صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : رسائل ابن حزم الأندلسي
المؤلف : ابن حزم
المحقق : إحسان عباس
الناشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر
عنوان الناشر : بناية برج الكارلتون - ساقية الجنزير- بيروت - لبنان - ت 807900/1. برقيا - موكيالي - بيروت - ص.ب: 11/546 بيروت
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 1 ، 1980
الجزء : 2 - الطبعة : 2 ، 1987
الجزء : 3 - الطبعة : 1 ، 1981
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1983
عدد الأجزاء : 4
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وقبحها، وكيف لا تكون شنيعة ومن قذف بها أخاه المسلم أو أخته المسلمة دون صحبة علم أو تيقن معرفة فقد أتى كبيرة من الكبائر استحق عليها النار غدا، ووجب عليه بنص التنزيل ان تضرب بشرته ثمانين سوطا. ومالك رضي الله عنه يرى ألا يؤخذ في شيء من الأشياء حد بالتعريض دون التصريح إلا في قذف (1) .
وبالسند المذكور عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه أمر أن يجلد رجل قال لآخر: ما أبي بزان ولا أمي بزانية (2) . في حديث طويل. وبإجماع من الأمة كلها دون خلاف من أحد نعلمه انه إذا قال رجل لآخر: يا كافر، أو يا قاتل النفس التي حرم الله، لما وجب عليه حد احتياطا من الله عز وجل ألا تثبت هذه العظيمة في مسلم ولا مسلمة.
ومن قول مالك رحمه الله أيضا أنه لا حد في الإسلام إلا والقتل يغني عنه وينسخه إلا حد القذف، فإنه إن وجب على من قد وجب عليه القتل حد ثم قتل (3) . قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا} (النور: 4، 5). وقال تعالى: {عن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم} (النور: 23). وروي عن رسول الله
__________
(1) انظر المحلى 11: 277 والمدونة 6: 224.
(2) المحلى 11: 276 - 281، وهذا للاستشهاد على عظم حد القذف ولو كان تعريضا، إلا أن ابن حزم يرفضه ولا يرى فيه حدا.
(3) قال مالك: كل حد اجتمع مع القتل لله أو قصاص لأحد من الناس فإنه لا يقام مع القتل والقتل يأتي على جميع ذلك إلا الفرية [يعني القذف] فإن الفرية تقام ثم يقتل (المدونة 6: 212).

(1/290)


صلى الله عليه وسلم انه قال في الغضب واللعنة المذكورين في اللعان: إنهما موجبتان (1) .
حدثنا الهمذاني عن أبي إسحاق عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: ثنا سليمان عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " (2) .
وإن في الزنا من إباحة الحريم، وإفساد النسل، والتفريق بين الأزواج الذي عظم الله أمره، ما لا يهون على ذي عقل أو من له أقل خلاق. ولولا مكان هذا العنصر من الإنسان وانه غير مأمون الغلبة لما خفف الله عن البكرين وشدد على المحصنين. وهذا عندنا وفي جميع الشرائع القديمة النازلة من عند الله عز وجل حكما باقيا لم ينسخ ولا أزيل، فتبارك الناظر لعباده الذي لم يشغله عظيم ما في خلقه ولا يحيف قدرته كبير ما في عوالمه عن النظر لحقير ما فيها، فهو كما قال عز وجل: {الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} (البقرة: 255) وقال: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} (سبأ: 2) وقال: {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} (سبأ: (3)).
__________
(1) يقول من يلاعن زوجته أربع مرات " بالله اني لمن الصادقين " ثم يأمر الحاكم من يضع يده على فيه ويقول " انها موجبة " فإنه يضيف " وعلي لعنة الله ان كنت من الكاذبين " وتوقف المرأة عند القولة الخامسة ويقال لها: " انها موجبة " (المحلى 10: 143 - 144).
(2) الحديث في البخاري (وصايا: 23؛ طب: 48؛ حدود: 44) ومسلم (ايمان: 144) وأبي داود (وصايا: 10) والنسائي (وصايا: 12).

(1/291)


وإن اعظم ما يأتي به العبد هتك ستر الله عز وجل في عباده؛ وقد جاء في حكم أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ضربه الرجل الذي ضم صبيا حتى أمنى ضربا كان سببا للمنية. وفي إعجاب مالك رحمه الله باجتهاد الأمير الذي ضرب صبيا مكن رجلا من تقبيله حتى أمنى الرجل، ضربه إلى أن مات، ما ينسي شدة دواعي هذا الشأن وأسبابه. والتزيد في الاجتهاد، وإن كنا لا نراه، فهو قول كثير من العلماء يتبعه على ذلك عالم من (1) الناس.
وأما الذي نذهب اليه فالذي حدثناه الهمذاني عن البلخي عن الفربري عن البخاري قال ثنا يحيى بن سليمان ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو أن بكيرا حدثه عن سليمان بن يسار بن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله عز وجل " (2) . وبه يقول أبو جعفر محمد بن علي النسائي الشافعي رحمه الله.
وأما فعل قوم لوط فشنيع بشيع قال الله تعالى: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} (الأعراف: 80). وقد قذف الله فاعليه بحجارة من طين مسمومة. ومالك رحمه الله يرى على الفاعل والمفعول به الرجم، أحصنا أم لم يحصنا، واحتج بعض المالكيين في ذلك بان الله عز وجل يقول في رجمه فاعليه بالحجارة {وما هي من الظالمين ببعيد} (هود: 83) فوجب بهذا انه من ظلم الآن بمثل فعلهم قربت منه. والخلاف في هذه المسالة ليس هذا موضعه. وقد ذكر أبو إسحاق
__________
(1) برشيه: غالب الناس.
(2) انظر ابن ماجه(حدود: 32).

(1/292)


إبراهيم بن السري (1) أن أبا بكر رضي الله عنه أحرق فيه بالنار (2) ، وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى اسم المحرق فقال: هو شجاع ابن ورقاء الأسدي (3) ، أحرقه بالنار أبو بكر الصديق لأنه يؤتى في دبره كما تؤتى المرأة.
وإن عن المعاصي لمذاهب للعاقل واسعة، فما حرم الله شيئا إلا وقد عوض عباده من الحلال ما هو أحسن من المحرم وأفضل، لا إله إلا هو؛
وأقول في النهي عن اتباع الهوى على سبيل الوعظ: [من الطويل].
أقول لنفسي ما مبين كحالك ... (4) " وما الناس إلا هالك وابن هالك "
صن النفس عما عابها وارفض الهوى ... فإن الهوى مفتاح باب المهالك
رأيت الهوى سهل المبادي لذيذها ... وعقباه مر الطعم ضنك المسالك
فما لذة الإنسان والموت بعدها ... ولو عاش ضعفي عمر نوح بن لامك
فلا تتبع دارا قليلا لباثها ... فقد أنذرتنا بالفناء المواشك
وما تركها إلا إذا هي أمكنت ... وكم تارك إضماره غير تارك
فما تارك الآمال (5) عجيا جآذرا ... (6) كتاركها ذات الضروع الحواشك
__________
(1) هو أبو اسحاق الزجاج النحوي (توفي 311 أو 316) انظر ترجمته في انباه الرواة 1: 159 وفي الحاشية ثبت بمصادر أخرى.
(2) انظر المحلى 11: 380 - 381 (وابن حزم لا يرى ذلك وإنما يرى التعزيز فقط) وانظر أيضا ذم الهوى: 202.
(3) وقيل كان اسمه الفجاءة (المحلى 11: 381).
(4) مأخوذ من قول الشاعر:
وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق (5) بتروف: عجبا؛ برشيه: عجلا؛ والعجي بتشديد الياء: ولد الدابة؛ وجمعه عجايا وأحسب الشاعر تصرف به فجمع " فعيل " على " فعلى " .
(6) الضروع الحواشك: الممتلئة.

(1/293)


ومن قابل الأمر الذي كان راغبا ... بشهوة مشتاق وعقل متارك
لأحرى (1) عباد الله بالفوز عنده ... لدى جنة الفردوس فوق الأرائك
ومن عرف الأمر الذي هو طالب ... رأى سفها (2) ما في يدي كل مالك
ومن عرف الرحمن لم يعص أمره ... ولو انه يعطى جميع الممالك
سبيل التقى والنسك خير المسالك ... وسالكها مستبصرا خير سالك
فما فقد التنغيص من عاج دونها ... (3) ولا طاب عيش لامرئ غير ناسك
وطوبى لأقوام يؤمون (4) نحوها ... بخفة أرواح ولين عرائك
لقد فقدوا غل النفوس وفضلوا ... بعز سلاطين وأمن صعالك
فعاشوا كما شاءوا وماتوا كما اشتهوا ... وفازوا بدار الخلد رحب المبارك
عصوا طاعة الأجساد في كل لذة ... بنور مجل ظلمة الغي هاتك
فلولا (5) اغتذاء الجسم أيقنت انهم ... يعيشون عيشا مثل عيش الملائك
فيا رب قدمهم وزد في صلاحهم ... وصل عليهم حيث حلوا وبارك
ويا نفس جدي لا تملي وشمري ... لنيل سرور الدهر فيما هنالك
وأنت متى دمرت سعيك في الهوى ... علمت بأن الحق ليس كذلك
فقد بين الله الشريعة للورى ... بابين من زهر النجوم الشوابك
فيا نفس جدي في خلاصك وانفذي ... نفاذ السيوف المرهفات البواتك
فلو أعمل الناس التفكر في الذي ... له خلقوا ما كان حي بضاحك
__________
(1) لأحرى: جواب " ومن " في البيت السابق.
(2) بتروف والصيرفي ومكي: سببا.
(3) معظم الطبعات: ماسك (بالميم).
(4) الضمير في " نحوها " يعود إلى سبيل التقى والنسك.
(5) في بعض الطبعات: اعتداد (بمعنى حسبان أو عد).

(1/294)


- 30 -
باب فصل التعفف
ومن أفضل ما يأتيه الإنسان في حبه التعفف، وترك ركوب المعصية والفاحشة، وألا يرغب عن مجازاة خالقه له بالنعيم في دار المقامة، وألا يعصي مولاه المتفضل عليه الذي جعله مكانا وأهلا لأمره ونهيه، وأرسل إليه رسله، وجعل كلامه ثابتا لديه، عناية منه بنا وإحسانا إلينا.
وإن من هام قلبه، وشغل باله، واشتد شوقه، وعظم وجده، ثم ظفر فرام هواه ان يغلب عقله، وشهوته ان تقهر دينه، ثم أقام العدل لنفسه حصنا، وعلم أنها النفس الأمارة بالسوء، وذكرها بعقاب الله تعالى وفكر في اجترائه على خالقه وهو يراه، وحذرها من يوم المعاد والوقوف بين يدي الملك العزيز الشديد العقاب الرحمن الرحيم الذي لا يحتاج إلى بينة، ونظر بعين ضميره إلى انفراده عن كل مدافع بحضرة علام الغيوب {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} (الشعراء: 88، 89) {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} (الحجر: 48) {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه أمدا بعيدا} (آل عمران: 30) يوم {وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما} (طه: 111) يوم {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}

(1/295)


(الكهف: 49) {يوم الطامة الكبرى}، {يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} (النازعات: 35 - 41) واليوم الذي قال الله تعالى فيه: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} (الإسراء: 13، 14) عندها يقول العاصي: {يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} (الكهف: 49) فكيف بمن طوي قلبه على أحر من جمر الغضا، وطوي كشحه على أحد من السيف، وتجرح غصصا أمر من الحنظل، وشرف نفسه كرها عما طمعت فيه وتيقنت ببلوغه وتهيأت له ولم يحل دونها حائل - لحري (1) أن يسر غدا يوم البعث، ويكون من المقربين في دار الجزاء وعالم الخلود، وأن يأمن روعات القيامة وهول المطلع، وان يعوضه الله من هذه القرحة الأمن يوم الحشر.
حدثني أبو موسى هارون بن موسى الطبيب قال: رأيت شابا حسن الوجه من أهل قرطبة قد تعبد ورفض الدنيا، وكان له أخ في الله قد سقطت بينهما مؤنة التحفظ، فزاره ذات ليلة وعزم على المبيت عنده، فعرضت لصاحب المنزل حاجة إلى بعض معارفه بالبعد عن منزله، فنهض لها على أن ينصرف مسرعا، ونزل الشاب في داره مع امرأته، وكانت غاية في الحسن وتربا للضيف في الصبا، فأطال رب المنزل المقام إلى أن مشى العسس ولم يمكنه الانصراف إلى منزله، فلما علمت المرأة بفوات الوقت وأن زوجها لا يمكنه المجيء تلك الليلة تاقت نفسها إلى ذلك الفتى فبرزت إليه ودعته إلى نفسها، ولا ثالث لهما إلا الله عز وجل، فهم بها ثم ثاب إليه عقله. وفكر في الله عز وجل فوضع إصبعه على السراج فتفقع ثم قال: يا نفس، ذوقي
__________
(1) لحري: جواب " إن " قبل سطور كثيرة، حيث بدأ قوله في " الفقرة: وإن من هام قلبه الخ " .

(1/296)


هذا وأين هذا من نار جهنم. فهال المرأة ما رأت ثم عاودته، فعاودته الشهوة المركبة في الإنسان فعاد إلى الفعلة الأولى، فانبلج الصباح وسبابته قد اصطلمتها النار (1) . أفتظن بلغ هذا من نفسه هذا المبلغ إلا لفرط شهوة قد كلبت عليه أو ترى أن الله تعالى يضيع له هذا المقام كلا إنه لأكرم من ذلك وأعلم.
ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها علقها فتى مثلها في الحسن وعلقته وشاع القول عليهما، فاجتمعا يوما خاليين فقال: هلمي نحقق ما يقال فينا. فقالت: لا والله لا كان هذا أبدا، وأنا أقرأ قول الله: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} (الزخرف: 67) قالت: فما مضى قليل حتى اجتمعا في حلال (2) .
ولقد حدثني ثقة من إخواني أنه خلا يوما بجارية كانت له مفاركة (3) في الصبا، فتعرضت لبعض تلك المعاني، فقال لها: لا، إن من شكر نعمة الله فيما منحني من وصالك الذي أقصى آمالي أن أجتنب هواي لأمره، ولعمري إن هذا لغريب فيما خلا من الأزمان، فكيف في مثل هذا الزمان الذي قد ذهب خيره وأتى شره.
وما أقدر في هذه الأخبار - وهي صحيحة - إلا أحد وجهين لا شك فيهما: إما طبع قد مال إلى غير هذا الشأن واستحكمت معرفته بفضل سواه عليه فهو لا يجيب دواعي الغزل في كلمة ولا كلمتين ولا
__________
(1) قارن - مع تذكر الفرق - بين هذا وبين ما جاء في " ذم الهوى " : 276 وروضة المحبين: 460 وهي رواية اسرائيلية انظر كذلك ص 465.
(2) انظر تزيين الأسواق 1: 9 حيث نقلت الحكاية عن طوق الحمامة، واشار إلى ذلك الدكتور الطاهر مكي، وكذلك وردت في ديوان الصبابة: 208 وصرح هنالك باسم المصدر فقال: قال الحافظ أبو محمد الأموي؛ وانظر روضة المحبين: 346.
(3) مفاركة: هاجرة، وعند برشيه: معادلة.

(1/297)


في يوم ولا يومين، ولو طال على هؤلاء الممتحنين ما امتحنوا به لحلت (1) طباعهم وأجابوا هاتف الفتنة، لكن الله عصمهم بانقطاع السبب المحرك نظرا لهم وعلما بما في ضمائرهم من الاستعاذة به من القبائح، واستدعاء الرشد، لا إله إلا هو؛ وإما بصيرة حضرت في ذلك الوقت، وخاطر تجرد انقمعت به طوالع الشهوة في ذلك الحين، لخير أراد الله عز وجل لصاحبه، جعلنا الله ممن يخافه ويرجوه، آمين.
وحدثني أبو عبد الله محمد بن عمر بن مضا (2) عن رجال من بني مروان ثقات يسندون الحديث إلى أبي العباس الوليد بن غانم (3) أنه ذكر أن الإمام عبد الرحمن بن الحكم غاب في بعض غزواته شهورا وثقف القصر بابنه محمد (4) الذي ولي الخلافة بعده ورتبه في السطح، وجعل مبيته ليلا وقعوده نهارا فيه، ولم يأذن له في الخروج البتة، ورتب معه في كل ليلة وزيرا وفتى من أكابر الفتيان يبيتان معه في السطح؛ قال أبو العباس: فأقام على ذلك مدة طويلة وبعد عهده بأهله، وهو في سن العشرين أو نحوها إلى أن وافق مبيتي في ليلتي نوبة فتى من أكابر الفتيان، وكان صغيرا في سنه وغاية في حسن وجهه. قال أبو العباس: فقلت في نفسي: إني أخشى الليلة على محمد بن عبد الرحمن الهلاك بمواقعة المعصية وتزيين إبليس وأتباعه
__________
(1) في الطبعات: لجادت.
(2) محمد بن عمر (وكتب في بعض الطبعات) بن مضا، كان من أهل الأدب مشهورا بالفضل (الجذوة: 72 والبغية رقم: 225).
(3) وليد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن غانم: ذكره ابن الأبار (الحلة 1: 162) في ترجمة ابنه عبد الرحمن فقال " وولي وليد للأمير محمد بن عبد الرحمن خطتي الوزارة والمدينة وقاد جيش الصائفة الذي قدم عليه ابنه عبد الرحمن وكان عدده عظيما " ثم ترجم له مستقلا (2: 374) فأضاف: " وكان أديبا مرسلا بليغا وتوفي سنة 272 " وأخباره في المقتبس (تحقيق الدكتور محمود مكي ط. بيروت) وللمحقق تعليقات ضافية عنه وعن أسرته ص: 449، 541 إلا أن ابن حيان جعل وفاته سنة 292 (والخطأ بين الرقمين سبعة وتسعة قديم).
(4) الأمير عبد الرحمن بن حكم (206 - 238 821 - 852) وابنه محمد بن عبد الرحمن (238 - 273/ 852 - 886) وانظر ص: 91 فيما تقدم.

(1/298)


له، قال: ثم أخذت مضجعي في السطح الخارج ومحمد في السطح الداخل المطل على حرم أمير المؤمنين، والفتى في الطرف الثاني القريب من المطلع فظللت أرقبه ولا أغفل وهو يظن أني قد نمت ولا يشعر باطلاعي عليه، قال: فلما مضى هزيع من الليل رأيته قد قام واستوى قاعدا ساعة لطيفة، ثم تعوذ من الشيطان ورجع إلى منامه، ثم قام الثالثة ولبس قميصه ودلى رجليه من السرير، وبقي كذلك ساعة ثم نادى الفتى باسمه فأجابه، فقال له: انزل عن السطح وابق في الفصيل (1) الذي تحته، فقام الفتى مؤتمرا له. فلما نزل قام محمد وأغلق الباب من داخله وعاد إلى سريره، قال أبو العباس: فعلمت من ذلك الوقت ان لله فيه مراد خير.
حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور عن أحمد بن مطرف عن عبيد الله بن يحيى (2) عن أبيه عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن الأنصاري عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق صدقة فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " (3) .
وإني أذكر أني دعيت إلى مجلس فيه بعض من تستحسن الأبصار صورته، وتألف القلوب أخلاقه، للحديث والمجالسة دون منكر
__________
(1) الفصيل في فن المعمار عند الاندلسيين يقابل (Vestibulum) في المباني الرومانية ويجمع على فصلان؛ ويتردد ذكره كثيرا في المصادر الأندلسية، وفي المقتبس (نشر أنطونية): 74 وأصعد غلمانه وغلمان الولد على سقف الفصيل؛ وانظر ملحق دوزي 2: 272.
(2) قد مر التعريف بالأندلسيين من رجال هذا السند.
(3) الحديث في البخاري (أذان: 36؛ زكاة: 16؛ رقاق: 24؛ حدود: 19) ومسلم (زكاة: 91) والترمذي (زهد: 53) والنسائي (قضاة: 2) ومسند أحمد 2: 436 وذم الهوى: 243.

(1/299)


ولا مكروه، فسارعت إليه وكان هذا سحرا، فبعد أن صليت الصبح وأخذت زيي طرقني فكر فسنحت لي أبيات، ومعي رجل من إخواني فقال لي: ما هذا الإطراق فلم أجبه حتى أكملتها، ثم كتبتها ودفعتها إليه، وأمسكت عن المسير حيث كنت نويت، ومن الأبيات: [من الطويل].
أراقك حسن غيبه لك تأريق ... وتبريد وصل سره فيك تحريق
وقرب مزار يقتضي لك فرقة ... وشكا ولولا القرب لم يك تفريق
ولذة طعم معقب لك علقما ... وصابا وفسح في تضاعيفه ضيق ولو لم يكن جزاء ولا عقاب ولا ثواب لوجب علينا إفناء الأعمار، وإتعاب الأبدان، وإجهاد الطاقة، واستنفاد الوسع، واستفراغ بالعقل الذي ابتدأنا بالنعم قبل استئهالها، وامتن علينا بالعقل الذي به عرفناه، ووهبنا الحواس والعلم والمعرفة ودقائق الصناعات، وصرف لنا السموات جارية بمنافعها، ودبرنا التدبير الذي لو ملكنا خلقنا لم نهتد إليه، ولا نظرنا لأنفسنا نظره لنا، وفضلنا على أكثر المخلوقات، وجعلنا مستودع كلامه ومستقر دينه، وخلق لنا الجنة دون أن نستحقها، ثم لم يرض لعباده ان يدخلوها إلا بأعمالهم لتكون واجبة لهم، قال الله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} (السجدة: 17) ورشدنا إلى سبيلها، وبصرنا وجه ظلها (1) ، وجعل غاية إحسانه إلينا وامتنانه علينا حقا من حقوقنا قبله، ودينا لازما له، وشكرنا على ما أعطانا من الطاعة التي رزقنا قواها، وأثابنا بفضله على تفضله - هذا كرم لا تهتدي إليه العقول، ولا يمكن أن تكيفه (2) الألباب. ومن عرف ربه ومقدار رضاه وسخطه هانت عنده اللذات الذاهبة والحطام الفاني، فكيف وقد أتى من وعيده ما تقشعر لسماعه الأجساد، وتذوب له النفوس، وأورد علينا من عذابه ما لم ينته إليه أمل؛ فأين المذهب عن
__________
(1) لعل الصواب " نيلها " .
(2) لعل الصواب " تكتنفه " أو " تكتنهه " .

(1/300)


طاعة هذا الملك الكريم، وما الرغبة في لذة ذاهبة لا تذهب الندامة عنها، ولا تفنى التباعة منها، ولا يزول الخزي عن راكبها، وإلى كم هذا التمادي وقد أسمعنا المنادي، وكأن قد حدا بنا الحادي إلى دار القرار، فإما إلى جنة وإما إلى النار. ألا إن التثبط في هذا المكان لهو الضلال المبين، وفي ذلك أقوال (1) : [من المنسرح].
أقصر عن لهوه وعن طربه ... وعف في حبه وفي غربه
فليس شرب المدام همته ... ولا اقتناص الظباء من أربه
قد آن للقلب أن يفيق وأن ... يزيل ما قد علاه من حجبه
ألهاه عما عهدت يعجبه ... (2) خيفة يوم تبلى السرائر به
يا نفس جدي وشمري ودعي ... عنك اتباع الهوى على لغبه
وسارعي في النجاة واجتهدي ... ساعية في الخلاص من كربه
علي أحظى بالفوز فيه وأن ... أنجو من ضيقه ومن لهبه
يا أيها اللاعب المجد به ال ... دهر أما تتقي شبا نكبه
كفاك من كل ما وعظت به ... ما قد أراك الزمان من عجبه
دع عنك دارا تفنى غضارتها ... ومكسبا لاعبا بمكتسبه
لم يضطرب في محلها أحد ... إلا نبا حدها بمضطربه
من عرف الله حق معرفة ... لوى وحل الفؤاد في رهبه
ما منقضي الملك مثل خالده ... (3) ولا صحيح التقى كمؤتشبه
ولا تقي الورى كفاسقهم ... وليس صدق الكلام من كذبه
فلو أمنا من العقاب ولم ... نخش من الله متقى غضبه
ولم نخف ناره التي خلقت ... لكل جاني الكلام محتقبه
لكان فرضا لزوم طاعته ... ورد وفد الهوى على عقبه
__________
(1) يعارض ابن حزم بهذه القصيدة (على سبيل التمحيص) قصيدة لأبي تمام، انظر ديوانه 1: 269.
(2) من الآية الكريمة (يوم تبلى السرائر) الطارق: 9.
(3) المؤتشب: المختلط غير الصريح؛ وقارن به قول أبي تمام:
ما سجج الشوق مثل جماحه ... ولا صريح الهوى كمؤتشبه

(1/301)


وصحة الزهد في البقاء وأن ... يلحق تفنيدنا بمرتقبه
فقد رأينا فعل الزمان بأه ... ليه كفعل الشواظ في حطبه
كم متعب في (1) الإله مهجته ... راحته في الكريم (2) من تعبه
وطالب باجتهاده زهر ال ... دنيا عداه المنون عن طلبه
ومدرك ما ابتغاه ذي جذل ... حل به ما يخاف من سببه
وباحث جاهد لبغيته ... فإنما بحثه على عطبه
بينا ترى المرء ساميا ملكا ... صار إلى السفل من ذرى رتبه
كالزرع للرجل فوقه عمل ... ان ينم حسن النمو في قصبه
كم قاطع نفسه أسى وشجا ... في إثر جد يجد في هربه
أليس من ذاك زاجر عجب ... يزيد ذا اللب في حلى أدبه
فكيف والنار للمسيء إذا ... عاج عن المستقيم من عقبه
ويوم عرض الحساب يفضحه ال ... له ويبدي الخفي من ريبه ثاني
من قد حباه الإله رحمته ... موصولة بالمزيد من نشبه
فصار من جهله يصرفها ... فيما نهى الله عنه في كتبه
أليس هذا أحرى العباد غدا ... بالوقع في ويله وفي حربه
شكرا لرب لطيف قدرته ... فينا كحبل الوريد في كثبه
رازق أهل الزمان اجمعهم ... من كان من عجمه ومن عربه
والحمد لله في تفضله ... وقمعه للزمان في نوبه
أخدمنا الأرض والسماء ومن ... في الجو من مائه ومن شهبه
فاسمع ودع من عصاه ناحية ... لا يحمل الحمل غير محتطبه وأقول أيضا: [من الطويل].
أعارتك دنيا مسترد معارها ... غضارة عيش سوف يذوي اخضرارها
وهل يتمنى المحكم الرأي عيشة ... وقد حان من دهم المنايا مزارها
__________
(1) برشيه: للاله.
(2) بعض الطبعات: الكريه.

(1/302)


وكيف تلذ العين هجعة ساعة ... وقد طال فيما عاينته اعتبارها
وكيف تقر النفس في دار نقلة ... قد استيقنت أن ليس فيها قرارها
وأنى لها في الأرض خاطر فكرة ... ولم تدر بعد الموت أين محارها
أليس لها في السعي للفوز شاغل ... أما في توقيها العذاب ازدجارها
فخابت نفوس قادها لهو ساعة ... إلى حر نار ليس يطفى أوارها
لها سائق حاد حثيث مبادر ... إلى غير ما أضحى إليه مدارها
تراد لأمر وهي تطلب غيره ... وتقصد وجها في سواه سفارها
أمسرعة فيما يسوء قيامها ... وقد أيقنت أن العذاب قصارها
تعطل مفروضا وتغنى بفضلة ... لقد شفها طغيانها واغترارها
إلى ما لها منه البلاء سكونها ... وعما لها منه النجاح نفارها
وتعرض عن رب دعاها لرشدها ... وتتبع دنيا جد عنها فرارها
فيا أيها المغرور بادر برجعة ... فلله دار ليس تخمد نارها
ولا تتخير فانيا دون خالد ... دليل على محض العقول اختيارها
أتعلم أن الحق فيما تركته ... وتسلك سبلا ليس يخفى عوارها
وتترك بيضاء المناهج ضلة ... لبهماء يؤذي الرجل فيها عثارها
تسر بلهو معقب بندامة ... إذا ما انقضى لا ينقضي مستثارها
وتفنى الليالي والمسرات كلها ... وتبقى تباعات الذنوب وعارها
فهل أنت يا مغبون مستيقظ فقد ... تبين من سر الخطوب استتارها
فعجل إلى رضوان ربك واجتنب ... نواهيه إذ قد تجلى منارها
يجد مرور الدهر عنك بلاعب ... وتغرى بدنيا ساء فيك سرارها
فكم أمة قد غرها الدهر قبلنا ... وهاتيك منها مقفرات ديارها
تذكر على ما قد مضى واعتبر به ... فإن المذكي للعقول اعتبارها
تحامى ذراها كل باغ وطالب ... وكان ضمانا في الأعادي انتصارها
توافت ببطن الأرض وانشت شملها ... وعاد إلى ذي ملكه مستعارها
وكم راقد في غفلة عن منية ... مشمرة في القصد وهو شعارها
ومظلمة قد نالها متسلط ... مدل بأيد عند ذي العرش ثارها

(1/303)


أراك إذا حاولت دنياك ساعيا ... على أنها باد إليك ازورارها
وفي طاعة الرحمن يقعدك الونى ... وتبدي أناة لا يصح اعتذارها
تحاذر أحزانا ستفنى وتنقضي ... وتنسى التي فرض عليك حذارها
كأني أرى منك التبرم ظاهرا ... مبينا إذا الأقدار حل اضطرارها
هناك يقول المرء من لي بأعصر ... مضت كان ملكا في يدي خيارها
تنبه ليوم قد أظلك ورده ... عصيب يوافي النفس فيه احتضارها
تبرأ فيه منك كل مخالط ... وآن من الآمال فيه انهيارها
فأودعت في ظلماء ضنك مقرها ... يلوح عليها للعيون اغبرارها
تنادى فلا تدري المنادي مفردا ... وقد حط عن وجه الحياة خمارها
تنادى إلى يوم شديد مفزع ... وساعة حشر ليس يخفى اشتهارها
إذا حشرت فيه الوحوش وجمعت ... (1) صحائفنا وانثال فينا انتشارها
(2) وزينت الجنات فيه وأزلفت ... واذكي من نار الجحيم استعارها
وكورت الشمس المنيرة (3) بالضحى ... (4) وأسرع من زهر النجوم انكدارها
لقد جل أمر كان منه انتظامها ... وقد حل أمر كان منه انتثارها
وسيرت الأجبال والأرض (5) بدلت ... (6) وقد عطلت من مالكيها عشارها
فإما لدار ليس يفنى نعيمها ... وإما لدار لا يفك إسارها
بحضرة جبار رفيق معاقب ... فتحصى المعاصي كبرها وصغارها
ويندم يوم البعث جاني صغارها ... وتهلك أهليها هناك كبارها
ستغبط أجساد وتحيا نفوسها ... إذا ما استوى إسرارها وجهارها
إذا حفهم عفو الإله وفضله ... وأسكنهم دارا حلالا عقارها
__________
(1) مشير إلى الآية الكريمة (وإذا الصحف نشرت) التكوير: 10؛ وفي بعض الطبعات: انتثارها؛ وقافية " انتثارها " ستأتي بعد بيتين.
(2) وإذا الجنة أزلفت (التكوير: 13).
(3) إذا الشمس كورت (التكوير: 1).
(4) وإذا النجوم انكدرت (التكوير: 2).
(5) وإذا الجبال سيرت (التكوير: 3).
(6) وإذا العشار عطلت (التكوير: 4).

(1/304)


سيلحقهم أهل الفسوق إذا استوى ... (1) بحلبة سبق طرفها وحمارها
يفر بنو الدنيا بدنياهم التي ... يظن على أهل الحظوظ اقتصارها
هي الأم خير البر فيها عقوقها ... وليس بغير البذل يحمى ذمارها
فما نال الحظ إلا مهينها ... وما الهلك إلا قربها واعتمارها
تهافت فيها طامع بعد طامع ... وقد بان للب الذكي اختبارها
تطامن لغمر الحادثات ولا تكن ... لها ذا اعتمار يجتنبك (2) غمارها
وإياك أن تغتر منها بما ترى ... فقد صح في العقل الجلي عيارها
رأيت ملوك الأرض يبغون عدة ... ولذة نفس يستطاب اجترارها
وخلوا طريق القصد في مبتغاهم ... لمعقبة الصغار جم صغارها
وإن التي يبغون نهج لغية ... مكين لطلاب الخلاص اختصارها
هل العز إلا همة صح صونها ... إذا صان همات الرجال انكسارها
وهل رابح إلا امرؤ متوكل ... قنوع غني النفس باد وقارها
ويلقى ولاة الملك خوفا وفكرة ... تضيق بها ذرعا ويفنى اصطبارها
عيانا نرى هذا ولكن سكرة ... أحاطت بنا ما إن يفيق خمارها
تدبر من الباني على الأرض سقفها ... (3) وفي علمه معمورها وقفارها
ومن يمسك الأجرام والأرض أمره ... بلا عمد يبنى عليه قرارها
ومن قدر التدبير فيها بحكمة ... فصح لديها ليلها ونهارها
ومن فتق الأمواه في صفح وجهها ... فمنها تغذى حبها وثمارها
ومن صير الألوان في نور نبتها ... فأشرق فيها وردها وبهارها
فمنهن مخضر يروق بصيصه ... ومنهن ما يغشى اللحاظ احمرارها
ومن حفر الأنهار دون تكلف ... فثار من الصم الصلاب انفجارها
ومن رتب الشمس المنير ابيضاضها ... غدوا ويبدو بالعشي اصفرارها
__________
(1) أي أن أهل الفسوق لن يلحقوهم، لأن الحمار لا يدرك الجواد في حلبة السباق.
(2) برشيه: يجتبيك، وهو خطأ.
(3) في هذا البيت وأبيات تليه ينظر إلى الآيات 4 - 2 من سورة الرعد، كما فعل من قبل في آيات سورة التكوير.

(1/305)


ومن خلق الأفلاك فامتد جريها ... واحكمها حتى استقام مدارها
ومن إن ألمت بالعقول رزية ... فليس إلى حي سواه افتقارها
تجد كل هذا راجعا نحو خالق ... له ملكها منقادة وائتمارها
أبان لنا الآيات في أنبيائه ... فأمكن بعد العجز فيها اقتدارها
فأنطلق أفواها بألفاظ حكمة ... (1) وما حلها إثغارها واتغارها
وأبرز من صم الحجارة ناقة ... وأسمعهم في الحين منها حوارها
ليوقن أقوام وتكفر عصبة ... (2) أتاها بأسباب الهلاك قدارها
وشق لموسى البحر دون تكلف ... وبان من الأمواج فيه انحسارها
وسلم من نار الأتون خليله ... (3) فلم يؤذه إحراقها واحترارها
ونجى من الطوفان نوحا وقد هدى ... به أمة أبدى الفسوق شرارها
ومكن داودا بأيد وإبنه ... (4) فتعشيرها ملقى له وبذارها
وذلل جبار البلاد لأمره ... وعلم من طير السماء حوارها
وفضل بالقرآن أمة أحمد ... ومكن في أقصى البلاد مغارها
وشق له بدر السماء وخصه ... (5) بآيات حق لا يحل مغارها
وأنقذنا من كفر أربابنا به ... (6) وكان على قطب الهلاك مدارها
فما بالنا لا نترك الجهل ويحنا ... لنسلم من نار ترامى شرارها
__________
(1) أخذ في هذا البيت والذي يليه يعدد المعجزات التي جاء بها الأنبياء ككلام عيسى في المهد وناقة صالح وشق البحر لموسى ونار ابراهيم وطوفان نوح والتمكين لداود وسليمان، والقرآن لمحمد صلى الله عليه وسلم وشق البدر.. الخ.
(2) يعني قدار بن سالف عاقر الناقة.
(3) احترارها: التهابها؛ وفي بعض الطبعات: واعترارها، ولا معنى له.
(4) تعشيرها: أخذ العشر منها؛ والبذار: الحب الذي يبذر، أي له زرع الأرض وجني حصادها؛ وفي قراءة: فتعسيرها - بالسين المهملة - ، ولذلك قرأ برشيه " ويسارها " ليتطابق اليسر مع العسر.
(5) المغار: الحبل المفتول، أي انها آيات محكمات لا تنقض، وفي بعض الطبعات " معارها " بالعين المهملة وهو خطأ.
(6) في بعض الطبعات منارها؛ ولا معنى له.

(1/306)


[خاتمة]
هنا أعزك الله انتهى ما تذكرته ايجابا لك، وتقمنا (1) لمسرتك، ووقوفا عند أمرك، ولم أمتنع أن أورد لك في هذه الرسالة أشياء يذكرها الشعراء ويكثرون القول فيها، موفيات على وجهها، ومفردات في أبوابها، ومنغمات التفسير، مثل الإفراط في صفة النحول وتشبيه الدموع بالأمطار وأنها تروي السفار، وعدم النوم البتة، وانقطاع الغذاء جملة، إلا أنها أشياء لا حقيقة لها (2) ، وكذب لا وجه له، ولكل شيء حد، وقد جعل الله لكل شيء قدرا.
والنحول قد يعظم ولو صار حيث يصفونه لكان في قوام الذرة أو دونها، ولخرج عن حد المعقول.
والسهر قد يتصل ليالي، ولكن لو عدم الغذاء أسبوعين لهلك، وإنما قلنا الصبر عن النوم أقل من الصبر عن الطعام لان النوم غذاء الروح، والطعام غذاء الجسد، وإن كانا يشتركان في كليهما ولكنا حكينا على الأغلب. وأما الماء فقد رأيت أن ميسورا البناء جارنا بقرطبة يصبر عن الماء أسبوعين في حمارة القيظ ويكتفي بما في غذائه من رطوبة. وحدثني القاضي أبو عبد الرحمن بن جحاف (3) انه كان يعرف من كان لا يشرب الماء شهرا. وإنما اقتصرت في رسالتي على
__________
(1) تقمن المسرة: تحريها وتوخيها.
(2) يريد: ولم يمنعني من إيراد هذه الأشياء إلا أنها أشياء لا حقيقة لها.
(3) قد مر التعريف به: 272.

(1/307)


الحقائق المعلومة التي لا يمكن وجود سواها أصلا، وعلى أني قد أوردت من هذه الوجوه المذكورة أشياء كثيرة يكتفي بها لئلا أخرج عن طريقة أهل الشعر ومذهبهم.
وسيرى كثير من إخواننا أخبارا لهم في هذه الرسالة مكنيا فيها عن اسمائهم على ما شرطنا في ابتدائها.
وأنا أستغفر الله تعالى مما يكتبه الملكان ويحصيه الرقيبان من هذا وشبهه، استغفار من يعلم أن كلامه من عمله؛ ولكنه إن لم يكن من اللغو الذي لا يؤاخذ به المرء فهو إن شاء الله من اللمم المعفو، وإلا فليس من السيئات والفواحش التي يتوقع عليها العذاب، وعلى كل حال فليس من الكبائر التي ورد النص فيها.
وأنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين علي تألفي لمثل هذا ويقول: إنه خالف طريقته، وتجافى عن وجهته. وما أحل لأحد أن يظن في غير ما قصدته، قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} (الحجرات: 12). وحدثني أحمد ابن محمد بن الجسور، ثنا ابن أبي دليم، ثنا ابن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك بن أنس عن أبي الزبير المكي عن أبي شريح الكعبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إياكم والظن فإنه أكذب الكذب " . (1) وبه إلى مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت (2) . وحدثني صاحبي أبو بكر محمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن يوسف الأزدي ثنا يحيى بن عائذ ثنا أبو عدي عبد العزيز بن
__________
(1) الحديث في البخاري (وصايا: 8، أدب: 57، 58) وغيره من الصحاح وانظر مسند أحمد في مواضع كثيرة منها 2: 254، 287، 312، 342.
(2) الحديث في البخاري (أدب 21، 85؛ رقاق: 23) وفي مسلم (ايمان: 74، لقطة: 14) ومسند أحمد 2: 174، 264، 433 ومواطن أخرى.

(1/308)


علي بن محمد بن إسحاق بن الفرج الإمام بمصر ثنا أبو علي الحسن ابن القاسم بن دحيم المصري ثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا أبو العباس ثنا أبو بكر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثماني عشرة كلمة من الحكمة منها: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك على ما يغلبك عليه. ولا تظن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا (1) . فهذا أعزك الله أدب الله وأدب رسوله صلى الله عليه وسلم وأدب أمير المؤمنين.
وبالجملة فإني لا أقول بالمراياة ولا أنسك نسكا أعجميا (2) . ومن أدى الفرائض المأمور بها، واجتنب المحارم المنهي عنها، ولم ينس الفضل فيما بينه وبين الناس فقد وقع عليه اسم الإحسان، ودعني مما سوى ذلك وحسبي الله.
والكلام في مثل هذا إنما هو مع خلاء الذرع وفراغ القلب، وإن حفظ شيء وبقاء رسم وتذكر فائت لمثل خاطري لعجب على ما مضى ودهمني؛ فأنت تعلم أن ذهني متقلب وبالي مهصر بما نحن فيه من نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطان، وتغير الإخوان، وفساد الأحوال، وتبدل الأيام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس
__________
(1) مثل هذا القول عن عمر رضي الله عنه، إذ يقول: " لا يحل لامرئ مسلم يسمع الكلمة من أخيه المسلم (أو عن أخيه المسلم) أن يظن بها ظن سوء، وهو يجد لها في شيء من الخير مصرفا (ترتيب المدارك لا4: 134؛ ط. المغرب).
(2) يقال أن رجلا كان يستنكر رواية الشعر فقال فيه سعيد بن المسيب " ذاك رجل نسك نسكا أعجميا " . وقيل انه قال في ناس كرهوا إنشاد الشعر: " لقد نسكوا نسكا أعجميا " انظر البيان والتبيين 1: 202 والسماع لابن القيسراني: 93.

(1/309)


عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر، وانتظار الأقدار، لا جعلنا الله من الشاكين إلا إليه، وأعادنا إلى أفضل ما عودنا.
وإن الذي أبقى لأكثر مما أخذ، والذي ترك أعظم من الذي تحيف، ومواهبه المحيطة بنا ونعمه التي غمرتنا لا تحد، ولا يؤدى شكرها، والكل منحه وعطاياه، ولا حكم لنا في أنفسنا ونحن منه، وإليه منقلبنا وكل عارية فراجعة إلى معيرها، وله الحمد أولا وآخرا وعودا وبدءا وأنا أقول: [من الوافر].
جعلنا اليأس لي حصنا ودرعا ... فلم ألبس ثياب المتضام
وأكثر من جميع الناس عندي ... يسير صانني دون الأنام
إذا ما صح لي ديني وعرضي ... فلست لما تولى ذا اهتمام
تولى الأمس والغد لست ادري ... أأدركه ففي ماذا اغتنامي جعلنا الله وإياك من الصابرين الشاكرين الحامدين الذاكرين، آمين آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

(1/310)


الملحق (1)
(ص 227)
وممن رثى قرطبة أيضا (1) ، من وجوه أهلها وأرباب النعم المؤثلة بها، وأكثر التفجع على دياره منها، لما استولى الخراب عليها عند فرار البرابر عنها، الفقيه الأديب أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد ابن حزم، ابن وزير آل عامر الأكبر. فإني وجدت بخطه في خبر ذكره قال:
وقفت على أطلال منازلنا بحومة بلاط مغيث من الأرباض الغريبة، ومنازل البرابر المستباحة عند معاودة قرطبة. فرأيتها قد محت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلى؛ وآكلاما مشوهة بعد الحسن، وخرائب مفزعة بعد الأمن، ومآوي للذئاب، وملاعب للجان، ومغاني للغيلان، ومكامن للوحوش، ومخابئ للصوص، بعد غنيانها برجال كالسيوف، وفرسان كالليوث، تفيض لديهم النعم الفاشية، وتغص منهم بكثرة القطين الحاشية، وتكنس في مقاصيرهم ظباء الإنس الفاتنة، تحت زبرج من غضارة الدنيا تذكر نعيم الآخرة، حال الدهر عليهم بعد طول النضرة فبدد شملهم حتى صاروا في البلاد أيادي سبا، تنطق عنهم الموعظة، فكان تلك المحاريب المنمقة، والمقاصير المرشقة، التي كانت في تلك الديار كبروق السماء إشراقا وبهجة، يقيد حسنها الأبصار، ويجلي منظرها الهموم،
__________
(1) انظر أعمال الاعلام (تحقيق ليفي بروفنسال، بيروت (106 - 108).

(1/311)


كان لم تغن بالأمس، ولا حلتها سادة الإنس، قد عبث بها الخراب، وعمها الهذم، فأصبحت أوحش من أفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل ما قد بقي ماثلا فيها، وتزهدك فيها.
وكررت النظر، ورددت البصر، وكدت استطار حزنا عليها، وتذكرت أيام نشأتي فيها، وصبابة لداتي بها؛ مع كواعب غيد، إلى مثلهن يصبو الحليم؛ ومثلت لنفسي انطواءهن بالفناء، وكونهن تحت الثرى إثر تقطع جمعنا بالتفرق والجلاء في الآفاق النائية، والنواحي البعيدة، وصدقت نفسي عن فناء تلك النصبة، وانصداع تلك البيضة، بعد ما عهدته من حسنها ونضارتها وزبرجها وغضارتها، ونضوته بفراقها من الحال الحسنة، والمرتبة الرفيعة، التي رفلت في حللها ناشئا فيها، وأرعيت سمعي صوت الصدى والبوم زاقيا بها، بعد حركات تلك الجماعة المنصدعة بعرصاتها، التي كان ليلها تبعا لنهارها، في انتشارها بسكانها، والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعا لليلها في الهدو والاستيحاش، والخفوت والإخفاش. فأبكى ذلك عيني على جمودها، وقرع كبدي على صلابتها، وهاج بلابلي على تكاثرها، وحركني للقول على نبو طبعي؛ فقلت: [من الطويل]
سلام على دار رحلنا وغودرت ... خلاء من الأهلين موحشة قفرا
تراها كان لم تغن بالأمس بلقعا ... ولا عمرت من أهلها قبلنا دهرا
فيا دار لم يقفرك منا اختيارنا ... ولو أننا نستطيع كنت لنا قبرا
ولكن أقدارا من الله أنفذت ... تدمرنا طوعا لما حل أو قهرا
ويا خير دار قد تركت حميدة ... سقتك الغوادي ما اجل وما أسرى
ويا مجتلى تلك البساتين حفها ... رياض قوارير غدت بعدنا غبرا
ويا دهر بلغ ساكنها تحيتي ... ولو سكنوا المروين (1) أو جاوزوا النهرا (2)
__________
(1) المروين: مثنى مرو، وهما مدينتان بخراسان.
(2) النهر: نهر جيحون.

(1/312)


فصبرا لسطو الدهر فيهم وحكمه ... وإن كان طعم الصبر مستثقلا مرا
لئن كان أظمانا فقد طال ما سقى ... وإن ساءنا فيها فقد طال ما سرا
وأيتها الدار الحبيبة لا يرم ... ربوعك جون المزن يهمي بها القطرا
كأنك لم يسكنك غيد أوانس ... وصيد رجال أشبهوا الأنجم الزهرا
تفانوا وبادوا واستمرت نواهم ... لمثلهم أسكبت مقلتي العبرى
سنصبر بعد اليسر للعسر طاعة ... لعل جميل الصبر يعقبنا يسرا
وإني ولو عادت وعدنا لعهدها ... فكيف من أهلها سكن القبرا
ويا دهرنا فيها متى أنت عائد ... فنحمد منك العود إن عدت والكرا
فيا رب يوم في ذراها وليلة ... وصلنا هناك الشمس باللهو والبدرا
فوا جسمي المضنى وواقلبي المغرى ... ووانفسي الثكلى وواكبدي الحرى
ويا هم ما أعدى، ويا شجو ما أبرا ... ويا وجد ما أشجى، ويا بين ما أفرا
ويا دهر لا تبعد، ويا عهد لا تحل ... ويا دمع لا تجمد، ويا سقم لا تبرا
سأندب ذاك العهد ما قامت (1) الخضرا ... على الناس سقفا واستقلت بنا الغبرا
__________
(1) الخضراء: السماء.

(1/313)


فراغ

(1/314)


الملحق (2)
(ص 257)
احمد بن كليب النحوى (1) ، أديب شاعر مشهور الشعر، ولا سيما شعره في أسلم وكان قد أفرط في حبه حتى أداه ذلك إلى موته، وخبره في [62 ب] ذلك طريف.
حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي (2) ، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي (3) في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي الجماعة أسلم ابن عبد العزيز (4) ، صاحب المزني والربيع (5) ، قال محمد بن الحسن: وكان من اجمل من رأته العيون، وكان يجيء معنا إلى محمد بن خطاب، أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب البارع، والشعر الرائق، فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متسترا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وتنوشدت في المحافل؛ فلعهدي
__________
(1) انظر جذوة المقتبس: 134 (وبغية الملتمس رقم: 462) ومعجم الأدباء 4: 108.
(2) هو أستاذ ابن حزم في الفلسفة؛ راجع مقدمة كتاب التشبيهات من تحقيقي.
(3) محمد بن خطاب النحوي (938) كان من الأدباء المشهورين والنحاة المذكورين، يختلف اليه في علن العربية أولاد الأكابر (الجذوة: 50 وبغية الوعاة 1: 99).
(4) ترجمة أسلم في الجذوة: 162 وبغية الملتمس رقم: 570.
(5) المزني هو اسماعيل بن يحيى (انظر طبقات الشيرازي: 97) والربيع بن سليمان المرادي (المصدر نفسه: 98).

(1/315)


بعرس في بعض الشوارع بقربطة، والنكوري الزامر قاعد في وسط الحفل، وفي رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه، وكان فيما مضى يزمر لعبد الرحمن الناصر، وهو يرمز في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم: [من المتقارب]
أسلمني في هوا ... ه أسلم هذا الرشا
غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا
وشى بيننا حاسد ... سيسأل عما وشى
ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى ومغن محسن يسايره فيها؛ قال: فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب، ولزم بيته والجلوس على بابه، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرا، ومقبلا نهاره كله، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا، فإذا صلى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحا وجلس داره نهارا، فإذا صلى صبر أحمد بن كليب، فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجا، وبالأخرى قفصا فيه بيض، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه وقبل يده، وقال يأمر مولاي بأخذ هذا، فقال له أسلم: ومن انت فقال: صاحبك في الضيعة الفلانية، وقد كان تعرف أسماء ضياعه وأصحابه فيها، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام وتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي! وهنا بلغت بنفسك، وإلى هاهنا تبعتني، أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على بابي نهارا، حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة، فقد صرت من سجنك (1) . والله، لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي، ولا قعدت ليلا
__________
(1) ياقوت: في سجنك.

(1/316)


ولا نهارا على بابي. ثم قام وانصرف أحمد بن كليب كئيبا حزينا. قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنا، فقلنا لأحمد بن كليب، وخسرت دجاجك وبيضك فقال: هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك. قال: فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة، وأضجعه المرض. قال محمد بن الحسن: فاخبرني أبو عبد الله محمد بن خطاب شيخنا، قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى فقال: دوائي معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في ألبتة، فقلت له:وما دواؤك فقال: نظرة من أسلم، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك، وكان هو والله أيضا يؤجر، قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، ونهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقاني بما يجب، فقلت له: لي حاجة، قال: وما هي قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم، ولكن قد تعلم انه برح بي، وشهر اسمي وآذاني، فقلت له: كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته، فقال والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلفني هذا، فقلت له: لابد، فليس عليك في ذلك شيء، وإنما هي عيادة مريض، قال: ولم أزل به حتى أجاب، ولا خلف، قال: نعم. فانصرفت إلى أحمد بن كليب، وأخبرته بموعده بعد تأبيه، فسر بذلك وارتاحت نفسه. قال: فلما كان الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد، قال: فوجم وقال: والله لقد تحملني على خطة صعبة علي، وما أدري كيف أطيق ذلك. قال: فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، وتوسط الدرب، وقف واحمر وخجل، وقال لي: الساعة والله أموت، وما أستطيع أن أنقل قدمي، ولا أن أعرض هذا على نفسي، فقلت: لا تفعل، بعد أن بلغت المنزل تنصرف قال: لا سبيل والله إلى ذلك ألبتة، قال: ورجع مسرعا فاتبعته، وأخذت بردائه

(1/317)


فتمادى وتمزق الرداء، وبقيت قطعة منه في يدي لسرعته وإمساكي له، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت إلى احمد بن كليب، وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول الدرب مبشرا، فلما رآني تغير وقال: وأين أبو الحسن فأخبرته بالقصة، فاستحال من وقته واختلط، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستشنعت الحال، وجعلت أترجع وقمت، فثاب إليه ذهنه وقال لي: أبا عبد الله! قلت: نعم. قال: اسمع مني واحفظ عني، ثم أنشأ يقول: [مخلع البسيط]
أسلم يا راحة العليل ... رفقا على الهائم النحيل
وصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجلي قال: فقلت له: اتق الله! ما هذا العظيمة فقال لي: قد كان؛ قال: فخرجت عنه، فوالله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه، وقد فارق الدنيا.
قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وهذه قصة مشهورة عندنا، ومحمد بن الحسن ثقة ومحمد بن خطاب ثقة. وأسلم هذا من بيت جليل، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب، وكان شاعرا أديبا، وقد رأيت ابنه أبا الجعد.
قال أبو محمد: لقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد ابن سعيد الخولاني الكاتب فعرفها، وقال لي: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر، لا يكاد أحد يمشي في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب زائرا له، وقد تحين غفلة الناس في مثل ذلك الوقت.
وقال لنا أبو محمد: وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي، قال: كتب ابن كليب إلى محمد بن خطاب شعرا يتغزل فيه بأسلم فعرضه ابن خطاب على أسلم، فقال: هذا ملحون، وكان

(1/318)


ابن كليب قد أسقط التنوين في لفظة في بيت من الشعر، قال: فكتب ابن خطاب بذلك إلى ابن كليب فكتب إليه ابن كليب مسرعا: [من السريع]
ألحق لي التنوين في مطمع ... فإنني أنسيت إلحاقه
لا سيما إذ كان في وصل من ... كدر لي في الحب أخلاقه وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي، لأحمد بن كليب، وقد أهدى إلى أسلم في أوائل أمره كتاب " الفصيح " لثعلب: [من المجتث]
هذا كتاب الفصيح ... بكل لفظ مليح
وهبته لك طوعا ... كما وهبتك روحي

(1/319)


فراغ

(1/320)


- 2 -
رسالة في مداواة النفوس
وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل

(1/321)


فراغ

(1/322)


تصدير
نشرت هذه الرسالة عدة مرات قبل اليوم:
1 - بعناية محمد هاشم الكتبي (بمصر أو دمشق، 1324 ه).
2 - بعناية الشيخ عمر المحمصاني، وذكر أن فيها زيادات على الطبعة الأولى، 1325 ه.
3 - طبعة الجمالية 1913 ومعها كلمات في الأخلاق لقاسم أمين، وتشغل رسالة ابن حزم الصفحات من 2 - 53، وذكر ناشرها أنها الطبعة الأولى4
4 - وقمت بنشرها في مجموعة رسائل ابن حزم (القاهرة 1956) اعتمادا على مخطوطة شهيد علي رقم 2704 ومقارنة على طبعة الجمالية (ورمزها م).
5 - ثم نشرتها السيدة ندى توميش (بيروت 1961) اعتمادا على مخطوطة استانبول والنشرة التي قمت بها وعلى طبعتين في القاهرة (احداهما سنة 1908 والأخرى دون تاريخ) وطبعتين اسكندريتين (إحداهما سنة 1913). وقد وجدت أن طبعة القاهرة (1325 1908) تزيد فقرات لم ترد في مخطوطة استانبول أو في الطبعات الأخرى على تعددها، مما يدل على وجود أصل أتم لها لا أدري ماذا كان مصيره؛ وقد كنت فتشت عن تلك الطبعة كثيرا فلم أستطع الحصول عليها

(1/323)


ولهذا فاني في إعداد هذه الطبعة راجعت نص الرسالة على مطبوعة السيدة توميش لأنها أفادت كثيرا من زيادات طبعة المحمصاني ولكني لم أتقيد بترقيمها للفقرات أو ببعض ما لا أراه صوابا من القراءات. وقد قامت السيدة توميش بترجمة الرسالة إلى الفرنسية وقدمت لها بدراسة عن حياة ابن حزم، كما زودت الترجمة بالحواشي المسهبة التي تعد تزيدا في معظم الأحوال.
6 - ونشرتها دار الآفاق الجديدة (بيروت 1978) بعنوان الأخلاق والسير.
7 - ونشرتها مؤسسة ناصر الثقافية (بيوت 1979) في طبعة شعبية (1) .
وكتب عنها الأستاذ رئيف خوري دراسة بعنوان حول " كتاب السير والأخلاق " لابن حزم (مجلة الأديب، عدد 11/ 1943 بيروت).
الرموز
ص: نسخة شهيد علي (أي الأصل المعتمد).
م: طبعة الجمالية.
د: طبعة السيدة ندى توميش.
__________
(1) بعد كتابة هذه السطور حصلت على طبعة المحمصاني، كما حصلت على طبعة أخرى طبعت بمصر على نفقة الشيخ مصطفى القباني (1323)، وليس فيها الزيادات التي في طبعة المحمصاني.

(1/324)


رسالة في مداواة النفوس
مقدمة
- 1 -
تبدو هذه الرسالة نوعا من المذكرات والخواطر، التي دونت على مر الزمن، وكانت حصيلة التجربة المتدرجة، ولعل أكثرها إنما دون في سن كبيرة، لأنها تشير إلى الهدوء والنضج في محاكمة الناس والأشياء، وتمثل مفارقة وتكملة لطوق الحمامة، وخروجا على بعض الأحكام التي جاءت في الطوق أو تطويرا لها. ففي هذه الرسالة يقدم ابن حزم نظرته في الحياة على نحو فلسفي أو فكري.
فإذا نظر إلى الحياة الاجتماعية وجدها تقوم على محور واحد، أحد طرفيه موجب والثاني سالب، أما الطرف الموجب فاسمه " الطمع " ومعناه بهذا التعميم: المحرك أو الدافع الداخلي الذي يوجه الفرد نحو هذا الشيء أو ذاك. فالطمع أصل في كل المظاهر الاجتماعية التي نراها من حب وطموح وحياة مادية وغير ذلك. وإذا أخذنا الحب مثلا لنفسره على مبدأ الطمع وجدنا أنواعا من الحب تختلف في الظاهر، وترجع كلها إلى أصل واحد هو " الطمع فيما يمكن نيله من المحبوب " .
ألست ترى جميع أنواع المحبين يتفرقون في النهاية، فيموت الوالد أسفا على ولده، والعاشق حزنا على معشوقه كما يتفقون في التعبير عن هذا الحب فيغار الرجل على صديقه كما يغار الآخر على زوجه. ثم تأمل من يقر برؤية الله تعالى ويحن إلى تحققها تجده

(1/325)


لا يقنع بشيء دونها لطمعه فيها، ولكن الذي لا يؤمن بها أي لا يطمع فيها لا يحس بها أصلا، وترى المسلم يحب ابنة عمه حبا مفرطا على قدر طمعه في أن تصير اليه بينما نجد النصراني الذي لا يحق له الزواج من ابنة عمه لا يحس نحوها بشيء إطلاقا، وترى هذا النصراني نفسه يعشق أخته من الرضاع بينما لا يحس المسلم بعاطفة نحوها لقلة طمعه فيها. ومعنى ذلك أن هذه الظاهرة الانسانية التي تسمى " الحب " ليس لها وجود إيجابي - في رأي ابن حزم - إلا عندما يدفعها الطمع إلى الوجود فتوجد وتتشكل وتصبح فعالة في حياة صاحبها. ولا يقتصر الطمع على توجيه الحياة الاجتماعية نحو الخير بل هو سبب للشر، وهو يدعو صاحبه إلى الذل، وهو الذي يحرك في الأفراد الأنانية العمياء حتى ليجعل بعض الناس يفضل نفسه على نفوس الآخرين في سبيل الحصول على ما يحدوه الطمع إليه.
فإذا كان الطمع بهذه القوة في حياة الأفراد فمن الطبيعي أن ينشأ عنه " الهم " وهو الظرف السالب في محور الحياة الاجتماعية.
ويصف ابن حزم جميع أدوار الحياة ومظاهرها بأنها محاولة لطرد الهم، وأن الناس جميعا يتفقون في هذه الغاية سواء في ذلك المتدين ومن لا دين له، والخامل والزاهد والفيلسوف العازف عن اللذات وغيرهم. فطالب المال يكد في سعيه ليطرد " هم الفقر " ، والساعي وراء الشهرة يجري إليها ليطرد " هم الخفاء والخمول " ، والراغب في اللذة يطلبها ليطرد " هم الحرمان من اللذة " . وقل مثل ذلك فيمن أكل وشرب وتزوج ولعب، فإن من يقوم بهذه الأمور إنما يحاول طرد الهم الناشئ عن أضدادها.
ولكن المنافسة في هذه الأمور تخلق هموما جديدة كطعن حاسد أو ذم ذام. أما الشيء الذي يقتلع الهم من جذوره دون أن يثير بين عناصر المجتمع هما جديدا فهو التوجه إلى الله تعالى، فتلك هي

(1/326)


الغاية السليمة التي يمكن أن يسعى إليها الفرد مطمئنا، يقول ابن حزم: " فاعلم أنه مطلوب واحد وهو طرد الهم، وليس إليه إلا طريق واحد وهو العمل لله تعالى، فما عدا هذا فضلال وسخف.
ويظهر أن ابن حزم يؤمن بقوة الطمع في تكبير جانب الشر في الحياة، ومن ثم آمن بان الهم دائما شر، ولكنه نسي أن الأكل والشرب والزواج واللعب وغيرها من الأمور التي تقوم بها الحياة الانسانية ليست شرا وإن سخرت لطرد الهم، وأن التوجه إلى الله تعالى لا يقضي عليها، بل هي متجددة لأنها ضرورية، ومن ثم يصبح طرد الهم ملازما لبقاء الحياة الانسانية لا يزول إلا بزوالها. فإذا ارتبطت هذه الأمور كلها بغاية واحدة، وهي التوجه إلى الله تعالى فليس ذلك طردا للهم، ولكنه تهوين لشأنه، وتقليل لأثره في السعي والعمل الانساني على ظهر هذه الأرض.
ومن الملاحظة يتبين لنا أن ابن حزم يقترب في بعض نظراته الاجتماعية من رجال المدرسة النفسية، فنظرية " الطمع " تشبه إلى حد كبير ما يقال عن الغرائز وأثرها، بل إن اتخاذ اسم واحد للدوافع في نفس الفرد يقترب من رأي فرويد في حصره جميع الطاقات الغريزية في الانسان تحت اسم " لبيدو " واتخاذه غريزة الجنس متمثلة لكل الطاقات والقوى. أما طرد الهم فيمكن ان يشمل ما يسمى في علم النفس الجماعي، " الصراع النفسي والاجتماعي " وهذان النوعان من الصراع قد يحتوي أحدهما الآخر، وقد يستقل عنه، ولكن في الربط بين طرد الهم وفكرة التوجه إلى الله يقترب ابن حزم من فكرة " الصراع الاجتماعي " الذي يتمثل في توجيه الرغبات الدنيوية نحو غاية مثالية.
ومهما يقل في نقد الآراء الاجتماعية التي أوردها ابن حزم يزال بعض تلك الآراء يقربه إلى أنفسنا. فنحن نحس كأن ابن حزم يتحدث عن مشكلاتنا الحاضرة وهو يقول: أشد الأشياء على الناس الخوف والهم والمرض والفقر. ونحن أيضا نعجب إعجابا بالغا بنفاذ

(1/327)


نظرته في المجموعة البشرية وشؤونها حين يقول: " تأملت كل ما دون السماء وطالت فيه فكرتي فوجدت كل شيء فيه وغير حي، من طبعه إن قوي أن يخلع على غيره من الأنواع هيأته ويلبسه صفاته، فترى الفاضل يود لو كان كل الناس فضلاء وترى الناقص يود لو كان كل الناس نقصاء ، وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له. " وعلماء الاجتماع المحدثون يرون في هذه الظاهرة ميلا إلى " الانسجام الاجتماعي " .
- 2 -
وتسلمنا هذه النظرات الاجتماعية إلى ذلك المبدأ العام الذي لون تفكير ابن حزم في كلياته وجزئياته وهو " التوجه إلى الله تعالى " ، فقد كان هذا الاعتبار حاضرا في ذهنه عند كل قولة يقولها وكل رأي يبديه حتى استسلمت فلسفته إلى نوع من الزهد يوحي لأول وهلة أنه يتعارض مع مبادئه الاجتماعية، ولكنه في الواقع زهد صحيح وسليم، تستطيع أن تعبيره تحقيقا دقيقا للسنة الاسلامية، ولا يضطلع به، بمثل هذا الوضوح، إلا رجل كابن حزم في تحريه ودقته وسعة اطلاعه وتشربه لروح الدين الاسلامي، فابن حزم مؤمن بقيمة الزهد، وتوجهه نظرته التشاؤمية أحيانا إلى تحبيب العزلة، ولكنه في مجموع نظرته يفهم أن الزهد هو التغلب على النفعية جهد الطاقة، وانه التربية النفسية التي تضحي بالعجب وتقضي عليه، ولذلك وقف كثيرا من جهده على توضيح الطرق التي يحارب بها العجب، ومضى يدرس الأفراد حتى يقف على دوافع هذه الرذيلة في أعماق نفوسهم ليستطيع القضاء على تلك الدوافع في منابتها. والزهد أيضا هو التكيف المحمود الذي يمثله الرسول، وقد لخص ابن حزم سيرة الرسول في هذه الناحية تلخيصا مبدعا حين قال " وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو القدوة في كل خير والذي أثنى الله تعالى على خلقه والذي جمع فيه تعالى أشتات

(1/328)


الفضائل بتمامها وأبعده عن كل نقص، يعود المريض مع أصحابه راجلا في أقصى المدينة بلا خف ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة، ويلبس الشعر إذا حضره، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره، لا يتكلف إلى ما لا يحتاج اليه ولا يترك ما يحتاج إليه، ويستغني بما وجد عما لا يجد، ومرة يمشي حافيا راجلا، ومرة يمشي بالخف، ويركب البغلة الرائعة الشهباء ومرة يركب الفرس عريا ومرة يركب الناقة ومرة يركب حمارا، ويردف عليه بعض أصحابه، ومرة يأكل التمر دون خبز، والخبز يابسا، ومرة يأكل العناق المشوية، والبطيخ بالرطب والحلوى، يأخذ القوت ويبذل الفضل ويترك ما لا يحتاج اليه، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة اليه، ولا يغضب لنفسه ولا يدع الغضب لربه عز وجل " .
ولا شك أن رجال الدين الذي دعوا إلى الزهد الخالص في الدنيا أو الذين يفعلون ذلك، في حاجة إلى أن يقرأوا هذه النبذة القصيرة التي تحدد معنى الزهد الطبيعي.
وبمثل هذه البصيرة النافذة وذلك الذكاء المدهش استطاع ابن حزم أن يحل كثيرا من المشكلات التي أثارتها حياة الزهد على مر العصور، فقد كان الزهاد يتجادلون حول الفقر والغنى وأيهما أفضل: الغني أو الفقير، ولما سئل ابن حزم " آلبلاء أفضل أم العافية والفقر أفضل أم الغنى أجاب دون تردد: هذا سؤال فاسد، إنما الفضل للعباد بأعمالهم ونحن نسأل الله تعالى العافية والغنى ونعوذ بالله من البلاء والفقر، وإنما الفضل بالصبر والشكر [الرسائل: الورقة 231].
وفي موطن آخر استطاع ابن حزم أن يوقفنا على رأي صحيح واضح في مشكلة الزهد الذي يدعو إلى المغالاة في التعبد، فقد سئل: ما الحد الأعلى في التعبد فكان جوابه: أنا اكره لكل واحد أن يزيد عن عدد ما كان يتنفل به نبيه محمد لوجهين: أحدهما: قول الله عز

(1/329)


وجل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). والثاني أن يخطر الشيطان في قلبه، فيوسوس أنه قد فعل من الخير أكثر مما كان محمد يفعله فيهلك في الأبد، ويحيط عمله، ويجد صلاته وصيامه في ميزان سيئاته [رسالة التلخيص لوجوه التخليس، الورقة: 242].
- 3 -
فإذا كان لابن حزم نظرات اجتماعية صادقة أو فلسفة أخلاقية موضحة الحدود فلابد ان تدرس هذه النواحي عنده في ظل فكرته الدينية، فهي التي كانت توجهه وتأخذ بيده في كل سبيل، وإن لم يخل من تأثر عام ببعض مبادئ الفلسفة الأخلاقية عند أفلاطون وأرسطوطاليس كمحاولته أن يفسر قيام الفضائل على أربعة عناصر - تنشأ من تجمعها المركبات - وهي العدل والفهم والنجدة والجود، وهذا يذكرنا برأي فلاطون، كما يذكرنا مبدأ التوسط بين طرفين بتعريف الفضيلة عند أرسطوطاليس. ولا شك أن كثيرا من محاكمات ابن حزم تظهر تأثره بالفلسفة والمنطق، وهو الشيء الذي عابه بن خصومه وشنعوا عليه بسببه. ولكن لا شك أيضا أن الفكرة الدينية هي العامل الرئيس في توجيه ملكاته وذكائه، فبها استطاع أن يقول إن علم الشريعة أفضل العلوم وأجلها، وبسببها يظهر ابن حزم الناقد الأدبي جائرا في أحكامه على الشعر، فهو يراه من العلوم المتأخرة، ولكنه في حكمه خاضع لمبادئه الخلقية تمام الخضوع. ويرى أن يكون منهج التعليم قاصرا في الشعر على شعر الحكمة كأشعار حسان وكعب بن مالك وصالح بن عبد القدوس، ويرى كذلك أن يحال بين الطلبة وبين رواية أربعة أضرب من الشعر هي الغزل وأشعار التصعلك وأشعار التغرب وشعر الهجاء. وهذه التقدير للشعر صادر عن مبدأ تربوي قائم على تحكيم المبدأ الخلقي في تقويم الفن. ومهما يكن رأينا في ابن حزم الناقد، فلا شك أنه في موقفه من الشعر يمثل حلقة في تلك السلسلة الطويلة من قياس الشعر بمقاييس خلقية، وإذا نحن أنكرنا هذا الرأي على ابن

(1/330)


حزم فما هو إلا إنكار نظري، لأننا نتبع ما يقوله بالفعل في تدريس الشعر للطلبة قبل انتقالهم إلى طور النضج، ونجنبهم قراءة جزء كبير مما نهى عنه ابن حزم، ولعل هذا عينه هو عناه ابن حزم في نقده للشعر لأنه يرسم منهجا في التعليم ويخضع كل العلوم لمقاييس تربوية.
- 4 -
وقد نبهتني هذه المذكرات وغيرها إلى أن ابن حزم ربما كان من أولئك الرواد الذين مهدوا لابن خلدون طريقه لوضع علم الاجتماع. فذهبت أقارن بين الرجلين، ودلتني المقارنة على اتفاقهما في بعض المظاهر، مثل اعتقادهما ان التاريخ علم شريف الغاية " لأنه يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سريهم. حتى تتم في ذلك فائدة الاقتداء لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا " (المقدمة: 9 ط. التجارية).
ومنها إبطال علم النجوم لبطلان إمكان التجربة التي تحتاج آمادا طويلة لا يفي بها العمر الانساني، ومنها الإيمان بسلامة البداوة في أجسام أهلها واستغنائهم عن علم الطب بطرقهم الخاصة، إلى غير ذلك من نظرات لو جمعت لكان منها قدر صالح لإثبات مدى التشابه، ولكنه فيما يبدو لي - تشابه ظاهري يصل إليه كل مفكر على انفراد دون تأثر أو اتباع. وربما لم يكن ابن حزم من الأشخاص الذي تأثر بهم ابن خلدون، فابن خلدون لا يذكره بين من عنوا بشيء من التفسيرات الاجتماعية، ولا يحيل عليه حين ينصح الطلبة بقراءة كتب تفهمهم حقيقة السنة الإسلامية وتؤمن لديهم سلامة العقيدة، وربما كان اتباع ابن خلدون للمذهب المالكي يباعد بينه وبين الاستئناس إلى رأي رجل ظاهري كابن حزم كان عنيفا في خصومه للمالكية. ثم هنالك ذلك البون الشاسع في النظرة الاجتماعية عند كل منهما، فابن حزم أقرب

(1/331)


إلى الفيلسوف الأخلاقي، ومن هذا الوضع نفسه ينظر إلى المجتمع، ويهتم بالفرد اهتماما بالغا، أما ابن خلدون فإنه عالم اجتماعي لا يعبر الفرد في فلسفته ومبادئه اهتماما كبيرا. وابن حزم صاحب مذهب قائم على الاكتفاء بالنقل، وهو يتخذ من هذا النقل شاهدا على صحة النبوات والشرائع والتواريخ، بينما لا يرضى ابن خلدون بالنقل وحده في الخبر، لأنه يتحمل الخطأ والدس والتشويه، ومع كل ذلك فإن ابن حزم يظل مقدمة صالحة لذلك السموق الشامخ في الفكر الاسلامي كما يمثله ابن خلدون: أولا في تلك النظرة الإجلالية للتاريخ واعتباره علما وثانيا في ذلك التقدير لمعنى التعاون في الحياة الاجتماعية، ذلك المبدأ الذي تلقاه ابن حزم عن أستاذه ابن الكتاني ودان به في نظرته الاجتماعية، فقد كان ابن حزم معجبا بقول ذلك الأستاذ " إن من العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة، أما يرى الحراث يحرث له، والطحان يطحن له، والنساج ينسج له وسائر الناس كل متول شغلا له فيه مصلحة وبه إليه ضرورة " وعلى بساطة هذا الكلام فإنه يجمل أن يكون أساسا لتحويل الناس في المغرب عن الاتكالية والخمول اللذين كانا يصحبان التصوف حيثما حل. ومن هذه النظرة الايجابية إلى التعاون الإنساني في المجتمع المغربي، ومن تفشي الحياة الخاملة في طبقات الصوفية هنالك، استمد ابن خلدون، ولابد، شيئا من تفسيراته. ومن مغالاة أهل الظاهر وإغراقهم في الاعتماد على النقل تولد لديه ما يبصره بالطريقة المثلى لتصحيح الأخبار وتمحيصها، فاهتدى إلى ضرورة المعرفة بالعمران البشري وقاده هذا إلى البحث عن مبادئ كامنة وراء ذلك العمران.

(1/332)


بسم الله الرحمن الرحيم
رب أسألك العون
اللهم صل على محمد وآله وسلم.
قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفقيه الأندلسي.
الحمد لله على عظيم مننه، وصلى الله على سيدنا محمد عبده وخاتم أنبيائه ورسله وسلم تسليما كثيرا، وأبرأ إليه تعالى من الحول والقوة، وأستعينه على كل ما يعصم في الدنيا من جميع المخاوف والمكاره، ويخلص في الأخرى من كل هول وضيق.
أما بعد، فإني جمعت في كتابي هذا معاني كثيرة أفادنيها واهب التمييز تعالى، بمرور الأيام وتعاقب الأحوال، بما منحني عز وجل من التهمم (1) بتصاريف الزمان والإشراف على أحواله، حتى أنفقت في ذلك أكثر عمري. وآثرت تقييد ذلك بالمطالعة له والفكرة فيه على جميع اللذات التي تميل إليها أكثر النفوس وعلى الازدياد من فصول المال. ورقمت (2) كل ما سبرت من ذلك بهذا الكتاب لينفع الله تعالى به من شاء من عباده، ممن يصل إليه، ما أتعبت فيه نفسي، وأجهدتها فيه وأطلت فيه فكري، فيأخذه عفوا، وأهديته إليه هديا، فيكون ذلك
__________
(1) ص: التهم.
(2) ص: وزممت؛ د: ودونت.

(1/333)


أفضل له من كنوز المال وعقد الأملاك إذا تدبره ويسره الله تعالى لاستعماله، وأنا راج في ذلك من الله تعالى أعظم الأجر لنيتي في نفع عباده وإصلاح ما فسد من أخلاقهم ومداواة علل نفوسهم، وبالله تعالى أستعين، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.

(1/334)


1 - فصل في مداواة النفوس
وإصلاح الأخلاق الذميمة
1 - لذة العاقل بتمييزه، ولذة العالم بعلمه، ولذة الحكيم بحكمته، ولذة المجتهد لله عز وجل باجتهاده أعظم (1) من لذة الآكل باكله، والشارب بشربه، والواطئ بوطئه، والكاسب بكسبه، واللاعب بلعبه، والآمر بأمره. وبرهان ذلك أن الحكيم والعالم والعاقل والعامل ومن ذكرنا (2) واجدون لسائر اللذات التي سمينا كما يجدها المنهمك فيها ويحسونها كما يحسها المقبل عليها. وإنما يحكم في الشيئين من عرفهما، لا من عرف أحدهما ولا يعرف الآخر.
2 - إذا تعقبت (3) الأمور كلها فسدت عليك، وانتهيت في آخر فكرتك، باضمحلال جميع أحوال الدنيا، إلى أن الحقيقة إنما هي العمل للآخرة فقط، لان كل أمل ظفرت به فعقباه حزن إما بذهابه عنك، وإما بذهابك عنه، ولابد من أحد هذين السبيلين، إلا العمل لله عز وجل، فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل. أما في العاجل، فقلة الهم بما يهتم به الناس وانك به معظم من الصديق والعدو، وأما في الآجل فالجنة.
__________
(1) ص: أعظم لذة ما ذكرنا.
(2) ومن ذكرنا: مكررة في ص.
(3) ص: انعقبت.

(1/335)


3 - تطلبت غرضا يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحدا، وهو طرد الهم (1) : فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم هممهم وإراداتهم (2) لا يتحركون حركة أصلا إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلا إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم. فمن مخطئ وجه سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب، وهو الأقل من الناس في الأقل من أموره، والله اعلم.
[فطرد الهم] (3) مذهب قد اتفقت الأمم كلها مذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء ويعاقبه عالم الحساب على أن لا يعتمدوا بسعيهم شيئا سواه، وكل غرض غيره ففي الناس من لا يستحسنه، إذ في الناس من لا دين له فعلا يعمل للآخرة، وفي الناس من أهل الشر من لا يريد الخير ولا الأمن ولا الحق، وفي الناس من يؤثر (4) الخمول بهواه وإرادته على بعد الصيت، وفي الناس من لا يريد المال ويؤثر عدمه
__________
(1) يبدو لي أن ابن قيم الجوزية لخص ما بقوله ابن حزم في هذه الفقرة دون أن يسميه فقال: (الجواب الكافي: 136) قال بعض العلماء: فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد، وان اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، فهذا في الأكل والشرب، وهذا في التجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا في اللهو واللعب، فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة اليه بل لعل أكثرها إنما يؤثر إلى الاقبال على الله وحده، ومعالمته وحده، وايثار مرضاته على كل شيء، فإن سالك هذا الطريق ان فاته حظه في الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه وان حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته كل شيء، وان ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنا الوجوه، فليس للعبد أنفع من هذا الطريق ولا أوصل منه إلى ذاته وبهجته وسعادته، وبالله التوفيق " .
(2) قد تقرأ في ص: ومراداتهم، لاضطراب الناسخ في كتابتها.
(3) زيادة من م، وفي ص بياض.
(4) هذه قراءة م، وفي ص صورة " يريد " .

(1/336)


على وجوده ككثير من الأنبياء، عليهم السلام، ومن تلاهم من الزهاد والفلاسفة، وفي الناس من يبغض اللذات بطبعه ويستنقص طالبها كمن ذكرنا من المؤثرين فقد المال على اقتنائه، وفي الناس من يؤثر الجهل على العلم كأكثر من نرى من العامة، وهذه هي أغراض الناس التي لا غرض لهم سواها. وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد (1) يستحسن الهم، ولا يريد إلا طرحه عن نفسه.
فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الانسان، الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له. فلم أجدها إلا التوجه إلى الله عز وجل بالعمل للآخرة. وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به عن أنفسهم هم الفقر، وإنما طلب الصوت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها، وإنما طلب اللذات من طلبها ليطرد به عن نفسه هم الجهل، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه، وإنما أكل من أكل وشرب من شرب، ونكح من نكح، ولبس من لبس، ولعب من لعب، واكتنز من اكتنز، وركب من ركب، ومشى من مشى، وتودع من تودع، ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم.
وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لابد منه: من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر منها، وذهاب ما وجد منها والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة، وأيضا سوء شح (2) بالحصول على ما حصل عليه
__________
(1) ص: لأحد، والتصويب عن م.
(2) د والمحمصاني: وأيضا نتائج سوء تنتج.

(1/337)


من كل ذلك من خوف منافس، أو طعن حاسد، أو اختلاس راغب، أو اقتناء عدو، مع الذم والإثم وغير ذلك. ووجدت العمل للآخرة سالما من كل عيب، خالصا من كل كدر، موصلا إلى طرد الهم على الحقيقة. ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر، إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال منه، عون له (1) على ما يطلب، لم يهتم، إذ ليس مؤاخذا بذلك، فهو غير مؤثر فيما يطلب. ووجدته (2) إن قصد بالأذى سر، وإن تعب فيما سلك فيه سر، فهو في سرور متصل أبدا، وغيره بخلاف ذلك أبدا. فاعلم أنه مطلوب واحد، وهو طرد الهم، وليس إليه طريق واحد، وهو العمل لله تعالى. فما عدا هذا فضلال وسخف.
4 - لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل، في دعاء إلى حق، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى، وفي نصر مظلوم. وباذل نفسه في عرض دنيا، كبائع الياقوت بالحصى.
5 - لا مروءة لمن لا دين له.
6 - العاقل لا يرى لنفسه ثمنا إلا الجنة.
7 - لإبليس في م الرياء حبالة، وذلك أنه رب ممتنع من فعل خير خوف أن يظن به الرياء، فإذا اطرقك منه هذا، فامض على فعلك، فهو شديد الألم عليه.
8 - باب عظيم من أبواب العقل والراحة: وهو طرح المبالاة بكلام الناس، واستعمال المبالاة بكلام الخالق عز وجل، بل هو
__________
(1) ص: دعوى.
(2) د: ورأيته.

(1/338)


باب العقل كله والراحة كلها - من قدر انه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. من حقق النظر وراض (1) نفسه على السكون إلى (2) الحقائق وإن ألمتها في أول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه، بل مدحهم إياه إن كان بحق، وبلغه مدحهم له، أسرى ذلك فيه العجب فأفسد بذلك فضائله، وإن كان بباطل فبلغه فسر فقد صار مسرورا بالكذب، وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق فبلغه فربما كان لك سببا إلى تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص، وإن كان بباطل فبلغه، فصبر، اكتسب فضلا زائدا بالحلم والصبر، وكان مع لك غانما لأنه يأخذ حسنات من مه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها ولا تكلفها، وهذا حظ رفيه لا يزهد فيه إلا مجنون. وأما أن (3) لم يبلغه مدح الناس إياه، فكلامهم وسكوتهم سواء. وليس كذلك ذمهم إياه لأنه غانم للأجر على كل حال بلغه ذمهم أو لم يبلغه. ولولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثناء الحسن: " ذلك عاجل بشرى المؤمن " (4) ، لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق. ولكن إذ جاء هذا القول فإنما تكون البشرى بالحق لا بالباطل فإنما تجب البشرى بما في المدح لا بنفس المدح.
9 - ليس بين الفضائل والرذائل ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس وأنسها فقط. فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاغات ونفرت من الرذائل والمعاصي، والشقي من أنست نفسه بالرذائل
__________
(1) ص: وأرض.
(2) ص: على السكوت على.
(3) ص: أن من.
(4) الحديث في صحيح مسلم (بر: 166) وابن ماجة (زهد: 25) ومسند أحمد 5: 156، 157، 168.

(1/339)


والمعاصي ونفرت من الفضائل والطاعات. وليس ها هنا إلا صنع الله تعالى وحفظه.
10 - طالب الأجر في الآخرة (1) متشبه بالملائكة، وطالب الشر متشبه بالشياطين، وطالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع، وطالب اللذات متشبه بالبهائم، وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه، ولكنه يشبه الغدران (2) التي في الكهوف، في المواضع الوعرة لا ينتفع بها شيء من الحيوان إلا ما قل من الطائر. ثم تجفف الشمس والريح ما بقي منها. كذلك المال الذي لا ينفق في معروف.
11 - العاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد. وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله بها عن السباع والبهائم والجمادات، وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة. فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير حقها (3) لله تعالى، فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه، ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسما. ومن سر بحمله الأثقال، فليعلم أن الحمار أحمل منه. ومن سر بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع منه صوتا، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته. فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه هذه البهائم متقدمة له لكن من قوي تمييزه، واتسع علمه وحسن عمله، فليغتبط بذلك فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس.
12 - قول الله: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن
__________
(1) م : طالب الآخرة.
(2) د: العذرات.
(3) د: موضعها.

(1/340)


الهوى فإن الجنة هي المأوى) (النازعات: 40) جامع لكل فضيلة، لان نهي النفس عن الهوى هو ردعها عن الطبع الغضبي وعن الطبع الشهواني، لان كليهما واقع تحت موجب الهوى، فلم يبق إلا استعمال النفس للنطق الموضوع فيها الذي (1) به بانت عن البهائم والحشرات والسباع.
13 - قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي استوصاه: " لا تغضب " (2) ، وأمره، عليه السلام، أن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه، جامعان لكل فضيلة، لان في نهيه عن الغضب ردع ذات القوة الغضبية عن هواها وفي أمره عليه السلام بان يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه ردع النفوس عن القوة الشهوانية، وجمع لأزمة العدل الذي هو فائدة النطق الموضوع في النفس الناطقة.
14 - [ (3) رأيت أكثر الناس، إلا من عصم الله تعالى وقليل ما هم، يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم في الدنيا، ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلا: من نيات خبيثة يضبون عليها من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب له، وتمني أشد البلاء لمن يكرهونه، وقد علموا يقينا أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئا مما يتمنونه أو يوجب كونه، وأنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من غير أن يؤخر ذلك شيئا مما يريدونه أو يمنع كونه. فأي غبن اعظم من هذه
__________
(1) ص: التي.
(2) الحديث في صحيح البخاري (ادب: 76) والترمذي (بر: 73) ومسند أحمد 2: 175، 3 484، 5: 34، 370.
(3) ما بين معقفين من فقرات أضيفت الى هذه الرسالة من د: وهي عن طبعة القاهرة (1908) تحقيق أحمد عمر المحمصاني (انظر التصدير).

(1/341)


الحال التي نبهنا عليها، وأي سعد أعظم من الذي دعونا إليه (1) ].
15 - [إذا حقت مدة الدنيا لم تجدها إلا الآن الذي هو فصل الزمانين فقط. وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن؛ فمن أضل ممن يبيع باقيا خالدا بمدة هي أقل من كر الطرف ].
16 - [إذا نام المرء خرج عن الدنيا ونسي كل سرور وكل حزن، فلو رتب نفسه في يقظته على ذلك أيضا لسعد السعادة التامة].
17 - [من أساء إلى أهله وجيرانه فهو أسقطهم، ومن كافأ من أساء إليه منهم فهو مثلهم، ومن لم يكافئهم بإساءتهم فهو سيدهم وخيرهم وأفضلهم].
__________
(1) قارن ما جاء في هذه الفقرة بما سيجيء في الفقرة 159 (وهي أيضا مزيدة) إذ يكاد القولان يتفقان.

(1/342)


2 - فصل في العلم
18 - لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك ويحبونك (1) وأن العلماء يحبونك ويكرمونك، لكان ذلك سببا إلى وجوب طلبه. فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء ويعبه نظراؤه من الجهال لكان ذلك سببا إلى وجوب الفرار عنه، فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة..
19 - لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به عن الوساويس المضنية ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس، لكان ذلك أعظم داع إليه. فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره، ومن أقلها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم، وفي مثله أتعب ضعفاء الملوك أنفسهم، فتشاغلوا عما ذكرنا بالشطرنج والنرد والخمر والأغاني وركض الدواب في طلب الصيد وسائر الفضول التي تعود بالمضرة في الدنيا والآخرة. وأما بفائدة (2) فلا.
20 - لو تدبر العالم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من الذل بتسلط الجهال، ومن الهم بمغيب الحقائق عنه، ومن الغبطة بما قد بان
__________
(1) د: ويجلونك.
(2) ص: فائدة.

(1/343)


له وجهة من الأمور الخفية عن غيره لزاد حمدا لله عز وجل، وغبطة بما لديه من العلم، ورغبة في المزيد منه.
21 - من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه، كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر، وكزارع الشعراء (1) حيث يزكو النخل والتين.
22 - نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك العسل والحلوى من به احتراق وحمى، وكتشميمك المسك والعنبر لمن به صداع من احتدام الصفراء.
23 - البال بالعلم ألوم من الباخل بالمال، فالباخل بالمال أشفق من فناء ما بيده، والباخل بالعلم بخل بما لا يفنى على النفقة ولا يفارقه مع البذل.
24 - من مال بطبعه إلى علم ما - وإن كان أدنى من غيره - فلا يشغله (2) بسواه، فيكون كغارس النارجيل بالأندلس وكغارس الزيتون بالهند، وكل ذلك لا ينجب.
25 - أجل العلوم ما قربك من خالقك تعالى، وما أعانك على الوصول إلى رضاه.
26 - انظر في المال والحال والصحة إلى من دونك وانظر في الدين والعلم والفضائل إلى من فوقك.
27 - العلوم الغامضة تزيد العقل القوي جودة، وتصفيه من كل آفة، وتهلك ذا العقل الضعيف.
28 - من الغوص على الجنون ما لو غاصه صاحبه على العقل
__________
(1) د. وكغارس، والشعراء: الشجر غير المثمر.
(2) ص: يشغلها.

(1/344)


لكان أحكم من الحسن البصري، وأفلاطون الأثيني، وبزرجمهر الفارسي.
29 - وقف العقل عند أنه لا ينفع إن (1) لم يؤيد بتوفيق في الدين أو بسعد في الدنيا.
30 - [لا (2) تضر بنفسك في أن تجرب بها الآراء الفاسدة لتري المشير بها فسادها فتهلك فإن ملامة ذي الرأي الفاسد لك على مخالفته وأنت ناج من مكاره خير لك من أن يقدرك ويندم كلاكما وأنت قد حصلت في مكاره.].
31 - [إياك أن تسر غيرك بما تسوء به نفسك فيما لم توجبه عليك شريعة أو فضيلة].
32 - وقف العلم عند الجهل بصفات الباري عز وجل.
33 - لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون.
34 - من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به بمنه، آمين آمين.
35 - غاظني أهل الجهل مرتين من عمري: إحداهما بكلامهم فيما لا يحسنونه أيام جهلي، والثانية بسكوتهم عن الكلام بحضرتي أيام علمي. فهم أبدا ساكتون عما ينفعهم ناطقون فيما يضرهم. وسرني أهل العلم مرتين من عمري: إحداهما بتعليمي أيام جهلي، والثانية بمذكراتي أيام علمي.
__________
(1) ص: أنه.
(2) الفقرتان، 30، 31 فصلتا بين قولين مترابطين، وجاءتا بموضوع لا علاقة له بالسياق.

(1/345)


36 - من فضل العلم والزهد في الدنيا انهما لا يؤتيهما الله عز وجل إلا أهلها ومستحقهما. ومن نقص علو أحوال الدنيا من المال والصوت أن أكثر ما يقعان ففي غير أهلهما وفيمن لا يستحقهما.
37 - ومن طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق [من] (1) أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشرة والصبر والوفاء والأمانة والحلم وصفاء الضمائر وصحة المودة؛ ومن طلب الجاه والمال واللذات لم يساير إلا أمثال الكلاب الكلبة والثعالب الخلبة ولو يرافق في تلك الطريق إلا كل عدو في المعتقد خبيث الطبيعة.
38 - منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة، وهو انه يعلم حسن الفضائل، فيأتيها ولو في الندرة، ويعلم قبح الرذائل فيتجنبها ولو في الندرة، ويستمع الثناء الحسن فيرغب في مثله، والثناء الرديء فينفر منه، فعلى هذه المقدمات وجب أن يكون للعلم حصة في كل فضيلة، وللجهل حصة في كل ريلة، ولا يأتي الفضائل من لم يتعلم العلم إلا صافي الطبع جدا فاضل التركيب. وهذه منزلة خص بها النبيون عليهم الصلاة والسلام، لأن الله تعالى علمهم الخير كله دون أن يتعلموه من الناس.
39 - [وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جدا. ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم السلام ووصايا الحكماء، وهو لا يتقدمه في خبث السيرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق، وهذا كثير جدا، فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى].
__________
(1) زيادة من د.

(1/346)


3 - فصل في الأخلاق (1) والسير
40 - احرص على أن توصف بسلامة الجانب، وتحفظ من أن توصف بالدهاء فيكثر المتحفظون منك، حتى ربما أضر ذلك بك وربما قتلك.
41 - وطن نفسك على ما تكره يقل همك إذا أتاك ولم تستضر بتوطينك أولا، ويعظم سرورك ويتضاعف، إذا أتاك ما تحب مما لم تكن قدرته.
42 - إذا تكاثرت الهموم سقطت كلها.
43 - الغادر يفي بالمحدود [والوفي يغدر بالمحدود] (2) والسعيد كل السعيد في دنياه من لم يضطره الزمان إلى اختيار الإخوان.
44 - لا تفكر فيمن يؤذيك فانك ان كنت مقبلا فهو هالك، وسعدك يكفيك، وإن كنت مدبرا فكل أحد يؤذيك.
45 - طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم منها.
46 - الصبر على الجفاء ينقسم ثلاثة أقسام: فصبر عن من يقدر عليك ولا تقدر عليه، وصبر عن من تقدر عليه ولا يقدر عليك، وصبر
__________
(1) ص: الاختلاف.
(2) زيادة من م.

(1/347)


عن من لا تقدر عليه ولا يقدر عليك. فالأول ذل ومهانة وليس من الفضائل، والرأي لمن خشي ما هو أشد مما يصبر عليه، المتاركة والمباعدة، والثاني فضل وبر وهو الحلم على الحقيقة، وهو الذي يوصف به الفضلاء، والثالث ينقسم قسمين: إما أن يكون الجفاء ممن لم يقع منه إلا على سبيل الغلطة والوهلة ويعلم قبح ما أتى به ويندم عليه، فالصبر عليه فضل وفرض، وهو حلم على الحقيقة، وأما من كان لا يدري مقدار نفسه ويظن أن لها حقا يستطيل به، فلا يندم على ما سلف منه، فالصبر عليه ذل للصابر وإفساد للمصبور عليه، لأنه يزيد استشراء، والمقارضة له سخف، والصواب إعلامه بأنه كان ممكنا أن ينتصر منه، وأنه إنما ترك ذلك استرذالا له فقط، وصيانة عن مراجعته، ولا يزاد على ذلك. وأما جفاء (1) السفلة فليس جوابه الا النكال وحده.
47 - من جالس الناس لم يعدم هما يؤلم نفسه، وإثما (2) يندم عليه في معاده، وغيظا ينضج كبده، وذلا ينكس همته. فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم والعز والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم، ولكن اجعلهم كالنار تدفأ (3) بها ولا تخالطها. (4)
48 - [لو لم يكن في مجالسة الناس الا عيبان لكفيا، أحدهما: الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة القاتلة التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح، والثاني: مواقعة الغلبة المهلكة في الآخرة، فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالانفراد عن المجالسة جملة].
49 - لا تحقرن (5) شيئا من عمل غد أن (6) تحققه بان تعجله
__________
(1) ص: جواب.
(2) ص: وانما.
(3) ص: تدن.
(4) زاد في ص: ليلة.
(5) ص: لا تؤخر لا تحقرن.
(6) ص: لا لأن.

(1/348)


اليوم (1) وان قل فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها، وربما اعجز أمرها عند ذلك فبطل الكل. ولا تحقر شيئا مما ترجو به تثقيل ميزانك يوم البعث أن تعجله الآن، وان قل، فانه يحط عنك كثيرا لو اجتمع لقذف بك في النار.
50 - الوجع والفقر والنكبة والخوف لا يحس أذاها الا من كان فيها، ولا يعلمه من كان خارجا عنها، وفساد الرأي والعار والإثم لا يعلم قبحها إلا من كان خارجا عنها وليس يراه من كان داخلا فيها.
51 - الأمن والصحة والغنى لا يعرف حقها الا من كان خارجا عنها وليس يعرفه (2) من كان فيها. وجودة الرأي والفضائل وعمل الآخرة لا يعرف فضلها الا من كان من أهلها، ولا يعرفه من لم يكن منها.
52 - أول من يزهد في الغادر من غدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به، وأول من تهون الزانية في عينه فالذي يزني بها.
53 - ما رأينا شيئا فسد فعاد إلى صحته الا بعد لأي - أي بعد شدة - فكيف بدماغ يتوالى عليه فساد السكر كل ليلة، وان عقلا زين لصاحبه تعجيل افساده كل ليلة لعقل (3) ينبغي أن يتهم.
54 - [الطريق تبرم، والزوايا تكرم، وكثرة المال ترغب وقلته تقنع] (4) .
55 - قد ينحس العاقل بتدبيره ولا يجوز أن يسعد الأحمق بتدبيره.
__________
(1) ص: بأن العجلة اليوم.
(2) م: وليس يعرف حقها.
(3) ص: العقل.
(4) هذه الفقرة تبدو دخيلة وقوله " الزوايا تكرم " لا أدري معناه، ولعله " الروايا " أي الابل التي تحمل الماء وتعين على قطع الطريق.

(1/349)


56 - لا شيء اضر على السلطان من كثرة المتفرغين حواليه. فالحازم يشغلهم بما لا يظلمهم فيه، فان لم يفعل شغلوه بما يظلمونه فيه.
57 - مقرب أعدائه قاتل نفسه.
58 - كثرة وقوع العين على الشخص تسهل أمره وتهونه.
59 - التهويل بلزوم زي ما، والاكفهرار وقلة الانبساط، ستائر جعلها الجهال الذين مكنتهم (1) الدنيا أمام جهلهم.
60 - لا يغتر العاقل بصداقة حادثة أيام دولته، فكل أحد صديقه يومئذ.
61 - اجهد في أن تستعين في أمورك بمن يريد منها لنفسه مثل ما تريد لنفسك، ولا يستعن فيها بمن حظه من غيرك كحظه منك.
62 - لا تجب عن كلام نقل إليك عن قائل حتى توقن أنه قاله فان من نقل إليك كذبا رجع من عندك بحق (2) .
63 - ثق بالمتدين وان كان على غير دينك، ولا تثق بالمستخف وان أظهر أنه على دينك. من استخف بحرمات الله تعالى فلا تأمنه على شيء مما تشفق عليه.
64 - وجدت المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم، هذا شيء طال اختباري اياه، ولم أجد قط على طول التجربة سواه، فأعيتني معرفة العلة في ذلك حتى قدرت أنها طبيعة في البشر.
65 - [من قبيح الظلم الإنكار على من أكثر الإساءة إذا أحسن في الندرة].
66 - [من استراح من عدو واحد حدث له أعداء كثيرة].
__________
(1) ص: مكنهم.
(2) قارن بالفقرة: 144.

(1/350)


67 - [أشبه ما رأيت بالدنيا خيال الظل وهي تماثيل مركبة على مطحنة خشب تدار بسرعة فتغيب طائفة وتبدو أخرى].
68 - طال تعجبي في الموت، وذلك أني صحبت أقواما صحبة الروح للجسد من صدق المودة، فلما ماتوا رأيت بعضهم في النوم ولم أر بعضهم، وقد كنت عاهدت بعضهم في الحياة على التزاور في المنام بعد الموت ان أمكن ذلك، فلم أره في النوم بعد أن تقدمني إلى دار الآخرة، فلا أدري أنسي أم شغل].
69 - [غفلة النفس ونسيانها ما كانت فيه في دار الابتداء قبل حلولها في الجسد كغفلة من وقع في طين غمر عن كل ما عهد وعرف قبل ذلك. ثم أطلت الفكر أيضا في ذلك فلاح لي شعب زائد من البيان. وهو أني رأيت النائم اذ همت نفسه بالتخلي من جسده وقوي حسها حتى تشاهد الغيوب قد نسيت ما كان فيه قبيل نومها نسيانا تاما البتة على قرب عهدها به، وحدثت لها أحوال أخر، وهي في كل ذلك ذاكرة حساسة متلذذة آلمة، ولذة النوم محسوسة في حاله، لان النائم يلتذ ويحتلم ويخاف ويحزن في حال نومه].
70 - انما تأنس النفس بالنفس. فأما الجسد فمستثقل مبروم به، ودليل ذلك استعجال المرء بدفن جسد حبيبه إذا فارقته نفسه، وأسفه لذهاب النفس وان كانت الجثة حاضرة بين يديه.
71 - لم أر لإبليس (1) أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما اعتذار من أساء بأن فلانا أساء قبله، والثانية استسهال الإنسان ان يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس، [أو أن يسيء في وجه ما لأنه قد أساء في غيره. فقد صارت هاتان الكلمتان عذرا مستهلتين للشر ومدخلتين له في حد ما يعرف ويحمل ولا ينكر].
__________
(1) ص: الا ابليس.

(1/351)


72 - [استعمل سوء الظن حيث تقدر على توفيته حقه في التحفظ والتاهب، واستعمل حسن الظن حيث لا طاقة بك على التحفظ فتربح راحة النفس].
73 - [حد الجود وغايته أن تبذل الفضل كله في وجوه البر وأفضل ذلك في الجار المحتاج وذي الرحم الفقير، وذي النعمة الذاهبة والأخص فاقة. ومنع الفضل من هذه الوجوه داخل في البخل، وعلى قدر التقصير والتوسع في ذلك يكون المدح والذم، وما وضع في غير هذه الوجوه فهو تبذير، وهو مذموم، وما بذلت من قوتك لمن هو أمس حاجة منك، فهو فضل وإيثار، وهو خير من الجود؛ وما منع من هذا فهو لا حمد ولا ذم وهو انتصاف].
74 - بذل الواجبات فرض، وبذل ما فضل عن القوت جود. والإيثار على النفس من القوت بما لا تهلك على عدمه فضل، ومنع الواجبات حرام، ومنع ما فضل عن القوت بخل وشح. والمنع من الايثار ببعض القوت عذر (1) ، ومنع النفس أو الأهل القوت أو بعضه نتن ورذالة ومعصية، والسخاء بما ظلمت فيه أو أخذته بغير حقه ظلم مكرر (2) ، والذم جزاء ذلك لا الحمد، لأنك إنما تبذل مال غيرك على الحقيقة لا مالك. واعطاء الناس حقوقهم مما عنك ليس جودا ولكنه حق.
75 - حد الشجاعة بذل النفس للموت عن الدين والحريم، وعن الجار المضطهد، وعن المستجير المظلوم، وعن الهضيمة ظلما في المال والعرض وسائر سبل الحق، سواء قل من يعارض أو كثر. والتقصير (3) عما ذكرنا جبن وخور، وبذلها في عرض الدنيا تهور وحمق. وأحمق من
__________
(1) ص: منع،وهذه قراءة د.
(2) م: مكروه.
(3) ص: والصبر.

(1/352)


ذلك من بذلها في المنع عن الحقوق والواجبات - قبلك أو قبل غيرك - وأحمق من هؤلاء كلهم قوم شاهدتهم لا يدرون فيما يبذلون أنفسهم، فتراه يقاتلون زيدا عن عمرو، وتارة يقاتلون عمرا عن زيد، ولعل ذلك يكون في يوم واحد، فيتعرضون للمهالك بلا معنى، فينقلبون (1) إلى النار أو يفرون إلى العار. وقد أنذر بهؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل " (2) .
76 - حد العفة ان تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك، فما عدا هذا فهو عهر، وما نقص حتى يمسك عما أحل الله تعالى فهو ضعف وعجز.
77 - حد العدل أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه، وحد الجور أن تأخذه ولا تعطيه.
78 - وحد الكرم أن تعطي من نفسك الحق طائعا، وتتجافى عن حقك لغيرك قادرا، فالفضل أعم والجود أخص، إذ الحلم فضل وليس جودا، والفضل فرض زدت عليه نافلة.
79 - إهمال ساعة يفسد رياضة سنة.
80 - خطأ الواحد خير في تدبير الأمور من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد، لأن خطأ الواحد في ذلك يستدرك، وصواب الجماعة يضري على استدامة الإهمال، وفي ذلك الهلاك.
81 - [نوار الفتنة لا يعقد].
82 - [كانت في عيوب، فلم أزل بالرياضة واطلاعي على
__________
(1) هذه هي قراءة م؛ وفي ص: يقتلون.
(2) الحديث في الترمذي (تجارات: 58) والنسائي (زكاة: 64) والموطأ (سفر: 88).

(1/353)


ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس أعاني مداواتها، حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها، ليتعظ بذلك متعظ يوما ان شاء الله.
(أ) فمنها كلف في الرضاء وإفراط في الغضب، فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل والتخبط، وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلا شديدا وصبرت على مضض مؤلم كان ربما امرضني، وأعجزني ذلك في الرضى وكأني سامحت نفسي في ذلك، لأنها تمثلت ان ترك ذلك لؤم.
(ب) ومنها دعابة غالبة، فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح، وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهيا للكبر.
(ج) ومنها عجب شديد: فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع.
(د) ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الأعضاء فقسرت نفسي على تركها فذهبت.
(ه) ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة، فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة، والله المستعان على الباقي، مع ظهور النفس الغضبية إذا كانت منقادة للناطقة فضل وخلق محمود.
(و) ومنها إفراط في الأنفة بغضت الي إنكاح الحرم جملة بكل وجه وصعبت ذلك في طبيعتي، وكأني توقفت عن مغالبة هذا الافراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي، والله المستعان.

(1/354)


(ز) ومنها عيبان قد سترها الله تعالى وأعان على مقاومتهما، وأعان بلطفه عليهما، فذهب احدهما البتة ولله الحمد. وكأن السعادة كانت موكلة بي، فاذا لاح منه طالع قصدت طمسه. وطاولني الثاني منهما فكان إذا ثارت منه مدوده نبضت عروقه فيكاد يظهر ثم يسر الله تعالى قدعه بضروب من لطفه حتى اخلد.
(ح) ومنها حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره، وغلبته على اظهار جميع نتائجه، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبدا.
وأما سوء الظن فيعده (1) قوم عيبا على الاطلاق وليس كذلك إلا اذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة أو ما يقبح في المعاملة والا فهو حزم، والحزم فضيلة.
وأما الذي يعيبني به جهال أعدائي من أني لا أبالي - فيما اعتقده حقا - عن مخالفة من خالفته ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض، وأني لا أبالي موافقة أهل بلادي في كثير من زيهم الذي قد تعودوه لغير معنى، فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها ولعمري لو لم تكن في - وأعوذ بالله - لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي عز وجل. وأنا أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي، فلن ينفعه اتباعه الناس في الباطل والفضول اذا اسخط ربه تعالى وغبن عقله أو آلم نفسه وجسده وتكلف مؤونة لا فائدة فيها.
وقد عابني أيضا بعض من غاب عن معرفة الحقائق أني لا آلم لنيل من نال مني، وأني اتعدى ذلك من نفسي إلى اخواني فلا امتعض لهم إذا نيل منهم بحضرتي. وأنا أقول إن من وصفني بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره. والكلام إذا أجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن. ألا
__________
(1) ص: سوء الظن بعد.

(1/355)


ترى لو أن قائلا قال: ان فلانا يطأ أخته، لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فسر فقال: هي اخته في الإسلام، ظهر فحش هذا الاجمال وقبحه ! وأما أنا فاني إن قلت لا آلم لنيل من نال مني لم أصدق، فالألم في ذلك مطبوع مجبول في البشر كلهم. لكني قد قصرت نفسي على أن لا أظهر لذلك غضبا ولا تخبطا ولا تهيجا، فان تيسر لي الامساك عن المقارضة جملة بأن أتأهب لذلك فهو الذي اعتمد عليه بحول الله تعالى وقوته، وان بادرني الأمر لم أقارض الا بكلام مؤلم غير فاحش أتحرى فيه الصدق ولا أخرجه مخرج الغضب ولا الجهل. وبالجملة فاني كاره لهذا، الا لضرورة داعية اليه مما أرجو به قمع المستشري في النيل مني أو قدع الناقل الي، إذ أكثر الناس محبون لإسماع المكروه من يسمعونه اياه على ألسنة غيرهم، ولا شيء أقدع لهم من هذا الوجه، فانهم يكفون به عن نقلهم المكاره على ألسنة الناس إلى الناس وهذا شيء لا يفيد الا إفساد الضمائر وادخال النمائم فقط.
ثم بعد هذا فان النائل مني لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لها: أما أن يكون كاذبا، وإما أن يكون صادقا. فان كان كاذبا فلقد عجل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه بأن حصل في جملة أهل الكذب، وبأن نبه على فضلي بأن نسب إلي ما أنا منه برئ العرض، وقد يعلم أكثر السامعين له كذبه إما في وقته ذلك وإما بعد بحثهم عما قال. وان كان صادقا فانه لا يخلو من أحد من ثلاثة أوجهك إما أن أكون شاركته في أمر استرحت اليه استراحة المرء إلى من يقدر فيه ثقة وأمانة، فهذا أسوأ الناس حالة، وكفى به سقوطا وضعة. وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيبا، فقد كفاني جهله شأنه. وهو المعيب لا من عاب. وإما أن يكون عابني بعيب هو في على الحقيقة وعلم مني نقصا أطلق به لسانه، فإن كان صادقا فنفسي أحق بأن ألوم منه، وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق. وأما أمر إخواني فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم، لكني

(1/356)


أمتعض امتعاضا رقيقا لا أزيد فيه على أن أندم القائل منهم بحضرتي وأجعله يتذمم ويتعذر ويخجل ويتنصل، وذلك بأن أسلك به طريق ذم من نال من الناس، وان نظر المرء في أمر نفسه والتهمم بإصلاحها أولى به من تتبع عثرات الناس، وبأن أذكر فضل صديقي فأبكته على اقتصاره على ذكر العيب دون ذكر الفضيلة وأن أقول له: " انه لا يرضى فيك فهو أولى بالكرم منك، فلا ترض لنفسك بهذا " ، أو نحو هذا من القول. وأما أن أهارش القائل فأحميه وأهيج طباعه وأستثير غضبه فينبعث منه في صديقي أضعاف ما أكره، فأنا الجاني حينئذ على صديقي والمعرض له بقبيح السب وتكراره فيه وإسماعه من لم يسمعه والإغراء به، وربما كنت أيضا في ذلك جانيا على نفسي ما لا ينبغي لصديقي أن يرضاه لي من إسماعي الجفاء والمكروه، وأنا لا أريد من صديقي أن يذب عني بأكثر من الوجه الذي حددت، فان تعدى ذلك إلى أن يساب النائل مني حتى يولد بذلك أن يتضاعف النيل وان يتعدى أيضا اليه بقبيح المواجهة، وربما إلى أبوي وأبويه على قدر سفه النائل ومنزلته من البذاءة وربما كانت منازعة بالأيدي، فأنا مستنقص لفعله في ذلك زار عليه متظلم منه غير شاكر له، لكني ألومه على ذلك أشد اللوم، وبالله تعالى التوفيق].
[وذمني أيضا بعض من تعسف الأمور دون تحقيق بأني أضيع مالي، وهذه جملة بيانها]، أني لا أضيع منه (1) الا ما كان في حفظه نقص ديني أو إخلاق عرضي أو إتعاب نفسي،. فإني أرى الذي أحفظ من هذه الثلاثة، وأن قل، أجل في العوض مما يضيع من مالي، ولو أنه كل ما ذرت عليه الشمس.
83 - أفضل نعم الله على العبد أن يطبعه على العدل وحبه وعلى الحق وإيثاره [فما استعنت على قمع هذه الطوالح الفاسدة وعلى كل خير
__________
(1) جاءت هذه الفقرة في ص على النحو التالي: عيب بعضهم بإتلاف ماله فقال إني لا أضيع منه الخ.

(1/357)


في الدين والدنيا الا بما في قوتي من ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله تعالى. وأما من طبع على الجور واستسهاله على الظلم واستخفافه فلييئس من أن يصلح نفسه او يقوم طباعه أبدا، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود. وأما الزهو والحسد والكذب والخيانة فلم أعرفها بطبعي قط، وكأنني لا حمد لي في تركها لمنافرة جبلتي إياها، والحمد لله رب العالمين].
84 - من عيب حب الذكر أنه يحبط الأعمال اذا احب عاملها أن يذكر بها وكاد يكون شركا، لانه يعمل لغير الله عز وجل، وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حبا للخير لكن ليذكر به.
85 - أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك، لأنه نبه على نقصك، وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك، ولقد انتصر لك من نفسه بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة.
86 - لو علم الناقص نقصه لكان كاملا.
87 - لا يخلو مخلوق من عيب. فالسعيد من قلت عيوبه ودفنت (1) .
87 - أكثر ما يكون ما لم تظن، والحزم هو التأهب لما تظن. فسبحان مرتب (2) ذلك ليري الإنسان عجزه وافتقاره إلى خالقه.
__________
(1) د: ودقت.
(2) م: من رتب.

(1/358)


4 - فصل في الإخوان والصداقة والنصيحة
89 - استبقاك من عاتبك، وزهد فيك من استهان بشأنك (1) .
90 - العتاب للصديق كالسبك للسبيكة، فإما تصفو وإما تطير.
91 - من طوي من إخوانك سره الذي يعنيك دونك أخون لك ممن أفشى سرك، لأن من أفشى سرك فإنما خانك فقط، ومن طوى سره دونك منهم فقد خانك واستخونك.
92 - لا ترغب فيمن يزهد فيك فتحصل على الخيبة والخزي.
93 - لا تزهد فيمن يرغب فيك، فإنه باب من أبواب الظلم وترك مقارضة الاحسان، وهذا قبيح.
94 - من امتحن بان يخالط الناس فلا يكون (2) توهمه كله إلى من صحب ولا يبيت (3) منه إلا على أنه عدو مناصب، ولا يصبح كل غداة إلا وهو مترقب من غدر إخوانه وسوء معاملتهم مثل ما يترقب من العدو المكاشف. فإن سلم من ذلك، فلله الحمد، وإن كانت الأخرى ألفي متأهبا ولم يمت هما.
[وأنا أعلمك أن بعض من خالصني المودة وأصفاني إياها غاية
__________
(1) د: بسيآتك.
(2) م: فلا يلق.
(3) ص: يبين.

(1/359)


الصفاء في حال الشدة والرخاء والسعة والضيق والغضب والرضى، تغير علي أقبح تغير بعد اثني عر عاما متصلة في غاية الصفاء، ولسبب لطيف جدا ما قدرت قط أنه يؤثر مثله في أحد من الناس، وما صلح لي بعدها، ولقد أهمني ذلك سنين كثيرة هما شديدا].
فلا تستعجل مع هذا سوء المعاملة فتلحق بذوي الشرارة من الناس وأهل الخب منهم. ولكن ها هنا طريق وعرة المسلك شاقة المتكلف، يحتاج سالكها إلى أن يكون أهدى من القطا وأحذر من العقعق (1) حتى يفارق الناس راحلا إلى ربه تعالى، وهذه الطريق هي طريق الفوز في الدين والدنيا [يحرز صاحبها صفاء نيات ذوي النفوس السليمة والعقود الصحيحة، البراء من المكر والخديعة، ويحوي فضائل الأبرار وسجايا الفضلاء، ويحصل مع ذلك على سلامة الدهاة وتخلص الخبثاء ذوي النكراء والدهاء]، وهي أن تكتم سر كل من وثق بك، وأن لا تفشي إلى من إخوانك ولا من غيرهم من سرك ما يمكنك طيه بوجه ما من الوجوه وإن كان أخص الناس بك، وان تفي لجميع من ائتمنك، ولا تأتمن أحدا على شيء من أمرك تشفق عليه إلا عن ضرورة لا بد منها، فارتد حينئذ واجتهد وعلى الله تعالى الكفاية. وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك أو لم يسألك ولكل من احتاج إليك وأمكنك نفعه لم يعتمدك بالرغبة. ولا تشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك عز وجل. ولا تبت إلا على أن أول من أحسنت إليه أول مضر بك وساع (2) عليك، فإن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون، لشدة الحسد، كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم. وعامل كل أحد في الإنس أجمل معاملة وأضمر
__________
(1) أهدى من القطا وأحذر من العقعق، انظر الدرة الفاخرة: 441 وفي اهتداء القطا يقول الشاعر: " تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا " .
(2) ص: وتسارع.

(1/360)


السلو عنه إن حلت بعض الآفات التي تأتي مع مرور الأيام والليالي تعش سالما مستريحا.
95 - لا تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الاجابة، ولا تهب على شرط الإثابة، لكن على سبيل استعمال الفضل وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف.
96 - حد الصداقة الذي يدور على طرفي محدوده هو أن يكون المرء يسوءه ما ساء الآخر، ويسره ما سره. فما سفل عن هذا فليس صديقا ومن حمل هذه الصفة فهو صديق. وقد يكون المرء صديقا لمن ليس صديقه - وإنما الذي يدخل في باب الاضافة، فهو المصادقة فهذا يقتضي فعلا من فاعلين - إذ قد يحب الانسان من يبغضه، وأكثر من ذلك في الآباء مع الأبناء، وفي الاخوة مع اخوتهم، وبين الأزواج، وفيمن صارت محبته عشقا. وليس كل صديق ناصحا، لكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه. و [حد] (1) النصيحة هو أن يسوء المرء ما ضر الآخر ساء ذلك الآخر أم سره. وأن يسره ما نفعه سر الآخر أم ساءه. فهذا شرط في النصيحة زائد على شروط الصداقة. وأقصى غايات الصداقة التي لا مزيد عليها من شاركك بنفسه وماله لغير علة توجب ذلك، وآثرك على من سواك. ولولا أني شاهدت مظفرا ومباركا (2)
__________
(1) زيادة من م.
(2) مظفر ومبارك: من موالي العامريين، استقلا ببلنسية بعد ما انفرط الأمر في الفتنة البربرية بالأندلس، وابن حزم يشير إلى صداقة فذة ربطت بينهما رغم ما قد تثيره الشركة في الحكم من تنافس، وتحدث ابن حيان عن ذلك بقوله: " ثم بلغ من سياسة هين العبدين الفدمين، مبارك ومظفر، في مدة امارتهما، إلى أن تقارضا من صحة الألفة فيها طول حياتهما بما فاتا في معناهما أشقاء الأخوة، وعشاق الأحبة، فنزلا يومئذ معا في سلطانهما قصر الامارة مختلطين يجمعهما في أكثر أوقاتهما مائدة واحدة، ولا يتميز أحدهما عن الآخر في عظيم ما يستعملانه من كسوة وحلية وفراش ومركوب وآلة، ولا ينفردان إلا في الحرم خاصة " (الذخيرة 3/1: 15).

(1/361)


صاحبي بلنسية، لقدرت أن ها الخلق معدوم في زماننا، ولكني ما رأيت قط رجلين استوفيا جميع أسباب الصداقة مع تأتي الأحوال الموجبة للفرقة غيرهما.
97 - ليس شيء من الفضائل أشبه بالرذائل من الاستكثار من الاخوان والأصدقاء. فإن ذلك فضيلة تامة مركبة، لأنهم لا يكتسبون إلا بالحلم والجود والصبر والوفاء والاستضلاع والمشاركة والعفة وحسن الدفاع وتعليم العلم، وبكل حالة محمودة. ولسنا نعني الشاكرية (1) والاتباع أيام الحرمة، [فأولئك لصوص الاخوان وخبث الأصدقاء، والذين يظن أنهم أولياء وليسوا كذلك، ودليل ذلك] انحرافهم عند انحراف الدنيا (2) ، ولا نعني المصادقين لبعض الاطماع، ولا المتنادمين على الخمر والمجتمعين على المعاصي والقبائح ونيل أعراض الناس والفضول وما لا فائدة فيه. فليس هؤلاء أصدقاء، لنيل بعضهم من بعض وانحرافهم (3) عند فقد تلك الرذائل التي جمعتهم، وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله عز وجل، [إما للتناصر على بعض الفضائل الجدية وإما لنفس المحبة المجردة فقط. ولكن] إذا حصلت عيوب الاستكثار منهم [وصعوبة الحال في إرضائهم والغرر في مشاركتهم] وما يلزمك من الحق لهم عند نكبة تعرض لهم [فإن غدرت بهم أو أسلمتهم لؤمت وذممت، وإن وفيت أضررت بنفسك وربما هلكت، وهذا الذي لا يرضي الفاضل بسواه إذا تنشب في الصداقة، وإذا تفكرت في الهم بما يعرض لهم وفيهم من] موت أو فراق، أو غدر من يغدر منهم كان السرور بهم لا يفي بالحزن الممض من أجلهم. وليس في الرذائل شيء أشبه بالفضائل من محبة المدح، لأنه
__________
(1) الشاكري: الأجير؛ قيل أنه معرب " جاكر " ومعناه " السخري " .
(2) ص: ولسنا نعني الشاكرية والاتباع أيام الدنيا لانحرافهم عند انحراف الدنيا.
(3) د: فليس هؤلاء أصدقاء، ودليل ذلك أن بعضهم ينال من بعض وينحرف عنه.

(1/362)


في الوجه سخف ممن يرضى به [وقد (1) جاء في الاثر في المداحين ما جاء]، إلا أنه قد ينتفع به في الاقصار عن الشر والتزيد من الخير وفي أن يرغب في مثل ذلك الخلق الممدوح من سمعه. ولقد صح عندي أن بعض السائسين للدنيا لقي رجلا من أهل الأذى للناس، وقد قلده (2) بعض الأعمال بالجميل والرفق منتشرا، فكان ذلك سببا إلى إقصار ذلك الفاسق عن كثير من شره.
98 - بعض أنواع النصيحة يشكل تمييزه من النميمة لأن من سمع إنسانا يذم آخر ظالما له أو يكيده ظالما له فكتم ذلك على وجهه كان ربما قد ولد على الذام (3) والكائد ما لم يبلغ استحقاقه بعد من الأذى فيكون ظالما له، وليس من الحق أن يقتص من الظالم بأكثر من قدر ظلمه. والتخلص من هذا الباب صعب إلا على ذوي العقول. والرأي للعاقل في مثل هذا أن يحفظ المقول فيه من القائل فقط دون أن يبلغه ما قال لئلا يقع في الاسترسال إليه فيهلك. وأما في الكيد، فالواجب أن يحفظه من الوجه الذي يكاد منه بألطف ما يقدر في الكتمان على الكائد، وأبلغ ما يقدر في تحفيظ المكيد، ولا يزد على هذا شيئا. وأما النميمة فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلغ إليه، وبالله تعالى التوفيق.
99 - النصيحة مرتان، فالأولى فرض وديانة والثانية تنبيه وتذكير، وأما الثالثة فتوبيخ وتقريع وليس وراء ذلك إلا الركل واللطام (4) ، وربما
__________
(1) يشير الى مثل قوله (ص): " اذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " (كشف الخفاء 1: 94) وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن المقداد بن الأسود، والطبراني وابن حبان عن ابن عمر، والحاكم في الكنى عن أنس.
(2) د: قلد.
(3) ص: على الدوام، واعتمدت قراءة د.
(4) ص: واللكام.

(1/363)


أشد من لك من الغي والأذى، اللهم إلا في معاني الديانة. فواجب على المرء ترداد النصح، رضي المنصوح أو سخط، تأذى الناصح بذلك أو لم يتأذ.
100 - إذا نصحت فانصح سرا لا جهرا أو بتعريض لا بتصريح إلا لمن لا يفهم، فلا بد من التصريح له (1) .
101 - ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه، فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة (2) لا مؤدي حق ديانة وأخوة، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة، ولكن حكم الأمير مع رعيته والسيد مع عبيده.
102 - لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له من نفسك فإن طلبت أكثر فأنت ظالم.
103 - لا تكسب إلا على شرط الفقد، ولا تتول إلا على شرط العزلة (3) وإلا فأنت مضر بنفسك خبيث السيرة.
104 - مسامحة أهل الاستئثار والاستغنام والتغافل لهم ليس مروءة ولا فضيلة، بل هو مهانة وضعف وتضرية لهم على التمادي على ذلك الخلق المذموم وتغبيط لهم به وعون لهم على فعل ذلك السوء؛ وإنما تكون المسامحة مروءة لأهل الإنصاف المبادرين إلى المسامحة (4) والايثار، فهؤلاء فرض على أهل الفضل أن يعاملوهم بمثل ذلك، لا سيما إن كانت حاجتهم أمس وضرورتهم أشد. فإن قال قائل: فإذا كان كلامك هذا موجبا لاسقاط المسامحة والتغافل للإخوان، فقد استوى الصديق والعدو والأجنبي في المعاملة، وهذا إفساد ظاهر،
__________
(1) م: إلا أن لا يفهم المنصوح تقريضا.
(2) م: وطالب طاعة وملك.
(3) د: العزل.
(4) ص: المبادرون لأهل المسامحة، والتصويب عن م.

(1/364)


فنقول، وبالله التوفيق: كلا ما نحض (1) إلا على المسامحة والايثار والتغافل - ليس لأهل التغنم - لكن للصديق حقا، فإن أردت معرفة وجه العمل في هذا والوقوف على نهج الحق فإن القضية (2) التي توجب الأثرة من المرء (3) على نفسه صديقه ينبغي لكل واحد من الصديقين أن يتأمل ذلك النازل (4) ، فأيهما كان أمس حاجة فيه وأظهر ضرورة لديه، فحكم الصداقة والمروءة تقتضي للآخر وتوجب عليه أن يؤثر على نفسه في ذلك، فأن لم يفعل فهو متغنم (5) مستكثر، لا ينبغي أن يسامح البتة، إذ ليس صديقا ولا أخا. فأما إذا استوت حاجتهما واتفقت ضرورتهما، فحق الصداقة ههنا أن يسارع كل واحد منهما إلى الأثرة على نفسه، فإن فعلا ذلك فهما صديقان، وإن بدر أحدهما إلى ذلك ولم يبادر الآخر إليه، فإن كانت عادته هذه فليس صديقا ولا ينبغي أن يعامل معاملة الصداقة، وإن كان قد يبادر هو أيضا إلى مثل ذلك في قضية أخرى فهما صديقان.
105 - من أردت قضاء حاجته بعد أن سألك إياها أو أردت ابتداءه بقضائها، فلا تعمل له إلا ما يريد هو لا ما تريد أنت، وإلا فأمسك. فإن تعديت هذا كنت مسيئا لا محسنا، ومستحقا للوم منه ومن غيره لا للشكر، ومقتضيا للعداوة لا للصداقة.
106 - لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ولا ينتفع بمعرفته، بهذا فعل الأراذل (6) ، ولا تكتمه ما يستضر بجهله فها فعل أهل الشر.
__________
(1) د: فنقول وبالله تعالى التوفيق كلاما ما نحض
(2) ص: القصة.
(3) ص: الأمر.
(4) د: الأمر.
(5) ص: معتم، والتصويب عن م.
(6) ص: الادراك.

(1/365)


107 - لا يسرك أن تمدح بما ليس فيك، بل ليعظم (1) غمك بلك لأنه نقصك ينبه الناس عليه ويسمعهم إياه وسخرية منك وهزء بك، ولا يرضى بهذا إلا أحمق ضعيف العقل. ولا تأس إن ذممت بما ليس فيك، بل افرح به، فإنه فضلك ينبه الناس عليه. ولكن افرح إذا كان فيك ما تستحق به المدح، وسواء مدحت به أو لم تمدح. واحزن إذا كان فيك ما تستحق به الذم، وسواء ذممت به أو لم تذم.
108 - من سمع قائلا يقول في امرأة صديقه قول سوء فلا يخبره بذلك أصلا، لا سيما إن كان القائل عيابة وقاعا في الناس، سليط اللسان أو دافع معرة (2) عن نفسه يريد أن يكثر أمثاله في الناس، وهذا كثير موجود؛ وبالجملة فلا يحدث الانسان (3) إلا بالحق، وقول هذا القائل لا يدري أحق هو أم باطل، إلا أنه في الديانة عظيم، فإن سمع القول مستفيضا من جماعة وعلم أن أصل ذلك القول شائع وليس راجعا إلى قول إنسان واحد، أو اطلع على حقيقة، إلا انه لا يقدر أن يوقف صديقه على ما وقف هو عليه، فليخبره بذلك بينه وبينه في رفق، وليقل له: النساء كثير، أو حصن منزلك وثقف أهلك واجتنب أمر كذا وتحفظ من وجه كذا، فإن قبل المنصوح وتحرز، فحظ نفسه أصاب، وإن رآه لا يتحفظ ولا يبالي أمسك ولم يعاوده بكلمة، وتمادى على صداقته إياه، فليس في أن لا يصدقه في قوله ما يوجب قطيعته؛ فإن اطلع على [حقيقة] وقدر أن يوقف صديقه على مثل (4) ما وقف هو عليه من الحقيقة، ففرض عليه أن يخبره بذلك وأن يوقفه على الجلية، فإن غير ذلك، وإن رآه لا يغير (5) فليتجنب صحبته، فإنه رذل
__________
(1) ص: لتعظيم.
(2) م: مغرم.
(3) ص: الناس، وأثبت قراءة د.
(4) م: جل.
(5) ص: يتغير.

(1/366)


لا خير فيه ولا بقية (1) . ودخول رجل مستتر في منزل المرء دليل سوء لا يحتاج إلى غيره، ودخول المرأة في منزل رجل على سبيل التستر مثل ذلك أيضا، وطلب دليل أكثر من هذين سخف. وواجب أن يجتنب مثل هذه المرأة، وفراقها على كل حال، وممسكها لا يبعد عن الديانة.
109 - الناس في بعض أخلاقهم على سبع مراتب: فطائفة تمدح في الوجه وتذم في المغيب، وهذه صفة أهل النفاق والعيابين، وهذا خلق فاش في الناس غالب عليهم. وطائفة تذم في المشهد والمغيب، وهذه صفة أهل السلاطة والوقاحة من العيابين. وطائفة تمدح في الوجه والمغيب وهذه صفة أهل الملق والطمع. وطائفة تذم في المشهد وتمدح في المغيب، وهذه صفة أهل السخف والنواكة. وأما أهل الفضل فيمسكون عن المدح والذم في المشاهدة، ويثنون بالخير في المغيب أو يمسكون عن الذم. وأما العيابون البرآء من النفاق والقحة، فيمسكون في المشهد ويذمون في المغيب. وأما أهل السلامة فيمسكون عن المدح وعن الذم في المشهد والمغيب، ومن كل من أهل هذه الصفات قد شاهدنا وبلونا.
110 - إذا نصحت ففي الخلاء وبكلام لين، ولا تسند سب من تحدثه إلى غيرك فتكون نماما. فإن خشنت كلامك في النصيحة فذلك إغراء وتنفير. وقد قال تعالى: (فقولا له قولا لينا) (طه: 44) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تنفر " (2) . وإن نصحت بشرط القبول منك فأنت ظالم ولعلك مخطئ في وجه نصحك فتكون مطالبا بقبول خطئك وبترك الصواب.
11 - لكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك (3) أهل الجهل
__________
(1) د: بغية.
(2) ورد النهي عن التفسير في عدة مواطن من الحديث، انظر مسند أحمد 3: 209، 4: 399.
(3) المحك: المنازعة في الكلام، والتمادي في اللجاجة والاغضاب.

(1/367)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية