صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الفقه

وأما ما ادعاه بعضهم من أن حديث وائل بن حجر شاذ، فغير صحيح؛ لأن الشاذ عند أهل العلم بالحديث ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه، وأين المخالفة في حديث وائل؟! فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبسط يده اليمنى على فخذه اليمنى بين السجدتين، فيكون مؤيدا لحديث وائل وشاهدا له.
ولهذا ذهب ابن القيم – رحمه الله – إلى أن ما بين السجدتين كالتشهدين في وضع اليد اليمنى. (زاد المعاد 1/238- تحقيق الأرناؤوطين).
وفي قول ابن عمر – رضي الله عنهما -: "ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها" دليل على أن السبابة ترفع عند الدعاء، وهو يؤيد حديث وائل بن حجر في المسند 4/318 "فرأيته يحركها يدعو بها". وعلى هذا يشرع تحريكها عند كل جملة دعائية إشارة على علو من يدعوه وهو الله تعالى، وهذا التحريك أمر زائد على مطلق الإشارة التي جاءت في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – فإن هذه الإشارة تكون في جميع الجلوس لا حال الدعاء فقط، فيرفعها كأنه يشير إلى شيء، لكن تكون محنية شيئا يسيرا كما في سنن النسائي 3/32(3).
هذا وأرجو أن يكون فيما كتبته إيضاح للإشكال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 2/8/1411هـ.

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم وصل وسرنا صحتكم، والحمد لله على ذلك، تهنئتكم بعيد الفطر لكم منا مثلها ونسأل الله أن يتقبل من الجميع.
تذكرون أنكم تصفحتم (رسالة في الوضوء، والغسل، والصلاة) وأنه لفت نظركم كيفية وضع اليد اليمنى بين السجدتين.

(58/4)


فيا محب إن الذي في الرسالة هو مقتضى ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم(1) ص408 تحقيق محمد فؤاد من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: "كان (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى". وفي رواية: "وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها"، وظاهرة أن رفعها للدعاء بها، وهو رفع فوق مطلق الإشارة التي جاءت في الرواية الأولى، وفي حديث ابن الزبير(2)، وعلى هذا فتكون السبابة مرفوعة رفع إشارة، فإذا ذكر الجملة الدعائية رفعها زيادة، إشارة إلى علو من دعاه وهو الله تعالى، ويؤيد ذلك حديث وائل بن حجر(3)، "ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها"، وفي حديث ابن الزبير عند الدارمي: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا في الصلاة وأشار ابن عيينة بإصبعه". رواه الدارمي(4).

(58/5)


ولم يرد التفريق بين جلوس التشهد، والجلوس بين السجدتين فيما أعلم، ويدل على أنه لا فرق بين الجلستين ما رواه الإمام أحمد في المسند ص317 ج4 من حديث وائل بن حجر قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كبر فرفع يديه حين كبر" فذكر الحديث، وفيه: "وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع ذارعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته، ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه". وفي رواية: "عقد ثلاثين، وحلق واحدة، وأشار بإصبعه السبابة" وذكر الحديث في الفتح الرباني ترتيب المسند ص147 ج3 وقال: سنده جيد. وقد رواه بنحوه أبو داود(5) وقال فيه: "وقبض اثنتين وحلق حلقة" يعني حلق الإبهام مع الوسطى، وبهذا تبين أن لا فرق بين جلستي التشهد والجلوس بين السجدتين، فأما تقييد الجلوس في بعض روايات حديث ابن عمر بالجلوس للتشهد، فلا ينافي الإطلاق لأن ذكر بعض أفراد المطلق بحكم يطابق حكم المطلق لا يستلزم تقييده، وإن كان قد يقتضيه إذا لم يقم دليل على الإطلاق.

531 وسئل فضيلة الشيخ عن حكم تحريك الإصبع وضم أصابع اليد اليمنى بين السجدتين؟

(58/6)


فأجاب فضيلته بقوله: حكم تحريك الإصبع وضم أصابع اليد بين السجدتين كحكمه في التشهد لما روى مسلم ص408 ج1(6) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي في باب صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين عن عبد الله بن الزبير عن أبيه(1) قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو"، وفي رواية: "إذا قعد في الصلاة وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته". وروي في نفس الصفحة عن ابن عمر – رضي الله عنهما – "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها". ففي حديث الزبير: "إذا قعد يدعو" والقعود بين السجدتين قعود دعاء، وفي حديث ابن عمر "إذا جلس في الصلاة" وهو عام في جميع الجلسات، فيشمل ما بين السجدتين لاسيما وأنه قال: "ورفع إصبعه اليمنى فدعا بها" ويؤيد العموم ما رواه الإمام أحمد في المسند ص317 ج4 عن وائل بن حجر – رضي الله عنه(2) – قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كبر فرفع يديه حين كبر" فذكر الحديث وفيه: "وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى ثم أشار بسبابته، ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه". وفي رواية في الصفحة التي تليها: "فحلق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها". قال في الفتح الرباني ص147 ج3 سنده جيد. وفي حديث ابن عمر ووائل دليل على أن تحريك الإصبع يكون عند الدعاء فقط وليس كما فهمه بعض الناس، من كونه يحرك دائما كالعابث بها، فالإشارة بالإصبع وهي رفعه تكون في كل الجلسة، وأما التحريك فلا يكون إلا حال الدعاء. تقول: "رب اغفر لي". فتحرك. "وارحمني"، فتحرك،

(58/7)


وتقول: "السلام عليكم أيها النبي"، فتحرك، "السلام علينا"، فتحرك، "اللهم صل على محمد"، فتحرك، وهكذا.

532 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى-: ما حكم الإشارة بالسبابة بين السجدتين؟ وما جواب فضيلتكم لمن زعم أن حديث وائل ابن حجر شاذ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإشارة بالسبابة بين السجدتين عند الدعاء مشروع وسنة، وذلك لعموم حديث ابن عمر الثابت في صحيح مسلم(3) في بعض ألفاظه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو حلق بإبهامه والوسطى" وذكر بقية الحديث؛ ولأن في مسند الإمام أحمد(4) من حديث وائل بن حجر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك بين السجدتين ويشير بها ويحركها"، وهذا الحديث ذكر صاحب الفتح الرباني بأن إسناده جيد، وذكر المعلق على زاد المعاد أن إسناده صحيح(5)، وابن القيم – رحمه الله – ذكره في زاد المعاد جازما به، وذكر أنه يشرع للمصلي بين السجدتين أن يحلق إبهامه مع الوسطى، ويرفع السبابة ويشير بها عند الدعاء.
ونقول لمن زعم أن هذا الحديث شاذ: آت بالدليل الذي يثبت شذوذ ذلك؟ أين الدليل على أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ؟
لا يوجد دليل على ذلك، فإذا لم يكن دليل، وكان لدينا دليل عام، أو دليل خاص بأنها تضم أصابعها كما في التشهد فأين الشذوذ؟
ولو قال قائل: إن عقد الأصابع أمر زائد عن طبيعة الوضع فيحتاج إلى دليل، ولو كان هذا ثابتا لذكره الصحابة، ولا حاجة لذكر البسط لأنه الأصل.
قلنا: هذا ليس بصحيح، فالصحابة ذكروا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبسط يده اليسرى على فخذه اليسرى، فلما ذكروا البسط في اليسرى، علم أن ذكر البسط لابد منه، ولو كانت اليد اليمنى تبسط لكان ذكر بسطها في السنة ظاهرا كما كان ذكر بسط اليد اليسرى ظاهرا، والله أعلم.

533 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى-: ما حكم رفع السبابة بين السجدتين؟

(58/8)


فأجاب فضيلته بقوله: نقول: إن رفع السبابة بين السجدتين مستحب وهو السنة، ودليل ذلك حديث ابن عمر – رضي الله عنهما(1) – في بعض ألفاظه حيث قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة" وذكر قبض الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام، ورفع السبابة. وهذا عام، وأما ذكر التشهد في بعض ألفاظ الحديث فهذا لا يقتضي التخصيص؛ لأن في علم الأصول قاعدة مهمة وهي: "أن ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام لا يقتضي التخصيص، وإنما يقتضي التنصيص على هذا الفرد من إفراد العام فهو مقتض للتنصيص لا للتخصيص". هكذا حديث ابن عمر رضي الله عنهما إذا قعد يدعو في الصلاة فعل كذا وكذا لا يقتضي قوله "إذا قعد في التشهد" أن يكون مخصصا لهذا العموم؛ لأنه ذكر هذا الخاص بحكم يوافق العام، ويؤيد ذلك حديث وائل بن حجر عند الإمام أحمد رحمه الله(2) وهو نص صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم سد ثم جلس وذكر قبض الأصابع قال ثم سجد. وقد قال مرتب المسند الساعاتي قال: إن سنده جيد. وقال المعلق على زاد المعاد: إن سنده صحيح، وابن القيم – رحمه الله – مشى على ذلك في زاد المعاد، وذكر أنه بين السجدتين يقبض كما يقبض في التشهد.
ثم نقول ثالثا: لم يرد في السنة أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ أبدا، ومن وجد في السنة أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ بين السجدتين فليسعفنا به؛ لأننا نعتقد الآن أنه ليس في السنة ما يدل على أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ اليمنى، لا في التشهد، ولا بين السجدتين، وإذا لم يكن هناك دليل على أنها تبسط بقيت على الحالة الموصوفة وهي أنها تقبض. والله أعلم.

534 وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك أدلة شرعية على تحريك الإصبع في الجلسة بين السجدتين؟

(58/9)


فأجاب بقوله: نعم، هناك أدلة شرعية، كل الأدلة التي أثبت بها من اثبت تحريك الأصابع في التشهد فإنه يدخل فيها الجلوس بين السجدتين، فحديث عبد الله بن الزبير، وحديث عبد الله بن عمر(3) في إثبات الإشارة يقول: "إذا قعد يدعو أشار بإصبعه" هذا لفظ حديث عبد الله بن الزبير. ومعلوم أننا لو سألناكم جميعا ما هي القعدة التي فيها الدعاء، هل هي التشهد أو الجلوس بين السجدتين أو التشهد وحده أو هما جميعا؟ والجواب: هما جميعا. كل الجلستين محل للدعاء، بل إن الجلسة بين السجدتين ليس فيها إلا دعاء، بينما الجلوس في التشهد فيه تشهد ودعاء. فعلى هذا يكون دخول الجلسة بين السجدتين دخولا أوليا في الإشارة بالإصبع وقبض الخنصر والبنصر، والتحليق بالإبهام مع الوسطى.
ثم إنه قد روى الإمام أحمد(4) من حديث وائل بن حجر حديثا صريحا في ذلك حيث ذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر أنه يسجد، ثم يقعد ويقبض الخنصر والبنصر، ويحلق بالإبهام والوسطى، ويشير بسبابته، ثم يسجد ثم يصنع في صلاته كذلك ما بقي. وهذا الحديث قال صاحب الفتح الرباني في ترتيب المسند إن إسناده جيد، وذكر الأرناؤوط الذي علق على زاد المعاد: أن سنده صحيح(1). وابن القيم ذكر ذلك أيضا في زاد المعاد. وعلى هذا فالذي ينبغي للإنسان أن يصنع في الجلسة بين السجدتين كما يصنع في التشهد. والفقهاء فرقوا بينهما فقالوا: إذا جلس بين السجدتين فإنه يبسط أصابع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأما في التشهد فإنه يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة. لكن مقتضى السنة هو ما ذكرنا من قبل.
فإن قيل: هل يحرك في جلسة الاستراحة؟ قلنا: لا يحركها لأن جلسة الاستراحة ليس فيها دعاء، والحديث يقول: "إذا قعد في الصلاة حرك إصبعه يدعو بها".

(58/10)


وعلى هذا فالتحريك في الدعاء فقط، أما تحريكها كما يفعل بعض الناس الذين يحركون دائما كأنهم يلعبون بأصابعهم، فهذا ليس من السنة، إنما يحرك الإنسان إصبعه يدعو به، كلما قال مثلا: "رب اغفر لي"، رفعه، "وارحمني"، رفعه، لأنه يدعو من في السماء تبارك وتعالى، فيشير، أما تحريكها سواء يحركها بتدوير أو بغير تدوير دائما فهذا من العبث الذي تنزه الصلاة عنه.

535 سئل فضيلة الشيخ: نرى بعض الإخوان يرفع إصبعه أثناء التشهد، أو في الجلسة بين السجدتين، فهل لهذا أصل؟ وكذلك هل يرفع الإصبع عند النطق بالشهادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: قلنا من قبل إنه يقبض الخنصر والبنصر والإبهام والوسطى، أو يحلق الإبهام مع الوسطى، وتبقى السبابة مفتوحة، لكنها عند الدعاء تحرك.
أما التشهد فقد ذكر الفقهاء أنه يشير بها أيضا عند التشهد لكن قيل: إن الأحاديث الواردة في هذا ضعيفة، فالله أعلم لا أعلم عنها الآن.

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

"بحث حول كيفية وضع اليد اليمنى على الفخذ بين السجدتين"

حديث وائل بن حجر الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند 4/317 من طريق عبد الرزاق صريح في ذلك، وسياقه: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كبر فرفع يديه حين كبر – يعني استفتح الصلاة – ورفع يديه حين كبر ورفع يديه حين قال: سمع الله لمن حمده، وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذاء أذنيه".

(58/11)


وأخرجه من حديث عبد الصمد قال: حدثنا زائدة قال: حدثنا عاصم بن كليب، ثم تم السند إلى وائل أنه قال: "لأنظرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، قال: فنظرت إليه قام فكبر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ، والساعد، ثم قال لما أراد أن يركع رفع يديه مثلها، ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه فرفع يديه مثلها، ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه ثم قعد فافترش رجله اليسرى فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه لحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها".
وهذا صريح في أن هذه القعدة هي القعدة التي بين السجدتين؛ لأنه قال: "ثم رفع رأسه فرفع يديه مثلها ثم سجد... ثم قعد فافترش رجله اليسرى..." إلخ. وهل هذه القعدة إلا قعدة ما بين السجدتين؟!
وأخرجه أيضا من حديث أسود بن عامر قال: حدثنا زهير بن معاوية عن عاصم بن كليب به، ولفظه أن وائل بن حجر قال: "قلت لأنظرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي"، وذكر الحديث، وفيه قال بعد ذكر الرفع من الركوع، "ثم سجد فوضع يديه حذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على ركبته اليسرى فخذه – في صفة عاصم – ثم وضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثلاثا، وحلق حلقة، ثم رأيته يقول هكذا" وأشار زهير بسبابته الأولى وقبض إصبعين، وحلق الإبهام على السبابة الثانية.
وظاهر هذا اللفظ أو صريحه كسابقيه في أن القبض والإشارة بين السجدتين كما في التشهدين.
وعلى هذا فلا يصح توهيم عبد الرزاق بذكر السجود بعد هذه القعدة؛ لأن ذكره زيادة لا تنافي ما رواه غير بل توافقه كما علم.
ولم أعلم من السنة حديثا واحدا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبسط يده اليمنى حين يجلس بين السجدتين، ولا وجدت ذلك عن الصحابة.

(58/12)


وما رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين وأشار بالسبابة"(1) فإنه لا ينافي حديث وائل، ولا يبطله لاختلاف الموضعين على أن حديث ابن عمر رضي الله عنهما قد رواه مسلم بلفظ الإطلاق: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها"(1) وفي لفظ آخر: "وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى"(2).
فقد روى مسلم هذا الحديث بثلاثة ألفاظ: اثنان مطلقان والثالث مقيد بالتشهد، ولا منافاة أيضا لدخول المقيد في المطلق، ولم يرد في السنة التفريق بين الجلوس بين السجدتين والتشهدين.
وقد قال البنا في ترتيب مسند الإمام أحمد 3/149 عن حديث وائل بن حجر: سنده جيد. وقال الأرناؤوط في حاشية زاد المعاد 1/238: سنده صحيح.

(58/13)


وكلام ابن القيم – رحمه الله – لا غبار عليه في ذلك، والنسبة إليه صحيحة وهذا نص عبارته قال 1/322: ثم كان يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه، وساق كلاما كثيرا ثم قال 1/338 فصل: ثم كان صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه، ويرفع من السجود رأسه قبل يديه، ثم يجلس مفترشا، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى. وذكر النسائي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: "من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى"(3) ولم يحفظ عنه في هذا الموضع جلسة غير هذه. وكان يضع يديه على فخذيه يجعل مرفقه على فخذه، وطرف يده على ركبته ويقبض ثنتين من أصابعه، ويحلق حلقة، ثم يرفع إصبعه يدعو بها ويحركها، هكذا قال وائل بن حجر عنه. إلى أن قال 339: ثم كان يقول (بين السجدتين) رب اغفر لي... إلخ وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود، وهكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث انتهى المقصود منه.
والمقوس عليه بين السجدتين هو هكذا في الأصل وهو محذوف في نسخ أخرى.
وهذا صريح في إثباته القبض والتحريك بين السجدتين فإن قوله: "وكان يضع يديه على فخذيه" إلخ. إما أن يكون حاكما به مستدلا عليه بحديث وائل كما هو الظاهر من عبارته هنا وفي كثير من عباراته كما قال هنا: ثم كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي إلخ. هكذا ذكره ابن عباس – رضي الله عنهما(4) -، وذكر حذيفة(5) أنه كان يقول: رب اغفر لي رب اغفر لي.
وإما أن يكون حاكيا له عن وائل مخبرا به عنه.
فإن كان حاكما به مستدلا عليه بقول وائل فنسبة القول به إليه واضحة.

(58/14)


وإن كان حاكيا مخبرا فمن البعيد أن يجزم به عن وائل، ثم يكون المراد به أن يتعقبه لأنه – أي وائلا – صحابي عدل مقبول الخبر فلا يمكن أن يجزم ابن القيم بما قاله بقصد تعقبه، وإنما يريد ابن القيم بقوله هذا: دفع حديث أبي داود عن عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما – "أنه كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها"(6) حيث قال: فهذه الزيادة في صحتها نظر، ثم قال بعد ذلك: وأيضا فليس في حديث أبي داود أن هذا كان في الصلاة، وأيضا لو كان في الصلاة لكان نافيا، وحديث وائل مثبتا وهو مقدم وهو حديث صحيح ذكره أبو حاتم في صحيحه(7). انتهى.
536 وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين-: عن الحكمة من تحريك الإصبع في الصلاة، وكيفية التحريك، وما صحة استدلال بعض العلماء بحديث عائشة – رضي الله عنها – في صحيح مسلم: "عندما أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه"(1) على تحريك الإصبع يمينا وشمالا، وعن تضعيف بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يشير بإصبعه إذا دعا، لا يحركها"(2)، وما معنى حديث: "لهي أشد على الشيطان من الحديد – يعني السبابة-"(3) وما حكم الدعاء في السجود وإذا كان طول السجود يتعب المصلي؟ أفتونا وفقكم الله وجزاكم خيرا؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحريك الإصبع في الصلاة من أسفل إلى أعلى إشارة إلى علو من يدعوه وهو الله تعالى، وأما الحديث الذي ذكرت فلا يدل على ما ذهب إليه بعضهم من التحريك يمينا وشمالا في الصلاة بل ربما يدل على عكس ذلك لأننا نهينا أن نتشبه بالبهائم.
وأما تضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحركها فيحتاج إلى مراجعة سبب الضعف الذي وصفه به من ضعفه.
وأما كون الإشارة بها أشد على الشيطان من الحديد، فالظاهر والله أعلم أن معناه أشد من الطعن بالحديد.

(58/15)


وأما الدعاء في السجود: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الرجوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم"(4).
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"(5).
وعلى هذا فإن الساجد أقرب ما يكون إلى ربه، واقرب ما يكون من الإجابة وأحرى ما يكون بها، فينبغي بعد أن يسبح التسبيح الواجب والمستحب أن يكثر من الدعاء بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ومن أجمع الدعاء وأفضله أن يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار).
والأفضل أن يطيل المرء الدعاء في صلاة الليل، كما ينبغي أن تكون الصلاة متجانسة متفقة، إذا أطال فيها الركوع أطال القيام بعد الركوع، وأطال السجود، وأطال الجلسة بين السجدتين لقول البراء بن عازب – رضي الله عنه – قال: "كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين قريبا من السواء"(6). فهذا هو الأفضل الذي ينبغي.
أما إذا كان الأمر يتعبك فإنك تدعو الله بما تستطيع ولا تكلف نفسك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالعمل بما نطيق فقال: "عليكم بالعمل بما تطيقون"(7) ونهى أن يكلف الإنسان نفسه ويتعبها بالعمل، فإن النفس إذا تعبت كلت وملت، وأما إذا يسر الإنسان على نفسه وأعطاها من العمل ما تقدر عليه فإنه ينصرف منه وهو أشد ما يكون فيه حبا وأسلم عاقبة. والله أعلم.

---
(1) رواه مسلم في المساجد باب 21- صفة الجلوس في الصلاة 1/408 ح114 (580).
(2) الموضع السابق ح115.
(3) يأتي ص196.
(4) الفتح الرباني 3/147.
(5) زاد المعاد 1/231.
(6) انظر ص195.
(7) رواه ابن خزيمة في الصلاة باب وضع اليدين على الركبتين في التشهد وتحريك السبابة عند الإشارة بها 1/714 وصحح الألباني إسناده في تعليقه على ابن خزيمة، وابن حبان 5/170 (1860) "الإحسان".

(58/16)


(8) الفتح الرباني 4/14.
(9) زاد المعاد 1/231 أو 1/238.
(1) رواه مسلم في المساجد باب 21- صفة الجلوس في الصلاة 1/408 ح114 و 115 (580).
(2) المسند 4/318.
(1) رواه مسلم وتقدم في ص194.
(2) رواه مسلم وتقدم في ص194.
(3) سنن النسائي في الافتتاح باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة 2/463 ح(888). وفي السهو باب: موضع المرفقين 3/42 (1264).
(1) في المساجد باب 21- صفة الجلوس في الصلاة 1/408 ح114 و 115 (580).
(2) رواه مسلم في الموضع السابق ح112 (579).
(3) تقدم تخريجه ص196.
(4) في الصلاة/ باب صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(5) في الصلاة/ باب رفع اليدين في الصلاة (726).
(6) في المساجد عن ابن عمر ح114 و 115 (580).
(1) رواه مسلم أيضا ح112 و 113 (579).
(2) تقدم تخريجه ص196.
(3) رواه مسلم في المساجد ح114 و 115 (580).
(4) المسند 4/317 وتقدم تخريجه ص196.
(5) الفتح الرباني 4/14، وزاد المعاد 1/231.
(1) رواه مسلم في المساجد ح114 و 115 (580) وتقدم ص194.
(2) المسند 4/ 317 ورواه غيره أيضا راجع ص196.
(3) رواهما مسلم في المساجد باب 21- صفة الجلوس في الصلاة وحديث ابن الزبير برقم 112 و 113 (579) وحديث ابن عمر 114 و 115 و 116 (580).
(4) المسند 4/317 وتقدم ص196.
(1) راجع زاد المعاد 1/231.
(1) رواه مسلم في المساجد باب 21 – صفة الجلوس في الصلاة... 1/408 ح115 (580).
(1) المرجع السابق ح114 (580).
(2) المرجع السابق ح116 (580).
(3) رواه النسائي في التطبيق باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة (1157)، والحديث عند البخاري بالمعنى في الأذان باب سنة الجلوس في التشهد (827).
(4) روى حديث ابن عباس وفيه: "رب اغفر لي وارحمني وعافني..." أبو داود في الصلاة باب الدعاء بين السجدتين (850) ورواه الترمذي في الصلاة باب ما يقول بين السجدتين (284)، ورواه ابن ماجة في إقامة الصلاة باب ما يقول بين السجدتين (898).

(58/17)


(5) رواه أبو داود في الصلاة باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده (874)، ورواه النسائي في التطبيق (الصلاة) باب الدعاء بين السجدتين (1144)، ورواه ابن ماجة في إقامة الصلاة باب ما يقول بين السجدتين (897).
(6) رواه أبو داود في الصلاة باب الإشارة في التشهد ح(989).
(7) الإحسان 5/170 (1860).
(1) رواه مسلم في فضائل الصحابة باب 34- فضائل حسان 4/1935 ح157 (2490)، رواه في أثناء حديث.
(2) تقدم تخريجه ص211.
(3) رواه أحمد 2/119.
(4) رواه مسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (482).
(5) رواه مسلم في الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (479).
(6) تقدم تخريجه ص162.
(7) رواه البخاري في الإيمان (43) ومسلم في صلاة المسافرين (782).

(58/18)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
جلسة الاستراحة
محمد بن صالح العثيمين
537 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله ورعاه-: ما حكم جلسة الاستراحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: للعلماء في جلسة الاستراحة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الاستحباب مطلقا.
القول الثاني: وعدم الاستحباب مطلقا.
القول الثالث: التفصيل بين من يشق عليه القيام مباشرة فيجلس، ومن لا يشق عليه فلا يجلس، قال في المغني ص529 ج1 ط دار المنار" "وهذا فيه جمع بين الأخبار وتوسط بين القولين" وذكر في الصفحة التي تليها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا لا يستطيع". رواه الأثرم(1)،ثم قال: وحديث مالك (يعني ابن الحويرث)(2) "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعدا ثم اعتمد على الأرض"، محمول على أنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم لمشقة القيام عليه لضعفه وكبره، فإنه قال عليه السلام: "إني قد بدنت فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود". أهـ.

(59/1)


وهذا القول هو الذي أميل إليه أخيرا وذلك لأن مالك بن الحويرث قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز في غزوة تبوك(3) والنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت قد كبر وبدأ به الضعف، وفي صحيح مسلم(4) ص506 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: "لما بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل كان أكثر صلاته جالسا"، وسألها عبد الله بن شقيق هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو قاعد؟ قالت: "نعم، بعدما حطمه الناس"، وقالت حفصة – رضي الله عنها -: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في سبحته قاعدا حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعدا"(5). وفي رواية: "بعام واحد أو اثنين"، وكل هذه الروايات في صحيح مسلم، ويؤيد ذلك أن في حديث مالك بن الحويرث ذكر الاعتماد على الأرض والاعتماد على الشيء إنما يكون عند الحاجة إليه، وربما يؤيد ذلك ما في حديث عبد الله بن بحينة – رضي الله عنه – عند البخاري وغيره: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقام من الركعتين، ولم يجلس"(6) فإن قوله: "ولم يجلس" عام لم يستثن منه جلسة الاستراحة، وقد يقال إن الجلوس المنفي جلوس التشهد لا مطلق الجلوس، والله أعلم.

538 وسئل فضيلته: عن جلسة الاستراحة إذا علم المأموم أن إمامه لا يجلسها، فما هو الأفضل له في ذلك؟ وإذا فعلها فهل يكون مخالفا لإمامه؟
فأجاب فضيلته بقوله: جلسة الاستراحة هي أن الإنسان إذا قام للثانية أو إلى الرابعة في الرباعية، جلس قليلا ثم نهض، هذه ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث مالك بن الحويرث(7)، وهو في صحيح البخاري، ولكن ذكر الواصفون لصلاته، أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجلس هذه الجلسة، فاختلف العلماء في ذلك:
فقال بعض العلماء: إن هذه الجلسة ليست مشروعة مطلقا.
وقال آخرون: بل هي مشروعة بكل حال.

(59/2)


وفصل آخرون فقالوا: إن كان الإنسان محتاجا لهذه الجلسة لثقل بدنه، أو مرضه، أو شيخوخته، فيجلس، وإلا فلا، قال صاحب المغني: وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة، واختاره كذلك ابن القيم في زاد المعاد.
على أنه إذا كان الإنسان محتاجا لهذه الجلسة فالسنة أن يجلس، وإلا فلينهض معتمدا على صدور قدميه بدون جلوس.
وهذا فيما إذا كان المصلي منفردا، أو كان إماما، أما إذا كان مأموما فهو تبع لإمامه، إن جلس الإمام فاجلس، وإن كنت لا ترى أنها سنة اجلس اتباعا لإمامك، وإن لم يجلس فلا تجلس وإن كنت ترى أنها سنة، اتباعا للإمام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمتابعة الإمام فورا، فإذا قام من السجود ولم يجلس، فتمام المتابعة أن تقوم ولا تجلس؛ لأنك لو جلست لتأخرت في متابعة القيام، لكن لما كانت هذه الجلسة يسيرة فإنه لو جلسها المأموم لا يعد مخالفا لإمامه، لأنه سوف ينهض بسرعة إلا أن تمام المتابعة أن لا تجلس، ولا يضرك إذا تركت هذه الجلسة ولا ينقص صلاتك؛ لأن التشهد الأول أوكد منها، ومع ذلك لو نسي الإمام التشهد الأول، وقام وجب عليك أن تقوم ولا تجلس، فتترك هذه الجلسة الواجبة من أجل متابعة الإمام، ولو دخلت مع الإمام في الصلاة الرباعية، فدخلت معه في الركعة الثانية لوجب عليك الجلوس، وأنت في الركعة الأولى، ووجب عليك ترك الجلوس، وأنت في الركعة الثانية، كل هذا تحقيقا لمتابعة الإمام.
فإذا سقط الجلوس في التشهد من أجل المتابعة فليسقط الجلوس للاستراحة من أجل المتابعة، لكني أقول لما كان التخلف في جلسة الاستراحة يسيرا فإن الجلسة لا تعد مخالفة للإمام ولا تبطل الصلاة لو جلس لكننا نأمره أن لا يجلس.

539 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم جلسة الاستراحة؟ وهل تشرع للإمام والمأموم؟

(59/3)


فأجاب فضيلته بقوله: جلسة الاستراحة هي: التي تكون عند القيام إلى الركعة الثانية، أو الرابعة في الرباعية – يعني تكون في الرباعية في موضعين عند القيام للركعة الثانية، وعند القيام للركعة الرابعة، وفي الثلاثية والثنائية في موضع واحد وهو عند القيام للركعة الثانية.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان في وتر من صلاته أنه لا ينهض حتى يستوي قاعدا.
أي أن هذه الجلسة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث مالك بن حويرث(1).
وقد اختلف العلماء – رحمهم الله – هل هي جلسة للراحة أو جلسة للتعبد:
فمن قال أنها جلسة للراحة قال إنها لا تسن إلا عند الحاجة إليها كأن يكون الإنسان كبيرا في السن لا يستطيع النهوض مرة واحدة، أو في ركبتيه وجع أو مريضا أو ما أشبه ذلك.
فإذا كان محتاجا إليها فإنه يجلس وفي هذه الحال تكون مشروعة من جهة أن ذلك أرفق به، وما كان أرفق بالمرء فهو أولى.
ومن العلماء من قال: إنها جلسة عبادة وإنها مشروعة لكل مصل سواء كان نشيطا أو غير نشيط.
ومنهم من قال: إنها غير مشروعة مطلقا.
فالأقوال إذا ثلاثة، وأرجح الأقوال عندي: أنها جلسة راحة ودليل ذلك أنها ليس لها تكبير عند الجلوس ولا عند القيام منها، وليس فيها ذكر مشروع وكل فعل مقصود فإنه يكون فيه ذكر مشروع، فعلم بهذا أنها جلسة راحة، وأن الإنسان إذا كان محتاجا إليها فليرح نفسه اقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم وإلا فلا يجلس.
وهذا اختيار صاحب المغني واختيار ابن القيم في زاد المعاد، وهو أرجح الأقوال فيما أرى.
ولكن يبقى النظر إذا كان الإمام يرى هذه الجلسة والمأموم لا يراها لأنه نشيط. فهل يجلس تبعا لإمامه، أو يقوم وإن كان إمامه جالسا، أو ينتظر في السجود إذا كان يعلم أن إمامه يجلس حتى يغلب على ظنه أن إمامه استتم واقفا؟

(59/4)


والجواب على هذا نقول: إذا كان الإمام يرى أن يجلس وجلس فليجلس معه حتى وإن لم يكن المأموم يراها مشروعة اتباعا لإمامه، وإذا كان الإمام لا يرى الجلسة والمأموم يراها فإن المأموم لا يجلس في هذه الحال اتباعا للإمام؛ لأن موافقة المأموم للإمام أمر مطلوب حتى لو أن الإمام قام عن التشهد الأول ناسيا وجب على المأموم متابعته مع أن الأصل أن التشهد الأول واجب من واجبات الصلاة.
وقد ذكر شيخ الإسلام – رحمه الله – هذا في الفتاوى وقال: إن المأموم لا يجلس إذا كان إمامه لا يجلس للاستراحة.

540 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: إذا كان الإمام لا يجلس جلسة الاستراحة فهل يسن للمأموم أن يجلس؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان المأموم يرى جلسة الاستراحة والإمام لا يجلس فإن الأفضل للمأموم أن لا يجلس، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – لأن متابعة الإمام أهم، ولذلك وجب على المأموم أن يتابع إمامه حتى في ترك الواجب، وذلك فيما لو قام الإمام من التشهد الأول سهوا فإن المأموم لا يجلس، وكذلك لو دخل المأموم في الركعة الثانية من الظهر مثلا فإنه سوف يجلس للتشهد في غير محله، وسوف يدع التشهد في محله كل ذلك من أجل متابعة الإمام.
ولهذا نقول: إن جلسة الاستراحة للمأموم إذا كان الإمام لا يجلس لا تنبغي بل الأفضل عدمها موافقة للإمام، والعكس بالعكس فلو كان الإمام يجلس لأنه يرى مشروعية الجلسة والمأموم لا يرى مشروعية الجلسة فإنه يجلس متابعة للإمام.

---
(1) أخرجه البيهقي 2/136، وابن قدامة في المغني 2/214.
(2) رواه البخاري في الأذان باب 143 – كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة (824) وراجع ص182.
(3) راجع فتح الباري 2/131.
(4) رواه مسلم في صلاة المسافرين باب 16 – جواز النافلة قائما وقاعدا. ح117 (732).
(5) الموضع السابق ح115 (732) و ح118 (733).

(59/5)


(6) متفق عليه: رواه البخاري في الأذان باب من لم ير التشهد واجبا... (829) في السهو باب 1 – ما جاء في السهو.. (1225). ورواه مسلم في المساجد باب السهو في الصلاة.. ح85 (570).
(7) تقدم تخريجه ص181 وهو في البخاري.
(1) رواه البخاري وتقدم في ص181.

(59/6)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
صفة الجلوس للتشهد
محمد بن صالح العثيمين
541 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تحريك السبابة في التشهد من أوله إلى آخره؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحريك السبابة إنما يكون عند الدعاء، وليس في جميع التشهد، فإذا دعى حركها كما جاء ذلك في بعض الأحاديث.. "يحركها يدعو بها"(1) ووجه ذلك أن الداعي إنما يدعو الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى في السماء لقوله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور* أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء"(2) فالله تعالى في السماء – أي في العلو – فوق كل شيء، فإذا دعوت الله فإنك تشير إلى العلو، ولهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب الناس في حجة الوداع وقال: "ألا هل بلغت"؟ قالوا: نعم، فرفع إصبعه إلى السماء وجعل ينكتها إلى الناس يقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد ثلاثا"(1)، وهذا يدل على أن الله تعالى فوق كل شيء، وهو أمر واضح معلوم بالفطرة، والعقل، والسمع، والإجماع، وعلى هذا فكلما دعوت الله عز وجل فإنك تحرك السبابة تشير بها إلى السماء، وفي غير ذلك تجعلها ساكنة، فلنتتبع الآن مواضع الدعاء في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، هذه ثمانية مواضع يحرك الإنسان إصبعه فيها نحو السماء، وإن دعا بغير ذلك أيضا رفعها؛ لأن القاعدة أن يرفعها عند كل دعاء.

(60/1)


542 وسئل فضيلة الشيخ: يقال إن ضم الإبهام إلى الوسط ومد السبابة وتحريكها والنظر إليها أثناء التشهد في الصلاة أشد على الشيطان من ضرب الحديد. ما مدى صحة هذه الرواية؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الرواية لا أعرف عنها شيئا(2)، لكن من الأمور المشروعة أن الإنسان يقبض الخنصر والبنصر، ويلحق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة كلما دعا.

---
(1) تقدم تخريجه ص201.
(2) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، رواه البخاري في المغازي باب 63 بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن (4351)، ورواه مسلم في الزكاة باب 47 – ذكر الخوارج وصفاتهم ح144 (1064).
(1) هو جزء من حديث جابر في حجة الوداع وبهذا اللفظ رواه مسلم في الحج باب 19 – حجة النبي صلى الله عليه وسلم 2/890 ح147 (1218).
(2) أخرجها الإمام أحمد بلفظ: "لهي أشد على الشيطان من الحديد – يعني السبابة"، المسند 2/119، وانظر ما تقدم ص212.

(60/2)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
محمد بن صالح العثيمين
543 وسئل فضيلة الشيخ: عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد هل تكون بصيغة كاف الخطاب أو لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: أكثر العلماء على أن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يكون بكاف الخطاب (عليك) بعد وفاته كما هو كذلك قبل وفاته وذلك لأن الكاف ليست خطاب حاضر يكلم، بل كان الصحابة يقولون ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم غير حاضر عندهم، فقد كانوا يقولونها وهم في بلد والنبي صلى الله عليه وسلم في بلد، وإذا قالوها في حضرته في الصلاة فلم يكونوا يسمعونها إياه، ولو أسمعوها إياه وكانت خطاب حاضر يكلم لأمكن أن يقال بوجوب الرد عليهم، وهذا دليل على أن الكاف هنا لتنزيل الغائب منزلة الحاضر لقوة استحضار القلب له.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ص416 بعد كلام له: هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب لشهوده بالقلب كما يقول المصلي (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب أهـ.

(61/1)


وإذا تبين أن الكاف هنا ليست خطاب حاضر يكلم علم أن الأولى اتباع ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به فيؤتى بالسلام على اللفظ الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم كما قال بذلك جمهور أهل العلم. وروى مالك في الموطأ(3) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن القاري أنه سمع عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا التحيات لله فذكر الحديث وفيه السلام عليك أيها النبي إلخ. وهذا يدل على أن فعل ابن مسعود – رضي الله عنه(4) – كان اجتهادا منه، وليس إجماعا للصحابة وحينئذ يكون ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وما أعلنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأعلمه الناس على المنبر مقدما على اجتهاد عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – فيقال: السلام عليك أيها النبي امتثالا لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، واقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا يقال السلام على النبي.

544 وسئل فضيلة الشيخ: هل تشرع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول؟ وهل يكمل المسبوق التشهد الأخير متابعة للإمام؟ وما حكم الدعاء في التشهد الأول؟
فأجاب فضيلته بقوله: مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأولى اختارها كثير من العلماء، واختار الجمهور عدم استحباب ذلك وهو الأقرب عندي، ولو قالها المصلي فلا حرج.
والمسبوق يكمل التشهد ولا حرج عليه.
أما الدعاء في التشهد الأول فما علمت أحدا قال به، بل صرح بعض العلماء بكراهة تطويل التشهد الأول، والزيادة فيه على ما ورد، قال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: يكره أن يزيد في التشهد الأول على لفظ التشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والآل إذا سنناهما فيكره أن يدعو فيه أو يطوله بذكر آخر.
وبناء على هذا يكون قوله من الدعاء الوارد فيه نظر إذ لم يرد دعاء في التشهد الأول.
وأما التشهد الذي فيه السلام فيدعو فيه بما أحب من الوارد وغيره.

(61/2)


545 وسئل فضيلة الشيخ: هل يكره إفراد الصلاة أو السلام على النبي صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح أنه لا كراهة في إفراد الصلاة أو السلام على النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الدليل على ذلك، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته التشهد أولا وليس فيه ذكر الصلاة. حرر في 19/1/1418هـ.

546 وسئل فضيلته: ما معنى قولنا "اللهم صل على محمد"؟
فأجاب بقوله: إذا قال القائل: "اللهم صل على محمد" فإن معناه: اللهم أثن عليه في الملأ الأعلى، أي كرر مدحه في الملأ الأعلى، أي في الملائكة. هكذا قال أبو العالية – رحمه الله – وهو القول الحق، وهو أصح من قول من قال: (إن صلاة الله على عبده هي رحمته) لأن هذا القول ضعيف لأن الله قال في كتابه: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة). فعطف الرحمة على الصلوات والعطف يقتضي المغايرة؛ ولأنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لكان الإنسان يصلي على كل أحد كما يدعو لكل أحد بالرحمة، والصلاة لا تكون إلا على النبي أو على غيره معه مثل قول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد".
أما الصلاة على غير النبي فقد اختلف العلماء في جوازها. منهم من قال: إنها جائزة لقول الله تبارك وتعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم). وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال: "اللهم صل على آل فلان"(1). ومنهم من قال: تجوز إذا كان لها سبب، ولم تتخذ شعارا لشخص معين.
ومنهم من قال: تجوز مطلقا إذا لم تتخذ شعارا.
وعلى كل حال فهذا يدل على أن الصلاة ليست هي الرحمة، إذ لم يختلف العلماء في جواز الدعاء بالرحمة لكل مسلم، وعلى هذا يتبين بوضوح أن صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.

547 وسئل فضيلة الشيخ: هل يقال في التشهد السلام على النبي أو يقال السلام عليك أيها النبي؟

(61/3)


فأجاب فضيلته بقوله: الصواب بلا شك أننا نقول: السلام عليك أيها النبي كما قالها الصحابة رضي الله عنهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى مالك في الموطأ(1) عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: التحيات لله الذاكيات لله الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
فهو هو عمر – رضي الله عنه – يعلمه الناس كما علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته بلفظ السلام عليك أيها النبي، وما أنكر ذلك عليه أحد، ثم إن الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يقصدون بكاف الخطاب مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم في أماكن بعيدة عنه صلى الله عليه وسلم فهم في مكة والطائف، وبادية الجزيرة، وفي المدينة فلم يكن يسمعهم، بل الذين معه في مسجده لم يكونوا يقصدون إسماعه ذلك، وأنهم يسلمون عليه في الصلاة كما يسلمون عليه عند الملاقاة. حرر في 19/1/1418هـ.

548 سئل فضيلة الشيخ: ما الكيفية الصحيحة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟

(61/4)


فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال كما قال الله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الصلاة عليه، وأخبر أنه من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشرا(2). وخير صيغة يقولها الإنسان في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه بها مثل قوله: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"(3)، وغيرها من صيغ الصلوات التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن خير ما ألف في ذلك كتاب العلامة ابن القيم – رحمه الله – المسمى "جلاء الإفهام في الصلاة على خير الأنام" فليرجع إليه السائل وغيره للاستفادة منه.

549 وسئل فضيلته الشيخ: هل يقتصر المصلي في التشهد الأول على التشهد أو يزيد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: التشهد الأول في الثلاثية والرباعية يقتصر فيه على قول: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)(4)، هذا هو الأفضل فإن زاد وقال: (اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)(1)، فلا بأس.
ومن العلماء من استحب هذه الزيادة؛ لكن الأقرب عندي الاقتصار على الحد الأول، وإن زاد فلا بأس، لاسيما إذا أطال الإمام التشهد، فحينئذ يزيد الصلاة التي ذكرناها.

(61/5)


550 وسئل فضيلة الشيخ: متى يكون التكبير عند القيام من التشهد الأول؟
فأجاب فضيلته بقوله: التكبير عند القيام من التشهد الأول يكون عند النهوض – أي فيما بين الجلوس والقيام – وليس وهو جالس، ففي صحيح البخاري(2) عن سعيد بن الحارث قال: (صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين)، وقال: (هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم)، وقال مطرف: (صليت أنا وعمران صلاة خلف علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما سلم أخذ عمران بيدي فقال: قد صلى بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)(3).
وهكذا كل تكبيرات الانتقال محلها ما بين الركنين المنتقل منه والمنتقل إليه.

---
(3) رواه مالك في كتاب الجمعة باب التشهد في الصلاة 1/193 (499).
(4) حديث ابن مسعود متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 148 – التشهد في الآخرة ح(831)، مسلم في الصلاة باب 16- التشهد في الصلاة ح55 (402). ولفظه في البخاري: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام= = على الله، السلام على فلان وفلان. فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله هو السلام فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته... إلى أن محمدا عبده ورسوله". وفي البخاري ح(6265) قال عبد الله في نهاية الحديث: وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي صلى الله عليه وسلم.

(61/6)


(1) متفق عليه من حديث ابن أبي أوفى ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه أهل بيت بصدقة صلى عليهم فتصدق أبي بصدقة فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". رواه البخاري في الزكاة باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (1497) ورواه مسلم في الزكاة باب 54 – الدعاء لمن أتى بصدقة 2/756 ح176 (1078).
(1) في كتاب الجمعة باب التشهد في الصلاة 1/193 (499).
(2) رواه مسلم من حديث أبي هريرة في الصلاة باب 17 – في ثواب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد 1/306 ح70 (408).
(3) متفق عليه من حديث كعب بن عجره رواه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 11 (3369 و 3370) ومسلم في الصلاة باب 17 – الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد 1/305 ح66 (405).
(4) متفق عليه من حديث ابن مسعود راجع ص226.
(1) راجع التخريج في السؤال السابق.
(2) رواه البخاري في الأذان باب 144 – يكبر وهو ينهض من السجدتين ح(825).
(3) رواه البخاري في الموضع السابق ح(826) وراجع أيضا ح(786).

(61/7)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
صفة الجلوس للتشهد الأخير
محمد بن صالح العثيمين
551 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التورك في الصلاة؟ وهل هو عام للرجال والنساء؟ أفيدونا جزاكم الله خيرا.
فأجاب فضيلته بقوله: جلسة التورك في الصلاة سنة في التشهد الأخير في كل صلاة فيها تشهدان؛ كصلاة المغرب، والعشاء، والظهر والعصر. وأما الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد فليس فيها تورك. بل يفترش. هذا عن حكم التورك.
أما كونه للرجال والنساء، فنعم فهو ثابت في حق النساء والرجال؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلا بدليل شرعي يدل على عدم التساوي، وليس هناك دليل شرعي صحيح على أن المرأة تختلف عن الرجل في هيئات الصلاة؛ بل هي والرجل على حد سواء.

552 سئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: هناك أدعية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل: (ربي أجرني من النار)، فهل يجوز عند الدعاء بها إضافة شيء إليها كأن يقال: (ربي أجرني من النار ووالدي وإخواني)، بقصد الدعاء لهم؟ وهل يجوز الاستغفار والدعاء للوالدين وغيرهم في صلاة الفرض وأثناء خطبة الإمام يوم الجمعة؟ وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والذكر والإمام يخطب؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية فالأولى المحافظة فيه على الصيغة الواردة بدون زيادة، ثم بعد ذلك تدعو لمن أحببت.
والدعاء للوالدين وغيرهم من المؤمنين جائز في الفرض والنفل بعد المحافظة على الذكر الوارد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"(4).

(62/1)


أما الدعاء أثناء خطبة الجمعة فلا يجوز لا للوالدين ولا لغيرهم؛ لأنه يشغل عن استماع الخطبة، لكن لو ذكر الخطيب الجنة أو النار، وقلت: أسأل الله من فضله، أو أعوذ بالله من النار من غير أن يشغلك عن سماع الخطبة، أو تشويش على غيرك فلا بأس، ومثل ذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره في الخطبة إذا لم يشغلك عن سماعها فصل عليه.

553 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى-: جمع الإمام بين المغرب والعشاء للمطر وعندما سلم الإمام من المغرب لم يسلم رجل من جماعة المسجد بل وصلها بصلاة العشاء ولم يكبر تكبيرة الإحرام للعشاء، فهل تصح صلاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرجل المذكور الذي قام مع الإمام في الجمع بدون سلام من صلاة المغرب، وبدون تكبيرة إحرام للعشاء هذا الرجل صلاته للمغرب باطلة؛ لأنه لم يسلم منها بل قرنها بصلاة أخرى، والسلام ركن، وقرن الصلاة بأخرى بدون سلام من الأولى لا يجوز.
وكذلك صلاته للعشاء باطلة لأنه لم يكبر لها تكبيرة الإحرام ووصلها بصلاة ثانية.
وعلى هذا فيجب عليه إعادة الصلاتين صلاة المغرب وصلاة العشاء مع التوبة إلى الله من هذا العمل. حرر في 28/2/1394هـ.

---
(4) رواه البخاري في الأذان/ باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد (800).

(62/2)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
التسليم
محمد بن صالح العثيمين
554 وسئل فضيلة الشيخ: التسليم من الصلاة هل يكون مصاحبا للالتفات، أو قبله، أو بعده؟
فأجاب فضيلته بقوله: التسليم للصلاة مع الالتفات من حين تبدأ حتى تختم السلام وأنت ملتفت تماما؛ لأنك تخاطب من ورائك.
أما بعض الناس يقول: السلام عليكم هكذا يرفع رأسه وإذا بقي "عليكم" التفت بسرعة هذا ليس بصحيح إنما تقول: "السلام عليكم" تبدأ من حين تبدأ بالجملة تبدأ بالالتفات حتى يكون التفاتك عند قولك "عليكم" لأنك تخاطب الجماعة وراءك.

555 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: عن إمام يسلم تسليمة واحدة عن يمينه فقط فهل يجزئ الاقتصار على تسليمه واحدة؟ أفتونا جزاكم الله خيرا.
فأجاب فضيلته بقوله: يرى بعض العلماء أنه يجوز الاقتصار على واحدة – أي على تسلميه واحدة – ويرى بعضهم أنه لابد من التسليمتين، ويرى آخرون أن التسليمه الواحدة تكفي في النفل دون الفرض.
والاحتياط للإنسان أن يسلم مرتين؛ لأن هذا أكثر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحوط وأكثر ذكرا، لكن إذا سلم الإمام مرة واحدة وكان المأموم لا يرى الاقتصار على واحدة فليسلم المأموم مرتين ولا حرج عليه في هذا، أما لو سلم الإمام مرتين والمأموم يرى تسلميه واحدة فليسلم مع الإمام من أجل متابعته.

556 وسئل الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: ما حكم من يزيد في اليمين في السلام من الصلاة بقوله (وبركاته)؟

(63/1)


فأجاب فضيلته بقوله: من زاد في السلام على اليمين (وبركاته) فقد وافق بعض العلماء في ذلك، وهذا مبني على صحة هذه الزيادة، وفيها مقال معروف، فقد قال النووي في كتاب (الأذكار) ولا يستحب أن يقول معه وبركاته لأنه خلاف المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان قد جاء في رواية لأبي داود وقد ذكره جماعة من أصحابنا منهم إمام الحرمين وزاهر السرخسي والروياني في الحلية، ولكنه شاذ، والمشهور ما قدمناه، والله أعلم.
ومراده في الشذوذ يعني في المذهب ورواية أبي داود فيها موسى بن قيس الحضرمي قل العقيلي: من الغلاة في الرفض، يلقب عصفور الجنة، يحدث بأحاديث مناكير وفي نسخة بواطيل، ووثقه ابن معين وغيره، وقال في التقريب: صدوق رمي بالتشيع من السادسة. أهـ. قلت: والظاهر عدم استحبابها ولا ينكر على من قالها.
حرر في 27/6/1418هـ.

(63/2)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
انصراف الإمام
محمد بن صالح العثيمين
557 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: هل الأولى للإمام أن ينصرف بعد الصلاة مباشرة أو ينتظر قليلا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى للإمام أن يبقى مستقبل القبلة بقدر ما يستغفر الله ثلاثا، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى جهة المأمومين(1).
أما بقاؤه في مكانه فإن كان يلزم من قيامه تخطي رقاب المأمومين فالأولى أن يبقى حتى يجد متسعا، وإلا فله الانصراف.
أما المأموم فالأولى أن لا ينصرف قبل إمامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبقوني بالانصراف"(2). لكن إذا أطال الإمام البقاء مستقبل القبلة أكثر من السنة فللمأموم أن ينصرف.

---
(1) هذا حديث ثوبان رواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح135 (591).
(2) رواه مسلم في الصلاة باب 25 – تحريم سبق الإمام 1/320 ح112 – (426) وفي أوله: "أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا السجود ولا بالقيام ولا بالانصراف".

(64/1)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
المصافحة بعد الصلاة
محمد بن صالح العثيمين
558 سئل فضيلة الشيخ: ما رأى فضيلتكم في المصافحة وقول "تقبل الله" بعد الفراغ من الصلاة مباشرة؟ وجزاكم الله خيرا.
فأجاب فضيلته بقوله: لا أصل للمصافحة، ولا لقول، "تقبل الله" بعد الفراغ من الصلاة، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه – رضي الله عنهم -. حرر في 25/5/1409هـ.

(65/1)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
استعمال المسبحة
محمد بن صالح العثيمين
559 سئل فضيلة الشيخ – أعلى الله مكانه ومكانته عنده -: ما حكم استعمال السبحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليس مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله – أي بأصابعه – لأنهن "مستنطقات"(3) كما أرشد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيرا من أولئك الذين يستعملون المسبحة نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه، أو تهليله أو تحميده، أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يمينا وشمالا، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحضر لقلبه غالبا، الشيء الثالث أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيرا من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات.
وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنه يخشى منه، فهذه ثلاثة أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله سبحانه وتعالى بأنامله.

(66/1)


ثم أن الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعقد التسبيح بيمينه(4) واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا كان الأيمن مفضلا على الأيسر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك"(1). وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله"(2). فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعا للسنة، وأخذا باليمين فقد: "كان النبي عليه الصلاة والسلام يعجبه التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله"(3).
وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع.

560 وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له-: ما رأيكم في استخدام المسبحة في التسبيح؟ جزاكم الله خيرا.
فأجاب فضيلته بقوله: استخدام المسبحة جائز، لكن الأفضل أن يسبح بالأنامل وبالأصابع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اعقدن بالأصابع فإنهن مستنطقات"(4).
ولأن حمل السبحة قد يكون فيه شيء من الرياء؛ ولأن الذي يسبح بالسبحة غالبا تجده لا يحضر قلبه فيسبح بالمسبحة وينظر يمينا وشمالا. فالأصابع هي الأفضل وهي الأولى.

---
(3) لما رواه الإمام أحمد في المسند 611/370، وأبو داود في الصلاة/ باب التسبيح بالحصى (1501)، والترمذي في الدعوات، باب فضائل التسبيح (3583) ونص الحديث: عن يسيرة قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات".

(66/2)


(4) رواه أبو داود في الصلاة/ باب التسبيح بالحصى (1502).
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الأطعمة باب 2 – التسمية على الطعام والأكل باليمين (5376)، ورواه مسلم في الأشربة باب 13 – آداب الطعام والشراب 3/1599 ح108 (2022).
(2) رواه مسلم في الموضع السابق ح106 (2020).
(3) متفق عليه، رواه البخاري في الوضوء، باب 31 – التيمن في الوضوء والغسل (168)، ورواه مسلم في الطهارة باب 19: التيمين في الطهور وغيره 1/226 ح66 و 67 (268).
(4) راجع تخريجه في السؤال السابق.

(66/3)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
عد التسبيح
محمد بن صالح العثيمين
561 سئل فضيلة الشيخ: هل يعد الإنسان التسبيح بالأنامل أو بالأصابع؟
فأجاب فضيلته بقوله: التسبيح بالأنامل أو الأصابع واسع، إن شاء عقد بالأنامل، وإن شاء عقد بالأصابع، والأفضل أن يكون عقد التسبيح باليمين كما جاء به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام(5).

562 سئل فضيلة الشيخ: عن عد التسبيح هل يكون باليد اليمنى فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن يسبح اليمنى لأن هذا هو ما رواه أبو داود من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعقد التسبيح بيمينه(6)، ولكن لا ينبغي التشديد في هذا الأمر بحيث ينكر على من يسبح بكلتا يديه، بل نقول إن السنة أن تقتصر على اليمين؛ لأن هذا هو الذي ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن ذلك أفضل وأكمل؛ لأن اليمين تقدم في الأمور المحمودة، واليسرى في الأمور الأخرى.

563 وسئل الشيخ – حفظه الله تعالى – عن حكم التسبيح بالسبحة، وهل تعتبر من الوسائل المعينة على العبادة؟ أفتونا وفقكم الله تعالى.
فأجاب بقوله: التسبيح بالأصابع خير من التسبيح بالسبحة من وجوه ثلاثة:
الأول: أنه الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لجماعة نسوة: "اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات"(7).
الثاني: أنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء.
الثالث: أنه أقرب إلى حضور القلب ولذلك ترى المسبح بالسبحة يتجول بصره حين التسبيح يمينا وشمالا لا لكونه قد ضبط العدد بخرز السبحة فهو يسردها حتى ينتهي إلى آخرها ثم يقول سبحت مائة مرة أو ألف مرة مثلا بخلاف الذي يعقد بالأنامل فقلبه حاضر.

(67/1)


وأما وسائل العبادة فهو كل ما أوصل إلى العبادة فإذا لم يكن طريقا محرما لذاته ولم يكن موجبا للإعراض عن أصول الدعوة الشرعية فلا بأس به، أما إن كان محرما لذاته كالكذب والمعازف فلا يصح أن يكون وسيلة للدعوة إلى الله تعالى ولا يحل فعله. وكذلك لو كان موجبا للإعراض عن أصول الدعوة الشرعية كالأناشيد التي تلهي عن أصول الدعوة الشرعية فإنه ينهى عنها.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 10 رجب 1418هـ.

---
(5) تقدم تخريجه ص240.
(6) تقدم تخريجه ص241.
(7) تقدم تخريجه ص240.

(67/2)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
الجهر بالذكر بعد الصلاة
محمد بن صالح العثيمين
564 وسئل فضيلة الشيخ: ما الأذكار التي يرفع الإنسان بها صوته بعد الصلاة المكتوبة؟ وما قولكم في قول بعضهم إن رفع الصوت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أجل التعليم؟ وما رأيكم في قول شيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم – رحمهما الله-: إن الدعاء يكون قبل السلام والذكر بعده؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذكار التي يرفع الإنسان بها صوته بعد المكتوبة: كل ذكر يشرع بعد الصلاة، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتهم"(1)، فدل هذا على أن كل ما يشرع من ذكر في أدبار الصلاة فإنه يجهر به.
وأما من زعم من أهل العلم أنه كان يجهر به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم للتعليم، وأنه لا يسن الجهر به الآن فإن هذا في الحقيقة مبدأ خطير، لو كنا كلما جاءت سنة بمثل هذا الأمر قلنا إنها للتعليم، وأن الناس قد تعلموا الآن فلا تشرع هذه السنة لبطل كثير من السنن بهذه الطريقة، ثم نقول: الرسول عليه الصلاة والسلام قد أعلمهم بما يشرع بعد الصلاة، كما في قصة الفقراء الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [في أن الأغنياء سبقوهم فقال: "ألا أخبركم بشيء تدركون به من سبقكم"(2)؟ ثم ذكر لهم أن يسبحوا ويكبروا ويحمدوا ثلاثا وثلاثين]. فقد علمهم بالقول صلى الله عليه وسلم.
فالصواب في هذا أنه يشرع أدبار الصلوات المكتوبة أن يجهر الإنسان بكل ما يشرع من ذكر سواء بالتهليل، أو بالتسبيح أو الاستغفار بعد السلام ثلاثا أو بقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وتباركت يا ذا الجلال والإكرام(3).

(68/1)


وأما ذكر السائل عن شيخ الإسلام بن تيميه، وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله – من أن الدعاء قبل السلام والذكر بعده، فهذا كلام جيد جدا ويدل عليه حديث ابن مسعود رضي الله عنه حينما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد، ثم قال بعد ذلك: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه"(4). فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام المصلي أن يدعو بعد التشهد مباشرة وقبل السلام.
وأما أن الذكر بعد السلام فلقول الله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم). وعلى هذا فيكون ما بعد السلام ذكرا ويكون ما قبل السلام دعاء هذا ما يقتضيه الحديث، وما يقتضيه القرآن، وكذلك المعنى يقتضيه أيضا لأن المصلي بين يدي الله عز وجل فمادام في صلاته فإنه يناجي ربه كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم(1)، وإذا انصرف وسلم انصرف من ذلك فكيف نقول أجل الدعاء حتى تنصرف من مناجاة الله، المعقول يقتضي أن يكون الدعاء قبل أن تسلم ما دمت تناجي ربك تبارك وتعالى، وعلى هذا فيكون ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله وتلميذه ابن القيم، هو الصواب الذي دل عليه المنقول والمعقول، ولكن لا حرج أن الإنسان يدعو بعد الصلاة أحيانا، أما اتخاذ ذلك سنة راتبة كما يفعله بعض الناس كلما انصرف من السنة رفع يديه يدعو فإن هذا لا أعلم فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

رسالة

الجهر بالذكر بعد الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرخ في الشهر الماضي وصل، وسؤالكم عن: حكم الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة وصورته.

(68/2)


فالجواب: أن الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة سنة، دل عليها ما رواه البخاري(1) من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته". ورواه الإمام أحمد(2) وأبو داود(3) وهذا الحديث من أحاديث العمدة، وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قضى الصلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له". الحديث(4)، ولا يسمع القول إلا إذا جهر به القائل.
وقد اختار الجهر بذلك شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – وجماعة من السلف، والخلف، لحديثي ابن عباس، والمغيرة – رضي الله عنهم – والجهر عام في كل ذكر مشروع بعد الصلاة سواء كان تهليلا، أو تسبيحا، أو تكبيرا، أو تحميدا لعموم حديث ابن عباس، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم التفريق بين التهليل وغيره بل جاء في حديث ابن عباس أنهم يعرفون انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير(5)، وبهذا يعرف الرد على من قال لا جهر في التسبيح والتحميد والتكبير.
وأما من قال: إن الجهر بذلك بدعة فقد أخطأ فكيف يكون الشيء المعهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بدعة؟! قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: (ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وتقريره، وكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد تعليمهم إياه، ويقرهم على ذلك فعلموه بتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم، وعملوا وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به ولم ينكره عليهم).
وأما احتجاج منكر الجهر بقوله تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال).

(68/3)


فنقول له: إن الذي أمر أن يذكر ربه في نفسه تضرعا وخيفة هو الذي كان يجهر بالذكر خلف المكتوبة، فهل هذا المحتج أعلم بمراد الله من رسوله، أو يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم المراد ولكن خالفه، ثم إن الآية في ذكر أول النهار وآخره (بالغدو والآصال) وليست في الذكر المشروع خلف الصلوات، وقد حمل ابن كثير في تفسيره الجهر على الجهر البليغ.
وأما احتجاج منكر الجهر أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم". الحديث(1).
فإن الذي قال: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم" هو الذي كان يجهر بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، فهذا له محل، وذاك له محل، وتمام المتابعة أن تستعمل النصوص كل منها في محله.
ثم إن السياق في قوله: "اربعوا على أنفسكم" يدل على أنهم كانوا يرفعون رفعا بليغا يشق عليهم ويتكلفونه، ولهذا قال: "أربعوا على أنفسكم". أي: ارفقوا بها ولا تجهدوها، وليس في الجهر بالذكر بعد الصلاة مشقة ولا إجهاد.
أما من قال: إن في ذلك تشويشا.
فيقال له: إن أردت أنه يشوش على من لم يكن له عادة بذلك، فإن المؤمن إذا تبين له أن هذا هو السنة زال عنه التشويش، إن أردت أنه يشوش على المصلين، فإن المصلين إن لم يكن فيهم مسبوق يقضي ما فاته فلن يشوش عليهم رفع الصوت كما هو الواقع، لأنهم مشتركون فيه، وإن كان فيهم مسبوق يقضي فإن كان قريبا منك بحيث تشوش عليه فلا تجهر الجهر الذي يشوش عليه لئلا تلبس عليه صلاته، وإن كان بعيدا منك فلن يحصل عليه تشوش بجهرك.
وبما ذكرنا يتبين أن السنة رفع الصوت بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، وأنه لا معارض لذلك لا بنص صحيح ولا بنظر صريح، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعا العلم النافع والعمل الصالح، إنه قريب مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حرر في 15/6/1409هـ.

565 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الجهر بالذكر بعد الصلاة؟

(68/4)


فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن يجهر به كما كان عليه الصلاة والسلام يجهر بذلك، قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم(2)، والناس إذا رفعوا أصواتهم جميعا لم يشوش بعضهم على بعض. لكن يشوش بعضهم على بعض إذا كان أحدهم يجهر والآخر يسر، والذي يسر لاشك أنه يشوش عليه، فإذا كان الذي يقضي إلى جنب الإنسان وخاف أن يشوش عليه فحينئذ لا يرفع صوته على وجه يشوش، حتى على الذين يقضون؛ لأن الأصوات إذا اختلطت تداخل بعضها في بعض فارتفع التشويش، كما تشاهد الآن في يوم الجمعة الناس يقرأون كلهم القرآن يجهرون به ويأتي المصلي ويصلي ولا يحدث له تشويش.

566 سئل فضيلة الشيخ: وفقه الله تعالى -: ما الأذكار المشروعة بعد السلام من الصلاة؟

(68/5)


فأجاب فضيلته بقوله: ذكر الله تعالى بعد الصلوات قد أمر الله به في قوله: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم). (النساء: 103). وهذا الذكر الذي أمر الله به مجملا بينه النبي صلى الله عليه وسلم فتقول إذا سلمت: استغفر الله ثلاثا، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام(3)، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد(4) لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون(1)، وتسبح الله تعالى بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك أن تسبح الله وتحمده وتكبره ثلاثا وثلاثين تقول: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر ثلاثا وثلاثين(2)، وتقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير(3). وسواء قلتها مجموعة سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثا وثلاثين، أو قلت التسبيح وحده، والتحميد وحده، والتكبير وحده وتختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
كذلك يجوز أن تسبح وتحمد وتكبر عشرا عشرا، بدلا من الثلاثة وثلاثين فتقول: سبحاه الله، عشر مرات، والحمد لله، عشر مرات، والله أكبر، عشر مرات، فهذه ثلاثون وهذا مما جاءت به السنة(4).
ومما جاءت به السنة في هذا أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر هذه أربع تقال خمسا وعشرين فيكون المجموع مائة(5).

(68/6)


فأي نوع من هذه الأنواع سبحت به فهو جائز؛ لأن القاعدة الشرعية: "أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يسن فعلها على هذه الوجوه كلها هذه مرة وهذه مرة" لأجل أن يأتي الإنسان بالسنة في جميع وجوهها، وهذه الأذكار التي قلت عامة في الصلوات: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفي المغرب وفي الفجر يكون التهليل عشر مرات، وكذلك "ربي أجرني من النار" سبع مرات بعد المغرب والفجر، والله الموفق.

567 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم رفع اليدين والدعاء بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس من المشروع أن الإنسان إذا أتم الصلاة رفع يديه ودعا، وإذا كان يريد الدعاء فإن الدعاء في الصلاة أفضل من كونه يدعو بعد أن ينصرف منها، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حديث ابن مسعود(6) حين ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء".
وأما ما يفعله بعض العامة من كونهم كلما صلوا تطوعا رفعوا أيديهم حتى إن بعضهم تكاد تقول إنه لم يدع؛ لأنك تراه تقام الصلاة وهو في التشهد من تطوعه فإذا سلم رفع يديه رفعا كأنه والله أعلم رفع مجرد، ثم مسح وجهه، كل هذا محافظة على هذا الدعاء الذي يظنون أنه مشروع، وهو ليس بمشروع. فالمحافظة عليه إلى هذا الحد يعتبر من البدع.

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
سؤالكم عن رفع الأيدي في الدعاء وعن الدعاء بعد الصلوات.
والجواب: وبالله التوفيق ومنه تستمد الهداية والصواب: اعلم أن دعاء الله تعالى من عبادته؛ لأن الله تعالى أمر به وجعله من عبادته في قوله: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين).

(68/7)


وإذا كان الدعاء من العبادة فالعبادة تتوقف مشروعيتها على ورود الشرع بها في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
ولا ريب أن الأصل في الدعاء مشروعية رفع اليدين فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل رفع اليدين فيه من أسباب الإجابة، حيث قال فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" (الحديث(1) وفيه): "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك".
وفي حديث سلمان الذي رواه أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا"(2).
لكن ما ورد فيه عدم الرفع كان السنة فيه عدم الرفع، والرفع فيه بدعة سواء ورد عدم الرفع فيه تصريحا، أو استلزاما.
فمثال ما ورد فيه عدم الرفع تصريحا: الدعاء حال خطبة الجمعة، ففي صحيح مسلم عن عمارة ابن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه السبابة(3).
ويستثنى من ذلك ما إذا دعا الخطيب باستسقاء فإنه يرفع يديه والمأمومون كذلك، لما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة أن يستسقي قال: "فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون". وقد ترجم عليه البخاري: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء(4).

(68/8)


وعلى هذا يحمل حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري أيضا عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه"(5) فيكون المراد به دعاءه في الخطبة، ولا يرد على هذا رفع يديه في الخطبة للاستصحاء لأن القصة واحدة. وقد أيد صاحب الفتح (ابن حجر) حمل حديث أنس على أن المراد بالنفي في حديث أنس نفي الصفة لا أصل الرفع كما في ص517 ج2 طبعة الخطيب.
وأيا كان الأمر فإن حديث عمارة يدل على أنه لا ترفع الأيدي في خطبة الجمعة وإنما هي إشارة بالسبابة، وحديث أنس يدل على رفعها في الاستسقاء، والاستصحاء، فيؤخذ بحديث عمارة فيما عدا الاستسقاء، والاستصحاء، ليكون الخطيب عاملا بالسنة في الرفع والإشارة بدون رفع.
ومثال ما ورد فيه عدم الرفع استلزاما: دعاء الاستفتاح في الصلاة، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في التشهدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يضع يديه على فخذيه في الجلوس، ويضع يده اليمنى على اليسرى في القيام". ولازم ذلك أن لا يكون رافعا لهما.
وأما الدعاء أدبار الصلوات ورفع اليدين فيه فإن كان على وجه جماعي، بحيث يفعله الإمام ويؤمن عليه المأمومون، فهذا بدعة بلا شك. وإن كان على وجه انفرادي فما ورد به النص فهو سنة، مثل الاستغفار ثلاثا(1) فإن الاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء ومثل قول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"(2) عند من يرى أن ذلك بعد السلام، ومثل قول: "رب أجرني من النار سبع مرات"(3) بعد المغرب والفجر إلى غير ذلك مما وردت به السنة.

(68/9)


أما ما لم يرد في السنة تعيينه بعد السلام فالأفضل أن يدعو به قبل السلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – حين ذكر التشهد: "ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو"، رواه البخاري(4)، ولأنه في الصلاة يناجي ربه فينبغي أن يكون دعاؤه قبل أن ينصرف. وإن دعا بعد السلام فلا حرج، لكن لا ينبغي أن يتخذ ذلك سنة راتبة فيلحقه بالوارد لما سبق في أول الجواب من أن العبادات تتوقف على الوارد عن الشارع في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اتبعه في هديه. قال ذلك كاتبه الفقير إلى ربه محمد الصالح العثيمين في 5/6/1405هـ.

568 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء الأقرب أنه غير مشروع؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة، حتى قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى -: إنها لا تقوم بها الحجة.
وإذا لم نتأكد أو يغلب على ظننا أن هذا الشيء مشروع فإن الأولى تركه؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الظن إلا إذا كان الظن غالبا.
فالذي أرى في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء أنه ليس بسنة، والنبي صلى الله عليه وسلم كما هو معروف دعا في خطبة الجمعة بالاستسقاء ورفع يديه(5) ولم يرد أنه مسح بهما وجهه، وكذلك في عدة أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا ورفع يديه ولم يثبت أنه مسح وجهه.
---
(1) رواه البخاري في الأذان/ باب الذكر بعد الصلاة (841)، ومسلم في المساجد/ باب الذكر بعد الصلاة (583).
(2) هذا جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (843)، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/416 ح142 (595).
(3) هذا جزء من حديث ثوبان رواه مسلم في الموضع السابق ح135 (951).

(68/10)


(4) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري وتقدم تخريجه ص234.
(1) حديث المناجاة رواه مالك في الموطأ في الصلاة باب 7 – العمل في القراءة 1/86 (225) وتقدم لفظه في ص13.
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (841) و (842)ن ورواه مسلم في المساجد باب 23 – الذكر بعد الصلاة 1/410 ح122 (583).
(2) رواه أحمد 1/367.
(3) رواه أبو داود في الصلاة باب التكبير بعد الصلاة 1/609 (1003).
(4) متفق عليه، فرواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (844)، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح137 (593).
(5) متفق عليه رواه البخاري في الموضع السابق ح(842)، ومسلم في المساجد باب 23 – الذكر بعد الصلاة 1/410 ح120 (583).
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الجهاد باب 131 – ما يكره من رفع الصوت في التكبير (2992)، ومسلم في الذكر والدعاء باب 13 – استحباب خفض الصوت بالذكر 4/2076 ح44 (2704).
(2) متفق عليه وتقدم تخريجه ص245.
(3) هذا من حديث ثوبان رواه مسلم وتقدم تخريجه ص245.
(4) هذا اللفظ متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (844)، وفي الدعوات باب الدعاء بعد الصلاة (6329) وفي غيرهما، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح137 (593).
(1) هذا حديث عبد الله بن الزبير رواه مسلم في الموضع السابق ح139 (594).
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة (حديث الفقراء) رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (843)، وفي مواضع أخرى، ورواه مسلم في الموضع السابق ح142 (595).
(3) هذه الزيادة رواها مسلم في المساجد باب 26: استحباب الذكر ح146 (597).

(68/11)


(4) رواه أبو داود في الأدب باب في التسبيح عند النوم ح(5065)، ورواه الترمذي في الدعوات باب 25 – منه ح(3410)، النسائي في السهو باب عدد التسبيح بعد التسليم (1347)، وابن ماجة في إقامة الصلاة باب ما يقال بعد التسليم (926).
(5) سيأتي تخريجه في ص285.
(6) متفق عليه وتقدم تخريجه ص234.
(1) رواه مسلم في الزكاة باب 19 – قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها 1/703 ح65 (1015).
(2) رواه الإمام أحمد 5/438 ورواه أبو داود في الصلاة باب الدعاء (1488)، ورواه الترمذي في الدعوات وحسنه باب 105 ح(3556)، ورواه ابن ماجة في الدعاء باب رفع اليدين في الدعاء (3865)، وصححه ابن حبان 3/160 (876).
(3) رواه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/595 ح53 (874) وفيه بإصبعه المسبحة وعند أحمد 4/135 والنسائي في الجمعة باب الإشارة في الخطبة (1411) بإصبعه السبابة.
(4) رواه في الاستسقاء باب 20 المذكور ح(1029) معلقا، وفي الدعوات كذلك ح(6341).
(5) رواه في الموضع السابق باب 21 – رفع الإمام يده في الاستسقاء ح(1031).
(1) يشير إلى حديث ثوبان رواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة ح135 (591).
(2) حديث معاذ رواه أبو داود في الصلاة باب في الاستغفار 2/180 (1522). ورواه النسائي في السهو باب 60- نوع آخر من الدعاء 3/61 (1302)، وصححه ابن حبان 5/364 (2020).
(3) رواه أبو داود في الأدب باب ما يقول إذا أصبح 5/319 (5080) ورواه ابن حبان 5/366 (2022).
(4) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وانظر تخريجه في ص234.
(5) متفق عليه، رواه البخاري في الاستسقاء/ باب الاستسقاء في خطبة الجمعة (1014)، ومسلم في الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (897).

(68/12)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
الذكر الجماعي
محمد بن صالح العثيمين
569 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: عن حكم ترديد الأذكار المسنونة بعد الصلاة بشكل جماعي؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الوارد إن كل إنسان يستغفر ويذكر لنفسه.
لكن السنة الجهر بهذا الذكر بعد الصلاة، فقد ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف إذا سمعهم(1)، وهذا دليل على أن السنة الجهر به، خلافا لما كان عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليل دون التسبيح، والتحميد، والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلا من السنة في التفريق بين هذا وهذا، وإنما السنة الجهر.
وقول بعض الناس: إن الرسول عليه الصلاة والسلام جهر به من أجل أن يعلمه الناس فقط.
هذا مردود، وذلك لأن التعليم من النبي عليه الصلاة والسلام قد حصل بالقول كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين"(2).
ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم، فالتعليم كما يكون في أصل الدعاء، أو في أصل الذكر يكون أيضا في صفته، فالرسول عليه الصلاة والسلام علمنا هذا الذكر أصله وصفته وهو: الجهر، وكون الرسول عليه الصلاة والسلام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي عليه الصلاة والسلام يقتصر على ما يكون به علم الناس ثم يمسك.
فالمهم أن القول الراجح: أنه يسن الذكر أدبار الصلوات على الوجه المشروع، وأنه يسن الجهر به أيضا – أعني رفع الصوت – ولا يكون رفعا مزعجا فإن هذا لا ينبغي، ولهذا لما رفع الناس أصواتهم بالذكر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في قفولهم من خيبر قال: "أيها الناس، اربعوا على أنفسكم"(3)، فالمقصود بالرفع، الرفع الذي لا يكون فيه مشقة وإزعاج.

(69/1)


570 وسئل فضيلة الشيخ: سمعت من بعض الناس إنكار رفع اليدين في الدعاء فرجعت إلى بعض كتب السنة وشروحها وجمعت منها الكلمة المرفقة في مشروعية رفع اليدين في الدعاء مطلقا، وأنه من آدابه ومن أسباب إجابة الدعاء، ثم سمعت أخيرا أنه صدر منكم فتوى في عدم مشروعية ذلك أظنه قيل بعد السنة، أرجو الإفادة عن صحة ذلك؟
فأجاب بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اطلعت على الورقة المطبوعة المصاحبة لكتابكم التي تتضمن بيان أن رفع اليدين حال الدعاء من آداب الدعاء، وأسباب إجابته، ولاشك أن الأمر كما ذكرتم من أن رفع الأيدي حال الدعاء من آداب الدعاء، وأسباب إجابته للأحاديث الواردة في ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، هذا هو الأصل.

وقد تأملت في ذلك فظهر لي أن ذلك على أربعة أقسام:
الأول: ما ثبت فيه رفع اليدين بخصوصه كرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في خطبة الجمعة حين قال: "اللهم أغثنا"(1)، وحين قال: "اللهم حوالينا ولا علينا"(2).
الثاني: ما ثبت فيه عدم الرفع كالدعاء حال خطبة الجمعة بغير الاستسقاء، والاستصحاء، كما دل على ذلك ما رواه مسلم 2/595 عن حصين بن عبد الرحمن عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة"(3)، وفي رواية: "رأيت بشر بن مروان يوم جمعة يرفع يديه فقال عمارة" فذكر نحوه.
الثالث: ما كان ظاهر السنة فيه عدم الرفع، كالدعاء بين السجدتين، وفي آخر التشهد، فإن الظاهر فيهما عدم رفع اليدين وكذلك دعاء الاستفتاح كما في حديث أبي هريرة، وكذلك الاستغفار بعد السلام.
وهذه الأقسام الثلاثة حكمها ظاهر؛ لأن الأدلة فيها خاصة.

(69/2)


الرابع: ما سوى ذلك فالأصل فيه استحباب رفع اليدين؛ لأن رفعهما من آداب الدعاء، وأسباب أجابته لما فيه من إظهار اللجوء إلى الله عز وجل والافتقار إليه، كما يشير إليه حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيب" وفيه "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب". الحديث(4).
وكذلك حديث سلمان المرفوع: "إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا"(5).
هذا ما تبين لي من السنة.
وأما ما ذكرتم من أنكم سمعتم أنه صدر مني فتوى في عدم مشروعية ذلك.
فهذا كذب علينا، إما عن سوء فهم من ناقله، أو سوء قصد منه، وما أكثر ما ينقل عن الناس من الأشياء المخالفة للواقع لهذين السببين، أو غيرهما، وكثير من الناس يصوغ السؤال للتعبير عما في نفسه، ويجيبه المسؤول بمقتضى ظاهر سؤاله المخالف لما في نفسه، فيفهم السائل الجواب عما في نفسه وينقله عن المسؤول على حسب فهمه، وكثير من الناس يجاب فيفهم الجواب خطأ وينقله كذلك.
وأما قولكم أظنه قيل بعد السنة: فهذا الذي وقع منكم موقع الظن، وصغتموه بصيغة التمريض، هو الواقع فإنه ليس من السنة أن يعتاد الرجل كلما صلى تطوعا رفع يديه يدعو الله عز وجل، حتى ليكاد يجعله من الواجب، كما يفعله كثير من العامة ويشعر في نفسه أنه في هذه الحال أقوى رجاء، وأكثر قربا، وأشد إنابة إلى الله من دعائه في الصلاة.
بل السنة لمن أراد أن يدعو الله عز وجل من المصلين أن يكون دعاؤه قبل السلام مثل أن يجعله في السجود، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم"(6)، أو يجعله بعد التشهد قبل السلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود(1) – رضي الله عنه – حين علمه التشهد وقال: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء"، أو قال: "ما أحب".

(69/3)


وكما أن الدعاء قبل السلام مقتضى ما دلت عليه السنة، فهو أيضا مقتضى النظر الصحيح، فإن دعاء المصلي ربه حين مناجاته له أولى من دعائه إذا انصرف من صلاته، وانقطعت المناجاة.
وأما قولكم: ما دام الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبة فلماذا لا ترفع الأيدي في هذه المواطن وغيرها؟
فالدعاء بين الأذان والإقامة لا ينكر، ورفع اليدين فيه من القسم الرابع، ولكن الناس إذا صلوا النافلة بعد الأذان ثم دعوا لا يقصدون بذلك أنهم دعوا من أجل أن هذا وقت إجابة لكونه بين الأذان والإقامة، وإنما يدعون من أجل أنهم صلوا هذه النافلة ويدل على ذلك أمور:
الأول: أنهم يدعون بعد النافلة التي بعد الفريضة وليس هذا بين الأذان والإقامة.
الثاني: أنهم يدعون بهذا الدعاء أحيانا وإن لم يسلموا إلا بعد الإقامة كما نشاهدهم ويشاهدهم غيرنا وليس هذا بين الأذان والإقامة.
الثالث: أن الكثير منهم إذا دعا بعد الأذان بما يشرع الدعاء به كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له لا تكاد تراه يرفع يديه بل ربما أنكر على من رفع يديه في هذا الدعاء مع أن هذا من القسم الرابع فالله المستعان.
فقد اتخذوا الدعاء بعد النافلة سنة راتبة ربما يحافظ عليها محافظته على الواجب، مع أن ذلك لا أصل له من السنة، فالدعاء من حيث هو دعاء من العبادة، لكن ربطه بسبب معين يحافظ عليه عنده بدون دليل يجعله من البدع، فإن العبادة لا تتحقق فيها المتابعة إلا حيث توافق الشرع في ستة أمور: سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.
وأما الدعاء أدبار الصلوات المكتوبة ففيه الاستغفار، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا(2)، والاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء لكن ظاهر السنة فيه عدم الرفع.

(69/4)


وفيه حديث أبي أمامه – رضي الله عنه – سئل أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبة". أخرجه الترمذي(3) من طريق عبد الرحيم بن سابط، لكن قال في التقريب عن عبد الرحمن هذا: إنه كثير الإرسال. وقال ابن معين: إنه لم يسمع من أبي أمامة.
وعلى تقدير ثبوته لا يتعين أن يكون المراد بدبر الصلوات ما بعدها فقد يكون المراد به آخرها فيكون مجملا يفسر بالأحاديث الدالة على أن آخر الصلاة موضع الدعاء كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – في التشهد(4).
وفي صحيح مسلم 1/412 عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات". (الحديث)(5). والظاهر أن ذلك في آخر صلاته؛ لأن ذلك هو الموافق لما أمر به أمته حيث قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فيتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه 1/412(6).
والظاهر أن المراد بدبر الصلوات المكتوبة (في حديث أبي أمامة إن صح) آخر الصلاة لأن دبر الصلاة إذا كان صالحا لآخرها فتفسيره به أولى؛ لأن كلام الله ورسوله يفسر بعضه بعضا.
والمتأمل في هذه المسألة يتبين له: أن ما قيد بدبر الصلاة إن كان ذكرا فهو بعدها، وإن كان دعاء فهو في آخرها.
أما الأول: فلأن الله تعالى جعل ما بعد الصلاة محلا للذكر فقال تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) وجاءت السنة مبينة لما أجمل في هذه الآية من الذكر مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" (الحديث)(1). فيحمل كل نص في الذكر مقيد بدبر الصلاة على ما بعدها ليطابق الآية الكريمة.

(69/5)


وأما الثاني: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ما بعد التشهد الأخير محلا للدعاء كما في حديثي ابن مسعود، وأبي هريرة – رضي الله عنهما – فيحمل كل نص في الدعاء مقيد بدبر الصلاة على آخرها، ليكون الدعاء في المحل الذي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم فيه، إلا أن يكون حمل النص على ذلك ممتنعا، أو بعيدا بمقتضى السياق المعين فيحمل على ما يقتضيه السياق.
واعلم أن الفتوى التي صدرت مني عبر برنامج (نور على الدرب) ونقلها بعض الناس ووزعها موضوعها المهم منها هو الدعاء المقرون برفع الأيدي، لا مجرد رفع الأيدي كما ستراه في صورة المنشور صحبة كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا علما نافعا تصلح به القلوب والأعمال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 10/4/1408هـ.

571 سئل فضيلة الشيخ: في بعض البلاد وبعد الصلوات المفروضة يقرأون الفاتحة، والذكر، وآية الكرسي بصوت جماعي، فما الحكم في هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، والذكر بعد الصلاة بصوت مرتفع جماعي من البدع، فإن المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم بعد الصلاة يذكرون الله بصوت مرتفع،ولكن كل واحد منهم يذكر الله تعالى على انفراده دون أن يشتركوا،فرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المفروضة سنة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري(2) عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم".
وأما قراءة الفاتحة بعد الصلاة سواء كان ذلك سرا أو جهرا فلا أعلم فيه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد الحديث بقراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين فقط(3).

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد سألني الأخ... عن حكم رفع الصوت، فأجبته بما يلي:
رفع الصوت بالذكر الذي بعد الصلوات الخمس، والجمعة سنة بشرطين:

(69/6)


الأول: أن لا يجهد نفسه بذلك بحيث يرفع رفعا شديدا كالصراخ.
والثاني: أن لا يكون أحد إلى جانبه يقضي ما فاته فيشوش عليه.

ودليل رفع الصوت بذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم"(1).

ودليل أن لا يجهد نفسه بذلك أن الصحابة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فلما رفعوا أصواتهم بالذكر قال: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم"(2). أي هونوا عليها.

ودليل أن لا يشوش على من يقضي الصلاة بجانبه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين كانوا يصلون صلاة الليل ويجهرون بالقراءة: "لا يجهر بعضكم على بعض"(3). وفي حديث آخر قال: "لا يؤذين بعضكم بعضا(4).

وعلى هذا فينبغي للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بالذكر بعد الجمعة، والصلوات المكتوبة الخمس اقتداء بالصحابة رضي الله عنهم مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، لكن بالشرطين السابقين. حرر في 3/2/1412هـ.

572 سئل فضيلة الشيخ: في بعض البلدان إذا سلم الإمام قرأ آية الكرسي جهرا، ثم يبدأ بالدعاء، والمأمومون يؤمنون، ثم بعد ذلك يجهرون بالذكر، كل على حده فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول: وهو قراءة الإمام لآية الكرسي جهرا ثم دعاؤه، وتأمين المأمومين عليه فإن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، وكل من تعبد بما لم يرد به الشرع فقد ابتدع.
وأما الثاني: وهو الجهر بالتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل بعد الصلاة المكتوبة فإن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم"(1)، فالذي ينبغي أن يجهر الإنسان بالذكر خلف الصلوات الخمس اقتداء بالصحابة – رضي الله عنهم – في عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم.

(69/7)


لكن لو كان أحد من المأمومين يقضي ما فاته وهو قريب بحيث يشوش عليه رفع الصوت فلا يرفع الصوت حينئذ.

573 وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: عن حكم دعاء الإمام بعد الصلاة بصوت مرتفع وتأمين المصلين عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: دعاء الإمام بعد الصلاة بصوت جهوري، وتأمين المأمومين عليه من البدع المنكرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين، وسائر الأئمة، والمحققين من أتباعهم لم يفعلوها ولم يروها مشروعة.
والمشروع رفع الصوت بالذكر المشروع كل على انفراده، كما كان ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس – رضي الله عنهما – "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس عن المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم"(2).
حرر في 24/7/1407هـ.

574 وسئل فضيلته: عن حكم الدعاء لشخص معين بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع، فلم يكن من عادة السلف الدعاء لمعين بعد الصلاة، بل أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى الدعاء بعد إكمال التشهد قبل التسليم كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه(3). حرر في 24 رجب 1407هـ.

575 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الدعاء بعد الصلاة؟ وما صحة حديث "من صلى ولم يدع فقد مقته الله"؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدعاء بعد الصلاة بغير ما ورد لا ينبغي، وذلك لأن الأفضل أن يكون الدعاء قبل السلام، هذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – بعد أن ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"(4)، وهذا بمقتضى النظر الصحيح، فإن الإنسان قبل أن يسلم من صلاته بين يدي الله عز وجل، وفي حال مناجاته فلا ينبغي أن يؤخر الدعاء حتى ينصرف من مناجاة الله عز وجل، بل الدعاء في حالة المناجاة أفضل وأولى.

(69/8)


أما ما ورد به النص مثل قول المصلي: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، حين يسلم فإن هذا يبقى على مشروعيته. وإنما شرع ذلك لما عسى أن يكون من خلل أو تقصير في الصلاة فكانت مشروعيته بعدها.
أما الحديث الذي ذكر السائل فليس بصحيح، وعلى فرض صحته فإن المراد من صلى ولم يدع في حال صلاته، لأن الصلاة فيها دعاء واجب، فإن قراءة الفاتحة فيها دعاء: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم. وفي التشهد دعاء: السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيها أعوذ بالله من عذاب جهنم.

رسالة

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد:
كتابكم وصل، وما تضمنه من الأسئلة فهذا جوابها:
جـ1: حديث: "اللهم أعني على ذكرك..."(1) إلخ لا أعلم فيه رواية بتكرار (على) والمحافظة على لفظ الحديث أولى.
جـ2: لا أعلم أني قلت إن الدعاء بعد الفريضة بدعة، هكذا على الإطلاق، ولكني أقول إن المحافظة على الدعاء بعد الفريضة والنافلة كلتيهما ليس بسنة بل هو بدعة؛ لأن المحافظة عليه يلحقه بالسنة الراتبة سواء كان قبل الأذكار الواردة بعد الصلاة أم بعدها.
وأما فعله أحيانا فأرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان الأولى تركه؛ لأن الله تعالى لم يشرع بعد الصلاة سوى الذكر لقوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله). ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرشد إلى الدعاء بعد الصلاة، وإنما أرشد إلى الدعاء بعد التشهد قبل التسليم، وكما أن هذا هو المسموع أثرا فهو الأليق نظرا، لكون المصلي يدعو ربه حين مناجاته له في الصلاة قبل الانصراف.
فأما ما ذكرتم من حديث أبي أمامة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات"(2).

(69/9)


فقد أعله ابن معين بأنه من رواية عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامه ولم يسمع منه، وعلى تقدير سلامته من العلة، فالمراد بدبر الصلوات: أخرها قبل التسليم، وهذا وإن كان خلاف المتبادر، لكن يؤيده أن الله جعل ما بعد انتهاء الصلاة ذكرا، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل ما بين التشهد والتسليم دعاء.
وأما حديث أم سلمه – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إذا صلى الصبح حين يسلم: "اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا"(3) ففيه مولى أم سلمة وهو مجهول، وحديث المجهول غير مقبول حتى تعلم حاله.
وأما سؤالكم عن دبر الصلاة هل هو بعدها أو قبل السلام؟
فدبر الصلاة يطلق على آخرها قبل السلام، وعلى ما بعد السلام، لكن حسب التتبع يتبين أن ما قيد بدبر الصلاة إن كان دعاء فهو قبل السلام وإن كان ذكرا فهو بعد السلام، بناء على ما سبق من الآية والحديث.
وهذه قاعدة مفيدة.
وأما حديث فضالة بن عبيد(4) فذاك في التشهد في الصلاة، وليس بعد الفراغ منها كما يفيده سياقه في مشكاة المصابيح 1/293 قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا إذ دخل رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل علي ثم ادعه"، فالمراد بالقعود والله أعلم القعود للتشهد، ثم اطلعت عليه في زاد المعاد(5) كذلك، مع احتمال أن يكون المراد بالصلاة هنا معناها اللغوي، فإنها قد تأتي في السنة مرادا بها ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعى أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم"(1)، فإن المراد بالصلاة هنا الدعاء كما في قوله تعلى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم) أي ادع لهم بذلك(2).

(69/10)


وأما سلام المصلي بعد السلام على من حوله ممن مر بهم فهذا دعاء له سبب ولا إشكال في جوازه لوجود سببه، ومن ذلك ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه(3) – في قصة وضع المشركين سلا الجزور وهو ساجد عند الكعبة قال: "فلما قضى صلاته رفع صوته فدعا عليهم"، هكذا في مسلم "رفع صوته"، فهذا له سبب وذلك من أجل إرهاب قريش.
ولا شك أن الدعاء من العبادة وأنه مشروع كل وقت لكن يجب أن يعرف الفرق بين العموم والخصوص، فتقييد العام بشيء معين من زمان، أو مكان، أو حال، أو عمل يحتاج إلى دليل، فإذا قلنا يسن الدعاء بعد الصلاة؛ لأن الدعاء مشروع كل وقت، قلنا: يحتاج في تقييده بعد الصلاة إلى دليل.
ولو قال قائل: يسن للآكل إذا فرغ من أكله أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة عليه مشروعة كل وقت، قلنا: هذا يحتاج إلى دليل.
ولو قال قائل: يسن لمن فرغ من قضاء حاجته أن يذكر الله تعالى بالتهليل، والتسبيح؛ لأنه مشروع كل وقت. قلنا: تقييده بذلك يحتاج إلى دليل، وهلم جرا. فافهم هذه القاعدة فإنها مفيدة جدا.
وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجعلنا هداة مهتدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 29/1/1417هـ.

576 وسئل فضيلة الشيخ: قلتم إنه يجوز أن يرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، فهل يكون جماعيا؟
فأجاب فضيلته بقوله: في الواقع أني لم أقل يجوز، بل قلت: إنه من السنة يعني الأفضل، وأما أداء هذا الذكر جماعة فهذا بدعة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم يكونوا يفعلون هذا، بل كل مصلي يقول الذكر وحده لكنهم يجهرون.

(69/11)


577 سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيرا -: اعتاد بعض الأخوة بعد الانتهاء من صلاة الفريضة وبعد الاستغفار أن يرفعوا أيديهم بالدعاء، وهذا العمل (رفع اليدين بالدعاء) يتكرر دائما وبعد كل فريضة، وهناك من يسميه دعاء ختم الصلاة، فهل لهذا العمل أصل في الكتاب والسنة؟ وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع يديه بالدعاء بعد كل فريضة؟ وهل هناك دعاء يسمى دعاء ختم الصلاة؟ وما هو توجيهكم لمن يقوم بهذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدعاء بعد الفريضة ليس بسنة، ولا ينبغي فعله، إلا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل: الاستغفار ثلاثا بعد السلام(4)، والذي ينبغي للإنسان المصلي أن يدعو وهو في صلاته، إما في السجود لقول النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"(1)، ولقوله: "وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم"(2)، أي حري أن يستجاب لكم.
وأما في آخر التشهد قبل السلام لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"(3)، وأمر المصلي إذا تشهد التشهد الأخير "أن يتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"(4). ولم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرفع يديه بالدعاء بعد كل فريضة حتى الاستغفار ثلاثا ولم ينقل عنه أنه كان يرفع يديه فيه.
وليس هناك دعاء يسمى دعاء ختم الصلاة بل المأمور به بعد الصلاة ذكر الله، قال الله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم).
وتوجيهي لمن يدعو الله تعالى عقب كل فريضة رافعا يديه أن يترك ذلك اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسكا بهديه، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها.
وفي الله الجميع لما يحب ويرضى إنه قريب مجيب. حرر في 7/7/1414هـ.

(69/12)


578 سئل فضيلة الشيخ: ما الأذكار التي تقال بعد الفرائض؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينبغي للمصلي إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله عز وجل، بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم)، ومن ذلك: أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام(5)، ثم يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسبح الله ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين(6)، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميعا، أي إن شاء قال سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثا وثلاثين، وإن شاء قال: سبحان الله، ثلاثا وثلاثين، ثم الحمد لله، ثلاثا وثلاثين، ثم: الله أكبر، ثلاثا وثلاثين، كل ذلك جائز، بل وتجوز أيضا صفة أخرى: أن يسبح عشرا، ويكبر عشرا، ويحمد عشرا. وتجوز صفة رابعة: أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمسا وعشرين مرة، فتتم مائة.
والمهم أن كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأذكار بعد الصلاة فليقله، إما على سبيل البدل، أو على سبيل الجمع، لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلا عن بعض، وبعض الأذكار يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالا لأمر الله تعالى في قوله: (فاذكروا الله) واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(69/13)


وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم"(7) فيسن للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يرفع صوته بذلك، كما قال ابن عباس: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير"(1).
وقول بعض أهل العلم: إنه يسن الإسرار بهذا الذكر، وإن جهر النبي صلى الله عليه وسلم كان للتعليم، فيه نظر، فإن الأصل فيما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يكون مشروعا في أصله ووصفه، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه وهو رفع الصوت به مشروعا، لكان يكفي ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله، فلا حاجة إلى أن يعلمهم برفع الصوت، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين، ولا يحافظ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، كلما سلم رفع صوته بالذكر، فالحاصل أن الجهر بالذكر بعد الصلاة سنة.

579 وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: ما الأذكار والأدعية المشروعة التي تقال بعد الانتهاء من الصلاة؟ وهل هناك فرق بين الأدعية بالنسبة للصلوات؟ بمعنى: هل لكل صلاة دعاء خاص بها؟

(69/14)


فأجاب بقوله: الأذكار الواردة بعد الصلوات متنوعة، فإذا أتى الإنسان بنوع منها كان كافيا؛ لأن العبادات المتنوعة يشرع للإنسان أن يفعلها على تلك الوجوه التي أتت عليها، فمثال ذلك: الاستفتاح هناك استفتاحات متنوعة إذا استفتح بواحد منها أتى بالمشروع. فمنا ما دل عليه حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد"(2). ومنها أيضا: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"(3).
فلو استفتح بالأول، أو الثاني، أو بغيرهما مما ورد من الاستفتاحات. فلا حرج عليه، بل الأفضل أن يستفتح بهذا تارة وبهذا تارة.
وكذلك ما ورد في التشهد، وكذلك ما ورد في أذكار الصلوات، فإذا فرغ الإنسان من الصلاة فإنه يستغفر ثلاثا يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام(4). (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)(5). ثلاث مرات(6)، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)(7).
ويقول أيضا: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"(8). ويقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمسا وعشرين مرة فهذه مائة(9)، وإن شاء قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثا وثلاثين مرة، فهذه تسعة وتسعون(10). ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير(1). ويجوز أن يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة جميعا.

(69/15)


ويقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، ثلاثا وثلاثين مرة جميعا. بمعنى أن يسبح ثلاثا وثلاثين مرة وحدها، ويحمد الله ثلاثا وثلاثين مرة وحدها، ويكبر أربعا وثلاثين جميعا(2)؛ فهذه مائة، هذه الأنواع من الأذكار الأفضل أن يأتي الإنسان منها مرة بهذا، ومرة بهذا ليكون قد أتى بالسنة.
أما في صلاة المغرب وصلاة الفجر فإنه ورد أنه يقول بعدها عشر مرات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير"(3).
وكذلك يقول: "رب أجرني من النار" سبع مرات(4).
وأعلم أن تنوع العبادات والأذكار من نعمة الله عز وجل على الإنسان؛ وذلك لأنه يحصل بها عدة فوائد، منها:
أن تنوع العبادات يؤدي إلى استحضار الإنسان ما يقول من الذكر؛ فإن الإنسان إذا دام على ذكر واحد صار يأتي به بدون أن يحضر قلبه، فإذا تعمد وقصد تنويعها فإنه بذلك يحصل له حضور القلب.
ومن فوائد تنوع العبادات: أن الإنسان قد يختار الأسهل منها والأيسر لسبب من الأسباب، فيكون في ذلك تسهيل عليه.
ومنها: أن في كل نوع منها ما ليس في الآخر فيكون في ذلك زيادة ثناء على الله عز وجل.
والحاصل أن الأذكار الواردة في الصلوات متنوعة كما سبق.

580 وسئل فضيلة الشيخ: هل الأذكار بعد الصلاة بشكل منفرد أم يقولها الإمام ويرددون خلفه جماعيا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذكار بعد الصلوات بشكل منفرد، ولا يرددونها وراء الإمام؛ لأن هذه بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

581 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم المصافحة في المسجد حيث اعتاد كثير من الناس ذلك بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته قائلا: هذه المصافحة لا أعلم لها أصلا من السنة أو من فعل الصحابة – رضي الله عنهم – ولكن الإنسان إذا فعلها بعد الصلاة لا على سبيل أنها مشروعة، ولكن على سبيل التأليف والمودة، فأرجو أن لا يكون بهذا بأس، لأن الناس اعتادوا ذلك.

(69/16)


أما من فعلها معتقدا بأنها سنة فهذا لا ينبغي ولا يجوز له، حتى يثبت أنها سنة، ولا أعلم أنها سنة.

582 وسئل فضيلة الشيخ: ما هو الأفضل في الذكر بعد السلام من الصلاة؟ هل قوله: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر؟ أو سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذكر بالتسبيح والتهليل والتحميد بعد صلاة الفريضة له عدة صفات:
منها أن يقول الإنسان: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثا وثلاثين، فهذه تسعة وتسعون، ويقو تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
ومنها أن يقول: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر أربعا وثلاثين. ولا يقول سوى ذلك.
ومنها أن يقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات.
ومنها أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمسا وعشرين مرة، فهذه مائة مرة(1).
هذه كلها وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأي صفة ذكرت أجزأ ذلك، والأحسن إذا كان يحفظها جيدا أن يقول هذا مرة وهذا مرة.

583 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: جاءت السنة بمشروعية رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، فهل المقصود هو الذكر المباشر لانقضاء الصلاة، مثل: "اللهم أنت السلام" ونحوه، أو أنه يعم جميع الذكر مع التسبيح والتهليل والتكبير؟
فأجاب فضيلته بقوله: هو يعم كل ذكر مشروع بعد الصلاة؛ الاستغفار، وقول: "اللهم أنت السلام" والتسبيح، والتهليل، وقد ألف بعض علمائنا رسالة وقال: من فرق بين التهليل والتسبيح فقد ابتدع، وأنه لا فرق بين هذا وهذا، وهذا هو الصحيح.

(69/17)


لكن إذا كان هناك شخص يصلي إلى جانبك، وقد فاته شيء من الصلاة، وخفت إذا رفعت صوتك أن تشوش عليه فلا ترفع صوتك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على الصحابة وهم يصلون ويجهرون بالقراءة ويوش بعضهم على بعض، فنهاهم أن يرفع الرجل صوته فيشوش على أخيه(2)، أما إذا لم يكن هناك تشويش، فالسنة أن يجهر.

584 سئل فضيلة الشيخ: متى يقول الإمام: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام(3)؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول هذا الدعاء إذا فرغ من الصلاة قبل أن يقبل على الناس. حرر في 24/1/1407هـ.

585 وسئل فضيلة الشيخ: ما الحكمة من الاستغفار بعد الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكمة من الاستغفار بعد الصلاة، أن الإنسان لا يخلو من تقصير في صلاته؛ فلهذا شرع له أن يستغفر ثلاثا ثم يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذات الجلال والإكرام(4). ثم يأتي بالأذكار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام.

586 وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيرا -: الأذكار بعد الصلاة هل تردد بشكل جماعي من قبل المصلين؟ وهل من السنة أن يقول الإمام وبصوت عال بعد الصلاة: جل ربنا الكريم، جل ربنا العظيم. سبحانك يا عظيم "سبحان الله": يعني قولوا: سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة. ثم يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، يا ربنا دائما نشكرك شكرا كثيرا "الحمد لله" يعني قولوا: الحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة. ثم يقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله جل شأنه "الله أكبر" يعني قولوا: الله أكبر أربعا وثلاثين مرة، ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الصفات التي ذكرها السائل من كون الإمام يقول: سبحان الجليل العظيم وما أشبه هذه بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الوارد أن كل إنسان يستغفر الله ويذكر لنفسه.

(69/18)


لكن السنة الجهر بالذكر بعد السلام من الصلاة، فقد ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم". وأنه كان يعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعهم(1)، وهذا دليل على أن السنة الجهر بالذكر بعد الصلاة، خلافا لما عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليلات دون التسبيح، والتحميد، والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلا من السنة في التفريق بين هذا وهذا، وإنما لسنة الجهر.
وقول بعض الناس: إن الرسول صلى الله عليه وسلم جهر بالذكر بعد الصلاة من أجل أن يعلمه الناس، هذا قول فيه نظر؛ وذلك لأن التعليم من النبي عليه الصلاة والسلام قد حصل بالقول، كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين"(2).
ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم. فالتعليم كما يكون في أصل الدعاء، أو في أصل الذكر يكون أيضا بصفته، فالرسول صلى الله عليه وسلم علم هذا الذكر أصله وصفته وهو الجهر، وكون الرسول عليه الصلاة والسلام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي عليه الصلاة والسلام يقتصر على أن يعلم الناس ثم يقول للناس: هذا الذكر سرا، فالمهم أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يسن الذكر ورفع الصوت به.

587 سئل فضيلة الشيخ: هناك من الناس من يزيد في الأذكار بعد الصلاة كقول بعضهم: "تقبل الله" أو قولهم بعد الوضوء "زمزم" فما تعليقكم حفظكم الله تعالى ونفع بكم الإسلام والمسلمين آمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس من الذكر، بل هذا من الدعاء إذا فرغ وقال: "تقبل الله منك" ومع ذلك لا نرى أن يفعلها الإنسان، لا بعد الوضوء، ولا بعد الصلاة، ولا بعد الشرب من ماء زمزم؛ لأن مثل هذه الأمور إذا فعلت لربما تتخذ سنة فتكون مشروعة بغير علم.

---
(1) تقدم تخريجه ص245.

(69/19)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية