صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

وكان مالك - رحمه الله - يعجبه مذهب بن عمر وورعه ولذلك كان يكره لباس الخز والله أعلم
ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني معتمر بن سليمان عن حميد قال سئل أنس عن الحرير قال أعوذ بالله من شره كنا نسمع أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة
وحدثني أبو معاوية عن سعيد عن قتادة عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري قال من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة
قال وحدثني معمر عن يونس عن الحسن أنه كان يكره قليل الحرير وكثيره
وهذا كله حجة لمالك ومن تبعه
وأما الشافعي - رحمه الله - فأباح لباس قباء محشو بقز لأن القز باطن فكأن الملبوس عنده المكروه من الحرير ما كان ظاهرا والله أعلم لأن الأصل في الكراهة الواردة في الشبهة بزي الأعاجم والشهرة بذلك
والله أعلم
ومثل هذا حديث صفوان بن عبد الله بن صفوان أن سعد بن أبي وقاص استأذن على بن عباس وعليه مطرف خز شطره حرير فقال له في ذلك فقال إنما يلي جلده منه الخز
وقال أبو حنيفة لا بأس بلبس ما كان سداؤه حريرا ولحمته غير حرير
قال أكره ما كان لحمته حريرا وسداه غير حرير
وقال محمد بن الحسن لا بأس بلباس الخز ما لم يكن فيه شهرة فإن كان فيه شهرة فلا خير فيه
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني عباد بن العوام عن حصين قال

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:322
كتب عمر بن عبد العزيز لا تلبس من الحرير إلا كما كان سداه قطنا أو كتانا
قال أبو عمر نهى رسول الله عن لباس الحرير فقال هو حرام على ذكور أمتي حلال على إناثهم
وأجمع السلف والخلف من العلماء على أنه إذا كان الثوب حريرا كله فإنه لا يجوز للرجال لباسه
ولبس الخز جماعة من جلة السلف وكان الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - لا يلبسون الخز لأنه بعيد من الزهد داعية إلى الزهو مضارع لزي العجم

(9/296)


واختلف أئمة الفتوى من فقهاء الأمصار في لباس الخز وأعلام الحرير على نحو اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - وكلهم مجمعون على أن ثوب الحرير إذا لم يخالطه غيره فلا يجوز للرجال لبسه على ما قدمنا ذكره عنهم
وما عدا ذلك من الثياب التي يتزين بها ويتجمل بلباسها فغير حرام شيء منها إلا أن من ترك المباح منها تواضعا لله وزهدا في الدنيا واستسهل الخشونة في مطعمه وملبسه رضى بالدون من ذلك فتلك منزلة أخرى
وأما الحرام فلا يطلق إلا على ما حرمه الله ورسوله قال الله عز وجل قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبت من الرزق الأعراف 32
قال رجل للحسن البصري يا أبا سعيد إنا قد أرضى الله علينا ووسع الله علينا فتناول من كسوة وطيب ما لو شئنا اكتفينا بدونه فما تقول قال أيها الرجل إن الله تعالى قد أدب أهل الأيمان فأحسن أدبهم قال لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاته الله الطلاق 7 وأن الله ما عذب قوما أعطاهم الدنيا فشكروه ولا عذر قوما ذوى عنهم الدنيا فعصوه
وقال بكر بن عبد الله المزني البسوا ثياب الملوك وأشعروا قلوبكم الخشية
وقد كان القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يلبس الخز
وكان سالم بن عبد الله بن عمر يلبس الصوف وكانا يتجالسان في المسجد لا ينكر واحد منهما على صاحبه لباسه
وقد كره العلماء من اللباس الشهرتين وذلك الإفراط في البذاذة وفي الإسراف والغلو
وقد روينا عن الحسن البصري - رحمه الله - أنه قال إن قوما جعلوا خشوعهم

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:323
في لباسهم وكبرهم في صدورهم وشهروا أنفسهم بلباس هذا الصوف حتى إن أحدهم بما يلبس من هذه الصوف أشد كبرا من صاحب المطرف بمطرفه
وقال رجل لإبراهيم النخعي ما ألبس من الثياب فقال ما لا يشهرك عند العلماء ولا يحقرك عند السفهاء
وقال محمود الوراق
تصوف فازدهى بالصوف جهلا

(9/297)


وبعض الناس يلبسه مجانه
يريد مهابة ويجن كبرا
وليس الكبر من شكل المهابه
ولهلال بن عبد الله الرقي وكان من العلماء
أجد الثياب إذا اكتسيت بها
زين الرجال بها تهاب وتكرم
ودع التواضع في اللباس تحريا
فالله يعلم ما تكن وتكتم
فدني ثوبك لا يزيدك زلفة
عند الإله وأنت عبد مجرم
وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن
تخشى الإله وتتقي ما يحرم
وفي هذا الحديث معان ظاهرة وقد ذكرتها وذكرت الشواهد عليها في التمهيدمنها جواز الهدية والصلة للأقارب وإن كانوا كفارا لقوله فكساها أخا له مشركا بمكة
1703 - مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه قال قال أنس بن مالك رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المدينة وقد رفع بين كتفيه برقع ثلاث لبد بعضها فوق بعض
قال أبو عمر كان هذا من عمر - رضي الله عنه - زهدا في الدنيا ورضي بالدون منها كانت تلك حاله في نفسه وكان يبيح لغيره ما أباح الله لهم فقال إذا وسع عليكم فأوسعوا على أنفسكم جمع امرؤ عليه ثيابه
وإنما يحمل الزهد في الدنيا لمن قدر عليها
وكان عمر في خلافته أشد زهدا منه قبل أن يلي الخلافة
وكذلك كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله
وكان أبو بكر - رضي الله عنه - قبله على نحو ذلك وكان يلبس الثياب حتى عرف به ولذلك قالت غطفان في الردة ما كنا نبايع صاحب الكساء

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:324
وكان علي - رضي الله عنه - مخشوشنا في لباسه ومطعمه على طريقة عمر كان قميصه إلى نصف ساقه وكمه إلى أطراف أصابع يديه وكلم في ذلك فقال هو أخشع للقلب وأبعد من الكبر وأحرى أن يقتدي به المؤمن
وكان سلمان وأبو ذر في غاية من الزهد في الدنيا والرضا باليسير منها
والروايات عن عمر وعلي وسلمان وأبي ذر بما وصفنا كثيرة جدا
وروي من حديث مالك بن دينار عن نافع عن بن عمر أنه رأى أباه يرمي جمرة العقبة وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم

(9/298)


وروي عن الحسن عن أنس عن عمر مثله
وفي كتابه إلى عتبة بن فرقد وهو أمير له بالبصرة تمعددوا واخشوشنوا وأقطعوا الركب أي تشبهوا بأبيكم معد وليكن طعامكم ولباسكم خشنا وخلقا
وقوله وأقطعوا الركب
ليثبوا على الخيل من الأرض
وقد ذكرنا هذا الخبر عن عمر - رضي الله عنه - من طرق في التمهيد
قال أبو عمر روى حاتم بن عثمان المعافري قال سمعت مالك بن أنس يقول حياة الثوب طيه وعينه بسطه
ذكره سليمان بن سالم عن داود بن يحيى عن حاتم

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:325
1 ( 49 كتاب صفة النبي )
1 ( 1 - باب ما جاء في صفة النبي )
1704 - مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول كان رسول الله ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالأبيض الأمهق ( 1 ) ولا بالآدم ( 2 ) ولا بالجعد ( 3 ) القطط ( 4 ) ولا بالبسط ( 5 ) بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله - عز وجل - على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء
قال أبو عمر رواه عن ربيعة - كما رواه مالك - جماعة منهم الأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري وعمارة بن غزية وأنس بن عياض وسعيد بن أبي هلال وسليمان بن بلال وعبد العزيز بن أبي سلمة
وأما قوله ليس بالطويل البائن فإنه ليس بالمشرف في الطول والمتفاوت في الشطاط الذي يكاد يضطرب من طوله وذلك عيب في الرجال والنساء يقول فلم يكن رسول الله كذلك

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:326
والأمهق الأبيض الذي بياضه لا إشراق فيه كأنه البرص لا يخالطه شيء من الحمرة وذلك أيضا عيب
والآدم الأسمر والأدمة السمرة
والجعد القطط الذي شعره من شدة الجعودة كالمحترق يشبه شعور أهل الحبشة

(9/299)


والسبط المرسل الشعر الذي ليس في شعره شيء من التكسر فهو جعد رجل كأنه دهره قد رجل شعره بالمشط
أما قوله بعثه الله على رأس أربعين سنة فقد ذكرنا في التمهيد من تابع أنس بن مالك على ذلك من الصحابة وغيرهم ومن خالفهم فيه وذكرنا الأسانيد هناك عن ربيعة وعن كل من رواه عن أنس كروايته
وممن قال إن رسول الله بعث على رأس أربعين كما قال أنس وأبو هريرة وقباث بن أشيم ومحمد بن جبير بن مطعم وعروة بن الزبير وعطاء الخرساني
وكذلك روى هشام بن حسان عن عكرمة عن بن عباس
وممن قال إن رسول الله بعث على رأس ثلاث وأربعين بن عباس من رواية هشام الدستوائي عن عكرمة عن بن عباس وسعيد بن المسيب
رواه حماد بن زيد ويزيد بن هارون وجرير بن عبد الحميد كلهم عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال أنزل الوحي على رسول الله وهو بن ثلاث وأربعين
هذه رواية عبيد الله بن عمر القواريري عن حماد بن زيد وافق يزيد بن هارون وجريرا في ذلك وخالفه محمد بن الفضل عارم عن حماد بن زيد على ما نذكره بعد إن شاء الله عز وجل
وقد ذكرنا الأسانيد بكل ما في هذا الباب عن من ذكرنا عنه فيه شيئا في التمهيد
وأما مكثه بمكة ففي قول أنس من رواية ربيعة ومن رواية أبي غالب أنه مكث بمكة عشر سنين
وكذلك روى أبو سلمة عن عائشة وبن عباس
وهو قول عروة والشعبي والحسن وبن شهاب وعطاء الخرساني

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:327
وكان عروة ينكر قول من قال أقام بمكة ثلاث عشرة
وروى عكرمة وأبو حمزة وكريب وعمرو بن دينار كلهم عن بن عباس أن رسول الله أقام بمكة بعد أن بعث ثلاث عشرة سنة
وهو الصحيح عن بن عباس
وهو قول سعيد بن المسيب وأبي جعفر محمد بن علي ويشهد له قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس
ثوى في قريش بضع عشرة حجة
يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
في أبيات قد ذكرتها في كتاب الصحابة

(9/300)


قال أبو عمر لا خلاف بين العلماء بالسير والآثار أن رسول الله ولد عام الفيل إذ ساقه الحبشة إلى مكة يغزون البيت
وقد ذكرنا كثيرا من أخباره وسيره في صدر كتاب الصحابة والحمد الله كثيرا
واختلف في سنة يوم مات
فروى ربيعة وأبو غالب عن أنس أن رسول الله توفي وهو بن ستين سنة
وهو قول عروة
وروى حميد عن أنس قال توفي رسول الله وهو بن خمس وستين سنة
ذكره أحمد بن زهير عن المثنى بن معاذ عن بشر بن المفضل عن حميد عن أنس
وروى أبو مسلم المستملي عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس مثله أن رسول الله توفي وهو بن خمس وستين سنة
ورواه غير أبي مسلم عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن دغفل بن حنظلة أن النبي قبض وهو بن خمس وستين سنة
حدثنا خلف بن قاسم قال حدثني عبد الرحمن بن عمر قال حدثني أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال حدثني عبيد الله بن عمر قال حدثني معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن دغفل بن حنظلة أن النبي توفي وهو بن خمس وستين سنة

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:328
قال أبو عمر يقولون دغفل لم يدرك النبي ولا يعرف للحسن منه سماع في ما ذكروا والله أعلم
وذكر البخاري عن أحمد - صاحب له - عن أبي غسان محمد بن عمرو الرازي زنيج عن حكام بن سلم عن عثمان بن زائدة عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال توفي رسول الله وهو بن ثلاث وستين سنة وأبو بكر وهو بن ثلاث وستين وعمر وهو بن ثلاث وستين ( 1 )
قال البخاري وهذا أصح عندي من حديث ربيعة
قال أبو عمر اختلف على بن عباس في هذا المعنى أكثر من الاختلاف على أنس
وروى شعبة عن يونس بن عبيد
وروى الثوري عن خالد الحذاء كلاهما عن عمار مولى بني هاشم عن بن عباس أن رسول الله توفي وهو بن خمس وستين
وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن بن عباس مثله

(9/301)


وروى الحسن بن صالح عن المنهال عن سعيد بن جبير عن بن عباس مثله
وروى علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن عباس مثله
وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومحمد بن سيرين وأبو حمزة وأبو حصين ومقسم وعمرو بن دينار وأبو طهمان كلهم عن بن عباس أن رسول الله توفي وهو بن ثلاث وستين ( 2 )
وروى شعبة وإسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن جرير أنه سمع معاوية يقول توفي رسول الله وهو بن ثلاث وستين
وروى موسى بن عقبة ويونس بن يزيد عن بن شهاب قال أخبرني عروة عن عائشة قالت توفي رسول الله وهو بن ثلاث وستين زاد يونس قال بن شهاب وأخبرني سعيد بن المسيب عن عائشة بمثل ذلك
قال أبو عمر هذا أصح ما في هذا الباب إن شاء الله ( عز وجل ) من جهة

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:329
الإسناد على أني أعجب من رواية هشام بن عروة وعمرو بن دينار عن عروة قوله إن رسول الله توفي وهو بن ستين سنة فكيف هذا والزهري يروي عنه عن عائشة أنه توفى وهو بن ثلاث وستين
قال أبو عمر يتفق على ثلاث وستين كل من قال نبئ النبي وهو بن أربعين وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة
وكل من قال بعث على رأس ثلاث وأربعين وأقام بمكة عشرا
وقد ذكرنا الأسانيد عن هؤلاء كلهم في التمهيد
ومنها ما ذكره يعقوب بن أبي شيبة قال حدثني عارم بن الفضل قال حدثني حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال توفي النبي وهو بن ثلاث وستين أنزل عليه القرآن وهو بن آربعين وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشرا
هكذا روى كريب مولى بن عباس وأبو حمزة وعمرو بن دينار وهذا لفظ كريب عن بن عباس قال أوحى الله إلى النبي وهو بن أربعين سنة فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشرا وتوفي وهو بن ثلاث وستين سنة
وأما شيبه فأكثر الروايات عنه على نحو حديث ربيعة عن أنس في تقليل شيبه وأن ذلك كان منه في عنفقته ( 1 )

(9/302)


وقد روي أنه كان يخضب وليس بقوي ولا صحيح أنه خضب لأنه لم يبلغ من الشيب ما يخضب له
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن وضاح إملاء قال حدثني يوسف بن عدي قال حدثني الوليد بن كثير عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سألت أو سئل أنس هل خضب رسول الله قال لم يدرك الخضاب ولكن خضب أبو بكر وعمر ( 2 )
حدثني خلف بن قاسم قال حدثني عبد الرحمن بن عمر قال حدثني أبو زرعة قال حدثني علي بن عياش قال حدثني حريز بن عثمان قال قلت لعبد

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:330
الله بن بسر أرأيت النبي قال نعم
قلت أشيخا كان قال كان في عنفقته شعرات بيض ( 1 )
ومن أحسن شيء في صفته ما
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثني محمد بن سعيد الأصبهاني قال حدثني عيسى بن يونس وحدثني عبد الوارث وسعيد قالا حدثني قاسم قال حدثني بن وضاح قال حدثني يوسف بن عدي وزهير بن عباد وبن أبي شيبة قالوا حدثنا عيسى بن يونس عن عمر بن عبد الله مولى غفرة عن إبراهيم بن محمد من ولد علي قال كان علي - رضي الله عنه - إذا نعت النبي قال لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد وكان ربعة من القوم ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم وكان في الوجه تدوير أبيض مشرب بحمرة أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكتد أجرد ذو مسربة شثن الكفين والقدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب وإذا التفت التفت معا بين كتفيه خاتم النبوة أجود الناس كفا وأجرأ الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس بذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله
قال أبو عمر قوله الممغط هو الطويل المديد فيما ذكر أهل اللغة ( 2 )

(9/303)


وقال الخليل الفرس المطهم التام الخلق
وقال أبو عبيد المشاش رؤوس العظام
وقال الخليل الكتد ما بين الثبج إلى منتصف الكاهل من الظهر
والمسربة شعرات تتصل من الصدر إلى السرة
حدثني سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني بن وضاح قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني الحسن بن موسى الأشيب قال حدثني حماد بن سلمة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي عن أبيه قال كان رسول الله ضخم الرأس عظيم العينين أهدب الأشفار مشرب العينين من حمرة كث اللحية أزهر اللون شثن الكفين والقدمين إذا مشى تكفى كأنما يمشي في صبب وإذا التفت التفت معا

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:331
قال أبو بكر وحدثني شريك عن عبد الملك بن عمير عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي - رضي الله عنه - أنه وصف النبي فقال كان عظيم القامة أبيض مشربا حمرة عظيم اللحية ضخم الكرابيس شثن الكفين والقدمين طويل المسربة كثير شعر الرأس رجله يتكفأ في مشيه كأنما ينحدر في صبب لا طويل ولا قصير لم أر قبله ولا بعده مثله
قال أبو عمر وقد أتينا من أوصافه ونعته والخبر عن هيئته في صدر كتاب الصحابة بما فيه شفاء وإشراف على المراد من ذلك والحمد لله كثيرا
1 ( 2 - باب ما جاء في صفة عيسى بن مريم عليه السلام والدجال )
1705 - مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال أراني الليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم ( 1 ) كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال له لمة ( 2 ) كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها ( 3 ) فهي تقطر ماء متكئا على رجلين أو على عواتق ( 4 ) رجلين يطوف بالكعبة فسألت من هذا قيل هذا المسيح بن مريم ثم إذا أنا برجل جعد قطط ( 5 ) أعور العين اليمني
كأنها عنبة طافية ( 6 ) فسألت من هذا فقيل لي هذا المسيح الدجال
قال أبو عمر لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه

(9/304)


وكذلك رواه أيوب عن نافع عن بن عمر عن النبي
ورواه بن شهاب عن سالم عن أبيه قال قال رسول الله بينا أنا نائم أطوف بالكعبة فذكر نحوه في صفة المسيح بن مريم وقال ثم ذهبت ألتفت فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين كأن عينيه عنبة طافية قلت من هذا قال الدجال وإذا أقرب الناس شبها به بن قطن رجل من خزاعة

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:332
وفي حديث جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي في صفة الدجال قصير أفحج جعد أعور مطموس العين ( 1 )
وفي حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس حديث الجساسة في صفة الدجال أعظم إنسان رأيناه خلقا وأشده وثاقا
وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس في ذلك فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض ( 2 )
وهذه كلها آثار ثابتة صحاح من جهة الإسناد والنقل
والآثار مختلفة في نتوء عينه وفي أي عينيه هي العوراء ولم يختلف في أنه أعور
والعنبة الطافية الممتلئة المنتفخة التي طفت على وجهه
وقد وصف النبي الدجال كما رآه في منامه ورؤياه ورؤيا الأنبياء مثله وحي ووصف عيسى بأنه آدم والأدمة لون العرب وهي السمرة في الرجال
وقد تقول العرب للأبيض من الإبل الآدم والآدم من الظباء عندهم هو لون التراب واللمة واللمة هي أكمل من الوفرة والوفرة ما بلغت الأذنين من شعر الرأس
وروى مجاهد عن بن عمر عن النبي في صفة المسيح أنه أحمر جعد عريض الصدر
والأحمر عند العرب الأبيض
قال رسول الله بعثت إلى الأحمر والأسود ( 3 )
وقال عكرمة في قول الله عز وجل وما جعلنا الرءيا التى أرينك إلا فتنة للناس الإسراء 60 قال أري إبراهيم وموسى وعيسى فذكر أن عيسى رجل أبيض نحيف مبطن كأنه عروة بن مسعود

(9/305)


وقد ذكرنا الآثار التي أشرنا إليها ها هنا في التمهيد بإسانيدها ومتونها وذكرنا من أخبار عيسى بن مريم - عليه السلام - هناك في رفعه وكيف كان الأمر في ذلك

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:333
ومعنى توفيه واختلاف العلماء فيه وقتله للدجال بباب لد بعد نزوله عند البيضاء بدمشق أخبارا حسنا وفي هذا كفاية والحمد لله كثيرا
وأهل السنة مصدقون بنزول عيسى في الآثار الثابتة بذلك عن النبي من نقل الآحاد العدول
وقوله ليهلن بن مريم بفج الروحاء حاجا أو معنمرا أو ليثنيهما ( 1 )
ومنه قوله ينزل عيسى بن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وتكون الدعوة لله رب العالمين
حدثني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني الحارث بن أبي أسامة قال حدثني روح بن عبادة قال حدثني سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب أن النبي كان يقول إن الدجال خارج وهو أعور العين الشمال عليها ظفرة غليظة وإنه يبرئ الأكمة والأبرص ويحيى الموتى ويقول للناس أنا ربكم فمن قال أنت ربي فقد فتن ومن قال ربي الله حتى يموت على ذلك فقد عصم من فتنته ولا فتنة عليه فيلبث في الأرض ما شاء الله ثم يجيء عيسى بن مريم من جهة المغرب مصدقا لمحمد وعلى ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة
ففي حديث سمرة هذا أعور العين الشمال
وفي حديث بن عمر أعور العين اليمنى
فالله أعلم
وقد روى محمد بن عبيد الطنافسي قال حدثني مجالد بن سعيد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري قال عين الدجال كأنها كوكب دري
يقولون أنه لم يرو محمد بن عبيد عن مجالد إلا هذا الحديث
1 ( 3 - باب ما جاء في السنة في الفطرة ( 2 ) )
1706 - مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة

--------------------------------------------------------------------------------

(9/306)


الاستذكار ج:8 ص:334
قال خمس من الفطرة تقليم الأظفاره وقص الشارب ونتف الإبطة وحلق العانة والاختتان
قال أبو عمر لم يختلف الرواة عن مالك في الموطأ في توقيف هذا الحديث على أبي هريرة
وروى بشر بن عمر عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن النبي وهو حديث محفوظ من حديث أبي هريرة مرفوعا إلى النبي من رواية الثقات الأئمة منها حديث بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي سمعه يقول خمس من الفطرة الختان والاستحداد وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط ( 1 )
قال أبو عمر الاستخداد حلق العانة وقد ذكرناه من طرق في التمهيد ومثله لا يقال بالرأي
وقد روى أن قص الشارب والاختتان مما ابتلى به إبراهيم
وقد ذكرنا في التمهيد أقوال العلماء وتأويل القرآن في معنى قوله عز وجل وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمت فأتمهن البقرة 124
وهذا الحديث يفسر قوله أحفوا الشارب ( 2 ) وبان بحديث هذا الباب أن المراد من الإحفاء هو قص الشارب
قال مالك في هذا الباب من الموطأ يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل بنفسه
وذكر بن عبد الحكم عن مالك أنه قال ليس إحفاء الشارب حلقه وأرى أن يؤدب من حلق شاربه
وروى أشهب عن مالك قال حلقه من البدع

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:335
وقال بن القاسم عن مالك حلق الشارب عندي مثلة
قال قال مالك وتفسير حديث النبي في إحفاء الشارب إنما هو الإطار وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه
حدثني أحمد بن عبد الله قال حدثني أبي قال حدثني محمد بن فطيس قال حدثني يحيى بن إبراهيم قال حدثني أصبغ بن الفرج قال حدثني عيسى بن يونس عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه قال السنة في الشارب الإطار
وروى هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن بن عباس أنه قال من السنة قص الأظفار والأخذ من الشارب وحلق العانة ونتف الإبط وأخذ العارضين

(9/307)


قال أبو عمر خالف أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم مالكا في إحفاء الشوارب
وسنذكر أقوالهم عند قوله أحفوا الشوارب في باب السنة في الشعر من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى
ولا خلاف بين العلماء في قص الأظفار ونتف الإبط وحلقه لمن صعب عليه النتف ولا في الاختتان أن كل ذلك عندهم سنة مسنونة مجتمع عليها مندوب إليها
إلا الختان فإن بعضهم جعله فرضا واحتج بأن إبراهيم اختتن وأن الله - عز وجل - أمر نبيه أن يتبع ملة إبراهيم
ولا حجة فيما احتج به لأن من ملة إبراهيم سنة وفريضة وكل يتبع على وجهه ولا وقت مالك ولا جمهور العلماء في قص الأظفار ولا في حلق العانة وقتا لا يتعداه وحسبه إذا طال ظفره وشعره قطع ذلك وألقاه عنه
وقد ذكرنا في التمهيد حديث أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال وقت لنا رسول الله في قص الشارب وحلق العانة وتقليم الأظفار ونتف الآباط في كل أربعين يوما ( 1 )
وقال به قوم وهو حديث ليس بالقوي انفرد به جعفر بن سليمان الضبعي عن أبي عمران الجوني عن أنس لا يعرف إلا من هذا الوجه

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:336
وليس جعفر بن سليمان بحجة عندهم فيما انفرد به لسوء حفظه وكثرة غلطه وإن كان رجلا صالحا
وأكثر الرواة لهذا الحديث إنما يذكرون فيه حلق العانة خاصة دون تقليم الأظفار وقص الشارب
وأما الاختتان فذكر مالك في هذا الباب من الموطأ
1707 - عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال كان إبراهيم أول الناس ضيف الضيف وأول الناس اختتن وأول الناس قص الشارب وأول الناس رأى الشيب فقال يا رب ما هذا فقال الله تبارك وتعالى وقار يا إبراهيم
فقال رب زدني وقارا
قال أبو عمر كانت العرب تختتن في زمن إسماعيل ودليل ذلك في حديث بن شهاب عن عبيد الله عن بن عباس عن أبي سفيان بن حرب
في حديث هرقل وكانت اليهود تختتن وذلك من شرعهم أيضا

(9/308)


وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه سمعه يقول اختتن إبراهيم بالقدوم وهو بن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة ( 1 )
وهو في أول هذا الباب عند القعنبي وجماعة من رواة الموطأ موقوفا على أبي هريرة
ورواه الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال اختتن إبراهيم وهو بن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة
ورواه قوم كما رواه مالك مرفوعا عن أبي هريرة ومنهم من أوقفه على سعيد بن المسيب
وهو حديث مرفوع مسند إلى النبي من حديث بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:337
ومن حديث المغيرة بن عبد الرحمن الخزاعي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي
وروى يونس عن بن شهاب قال كان الرجل إذا أسلم يؤمر بالختان وإن كان كبيرا
وكان عطاء يقول لا يتم إسلامه حتى يختتن
ورأى مالك والشافعي وأبو حنيفة للكبير أن يختتن إذا أسلم واستحبوه للنساء
وقال بن القاسم قال مالك من الفطرة ختان الرجال والنساء
وقال النساء في قص الأظفار وحلق العانة كالرجال
وقال سفيان بن عيينة قال لي سفيان الثوري أيحفظ في الختان وقتا قلت لا وقلت له أتعرف أنت فيه وقتا قال لا
وروي عن بن عباس وجابر بن زيد وعكرمة أن الأقلف لا تؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته
قال أبو عمر جمهور أهل العلم لا يرون بأكل ذبيحته بأسا إذا وقعت بها الزكاة كاملة
وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الكبير أن لا يختتن
واختلف محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وسحنون في الشيخ الكبير يسلم فقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم إذا ضعف وخاف على نفسه كان له ترك الختان
وقال سحنون لا يترك الختان وإن خاف على نفسه
واختلفوا في الذي يولد مختونا فقالت طائفة يجرى عليه الموسي وإن كان فيه ما يقطع قطع
وقال آخرون قد كفى الله فيه المؤنة

(9/309)


وقد زدنا هذا المعنى بيانا في التمهيد والحمد لله كثيرا
1 ( 4 - باب النهي عن الأكل بالشمال )
1708 - مالك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله السلمي أن رسول الله

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:338
نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يمشي في نعل واحدة وأن يشتمل الصماء ( 1 ) وأن يحتبي ( 2 ) في ثوب واحد كاشفا عن فرجه
قال أبو عمر الأكل بالشمال يأتي القول فيه بعد في هذا الباب وقد مضى القول في المشي في نعل واحدة وأما اشتمال الصماء فقد فسرها أهل اللغة وفسرها الفقهاء وأتى في الآثار تفسيرها وهو أعلى ما في ذلك
قال أبو عبيد قال الأصمعي اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوبه فيجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا يحرج منه يده وربما اضطجع فيه على تلك الحال
قال أبو عبيد كأنه يذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه وأن يدفعه بيده فلا يقدر على ذلك لإدخاله يديه جميعا في ثيابه
فهذا كلام العرب
قال وأما تفسير الفقهاء فإنهم يقولون هو أن يشتمل الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه ويضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه
قال أبو عبيد والفقهاء أعلم بالتاويل في هذا وذلك أصح معنى في الكلام
وقال الأخفش الاشتمال أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه إلى قدمه يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر فهذا هو الاشتمال
فإن هو لم يرد طرفه الأيمن على منكبه الأيسر وتركه مرسلا إلى الأرض فذلك السدل الذي نهي عنه
قال وقد روي في الحديث أن رسول الله مر برجل وقد سدل ثوبه فعطفه عليه حتى صار مشتملا
قال فإن لم يكن على الرجل إلا ثوب واحد فاشتمل به فرفع الثوب عن يساره حتى ألقاه عن منكبه فقد انكشف شقه الأيسر كله

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:339

(9/310)


وهذا هو اشتمال الصماء الذي نهي عنه
فإن هو أخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى فألقاه على منكبه الأيمن وألقى طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر فهذا التوشح الذي جاء عن رسول الله أنه صلى في ثوب واحد متوشحا به
قال وأما الاضطباع فإنه للمحرم وذلك أنه يكون مرتديا بالرداء أو مشتملا فينكشف منكبه الأيمن حتى يصير الثوب تحت إبطيه
وهذا معنى الحديث الذي جاء عن رسول الله أنه طاف وسعى مضطبعا ببرد أخضر ( 1 )
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز مثله
قال والارتداء أن يأخذ بطرفي الثوب فيلقيهما على صدره ومنكبيه وسائر الثوب خلفه
وقال بن وهب اشتمال الصماء أن يرمي بطرفي الثوب جميعا على شقة الأيسر
وقد كان مالك أجازها على ثوب ثم كرهها
وفي سماع بن القاسم عن مالك قال سئل مالك عن الصماء
كيف هي قال يشتمل الرداء ثم يلقي الثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحت الثوب وليس عليه إزار
قيل له أرأيت إن لبس الثوب هكذا وعليه إزار قال لا بأس بذلك
قال بن القاسم ثم كرهه بعد ذلك وإن كان عليه إزار
قال بن القاسم وترك ذلك أحب إلي للحديث ولست أراه ضيقا إذا كان عليه إزار
قال مالك والاضطباع أن يرتدي الرجل فيخرج ثوبه من تحت يده اليمنى
قال بن القاسم وأراه من ناحية الصماء
قال أبو عمر قد ذكرنا ما جاء في الآثار المرفوعة من تفسير الصماء في التمهيد في باب أبي الزبير
والأصل في ذلك النهي عن كل لبسه ينكشف الرجل فيها حتى يبدو فرجه فإنه

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:340
لا يحل لأحد كشف فرجه في موضع ينظر إليه آدمي إلا حليلته امرأته أو أمته وهذا أمر مجتمع عليه وقد جاء منصوصا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي أنه نهى عن الصماء ونهى أن يلتحف الرجل أو يحتبي في ثوب واحد ليس على عورته منه شيء
وفي بعضها كاشفا عن فرجه

(9/311)


وأما اشتقاق اللفظة في اللغة فإنما قيل لتلك اللبسة الصماء لأنها لبسة لا انفتاح فيها كأن لفظها مأخوذ من الصم ومنه قيل لمن لا يسمع أصم لأنه لا انفتاح في سمعه ومنه قيل للفريضة التي لا تتفق سهامها صماء لأنه لا انفتاح فيها
قال أبو عمر الاسم الشرعي أولى في هذا القول من اللغوي
1709 - مالك عن بن شهاب عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله
قال أبو عمر قال يحيى عن مالك في هذا الحديث عن بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الله فوهم فيه ولم يتابعه أحد من أصحاب مالك عليه
والصواب فيه عبيد الله بن عبد الله بن عمر لأن عبد الله بن عمر له بنون منهم عبد الله ومنهم عبيد الله والد أبي بكر هذا
وقال بن بكير في هذا الحديث عن مالك عن بن شهاب عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن بن عمر ولم يتابعه أحد أيضا على قوله فيه عن أبيه وإنما الحديث لابن شهاب عن أبي بكر بن عبيد الله عن جده عبد الله بن عمر
وقد ذكرنا الاختلاف في إسناد هذا الحديث على مالك وعلى بن شهاب وذكرنا أولاد عبد الله بن عمر وبنيهم كل ذلك في التمهيد والحمد لله
وفي هذا الحديث أمر رسول الله بالأكل باليمين
وفي حديث جابر قبله النهي عن الأكل بالشمال والشرب بها

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:341
ومعلوم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وهذا تأكيد منه في النهي عن الأكل بالشمال والشرب بها فمن أكل بشماله أو شرب بشماله وهو عالم بالنهي ولا عذر له ولا علة تمنعه فقد عصى الله ورسوله ومن عصى الله ورسوله فقد غوى
وكذلك الاستنجاء باليمين والله أعلم لأن رسول الله نهى عن الاستنجاء باليمين وأمر بالاستنجاء باليسرى
والسنة في ذلك كله مجتمع عليها

(9/312)


حدثني محمد بن إبراهيم قال حدثني أحمد بن مطرف قال حدثني سعيد بن عثمان قال حدثني إسحاق بن إسماعيل الأيلي العثماني قال حدثني سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن جده عبد الله بن عمر قال قال رسول الله إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله
وهكذا روى الحميدي وعلي بن المديني ومسدد وبن المقرئ وغيرهم عن بن عيينة
وحدثني عبد الرحمن بن يحيى وأحمد بن فتح قالا حدثني حمزة بن محمد قال أخبرنا القاسم بن الليث قال أخبرنا هشام بن عمار قال حدثني هقل بن زياد قال حدثني هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمنيه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويأخذ بشماله ويعطي بشماله
قال أبو عمر حمل قوم هذا الحديث وما كان مثله على المجاز في أكل الشيطان وشربه قالوا المعنى فيه أن الأكل بالشمال يحبه الشيطان كما قيل في الخمر زينة الشيطان وفي الاقتعاط بالعمامة عمة الشيطان أي أن الشيطان يرضاها ويزينها وكذلك يدعو إلى الأكل بالشمال ويزينه ليواقع المرء ما نهي عنه
وهذا عندي ليس بشيء ولا معنى بحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما
وفي هذا الحديث نص بأن الشيطان يأكل ويشرب

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:342
ومن الدليل أيضا على أن من الشياطين من يأكلون ويشربون قوله في حديث الاستنجاء إن ذلك زاد إخوانكم من الجن
وفي حديث آخر إن طعام الجن ما لم يذكر اسم الله عليه وما لم يغسل من الأيدي والصحاف وشرابهم الجدف وهو الرغوة والزبد
وهذه الأشياء لا تدرك بقياس ولا اعتبار ولا يصح فيها تكييف

(9/313)


وقد قيل إن أكل الشيطان تشمم واسترواح لا مضغ ولا بلع وإنما المضغ والبلع لذوي الجثث فيكون شمه واسترواحه من قبل الشمال
وقد أوردنا في معنى الجن والشياطين والإخبار عنهم وأن لهم حياة وأجساما وأنها تختلف صفاتهم في كتاب التمهيد ما فيه كفاية وحسبك بما في القرآن من تكليفهم وطاعتهم وعصيانهم وأن منهم الصالحين ومنهم دون ذلك المؤمن والكافر وأنهم يسترقون السمع
وفي سورة الأحقاف وسورة قل أوحي إلي الجن 1 وسورة الرحمن ما فيه شفاء وبيان
وروينا عن وهب بن منبه أنه سئل عن الجن وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون فقال هم أجناس
فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتوالدون ويموتون ومنهم السعالى والغول والقطوب
وقد ذكرنا هذا الخبر بإسناده عن وهب في التمهيد
1 ( 5 - باب ما جاء في المساكين )
1710 - مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان قالوا فما المسكين يا رسول الله قال الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن الناس له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:343
1711 - مالك عن زيد بن أسلم عن بن بجيد الأنصاري ثم الحارثي عن جدته أن رسول الله قال ردوا المسكين ولو بظلف ( 1 ) محرق
قال أبو عمر قال رسول الله في هذا الحديث ردوا المسكين فبان بذلك أنه أراد السائل الطواف
وقال في الحديث الذي قبله ليس المسكين بالطواف فدل على أنه أراد ليس الطواف بالمسكين حقا إنما المسكين حقا المسكين الذي تبلغ به المسكنة والفقر والضعف والحياء مبلغا يقعده عن التطواف والسؤال ولا يفطن له متصدق عليه ولا يجد شيئا يبلغ به كما قال الله عز وجل ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب البقرة 177

(9/314)


أي ليس فعل ذلك وإن كان برا يبلغ به الأمر ولكن البر من آمن بالله واليوم الأخر والملائكة والكتب والنبين وءاتى المال على حبه البقرة 177
وقوله ليس من البر الصيام في السفر ( 2 ) أي ليس كل البر لأن الفطر في السفر بر أيضا
فقال يحيى في روايته في هذا الحديث فما المسكين وتابعه جماعة من رواه الموطأ
وقال غيرهم فمن المسكين وهذا أبين في من يعقل وأشهر في كلام العرب
قال أبو عمر قال الله عز وجل إنما الصدقت للفقراء والمسكين التوبة 60
واختلف العلماء وأهل اللغة أيضا في الفقير والمسكين فقال منهم قائلون الفقير أحسن حالا من المسكين قالوا والفقير الذي له بعض ما يقيمه ويكفيه والمسكين الذي لا شيء له
وممن قال هذا يعقوب بن السكيت وبن قتيبة
وهو قول يونس بن حبيب
وذهبت إليه طائفة من أهل الفقه والحديث

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:344
واستشهد بعض قائلي هذه المقالة بقول الراعي
أما الفقير الذي كانت حلوبته
وفق العيال فلم يترك له سبد ( 1
) فذكروا أنه كان يدعي الفقر وله الحلوبة يومئذ
وقال آخرون المسكين أحسن حالا من الفقير واحتجوا بقول الله عز وجل أما السفينة فكانت لمسكين يعملون في البحر الكهف 79 فأخبر أن المسكين كان يملك سفينة أو بعض سفينة تعمل في البحر وقال الله عز وجل للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيمهم لا يسئلون الناس إلحافا البقرة 273 وزعموا أن بيت الراعي لا حجة فيه لأنه إذ صار فقيرا لم يكن له حلوبة لقوله كانت حلوبته
وقالوا الفقير معناه في كلام العرب المفقر ويريدون الذي نزعت فقرة من ظهره من شدة الفقر
وأنشدوا قول الشاعر
لما رأى لبد النسور تطايرت
رفع القوادم كالفقير الأعزل ( 2
) قيل أي لم يطق الطيران فصار بمنزلة من انقطع ظهره ولصق بالأرض

(9/315)


قالوا وهذا هو الشديد المسكنة والمسكين حقا واستدلوا بقول الله عز وجل أو مسكينا ذا متربة البلد 16 أي قد لصق بالتراب من شدة الفقر
وهذا يدل على أن ثم مسكينا ليس ذا متربة
وقال إني أعوذ بك من الفقر المدقع وهو الذي يقضي بصاحبه إلى الدقعاء وهي التراب
وهذا مثل قول الله تعالى أو مسكينا ذا متربة البلد 16
وممن ذهب إلى أن المسكين أحسن حالا من الفقير الأصمعي وأبو جعفر أحمد بن عبيد

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:345
وهو قول الكوفيين من الفقهاء فيما ذكر الطحاوي عنهم
وهو أحد قولي الشافعي
وللشافعي قول آخر أن الفقير والمسكين سواء لا فرق بينهما في المعنى وإن افترقا في الاسم
وإلى هذا ذهب بن القسم
حدثني عبد الرحمن بن يحيى قال حدثني علي بن محمد قال حدثني أحمد بن داود قال أخبرنا سحنون قال حدثني بن وهب قال أخبرني أشهل بن حاتم عن بن عون عن محمد بن سيرين قال قال عمر - رضي الله عنه - ليس الفقير الذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب
وأما حديثه عن زيد بن أسلم عن بن بجيد فابن بجيد اسمه عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي الأنصاري أحد بني حارثة وهو الذي رد على سهل بن حثمة حديثه في القسامة
وقال بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث والله ما كان سهل بأكثر علما منه ولكنه أسن منه
وقد ذكرنا خبره في باب القسامة من هذا الكتاب وذكرنا جدته في كتاب النساء من كتاب الصحابة وهي أيضا جدة عمرو بن سعد بن معاذ والله أعلم وليس في حديث بن نجيد عن جدته أكثر من الحث على الصدقة بالقليل والكثير
وقد مضى هذا المعنى في مواضع من هذا الكتاب مشروحا
ومنه قوله اتقوا النار ولو بشق تمرة ( 1 )
وروى هذا الحديث سعيد المقبري عن بن نجيد

(9/316)


حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثني أبي قال حدثني أحمد بن خالد قال حدثني علي بن عبد العزيز قال حدثني الحجاج بن منهال قال حدثني حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن نجيد عن جدته أم نجيد قالت قلت يا رسول الله إنه يأتيني السائل فأتوهد له بعض ما عندي
فقال ضعي في يد المسكين ولو ظلفا محرقا

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:346
1 ( 6 - باب ما جاء في معى الكافر )
1712 - مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله يأكل المسلم في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء
قال أبو عمر أما حديث أبي هريرة هذا وما كان مثله فليس فيه إلا مدح المؤمن بقلة رغبته في الدنيا وزهده فيها بأخذ القليل منها في قوته وأكله وشربه ولبسه وكسبه وأنه يأكل ليحيى لا ليسمن كما جاء عن الحكماء
روي عن النبي أنه قال ما ملأ بن آدم وعاء شرا من بطنه حسب بن آدم أكلات يقمن صلبه ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ( 1 )
وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وذلك معروف في أشعارها فكيف بأهل الإيمان
وأما من عظمت الدنيا في عينه من كافر وسفيه فإنما همته في شبع بطنه ولذة فرجه
وأخبر النبي أن المؤمن حق المؤمن شأنه يأكل في معى واحد وهذا مجاز دال على المدح في القليل من الأكل والقناعة فيه والاكتفاء به
1713 - مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ضافه ضيف كافر فأمر له رسول الله بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فشربه ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها فقال رسول الله المؤمن يشرب في معى واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:347

(9/317)


قال أبو عمر هذا الحديث ليس على ظاهره لأن المشاهدة تدفعه والمعاينة ترده والخبر يشهد بأن الكافر يسلم وأكله كما كان وشربه وقد نزه الله رسوله عن أن يخبر بخبر فيؤخذ المخبر عنه على خلاف ذلك هذا ما لا يشك فيه المؤمن وكنه أخبر عن ذلك الضيف بخبر كان على ما أخبر لا شك فيه كأنه قال هذا الضيف إذ كان كافرا أكل في سبعة أمعاء فلما أسلم بورك له في إسلامه فأكل في معى واحد يريد أنه كان أكله عنده قبل أن يسلم سبعة أمثال ما أكل عنده لما أسلم إما لبركة التسمية التي أمره رسول الله فأشبعه الله عز وجل بحلاب تلك الشاة وما وضع له فيها من البركة ما يكون له برهانا وآية ليرسخ الإيمان في نفسه وذلك - والله أعلم لما علم الله تعالى من قلة الطعام يومئذ عند رسول الله ولتكون آية لذلك الرجل فأراه الله في نفسه آية في إيمانه ليزداد يقينا ونحو هذا مما يعلم من آيات رسول الله أحيانا في بركة الطعام الذي أكل منه العدد الكثير فشبعوا وهو قوت واحد أو اثنين وآياته وعلاماته في مثل ذلك كثيرة قد ذكرنا منها في مواضع من التمهيد ما يشفي الناظر ويزيد في يقين المؤمن - والحمد لله كثيرا
وهذا كله يدل على أن لفظ هذا الحديث خرج مخرج العموم ومعناه الخصوص وهو موجود في لغة العرب قال الله عز وجل الذين قال لهم الناس آل عمران 173
ومعلوم أن الناس كلهم قد جمعوا لكم آل عمران 173
وقد قيل إن المخبر القائل ذلك القول كان رجلا واحدا
وقد يسمع السامع قولا فيتناوله على العموم ولم يرد به المخبر إلا الخصوص كما قال إنما الربا في النسيئة ( 1 )
وهذا كان منه جوابا لسائل سأله عن ذهب وفضة أو ما كان مثلهما مما حرم فيه الربا من جنسين مطعومين فأجابه أنه لا ربا إلا في النسيئة يعني في ما سألت عنه
وقد روي في هذا الباب حديث فيه دلالة على أنه أريد بذلك رجل بعينه

(9/318)


حدثني سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن وضاح قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني زيد بن الحباب قال

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:348
حدثني موسى بن عبيدة قال حدثني عبيد الله بن سلمان الأغر عن عطاء بن يسار عن جهجاه الغفاري أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام فحضروا مع رسول الله المغرب فلما سلم قال ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه
فلم يبق في المسجد غير رسول الله وغيري وكنت رجلا عظيما طوالا لا يقدم علي أحد فذهبت مع رسول الله إلى منزله فحلب لي عنزا فأتيت عليها ثم حلب لي أخرى فأتيت عليها حتى حلب لي سبعة أعنز فأتيت عليها ثم أتيت بثومه فأتيت عليها فقالت أم أيمن أجاع الله من أجاع رسول الله
فقال رسول الله مه يا أم أيمن أكل رزقه ورزقنا على الله عز وجل
وذكر الحديث
وفيه أنه أسلم ثم ذهب به رسول الله إلى بيته وتركه أصحابه لطول جسمه وعظمه فأمر رسول الله فحلبت له عنز واحدة فشربها فروي قال فرويت فشبعت فقالت أم أيمن يا رسول الله أليس هذا ضيفنا فقال بلى وقال رسول الله إنه أكل في معى مؤمن الليلة وأكل في معى كافر والكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد يريد ذلك الرجل بعينه - والله أعلم
1 ( 7 - باب النهي عن الشراب في آنية الفضة والنفخ في الشراب )
1714 - مالك عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة زوج النبي أن رسول الله قال الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم
قال أبو عمر لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث إلا بن وهب وطائفة قالوا فيه عن مالك عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر الصديق
والأكثر يقولون كما قال يحيى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وهو الصواب

(9/319)


وكذلك رواه عبيد الله بن عمر

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:349
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم قال حدثنا محمد قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا علي بن مسهر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أم سلمة قالت قال رسول الله إن الذي يشرب أو يأكل في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم
واختلف فيه على نافع اختلافا كثيرا ذكرناه في التمهيد
والصحيح عنه في إسناده ما رواه مالك وعبيد الله
ومن رواه عن نافع عن بن عمر عن النبي فقد أخطأ فيه
واختلف في المعنى المقصود إليه بهذا الحديث فقالت طائفة من العلماء إنما عنى به رسول الله بقوله هذا المشركين والكفار من ملوك الفرس والروم وغيرهم الذين يشربون في آنية الفضة فأخبر عنهم وحذرنا أن نفعل فعلهم ونتشبه بهم
وقال آخرون بل نهى رسول الله أمته عن الشرب في آنية الفضة فمن شرب فيها بعد علمه بنهي رسول الله عن ذلك فقد استوجب الوعيد المذكور في الحديث إلا أن يعفو الله عنه فإنه تبارك اسمه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
وأجمع العلماء على أنه لا يجوز لمسلم أن يشرب ولا يأكل في آنية الفضة وآنية الذهب عندهم كذلك أو أشد لأنه قد جاء فيها مثل ما جاء في آنية الفضة
وقد تقدم من رواية عبيد الله بن عمر تسوية رسول الله بينهما
وروى شعبة عن الحكم عن بن أبي ليلى عن حذيفة أنه استسقى فأتاه دهقان بإناء فضة فرماه به وقال إني لم أرمه به إلا أني نهيته فلم ينته وأن رسول الله نهى عن الحرير والديباج وعن الشرب في آنية الذهب والفضة وقال هي لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة ( 1 )
ورواه مجاهد عن بن أبي ليلى عن حذيفة مثله
وروى شعبة وأبو إسحاق الشيباني عن أشعث بن أبي الشعثاء عن معاوية بن سويد عن مقرن عن البراء بن عازب قال نهانا رسول الله عن الشرب في آنية

(9/320)


--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:350
الفضة وقال من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة ( 1 )
وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث كلها في التمهيد
واختلف العلماء في جواز اتخاذ أواني الفضة بعد إجماعهم على أنه لا يجوز استعمالها لشرب ولا غيره
فقالت طائفة يجوز اتخاذها كما يجوز اتخاذ الحرير والديباج ولكنها لا يستعمل شيء منها وتزكي إن اتخذت
وقال الجمهور من العلماء إنه لا يجوز اتخاذها ولا استعمالها ومن اتخذها كان عاصيا باتخاذها
قال أبو عمر معلوم أن من اتخذها لا يسلم من بيعها أو استعمالها لأنها ليست مأكولة ولا مشروبة فلا فائدة فيها غير استعماله فكذلك لا يجوز اتخاذها عند جماعة الفقهاء وجمهور العلماء
وكلهم مجمعون على إيجاب الزكاة فيها على متخذها إذا بلغت النصاب من الذهب أو الفضة
أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثني عبد الحميد بن أحمد قال حدثني الخضر بن داود قال حدثني أبو بكر الأثرم قال سمعت أحمد بن حنبل وقيل له رجل دعا رجلا إلى طعام فدخل فرأى آنية فضة فقال لا يدخل إذا رآها وغلظ فيها وفي كسبها واستعمالها وذكر حديث حذيفة المذكور وحديث أم سلمة حديث هذا الباب وحديث البراء أيضا
قال أبو عمر اختلف العلماء في الإناء المفضض على ما قد ذكرناه عنهم في التمهيد
وأما قوله إنما يجرجر في بطنه نار جهنم فالجرجرة ها هنا صوت الماء في حلق الشارب أو في الإناء المقصود به صوت جرع الشارب إذا شرب وهي كلمة مستعارة مأخوذة من جرجرة العجل من الإبل وهي هديره وصوت يسمع من حلقه يردده
قال امرؤ القيس
( إذا سافه العود النباطي جرجرا

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:351
أي رغا لبعد الطريق وضعوبته
وقال الراجز يصف فحلا
وهو إذا جرجر عند الهب
جرجر في حنجرة كالحب
وهامة كالمرجل المنكب
( 1 )

(9/321)


1715 - مالك عن أيوب بن حبيب مولى سعد بن أبي وقاص عن أبي المثنى الجهني أنه قال كنت عند مروان بن الحكم فدخل عليه أبو سعيد الخدري فقال له مروان بن الحكم أسمعت من رسول الله أنه نهى عن النفخ في الشراب فقال له أبو سعيد نعم فقال له رجل يا رسول الله إني لا أروى من نفس واحد
فقال له رسول الله فأبن القدح عن فيك ثم تنفس قال فإني أرى القذاة فيه قال فأهرقها
قال أبو عمر هكذا يقول مالك في شيخه هذا أيوب بن حبيب الجمحي من أنفسهم
قال مصعب الزبيري هو أيوب بن حبيب بن أيوب بن علقمة بن ربيعة بن الأعور
واسم الأعور خلف بن عمرو بن وهب بن حذافة بن جمح قتل بقديد
قال أبو عمر روي عن أيوب بن حبيب مالك وفليح بن سليمان وعباد بن إسحاق وهو عندهم ثقة
وأما أبو المثنى الجهني فلا يوقف له على اسم وهو عندهم ثقة من تابعي أهل المدينة روى عنه أيوب بن حبيب ومحمد بن أبي يحيى الأسلمي
وفي هذا الحديث الرخصة في الشرب بنفس واحد
وكذلك قال مالك رحمة الله

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:352
روى عيسى بن دينار عن بن القاسم عن مالك أنه رأى في قول النبي في الرجل الذي قال له إني لا أروى من نفس واحد فقال له النبي فأبن القدح عن فيك
قال مالك فكأني أرى في ذلك رخصة أن يشرب من نفس واحد
قال مالك ولا أرى بأسا بالشرب من نفس واحد وأرى فيه رخصة لموضع الحديث إني لا أروى من نفس واحد
قال أبو عمر يريد مالك - رحمه الله - أن النبي لما لم ينه الرجل الذي قال له إني لا أروى من نفس واحد أن يشرب في نفس واحد بل قال له كلاما معناه فإن كنت لا تروى من نفس واحد فأبن القدح عن فيك
وهذا إباحة منه للشرب من نفس واحد أو كالإباحة
وقد رويت عن السلف آثار منها كراهة الشرب في نفس واحد منهم بن عباس وطاوس وعكرمة وقالوا الشرب من نفس واحد شرب الشيطان
وقد ذكرنا الآثار عنهم بذلك في التمهيد

(9/322)


وروى عن سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز أنهم قالوا لا بأس بالشرب في نفس واحد
وقد ذكرنا الأسانيد عنهم بذلك
وقال ميمون بن مهران رآني عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب فجعلت أقطع شرابي وأتنفس فقال إنما نهي أن يتنفس في الإناء فإذا لم تتنفس في الإناء فاشربه إن شئت بنفس واحد
قال أبو عمر قول عمر بن عبد العزيز هذا هو تفسير هذا الباب وتهذيب معناه
وروى عقيل عن بن شهاب قال بلغني أن رسول الله نهى عن النفخ في الطعام والشراب ولم أر أحدا أشد في ذلك من عمر بن عبد العزيز
وكذلك رواه يونس عن بن شهاب سواء
وحدثني سعيد وعبد الوارث قالا حدثني قاسم قال حدثني جعفر بن محمد قال حدثني محمد بن سابق قال حدثني شيبان وحدثني عبد الوارث قال حدثني قاسم قال حدثني محمد بن الجهم قال حدثني عبد الوهاب قال أخبرنا هشام بن أبي عبد الله الدستوائي جميعا عن يحيى بن أبي كثير عن عبد

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:353
الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله قال إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء ( 1 )
حدثني خلف بن قاسم قال حدثني أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل الأسواني قال حدثني أحمد بن محمد بن سلام قال حدثني مجاهد بن موسى قال حدثني سفيان بن عيينة عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن بن عباس قال نهى رسول الله أن ينفخ في الإناء أو يتنفس فيه
حدثني أحمد بن عبد الله قال حدثني أبي قال حدثني محمد بن فطيس قال حدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثني أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن الدوسي عن عمه عن أبي هريرة أن النبي قال لا يتنفس أحدكم في الإناء إذا كان يشرب منه ولكن إذا أراد أن يتنفس فليؤخره عنه ثم يتنفس
وقد ذكرنا وجوها محتملة لمعنى كراهية التنفس في الإناء في التمهيد
1 ( 8 - باب ما جاء في شرب الرجل وهو قائم )

(9/323)


1716 - مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانوا يشربون قياما
1717 - مالك عن بن شهاب أن عائشة أم المؤمنين وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بشرب الإنسان وهو قائم بأسا
1718 - مالك عن أبي جعفر القارئ أنه قال رأيت عبد الله بن عمر يشرب قائما
1719 - مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه كان يشرب قائما

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:354
قال أبو عمر إنما رسم مالك هذا الباب وذكر فيه عن عمر وعلي وعثمان وسعد وعائشة وبن عمر وبن الزبير أنهم كانوا يشربون قياما لما سمع فيه من الكراهية والله أعلم ولم يصح عنده الحظر وصحت عنده الاباحة فذكرها في باب أفرد لها من كتابه هذا
وهي الأكثر عند العلماء
وعليها جماعة الفقهاء
ومن الكراهة في ذلك ما ذكره وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس بن مالك قال نهى رسول لله عن الشرب قائما ( 1 )
وهذا الحديث رواه معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قوله قال سألت أنسا عن الشرب قائما فكرهه
وروى وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد الخدري قال زجر رسول الله رجلا شرب قائما
وكرهه الحسن البصري
ذكره أبو بكر عن هشيم عن منصور عن الحسن
وقد روي عنه خلاف ذلك
ذكره أبو بكر قال حدثني أبو الأحوص عن عبد الله بن شريك عن بشر بن غالب قال رأيت الحسن يشرب وهو قائم
وعن وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال إنما أكره الشرب قائما لداء يأخذ في البطن وأما الإباحة في الشرب قائما والرخصة في ذلك فمن ذلك حديث الشعبي عن بن عباس قال ناولت رسول الله إداوة من زمزم فشربها وهو قائم ( 2 )
حدثناه سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن وضاح قال حدثني أبو بكر قال حدثني بن عيينة وحفص عن عاصم الأحوال عن الشعبي عن بن عباس فذكره

(9/324)


--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:355
وحدثني سعيد وعبد الوارث قالا حدثني قاسم قال حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثني الحميدي قال حدثني سفيان قال حدثني عاصم الأحول عن الشعبي عن بن عباس قال رأيت رسول الله أمر بدلو من زمزم فنزع له فشربه وهو قائم ( 1 )
حدثني سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن وضاح وحدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني إبراهيم بن إسحاق النيسابري قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال كنا نشرب ونحن قيام ونأكل ونحن نمشي على عهد رسول الله ( 2 )
ورواه أبو اليزيد بن عطاء عن بن عمر مثله سواء
ومنها حديث علي بن أبي طالب
حدثنا عبد الوارث قال حدثني قاسم قال حدثني محمد بن عبد السلام الخشني قال حدثني محمد بن بشار قال حدثني يحيى بن سعيد عن مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال أتي علي بماء فشرب قائما وقال إن ناسا يكرهون هذا وإني رأيت رسول الله يشرب قائما ( 3 )
وروي عن النبي أنه شرب قائما من حديث أم سليم وحديث كبشة جدة عبد الرحمن بن أبي عمرة
وروي عن بن عمر من وجوه أنه كان يشرب قائما
وروي عن أبي هريرة الوجهان جميعا الكراهة والإباحة
وكان طاوس ومجاهد وسعيد بن جبير يشربون قياما
قال أبو عمر الأصل الإباحة حتى يرد النهي من وجه لا معارض له فإذا تعارضت الآثار سقطت والأصل ثابت في الإباحة حتى يصح الأمر أو النهي بما لا مدفع فيه - وبالله التوفيق

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:356
1 ( 9 - باب السنة في الشرب ومناولته عن اليمين )

(9/325)


1720 - مالك عن بن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله أتي بلبن قد شيب ( 1 ) بماء من البئر وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق فشرب فثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن
قال أبو عمر لم يختلف على مالك ولا على بن شهاب في هذا الحديث أن عن يمينه الأعرابي وعن يساره أبا بكر
وبعضهم يقول فيه عن بن شهاب وعن يمينه رجل من أهل البادية وأهل البادية هم الأعراب
وزاد بعض الرواة رواة بن شهاب فيه أن عمر كان بين يدي النبي يومئذ وأنه قال لرسول الله نأول أبا بكر يا رسول الله فلم يفعل رسول الله وقال الأيمن فالأيمن
وممن قال ذلك بن عيينة
أخبرنا محمد بن عبد الملك قال أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد قال حدثني الحسن بن محمد بن الصباح
وحدثني سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن وضاح قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قالا أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري سمعه من أنس بن مالك قال قدم النبي المدينة وأنا بن عشر سنين وتوفي وأنا بن عشرين سنة وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته ودخل علينا في دارنا فحلبنا له من شاة داجن لنا وشيب له من بئر في الدار وأبو بكر عن شماله وأعرابي عن يمينه وكان عمر ناحية فقال عمر يا رسول الله أعط أبا بكر فأعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن
قال أبو عمر روى هذا الحديث محمد بن الوليد البسري عن عبد الرحمن بن

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:357
مهدي عن مالك عن الزهري عن أنس فذكر فيه ألفاظ بن عيينة كلها من أولها إلى آخرها وقال في آخره الأيمن فالأيمن فمضت سنة
فزاد على بن عيينة أيضا ولم يروه أحد عن مالك كذلك إلا ما ذكره البسري عن بن مهدي عنه ومحمد بن الوليد معروف بحمل العلم صدوق ولا أعلم أحدا طعن عليه في نقله ولعله قد حفظ عن بن مهدي ما قاله مالك فإن مالكا ربما اختصر الحديث وربما جاء به بتمامه

(9/326)


1721 - مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الأنصاري أن رسول الله أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام اتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال الغلام لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا قال فتله ( 1 ) رسول الله في يده
قال أبو عمر هكذا روى هذا الحديث كل من رواه عن أبي حازم كما رواه مالك
وأخطأ فيه عبد العزيز بن أبي حازم قال وعن يساره أبو بكر فغلط وإنما ذلك في حديث بن شهاب عن أنس وهما حديثان في قصتين متغايرتين وفي مكانين وفي وقتين
حدثني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني الحارث بن أبي أسامة قال حدثني حفص بن حمزة قال حدثني إسماعيل بن جعفر قال أخبرني أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال أتي رسول الله بقدح من لبن وغلام عن يمينه والأشياخ أمامه وعن يساره فشرب رسول الله ثم قال للغلام يا غلام أتأذن أن أسقي الأشياخ قال ما أحب أن أوثر بفضل شربتك على نفسي أحدا من الناس فناوله رسول الله وترك الأشياخ ( 2 )
قال أبو عمر الغلام المذكور في هذا الحديث بن عباس والأشياخ أحدهم

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:358
خالد بن الوليد وهذا ما لا خلاف فيه وقد نقل من طرق منها ما حدثناه سعيد بن نصر قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثني الحميدي قال حدثني سفيان قال حدثني علي بن زيد بن جدعان عن عمرو بن حرملة عن بن عباس قال دخلت مع رسول الله على خالتي ميمونة ومعنا خالد بن الوليد فقالت ميمونة ألا نقدم إليك يا رسول الله شيئا أهدته لنا أم عفيف قال بلى

(9/327)


فأتته بضباب مشوية فلما رآه رسول الله قال ثلاث مرات ولم يأكل منها وأمرنا أن نأكل منها ثم أتي رسول الله بإناء فيه لبن فشرب وأنا عن يمينه وخالد عن يساره فقال لي رسول الله الشرب لك يا غلام وإن شئت آثرت بها خالدا فقلت ما كنت لأوثر بسؤر رسول الله أحدا ثم قال رسول الله من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا به ما هو خير منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإني لا أعلم شيئا يجزئ من الطعام والشراب غيره
ورواه إسماعيل بن علية عن عبد الله بن زيد بإسناده إلا أنه قال فيه عمرو بن حرملة أو قال بن أبي حرملة عن بن عباس قال دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله على ميمونة فجاءتنا بإناء فيه لبن فشرب رسول الله وأنا عن يمينه وخالد عن شماله فقال لي الشربة لك وإن شئت أثرت بها خالدا
فقلت ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا ثم قال رسول الله من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه
وقال رسول الله ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن
هكذا رواه بن علية ولم يذكر في قصة الضباب
ذكر أبو عيسى الترمذي قال حدثني أحمد بن منيع قال حدثني إسماعيل بن علية
ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن عمرو بن حرملة عن بن عباس مثله
قال أبو داود كذلك قال لي شعبة وغيره بقول عمرو بن حرملة
قال أبو عمر بن عيينة جوده وأقامه وأني به بتمامه والصواب في اسم الرجل عمر بن حرملة لا عمرو ولا بن أبي عمر ولا بن حرمل

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:359
وقد ذكرنا ما في هذا الحديث من معاني الآداب والسنن في التمهيد والحمد لله
1 ( 10 - باب جامع ما جاء في الطعام والشراب )

(9/328)


1722 - مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول قال أبو طلحة لأم سليم لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء فقالت نعم فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخذت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله قال فذهبت به فوجدت رسول الله جالسا في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال رسول الله آرسلك أبو طلحة فقلت نعم قال للطعام فقلت نعم فقال رسول الله لمن معه قوموا قال فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته
فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله بالناس وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم فقالت الله ورسوله أعلم قال فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله فأقبل رسول الله وأبو طلحة معه حتى دخلا فقال رسول الله هلمي يا أم سليم ما عندك فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله ففت وعصرت عليه أم سليم عكة لها فآدمته ثم قال رسول الله ما شاء الله أن يقول ثم قال ائذن لعشرة بالدخول فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة بالدخول فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون رجلا أو ثمانون رجلا
قال أبو عمر وفي حديث قبول مواساة الصديق وقبول صدقته وهديته وأكل طعامه
وفيه دليل على أن الصلة والهدية ليست بصدقة ولو كانت صدقة ما أكلها رسول الله لأنه لا يأكل الصدقة وقال إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:360
وفيه أن خبز الشعير عندهم من رفيع الطعام الذي يتهادى ويدعى له الجلة الفضلاء
وكان في أول الإسلام أكثر طعامهم التمر

(9/329)


وفيه أن الأنبياء تزوى عنهم الدنيا حتى ليدركون القوت ويبلغ بهم الجهد إلى شدة الجوع حتى يضعف منهم الصوت من غير صيام كما وصف في هذا الحديث عن النبي
وفيه أن الرجل إذا دعي إلى طعام جاز له أن يدعو جلساءه وجاز لهم الإقبال معه إليه وإن لم ينذرهم صاحب الطعام وذلك إذا علم الداعي لهم أن الطعام يحملهم وأن ذلك يسر صاحب الطعام ويرضاه وإلا فلا
وقد قال مالك لا ينبغي لأحد إذا دعي إلى طعام أن يحمل معه غيره لأنه لا يدري هل يسر بذلك صاحب الطعام أم لا إلا أن يقول له صاحب الطعام ادع من لقيت فإن قال له ذلك كان له أن يحمل معه غيره
وفيه أن من أخلاق المؤمن الأكتراث إذا نزل به ضيف وليس معه ما يكرمه به لأن الضيافة من أخلاق الكرام
وفيه من فضل فطنة أم سليم بحسن جوابها زوجها حين شكا إليها كثرة من حل به من الناس مع رسول الله وقلة طعامه فقالت له الله ورسوله أعلم أي أنه لم يأت بهم إلا وسيطعمهم
وفيه الخروج إلى الطريق لمن قصد إكراما له إذا كان أهلا لذلك لأنه من البر والكرامة وفيه أن صاحب الدار لا يستأذن في داره وأن من دخل معه استغنى عن الإذن
وفيه أنه لا حرج على الصديق أن يأمر في دار صديقه بما شاء مما يعلم أنه يسر به ولا يسؤه ذلك ألا ترى أنه اشترط عليهم أن يفتوا الخبز وقال لأم سليم هات ما عندك
ولقد أحسن القائل في هذا المعنى مفتخرا بذلك
يستأنس الضيف في أبياتنا أبدا
فليس يعرف خلق أينا الضيف
وفيه دليل أيضا على أن الثريد أعظم بركة من غيره ولذلك اشترط به رسول الله والله أعلم
وفيه أن الإنسان لا يدخل عليه بيته إلا معه أو بإذنه ألا ترى إلى قول رسول الله ائذن لعشرة ثم ائذن لعشرة ثم ائذن لعشرة حتى استوفى جميعهم عشرة عشرة وكانوا سبعين أو ثمانين رجلا

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:361

(9/330)


وفيه العلم الواضح من أعلام النبوة والبرهان الساطع من براهينها أن يكون العدد الكبير يأكلون حتى يشبعوا من الطعام اليسير
وكم له من مثلها مما قد ذكرنا منه كثيرا في مواضع من كتابنا كتاب التمهيد والحمد لله كثيرا
1723 - مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة
وهذا الحديث يدل على أن الكفاية ليست بالشبع والاستبطان كما أنها ليست بالغنى
قال أبو حازم - رحمه الله إذا كان ما يكفيك لا يغنيك فليس شيء يغنيك
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن القوم كانوا لا يشبعون كل الشبع وكانوا لا يقدمون الطعام إلى أنفسهم حتى يشتهوه فإذا قدموا أخذوا منه حاجتهم ورفعوه وفي أنفسهم بقية من شهوته
وهذا عند أهل الطب والحكمة أفضل ما يستدام به صحة الأجسام
وروي عن النبي أنه قال ما ملأ بن آدم وعاء شرا من بطن حسب بن آدم أكلات يقمن صلبه ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه
1724 - مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال أغلقوا الباب وأوكوا السقاء ( 2 ) وأكفئوا الإناء ( 3 ) أو خمروا ( 4 ) الإناء وأطفئوا المصباح فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يحل وكاء ( 5 )
ولا يكشف إناء وإن الفويسقة ( 6 ) تضرم على الناس بينهم

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:362
قال أبو عمر هكذا قال يحيى تضرم على الناس بينهم
وتابعه بن وهب وبن القاسم
وقال بن بكير بيوتهم
وقال القعنبي بينهم أو بيوتهم
وفي هذا الحديث الأمر بغلق الأبواب من البيوت في الليل وتلك سنة مأمور بها رفقا بالناس لشياطين الإنس والجن

(9/331)


وأما قوله إن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يحل وكاء فذلك إعلام منه وإخبار عن نعم الله - عز وجل - على عبادة من الإنس إذ لم يعط قوة على قوة فتح باب ولا حل وكاء ولا كشف إناء وأنه قد حرم هذه الأشياء وإن كان قد أعطي ما هو أكثر منها من التخلل والولوج حيث لا يلج الإنس
وقوله أوكوا السقاء معناه أيضا قريب مما وصفنا في غلق الباب والسقاء القربة وقد تكون القلة والخابية وما كان مثلهما في ذلك المعنى
وقوله أكفؤوا الإناء معناه اقلبوه على فيه أو خمروه - شك المحدث
والمعنى في ذلك أن الشياطين تجول بالبيوت والدور بالليل وفيهم مردة تؤذي بدروب من الأذى وذلك معروف في أفعالهم في كتاب العلماء ومعلوم بالمشاهدات في أزمنة شتى وهم لنا أعداء وحسبك بفعل العدو قال الله تعالى أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو الكهف 50 والكلمة من قوله أكفئوا الإناء ثلاثية مهموزة يقال كفأت الإناء أكفؤه فهو مكفوء إذا قلبته
قال بن هرمة
عندي لهذا الزمان آنية
أملأها مرة وأكفؤها ( 1
) وقوله أطفئوا المصباح مهموز أيضا قال الله تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله المائدة 64
وقال بن هرمة
برزت في غايتي وشايعني
موقد نار الوغى ومطفئها ( 2
) وأمر رسول الله بإطفاء المصباح رفقا بأمته وحياطة عليهم وأدبا لهم

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:363
وقال لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون ( 1 )
رواه الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي
وقد ذكرناه من طرق في التمهيد
وقوله الفويسقة يعني الفأرة سماها بذلك لأذاها الناس
وكل من يؤذي المسلمين ما اكتسبوا فهو فاسق خارج عن طاعة الله عز وجل
وقال خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ( 2 ) فذكر منهن الفأرة
وقوله تضرم على الناس أي تشعل النار على الناس
قال بن وهب وغيره ربما جعلت الفتيلة موقودة حتى تجعلها في السقف فتحرق البيت

(9/332)


وقد ذكرت في التمهيد حديث أبي سعيد الخدري أنه قيل له لم قيل للفأرة الفويسقة قال لأن النبي استيقظ وقد أخذت فتيلة لتحرق بها البيت
وحديث بن عباس قال جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فأتت بها بين يدي النبي على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها مثل موضع درهم فقال إذا نمتم فأطفئوا سرجكم فإن الشيطان يدل هذه على هذا فتحرقكم
ومن حديث عطاء بن يسار عن جابر قال سمعت رسول الله يقول إذا سمعتم نباح الكلاب أو نهاق الحمير بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنهن يرون ما لا ترون وأقلوا الخروج إذا هدأت الرجل فإن الله تعالى يبث من خلقه في ليله ما شاء وأجيفوا الأبواب واذكروا اسم الله عليها فإن الشيطان لا يفتح بابا أجيف وذكر اسم الله عليه وغطوا الجرار وأكفئوا الآنية وأوكوا القرب
قال أبو عمر قد أتي في هذا الحديث شرط التسمية في الباب إذا أجيف

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:364
وجاء في غيره أيضا مثله في تغطية الإناء أو قلبه إن الشيطان لا يعترضه إذا سمى الله تعالى عليه عند ذلك الفعل به
وهذه زيادة على ما جاء في حديث أبي الزبير عن جابر
وقد ذكرنا حديث عطاء بن يسار عن جابر بذلك بإسناده في التمهيد
وذكرنا هناك أيضا حديث القعقاع بن حكيم عن جابر بإسناده عن النبي قال غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل بها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء
قال الليث بن سعد وهو أحد رواة هذا الحديث والإعاجم يتقون ذلك في كانون الأول
وفي حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر قال قال النبي خمروا الآنية وأوكوا الأسقية وأجيفوا الأبواب وكفوا صبيانكم عند المساء فإن للجن انتشارا وخطفة

(9/333)


وقد ذكرنا هذا الخبر وما كان مثله بإسناده في التمهيد وذكرنا هناك أيضا خبر اختطاف الجن للذي ضرب عمر بن الخطاب الأجل لامرأته حين فقدته
وقد روى بن وهب عن حيوة بن شريح وبن لهيعة عن عقيل عن بن شهاب أن رسول الله قال إذا جنح الليل فاحبسوا أولادكم فإن الله يبث من خلقه بالليل ما لا يبث بالنهار
قال عقيل يتقى على المرأة أن تتوضأ عند ذلك
قال بن شهاب قال رسول الله وإذا سمعتم النداء وأحدكم على فراشه أو أين ما كان فاهدءوا ساعة فإن الشياطين إذا سمعت النداء اجتمعوا وعشوا
حدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن عبد السلام قال حدثني محمد بن بشار قال حدثني يحيى بن سعيد عن بن جريج عن عطاء عن جابر عن النبي قال أطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله
قال أبو عمر روينا عن بن عباس - رضي الله عنه - أنه قال قال رسول الله من قال بسم الله فقد ذكر الله ومن قال الحمد لله فقد شكر الله ومن قال الله أكبر فقد عظم الله ومن قال لا إله إلا الله فقد وحد الله ومن قال

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:365
لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم فقد سلم واستسلم وكان له بها كنز في الجنة
1725 - مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة وضيافته ثلاثة أيام فما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي ( 1 ) عنده حتى يحرجه

(9/334)


قال أبو عمر قد أتينا في التمهيد بما فيه شفاء من الآثار المرفوعة وأقوال السلف - رحمهم الله - في فضل الصمت وأنه منجاة لقوله من صمت نجا ( 2 ) إلا أن الكلام بالخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإدمان الذكر وتلاوة القرآن أفضل من الصمت لأن الكلام بذلك غنيمة والصمت سلامة والغنيمة فوق السلامة
وذكرنا هناك ما للعلماء في معنى قول الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ق 18
وأما الذي يكتب على المؤمن من كلامه فمن أحسن ما قيل في ذلك ما رواه النضر بن عباس عن هشام بن حسان عن عكرمة عن بن عباس قال يكتب عن الإنسان كل ما يتكلم به من خير أو شر وما سوى ذلك فلا يكتب
وقال أبو حاتم الرازي حدثني الأنصاري قال حدثني هشام بن حسان عن عكرمة عن بن عباس قوله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ق 18
قال لا يكتب إلا الخير والشر وأما قوله يا غلام اسق الماء واسرج الفرس فلا يكتب
وأما قوله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره فإن الله تعالى قد أوصى بالجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:366
وقال رسول الله ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ( 1 )
وقد ذكرنا في التمهيد من حديث سعيد بن أبي سعيد أيضا عن أبي شريح الكعبي أن النبي قال والله لا يؤمن جار حتى يأمن جاره بوائقه ( 2 )
وذكر مالك عن أبي حازم بن دينار أنه قال كان أهل الجاهلية أبر بالجار منكم وهذا قائلهم يقول
( ناري ونار الجار واحدة وإليه قبلي ينزل القدر )
( ما ضر جار ألا أجاوره
ألا يكون لبابه ستر )
( أعمى إذا ما جارتي برزت

(9/335)


حتى يواري جارتي الخدر ) وأما قوله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فالمعنى أن المؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر ينبغي أن تكون هذه أخلاقه قول الخير أو الصمت وبر الجار وإكرام الضيف فهذه حلية المؤمن وشيمته وخلقه
وروينا عن النبي قال المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ( 3 )
وروى بن وهب والوليد بن مسلم وقتيبة بن سعيد عن بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله لا خير في من لا يضيف ( 4 )
قال أبو عمر أجمع العلماء على مدح مكرم الضيف والثناء عليه بذلك وحمده وأن الضيافة من سنن المرسلين وأن إبراهيم أول من ضيف الضيف
--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:367
واختلفوا في وجوب الضيافة فكان الليث بن سعد يوجبها
قال بن وهب وسمعت الليث يقول الضيافة حق واجب
قال أبو عمر يحتمل أن يكون الليث أراد أن الضيافة واجبة في أخلاق الكرام ولكن قد حكى بن وهب وغيره عنه إيجابها ليلة واحد فأجاز للعبد المأذون له أن يضيف مما بيده وقال به القوم
واحتجوا بحديث شعبة عن منصور عن الشعبي عن المقدام بن معد يكرب قال قال رسول الله ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم فإن أصبح بفنائه فإنه دين له إن شاء قضاه وإن شاء تركه
واحتجوا بأحاديث مرفوعة في مثل هذا المعنى قد ذكرتها في التمهيد
وحديث الليث في ذلك هو حجة لما ذهب إليه
حدثني محمد بن خليفة قال حدثني محمد بن الحسن قال حدثني موسى بن هارون قال حدثني قتيبة بن سعيد قال حدثني الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فنمر بقوم ولا يقرونا فماذا ترى فقال لنا رسول الله إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي ( 1 )

(9/336)


قال أبو عمر وهذا يحتمل أن يكون في أول الإسلام إذ كانت المواساة واجبة ثم أتى الله تعالى بالخير والسعة فصارت الضيافة جائزة وكرما مندوبا إليها محمودا فاعلها عليها
وقال مالك ليس على أهل الحضر ضيافة
وقال سحنون إنما الضيافة على أهل البادية وأما أهل الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر
قال أبو عمر روى إبراهيم بن عبد الله بن همام بن أخي عبد الرزاق عن عمه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال رسول الله الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:368
وهذا عندهم حديث موضوع وضعه بن أخي عبد الرزاق - والله أعلم - وهو متروك الحديث
وحدثناه عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثني الحسن بن إسماعيل قال حدثني بكر بن العلاء القسري القاضي قال حدثني أبو مسلم الكجي قال حدثني إبراهيم بن عبد الله بن أخي عبد الرزاق فذكره كما ذكرنا سواء
وقال مالك ليس للعبد المأذون له أن يضيف أحدا ولا يهب ولا يعير ولا يدعو أحدا إلى طعام إلا بإذن سيده
وهو قول الشافعي والحسن بن حي في العبد المأذون له
وقال الشافعي الضيافة على أهل البادية والحاضرة والضيافة حق واجب في مكارم الأخلاق
قال أبو عمر حديث مالك في هذا الباب عن سعيد عن أبي شريح الكعبي عن النبي دال على أن الضيافة ليست بواحبة فرضا لأن الجائزة في لسان العرب العطية والمنحة والصلة وذلك لا يكون إلا على اختيار لا عن وجوب
وفي قوله في هذا الحديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه مع إجماعهم على أن إكرام الجار وصلته وعطيته ليست بفرض دليل على أن الضيافة أيضا ليست بفرض
وروى أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر بن الخطاب سمعه يقول إن إكرام الضيف يوم وليلة وضيافته ثلاثة أيام فإن أصابه بعد ذلك مرض أو مطر فهو دين عليه

(9/337)


وكان عبد الله بن عمر يقبل الضيافة ثلاثا ثم يقول لنافع أنفق فإنا لا نأكل الصدقة ويقول احبسوا عنا صدقتكم
وسئل الأوزاعي عن من أطعم ضيفه خبز الشعير وعنده خبز البر أو أطعمه الخبز بالزيت وعنده اللحم فقال هذا ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر
قال أبو عمر قوله لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه أي لا يقيم على ضيافته أكثر من ثلاث
والثواء الإقامة

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:369
قال كثير
أريد الثواء عندها وأظنها
إذا ما أطلنا عندها المكث ملت ( 1
) وقال الحارث بن حلزة
أأذنتنا ببينها أسماء
رب ثاو يمل منه الثواء ( 2
) وقوله حتى يحرجهم
أي حتى يضيق عليهم ويضيق نفسه والحرج الضيق في لغة القرآن
1726 - مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله قال بينما رجل يمشي بطريق إذ أشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب وخرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى ( 3 ) من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له فقالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا فقال في كل ذات كبد رطبة أجر
قال أبو عمر النص في هذا الحديث أن في الإحسان إلى البهائم المملوكات وغير المملوكات أجرا عظيما يكفر الله به السيئات والدليل أن في الإساءة إليها وزرا بقدر ذلك لأن الإحسان إليها إذا كان فيه الأجر ففي الإساءة إليها - لا محالة - الوزر
وهذا الحديث عندي يعارض ما روي عنه في قتل الكلاب

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:370
وسيأتي القول في ذلك من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى

(9/338)


وقد روى موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أخيه عن أبيه سراقة بن جعشم أنه أتى النبي فقال له يا رسول الله أرأيت الضالة ترد على حوض إبلي هل لي فيها من أجر إن سقيتها قال نعم في الكبد الحرى أجر ( 1 )
1727 - مالك عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أنه قال بعث رسول الله بعثا قبل الساحل فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة قال وأنا فيهم قال فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر قال فكان يقوتناه كل يوم قليلا قليلا حتى فني ولم تصبنا إلا تمرة تمرة فقلت وما تغني تمرة فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت قال ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ثم أمر براحلة فرحلت
ثم مرت تحتهما ولم تصبهما
قال مالك الظرب الجبيل
قال أبو عمر قال صاحب العين الظرب بكسر الظاء والجمع الظراب وهو ما كان من الحجارة أصله ثابت في جبل أو أرض خزنة وكان طرفه الثاني محددا فإن كان خلفه الجبل كذلك سمي ظربا والجمع ظراب
قال أبو عمر روى هذا الحديث عن جابر جماعة من ثقات التابعين ومعانيهم متقاربة فإذا كان بعضهم يزيد على بعض فيه معنى ليس عند غيرهم منهم عمرو بن دينار وأبو الزبير وعبيد الله بن مقسم وطلحة بن نافع وأبو سفيان
وقد ذكرنا كثيرا منها في التمهيد
ورواه بن جريج مختصرا مستوعبا قال حدثني عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الأنصاري يقول غزونا جيش الخبط وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح فجعنا جوعا شديدا فألقى لنا البحر حوتا لم نر مثله يقال له

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:371
العنبر فأكلنا منه نصف شهر وأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه فكان يمر الراكب تحته ( 1 )

(9/339)


قال أبو عمر كان رسول الله يرسل السرايا والعساكر إلى أرض العدو وتلك سنة مسنونة مجتمع عليها لا تحتاج إلى استدلال ولا استنباط
من أخبار الآحاد في هذا الحديث ما يدل على أن المسلمين إذا نزلت بهم ضرورة يخاف منها تلف النفوس ويرجى بالمواساة بقاؤها حينا انتظار الفرج فواجب حينئذ المواساة وأن يشارك المرء رفيقه وجاره فيما بيده من القوت
إلا ترى إلى حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال شكونا إلى رسول الله الجوع فقال اجمعوا أزوادكم
قال فجعل الرجل يجيء بالحفنة من التمر والحفنة من السويق وطرحوا الأنطعة والأكسية فوضع النبي يده ثم قال كلوا
فأكلنا وشبعنا وأخذنا في مزاودنا فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله من قالها غير شاك دخل الجنة ( 2 )
وقد ذكرنا إسناده في التمهيد
وقال بعض العلماء جمع الأوزاد في السفر سنة وأن يخرج القوم إذا خرجوا في سفر بنفقتهم جميعا فإن ذلك أطيب لنفوسهم وأحسن لأخلاقهم وأحرى أن يبارك لهم
قال أبو عمر فجمع أبي عبيدة لأزواد الجيش الذي كان أميرا عليه مأخوذ من السنة المذكورة في حديث أبي هريرة وغيره
وقد استدل بعض الفقهاء بحديث أبي هريرة هذا وفعل أبي عبيدة في الأمر بإخراج الأزواد وجمعها والمواساة على التساوي فيها فإنه جائز للإمام عند قلة الطعام وإرتفاع السعر وعدم القوت أن يأمر من عنده طعام يفضل عن قوته بإخراجه للبيع ورأى أن إجباره على ذلك من الواجب لما فيه من توفيق الناس وصلاح حالهم وإحيائهم والإبقاء عليهم
وقد كان عمر بن الخطاب - رحمه الله - يجعل مع كل أهل بيت مثل عددهم عام الرمادة ويقول لن يهلك امرؤ عن نصف قوته

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:372
وهذا كله في معنى الأزواد الذي أتت السنة به لما فيه من مصلحة العامة وإدخال الرفق عليهم

(9/340)


وقد قال مالك لا يجوز احتكار الطعام في سواحل المسلمين لأن ذلك يضر بهم ويزيد في غلاء سعرهم ومن أضر بالناس حيل بينه وبين ذلك
وقال أيضا لا يخرج الطعام من سوق بلد إلى غيره إذا كان ذلك يضر بأهله فإن لم يضر بهم فلا بأس أن يشتريه كل من احتاج إليه
وهذا كله من قوله خلاف قوله لا يجبر الناس على إخراج الطعام في الغلاء ولا يجوز التسعير على أهل الأسواق وذلك ظلم ولكن من انحط من السعر قيل له ألحق وإلا فاخرج
وقد أوضحنا هذه المعاني في كتاب البيوع
وفي هذا الحديث جواز أكل دواب البحر ميتة وغير ميتة بخلاف قول الكوفيين أنه لا يجوز أكل شيء من دواب البحر إلا السمك ما لم يكن طافيا فإن كان السمك طافيا لم يؤكل أيضا
وهذه المسألة قد أوضحناها في كتاب الطهارة عند قول رسول الله هو الطهور ماؤه الحل ميتتة ( 1 ) وفي كتاب الصيد أيضا فلا معنى لإعادتها
وقد احتج بهذا الحديث من أجاز أكل لحم الصيد إذا أنتن وكذلك كل ما ذكي لأنه معلوم أن الحوت والميتة كلها إذا بقيت أياما أنتنت وقد أكل أبو عبيدة وأصحابه من ذلك الحوت ثماني عشرة ليلة فلا شك أنهم كانوا يأكلونه بعد أن أصل وأنتن والذكي لا يضره نتنه من جهة الحرام وأنه كره لرائحته
وقال جماعة من أهل العلم لا يؤكل إذا أنتن لأنه حينئذ من الخبائث ورجس من الأرجاس وإن كان مذكي
واحتجوا بحديث أبي ثعلبة الخشني عن النبي في ذلك
حدثناه سعيد بن سيد قال حدثني عبد الله بن محمد بن علي قال حدثني محمد بن عبد الملك بن أيمن

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:373
وحدثني عبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني بن وضاح قال حدثني موسى بن معاوية قال حدثني معن بن عيسى عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله كلوا الصيد وإن وجدتموه بعد ثلاث ما لم ينتن

(9/341)


وذكروا أن جيش أبي عبيدة كانوا جياعا مضطرين تحل لهم الميتة فلذلك أكلوا ذلك الحوت
وقد أتينا بما عورضوا به في كتاب الطهارة وأتينا بما للعلماء في أكل الصيد إذا بات عن صائده أو غاب عنه مصرعه في كتاب الصيد والحمد لله كثيرا
1728 - مالك عن زيد بن أسلم عن عمرو بن سعد بن معاذ عن جدته أن رسول الله قال يا نساء المؤمنات
لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرقا
قال أبو عمر يا نساء ها هنا رفع لا يجوز غير ذلك والمؤمنات أيضا رفع والمعنى فيه يا أيتها النساء المؤمنات وقد يجوز عند أهل العربية في المؤمنات النصب وأما إضافة النساء إلى المؤمنات فلا يجوز
قال أبو عمر الذين أجازوا يا نساء المؤمنات من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل قولك المسجد الجامع وحسن الوجه
وقولهم أقوى من قول من وبالله التوفيق
وفي هذا الحديث الحض على فعل قليل الخير وكثيره قال الله عز وجل فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة 7
وقال رسول الله لأبي تميمة الهجيمي لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تضع من دلوك في إناء المستقي

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:374
ولقد أحسن القائل
افعل الخير ما استطعت وإن
كان قليلا فلن تطيق بكله
ومتى تفعل القليل من الخير
إذا كنت تاركا لأقله
وقد تصدقت عائشة رضي الله عنها بحبتي عنب وقالت كم فيها من مثقال ذرة
وفي هذا الحديث الحض على بر الجار وصلته ورفده
والآثار في حسن الجوار كثيرة جدا
وقد أوضحنا معاني هذا الباب في التمهيد
1729 - مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال قال رسول الله قاتل الله اليهود نهوا عن أكل الشحم فباعوه فأكلوا ثمنه
قال أبو عمر هذا الحديث مسند من حديث عمر بن الخطاب وحديث بن عباس وحديث أبي هريرة وحديث جابر
وقد ذكرتها في التمهيد
وقيل إن بن عباس إنما يرويه عن عمر بن الخطاب عن النبي وقيل إنه سمعه من النبي

(9/342)


حدثني سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثني الحميدي قال حدثني سفيان قال حدثني عمرو بن دينار قال أخبرني طاوس أنه سمع بن عباس يقول بلغ عمر بن الخطاب أن سمرة باع خمرا فقال قاتل الله سمرة ألم يعلم أن رسول الله قال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ( 1 )
قال أبو عمر قوله فجملوها
أي أذابوها
وقد جاء هذا مفسرا في حديث أبي هريرة مذكورا في التمهيد

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:375
وأما رواية من روى سماع بن عباس لهذا الحديث من النبي
فأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثني محمد بن بكر قال حدثني مسدد بن مسرهد أن بشر بن المفضل وخالد بن عبد الله حدثاه المعنى عن خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن بن عباس قال رأيت رسول الله جالسا عند الركن قال فرفع بصره إلى السماء فضحك فقال لعن الله اليهود - ثلاثا - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها إن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه
ولم يقل عن خالد بن عبد الله رأيت وقال قاتل
قال أبو عمر معنى قوله إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه يريد ثمن ما يباع منه للأكل وما لا منفعة فيه للأكل
وأما الحمر الأهلية وما كان مثلها مما لا يجوز أكله ويجوز الانتفاع به فجائز بيعه لغير الأكل وأكل ثمنه
وسيأتي القول في الزيت تقع فيه الميتة وما للعلماء في ذلك من المذاهب في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى
1730 - مالك أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البري وخبز الشعير وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره
قال أبو عمر الماء القراح هو الصافي الذي لا يشوبه شيء لم يمزج بعسل ولا زيت ولا تمر ولا غير ذلك مما تصنع منه الأشربة

(9/343)


قال أبو عمر ما جاء من الآثار في أن قول العبد على طعامه الحمد لله شكر تلك النعمة يعارض خبر عيسى هذا
وقد روي عن النبي من حديث جابر أنه قال أفضل الشكر الحمد لله ( 1 )
وكان عيسى عليه السلام أشد الأنبياء زهدا في الدنيا وإن كانوا كلهم زهادا فيها وما بعث نبي قط إلا بالزهد في الدنيا والنهي عن الرغبة فيها

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:376
حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال حدثني أبي قال حدثني عبد الله بن يونس قال حدثني بقي بن مخلد قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني شريك عن عاصم و الأعمش عن أبي صالح رفعه إلى النبي عليه السلام قال لأصحابه اتخذوا المساجد مساكن واتخذوا البيوت منازل وانجوا من الدنيا بسلام وكلوا من بقل البرية
وزاد الأعمش فيه واشربوا من الماء القراح
قال وحدثني جرير عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال كان عيسى ( عليه السلام ) لا يرفع غداء لعشاء ولا عشاء لغداء وكان يقول إن مع كل يوم رزقه وكان يلبس الشعر ويأكل الشجر وينام حيث أمسى
وروينا أن عيسى ( عليه السلام ) قال له الحواريون يا عيسى بن مريم ما تأكل قال خبز الشعير قالوا وما تلبس قال الصوف
قالوا وما تفترش قال الأرض
قالوا كل هذا شديد قال لن تنالوا ملكوت السماوات والأرض حتى تصيبوا هذا على لذة أو قال على شهوة
وروى أبو معاوية عن هشام بن حسان عن الحسن قال جاء رسول الله إلى أهل الصفة فقال كيف أصبحتم قالوا بخير فقال رسول الله أنتم اليوم خير أم إذا غدا على أحدكم بجفنه وريح عليه بأخرى وستر أحدكم بيته كما تستر الكعبة قالوا يا رسول الله نصيب ذلك ونحن على ديننا قال نعم
قالوا فنحن يومئذ خير نتصدق ونعتق
فقال رسول الله بل أنتم اليوم خير إنكم إذا أصبتم ذلك تحاسدتم وتباغضتم وتقاطعتم

(9/344)


قال أبو عمر من الدليل على أن رسول الله كان يصد أصحابه ويردعهم على خواطر حب الدنيا وما يعرض في القلوب من تمنيها ويزهدهم فيها ما ثبت عنه أنه سألته ابنته فاطمة - رضي الله عنها - خادما يخدمها مما أفاء الله عليه تصونها عن الطحين ومؤنة البيت فقال لها ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك تسبحين الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدينه ثلاثا وثلاثين وتهللينه أربعا وثلاثين

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:377
ومثل ذلك حديث عقبة بن عامر قال خرج علينا رسول الله ونحن في الصفة فقال إيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم فقلنا يا رسول الله كلنا نحب ذلك فقال أفلا أدلكم على ما هو خير من ذلك يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية من كتاب الله خير له من ناقة وآيتين خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل ( 1 )
وقال لأصحابه والله ما الفقر أخشي عليكم ولكني أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا فتتنافسون فيها كما تنافس من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم ( 2 )
والآثار في هذا المعنى كثيرة عنه جدا ومن فهم ووفق فالقليل يكفيه
1731 - مالك أنه بلغه أن رسول الله دخل المسجد فوجد فيه أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب
فسألهما فقالا أخرجنا الجوع فقال رسول الله وأنا أخرجني الجوع فذهبوا إلى أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري فأمر لهم بشعير عنده يعمل وقام يذبح لهم شاة فقال رسول الله نكب عن ذات الدر فذبح لهم شاة واستعذب لهم ماء فعلق في نخلة ثم أتوا بذلك الطعام فأكلوا منه وشربوا من ذلك الماء فقال رسول الله لتسألن عن نعيم هذا اليوم

(9/345)


قال أبو عمر قد روي هذا الحديث مسندا من طرق كثيرة عن أبي هريرة وقد ذكرناها في التمهيد وأتمها وأكملها ما حدثني أبو محمد قاسم بن محمد قراءة مني عليه قال حدثني خالد بن سعد قال حدثني محمد بن فطيس قال حدثني محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة قال حدثني يحيى بن أبي بكير قال حدثني شيبان بن عبد الرحمن عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال خرج رسول الله في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد فأتاه أبو بكر فقال ما أخرجك يا أبا بكر فقال خرجت للقاء رسول الله والنظر في وجهه قال فلم

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:378
يلبث أن جاء عمر فقال ما أخرجك يا عمر قال الجوع
قال وأنا قد وجدت بعض الذي تجد انطلقوا بنا إلى أبي الهيثم بن التيهان وكان كثير النخل والشاء ولم يكن له خدم فأتوه فلم يجدوه ووجدوا امرأته فقالوا أين صاحبك فقالت ذهب ليستعذب لنا الماء من قناة بني فلان ما لبث أن جاء بقربته يزغبها فوضعها فلما رأى رسول الله جعل يلتزمه ويفديه بأبيه وأمه فانطلق بهم إلى ظل وبسط لهم بساطا ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه بين أيديهم فقال رسول الله ألا تنقيت لنا من رطبه
فقال أردت أن تتخيروا من رطبه وبسره فأكلوا ثم شربوا من الماء فلما فرغوا قال رسول الله هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي أنتم عنه هذا ظل بارد والرطب البارد عليه الماء البارد
ثم انطلق يصنع لهم طعاما فقال رسول الله لا تذبح ذات در
قال فذبح لهم عناقا فأكلوا فقال رسول الله هل لك من خادم قال لا قال فإذا أتانا شيء أو قال سبي - فأتنا قال فجاء رسول الله رأسان ليس لهما ثالث فأتاه أبو الهيثم فقال رسول الله خذ أحدهما فقال يا رسول الله خر لي أنت
قال رسول الله المستشار مؤتمن خذ هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفا

(9/346)


فأتى به امرأته فحدثها بحديث رسول الله فقالت ما أنت ببالغ ما قال رسول الله فيه حتى تعتقه قال هو عتيق فقال رسول الله إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة الشر فقد وقي ( 1 )
قال أبو عمر في حديث مالك وفي هذا الحديث ما كان القوم عليه في أول الإسلام من ضيق الحال وشظف العيش وما زال الأنبياء والصالحون يجوعون مرة ويشبعون أخرى
وقد تكلمنا على ما في هذا الحديث من معاني الآداب وغيرها في التمهيد
وقال عبد الله بن رواحة في هذه القصة يمدح أبا الهيثم بن التيهان
( فلم أر كالإسلام عزا لأهله ولا مثل أضياف الأراشي معشرا )
نبي وصديق وفاروق أمة
وخير بني حواء فرعا وعنصرا )
فوافق للميقات قدر قضية
وكان قضاء الله قدرا مقدرا )
( إلى رجل نجد يباري بجوده شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:379
وفارس خلق الله في كل غارة
إذا لبس القوم الحديد المسمرا
ففدى وحيى ثم أدنى قراهم فلم يقرهم إلا سمينا معمرا )
وروينا عن مجاهد أنه قال في قول الله تعالى ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم التكاثر 8 قال كل شيء من لذة الدنيا
1732 - مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب كان يأكل خبزا بسمن فدعا رجلا من أهل البادية فجعل يأكل ويتبع باللقمة وضر الصحفة ( 1 ) فقال عمر كأنك مقفر فقال والله ما أكلت سمنا ولا رأيت أكلا به منذ كذا وكذا فقال عمر لا آكل السمن حتى يحيا الناس من أول ما يحيون

(9/347)


قال أبو عمر وروي يحيى الناس من أول ما يحيون وهذا الحديث قد رواه غير مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان ذكره أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال كان بين يدي عمر صحفة فيها خبز مفتوت بسمن فجاء رجل كالبدوي فقال كل فجعل يتبع وضر الدسم باللقمة في جنوب الصحفة فقال عمر كأنك مقفر ثم ذكره إلى آخره سواء قال أبو عمر في هذا الخبر تواضع عمر ومؤاكلته الضعفاء من أهل البادية وغيرهم
وهذه القصة كانت - والله أعلم - عام الرمادة فإنها كانت شدة شديدة ومسغبة عامة وكان ذلك عامين أو ثلاثة منع أهل الحجاز فيها غيث السماء فساءت بهم الحال وقيل لها أعوام الرمادة لأن الأرض كانت قد اغبرت من شدة الجدب وكان الغبار يرتفع بين السماء والأرض كالرماد
ومن قال عام الرمادة أشار إلى أشدها
وروي عن ثابت عن أنس قال تقرقر بطن عمر وكان يأكل الزيت عام الرمادة وكان قد حرم على نفسه السمن قال فنقر بطنه بإصبعه وقال قرقر ما شئت أن تقرقر إنه ليس لك عندنا غير هذا حتى يحيا الناس
رواه عبيد الله بن نمير عن عبد الله بن عمر عن ثابت عن أنس
وروى حسين الجعفي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن عبد

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:380
الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال إني لآكل مع عمر من خبز وزيت وهو يقول أما والله لتصبرن أيها البطن على الخبز والزيت ما دام السمن يباع بالأواقي
وأما وضر الصحفة فهو ما يتعلق بها من ودك الطعام
والمقفر هو كالمرمل والمرمل الذي لا زاد له ولا قوت معه
وقوله حتى يحيا الناس
فالرواية بضم الياء والمعنى قد يصيب الناس الحياء بالمطر ويعانوا ويخصبوا والحياء هو الخصب والغيث تقول العرب قد أحيا القوم
إذا أصابهم الحياء بالمطر والخصب وصاروا من أهله

(9/348)


وكان عمر - رضي الله عنه - يكره أن يأكل شيئا لا يدرك الناس مثله لئلا يستأثر عن رعيته ويؤثر نفسه عليهم
قال رسول الله من استرعاه الله رعية فلم يحطهم بالنصيحة وحسن الرعاية لم يرح رائحة الجنة ( 1 )
حدثني أحمد قال حدثني أبي قال حدثني عبد الله قال حدثني بقي قال حدثني أبو بكر قال حدثني عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى قال كتب عمر إلى أبي موسى أما بعد فإن أسعد الرعاة عند الله من سعدت به رعيته وإن أشقى الرعاة عند الله من شقيت به رعيته فإياك أن تزيغ فتزيغ عمالك ويكون مثلك مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرعت فيها تبتغي بذلك السمن وإنما حتفها في سمنها والسلام
وقال عمر لو ماتت شاة ضائعة بالفرات لقلت إن الله - عز وجل - سائلي عنها
1733 - مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أنه قال رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين يطرح له صاع من تمر فيأكله حتى يأكل حشفه
قال أبو عمر هذا الخبر يدل على اقتصاره على أكل التمر دون غيره وعلى أنه كان جائعا وعلى أنه كان مخشوشنا في طعامه لا ينتقيه ولا يقول باللين منه

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:381
والحشف رديء التمر المسوس اليابس وللعرب مثل تضربه في من باع شيئا رديئا وكال كيل سوء قالت أحشفا وسوء كيلة
وروى أحمد بن حنبل قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال قالت حفصة بنت عمر لعمر يا أمير المؤمنين لو لبست ثوبا هو ألين من ثوبك وأكلت طعاما هو أطيب من طعامك فقد وسع الله عليك من الرزق وأكثر من الخير قال إني سأخاصمك إلى نفسك أما تذكرين ما كان يلقى رسول الله من شدة العيش فما زال يذكرها حتى أبكاها
وذكر أبا بكر ثم قال والله لئن استطعت لأشاركهما بمثل عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما الرخاء

(9/349)


1734 - مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال سئل عمر بن الخطاب عن الجراد فقال وددت أن عندي قفعة نأكل منه
قال أبو عمر قالوا القفعة عندهم ظرف يعمل من الحلفاء وشبهها مستطيل كالذي يحمل عندنا فيه التراب والزبل على الدواب
والقفة عندهم التي لها منها غطاء وأما عندنا فالقفه مدورة لا غطاء لها ونحن في غنى عن إعلام أهل بلدنا بها
وفي هذا الخبر أكل عمر الجراد وهو أمر مجتمع على جواز أكله لمن شاء
واختلف العلماء هل يحتاج إلى ذكاة أم لا فقال مالك لا يأكل حتى يذكى وذكاته عنده قتله كيف أمكن من الدوس أو قطع الرؤوس أو الطرح في النار ونحو ذلك مما يعالج به موته إذ لا حلق له ولا لبة فيذكى فيها بنحر أو ذبح
وقال الشافعي والكوفي وسائر أهل العلم الجراد لا يحتاج إلى ذكاة وحكمه عندهم حكم الحيتان يؤكل الحي منه والميت ما لم ينتن
1735 - مالك عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن حميد بن مالك بن خثيم أنه قال كنت جالسا مع أبي هريرة بأرضه بالعقيق فأتاه قوم من أهل المدينة

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:382
على دواب فنزلوا عنده قال حميد فقال أبو هريرة ادهب إلى أمي فقل إن ابنك يقرئك السلام ويقول أطعمينا شيئا قال فوضعت ثلاثة أقراص في صحفة وشيئا من زيت وملح ثم وضعتها على رأسي وحملتها إليهم فلما وضعتها بين أيديهم كبر أبو هريرة وقال الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين الماء والتمر فلم يصب القوم من الطعام شيئا فلما انصرفوا قال يا بن أخي أحسن إلى غنمك وامسح الرعام ( 1 ) عنها وأطب مراحها
وصل في ناحيتها فإنها من دواب الجنة والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان

(9/350)


قال أبو عمر في هذا الخبر ما كانوا عليه من إتحاف الضيف النازل بهم والقادم عليهم والداخل إليهم بما يسر من الطعام وهذا عند الجميع منهم كان معهودا بالسنة المعمول بها والمقدم إليهم بالخيار إن قدر على الأكل أكل وإلا فلا حرج
ومن حسن الآداب أن يأكل منه ما قدر عليه لتطيب بذلك نفس الذي قدمه إليه
وأما قوله أحسن إلى غنمك
فالإحسان إليها ارتياد الراعي الحائط لها المتبع بها مواضع الكلأ وجيد المرعى
وقوله امسح الرعام فالرعام ما يسيل من أنوفها من المخاط
وقوله أطب مراحها
يريد بالكنس وإبعاد الطين وإزاحة الوسخ عنه والمراح الموضع الذي تأوي إليه ليلا أو نهارا
وقوله صل في ناحيتها فمأخوذ من قول النبي صلوا في مراح الغنم ( 1 )
وهذا أمر معناه الإباحة عند الجميع لأن المساجد أولى من مراح الغنم بالصلاة وفي إباحة الصلاة في مراحها دليل على إباحة بولها وبعرها
وقد ذكرنا اختلاف العلماء في ذلك وفي معنى النهي عن الصلاة في أعطان الإبل في كتاب الصلاة

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:383
تقول العرب مراح الغنم وعطن الإبل ومرابض البقر كل ذلك في الموضع الذي تأوي إليه
وقد قيل إن عطن الإبل موضع انصرافها ومناخها عند السقي والثلة من الغنم قيل المئة ونحوها ودار مروان بن الحكم أشرف دار بالمدينة كانت ولذلك ضربت بها العرب المثل
قال الشاعر
ما بالمدينة دار غير واحدة
دار الخليفة إلا دار مروانا
( 1 ) وفي هذا الخبر دليل على أن الحديث بالحدثان مباح إذا صح عند المخبر به بأي وجه كان ودليل أيضا على أن المدن تكثر فيها الفتن والتقاتل على الدنيا حتى تفسد وتهلك ويكون الفرار منها إلى القفار والشعاب بقطائع الغنم كما قال يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ( 2 )

(9/351)


1736 - مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان قال أتي رسول الله بطعام ومعه ربيبه عمر بن سلمة فقال له رسول الله سم الله وكل مما يليك
قال أبو عمر هذا الحديث ظاهره الانقطاع في الموطأ
وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة أن رسول الله قال له سم الله وكل مما يليك
وهذا عندنا حديث مسند متصل لأن أبا نعيم سمعه من عمر بن أبي سلمة وقد أدرك أبو نعيم وهب بن كيسان هذا جماعة من الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله فكيف لا يدرك عمر بن أبي سلمة
قال يحيى بن معين وهب بن كيسان أكبر من الزهري وقد سمع من بن عمر وبن الزبير

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:384
حدثني أحمد بن فتح وخلف بن قاسم قالا حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثني أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي
وحدثني عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني بن وضاح قال حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثني سفيان بن عيينة عن الوليد بن كثير عن أبي نعيم وهب بن كيسان سمعه من عمر بن أبي سلمة قال كنت غلاما في حجر رسول الله وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي يا غلام سم الله
وكل بيمينك وكل مما يليك
وقد ذكرنا هذا الحديث عن عمر بن أبي سلمة من طريق أبي نعيم وغيره عنه من وجوه في التمهيد
1737 - مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت القاسم بن محمد يقول جاء رجل إلى عبد الله بن عباس فقال له إن لي يتيما وله إبل أفأشرب من لبن إبله فقال بن عباس إن كنت تبغي ضالة إبله وتهنأ جرباها ( 1 ) وتلط حوضها ( 2 ) وتسقيها يوم وردها ( 3 ) فاشرب غير مضر بنسل ( 4 ) ولا ناهك ( 5 ) في الحلب
قال أبو عمر يحيى بن سعيد أحسن سياقه لهذا الخبر من الزهري

(9/352)


رواه معمر وغيره عن الزهري عن القاسم بن محمد قال جاء رجل إلى بن عباس فقال إن في حجري يتامى وأموالهم عندي وهو يستأذنه أن يشرب من ألبانها وأن يصيب منها فقال ألست تلط حوضها وتبتغي ضالتها وتهنأ جرباها قال بلى قال فأصب من رسلها
يعني لبنها
ورواه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن بن عباس فذكره
قال وزاد عبد الرحمن فاشرب من فضل الدر

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:385
قال سفيان وحدثني بن نجيح قال قال لي القاسم بن محمد ما سمعت فتيا أحسن من فتيا بن عباس هذه في اليتيم إلا أن يكون حديث عن رسول الله
وقال سفيان عن عمرو عن الحسن قال جاء رجل إلى النبي فقال في حجري يتيم وله مال أفآكل من ماله قال نعم بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله قال أفأضربه قال مما كنت منه ضاربا ولدك
واختلف أهل العلم في ما يحل لوالي اليتيم من ماله بعد إجماعهم أن أكل مال اليتيم ظلما من الكبائر قال الله عز وجل إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا النساء 10 وقال تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده الإسرء 34 وقال واتبلوا اليتمى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أمولهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف النساء 6
فقيل الغني لا يحل له أكل شيء من مال اليتيم
وقيل بل له أن يأكل منه بمقدار قيامه عليه وخدمته له وانتفاع اليتيم به في حسن نظره له
وهذا يشبه قول بن عباس المذكور
وقد قيل يستقرض من ماله فإن أيسر رده
وقال بهذه الأقوال جماعة من علماء السلف وليس هذا موضع تقصي القول في ذلك
وأما قوله في حديث مالك تبغي ضالتها يعني تطلب ما ضل منها وما شرد حتى تصرفه

(9/353)


وقوله تهنأ جرباها فالهنأ طلاء القطران يعني تطلي جرباها بالقطران
قال دريد بن الصمة في الخنساء ونظر إليها وهي تهنأ الجربى من إبلها
ما إن رأيت ولا سمعت به
كاليوم هانئ أينق جرب ( 1
)
( متبدلا تبدو محاسنه يصنع الهنأ مواضع الثقب

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:386
وقال إبراهيم بن هرمة
لست بذي قلة مؤثلة
أقط ألبانها وأسلؤها ( 1
)
لكني قد علمت ذو إبل
أحسبها للقرى وأهنأها
وقوله وتلط حوضها وقد روي وتلوط حوضها أي تصلح الحوض وتسد المواضع التي يخرج منها الماء قال الشاعر
وليطت حياض الموت وسط العشائر
وقوله وتسقيها يوم وردها يعني يوم ترد الماء لتشرب
وقوله غير مضر بنسل
يعني لا يكون شريكا مضرا بالأولاد ينهاه عن السرف لأنه إذا سرف أضر بفصلانها
والحلب بتحريك اللام اللبن نفسه
والحلب بتسكين اللام مصدر حلب
1738 - مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان لا يؤتى أبدا بطعام ولا شراب حتى الدواء فيطعمه أو يشربه إلا قال الحمد لله الذي هدانا وأطعمنا وسقانا
إلى آخر الحديث
فالحمد لله - على الأكل والشرب مع التسمية - سنة مسنونة التسمية أولا والحمد لله آخرا
والدعاء كثير لا يكاد يحصى وخيره ما كان الداعي بنية ويقين بالإجابة ويكفي من ذلك قوله في أول الطعام بسم الله الرحمن الرحيم وفي آخره الحمد لله رب العالمين اللهم بارك لنا في ما رزقتنا وقنا عذاب النار

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:387
1739 - سئل مالك هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها فقال مالك ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال
قال وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة

(9/354)


قال أبو عمر في كتاب الله تعالى شفاء من هذا المعنى قال الله عز وجل وقل للمؤمنت يغضضن من أبصرهن النور 31 كما قال ) قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم ) النور 30
وقال رسول الله لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بذي محرم ولا تسافر امرأة بريدا فما فوقه إلا مع ذي محرم ( 1 )
وقال جرير سألت رسول الله عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري ( 2 )
وقال لعلي رضي الله عنه لك النظرة الأولى وليس لك الأخرى ( 3 )
وهذا تفسير حديث جرير أنه أمره أن يصرف بصره عن النظرة الثانية لأن النظرة الأولى غلب عليها بالفجاءة
ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته وزمنه خير من زمننا هذا
وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرم نظر شهوة يرددها
وقال عاصم الأحول قلت للشعبي الرجل ينظر إلى المرأة لا يرى منها محرما قال ليس لك أن تنقبها بعينك
قال أبو عمر فأين المجالسة والمؤاكلة من هذا

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:388
وقال مجاهد في قول الله عز وجل يا أيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمنكم النور 58 قال عبيدكم المملوكون
والذين لم يبلغوا الحلم منكم النور 58 قال الذين لم يحتلموا من أحراركم
وقال بن جريج قلت لعطاء وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا
قال واجب على الناس جميعا أن يستأذنوا أحرارا كانوا أو عبيدا
وقال سفيان عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال ليستئذنكم الذين ملكت أيمنكم قال النساء ما عنى بها إلا النساء
قال سفيان نحن نقول عنى بها الرجال إذا بلغوا الحلم استأذنوا
وقال أبو إسحاق الفزاري قلت للأوزاعي ما حد الطفل الذي يستأذن قال بن أربع سنين
قال لا يدخل على المرأة حتى يستأذن

(9/355)


قال أبو عمر قد جاءت رخصة في المملوك الوغد وفي معاني من هذا الباب تركت ذكرها لأني لم أر من الصواب إلا أن يكون المملوك من غير أولى الإربة فيكون حكمه حكم الأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء وكم من المماليك الأوغاد أتى منهم الفساد
1 ( 11 - باب ما جاء في أكل اللحم )
1740 - مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر
قال أبو عمر هذا يدل على أن الخمرة من ابتلى بها قل ما يقلع عنها ولا يتوب منها
وأما اللحم فسيد الإدام وهو غاية التنعم والرفاهية ويروى عن النبي من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقد ذكرناه في التمهيد أنه قال سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم
وأمر رسول الله بالوليمة ولو بشاة وقال لا تقطعوا اللحم بالسكين على الخوان فإنه من فعل الأعاجم ( 1 )
وكان يأكل اللحم وكان يعجبه لحم الذراع

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:389
وروي عنه أنه قال أطيب اللحم لحم الطير
وقال سفينة أكلت مع رسول الله لحم حبارى ( 1 )
وكان عمر - رضي الله عنه - مخشوشنا في أكله ولباسه وكذلك في كتابه إلى أهل البصرة إياكم والتنعم وزي العجم واخشوشنوا وكان حريصا على أن تكون رعيته تقتدي به في الزهد في الدنيا والرضا بخشونة العيش وقد روي عنه أنه قال في بعض خطبه على المنبر ولا تأكلوا البيض فإنما البيضة لقمة فإذا تركت صارت دجاجة ثمن درهم
1741 - مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب أدرك جابر بن عبد الله ومعه حمال لحم فقال ما هذا فقال يا أمير المؤمنين قرمنا ( 2 ) إلى اللحم فاشتريت بدرهم لحما فقال عمر أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره أو بن عمه أين تذهب عنكم هذه الآية اذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الأحقاف 20
قال أبو عمر روي هذا الخبر عن عمر من وجوه منها

(9/356)


ما ذكره سنيد قال حدثني معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه قال أبصر عمر بن الخطاب جابر بن عبد الله قد علق لحما بيده فقال ما هذا قال قرمنا إليه قال وكلما اشتهى أحدكم شيئا أكله ألا يطوي بطنه لجاره وضيفه أين تذهب عنكم هذه الآية أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الأحقاف 20
قال سنيد وحدثني جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو قال دخل عتبة بن فرقد على عمر في السحر وهو يكرم كعكا شاميا ويتفرق لبنها فقال يا أمير المؤمنين لو أمرت بطعام من لبن فصنع لك قال يا بن فرقد ألست أقدر أحياء العرب على طعام واحد قال عتبة نعم ما أجد أقدر على ذلك منك قال إني سمعت رسول الله يذم قوما فقال أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم الأحقاف 20
قال بن جريج وقتادة بلغنا عن عمر أنه قال لو شئت كنت أطيبكم طعاما وألينكم لباسا ولكني أستبقي طيباتي

--------------------------------------------------------------------------------

الاستذكار ج:8 ص:390
قال أبو عمر هذا طريق الزهد في الدنيا وقد رضي الله ذلك من عباده إذا كانت رغبة في الآخرة وإيثارا لها وإن كان قد أباح الطيبات وهي الحلال وقال عز وجل ) اليوم أحل لكم الطيبت ) المائدة 5 وقال قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبت من الرزق الأعراف 32
فأكل اللحم المباح حلال ومن السنة والشريعة ذبح الغنم ونحر البدن والأكل منها وإطعام القانع والمعتر فأكل ما حل من اللحم وغيره مباح وأكل ما حرم لا يحل خشنا كان أو غير خشن إلا أن من يترك الدنيا حبا في الآخرة نال في الآخرة أعلى درجة وما التوفيق إلا بالله
قال أبو عمر ظاهرة الآية يدل على أنها في الكفار قال عز وجل ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا الأحقاف 20
ولكن فعل عمر وقوله فعل أهل الزهد وقولهم

(9/357)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية