صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

إبانة

بيان العنى: يقال فى اللغة: بأن الأمر يبين فهو بين: أى واضح. وبان الشىء إذا انفصل فهو بائن وأبنته: فصلته ويقال: ضربه فأبان رأسه عن جسده أي فصله. وبانت المرأة بالطلاق فهى بائن وأبانها زوجها فهى مبانة. والبين بفتح الباء يطلق على الوصل كما يطلق على الفرقة فهو من الأضداد. وأستعمل الفقهاء كلمة إبانة بمعنى الفرقة والفصل فى إبانة جزء من الحيوان أو الصيد وفى إبانة المرأة بالطلاق
حكم ما أبين من الحيوان قبل زكاته:
إذا أبين جزء من حيوان حى مأكول اللحم - غير السمك والجراد- قبل ذبحه قال فقهاء الحنفية إن الجزء المبان يعتبر ميتة فالا يحال أكله. فإذا قطع إنسان قطعة من إليه الشاة أو من فخذها أو من سنم البعير أو فخذه أو من دجاجة قبل ذبح الشاة أو البعير أو الدجاجة فإن الجزء المبان لا يحل أكله لأن شرط حل الأكل من الحيوان البرى المأكول - غير الجراد- هو الذكاة فلا يحل الأكل من الحيوان بدون الذكاة لقوله عز وجل ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ((1) استثنى سبحانه وتعالى من الأشياء المذكورة المحرمة ما ذكى والاستثناء من التحريم إباحة. وأيضا قال تعالى" يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات "(2) وقال: عز وجل (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ((3) والحيوان البرى لا يعتبر طيبا إلا بخروج الدم المسفوح وذلك بذكاته. وروى أن أهل الجاهلية كانوا يقطعون قطعة من الية الشاة أو من سنام البعير فيأكلونها فلما بعث النبى عليه الصلاة والسلام نهاهم عن ذلك فقال عليه السلام: (ما أبين من الحى فهو ميت) وهذا الجزء المبان لا يحل أكله وإن ذبح الحيوان بعد ذلك لأن حكم الذكاة لم يكن ثابتا ولا موجودا وقت الإبانة.
ويعتبر هذا الجزء ميتا لا تحله ذكاة الحيوان بعد حتى ولو بقى متعلقا بجلد الحيوان لأن بقاءه متعلقا بالجلد لا اعتبار له فكان وجوده بمنزلة العدم فهو مبان حكما. أما إذا بقى متعلقا باللحم فإن ذكاة الحيوان تحل أكل الحيوان واكل الجزء المبان لأنه لا يزال معتبرا من جملة الحيوان فذكاة الحيوان تكون له ولما أتصل به. والزكاة التى تحل أكل الحيوان وأكل الجزء المبان الذى بقى متعلقا باللحم يجب أن تكون مستوفية لشرائطها الشرعية التى سيأتى بيانها كما أن الحيوانات التى يحل أكلها والتى لا يحل سيأتى بيانها- انظر ذبائح وحيوان- (4).
ومذهب المالكية كمذهب الحنفية بالنسبة لما تقدم مستندين فى ذلك إلى قوله عليه السلام (ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميته) غير أن فقهاء المالكية خالفوا الحنفية فيما إذا بقى الجزء المبان متعلقا باللحم إذ قالوا إن الجزء المبان يعتبر ميتا لا تحله ذكاة الحيوان إذا بقى متعلقا بجزء يسير من جلد الحيوان أو اللحم (5)
ومذهب الشافعية كمذهب الحنفية أيضا بالنسبة لما تقدم غير أن فقهاء الشافعية. يقولون أن العضو المبان إذا بقى متعلقا بجلد الحيوان فقط حل بذبح الحيوان لأن كلمة الإبانة لا تصدق على مثل ذلك (6). ومذهب الحنابلة كمذهب الشافعية استندوا إلى الحديث الذى استند إليه فقهاء المالكية (7). ومذهب الظاهرية والزيدية والإباضية والإمامية كمذهب الحنفية بالنسبة لما أبين من حيوان حى مأكول اللحم - غير السمك والجراد - قبل ذبحه فلا يحل أكل الجزء المبان حتى ولو ذكى الحيوان بعد ذلك (8).
حكم إبانة جزء من الجراد أو السمك
قال فقهاء الحنفية: إذا أبين جزء من الجراد او السمك وهو حى أكل الجزء المبان. وقوله عليه الصلاة والسلام: ( وما أبين من الحى فهو ميت (، وأن تناول بعمومة السمك والجراد، إلا أن ما أبين من السمك والجراد يحل أكله لأن ميتة السمك والجراد يحل أكلها لقوله عليه الصلاة والسلام: " أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد و اما الدمان فالكبد والطحال "، وهذا الحديث صريح فى أن ميتة السمك والجراد يحل أكلها فما أبين منها وإن كان ميتة إلا أنه يحل أكله لهذا الحديث وهو يعتبر استثناء من حديث ( ما أبين من الحى فهو ميت (.
كما أن حديث " أحلت لنا ميتتان إلخ "، حديث مشهور مؤيد بالإجماع فيجوز تخصيص الكتاب به، فقوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة ( (9) خصصت بهذا ا لحديث.
والجزء المبان من السمك يحل أكله سواء أكان السمك حيا أما ميتا إلا أنهم استثنوا من ذلك السمك الطافى فلا يحل أكل الجزء المبان منه لأن السمك الطافى لا يحل أكله عند الحنفية.
والطافى هو الذى مات تحف أنفه فطفا فوق الماء وبطنه من فوق. أما الذى لم يمت وتحف أنفه فلا يعتبر طافيا مات بسبب إنسان مسلم أو غير مسلم أو قتله حيوان. والحكم الخاص بحل الجزء المبان من السمك يشمل جميع أنواع السمك ومنه الجريت بكسر المعجمة وتشديد المهملة وهو سمك اسود مدور والمارماهى وهو سمك فى صورة الحية.
وهذا الحكم خاص بأنواع السمك فقط فلا يشمل باقى أنواع الحيوانات المائية فما أبين من غير السمك لا يحل أكله لأن الحيوانات المائية غير السمك لا يحل أكلها(10).
ومذهب المالكية كمذهب الحنفية بالنسبة لإبانة جزء من السمك غيرأنهم قالوا إن جميع أنواع الحيوان المائى حكمها حكم السمك. أما الجراد فلا يؤكل عندهم من غير ذكاة. وذكاته عندهم أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك فإذا أبين من الجراد جناحه فمات من ذلك أكل الجراد وما أبين منه لأن هذه ذكاته(11).
واختلف فقهاء الشافعية فى حكم الجزء المبان من السمكة وهى حية فيرى بعضهم أنه لا يحل أكل الجزء المبان لعموم قوله عليه السلام(ما أبين من الحى فهو ميت) والأصح عندهم أنه لا يحل أكل الجزء المبان من السمك لأنه يحل أكل ميتة السمك وما حلت ميتته لا حاجة الى تذكيته. وجميع أنواع الحيوان المائى وهى التى لا تعيش إلا فى البحر ولا تبقى فى البر إلا بمقدار حياة المذبوح فقط حكمها عد الشافعية حكم السمك. والجراد عندهم حكمه حكم السمك فى جميع أحواله(12).
مذهب الحنابلة (13): وقال فقهاء الحنابلة أن السمك وغيره من ذوات الماء التى لا تعيش إلا فيه يحل أكل ميتته لقوله عليه السلام فى البحر(هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وهذا أيضا هو حكم الجراد عندهم والظاهر من ذلك إن الجزء المبان من كل يحل أكله.
وقال ابن حزم الظاهرى:
أن ميتة الجراد حلال وكذلك السمك وكل ما يسكن جوف الماء ولا يعيش إلا فيه.
وأما ما يعيش فى الماء والبر كالسلحفاة فلا يحل أكله إلا بذكاة عدا الضفدع فإنه لا يحل أكله أصلا.
ويؤخذ من هذا أنه إذا أبين جزء من حيوان حى يعيش فى الماء وفى البر مما يؤكل عندهم قبل ذكاته فلا يحل أكل هذا الجزء المبان كما أن تذكية الحيوان بعد ذلك "لا تحل الجزء المبان(14).
ومذهب الزيدية كمذهب الحنفية بالنسبة لإبانة جزء من الجراد أو السمك.
والجزء المبان من السمك يحل أكله سواء أبين من السمك وهو حى أو كان قد مات بسبب اصطياد الإنسان له أو بسبب جزر الماء عنه وبقاء السمك مكشوفا أو بسبب قذف الماء له فى البر أو بسبب نضوب الماء أو بسبب ازدحامه فى الحظيرة التى أعدها الصائد لإصطياد السمك. فان مات السمك بسبب سوى ما تقدم اعتبر طافيا فلا يحل أكله لقوله عليه الصلاة والسلام: " ما وجدتموه طافيا فلا تأكلوه " ومن قبيل الطافى عندهم ما قتله حيوان. فهم يخالفون الحنفية فى بيان معنى الطافى.
والحكم الخاص بحل الجزء المبان من السمك يشمل عندهم كل ما يحل آكله من حيوان الماء. أما ما لا يحل أكله من حيوان الماء فلا يحل أكل الجزء المبان منه. وهم يحرمون من حيوان الماء ما حرم شبهه من حيوان البر كالمارماهى والسلحفاة كما أن ما يعيش فى الماء والبر كالضفدع يحرم أكله لخبثه (15).
ومذهب الإباضية كمذهب الحنفية فى أن ما أبين من السمك والجراد يحل أكله سواء أكان السمك أو الجراد حيا أو ميتا والصحيح من مذهبهم أن صيد البحر يشمل كل حيوان مائى وإن كان على صورة كلب أو خنزير أو آدمى(16).
وفقهاء الإمامة يقولون: أن السمك والجراد لا يحل أكلهما بدون التذكية. وتذكية السمك عندهم استيلاء الإنسان عليه خارج الماء حيا سواء أخرجه الإنسان من الماء أو خرج بنفسه من الماء فأدركه الإنسان حيا وأخذه ولو كان الآخذ له غير مسلم متى شاهده المسلم والراجح عندهم أنه يجوز أكله حيا وقيل لا يباح حتى يموت. وبناء على ما تقدم فإن ما أبين من السمك وهو حى يحل أكله على الرأى الأول ولا يحل أكله على الرأى الثانى.
وتذكية الجراد عندهم أخذه حيا باليد أو الآلة ولو كان الأخذ له غير مسلم إذا شاهده المسلم.
ويباح أكله حيا إذا كان الجراد يطير بنفسه. أما الدبى- أى الجراد قبل أن يطير- فلا يحل أكله.
وبناء على ذلك فإن ما أبين من الجراد وهو حى يحل أكله متى كان الجراد يطير بنفسه وذكى (17)
حكم ما آبين من الحيوان بعد تذكيته وقبل موته:
قال فقهاء الحنفية: إذا أبين جزء من الحيوان بعد ذبحه وقبل موته حل أكل هذا الجزء مع الكراهة سواء أكان الجزء المبان هو الرأس أو غيرها. وقوله عليه السلام "ما أبين من الحى فهو ميت " لا يقتضى تحريم هذا الجزء لأن كلمة الحى وردت فى الحديث مطلقة والمطلق ينصرف إلى الفرد الكامل وذلك بأن يكون الحى حيا حقيقة وحكما. والحيوان بعد ذبحه وقبل موته وإن كانت فيه حياة حقيقة إلا أنه يعتبر ميتا حكما لأن الشارع لا يعتبر مثل هذه الحياة ولا يرتب عليها حكما و إنما كره إبانة جزء من الحيوان فى هذه الحالة لأنه تعذيب بلا فائدة. وكل ما فيه تعذيب للحيوان بلا فائدة فهو مكروه (18) ومذهب المالكية كمذهب الحنفية فى ذلك (19) والظاهر من مذهب الشافعية إن الجزء المبان فى هذه الحالة يحل أكلة لأن شرط حل أكل الحيوان البرى المأكول هو الزكاة وقد وجدت ولم يشترطوا فى حل أكل الموت مع الذكاة. وأما الإبانة فى ذاتها فقال بعضهم ان ذلك محرم وقال بعضهم أنه مكروه والحرمة أو الكراهة إنما هى لذات الفعل لما فى ذلك من تعذيب الحيوان (20)
ومذهب الحنابلة كمذهب الحنفية فى ذلك فيحل أكل الجزء المبان عندهم لأن الإبانة كانت بعد حصول الزكاة فكانت شبيهة بالإبانة بعد الموت. و أما الكراهة فلأن إبانة هذا الجزء قد يترتب عليها سرعة زهوق الروح فضلا عن أنه تعذيب للحيوان وذلك مكروه واستندوا فى ذلك الى ما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال (21) بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بديل ابن ورقاء الخزاعى على جمل أورق يصيح فى فجاج منى بكلمات منها " لا تجعلوا الأنفس أن تزهق " واستندوا أيضا إلى قول عمر رضى الله عنه:" لا تجعلوا الأنفس حتى تزهق ".
وقال ابن حزم الظاهرى: أن الجزء المبان فى هذه الحالة لا يحل أكله مادام الحيوان حيا فإذا مات الحيوان حل أكله وأكل الجزء المبان واستندوا فى ذلك إلى قوله تعالى: ( فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها (22) ( فالله لم يبح أكل شىء من الحيوان بعد تذكيته إلا بعد وجوب الجنب وهو فى اللغة الموت فإذا مات الحيوان حل أكله وأكل الجزء المبان (23).
ومذهب الزيدية كمذهب الحنفية فى ذلك واستندوا فى كراهة الإبانة فى هذه الحالة إلى قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تعجلوا الأنفس..." الحديث. ولأنه تعذيب للحيوان بلا فائدة (24).
وقال فقهاء الإباضية أنه يحرم إبانة جزء من الحيوان بعد ذبحه وقبل موته ولا يحل أكل هذا الجزء المبان لأنه أبين من حى أما باقى الحيوان فقد اختلفوا فى جواز أكله. وقال فقهاء الإمامية: " إذا ذبحت الذبيحة وسلخت أو سلخ شىء منها قبل أن تموت فليس يحل أكلها "، وقالوا أيضا: إن تذكية الحيوان مشروطة بموته بالذبح أو النحر أو ما فى حرصهما.
وهذا يفيد أنه إذا أبين جزء من الحيوان بعد ذبحه حرم أكل الجزء المبان كما حرم أكل باقى الحيوان أما الفعل فى ذاته فقال بعضهم أنه محرم استنادا إلى تلازم تحريم الأكل وتحريم الفعل وقال بعضهم أنه مكروه لاشتماله على تعذيب الحيوان. وهذا الحكم خاص بإبانة غير الرأس أما الرأس فقد اختلفوا فى إبانتها بعد الذبح وقبل الموت فقال بعضهم أن ذلك مكروه لحديث روى عندهم هو: " لا تنخع ولا تقطع الرقبة بعد ما تذبح "، وقال بعضهم أن ذلك حرام لأن النهى فى الحديث المشار إليه يقتضى التحريم. كما اختلفوا فى أن إبانة الرأس تحرم الذبيحة أم لا؟
فقال بعضهم أن ذلك يحرم الذبيحة لأن الزائد عن قطع الأعضاء يخرجه عن كونه ذبحا شرعيا فلا يكون مبيحا وقال بعضهم أن الذبيحة لا تحرم بذلك لأن المعتبر فى الذبح قد حصل فلا اعتبار بالزائد (25).
رمى الصائد الصيد فأبان عضوا منه هل يؤكل هذا العضو ؟
قال فقهاء الحنفية إذا رمى الصائد صيدا يؤكل لحمه فأبان عضوا منه فان كانت حياة الصيد ممكنة بعد إبانه هذا العضو- أى بقيت فيه حياة فوق حياة المذبوح- فان العضو المبان لا يؤكل لأن العضو المبان قد أبين من حى فهو ميتة لقوله عليه السلام " ما أبين من الحى فهو ميت " والصيد هنا يعتبر حيا حقيقة وحكما أما الحقيقة فلوجود الحياة فيه و أما حكما فلأن الشارع أعتبره حيا بعد إبانة العضو منه.
ولذلك لو وقع الصيد فى الماء بعد ذلك فمات فإنه لا يؤكل لحمه لاحتمال أن يكون موته بسبب وقوعه فى الماء.
وإذا بقى العضو متعلقا بالصيد فى هذه الحالة ، فإن كان بمكن التئامه فإن هذا العضو يكون حكمه حكم باقى الصيد لأنه لا يصدق عليه أنه أبين، وإن كان لا يمكن التئامه كأن بقى متعلقا بجلد الصيد فقط فإنه لا يؤكل لأنه مبان حكما.
وإن كانت حياة الصيد بعد إبانة العضو منه غير ممكنة- أى لم تبق فيه حياة أكثر من حياة المذبوح- فإنه يحل كل الجزء المبان سواء كان الجزء المبان هو الرأس أو غيرها لأن العضو المبان فى هذه الحالة هو مبان من حى صورة لا حكما إذ الحياة الباقية فيه لا يعتبرها الشارع ولا يرتب عليها حكما ولذلك لو وقع الصيد فى الماء أو تردى من جبل أو سطح فمات يحل أكله.
والجزء المبان إنما يحل أكله إذا تحققت الشروط التى اشترطها الفقهاء فى الصائد وفى الصيد التى سيأتى بيانها (26) (انظر صائد وصيد).
وقال فقهاء المالكية إذا أبان، الجارح أو السهم جزءا من الصيد فان كان فى إبانة هذا الجزء إنفاذ مقتل أكل الجزء المبان وإن لم تكن فى الإبانة إنفاذ مقتل لا يحل أكل الجزء المبان لأنه ميتة حتى ولو بقى متعلقا بجزء يسير من جلد الصيد أو لحمه.
وقيد فقهاء المالكية الصيد بما له نفس سائلة - أى دم يسيل - لأن مالا نفس له، سائلة كالجراد مثلا إذا قطع جناحه فمات من ذلك أكل الجميع لأن هذه ذكاة (27).
وقال فقهاء الشافعية إذا رمى الصائد الصيد فأبان عضوا منه بجرح مذفف- أى مسرع للقتل- فمات فى الحال حل العضو المبان كما يحل باقى الصيد. أما إذا لم يمت فى الحال ثم تركه بعد قدرته عليه حتى مات لم يحل العضو المبان وكذلك لا يحل الصيد لأن شرط حل الصيد أن يموت قبل أن يتمكن من ذبحه أما إذا أدركه ولو بعد جرح مذفف وفيه حياة مستقرة- أى فيه حركة قوية أو تفجر دم أو قيام- وأمكنه ذبحه ولم يذبحه ومات فإنه يحرما. أما إذا أبان منه عضوا بجرح غير مذفف ثم تمكن من ذبحه وذبحه أو لم يتمكن من ذبحه ولكنه جرحة جرحا آخر مذففا حرم الجزء المبان وحل باقى الصيد. وإذا لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح الأول قيل يحل الجزء المبان والمعتمد أنه يحرم لأنه أبين من حى. (28).
وقال فقهاء الحنابلة إذا رمى الصائد الصيد فقطعه قطعتين متساويتين أو متفاوتتين أو أبان رأسه أو عضوا آخر منه ولم يبق فى الصيد حياة مستقرة حل العضو المبان وباقى الصيد وإذا بقى فى الصيد حياة مستقرة يمشى معها ويذهب ويجئ فلا يحل العضو المبان لأنه مبان من حى. وإذا بقى العضو معلقا بجلد الحيوان حل العضو إذا حل الحيوان لأن العضو المعلق بالجلد لا يصدق عليه أنه أبين (29).
وابن حزم الظاهرى وافق الحنفية فيما إذا رمى الصائد الصيد فأبان منه عضوا ولم تبق فيه حياة أكثر من حياة المذبوح فقالوا أن العضو المبان يؤكل كما يؤكل باقى الصيد.
أما إذا بقى فى الصيد حياة أكثر من حياة المذبوح فإن مات الصيد بسبب هذا الجرح لكن الصائد لم يدركه إلا بعد موته أو أدركه وقد حضرته أسباب الموت أكل العضو المبان كما يؤكل باقى الصيد ولا حاجة الى تذكيته. وأما إذا أدركه وفيه حياة أكثر من حياة المذبوح فإن الجزء المبان لا يحل أكله (30).
وقال فقهاء الزيدية ما أبين من الصيد يحل أكله إذا كانت الإبانة بضربة أدت إلى موت الصيد (31).
وقال فقهاء الإباضية إذا رمى الصائد الصيد فأبان رأسه فان وجد الصيد ميتا أكلت الرأس والجسد وإن وجد حيا حرم أكل الكل وإن كانت هذه الحياة غير معتادة. وإن أبان عضوا غير الرأس حرم هذا العضو سواء وجد الصيد ميتا أو حيا وقيل يحل العضو ان مات الصيد بمجرد الإبانة. والعضو المبان إن بقى معلقا بالجلد فقد يعتبر مبانا حكما وإن بقى معلقا باللحم لا يعتبر مبانا (32).
وقال فقهاء الإمامية إذا أبين من الصيد عضو بسهم أو سيف أو رمح فإن بقى فى الصيد بعد الإبانة حياة مستقرة لا يؤكل العضو المبان وإن لم يبق فى الصيد حياة مستقرة حل أكل العضو المبان (33)
إبانة المرأة بالطلاق:
الطلاق قد يكون بائنا وذلك بأن يطلق الرجل زوجته قبل الدخول بها أو يطلقها على مال أو يطلقها الطلقة الثالثة- إلى غير ذلك من أقسام الطلاق البائن- وفيه يقال أن الزوجة طلقت تطليقه بائنة وهذا هو المقصود من إبانة المرأة بالطلاق(انظر بائن، طلاق).

__________

(1) سورة المائدة آية 3
(2) سورة المائدة آية 4
(3) سورة الأعراف آية 157
(4) البدائع ج5 ص 40،44،45 طبعة 1328 هجرية الدر المختار ، حاشية ابن عابدين ج5 ص 270 الطبعة الثالثة سنة 1299 هجرية.
الهداية وحواشيها ج8 ص 50 ،65 طبعة سنة 1318 هجرية.
(5) راجع بداية المجتهد ج1 ص 357 طبعة سنة 1933 هجرية.
الشرح الكبير ج2 ص 109 طبعة سنة 1355 هجرية ج1 ص 53.
(6) راجع: شرح المحلى على المنهاج وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص 241 طبعة سنة 1368 هجرية.
(7) راجع المغنى ج11 ص40 ،41،53،54 طبعة 1348هجرية وشرح منتهى الإرادات ج3 ص 415 طبعة 1366 هجرية
(8) راجع فى فقه الظاهرية: المحلى لابن حزم ج7 ص 398،437،438،449 وراجع فى فقه الزيدية البحر الزخار ج4 ص 309 طبعة سنة 1366. وفى فقه الإباضية شرح النيل ج2 ص 516،536،537،570 وفى فقه الإمامية الروضة البهية ج2 ص 264 ،273 طبعة سنة 1378هجرية.
(9) سورة المائدة أية 3.
(10) راجع الدر المختار وحاشية ابن عابدين ج5 ص 267 ،268 الطبعة الثالثة سنة 1299هجرية.
والبدائع والهداية وحواشيها.
(11) راجع بداية المجتهد ج1 ص 356،359 طبعة سنة 1333 هجرية والشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج2 ص 109 ،114 طبعة 1355 هجرية.
(12) راجع: شرح المحلى على المنهاج وحاشية القليوبى وعميرة ج4 ص 241 طبعة سنة 1368 هجرية
(13) راجع المغنى ج11 وشرح منتهى الإرادات ج3 المراجع السابقة الإشارة إليها.
(14) راجع المحلى لابن حزم ج7 ص 393 ، 398 ، 437 ، 438 طبعة سنة 1347 هجرية
(15) راجع البحر الزخار ج4 ص 291 ،302 ،304 طبعة سنة 1366 هجرية.
(16) راجع شرح النيل ج2 ص 574.
(17) راجع الروضة البهية ج2 ص 272 ، 273 طبعة سنة 1378 هجرية.
(18) راجع الدر المحتار وحاشية ابن عابدين ج5 ص 258 ، 270 الطبعة الثالثة سنة 1299 هجرية
(19) راجع حاشية الدسوقى ج2 ص 109 طبعة سنة 1355 هجرية
(20) راجع شرح المحلى على المنهاج وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص 239 ، 242 ، 243 طبعة سنة 1368 هجرية
(21) راجع شرح منتهى الإرادات ج3 ص 409 طبعة سنة 1366 هجرية، والمغنى ج11 ص 53 ، 54 طبعة سنة 1384 هجرية.
(22) آية 36 سورة الحج.
(23) راجع المحلى لابن حزم ج7 ص 398 ،449 طبعة 1349 هجرية.
(24) راجع البحر الزخار ج4 ص 308 طبعة 1366 هجرية.
(25) راجع شرح النيل ج2 ص 536 ، 537.
(26) راجع الروضة البهية ج2 ص 270 ، 273 طبعة سنة 1378 هجرية..
(27) راجع الدر المختار وحاشية ابن عابدين ج5 ص 418 ، 419 الطبعة الثالثة سنة 1299 هجرية.
والهدايه وحواشيها ج8 ص 185 ، 186.
والبدائع ج5 ص 44 ، 45 طبعة سنة 1328 هجرية والزيلعى ج6 ص 59 طبعة سنة 1315 هجرية.
(28) راجع الشرح الكبير وحاشية السوقى ج2 ص 109 طبعة سنة 1355 هجرية
(29) راجع شرح الجلال المحلى على المنهاج وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص 241 ، 242.
(30) راجع شرح منتهى الإيرادات ج3 ص 414 طبعة سنة 1366 هجرية
(31) والمغنى ج11 ص 23 طبعة سنة 1348 هجرية
(32) راجع الروضة البهية ج2 ص 265 ، 266 طبعة سنه 1378 هجرية

(1/30)


إبراء

1- التعريف به:-
الابراء فى اللغة التنزبه من التلبس بشئ وفى الشريعة اسقاط شخص حقا له فى ذمة آخر كإسقاط الدائن دينا له فى ذمة مدينه بقوله، له: ابرأتك من ديونى أو ما يفيد ذلك العنى يريد بذلك إسقاط ما فى ذمته من دين له.
وقد يكون الابراء فى صورة اخبار به مثل ان يقول الدائن: أبرأت فلانا من دينى، فى معرض اقراره بذلك، وقد يكون فى صورة هبة كأن يقول الدائن لمدينه وهبتك ما لى فى ذمتك من دين. وقد يكون فى وصية كأن يقول الدائن لمدينه أوصيت
لك بما فى ذمتك من دين لى فلا يبرأ بذلك ألا بعد وفات. وقد يكون فى صورة اقرار كما فى ابراء الاستيفاء ، و سيأتى .
- والابراء كما يظهر من التعريف به اسقاط لحق شخص قبل شخص آخر
- ولذا كان ضربا أو نوعا من الاسقاط ، لأن الاسقاط كما يكون تركا لحق فى ذمة شخص واطراحا له كما فى اسقاط الدين تشغل به ذمة المدين يكون لحق ثابت لصاحبه دون ان تشغل به ذمة آخر كما فى اسقاط الشفيع حقه فى الشفعة وكما فى اسقاط الموصى له بسكنى دار حقه فى سكناها وعلى ذلك يكون كل ابراء اسقاطا وليس كل اسقاط ابراء ومع ظهور هذا المعنى فيه على هذا التفسير فانه يحتمل تفسيرا آخر يجله من قبيل التمليك، ذلك لأن صاحب الدين لا يستطيع محو دينه الثابت فى ذمة مدينه وإنما يستطيع تركه واطراحه وذلك ما يعنى تركه للمدين وتمليكه اياه وعدم مطالبته به.
وعلى هذا الأساس البادى من التأويلين السابقين ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والزيدية والشيعة الإمامية الى أنه يحمل معنيين معنى الاسقاط بالنظر إلى الدائن إذ قد تخلى عنه فلم يبق من عناصر ثرائه وأنقطعت مطالبته به ومعنى التمليك بالنظر إلى المدين إذ قد تملكه فزاد ثراؤه بقدره ألا يرى أنه- كان مطالبا بانتقاص قدره من ماله فى سبيل الوفاء به فاستبقى له ذلك وذلك ما يعنى تملكه إياه وقد كان لهذين المعنيين فيه أثر فيما أعطى من أحكاما فأعطى بعض أحكام التمليك تغليبا لهذه الناحية فيه، وأعطى بعض أحكام الإسقاط تغليبا لهذه الناحية فيه، كما كان من قبيل التبرع لأنه يتم لا فى نظير عوض.
أما الحنابلة:
فقد كان نظرهم إليه على أنه إسقاط فكان له حكم الإسقاط عندهم فى جميع أحواله أو أن ذلك كان نظر جمهورهم (1) .
2- أركانه:
وركنه عند الحنفية الإيجاب الصادر من صاحب الحق وهو ما يصدر منه من عبارة تدل على ترك حقه و اطراحه دلالة واضحة لا احتمال فيها أو ما يقوم مقام ذلك من كتابة أو إشارة.
والشافعية ومن أجرى علي اصطلاحهم يرون أن أركانه "أربعة": صاحب الحق المبرأ وعبارته " الإيجاب " والحق المبرأ منه والمدين إذان الإبراء لا يتحقق إلا بهذه الأركان ولا يتصور إلا بها.
ويكون إيجاب فيه بمثل إبرأتك من دينى أو أحللتك منه أو أسقطته عنك أو ملكتك إياه أو تركته لك أو نحو ذلك.
ويرى ابن حزم عدم صحته بألفاظ التمليك مثل وهبت أو أعطيت أو ملكت لأنه لا يملك ألا الشئ الموجود المادى المعلوم مكانه، أما الأوصاف الأعتبارية فلا تقبل تمليكا، ولكنه مع ذلك أستثنى صحته بلفظ التصديق، وإن كانت من ألفاظ التمليك، لورود النص بذلك، فقد قال تعالى: " ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا (2) " وتصدقهم عند ذلك انما يكون بتنازلهم عنها وإبرائهم منها، ولما روى عن أبى سعيد الخدرى قال: أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ثمار أبتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تصدقوا عليه "، وهو خطاب لغرمائه، وتصد قهم يكون بابرائه من ديونهم (3) .
3- قبول الابراء من المدين:-
الدين حق خالص لصاحبه واقدام صاحبه على إسقاطه تصرف منه فى خالص حقه دون أن يمس ذلك حقا لغيره ودون أن يستوجب تكليفا على أحد ومن ثم لم يتوقف نفاذه على قبوله ممن عليه الدين بل ينفذ مع رد المدين له... ذهب إلى ذلك الحنابلة وجمهور الحنفية والشافعية وجمهور الشيعة الجعفرية تغليبا لمعنى الإسقاط فيه على التمليك (4) . وذهب زفر إلى أنه يتوقف على القبول لغلبة معنى التمليك فيه وهو قول لبعض الشيعة الجعفرية.
وللمالكية، الزيدية فى ذلك قولان، أحدهما: أنه يتوقف على القبول مراعاة لجانب التمليك فيه وهو الأرجح.
وثانيهما: أنه لا يتوقف ويتم من غير قبول بل ومع رده مراعاة لمعنى الإسقاط فيه كالطلاق والعتق. وعلى القول باشتراط القبول فيه عند المالكية يجوز أن يتراخى القبول عن مجلس الإيجاب ، وهو صريح ما ذكره ابن عرفة، كما يجوز رجوع الدائن فيه قبل القبول (5) .
و إذا كان الإبراء من الدين بهبته للمدين كان توقفه على القبول محل خلاف عند الحنفية، ذهب بعضهم إلى أن هبة الدين للمدين لا تتوقف على القبول فتنفذ مع سكوت المدين فى مجلس الإيجاب لما فيها من معنى الإسقاط (6) . وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وذهب آخرون إلى أنها تتوقف لما فيها من معنى التمليك وذلك رأى المالكية فيها لأنها نص فى التمليك. وكذلك يرى الحنفية أن الإبراء من الكفالة والحوالة لا يتوقف على القبول ولا يرتد بالرد لتمحضه فى معنى الإسقاط ، وأستثنى الحنفية من عدم توقف الإبراء على القبول الإبراء عن بدلى الصرف والسلم، إذ يرون توقفه على القبول دون خلاف فيه عندهم، حتى لا ينفرد أحد العاقدين فيهما وهو من أبرأ بفسخ عقد الصرف أو السلم وكلاهما عقد لازم لا يجوز أن يستبد بفسخه أحد طرفيه إذ أن فى نفاذ الإبراء فوات القبض فى المجلس وهو شرط فى صحه كل منهما.
والمشهور عند الحنفية أن هبة الدين للمدين وإبراءه منه كلاهما يتم من غير قبول ويرتد بالرد فهما فى ذلك سواء و إذا إرتدا بالرد لم يجز قبول بعد الرد لبطلان الإيجاب بالرد.
4- رد الإبراء من المدين
ذهب الحنفية والزيدية إلى أن الإبراء يرتد برد المدين فى المجلس وبعده ما دام لم يحدث منه قبول صريح قبل رده، وذلك لما فيه من معنى التمليك.
ومن الحنفية من قيد صحة الرد ونفاذه بأن يكون فى مجلس الإبراء لا بعده، فالرد بعد المجلس لا أثر له عندهم، والرد فى المجلس صحيح يرتد به الإبراء ولا يسقط به الدين إذا لم يسبقه قبول صريح له من المدين لأن الرد ، بعده غير صحيح مطلقا فى المجلس وبعده. وتستوى هبة الدين للمدين فى هذا الحكم مع الإبراء منه. وخالف الشافعية والحنابلة فذهبوا إلى أن الإبراء يتم بإرادة الدائن ولا يرتد برد المدين تغليبا لمعنى الإسقاط فيه. ولذا لايفتقر الى القبول من المدين عندهم.
ويرى المالكية أنه يرتد بالرد فيبطل الإيجاب برد المدين لغلبة معنى التمليك فيه ولذا يحتاج القبول عندهم على الأصح وذهب الحنفية إلى صحة إبراء المدين بعد موته وعندئذ يرتد برد الوارث عند أبى يوسف خلافا لمحمد.
وإذا كان الإبراء إبراء من الحوالة كان أبرأ المحتال المحال عليه عن الحوالة، أو كان ابراء من الدائن للكفيل من كفالته، أو كان الإبراء مطلقا بعد طلبه من المدين- لم يرتد والرد مطلقا.
أما فى الإبراء من الحوالة والكفالة فلتمحضه فى الاسقاط فلم يتوقف على القبول ولم يقبل الرد. وأما الابراء بعد طلبه من المدين فلأن رده يعد كأنه رد بعد قبوله ولا يرتد الابراء بالرد بعد القبول (7) .
وذهب الزيدية الى أن الابراء وتد يرتد لغلبة معنى التمليك فيه ولذا توقف على القبول عندهم، فإن خلا من معنى التمليك فكان اسقاطا محضا كالإبراء من الشفعة لم يتوقف على القبول ولم يرتد بالرد.
ومن الزيدية من غلب فيه معنى التمليك فى جميع أحواله فتوقف على القبول عندهم وأرتد بالرد (8) .
وإذا صدر الإبراء من فضولى توقف على أجازة الدائن فإن أجازه نفذ عند الحنفية والزيدية.
شروط الإبراء:
من شروط الإبراء شروط ترجع إلى المبرئ، وشروط ترجع إلى صيغة الإبراء وشروط ترجع إلى المبرأ، وشروط ترجع إلى المبرأ منه.
فأما ما يرجع إلى المبرىء فهو أن يكون من أهل التبرع فيجب أن يكون عاقلا بالغا غير محجور عليه لسفه أو لدين، لأن الإبراء تبرع من الدائن إذ لا يقابله عوض من المدين، ويلاحظ أن عدم الحجر للدين انما هو شرط نفاذ، فإبراء المحجور عليه بسبب الدين لمدينه صحيح متوقف على إجازة دائنيه لأن منعه من التبرع إنما هو للمحافظة على حقوقهم... وهذا مذهب الحنفية مع ملاحظه أن أبا حنيفة رحمه الله لا يرى الحجر للدين وإنما يراه الصاحبان وأثره عندهما هو المنع من التبرع محافظة على حقوق الغرماء دون أن يمس الحجر أهلية المحجوز عليه للدين ، أما من يراه ماسا بأهليته من الفقهاء فهو عندهم شرط صحة .
(أنظر مصطلح حجر ومصطلح تبرع)
كما يشترط فيه أن يكون ذا ولاية فى إبرائه كأن يكون هو الدائن أو وصيا على الدائن وقد وجب الدين منه أثرا لعقد باشره عنه فعند ذلك تصح براءته ويضمن ما أبرأ المدين منه، ولكن إذا كان الدين لم يجب أثرا لعقده لم يصح إبراؤه.
وأما ما يرجع إلى الصيغة فهو أن تكون دالة دلالة ظاهرة غير محتملة على تمليك الحق للمدين أو على سقوطه.
وأما ما يرجع إلى المدين المبرأ فهو أن يكون معلوما غير مجهول ، فإذا كان مجهول لم يصح إبراؤه ، كما لو قال شخص: أبرأت كل مدين لى، أو كل مدين لمورثى، أو أبرأت أحد هذين. ولكن إذا كان من أبرأه الدائن محصورا معلوما، كأبرأت هؤلاء المدينين لى صح الإبراء.
وقد ذهب إلى اشتراط هذا الشرط فى المبرأ الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية.
ومن الفقهاء الحنابلة من ذهب إلى أن الدائن إذا قال: أبرأت أحد غريمى هذين صح الإبراء وطلب إليه التبيين والبيان.
ولكن جاء فى كشاف القناع أن المذهب عدم صحة الإبراء مع إبهام المحل، كأبرأت أحد غريمى هذين أو أبرأت فلانا من أحد دينى اللذين فى ذمته والشافعية لا يرون صحه الإبراء مع جهالة المدين المبرأ لغلبة معنى التمليك، فيه ولايملك المجهول وعلى هذا لايصح الإبراء ولو كان .
بصيغة إقرار إذا ما قال الدائن: لا دين لى قبل أحد. أو قال: كل مدين لى فهو برىء إلا أن يتبين أنه يقصد بذلك شخصا بعينه (9) .
ويشترط الزيدية مع ما تقدم خلو الإبراء من التدليس فإذا أفهم شخص دائنه بأن ما عليه من الدين حقير. تافه فأبرأه منه بناء على ذلك ثم تبين خلاف ذلك للدائن لم يصح إبرأؤه لغلبة معنى التمليك فيه.
وأما ما يرجع الى الحق موضوع الايراء
فهو ما يأتى:
أولا: ألا يكون عينا من الأعيان، والأعيان المشخصة لا تثبت فى الذمة فلا تقبل الإسقاط وإنما يقبل الإسقاط ما يشغل الذمم من الحقوق ولذا كان الإبراء من الأعيان المشخصة باطلا. أما ما كان من الإعيان دينا فإنه يقبل الإبراء إذ أنه يقبل الإسقاط كالديات من الإبل مثلا ونحو ذلك
وعلى ذلك إذا غصب شخص كتابا فأبرأه منه مالك الكتاب كان إبرأء. باطلا لا يترتب عليه أثر 00.وعلى ذلك صح الإبراء عن الديون بأنواعها.
وصح الإبراء عن الدعوى لانها حق فإذا قال المدعى للمدعى عليه أبرأتك من أدعاء هذه العين أو من دعواى هذه العين لم تقبل له فيها دعوى ملك بعد ذلك " مجمع الانهر " وكذلك يصح إبراء الدائن الكفيل من الكفالة وإبراؤه المحال عليه من الحوالة
إذ البراءة فيهما تنصب على حق هو الكفالة أو الحوالة.
ثانيا: أن يكون موجودا عند الإبراء وعلى ذلك عل الإبراء من الحق قبل وجوده، فلا يصح أن تبرأ شخصا من كل ما سيقرضه منك أو مما سيجب لك علية، كما لا يصح ابراء الزوجة زوجها من نفقة مستقبلة ولا من نفقة العدة قبل أن يطلقها، لأن الإبراء- إسقاط وما سيوجد ساقط فعلا فلا يقبل إسقاطا. وسنبين فيما يأتى الحكم فى الإبرأء عن النفقة.
ولا يشترط فى الحق المبرأ منه أن يكون معلوما... ذهب إلى ذلك الحنفية والحنابلة والمؤيد من الزيدية، فجوزوا الإبرأء من الحق المجهول سواء أكان مجهولا لدى المبرئ أم لدى المبرأ .
وخالف فى ذلك الشافعية والناصر من الزيدية فاشترطوا علم المبرىء بما أبرأ منه واستثنوا من هذا الحكم أن يكون الدائن جاهلا مقدار دينه ولكنه ذكر له عند الإبراء منه نهاية يتحقق أن دينه دونها فى المقدار، كما إذا قال له أبرأتك من دينى البالغ الفا جنيه وهو متحقق من أن دينه دون ألالف (10) .
وذهب الحنابلة الى أن البراءة من الدين لاتصح اذا كان المبرىء لايعلم بوجود الدين فى حين أن المدين يعلمه ولكنه كتمه عنه خوفا من أنه إذا علمه طالبه به ولم يبرئه منه لأن هذا يعد هضما للحق وظلما للدائن ولا يعد الإبراء فى هذه الحال صادرا من صاحبه عن إرادة معتبرة و إنما صدر منه على وجه الهزلى أو اللعب ويرون صحه الإبراء من المجهول ولو لم يتعذر العلم به ، كما يرون صحه الإبراء
ممن يعتقد أنه لا لدين له فى ذمة من أبراء" ثم تبين أنه كان مدينا عند إقدامه على إبرائه.
و الإبراء من دين الأب مع ظن حياته فبان أن الأب كان ميتا عند صدور الإقرار (11) .
وذهب الزيدية إلى عدم صحة الإبراء مع التدليس كأن يبرىء الدائن مدينه بناء على تفهيم المدين اياه بأنه فقير أو أن الدين حقير ثم تبين خلاف ذلك (12) . وأختلف الزيدية فى صحة الإبراء من المجهول، فمنهم من ذهب إلى صحته ومنهم من ذهب الى عدم صحته.
موضوع الابراء
الإبراء عن الأعيان
الإبراء عن الحقوق
ذكرنا فى شروط الإبراء أن الإبراء لا يكون إلا عن حق للمبرىء قبل غيره ويجب فيه وأن يكون موجودا عند الإبراء وهذا محل اتفاق بين المذاهب. وذكرنا أنه لا يشترط فيه- أن يكون معلوما عند المبرأ ولا عند المدين المطالب به وهو من عليه الحق وذكرنا خلاف الشافعية فى ذلك، وبناء على ذلك كان الإبراء عن الأعيان غير صحيح ولا يترتب عليه أى أثر فى أكثر أحواله أذ أن الإبراء اسقاط أو يحمل معنى الإسقاط ، والأعيان بطبيعتها لا تقبل الإسقاط ، ولذا يصح الإبراء فيها إذا كان القصد منه الإبراء من حق متعلق بها لا الإبراء منها، أما الإبراء منها فلا أثر له .
ولايعد تمليكا لها بناء على ما يحمله من معنى التمليك بل تظل فى يد من هى فى يده مملوكة لصاحبها وله إذا ظفر بها أن يأخذها ولكن مع ذلك لا تسمع دعواه بها بعد الإبراء منها إذ ينصرف إبراؤه هذا إلى حق الإدعاء بها، فلا يبقى له حق فى الدعوى بها بعد الإبراء بل يسقط به. وليس هذا الحكم محل إتفاق عند الحنفية فقد جاء فى الخلاصة قال: أبرأتك عن هذه الدار أو عن خصومتى فيها أو عن دعواى فيها.فهذا كله باطل حتى لو ادعاها بعد هذا الإبراء سمعت دعواه ولو أقام بينته لاثباتها قبلت.
وجاء فى الخانية أن الإبراء عن العجين المغصوبه إبراء عن ضمانها وتصير به أمانة فى يد الغاصب، ولو كانت العين مستهلكة صح الإبراء وبرأ من قيمتها.
وقد نقل صاحب الأشباه هذا وعلق عليه بقوله: فقولهم الإبراء عن الأعيان باطل معناه أنها لا تكون به ملكا وإلا فالإبراء عنها بقصد سقوط ضمانها صحيح أو يحمل قولهم على الإبراء عن الأمانة، أى أن البطلان محل إذا كان الإبراء عن أعيان هى أمانة لأنها اذا كانت أمانة لم تلحقه عهدتها فلا وجه للابراء منها.
و حاصله: ان الابراء المتعلق بالأعيان أما أن يكون عن دعواها وذلك صحيح بلا خلاف مطلقا لأنه فى الواقع إسقاط لحق وأما أن يتعلق بنفسها. فإن كانت فى هذه الحال مغصوبة هالكة صح أيضا كالإبراء من الدين إذ يعد إبراء من قيمتها، وإن كانت قائمة كان معنى البراءة منها البراءة من ضمانها لو هلكت فتصير بعد هذا الإبراء كالأمانة لا تضمن إلا بالتعدى عليها.
ويرى الزيدية أن الإبراء عن العين المضمونة مثل أن يبرىء مالكها الغاصب إسقاط لضمانها 00.وهذا أحد قولى المؤيد بالله، وذهب بعضهم إلى أنه يفيد إباحتها.
وذهب زفر إلى عدم صحة الإبراء فى هذه الحال فتظل بعده العين مضمونة (خانية) .
وإن كانت العين أمانة فالبراءة منها لاتصح ديانة بمعنى أنه إذا ظفر بها صاحبها أخذها وتصح قضاء فلا يجوز للقاضى أن يسمع دعواه بها بعد البراءة.
ويرى الزيديه أنه يعد إباحة لها فيجوز لذى اليد أن يستهلكها ولمالكها أن يرجع عن هذا الإبراء قبل إستهلاكها. ومنهم من ذهب إلى أن الإبراء عن الأعيان يفيد تمليكها لافرق فى ذلك بين عين مضونة وعين هى أمانة فى يد صاحب اليد عليها (13) .
وبناء على ما تقدم لايصح الإبراء عن الأعيان على معنى تمليكها لمن هى فى يده وإنما يفيد ابراءه عن ضمانها إذا كانت يده مضمونة فتنقلب أمانة فى يده. وكذلك لا يصح بالنسبة إلى الأعيان غير المضمونة على هذا الإعتبار ، و إنما يصح على أساس البراءة من الإدعاء بها. وعليه يكون للمبرأ أن يأخذها إذا ما ظفر بها لأنها مازالت على ملكه. وكذلك لا يصح الإبراء من الحقوق التى لا تقبل الإسقاط كحق الرجوع فى الهبة والرجوع فى الوصية، لأن فى جواز ذلك تغييرا للشرع وذلك غير جائز خالافا للممالكية كما فى التزامات الحطاب.
وكذا لا يصح الإبراء من خيار رؤية المبيع ولا من حق الإستحقاق فى الوقف: حق الإرث لنفس السبب.
أما ما عدا ذاك من الحقوق المالية أو المتعلقة بالأموال فيصح الإبراء منها كالإبراء من الديون بأنواعها، والإبراء من الديات، والإ براء من القصاص ، و الإبراء من حق القسم بالنسبة إلى الزوجة، والإبراء من حق الإنتفاع ، و من حق الفسخ بخيار العيب ونحو ذلك من الحقوق التى تثبت فى الذمم. وفيما يلى بيان لأحكام الإبراء فى بعض الحقوق لاختصاصها بأحكام خاصة.
الابراء من نفقة الزوجة:
إذا صارت نفقة الزوجة دينا فى ذمة زوجها صح إبراؤه منها أما قل شغل ذمة الزوج .
بها فلا يصح إبراء الزوج منها لأن الإبرا لا يكون إلا من دين قائم موجود عند حدوثه كما قدمنا.
وبناء على ذلك لايصح إبراء الزوجة زوجها من نفقتها إلا إذا كانت مفروضة بالقضاء أو الرضا عند الحنفية، لأنها ألا تصير دينا واجبا عندهم إلا بفرضها من القاضى أو بالتراضى إذ تشغل بها ذمة الزوج بذلك لا قبل ذلك، إذا ما ابتدأت مدتها، فإذا فرضت مشاهرة شغلت بها ذمة الزوج بدخول الشهر فيصح الابراء عن نفقة هذا الشهر فى بدايتة اذا ما حل أو فى أثنائه، ولا يصح عن نفقة شهر آخر يأتى لمجده لأن الذمة لم تشغل بها، كما يصح الإبراء عن النفقات المتجمدة التى سبق فرضها .
لصيرورتها دينا شاغلا للذمة لعدم أدائها ، وعلى ذلك إذا أبرأت الزوجة زوجها فى بداية السنة عن نفقتها لم يصح الإبراء إلا إذا كانت قد فرضت لها مسانهة فان كانت قد فرضه مشاهرة صح الإبراء من الشهر الأول فقط. منها، وإن كانت مياومة صح عن اليوم الأول منه الذى حدث فيه الابراء وما قد يكون سبقه من الأيام وهكذا.
وهذه الأحكام محل اتفاق لاتفاق الفقهاء على اشتراط وجود الدين عند الإبراء غير أنه يلاحظ أن من الفقهاء من لا يشترط فى شغل ذمة الزوج بنفقة زوجته القضاء بها أو التراضى عليها (أنظر نفقة الزوجة فى نفقة وبما تصير دينا فى ذمة الزوج) .
المبارأة بين الزوجين:
المبارأة مفاعلة من البراءة وتكون بين الزوجين لفصم عرى الزوجية بينها نظير عوض مالى تدفعه الزوجة لزوجها وتستوجب سقوط الحقوق الزوجية بينهما، ويترتب عليها بينونة الزوجة بطلقة بائنة عند الحنفية فهى بين الزوجين بمنزلة الخلع بينهما فتفيد انفصام عقد الزواج مع سقوط الحقوق الزوجية لكل منهما قبل الآخر نظير ما تدفعه الزوجة لزوجها وذلك بأن يقول الزوج لزوجته: بارأتك على ألف جنيه.
فتقول له: قبلت.
أو ما فى معنى ذلك، والمعنى خالعتك من الزواج على ذلك وهذا عند الحنفية ( انظر مصطلح خلع)
يجوز إبراء المدين بعد وفاته من دينه وهذا محل إتفاق وفى التتار خانية.. رجل مات فوهبت له امرأته مهرها الشاغل لذمته جاز لأن "قبول المدين ليس بشرط فى صحة البراءة. وقال قاضيخان: رجل له على آخر دين فبلغه أنه قد مات فقال: جعلته فى حل من دينى، أوقال أبرأته منه. ثم ظهر أنه حى لم يكن للدائن المبرىء أن يأخذه منه لأنه قد وهبه إياه بلا شرط.
وفيه دليل على عدم صحة. رجوع المبرأ عن إبرائه... هذا وقد اختلفت الحنفية فى جواز رد الإبراء من الوارث إذا ما أبرأ الميت دائنه..
وقد علمت الشافعية والحنابلة يرون أن الإبراء لا يرتد بالرد وفى ارتداده بالرد عند الزيديه خلاف، وهو مذهب المالكية وإن كان الأرجح عندهم أنه يرتد بالرد (14) .
أحوال صيغة الابراء:
الأصل فى الإبراء أن يكون منجزا" مثل أن يقول الدائن لمدينه ابرأتك من دينى، واذا علق على شرط لم يصح ولم يترتب عليه أثر... ذهب إلى ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة، وذلك لما فيه من معنى التمليك . فكان معتبرا بالتمليكات وإن كان فيه معنى الإسقاط وهذا إذا علق على غير الموت، فان علق على الموت صح، وكذلك إذا أضيف إلى ما بعده لأنه يكون حينئذ وصية والوصية بالبرأءة من الدين جائزة... ذهب إلى ذلك الحنابلة والحنفية.
وجاء فى البحر أن تعليق الإبراء على الشرط مفسد له إذا كان الشرط غير متعارف، أما إذا كان الشرط متعارفا فانه يصح تعليقه عليه. وقال أنه يجب تقييد كلام من قال الفقهاء كصاحب الكنز أن الإبراء يبطل بتعليقه على الشرط. ويؤيد ذلك ما جاء فى القنية وهو أن تعليق الإبراء على الشرط المتعارف جائز.
وفساد الإبراء بالتعليق إنما يكون فى الإبراء الذى يعد تمليكا كالإبراء من الدين أما الذى يعد من قبيل الإسقاط كالإبراء من الكفالة أو الحوالة فيصح تعليقه بالشرط الملائم. فإذا قال الدائن المكفيل: إن وافيتنى بالمدين غدا فأنت برىء من الكفالة. فوافاه به فى الغد برأ منها... ذهب إلى ذلك بعض الحنفية واختاره صاحب التكملة وقال إنه الأوجه لأن الإبراء فى هذه الحال إسقاط محض.
وجاء فى البحر على الكنز إن الإبراء يجوز تقييده بالشرط الصحيح ويبطل إذا اقترن بالمشرط الفاسد وأن أضافة الإبراء تبطله وإذا اقترن بخيار الشرط صح الإبراء وبطل الشرط (15)
وذهب الزيدية الى صحة الإبراء مع اقترانه بالشرط ولا يضيره أن يكون شرطا مجهولا وقت حدوثه أو شرطا لا تتعلق به أغراض الناس كتقييده بنزول المطر أو بنعيب الغراب مثل أن يقول الدائن لمدينه: أبرأتك بشرط نزول المطر فى وقت كذا أو عند نزول المطر. وإذا قيد بشرط لم يصح الرجوع فيه قبل تحقق الشرط أى إذا علق على شرط لم يصح أن يرجع فيه قبل تحقق الشرط.
وهذا دليل صحة تعليقه على المشرط عند الزيديه ، وأجازوا أن يكون فى نظير عوض مالى أو غير مالى كأبرأتك على أن تهب لى كذا أو على أن تطلق زوجتك فلانة فإذا تحقق ذلك صح وإلا لم يصح وتصح اضافته إلى الموت عندهم وعندئذ يكون وصية (16)
أنواع الابراء:
يتنوع الإبراء بالنظر إلى صيغته نوعين عند الحنفية: إبراء إسقاط ، وإبراء استفاء فإذا دلت صيغته وضعا على الإسقاط كأبراتك من الدين أو أسقطت عنك الدين أو أحللتك منه أو تصدقت به عليك، أو نحو ذلك.. كان إبراء إسقاط لأن الدائن قد عبر بما يدل على أنه قد ترك دينه وأسقطه عن مدينه، وسواء فى ذلك أن يكون ذلك بالنسبة إلى الدين كله أم بالنسبة إلى بعضه.
وإذا دلت صيغته على أن زوال الدين بسبب وفائه كان إبراء استيفاء، ويكون ذلك بإقرار الدائن باستيفاء دينه من مدينه كقوله: استوفيت دينى قبل فلان، ونحو ذلك.
مما يدل على هذا المعنى من العبارات وإنما سمى هذا النوع إبراء نظرا إلى نتيجته وهى عدم جواز المطالبة به بعد ذلك .
وسواء فى ذلك أن يكون المدين قد قام بالوفاء فعلا أم لا ، إذ الأثر فى الحالين واحد ، وهن عين الأثر فى النوع الأول وذلك الأثر هو سقوط الدين .
ولاختلاف هذين النوعين فى العبارة الدالة- على زوال الدين ودلالتها قالوا إن إبراء الإسقاط يختص بالديون إذ أن العبارة فيه صريحه فى اسقاطها ، ولا يصغ فى الأعيان، وذلك لعدم صحه إسقاط الأعيان.
أما إبراء الاستيفاء فإنه يكون فى الدين والعين جميعا من إذ الإقرار بالوفاء كما يتحقق فى الدين يتحقق فى العين، وذلك بدفعها إلى مالكها (17) .
وإبراء الاستيفاء إذا كان إقرارا بالوفاء كما بينا لا يحمال معنى الاسقاط، و يتمحض تمليكا بخلاف إبراء الاسقاط ، فإنه كما تقدم، كما يمكن أن يعد تمليكا للدين للمدين، يمكن أن يعد اسقاطا له. ذلك لأن وفاء الدين لا يكون إلا بتمليك مثله للدائن.
ومن هذا قال فقهاء الحنفية أن الديون تقضى بأمثالها، فإذا أعطى المدين الدائن مثل دينه فيه فقد ملكه مثله واستوجب عليه بهذا التمليك مطالبته به لولا ما عليه من دين مماثل يستوجب عليه مطالبته به من قبل الدائن فسقطت مطالبته بما أوفى نظير سقوط مطالبة الدائن إياه بما له من دين فى ذمته.
وهذا معنى قولهم ان الدينين يلتقيان قصاصا. ونتيجة لذلك يرى أن ذمة كل من
المدين والدائن بعد الوفاء بالدين مشغولة فذمة المدين لاتزال مشغولة بالدين ولكن لا يطالب به، وذمة الدائن أصبحت بالوفاء مشغولة بما أعطى فى دينه فإذا ما أبرأ الدائن مدينه فى هذه الحال أى يعد وفاء الدين إبراء اسقاط صادف ذلك الإبراء محلا وهو دينه الذى لا يزال شاغلا ذمة المدين فسقط بذلك الإبراء وخلصت ذمته منه وأصبحت ذمة الدائن وحدها مشغولة بما كان قد أعطى فى دينه من المال لا فى نظير شىء، فكان للمدين بسبب ذلك أن يسترد من الدائن مما سبق إن كان وفاه به، وهذا هو حكم الإبراء من الدين بعد الوفاء به.
أما إبراء الاستيفاء فإذا كان إقرارا بالوفاء لم يكن إلا إخبارا بما حدث من تمليك للدائن فى نظير دينه ، فلم يترتب عليه سقوط أحد العوضين، ولم يكن للدائن ولا للمدين مطالبة الأخر (18) بشىء ، وهذا هو اختيار السرخسى، والصدر الشهيد، وذكر خواهر زاده: أنه لا رجوع فى الحالين، واختاره بعض المشايخ.
ويتنوع إبراء الاسقاط بالنظر إلى موضوعه نوعين:
إبراء خاص وإبراء عام، فيكون خاصا إذا ما كان موضوعه حقا معينا أو حقوقا معينة مثل أن يقول شخص لآخر: أبرأتك من دينى أو من ديونى التى ثبتت لى فى ذمتك فى سنة كذا أو من دعواى هذه الأرض أو من جميع الدعاوى التى رفعتها عليك أو القائمة بينى وبينك الآن .
ويكون عاما إذا كان موضوعه عاما يتناول كل حق للمبرأ قبل شخص معين أبرأه. على أن عموم الإبراء وخصوصه مسألة نسبية، فإن قول شخص لآخر: أبراتك من كل دعوى تتعلق بأى عقار تحت يدك فى بلد كذا ، يعد عاما بالنسبة لما تحت يد المبرأ من عقار فى هذا البلد، ويعد خاصا بالنظر إلى حقوقه كلها، سواء تعلقت بهذا العقار أو بغيره والإبراء سواء أكان خاصا أو عاما لا يتناول إلا ما تدل عليه العبارة من حق قائم عند الإبراء ، ولا يتناول ما يجد ممن حقوق بعده، وإن شملته العبارة كما تقدم ذلك.
وبناء على ذلك إذا قال شخص لآخر:
لاحق لى قبلك، يشمل جميع الدعاوى المتعلقة بالأعيان أمانة كانت أم مضمونة، وجميع الديون وجميع الحقوق من كان حق هو مال ومن كل حق ليس بمال كالكفالة والقصاص وحق القذف وما إلى ذلك فلا تسمع منه دعوى بحق ثابت على هذا الإبراء وكذلك إذا قال أبرأت فلانا من كل دعوى لى قبله لا يحق له أن يدعى عليه بشئ سابق على هذا الإبراء سواء أكان الادعاء متعلقا بدين أو بعين وإذا قال أبرأته من كل دين لى قبله سقطت جميع ديونه التى له قبل هذا الإقرار ، فلا يملك مخاصمته فى دين سابق عليه.
وجاء فى تكملة ابن عابدين: لا تسمع دعوى بعد الإبراء العام إلا ضمان الدرك. والضمان الدرك هو ضمان ما يدرك المبيع أو اليمن من استحقاق الغير له كله، أو بعضه بعد العقد ".
ذلك لأن ضمان الدرك الحق فيه لم يثبت إلا بعد الإبراء وإن كان سببه سابقا على صدوره فعند صدوره لم تكن الذمة مشغولة بشىء معين، ولم يحكم بالإستحقاق إلا بعد الإبراء ولو قال أبرأت فلانا من كل حق لى عنده تناول الأمانات فيسقط الإدعاء بها دون الديون (19) .
وفيه حكم الرجوع عنه وبطلانه ببطلان ما تضمنه.
حكم الإبراء:
إذا صدر الإبراء مستوفيا شروطه ترتب عليه أثره، وهو سقوط الحق المبرأ منه كان الإبراء خاصا، وإذا سقط لم تجز المطالبة به بعد ذلك، وإذا كان عاما شمل جميع الحقوق الموجودة عند صدوره التى تتناولها عبارته فلا تجوز المطالبة بحق منها ولا يتناول ما يحدث بعده من الحقوق ولزم ذلك المبرىء فلا يقبل منه رجوع ولا عدول فيه، لأن الحق إذا سقط لم يعد مرة أخرى، وهو مذهب الحنفية والحنابلة (20) .
وقد جاء فى تكملة ابن عابدين أن الدائن لإيملك أن يرجع فى هبته الدين لمدينه بعد قبوله ويرجع فيها قبل قبوله، لأنها اسقاط أى والساقط لا يعود.
وذهب الشافعية إلا أن الإبراء إذا كان من أب لولده لم يصح الرجوع فيه على قول مراعاة لمعنى الإسقاط فيه ويصح الرجوع فيه على قول آخر مراعاة لمعنى التمليك ألا يرى أن الأب له الرجوع فى هبته لابنه، ذكر ذلك الرافعى.
وقال النووى: ينبغى ألا يكون للمبرئ حق الرجوع عن ابرائه فى جميع الأحوال.
وجملة القول أن الابراء إنما يتناول ما تدل عليه عبارة المبرىء من حق قائم عند صدورها، أما يحدث من الحقوق بعد ذلك فلا يتناوله الإبراء.
ومن المسائل التى فرعت على ذلك ما إذا أدعى المبرئ حقا وكانت دعواه بعد الإبراء دون أن يؤرخ ثبوت هذا الحق له، ففى الاستحسان أنها لا تسمع حملا للحى على انه سابق على الإبراء "حامديه" وقد ذكروا أن الدعوة بعد الإبراء العام تسمع فى أربع مسائل:
ا- إذا أبرأ إبراء عاما ثم ادعى عليه ضمان الدرك فى بيع سابق على الإبراء ، إذ الحق وهو الضمان لم يحدث إلا بعد الإبراء فتسمع استحسانا.
2- اذا بلغ القاصر فأبرأ وصية من كل حق ثم ظهر له شئ لم يكن يعلمه سمعت دعواه إذ التناقض مغتفر فيما فيه خفاء.
3- إذا أقر الوصى أنه استوفى جميع ما كان للميت على الناس جميعا ثم ادعى على رجل دينا للميت سمعت دعواه لارتفاع التناقض بسبب وجود الخفاء، وأيضا: يلاحظ فيه المبرأ مجهول وتقدم عدم صحة إبراء المجهول.
4- إذا أقر الوارث أنه استوفى جميع، ما كان للمورث على الناس جميعا ثم أدعى لمورثه دينا على آخر سمعت دعواه للسبب السابق فى المسألة فى قبلها.
هذا ويبطل الإبراء اذا بطل ما تضمنه إذا كان الإبراء قائما على حقوق تترتب على ما تضمنه وبناء على ذلك إذا باع شخص عينا وقبض ثمنها، وتضمن عقد البيع براءة البائع من كل دعوى تتعلق بالعين أو براءة المشترى من كل دعوى تتعلق بالثمن، ثم بطل البيع لاستحقاق العين المبيعة فإنه لا يكون لهذا الإبراء الذى تضمنه عقد البيع أثر فى استحقاق المشترى مطالبة البائع برد الثمن كما لا يكون ، له أثر فى مطالبة المشترى برد المبيع إذا ما كان الثمن عينا ظهر استحقاقها فبطل البيع بناء على ذلك.
وكذلك إذا تضمن الصلح إبراء من أحد طرفيه للآخر ثم بطل الصلح بسبب من الأسباب بطل تبعا لذلك ما تضمنه من الإبراء ،لأن الإبراء كان من عناصر الصلح فإذا بطل الصلح بطلت أيضا عناصره (21)
إبراء المريض:
يراد بالمريض من به مرض الموت وهو ما يغلب فيه الموت عادة ويتصل به، والإبراء
عند الحنفية كما قدمنا. إما إبراء اسقاط وإما إبراء استيفاء ، فإن كان إبراء اسقاط فهو فى مرض الموت من قبيل التبرع المنجز وحكمه حكم الوصية، وإن لم يكن وصية فإن كان لوارث توقف على إجازه سائر الورثة، وأن كان لأجنبى نفذ فى حدود ثلث التركة بعد سداد الديون، ولا تنفذ فيما زاد على ذلك لا بإجازة الورثة بعد وفاة المبرئ وهم من أمل التبرع عالمين بما أجازوا.
وفى حكم إبراء الوارث إبراء المريض أجنبيا من دين كفله أخد ورثته لأن أبراء الأصيل يستلزم براءة الكفيل فكان إبراؤه المدين الأجنبى إبراء لوارثه.
وإن كان الإبراء الصادر من المريض إبراء استيفاء وقد علمت أنه عبارة عن إقراره باستيفاء حقه ، أختلف الحكم فيه بإختلاف أحواله بحسب صدوره لوارث أو لأجنبى فى حدود الثلث أو فيما تجاوزه، وفيه أختلاف الفقهاء( أنظر مصطلح إقرار) وإلى مذهب الحنفية ذهب الزيدية.
وأعلم أن الإبراء إذا صدر فى صورة إقرار كأن يقول المريض لا حق لى قبل فلان ونحوه، فإن كان ذلك لوارث توقف نفاذه على تصديق سائر الورثة عند الحنفية سواء إعتبرته إقرار أم إبراء.
وإن كان لأجنبى فهو نافذ أن عد اخبارا وله حكم الوصية أن عد إبراء من دين معلوم (22) .
ذلك رأى الحنفية. أمال لشافعية فلهم رأيان فى إبراء المريض لوارثه وفى إبرائه
لأجنبى عنه، أحدهما يقضى بصحته فى الحالين.
والآخر يقضى بإعطائه حكم الوصية كما ذهب إليه الحنفية (23) .
ولم نعثر على رأى للحنابلة فى إبراء المريض غير أن رأيهم فى إقرار المريض كرأى الحنفية فيه فهل الأمر كذلك فى الإبراء ؟
وذهب ابن حزم إلى أنه لا فرق بين إبراء المريض. وإبرأء الصحيح، ذلك لأنه لا يرى تفرقة بين تصرف الصحيح وتصرف المريض فى الحكم، والحكم فيهما الصحة والنفاذ فى جميع الأحوال (24)

__________

(1) راجع تكملة ابن عابدين ج2 ص347 طبعة بولاق ،والاشباه للسيوطى ص187 والدسوقى على الشرح الكبير للدردير ج4 ص99 طبعة الحلبى، و شرح الأزهار المتفرع من الغيث المدرار ج4 ص258، وكشاف القناع ج2 ص477 .
(2) آية 92 سورة النساء .
(3) المحلى ج9 ص117 .
(4) المهذب للشيرازى من كتاب الهبة ج1 ص454 والأشباه للسيوطى ص188 وكشاف القناع ج2 ص478 .
(5) الدسوقى على الشرح الكبير ج4 ص99 وشرح الأزهار ج4 ص258 والفروق للقرافى ج2 ص101 ، 111 .
(6) نهاية المحتاج ج5 ص 410 .
(7) كشاف القناع ج2 ص478 .
(8) شرح الأزهار ج4 ص298 وما بعدها .
الشرح الكبير للدردير ج4 ص99 .
الأشباه والنظائر لابن نجيم طبعة إسلامبول تكملة ابن عابدين ج2 ص347 طبعة بولاق ، كشاف القناع ج2 ص347 طبعة بولاق .
كشاف القناع ج2 ص478 طبعة المطبعة الشرفية سنة 1319 .
الأشباه للسيوطى ص188 وما بعدها .
المهذب ج2 ص454 طبعة دار الكتب العربية لمصطفى الحلبى .
مطالب أولى النهى شرح غاية المنتهى ج4 ص392 وما بعدها طبعة سنة 1961 .
( انظر مصطلح حجر ومصطلح تبرع)
(9) كشاف القناع ج2 ص 478طبعة المطبعة الشرقية ، الأشباه للسيوطى ص187 .
جامع الفصولين المطبعة الأزهرية سنة 1300 ههجرية ج1 ص125 وما بعدها .
(10) الأشباه للسيوطى ص571
(11) كشاف القناع ج2 ص478 .
(12) شرح الأزهار ج4 ص298، 299 .
(13) حاشية الدسوقى على الشرح الكبيرج4 ص99 .
الأزهار ج4 ص298 .
كشاف القناع ج2 ص478 .
الأشباه للسيوطى ص188 .
الدر وابن عابدين ج2 ص614 وما بعدها طبعة الحلبى .
الأشياه للسيوطى ص187 .
(14) المهذب للشيرازى ج1 ص454
جامع الفصولين ج2 ص2 ،4،182
التكملة على الهداية ج7 ص44 .
البحرج7 ص310 ،322 .
الهندية ج4 ص385 .
مطالب اولى النهى ج4 ص392 ،393 .
(15) شرح الأزهار ج4 ص258 .
(16) تكملة ابن عابدين ج1 ص359.
(17) الفتاوى الهند ج4 ص204 .
(18) تكملة ابن عابدين ج2 ص347 طبعة بولاق .
(19) كشاف القناع ج2 ص478 المطبعة الشرقية سنة 1319 .
(20) الاشباه للسيوطى ص 188 .
(21) تكملة ابن عابدين ج1 ص359
الفتاوى الهند ج4 ص204 .
(22) تكملة ابن عابدين ج2 ص347 طبعة بولاق .
كشاف القناع ج2 ص478 المطبعة الشرقية سنة 1319 .
(23) شرح الجوهرة على القدورى من كتاب الاقرار والاشباه والنظائر من كتاب القضاء والشهادة والدعوى ص 357 طبعة اسلامبول .
(24) الهندية ج4 ص179 ، 181 .
تكملة أبن عابدين ج2 ص347 .
والأزهار ج4 ص300 .

(1/31)


إبط

الأبط: ما تحت الجناح (1) والكلام عنه فى موضعين:
الأول: حكم نتفه، أى إزالة السعر الموجود فيه.
الثانى: حكم جعل الرداء تحت الإبط الأيمن وإلقائه على الكتف الأيسر فى الحج وهو المسمى بالاضطباع. أما نتقه فمسنون عند جميع المذاهب (2) .
يقول صلى الله عليه وسلم، فى روايات متعددة ومختلفه فى بعض ألفاظها: عشر من الفطرة: قص الشارب، و اعفاء اللحية، والسواك، و استنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم ، ونتف الأبط ، وحلق العانة، و إنتفاض الماء، أى الاستنجاء، قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضمة.
وأما الاضطباع ، ويقال له التوشح والتأبط فسنة أيضا، فقد روى أن الرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباظهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى، وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة والزيديه والأباضية(3) .
وقال مالك ليس الاضطباع سنة لأنه لم يسمع أحدا من أهل العلم ببلدة يذكر ذلك ولم نعثر على حكمه عند الإمامية والظاهرية

__________

(1) المصباح المنير.
(2) فتح القدير ج1ص 38 طبعة الأميرية.
- رسالة ابن أبى زيد القيروانى بشرح الآبى ص553 طبعة دار الكتب العربية.
- والمجموع شرح المهذب ج1 ص283.
- المغنى ج1 ص87 طبعة المنار.
- المحلى لابن حزم ج2 ص218.
- البحر الزخار ج2 298.
- المختصر النافع ص82.
- النيل ج1 ص516.

(1/32)


إبطال

معناه لغة:
الإبطال فى اللغة النقض والإلغاء والإفساد والإزالة. يقال أبطل الشئ ، جعله باطلا، ويقال أبطل إذا جاء بالباطل وهو ضد الحق أو الهزل، وأثر الإبطال البطلان وهو الضياع والفساد ، يقال بطل بطولا إذا ذهب ضياعا وخسرا
الضياع والفساد، يقال بطل بطولا إذا ذهب ضياعا وخسرا (1)
معناه اصطلاحا:
يستعمله الفقهاء بمعنى الإلغاء و الإفساد والنقض، ومحله عندهم الأفعال الشرعية كالصلاة والصوم والحج والأقوال، وتتناول التصرفات الشرعية والأحكام والأدلة، يقولون: أبطل عقده أو قوله إذا نقضه وأفسده أو عدل عن المضى فيه، وأبطل صلاته أو صيامه أو حجه إذا أفسده بما يجعله فى نظر الشارع فاسدا غير مجزى فإن ما صدر عنه من ذلك مسلوب الأثر الشرعى الذى رتبه الشارع على وجوده صحيحا على وفؤ ما طلب، وأبطل دليله إذا نقضه فجعله غير منتج للنتيجة التى أريدت منه، وهذا هو معنى البطلان فى الأدلة أما معناه فى الأفعال والتصرفات الشرعية فهو صيرورتها على خلاف ما طلب الشارع فيها سواء كان ذلك الطلب متعلقا بأركانها وعناصرها الأساسية التى يتوقف وجوده حقيقتها الشرعية على تحققها أم متعلقا بأوصافها العارضة لها التى رأى الشارع وجوب وجوده عليها. ومن ثم وصف بالبطلان كل فعل أو قول أو عقد وجد على خلاف ما طلب الشارع.
وإلى هذا المعنى ذهب الشافعية والحنابلة و المالكية و الزيديه.وذهب الحنفية إلى أن البطلان مخالفة القول أو التصرف لما بينه الشارع فى حقيقته وأركانه، فإذا وجد مخالفا لهذا البيان كان باطلا وغير مشروع بأصله، أما مخالفته لما طلبه فيه من أوصاف عارضة يجب أن يوجد عليها، فالا تسمى عندهم بطلانا، وإنما تسمى عندهم فسادا ووجوده على هذه الأوصاف التى كره الشارع وجوده عليها تجعله فاسدا لا باطلا، ويكون يخر مشروع بوصفه وجملة القول فى ذلك أن الشارع إذا نهى عن تصرف من التصرفات فقد يكون مرجع هذا النهى إلى خلل فى أركانه أو فى محله"أو لعدم تحقق معناه، وقد يكون مرجعه إلى وصف ملازم للتصرف عارض له، وقد يكون مرجعه إلى أمر مجاور له غير ملازم وليس شرطا فيه وإنما عرض له بسبب المجاورة فهذه أحوال ثلاثة. ففى الحال الأولى يكون أثر المخالفة فيها البطلان إتفاقى كما فى بيع الميتة وعقد المجنون.وفى الحال الثانية يكون الأثر- فيها الفساد عند الحنفية والبطلان أيضا عند غيرهم، كما فى بيع أجل الثمن فيه الى الميسرة، أو يسر دابه من قطيع، ومن هذأ يتبين أن الحنفيةقد فرقوا بين البطلان والفساد، وخالفهم فى ذلك المالكية والشافعية والحنابلة، فلم يفرقوا بين هذين الحالين فى التسمية وفى الأثر به وكانت المخالفة فيهما عندهم بطلان أو فسادا وكان اللفظان عندهم مترادفين. وهذا ما جرى عليه استعمالهم فى أكثر أبواب الفقه بصفة عامة، وقد يرى فى بعض الأبواب أنهم يفرقون بين معنى البطلان والفساد بناء على اختلاف فى الأحكام،وذلك ما يفصل فى مصطلح بطلان وفسادا فإرجع إليه.
أما مخالفة الحال الثالثة فلا توجب بطلانا ولا فسادا، ولا تسمى بذلك عند الحنفية والمالكية والشافعية، وإنما توجب الكراهة فقط، وهذه رواية عن أحمد.وفى رواية أخرى عنه أنها توجب الفساد والبخلان ، ذلك فيما يتعلق بالتصرفات الشرعية على العموم سواء أكانى عقودا أم الزأما بإرادة منفردة ما عدا النكاح إذ يرق فيه يرى فيه جمهور الفقهاء أن لا فرق بين باطله وفاسدة فى الحكم، ومن ثم أطلقوا على ما يوجد منها مخالفا لطلب الشارع أسم الباطل تارة، وأسم الفاسد تارة أخرى من غير تفرقة بين الحالين فى العنى سواء أكان مرد ذلك إلى مخالفة فى أصل العقد أو مخالفه فى وصفه كما فى النكاح المؤقت.
أما فى الأفعال الشرعية كالصلاة والصوم عدا الحج فإن الإتيان بفعل منها على وضع مخالف لما أمر الشارع يجعلها غير مجزئة فلا تبرأ بها الذمة ولا يتحقق بها الإمتثال المطلوب أو الطاعة الواجبة سواء أكان مرجع النهى فيما نهى عنه مها هو فقدان ركن من أركانها أو شرط من شروطها أو وجودها على صفه كرهها الشارع فيها ومن ثم يصفها الفقهاء فى هذه الحال تارة بالبطلان وتارة بالفساد من غير تفرقة بين حال وحال فيقولون الصلاة بغير ركوع باطلة أو فاسدة والصلاة بغير طهارة باطلة أو فاسدة والصلاة مع كشف العورة فاسدة أو باطلة.لا يفرقون فى الوصف ولا فى الأثر بين حال وحال (2)
(أنظر مصطلح: بطلان وفساده) أما الحج فقد فرقوا بين فاسده وباطله"
إذ أوجبوا المضى فى فاسده و أوجبوا على الحاج مع ذلك الذبح والإعادة مرة أخرى وإنما وجبت الإعادة لتمكن الخلل فى الحج الذى أتى به لا لعدمة (3) .
ويلاحظ أن المخالفة إذا كانت راجعة إلى فقدان ركن من الأركان أو فقدان معنى التصرف فإن أ ثرها حينئذ هو انعدام السهل المطلوب أو العقد المراد انشاؤه ، وعند ذلك لا يتحقق لهما وجود شرعى وأن ثبت لهذا وجود حمى فى الواقع، فالصلاة إذا فقدت أركانها لا تعد صلاة ولا يتحقق لها وجود عند ذلك شرعا، وكذلك العقد إذا فقد أحد أركانه لم يكن له وجود فى نظرالشارع. وفى هذه الحال يوصف كل منهما بالبطلان، فيقال فى الصلاة حينئذ أنها باطلة وفى العقد أنه باطل، ومعنى، ذلك فى واقع الأمر إنعدام كل منهما شرعا وفى مثل هذه الحال لا يكون كل منهما محلا للابطال،
إذ معناه جعل الفعل أو التصرف باطلا بعد أن بدأ صحيحا، فإذا بدأ باطلا لم يقبل إبطالا، لأن الباطل لا يبطل. ومن ثم كان البطلان الذى يحدث أثرا للإبطال حكما طارئا يطرا على الفعل
الشرعى أو التصرف، وعلى هذا لا يقال لمن صلى بلا ركوع وسجود أبطل صلاته إلا على معنى جاء بصلاة باطلة نجر موجودة ولا لمن باع- سلعة بغير قبول أبطل بيعه إلا على، معنى جاء بعقد باطل وفد يكون المراد بالإبطال إظهار بطلان الفعل الباطل أو العقد الباطل، وذلك يحدث فى القضاء بإبطال تصرف من التصرفات إذ لا يراد بقول القاضى أبطلت هذا العقد أو هذا الحق إلا أظهرت بطلانه، ذلك لأن القضاء مظهر ولا ينشئ إلا نادرا فى أحوال خاصة
ومما تقدم يتبين ما يأتى:
أولا: أن الإبطال جعل الفعل أو القول باطلا بر وذلك بإعدامه فى نظر الشارع وتجريده من وصف الوجود شرعا وهو الوجود الذى ناط به للتنازع ترتب الآثار الشرعية عليه، ومن ثم عد الباطل معدوها فى نظر الشارع واعتباره وكان العقد الباطل معدوما لا يترتب عليه أثر، والصوم الباطل معدوما لا يجزئ عن الواجب الشاغل للذمة وهو بهذا المعنى يتناول معنى الفسخ كما سيتضح ذلك فيما يأتى.
ثانيا: ان الإبطال عند الحنفية يكون بإدخال سبب كب حلل على الفعل أو التصرف، بعد بداية بداية صحيحه، وذلك بإعدام ركن من أركان، كمن بدأ صلاته بداية صحيحة، ثم ترك فيها ركوعا أو سجودا أو بدأ صيامه، ثم أكل عامدا فى أثناء النهارا
بدأ حجه ثم أرتد أو باع ثم أبطل بيعه بخيار مجلس عند القائل به أو بخيار شرط إذا ما شرطه لنفسه فى العقد أو أذن الموهوب له فى قبض العين الموهوبة ثم عدل عن إذنه أو أوجب فى عقد من العقود ثم عدل عن إيجابه فى مجلس العقد أو تزوج ثم أبطل زواجه بردته أو بخيار بلوغ، فكل ذلك أبطل لما بدأ صحيحا، وهذا بخلاف الإفساد فإن معناه عندهم إلحاق مفسد بما شرع فيه من عمل أو تصرف، كمن شرع فى صلاته ثم تكلم فيها بما يتكلم به الناس أو انحرف فيها عن القبلة انحرافا جعلها إلى ظهره، أو صام فجامع فى صيامه، أو حج فجامع قبل وقوفه بعرفة، أو باع بثمن فأجله إلى وقت الميسرة أو اشترط فيه شرط خيار لمدة سنة أو بغير مدة، أو قارض فاشترط لنفسه ربحا معين المقدار، أو رهن فاشترط بقاء الرهن تحت يده 000 فذلك كله عند الحنفية إفساد لا إبطال، إذ أنه لا يرجع إلى خلل فى أصل الفعل أو التصرف، وإنما يرجع إلى وصف من أوصافه، ولا يفرق غيرهم بين الحالين فهى عندهم إبطال أو إفساد.)
(راجع مصطلح: بطلان وفساد)
الفرق بين الإبطال والفسخ:
بينا فيما سبق معنى الإبطال ومحله، ونقرر هنا أن الإبطال كما يحدث أثناء القيام بالعمل الشرعى ، كما فى المصلى يتحدث فى صلاته بنا يشبه كلام الناس، وكما فى البيع إذا فصل بين إيجاب البائع وقبول المشترى ما يحول دون اتصال
القبول بالإيجاب من قيام أو كلام أو اشتغال بأى عمل يترتب عليه ذلك عرفا، وكما فى الزواج إذا أقترن بقبول الزوج ما يوجب بطلان العقد من ردة أو فعل يوجب حرمة المصاهرة، كذلك يحدث الإبطال بعد التمام. غير أن ذلك لا يتصوره الأفعال الشرعية كالصلاة والصيام والحج إذ بعد تمامها لا يمكن أن يلحق بها ما يبطلها، لأنها وقعت على وفق طلب الشارع مجزئة وبرأت منها الذمة، فلا تشغل بها مرة أخرى.
ولكنه يحدث فى التصرفات... فقد ذكروا أن الوقف يبطل بردة الواقف بعد تمامه، وأن الوصية تبطل برجوع الموصى عنها، وأن التوكيل يبطل بعدول الموكل عنه بشرط وصول الخبر إلى الوكيل وأن العارية تبطل برجوع المعير عنها، وأن البيع يبطل بخيار العيب وبخيار الرؤية عند إرادة الرد بهما، وأن الهبة تبطل برجوع الواهب فيها بشرط رضا الموهوب له أو قضاء القاضى، والمسائل من هذا النوع كثير عديدة يخطئها الحصر.
ولكن الملاحظ أن التعبير عن الإبطال بعد التمام أكثر الحالات والمواضع يكون بالفسخ، وقد يستعمل لفظ الإبطال، ولكن التعبير الأول أكثر استعمالا، ويندر أن يعبر عن الإبطال الحادث فى أثناء العمل بالفسخ وإذا عبر عنه بذلك كان من قبيل التجوز فى التعبير.
ففى الإقالة قالوا إنها فسخ فى حق المتعاقدين عقد جديد فى حق غيرهما، وفى العقد غير اللازم قالوا أنه ما يستبد أحد
العاقجين بفسخه وفى الرجوع فى الهبة من الواهب قالوا إذا رجع الواهب فى هبته بقضاء أو رضا كان فسخا لعقد الهبة وإعادة لملكه لا هبة جديدة، و فى خيال العيب قالوا إن الرد بخيار العيب قبل القبض يعد فسخ كالرد بخيار الرؤية أو بخيار الشرط (4) وهكذا، كما عبروا فى مثل هذه المواضع بالإبطال (5) .
وأذن فالفرق بين الإبطال والفسخ أن الإبطال أعم من الفسخ، فالإبطال كما يكون فى أثناء المباشرة يكون بعد التمام والفسخ لا يكون ألا بعد التمام، فكل فسخ أبطال، وليس كل إبطال فسخا، وذلك ما يشعر به ويدل عليه لفظ الفسخ لغة (6) ، فهو فيها النقض والتفريق، فقول العرب فسخت الشئ فرقته، وفسخت المفصل عن موضعه أزلته، وتفسخ الشعر عن الجلد، وليس يكون ذلك إلا عند إتصال شيئين فتفرق بينهما
( أنظر مصطلح فسخ) .
أسباب الإبطال:
تبين مما سمها أن الإبطال هو جعل العمل أو التحرف باطلا ، وإنما يكون ذلك ممن يباشر العمل بالنسبة للأفعال الشرعية أو ممن له شأن فى التصرف بالنسبة للتصرفات بناء على ثبوت الحق له فى ذلك شرعا تطبيقا لحكم شرعى ، وعلى ذلك لا يكون الإبطال
إلا بسبب مبطل شرعا، أى بسبب رتب الشارع عليه حكم الإبطال عند تحققه، فما لا يبطل به العمل أو التصرف شرعا لا يصلح سببا للإبطال، وإذا جعل سببا للإبطال لم يترتب عليه، وبناء على ذلك لا يملك المصلى أو الصائم أو الحاج أن يبطل صلاته أو صيامه أو حجه إلا بما جعله الشارع مبطلا لها فلا يملك المصلى أن يبطل صلاته بنظره إلى السماء عند صلاته أو بقيامه على رجل واحدة، ولا يستطيع الصائم أن يبطل صيامه بأكله ناسيا، ولا يستطيع الحاج أن يبطل حجه بلبس مخيط فى إحرامه. إذ أن الشارع لم يرتب على شىء من ذلك بطلان العمل، وليس لإرادة المصلى أو الصائم والحاج سلطان فى ذلك، بل الحكم فى الشارع.
ومما يجب ملاحظته أن أقدام المكلف على أبطال عمله. المتطوع به فى غير حج وعمرة بغير عذر مكروه، فإذا أبطله لزمه أعادته عند أبى حنيفة ومالك لقوله تعالى: " ولا تبطلوا أعمالكم (7) " فقد أمر بعدم أبطالها، فوجبت بالشروع فيها، وذلك ما فوجبت بالشروع فيها وحرمة إبطالها بغير عذر ووجوب قضائها إذا أبطلها مطلقا. وذهب الشافعى وأحمد(8) إلى استحباب اتمامه، وإذا أبطله لم يلزمه قضاؤه هو المراد فى الأية بإبطالها أبطال ثوابها بالمن أوالرياء والشروع فى التطوع لا يغير حقيقته وحكمه .
أما الحج والعمرة فيجب المضى فيهما وإعادتهما عند إبطالهما.
وذهب الشيعة الإمامية إلى عدم جواز إبطال الصلاة اختيارا من غير عذر، وإلى أنها تصير واجبة بالشروع فيها (9) .
وكذلك بالنظر إلى التصرفات الشرعية لا يستطيع ذو الشأن أن يبطلها إلا بما جعله الشارع مبطلا لها فالتصرف إذا كان غيرلازم بالنسبة- إلى طرفيه كالعارية والوكالة والشركة والوديعة يكون لكل عاقد حق أبطاله أو فسخه بإرادته المنفردة دون أن يتوقف ذلك على رضا الطرف الآخر، و إذا كان لازما بالنسبة إلى أحد طرفية غير لازم بالنسبة إلى الطرف الأخر كالرهن والكفالة كان لمن لا يلزم العقد بالنسبة له فقط أن يبطله بإرادته المنفردة، فكان للمرتهن هذا الحق دون الراهن، وكان للمكفول له هذا الحق دون الكفيل. أما الراهن أو الكفيل فليس له الإبطال إلا برضا المرتهن أو المكفول له، وإذا كان التصرف لازما بالنسبة إلى طرفيه كالبيع والإجازة ونحوهما لم يملك أحدهما إبطاله برضا الطرف الأخر، وهذا ما يسمى بالإقالة، وإذا فقد لزومه بسبب خيار كخيار رؤية أو شرط أو عيب كان له إبطاله إلا بناء على خياره وإذا كان التصرف بإرادة المتصرف المنفردة كالوقف والوصية والهبة والجعالة كان له إبطاله إذا جعله الشارع غير لازم كالوصية والجعالة والهبة فى بعض أحوالها، ولم يكن له ذلك بإرادته فيما جعله الشارع لازما كالوقف وعقد الصبى الممير موقوف فلوليه إبطاله عند الأحناف والمالكية، وكذلك عقد
الفضولى لصاحب الشأن فيه أبطاله عند القائلين بوقفه 0
وعلى الجملة فليرجع إلى مبطلات الصلاة فى مصطلح صلاة، وإلى مبطلات الصوم فى مصطلح صوم وإلى مبطلات الحج فى مصطلح حج وإلى بما!ت البيع والإجارة والرهن والصح والوقف فى مصطلحاتها وهكذا، وإلى مبطالات الحج حكام فى مصطلح قضاء.
أثر الإبطال وحكمه:
إذا حدث الإبطال قبل إتمام العمل الشرعى أو الإلتزام الشرعى كان أثره البطلان وبذلك صار معدوما فى نظر الشارع، وترتب على ذلك صيرورة العمل غير مجزئ وصيرورة الالتزام لاغيا لا يترتب عليه أثر، وهذا محل إتفاق بين المذاهب، إلا أن ترتب الآثار على أسبابها إنما هو نتيجة لإعتبار الشارع لها وترتيبها عليها، وإنما يكون ذلك عند وجوده فى اعتباره ونظره. أما اذا حدث الإبطال بعد التمام، وذلك لا يتصور كما قلنا إلا فى التصرفات الشرعية ، فإن أثره حينئذ هو إنهاء التصرف، ولا يكون لهذا الإنهاء عندئذ أثر رجعى فلا يترتب على إبطال الزواج حرمة ما حدث فيه من مباشرة سابقة ولا إنتفاء ما ثبت به من أنساب ولا سقوط ما وجب فيه من نفقات على الزوج، وكذلك الحال فى الهبة يرجع فيها الواهب بعد تمامها بالقبض، فإن جميع منافع العين و زوائدها قبل إبطالها وفسخها تكون للموهوب له متى كانت منفصلة لأنه المالك
للعين الموهوبة قبل الرجوع، وزيادة الملك ونماؤه لمالكه ولا تكون للواهب، غير أن الزيادة المتصلة كالسمن مثلا تمنع الرجوع عند الحنفية وتمنع الإعتصار عند مالك، وهو رجوع الأب فيما وهبه لولده وتمنع الرجوع كذلك عند أحمد على رواية جواز رجوع الأصل فيما وهبه لفرعه ولا تمنع رجوع الأصل فيما وهبه لفرعه عند الشافعى، بل تتبع أصلها فتكون للواهب، و هو مذهب الأباضية.
أما المنفصلة ظل ملكا للموهوب له وإلى هذا ذهب الشيعة الجعفرية.
ولا يرى أهل الظاهر جواز الرجوع فى الهبة (10) .
وذهب الزيدية الى أن الزيادة المتصلة تصنع الرجوع لا المنفصلة إذا تكون للموهوب له (11) ونتيجة ذلك اقتضاء الرجوع فى الهبة وعدم استناده إلى وقتها، وكذلك الحكم فى الوكالة إذا أبطلها أحد عاقديها، والشركة والقراض و العاريه والمساقاة والمزارعة والإجارة إذا فسخت بسبب عذر أو بإقالة، فالفسخ فى جميع هذه الأحوال لا يستند إلى وقت حدوث العقد، وإنما يقتصر الإبطال على وقته فلا يترتب عليه أثره إلا من ذلك الوقت، إذ أن الإبطال لا يرفع عقدا ولا يبطله فقد حدث بعد تمامه وترتب آثاره عليه، أيضا ينهيه من وقت فسخه فيرفعه بذلك الفسخ والإبطال.
وبناء على ذلك اذا حدث الفسخ أو الإبطال قبل تمام العقد وترتب آثاره عليه فإن الحكم يختلف تبعا لما تم من آثاره وما لم يتم ومما فرع على ذلك عقد البيع إذا كان فيه خيار شرط أو خيار رؤية أو خيار عيب ذلك أن خيار الشرط يقف ترتب آثار العقدعليه عند الحنفية. فإذا حدث الفسخ الإبطال بناء عليه لم يترتب على العقد شئ جديد، وأرتفع بالفسخ (12) .
ويرى مالك فى أصح أقواله أن خيار الشرط يحول كذلك دون ترتب آثاره عليه أيضا، وعلى ذلك فالبيع فى زمن الخيار لا يزاد مملوكا للبائع، والثمن لا يزال مملوكا للمشترى سواء أكان الخيار لأحدهما أم لهما وعلى ذلك فيكون الحكم هو ما ذكرنا عند الحنفية وهو أن العقد لم يترتب عليه أثر جديد وأنه بالفسخ يرتفع وعلى ذلك يكون نماء المبيع و زوائده للبائع متى كانت حادثة زمن الخيار سواء أجيز العقد أم فسخ عن وهناك آراء أخرى للمالكية فى ذلك (13) .
ويرى الشافعى أن ملك المبيع فى مدة الخيار لمن له الخيار، فإن كان الخيار للبائع وحده فهو المالك للمبيع وحده، وإن كان الخيار للمشترى وحده كان ملك المبيع له كما يكون ملك الثمن للبائع، وإذا كان الخيار لهما فالأمر موقوف إلى أن يظهر مآل العقد، فإذا فسخ البيع ظهر أن المبيع لم يخرج من ملك البائع وأن الثمن لم يزل فى ملك المشترى، وعلى هذا الأساس يكون
لحكم على الزوائد والنماء فى مدة الخيار فهى لمن له الملك فى تلك المدة قبل أن يئول العقد إلى فسخه (14)
و يرى أحمد أن اشتراط الخيار لا يحول دون ترتب آثاره عليه، وهذا ظاهر المذهب، وعلى هذا الأساس يكون الحكم على الزيادة والنماء فيهما للمشترى لحدوثهما على ملكه وفسخ العقد إنما يكون من وقت الفسخ لاين وقت إنشائه.
غير أن الزيادة كانت متصلة كالسمن فإنها تتبع أصلها عند الفسخ (15) فتكون لمن كان له ملك أصلها. وعلى هذا يرى أيضا أن الفسخ أو الإبطال يقتصر على وقت حدوثه فلا يثبت بأثر رجع إلى وقت نشأة العقد. ويلاحظ أنه بالنسبة إلى العقد الموقوف عند فسخه، فإن فسخه يثبت بأثر رجعى إلى وقت إنشائه ، ذلك لأن العقد الموقوف لا يترتب عليه آثر وإنما ينفذ بإجازة) (راجع خيارات) .
فى الجملة ففسخ العقد يقتصر على وقت إنشائه عند الفقهاء اذ لا يعدم التزام وجد صحيحا فى زمن صحته، وإنما ينهيه من وقت حدوثه، وذلك ما يرى أنه ليس محالا للخلاف. ويلاحظ كذلك أن العقد إذا حدث فاسدا كان له وجود فى نظر الحنفية ووجب على كل من طرفيه فسخه وإذا وصل علم القاضى إليه فسخه القاضى إن لم يفسخه أحد طرفيه ، أما عند غيرهم فليس له وجود حتى يقتضى، ذلك فسخه وإبطاله(16) .

__________

(1) المعجم الوسيط- مفردات الراغب - القاموس في مادة بطل.
(2) راجع الشرح الكبير للدردير فى كتاب البيع من الجزء الثالث، وفى كتاب النكاح من الجزء الثانى طبعة الحلبى وشرح مسلم الثبوت ج1 ص122 والإحكام للآمدى ج 1ص 187 وروضة الناظر فى أصول فقه ج1 ص 164 وما بعدها المطبعة السلفية سنة 1342، وارشاد الفحول للشوكانى ص104 مطبعة السعادة سنة 1327.
(3) أبن عابدين ج2 ص 228، 229 .
(4) الدر المختار ج 4 ص 96.
(5) أرجح الى ابن عابدين ج4 ص80 من باب خيار العيب.
(6) المصباح المنير والقاموس و الاساس فى مادة فخ.
(7) سورة محمد: 33.
(8) كشاف القناع ج1 ص 528.
أحكام القرآن لابن العربى .
أحكام القرآن للجصاص ج3 ص219 .
وأحكام القرآن للقرطبى ج16 ص255 .
(9) مصابيح الفقه وكتاب الصلاة ص 427، 428.
(10) تكملة ابن عابدين فى الهبة ج 2 فى آخره.
كشاف القناع ج2 ص 185.
الخرشى ج 7 ص 134.
البجرمى على المنهج ج 3 ص244.
المحلى وتحرير الاحكام ج1 ص441 .
(11) شرح الأزهار ج 3 ص441 .
(12) راجع البدائع ج 5 ص346.
(13) الشرح الكبير للدردير ج 3 ص 104 .
الخرتشى ج 5 ص137.
شرح النيل ج6 ص10
شرح الأزهار ج 35 ص441.
(14) نهايه المحتاج ج4 ص19 .
روض الطالب ج 2 ص 53.
(15) المغنى ج4 ص26 .
كشاف القناع ج 2 ص 50
(16) الدر المختار أحكام البيع الفاسد .

(1/33)


أبطح

1- التعريف به:
أ) المعني اللغوى: جاء فى لسان العرب ومثله فى القاموس أنه اسم لمسيل واسع فيه دقاق الحصى. وقيل بطحاء الوادى تراب لين مما جرته السيول، فإن اتسع وعرض فهو الأبطح. وقال ابن الأثير: إن أبطح الوادى حصاة اللين فى بطن المسيل، وفى الحديث أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالأبطح يعنى أبطح مكة وهو مسيل واديها، وفى المصباح أن الأبطح كل مكان متسع، والأبطح بمكة هو المحصب، ثم فسر كلمة محصب بأنه موضع بمكة على طريق منى، وبأنه مرمى الجمار بها.
ب) المعنى الاصطلاحى: يقول الأحناف(1) أنه اسم الموضع الذى نزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من منى إلى مكة ويسمى المحصب والأبطح. وهو فناء مكة ما بين الجبلين المتصلين بالمقابر إلى الجبال المقابلة لذلك وأنت صاعد فى الشق الأيسر فى طريقك إلى منى من بطن الوادى، ولم يختلف عليهم أحد من أهل المذاهب الأخرى فى التعريف به.
2- حكم النزول به:
يقول الأحناف أنه يسن للحاج بعد رمى الجمار أن يأتى الأبطح فينزل به لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل به قصدا وذلك لما روى عن أسامة بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: إنا نازلون غدا بالخيف(2) خيف بنى كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم. يريد الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك الإشارة إلى عهد المشركين فى ذلك الموضع على هجران بنى هاشم وبنى المطلب بألا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم الرسول، فعرفنا بذلك أن نزوله بالأبطح كان قصدا ليرى المشركين لطيف صنع الله به، وليتذكر فيه نعمته سبحانه عليه حيث يقارن بين نزوله هذا وما كان عليه أيام الحصار فيكون النزول فيه سنة بمنزلة الرمل فى الطواف واستدلوا أيضا بأن الخلفاء نزلوا كذلك بهذا المكان وقد صرح بعضهم كما فى ابن عابدين بأن الأظهر أن النزول به سنة كفاية، لأن الموضع لا يسع جميع الحجاج، ويتحقق أصل السنة عندهم بأن ينزل الحاج ولو ساعة يقف على راحلته يدعو.
وذكر الكمال بن الهمام أن الحاج يصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعة ثم يدخل مكة.
وهذه كما يقول ابن عابدين: سنة كمال وقد صرح المالكية(3) : بأن النزول به مع الصلوات الأربع مندوب، واستثنوا المتعجل فى سفره، ومن كان رجوعه يوم الجمعة، وصرحوا أيضا أن محل ندب صلاة الظهر إذا وصله قبل ضيق وقتها فلو ضاق عليه الوقت يصلى الظهر حيث أدركه. ونصوا على أن الراجع من منى يفعل ذلك سواء أكان آفاقيا(4) أم من مكة أم مقيما بمكة، وأنه يقصر الصلاة ولو كان مكيا لأنه من تمام المناسك.
ويرى الشافعية(5) : أنه يندب لمن نفر من منى أن ينزل بالمحصب الذى يقال له الأبطح وخيف بنى كنانة، ويصلى به العصرين والمغربين ويبيت به لاتباع الرسول وقالوا: إن ذلك ليس من المناسك.
وصرح الحنابلة: باستحباب النزول وأداء الصلوات الأربع المذكورة والاضطجاع اليسير، وروى ابن قدامة أن ابن عمر يرى التحصيب سنة.
ونص الشيعة الجعفرية(7) : على أن النزول به مستحب. كما نصوا(8) على أنه يستحب الإكثار من الصلاة بمسجد الخيف.
ويضيف الزيدية(9) : للحكم بندب النزول به أن الحاج يصلى فيه العصر والعشاءين ويدخل مكة بعد هجعة كفعلته - صلى الله عليه وسلم- .
هذا وقد أوردت كتب الأحناف والحنابلة والزيدية التي أشرنا إليها اختلافا بين بعض الصحابة وبعض فى أن النزول به سنة أو غير سنة، ويرجع اختلافهم فى ذلك إلى أن نزول الرسول صلى الله عليه وسلم به أكان عن قصد أم غير قصد، ونقلوا عن ابن عباس وعائشة أن نزوله به كان اتفاقا لا قصدا، وقد واجههم الحنفية بالرد بما تقدم.
ولم نعثر فى كتابى المحلى فى الفقه الظاهرى وشرح النيل فى الفقه الإباضى على شىء فى ذلك الموضوع .

__________

1) المبسوط ج4 ص24 مطبعة السعادة سنة 1324ههجرية البدائع للكاشانى الطبعة الأولى بالقاهرة سنة 1327ههجرية ج2 ص160.
الفتح ج2 ص187، مطبعة مصطفى محمد، الدر المختار حاشية ابن عابدين ج2 ص201، المطبعة الميمنية سنة 1307ههجرية.
2) الخيف فى الأصل ما ارتفع عن الوادى قليلا عن مسيل الماء وقد اشتهر إطلاقه على مكان قرب منى فيه مسجد الخيف.
3) الدردير والدسوقى ج2، ص53، طبعة المطبعة الأزهرية سنة 1345ههجرية.
4) أى من خارج مكة.
5) المهذب ج1، ص231، طبعة عيسى الحلبى، حاشية القليوبى على المنهاج ج2 ص124 طبعة الحلبى سنة 1353ههجرية.
6) المغنى ج3 ص 457، الطبعة الثالثة بدار المنار.
7) المختصر النافع ص98 طبع دار الكتاب العربى.
8) الروضة البهية ج1 ص 203، مطبعة دار الكتاب العربى.
9) البحر الزخار ج2 ص 360.

(1/34)


أبكم

فى اللغة يقال: رجل أبكم أى أخرس. والأخرس: هو الذى منع من الكلام خلقة. أى خلق ولا نطق له.
وقد وضع الفقهاء له أحكاما تتعلق بذبيحته وصلاته وطلاقه ووصيته وعقوده وإشارته ... ..إلى غير ذلك (انظر أخرس) .

(1/35)


إبل

التعريف بالإبل:
الإبل بكسرتين وبتسكين الباء: الجمال والنوق، لا واحد له من لفظه، مؤنث، وجمعه آبال، ويقال: إبلان للقطيعين من الإبل(1) .
منافع الإبل:
وقد أحل الله تعالى ذكور الإبل وإناثها فقال سبحانه: ( ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئونى بعلم إن كنتم صادقين. ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين.. الآية((2)
ونعى سبحانه على من عطل منافعها فى الأكل أو فى العمل بأى نوع من أنواع التعطيل فقال:( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون((3)
البحيرة: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها أى شقوها، وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيى لم يركبها واسمها البحيرة(4) .
السائبة: كان الرجل يقول: إذا قدمت من سفرى أو برئت من مرضى فناقتى سائبة وجعلها كالبحيرة فى تحريم الانتفاع بها واسمها السائبة(5) .
الوصيلة: الناقة البكر، تبكر فى أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثنى بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر(6) .
الحام: والحام فحل الإبل، يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه تركوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل فلم يحمل عليه شىء وسموه الحامى(7) .
طهارة الإبل:
والإبل الحية طاهرة ما دام جسمها خاليا من ملابسة النجاسات التي تخرج من الإبل، ومن غيرها من النجاسات، ولمن شاء أن يزاول أية منفعة من المنافع التى تطلب من الإبل دون حرج أو مانع فإذا تلبست بنجاسة وجب أن يتحرز الإنسان من تلك النجاسة وأن يزيلها.
يخرج من أبدان الإبل، ما يأتى:
1- أبوالها.
2- أ رواثها.
3- الدم السائل منها.
أما أبوالها، فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: أنها نجسة، وقال محمد: أنها طاهرة، حتى لو وقع فى الماء القليل لا يفسده ويتوضأ منه ما لم يغلب عليه(8) .
ويقول الشافعية: كل مائع خرج من أحد السبيلين نجس سواء كان ذلك من حيوان مأكول اللحم أم لا (9) .
ويرى المالكية: أن بول ما يباح أكله طاهر إذا لم يعتد التغذى بنجس، والإبل مباحة الأكل فبولها طاهر(10) .
وعند الحنابلة: بول الإبل وما يؤكل لحمه طاهر إلا إذا كانت تأكل النجاسة فبولها نجس، فإن منعت من أكلها ثلاثة أيام لا تأكل فيها إلا طاهرا صار بولها طاهرا(11) .
والزيدية: ترى أن بول ما يؤكل لحمه كالإبل طاهر لقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا بأس ببول البقر والغنم والإبل) وبول الجلالة نجس(12) .
وابن حزم يقول: البول كله من كل حيوان، إنسان أو غير إنسان، مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، أو من طائر يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، فكل ذلك حرام أكله وشربه، إلا لضرورة تداو أو إكراه أو جوع أو عطش فقط، وفرض اجتنابه فى الطهارة والصلاة إلا مالا يمكن فهو معفو عنه(13) .
والإمامية قالوا: أن بول الإبل طاهر(14) .
والإباضية يرون: أن بول الإبل نجس إذ يقولون أن البول مطلقا من الإنسان والحيوان خبيث لأن النبى صلى الله عليه وسلم سماه خبيثا فكل بول خبيث(15) .
روث الإبل:
أما الأرواث فيقول الأحناف: إنها نجسة عند عامة العلماء وقال زفر: روث ما يؤكل لحمه طاهر(16) .
ويقول الشافعية: إن كل ما خرج من السبيلين من حيوان مأكول فنجس كالبعر والروث(17) .
ويرى المالكية: أن الروث الخارج من مباح الأكل كالإبل والبقر طاهر إذا لم يعتد التغذى بالنجاسة فإن اعتاد التغذى بها يقينا أو ظنا فروثه نجس(18) .
ويرى الحنابلة أن روث الحيوان الذى يؤكل طاهر(19) .
ويرى الزيدية أن زبل الإبل والحيوانات المأكولة طاهر، فإذا كانت جلالة كان زبلها نجسا قبل الاستحالة، فأما بعد الاستحالة التامة بتغير اللون والطعم والريح عما كانت عليه فإنه يحكم بطهارته(20) .
ويرى ابن حزم الظاهرى: أنه نجس، وتجب إزالته عما يصيبه من جسم الإنسان وثيابه ومكانه وكل ما يخصه لأن الله تعالى أمر على لسان رسوله بإزالته(21) .
وقال الإمامية: إن روث الإبل نجس لأن العذرات نجسة(22) .
حكم الدم السائل من الإبل:
اتفقت المذاهب على أن الدم الذى يسيل من الإبل بأن يفارق مكانه نجس كغيره من دماء الحيوانات الأخرى- انظر مصطلح (دم) -
حكم الإبل الميتة:
اتفق فقهاء المذاهب ما عدا الحنفية على أن ميتة الإبل التى تموت بغير تذكية نجسة بجميع أجزائها، أما الحنفية فيرون أن الأجزاء التى فيها دم سائل منها نجسة، لاحتباس الدم النجس فيها وهو الدم المسفوح، وأما الأجزاء التي ليس فيها دم، فإن كانت صلبة كالعظم والسن والخف والصوف والأنفحة الصلبة، فليست بنجسة بلا خلاف بين أصحاب أبى حنيفة، وأما الأنفحة المائعة واللبن فكذلك عند أبى حنيفة وعند الصاحبين نجس.
سؤر الإبل وعرقها:
السؤر هو ما بقى فى الإناء من الماء بعد الشرب منه، والعرق معروف.
ويرى الحنفية أن سؤر الإبل طاهر كسؤر مأكول اللحم من الحيوانات الأخرى إلا الجلالة التى يظهر لها رائحة منتنة إذا قربت، فإن سؤرها مكروه وعرفها نجس، ويرى الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية والإمامية أن سؤر الإبل وعرقها طاهران(23) .
حكم الوضوء من أكل لحم الإبل:
يرى الحنابلة وابن حزم من الظاهرية أن الوضوء ينتقض بأكل لحم الجزور، أى الإبل، فعلى من أكل منه أن يتوضأ.
ويرى الأحناف والمالكية والزيدية والإمامية والشافعية فى المعول عليه عندهم أنه لا ينتقض الوضوء بأكله، غير أن الأحناف والشافعية نصوا على أنه يندب الوضوء من أكله مراعاة للمذاهب الأخرى(24)
الصلاة بمعاطن الإبل:
الأحناف: نهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فى معاطن الإبل بقوله: ( صلوا فى مرابض الغنم ولا تصلوا فى معاطن الإبل) ، والنهى هنا للكراهة، ومعاطن الإبل مباركها(25) .
والشافعية: قالوا تكره الصلاة فى عطن الإبل ولو طاهرا(26) .
وقال المالكية: كرهت الصلاة بمعطن إبل وهو موضع بروكها عند الماء للشرب، وأما موضع مبيتها وقيلولتها فليس بمعطن، فلا تكره الصلاة فيه، وقيل: تكره، فالمعطن محل بروكها مطلقا، ولو أمن النجاسة أو فرش فرشا طاهرا ويعيد صلاته ندبا(27) .
وقال الحنابلة: ولا تصح أيضا تعبدا صلاة فى أعطان الإبل، للحديث السابق، والأعطان ما تقيم فيها الإبل، وتأوى إليها طاهرة كانت أو نجسة فيها إبل حال الصلاة أولا، لعموم الخبر، وأما ما تبيت فيه الإبل فى مسيرها أو تناخ فيه لعلفها أو سقيها لا يمنع من الصلاة فيه لأنه ليس بعطن(28) .
وقال ابن حزم الظاهرى: لا تحل الصلاة فى عطن إبل، وهو الموضع الذى تقف فيه الإبل عند ورودها الماء وتبرك، وفى المراح والمبيت، فإن كان لرأس واحد من الإبل، أو لرأسين فالصلاة فيه جائزة، وإنما تحرم الصلاة إذا كان لثلاثة فصاعدا، فمن صلى فى عطن إبل بطلت صلاته عامدا كان أو جاهلا(29)
وقال الإمامية: تكره الصلاة فى المعطن (بكسر الطاء) واحد المعاطن، وهى مبارك الإبل عند الماء للشرب(30) .
أما الزيدية فلم نعثر على رأى صريح لهم فى هذا الصدد، لكنه ورد بشرح الأزهار حديث رسول الله الذى ينهى فيه عن الصلاة بمعاطن الإبل(31) .
ولمعاطن الإبل أحكام تتعلق بمواضع اتخاذها ومقدارها انظر مصطلح (إحياء- موات) .
زكاة الإبل:
قال الأحناف: ليس فيما دون خمس من الإبل زكاة، وفى الخمس شاة وفى العشر شاتان، وفى خمسة عشر ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين بنت مخاض، وهى ما تم لها سنة ودخلت فى الثانية من الإبل، وفى ست وثلاثين بنت لبون، وهى التى تمت لها سنتان، ودخلت فى الثالثة، وفى ست وأربعين حقة وهى التى دخلت فى الرابعة، وفى إحدى وستين جذعة وهى التى دخلت فى الخامسة وهى أقصى سن لها مدخل فى الزكاة، والأصل فيه ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابا إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فكتبه أبو بكر لأنس، وكان فيه: وفى أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، فى كل خمس ذود(32) شاة فإذا كانت خمس وعشرين إلى خمسا وثلاثين ففيها بنت مخاض فإذا كانت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا كانت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقه، فإذا كانت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا كانت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا كانت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان، ولا خلاف فى هذه الجملة.
واختلف العلماء فى الزيادة على مائة وعشرين:
فقال الأحناف: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين تستأنف الفريضة، ويدار الحساب على الخمسينيات فى النصاب، وعلى الحقاق فى الواجب، لكن بشرط عدد ما قبله من الواجبات والأوقاص(33) بقدر ما يدخل فيه وبيان ذلك إذا زادت الإبل على مائة وعشرين فلا شىء فى الزيادة حتى تبلغ خمسا فيكون حقتان وشاة، وفى العشر شاتان وحقتان، وفى خمسة عشر ثلاث شياه وحقتان، وفى عشرين أربع شياه وحقتان، وفى خمس وعشرين بنت مخاض وحقتان إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق فى كل خمسين حقة، ثم تستأنف الفريضة، فلا شىء فى الزيادة حتى تبلغ خمسا فيكون فيها شاة وثلاث حقاق، وفى العشر شاتان وثلاث حقاق، وفى خمس عشرة ثلاث شياه وثلاث حقاق، وفى عشرين أربع شياه وثلاث حقاق فإذا بلغت مائة وخمسا وسبعين ففيها بنت مخاض وثلاث حقاق، فإذا بلغت مائة وستة وثمانين ففيها بنت لبون وثلاث حقاق، إلى مائة وستة وتسعين ففيها أربع حقاق، إلى مائتين فإن شاء أدى منها أربع حقاق، من كل خمسين حقة، وإن شاء أدى خمس بنت لبون، من كل أربعين بنت لبون، ثم يستأنف الفريضة أبدا، فى كل خمسين كما استؤنفت من مائة وخمسين إلى مائتين، فيدخل فيها بنت مخاض وبنت لبون وحقة مع الشياه(34) واستدل الأحناف بحديث عمرو بن حزم، وفيه: فإذا زادت الإبل عن مائة وعشرين استؤنفت الفريضة، فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم، فى كل خمس ذود شاة، وروى هذا المذهب عن على وابن مسعود، وهذا باب لا يعرف بالاجتهاد، فيدل على سماعهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
والشافعية كالأحناف إلى أن يصير عدد الإبل مائة وعشرين، فإذا زادت الإبل إلى مائة وإحدى وعشرين وجب ثلاث بنات لبون، ثم يستمر ذلك إلى مائة وثلاثين فيتغير الواجب فيها، وفى كل عشر بعدها ففى كل أربعين من الإبل بنت لبون، وفى كل خمسين حقة، ففى مائة وثلاثين بنتا لبون وحقة، وفى مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفى مائة وخمسين ثلاث حقاق(35) والمالكية قالوا: إذا زادت الإبل عن مائة وعشرين إلى مائة وتسعة وعشرين فلا شىء فى هذه الزيادة، ولكن يخير الساعى إن شاء أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون إن وجد النوعان أو فقدا فإن وجد أحدهما تعين إخراج الزكاة منه، ثم فى عشر بعد المائة والثلاثين يتغير الواجب فيجب فى كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة، ففى مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفى مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفى مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفى مائة وستين أربع بنات لبون. وهكذا(36) .
الحنابلة قالوا: إذا زادت الإبل واحدة عن عشرين ومائة كان فيها ثلاث بنات لبون، وقالوا أنه بالواحدة حصلت الزيادة، ثم تستقر الفريضة ففى كل أربعين بنت لبون وفى كل خمسين حقة، ففى مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفى مائة وأربعين حقتان وبنت لبون وهكذا، إلى مائتين فيخير؛ فله أن يخرج خمس حقاق أو خمس بنات لبون فهم كالشافعية(37) .
أما الزيدية فقد أخذوا فى تفصيلات نصاب الإبل مأخذ الأحناف(38) .
وجرى ابن حزم الظاهرى مجرى الحنابلة فى بيان نصاب الإبل(39) .
وجعل الإمامية نصاب الإبل اثنى عشر نصابا، تبدأ من خمس من الإبل، وتجب فيها شاة، وينتهى الثانى عشر بأنه مائة وإحدى وعشرون من الإبل، وهم ينهجون منهج غيرهم من المذاهب إلا فى ثلاث مسائل:
أ) النصاب الخامس عندهم خمس وعشرون من الإبل، ففيها خمس شياه، بينما هو فى بقية المذاهب مبدأ وجوب الزكاة من الإبل وعدم جواز الأغنام وفيه ابنة مخاض.
ب) جعلوا وجوب ابنة المخاض فى الصدقة يبدأ عندما يتكامل على الإبل ستة وعشرين بينما هو عند سواهم خمسة وعشرين.
ج) فى النصاب الأخير الثانى عشر وهو مائة وإحدى وعشرون، وفيها فى كل خمسين حقة، وفى كل أربعين بنت لبون بمعنى أنه يجوز أن يحسب أربعين أربعين وفى كل منها بنت لبون وخمسين خمسين وفى كل منها حقة ويتخير بينهما إلخ(40) .
الإباضية: وأما نصاب الإبل عندهم فهو على إحدى عشرة درجة. الدرجة الأولى خمس من الإبل ثم زيادة خمس أربع مرات، ثم زيادة عشر مرتين، ثم زيادة خمس عشرة ثلاث مرات، ثم زيادة ثلاثين مرة واحدة. ويعد صغير الإبل وكبيرها ذكرها وأنثاها، والحجة على نصاب الإبل من السنة (ليس فيما دون خمس ذود) صدقة وأما الناقة فهى فرض الإبل إذا بلغت خمسا وعشرين لأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كتب كتابا فى زكاة الإبل ولم نجده بتمامه إلا هنا فنذكره لذلك " بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التى فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التى أمره الله بها، فمن سألها على وجهها يعطاها، ومن سألها على غير وجهها لا يعطاها ألا فى الأربع والعشرين من الإبل فما دونها، فى كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان، فإذا زادت واحدة على المائة وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، ثم بعد ذلك ففى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة"(41)
وقد أجاز الإباضية فيما إذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ابن لبون ذكرا إذا لم تكن بنت مخاض.
أما نصاب زكاة الإبل فى حال الاشتراك بين اثنين فأكثر وهو المعبر عنه فى كتب الفقه (بالخلطة) فهو كغيره، من الشركة فى بقية الأنعام، اختلف فيه الفقهاء (انظر زكاة- زكاة الخلطة) .
الزكاة فى السائمة والمعلوفة من الإبل:
حكم الزكاة فى السائمة والمعلوفة من الإبل وما يتعلق بها من صفات وشروط فيما تجب فيه الزكاة وما يؤخذ (انظر مصطلح زكاة وسائمة) .
أجزاء الإبل فى الهدى:
للفقهاء فى هذا تفصيل "ينظر فيه مصطلح هدى".
أجزاء الإبل فى الأضحية: " انظر أضحية ":
تذكية الإبل:
التذكية شرط لحل الأكل من الحيوان: وهى إما اضطرارية أو اختيارية (انظر مصطلح تذكية) .
وتذكية الإبل عند الأحناف إما بالنحر وهو قطع العروق فى أسفل العنق عند الصدر وإما بالذبح بقطع العروق فى أعلا العنق تحت اللحيين والعروق هى: الحلقوم والمرىء و الودجان(42) .
ويكتفى بقطع ثلاث منها، وندب نحر الإبل لموافقة السنة ولاجتماع العروق فى المنحر، وكره ذبحها لمخالفته للسنة وإن كان ذلك لا يمنع الجواز والحل(43) .
والشافعية قالوا: وما قدر على ذكاته أى ذبحه أو نحره من الحيوان المأكول فذكاته فى حلقه ولبته إجماعا والحلق أعلا العنق واللبة أسفله، ويسن نحر الإبل فى اللبة، والنحر: الطعن بما له حد فى المنحر وهو وهدة فى أعلا الصدر وأصل العنق، ولابد فى النحر من قطع كل الحلقوم والمرىء، ويجوز ذبح الإبل بلا كراهة، وما لم يقدر على ذكاته فذكاته عقره بجرح مزهق للروح فى أى موضع من بدنه(44) .
وقال المالكية: الذكاة فى النحر طعن بلبة، وإن لم يقطع شيئا من الحلقوم والودجين، والذكاة الاضطرارية لا تحل الإبل ولا تجيز أكلها بل لا بد من ذبحها، إذ لا تحل الأنعام الشاردة ولا المشرفة على الهلاك فى حفرة ونحوها- وعجز عن إخراجه- فلا يأكل بالعقر أى بالطعن بحربة مثلا فى غير محل الذكاة، ولا بد من ذكاته بالذبح أو بالنحر إن كان مما ينحر وقال ابن حبيب: يؤكل الحيوان المتردى المعجوز عن ذكاته مطلقا بقرا أو غيره بالعقر صيانة للأموال ووجب نحر إبل ووجب ذبح غيره(45) .
وعند الحنابلة: هى ذبح الحيوان المقدور عليه أو نحره المباح أكله الذى يعيش فى البر، ولابد لصحة الذكاة من قطع الحلقوم والمرىء- وهو تحت الحلقوم- ولا يشترط قطع الودجين- وهما عرقان محيطان بالحلقوم- والأولى قطعهما خروجا من الخلاف، وما عجز عن ذبحه كواقع فى بئر كأن ينفر بعير أو يتردى من علو فلا يقدر المذكى على ذبحه فذكاته بجرحه، فى أى محل كان، فى أى موضع أمكنه جرحه منه ويسن نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيطعنها بالحربة فى الوهدة التى بين أصل العنق والصدر(46) .
وقال الإمامية: لا بد من قطع الأعضاء الأربعة المرىء والودجان والحلقوم، ويكفى فى النحر الطعن فى الثغرة ويشترط نحر الإبل وذبح ما عداها فلو ذبح المنحور لم يحل، وما يتعذر ذبحه أو نحره من الحيوان كالمستعصى والمتردى فى بئر يجوز عقره بالسيف وغيره مما يجرح إذا خشى تلفه(47) . وقال ابن حزم الظاهرى كل ما جاز نحره جاز ذبحه، وكل ما جاز ذبحه جاز نحره، الإبل والبقر وسائر ما يؤكل لحمه وما لا يتمكن من ذبحه فذكاته بإماتته حيث أمكن منه من خاصرة، أو عجز أو فخذ أو غير ذلك(48) .
الإبل فى الدية:
للإبل مباحث كثيرة متنوعة يشملها الحديث فى مصطلحى (دية- عاقلة) ، ولكنها فى نطاق علاقتها بالإبل تختص بمقدار الدية فيها وهذا ما نعرض له.
والدية من الإبل عند الحنفية بالنسبة للذكر مائة ثم دية القتل الخطأ من الإبل أخماس بلا خلاف، عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وهذا قول عبد الله بن مسعود رضى الله عنه وقد رفعه إلى النبى عليه الصلاة والسلام. ودية شبه العمد أرباع عند الشيخين خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وهو مذهب عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، وعند محمد أثلاث ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل، وكلها خلفة وهو ما دخل فى السنة السادسة وهى الحوامل وهو مذهب سيدنا عمر وزيد بن ثابت رض الله عنهما، وعن سيدنا على رضى الله عنه أنه قال فى شبه العمد أثلاث: ثلاثة وثلاثون حقة وثلاثة وثلاثون جذعة وأربعة وثلاثون خلفة.
دية الأنثى:
ودية المرأة على النصف من دية الرجل. فإنه روى عن سيدنا عمر وسيدنا على وابن مسعود وزيد بن ثابت رضوان الله تعالى عليهم أنهم قالوا فى دية المرأة: أنها(49) على النصف من دية الرجل. ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد فيكون إجماعا.
والشافعية قالوا: الدية الواجبة على ضربين: مغلظة ومخففه. فالمغلظة مائة من الإبل ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وهى الحوامل، وتجب فى القتل العمد سواء وجب فيه قصاص وعفى على مال أو وجب فيه المال(50) ابتداء كقتل الوالد ولده.
والمخففة مائة من الإبل وتجب أخماسا عشرون بنت مخاض وعشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وهى واجبة فى القتل الخطأ(51) .
ودية المرأة على النصف من دية الرجل(52) .
المالكية: والدية من الإبل فى القتل الخطأ مخمسة بنت مخاض وبنت لبون وابن لبون وحقة وجذعة، عشرون من كل نوع من هذه الأنواع الخمسة.
وهى فى العمد مغلظة وتجب فى الحقة والجذعة وبنت اللبون وبنت المخاض من كل نوع من هذه الأنواع خمس وعشرون.
وثلث الدية فيما لو قتل أحد الوالدين ولده فيجب ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وجملة ذلك مائة من الإبل(53) . وللأنثى نصف دية الذكر.
الحنابلة: والدية من الإبل مائة وتجب أرباعا فى القتل عمدا أو شبه عمد خمس وعشرون من كل من بنات المخاض وبنات اللبون والحقة والجذعة، وقيل: هى ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة.
وإن كان خطأ وجبت أخماسا ثمانون من الأربعة المذكورة أولا وعشرون بنو مخاض. ودية نفس المرأة على النصف من دية الرجال(54) (انظر مصطلح دية) .
لقطة الإبل:
الأحناف قالوا: ويجوز الالتقاط فى الشاة والبقر والبعير، وقال الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد إذا وجد البعير والبقر فى الصحراء فالترك أفضل، واستدلوا بأن الأصل فى أخذ مال الغير الحرمة والإباحة مخافة الضياع، وإذا كان معها ما تدفع عن نفسها به كالقرن مع البقر وكالرفس مع الكدم وزيادة القوة فى البعير يقل الضياع ولكن يتوهم فيقضى بكرامة أخذها ويندب إلى تركها.
وقال الأحناف ردا على ذلك: إنها لقطة يتوهم ضياعها فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأمول الناس كما فى الشاة(55) .
وقال الشافعية- أنه يجوز التقاط الحيوان فى المفازة والعمران للتملك والحفظ إلا الحيوان الممتنع من صغار السباع إما بفضل قوة كالإبل والخيل والبغال والحمير، وإما بشدة عدوه كالأرانب والظباء المملوكة، وإما بطيرانه كالحمام فإنه لا يجوز التقاطها للتملك متى كانت فى مفازة آمنة لأنه مصون بالامتناع عن أكثر السباع مستغن بالرعى إلى أن يجده صاحبه لطلبه له، ولأن طروق الناس فيها لا يعم، فمن أخذه للتملك ضمنه، ويبرأ من الضمان برده إلى القاضى لا برده إلى موضعه، هذا إذا أخذها للتملك، أما إذا أراد أخذها للحفظ فيجوز للحاكم ونوابه وللآحاد لئلا يضيع بأخذ خائن، ولو كانت المفازة والصحراء غير آمنة بأن كان زمن نهب فإنه يجوز التقاط الحيوان الممتنع للتملك، لأنه حينئذ يضيع بامتداد اليد الخائنة إليه(56) .
وقال المالكية: اللقطة مال معصوم عرضة للضياع فلا تدخل الإبل فى هذا التعريف لأنها لا يخشى عليها الضياع فإنها تترك سواء وجدها فى الصحراء أو فى العمران ولو بمحل خوف إلا إذا خيف عليها من أخذ الخائن فإنها تؤخذ وتعرف وعدم التقاط الإبل قيل: إن ذلك فى جميع الزمان وهو ظاهر قول مالك وقيل: هو خاص بزمن العدل وصلاح الناس، وأما فى الزمن الذى فسد، فالحكم فيه أن تؤخذ وتعرف فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لربها فإذا آيس منه تصدق به كما فعل عثمان لما دخل الفساد على الناس فى زمنه، وقد روى ذلك عن مالك أيضا، ولا يراعى فيها خوف جوع أو عطش أو ضياع(57) .
وقال الحنابلة: والقسم الثانى من أقسام اللقطة وهو الذى لا يجوز التقاطه ولا يملك بتعريفه وهى الضوال التى تمتنع من صغار السباع كالأسد الصغير والذئب وابن آوى وامتناعها إما لكبر حجمها كالإبل ونحوها فيحرم التقاطها، لقول النبى صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل: "مالك ولها، دعها فإن معها حذاءها (أى إخفافها) وسقاءها (أى فمها) ترد الماء، وتكل الشجر حتى يجدها ربها " وتضمن كالغصب ولو كان الملتقط لها الإمام أو نائبه إذا أخذها على سبيل الالتقاط لا على سبيل الحفظ. ولا يرون ضمان ما حرم التقاطه عن ملتقطها إلا بدفعها للإمام أو نائبه، لأن للإمام النظر فى ضوال الناس فيقوم مقام المالك، أو يرد اللقطة المذكورة إلى مكانها بإذن الإمام أو نائبه، ومن كتم شيئا مما لا يجوز التقاطه عن ربه ثم أقربه أو قامت به بينة فتلف لزمه قيمته مرتين، وإذا تبع شىء من الضوال المذكورة دوابه فطرده أو دخل شىء منها داره فأخرجه لم يضمنه فى الصورتين حيث لم يأخذه(58) .
وقال الإمامية: والبعير الضال لا يؤخذ، ولو أخذ ضمنه الآخذ، ويؤخذ لو تركه صاحبه من جهد فى غير كلأ ولا ماء، ويملكه الآخذ(59) .

__________

1) القاموس المحيط مادة (إبل) .
2) سورة الأنعام الآيات 142، 143، 144.
3) سورة المائدة الآية 103.
4) الكشاف ص277.
5) المرجع السابق.
6) ابن كثير ج2 ص107.
7) المرجع السابق .
8) البدائع ج1 ص61، 62.
9) البجرمى ج1 ص296.
10) الدسوقى ج1 ص51.
11) منتهى الإرادات ج1 ص89. كشف القناع ج1 ص139.
12) شرح الأزهار ج1 ص35.
13) المحلى ج1 ص168.
14) المختصر النافع ص255.
15) الوضع ص41.
16) البدائع ج1 ص62.
17) البجرمى ج1 ص296.
18) الدسوقى ج1 ص51.
19) منتهى الإرادات ج1 ص89.
20) شرح الأزهار ج1 ص35.
21) المحلى ج1 ص91، 94.
22) المختصر النافع ص255.
23) للأحناف البدائع ج1 ص64. وللشافعية البجرمى ج1 ص103. وللمالكية الدسوقى ج1 ص34، 35، 44، 50 وللحنابلة منتهى الإرادات ج1 ص90. كشاف القناع ج1 ص139. وللظاهرية المحلى ج1 ص129، 132. وللإمامية الروضة البهية ج1 ص18.
24) للأحناف مراقى القلاع ص50. وللشافعية البجرمى ج1 ص190. وللشافعية البجرمى ج1 ص190، 191. وللمالكية الدسوقى ج1 ص123، 124. وللحنابلة كشاف القناع ج1 ص96، 97. وللظاهرية المحلى ج1 ص241. وللإمامية الروضة البهيى ج1 ص22. وللزيدية البحر الزخار ج1 ص95، 96.
25) البدائع ج1 ص115.
26) البجرمى ج1 ص87.
27) الدسوقى ج1 ص189.
28) منتهى الإرادات ج1 ص146، 147.
29) المحلى ج4 ص24.
30) الروضة البهية ج1 ص65.
31) شرح الأزهار ج1 ص184.
32) الذود يقال للثلاثة من الإبل إلى العشرة، واستعملت هنا فى الواحد: فتح القدير ج1 ص494.
33) الأوقاص جمع وقص وهو ما بين الفريضتين نحو أن تبلغ الإبل خمسا ففيها شاة، ولا شىء فى الزيادة حتى تبلغ عشرا ففيها شاتان، المعجم الوسيط ج2 ص1062، مادة (وقص) .
34) البدائع ج2 ص26، 27. ومثله فى الدرر ج1 ص175، 176. والفتح ج1 ص194. والتنوير والدر وحاشية ابن عابدين ج2 ص18.
35) البجرمى ج2 ص296، 297.
36) الدسوقى ج1 ص422، 434.
37) كشاف القناع ج1 ص426، 437. ومنتهى الإرادات على هامش السابق ص462، 465.
38) شرح الأزهار ج1 ص481، 482.
39) المحلى ج6 ص17، 18.
40) مستمسك العروة الوثقى ج9 ص57، 64.
41) الوضع ص178، 181.
42) الحلقوم مجرى النفس والمرىء مجرى الطعام والشراب. والودجان عرقان حول الحلقوم والمرىء يجرى فيهما الدم.
43) الدرر ج1 ص276، 281. والبدائع ج5 ص40.
44) البجرمى ج4 ص264، 268.
45) الدسوقى ج2 ص99، 114.
46) نيل المآرب شرح دليل الطالب ج2 ص158. 160 ج1 ص113.
47) المختصر النافع ص250، 252.
48) المحلى ج7 ص438، 445، 446.
49) البدائع ج7 ص252، 254.
50) البجرمى ج4 ص122.
51) المرجع السابق ص123، 126.
52) المرجع السابق ص123، 126.
53) الدسوقى ج4 ص266 - 268.
54) المحرر ج2 ص144 -145.
55) فتح القدير ج4 ص428، 429 فى كتاب اللقطة والبدائع ج6 ص200.
56) البجرمى باب اللقطة.
57) الدسوقى ج4 ص117، 122.
58) نيل المآرب فى شرح دليل الطالب ج1 ص178، 179.
59) المختصر النافع ص263.

(1/36)


ابن

1- التعريف به وهل يدخل ضمن الأقارب:
فى اللغة: الابن: الولد الذكر، والابن من الأناسى يجمع على بنين جمع سلامة، وجمع القلة أبناء، وأما غير الأناسى مما لا يعقل مثل ابن مخاض وابن لبون، فيقال: فى الجمع بنات مخاض وبنات لبون، وفى لغة محكية عن الأخفش أنه يقال: بنات عرس وبنو عرس، وقد يضاف ابن إلى ما يخصصه لملابسة بينهما نحو ابن السبيل، أى مار الطريق(1) .
وفى الشريعة: الابن بالنسبة للأم: كل ذكر ولدته أمه، سواء من نكاح أو من سفاح. وأما بالنسبة للأب: فهو كل ذكر ولده على فراش صحيح، أو نتيجة لمخالطة بناء على عقد نكاح فاسد، أو بناء على شبهة معتبرة شرعا، أما ابن الرجل من الزنا فهو- وإن كان ابنه حقيقة- إلا أنه لا يعتبر ابنه شرعا.
والابن لا يعد من أقارب أبيه، ولا من أقارب أمه، لأن القريب عرفا من يتقرب إليه غيره بواسطة الغير، والابن قريب بنفسه لا بغيره.
عقيقة الابن وختانه:
العقيقة هى: ما يذبح أو ما يعد من طعام بمناسبة ولادة الصغير، وقد اختلف الفقهاء فى حكمها(2) (انظر عقيقة) .
والختان: قطع الجلدة التى فوق حشفة الذكر، وقد اختلف الفقهاء فى حكمه(3) (انظر ختان) .
تعويد الابن على الصلاة:
من حق الابن على أبيه أن يعوده على الصلاة طبقا لما أمر به الشارع، وقد بين فى أحكام الأب(4) (انظر مصطلح أب) .
وهل يجوز دفع المصحف إليه قبل البلوغ؟
الابن قبل البلوغ يجوز دفع المصحف إليه، لأنه ليس أهلا للتكليف بالطهارة(5) (انظر مصحف) .
إذا بلغ الابن أثناء السفر مع أبيه هل يقصر الصلاة أو يتمها؟
الابن قبل البلوغ إذا خرج مع أبيه فى سفر ثلاثة أيام فصاعدا، ثم بلغ الابن أثناء السفر، فإن كان وقت البلوغ لا يزال بينهما وبين مقصدهما مدة السفر- أى ثلاثة أيام فصاعدا- فإن الابن يقصر الصلاة، وإن كانت المدة الباقية أقل من مدة السفر، قال بعض الفقهاء: إن الصبى يتم الصلاة، لأنه لا يعتبر مسافرا إلا من وقت البلوغ، وقال بعضهم: يقصر الصلاة بناء على أن الابن تابع لأبيه المسافر(6) (انظر مصطلح سفر- قصر) .
الابن والنفقة:
قال فقهاء الحنفية: الابن إذا كان غنيا تكون نفقته فى ماله، سواء كان صغيرا أو كبيرا. وإن كان فقيرا فإن كان قادرا على الكسب فنفقته فى كسبه، لأنه حينئذ يكون مستغنيا بكسبه، وإن كان غير قادر على الكسب لعجزه حقيقة بأن كان صغيرا لم يبلغ حد الكسب أو مريضا مرضا مزمنا منعه عن الكسب كالجنون والعته والشلل ونحو ذلك، أو لعجزه عن الكسب حكما، بأن كان مشتغلا بطلب العلم، فإن نفقته تكون على أبيه إذا كان الأب موسرا أو قادرا على الكسب، ولا يشترط فى وجوب نفقة الابن على أبيه اتحاد الدين، لأنها وجبت بسبب الولادة والجزئية وإن كان الأب غير موجود أو كان فقيرا وعاجزا عن التكسب، وكانت الأم موسرة فنفقة الابن تجب على الأم إذا لم يكن معها جد صحيح للابن، فان كان معها جد صحيح فالنفقة عليها وعلى الجد أثلاثا- الثلث على الأم والثلثان على الجد. وكما تجب نفقة الابن على أحد أبويه على النحو الذى سبق بيانه، فإن نفقة الأبوين الفقيرين، تكون واجبة على الابن، إذا كان الابن موسرا، ولو كان صغيرا، وإن كان الابن فقيرا وعاجزا عن الكسب فلا نفقة لهما عليه، وإن كان قادرا على الكسب وفى كسبه فضل لا يتسع إلا لنفقة الفقير منهما أو لنفقتهما معا وكانا فقيرين فعليه النفقة، وإن كان فضل كسبه لا يتسع إلا لنفقة أحدهما وكلاهما فقير فهل يكلف بالإنفاق على أبيه أو على أمه؟ اختلف العلماء فى ذلك، ولا يشترط فى وجوب نفقة الأب الفقير على ابنه عجزه عن الكسب بل تجب له النفقة ولو كان قادرا على الكسب، ولا يكلف بالتكسب لما فى ذلك من الإيذاء المنهى عنه شرعا، لأن الإيذاء فى ذلك أكثر منه فى التأفيف المحرم بقوله تعالى: ( ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما((7) .
أما الأم الفقيرة فإنها بحكم أنوثتها تعتبر عاجزة عن التكسب ولا يشترط فى وجوب نفقة الأبوين على الابن اتحاد الدين لما سبق بيانه، وتسقط نفقة الابن بمضى المدة الطويلة حتى ولو كان مفروضة إلا إذا كانت مستدانة بإذن القاضى- أى أذن له القاضى بالإستدانة واستدانها- فعلا والمدة الطويلة هى الشهر فأكثر، وإنما سقطت نفقته بمضى المدة الطويلة، لأنها وجبت له على أبيه باعتبار حاجته إليها، ومحافظة على نفسه من الهلاك، فإذا مضت المدة ولم يطالب بها فقد تبين بذلك أن حاجته إلى النفقة قد اندفعت واستثنى بعض الفقهاء نفقة الصغير المفروضة وألحقها بنفقة الزوجة فى أنها تصير دينا بالقضاء ولا تسقط بمضى المدة الطويلة فى هذه الحالة(8) .
وقال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة: الابن الغنى نفقته فى ماله، والفقير العاجز عن الكسب نفقته على أبيه الموسر، والفقير القادر على الكسب نفقته فى كسبه، ويرى بعض الشافعية أن الابن الفقير القادر على الكسب نفقته على أبيه الموسر.
وقال فقهاء الزيدية: نفقة الابن الصغير أو المجنون سواء كان موسرا أو معسرا على أبيه إن كان موسرا أو فقيرا كسوبا، فإن كان الأب لا كسب له فنفقة الابن فى ماله إن كان غنيا، وإن كان فقيرا فنفقته على أمه الموسرة لترجع بها على الأب على تفصيل على أبويه على حسب الإرث على الأم الثلث على أبويه على حسب الإرث على الأم الثلث وعلى الأب الثلثان(9) . (انظر مصطلح نفقة)
أحكام الابن بالنسبة للحضانة:
قال فقهاء الحنفية: الابن فى حال صغره يحتاج إلى رعاية خاصة من ناحية إرضاعه وأكله وشربه ونظافته وملبسه، والنساء على ذلك أقدر، ولذلك كانت حضانته من وقت ولادته إلى أن يستغنى عن خدمة الغير من حق النساء، فتكون للأم أولا ما لم يقم بها مانع(10) وهذا هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية وابن حزم من فقهاء الظاهرية(11) . (انظر مصطلح حضانة)
دفع الزكاة واللقطة إلى الابن إذا لم يتبين صاحبها:
قال فقهاء الحنفية: لا يجوز للإنسان أن يدفع إلى ابنه زكاة ماله أو صدقة الفطر أو العشر أول الكفارات، وهذا الحكم عام بالنسبة لكل ابن، سواء أكان الابن ثبت نسبه شرعا أم كان من زنا، وكذلك لا يدفع الإنسان شيئا مما ذكر إلى الولد الذى نفى نسبه منه(12) ، وعدم جواز دفع الزكاة إلى الابن هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية(13) . (انظر زكاة)
أما خمس الركاز، فيجوز دفعه للابن الفقير عند الحنفية.
وقال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة مصرفه مصرف الزكاة (انظر ركاز) . وإذا وجد أحد الأبوين لقطة وعرف عليها إلى أن علم أن صاحبها لا يطلبها كان له أن يدفعها إلى ابنه الفقير، لينتفع بها، كما أن الابن إذا وجد لقطة وعرف عليها إلى أن علم أن صاحبها لا يطلبها كان له أن يدفعها إلى أبويه الفقيرين(14) . فإن جاء صاحبها ووجدها قائمة فله أخذها، وإن كانت هالكة فله قيمتها .
وقال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة: إن اللقطة إذا دخلت فى ملك الملتقط بعد تعريفها شرعا كان ضامنا لها فإن جاء صاحبها ووجدها قائمة عند الملتقط فله أخذها وإن كانت هالكة فله قيمتها (15) . ( انظر لقطة)
حكم صدقة الفطر بالنسبة للابن:
قال فقهاء الحنفية: إذا كان الابن بالغا عاقلا فلا تجب صدقة الفطر بالنسبة له على أبيه، سواء أكان غنيا أم فقيرا، لأنه إن كان غنيا وجب عليه أداؤها من ماله ، وإن كان فقيرا فلا تجب صدقة الفطر بالنسبة له ، وإذا كان الابن صغيرا فقيرا وجبت صدقة الفطر بالنسبة له على أبيه الموسر، وكذلك الحكم بالنسبة للابن الكبير الفقير إذا كان مجنونا أو معتوها وإذا كان الابن صغيرا غنيا فلا تجب صدقة الفطر بالنسبة له على أبيه، وكذلك الحكم بالنسبة للابن الكبير المجنون أو المعتوه إذا كان غنيا، ولكن هل تجب صدقة الفطر فى مالهما فيخرجها الولى من مالهما؟ اختلف فقهاء الحنفية فى ذلك بناء على اختلافهم فى أن كلا من العقل والبلوغ شرط فى وجوب صدقة الفطر أم لا(16) .
وقال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة الابن الموسر تجب صدقة الفطر فى ماله، والابن الفقير إذا كانت نفقته واجبة على أبيه فصدقة الفطر على أبيه، وقال فقهاء الزيدية: تجب صدقة الفطر فى مال الابن إن كانت نفقته فى ماله وإن كانت نفقته على أبيه فصدقة فطره على أبيه إن كان الأب موسرا، وإن كان معسرا وله كسب والابن موسر فهل تجب صدقة الفطر بالنسبة للابن فى ماله؟ قولان، والأظهر أنها تجب فى ماله لأنه موسر(17) (انظر صدقة الفطر) .
حكم الزكاة بالنسبة لمال الابن:
قال فقهاء الحنفية: الابن الغنى إذا كان بالغا عاقلا وجبت عليه زكاة ماله أما إذا كان صغيرا أو مجنونا فقد اختلف فقهاء الحنفية فى وجوب الزكاة فى ماله، فقال محمد: إن البلوغ والعقل شرطان فى وجوب الزكاة، فلا تجب الزكاة فى مال الابن الصغير أو المجنون، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن العقل والبلوغ ليسا بشرط لوجوب الزكاة، لأنها حق مالى فتجب الزكاة فى مالهما كما تجب نفقة الزوجات والأقارب فى مالهما(18) .
وقال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية: تجب الزكاة فى مال الابن ولو كان صغيرا أو مجنونا(19) (انظر زكاة) .
الأضحية عن الابن:
الراجح عند فقهاء الحنفية أن الابن الصغير الفقير لا تجب على أبيه الأضحية بالنسبة له، لأنها عبادة، والأصل فى العبادات أنها لا تجب على أحد بسبب غيره، وقيل: تجب على الأب الأضحية بالنسبة له لأنه فى معنى نفسه، والابن الصغير والمجنون الموسران، اختلف فقهاء الحنفية فى وجوب الأضحية بالنسبة لهما، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن البلوغ والعقل ليسا من شرائط وجوب الأضحية، فتجب الأضحية فى مال الصبى والمجنون الموسران، وقال محمد: إن العقل والبلوغ من شرائط الوجوب فلا تجب الأضحية فى مال الصبى والمجنون الموسرين، حتى لو ضحى الأب من مالهما يضمن(20) .
وقال فقهاء المالكية: الابن عديم الأهلية إن كان موسرا، فالأضحية سنة فى ماله، وإن كان فقيرا فيسن لأبيه أن يضحى عنه إن كان الأب ملزما بنفقته.
وقال فقهاء الشافعية: الابن الصغير أو المجنون الموسران لا يضحى عنهما أبوهما، من مالهما ويسن أن يضحى عنهما من ماله.
وقال فقهاء الحنابلة: الابن عديم الأهلية إن كان موسرا فالأضحية تكون من ماله صغيرا كان أو كبيرا وإن كان فقيرا فلا أضحية بالنسبة له.
وقال فقهاء الزيدية: الأضحية سنة بالنسبة للمكلف فلا تصح من الصغير، إذا فالابن عديم الأهلية لا أضحية بالنسبة له موسرا كان أم فقيرا(21) . (انظر أضحية)
الولاية على الابن فى النكاح والمال والنفس:
تثبت الولاية على الابن الصغير أو المجنون أو المعتوه فى نفسه وفى ماله وفى تزويجه على تفصيل فى المذاهب (انظر مصطلح ولاية) .
تصرف الابن الصغير فى ماله:
الابن الصغير إذا كان غير مميز كانت تصرفاته القولية كلها باطلة، سواء أكان التصرف يعتبر نفعا محضا كقبول الهبة بغير عوض أو يعتبر ضررا محضا كالهبة والوصية والوقف والطلاق، أو كان دائرا بين النفع والضرر كالبيع والشراء، وغير المميز هو الذى لا يميز بين الضار والنافع، ولا يعقل أن البيع سالب للملك عن البائع وأن الشراء جالب للملك إلى المشترى، وهو الذى لم يبلغ السابعة من عمره، ومثله الابن المجنون والابن المميز- أى الذى يميز بين الضار والنافع وهو الذى بلغ السابعة من عمره- تصرفاته أقسام ثلاثة:
أولا: تصرف فيه نفع محض وهو التصرف الذى يترتب عليه أخذ شىء بغير مقابل كقبول الهبة بغير عوض، وهذا التصرف يصح منه ولا يتوقف على إجازة الولى ومن هذا القسم شهر إسلامه.
ثانيا: وتصرف فيه ضرر محض: وهو التصرف الذى يترتب عليه خروج شىء من ملكه بغير مقابل كالهبة والوصية والوقف والطلاق، وهذا التصرف غير صحيح وإن أجازه الولى إلا أنه أجيز للصبى المميز الوصية بتجهيز نفسه ودفنه.
ثالثا: وتصرف دائر بين النفع والضرر: أى يحتمل الربح والخسارة كالبيع والشراء والإجارة والشركة، وهذا التصرف إن صدر منه بعد إذن الولى له بمباشرة هذه التصرفات يكون صحيحا ونافذا وإن صدر منه قبل إذن الولى له بذلك يكون موقوفا على إجازة الولى، والابن المعتوه مثل الابن المميز فى تصرفاته(22) (انظر صغير) .
شفعة الأب فيما يشتريه لابنه:
الابن الصغير إذا اشترى له أبوه دارا وكان الأب يستحقها بالشفعة فللأب أخذها بالشفعة بأن يقول: اشتريت وأخذت بالشفعة، فتصير الدار له ولا يحتاج إلى القضاء، وقيد بعض الفقهاء ذلك بما إذا لم يكن فيه للابن ضرر ظاهر قياسا على شرائه مال ابنه لنفسه(23) (انظر شفعة) .
ثبوت نسب الابن وهل يصح الصلح عن نسب الابن:
نسب الولد لأمه شرعا، سببه ولادتها له بغض النظر عن سبب حملها به، فمتى جاءت المرأة بولد ثبت نسبه منها، سواء جاءت به بناء على عقد زواج صحيح أو فاسد، أو نتيجة لمخالطة بشبهة أو جاءت به من زنا، أما ثبوت نسب الابن من أبيه فسببه:
(أولا) الفراش الصحيح بأن تكون أم الابن حلالا للرجل بناء على عقد زواج صحيح.
(ثانيا) الدخول بناء على عقد نكاح فاسد كالعقد بغير شهود (ثالثا) الوطء بشبهة معتبرة شرعا، وإذا أقر الرجل ببنوة ابن مجهول النسب إقرارا مستوفيا شرائطه الشرعية ثبت نسبه منه على أساس افتراض أنه رزق به نتيجة لإحدى الحالات السابقة، ونسب الابن متى ثبت لا ينتفى بالنفى، كما أن الصلح عن دعوى نسب الابن لا يصح، لأن الصلح إما إسقاط أو معارضة والنسب لا يحتملهما(24) . (انظر نسب)
حفظ الوديعة عند الابن:
للأب أن يحفظ الوديعة بواسطة ابنه الذى يسكن معه بشرط أن يكون أمينا وإن كان صغيرا متى كان مميزا وقادرا على الحفظ فإذا هلكت الوديعة عند ذلك فإن الأب لا يضمن. فإن كان الابن غير أمين ويعلم الأب خيانته فليس له حفظ الوديعة عنده(25) (انظر وديعة) .
الجزية على الابن الصغير:
إذا فرضت الجزية على الأب فلا تفرض على ابنه الصغير لأن الجزية لا تفرض على صبى(26) (انظر جزية) .
ولاية القود على الابن:
إذا قطع أجنبى يد الابن عديم الأهلية بأن كان صغيرا أو مجنونا أو معتوها كان لأبيه ولاية المطالبة بالقود وكذلك إذا قتل أجنبى ابن الابن وكان الابن عديم الأهلية تثبت للأب ولاية المطالبة بالقود باعتباره وليا على نفسه وله أن يصالح عن القود بشرط أن يكون الصلح على قدر الدية أو على أكثر منه وليس له حق العفو(27) (انظر مصطلح قود) .
شهادة الابن وقضاؤه:
قال فقهاء الحنفية: الابن لا تقبل شهادته لأحد أبويه لأنه متهم فى شهادته والأصل فى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته ولا العبد لسيده ولا المولى لعبده ولا الأجير لمن استأجره) .
أما شهادة الابن على أحد أبويه فإنها جائزة لانتفاء التهمة فى هذه الحالة، ويصح أن يكون الابن شاهدا فى عقد نكاح أحد أبويه لأنه أهل للولاية فيكون أهلا للشهادة أى لتحمل الشهادة، ولكن لا تقبل شهادته فى إثبات هذا العقد إذا كان المشهود له هو أحد أبويه وعدم صحة كونه شاهدا لأحد أبويه لا يمنع من صحة العقد بشهادته، لأنه لا يلزم من كونه غير أهل لأداء الشهادة أن يكون غير أهل لتحمل الشهادة، أما إذا كان الابن شاهدا على أحد أبويه فى إثبات العقد فإن شهادته تقبل لكن تجوز شهادته عليه ويجوز أن يكون الابن شاهدا على شهادة أبيه بأن يقول الأب لابنه: اشهد على شهادتى بأنى أشهد بكذا، ولا تقبل شهادة الابنين أن أباهما أقام فلانا وصيا على التركة لأنهما متهمان فى هذه الشهادة لأنها تجر لأنفسهما نفعا بنصب حافظ للتركة ولا يجوز أن يكون الابن قاضيا لأحد أبويه، لأنه إذا كانت لا تقبل شهادته لهما فأولى ألا يصح قضاؤه لهما، ويجوز قضاؤه عليه على تفصيل فى كل ذلك(28) .
وعدم جواز شهادة الابن وقضائه لأحد أبويه هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة غير أن بعض الشافعية يرى جواز قضائه بناء على البينة.
أما شهادة أحدهما على الآخر فهى جائزة عند الشافعية والحنابلة وفيها تفصيل فى مذهب
المالكية.
وقال فقهاء الزيدية وابن حزم من فقهاء الظاهرية تجوز شهادة الابن لأحد أبويه. وقال فقهاء الإباضية: لا تجوز شهادة الابن لأحد أبويه، أما قضاؤه لأحدهما فإن كانت الخصومة بين أحد الأبوين وأجنبى فالأولى أن يدفعها الابن إلى غيره وإن حكم بينهما بالحق فحسن وإن كانت الخصومة بين أحد الأبوين وقريبه جاز الحكم بينهما(29) . (انظر شهادة وقضاء)
إقرار الابن:
الأب إذا توفى عن ابنين فأقر أحدهما بأن أباه قبض كل دينه أو نصفه وكذبه الابن الآخر فلا شىء للمقر من هذا الدين ويكون لغير المقر نصف الدين فى الحالين بعد أدائه اليمين، واليمين هنا تكون على نفى العلم فيحلف غير المقر بالله ما يعلم أن والده قبض كل الدين أو ما يعلم أن والده قبض نصف الدين، ولا يرجع الابن المقر على أخيه بنصف ما قبضه حتى ولو تصادقا على أن يكون المقبوض شركة بينهما، ولو أقر الابن بعد قسمة تركة والده بدين على أبيه تعلق حق الدائن بما أخذه الابن المقر من التركة، وبذلك يجب على الابن أن يدفع كل ما فى يده من التركة إذا كان الدين مستغرقا لما فى يده منها، لأن الدين مقدم على الميراث فيكون مقرا بتقدم دين المقر له على إرثه فيقدم حق المقر له على حق الابن فى الإرث(30) على تفصيل فى مصطلح ( إقرار) .
الابن والوصية:
قال فقهاء الحنفية: أنه لا تجوز الوصية للابن باعتباره وارثا إلا إذا أجازها الورثة(31) ، وإذا اقر أحد الابنين بعد قسمة التركة بينهما بوصية صادرة من أبيه بثلث ماله لفلان قال بعض الفقهاء يجب على المقر أن يدفع للموصى له نصف ما فى يده وهذا هو القياس، لأن إقراره يتضمن أن الموصى له يستحق مثله فى التركة أى لكل منهما الثلث فعليه أن يعطيه نصف ما فى يده ليكون مساويا له وقال بعض الفقهاء: عليه أن يدفع ثلث نصيبه فقط وهذا استحسان، لأنه اقر له بثلث شائع فى التركة وهو فى أيديهما فيكون مقرا بثلث ما فى يده فقط، لأن الموصى له يستحق ثلث التركة فيكون لكل وارث مثلاه(32) والابن لا يدخل فى الوصية الصادرة من أحد أبويه ولا فى الوقف إذا أوصى أحدهما لأقاربه أو أقربائه بثلث ماله أو وقف عليه لأن القريب عرفا من يتقرب بواسطة الغير والابن قريب بنفسه لا بغيره وقد سبقت الإشارة إلى ذلك فى تعريف الابن(33) أما إذا أوصت الأهل لأهل بيتها وجنسها، فإن كان الابن من قوم أبيها- بأن كانت تزوجت ابن عمها مثلا- فإن الابن يدخل فى هذه الوصية، أما إذا لم يكن ابنها من قوم أبيها أى أنها تزوجت أجنبيا عنها، فإن الابن لا يدخل فى الوصية(34) .
وعدم جواز صحة الوصية للابن باعتباره وارثا(35) هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وابن حزم من فقهاء الظاهرية وإن اختلف هؤلاء فى جوازها إن أجازها باقى الورثة فقال بعضهم: تجوز، وقال بعضهم لا تجوز.
وأجاز فقهاء الزيدية الوصية للوارث، وقالوا: إنها مندوبة لقوله تعالى: ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف((36) . (انظر وصية)
أحكام الابن فى الميراث:
قال فقهاء الحنفية: الابن من العصبات النسبية وهو عصبة بنفسه لأن العصبة بالنفس كل ذكر لا تدخل فى نسبته إلى الميت أنثى، والعاصب بنفسه إذا انفرد أخذ جميع التركة بطريق التعصيب، وإن اجتمع معه أصحاب فروض أخذ الباقى بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم وإن تعدد الأبناء يكون المال بينهم بالسوية، والابن يعصب البنت إن وجدت معه فإذا مات الميت عن ابن وبنت كان المال لهما بطريق التعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين لقوله تعالى: ( يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حد الأنثيين((37) والابن لا يحجبه غيره من الميراث أصلا لا حجب حرمان ولا حجب نقصان والابن إذا تحققت فيه شروط الإرث قد يحجب غيره حجب حرمان أو حجب نقصان فيحجب غيره من العصبات حجب حرمان فلا يرث أحد منهم معه إلا الأب والجد فيرثان معه، ولكن بطريق الفرض لا بطريق التعصيب وهو أيضا يحجب جميع الحواشى وذوى الأرحام حجب حرمان، ويحجب الزوج والزوجة والأهم حجب نقصان، فيحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن والأم من الثلث إلى السدس، وأحكام الابن فى الميراث السابق بيانها هو محل إجماع المذاهب الإسلامية(38) .
عتق الابن أو الأب بملك أحدهما للآخر:
قال فقهاء الحنفية: إذا ملك الابن أحد أبويه بأى سبب من الأسباب عتق عليه، وكذلك إذا ملك أحدهما ابنه عتق عليه، بشرط أن تكون الأبوة أو البنوة من جهة النسب، والأصل فيه أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر" وملك الابن أحد أبويه يكون سببا للعتق ولو كان الابن صبيا أو مجنونا أو مسلما أو كافرا إذا كان فى دار الإسلام، أما فى دار الحرب فلا يكون الملك سببا فى العتق عند أبى حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: أنه يكون سببا للعتق، وملك الابن أباه أو ملك الأب ابنه هو سبب للعتق فى باقى المذاهب، وقد استند الشافعية فى ذلك إلى قوله صلى الله عليه وسلم: " لن يجزى ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" كما أن المالكية يرون أنه إنما يعتق الأب بدخوله فى ملك ابنه نسبا إذا كانا مسلمين أو أحدهما مسلما(39) . (انظر عتق)
صلاة الجنازة على الابن القاتل والمسبى:
قال فقهاء الحنفية: إذا قتل الابن أحد أبويه عمدا ثم قتل قصاصا، فإنه لا يصلى عليه إهانة له وزجرا لغيره وإذا سبى الابن الصغير أو البالغ المجنون مع أحد أبويه، ثم مات قبل إسلامه أو إسلام أحد أبويه فإنه لا يصلى عليه لتبعيته لأحد أبويه، وإذا مات بعد إسلام أحد أبويه اعتبر مسلما حكما فيصلى عليه، وكذلك يصلى عليه إذا كان مميزا وأسلم، لأنه يعتبر مسلما ضيقة، أما إذا سبى الابن وحده فإنه يصلى عليه إذا مات لأن تبعية الأبوين تنقطع باختلاف الدار فيحكم بإسلامه تبعا للسابى أو الدار(40) وفقهاء المالكية لم يمنعوا الصلاة على الابن إذا قتل أحد أبويه عمدا ثم قتل قصاصا، لكن يكره عندهم للإمام وأهل الفضل الصلاة عليه، باعتباره قد قتل قصاصا، لأنهم نصوا على كراهية صلاة الإمام وأهل الفضل على من حده القتل، ومذهب المالكية كمذهب الحنفية فيما إذا سبى الابن الصغير مع أبيه أو سبى وحده وكان مجوسيا، أما إذا سبى وحده وكان كتابيا، فالراجح عندهم أنه لا يعتبر مسلما تبعا لإسلام سابيه، وإذا فلا يصلى عليه إذا مات، فقد جاء فى الشرح الكبير فى باب الردة وأحكامها: وحكم بإسلام مجوسى صغير لإسلام سابيه، وجاء فى حاشية الدسوقى: المجوسى يحكم بإسلامه تبعا لإسلام سابيه، ثم قال: الكتابى لا يحكم بإسلامه تبعا لإسلام مالكه مطلقا، وإذا أسلم الابن الصغير الذى سبى وكان مميزا ثم مات فإنه يصلى عليه لأن إسلام المميز معتبر(41) ، ومذهب الشافعية لا نص فيه على منع الصلاة على الابن إذا قتل أحد أبويه عمدا ثم قتل قصاصا، والشافعية كالحنفية فيما إذا سبى الابن الصغير أو البالغ المجنون مع أحد أبويه، وكذلك يعتبر الابن الصغير أو المجنون البالغ مسلما إذا سبى وحده وكان السابى له مسلما سواء كان السابى عاقلا أو مجنونا بالغا أو صغيرا، أى فيصلى عليه إذا مات، أما إذا كان السابى ذميا فلا يحكم بإسلامه بل يكون على دين سابيه، فإذا مات لا يصلى عليه(42) .
ومذهب الحنابلة: لا نص فيه على منع الصلاة على الابن إذا قتل أحد أبويه عمدا ثم قتل قصاصا وإذا سبى الابن غير البالغ سواء كان مميزا أو غير مميز مع أبويه ثم مات قبل أبويه وقبل إسلام أحدهما فإنه لا يصلى عليه لأنه لا يعتبر مسلما لتبعيته لأبويه فى الدين، وملك السابى له لا يمنع تبعيته لأبويه، واستندوا فى ذلك إلى حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) وإذا أسلم الأبوان أو أحدهما اعتبر الابن مسلما تبعا لإسلامهما أو إسلام أحدهما، فإذا مات صلى عليه، وكذلك يعتبر هذا الابن مسلما إذا مات أحد أبويه بدار الإسلام، لأن الحديث المشار إليه قد جعل تبعية الولد لأبويه معا فإذا لم يكن أبواه معه انقطعت التبعية ووجب بقاؤه على حكم الفطرة، ويترتب على هذا أنه إذا سبى الابن غير البالغ وحده أو مع أحد أبويه فقط وكان السابى مسلما، فإنه يعتبر مسلما، لانقطاع تبعيته لأبويه فى الحالين بانقطاعه عنهما أو عن أحدهما، فإذا مات يصلى عليه، وإذا كان السابى له ذميا فإنه يعتبر ذميا تبعا لسابيه فى كل حال يكون فيها مسلما تبعا لسابيه المسلم، والابن الذى بلغ مجنونا إذا سبى يعتبر كالابن غير البالغ فى جميع ما تقدم. أما الابن الذى بلغ عاقلا ثم جن فإنه لا يتبع أحد أبويه فى الدين لزوال حكم التبعية ببلوغه عاقلا فلا يعود حكم التبعية بزوال العقل(43) .
وقال فقهاء الزيدية: الابن إذا قتل أحد أبويه ثم قتل قصاصا، فإن كان قتله قصاصا بعد التوبة، فإنه يغسل ويصلى عليه، وإن كان قبل التوبة فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وليس هذا خاصا بمن قتل قصاصا لقتله أحد أبويه بل هو عام فى كل من قتل قصاصا(44) ، وإذا سبى الابن الصغير أو المجنون مع أبويه غير المسلمين فإنه يعتبر غير مسلم تبعا لأبويه، فإذا مات قبل موتهما وقبل إسلامهما أو إسلام أحدهما فإنه لا يصلى عليه، وإذا مات بعد إسلام أحدهما فإنه يصلى عليه لأنه يعتبر مسلما بإسلام أحد أبويه، ولو كان الآخر كافرا، وكذلك إذا مات أبواه قبله حكم بإسلامه لأنه إذا مات الأبوان ولو كانا ذميين ولهما ابن صغير فى دار الإسلام حكم بإسلامه بعد موت أبويه، لأن كل مولود يولد على فطرة الإسلام فإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه، فإذا ماتا انقطعت تبعية الابن لهما، وحكم بإسلامه تبعا لدار الإسلام، وإذا سبى الابن الصغير أو المجنون وحده فإنه يعتبر مسلما بكونه فى دار الإسلام تبعا للدار فإذا مات صلى عليه(45) ويرى ابن حزم من فقهاء الظاهرية: إنه يصلى على الابن إذا قتل قصاصا لقتله أحد أبويه، لأنه نص على أنه يصلى على كل مسلم بر أو فاجر مقتول فى حد أو فى حرابة أو فى بغى، ويصلى عليهم الإمام وغيره(46) . ويرى ابن حزم أن الابن الصغير إذا سبى ثم مات فإنه يصلى عليه سواء سبى وحده أو مع أبويه أو مع أحدهما، ولذلك يقول: ومن سبى من صغار أهل الحرب فسواء سبى مع أبويه أو مع أحدهما أو دونهما هو مسلم، لأن حكم أبويه قد زال عن النظر له، وصار سيده أملك به، فبطل إخراجهما له عن الإسلام الذى ولد عليه ويقول فى موضع آخر: والصغير يسبى مع أبويه أو أحدهما أو دونهما، فيموت، فإنما يدفن مع المسلمين فيصلى عليه، قال تعالى: ( فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم(47) ، فصح أن كل مولود فهو مسلم إلا من أقره الله تعالى على الكفر، وليس إلا من ولد بين ذميين كافرين، أو حربيين كافرين، ولم يسب حتى بلغ. ومن عدا هذين فمسلم(48) .
وفى مذهب الإمامية يصلى على الابن إذا قتل قصاصا لقتله أحد أبويه لأن الصلاة تجب عندهم على كل ميت مسلم حقيقة، كالبالغ العاقل الذى نطق بالشهادتين، أو حكما كالطفل والمجنون المتولدين من مسلم، والذى لا يصلى عليه عندهم هو من حكم بكفره فقط. والمختار عند فقهاء الإمامية أن الابن إذا سبى بيد مسلم اعتبر مسلما وعلى ذلك إذا مات يصلى عليه(50) .
قتل الابن أباه الحربى أو الباغى:
قال فقهاء الحنفية: لا يجوز للابن أن يقتل أباه الحربى ابتداء، لقوله تعالى:( وصاحبهما فى الدنيا معروفا((51) وليس من المعروف البداءة بالقتل، ولأنه تسبب فى حياته فلا يكون هو سببا لإفنائه ولكن يمنعه من الرجوع إلى صفوف الحربيين حتى لا يكون حربا على المسلمين. وإن قتل الابن أباه فى هذه الحالة لا يجب عليه شىء، لأن دم الأب غير معصوم، وإن أراد غير الابن قتله ليس للابن أن يمنعه من قتله: وإذا قصد الأب قتل ابنه ولم يمكنه دفعه إلا بقتله جاز قتله، لأن هذا يعتبر دفاعا عن النفس، والدفاع عن النفس واجب فان الأب المسلم إذا قصد قتل ابنه جاز للابن قتله فالكافر أولى(52) ، ولا يجوز للابن أن يقتل أباه إذا كان من أهل البغى(53) . وهم الخارجون على الإمام.
وقال فقهاء الشافعية: يكره للابن أن يقتل أباه الحربى وليس هذا الحكم عندهم خاصا بقتل الابن أباه، بل يكره لكل غاز قتل قريب له من الكفار فإذا كان القريب محرما كانت الكراهية أشد، إلا أن يسمعه يسب الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يكره قتله(54) .
وقال فقهاء الحنابلة(55) : للابن أن يقتل أباه الحربى، لأن أبا عبيدة قتل أباه فى الجهاد فأنزل الله تعالى: ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ((56) .
وقال فقهاء المالكية يكره للابن قتل أبيه الباغى سواء كان الأب مسلما أو غير مسلم بارز ولده بالقتال أم لا، وكذلك يكره للابن قتل أمه، بل هى أولى لما جبلت عليه من الحنان والشفقة ولضعف مقاتلتها عن مقاتلة الرجال وإذا قتل الابن أباه ورثه إن كان مسلما لأن القتل وإن كان عمدا لكنه غير عدوان، ولا يكره قتل الابن أو الجد أو الأخ(57) .
وقال فقهاء المالكية أيضا يجوز للابن قتل الأب الحربى لأن بر الوالدين وإن كان واجبا حتى ولو كانا مشركين لقوله تعالى: ( وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا((58) ، إلا أن هذا فى غير الحربيين، أما الأبوان الحربيان فيجب اجتنابهما وللابن قتلهما(59) . وقال فقهاء الزيدية لا يجوز للابن أن يقتل أباه إذا كان حربيا أو من أهل البغى، وليس هذا الحكم عندهم خاصا بوصف الأبوة والبنوة، بل عام يشمل الرحم مطلقا، سواء كان محرما أو غير محرم، فيشمل الأب وإن علا والابن وإن سفل، والأخوة والأعمام وبنيهم ونحو ذلك، لأن فى ذلك قطيعة الرحم، واستثنوا من ذلك ما يأتى:
أولا: إذا قتله دفاعا عن نفسه أو عن غيره أو دفاعا عن ماله أو مال غيره إذا كان لم يندفع إلا بالقتل.
ثانيا: للابن أن يقتل أباه الحربى أو الباغى بنفسه إذا خاف أن يقتله غيره من المسلمين لئلا يحقد على من قتله فيؤدى إلى التباغض والشحناء بينه وبين غيره من سائر المسلمين(60) .
ويرى ابن حزم من فقهاء الظاهرية أنه لا حرج على الابن فى قصده قتل أبيه الحربى أو الباغى وإن كان الأولى ألا يعمد إلى أبيه أو جده ما دام يجد غيرهما، وسنده فى ذلك أن بر الوالدين وصلة الرحم إنما أمر الله تعالى بهما، ما لم يكن فى ذلك معصية لله تعالى، وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا طاعة لأحد فى معصية الله تعالى) ، وقد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية ولم يخص بذلك ابنا من أجنبى قال الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون((61) ، وقال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (. وقتال أهل البغى قتال فى الدين، وإذا رأى الابن أباه أو جده يقصد إلى مسلم يريد قتله وجب على الابن حينئذ الدفاع عن المسلم بأى وجه أمكنه، حتى ولو كان فى ذلك قتل الأب أو الجد(62) .
ويرى فقهاء الإباضية أن الأولى للابن ألا يقتل أباه حتى ولو تعرض له أبوه فى القتال وأن يترك ذلك لغيره، لكن إن قتله فلا شىء عليه، فقد نصوا فى حقوق الأبوين على الابن على أن (يأمرهما وينهاهما وينتصف منهما لغيره باللين وإذا وجب عليهما حد أو أدب أو حبس فالأولى أن يلى ذلك غيره وكذا فى القتال أن تعرض له أبوه فالأولى ألا يقتله وإن فعل ذلك فلا بأس عليه(63) .
القود فى قتل الابن لأبيه:
قال فقهاء الحنفية: الابن إذا قتل أحد أبويه قتلا يوجب القصاص، وجب القصاص من الابن للعموم الوارد فى قوله تعالى: ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ((64) ، وقوله تعالى:( كتب عليكم القصاص فى القتلى(65) . وقوله عليه الصلاة والسلام: ( العمد قود) فعموم هذه النصوص يوجب القود من الابن إذا قتل أباه ولم يرد نص يقتضى إسقاط القصاص بالنسبة(66) . ومذهب الشافعية كمذهب الحنفية فيقتل الابن إذا قتل أباه قتلا يوجب القصاص، لأنه إذا قتل بمن يساويه فلأن يقتل بمن هو أفضل منه أولى(67) .
ومذهب الحنابلة كمذهب الحنفية أيضا(68) ، ومذهب المالكية كمذهب الحنفية فى ذلك أيضا لأنهم إنما استثنوا من وجوب القتل قصاصا الأب فقط فى حالة خاصة وهى ما إذا لم يقصد إزهاق روح ابنه أما الابن فإنه كغيره(69) .
ومذهب الزيدية كمذهب الحنفية أيضا(70) . ويرى فقهاء الإمامية أن الابن إذا قتل أباه فإن هذا القتل يوجب القود متى وجد التكافؤ فى الدين والحرية، فيقتل الابن بوالده إلا إذا كان الابن مسلما والأب كافرا أو الابن حرا والأب رقيقا، فلا يقتل الابن لعدم التكافؤ فى الدين والحرية(71) . ويرى فقهاء الإباضية أن الولد إذا قتل أحد أبويه قتلا يوجب القصاص فإنه يقتل بهما، فقد نصوا: على أنه يقتل الولد بهما أى بالأب والأم(72) .
وقال ابن حزم من فقهاء الظاهرية: ولا قود على مجنون فيما أصاب من جنونه، ولا على سكران فيما أصاب من سكره المخرج له من عقله، ولا على من لم يبلغ، ولا على أحد من هؤلاء دية ولا ضمان، وهؤلاء والبهائم سواء، لما ذكرنا فى الطلاق وغيره من الخبر الثابت فى رفع القلم عن الصبى حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل، والسكران حتى يفيق، والحق المتيقن فى هذا أن الأحكام لازمة لكل بالغ حتى يوقن أنه ذاهب العقل جنون أو سكر وأما ما لم يوقن ذلك فالأحكام له لازمة، وظاهر مما تقدم أن ابن حزم يرى أنه لا قود على القاتل عمدا إذا كان عديم الأهلية لصغر أو جنون أو سكر، ومن عداه يجب عليه القود، لا فرق فى ذلك بين الابن وغيره، وإذا فالابن إذا قتل أباه فإن هذا القتل يوجب القود(73) .
إرث الابن ولاية الدم على أبيه:
قال فقهاء الحنفية إذا ورث الابن قودا على أبيه سقط القود، سواء فى ذلك قود النفس وما دونها فإذا قتل الأب أخ امرأته ثم ماتت المرأة قبل أن يقتص منه فإن ابنها منه يرث القصاص الذى لها على أبيه، ويسقط القصاص فى هذه الحالة لحرمة الأبوة، وكذلك إذا قتل الأب زوجته عمدا ليس لابنه منها أن يطلب القصاص منه بل يسقط القصاص وكذلك إذا قطع يدها عمدا(74) .
ومذهب الشافعية والحنابلة كمذهب الحنفية(75)
ومذهب المالكية أن الابن إذا ورث القود على أبيه لا يسقط هذا القود لأن الأب إذا قصد قتل ابنه حقيقة أو حكما فإنه يقتص منه، فأولى إذا قصد قتل أم ابنه عمدا عدوانا(76) .
ومذهب الزيدية كمذهب الحنفية فى ذلك إذ نصوا على أنه إذا كان المقتول أو ولى الدم فرعا فلا يجب القود، فإذا قتلت المرأة زوجها أو ابن ابنها أو أخاه أو عمه، وولاية القصاص أو بعضه إلى ابنها، لم يكن لولدها أن يقتلها(77) .
وذهب ابن حزم من فقهاء الظاهرية إلى أن الابن إذا ورث القود على أبيه فإن هذا القود لا يسقط لأنه يرى أن الأب إذا قتل ابنه عمدا فإن هذا الفتل يوجب القود، وقد تقدم بيان ذلك، فأولى إذا قتل الأب أم ابنه عمدا.
حد الابن بالسرقة من أحد أبويه:
قال فقهاء الحنفية لا يحد الابن إذا سرق من أحد أبويه ولو كان المسروق مال غيرهما، وليس هذا الحكم خاصا بوصف البنوة والأبوة، بل الأصل فيه أن السرقة من ذى الرحم المحرم لا توجب الحد، لأن حد السرقة- أى قطع اليد- لا يجب إلا بأخذ المال وهتك الحرز، وهتك الحرز هنا غير موجود، لوجود الإذن بالدخول عادة ولهذا يدخل الرحم المحرم من غير استئذان فلا يبقى المال محرزا فى حق السارق، فانتفى شرط القطع وإذا سرق الابن مال أحد أبويه من بيت أجنبى فهل هذه السرقة توجب الحد؟ قالوا: إن سرقة مال ذى الرحم المحرم من بيت غيره توجب القطع لوجود الحرز وهذا بعمومه يفيد أن سرقة الابن مال أحد أبويه من بيت أجنبى توجب القطع، ولكن الإمام الزيلعى- رضى الله عنه- يقول: ( وينبغى ألا يقطع فى الولاء لما ذكرنا من الشبهة فى ماله) أى أنه يرى أنه لا قطع فى سرقة الفرع مال أصله ولا فى سرقة الأصل مال فرعه لوجود الشبهة بالنسبة للمال، وإذا سرق الابن من أحد أبويه رضاعا فهذه السرقة توجب الحد. وروى عن أبى يوسف- رضى الله عنه- أن السرقة من الأم رضاعا لا توجب الحد لأنه يدخل عليها من غير استئذان فبينهما انبساط فى دخول المنزل وهذا كاف لدرء الحد، والراجح فى المذهب هو وجوب الحد لأن المحرمية بدون القرابة لا تحترم، ولذلك فإن السرقة من الأخت رضاعا توجب القطع إجماعا، وأيضا فإن الرضاع اشتهاره قليل عادة فلا انبساط بينهما تحرزا عن موقف التهمة، بخلاف الأم من النسب فإن النسب أمر يشتهر، فالانبساط متحقق لا محالة(78) .
وقال فقهاء المالكية: إن الابن إذا سرق من أحد أبويه يحد، لضعف الشبهة، ولذلك يحد الابن إذا وطئ جارية أبيه، أما سرقة أحد الأبوين مال الابن فإنها لا توجب الحد للشبهة القوية فى مال الولد، ولذلك لا يحد الأب إذا وطئ جارية ابنه(79) .
وقال فقهاء الحنابلة: لا يحد الابن بسرقة مال أحد أبويه لأن نفقته تجب عليهما فى مالهما حفظا له، فلا يجوز إتلافه حفظا للمال(80) .
وقال فقهاء الشافعية: لا يحد الابن إذا سرق مال أحد أبويه لأن من شروط وجوب الحد عنهم عدم الشبهة فى المال المسروق، فلا قطع بسرقة مال الأصل أو الفرع لما بينهما من الاتحاد(81) .
وقال فقهاء الزيدية: إن الابن إذا سرق من أحد أبويه فإنه يحد(82) .
وهذا هو رأى ابن حزم من فقهاء الظاهرية أيضا، لأنه نص على أن القطع واجب على من سرق من ولده أو من والديه أو من جدته أو من جده أو من ذى رحم محرم أو غير محرم(83) .
ومذهب الإمامية: يحد الابن بسرقته من أحد أبويه، لأن الشبهة التى تمنع إقامة الحد عندهم كون الحرز والمال أو أحدهما مملوكا للابن، أما إذا كان المال مملوكا لأحد الأبوين فإنه لا يعتبر شبهة تمنع من إقامة الحد(84) .
وقال فقهاء الإباضية: لا قطع على ولد إن سرق من بيت والده إن كان تحته ولم يحزه ولو لم يكونا فى منزل واحد ولو لم يسرق من منزل هما فيه وإن أحازه قطع والظاهر من هذا أنه لا يجب الحد على الولد إن سرق من بيت والده، سواء كان يقيم مع والده فى المنزل الذى سرق منه أو كان يقيم فيه والده فقط أو كانا لا يقيمان فيه، وهذا إذا كان المال المسروق لا يزال تحت يد الابن ولم يعطه إلى غيره، أما إذا أعطاه إلى غيره فقد وجب الحد(85) .
تبعية الابن لأبيه:
التبعية فى الدين:
الابن البالغ العاقل لا يتبع أحد أبويه فى الدين، والابن الصغير والذى بلغ مجنونا، قال فقهاء الحنفية: إنه يتبع خير الأبوين دينا، لأن هذا أنفع للابن، فإذا كان أحدهما مسلما والآخر غير مسلم اعتبر مسلما، سواء أكان إسلامه أصليا بأن تزوج مسلم كتابية أو كان إسلامه عارضا بأن كانا كافرين فأسلم أحدهما، وإذا كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا اعتبر كتابيا، لأن الكتابى له دين سماوى يحسب دعواه، ولهذا يحل للمسلمين أكل ذبيحة الكتابيين والتزوج بنسائهم وتبعية الابن لأحد أبويه فى الدين إنما تكون إذا اتحدت الدار بينهما، واتحاد الدار قد يكون حقيقة بأن يكونا معا فى دار الإسلام أو فى دار الحرب وقد يكون حكما كما إذا كان الصغير فى دار الإسلام وأسلم أبوه فى دار الحرب لأن الأب يعتبر من أهل دار الإسلام حكما. وأما إذا اختلفت الدار بأن كان الصغير فى دار الحرب، ووالده فى دار الإسلام فأسلم والده فلا يكون الصغير مسلما تبعا لأبيه لأنه لا يمكن أن يجعل الوالد من أهل دار الحرب، لأن هذا يقتضى أن تسرى عليه أحكام دار الحرب على أنه مسلم فى دار الإسلام(86) . والمرتد إذا كانت له أمة مسلمة ولدت بعد ارتداده وثبت نسب الولد منه بادعائه بنوته، فهذا الابن يعتبر مسلما سواء كان بين الارتداد والولادة أقل من ستة أشهر أو أكثر لأنه يعتبر مسلما تبعا لأمه، وإن كانت الأمة مسيحية أو يهودية وجاءت به لأقل من ستة أشهر وقت الارتداد وثبت نسبه منه بادعائه بنوته فإنه يعتبر مسلما أيضا فى هذه الحالة لأن الحمل به كان منه فى حال الإسلام فيكون مسلما، وإن جاءت به لستة أشهر فأكثر من وقت الردة فهو مرتد لأن حصول الحمل كان منه وهو مرتد، وإنما اعتبر الابن مرتدا فى هذه الحالة تبعا للأب، لأن الأب باعتباره مرتدا هو أقرب إلى الإسلام من الأم، لأنه يجبر على الإسلام والظاهر من حاله أن يسلم فكانت تبعية الابن لأبيه خيرا له من تبعيته لأمه(87) .
ومذهب الشافعية كمذهب الحنفية فى تبعية الابن لأحد أبويه فى الدين، فقالوا: إن الابن يتبع أعلى الأبوين دينا فيكون الابن مسلما إذا كان أحد أبويه مسلما، سواء كان إسلامه أصلبا أو عارضا بأن كانا كافرين فأسلم أحدهما- الأب أو الأم(88) وابن المرتد عند الشافعية يكون مسلما إذا كانت أمه مسلمة أو كان أحد أصوله= أى أحد أجدداه- مسلما فإن كانت أمه مسيحية ولم يكن أحد أجداده مسلما كان مسيحيا.
وإن كانت أمه مرتدة أيضا وأحد أجداده مسلما اعتبر مسلما، وإن لم يكن أحد أجداده مسلما قال بعضهم: أنه يكون مسلما، وقال بعضهم: أنه يعتبر مرتدا، وقال بعضهم: إنه يعتبر كافرا أصليا(89) .
وقال فقهاء المالكية: إن الابن يتبع أباه فى الدين، فإذا كان أبوه مسلما أصليا أو عارضا، كان الابن مسلما تبعا له، وإن كان أبواه كافرين فأسلمت أمه لا يعتبر مسلما بإسلام أمه، ولذلك جاء فى الشرح الكبير: " وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون ولو بالغا إذا كان جنونه قبل الإسلام بإسلام أبيه فقط لا بإسلام جده أو أمه".
وجاء فى حاشية الدسوقى فى موضوع آخر: " لتبعية الولد لأمه فى الرق والحرية ولأبيه فى الدين(90) ".
وقال فقهاء الحنابلة: إن الابن الكبير العاقل لا يتبع أحد أبويه فى الدين، أما الابن الصغير أو الكبير المجنون فإنه:
أولا: يكون تبعا لأبويه أو لأحدهما فى الدين إذا كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلما، سواء كان هذا الإسلام أصليا أو عارضا، فإذا كان أبوه مسلما كان مسلما تباعا له ولو كانت أمه غير مسلمة وإذا كان أبواه غير مسلمين فأسلم أبوه أو أمه كان مسلما تبعا لمن أسلم منهما.
ثانيا: يكون تبعا لأبويه غير المسلمين فى الدين إذا كان معهما، سواء كان الأبوان ذميين أو حربيين ولو فى دار الإسلام بعقد أمان أو كان قد سبى معهما، لقوله عليه الصلاة والسلام: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" رواه مسلم.
ثالثا: إذا كان أبواه غير مسلمين فماتا أو مات أحدهما بدار الإسلام، انقطعت تبعيته لأبويه فى الدين بانقطاعه عنهما أو عن أحدهما ويكون مسلما تبعا للدار- أى لدار الإسلام- وكذلك إذا عدم أحد أبويه بلا موت كذمية جاءت بابن من سفاح فإنه لا يكون تبعا لأمه فى الدين، بل يكون مسلما تبعا لدار الإسلام لأن الذى يهوده أو ينصره هما الأبوان معا للحديث المشار إليه سابقا، والموجود أحدهما فقط، أما إذا مات أبواه بدار الحرب فإنه لا يجعل مسلما بذلك، لأنها دار كفر لا دار إسلام(91) . ويرى ابن حزم من فقهاء الظاهرية أن الابن قبل البلوغ إذا كان أبواه أو أحدهما مسلما فإنه يكون مسلما تبعا لهما أو لمن أسلم منهما سواء كان الذى أسلم هو الأب أو الأم وسواء كان الإسلام أصليا أو طارئا وسواء كان إسلامه فى دار الإسلام أو فى دار الحرب فالأبوان الكافران إذا أسلم أحدهما كان الابن قبل البلوغ مسلما تبعا لمن أسلم منهما، وإذا كان الابن قبل البلوغ أبواه غير مسلمين فإن الابن يكون غير مسلم تبعا لأبويه، لما روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء(92) هل تحس فيها من جدعاء) . والحديث يدل على أن الابن الذى يعتبر غير مسلم هو الذى اتفق أبواه على تهويده أو تنصيره أو تمجيسه فقط، فإذا أسلم أحدهما فلا يصدق عليه أن أبويه نصراه أو هوداه، ولذلك يكون الابن مسلما تبعا لمن أسلم منهما كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وكذلك إذا كان له أحد الأبوين فقط كالابن من الزنا فإنه يكون مسلما ولو كانت أمه غير مسلمة لأنه ولد على ملة الإسلام وليس له أبوان يخرجانه من الإسلام فيكون مسلما لذلك(93) .
وقال فقهاء الزيدية الابن الصغير أو المجنون سواء كان الجنون أصليا أو طارئا إذا كان مع أبويه كان تابعا لهما فى الدين؛ إن كانا غير مسلمين كان غير مسلم تبعا لهما وإذا كانا مسلمين أو أحدهما مسلما اعتبر مسلما تبعا لهما أو لمن أسلم منهما لا فرق فى ذلك بين الأب والأم، وإذا كان وحده فى دار الإسلام اعتبر مسلما تبعا لدار الإسلام، سواء كان أبواه حيين فى دار الحرب أو ميتين، وكذلك يعتبر الابن مسلما إذا كان أبواه ذميين وماتا بدار الإسلام وتركاه صغيرا، لأن كل مولود يولد على فطرة الإسلام وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه فإذا ماتا حكم بإسلامه تبعا لدار الإسلام، واستثنوا من ذلك رهائن الكفار فإن وجودهم فى دار الإسلام دون أبويهم لا يكون سببا للحكم بإسلامهم(94) . وقال فقهاء الإمامية: لو كان الزوجان غير المسلمين صغيرين قد أنكحهما الولى فالمعتبر إسلام أحد الأبوين فى إسلام ولده(95) ونص فقهاء الإمامية أيضا على أن (ولد الكافر يتبعه فى النجاسة إلا إذا أسلم بعد البلوغ أو قبله مع فرض كونه عاقلا مميزا وكان إسلامه عن بصيرة) .
ونصوا أيضا على أنه لو كان أحد الأبوين مسلما فالولد تابع له إذا لم يكن عن زنا، بل مطلقا على وجه(96) .
وظاهر مما تقدم أن الأبوين إذا كانا مسلمين كان الولد مسلما تبعا لهما وإذا كانا كافرين كان الولد كافرا تبعا لهما، وإذا أسلم أحد الأبوين الكافرين كان الولد مسلما تبعا لمن أسلم منهما سواء أكان الأب أو الأم إذا كان الولد ثابت النسب.
أما إذا كان الابن من زنا فهل يعتبر هذا الابن مسلما بإسلام أحد أبويه أم لا. اختلفوا فى ذلك، والابن الصغير إذا كان مميزا واسلم صح إسلامه.
تبعية الابن لأحد أبويه فى النسب:
قال فقهاء الحنفية الابن يتبع أباه فى النسب لأن المقصود من النسب التعريف وذلك يكون بنسبته إلى أبيه لأن الأم لا تشتهر ولا تعرف (انظر مصطلح نسب(97) ) .
تبعية الابن لأحد أبويه فى الرق والملك والحرية:
قال فقهاء الحنفية: الابن يتبع أمه فى الرق والملك والحرية لأنه منها بيقين، فولد الأمة يكون رقيقا ومملوكا لسيدها تبعا لأمه، ولو كان أبوه حرا، واستثنوا من ذلك ما يأتى:
أولا: إذا كان أبوه هو سيد الأمة فإنه يكون حرا، لأنه منه فيعتق عليه، وقد ترجح جانب الأب هنا باعتباره سيدا للأمة لأن ماء الأمة مملوك له أيضا.
ثانيا: إذا اشترى رجل أمة من بائعها على أنها ملك البائع فولدت من المشترى ولدا، ثم تبين أنها ملك لغير البائع فإن الولد يكون حرا تبعا لأبيه.
ثالثا: إذا تزوج رجل امرأة على أنها حرة فولدت ولدا ثم تبين أنها أمة فإن الولد يكون حرا تبعا لأبيه.
وإنما كان الولد حرا فى المسألتين الثانية والثالثة لأنه ابن حر ولم يرض أبوه أن يكون ابنه رقيقا، ويلزم الأب بقيمة الولد فى هاتين الصورتين رعاية لجانب التبعية الأصلية التى أهدرت، وهى تبعية الأم والولد فى الصورتين، يقال له ولد المغرور، لأن أباه كان مغرورا حين استولد أم الصغير على أنها مملوكة له أو حين تزوجها على أنها حرة فتبين خلاف ذلك(98) .
وقال فقهاء المالكية إن الابن يتبع الأم فى الرق والحرية وهذا هو مذهب الشافعية أيضا(99) .
وقال فقهاء الزيدية: الولد يتبع أمه فى الملك والرق والحرية فإن كانت حرة كان الولد حرا ولو كان أبوه عبدا، وإن كانت مملوكة كان الولد مملوكا لمالكها ولو كان أبوه حرا(100) .
وهذا هو مذهب الحنابلة أيضا(101) .
ويرى فقهاء الإمامية: إن الولد يتبع أحد الأبوين فى الحرية، فإذا كانا حرين أو أحدهما حرا كان الابن حرا تبعا لهما أو لأحدهما، وإن كانا رقيقين كان الابن رقيقا تبعا- لهما، ويكون مملوكا لمولاهما إن كانا مملوكين لواحد، وإذا كان كل من الأبوين مملوكا لمالك وأذن كل منهما فى النكاح أو لم يأذن أحدهما بالنكاح فالابن مملوك لهما معا لأنه نماء ملكهما، ولا مزية لأحدهما على الآخر، وإن أذن أحدهما بالنكاح فقط فالولد لمن لم يأذن، سواء كان مولى الأب أو مولى الأم ولو شرط أحد الموليين انفراده بملكية الولد أو بكثرة صح الشرط لعموم (المؤمنون عند شروطهم) ولأنه شرط لا ينافى النكاح.
وإذا كان أحد الزوجين حرا وشرط مولى الرقيق منهما أن يكون رقيقا قال بعضهم: جاز هذا الشرط وصار الابن رقيقا، وقال بعضهم: إن هذا الشرط لا تأثير له فى حرية الابن(102) .
وقال ابن حزم من فقهاء الظاهرية: وجاز بيع الحامل بحملها إذا كانت حاملا من غير سيدها وهى وحملها للمشترى(103) . وهذا يفيد أن ولد الأمة إذا لم يكن من سيدها فإنه يكون رقيقا تبعا لها سواء كان أبوه حرا أو رقيقا ويكون مملوكا لسيدها.
عصمة الابن تبعا لأبيه:
مذهب الحنفية: الابن الكبير العاقل لا يكون معصوما بإسلام أبيه الحربى أو المستأمن لأنه لا يكون مسلما تبعا لإسلام أبيه.
والابن الصغير يكون معصوما بإسلام أبيه إذا اعتبر الابن وهو فى دار الحرب مسلما تبعا لإسلام أبيه فإذا كانا معا فى دار الحرب وأسلم الأب هناك فإن الابن يكون معصوما بإسلام أبيه لأنه صار مسلما تبعا له. فإذا جاء الأب بعد ذلك إلى دار الإسلام وبقى الابن فى دار الحرب ثم استولى المسلمون على الابن فإنه يكون حرا مسلما ولا يسترق. أما إذا أسلم الأب بعد دخوله فى دار الإسلام فإن ابنه الصغير الذى بقى فى دار الحرب لا يكون معصوما لأن الابن لا يعتبر مسلما تبعا لأبيه فى هذه الحالة لتباين الدارين(104) .
وقال فقهاء المالكية: إن الحربى إذا أسلم فولده الذى حملت به أمه قبل إسلامه لا يكون معصوما بل يكون غنيمة سواء كان الولد صغيرا أو كبيرا وسواء أسلم الحربى وفر إلينا أو بقى فى دار الحرب، وأما ولده الذى حملت به أمه بعد إسلام أبيه فيكون حرا، أى يكون معصوما بإسلام أبيه(105) .
وقال فقهاء الشافعية إذا أسلم الحربى قبل أسره فإن ابنه الصغير والكبير المجنون والحمل يكون معصوما بإسلام أبيه، لأنه يكون مسلما تبعا لأبيه وكذلك إذا أسلم الحربى بعد الأسر لأنه إذا أسلم بعد الأسر فقد عصم الإسلام دمه لقوله عليه الصلاة والسلام: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم) . وولده الصغير والكبير المجنون والحمل يكون مسلما تبعا لإسلام أبيه فيكون معصوما(106) .
ومذهب الحنابلة: كمذهب الشافعية فإذا أسلم الحربى فى دار الحرب أو بعد السبى فإن ابنه الصغير والكبير المجنون والحمل يكون معصوما بإسلام أبيه لأنه يكون مسلما تبعا له. أما ابنه الكبير العاقل فإنه لا يكون معصوما بإسلام أبيه فقد جاء فى كشاف القناع: إذا أسلم حربى فى دار الحرب أحرز دمه وماله ولو منفعة إجارة لقوله عليه الصلاة والسلام: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم) . وأحرز أولاده الصغار والمجانين ولو حملا، فى السبى كانوا أو فى دار الحرب، للحكم بإسلامه تبعا له، ولا يعصم أولاده الكبار لأنهم لا يتبعونه(107) .
قال فقهاء الزيدية: إذا أسلم الحربى فى دار الإسلام أو فى دار الحرب فإن ابنه الصغير أو المجنون حال إسلامه يكون معصوما بإسلام أبيه، فلا يجوز للمسلمين إذا استولوا على دار الحرب أن يسبوا طفله وولده المجنون لأنه قد صار مسلما بإسلام أبيه(108) .
ويرى ابن حزم من فقهاء الظاهرية أن الابن الصغير والحمل الذى فى بطن الزوجة كلاهما يكون معصوما بإسلام أبيه سواء أسلم الأب الحربى فى دار الإسلام أو فى دار الحرب ثم خرج إلى دار الإسلام أو لم يخرج، لأن الابن الصغير يعتبر مسلما حرا تبعا لأبيه، وكذلك الحمل الذى فى بطن الزوجة، أما الابن الكبير فإنه لا يكون معصوما بإسلام أبيه، فإذا سبى كان فيئا(109) .
ويذهب فقهاء الإمامية: إلى أن الأناسى تملك بالسبى مع الكفر الأصلى وكونهم غير ذمة. واحترز بالأصلى عن الارتداد فلا يجوز السبى وإن كان المرتد حكمه كالكافر فى جملة من الأحكام وحيث يملكون بالسبى يسرى الرق فى أعقابهم وإن أسلموا بعد الأسر ما لم يعرض لهم سبب محرر من عتق أو كتابة أو غير ذلك(110) .

__________

1) راجع المصباح المنير ولسان العرب.
2) حاشية الدرر ج1 ص266 طبعة سنة 1329.
3) الدر ج5 ص656، 657 الطبعة الثالثة. والزيلمى ج6 ص226، 227.
4) الدرر ج1 ص50.
5) الدرر ج1 ص21.
6) الدرر ج1 ص136.
7) سورة الإسراء: 23.
8) الدرر وحاشيته ج1 ص418 - 421. والدرر وحاشية ابن عابدين ج2 ص923 وما بعدها الطبعة الثالثة.
9) راجع للمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج2 ص522 وما بعدها. وللحنابلة شرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج3 ص356 وما بعدها. وللزيدية شرح الأزهار ج2 ص546، 547.
10) الدرر ج1 ص410. والدر وحاشية ابن عابدين ج2 ص871 وما بعدها.
11) للمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج2 ص526. وللشافعية شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص88. وللحنابلة شرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج3 ص363. وللزيدية شرح الأزهار ج2 ص522. وللظاهرية المحلي ج10 ص323.
12) الدرر ج1 ص185.
13) للمالكية المرجع السابق ج1 ص492. وللشافعية النهاية ج1 ص168. وللحنابلة كشاف القناع ج1 ص497. وللزيدية شرح الأزهار ج1 ص525.
14) الدرر ج2 ص130.
15) للمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج4 ص123، 124. وللشافعية النهاية ج2 ص101، 103. وللحنابلة شرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج2 ص460.
16) الدرر ج1 ص193، 194.
17) راجع للمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج1 ص504 - 506 . وللشافعية شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج2 ص32، 34. وللحنابلة شرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج1 ص514. وللزيدية شرح الأزهار ج1 ص548، 549.
18) البدائع ج2 ص4.
19) للمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج1 ص455. وللشافعية شرح جلال الدين وحاشيتى القليوبى وعميرة ج2 ص39. وللحنابلة شرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج1 ص445. وللزيدية شرح الأزهار ج1 ص45.
20) الدرر ج1 ص267 والبدائع ج5 ص64.
21) راجع للمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج2 ص118. وللشافعية شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص249. وللحنابلة كشاف القناع ج1 ص644، 645. وللزيدية شرح الأزهار وحواشيه ج4 ص84.
22) الدرر ج1 ص319، ج2 ص176، 20، 273، 281. والزيلعى ج5 ص190، 191.
23) الدرر وحاشية ابن عابدين ج5 ص216.
24) الدرر ج2 ص351، 352، 395، 398.
25) الدرر وحاشيته ج2 ص245، 247. والدرر وحاشية ابن عابدين ج4 ص681، 682.
26) الدرر ج1 ص298.
27) الدرر ج2 ص94.
28) الدرر ج1 ص329، وج2 ص379، 391، 411، 450.
29) راجع للمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج4 ص152، 168، 171. وللحنابلة شرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج4 ص268، 325، 326. وللشافعية شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص303، 322. وللزيدية شرح الأزهار ج4 ص198. وللظاهرية المحلى ج9 ص415. وللإباضية شرح النيل ج6 ص584، 585، 656.
30) الدرر ج2 ص367، 369، 438.
31) المرجع السابق ص429.
32) الدرر وحاشيته ج2 ص438.
33) المرجع السابق ص440.
34) المرجع السابق ص 442.
35) راجع للمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج40 ص427. وللشافعية شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج3 ص159. وللحنابلة شرح منتهى الإرادات ج2 ص549. وللظاهرية المحلى ج9 ص316. وللزيدية شرح الأزهار ج4 ص516.
36) سورة البقرة: 180.
37) سورة النساء: 11.
38) راجع السراجية ص5، 11، 21، 28. وللمالكية الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج4 ص459، وما بعدها. وللشافعية المهذب ج2 ص25، 59 وما بعدها. وللحنابلة كشاف القناع ج2 ص543 وما بعدها. وللإباضية شرح النيل ج8 ص253 وما بعدها. وللزيدية: الروض النضير ج2 ص26. وللإمامية الروضة البهية ج2 ص295 وما بعدها. وللظاهرية المحلى ج9 ص253، 258، 262.
39) راجع للأحناف الزيلعى ج3 ص70 والدرر ج2 ص4، 5. وللمالكية: الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج4 ص366. وللشافعية شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص354. وللحنابلة كشاف القناع ج2 ص628، 629. وللظاهرية المحلى ج2 ص200. وللزيدية شرح الأزهار ج3 ص566. وللإمامية الروضة البهية ج1 ص294، ج2 ص195. وللإباضية شرح النيل ج2 ص75.
40) الدرر وحاشيته ج1 ص163، 166.
41) الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج1 ص424، 426، 427،، وج3 ص99.
42) النهاية ج3 ص99.
43) كشاف القناع ج1 ص401، 663، 664، 723.
44) شرح الأزهار ج1 ص403 - 406.
45) التاج المذهب ج4 ص465، 466.
46) المحلى ج5 ص169.
47) سورة الروم: 30.
48) المحلى ج7 ص234، ج5 ص143.
49) الروضة البهية ج1 ص38، 42.
50) المرجع السابق ص38.
51) سورة لقمان: 15.
52) الزيلعى ج3 ص245، والدرر ج1 ص283، 284.
53) حاشية الدرر ج1 ص283.
54) شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص218.
55) كشاف القناع ج1 ص661.
56) سورة المجادلة: 22.
57) الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج4 ص300.
58) سورة لقمان: 15.
59) الشرح الصغير ج2 ص484.
60) التاج الذهبى ج4 ص431.
61) سورة الممتحنة: 8، 9.
62) المحلى ج11 ص 108، 109.
63) شرح النيل ج2 ص593، 594.
64) سورة المائدة: 45.
65) سورة البقرة: 178.
66) الزيلعى ج6 ص105، الدرر ج2 ص91.
67) المهذب ج2 ص186، والنهاية ج3 ص46، 47.
68) كشاف القناع ج3 ص352.
69) الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج4 ص237، 267.
70) التاج المذهب ج4 ص261، 265.
71) الروضة البهية ج2 ص406.
72) شرح النيل ج2 ص75.
73) المحلى ج10 ص345.
74) الزيلعى ج6 ص105، 106، والدرر ج2 ص94.
75) للشافعية شرج جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص107، وللحنابلة كشاف القناع ج3 ص352.
76) الشرح الكبير ج4 ص267.
77) التاج المذهب ج4 ص265.
78) الزيلعى حاشيته ج3 ص220، الدرر ج2 ص80، والهداية وفتح القدير ج3 ص328، 239.
79) الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج4 ص37.
80) كشاف القناع ج4 ص84.
81) شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص188.
82) التاج المذهب ج4 ص251.
83) المحلى ج11 ص344.
84) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية ج2 ص375، 376.
85) شرح النيل ج8 ص75.
86) الزيلعى ج2 ص173، الدرر وحاشية ابن عابدين ج2 ص541، 542، الدرر ج1 ص353.
87) الزيلعى ج3 ص288، 289. والدرر ج1 ص303. والدر ج3 ص420، 421.
88) المهذب ج2 ص255، وحاشية القليوبى على شرح جلال الدين المحلى ج1 ص69.
89) شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص177، 178.
90) الشرح الكبير وحاشية القليوبى ج2 ص200، وج4 ص308.
91) كشاف القناع ج1 ص663، 664، 665. شرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج1 ص723، 724.
92) جمعاء أى سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها فلا جدع فيها ولا كى.
93) المحلى ج7 ص322، 323، 324.
94) التاج المذهب ج2 ص67، ج4 ص466.
95) الروضة البهية ج2 ص99.
96) العروة الوثقى ج1 ص320، 321، 323.
97) الزيلعى ج3 ص72، الدرر ج2 ص6. الدر وحاشية ابن عابدين ج3 ص18.
98) الزيلعى ج3 ص72. والدرر ج2 ص6. والدر ج3 ص15، 16.
99) الشرح الكبير وحاشية الدسوقى ج2 ص200، وج4 ص269. وشرح جلال الدين المحلى على المنهاج وحاشيته ج1 ص69، وج4 ص361.
100) التاج المذهب ج2 ص85.
101) كشاف القناع ج2 ص628، 638. وشرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج3 ص76.
102) الروضة البهية ج2 ص108، 109.
103) المحلى ج8 ص393.
104) الزيلعى ج3 ص270، الدرر ج1 ص294، 295. الدر ج3 ص348، 349.
105) شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى ج2 ص200.
106) شرح جلال الدين المحلى وحاشيتى القليوبى وعميرة ج4 ص220، 221.
107) كشاف القناع ج1 ص655. شرح منتهى الإرادات على هامش كشاف القناع ج1 ص724.
108) التاج المذهب ج4 ص443.
109) المحلى ج7 ص309.
110) الروضة البهية ج2 ص293.

(1/37)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية