صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : مجموع فتاوى العثيمين

(3) (3) لا شك أنها أول من آمن به، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لما جاءها وأخبرها بما رأي في غار حراء، قالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا. وآمنت به، وذهبت به إلي ورقة بن نوفل، وقصت عليه الخبر، وقال له: إن هذا الناموس الذي كان ينزل على موسي (1). "الناموس " أي: صاحب السر. فآمن به ورقة.
ولهذا نقول: أول من آمن به من النساء خديجة، ومن الرجال ورقة بن نوفل.
وعاضده علي أمره (1) وكان لها منه المنزلة العالية (2) والصديقة بنت الصديق رضي الله عنها(3) التي قال فيها النبي صلي الله عليه وسلم : " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (4) ………………………………
(1) (1) أي: ساعده، ومن تدبر السيرة، وجد لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها من معاضدة النبي صلي الله عليه وسلم ما لم يحصل لغيرها من نسائه.
(2) (2) قوله: " وكان لها منه المنزلة العالية" : حتي إنه كان يذكرها بعد موتها صلوات الله وسلامه عليه، ويرسل بالشيء إلي صديقاتها، ويقول: " إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد" (1)، فكان يثني عليها، وهذا يدل على معظم منزلتها عند الرسول صلي الله عليه وسلم.
(3) (3) أما كونها صديقة، فلكمال تصديقها لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وكمال صدقها في معاملته، وصبرها على ما حصل من الأذي في قصة الإفك، ويدلك على صدقها وصدق إيمانها بالله أنه لما نزلت براءتها، قال: إني لا أحمد غير الله. وهذا يدل على كمال إيمانها وصدقها.
وأما كونها بنت الصديق، فكذلك أيضا، فإن أباها رضي الله عنه هو الصديق في هذه الأمة، بل صديق الأمم كلها، لأن هذه الأمة أفضل الأمم، فإذا كان صديق هذه الأمة، فهو صديق غيرها من الأمم.
(4) (4) قوله: " على النساء ": ظاهره العموم، أي: على جميع النساء.
وقيل: إن المراد: فضل عائشة على النساء، أي من أزواجه اللاتي على قيد الحياة، فلا تدخل في ذلك خديجة.

(114/76)


لكن ظاهر الحديث العموم، لأن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: " كمال من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر أفضل النساء مطلقا.
ولكن ليست أفضل من فاطمة باعتبار النسب، لأن فاطمة بلا شك أشرف من عائشة نسبا.
وأما منزلة، فإن عائشة رضي الله عنها لها من الفضائل العظيمة ما لم يدركه أحد غيرها من النساء.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن هاتين الزوجين رضي الله عنهما في منزلة واحدة، لأنه قال: " خصوصا خديجة … والصديقة " ، ولم يقل : ثم الصديقة.
والعلماء اختلفوا في هذه المسألة:
فقال بعض العلماء: خديجة أفضل، لأن لها مزايا لم تلحقها عائشة فيها.
وقال بعض العلماء: بل عائشة أفضل، لهذا الحديث، ولأن لها مزايا لم تلحقها خديجة فيها.
وفصل بعض أهل العلم، فقال: إن لكل منهما مزية لم تلحقها الأخري فيها، ففي أول الرسالة لا شك أن المزايا التي حصلت عليها خديجة لم تلحقها فيها عائشة، ولا يمكن أن تساويها، وبعد ذلك، وبعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم حصل من عائشة من نشر العلم ونشر السنة وهداية الأمة مالم يحصل لخديجة، فلا يصح أن تفضل إحداهما على الأخري تفضيلا مطلقا، بل نقول: هذه أفضل من وجه، وهذه أفضل من وجه، ونكون قد سلكنا مسلك العدل، فلم نهدر ما لهذه من المزية، ولا ما لهذه من المزية، وعند التفصيل يحصل التحصيل. وهما وبقية أزواج الرسول في الجنة معا.
ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهمم(1)…………..
(1) (1) الروافض: طائفة غلاوة في علي بن أبي طالب وآل البيت، وهم من أضل أهل البدع، وأشدهم كرها للصحابة رضي الله عنهم، ومن أراد معرفة ما هم عليه من الضلال، فليقرأ في كتبهم وفي كتب من رد عليهم.

(114/77)


وسموا روافض لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عندما سألوه عن أبي بكر وعمر، فأثني عليهما وقال: هما وزيرا جدي.
أما النواصب، فهم الذين ينصبون العداء لأل البيت، ويقدحون فيهم، ويسبونهم، فهم على النقيض من الروافض.
فالروافض اعتدوا على الصحابة بالقلوب والألسن.
- - ففي القلوب يبغضون الصحابة ويكرهونهم، إلا من جعلوهم وسيلة لنيل مآربهم وغلوا فيهم، وهم آل البيت.
- - وفي الألسن يسبونهم فيلعنونهم ويقولون : إنهم ظلمة‍‍ ويقولون : إنهم ارتدوا بعد النبي صلي الله عليه وسلم إلا قليلا، إلي غير ذلك من الأشياء المعروفة في كتبهم.
وفي الحقيقة إن سب الصحابة رضي الله عنهم ليس جرحا في الصحابة رضي اله عنهم فقط بل هو قدح في الصحابة وفي النبي صلي الله عليه وسلم وفي شريعة الله وفي ذات الله عز وجل:
_ أما كونه قدحا في الصحابة، فواضح.
- - وأما كونه قدحا في رسول الله صلي الله عليه وسلم، فحيث كان أصحابه وأمناؤه وخلفاؤه على أمته من شرار الخلق، وفيه قدح في رسول الله صلي الله عليه وسلم من وجه آخر، وهو تكذيبه فيما أخبر به من فضائلهم ومناقبهم.
- - وأما كونه قدحا في شريعة الله، فلأن الواسطة بيننا وبين رسول الله صلي الله عليه وسلم في نقل الشريعة هم الصحابة، فإذا سقطت عدالتهم، لم يبق ثقة فيما نقلوه من الشريعة.
- - وأما كونه قدحا في الله سبحانه، فحيث بعث نبيه صلي الله عليه وسلم في شرار الخلق، واختارهم لصحبته وحمل شريعته ونقلها لأمته‍ه.
- - فانظر ماذا يترتب من الطوام الكبري على سب الصحابة رضي الله عنهم.
- - ونحن نتبرأ من طريقة هؤلاء الروافض الذين يسبون الصحابة ويبغضونهم، ونعتقد أن محبتهم فرض، وأن الكف عن مساوئهم فرض، وقلوبنا ولله الحمد مملؤة من محبتهم، لما كانوا عليه من الإيمان والتقوي ونشر العلم ونصرة النبي صلي الله عليه وسلم.

(114/78)


ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل (1) ………
(1) (1) يعني: يتبرأ أهل السنة والجماعة من طريقة النواصب.
وهؤلاء على عكس الروافض، الذين يغلون في آل البيت حتي يخرجوهم عن طور البشرية إلي طور العصمة والولاية.
ويمسكون عما شجر بين الصحابة (1) ……………………………………
أما النواصب، فقابلوا البدعة، فلما رأوا الرافضة يغلون في آل البيت، قالوا: إذا، نبغض آل البيت ونسبهم، مقابلة لهؤلاء في الغلو في محبتهم والثناء عليهم، ودائما يكون الوسط هو خير الأمور، ومقابلة البدعة ببدعة لا تزيد البدعة إلا قوة.
(1) (1) يعني: عما وقع بينهم من النزاع.
· · فالصحابة رضي الله عنهم وقعت بينهم بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزاعات، واشتد الأمر بعد مقتل عثمان، فوقع بينهم ما وقع، مما أدي إلي القتال.
وهذه القضايا مشهورة، وقد وقعت بلا شك عن تأويل واجتهاد كل منهم يظن أنه على حق، ولا يمكن أن نقول: إن عائشة والزبير بن العوام قاتلا عليا رضي الله عنهم أجمعين وهم يعتقدون أنهم على باطل، وأن عليا على حق.
واعتقادهم أنهم على حق لا يستلزم أن يكونوا قد أصابوا الحق.
ولكن إذا كانوا مخطئين، ونحن نعلم أنهم لن يقدموا على هذا الأمر إلا عن اجتهاد، فإنه ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر " (1)، فنقول: هم مخطئون مجتهدون، فلهم أجر واحد.
· · فهذا الذي حصل موقفنا نحن منه له جهتان: الجهة الأولي: الحكم على الفاعل. والجهة الثانية: موقفنا من الفاعل.
_ أما الحكم على الفاعل، فقد سبق، وأن ما ندين الله به أن ما جري بينهم، فهو صادر عن اجتهاد، والاجتهاد إذا وقع فيه الخطأ، فصاحبه معذور مغفور له.

(114/79)


- - وأما موقفنا من الفاعل، فالواجب علينا الإمساك عما شجر بينهم لماذا نتخذ من فعل هؤلاء مجالا للسب والشتم والوقيعة فيهم والبغضاء بيننا، ونحن في فعلنا هذا إما آثمون وإما سالمون ولسنا غانمين أبدا.
· · فالواجب علينا تجاه هذه الأمور أن نسكت عما جري بين الصحابة وأن لا نطالع الأخبار أو التأريخ في هذه الأمور، إلا المراجعة للضرورة.
(1) (1) قسم المؤلف الآثار المروية في مساويهم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما هو كذب محض لم يقع منهم، وهذا يوجد كثيرا فيما يرويه النواصب في آل البيت وما يرويه الروافض في غير آل البيت.
القسم الثاني: شيء له أصل، ولكن زيد فيه ونقص وغير عن وجهه.
وهذان القسمان كلاهما يجب رده.
القسم الثالث: ما هو صحيح، فماذا نقول فيه؟ بينه المؤلف بقوله:
· · " والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون " .
· · والمجتهد إن أصاب، فله أجران، وإن أخطأ،فله أجر واحد، لقول النبي صلي الله عليه وآله وسلم : " إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر" (1).
· · فما جري بين معاوية وعلى رضي الله عنهما صادر عن اجتهاد وتأويل.
لكن لا شك أن عليا أقرب إلي الصواب فيه من معاوية، بل قد نكاد نجزم بصوابه، إلا إن معاوية كان مجتهدا.
· · ويدل على أن عليا أقرب إلي الصواب أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ويح عمارا تقتله الفئة الباغية" (2)، فكان الذي قتله أصحاب معاوية، وبهذا عرفنا أنها فئة باغية خارجة على الإمام، لكنهم متأولون، والصواب مع على إما قطعنا وإما ظنا.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره(1) ….
(1) (1) وهناك قسم رابع: وهو ما وقع منهم من سيئات حصلت لا عن اجتهاد ولا عن تأويل: فبينه المؤلف بقوله:

(114/80)


· · " وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره.
· · لا يعتقدون ذلك، لقوله صلي الله عليه وسلم : " كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" (3) .
ولكن الواحد منهم قد يفعل شيئا من الكبائر، كما حصل من مسطح بن أثاثه وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش في قصة الإفك(1)، ولكن هذا الذي حصل تطهروا منه بإقامة الحد عليهم.
بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة (1) ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر عنهم إن صدر (2) ………………………………………………
(1) (1) يعني: كغيرهم من البشر، لكن يمتازون عن غيرهم بما قال المؤلف رحمه الله: " ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر".
(2) (2) هذا من الأسباب التي يمحو الله بها عنهم ما فعلوه من الصغائر أو الكبائر، وهو ما لهم من السوابق والفضائل التي لم يلحقهم فيها أحد، فهم نصروا النبي عليه الصلاة والسلام، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله، فهذه توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب، إذا لم يصل إلي الكفر.
· · ومن ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة حين أرسل إلي قريش يخبرهم عن مسير النبي صلي الله عليه وسلم إليهم، حتي أطلع الله نبيه على ذلك، فلم يصلهم الخبر، فاستأذن عمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يضرب عنق حطب، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: " إنه شهد بدرا، وما يدريك ؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: أعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"(1).

(114/81)


حتي أنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم : أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به، كان أفضل من جبل أحد ذهبا ممن بعدهم(1)، ثم إن كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه (2)، أو أتي بحسنات تمحوه (3) . أو غفر له بفضل سابقته(4)……………………………………….
(1) (1) وذلك في قوله صلي الله عليه وسلم: " خبر الناس قرني " (2)، وفي قوله: " لا تسبوا أصحابي، فلو الذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (3).
(2) (2) يعني: وإذا تاب منه، ارتفع عنه وباله ومعرته، لقوله تعالي: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، … } إلي قوله: { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صاحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } [ الفرقان: 68-70]، ومن تاب من الذنب كمن لا ذنب له ، فلا يؤثر عليه.
(3) (3) لقوله تعالي : { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود: 114].
(4) (4) لقوله تعالي في الحديث القدسي في أهل بدر: " اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم " .
أو بشفاعة محمد صلي الله عليه وسلم الذين هم أحق الناس بشفاعته (1) أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه (2) فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين: إن أصابوا، فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور(3). ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم (4)…
(1) (1) وقد سبق أن النبي صلي الله عليه وسلم يشفع في أمته، والصحابة رضي الله عنهم أحق الناس في ذلك.

(114/82)


(2) (2) فإن البلاء في الدنيا يكفر الله به السيئات، كما أخبر بذلك النبي صلي الله عليه وسلم في قوله: " ما من مسلم يصيبه أذي من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها" صلي الله عليه وسلم، والأحاديث في هذا مشهورة كثيرة.
(3) (3) سبق دليله، فتكون هذه من باب أولي آلا تكون سببا للقدح فيهم والعيب.
· · فهذه الأسباب التي ذكرها المؤلف ترفع القدح في الصحابة، وهي قسمان:
الأول: خاص بهم، وهو مالهم من السوابق والفضائل.
والثاني: عام، وهى التوبة، والحسنات الماحية، وشفاعة النبي صلي الله عليه وسلم ، والبلاء.
(4) (4) القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل جدا نزر أقل القليل، ولهذا قال: " مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم " .
· · ولا شك أنه حصل من بعضهم سرقة وشرب خمر وقذف وزني بإحصان وزني بغير إحصان، لكن كل هذه الأشياء تكون مغمورة في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، وبعضها أقيم فيه الحدود، فيكون كفارة.
من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح(1) ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من الله عليهم به من الفضائل، علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء(2) ………………………….
(1) (1) فكل هذه مناقب وفضائل معلومة مشهورة، تغمر كل ما جاء من مساوئ القوم المحققة، فكيف بالمساوئ غير المحققة أو التي كانوا فيها مجتهدين متأولين.
(2) (2) هذا بالإضافة إلي ما ثبت عن النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم من قوله: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (1).
وعلي هذا تثبت خيرتهم على غيرهم من أتباع الأنبياء بالنص والنظر في أجوالهم.

(114/83)


فإذا نظرت بعلم وبصيرة وإنصاف في محاسن القوم وما أعطاهم الله من الفضائل، علمت يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، فهم خير من الحواريين أصحاب عيسي، خير من النقباء أصحاب موسي، وخير من الذين آمنوا من نوح ومع هود وغيرهم، لا يوجد أحد في أتباع الأنبياء أفضل من الصحابة رضي الله عنهم، والأمر في هذا ظاهر معلوم، لقوله تعالي:
{ كنتم خير أمةة أخرجت للناس } [ آل عمران: 110] ، وخبرنا الصحابة، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم خير الخلق ، فأصحابة خير الأصحاب بلا شك .
هذا عند أهل السنة والجماعة ، أما عند الرافضة، فهم شر الخلق ، إلا من استثنوا منهم.
(1) (1) أي: ما وجد ولا يوجد مثلهم ، لقوله عليه الصلاة والسلام: " خير الناس قرني " فلا يوجد على الإطلاق مثلهم رضي الله عنهم لا سابقا ولا لاحقا.
(2) (2) أما كون هذه الأمة خير الأمم، فلقوله تعالي: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [ ال عمران: 110] وقوله: { وكذلك جلعناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } [ البقرة: 143]، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم خير الرسل، فلا جرم أن تكون أمته خير الأمم.
وأما كون الصحابة صفوة قرون الأمة، فلقوله صلي الله عليه وسلم: " خير الناس قرني" (1)، وفي لفظ : " خير أمتي قرني " (2)، والمراد بقرنه: الصحابة، وبالذين يلونهم: التابعون، وبالذين يلونهم: تابعوا التابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والاعتبار بالقرون الثلاثة بجمهور أهل القرن، وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتي إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك وجمهور تابعي التابعين في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية" أ هـ.

(114/84)


وكان أخر الصحابة موتا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي سنة مئة من الهجرة، وقيل: مئة وعشر.
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (1): " واتفقوا على أن أخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلي حدود العشرين ومئتين".

فصل
في كرامة الأولياء
ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء (1) …………..
(1) (1) كرامات الأولياء مسألة هامة ينبغي أن يعرف الحق فيها من الباطل، هل هي حقيقة ثابتة، أو هي من باب التخيلات؟
فبين المؤلف رحمه الله قول أهل السنة فيها بقوله:
· · " ومن أصول أهل السنة والجماعة : التصديق بكرامات الأولياء".
· · فمن هم الأولياء؟
والجواب: أن الله بينهم بقوله: { إلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون } [ يونس: 62،63].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " من كان مؤمنا تقيا، كان الله وليا " .
ليست الولاية بالدعوي والتمني، الولاية إنما هي بالإيمان والتقوي، فلو رأينا رجلا يقول: إنه ولي ولكنه غير متق لله تعالي، فقوله مردود عليه.
· · أما الكرامات، فهي جمع كرامة، والكرامة أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالي علي يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين.
- - فالرجل الذي أحيا الله تعالي له فرسه، وهو صلة بن أشيم، بعد أن ماتت، حتي وصل إلي أهله، فلما وصل إلي أهله ، قال لابنه : ألق السرج عن الفرس، فإنها عربة! فلما ألقي السرج عنها، سقطتت ميتة. فهذه كرامة لهذا الرجل إعانة له.
- - أما التي لنصرة الإسلام، فمثل الذي جري للعلاء بن الحضرمي رضي الله عنه في عبور ماء البحر، وكما جري لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في عبور نهر دجلة، وقصتها مشهورة في التاريخ.
فالكرامة أمر خارق للعادة.
أما ما كان على وفق العادة، فليس بكرامة.

(114/85)


· · وهذا الأمر إنما يجربه الله علي يد ولي، احترازا من أمور السحر والشعوذة، فإنها أمور خارقة للعادة، لكنها تجري على يد غير أولياء الله، بل على يد أعداء الله، فلا تكون هذه كرامة.
· · وقد كثرت هذه الكرامات التي تدعي أنها كرامات في هؤلاء المشعوذين الذين يصدون عن سبيل الله ، فالواجب الحذر منهم ومن تلاعبهم بعقول الناس وأفكارهم.
· · فالكرامة ثابتة بالقرآن والسنة، والواقع سابقا ولاحقا.
- - فمن الكرامات الثابتة بالقرآن والسنة لمن سبق قصة أصحاب الكهف، الذين عاشوا في قوم مشركين، وهم قد آمنوا بالله، وخافوا أن يغلبوا على آمرهم، فخرجوا من القرية مهاجرين إلي الله عز وجل، فيسر الله لهم غارا في جبل، وجه هذا الغار إلي الشمال، فلا تدخل الشمس عليهم فتفسد أبدانهم ولا يحرمون منها، إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوه منه، وبقوا في هذا الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا، وهم نائمون، يقلبهم الله ذات اليمن وذات الشمال، في الصيف وفي الشتاء، لم يزعجهم الحر، ولم يؤلمهم البرد، ما جاعوا وما عطشوا وما ملوا من النوم. فهذه كرامة بلا شك، بقوا هكذا حتي بعثهم الله وقد زال الشرك عن هذه القرية، فسلموا منه.
- - ومن ذلك قصة مريم رضي الله عنها، أكرمها الله حيث أجاءها المخاض إلي جذع النخلة، وأمرها الله أن تهز بجذعها لتتساقط عليها رطبا جنيا.
- - ومن ذلك قصة الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثة، كرامة له، ليتبين له قدرة الله تعالي، ويزداد ثباتا في إيمانه.
- - أما في السنة ، فالكرامات كثيرة، وراجع ( كتاب الإنبياء، باب ما ذكر عن بن إسرائيل) في " صحيح البخاري"، وكتاب " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " لشيخ الإسلام ابن تيمية.

(114/86)


- - وأما شهادة الواقع بثبوت الكرامات، فظاهر، يعلم به المرء في عصره، إما بالمشاهدة، وإما بالأخبار الصادقة.
فمذهب أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء.
· · وهناك مذهب مخالف لمذهب أهل السنة، وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم، حيث إنهم ينكرون الكرامات، ويقولون: إنك لو أثبت الكرامات، لا شتبه الساحر بالولي بالنبي، لأن كل واحد منهم يأتي بخارق.
فيقال: لا يمكن الالتباس، لأن الكرامة على يد ولي، والولي لا يمكن أن يدعي النبوة، ولو ادعاها، لم يكن وليا. آية النبي تكون على يد نبي، والشعوذة والسحر على يد عدو بعيد من ولاية الله، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين، فينالها بكسبه، بخلاف الكرامة، فهي من الله تعالي، لا يطلبها الولي يكسبه.
· · قال العلماء: كل كرامة لولي، في آية للنبي الذي اتبعه، لأن الكرامة شهادة من الله عز وجل أن طريق هذا الولي طريق صحيح.
وعلي هذا، ما جري من الكرامات للأولياء من هذه الأمة فإنها آيات لرسول الله صلي الله عليه وسلم .
· · ولهذا قال بعض العلماء: ما من آية لنبي من الأنبياء السابقين، إلا ولرسول الله صلي الله عليه وسلم مثلها.
- - فأورد عليهم أن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يلق في النار فيخرج حيا، كما حصل ذلك لإبراهيم.
فأجيب بأنه جري ذلك لأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كما ذكره المؤرخون عن أبي مسلم الخولاني، وإذا أكرم أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام بجنس هذا لأمر الخارق للعادة، دل ذلك على أن دين النبي صلي الله عليه وسلم حق ، لأنه مؤيد بجنس هذه الآية التي حصلت لإبراهيم.
وأورد عليهم أن البحر لم يفلق للنبي صلي الله عليه وسلم، وقد فلق لموسي!

(114/87)


فأجيب بأنه حصل لهذه الأمة فيما يتعلق في البحر شىء أعظم مما حصل لموسي، وهو المشي على الماء، كما في قصة العلاء بن الحضرمي، حيث مشوا على ظهر الماء، وهذا أعظم مما حصل لموسي، مشي على أرض يابسة.
وأورد عليهم أن من آيات عيسي إحياء الموتي، ولم يقع ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم.
فأجيب بأنه حصل وقع لأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كما في قصة الرجل الذي مات حماره في أثناء الطريق، فدعا الله تعالي أن يحييه، فأحياه الله تعالي.
وأورد عليهم إبراء الأكمة والأبرص.
فأجيب بأنه حصل من النبي صلي الله عليه وسلم أن قتادة بن النعمان لما جرح في أحد، ندرت عينه حتي صارت على خده، فجاء النبي صلي الله عليه وسلم، فأخذها بيده، ووضعها في مكانها، فصارت أحسن عينيه. فهذه من أعظم الآيات.
فالآيات التي كانت للأنبياء السابقين كان م ن جنسها للنبي صلي الله عليه وسلم أو لأمته، ومن أراد المزيد من ذلك، فليرجع إلي كتاب " البداية والنهاية في التاريخ" لابن كثير.
تنبيه:
الكرامات، قلنا: إنها تكون تأييدا أو تثبيتا إو إعانة للشخص أو نصرا للحق، ولهذا كانت الكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة، لأن الصحابة عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما يستغنون به عن الكرامات فإن الرسول صلي الله عليه وسلم كان بين أظهرهم، وأما التابعون، فإنهم دون ذلك، ولذلك كثرت الكرامات في زمنهم تأييدا لهم وتثبيتا ونصرا للحق الذي هم عليه.
وما يجري على أيديهم من خوارق العادات (1) …………………..
" خوارق ": جمع خارق.
· · و " العادات ": جمع عادة.
والمراد بـ " خوارق العادات" : ما يأتي على خلاف العادة الكونية.
· · وهذه الكرامات لها أربع دلالات:
أولا: بيان كمال قدره الله عز وجل، حيث حصل هذا الخارق للعادة بأمر الله.

(114/88)


ثانيا: تكذيب القائلين بأن الطبيعة هي التي تفعل، لأنه لو كانت الطبيعة هي التي تفعل، لكانت الطبيعة على نسق واحد لا يتغير، فإذا تغيرت العادات والطبيعة، دل على أن للكون مدبرا وخالقا.
ثالثا: أنها آية للنبي المتبوع كما أسلفنا قريبا.
رابعا: أن فيها تثبيتا وكرامة لهذا الولي.
(1) (1) يعني : أن الكرامة تنقسم إلي قسمي: قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات، وقسم آخر يتعلق بالقدرة والتأثيرت.
- - أما العلوم، فأن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره.
- - وأما المكاشفات، فأن يظهر له من الأشياء التي يكشف له عنها ما لا يحصل لغيره.
- - مثال الأول – العلوم : ما ذكر عن أبي بكر: أن الله أطلعه على ما في بطن زوجته الحمل، أعلمه الله أنه أنثي (1).
- - ومثال الثاني- المكاشفات - : ما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان يخطب الناس يوم الجمعة على المنبر، فسمعوه يقول: يا سارية ! الجبل ! فتعجبوا من هذا الكلام، ثم سألوه عن ذلك ؟
فقال : إنه كشف له عن سارية بن زنيم وهو أحد قواده في العراق ، وأنه محصور من عدوه، فوجهه إلي الجبل، وقال له: يا سارية ! الجبل! فسمع سارية صوت عمر، وانحاز إلي الجبل، وتحصن به(1).
هذه من أمور المكاشفات، لأنه أمر واقع، لكنه بعيد.
- - أما القدرة والتأثيرات، فمثل ما وقع لمرين من هزما لجذع النخل وتساقط الرطب عليها، ومثل ما وقع للذي عنده علم من الكتاب، حيث قال لسليمان: أنا آتيك به قبل أن يريد إليك طرفك.
كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة (1) وهي موجودة فيها إلي يوم القيامة (2)……………

(114/89)


(1) (1) الكرامات موجودة فيما سبق من الأمم، ومنها قصة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة (2)، وموجودة في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم، كقصة أسيد بن حضير (3)، وتكثير الطعام عند بعض الصحابة(4)، وموجودة في التابعين، مثل قصة صلة بن أشيم الذي أحيا الله له فرسه.
يقول شيخ الإسلام في كتاب " الفرقان " : " وهذا باب واسع، قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع، وأما ما نعرفه نحن عيانا ونعرفه في هذا الزمان، فكثير".
(2) (2) الدليل على أنها موجودة إلي يوم القيامة: سمعي وعقلي:
- - أما السمعي، فإن الرسول صلي الله عليه وسلم أخبر في قصة الدجال أنه يدعو رجلا من الناس من الشباب، يأتي، ويقول له: كذبت ! إنما أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله صلي الله عليه وسلم، فيأتي الدجال، فيقتله قطعتين، فيجعل واحدة هنا وواحدة هنا رمية الغرض ( يعني: بعيد ما بينهما) ، ويمشي بينهما، ثم يدعوه، فيقوم يتهلل، ثم يدعوه ليقر له بالعبودية، فيقول الرجل: ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم ! فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه 1).
فهذه أي: عدم تمكن الدجال من قتل ذلك الشاب من الكرامات بلا شك.
- - وأما العقلي، فيقال: ما دام سبب الكرامة هي الولاية، فالولاية لا تزال موجودة إلي قيام الساعة(2).
فصل
في طريقة أهل السنة العملية
ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار الرسول صلي الله عليه وسلم(1)………….
(1) (1) لما فرغ المؤلف مما يريد ذكره من طريقة أهل السنة العقدية، شرع في ذكر طريقتهم العملية.

(114/90)


· · قوله: " اتباع الآثار" : لا اتباع إلا بعلم ، إذا، فهم حريصون على طلب العلم، ليعرفوا آثار الرسول صلي الله عليه وسلم ثم يتبعونها آثار الرسول صلي الله عليه وسلم في العقيدة والعبادة والأخلاق والدعوة إلي الله تعالي، يدعون عباد الله إلي شريعة الله في كل مناسبة، وكلما اقتضت الحكمة أن يدعوا إلي الله، دعوا إلي الله، ولكنهم لا يخبطون خبط عشواء، وإنما يدعون بالحكمة، يتبعون آثار الرسول عليه الصلاة والسلام في الأخلاق الحميدة في معاملة الناس باللطف واللين، وتنزيل كل إنسان منزلته، يتبعونه أيضا في أخلاقه مع أهله، فتجدهم يحرصون على أن يكونوا أحسن الناس لأهليهم، لأ، النبي صلي الله عليه وسلم يقول: " خيركم لأهله، وأنا خيرم لأهلي " (1).
ونحن لا نستطيع أن نحصر آثار الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن نقول على سبيل الإجمال في العقيدة والعبادة والخلق والدعوة: في العبادة لا يتشددون ولا يتهاونون ويتبعون ما هو أفضل.
وربما يشتغلون عن العبادة بمعاملة الخلق للمصلحة، كما كان الرسول يأتيه الوفود يشغلونه عن الصلاة، فيقضيها فيما بعد.
باطنا وظاهرا (1) ……………………………………………
(1) (1) قوله: " باطنا وظاهرا " : الظهور والبطون أمر نسبي: ظاهرا فيما يظهر للناس ، وباطنا فيما يسرونه بأنفسهم. ظاهرا في الأعمال الظاهرة، وباطنا في أعمال القلوب………
فمثلا، التوكل والخف والرجاء والإنابة والمحبة وما أشبه ذلك، هذا من أعمال القلوب، يقومون بها على الوجه المطلوب، والصلاة فيها القيام والقعود والركوع والسجود والصدقة والحج، والصيام، وهذه من أعمال الجوارح، فهي ظاهرة.
· · ثم أعلم أن آثار الرسول صلي الله عليه وسلم تنقسم إلي ثلاثة أقسام أو أكثر:

(114/91)


أولا: ما فعله على سبيل التعبد، فهذا لا شك أننا مأمورون باتباعه، لقوله تعالي: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنه } [ الأحزاب: 21]، فكل شىء لا يظهر فيه أنه فعله تأثرا بعادة أو بمقتضي جبلة وفطرة أو حصل اتفاقا، فإنه علي سبيل التعبد، ونحن مأمورون به.
ثانيا : ما فعله اتفاقا ، فهذا لا يشرع لنا التأسي فيه، لأنه غير مقصود ، كما لو قال قائل : ينبغي أن يكون قدومنا إلي مكة في الحج في اليوم الرابع من ذي الحجة ! لأن الرسول صلي الله عليه وسلم قدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة 1).
فنقول: هذا غير مشروع، لأن قدومه صلي الله عليه وسلم في هذا اليوم وقع اتقافا.
ولو قائل قال: ينبغي إذا دفعنا من عرفة ووصلنا إلي الشعب الذي نزل فيه صلي الله عليه وسلم وبال أن ننزل ونبول ونتوضا وضوء خفيفا كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم ! فنقول: هذا لا يشرع.
وكذلك غيرها من الأمور التي وقعت اتفاقا، فإنه لا يشرع التأسي فيه بذلك ، لأنه صلي الله عليه وسلم فعله لا علي سبيل القصد للتعبد، والتأسي به تعبد.
ثالثا: ما فعله بمقتضي العادة، فهل يشرع لنا التأسي به؟
الجواب: نعم، ينبغي لنا أن نتأسي به، لكن بجنسه لا بنوعه.
وهذه المسألة قل من يتفطن لها من الناس، يظنون أن التأسي به فيما هو علي سبيل العادة بالنوع، ثم ينفون التأسي به في ذلك.
ونحن نقول: نتأسي به، لكن باعتبار الجنس، بمعني أن نفعل ما تقتضيه العادة التي كان عليها الناس، إلا أن يمنع ذلك مانع شرعي.

(114/92)


رابعا: ما فعله بمقتضي الجبلة، فهذا ليس من العبادات قطعا، لكن قد يكون عبادة من وجه، بأن يكون فعله على صفة معينة عبادة: كالنوم، فإنه بمقتضي الجبلة، لكن يسن أن يكون فعله على صفة معينة عبادة: كالنوم، فإنه بمقتضي الجبلة، لكن يسن أن يكون على اليمين، والأكل والشرب جبلة وطبيعة، ولكن قد يكون عبادة من جهة أخري، إذا قصد به الإنسان امتثال أمر الله والتنعم بنعمه والقوة على عبادته وحفظ البدن، ثم إن صفة أيضا تكون عبادة كالأكل باليمين، والبسملة عند البداءة، والحمدلة عند الانتهاء.
وهنا نسأل: هل اتخاذ الشعر عادة أو عبادة؟
يري بعض العلماء أنه عبادة، وأنه يسن للإنسان اتخاذ الشعر.
ويري آخرون أن هذا من الأمور العادية، بدليل قول الرسول صلي الله عليه وسلم الذي رآه قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: " احلقوا كله أو ذورا كله " (1)، وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر ليس بعبادة، وإلا، لقال: أبقه، ولا تحلق منه شيئا!
وهذه المسألة ينبغي التثبت فيها، ولا يحكم على شيء بأنه عبادة، إلا بدليل، لأن الأصل في العبادات المنع، إلا ما قام الدليل على مشروعيته.
وأتباع (1) سبيل السابقين (2) الأولين (3) من المهاجرين(4) والأنصار(5) ………
(1) (1) أي: ومن طريقة أهل السنة اتباع … الخ، فهي معطوفة على " اتباع الآثار".
(2) (2) يعني: إلي الأعمال الصالحة.
(3) (3) يعني: من هذه الأمة.
(4) (4) المهاجرون: من هاجروا إلي المدينة.
(5) (5) الأنصار: أهل المدينة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم.
· · وإنما كان اتباع سبيلهم من منهج أهل السنة والجماعة، لأنهم أقرب إلي الصواب والحق ممن بعدهم، وكلما بعد الناس عن عهد النبوة، بعدوا من الحق، وكلما قرب الناس من عهد النبوة، قربوا من الحق، وكلما كان الإنسان أحرص على معرفة سيرة النبي صلي الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، كان أقرب إلي الحق.

(114/93)


ولهذا تري اختلاف الأمة بعد زمن الصحابة والتابعين أكثر انتشارا وأشمل لجميع الأمور، لكن الخلاف في عهدهم كان محصورا.
فمن طريقة أهل السنة والجماعة أن ينظروا في سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فيتبعوها، لأن اتباعها يؤدي إلي محبتهم، مع كونهم أقرب إلي الصواب والحق، خلافا لمن زهد في هذه الطريقة، وصار يقول: هم رجال ونحن رجال ! ونحن رجال! لا يبالي بخلافهم!! وكأن قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كقول فلان وفلان من أواخر هذه الأمة !! وهذا خطأ وضلال، فالصحابة أقرب إلي الصواب، وقولهم مقدم على قول غيرهم من أجل ما عندهم من الإيمان والعلم، وما عندهم من الفهم السليم التقوي والأمانة، وما لهم من صحبة الرسول صلي الله عليه وسلم.
واتباع(1) وصية (2) رسول الله صلي الله عليه وسلم حيث قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ(3) ……
(1) (1) " اتباع " : معطوف على " اتباع الآثار ".
(2) (2) " الوصية " العهد إلي غيره بأمر هام.
(3) (3) معني: " عليكم بسنتي … " إلخ: الحث على التمسك بها، وأكد هذا بقوله: " وعضوا عليها بالنواجذ " ، وهي أقصي الأضراس، مبالغة في التمسك بها.
· · والسنة: هي الطريقة ظاهرا وباطنا.
· · والخلفاء الراشدين: هم الذين خلفوا النبي صلي الله عليه وسلم في أمته علما وعملا ودعوة.
· · وأول من يدخل في هذا الوصف وأولي من يدخل فيه: الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
· · ثم يأتي رجل في هذا العصر، ليس عنده من العلم شيء، ويقول: أذان الجمعة الأول بدعة، لأنه ليس معروفا على عهد الرسول صلي الله عليه وسلم، ويجب أن نقتصر على الأذان الثاني فقط !

(114/94)


فنقول له: إن سنة عثمان رضي الله عنه سنة متبعة إذا لم تخالف سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولم يقم أحد من الصحابة الذين هم أعلم منك وأغير على دين الله بمعارضته، وهو من الخلفاء الراشدين المهديين، الذين أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم باتباعهم.
ثم إن عثمان رضي الله عنه أعتمد على أصل، وهو أن بلالا يؤذن قبل الفجر في عهد النبي صلي الله عليه وسلم، لا لصلاة الفجر، ولكن ليرجع القائم ويوقظ النائم، كما قال ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم، فأمر عثمان بالأذان الأول يوم الجمعة (1)، لا لحضور الإمام، ولكن لحضور الناس، لأن المدينة كبرت واتسعت واحتاج الناس أن يعلموا بقرب الجمعة قبل حضور الإمام، من أجل أن يكون حضورهم قبل حضور الإمام.
· · فأهل السنة والجماع يتبعون ما أوصي به النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم من الحث علي التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، إلا إذا خالف كلام رسول الله صلي الله عليه وسلم ونعتذر عن هذا الصحابي، ونقول: هذا من باب الاجتهاد المعذور فيه.
وإياكم (1) ومحدثات الأمور (2) ……………………………………….
(1) (1) إياكم للتحذير، أي : أحذركم.
(2) (2) " والأمور ": بمعني : الشؤون، والمراد بها أمور الدين، أما أمور الدنيا، فلا تدخل في هذا الحديث، لأن الأصل في أمور الدنيا الحل، فما
ابتدع منها، فهو حلال، إلا أن يدل الدليل على تحريمه. لكن أمور الدين الأصل فيها الحظر، فما ابتدع منها، فهو حرام بدعة، إلا بدليل من الكتاب والسنة على مشروعيته.
فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " (1) …………………………
(1) (1) قال النبي عليه الصلاة السلام: " فإن كل بدعة ضلالة " (1): الجملة مفرعة على الجملة التحذيرية، فيكون المراد بها هنا توكيد التحذير وبيان حكم البدعة.

(114/95)


هذا كلام عام مسور بأقوي لفظ دال على العموم، وهو لفظ ( كل ) ، فهو تعميم محكم صدر من الرسول صلي الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام أعلم الخلق بشريعة الله، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق بيانا، وأصدقهم خبرا، فاجتمعت في حقه أربعة أمور: علم ونصح وفصاحة وصدق، نطق بقوله: " كل بدعة ضلالة " .
فعلي هذا: كل من تعبد لله بعقيدة أو قول أو فعل لم يكن من شريعة الله، فهو مبتدع.
فالجهمية يتعبدون بعقيدتهم، ويعتقدون أنهم منزهون لله، والمعتزلة كذلك. والأشاعرة يتعبدون بما هم عليه من عقيدة باطلة.
- - والذين أحدثوا أذكارا معينة يتعبدون لله بذلك، ويعتقدون أنهم مأجورون على هذا.
- - والذين أحدثوا أفعالا يتعبدون لله بها ويعتقدون أنهم مأجورون على هذا.
كل هذه الأصناف الثلاثة الذين ابتدعوا في العقيدة أو في الأقوال أو في الأفعال، كل بدعة من بدعهم، فهي ضلالة، ووصفها الرسول عليه الصلاة والسلام بالضلالة، لأنها مركب، ولأنها أنحراف عن الحق.
· · والبدعة تستلزم محاذير فاسدة:
فأولا: تستلزم تكذيب قول الله تعالي: { اليوم أكملت لكم دينكم } [ المائدة:3]، لأنه إذا جاء ببدعة جديدة يعتبرها دينا، فمقتضاه أن الدين لم يكمل.
ثانيا: تستلزم القدح في الشريعة، وأنها ناقصة، فأكملها هذا المبتدع.
ثالثا : تستلزم القدح في المسلمين الذين لم يأتوا بها، فكل من سبق هذه البدع من الناس دينهم ناقص! وهذا خطير !!
رابعا:ما لوزام هذه البدعة أن الغالب أن من اشتغل ببدعة، انشغل عن سنة، كما قال بعض السلف: " ما أحدث قوم بدعة، إلا هدموا مثلها من السنة".
خامسا: أن هذه البدع توجب تفرق الأمة، لأن هؤلاء المبتدعة يعتقدون أنهم أصحاب الحق، ومن سواهم علي ضلال!! وأهل الحق يقولون: أنتم الذين على ضلال ! فتتفرق قلوبهم.

(114/96)


فهذه مفاسد عظيمة، كلها تترتب علي البدعة من حيث هي بدعة، مع أنه يتصل بهذه البدعة سفه في العقل وخلل في الدين.
· · وبهذا نعرف أن من قسم البدعة إلي ثلاثة أقسام أو خمسة أو ستة، فقد أخطأ، وخطؤه من أحد وجهين:
- - إما أن لا ينطبق شرعا وصف البدعة على ما سماه بدعة.
- - وإما أن لا يكون حسنا كما زعم.
فالنبي صلي الله عليه وسلم قال: " كل بدعة ضلالة" ، فقال: " كل "، فما الذي يخرجنا من هذا السور العظيم حتي نقسم البدع إلي أقسام؟
· · فإن قلت: ما تقول في قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حين خرج إلي الناس وهم يصلون بإمامهم في رمضان، فقال: نعمت البدعة هذه(1). فأثني عليها، وسماها بدعة؟ !
فالجواب أن نقول: ننظر إلي هذه البدعة التي ذكرها، هل ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية أو لا.
فإذا نظرنا لم يخرج وجدنا أنه لا ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية، فقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم صلي بأصحابه في رمضان ثلاث ليال، ثم تركه خوفا من أن تفرض عليهم(2)، فثبت أصل المشروعية، وانتفي أن تكن بدعة شرعية، ولا يمكن أن نقول: إنها بدعة، والرسول صلي الله عليه وسلم قد صلاها.
وإنما سماها عمر رضي الله عنه بدعة، لأن الناس تركوها، وصاروا لا يصلون جماعة بإمام واحد، بل أوزاعا، الرجل وحده والرجلان والثلاثة والرهط، فلما جمعهم علي إمام واحد، صار اجتماعهم بدعة بالنسبة لما كانوا عليه أولا من هذا التفرق.
فإنه خرج رضي الله عنه ذات ليلة، فقال: لو أني جمعت الناس على إمام واحد، لكان أحسن، فأمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدي عشرة ركعة، فقاما للناس بإحدي عشرة ركعة، فخرج ذات ليلة والناس يصلون بإمامهم، فقال: نعمت البدعة هذه.
إذا، هي بدعة نسبية، باعتبار أنها تركت ثم أنشئت مرة أخري.
فهذا وجه تسميتها ببدعة.
وأما أنها بدعة شرعية، ويثني عليها عمر، فكلا.

(114/97)


وبهذا نعرف أن كلام رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يعارضه كلام عمر رضي الله عنه.
· · فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول الرسول صلي الله عليه وسلم: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلي يوم القيامة " (1)، فأثبت أن الإنسان يسن سنة حسن في الإسلام؟
فنقول: كلام الرسول صلي الله عليه وسلم يصدق بعضه بعضا، ولا يتناقض، فيريد بالسنة الحسنة السنة المشروع، ويكون المراد بسنها المبادرة إلي فعلها.
يعرف هذا ببيان سبب الحديث، وهو أن النبي صلي الله عليه وسلم قاله حين جاء أحد الأنصار بصرة ( يعني: من الدراهم)، ووضعها بين يدي النبي صلي الله عليه وسلم حين دعا أصحابه أن يتبرعوا للرهط الذين قدموا من مضر مجتابي النمار، وهم من كبار العرب، فتمعر وجه النبي صلي الله عليه وسلم لما رأي من حالهم، فدعا إلي التبرع لهم، فجاء هذا الرجل أول ما جاء بهذه الصرة، فقال : " من سن في الإسلام سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها إلي يوم القيامة " .
أو يقال: المراد بالسنة الحسنة ما أحدث ليكون وسيلة إلي ما ثبتت مشروعيته، كتصنيف الكتب وبناء المدارس ونحو ذلك.
وبهذا نعرف أن كلام الرسول صلي الله عليه وسلم لا يناقض بعضه بعضا، بل هو متفق، لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوي.
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله (1) ………………………………
(1) (1) هذا علمنا واعتقادنا، وأن ليس في كلام الله من كذب، بل هو أصدق الكلام، فإذا أخبر الله عن شيء بأنه كائن، فهو كائن، وإذا أخبر عن شيء بأنه سيكون، فإنه سيكون، وإذا أخبر عن شيء بأن صفته كذا وكذا، فإن صفته كذا وكذا، فلا يمكن أن يتغير الأمر عما أخبر الله به، ومن ظن التغير، فإنما ظنه خطأ، لقصوره أو تقصيره.
مثال ذلك لو قال قائل: إن الله عز وجل أخبر أن الأرض قد سطحت، قال: { وإلي الأرض كيف سطحت } [ الغاشية: 20]، ونحن نشاهد أن الأرض مكورة، فكيف يكون خبره خلاف الواقع؟

(114/98)


فجوابه أن الآية لا تخالف الواقع، ولكن فهمه خاطىء إما لقصوره أو تقصيره، فالأرض مكورة مسطحة، وذلك لأنها مستديرة، ولكن لكبر حجمها لا تظهر استدارتها إلا في مساحة واسعة تكون بها مسطحة، وحينئذ يكون الخطأ في فهمه، حيث ظن أن كونها قد سطحت مخالف لكونها كروية.
فإذا كنا نؤمن أن أصدق الكلام كلام الله، ، فلازم ذلك أنه يجب علينا أن نصدق بكل ما أخبر به كتابه، سواء كان ذلك عن نفسه أو عن مخلوقاته.
وخير الهدي هدي محمد صلي الله عليه وسلم (1) ………………………
(1) (1) " الهدي " : هو الطريق التي كان عليها السالك.
والطرق شتي، لكن خيرها طريق النبي صلي الله عليه وسلم، فنحن نعلم ذلك ونؤمن به، نعلم أن خير الهدي هدي محمد صلي الله عليه وسلم في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، وأن هدي محمد صلي الله عليه وسلم ليس بقاصر، لا في حسنه وتمامه وانتظامه موافقته لمصالح الخلق، ولا في أحكام الحوداث التي لم تزل ولا تزال تقع إلي يم القيامة، فإن هدي محمد صلي الله عليه وسلم كامل تام، فهو خير الهدي، أهدي من شريعة التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وجميع الهدي.
فإذا كنا نعتقد ذلك، فو الله ، لا نبغي به دليلا.
· · وبناء على هذه العقيدة لا نعارض قول رسول الله صلي الله عليه وسلم بقول أحد من الناس، كائنا من كان، حتي لو جاءنا قول لأبي بكر، وهو خير الأمة، وقول لرسول الله صلي الله عليه وسلم ، أخذنا بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم.
· · وأهل السنة والجماعة بنوا هذا الاعتقاد على الكتاب والسنة.
- - قال الله تعالي: { ومن أصدق من الله حديثا } [ النساء: 87].
- - وقال النبي صلي الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على المنبر: " خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلي الله عليه وسلم " (1).

(114/99)


ولهذا تجد الذين اختلفوا في الهدي وخالفوا فيه: إما مقصرين عن شريعة الرسول صلي الله عليه وسلم ، وإما غالين فيها، بين متشددين وبين متهاونين، بين مفرط ومفرط، وهدي الرسول صلي الله عليه وسلم يكون بين هذا وهذا.
ويؤثرون (1) كلام الله غيره من كلام أصناف الناس(2) ويقدمون هدي محمد صلي الله عليه وسلم(3) علي هدي كل أحد(4).
(1) (1) أي: يقدمون.
(2) (2) أي يقدمون كلام الله على كلام غيره من سائر أصناف الناس في الخبر والحكم، فأخبار الله عندهم مقدمة على خبر كل أحد.
*فإذا جاءتنا أخبار عن أمم مضت وصار القرآن يكذبها، فإننا نكذبها.
مثال ذلك: اشتهر عند كثير من المؤرخين أن إدريس قبل نوح، وهذا كذب، لأن القرآن يكذبه، كما قال تعالي: { إنا إوحينا إليك كما أوحينا إلي نوح والنبيين من بعده } [ النساء: 163]، وإدريس من النبيين، كما قال الله تعالي: { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا } [مريم: 56] إلي أن قال: { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح } [ مريم: 58]، وقال تعالي: { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } [ الحديد: 26] فلا نبي قبل نوح إلا آدم فقط.
(3) (3) أي: طريقته وسنته التي عليها.
(4) (4) في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والأحوال وفي كل شيء، لقوله تعالي: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [ الأنعام: 153]، وقوله: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } [أل عمران: 31].
ولهذا(1) سموا أهل الكتاب والسنة (2) وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة في الاجتماع وضدها الفرقة (3) وإن كان لفظ الجماعة قد صار أسما لنفس القوم المجتمعين(4)…..

(114/100)


(1) (1) قوله: " ولهذا " : اللام في قول: " ولهذا " للتعليل، أي: ومن أجل إيثارهم كلام الله وتقديم هدي رسول الله صلي الله عليه وسلم .
(2) (2) لتصديقهما والتزامهما وإيثارهما على غيرها. ومن خالف الكتاب والسنة، وادعي أنه من أهل الكتاب والسنة، فهو كاذب، لأن من كان من أهل شيء لابد أن يلزمه ويلتزم به.
(3) (3) الجماعة اسم مصدر يجتمع اجتماعا وجماعة، فالجماعة هي الاجتماع، فمعني أهل الجماعة أهل الاجتماع، لأنهم مجتمعون على السنة، متالفون فيها، لا يضلل بعضهم بعضا، ولا يبدع بعضهم بعضا، بخلاف أهل البدع.
(4) (4) هذا استعمال ثان، حيث صار لفظ ( الجماعة ) عرفا: اسما للقوم المجتمعين.
· · وعلي ما قرره المؤلف تكون ( الجماعة ) في قولنا: " أهل السنة والجماعة " : معطوفة على ( السنة )، ولهذا عبر المؤلف بقوله: " سموا أهل الجماعة" ، ولم يقل: سموا جماعة، فكيف يكونون أهل الجماعة وهم جماعة؟ ‍
نقول: الجماعة في الأصل: الاجتماع، فأهل الجماعة، يعني: أهل الاجتماع، لكن نقل اسم الجماعة إلي القوم المجتمعين نقلا عرفيا.
والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين (1) …………
(1) (1) * يعني به الدليل الثالث، لأن الأدلة أصول الأحكام، حيث تبني عليها.
· · والأصل الأول: هو الكتاب، والثاني: السنة، والإجماع هو: الأصل الثالث، ولهذا يسمون: أهل الكتاب والسنة والجماعة.
· · فهذه ثلاثة أصول يعتمد عليها في العلم والدين، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب والسنة، فأصلان ذاتيان، وأما الإجماع، فأصل مبني على غيره، إذ لا إجماع إلا بكتاب أو سنة.
· · أما كون الكتاب والسنة يرجع إليه، فأدلته كثيرة، منها:
- - قوله تعالي: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول } [ النساء: 59]. وقوله تعالي: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } [ المائدة: 92].

(114/101)


- - وقوله تعالي: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر: 7] قوله تعالي: { مع يطع الرسول فقد أطاع الله } [ النساء: 80].
ومن أنكر أن تكون السنة أصلا في الدليل، فقد أنكر أن يكون القرآن أصلا.
ولا شك عندنا في أن من قال: إن السنة لا يرجع إليها في الأحكام الشرعية، أنه كافر مرتد عن الإسلام، لأنه مكذب ومنكر للقرآن، فالقرآن في غير ما موضع جعل السنة أصلا يرجع إليه.
· · وأما الدليل على أن الإجماع أصل، فيقال:
أولا: هل الإجماع موجود أو غير موجود؟
قال بعض العلماء: لا إجماع موجود، إلا على ما فيه نص، وحينئذ، يستغني بالنص عن الإجماع.
فمثلا، لو قال قائل: العلماء مجمعون على أن الصلوات المفروضة خمس، فهذا صحيح، لكن ثبوت فرضيتها بالنص.
ومجمعون على تحريم الزني، فهذا صحيح، لكن ثبوت تحريمه بالنص.
ومجمعون على تحريم نكاح ذوات المحارم فهذا صحيح، لكن ثبوت تحريمه بالنص.
ولهذا قال الإمام أحمد: من ادعي الإجماع، فهو كاذب، وما يدريه؟ لعلهم اختلفوا.
· · والمعروف عن عامة العلماء أن الإجماع موجود، وأن كونه دليلا ثابت بالقرآن والسنة:
- - فمن ذلك قوله تعالي: { فإن تنازعتم في شىء فردوه إلي الله والرسول } [ النساء: 59]، فإن قوله: { إن تنازعتم في شيء فردوه } : يدل على أن ما أجمعنا عليه لا يجب رده إلي الكتاب والسنة، اكتفاء بالإجماع! وهذا الاستدلال فيه شيء!!
- - ومن ذلك قوله: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولي ونصله جهنم وساءت مصيرا } [النساء: 115]، فقال { ويتبع غير سبيل المؤمنين } .
- - واستدلوا أيضا بحديث: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " (1).
- - وهذا الحديث حسنه بعضهم وضعفه آخرون، لكن قد نقول: إن هذا، وإن كان ضعيف السند، لكن يشهد لمتنه ما سبق من النص القرآني.

(114/102)


فجمهور الأمة على أن الإجماع دليل مستقل، وأننا إذا وجدنا مسألة فيها إجماع، أثبتناها بهذا الإجماع.
وكأن المؤلف رحمه الله يريد من هذه الجملة إثبات أن إجماع أهل السنة حجة.
وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين (1) والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذا بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة (2) ……………………………………………
(1) (1) " الأصول الثلاثة" : هي الكتاب والسنة والإجماع.
· · يعني: أن أهل السنة والجماعة يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من قول أو عمل، باطن أو ظاهر، لا يعرفون أنه حق، إلا إذا وزنوه بالكتاب والسنة والإجماع، فإن وجد له دليل منها، فهو حق، وإن كان على خلافه، فهو باطل.
(2) (2) يعني أن الإجماع الذي يمكن ضبطه والإحاطة به هو ما كان عليه السلف الصالح وهم القرون الثلاثة، الصحابة والتابعون وتابعوهم.
· · ثم علل المؤلف ذلك بقوله: " إذ بعدهم كثر الاختلاف وكثرت الأمة " يعني: أنه كثر الاختلاف ككثرة الأهواء، لأن الناس تفرقوا طوائف، ولم يكونوا كلهم يريدون الحق، فاختلفت الآراء، وتنوعت الأقوال، " وانتشرت الأمة ": فصارت الإحاطة بهم من أصعب الأمور.
فشيخ الإسلام رحمه الله كأنه يقول: من ادعي الإجماع بعد السلف الصالح، وهم القرون الثلاثة، فإنه لا يصح دعواه الإجماع، لأن الإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، وهل يمكن أن يوجد إجماع بعد الخلاف؟ فنقول: لا إجماع مع وجود خلاف سابق ولا عبرة بخلاف بعد تحقق الاجماع.
فصل
في منهج أهل السنة والجماعة
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الخصال

فصل
ثم هم (1) مع هذه الأصول(2) يأمرون بالمعروف(3) وينهون عن المنكر(4) على ما توجبه الشريعة (5)…………………………………
(1) (1) أي: أهل السنة والجماعة.

(114/103)


(2) (2) " من هذه الأصول" : السابقة التي ذكرها قبل هذا، وهو اتباع آثار الرسول عليه الصلاة والسلام، واتباع الخلفاء الراشدين وإيثارهم كلام الله وكلام رسوله على غيره واتباع إجماع المسلمين، مع هذه الأصول: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
(3) (3) " المعروف" : كل ما أمر به الشرع ، فهم يأمرون به.
(4) (4) " المنكر " : كل ما نهي عن الشرع، فهم ينهون عنه.
لأن هذا هو ما أمر الله به في قوله: { ولتكن منكم أمة يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } [ آل عمران: 104].
وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: " لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا " (1).
فهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يتأخرون عن ذلك.
(5) (5) ولكن يشترط للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أن يكونا على ما توجبه الشريعة وتقتضيه.
· · ولذلك شروط:
الشرط الأول: أن يكون عالما بحكم الشرع فيما يأمر به أو ينهي عنه، فلا يأمر إلا بما علم أن الشرع أمر به: ولا ينهي إلا عما علم أن الشرع نهي عنه، ولا يعتمد في ذلك على ذوق ولا عادة.
لقوله تعالي لرسوله صلي الله عليه وسلم : { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } [ المائدة: 48].
وقوله: { ولا تقف ما ليس به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } [الأسراء: 36].
وقوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } [ النحل: 116].
فلو رأي شخصا يفعل شيئا الأصل فيه الحل، فإنه لا يحل له أن ينهاه عنه حتي يعلم أنه حرام أو منهي عنه.
- - ولو رأي شخصا ترك شيئا يظنه الرائي عبادة، فإنه لا يحل له أن يأمره بالتعبد به حتي يعلم أن الشرع أمر به.

(114/104)


- - الشرط الثاني: أن يعلم بحال المأمور: هل هو ممن يوجه إليه الأمر أو النهي أم لا؟ فلو رأي شخصا يشك هل هو مكلف أم لا، لم يأمره بما لا يؤمر به مثله حتي يستفصل.
الشرط الثالث: أن يكون عالما بحال المأمور حال تكليفه، هل قال بالفعل أم لا؟
- - فلو رأي شخصا دخل المسجد ثم جلس، وشك هل صلي ركعتين، فلا ينكر عليه، ولا يأمره بهما، حتي يستفصل.
ودليل ذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل، فجلس، فقال له النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم: " أصليت ؟ " .
قال: لا قال: " قم فصل ركعتين وتجوز فيها" (1).
- - ولقد نقل لي أنه بعض الناس يقول: يحرم أن يسجل القرآن بأشرطه، لأن ذلك إهانة للقرآن على زعمه ! فينهي الناس أن يسجلوا القرآن على هذه الأشرطة، لظنه أنه منكر!!
فنقول له : إن المنكر أن تنهاهم عن شيء لم تعلم أنه منكر!! فلابد أن تعلم أن هذا منكر في دين الله.
وهذا في غير العبادات، أما العبادات، فإننا لو رأينا رجلا يتعبد بعبادة، لم يعلم أنها مما أمر الله به، فإننا ننهاه، لأن الأصل في العبادات المنع.
الشرط الرابع: أن يكون قادرا على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا ضرر يلحقه، فإن لحقه ضرر، لم يجب عليه، لكن إن صبر وقام به، فهو أفضل، لأن جميع الواجبات مشروطة بالقدرة والاستطاعة، لقوله تعالي: { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن: 16]، وقوله: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة: 286].
فإذا خاف إذا أمر شخصا بمعروف أن يقتله، فإنه لا يلزمه أن يأمره، لأنه لا يستطيع ذلك، بل قد يحرم عليه حينئذ. وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الأمر والصبر، وإن تضرر بذلك مالم يصل إلي حد القتل. لكن القول الأول أولي، لأن هذا الأمر إذا لحقه الضرر بحبس ونحوه، فإن غيره قد يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا مما حصل، حتي في حال لا يخشي منها ذلك الضرر.

(114/105)


وهذا ما لم يصل الأمر إلي حد يكون الأمر حد يكون الأمر بالمعروف من جنس الجهاد، كما لو أمر بسنة ونهي عن بدعة، ولو سكت ، لاستطال أهل البدعة على أهل البدعة على أهل السنة، ففي هذه الحال يجب إظهار السنة وبيان البدعة، لأنه من الجهاد في سبيل الله، ولا يعذر من تعين عليه بالخوف على نفسه.
الشرط الخامس: أن لا يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفسدة أعظم من السكوت، فإن ترتب عليها ذلك، فإنه لا يلزمه، بل لا يجوز له أن يأمر بالمعروف أو ينهي عن المنكر.
ولهذا قال العلماء: إن إنكار ينتج منه إحدي أحوال أربعة: إما أن يزول المنكر، أو يتحول إلي أخف منه، أو إلي مثله، أو إلي أعظم منه.
- - أما الحالة الأولي والثانية، فالإنكار واجب.
- - أما في الثالثة، فهي في محل نظر.
- - وأما في الرابعة، فلا يجوز الإنكار، لأن المقصود بإنكار المنكر إزالته أو تخفيفه.
- - مثال ذلك: إذا إراد أن يأمر شخصا بفعل إحسان، لكن يستلزم فعل هذا الإحسان ألا يصلي مع الجماعة، فهنا لا يجوز الأمر بهذا المعروف، لأنه يؤدي إلي ترك واجب من أجل فعل مستحب.
وكذلك في المنكر لو كان إذا نهي عن هذا المنكر، تحول الفاعل له إلي فعل منكر أعظم، فإنه في هذه الحال لا يجوز أن ينهي عن هذا المنكر دفعا لأعلي المفسدتين بأدناهما.
ويدل لهذا قوله تعالي: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلي ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } [ الأنعام: 108] فإن سب آلهة المشركين، لا شك أنه أمر مطلوب، لكن لما كان يترتب عليه أمر محظور أعظم من المصلحة التي تكون بسب آلهة المشركين، وهو سبهم لله تعالي عدوا بغير علم، نهي الله عن سب آلهة المشركين في هذه الحال.

(114/106)


ولو وجدنا رجلا يشرب الخمر، وشرب الخمر منكر، فلو نهيناه عن شربه، لذهب يسرق أموال الناس ويستحل أعراضهم، فهنا لا ننهاه عن شرب الخمر، لأنه يترتب عليه مفسدة أعظم.
الشرط السادس: إن يكون هذا الآمر أو الناهي قائما بما يأمر به منتهيا عما ينهي عنه، وهذا على رأي بعض العلماء، فإن كان غير قائم بذلك، فإنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر، لأن الله تعالي قال لبني إسرائيل: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [ البقرة: 44]، فإذا كان هذا الرجل لا يصلي، فلا يأمر غيره بالصلاة، وإن كان يشرب الخمر، فلا ينهي غيره عنها، ولهذا قال الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
فهم استدلوا بالأثر والنظر.
ولكن الجمهور علي خلاف ذلك ، وقالوا: يجب أن يأمر بالمعروف، وإن كان لا يأتيه، وينهي عن المنكر، وإن كان يأتيه، وإنما وبخ الله تعالي بني إسرائيل، لا على أمرهم بالبر، ولكن علي جمعهم بين الأمر بالبر ونسيان النفس.
وهذا القول هو الصحيح، فنقول: أنت الآن مأمور بأمرين: الأول: فعل البر، والثاني: الأمر بالبر. منهي عن أمرين: الأول: فعل المنكر، والثاني: ترك النهي عن فعله. فلا تجمع بين ترك المأمورين وفعل المنهيين، فإن ترك أحدهما لا يستلزم سقوط الآخر.
فهذه ستة شروط ، منها أربعة للجواز، وهي الأول والثاني والثالث والخامس، على تفصيل فيه، واثنان للوجوب، وهما الرابع والسادس.
· · ولا يشترط أن لا يكون من أصول الآمر أو الناهي كأبيه أو أمه أو جده أو جدته، بل ربما نقول: إن هذا يتأكد أكثر، لأن من بر الوالدين أن ينهاهما عن فعل المعاصي ويأمرهما بفعل الطاعات قد يقول: أنا إذا نهيت أبي، غضب علي، وهجرني، فماذا أصنع؟

(114/107)


نقول: اصبر على هذا الذي ينالك بغضب أبيك وهجره، والعاقبة للمتقين، وأتبع ملة إبراهيم عليه السلام، حيث عاتب أباه على الشرك، فقال: { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } إلي أن قال: { يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا ، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ، قال } ، أيك أبوه : { أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا } [ مريم: 42-46]. وقال إبراهيم أيضا لأبيه آزر: { أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين } [الأنعام: 74].
ويرون إقامة الحج، والجهاد، والجمع، والأعياد، مع الأمراء، أبرارا كانوا أو فجارا (1)….
(1) (1) الأبرار: جمع بر، وهو كثير الطاعة، والفجار: جمع فاجر وهو العاصي كثير المعصية.
· · فأهل السنة رحمهم الله يخالفون أهل البدع تماما، فيرون إقامة الحج مع الأمير، وإن كان من أفسق عباد الله.
· · وكان الناس فيما سبق يجعلون على الحج أميرا، كما جعل النبي صلي الله عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج في العام التاسع من الهجرة، وما زال الناس على ذلك، يجعلون للحجة أميرا قائدا يدفعون ويقفون بوقوفه، وهذا هو المشروع، لأن المسلمين يحتاجون إلي إمام يقتدون به، أما كون كل إنسان على رأسه، فإنه يحصل به فوضي واختلاف.
فهم يرون إقامة الحج من الأمراء، وإن كانوا فساقا، حتي وإن كانوا يشربون الخمر في الحج، لا يقولون: هذا إمام فاجر، لا نقبل إمامته، لأنهم يرون أن طاعة ولي الأمر واجبة، وإن كان فاسقا، بشرط أن لا يخرجه فسقه إلي الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، فهذا لا طاعة له، ويجب أن يزال عن تولي أمور المسلمين، لكن الفجور الذي دون الكفر مهما بلغ، فإن الولاية لا تزال به، بل هي ثابتة، والطاعة لولي الأمر واجبة في غير المعصية.

(114/108)


خلافا للخوارج، الذين يرون أنه لا طاعة للإمام والأمير إذا كان عاصيا، لأن من قاعدتهم: أن الكبيرة تخرج من المللة.
وخلافا للرافضة الذين يقولون: إنه إمام إلا المعصوم، وإن الأمة الإسلامية منذ غاب من يزعمون أنه الإمام المنتظر، ليست على إمام، ولا تبعا لإمام، بل هي تموت ميتة جاهلية من ذلك الوقت إلي اليوم، ويقولون: إنه لا إمام إلا الإمام المعصوم، ولا حج ولا جهاد مع أي أمير كان، لأن الإمام لم يأت بعد.
· · لكن أهل السنة والجماعة يقولون: نحن نري إقامة الحج مع الأمراء سواء كانوا أبرارا أو فجارا، وكذلك إقامة الجهاد مع الأمير، وكذلك إقامة الجهاد مع الأمير، ولو كان فساقا، ويقيمون الجهاد مع أمير لا يصلي معهم الجماعة، بل يصلي في رحلة.
فأهل السنة والجماعة لديهم بعد نظر، لأن المخالفات في هذه الأمور معصية لله ورسوله، وتجر إلي فتن عظيمة.
فما الذي فتح باب الفتن والقتال بين المسلمين والاختلاف في الأراء إلا الخروج على الأئمة؟!
فيري أهل السنة والجماعة وجوب إقامة الحج والجهاد مع الأمراء، وإن كانوا فجارا.
· · ولكن هذا لا يعني أن أهل السنة والجماعة لا يرون أن فعل الأمير منكر، بل يرون أنه منكر، وأن فعل الأمير للمنكر قد يكون أشد من فعل عامة الناس، لأن فعل الأمير للمنكر يلزم منه زيادة على إثمه محذوران عظيمان:
الأول: اقتداء الناس به وتهاونهم بهذا المنكر.
والثاني: أن الأمير إذا فعل المنكر سيقل في نفسه تغييره على الرعية أو تغيير مثله أو مقاربه.
· · لكن أهل السنة والجماعة يقولون: حتي مع هذا الأمر المستلزم لهذين المحذورين أو لغيرهما، فإنه يجب علينا طاعة ولاة الأمور، وإن كانوا عصاة، فنقيم معهم الحج والجهاد، وكذلك الجمع، نقيمها مع الأمراء، ولو كانوا فجارا.

(114/109)


فالأمير إذا كان يشرب الخمر مثلا، ويظلم الناس بأموالهم، نصلي خلفه الجمعة، وتصح الصلاة، حتي إن أهل السنة والجماعة يرون صحة الجمعة خلف الأمير المبتدع إذا لم تصل بدعته إلي الكفر، لأنهم يرون أن الاختلاف عليه في مثل هذه الأمور شر، ولكن لا يليق بالأمير الذي له إمامة الجمعة أن يفعل هذه المنكرات.
وكذلك أيضا إقامة الأعياد مع الأمراء الذي يصلون بهم، أبرارا كانوا أو فجارا.
· · وبهذه الطريق الهادئة يتبين أن الدين الإسلامي وسط بين الغالي في والجافي عنه.
· · فقد يقول قائل: كيف نصلي خلف هؤلاء ونتابعهم في الحج والجهاد والجمع والأعياد؟ !
فنقول: لأنهم أئمتنا، ندين لهم بالسمع والطاعة: امتثالا لأمر الله بقوله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [ النساء: 59]. ولأمر النبي صلي الله عليه وسلم بقوله: " إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال: " أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم " (1). وحقهم: طاعتهم في غير معصية الله.
وعن وائل بن حجر، قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا بني الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ قال: " اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم " (2).
وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: بايعنا رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان " (3).
ولأننا لو تخلفنا عن متابعتهم، لشققنا عصا الطاعة الذين يترتب على شقه أمور عظيمة، ومصائب جسيمة.

(114/110)


· · والأمور التي فيها تأويل واختلاف بين العلماء إذا ارتكبها ولاة الأمور، لا يحل لنا منابذتهم ومخالفتهم، لكن يجب علينا مناصحتهم بقدر المستطاع فيما خالفوا فيه، مما لا يسوغ فيه الاجتهاد، وأما ما يسوغ فيه الأجتهاد، فنبحث معهم فيه بحث تقدير واحترام، لنبين لهم الحق، لا على سبيل الانتقاد لهم والانتصار للنفس، وأما منابذتهم وعدم طاعتهم، فليس من طريق أهل السنة والجماعة.
ويحافظون على الجماعات (1)، ويدينون بالنصيحة للأمة (2) ………………
(1) (1) أي: يحافظ أهل السنة والجماعة على الجماعات، أي: علي إقامة الجماعة في الصلوات الخمس، يحافظون عليها محافظة تامة، بحيث إذا سمعوا النداء، أجابوا وصلوا مع المسلمين، فمن لم يحافظ على الصلوات الخمس، فقد فاته من صفات أهل السنة والجماعة ما فاته من هذه الجماعات.
· · وربما يدخل في الجماعات الاجتماع على الرأي وعدم النزاع فيه، فإن هذا ما أوصي به النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم معاذ بن جبل وأبا موسي حين بعثهما إلي اليمن، فقال: " يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا، ولا تختلفا " (1).
(2) (2) " يدينون " ، أي: يتعبدون لله عز وجل بالنصيحة للأمة، ويعتقدون ذلك دينا.
· · والنصح للأمة قد يكون الحامل عليه غير التعبد لله، فقد يكون الحامل عليه الغيرة، وقد يكون الحامل عليه الخوف من العقوبات، وقد يكون الحامل عليه أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة التي يريد بها نفع المسلمين.. إلي غير ذلك من الأسباب.
· · لكن هؤلاء ينصحون للأمة طاعة لله تعالي وتدينا له، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث تميم بن أوس الداري: " الدين النصيحة، الدين النصيحة " . قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم " (1).
- - فالنصيحة لله صدق الطلب في الوصول إليه.

(114/111)


- - والنصيحة للرسول عليه الصلاة والسلام صدق الاتباع له، ويستلزم ذلك الذود عن دين الله عز وجل، الذي جاء به رسول صلي الله عليه وسلم، ولهذا قال " ولكتابه " .
- - فينصح للقرآن ببيان أنه كلام الله، وأنه منزل غير مخلوق، وأنه يجب تصديق خبره وامتثال أحكامه، وهو كذلك يعتقده في نفسه.
- - " وأئمة المسلمين " كل من ولاه الله أمرا من أمور المسلمين، فهو إمام في ذلك الأمر، فهناك إمام عام كرئيس الدولة، وهناك إمام خاص، كالأمير والوزير والمدير والرئيس وأئمة المساجد وغيرهم.
- - وعامتهم، يعني: عامة المسلمين، وهم التابعون للأئمة.
- - ومن أعظم أئمة المسلمين العلماء، والنصيحة لعلماء المسلمين هي نشر محاسنهم، والكف عن مساوئهم، والحرص على إصابتهم الصواب، بحيث يرشدهم إذا أخطؤوا، ويبين لهم أخطأ على وجه لا يخدش كرامتهم، ولا يحط من قدرهم، لن تخطئة العلماء على وجه يحط من قدرهم ضرر على عموم الإسلام، لأن العامة إذا رأوا العلماء يضلل بعضهم بعضا سقطوا من أعينهم وقالوا: كل هؤلاء راد مردود عليه. فلا ندري من الصواب معه! فلا يأخذون بقول أي واحد منهم، لكن إذا احترم العلماء بعضهم بعضا، وصار كل واحد يرشد أخاه سرا إذا أخطأ، ويعلن للناس القول الصحيح ، فإن هذا من أعظم النصيحة لعلماء المسلمين.
· · وقول المؤلف: " للأمة" : يشمل الأئمة والعامة، فأهل السنة والجماعة يدينون بالنصحية للأمة، أئمتهم وعامتهم.
وكان مما يبايع الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه: " والنصح لكل مسلم" (1).
فإذا قال قائل: ما هو ميزان النصيحة للأمة؟
· · فالميزان هو ما أشار إلي النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: " لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (2)، فإذا عاملت الناس هذه المعاملة، فهذا هو تمام النصيحة.
فقبل أن تعامل صاحبك بنوع من المعاملة فكر، هل ترضي أن يعاملك شخص بها؟ فإن كنت لا ترضي، فلا تعامله!!

(114/112)


ويعتقدون معني قوله صلي الله عليه وسلم : " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا " وشبك بين أصابعه صلي الله عليه وسلم (1) ……………………
(1) (1) * شبه النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم المؤمن لأخيه المؤمن بالبنيان الذي يشد بعضه بعضا، حتي يكون بناء محكما متماسكا يشد بعضه بعضا ويقوي به، ثم قرب هذا وأكده، فشبك بين أصابعه.
فالأصابع المتفرقة فيها ضعف، فإذا اشتبكت، قوي بعضها بعضا، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، فالبنيان يمسك بعضه بعضا، كذلك المؤمن مع أخيه إذا صار في أخيه نقص، فإن هذا يكمله، فهو مرآة أخيه إذا وجد فيه النقص كمله، إذا احتاج أخوه ساعده، إذا مرض أخوه عاده … وهكذا في كل الأحوال. فأهل السنة والجماعة يعتقدون هذا المعني ويطبقونه عملا.
وقوله (1) صلي الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين في توادهم (2) وتراحمهم (3) وتعاطفهم (4) كمثل الجسد، إذا اشتكي منه عضو، تداعي له سائر الجسد بالحمي والسهر"(5)………
(1) (1) " قوله " : هنا معطوف على " قوله " في الحديث السابق.
(2) (2) أي: مودة بعضهم بعضا.
(3) (3) أي: رحمة بعضهم بعضا.
(4) (4) أي: عطف بعضهم على بعض.
(5) (5) أي: أنهم يشتركون في الآمال والآلام، فيرحم بعضهم بعضا، فإذا احتاج، أزال حاجته، ويعطف بعضهم على بعض باللين والرفق وغير ذلك… ويود بعضهم بعضا، حتي إن الواحد منهم إذا رأي في قلبه بغضاء لأحد من إخوانه المسلمين، حاول أن يزيله وأن يذكر من محاسنه ما يوجب زوال هذه البغضاء.
فالجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو، ولو من أصغر الأعضاء، تداعي له سائر الجسد، فإذا أوجعك أصبعك الخنصر الذي هو من أصغر الأعضاء، فإن الجسد كله يتألم، إذا أوجعتك الأذن، تألم الجسد كله، وإذا أوجعتك العين، تألم الجسد كله، وغير ذلك،
فهذا المثل الذي ضربه النبي عليه الصلاة والسلام مثل مصور للمعني ومقرب له غاية التقريب.

(114/113)


ويأمرون (1) بالصبر عند البلاء (2) …………………………
(1) (1) " يأمرون ": قد يقال: إن هذه الكلمة تشمل أمر نفوسهم، لقوله تعالي: { وما أبري نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } [ يوسف:53]، فهم يأمرون حتي أنفسهم.
(2) (2) الصبر: هو تحمل البلاء، وحبس النفس عن التسخط بالقلب أو اللسان أو الجوارح.
والبلاء: المصيبة، قال الله تعالي: { ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } [البقرة-155] .
فالصبر يكون عند البلاء، وأفضله وأعلاه الصبر عند الصدمة الأولي، وهذا عنوان الصبر الحقيقي، كما قاله النبي صلي الله عليه وسلم للمرأة التي مر بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: " اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنكم لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلي الله عليه وسلم فأتت النبي صلي الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: " إنما الصبر عند الصدمة الأولي" (1)، أما بعد أن تبرد الصدمة، فإن الصبر يكون سهلا، ولا ينال به كمال الصبر.
· · فأهل السنة والجماعة يأمرون بالصبر عند البلاء، وما من إنسان إلا يبتلي إما في نفسه وإما في أهله، وإما في ماله، وإما في صحبه، وإما في بلده، وإما في المسلمين عامة. ويكون ذلك إما في الدنيا وإما في الدين، والمصيبة في الدين أعظم بكثير من المصيبة في الدنيا.
· · فأهل السنة والجماعة يأمرون بالصبر عند البلاء في الأمرين:
- - فأما الصبر على بلاء الدنيا، فأن يتحمل المصيبة كما سبق.
- - وأما الصبر على بلاء الدين، فأن يثبت على دينه، ولا يتزعزع عنه، ولا يكن كمن قال الله تعالي فيهم: { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } [ العنكبوت : 10].
والشكر عند الرخاء (1) والرضا بمر القضاء(2) ……………………………

(114/114)


(1) (1) الرخاء: سعة في العيش، والأمن في الوطن، فيأمرون عند ذلك بالشكر.
· · وأيهما أشق الصبر على البلاء، أو الشكر عند الرخاء؟
اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن الصبر على البلاء أشق، وقال آخرون: الشكر عند الرخاء أشق.
والصواب: أن لكل واحد آفته ومشقته، لأن الله عز وجل قال: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور } [ هود: 9-10].
لكن كل منهما قد يهونه بعض التفكير: فالمصاب إذا فكر وقال إن جزعي لا يرد المصيبة ولا يرفعها، فإما أن أصبر صبر الكرام، وإما أن أسلو سلو البهائم، فهان عليه الصبر، وكذلك الذي في رخاء ورغد.
· · لكن أهل السنة والجماعة يأمرون بهذا وهذا، بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء.
(2) (2) الرضي أعلي من الصبر ومر القضاء: هو ما يلائم طبيعة الإنسان، ولهذا عبر عنه بـ "المر".
· · فإذا قضي الله قضاء لا يلائم طبيعة البشر، وتأذي به، سمي ذلك مر القضاء، فهو ليس لذيذا ولا حلوا، بل هو مر، فهم يأمرون بالرضي بمر القضاء.
· · واعلم أن مر القضاء لنا فيه نظران:
النظر الأول: باعتباره فعلا واقعا من الله.
والنظر الثاني: باعتباره مفعولا له.
فباعتبار كونه فعلا من الله يجب علينا أن نرضي به، ألا نعترض على ربنا به، لأن هذا من تمام الرضي بالله ربا.
وأما باعتباره مفعولا له، فهذا يسن الرضي به، ويجب الصبر عليه.
· · فالمرض باعتبار كون الله قدره الرضي به واجب، وباعتبار المرض نفسه يسن الرضي به ، وأما الصبر عليه، فهو واجب، والشكر عليه مستحب.
· · ولهذا نقول: المصابون لهم تجاه المصائب أربعة مقامات: المقام الأول: السخط، والثاني: الصبر، والثالث: الرضي، والرابع: الشكر.

(114/115)


فأما السخط، فحرام بل هو من كبائر الذنوب، مثل أن يلطم خده، أو ينتف شعره، أو يشق ثوبه، أو يقول: واثبوراه! أو يدعو على نفسه بالهلاك وغير ذلك مما يدل على السخط، قال النبي صلي الله عليه وسلم: " ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعا بدعوي الجاهلية"(1).
الثاني: الصبر: بأن يحبس نفسه قلبا ولسانا وجوارح عن التسخط، فهذا واجب.
الثالث: الرضي: والفرق بينه وبين الصبر: أن الصابر يتجرع المر، لكن لا يستطيع أن يتسخط، إلا أن هذا الشيء في نفسه. صعب ومر، ويتمثل بقول الشاعر:
والصبر مثل أسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلي من العسل
لكن الراضي لا يذوق هذا مرا، بل هو مطمئن، وكان هذا الشيء الذي أصابه لا شيء.
وجمهور العلماء علي أن الرضي بالمقضي مستحب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
الرابع: الشكر: وهو أن يقول بلسانه وحاله: " الحمد لله"، ويري أن هذه المصيبة نعمة، لكن، هذا المقام، قد يقول قائل: كيف يكون؟ !
فنقول: يكون لمن وقفه الله تعالي:
فأولا: لأنه إذا علم أن هذه المصيبة كفارة للذنب، وأن العقوبة على الذنب في الدنيا أهون من تأخير العقوبة في الآخرة، صارت هذه المصيبة عنده نعمة يشكر الله عليها.
وثانيا: أن هذه المصيبة إذا صبر عليها، أثيب، لقوله تعالي: { إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر: 10].
فيشكر الله على هذه المصيبة الموجبة للأجر.
وثالثا: أن الصبر من المقامات العالية عند أرباب السلوك، لا ينال إلا بوجود أسبابه، فيشكر الله علي نيل هذا المقام.
· · ويذكر أن بعض العابدات أصيبت في أصبعها، فشكرت الله، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.
· · فأهل السنة والجماعة رحمهم الله يأمرون بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضي بمر القضاء.
تتمة:
القضاء يطلق لى معنيين:

(114/116)


أحدهما: حكم الله تعالي الذي هو قضاءه ووصفه، فهذا يجب الرضي به بكل حال، سواء كان قضاء دينيا أم قضاء كونيا، لأنه حكم الله تعالي، ومن تمام الرضي بربوبيته.
فمثال القضاء الديني قضاؤه بالوجوب والتحريم والحل، ومنه قوله تعالي: { وقضي ربك آلا تعبدوا إلا إياه } [ الأسراء: 23].
ومثال القضاء الكوني: قضاؤه بالرخاء والشدة والغني والفقر والصلاح والفساد والحياة والموت، ومنه قوله تعالي: { فلما قضينا عليه الموت } [ سبأ: 14]، ومنه قوله تعالي: { وقضينا إلي بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا } [الأسراء: 4].
المعني الثاني: المقضي، وهو نوعان:
الأول: المقضي شرعا، فيجب الرضي به وقبوله، فيفعل المأمور به، ويترك المنهي عنه، ويتمتع بالحلال.
والنوع الثاني: المقضي كونا.
فإن كان من فعل الله، كالفقر والمرض والجدب والهلاك ونحو ذلك، فقد تقدم أن الرضي به سنة، لا واجب، على القول الصحيح.
- - وإن كان من فعل العبد، جرت فيه الأحكام الخمسة، فالرضي بالواجب، وبالمندوب مندوب، وبالمباح مباح، وبالمكروه مكروه، وبالحرام حرام.
ويدعون إلي مكارم الأخلاق (1) ومحاسن الأعمال (2) ويعتقدون معني قوله صلي الله عليه وسلم: " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا " (3) …………………
(1) (1) أي: أطايبها، والكرم من كل شىء هو الطيب منه بحسب ذلك الشيء، ومنه قول الرسول صلي الله عليه وسلم لمعاذ: " إياك وكرائم أموالهم " (1)، حين أمره بأخذ الزكاة من أهل اليمن.
· · والأخلاق: جمع خلق، وهو الصورة الباطنة في الإنسان، يعني: السجايا والطبائع، فهم يدعون إلي أن يكون الإنسان سريرته كريمة، فيجب الكرم والشجاعة والتحمل من الناس والصبر، وأن يلاقي الناس بوجه طلق وصدر منشرح ونفس مطمئنة، كل هذه من مكارم الأخلاق.

(114/117)


(2) (2) " محاسن الأعمال " هي مما يتعلق بالجوارح، ويشمل الأعمال التعبدية والأعمال غير التعبدية، مثل البيع والشراء والإجارة، حيث يدعون الناس إلي الصدق والنصح في الأعمال كلها، وإلي تجنب الكذب والخيانة، وإذا كانوا يدعون الناس إلي ذلك، فهم بفعله أولي.
(3) (3) هذا الحديث (2)ينبغي أن يكون دائما نصب عيني المؤمن، فأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم من الله ومع عباد الله.
- - أما حسن الخلق مع الله، فأن تتلقي أوامره بالقبول والإذعان والانشراح وعدم الملل والضجر، وأن تتلقي أحكامه الكونية بالصبر والرضي وما أشبه ذلك.
- - أما حسن الخلق مع الخلق، فقيل: هو بذل الندي، وكف الأذي، وطلاقة الوجه.
بذل الندي، يعني: الكرم، وليس خاصا بالمال، بل بالمال والجاه والنفس، وكل هذا من بذل الندي.
وطلاقة الوجه ضده العبوس.
وكذلك كف الأذي بأن لا يؤذي أحدا لا بالقول ولا بالفعل.
ويندبون (1) إلي أن تصل من قطعك (2) …………………
(1) (1) أي: يدعون.
(2) (2) " أن تصل من قطعك " : من الأقارب ممن يجب تجب صلتهم عليك، إذا قطعوك، فصلهم، لا تقل: من وصلني، وصلته! فإن هذا ليس بصلة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: " ليس الواصل بالمكافىء، إنما الواصل من إذا قطعت رحمه، وصلتها" (1)، فالواصل هو الذي إذا قطعت رحمه، وصلها.
وسأل النبي صلي الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله! إن لي أقارب، أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون على! فقال النبي صلي الله عليه وسلم: " إن كنت كما قلت ، فكأنما تسفهم الملل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك" (2).
" تسفهم المل" ، أي : كأنما تضع التراب أو الرماد الحار في أفواههم.

(114/118)


· · فأهل السنة والجماعة يندبون إلي أن تصل من قطعك، وأن تصل من وصلك بالأولي، لأن من وصلك وهو قريب، صار له حقان: حق القرابة، وحق المكافأة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: " من صنع إليكم معروفا، فكافئوه " (1).
وتعطي من حرمك (1) وتعفو عمن ظلمك (2) …………………
(1) (1) أي: من منعك، ولا تقل: منعني، فلا أعطيه.
(2) (2) أي: من أنتقصك حقك: إما بالعدوان، وإما بعدم القيام بالواجب.
· · والظلم يدور على أمرين: اعتداء وجحود: إما أن يعتدي عليك بالضرب وأخذ المال وهتك العرض، وإما أن يجحدك فيمنعك حقك.
وكمال الإنسان أن يعفو عم ظلمه.
· · ولكن العفو إنما يكون يكون عند القدرة على الانتقام، فأنت تعفو مع قدرتك على الانتقام.
أولا: رجاء لمغفرة الله عز وجل ورحمته، فإن من عفا وأصلح، فأجره على الله.
ثانيا: لإصلاح الود بينك وبين صاحبك، لأنك إذا قابلت إساءته بإساءة، استمرت الإساءة بينكما، وإذا قابلت إساءته بإحسان، عاد إلي الإحسان إليك، وخجل، قال الله تعالي: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } [فصلت:34].
فالعفو عند المقدرة من سمات أهل السنة والجماعة، لكن بشرط أن يكون العفو إصلاحا، فإن تضمن العفو إساءة، فإنهم لا يندبون إلي ذلك لأن الله اشترط فقال: { فمن عفا وأصلح } [الشوري: 40]، أي: كان في عفو إصلاح، أما من كان في عفوه إساءة، أو كان سببا للاساءة، فهنا نقول: لا تعف ! مثل أن يعفو عن مجرم، ويكون عفوه هذا سببا لا ستمرار هذا المجرم في إجرامه، فترك العفو هنا أفضل، وربما يجب ترك العفو حينئذ.
(1) (1) وذلك لعظم حقهما.
· · ولم يجعل الله لأحد حقا يلي حقه وحق رسوله إلا للوالدين، فقال: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } [ النساء: 36].

(114/119)


وحق الرسول في ضمن الأمر بعبادة الله، لأنه لا تتحقق العبادة حتي يقوم بحق الرسول عليه الصلاة والسلام، بمحبته واتباع سبيله، ولهذا داخلا في قوله: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } ، وكيف يعبد الله إلا من طريق الرسول صلي الله عليه وسلم ، وإذا عبد الله على مقتضي شريعة الرسول، فقد أدي حقه.
ثم يلي حق الوالدين، فالوالدان تعبا على الولد، ولا سيما الأم الأم، قال الله تعالي: { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها } [ الأحقاف:15]، وفي آية أخري: { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمة وهنا على على وهن } [ لقمان: 14]، والأم تتعب في الحمل، وعند الوضع، وبعد الوضع، وترحم صبيها أشد من رحمة الوالد له.
ولهذا كانت أحق الناس بحسن الصحبة والبر، حتي من الأب.
قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: قال في الرابعة: " ثم أبوك "(1).
والأب أيضا يتعب في أولاده، ويضجر بضجرهم، ويفرح لفرحهم، ويسعي بكل الأسباب التي فيها راحتهم وطمأنينتهم وحسن عيشتهم، يضرب الفيافي والقفار من أجل تحصيل العيش له ولأولاده.
فكل من الأم والأب له حق، مهما عملت من العمل، لن تقضي حقهما، ولهذا قال الله عز وجل: { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } [الإسراء: 24]، فحقهم سابق، حيث ربياك صغيرا حين لا تملك لنفس لنفسك نفعا ولا ضرا، فواجبها البر.
· · والبر فرض عين بالإجماع على كل واحد من الناس، ولهذا قدمه النبي صلي الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله، كما في حديث ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله! أي العمل أحب إلي الله ؟ قال: " الصلاة على وقتها " . قلت: ثم أي؟ قال: " بر الوالدين" . قلت : ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " (2).

(114/120)


· · والوالدان هما الأب والأم، أما الجد والجدة، فلهما بر، لكنه لا يساوي بر الأم والأب، لأن الجد والجدة لم يحصل لهما ما حصل للأم والأب من التعب والرعاية والملاحظة، فكان برهما واجبا من باب الصلة لكن هما أحق الأقارب بالصلة، أما البر، فإنه للأم والأب.
· · لكن، ما معني البر؟
البر: إيصال الخير بقدر ما تستطيع، وكف الشر.
إيصال الخير بالمال، إيصال الخير بالخدمة، إيصال الخير بإدخال السرور عليهما، من طلاقة الوجه، وحسن المقال والفعال، وبكل ما فيه راحتهما.
· · ولهذا كان القول الراجح وجوب خدمة الأب والأم على الأولاد، إذا لم يحصل على الولد ضرر، فإن كان عليه ضرر، لم يجب عليه خدمتهما، اللهم إلا عند الضرورة.
ولهذا نقول: إن طاعتهما واجبة فيما فيه نفع لهما ولا ضرر على الولد فيه، أما ما فيه ضرر عليه، سواء كان ضررا دينيا، كأن يأمراه بترك واجب أو فعل محرم، فإنه لا طاعة لهما في ذلك، أو كان ضررا بدنيا، فلا يجب عليه طاعتهما. أما المال، فيجب عليه أن يبرهما ببذله، ولو كثر إذا لم يكن عليه ضرر، ولم تتعلق به حاجته، والأب خاصة له أن يأخذ من مال ولده ما شاء، ما لم يضر.
· · وإذا تأملنا في أحوال الناس اليوم، وجنا كثيرا منهم لا يبر بوالديه، بل هو عاق، تجده يحسن إلي أصحابه، ولا يمل الجلوس معهم، لكن لو يجلس إلي أبيه أو أمه ساعة من نهار، لوجدته متململا، كأنما هو على الجمر، فهذا ليس ببار، بل البار من ينشرح صدره لأمه وأبيه ويخدمهما على أهداب عينيه، ويحرص غاية الحرص على رضاهما بكل ما يستطيع.
وكما قالت العامة:" البر أسلاف " ، فإن البر مع كونه يحصل به البار على ثواب عظيم في الآخرة، فإنه يجازي به في الدنيا. فالبر والعقوق كما يقول العوام: " أسلاف "، أقرض، تستوف، إن قدمت البر، برك أولادك، وإن قدمت العقوق، عقك أولادتك..

(114/121)


وهنا حكايات كثيرة في أن من الناس من بر والديه فبر به أولاده، وكذلك العقوق فيه حكايات تدل على أن الإنسان عقه أولاده كما عق هو آباءه.
فأهل السنة والجماعة يأمرون ببر الوالدين.
(1) (1) وكذلك يأمرون بصلة الأرحام.
· · ففرق بين الوالدين والأقارب الآخرين، الأقارب لهم الصلة، والوالدان لهما البر، والبر أعلي من الصلة، لأن البر كثرة الخيرو الإحسان ، لكن الصلة آلا يقطع، ولهذا يقال في تارك البر: إنه عاق، ويقال فيمن لم يصل: إنه قاطع، فصلة الأرحام واجبة، وقطعها سبب للعنة والحرمان من دخول الجنة، قال الله تعالي: { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم اله فأصمهم وأعمي أبصارهم } [ محمد: 22-23]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: " لا يدخل الجنة قاطع" (1)، أي: قاطع رحم.
· · والصلة جاءت في القرآن والسنة مطلقة.
وكل ما أتي ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف احدد
وعلي هذا، يرجع إلي العرف فيها، فما سماه الناس صلة، فهو صلة، وما سماه قطيعة، فهو قطيعة، وهذه تختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأمكنة والأمم.
- - إذا كان الناس في حالة فقر، وأنت غني، وأقاربك فقراء، فصلتهم أن تعطيهم بقدر حالك.
- - وإذا كان الناس أغنياء، وكلهم في خير، فيمكن أن يعد الذهاب إليهم في الصباح أو المساء صلة.
· · وفي زماننا هذه الصلة بين الناس قليلة، وذلك لانشغال الناس في حوائجهم، وانشغال بعضهم عن بعض، والصلة التامة أن تبحث عن حالهم، وكيف أولادهم، وتري مشاكلهم، ولكن هذه من الأسف مفقودة، كما أن البر التام مفقود عند كثير من الناس.

(114/122)


(1) (1) أي: ويأمرون، يعني: أهل السنة والجماعة بحسن الجوار مع الجيران، والجيران هم الأقارب في المنزل، أدناهم أولاهم بالإحسان والإكرام: قال الله تعالي: { وبالوالدين إحسانا وبذي القربي واليتامي والمساكين والجار ذي القربي والجار الجنب } [ النساء: 36]، فأوصي الله بالإحسان إلي الجار القريب والجار البعيد.
وقال النبي صلي الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره " (1).
وقال: " إذا طبخت مرقة، فأكثر من ماءها، وتعاهد جيرانك" .
وقال: " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتي ظننت أنه سيورثه " (1).
وقال: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه" (2). إلي غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالجار والإحسان إليه وإكرامه.
· · والجار إن كان مسلما قريبا، كان له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار.
وإن كان قريبا جارا ، فله حقان: حق القرابة، وحق الجوار.
وإن كان مسلما غير قريب وهو جار، فله حقان: حق الإسلام، وحق الجوار.
وإن كان جارا كافرا بعيدا، فله حق واحد، وهو حق الجوار.
· · فأهل السنة والجماعة يأمرون بحسن الجوار مطلقا، أيا كان الجار ومن كان أقرب، فهو أولي.
· · ومن المؤسف أن بعض الناس اليوم يسيئون إلي الجار أكثر مما يسيئون إلي غيره، فتجده يعتدي على جاره بالأخذ من ملكه وإزعاجه.
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله في آخر باب الصلح في الفقه شيئا من أحكام الجوار، فليرجع إليه.
والإحسان (1) إلي اليتامي (2) والمساكين(3) ………………
(1) كذلك يأمرون، أي: أهل السنة والجماعة بالإحسان إلي هؤلاء الأصناف الثلاثة.
(2) اليتامي: جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل بلوغه.
وقد أمر الله تعالي بالإحسان إلي اليتامي، وكذلك النبي صلي الله عليه وسلم حث عليه في عدة أحاديث.

(114/123)


ووجه ذلك أن اليتيم قد انكسر قلبه بفقد أبيه، فهو في حاجة إلي العناية والرفق.
والإحسان إلي اليتامي يكون بحسب الحال.
(3) والمساكن: هم الفقراء، وهو هنا شامل للمسكين والفقير.
فالإحسان إليهم مما أمر به الشرع في آيات متعددة من القرآن، وجعل لهم حقوقا خاصة في الفىء وغيره.
ووجه الإحسان إليهم أن الفقر أسكنهم وأضعفهم وكسر قلوبهم، فكان من محاسن الإسلام أن نحسن إليهم جبرا لما حصل لهم من النقص والانكسار.
والإحسان إلي المساكين يكون بحسب الحال: فإذا كان محتاجا إلي طعام، فالإحسان إليه بأن تطعمه، وإذا كان محتاجا إلي كسوة، فالإحسان إليه بأن تكسوه، وإلي اعتبار بأن توليه اعتبارا، فإذا دخل المجلس، ترحب به، وتقدمه لأجل، أن ترفع من معنويته.
فمن أجل هذا النقض الذي قدره الله عز وجل عليه بحكمته أمرنا عز وجل أن نحسن إليهم.
وابن السبيل (1) والرفق بالمملوك (2) ………………………….
(1) ابن السبيل، وهو المسافر، وهو هنا المسافر الذي انقطع به السفر، أو لم ينقطع، بخلاف الزكاة لأن المسافر غريب، والغريب مستوحش، فإذا آنسته بإكرامه والإحسان إليه، فإن هذا مما يأمر به الشرع.
فإذا نزل ابن سبيل بك ضيفا، فمن إكرامه أن تكرم ضيافته.
لكن قال بعض العلماء: إنه لا يجب إكرامه بضايفته إلا في القري دون الأمصار!
ونحن نقول: بل هي واجبة في القري والأمصار، إلا أن يكون هناك سبب، كضيق البيت مثلا، أو أسباب أخري تمنع أن تضيف هذا الرجل، لكن على كل حال ينبغي إذا تعذر أن تحسن الرد.
(2) يعني: أن أهل السنة والجماعة يأمرون بالرفق بالمملوك.
· · وهذا يشمل المملوك الآدمي والبهيم:
- - فالرفق بالمملوك الآدمي أن تطعمه إذا طعمت، وتكسوه إذا اكتسبت، ولا تكلفه ما لا يطيق.

(114/124)


- - والرفق بالمملوك من البهائم سواء كانت ما تركب أو تحلب أو تقتني، يختلف بحسب ما تحتاج إليه، ففي الشتاء تجعلها في الأماكن الدافئة إذا كانت تتحمل البرد، وفي الصيف في الأماكن الباردة إذا كانت لا تتحمل الحر، ويؤتي لها بالطعام وبالشراب إن لم تحصل عليه بنفسها بالرعي، وإذا كانت مما تحمل، فلا تحمل ما لا تطيق.
- - وهذا يدل على كمال الشرع، وأنه لم ينس حتي البهائم، وعلي شمولية طريقة أهل السنة والجماعة.
وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق (1)……
(1) الفخر بالقول، والخيلاء بالفعل، والبغي العدوان، والاستطالة الترفع والاستعلاء.
فينهون عن الفخر: أن يتفاخر الإنسان على غيره بقوله، فيقول: أنا العالم ! أنا الغني! أنا الشجاع!
وإن زاد على ذلك أن يستطيل على الآخرين ويقول: ماذا أنتم عندي؟ فيكون هذا فيه بغي واستطالة على الخلق.
والخيلاء تكون بالأفعال، يتخايل في مشيته وفي وجهه وفي رفع رأسه ورقبته إذا مشي، كأنه وصل إلي السماء، والله عز وجل وبخ من كان هذا فعله، وقال: { ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } [ الإسراء: 37].
فأهل السنة والجماعة ينهون عن هذا، ويقولون: كن متواضعا في القول وفي الفعل، حتي في القول، لاتئن على نفسك بصفاتك الحميدة، إلا حيث دعت الضرورة أو الحاجة إلي ذلك، كقول ابن مسعود رضي الله عنه: " لو أعلم أحدا هو أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل، لركبت إليه"(1)، فإنه رضي الله عنه قصد بذلك أمرين:
الأول: حث الناس على تعلم كتاب الله تعالي.
والثاني: دعوتهم للتلقي عنه.
والإنسان ذو الصفات الحميدة لا يظن أن الناس تخفي عليهم خصاله أبدا، سواء ذكرها للناس أم لم يذكرها، بل إن الرجل إذا صار يعدد صفاته الحميدة أمام الناس، سقط من أعينهم، فاحذر هذا الأمر.

(114/125)


· · والبغي: العدوان على الغير، ومواقعه ثلاثة بينها الرسول صلي الله عليه وسلم في قوله: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " (1).
قالبغي على الخلق بالأموال والدماء والأعراض.
- - في الأموال، مثل أن يدعي ما ليس لهن أو ينكر ما كان عليه، أو يأخذ ما ليس له، فهذا بغي على الأموال.
- - وفي الدماء: القتل فما دونه، يعتدي على الإنسان بالجرح والقتل.
- - وفي الأعراض: يحتمل أن يراد بها الأعراض، يعني: السمعة، فيعتدي علي بالغيبة التي يشوه بها سمعته، ويحتمل أن يراد بها الزني وما دونه، والكل محرم، فأهل السنة والجماعة ينهون عن الاعتداء على الأموال والدماء والأعراض.
· · وكذلك الاستطالة على الخلق، يعني الاستعلاء عليهم بحق أو بغير حق.
فالاستعلاء على الخلق ينهي عنه أهل السنة والجماعة، سواء كان بحق أو بغير حق، والاستعلاء هو أن الإنسان يترفع علي غيره.
وحقيقة الأمر أن من شكر نعمة الله عليك أن الله إذا ما عليك بفضل على غيرك من مال أو جاه أو سيادة أو علم أو غير ذلك، فإنه ينبغي أن تزداد تواضعا، حتي تضيف إلي الحسن حسني، لأن الذي يتواضع في موضع الرفعة هو المتواضع حقيقة.
· · ومعني قوله: " بحق " أي: حتي لو كان له الحق في بيان أنه عال مترفع، فإن أهل السنة والجماعة ينهون عن الاستعلاء والترفع.
أو يقال: إن معني قوله: " الاستطالة بحق " : أن يكون أصل استطالته حقا، بأن يكون قد اعتدي عليه إنسان، فيعتدي عليه أكثر.
فأهل السنة والجماعة رحمهم الله ينهون عن الاستطالة والاستعلاء على الخلق، سواء كان ذلك بحق أو بغير حق.
ويأمرون بمعالي الأخلاق ( 1) وينهون عن سفاسفها (2) وكل ما يقولونه (3) ويفعلونه (4) من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة. وطرقتهم هي دين الإسلام، الذي بعث الله به محمدا صلي الله عليه وسلم (5).

(114/126)


(1) أي: ما كان عاليا منها، كالصدق والعفاف وأداء الأمانة ونحو ذلك.
(2) أي: رديئها، كالكذب والخيانة والفواحش ونحو ذلك.
(3) أي: أهل السنة والجماعة.
(4) من هذا وغيره.
(5) وهذه حال بنبغي أن يتتبه لها، وهو أننا كل ما نقول وكل ما نفعله نشعر حال قوله أو فعله أننا نتبع فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، مع الإخلاص لله، لتكون أقوالنا وأفعالنا كلها عبادات لله عز وجل، ولهذا يقال: إن عبادات الغافلين عادات، وعادات المنتبهين عبادات.
فالإنسان الموفق يمكن أن يحول العادات إلي عبادات، والإنسان الغافل يجعل عباداته عادات.
فليحرص المؤمن على أن يجعل أقواله وأفعاله كلها تبعا لكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم، ينال بذلك الأجر، ويحصل به كمال الإيمان والإنابة إلي الله عز وجل.
لكن لما أخبر النبي صلي الله عليه وسلم أن أمته (1) ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة (2)………………………
(1) " أن أمته "، يعني: أمة الإجابة، لا أمة الدعوة، لأن أمة الدعوة يدخل فيها اليهود والنصاري، وهم مفترقون، فاليهود إحدي وسبعون فرقة، والنصاري على اثنتين وسبعين فرقة، وهذه الأمة على ثلاث وسبعين، كلها تنسب نفسها إلي الإسلام واتباع رسول الله صلي الله عليه وسلم.
(2) قوله: " كلها في النار إلا واحدة " (1): لا يلزم من ذلك الخلود في النار، وإنما المعني أن عملها مما تستحق به دخول النار.
· · وهذه الثلاث والسبعون فرقة، هل وقعت الآن وتمت أو هي في المنظور؟
أكثر الذين تكلموا على هذا الحديث قالوا: إنها وقعت وأنتهت، وصاروا يقسمون أهل البدع إلي خمسة أصول رئيسية، ثم هذه الخمسة الأصول يفرعون عنها فرقا، حتي أوصلوها إلي أثنتين وسبعين فرقة، وأبقوا فرقة واحدة، وهي أهل السنة والجماعة.

(114/127)


وقال بعض العلماء: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبهم هذه الفرق، ولا حاجة أن نتكلم فنقسم البدع الموجودة الآن إلي خمسة أصول، ثم نقسم هذه الأصول إلي فروع، حتي يتم العدد، حتي إننا نجعل الفرع أحيانا فرقة تامة من أجل مخالفتها في فرع واحد، فإن هذا لا يعد فرقة مستقلة.
فالأولي: أن نقول : إن هذه الفرق غير معلومة لنا، ولكننا نقول: بلا شك أنها فرق خرجت عن الصراط المستقيم، منها ما خرج فأبعد، ومنها ما خرج خروجا متوسطا، ومنها ما خرج خروجا قريبا، ونلزم بحصرها، لأنه ربما يخرج فرق تنتسب للأمة الإسلامية غير التي عدها العلماء، كما هو الواقع، فقد خرج فرق تنتسب إلي الإسلام من غير الفرق التي كانت قد عدت في عهد العلماء السابقين.
وعلي كل حال، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن أمته أمة الإجابة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها ضالة، وفي النار، إلا واحدة، وهي:
وهي الجماعة(1)، وفي ا لحديث عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: " هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " (2) صار (3) المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة (4) ………………
(1) " الجماعة "، يعني: التي اجتمعت على الحق ولم تتفرق فيه.
(2) الذين كانوا على ما كان عليه الرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه هم الجماعة الذين اجتمعوا على شريعته، وهم الذين امتثلوا ما وصي الله به: { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [الشوري: 13]، فهم لم يتفرقوا، بل كانوا جماعة واحدة.
(3) جملة " صار " جواب الشرط قوله: " لكن لما " .
(4) فإذا سئلنا: من أهل السنة والجماعة؟
فنقول: هم المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب.
· · وهذا التعريف من شيخ الإسلام ابن تيميه يقتضي أن الأشاعرة والماتريدية ونحوهم ليسوا من أهل السنة والجماعة، لأن تمسكهم مشوب بما أدخلوا فيه من البدع.

(114/128)


وهذا هو الصحيح، أنه لا يعد الأشاعرة والماتريدية فيما ذهبوا إليه في أسماء الله وصفاته من أهل السنة والجماعة.
وكيف يعدون من أهل السنة والجماعة في ذلك مع مخالفتهم لأهل السنة والجماعة؟!
لأنه يقال: إما إن يكون الحق فيما ذهب إليه هؤلاء الأشاعرة والماتريدية، أو الحق فيما ذهب إليه السلف. ومن المعلوم أن الحق فيما ذهب إليه السلف، لأن السلف هنا هم الصحابة والتابعون وأئمة الهدي من بعدهم، فإذا كان الحق فيما ذهب إليه السلف، وهؤلاء يخالفونهم، صاروا ليسوا من أهل السنة والجماعة في ذلك.
وفيهم الصديقون (1) …………………………
(1) قوله: " وفيهم " ، أي في أهل السنة.
(2) " الصديقون " : جمع صديق، من الصدق، وهذه الصيغة للمبالغة، وهو الذي جاء بالصدق وصدق به، كما قال تعالي: { والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون } [الزمر: 33]، فهو صادق في قصده، وصادق في قوله، وصادق في فعله.
- - أما صدقه في قصده، فعنده تمام الإخلاص لله عز وجل، وتمام المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، قد جرد الإخلاص والمتابعة، فلم يجعل لغير الله تعالي شركا في العمل، ولم يجعل لغير سنة الرسول صلي الله عليه وسلم اتباعا في عمله، فلا شرك عنده ولا ابتداع.
- - صادق في قوله، لا يقول إلا صدقا، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: " عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلي البر، وإن البر يهدي إلي الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحري الصدق حتي يكتب عند الله بمعني: أن فعله لا يخالف قوله، فإذا قال، فعل، وبهذا يخرج عن مشابهة المنافقين الذين يقولون صديقا " (1).
- - صادق في فعله، ما لا يفعلون.
- - وأيضا يصدق بما قامت البينة على صدقه، فليس عنده رد الحق، ولا احتقار للخلق.

(114/129)


· · ولهذا كان أبو بكر أول من سمي الصديق من هذه الأمة، لأنه لما أسري بالنبي عليه الصلاة والسلام، وجعل يتكلم أنه أسري به إلي بيت المقدس وعرج به إلي السماء، صار الكفار يضحكون به ويكذبونه ويقولون: كيف تذهب يا محمد في ليلة وتصل في ليلة إلي ما وصلت إليه في السماء ونحن إذا ذهبنا إلي الشام نبقي شهر آلم نصله وشهر الرجوع؟! فاتخذوا من هذا سلما ليكذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما وصلوا إلي أبي بكر، وقالوا: إن صاحبك يحدث ويقول كذا وكذا ! قال: إن كان قال ذلك، فقد صدق. فمن ذلك اليوم سمي الصديق، وهو أفضل الصديقين من هذه الأمة وغيرها.
(1) " الشهداء " جمع شهيد، بمعني: شاهد.
فمن هم الشهداء؟
- - قيل: هم العلماء، لأن العالم يشهد بشرع الله، ويشهد على عباد الله بأنها قامت عليهم الحجة، ولهذا يعد العالم مبلغا عن الله عز وجل ورسوله محمد صلي الله عليه وسلم، فيكون شاهدا بالحق على الخلق.
- - وقيل: إن الشهيد من قتل في سبيل الله.
- - والصحيح أن الآية عامة لهذا وهذا.
وفيهم الصالحون (1) ومنهم أعلام (2) الهدي (3) ومصابيح (4) الدجي(5) أولوا المناقب المأثورة (6) والفضائل المذكورة(7) ………………
(1) الصالح ضد الفاسد، وهو الذي قام بحق الله وحق عباده، وهو غير المصلح، فالإصلاح وصف زائد على الصلاح، فليس كل صالح مصلحا، فإن من الصالحين من همه هم نفسه، ولا يهتم بغيره، وتمام الصلاح بالإصلاح.
(2) الأعلام: جمع علم، وهو في الأصل الجبل، قال الله تعالي: { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام } [ الشوري: 32]، يعني: الجبال، وسمي الجبل علما، لأنه يهتدي به ويستدل به.
(3) " أعلام الهدي " : الذين يستدل الناس بهم ويهتدون بهديهم، وهم العلماء الربانيون، فإنهم هم الهداة، وهم مصابيح الدجي.
(4) المصابيح: جمع مصباح، وهو يستصبح به للإضاءة.

(114/130)


(5) الدجي: جمع دجية، وهي الظلمة، أي: هم مصابيح الظلم، يستضيء بهم الناس، ويمشون على نورهم.
(6) " المناقب ": جمع منقبة، وهي المرتبة، أي: ما يبلغه الإنسان من الشرف والسؤدد.
(7) " الفضائل "، جمع فضيلة، وهي الخصال الفاضلة، التي يتصف بها الإنسان من العلم والعبادة من العلم والعبادة والزهد والكرم وغير ذلك، فالفضائل سلم للمناقب.
وفيهم الأبدال (1) وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم (2) وهم الطائفة المنصورة(3)……………………
(1) " الأبدال " : جمع بدل ، وهم الذين تميزوا عن غيرهم بالعلم العبادة، وسموا أبدلا: إما لأنهم كلما مات منهم أحدا، خلفه بدله، أو أنهم كانوا يبدلون سيئاتهم حسنات، أو أنهم كانوا أسوة حسنة كانوا يبدلون أعمال الناس الخاطئة صابئة، أو لهذا كله وغيره.
(2) الإمام: هو القدوة، وفي أهل السنة والجماعة أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، مثل: الإمام أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، والأوزراعي، وغيرهم من الأئمة المشهورين المعروفين، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
· · وقوله: " أئمة الدين" : خرج به أئمة الضلال من أهل البدع، فهؤلاء ليسوا من أهل السنة والجماعة، بل هم على خلاف أهل السنة والجماعة، وهم، وإن سموا أئمة، فإن من الأئمة أئمة يدعون إلي النار، كما قلا تعالي عن آل فرعون: { وجعلناهم أئمة يدعون إلي النار ويوم القيامة لا ينصرون } [ القصص:41].
(3) يعني: أهل السنة والجماعة هم الطائفة المنصورة التي نصرها الله عز وجل، لأنهم داخلون في قوله تعالي: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الآشهاد } [غافر: 51]، فهم منصورون، والعاقبة لهم.
منصورا ومنصورا عليه، إذا، فلابد من مغالبة، ولابد من محنة، ولكن، كما قال ابن القيم رحمه الله:

(114/131)


الحق منصور وممتحن فلا تعجب فهذي سنة الرحمن
فلا يلحقك العجز والكسل إذا رأيت أن الأمور لم تتم لك بأول مرة، بل اصبر وكرر مرة بعد أخري، واصبر على ما يقال فيك من استهزاء وسخرية، لأن أعداء الدين كثيرون.
لا يثني عزمك أن تري نفسك وحيدا في الميدان، فأنت الجماعة وإن كنت واحدا، ما دمت على الحق، ولهذا ثق بأنك منصور إما في الدنيا وإما في الأخرة.
· · ثم إن النصر ليس نصر الإنسان يشخصه، بل النصر الحقيقي أن ينصر الله تعالي ما تدعو إليه من الحق، أما إذا أصيب الإنسان بذل في الدنيا، فإن ذلك لا ينافي النصر أبدا، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوذي إيذاء عظيما، لكن في النهاية انتصر علي من آذاه، ودخل منصورا مؤزرا ظافرا بعد أن خرج منها خائفا.
(1) (1) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم (1) بنحو ما ساقه المؤلف عن عدد من الصحابة عن النبي صلي الله عليه وسلم.
· · قوله: " لا تزال " : هذا من أفعال الاستمرار، وأفعال الاستمرار أربعة، وهي: فتيء، وانفك، وبرج ، وزال إذا دخل عليها النفي أو شبهه.
· · فقوله : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق" ، يعني: تستمر على الحق.
· · وهذه الطائفة غير محصورة بعدد ولا بمكان ولا بزمان، يمكن أن تكون بمكان تنصر فيه في شىء من أمور الدين، وفي مكان آخر تنصر فيه طائفة أخري، وبمجموع الطائفتين يكون الدين باقيا منصورا مظفرا.

(114/132)


· · وقوله: " لا يضرهم"، ولم يقل: لا يؤذيهم، لأن الأذية قد تحصل، لكن لا تضر، وفرق بين الضرر والأذي، ولهذا قال الله تعالي في الحديث القدسي: " يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني " (1)، وقال سبحانه وتعالي: { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة } [ الأحزاب: 57]، وفي الحديث القدسي: " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر" (2)، فأثبت الأذي ونفي الضرر، وهذا ممكن، ألا تري الرجل يتأذي برائحة البصل ونحوه، ولا يتضرر بها.
· · وفي قوله: " حتي تقوم الساعة ": إشكال، لأنه قد ثبت في الصحيح أنها " لا تقوم الساعة حتي لا يقال في الأرض: الله، الله" (3)، أي: حتي يمحي الإسلام كله، ولا يبقي من يعبد الله أبدا، فكيف قال هنا: " حتي تقوم الساعة" ؟!
وأجاب عنه العلماء بأحد جوابين:
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب، والله أعلم، وصلي الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا(1).
1- إما أن يكون المراد حتي قرب قيام الساعة، والشيء قد يعب به عما قرب منه إذا كان قريبا جدا، وكأن هؤلاء المنصورون إذا ماتوا ، فإن الساعة تكون قريبة جدا.
2- أو يقال: إن المراد بالساعة ساعتهم.
ولكن القول الأول أصح، لأنه إذا قال: " حتي تقوم الساعة " ، فقد تقوم ساعاتهم قبل الساعة العامة بأزمنة طويلة، وظاهر الحديث أن هذا النصر سيمتد إلي آخر الدنيا، فالصواب أن المراد بذلك إلي قرب قيام الساعة. والله أعلم.
(1) (1) بهذا الدعاء الجليل ختم المؤلف رحمه الله هذه الرسالة القليلة اللفظ الكثيرة المعني، وهي تعتبر خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة وفيها فوائد عظيمة، ينبغي لطالب العلم أن يحفظها.
· · والحمد لله رب العالمين على الإتمام، ونسأل الله أن يتم ذلك بالقبول والثواب، وصلي الله وسلم علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه وسلم أجمعين.

(114/133)


قمت بمراجعة الكتاب وإضافة ما تدعو الضرورة إليه
وحذف ما لا يحتاج إليه في يوم الجمعة السابع عشر من شعبان سنة 1414هـ
وقمت بمراجعته مع المضاف مساء يوم الخميس السابع والعشرين
من صفر سنة 1415هـ

---
(1) رواه البخاري كتاب اللباس/ باب من كره القعود عل الصورة، ومسلم/ كتاب الباس/ باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(2) رواه البخاري كتاب اللباس/ باب نقض الصور، ومسلم/ كتاب اللباس/ باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(1) "رسالة العبودية" مجموع الفتاوى 10/149
(1) رواه اللاكائي في "شرح السنة" (2823) عن الشعبي، وقد أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (1/29) وأشار إلى من رواه من العلماء. وحسنه الحافظ في "الفتح" (12/270).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند" (1/110)، وفي "فضائل الصحابة" (397)، وابن أبي عاصم في "السنة" (2/570)، وابن ماجه (106) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والحديث أصله في "صحيح البخاري" (3671) عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال أبو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر.
(2) رواه البخاري/ كتاب المناقب/ باب علامات النبوة في الإسلام، ومسلم، ومسلم: كتاب الزكاة.
(1) جزء من حديث رواه مسلم/ كتاب الزكاة/ باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة.....
(1) رواه البخاري/ كتاب المناقب/ باب خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم -، ومسلم/ كتاب الفضائل/ باب ذكر كونه - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين.
(1) رواه البخاري، كتاب الاعتصام/ باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) البخاريك كتاب التهجد/ باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم/ كتاب المنافقين/ باب إكثار الأعمال والاجتهاد في الطاعة.
(2) البخاري/ كتاب التهجد/ باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم/ كتاب المنافقين/ باب إكثار الأعمال والاجتهاد في الطاعة.

(114/134)


(1) لما رواه البخاري/ كتاب الصلاة/ باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء.
(1) رواه الترمذي/ كتاب الإيمان/ باب ما جاء في افتراق هذه الأمة. واللالكائي في "شرح السنة" (147)، والحاكم (1/129).
(1) أخرجه البخاري/ كتاب المناقب/ باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية، ومسلم/ كتاب الإمارة/ باب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة....".
(2) رواه مسلم/ كتاب الفتن، باب قرب الساعة.
(3) رواه مسلم/ كتاب الإيمان/ باب ذهاب الإيمان في آخر الزمان.
(4) تقدم قريبا.
(1) رواه مسلم/ كتاب الإيمان/ باب بيان أركان الإيمان والإسلام.
(1) رواه البخاري/ كتاب الاستسقاء/ باب الاستسقاء في خطبة الجمعة، ومسلم/ كتاب صلاة الاستسقاء/ باب الدعاء في الاستسقاء.
(1) أخرجه مسلم/ كتاب صلاة المسافرين/ باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(2) رواه أحمد (4/287)، وأبو داود/ كتاب السنة/ باب في المسألة في القبر، والحاكم (1/93) وقال: "صحيح على شرط الشيخين" وأقره الذهبي، وقال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" 3/49.
(3) البخاري/ كتاب الدعوات/ باب فضل ذكر الله عز وجل، ومسلم/ كتاب الدعوات/ باب فضل مجالس الذكر.
(1) رواه أحمد (5/173)، والترمذي/ كتاب الزهد/ باب قوله صلى الله عليه وسلم "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا"، وابن ماجه/ كتاب الزهد/ باب الحزن والبكاء.
(2) رواه مسلم/ كتاب الإيمان/ باب الإسراء.
(1) رواه البخاري/ كتاب بدء الخلق/ باب إذا قال أحدكم "آمين" والملائكة في السماء فوافقت أحدهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه.
(1) البخاري/ كتاب التوحيد/ باب كلاما لله مع الأنبياء يوم القيامة، ومسلم/ كتاب الإيمان/ باب أدنى أهل الجنة منزلا
(2) لما رواه البخاري/ كتاب البيوع/ باب قتل الخنزير، ومسلم/ كتاب الإيمان باب نزول عيسى بن مريم.
(3) رواه مسلم/ كتاب العلم/ باب هلك المتنطعون.

(114/135)


(1) لما رواه مسلم /كتاب القدر/ باب ذكر حجاج آدم وموسى عليهما السلام.
(2) مسلم/ كتاب صلاة المسافرين/ باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(1) تقدم تخريجه ص48
(1) رواه البخاري/ كتاب بدء الخلق/ باب ما جاء في صفة الجنة، ومسلم/ كتاب الجنة.
(2) رواه مسلم/ كتاب الجنائز/ باب في إغماض الميت.
(1) رواه مسلم/ كتاب البر/ باب تحريم الكبر.
(2) رواه الإمام أحمد (6/20)، وأبو داود/ كتاب الطب/ باب كيف الرقى، والنسائي ص 299، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (1/164)، والدرامي في "الرد على الجهمية" ص 272، والحاكم (1/344)، قال شيخ الإسلام: "حديث حسن" وسيأتي ص 418".
(3) البخاري/ كتاب القدر/ باب "يحول بين المرء وقلبه".
(4) رواه مسلم/ كتاب الحج/ باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
(5) رواه البخاري/ كتاب الاستسقاء، ومسلم/ كتاب صلاة الاستسقاء.
(1) رواه أبو داود/ كتاب السنة/ باب في الجهمية.
(2) قصة الجارية. رواها مسلم/ كتاب المساجد/ باب تحريم الكلام في الصلاة.
(2) رواه البخاري/ كتاب التفسير/ باب "وما قدروا الله حق قدره". ومسلم/ كتاب صفة القيامة.
(4) رواه مسلم/ كتاب الصلاة/ باب ما يقال في الركوع والسجود.
(1) البخاري/ كتاب الوضوء/ باب وضع الماء عند الخلاء، ومسلم/ كتاب فضائل الصحابة/ باب فضل عبدالله بن عباس.
(1) رواه البخاري/ كتاب التفسير/ سورة النصر، ومسلم/ كتاب الصلاة/ باب ما يقال في الركوع والسجود.
(1) رواه البخاري/ كتاب الوضوء/ باب ما يقول عند الخلاء. ومسلم/ كتاب الحيض/ باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
(1) تقدم تخريجه ص66.
(2) أخرجه البخاري/ كتا التوحي/ باب قوله تعالى: { يريدون أن يبدلوا كلام الله } ومسلم/ كتاب صلاة المسافرين/ باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.

(114/136)


(1) رواه اللالكائي في "شرح السنة" (664)، والبيهقي في "الأسماء والصفات (867)، وأبو نعيم في الحلية (6/325)، ورواه الدارمي في "الرد على الجهمية" (104)، وابن عبد البرفي "التمهيد" (7/151). قال ابن حجر "إسناده جيد" (الفتح: 13/407). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد قول مالك: "وهذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفا ومرفوعا، ولكن ليس في إسناده مما يعتمد عليه، وهكذا سائر قولهم يوافق مالك" "مجموع الفتاوى" (5/365).
(1) رواه اللالكائي في "شرح السنة" (936). والذهبي في "العلو" ص116.
(2) رواه البخاري معلقا/ كتاب التوحيد/ باب { وكان الله سميعا بصيرا } . وقد وصله الإمام أحمد في "المسند" (6/46)، وابن كثير 4/286.
(1) رواه البخاري/ كتاب مواقيت الصلاة/ باب فضل صلاة العصر، ومسلم/ كتاب المساجد/ باب فضل صلاتي الصبح والعصر.
(1) رواه البخاري/ كتاب الاستئذان/ باب بدء السلام، ومسلم/ كتاب البر/ باب النهي عن ضرب الوجه.
(1) رواه البخاري/ كتاب بدء الخلق/ باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ومسلم/ كتاب الجنة/ باب في صفات الجنة وأهلها.
(1) علقه البخاري/ كتاب الوكالة إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل.
(1) لما رواه البخاري/ كتاب التفسير/ باب (ويسألونك عن الروح).
(1) رواه البخاري/ كتاب فضائل القرآن/ باب فضل (قل هو الله أحد). ومسلم/ كتاب صلاة المسافرين/ باب فضل قراءة قل هو الله أحد.
(2) رواه البخاري/ كتاب الدعوات/ باب فضل التهليل. ومسلم/ كتاب الذكر والدعاء/ باب فضل التهليل.
(1) رواه أحمد (5/133)، والواحدي في "أسباب النزول" (262).
(2) رواه الواحدي في "أسباب النزول" (262).
(1) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (665).
(2) رواه البخاري/ كتاب الفرائض/ باب القائف. ومسلم/ كتاب الرضاع/ باب العمل بإلحاق القائف الولد.

(114/137)


(1) رواه مسلم/ كتاب صلاة المسافرين/ باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي.
(1) رواه مسلم/ كتاب الإيمان/ باب قوله عليه السلام: "إن الله لا ينام........".
(1) رواه البخاري/ كتاب المظالم/ باب إثم من ظلم شيئا من الأرض، ومسلم/ كتاب المساقاة/ باب تحريم الظلم وغصب الأرض.
(1) رواه عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب "السنة" (586)، وابن أبي شيبة في كتاب "العرش" (61)، وابن خزيمة في "التوحيد" (248)، والحاكم في "المستدرك" (2/282) وقال: صحيح عن شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه الدارقطني في كتاب "الصفات" (36) عن ابن عباس موقوفا عليه، وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (6/323) للطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في "مختصر العلو" (45): إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات.
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب "العرش" رقم (58)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (862) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وابن مردويه كما عند ابن كثير (1/309) والحديث صححه الألباني في السلسة الصحيحة برقم (109) وقال: إنه لا يصح حديث مرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة العرش إلا هذا الحديث.
(1) تقدم تخريجه ص 111.
(2) رواه مسلم/ كتاب الذكر والدعاء/ باب ما يقوم عند النوم.
(1) تقدم تخريجه ص 41
(2) رواه البخاري/ كتاب التفسير/ باب قوله تعالى "إن الله عنده علم الساعة".
(3) رواه مسلم/ كتاب الفتن/ باب في سكنى المدينة.
(1) رواه أحمد (5/317)، وأبو داود (4700)، والترمذي (2155)، والحاكم (2/498) وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (804)، والآجري في "الشريعة" (178)، وابن أبي عاصم في "السنة" (105)، والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (133)، وفي "السنة" لابن أبي عاصم (1/48و49).
(1) تقدم تخريجه.
(1) تقدم تخريجه 66
(1) رواه مسلم/ كتاب صفات المنافقين.
(1) رواه أحمد (2/97)، وابن ماجه (3314)

(114/138)


(1) رواه أحمد (3/128)، والنسائي (7/61)، والحاكم (2/160).
(1) رواه البخاري/ كتاب العلم/ باب "من يرد الله به خيرا"، ومسلم/ كتاب الزكاة/ باب النهي عن المسألة.
(1) رواه مسلم/ كتاب الإيمان/ باب بيان أركان الإيمان والإسلام، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(2) لما رواه البخاري /كتاب بدء الخلق/ باب ذكر الملائكة، ومسلم/ كتاب البر/ باب "إذا أحب الله عبدا".
(1) رواه مسلم/ كتاب الإمارة/ باب وجوب الوفاء بيعة الخلفاء الأول فالأول.
(2) رواه البخاري/ كتاب الهبة/ باب الإشهاد في الهبة، ومسلم/ كتاب الهبات/ باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة.
(1) رواه البخاري/ كتاب التوحيد/ باب قوله تعالى: "ويحذركم الله نفسه"، ومسلم/ كتاب الذكر والدعاء/ باب الحث على باب الحث على ذكر الله تعالى.
(1) رواه مسلم/ كتاب السلام/ باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام.
(1) رواه البخاري/ كتاب الأذان/ باب أثم من رفع رأسه قبل الإمام، ومسلم/ كتاب الصلاة/ باب تحريم سبق الإمام.
(2) رواه البخاري/ كتاب الآداب/ باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا.، ومسلم كتاب البر والصلة/ باب تراحم المؤمنين.
(1) رواه مسلم/ كتاب فضائل الصحابة/ باب فضائل أبي بكر الصديق.
(2) رواه مسلم (532) عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه.
(1) رواه أحمد (6/144).
(2) رواه الترمذي/ كتاب المناقب (3789)، والحاكم (2/150)
(1) رواها لبخاري/ كتاب المظالم/ باب قوله تعالى: "ألا لعنة الله على الظالمين"، ومسلم/ كتاب التوبة/ باب قبول توبة القاتل.
(1) رواه البخاري/ كتاب الأدب/ باب رحمة الولد، ومسلم/ كتاب التوبة/ باب في سعة رحمة الله.
(2) رواه البخاري/ كتاب الأدب/ باب جعل الله الرحمة في مائة جزء، ومسلم/ كتاب التوبة/ باب في سعة رحمة الله.
(1) رواه مسلم/ كتاب الأقضية/ باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة.
(1) رواه البخاري/ كتاب التفسير، ومسلم/ كتاب البر/ باب تحريم الظلم.

(114/139)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية