وهو حيث بقي على تقليد إمامه ولا حكم يعتقد عدم حل تناوله ولو باع المالك فالذي يظهر أخذا من ذلك أن العبرة بعقيدته بالنسبة لبطلان البيع في قدر الزكاة ومطالبته وغير ذلك من الفروع ولا نظر لعقيدة المشتري.

(1/465)


وسئل رحمه الله تبارك وتعالى عما إذا باعه دارا بشرط أن يبيعه عبده فالبيع الأول باطل وأما الثاني فإن أتيا به مع الجهل ببطلان البيع الأول فهو باطل أيضا أو مع علمهما لا أحدهما به صح فإن اختلفا في العلم فهل القول قول البائع أو قول المشتري؟. فأجاب نفعنا الله بعلومه بقوله: إن اتفقا على العلم أو الجهل فواضح وإن ادعى البائع أو المشتري أنهما عالمان والآخر أنهما جاهلان صدق مدعي الجهل بالنسبة لنفسه لأن جهله لا يعلم إلا من جهته وقد علم أن أحدهما إذا كان جاهلا يبطل وإن قال أحدهما أنا وأنت عالمان فقال الآخر أنا عالم وأنت جاهل صدق الأول نظير ما مر إذ علمه إنما يعرف من جهته فصدق فيه وإن قال أنا جاهل وأنت عالم صدق الثاني كما مر ولا تخرج هذه المسألة على مدعي الفساد ومدعي الصحة كاختلافهما في الرؤية، إذ الأصح تصديق مدعيهما مطلقا لما قررته من أن دعواه العلم أو الجهل لا يمكن الاطلاع عليها إلا من جهته بخلاف الرؤية أو عدمها إذ يمكن إقامة البينة على ذلك، وظاهر أنه حيث صدقنا واحدا فيما مر فإنما نصدقه بيمينه ولو علم من حال مدعي العلم أو الجهل خلاف دعواه كفقيه حاذق ادعى الجهل ببطلان البيع والشرط وكقريب عهد بتعلم لنشئه ببادية بعيدة أو بإسلام ادعى العلم بذلك فهل يصدق حينئذ مدعي الصحة أو يصدق من ساعدته شواهد الحال للنظر فيه مجال وكلامهم فيما لو ادعى قدم العيب أو حدوثه والعادة تشهد بخلافه يومىء إلى ترجيح الثاني.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211

(1/466)


وسئل رحمه الله تبارك وتعالى بما لفظه: إذا حكر الإمام فيعزر مخالفه وقضيه ذلك أنه يحرم البيع بخلاف ما سعر به وإن كان سرا فهل هو كذلك؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه وبركته قضية قولهم يعزر في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كذلك وإن كانت أغلبية إذ لم يستثنوا ذلك من طردها ولا من عكسها لكن قولهم لو أمر الإمام بمحرم لم يجب امتثاله ربما يتوهم منه خلاف ذلك والذي يتجه اعتماده أنه حيث كان الإمام يرى جواز التسعير وجبت طاعته ولو في السر وحيث لا وجبت طاعته في الجهر خوفا من الفتنة لا في السر، لأن أمره بمحرم في اعتقاده ينبغي أن لا يكون له حرمة إلا في الجهر لأنه حينئذ يخشى من عدم طاعته قيام الفتنة ووقوع مفسدة أعظم، وأما قولهم لو أمر الإمام بمحرم لم يجب امتثاله فليس المراد به أن يكون محرما في اعتقاده بل أن يكون محرما في اعتقاد المأمور والمأمور به هنا وهو البيع ثمن كذا ليس بمحرم على المأمور فوجب امتثال الأمر حينئذ إذ لا حرمة على المأمور في امتثاله وظاهر كلامهم في باب الإمامة أنه لو أمر بمكروه وجب امتثال أمره وينقلب الفعل حينئذ واجبا وليس ببعيد، فإن قلت التحكير إكراه على البيع إلا بثمن كذا وشرط البائع الاختيار فكان ينبغي بطلان البيع من أصله، لأن بيع المكره باطل، وإن كان المكره له هو الإمام، قلت صورة الإكراه الذي ذكروه أن يقال لشخص بع كذا وإلا ضربتك أو نحوه، وأما التحكير هنا فليس فيه الأمر بالبيع مطلقا أو بثمن كذا حتما بل المراد إذا أوقعته باختيارك يكون بثمن كذا فليس فيه إجبار على بيعه ألبتة بل على ثمن معين إذا اختار إيقاع البيع.

(1/467)


وسئل رحمه الله تعالى عن قول الغزالي يحرم التفريق بين زوجته الحرة وولدها قبل التمييز بالسفر بخلاف المطلقة لإمكان صحبتها له هل هو معتمد؟. فأجاب نفع الله تعالى بعلومه بقوله: مقتضى كلام المتأخرين اعتماده ويشهد للحرمة عموم قوله : «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» ويؤخذ من علته المذكورة في السؤال أن المتزوجة بغيره والمطلقة العاجزة عن السفر لعلة أو فقر كالتي في عصمته وهو متجه، وقضية كلامه أنه لا فرق في الحرمة بين السفر الطويل أو القصير ولا بين سفر النقلة وغيرها وهو قريب إذ يلزمه في سفر النقلة السفر بزوجته أو طلاقها وأنه يجوز السفر بابن المطلقة القادرة على السفر وإن كانت الحضانة لها ولو كان غير سفر نقلة وهو قريب أيضا.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211
وسئل رحمه الله تبارك وتعالى عما إذا قال بع عبدي هذا بألف فباعه من رجلين. قال البغوي و القمولي : لا يصح فهل مثله الشراء والولي وعامل القراض كالوكيل أو لا؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله ما قالاه صحيح لأنه خلاف المأذون فيه ولا مصلحة ويؤيده قول الروضة إذا أمره بشراء عبد أو بيعه لم يجز العقد على بعضه لضرر التبعيض وإن فرض فيه غبطة اهـ وهو شامل لكلامهما ولمسألة الشراء وقضية كلامهما أن الولي وعامل القراض كذلك لكن الأشبه بقواعد باب القراض وتصرف الأولياء الجواز إذا كان هناك غبطة بل مصلحة لأنها محققة ووقوع ضرر التبعيض متوهم.

(1/468)


وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ عن شخص متكلم على أيتام بإقامة من حاكم شرعي وللأيتام المذكورين حصة من دار عامرة قائمة على أصولها فباع القيم المذكور الحصة المذكورة وسلم ثمنها في حصة من خربة دائرة لا نفع بها اشتراها للأيتام المذكورين عوضا عن الحصة العامرة المبيعة، وذكر المورق في مكتوب الشراء أن القيم فعل ذلك لما رأى فيه من الحظ والمصلحة والحال أنهما لم يثبتا لدى حاكم ثم ذكر المورق أيضا أن الخربة المشترى منها الحصة ملاصقة لدار التمجاني وأنها مخلفة عن هبة الله، والحال أن الخربة الملاصقة للدار المذكورة ليست مخلفة عن هبة الله ولا ملكها قط، وإنما هي لشخص آخر واضع يده عليها مدة حياته ثم ورثته من بعده وأن الخربة المخلفة عن هبة الله ملاصقة لهذه الخربة الجارية في ملك الشخص الآخر الفاصلة بينها وبين الدار المذكورة وثبت العقدان المذكوران لدى حاكم شافعي، وحكم بموجب ذلك فهل يكون مجرد قول القيم أن في ذلك الحظ والمصلحة كافيا أم لا بد من ثبوتهما لدى حاكم شرعي وهل يكون قول المورق أن الخربة المبتاع منها الحصة ملاصقة لدار التمجاني وأنها مخلفة عن هبة الله والحال أنها ليست كذلك كما بين يقتضي فساد عقد الشراء حيث تبين أن البائع باع ما لم يملك فإنه وارث هبة الله أم لا يقتضي ذلك؟. فأجاب نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: للولي أبا كان أو غيره شراء عقار ما لم تنتف المصلحة عنه كإشرافه على الخراب وبيعه لحاجة كنفقة وكسوة إن لم تف غلته بها، ولم يجد من يقرضه أو لم ير في القرض مصلحة ولعبطة كان طلب منه بأكثر من ثمن مثله ووجد مثله ببعض ذلك ولا يجوز لغير ذلك ثم إن كان البائع أبا أو جدا رفعه إلى القاضي سجل على بيعه ولا يكلفه إثبات حاجة أو غبطة بخلاف الوصي والأمين فإنه لا يسجل على بيعهما إلا أن أثبتا الحاجة أو المصلحة وإن كان هو الذي أقامه، وأما مسألة الدار فإن قال مالكها أو نحوه بعتك داري وليس له غيرها أو أشار إليها

(1/469)


كهذه الدار صح البيع وإن غلط في حدودها أو سماها بغير اسمها وإن قال بعتك الدار التي في المحلة الفلانية وحدودها وغلط في حدودها لم يصح هذا حكم بيعها، وأما حكم الدعوى بها والشهادة فإن كانت مشهورة باسم خاص بها كدار الندوة لم يحتج لذكر شيء من حدودها وإلا فإن علمت بثلاثة حدود جاز الاقتصار عليها وإن لم تعلم إلا بالحدود الأربعة وجب ذكرها ومتى ذكر الشاهد الحدود وأخطأ في واحد منها لم تصح شهادته إذا تقرر ذلك فقول القيم لا يكفي في الحظ والمصلحة بل لا بد من ثبوتهما عند الحاكم وإلا كان بيعه باطلا وقول المورق فيما ذكره السائل قادح في صحة شهادته وفي صحة البيع على التفصيل الذي قررته، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 211

(1/470)


باب الربا

وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ عمن معه حب وجاءه بعض أهل بلده يبغي شراء ذلك الحب فأسس صاحب ذلك الحب المشتري على قاعدة عندهم يعني أنهم اصطلحوا على أن العشرين مدا بثلاثين مدا مثلا ثم بعد ذلك صاحب الحب قال لرجل آخر أسلم لي هذه الدراهم على هذا الرجل بثلاثين مد حب فأسلم ذلك الشخص إلى الذي يبغي شراء الحب وشرى بها ذلك الحب المتقدم ذكره فهل هذه الحيلة تخلص صاحب الحب بعد أن أسس قبل أن العشرين بثلاثين؟. فأجاب بأن الحيلة المخلصة من الربا جائزة عند الشافعي رحمه الله تبارك وتعالى لكنها مكروهة رعاية لخلاف جماعة من أهل العلم حرموها وقالوا إنها لا تفيد التخليص من الربا وإثمه فإذا كان شخص شافعيا وأراد أن يفعل شيئا منها ليتخلص به من الربا جاز له ذلك كأن يقول الذي معه لمن جاء يشتري منه أسلمت إليك هذه الدراهم في ثلاثين صاعا صفتها كذا ويذكر جميع صفاتها التي يختلف بها الغرض اختلافا ظاهرا ويعطيه في المجلس تلك الدراهم ثم يهبه ذلك الحب الذي معه وينذر مريد الشراء لصاحب الحب بثلاثين صاعا في ذمته وصاحب الحب درهما في ثلاثين صاعا في ذمته وصاحب الحب يهبه ما معه أو ينذر له به أو يشتري ما معه من الحب بدرهم ويسلم صاحب الحب درهما في ثلاثين صاعا ونحو ذلك من الحيل الصحيحة المانعة من الوقوع في ورطة الربا، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(1/471)


وسئل فيمن معه سمن فيأتيه بعض الناس فيقول لا أبيع هذا السمن إلا الربعية إلى الصيف مثلا وقتا مجهولا وفي عرفهم عند حصاد زرع الصيف فأراد المشتري أن يشتري من ذلك السمن فقال بل أسلم ثوبك أو خاتمك في حب معلوم إلى أجل معلوم ففعل البائع ثم إن المشتري قبض رأس مال السلم الذي أسلم إليه وتنحى عنه قليلا ثم قال لصاحب السمن المتقدم ذكره بعت مني هذه الربعية السمن بهذا الثوب أو الخاتم فباعه فهل يحل على هذا الوجه أم لا؟ وهل الخلاص ممن في أيديهم نقدان أحدهما والآخر من هذه السكة المعروفة في مكة وهي الكبار وأراد أحد المتبايعين أن يصرف من الآخر فتعاقدا بزائد أحد النقدين على الآخر مقدار الغش في العشرة واحد فما الطريق المخلصة في ذلك؟. فأجاب بأن الحيلة الأولى صحيحة مخلصة من الربا لكنها مكروهة كسائر الحيل، وقال جماعة من أهل العلم كمالك وأصحابه وأحمد وأصحابه بحرمتها وأنها لا تفيد التخلص من الربا، وأما الحيلة في بيع أحد النقدين بالآخر الزائد فهي أن يهب كل منهما صاحبه ما في يده أو ينذر له، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 237
وسئل هل يجوز للمسلم أخذ الربا من الحربي ويقرر عليه في المعاملات وبالتطفيف وغيره وما المراد من الحربي وما علامته؟. فأجاب بأن الذي صرح به أئمتنا أن العقد مع الحربي بالاختيار كهو مع المسلم فلا بد من حل ما أخذه المسلم منه بعقدان توجد جميع شروط البيع فيه وإلا لم يحل له أكله ولا التصرف فيه فعلم أنه لا يجوز أخذ الربا منه ولا التطفيف في كيل أو وزن ومن فعل ذلك عزر عليه التعزير الشديد والمراد بالحربي الكافر الذي ليس له أمان بنحو عقد جزية أو تأمين مسلم بشرطهما المعروف في كتب الفقه.

(1/472)


وسئل عما جرت به العادة في هذا البلد الأمين من بيع المحلق الرديء هل يصح بيعه بفلوس خالصة مع علم المشتري برداءته ومع جهله بذلك كما قالوا بصحة بيع زجاجة لمن ظنها جوهرة قالوا ولا خيار له لتقصيره بترك البحث فهل هذا كذلك في الصحة وعدم الخيار أم لا أو يصح مع العلم دون الجهل كما في الثمن المعين حيث بانت سكته مخالفة لسكة البلد أو لا يصح بيعه إذا علم أو ظن أن مشتريه يغش به أحدا من المسلمين أو يصح البيع في هذه الحالة أي حيث علم أو ظن أنه يغشه مع التحريم كما في بيع الرطب والعنب ممن يتخذه خمرا فإن لم يعلم أو يظن ذلك فهل يكره ذلك أم لا؟ فلو باع المحلق المذكور بعثماني وفلوس فهل يصح ذلك وتكون الفضة التافهة التي في المحلق الرديء كحبات شعير لا تقصد لقلتها حيث بيع بر ببر وفي أحدهما حبات يسيرة لا تقصد أو يكون ذلك من قاعدة مد عجوة فلا يصح في ذلك ولو باع محلقا جديدا بعثمانيين أو بعثماني وشيء آخر من حب أو تمر مع الحلول والتقابض هل يصح ذلك في الصورتين أو إحداهما أم لا؟ لأن القاعدة هنا أن الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة وهل معاملة الصغار كمعاملة غير المحجور عليهم في جواز المعاطاة معهم على المختار؟. فأجاب بأنه حيث رأى المعاقدان المحلق المذكور جاز بيعه بالفلوس المذكورة هذا إن كان كل من غشه وخالصه مقصودا أو كان المقصود خالصه فقط لكن علما قدره أما لو جهلا ذلك أو أحدهما فلا يصح البيع قياسا على ما قالوه في اللبن المخلوط بالماء ولا ينافي ذلك قولهم وتصح المعاملة بالمغشوش فيه معاينة وفي الذمة وإن لم يعلم عيارها لحاجة المعاملة بها ولذلك استثنيت من قاعدة أن ما كان خليطه غير مقصود وقدر المقصود مجهول كمسك مخلوط بغيره ولبن مشوب بماء لا تصح المعاملة به اهـ، لأن كلامهم هذا في المغشوش الذي يتعامل الناس به كما يدل عليه قولهم لحاجة المعاملة بها وكلامنا في شيء مزيف لا يتعامل به كما يدل عليه أول السؤال وما لا

(1/473)


تروج المعاملة به لا يعطي حكم ما راجت المعاملة به لاضطرار الناس إلى هذا دون ذاك وحيث ظن المشتري سلامته من الغش أو من كثرته فبان خلاف ذلك ثبت له الخيار لأنه عيب كما يصدق عليه ضابطه وليس هذا نظير مسألة الزجاجة لأن ذاتها ليس فيها عيب، وإنما أخلف الظن فيها وحيث علم البائع بعينه عيبا حرم عليه بيعها إلا بعد تبيينه لذلك العيب فإن سكت أثم وصح البيع ولا يصح بيع المحلق المذكور بعثماني وفلوس مطلقا لأنه من قاعدة مد عجوة وليست الفضة التي في الجانبين غير مقصودة حتى تقاس بحبات الشعير المذكورة لأن قليل النقد يقصد ويؤثر في الوزن بخلاف قليل الشعير فإنه لا يقصد ولا يؤثر في الكيل وكذلك لا يصح بيع المحلق الجديد بعثمانيين إلا أن اتفقا وزنا بخلاف بيعه بعثماني وشيء آخر فإنه لا يصح مطلقا واختار بعضهم أن معاملة الصغار كالبالغين ولا يعد هذا من مذهبنا وإن كان قائله منا، والله أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 237

(1/474)


وسئل بما مضمونه: وصل كتابكم العزيز ولفظكم الشافي الوجيز فقرأه المملوك وقبله وفهم مفصله ومجمله ووضعه على الرأس والعين لكن ظاهر قول سيدي أنهما إذا رأيا المحلق المذكور وعلما عينه جاز بيعه ولا إثم على بائعه وإن علم أو ظن أن المشتري يغش به غيره لأنه لم يلتفت إلى تسطير ما في السؤال من بيع الرطب أو العنب ممن يتخذه خمر أو قول سيدي هذا إذا كان كل من غشه وخالصه مقصود أهل المراد سيدي أنه مقصود للمشتري فقط أو مقصود في الجملة وهل المراد مقصود على انفراده أو على الهيئة الاجتماعية فالسائل مستفيد جزاكم الله تبارك وتعالى خيرا؟. فأجاب الحمد لله رب العالمين من الواضح أن البائع إذا ظن أن المشتري يغش بالمبيع المعيب مطلقا ولم يضطر إلى البيع له حرم عليه، لأن ما كان سببا لحرام حرام وإنما حرم بيع العنب ونحوه المذكور مطلقا لأن سبب الحرمة هنا أمر خارج عن البيع، وثم أمر ذاتي في المبيع والمراد بالقصد المذكور قصده منفردا أو متضمنا في العرف.
وسئل هل يجوز بيع سمن الغنم بسمن البقر لأنهما جنسان أم لا؟. فأجاب بقوله: يجوز بيع سمن الغنم بسمن البقر متفاضلا بشرط الحلول والتقابض في المجلس.
وسئل عمن أعطى خبازا درهما وقال أعطني بنصفه خبزا وبنصفه الآخر نصف درهم صحيحا فأعطاه ما قال ما الحكم؟. فأجاب بقوله: إن جعل الدرهم في مقابلة الخبز والنصف درهم من غير تفصيل فهو ربا وإن فصل فقال اشتريت منك بنصفه خبزا ونصفه الآخر بنصف درهم صحيحا صح في النصف الأول مطلقا وأما النصف الثاني فلا يصح بيعه بنصف درهم صحيح إلا أن يستويا وزنا وقيمة وإلا كان ربا لأنه من القاعدة المشهورة بقاعدة مد عجوة.

(1/475)


وسئل عن عين مبيعة بين شخصين وهما يعلمان بها سابقا حاضرة كانت أو غائبة وشهد شاهدان بينهما بذلك ولم يعلما العين المبيعة فهل يصح هذا البيع فإذا قلتم بصحة ذلك هل للحاكم ثبوته والحكم به على الحكم المشروح أم لا بد من ثبوت الحدود عنده بها سواء أكان بالشاهدين الأولين أم غيرهما أوضحوا لنا ذلك؟. فأجاب بقوله: إذا علم العاقد أن العين المبيعة بالرؤية ولو قبل العقد بشرطه ثم أوردا العقد عليها بحضرة شاهدين لم يرياها ولم يعرفاها صح البيع ويشهد الشاهدان على الصيغة الواقعة بينهما وذلك معنى الحكم بالصحة والموجب بشرطه وإن لم يشهد الشاهدان عنده بالحدود لأن القصد هنا ثبوت العقد فحسب، وأما المعقود عليه فلا يحتاج للشهادة بحدوده إلا إذا وقع تنازع في عينه الغائبة عن مجلس الحكم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 237

(1/476)


وسئل بما لفظه: قال الرافعي في الربا والتخاير في المجلس قبل التقابض بمثابة التفرق يبطل العقد خلافا لابن سريج وقال في الخيار لو تقابضا في عقد الصرف ثم أجازا في المجلس لزم العقد وإن أجازاه قبل التقابض فوجهان: أحدهما أن الإجازة لاغية لأن القبض معلق بالمجلس وهو باق فيبقى حكمه في الخيار. والثاني أنه يلزم العقد وعليهما التقابض اهـ وتبعه في الروضة في البابين ولم يرجح شيئا فما المعتمد؟. فأجاب بقوله: الذي رجحه في المجموع لزوم العقد وزاد ثالثا أنه يبطل العقد واستشكل بما في الربا وأجاب بما في الخادم والتعقبات بأن ما في الربا محمول على ما إذا تفرقا بلا قبض وما في الخيار على ما إذا تقابضا قبل التفرق واعترض بأمور: الأول: أن البطلان لو كان محمولا على ما إذا تفرقا بعد التخاير بلا قبض وليس مرتبا على مجرد التخاير لامتنع الخلاف فيه للإجماع على بطلان العقد عند التفرق بلا قبض وقد علمت ثبوت الخلاف كما حكياه عن ابن سريج فوجب فرض المسألة فيما إذا لم يوجد تفريق. الثاني: أنه في الروضة صحح تبعا لبعض نسخ الرافعي فيما إذا باع دينارا بعشرة دراهم وليس مع المشتري إلا خمسة فدفعها إليه ثم استقرضها وردها إليه عن الثمن بطلان العقد ووجهه أن قرض الخمسة المذكورة تصرف في زمن خيار الباذل والتصرف في الشيء إذا كان في زمن خيار باذله باطل إذا وقع مع غير الباذل، وصحيح إذا وقع معه ويكون إجازة للعقد وإذا ثبت أن قرض الخمسة إجازة للعقد بطل العقد فيما لم يقبض بناء على أن مجرد الإجازة مبطل كالتفرق وأن التفرق قبل قبض بعض العوض مبطل للعقد فيما لم يقبض إذا تقرر ذلك علم فساد ما سبق من الجمع لأن البطلان في هذه المسألة مرتب على مجرد الإجازة. الثالث: قولهما إن التخاير بمثابة التفرق يقتضي أنه بمنزلته وقائم مقامه ومستقل بترتب البطلان عليه كما ترتب البطلان على التفرق وإلا لكان المقتضي للبطلان إنما هو التفرق وجعل التخاير بمثابته

(1/477)


لغو لا فائدة له. الرابع: أنه في المجموع حكى البطلان في المسألة مقترنا بالوجهين الآخرين وهو يقتضي أن الأوجه الثلاثة واردة على صورة واحدة فجعل البطلان في صورة والآخرين في أخرى تصرف مخالف لما اقتضاه كلامه اهـ ولبعض هذه الاعتراضات اتجاه فالأحسن أن يعتمد ما في المجموع ويضعف غيره ولا يصار إلى الحمل لما يلزم عليه مما ذكر.
وسئل عمن باع شاة في ضرعها لبن بمثلها أو بلبن أو دجاجة فيها بيضة بمثلها أو بيضة لم يصح بخلاف دار فيها بئر ماء بمثلها فما الفرق؟. فأجاب بقوله: يفرق بأن الماء ليس مقصودا مع الدار بوجه بل هو تابع لها بخلاف اللبن والبيضة فإنهما مقصودان مع الشاة والدجاجة فكانا من قاعدة مد عجوة لأن من شروطها أن يكون كل مما اشتمل عليه العقد مقصودا لا تابعا.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 237
وسئل عن قشر البن هل هو ربوي أم لا؟. فأجاب بقوله: الذي دل عليه كلامهم أنه غير ربوي لأنه لا بد في الربوي من أن يكون يعد للأكل على هيئته كما صرحوا به ومن ثم لا ربا في الحيوان وإن جاز بلعه كصغار السمك ولا في حب الكتان ودهنه ولا في نحو الورد ومائه والعود لأن هذه كلها لا تعد للأكل على هيئتها ولا شك أن قشر البن أولى من هذه بكونه غير ربوي لأن بعض هذه يتناول على حالته، وأما قشر البن فلا يتناول على حالته أصلا فلا يعد مطعوما.

(1/478)


وسئل قالوا في قاعدة مد عجوة لا يجوز بيع السمسم بالشيرج ونحو ذلك مما المقابل للآخر ضمني بخلاف السمسم بالسمسم لأن الشيرج ضمني في الجانبين فلا يؤثر، وقالوا في مسألة بيع نحو مد ودرهم بمد ودرهم لو تساوت قيمة المد من الجانبين لم يضر لأن التقويم يعتمد التخمين وهو حزر قد يخطأ والجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة ويشكل على هذا ما قالوه في بيع صحاح ومكسرة من فضة بصحاح ومكسرة من فضة من أن ذلك من قاعدة مد عجوة، بشرط أن تنقص المكسرة عن قيمة الصحاح بخلاف ما إذا ساوت المكسرة قيمة الصحاح فنظروا إلى تساوي القيم هنا أيضا مع أن ذلك تخمين قد يخطأ فما الجواب؟. فأجاب بقوله: إنما فعلوا ذلك لأن هذين الشيئين لما اتحد نوعهما كان الأصل جواز بيعهما بمثلهما مطلقا لكن لما اختلفت القيمة صارت المكسرة بصفة غير صفة الصحيحة فنزل اختلاف صفتيهما منزل اختلاف جنسهما أو نوعهما ولا نظر لاختلاف صفتهما مع الاتحاد في القيمة لأنه اختلاف لا يرتبط به أثر إلا من حيث أن الأغراض قد تتفاوت في ذلك ولا نظر إليه هنا وأيضا فالتساوي هنا يمنع توزيع ما في الجانب الآخر لاتحاد النوع والصفة بخلافه، ثم فإن العقد مشتمل على جنسين مختلفين وذلك يقتضي التوزيع وإن فرض تساوي قيمة الشيئين والتوزيع محقق للمفاضلة أو الجهل بالمماثلة.

(1/479)


وسئل بما لفظه: صحح الشيخان هنا صحة بيع دار بها معدن ذهب بذهب وخالفاه في محل آخر وحمل بعضهم ما هنا على ما إذا جهل المعدن حالة البيع وهو مشكل، إذ العبرة في العقود بما في نفس الأمر؟. فأجاب بقوله: قد يقال إن المبطل هنا هو التوزيع بالكيفية التي قرروها وحيث جهلاه كان تابعا بالإضافة إلى المقصود من الدار في ظنهما فلم يشتمل شيء من طرفي العقد على مالين مختلفين في ظنهما حتى يتأتى التوزيع ثم هل يلحق جهل المشتري فقط لأنه تابع بالنسبة إلى ظنه أولا لتحقق مقتضى التوزيع بالنسبة لظن البائع فلا يترك لقضية ظن المشتري كل محتمل وللنظر في الأقرب منهما مجال والثاني أقرب للجهل السابق فترجيحه غير بعيد.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 237
وسئل بما لفظه: هل يقوم القبض التقديري في الربويين بأن يمضي زمن يمكن فيه الوصول إلى العينين الغائبتين عن المجلس مقام الحقيقي أم لا؟. فأجاب بقوله: لا بد من القبض الحقيقي كما صرحوا به.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 237
باب تفريق الصفقة

(1/480)


وسئل عن قول العباب في تفريق الصفقة وإن كان باختيار كأن علم عيب أحد العبدين قبل القبض أو بعده فأراره إلى أن قال وكذا لو رضي بذلك بعد تلف السليمين فيستقر له بقسطه ويعتبر أقل قيمه من العقد إلى القبض ويسترد قسط المردود ويصدق البائع بيمينه في قيمة التالف اهـ والذي يظهر لي أن حاصل قوله وكذا لو رضي بذلك بعد تلف السليمين جواز رد أحد السليمين دون الآخر بعد تلفهما جميعا برضا البائع على طريق الإقالة فيغرم البائع قيمة المردود ويسترد قسطه من الثمن وإن حاصل قوله ويعتبر أقل قيمة راجع لمسألة السليمين المذكورة وعلة تصديق البائع بيمينه أنه غارم لكن على هذا كما أنه غارم بقسط المردود المتفاوت ذلك القسط بتفاوت القيمة كذلك المشتري غارم بقيمة المردود، فينبغي أن يصدق المشتري في قيمة المردود باعتبار كونه غارما لها كما صدق البائع باعتبار كونه غارما للقسط المختلف بحسب القيمة فيكون كل منهما مصدقا باعتبار وقد أرسلت بذلك إلى بعض الفضلاء لكثرة ما عنده من المواد فأجاب بما نصه قوله في السؤال وكذا لو رضي بذلك بعد تلف السليمين خطأ من النسخة التي وقف عليها السائل وصوابه كما في النسخة التي وقفت عليها بعد تلف السليم فيقتضي بقاء أحد العينين وحينئذ فصورة المسألة أن البائع وافق المشتري على رد العين المذكورة ولا نزاع في جواز ذلك ولا يتأتى حينئذ أنه من باب الإقالة إذ ذاك على مقتضى النسخة التي رددناها ويؤيد ما ذكرناه عبارة ابن المقري في روضه وإن كان باختيار لرد بعض المبيع بالعيب لم يجز إن لم يستقل كأحد الخفين وكذا إن استقل كأحد العبدين ولو تلف أحدهما فلو رضي البائع برده جاز فيقوم العبدان سليمين ويقسط المسمى فإن كان السليم تلفا واختلفا في قيمته فالقول قوله بيمينه وكل ممن ذكر غارم باعتبار اهـ فهل ما قاله من أن نسختنا خطأ صحيح وهل خطؤها من جهة المعنى أيضا أو لا أفتونا في ذلك وأنتم العمدة فيما هنالك؟. فأجاب

(1/481)


بقوله: عبارة العباب مع شرحي له (وإن رضي) البائع برد المعيب فيهما جاز مطلقا لإسقاط حقه وحينئذ (فيقوم) وجوبا (المبيعان) اللذان أحدهما معيب (سليمين ويقسط المسمى على قيمتهما) إذ لو وزع عليهما مع العيب لأدى إلى خمط وفساد كما دل عليه الامتحان فالصواب تقدير السلامة وهي فائدة عظيمة ناوية في مسائل كثيرة ذكره الزركشي وكذا يقومان سليمين ويقسط المسمى كما ذكر (لو رضي) البائع (بذلك) أي برد المعيب منهما (بعد تلف السليم) منهما (ويعتبر) فيما إذا اختلفا في قيمة السليم التالف لاعتبار التقسيط (أقل قيمه) أي السليم التالف (من) حين (العقد إلى القبض) كما يعلم مما يأتي في مبحث الإرش (ويسترد قسط المردود ويصدق البائع) فيما إذا ادعى المشتري ما يقتضي زيادة المرجوع به على ما اعترف به البائع (بيمينه في قيمة التالف) لأنه غارم ولأن الثمن ملكه فلا يسترد منه إلا ما اعترف به. قال
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 240

(1/482)


الزركشي : ولم يصر هنا أحد إلى التحالف ولو قيل به لم يبعد لأن اختلافهما في قيمة التالف اختلاف في ثمن الباقي ولو اختلفا فيه ابتداء تحالفا فكذا ينبغي هنا ثم رأيت القفال ذكره احتمالا، ووجهه ما ذكرته اهـ وهو بعيد، ولا نسلم أن اختلافهما في قيمة التالف اختلاف في ثمن الباقي وإنما هو اختلاف فيما يخصه عند التوزيع الطارىء بعد العقد والاختلاف في الثمن، إنما يقتضي التحالف إن كان اختلافا في الثمن الذي وقع به العقد وما وقع به العقد هنا متفق عليه ولكن لما طرأ تلف أحدهما واختلفا في قيمته طرأ الاختلاف فيما يخص كلا عند التوزيع انتهت عبارة الشرح المذكور وبقوله بذلك أي برد المعيب منهما يعلم فساد قوله في تلك النسخة التي عندكم بعد تلف السليمين لأنها تناقض ما قبلها المفروض في أن أحدهما معيب فهي فاسدة من جهة ذلك مطلقا لصحة ما ذكرتموه في ذاته لا بالنظر لما في متن العباب كما علم مما قررته، وقول المجيب وحينئذ فصورة المسألة الخ، وقوله ويؤيد ذلك الخ، كله غير محتاج إليه لأنه مصرح به في العباب على وجه أظهر من قوله أولا وإن رضي وقوله ثانيا وكذا لو رضي بذلك الخ.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 240
باب الخيار

(1/483)


وسئل عن مسألة فأجاب فيها بجواب مختصر ثم بلغه أن بعض المفتين أفتى فيها بخلاف ذلك فصنف في ذلك تصنيفا سماه إصابة الأغراض في سقوط الخيار بالإعراض وقد أردت أن أذكره برمته هنا وإن كان تصنيفا مستقلا لأنه في حكم الفتاوى باعتبار أصله كما علم مما قررته وذلك التصنيف الحمد لله الذي أيقظ للقيام بأعباء المعضلات أقواما من عليهم بتوفيقه الباهر سلطانه وهداهم عند تزاحم الآراء في عويصات المسائل إلى سلوك جادة الصواب الساطع برهانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أكون بها إن شاء الله ممن علا مكانه وسعد به إخوانه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي بوأه الله من منازل قربه وإنعامه ما ارتفع به على سائر الشؤون شأنه صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما دامت تترادف على وارثيه آلاؤه وإحسانه وبعد، فقد وقع في غضون ما استفتيت عنه سؤال ظننت جوابه سهلا وأنى للكلام فيه ببادئي الرأي أكون أهلا حتى أحدقت النظر فيه فوجدته صعب المرتقى عالي الذرا فلذلك أعملت الفكر فيه حتى من الله علي بإصابة الغرض فيه بالإحاطة بقوادمه وخوافيه لكن بحسب ما ظهر لي سبيله ووضح لدي دليله فإن وافق الحق وإلا فالخطأ والخطل والتقصير هو وصفي اللازم وشأني الدائم فلأجل ذلك أفردته بالتأليف وزيادة الإيضاح وحسن التصنيف حتى ينظر فيه الفضلاء ويعول عليه إن شاء الله سبحانه وتعالى النبلاء وسميته إصابة الأغراض في سقوط الخيار بالأعراض، والله أسأل وبنبيه الذي لم يلحق شأو كماله نبي أتوسل أن ينفع به وأن يبلغني المأمول بسببه إنه القريب المجيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب أما السؤال فحاصله إنسان اشترى من آخر أرضا مشتملة على نخل ثم تقايلا ثم ادعى البائع بطلان الإقالة وحكم له الحاكم الشرعي بذلك بشرطه ثم بعد ذلك ظهر أن من الأرض المذكورة مغرس نخلة من النخل المذكور مملوكا لغير البائع

(1/484)


حين البيع فهل يتخير المشتري حينئذ وإذا قلتم نعم فهل يمنع خياره بملك البائع المغرس المذكور وإعطائها له أو إعطاء مستحقها إياها للمشتري أو لا؟ وأما الكلام عليه ففي مقامين الأول في إثبات الخيار، والثاني في سقوطه فالذي يصرح به كلامهم أن المشتري يتخير بذلك لتفريق الصفقة عليه، وأما ما وقع في فتاوى
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242
ابن الصلاح حيث سئل عمن اشترى سهاما في أماكن متعددة بثمن معلوم ثم خرج بعض المبيع مستحقا من أنه إذا كان الجميع في صفقة واحدة وكان الاستحقاق في بعض الأماكن دون بعض فالبيع باطل في الجميع وإن كان المستحق جزءا شائعا في الجميع صح البيع فيما ليس مستحقا بقسطه من الثمن المسمى فغريب جدا والموافق لكلامهم صحته في الصورتين فيما ليس مستحقا بقسطه من الثمن المسمى وكأنه لحظ في التفرقة تعذر توزيعه في الأول دون الثاني وليس كذلك كما هو ظاهر، وإذا خيرنا المشتري فأراد مالك المغرس غير البائع هبته للمشتري لم يسقط بذلك خياره، وهذا ظاهر وإنما الخفي أن البائع إذا ملك ذلك المغرس فعند علم المشتري بأن له الخيار وهبه له أو أعرض له عنه فهذا هو الذي يتردد النظر فيه والذي ظهر لي فيه بعد التمهل أياما ومزيد الكشف لبعض الكتب المتداولة فإن جلها معدوم من قطر الحجاز أن المشتري يبطل خياره بمسامحة البائع له بالمغرس المذكور هبة أو إعراضا، ويدل على ذلك من كلامهم أمور: الأول: قولهم إذا اتحد المبيع صفقة لا يرد المشتري بعضه بعيب قهرا إلا إذا كان البعض الآخر للبائع فحينئذ يرد عليه البعض قهرا كما اعتمده القاضي ومن تبعه وهو الأوجه كما بينته في حاشية العباب لأن العلة الصحيحة في امتناع رد البعض إنما هي الضرر الناشىء من تبعيض الصفقة عليه وبملكه للبعض الآخر يزول التبعيض فلا ضرر عليه فيه فلزمه قبوله وتعليل مقابل كلام القاضي الذي جرى عليه كثيرون بأنه وقت الرد لم يرد

(1/485)


كما تملك يرد بأنه وإن لم يرد كما تملك لكن لا ضرر عليه في الرد حينئذ فلا وجه لامتناعه والتعليل باتحاد الصفقة وتفريقها بمجرده لا يصلح للتعليل وإنما وجه العلة ما فيه من الضرر غالبا فآلت العلتان إلى شيء واحد وهو انتفاء الضرر وهو منتف فيما قاله القاضي فكان هو الحقيق بالاعتماد وممن اعتمده الأذرعي فإنه رجح أن العلة إنما هي الضرر وكذلك الزركشي فإنه قال بعده وهو ظاهر لرجوع الكل إليه قال ومثله لو وهبه منه اهـ فانظر إلى كونهم ألزموا البائع بالقبول حينئذ لعدم الضرر فقياسه أن يلزم به المشتري في مسألتنا لعدم الضرر فيها بوجه، فإنا إذا ألزمناه بالقبول لا نلزمه بكل الثمن وإنما نلزمه من الثمن بقسط غير المستحق وإنما خيرناه فورا بعيب التبعيض وبمسامحة البائع له كما مر زال هذا العيب بالكلية فلذا قلنا بسقوط خياره وبه فارق ما لو اطلع على عيب قديم فأراد الرد به فقال البائع أمسكه وخذ أرش القديم، وأما لو حدث عنده عيب وقد اطلع على عيب قديم فأراد ضم أرش الحادث إلى المبيع ورده فإنه لا يجاب البائع في الأولى ولا المشتري في الثانية لأن العيب لا يزول ببذل إرشه ففي إلزام قبول المعيب ضرر ولو مع أخذ الإرش فمن ثم لم يلزموا بذلك البائع ولا المشتري لأنه لا يزيل الضرر بالكلية بخلافه في مسألتنا، فإن مسامحة البائع له بما مر تزيل ضرره بالكلية فلذا لزمه قبوله وسقط خياره فإن قلت الذي اعتمده شيخ الإسلام
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(1/486)


زكريا سقى الله تعالى عهده مقابل كلام القاضي السابق وهو يؤيد عدم إجبار المشتري في مسألتنا على القبول، قلت قد بان لك أنه ضعيف وإن اعتمده شيخنا المذكور وأفتى به وعلى تسليمه فهو لا يؤيد ذلك لأن العلة فيه كما علم مما مر أنه وقت الرد تبعضت الصفقة عليه صورة وإن لم تتبعض عليه حكم فلم يرد كما تملك فكذا لم يجبر البائع على القبول لأنه خلف التبعيض شيء آخر وهو عدم رده كما تملك، وأما في مسألتنا فلا يتأتى فيها ذلك لأن علة تخييره التبعيض وبمسامحة البائع يزول من غير أن يخلفه شيء آخر. الأمر الثاني: قولهم لو بان عيب الدابة وقد أبعلها ونزع النعل بعيبها فلا رد له ولا فسخ إن نزعه وإلا فله الرد، ويلزم البائع القبول لأنه لا منة عليه فيه ولا ضرر وليس للمشتري طلب قيمتها فإنها حقيرة في معرض رد الدابة فقياس إلزام البائع القبول هنا إلزام المشتري به في مسألتنا بجامع زوال العيب بالترك في المسألتين من غير لحوق منة ولم يخلف ذلك شيء آخر، ووجه عدم المنة في ذلك أن ما يقع في ضمن عقد يكون في مقابلة توفير غرض لباذله فلم توجد فيه حقيقة المنة لا سيما وقد انضم لذلك إجبار الشرع له على القبول فهو كاره له والكاره للشيء لا يتوهم لحوق منة إليه منه بوجه من الوجوه، فإن قلت إلزام البائع بالقبول مع عدم تغريمه قيمة النعل للمشتري مشكل فلا يقاس عليه على القاعدة، ووجه إشكاله أنهم لاحظوا جانب البائع خشية من لحوق الضرر به دون جانب المشتري مع لحوق الضرر به إما بالتزام معيب أو بتكليفه النزول عن ملكه في النعل، وكان القياس أن يطالب بإرش العيب القديم كما في الصبغ لكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب، قلت أما عدم القياس على المشكل مطلقا فممنوع كما يعلم من كلام الأصوليين وعلى التنزل فمحله حيث كان الإشكال مسلما، أما حيث كان مدفوعا فإنه لا تأثير له لا في الحكم ولا في القياس عليه وهو هنا كذلك لأنا لم نراع جانب البائع فحسب بل راعينا كلا من

(1/487)


الجانبين فإن الصورة أن النزع يعيبها فلو أمرناه به لأجحفنا بالبائع ولو أمرناه بإمساكها معيبة لأجحفنا به فعدلنا إلى طريق وسط يندفع به الإجحاف عن كل منهما وهو ردها مع النعل والحكم ببقاء النعل على ملك المشتري حتى إذا سقطت يلزم البائع ردها كما يأتي، وإنما لم يقل أحد من أصحابنا بوجوب إرش العيب القديم كما في الصبغ لوضوح الفرق بينهما، فإن الصبغ لا يمكن إزالته إلا بتلف عينه بخلاف النعل، وأيضا فالصورة أن قبع النعل يضر بها وبالمشتري لأنه يحدث بها عيبا يمنع الرد بخلاف نظيره في الصبغ. الأمر الثالث: قولهم لا يدخل في البيع بذر أو زرع ما يؤخذ دفعة بل يتخير به المشتري إن جهله ما لم يتركه له البائع أو يقول أنا أفرغه في زمن يسير فلا خيار له لانتفاء الضرر في الأولى وتداركه حال في الثانية كما لو اشترى دارا ثم رأى خللا بسقفها يمكن تداركه حالا أو بالوعة مفسدة فقال أنا أصلح السقف وأن البالوعة فلا خيار للمشتري ويلزمه القبول في مسألة الترك ولا نظر للمنة لما مر فانظر إلى كونهم ألزموا المشتري القبول هنا، لأن الترك يندفع ضرره قطعا فكذا يقال بنظيره في مسألتنا، فإن قلت عبارة الجواهر تقتضي خلاف ذلك وهي ولا خيار للمشتري كما لو أمكن تدارك العيب في زمن يسير كإزالة استداد البالوعة أو الحش أو رد الآبق أو المغصوب أو إزالة المرض بدواء في زمن يسير أو ميلان السقف والجدار من غير احتياج إلى عين جديدة انتهت فقضية قوله من غير احتياج إلى عين جديدة أن الخيار في مسألتنا لا يسقط قلت ليس قضيتها ذلك لأن العين الجديدة إنما ضرت لأنها تحتاج إلى مضي زمن طويل في الإصلاح بها غالبا فالامتناع فيها ليس لذاتها بل لما تستلزمه هي من طول الزمن فإن فرض الإصلاح بها في زمن يسير فلا وجه لامتناعه وإن فرق بينها حينئذ وبين الدواء الذي يسقى للمبيع حتى يزول مرضه فإنه لا يضر كما علمته في كلام القمولي نفسه ثم رأيت كلام القاضي حسين في

(1/488)


فتاويه صريحا فيما ذكرته من أن العلة ليست الاحتياج لعين جديدة بل تجدد عين غير تلك العين والتصرف في ملك المشتري أي بما لا يحتمل لطول زمنه حتى لا ينافي ما مر. وعبارة الخادم بعد ذكر نحو عبارة الجواهر السابقة ومن تتمة المسألة أنه لو اشترى دارا فانهدمت قبل القبض فأصلحها البائع لا يبطل خيار المشتري لأن هذه العين غير تلك العين ولأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه كمن غصب نقرة وطبعها دراهم يجوز للمالك إجباره على نقض الدراهم ورده إلى الأول وأخذ أرش النقصان قاله القاضي حسين في فتاويه ولم يفصل بين أن يعيدها بتلك الآلة أو بغيرها انتهت فانظر إلى قوله ولم يفصل الخ، فإنه يعرف به أن قول الجواهر من غير عين جديدة ليس بشرط، نعم محل كلام القاضي ما إذا طال زمن الإصلاح كما هو الغالب في صورة الهدم التي فرضها ومن ثم احترز
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(1/489)


الشيخان وغيرهما عنها بقولهم كخلل بسقفها يمكن تداركه حالا لا يقال قوله لأن هذه العين غير تلك العين صريح في موافقة كلام الجواهر لأنا نقول لو كان كذلك لم يصح قول الزركشي عقبه ولم يفصل الخ، وإنما أراد به أن المعاد بعد الهدم ولو بالآلة الأولى يخالف البناء الأول في الصورة وغيرها فبهذا الاعتبار كانت هذه العين غير تلك العين. الأمر الرابع: قولهم يسقط خيار المشتري فيما إذا اشترى أرضا فيها دفين من حجر أو خشب أو غيرهما لا تدخل وكان تركها غير مضر وقلعها مضر لكونه ينقص قيمتها أو يحتاج في نقلها لمدة لها أجرة بتركها له ولا نظر لما فيه من المنة لما مر وهذا الترك إعراض لا تمليك فللبائع الرجوع فيها فإذا رجع عاد خيار المشتري فلو وهبها له بشروط الهبة لزمه القبول وسقط خياره ولا رجوع للبائع حينئذ وهذا كما ترى ظاهر في لزوم القبول في مسألتنا، فإن قلت صرحوا في هذه المسألة بأن البائع لو قال أنا آخذ الحجارة وأغرم أرش النقص أو أجرة مدة النقل لم يلزم المشتري إجابته وهذه هي التي نظيرة مسألتنا، قلت ممنوع بل بينهما فرق واضح وذلك لأن غرم الإرش لا يزيل النقص بالكلية وكذا إعطاء أجرة مدة النقل لا يزيل الضرر بالكلية، لأن تفويت الاستعمال على المشتري زمنا طويلا فيه ضرر عليه وإن أخذ مقابل ذلك التفويت بالكلية فافترقا وبما قررته يعلم الفرق بين عدم لزوم القبول للإرش أو الأجرة وبين لزوم قبول الأحجار وحاصله أن قبولها بخلاف القبول هنا، فإنه لا يزول به الضرر بالكلية كما تقرر وهذا أولى وأوضح من الفرق بينهما بأن قبول الأولين فيه منة بأجنبي بخلاف قبول الثاني أعني الحجارة فإن المنة حصلت فيه بما هو متصل بالمبيع يشبه جزء. الأمر الخامس: قولهم لو اشترى ثمرة يغلب اختلاط حادثها بالموجود في الصور الأربع قبل التخلية أو بعدها لم ينفسخ العقد بل يتخير المشتري إن وقع الاختلاط قبل التخلية ما لم يسمح له البائع بالحادثة فإن سمح له بها

(1/490)


هبة أو إعراضا فلا خيار لزوال المحذور ثم هل المراد أنه يجوز للمشتري المبادرة بالفسخ إلا أن يبادر البائع ويسمح له فيسقط خياره أو ليس له المبادرة بذلك إلا بعد مشاورة البائع قضية كلام الشيخين الأول وقضية كلام التنبيه الثاني وهو ما حكاه في المطلب عن نص الشافعي والأصحاب ورجحه السبكي قال في المهمات: ومعنى تخييره رفعه الأمر للحاكم ليكون هو الفاسخ كما صرح به جمع لأنه لقطع النزاع لا للعيب وكلام الرافعي يوهم خلافه اهـ ملخصا وهو مردود فإن ما قاله مفرع على أن الحاكم في باب التحالف هو الذي يفسخ أما على المذهب فلا يفسخ إلا المشتري كما قاله الرافعي فهو الوجه وزعمه أن ما ذكر ليس عيبا ممنوع بل هو عيب لصدق تعريفه عليه ولا دخل للحاكم في الرد به بخلافه في باب التحالف الذي لا يكون إلا عنده وعليه فالخيار فوري ولهما التراضي على قدر من الثمرة وعند التنازع القول قول ذي اليد بيمينه في قدر حق الآخر وهي بعد التخلية للمشتري قالوا ويجري جميع ما تقرر في بيع نو الحنطة من المثليات ومتماثل الأجزاء حيث تختلط بحنطة البائع ولم تتميز بنحو كبر وجودة، أما لو اختلط متقوم بمثله فينفسخ العقد لأن الاختلاط يورث الاشتباه وهو مانع من صحة العقد لو فرض ابتداء وفي نحو الحنطة غاية ما يلزم الإشاعة وهي غير مانعة وهذه هي العلة الصحيحة وبها يندفع استشكال بعضهم للفرق بين المثلى والمتقوم حيث قال ذلك إن كان لو سمح بالثمرة كلها يملكها المشتري فلم لا يملك القطع كله إذا سمح به البائع وحينئذ يتصرف فيه ولا فرق بينهما وإن كان لا يملك الثمرة وإنما يتصرف فيها مشاعة وتكون مشتركة بينهما فالمفهوم من كلام الأصحاب خلافه، ومن قال بالفسخ لا يرد عليه شيء من هذا، ولعل الحامل على الفرق بين الثمار والشياه أن الثمار تكون في الغالب قليلة مرغوبة عنها بخلاف الشياه وهذا إن صح لزم عليه التخصيص باليسير فلا يطرد في الثمار الكثيرة والحنطة الكثيرة

(1/491)


والأصحاب لم يفرقوا اهـ، المقصود منه فتأمل قوله والأصحاب لم يفرقوا وإن جميع ما ذكره مردود بالعلة السابقة المصرحة بالفرق بين نحو الشياه ونحو الثمار، قلت أو كثرت، قال بعض المحققين وفيما ذكروا أن المختلط لا يكون هالكا وإلا لانفسخ البيع ولا يمنع القول بالاشتراك ثبوت الخيار لتبدل المستحق بغيره في بعض المبيع فالموجب للخيار هنا هو هذا التبدل وهذا التبدل ينتفي بمسامحة البائع بحصته فسقط بها خيار المشتري ولا نظر للمنة خلافا لمن نظر فيها لأنها في ضمن عقد كما في ترك الفعل في الرد بالعيب، ومن ثم قال الشيخ
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(1/492)


عز الدين في مختصر النهاية: إن أثبت الخيار فترك البائع حقه من الثمار أجبر المشتري على القبول وسقط الخيار كما في ترك النعل في الرد بالعيب كذا ذكره الأصحاب اهـ، وفي البسيط لو قال لا تفسخ فقد وهبت لك الثمار بطل خياره ويجبر على قبوله كما يجبر البائع على قبول النعل محافظة على لزوم العقد، ويحتمل أن يقال لا يجبر، لأن النعل صار كالوصف للدابة وهو تبع والقبول فيه هين اهـ، ورد صاحب الوافي احتماله هذا الذي أبداه أخذا من النهاية بأنه لم يوافقه عليه أحد قالوا ولو اشترى شجرة وعليها ثمرة للبائع وجرى الاختلاط كما سبق لم ينفسخ بل يقال للبائع أترضى أن تترك جميع الثمرة للمشتري فإن فعل لزم المشتري قبوله فإن امتنع قيل للمشتري ذلك فإن ترك لزم البائع قبوله فإن امتنعا فسخ العقد لتعذر إمضائه. قال البغوي : وهذا بخلاف المسألة الأولى حيث قلنا يدعى البائع إلى ترك حقه ولا يدعى المشتري لأن المبيع هناك هو الثمرة فإذا ترك المشتري حقه لا يبقى في مقابلة الثمن شيء وهنا المبيع هو الشجرة فترك الثمرة الحادثة للبائع لا يخلي الثمن عن العوض، أما إذا تشاحا فينفسخ العقد هذا حاصل ما قرروه في هذا المحل وهذا كما ترى سيما ما قدمته عن بعض المحققين ظاهر فيما قلناه في مسألتنا، لأن الإجبار على القبول فيه هنا وثم مصلحة إمضاء العقد والمسامحة هنا، وثم مزيلة للضرر من كل وجه يوجب القول في تلك بما قالوا في هذه لاتحادها معها ولا نظر للمنة لما مر ولا إلى أن من شأن الثمار أنه يتسامح بها لما مر من أنه لا فرق بين قليلها وكثيرها وأن ذلك لا يختص بها بل يعم سائر المثليات وإن كثرت ولا إلى ما يتوهم من الفرق بين ما هنا ومسألة النعل لما مر من أن احتمال الغزالي المبني على ذلك لم يوافقه عليه أحد. الأمر السادس: قولهم يتخير المستأجر بانقطاع ماء الأرض المستأجرة للزراعة ولها ماء معتاد للعيب إلا أن أبدله المؤجر بماء آخر ووقت الزراعة باق ولم تمض مدة

(1/493)


لمثلها أجرة فلا خيار له لزوال موجبه فتأمل كيف جعلوا سوق الماء إليها من مكان آخر موجبا لإزالة سبب الخيار من التضرر بانقطاع الماء فكذا المسامحة هنا موجبة لإزالة سبب الخيار من تفريق الصفقة عليه. الأمر السابع: قولهم لو قال الغرماء للقصار خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء صاحب الثوب أجبر على الأصح أي لأنه لا ضرر عليه في أخذ أجرته بخلاف ما لو قالوا للبائع لا تفسخ ونقدمك بالثمن فإنه لا يلزمه إجابتهم لاحتمال لحوق الضرر به بظهور غريم آخر فإنه يزاحمه وبما تقرر يعلم أن الفرق الصحيح بين هاتين المسألتين هو ما ذكرته لا ما ذكره بعضهم من أن سبب عدم إجباره في الثانية تحمله لمنتهم لأن هذا يرده قولهم بالإجبار في الأولى مع أن فيه تحمل منتهم فالوجه في الفرق هو خشية لحوق الضرر وعدمها ثم رأيت
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(1/494)


الأذرعي صرح بما يصرح بما ذكرته حيث قال في توسطه، وأما التعليل بالمنة فغير ظاهر إذ قد تكون المنة له بأن تكون السلعة تساوي ضعف ثمنها فيكون الحظ لهم اهـ فك، قلت جميع ما ذكرته يمكن الفرق بينه وبين مسألة السؤال فإن جميع ما ذكروه في أن الأعراض أو الهبة يكون مسقطا إنما هو في أمور تتعلق بالمبيع وتتصل به فلذا تسامحوا فيها وجعلوا المسامحة بها مسقطة للخيار ومسألة السؤال ليست كذلك، قلت مجرد التعلق والاتصال بالمبيع لا دخل له في إسقاط الخيار بالمسامحة كما علمته من كلامهم المذكور وإنما الذي عللوا به رعاية مصلحة إمضاء العقد تارة وزوال الضرر تارة أخرى، وهذا الثاني هو العلة الصحيحة لاطرادها بخلاف الأولى فإنها تقتضي سقوط الخيار بقول البائع للمشتري خذ إرش القديم وأمسكه وقد صرحوا بخلافه فعلمنا أن العلة الصحيحة إنما هو انتفاء الضرر من غير أن يخلفه شيء آخر ولا شك أن الضرر في مسألتنا ليس بينه وبين المبيع تعلق بل بينهما تعلق تام من حيث اشتمال العقد عليهما لفظا وكذا حكما، ألا ترى أن الثمن يوزع عليهما عند الإجازة فلم يقطعوا النظر عما فسد فيه البيع بل جعلوه منظورا إليه بل النظر إليه من حيث التعلق أقوى من النظر إلى نحو الثمار التي حدثت بعد البيع وقبل التخلية واختلط المبيع بها، فإن قلت قد صرح الشيخان وغيرهما بما يقتضي أنه لا يقسط خيار المشتري بالمسامحة وذلك لأنهم قالوا لو باعه أرضا أو صبرة على أنها مائة فخرجت زائدة أو ناقصة صح البيع للإشارة وخير من عليه الضرر وهو البائع في الزيادة والمشتري في النقص ولا يسقط خيار البائع بقول المشتري له لا تفسخ وأنا أقنع بالقدر المشروط شائعا ولك الزيادة ولا بقوله لا تفسخ وأنا أعطيك ثمن الزائد ولا يسقط خيار المشتري بحط البائع من الثمن قدر النقص قلت لا تأييد في هذا لعموم سقوط خيار المشتري بالمسامحة بل ربما يكون فيه تأييد لسقوطه وذلك لأنه إنما لم يسقط خيار البائع بقول

(1/495)


المشتري أقنع بالقدر المشروط شائعا ولك الزيادة لأن ثبوت حق المشتري شائعا يجر ضرر سوء المشاركة ولا بقوله أعطيتك ثمن الزائد لما فيه من لزامه تمليك ماله لغيره بلا ضرورة أي وهذا فيه ضرر على البائع فعلم أن سبب عدم إجبار البائع على ما قاله المشتري في الصورتين هو لحوق الضرر به لو أجبرباه على ذلك، وأما مسألتنا فإجبار المشتري على القبول لا يلحقه به ضرر مطلقا كما مر غير مرة فلا قياس بين هذا
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(1/496)


ومسألتنا، وأما عدم سقوط خيار المشتري بحط البائع قدر النقص فسببه أن العقد لم يتناول قدر النقص حتى يحط ما قابله من الثمن، وإنما وقع العقد مقابلا فيه الثمن جميعه بهذا القدر الموجود وهذا فيه ضرر على المشتري ولأنه خلاف ما شرطه وحط البائع له ما ذكر لا يزيل ضرره، لأن ذلك الحط لا فائدة فيه لما تقرر من أنه مخالف لما وقع العقد به فلا يسمى حطا ولا يزول به الضرر المقتضي لثبوت الخيار، ويدل على ما ذكرته من أن العقد لم يتناول قدر النقص قولهم وإذا أجازوا فبالمسمى لا بقسطه لأن المتناول بالإشارة ذلك الموجود لا غير، وإذا أجاز البائع فالجميع للمشتري ولا يطالبه للزيادة بشيء اهـ، وبهذا يزيد اتضاح فرقان ما بين هذه المسألة ومسألتنا، لأن مسألتنا لم يقع انعقاد العقد فيها مقابلا فيه الثمن جميعه بالمستحق وغيره وإنما وقع الانعقاد فيها مقابلا فيه غير المستحق بقسطه من الثمن، وأما المستحق فلم يصح العقد فيه ولا فيما قابله من الثمن ومن ثم لو أجاز المشتري فيها لم يلزمه إلا القسط من الثمن، فإن قلت ما ذكر من أن البائع لا يسقط خياره بقول المشتري أعطيك ثمن الزائد لما فيه من إلزامه تمليك ماله لغيره بلا ضرورة صريح في أن المشتري في مسألتنا لا يسقط خياره بمسامحة البائع له لعين العلة المذكورة وما ذكرته من أن ذاك فيه ضرر بخلاف هذا فيه خفاء، قلت ويزول هذا الخفاء بزيادة إيضاح ما ذكرته وذلك أنه تقرر من صريح كلامهم أن الإشارة تناولت جميع ذلك الموجود في حالتي الزيادة والنقص ومن ثم لو أجاز البائع كان الجميع للمشتري ولا يطالبه للزيادة بشيء فالزيادة وقعت هي والقدر المشروط مقابلين بجميع الثمن، ولذا ثبت الخيار للبائع للحوق الضرر له بتناول العقد أزيد من المشروط، وقول المشتري أعطيك ثمن الزائد لا يدفع المقابلة المذكورة التي حصل الضرر المقتضى للخيار بسببها فلم يكن قول المشتري المذكور مسقطا لخياره لبقاء ما حصل الضرر بسببه مع

(1/497)


قوله ذلك وعدم زواله به وهذا هو المراد والمآل من علتهم المذكورة، لأن العقد إذا وقع متناولا للزيادة من حيث الإشارة فيه لجميع الموجود كان في قول المشتري أعطيك ثمن الزائد إلزام للبائع بتملك الثمن من غير ضرورة مع أن ذلك التملك لا يدفع السبب المقتضى لاختياره لبقائه وإن فرضنا أنه يملك الثمن لما تقرر أن سبب الخيار تناول العقد للزيادة أيضا وهذا التناول موجود سواء أجبر البائع على تملك الثمن أم لم يجبر عليه، وإذ قد اتضح ذلك بهذا التقرير المصرح به كلامهم فكيف يتوهم مشابهة هذه المسألة لمسألتنا، فإن مسألتنا سبب الخيار فيها تفريق الصفقة على المشتري كما صرحوا به وهذا السبب ينتفي بمسامحة البائع بما وقع التفريق بسببه فلزم المشتري قبوله وسقط به الخيار لأنه لا ضرر عليه فيه بوجه، فإن قلت ما ذكرته في مسألة السؤال هل هو خاص بها لكون البقعة المستحقة متصلة بغير المستحقة أو هو عام فيها وفي غيرها، قلت بل هو عام في كل مسألة وقع تفريق الصفقة فيها وثبت بسبب ذلك خيار المشتري كما إذا اشترى عبدين أو عبدا وأرضا في صفقة فبان أحدهما مملوكا للغير حين البيع وكان عند التبين ملكا للبائع أو بادر البائع وملكه قبل أن يبطل خيار المشتري فلما أراد المشتري الفسخ بسبب تفريق الصفقة عليه بادر البائع وسامحه به فيلزمه القبول ويسقط به خياره كما تقرر فإن جميع ما قررته صريح في أن العلة في سقوط الخيار ليس هو اتصال المستحق بغيره حسا وإنما العلة في ذلك أن بالمسامحة بذلك ينتفي الضرر عن المشتري ويزول بها السبب المقتضي لخياره وهو تفريق الصفقة عليه مع رجوع ما قابل الفاسد من الثمن إليه فإنا وإن ألزمناه قبول المسامحة المذكورة لا نلزمه بالإجازة بجميع الثمن بل بقسطه الصحيح من الثمن فحصل له المملوك بقسطه وغير المملوك بلا شيء وبحصوله له يزول السبب المقتضي لخياره وهو تفريق الصفقة عليه فلذا سقط به خياره، فإن قلت مر في مسألة اختلاط

(1/498)


الثمار أنه هل المراد أنه يجوز للمشتري المبادرة بالفسخ إلا أن يبادر البائع ويسمح له فيسقط خياره أو ليس له المبادرة بذلك إلا بمشاورة البائع فقضية كلام الشيخين الأول وقضية كلام التنبيه الثاني وهو ما حكاه في المطلب عن نص
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242
الشافعي والأصحاب واختاره السبكي فهل يأتي ذلك هنا، قلت يحتمل أن يقال يأتي ذلك هنا ويحتمل أن يقال الراجح هنا الأول وإن قلنا أن الراجح الثاني وهذا هو الأقرب ويفرق بأن ملك البائع ثم المختلط متحقق فوجبت مشاورته لينظر هل يسمح أو لا؟ وأما هنا فملك البائع لما فسد فيه البيع غير متحقق بل الأصل أنه لم يملكه فلم يلزم المشتري البحث لأن فيه مشقة عليه، فإن قلت قد لا يكون عليه مشقة وصورته أن يعرض له أمر يقتضي أنه لا يبطل خياره بأن عرض ما لا ينافي الفورية كأكل أو حمام وعلم في هذه الحالة أن البائع ملك المستحق فهل يتجه في هذه الحالة مشاورة البائع، قلت لا يتجه وجوب مشاورته مطلقا لأنه مقصر ببيع ما لا يملك ومن ثم لم يثبت له خيار وإن تفرقت الصفقة عليه وكان معذورا في ذلك فساغ للمشتري المبادرة بالفسخ ما لم يبادر بالمسامحة هو ويسمح قبل فسخ المشتري فحينئذ يسقط خياره، فإن قلت مر ثم كلام المهمات في معنى التخيير وأنه مردود فهل يجري نظيره هنا، قلت نعم يجري ذلك جميعه هنا بجامع أن موجب الخيار هنا وثم العيب كما مر ولا دخل للحاكم في الرد به، فإن قلت قال ابن المقري : ثم وتملك الثمرة هنا بالإعراض كالإعراض عن السنابل، وإنما لم يملك النعل بالإعراض عنها، لأن عودها إلى البائع متوقع ولا سبيل هنا إلى تمييز حق البائع اهـ، فهل يقال بذلك هنا أيضا قلت ما قاله فيه نظر بل صريح كلامهم ما يأتي من الفرق بين الإعراض عن النعل وعن نحو كسرة الخبز ويؤيده أيضا أن الإعراض هنا وعن النعل سواء ويرد فرقه بأن التمييز هنا متوقع أيضا فهو كعود النعل، ويؤيده

(1/499)


قول الزركشي وعلى قياس النعل لو اطلع على ثمرة المشتري من ثمرة البائع وعلم بتمييزها بطريق من الطرق بأخبار أهل الخبرة أو بخبر نبي مثلا وجب ردها عليه، لأنه لم يسمح بها مطلقا بل للخوف من الفسخ عند التعذر على الوقوف على الحقيقة فإذا علمت بطريقها فليردها عليه ولو أكلها المشتري قبل التبين أو تصرف فيها فلا ضمان كما لو استعمل النعل في رجل الدابة حتى بلى وهذا وإن لم يصرحوا به لكنه فقه ظاهر والقواعد تشهد له اهـ، لا يقال توقع عود النعل أقرب من توقع التمييز كما لا يخفى لأنا نقول ذلك وإن سلمناه لا يقتضي صحة ما قاله على أن نفي السبيل إلى التمييز وقد علمت أن السبيل إليه ممكن سيما وكلامهم كالمصرح أو مصرح باستوائهما في عدم ملك كل منهما بالإعراض، ثم لو فرض اعتماد ما قاله فلا يأتي نظيره هنا، لأن علته لا تجري هنا لتميز المعرض عنه هنا فالوجه أنه لا يملك ما فسد فيه البيع إذا أعرض البائع عنه له بخلاف ما إذا وهبه له وقبله بشرطه فإنه يملكه، فإن قلت هل يأتي فيه ما قاله
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(1/500)


الزركشي من أنه لو تصرف في نحو الثمار لا يضمها وقاسه على ما ذكره في النعل قلت نعم يمكن أن يأتي ذلك فيما إذا كان الذي فسد العقد فيه تفوت عينه في الانتفاع به لأنه الذي يشبه ما فرض الزركشي الكلام فيه من الثمار ونحوها، أما في نحو الأراضي فلا يأتي فيه ذلك، نعم لو عاد فيه البائع فلا أجرة على المشتري للمدة التي انتفع به فيها لأن المعرض عنه غايته أنه كالمعار كما يفهم مما ذكرته في حاشية العباب، وعبارتها والمراد بالإعراض هنا خلاف ما قالوه في الإعراض عن نحو كسرة خبز، لأن الإعراض إما مطلق بأن يحصل بالاختيار بلا ضرورة فإذا أخذه الغير ملكه وليس لمالكه الرجوع فيه، وإما مقيد كما هنا فإنه مقيد بحالة اتصاله بالدابة فإذا انفصل عنها عاد إلى مالكه ووجب رده عليه عقب السقوط فورا، وإن لم يطلبه كما اقتضاه إطلاقهم لكن يحتمل أن يقال الواجب عليه التخلية وهي المرادة بالرد في كلامهم وأن يقال بل الواجب عليه الرد حقيقة كالعارية بجامع أنه أبيح له الانتفاع بكل منهما فكما لزمه ثم بعد انقضاء العارية الرد فكذلك هنا، ولعل هذا أقرب فإن قلت أطلق الزركشي أنه لا ضمان بالتصرف، وظاهره صحة تصرفه فكيف يكون عارية، قلت مراده التصرف بغير النقل عن ملكه بدليل ما نظر به من استعمال النعل حتى بلي، فإن قلت مر في مبحث الأحجار قولهم وهذا الترك إعراض لا تمليك فللبائع الرجوع فيها فإذا عاد رجع خيار المشتري فهل يأتي نظير ذلك هنا، قلت نعم فإذا أعرض البائع للمشتري عما فسد فيه العقد سقط خياره ولزمه القبول فله حينئذ التصرف في ذلك المعرض عنه لكن بالانتفاع ولو بإيجاره للغير لا بالبيع ونحوه لأنه غير مالك له ثم إذا رجع البائع فيه عاد خيار المشتري لأنه ما دام لم يرجع فسبب الخيار منتف فإذا رجع عاد سبب الخيار، فإن قلت هذا فيه ضرر كبير على المشتري من حيث إنه يصير كالمحجور عليه في هذا المعرض عنه إذ ليس له إلا الانتفاع به لا إخراجه عن ملكه، قلت

(2/1)


لا ضرر في ذلك عليه لأن هذا الانتفاع في الحقيقة لم يبذل المشتري في مقابلته شيئا فهو محض ربح استفاده لأن ما بذله من الثمن، إنما هو في مقابلة الذي صح فيه البيع وهذا الذي فسد فيه البيع إنما استفاده في مقابلة ثبوت الخيار له، وإذا حصل ذلك الانتفاع في مقابلة ذلك الشيء كان ذلك غاية في مراعاة جانبه وغايته في الربح فلا ضرر عليه في ذلك بوجه سيما وخياره أو خيار وارثه يعود بعود البائع أو وارثه في ذلك المعرض عنه وعلى فرض المحال وهو أن عليه ضررا في ذلك فلا نظر إليه لعين ما قالوه في الإعراض عن الأحجار من أن المشتري لا يملكها به فلا ينفذ تصرفه فيها بالبيع ونحوه فكما لم ينظروا هنا إلى تضرره إن فرض وأسقطوا خياره بالترك معه فكذلك لو فرض تضرره في مسألتنا لا ينظر إليه ويسقط خياره هذا آخر ما يسر الله به في هذه المسألة، ولعل الله يفتح فيها بما يزيدها إيضاحا وبيانا جعلنا الله ممن لجأ في مهماته إليه، وعول فيما يرتبك فيه من المضايق وينوبه من المتاعب عليه وأمدنا بتوفيق بديع من عنده لا يبقى فينا ذرة لغيره، وأدام على قلوبنا شهود إنعامه وسوابغ بره وخيره وختم لنا بالحسنى وبلغنا من فضله المقام الأسنى فهو حسبنا ونعم الوكيل وإليه مفزعنا في الكثير والقليل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاء الله لا قوة إلا بالله الحليم الكريم، الرحمن الرحيم، والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الأزكيان الأنميان الأطيبان على خلاصة سر الوجود وعين التعينات في مقامي التجلي والشهود سيدنا محمد وآله وعلى أصحابه وأزواجه وذريته وخلفائه ووارثيه وأتباعه ومحبيه ما قام لله بنصرة هذا الدين قائم فأظهر الحق وناضل عنه بسنانه وقلمه ولسانه ولم يخش في الله لومة لائم وأعذنا اللهم من شؤم نفوسنا ومن علينا بطواعيتها لنا حتى نستريح من شرورها وارزقنا الإخلاص حتى ندأب في تطهيرها من خبائثها وتتوالى

(2/2)


عليها بشائر سرورها واصحب ذلك كله برضاك عنا إلى أن نلقاك على ذلك فنرفع في دار شهودك على أعلى الأرائك مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا مع من أخبرت عما لهم عليك في تلك الدار بقولك
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242
دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (يونس).
وسئل رضي الله عنه عن رجل باع من رجل آخر ثوبا بثمن معلوم وقبض البائع من المشتري بعض الثمن وتأخر له بعض الثمن ثم إن البائع جاء إلى المشتري وطالبه بما بقي له من الثمن فاختصما، ثم إن المشتري سأل البائع أن يقيله فقال البائع له أقلتك ثم طلب منه الثوب فظهر أن الثوب رهنه المشتري المذكور تحت يد شخص ثالث على دين له فهل هذه الإقالة صحيحة أم لا لكون الثوب مرهونا تحت يد شخص آخر؟. فأجاب بقوله: عبارة الروضة كأصلها: ولا تجوز الإقالة بعد تلف المبيع إن قلنا بيع وإلا فالأصح الجواز كالفسخ بالتحالف اهـ، ومنها يعلم جوازها ولو بعد الرهن وإن قبضه المرتهن ويؤيده ما في المطلب وغيره من صحتها في الآبق قالوا لأن الإباق لا يزيد على التلف وهي تصح في التالف فأولى الآبق، وإنما امتنع رد نحو الآبق والمرهون المقبوض بعيب لأن الرد يرد على المردود ولا مردود ويؤخذ من قول الشيخين كالفسخ بالتحالف أن البائع بعد الإقالة مخير بين أن يرجع بقيمة الثوب وأن يصبر إلى فكاك الرهن ويأخذه، والله أعلم.

(2/3)


وسئل رضي الله عنه عن قوله في الروض فرع إنما تقبل دعوى جهل الرد بالعيب ممن أسلم قريبا أو نشأ بعيدا عن العلماء وتقبل في جهل كونه أي الرد فورا من عامي يخفي مثله عليه كم حد هذا القرب والبعد ومن العامي؟. فأجاب رضي الله عنه الذي يتجه في ضابط البعد والقرب فيما ذكر، وفي نظائر ذلك أن المدعي الذي جهل الرد بالعيب متى كان على مسافة يلزمه السفر منها للتعلم لم يعذر في دعواه ذلك ومتى كان على مسافة لا يلزمه السفر منها للتعلم عذر وضابط لزوم السفر له أنه متى قدر عليه لزمه وإن طال كما اقتضاه إطلاقهم، ومعنى قدرته عليه أن يستطيعه وينبغي ضبط الاستطاعة هنا بالاستطاعة التي ذكروها للحج فإن قلت يفرق بينهما بأن هذا واجب فوري والحج على التراخي، قلت هي معتبرة في الحج وإن وجب فورا هذا كله حيث سمع في محله بأحكام الشرع فحينئذ يأتي فيه التفصيل الذي ذكرته، أما إذا لم يسمع فيه بذلك بأن خلى محله الذي هو فيه عمن يعرف حكم الرد بالعيب فهو معذور سواء أقرب محله من العلماء أم بعد عنه ويؤيد ما ذكرته آخرا قول الأذرعي عن الكافي في نظير مسألتنا، وفي حكم من قرب عهده بالإسلام من نشأ ببادية نائية لم يسمع فيها بأحكام الشرع أي الأحكام التي فيها نوع خفاء لا كل أحكامه كما وظاهر، والظاهر كما علم مما مر أنه لا فرق في البعد هنا، وفي نظائره بين أن يكون بين محله ومحل العلماء مسافة القصر أو أقل أو أكثر لكن عسر عليه الانتقال لبلد العلماء لخوف أو عدم زاد أو ضياع من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك من سائر الأعذار المسقطة لوجوب الحج، فحينئذ يكون معذورا في دعواه جهل الرد بالعيب ونظائره، وأما إذا انتفى ذلك فإنه لا يعذر لأنه يجب عليه السفر لتعلم المسائل الظاهرة دون الخفية وإن بعدت المسافة بالشرط السابق والمراد بالعامي من يعرف الأحكام الظاهرة دون الخفية ومن ثم فرقوا هنا بينه وبين من قرب إسلامه أو نشأ بعيدا فهل تقبل دعواه جهل أصل الرد

(2/4)


بالعيب، لأنه يجهله بخلاف العامي فإنه لا يجهله لظهوره لأكثر الناس ومن لم يظهر له عد مفرطا ومغفلا فلا يعتد به، وأما دعوى الجهل بالفورية فيقبل حتى من العامي لأن أكثر العوام يجهل ذلك، ومن ثم قال أصحابنا: الغالب أن من علم ثبوت الرد بالعيب يعلم صفته من أنه على الفور فعلم أنه مسلم له ما ذكره، إذ لا غالب في ذلك والمراد بالعامي في عرف الأصوليين غير المجتهد المطلق فالمقلدون كلهم عوام عندهم وإن جلت مراتبهم، وفي عرف الفقهاء من يعرف الظاهر من الأحكام الغالبة بين الناس دون الأحكام الخفية ودقائقها والأحكام النادرة والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242
وسئل بما لفظه: علق شريكان في عبد عتق نصيبهما بمتناقض ولم يتبين الحال فباعا نصيبهما لثالث عتق عليه النصف إن كان بينهما أنصافا وإلا فأقل النصيبين فلو وجد المشتري بذلك العبد عيبا هل يثبت له الإرش وإذا ثبت فعلى من يرجع به؟. فأجاب بقوله: القياس الثبوت وأنه موقوف إلى البيان، نعم لو ماتا وورثهما واحد والثمن في ملكهما فالقياس أن للمشتري المطالبة بالإرش وعلى الوارث إعطاؤه من ذلك الثمن.
وسئل رضي الله عنه عمن شرط الخيار لأجنبي هل يقال إنه من قبيل التمليك كتفويض الطلاق للزوجة حتى يشترط قبوله على الفور أو من قبيل التوكيل فيأتي في قبوله الخلاف؟. فأجاب بقوله: مقتضى تصريح البغوي بأنه لا ينعزل بالعزل، ووالد الروياني بأنه لا يجوز شرطه لأجنبي كافر والمبيع عبد مسلم أو محرم والمبيع صيد وإن خالفه ولده، وأن الشارط لو مات لم يبطل خيار الأجنبي ترجيح الأول، واعتمده بعضهم إذ لو كان توكيلا لانعزل بالعزل ولجاز شرطه له وإن كان كافرا أو محرما في مسلم وصيد، لأن الكافر يجوز توكيله في شراء المسلم ولا يعزل بموته.

(2/5)


وسئل رضي الله عنه بما لفظه: ضبطهم العيب المثبت للخيار بما ينقص العين أو القيمة الخ، منقوض العكس بما إذا اشترى من وجد به برصا ورضي به ثم وجد به برصا آخر لا ينقص القيمة فإن هذا البرص الآخر عيب يثبت به الرد ولا ينقص عينا ولا قيمة؟. فأجاب بقوله: لا يرد ذلك لأن هذا عيب لنقصه القيمة في نفسه لو انفرد وإن لم يظهر به نقص بواسطة انضمامه إلى مثله الذي خرج بسببه عن أن يكون منقصا فأشبه ما إذا اشترى مريضا في النزع فوجد به عيبا ينقص القيمة في نفسه لكنه لا ينقصها هنا لوجود هذا المرض فإن ذلك لا يخرجه عن كونه في نفسه منقصا مثبتا للرد فيرد به.
وسئل رضي الله عنه ورحمه عمن اشترى عبدا فقطع يده ولد المشتري قبل القبض ثم مات ولا وارث له سوى الولد القاطع فما حكمه؟. فأجاب بقوله: يثبت للوارث الخيار فإن فسخ لزمه نصف القيمة للبائع ويسترد الثمن وإن أجاز لزمه كل الثمن.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(2/6)


وسئل رضي الله عنه عن حدوث العيب بعد القبض في زمن الخيار بفعل المشتري فهل يثبت له الخيار به كتعييب الأجنبي أو لا لأنه من فعله؟. فأجاب بقوله: قال الرافعي: لو عيب المشتري المبيع قبل القبض لا خيار له لحصول النقص بفعله، بل يمتنع بسببه الرد بسائر العيوب القديمة ويجعل قابضا لبعض المبيع هذا على الصحيح، وهو إن إتلاف المشتري قبض وعلى الوجه المنسوب إلى رواية الشيخ أبي علي لا يجعل قابضا لشيء من المعقود عليه وعليه ضمان اليد بإرشها المقرر وهو نصف القيمة كالأجنبي وقياسه أن يكون له الخيار اهـ، ومفهومه كما قاله بعض المتأخرين أن المشتري إنما لم يثبت له الخيار إذا عيب المبيع لعدم تحقق سببه وهو وجود العيب قبل القبض، لأن القبض يحصل بفعله فلا يكون العيب سابقا عليه فلم يثبت الخيار لذلك لا لأن العيب فعل المشتري، قال: فيستفاد منه أن الخيار إذا لم يكن سببه وجود العيب قبل القبض يثبت للمشتري إذا تحقق سببه كالخيار للعيب المتقدم على العقد إذا كان بفعل المشتري بان عيب عبدا مثلا في يد إنسان ثم اشتراه منه فإنه يثبت له الخيار بشرطه وكالخيار العيب الواقع في زمن خيار البائع، إذا قلنا الملك له وهو الأصح فلو اشترى شخص عبدا بشرط الخيار لبائعه ثم عيبه يثبت الخيار للمشتري لأن غاية تعيينه إياه أن يكون قبضا إذا صدر قبل القبض وهو لا أثر له هنا مع منع ثبوت الخيار بناء على أن العيب الواقع في زمن خيار البائع يثبت الخيار للمشتري، وإن كان بعد القبض فيثبت الخيار هنا أيضا لما سبق من أن وصف كون العيب بفعل المشتري طردي لا أثر له وإن مدار ثبوت الخيار وعدمه على وجود سببه وعدمه ويؤيد ذلك أن التلف ينفسخ به البيع إذا وقع في زمن خيار البائع ولو بعد القبض كما قاله الرافعي في أقوال الملك، وأنه لا فرق بين إتلاف الأجنبي وإتلاف المشتري كما هو الظاهر، ولا شك أن وزان التعييب في اقتضاء الخيار للمشتري وزان التلف في اقتضاء الانفساخ

(2/7)


فمن اقتضت مباشرته التلف انفساخ العقد تقتضي مباشرته التعييب ثبوت الخيار فيه اهـ.
وسئل عمن اشترى شيئا فرأى به عيبا ورضي به، ثم قال: إنما رضيت لأني ظننته العيب الفلاني وقد بان خلافه فهل تقبل دعواه؟. فأجاب بقوله: إن أمكن الاشتباه وكان ما بان دون ما ظنه أو مثله فلا رد وإن كان أعلى منه فله الرد؟.
وسئل رضي الله عنه عمن اشترى عينا بها أثر وقد رآه ثم قال ظننته غير عيب فبان عيبا فهل له الرد؟. فأجاب بقوله: إن كان ذلك مما قد يخفى على مثله صدق بيمينه وله الرد.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242
وسئل رضي الله عنه عمن اشترى بذرا على أنه ينبت فزرعه في أرض صالحة للإنبات فلم ينبت فما الحكم في ذلك فإن جماعة اختلفت فتاويهم في ذلك؟. فأجاب بقوله أفتى بعضهم بأنه ليس للمشتري إلا ما نقص من قيمته، وأفتى آخر بأن البائع يغرم للمشتري أجرة البقر اللاتي حرث عليهن وجميع الخسارة ويرد إليه جميع قيمة البذر ولا وجه لذلك ولا قياس يعضده بل الوجه ما أفتى به بعضهم من أن للمشتري الإرش وهو جزء من الثمن نسبته إليه نسبة ما بين قيمته صالحا للإنبات وغير صالح هذا إن كان عدم إنباته لعيب فيه فإن كان لنحو عارض في الأرض بقول أهل الخبرة لم يرجع بشيء ولو جعلا الإنبات شرطا في العقد وأرادا الصلاحية فالحكم كذلك أو وجوده بالفعل فسد العقد كما هو ظاهر لعدم القدرة عليه فعلى البائع حينئذ رد الثمن وعلى المشتري رد البذر أو أقصى قيمه.
وسئل رضي الله عنه عمن اشترى جارية فوجدها لا تحيض أو يطول طهرها فهل هو عيب؟. فأجاب بقوله: الأول عيب إن كانت في سن تحيض فيه النساء غالبا وهو عشرون سنة، كما قاله القاضي حسين ، وكذا الثاني إذا تطاول طهرها بحيث جاوز العادة كما في الكفاية.

(2/8)


وسئل عن رجل اشترى جارية ثم رأى فيها عيبا يمكن حدوثه وقدمه فاختلف البائع والمشتري فمن المصدق منهما وهل يكفي قول البائع لا أعلم فيها عيبا ويرد عليه أو لا؟ وهل يلزم المشتري اليمين أنه وقت اطلاعه على العيب لم يقصر في الرد؟. فأجاب بقوله: المصدق في ذلك هو البائع بيمينه لكن لا يكفي قوله في الجواب والحلف ما علمت بهذا العيب عندي ويكفي فيهما لا يستحق علي الرد به، أو ما أقبضته إلا سليما أو أقبضته وما به من عيب ولا يمكن في الأخيرة من الحلف على أنه لا يستحق الرد عليه ولو قال في الجواب ليس بقديم حلف على البت فيقول لقد بعته وما به هذا العيب، وإذا أجاب جوابا صحيحا وحلف حلفا صحيحا لم يثبت للمشتري عليه رد، فإن قدر ثبوت رد له فقال البائع لقد قصرت في الرد على الفور صدق المشتري بيمينه وثبت له الرد.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(2/9)


وسئل عن قوله : «الخراج بالضمان» هل هو على إطلاقه في العموم في الملك وغيره من غصب وسوم ووديعة إذا تعدى عليها أم هو مختص بالملك فقط كما في الحديث المتضمن للعبد الذي وجد به المشتري عيبا ثم رده من غير خراج، وإذا قلتم يختص بالملك فما وجه التخصيص والحديث عام في الملك وغيره فإنه لو هلك هلك عليه من ماله؟. فأجاب بقوله: حديث: «الخراج بالضمان» له قصة، أشار إليها السائل وبها يتبين المراد منه وهي أن رجلا ابتاع من آخر غلاما ما قام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبي فرده عليه فقال: يا رسول الله قد استعمل غلامي، فقال: «الخراج بالضمان» رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه ومعناه: أن فوائد المبيع للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان من ضمانه، وأورد عليه المغصوب والمبيع قبل قبضه فإن كلا منهما لو تلف تحت ذي اليد ضمنه وليس له خراجه وأجيب عنهما بأن الضمان هنا معتبر بالملك لأنه الضمان المعهود في الخبر ووجوب الضمان على ذي اليد فيما ذكر ليس لكونه ملكه بل لوضع يده على ملك غيره بطريق مضمن، وعن الثاني أيضا بقصر الخبر على سببه وهو فيما بعد القبض فعلم الجواب عما قاله السائل وإن كل ما استحق خراجه لكونه ملكه كان من ضمانه لو تلف فيلزم من استحقاق الخراج الضمان بالمعنى المذكور ولا يلزم من الضمان استحقاق الخراج فما في الحديث موجبة كلية وهي ما ذكر أولا ولا يرد عليها شيء والموجبة الكلية لا يلزم انعكاسها كنفسها فلا مبالاة بما يرد على عكسها، لأنه لا يتم إيراده إلا إن قلنا أنها تنعكس كنفسها دائما وليس كذلك فتأمله ليظهر لك الجواب عن قول السائل فما وجه التخصيص الخ.

(2/10)


وسئل عن قول الإرشاد ثم كل من عتق ورهن إلى أن قال وكل من البائع فسخ ومن المشتري إجازة هل ذلك في خيار المجلس أم لا؟ وظاهره أنه مفرع على خيار الشرط لقوله فإن خيرا معا؟. فأجاب بقوله: هو جار في كل من الخيارين كما هو جلي لمن نظر أدنى نظر في كلامه وكلامهم، وعجيب من قول السائل نفع الله تعالى به لقوله فإن خيرا معا فاستدلاله بهذا على أن الكلام في خيار الشرط في غاية الغرابة، لأن ثبوت الخيار لهما لا يتوهم أحد افتراق الخيارين فيه وإنما الذي يتوهم افتراقهما فيه ثبوته لأحدهما فهو ظاهر في خيار الشرط، وفيه نوع خفاء في خيار المجلس ولكنه لمن عنده أدنى تأمل غير خفي، إذ يمكن أن أحدهما يلزم العقد دون الآخر وهما بالمجلس فهو لازم من جهة الملزم جائز من جهة غير الملزم لبقاء خياره.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242

(2/11)


وسئل عن قول العباب ولو أبهم الخيار في أحد العبدين بطل البيع اهـ، فأفهم أنه لو شرطه في أحدهما معينا لم يبطل وثبت له الخيار بالنسبة إليه دون الآخر وإن تفرقت الصفقة على البائع ويوجه بأنه بموافقته على الشرط رضي بذلك، وقال القمولي : ولو باع عبدين مثلا وشرط الخيار في أحدهما لا بعينه بطل البيع ولو شرطه في أحدهما معينا ففي صحته قولا الجمع بين مختلفي الحكم الخ اهـ، والظاهر من الصحة ثبوت الخيار بحسب الشرط فيكون له رد المشروط فيه الخيار فقط ولا مانع من ذلك إلا بنقل صريح، وقد سألت بعض الفضلاء عن ذلك فقال لا يجوز رد أحدهما بل يردهما جميعا وشرط الخيار في أحدهما ينزل منزلة وجود عيب في أحدهما وهو يمنع رده وحده فتفضلوا بالحق في ذلك؟. فأجاب بقوله: عبارة شرحي على العباب وخرج بمعلوما ما لو أبهم الخيار في أحد العبدين مثلا أو في حصة أحد البائعين فإنه لا يصح البيع كما أفهمه في الثانية قول القمولي لو اشترى واحد من اثنين بشرط الخيار في نصيب أحدهما بعينه صح البيع أو فاوت قدره في العبدين على الإبهام كان شرط في أحدهما خيار يوم وفي الآخر خيار يومين فلا يصح أيضا لما يأتي، وخرج بذلك ما لو عين من خصصه منهما بالخيار أو بالزيادة فيه على الآخر فإنه يصح ويثبت الخيار كما شرط كالبيع يبطل مع الإبهام، ويصح مع التعيين انتهت وهي أعني قولها ويثبت الخيار كما شرط صريحة فيما ذكرتموه وهو واضح وإن لزم عليه تفريق الصفقة لأنه يغتفر في الدوام وفي الأمور التابعة ما لا يغتفر في الابتداء، وفي الأمور المقصودة وأما التنزيل الذي ذكره بعض الفضلاء فهو تمحل لا وجه له، ولا دليل عليه ومثله لا يصار إليه إلا أن أطبق الأصحاب أو جلهم على حكم يضطر في توجيهه إلى ذلك التنزيل على أنه لو سلم لزم عليه إن اشتراط الخيار في أحدهما لغو لا فائدة له وهو مخالف لصريح كلامهم فالوجه بل الصواب ثبوت الخيار كما شرط ومن ثم جزمت به نقلا وبحثا.

(2/12)


رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 242
باب المبيع قبل قبضه
وسئل هل يشترط تلفظ البائع بالتخلية في المبيع العقار لقبضه أو يكفي السكوت مع التمكين والفراغ من أمتعة البائع؟. فأجاب لا بد مع التخلية في نحو العقار من لفظ من البائع يدل عليها مع تسليم مفتاح نحو الدار وتفريغها من متاع غير نحو المشتري سواء البائع والأجنبي واقتصار السائل على أمتعة البائع تبع فيه بعضهم، وقد اعترض عليه بأنه غالط وأن الصواب أنه لا فرق بين أمتعة البائع والأجنبي، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

(2/13)


وسئل شخصان تعاقدا رهنا أو مبيعا وتسلم المرتهن أو المشتري بعض العين المبيعة أو المرتهنة هل يكفي قبض البعض في الكل ويجري عليها أحكام الكل أم لا بد من قبض الكل في الصورتين أم في أحدهما، وإذا قلتم بقبض الكل فلا بد من قبضه كله حقيقة في المنقول وهل يكفي وضعه بين يديه من غير مانع شرعي أم لا بد من قبضه بيده وإذا قلتم في غير المنقول بالتخلية فلو كانت العين المبيعة أو المرتهنة مشغولة بالأمتعة وأخرجها ما عدا شيئا يسيرا كرحاة أو زير أو حصير مثلا لم يخرجها واستمرت بها برهة من الزمان هل يخير المشتري أو المرتهن بين الفسخ وغيره أم يبطل البيع والرهن من أصلهما وهل يكون الفسخ على الفور إذا علما بالأمتعة الباقية وهل لذلك مدة معلومة بعد البيع أو الرهن أو يكون عقب العقد بحسب الإمكان لذلك؟. فأجاب لا يكتفي بقبض البعض عن الكل في نحو بيع أو رهن، بل تتفرق الصفقة ويكفي في إقباض المنقول وقبضه وضعه بين يديه بحيث لو مد يده إليه لما له مع علمه به وإن نهاه أو قال لا أريده واستثنى السبكي من اشتراط التخلية الحقير من الأمتعة كالحصير وبعض الماعون فلا يقدح في التخلية وإطلاقهم ينافيه فعليه يصح القبض بالنسبة لغير محل تلك البقعة، ولا خيار هنا حتى يسأل هل فوري أم لا؟ لأن الصورة أن المبيع باق لم يتلف منه شيء فإن تلف منه شيء انفسخ فيما لم يقبض وخير المشتري حينئذ على الفور والواجب في التخلية التفريغ بلا إعجال فوق العادة ولو كان غير المنقول أو المنقول الذي بيد المشتري غائبا أمانة كان أو مضمونا كفى فيه التخلية مع مضي زمان يمكن فيه الوصول أي عادة كما هو ظاهر للمبيع والتخلية في غير المنقول والنقل في المنقول وحكم المرهون حكم المبيع فيما ذكر والله أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 253

(2/14)


وسئل عما لو أتى الغريم إلى غريمه بما له فوضعه بين يديه بأمر من ولي الأمر ليأخذه بعد وضعه ولم يجر من رب الدين قبض يحصل به الضمان لو استحق فهل يعد قبضا أم لا؟. فأجاب المعتمد في هذا من خلاف وقع في الروضة وتناقض فيه كلام الإسنوى وصاحب الأنوار كما بينته في شرح الإرشاد أن المدين لو وضع الدين بين يدي مستحقه بحيث لو مد يده إليه لناله مع علمه به اكتفى به فيه كالمبيع في الذمة بجامع أن كلا تسليم واجب عليه فاكتفى بذلك فيه كما يكتفي به من الغاصب، وبه فارق ذلك الإيداع حيث لا يحصل بمثله وفارق ذلك أيضا عدم الضمان لو خرج مستحقا بأن ضمان الاستحقاق ضمان عدوان وهو لا يتحقق بدون حقيقة اليد، وظاهر أنه يجري في مسألة الدين ما ذكره الإمام في المبيع من أنه لو كان بين المتعاقدين مسافة التخاطب فأتى به البائع إلى أقل من نصفه لم يكن قبضا أو إلى نصفها فوجهان أو إلى أكثر من نصفها كان قبضا ولو وضعه على يمينه أو يساره والمشتري تلقاء وجهه لم يكن قبضا، ويعلم من ذلك أن هذا مستثنى مما مر من اشتراط أن يكون بحيث تناله يده فهذا كله يأتي في مسألة الدين كما قدمته من الجامع بينه وبين المبيع، ولا فرق في جميع ما تقرر بين أن يأمره حاكم بوضعه لذلك وأن يضعه كذلك بلا إذن والله أعلم.
وسئل رضي الله عنه بما لفظه: نفوذ عتق المشتري للمبيع قبل القبض وإن كان للبائع حق الحبس والمشتري معسر يشكل عليه عدم نفوذ إعتاق المرهون إذا كان الراهن معسرا؟. فأجاب بقوله: الفرق أن الراهن حجر على نفسه بخلاف المشتري واعترض بأن أحد الورثة إذا كان معسرا لا ينفذ إعتاقه عبد التركة مع أنه لم يسبق منه حجر على نفسه، ولما كان هذا الاعتراض قويا جدا اختار البلقيني التفصيل هنا بين الموسر والمعسر قياسا على التفصيل ثم:

(2/15)


وسئل رضي الله عنه عمن أسلم في دينار بثوب فهل يجوز الاستبدال عن الدينار نظرا إلى أنه ثمن بناء على الأصح أن الثمن في العقد إذا جمع عرضا ونقدا هو النقد أو لا يجوز نظرا إلى أنه دين سلم فما المعتمد؟. فأجاب بقوله: تردد في ذلك الأذرعي، والظاهر كما قاله بعضهم الثاني.
وسئل عن قول الإرشاد وبوضعه بين يديه لا لضمان إن استحق. قال الشيخ زكريا رحمه الله في شرح البهجة: أي وإن لم يكن وضعه بين يديه بأمره فإن كان بأمره ضمنه وهذا يخالف إطلاق المصنف وغيره فليحرر ذلك؟. فأجاب بقوله: إطلاق الإرشاد وغيره محمول على هذا التقييد الذي صرح به شيخنا وغيره ومن ثم جزمت به في شرح الإرشاد وهو ظاهر، لأن ضمان الاستحقاق ضمان عدوان وهو لا يتحقق بدون حقيقة اليد، ولا شك أن أمره بوضعه بين يديه بمنزلة وضع يده عليه، والله أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 253
باب الألفاظ المطلقة
وسئل رضي الله عنه في شجرة مستحقة الإبقاء في ملك لآخر هل لآخر جمع تراب تحت هذه وإن أضر بمالك الشجرة بحيث إن من علا التراب من آدمي أو غيره ينال ثمرها وورقها أو لمالك الشجرة منعه؟. فأجاب بأن الذي يتجه أن لمالك الشجرة منع صاحب الأرض من جمع التراب حولها إن أضر بها، بأن حصل لها منه عدم نمو أو نحوه بخلاف ما إذا أضر بمالكها بأن ترتب عليه ما ذكر في السؤال لأن غايته أنه كالجار وقد قالوا إن للإنسان أن يتصرف في ملكه بما يضر المالك لا الملك، فكذلك مالك الأرض له أن يتصرف بها بما يضر مالك الشجرة لا بما يضر نفس الشجرة على أنه يسهل على مالكها منع من يرقى على ذلك التراب لأخذ ثمرها أو ورقها فليس في جمع التراب حينئذ إضرار به من كل وجه.

(2/16)


وسئل رضي الله عنه لو باع نخلة بها أولاد فهل يدخل أولادها في مطلق البيع سواء أكان الأولاد صغارا أم كبارا فقد تكون قيمة الأولاد أو الولد أكثر من الأم أو لا تدخل الأولاد إلا بالشرط؟. فأجاب بقوله: الذي اقتضاه كلامهم وصرح به بعض المتأخرين وأفتى به جماعة أن الأولاد المذكورة تدخل إن كانت رطبة سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، لأنها جزء من الأم فأشبهت أغصاتها، وبه يعلم أن الكلام في أولاد متصلة بأصل الأم ملتصقة به أما ما تميز عن الأم بمنبت مستقل فلا يعد من الأولاد بل هو شجرة مستقلة فلا تدخل في بيع شجرة أخرى أصغر منه أو أكبر وإن اتحد معها في العروق التي بباطن الأرض ويدل على دخولها أيضا ما ذكره بعض المتأخرين من أن وقف الشجرة المذكورة يتناول أولادها، وأفتى جمع محققون بأن ما حدث بعد الوقف من الأولاد حكمه حكم الأم فيكون وقفا، وقال جمع بل يكون للموقوف عليه كالثمر وكل من المقالتين يدل على ما ذكر كما هو ظاهر، ويدل على ذلك أيضا قول الأذرعي وغيره والموجود للأصحاب فيما حدث من أولاد الشجرة المبيعة أو انتشر من أغصانها حولها في أرض البائع ثلاثة أوجه أصحها استحقاق إبقائها كالأصل وقاسوا ذلك على ثخانة الأصل والعروق المتجددة وكلامهم يقتضي أن العروق الزائدة في الأرض متفق على إبقائها كيف كانت، فعلم أن المنقول تبقية الحادث من أولاد الشجرة أو غيرها مما وضع بحق وأغصانها المنتشرة وعروقها كذلك تبعا لأصلها سواء الحادثة والقديمة، والله تعالى أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 254

(2/17)


وسئل رضي الله عنه في أرض فيها شجر ولشخص خمس تلك الأرض وثلاثة أخماس ذلك الشجر مثلا والباقي لغيره فباع نصيبه من الأرض الذي هو الخمس بيعا مطلقا فهل يدخل خمس الشجر فقط أو يدخل جميع ما يملكه في ذلك الشجر؟. فأجاب بقوله: إن من المعلوم أن البيع إنما يصح في الأرض بطريق القصد وفي الشجر بطريق التبع وأنه ليس ملحظ التبعية اجتماع الأرض والشجر في ملك شخص واحد من غير اعتبار كون الشجر تابعا لتلك الأرض لكونها أصلية وإنما ملحظها اجتماعها في ملك شخص واحد مع الاعتبار المذكور فإذا تقرر ذلك بان أنه لا يدخل في بيع خمس الأرض المذكورة إلا خمس الشجر فقط وذلك لأنه إذا كان مالكا لخمس الأرض مشاعا ولثلاثة أخماس الشجر مشاعا كان له في مغرس كل شجرة خمس وفي كل شجرة ثلاثة أخماس فالبيع في المغرس إنما انصب على خمس فيستتبع ذلك الخمس خمسا من الشجر لأن الثلاثة أخماس التي له في الشجر خمس منها في ملكه وخمسان في ملك شريكه وكذلك من باع حصته من أرض وفي تلك الأرض جميعها شجر له لا يتناول بيع حصته إلا ما يخصها من الشجر دون ما يخص حصة شريكه من الشجر لأنه تابع لأرض شريكه لا لأرض نفسه فلا يمكن أن يكون بيع أرض نفسه متناولا لما ليس فيها وإن كان ملكه لانتفاء ملحظ التبعية الذي قررته أولا وهو كون الأرض المبيعة أصلا لذلك الشجر وكذلك ما نحن فيه لما عرفت من أن كل شجرة ليس للبائع في مغرسها إلا الخمس فتكون الأخماس الثلاثة التي له في الشجر منها خمس شائع في خمسه الشائع والخمسان الباقيان له إنما هما في نصيب شريكه من المغرس فلا يمكن أن يتناولهما بيع خمسه من المغرس لانقطاع ملحظ التبعية بينهما وبين خمس المغرس المبيع، إذ ملحظهما إنما هو كون الأرض المبيعة أصل الشجر التابع لها لكونه نابتا فيها والنابت هنا في خمس الأرض المبيعة إنما هو خمس الشجر دون خمسيه كما تقرر، فاتضح ما ذكرته من أن بيع خمسه من الأرض لا يتناول إلا خمس الشجر فقط

(2/18)


وإن الخمسين الباقيين له من الشجر يستمران على ملكه ولا شيء له في مغرسهما في حصة شريكه هذا ما ظهر الآن في هذه المسألة، ولعلنا نظفر له بصريح في كلامهم إن شاء الله تعالى.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 254
وسئل لو وجدنا نخلة لرجل وأولادها لآخر فتنازعا في مغرسها فهل يختص بها مالك الأم أم اليد فيه لهما فلو كانت النخلة في أرض تزرع فادعى الزارع الملك فيما يزرعه ما عدا محل الغرس وعاكسه صاحب النخلة فهل اليد لصاحب الأرض أو لصاحب النخلة؟. فأجاب بقوله: الذي يظهر أن اليد في المغرس إنما هي لمالك الأم لما مر في الجواب الثاني عشر من أن الأم هي الأصل وأن الأولاد كأغصانها فهي تابعة لها والتابع لا يفرد بحكم عن متبوعه من الجهة التي اقتضت تبعيته له وأيضا قيد مالك الأم على مغرسها متيقنة ومالك الأولاد يحتمل أن له يدا وأن لا يد له، فعملنا بالمتيقن وألغينا المشكوك فيه وأيضا فملك الأولاد لا يقتضي ملك المغرس لأنها لا مغرس لها حتى يدخل في بيعها مثلا تبعا، وبهذا يتضح اندفاع مما يتخيل من أن الملك لهما كسائق وقائد لدابة ووجه اندفاعه وضوح الفرق بين الصورتين فإن الذي عليه اليد متعدد ولأحدهما مرجح وهو مالك الأم لما تقرر من تيقن ملكه للمغرس ومن أن ملك الأم يستلزم استحقاقه وملك الأولاد لا يستلزمه ولا يقتضيه لأنها بمنزلة أغصان الشجرة كما صرح به بعضهم وملك بعض أغصان الشجرة لا يثبت استحقاقا في مغرسها بوجه فكذلك ملك ما هو بمنزلة أغصانها وهو أولادها لا يثبت استحقاقا في مغرسها فكانت اليد عليه لمالك الأم فقط كما بان لك اتضاحه مما قررته هذا في أولاد متصلة بأصل الأم ظاهرا، أما المتميزة بمغرس ظاهر فإن يد مالكها على مغرسها لاستقلاله حينئذ وإن اتحدت مع غيرها في العروق التي بباطن الأرض كما مر وإذا اختلف مالك الأم والأولاد التي تدخل في البيع وجدت أولاد أخر فإن التصقت ظاهرا بالأم

(2/19)


فلمالكها أو بهما فلهما والالتصاق في باطن الأرض مع التميز بمغرس لا يعتبر كما مر نظيره، وسببه أن المراد بالدخول في باب الأصول والثمار إنما هو من باب العرف المطرد غالبا، ولا شك أن أهل العرف لا يعدون المستقل بمغرس تابعا لغيره وإن اتصلت عروقه في باطن الأرض بل كثير من الأشجار يكون بينهما تمايز ظاهر ومسافة طويلة في ظاهر الأرض مع الاتحاد في العروق في باطنها فلو اعتبرنا ذلك لخرجنا عن قاعدتهم، وقول السائل فلو كانت النخلة الخ، جوابه أن اليد على المغرس لصاحب النخلة وعلى ما عداه من بقية الأرض المزروعة لصاحب الزرع كما أفاده قولهم والحمل في الحيوان والمتاع في الدار، ونحو الزرع في الأرض كل منها يثبت اليد لمالكه نظرا للغالب من أن الظرف تابع للمظروف ومحله إن لم يكن لأحدهما يد على المتنازع فيه حتى لا ينافي قولهم آخر الصلح لا يكفي ترجح بكون أمتعة أحدهما في الدار، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 254

(2/20)


وسئل رضي الله عنه لو كانت أرض لجماعة على الإشاعة ولأجنبي فيها شجر فأراد أن يحفر تحت شجره إجانة لحفظ الماء أو أراد أن يجعل على أصوله شيئا من التراب لاستمساك الشجر أو لأجل نماء الثمر أو أراد وضع زبل لذلك هل له ذلك أم لا؟ ولو كان لكل منهم فيها شجر فأراد أحدهم أن يجعل تحت شجره ما ذكر فهل يجاب أو لا؟. فأجاب: بأن الأجنبي الذي له الشجر في الأرض المذكورة إما أن يكون مستعيرا أو مستأجرا وحكمهما واضح وهو أنه إن كانت الإعارة أو الإجارة للمغرس وما حوله جاز له أن ينتفع بما حوله انتفاعا يعود على شجره بنفع من غير أن يحصل به ضرر في الأرض، نعم إن نص على نوع في عقد العارية أو الإجارة جاز له فعله وإن كان فيه ضرر وإن كانت للمغرس وحده أو كان استحقاقه لبقاء الشجر في تلك الأرض من جهة بيع ونحوه كوصية ووقف ونذر وما شابه ذلك لم يجز له أن يتصرف فيما حول المغرس بشيء مطلقا سواء أضر الأرض أم لا؟ لأنه لا يستحق في الإجارة إلا منفعة المغرس فقط، وفي العارية ونحو البيع لا يستحق إلا الانتفاع به ببقاء الشجر فيه من غير أجرة عليه في مقابلة ذلك إلا بقاء فلا حق له فيما حول المغرس بوجه وإذا لم يكن له حق لم يجز له الانتفاع به، نعم إن صب الماء في أصل شجره جاز له لأنه حينئذ لم يستعمل إلا المغرس الذي يستحق الانتفاع به، ويؤيد ذلك قولهم في المستعير بعد رجوع المعير له دخول أرض المعير لسقي غراسه وإصلاح بنائه، وإذا جاز ذلك للمستعير بعد الرجوع في العارية فلأن يجوز نظيره في مسألتنا أولى فإن اضطر إلى حفظ الإجانة بأن توقفت حياة الشجر على ذلك إلى وضع تراب توقف عليه استمساكها احتمل أن يقال يلزمه التمكين من ذلك لا مجانا بل بأجرة، ولعل هذا أقرب نظير ما قالوه من أن المعير لو رجع قبل إدراك الزرع لزمه أن يبقيه بأجرة إلى الحصاد ومن أنه لو رجع جاز للمستعير دخول أرضه ولو بغير إذنه لسقي غراسه وإصلاح بنائه وعليه أجرة مدة الدخول إن

(2/21)


تعطلت منفعة أرض المعير عليه بدخول المستعير فلا يمكن حينئذ من الدخول بالأجرة ومحل التردد المذكور حيث لا ضرر يعود على مالك الأرض بتمكين صاحب الشجر من وضع ما ذكر فيها غير فوت منفعتها، أما إذا كان في ذلك ضرر يعود عليه من إتلاف شجرة أو نحوه، فينبغي أن لا يمكن صاحب الشجر من ذلك مطلقا، ويؤيده قولهم من باع شجرة وبقيت له الثمرة لم يكلف قطعها من غير شرط قبل وقت العادة إلا إذا تعذر السقي وعظم الضرر ببقائها فيكلف قطعها دفعا للضرر عن المشتري وقولهم في هذه الصورة أيضا السقي لحاجة الثمار على البائع ويجبر عليه أو على القطع إن تضرر الشجر ببقاء الثمار اهـ، ووجه المشابهة بين هذه ومسألتنا أن إبقاء الشجرة ثم في أرض الغير كابقاء الثمرة هنا على شجر الغير فكما راعوا هنا مصلحة مالك الأرض وهو المشتري ورأوا أن حصول الضرر به يوجب قطع ثمرة البائع، فقياسه النظر هنا لمصلحة ملاك الأرض فيكون لحوق الضرر بهم مجوزا لهم منع صاحب الشجر من وضع شيء في أرضهم يضرهم وإن عادت منفعته على الشجر فإن قلت قياس ما قالوه ثم مما ذكرته أنهم لا يجبرون هنا على تمكينه من السقي بأجرة الذي رجحته، قلت ليس قياسه ذلك لأن الغرض كما تقرر أنه لا ضرر يعود عليهم بتمكينه من ذلك فلزمهم كما يلزم المشتري في تلك تمكين البائع من السقي ودخول ملكه له إن كان أمينا مراعاة لمصلحة ملكه وهو الثمرة، فإن قلت قياس هذا أنه يمكن من وضع ما ذكر بلا أجرة، لأن ظاهر كلامهم في البائع أنه يمكن من الدخول للسقي بلا أجرة، قلت يفرق بأن من شأن الدخول لسقي الثمرة أن لا تطول مدة لها أجرة بخلاف ما نحن فيه وبخلاف دخول المستعير فيما مر لسقي غراسه وإصلاح بنائه على أن تعلق البائع هنا أشد، لأن المشتري لما أقدم على شراء الشجر دون الثمر كان موطنا نفسه على الرضا ببقاء الثمرة ومن لازمه الرضا بدخوله لسقيها ومن ثم لو ضر السقي أحدهما ونفع الآخر وتنازعا فسخ العقد ولا يتجه

(2/22)


القول بنظير هذا في مسألتنا إذا كان إنما استحق الشجر كما مر وقول السائل ولو كان لكل منهم فيها شجر الخ، جوابه أن الحكم لا يختلف بذلك بل يأتي في كل واحد من الشركاء مع البقية نظير ما تقرر في الأجنبي كما يدل عليه كلامهم في باب الصلح، والله تعالى أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 254
وسئل رضي الله عنه لو كانت أرض متفرقة لأشخاص لأحدهم في نصيبه منها زرع وللآخر فيها شجر أو لكل في نصيبه زرع أو شجر فأراد أحدهم السقي لنفع ملكه وامتنع الآخر لضرر ملكه، والحال أن هذه الأرض في يد هؤلاء الملاك منتقلة من أهاليهم من وارث إلى وارث لم تنتقل إلى واحد بصورة عقد حتى يقال يفسخ العقد فهل يجاب طالب السقي لأنه يستحق السقي أم الممتنع إذ لا ضرر ولا ضرار، فإن قلتم يجاب طالب السقي فهل عليه ضمان ما نقص بسبب السقي كالمستعير يدخل لنحو سقي بأجرة لما عطل فإن قلتم يفرد كل منهم ملكه بسقي فقد لا يمكن إلا بتعطيل بعض منفعة الأرض التي منها منفذ الماء بسبب وضع الحواجز التي ترد الماء، فما حكم ذلك؟. فأجاب أمدنا الله من مدده: بأن كلام السائل نفع الله به مصرح بأن الأرض المذكورة متمايزة الحصص وبأن تلك الحصص المتمايزة في كل منها لمالكها زرع أو زرع وشجر وأراد أحدهما سقي ما في أرضه ومنعه الباقون لأن سقيه لأرضه يضر ملكهم وإذا كان هذا هو فرض المسألة يأتي فيه ما ذكروه في باب إحياء الموات من أنه متى تصرف في ملكه على العادة جاز وإن تضرر به جاره ولا ضمان عليه إذا أفضى إلى تلف كما لو اتخذ بئرا على الاقتصاد المعتاد بملكه أو حفر بالوعة كذلك فاختل بذلك حائط جاره أو نقص بها ماء بئره بخلاف ما لو جاوز العادة فإنه يمنع مما يضر الملك دون المالك، فعلم أن من أراد سقي أرضه على العادة جاز له ومكن منه وإن تضرر به جاره ولا ضمان عليه حينئذ لما نقص بسببه وفارق المستعير المذكور في السؤال فإن كان مريد السقي لا يتوصل

(2/23)


لسقي أرضه إلا بوضع الحواجز أو بعضها في أرض جاره ولم تكن مستحقة الوضع فيها فإن سمح له جاره بذلك وإلا لم يجبر جاره على أن يسامحه بأجرة ولا دونها وإن كان يتوصل إليه بوضع الحواجز المذكورة في أرض مباحة، فإن اختصت منفعتها بأرض فمؤنتها عليه أو بأراضي الجميع فهي عليهم بحسب أملاكهم، والله أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 254
وسئل هل يدخل في بيع الأرض السفوح التي ينزل منها السيل إلى الأرض المبيعة وفي بيع الدار مفاسحه التي يطرح فيها القمامات ويطعم فيها البهائم وإن لم يقل بحقوقها أو لا يدخل شيء من ذلك إلا بتعيين وإذا عرف كاتب الوثيقة أنهما أرادا ذلك بمقتضى جري العادة بذلك هل له أن يكتب الوثيقة بذلك أو لا يجوز له كتب ذلك إلا بإخبار البائع بذلك، قال اشتريت دار فلان فاكتب لي بها وثيقة هل يجوز له وهل يكفي إخبار ثقة بذلك؟. فأجاب رضي الله عنه لا يدخل في بيع الأرض مسيل الماء ولا شربها أي نصيبها من قناة أو نهر مملوكين، ونبه السبكي وتبعه الأذرعي وغيره على أن محل ذلك في المسبل أو الشرب الخارج عن الأرض بخلاف الداخل فيها فإنه لا ريب في دخوله، وإنما دخلت هذه الثلاثة عند إيجارها لزرع أو غرس، لأن المنفعة لا تحصل بدونها هذا كله عند الإطلاق، أما لو قال بحقوقها فيدخل كل من هذه الثلاثة مطلقا والذي صرح به الشيخان أنه يدخل في بيع الدار حريمها أي المملوك ومن ثم قال في الجواهر وغيرها ويدخل في بيع الدار حقوقها الخارجة عنها كمجرى الماء وحريمها وشجرها الذي فيه إن كانت بطريق منسد بخلاف التي بالشارع فإنه لا حريم لها مملوك وسواء في دخول الحريم المملوك ونحوه، قال بحقوقها أم أطلق بأن قال بعتك الدار وسكت ويجوز لمن شهد على قول البائع بعتك الدار الفلانية أن يشهد بهذا اللفظ وهو مقتض لدخول الحريم مع عدم بيان الصيغة الصادرة من البائع، قيل له ذلك ويكتفي منه القاضي بذلك إن كان فقيها وقيل

(2/24)


لا يكتفي منه بذلك مطلقا وهو الأصح لأن على الشاهد أن يفسر ما شهد به ويبينه ثم ينظر القاضي فيه بما يقتضيه نظره، وليس له أن يكون مفتيا شاهدا هذا كله في الشهادة وأما كتابة الوثيقة فلا عبرة بها إذ لا يثبت بها حق فلا يدار حكم على كتابتها وعدم كتابتها فلو جاء إنسان لموثق وقال له أكتب لي وثيقة بشراء دار فلان فإني شريتها تعين عليه إذا أراد الكتابة معتمدا على إخباره أن يقول قال فلان أنه اشترى دار فلان الخ، وليس له أن يجزم بالشراء في كتابته إلا إذا كان له طريق إلى ذلك لأن القلم أحد اللسانين كما صرحوا به فكما يجب التحري في صدق المنطق كذلك يجب التحري في صدق الكتابة، وكذا لو أخبره البائع بالبيع فيتعين عليه التحري بأن يسند إليه ذلك كما تقرر في المشتري فإن أخبره ثقة بذلك كتب أخبرني فلان بشراء فلان أو قال فلان أن فلانا اشترى أو باع كذا، والله سبحانه أعلم.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 254
وسئل رضي الله عنه بما لفظه: يصح بيع الأرض التي فيها حجارة مدفونة وإن علمها المشتري وهو مشكل بعدم صحة بيع صبرة من طعام تحتها دكة وعلمها المشتري؟. فأجاب بقوله: الفرق أن البيع في الصبرة مستند إلى التخمين ووجود الدكة المعلومة يمنعه فيعظم الغرر بخلاف البيع في الأرض.

(2/25)


وسئل رضي الله عنه عن شخص له شجرة مغروسة في ملك غيره بحق كان باعه شجرة من غير شرط قلعها أو قطعها فبسقت فروعها وكثرت أغصانها وزادت عروقها في الأرض حتى تضرر بها مالك الأرض فهل يقطع ما زاد بعد الشراء؟. فأجاب بقوله: صرح الأذرعي وغيره بذلك فقالوا والموجود للأصحاب فيما حدث من أولاد الشجرة المبيعة أو انتشر من أغصانها حولها في هواء أرض البائع ثلاثة أوجه: أحدها: استحقاق إبقائها كالأصل وقاسوا ذلك على ثخانة الأصل والعروق المتجددة وكلامهم يقتضي أن العروق الزائدة في الأرض متفق على إبقائها كيف كانت ولبعض شراح الوسيط في ذلك كلام كالمتناقض حيث قال في شجرة قديمة لرجل في أرض آخر، ولم يعلم ما سبب ملكه لها فزادت عروقها وأغصانها أنه ليس لصاحب الأرض قطع تلك الشجرة ولا شيء من أغصانها القديمة وإن تضرر، لأن الظاهر أنها بحق أما ما طال من الأغصان على ما عهد ففيه احتمال اهـ. وقال في رجلين لأحدهما أرض وللآخر شجرة أغصانها منتشرة ومع ذلك تزيد كل سنة زيادة جديدة أن لصاحب الأرض إزالة تلك الأغصان المنتشرة في هواء أرضه لملكه له وليس لغيره أن ينتفع به إلا بإذنه سواء القديمة والحادثة وجمع بعضهم بين كلاميه بأن الأول في شجرة لشخص نابتة في أرض لآخر ولم تخرج أغصانها عن هواء تلك الأرض التي هي نابتة فيها إلى هواء غيرها، والثاني محمول على أرض لشخص وشجرة لآخر نابتة في غير الأرض المذكورة ثم انتشرت أغصانها إلى هواء تلك الأرض المجاورة لأرض الشجرة إذا تقرر ذلك فالمنقول تبقية الحادث من أولاد الشجرة المبيعة أو غيرها مما وضع بحق وأغصانها المنتشرة وعروقها كذلك تبعا لأصلها سواء الحادثة والقديمة.

(2/26)


وسئل ـ رضى الله تعالى عنه ـ هل يدخل في نحو بيع دار مشتملة على علو وسفل ومخازن في السفل لكن لا طريق إليها، وإنما أبوابها نافذة إلى الشارع مع أن الأبواب أيضا في جدارها وهل يصح بيع بعض هذه الدكاكين، وإذا صح فهل يصير الجدار الذي هي فيه مشتركا بين المشتريين لتلك الدكاكين أو لا؟. فأجاب بقوله: لا خفاء أنه يدخل في بيع الدار عند الإطلاق جميع ما أحاط به بنيانها وكذا ما اتصل بها مما بنى لمصلحتها كمستحم وغيره وإن خرج عن مسامتتها لأن العرف قاض بأنه منها وحينئذ فالدكاكين المذكورة منها لاشتمال حيطانها عليها وإن نفذت أبوابها من الشارع، ولا فرق بين أن يكون في جهاتها الأربع أو بعضها وإذا باع مخزنا أو مخزنين لاثنين صح ويكون الجدار المذكور عند الإطلاق مشتركا، إذ ليس نسبته إلى أحدهما بأولى من غيرها.
رقم الجزء: 2 رقم الصفحة: 254
وسئل عمن نذر لآخر بدار وبجانب الدار جرين مثلا خارج عن تربيع الدار وطريقها تمر في الدار فهل يدخل في النذر بالدار؟. فأجاب بقوله: صرح جماعة من الأصحاب بأن الهبة تتناول ما يتناوله البيع وألحق به غيرهم الوقف والصدقة والوصية ونحوها ولا شك أن النذر كذلك فيدخل فيه ما يدخل في البيع، وقد صرحوا بأن الحمام أن عد من مرافق الدار ودخل وإلا فلا، وبأن حريمها بشجره النابت فيه يدخل إن كان في طريق غير نافذ وإلا فلا، وبذلك علم أن ما ذكر في السؤال أن عد من مرافق الدار دخل وإلا فلا وإن لم يعد من مرافقها بل من حريمها فإن كانت في شارع لم يدخل أو في طريق غير نافذ دخل، والله أعلم.

(2/27)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية