صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية 1-39 وملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الكتاب : ملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
..........................................................
ويليه من الجزء 40 إلى 42
الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر : ملتقى أهل الحديث.
الجزء : من حرف النون ناقصا بعض المصطلحات في النهاية ,إلى حرف الواو كلمة : وضوء.
قام بتنسيقه وفهرسته للموسوعة الشاملة 2 أبوعمر(80)
لملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
سائلا الله عز وجل أن يغفر له ولوالديه بمنه وكرمه
وأن يجعل عمله خالصا لوجهه الكريم

وأما حكمه إذا فات عن وقته المعين له ، بأن نذر اعتكاف شهر بعينه ، أنه إذا فات بعضه قضاه لا غير ، ولا يلزمه الاستقبال ، كما في الصوم ، وإن فاته كله قضى الكل متتابعا ، لأنه لما لم يعتكف حتى مضى الوقت صار الاعتكاف دينا في ذمته ، فصار كانه أنشأ النذر باعتكاف شهر بعينه ، فإن قدر على قضائه فلم يقضه حتى أيس من حياته يجب عليه أن يوصي بالفدية لكل يوم طعام مسكين ، لأجل الصوم ، لا لأجل الاعتكاف ، كما في قضاء رمضان والصوم المنذور في وقت بعينه ، وإن قدر على البعض دون البعض فلم يعتكف ، فكذلك إن كان صحيحا وقت النذر ، فإن كان مريضا وقت النذر فذهب الوقت وهو مريض حتى مات ، فلا شيء عليه ، وإن صح يوما واحدا يلزمه أن يوصي بالإطعام لجميع الشهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعن محمد لا يلزمه إلا مقدار ما يصح على ما ذكره القدوري .
وإذا نذر اعتكاف شهر بغير عينه ، فجميع العمر وقته ، كما في النذر بالصوم في وقت بغير عينه ، وفي أي وقت أدى كان مؤديا لا قاضيا ، لأن الإيجاب حصل مطلقا عن الوقت ، وإنما يتضيق عليه الوجوب إذا أيس من حياته ، وعند ذلك يجب عليه أن يوصي بالفدية كما في قضاء رمضان والصوم المنذور المطلق ، فإن لم يوص حتى مات سقط عنه في أحكام الدنيا حتى لا تؤخذ من تركته ، ولا يجب على الورثة الفدية إلا أن يتبرعوا به .
ويرى المالكية أن العذر الذي يقطع الاعتكاف إما إغماء أو جنون أو حيض أو نفاس أو مرض ، والاعتكاف إما نذر معين من رمضان أو غيره ، أو نذر غير معين ، وفي كل إما أن يطرأ العذر قبل الاعتكاف ، أو مقارنا له ، أو بعد الدخول فيه .
فإن كانت تلك الموانع في الاعتكاف المنذور المطلق أو المعين من رمضان ، فلا بد من البناء بعد زوالها ، سواء طرأت قبل الاعتكاف وقارنت ، أو بعد الدخول .

(36/39)


وإن كان نذرا معينا من غير رمضان ، فإن طرأت خمسة الأعذار قبل الشروع في الاعتكاف، أو مقارنة ، فلا يجب القضاء .
وإن طرأت بعد الدخول ، فالقضاء متصلا .
وإن كان تطوعا معينا أو غير معين فلا قضاء ، سواء طرأت الأعذار الخمسة قبل الشروع أو بعده أو مقارنة له .
وبقي حكم ما إذا أفطر ناسيا ، والحكم أنه يقضي ، سواء كان الاعتكاف نذرا معينا من رمضان ، أو من غيره ، أو كان نذرا غير معين ، أو كان تطوعا معينا أو غير معين .
وأما إن أفطر في اعتكافه متعمدا فإنه يبتدئ اعتكافه ، وكذلك يبتدئ اعتكافه من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمدا .
وقال الشافعية : إن نذر أن يعتكف شهرا نظر فإن كان شهرا بعينه لزمه اعتكافه ليلا ونهارا، سواء كان الشهر تاما أو ناقصا ، لأن الشهر عبارة عما بين الهلالين تم أو نقص ، وإن نذر اعتكاف نهار الشهر ، لزمه النهار دون الليل ، لأنه خص النهار ، فلا يلزمه الليل ، فإن فاته الشهر ولم يعتكف فيه ، لزمه قضاؤه ويجوز أن يقضيه متتابعا أو متفرقا ، لأن التتابع في أدائه بحكم الوقت ، فإذا فات سقط ، كالتتابع في يوم شهر رمضان ، وإن نذر أن يعتكف متتابعا لزمه قضاؤه متتابعا ، لأن التتابع هاهنا وجب لحكم النذر ، فلم يسقط بفوات الوقت .
ويرى الحنابلة أن من نذر اعتكافا ثم أفسده ينظر ، فإن كان نذر أياما متتابعة فسد ما مضى من اعتكافه واستأنف ، لأن التتابع وصف في الاعتكاف ، وقد أمكنه الوفاء به ، فلزمه ، وإن كان نذر أياما معينة كالعشرة الأواخر من شهر رمضان ، ففيه وجهان :
أحدهما : يبطل ما مضى ويستأنفه ، لأنه نذر اعتكافا متتابعا فبطل بالخروج منه ، كما لو قيده بالتتابع بلفظه .

(36/40)


والثاني : لا يبطل ، لأن ما مضى منه قد أدى العبادة فيه أداء صحيحا ، فلم يبطل بتركها في غيره ، كما لو أفطر في أثناء شهر رمضان ، والتتابع هاهنا حصل ضرورة التعيين ، والتعيين مصرح به ، وإذا لم يكن بد من الإخلال بأحدهما ، ففيما حصل ضرورة أولى ، ولأن وجوب التتابع من حيث الوقت لا من حيث النذر ، فالخروج في بعضه لا يبطل ما مضى منه ، فعلى هذا يقضي ما أفسد فيه فحسب ، وعليه الكفارة على الوجهين جميعا ، لأنه تارك لبعض ما نذره .
قضاء مناسك الحج :
34 - ترك ركن من أركان الحج إما أن يكون بمانع قاهر يمنع المحرم من أركان النسك ، ويعبر عنه الفقهاء بالإحصار ، أو يكون بغير مانع قاهر ، ويعبر عنه الفقهاء بالفوات .
وقد اتفق الفقهاء على أنه يجب على المحصر قضاء النسك الذي أحصر عنه إذا كان واجبا كحجة الإسلام ، والحج والعمرة المنذورين عند جميعهم ، وكعمرة الإسلام عند الشافعية والحنابلة ، ولا يسقط هذا الواجب عنه بسبب الإحصار .
وللتفصيل في أحكام قضاء النسك الواجب الذي أحصر عنه المحرم ، وقضاء نسك التطوع وما يلزم المحصر في القضاء ( ر : إحصار ف / 49 - 51 ، وحج ف / 121 - 123 ). ومن فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلق عند جمهور الفقهاء ويلزمه القضاء من قابل . ويرى الحنابلة في إحدى الروايتين ، والمزني ، أنه يمضي في حج فاسد ويلزمه جميع أفعال الحج ، لأن سقوط ما فات وقته لا يمنع ما لم يفت .
وللتفصيل في صور فوات الحج ، وتحلل من فاته الحج ، وكيفية التحلل ( ر : فوات ) .
قضاء الأضحية لفوات وقتها :
35 - يرى الحنفية والمالكية أن التضحية تفوت بمضي وقتها ، ولا يخاطب بها المكلف بعد مضي زمنها .

(36/41)


ثم قال الحنفية : إن كان أوجب على نفسه شاة بعينها ، بأن قال : لله علي أن أضحي بهذه الشاة ، سواء كان الموجب فقيرا أو غنيا ، أو كان المضحي فقيرا وقد اشترى شاة بنية الأضحية فلم يضح حتى مضت أيام النحر ، تصدق بها حية ، وإن كان من لم يضح غنيا ولم يوجب على نفسه شاة بعينها ، تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر .
وعند المالكية لا تتعين الأضحية إلا بالذبح ، فلا تتعين أضحية بالنذر ولا بالنية ولا بالتمييز لها .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من لم يضح حتى فات الوقت فإن كان تطوعا لم يضح ، بل قد فاتت التضحية هذه السنة ، وإن كان منذورا لزمه أن يضحي ويقضي الواجب كالأداء . وللتفصيل ( ر : أضحية ف / 42 - 44 ) .
قضاء ما فات من القسم بين الزوجات :
36 - اختلف الفقهاء في قضاء ما فات من القسم :
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن القسم يفوت بفوات زمنه سواء فات لعذر أم لا ، فلا يقضي، فليس للتي فاتت ليلتها ليلة بدلها ، لأن القصد من القسم دفع الضرر الحاصل في الحال ، وذلك يفوت بفوات زمنه ، ولو قلنا بالقضاء ، لظلمت صاحبة الليلة المستقبلة .
وقال العيني نقلا عن المحيط والمبسوط : الزوج لو أقام عند واحدة شهرا ظلما ، ثم طلب القسم من الباقيات ، أو بغير طلب ، فليس عليه أن يعوض ، لأنه ليس بمال ، فلم يكن عليه دينا في الذمة ، لكنه ظالم يوعظ ، فإن استمر يؤدب تعزيرا .
ويرى الشافعية والحنابلة أنه إن تعذر على الزوج المقام عند ذات الليلة ليلا لشغل أو حبس، أو ترك المقام عندها في ليلتها لغير عذر قضاه لها ، كسائر الواجبات .
وهذا ما اختاره ابن الهمام حيث قال : والذي يقتضيه النظر أن يؤمر بالقضاء إذا طلبت ، لأنه حق آدمي ، وله قدرة على إيفائه .
قضاء النفقات :

(36/42)


37 - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين ، والحسن وإسحاق وابن المنذر إلى أن من ترك الإنفاق الواجب لامرأته مدة لم يسقط بذلك ، وكان دينا في ذمته ، سواء تركه لعذر أو لغير عذر ، لأنه مال يجب على سبيل البدل في عقد معاوضة ، فلا يسقط بمضي الزمان ، كالثمن والأجرة والمهر .
ويرى الحنفية والحنابلة في الرواية الأخرى ، أنه إذا مضت مدة ولم ينفق عليها سقطت النفقة ، إلا أن تكون قد قضي بها أو صالحته على مقدارها ، فيقضى لها بنفقة ما مضى ، لأن النفقة لم تجب عوضا عن البضع ، فبقي وجوبه جزاء عن الاحتباس صلة ورزقا لا عوضا ، لأن الله تعالى سماه رزقا بقوله : { وعلى المولود له رزقهن } .
والرزق اسم لما يذكر صلة ، والصلات لا تملك إلا بالتسليم حقيقة أو بقضاء القاضي ، كما في الهبة ، أو بالتزامه بالتراضي .
وصرح الحنفية بأنه إذا مات أحد الزوجين بعد القضاء أو الاصطلاح قبل القبض سقطت النفقة ، لأنها صلة من الصلات تسقط بالموت قبل القبض .
هذا حكم نفقة الزوجة ، وأما نفقة القريب ، فيرى الفقهاء أنه إذا فات منها يوم أو أيام ولم ينفق على من تلزمه نفقته لم يصر دينا عليه ، ولم يجب عليه قضاؤه ، لأنها تسقط بمضي الزمان ، إلا أن يكون القاضي أمر بالاستدانة عليه ، فتصير دينا في ذمته ولا تسقط . وللتفصيل ( ر : نفقة ) .

قضاة *
التعريف :
1 - القضاة : جمع قاض ، وهو القاطع للأمور المحكم لها ، يقال : قضى قضاء فهو قاض، إذا حكم وفصل ، واستقضي فلان : جعل قاضيا يحكم بين الناس .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
الحكام :
2 - الحكام . جمع حاكم ، وهو اسم يتناول الخليفة والوالي والقاضي والمحكم ، إلا أنه عند الإطلاق في عبارات الفقهاء ينصرف إلى القاضي .
والصلة بين القضاة والحكام عموم وخصوص .
الحكم التكليفي :

(36/43)


3 - لا خلاف بين الفقهاء في أن تولية القضاة فورا في قضاء الأقاليم فرض عين على الإمام ، لما أنه لا يجوز له إخلاء مسافة العدوى عن قاض لأن الإحضار من فوقها مشقة ، لدخول ذلك في عموم ولايته ، ولا يصح إلا من جهته ، ولا يتوقف حتى يسأل ، لأنها من الحقوق المسترعاة ، وقبول التولية فرض كفاية في حق الصالحين له .
والتفصيل في مصطلح ( قضاء ) .
وفي القضاء فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداء الحق فيه ، ولذلك جعل الله فيه أجرا مع الخطأ وأسقط عنه حكم الخطأ .
والتفصيل في مصطلح ( قضاء ) .
شروط القاضي :
4 - اشترط الفقهاء فيمن يتولى القضاء شروطا ، اختلفوا في بعضها ، واتفقوا في بعضها الآخر ، والتفصيل في مصطلح ( قضاء ) .
تعدد القضاة :
5 - يجوز أن يولي الإمام قاضيين . أو ثلاثة في بلد واحد يجعل لكل منهم عملا ، فيتولى أحدهم عقود الأنكحة ، والآخر الحكم في المداينات ، وآخر النظر في العقارات مثلا .
ويجوز أن يولي كلا منهم عموم النظر في ناحية من نواحي البلد ، لعدم المنازعة بينهما ، أما إن لم يخص كلا من القاضيين بما ذكر بل عمم ولايتهما فقد اختلف الفقهاء في ذلك على مذاهب ، والتفصيل في مصطلح ( قضاء ) .
أخذ الرزق على القضاء :
6 - يجوز للقاضي أخذ الرزق من بيت مال المسلمين ، ورخص فيه شريح وابن سيرين ، والشافعي ، وبعض الحنفية ، وعليه جمهور الفقهاء وأكثر أهل العلم ، والتفصيل في مصطلح ( قضاء ) .
أما استئجاره على القضاء فلا يجوز عند عامة الفقهاء .
والتفصيل في مصطلح ( قضاء ) .

قطار *
التعريف :
1 - القطار من الإبل في اللغة : عدد على نسق واحد ، والجمع قطر ، مثل كتاب وكتب ، يقال : قطر الإبل قطرا ، وقطرها وأقطرها : قرب بعضها إلى بعض على نسق .
والفقهاء يستعملون هذا اللفظ بالمعنى اللغوي نفسه .
قال البابرتي : القطار : الإبل تقطر على نسق واحد .

(36/44)


وقال الزرقاني : القطار - بكسر القاف - هو ربط الإبل أو غيرها بعضها ببعض .
ويشترط بعض فقهاء الشافعية أن لا يزيد عدد القطار الواحد على تسعة للعادة الغالبة وخالف ابن الصلاح فقدره بسبعة .
قال النووي : والأصح التوسط ، ذكره أبو الفرج السرخسي ، فقال : في الصحراء لا يتقيد بعدد ، وفي العمران يعتبر ما جرت العادة بأن يجعل قطارا ، وهو ما بين سبعة إلى عشرة ، وقال البلقيني : لم يعتبر ذلك الشافعي ولا كثير من الأصحاب ، منهم الشيخ أبو حامد وأتباعه ، والتقييد بالتسع أو السبع ليس بمعتمد ، وذكر الأذرعي والزركشي نحوه ، ثم قالا: وسبب اضطرابهم في العدد اضطراب العرف فيه ، فالأشبه الرجوع في كل مكان إلى عرفه ، وبه صرح صاحب الوافي .
الألفاظ ذات الصلة :
الراحلة :
2 - الراحلة : المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى ، والناقة التي تصلح للرحل ، والأول هو مراد الفقهاء والراحلة جزء من القطار .
الحكم الإجمالي :
هناك أحكام تتعلق بالقطار تكلم الفقهاء عنها ، منها : الحرز ، وضمان ما أتلفه القطار ، على الوجه الآتي :
أ - الحرز :
3 - يرى الشافعية والحنابلة أن القطار إن كان معه سائق يسوقه ، فحرزه نظره إليه ، وما كان منه بحيث لا يراه فليس بمحرز ، وإن كان معه قائد ، فحرزه أن ينظر إليه كل ساعة وينتهي نظره إليه إذا التفت ، فإن كان لا يرى البعض لحائل جبل أو بناء ، فذلك البعض غير محرز .
وقال المالكية بقطع السارق لشيء من القطار بمجرد إبانته عن باقيه على المعتمد .
وحكى ابن كج وجها للشافعية أنه لا يشترط انتهاء نظر القائد إلى آخر القطار .
وحيث يشترط انتهاء نظر القائد إلى القطار فقد اختلف فقهاء الشافعية في اشتراط بلوغ الصوت ، فقال بعضهم : لو لم يبلغ صوته بعض القطار فإن ذلك البعض غير محرز ، وسكت آخرون عن اعتبار بلوغ الصوت اكتفاء بالنظر ، لأنه إذا قصد ما يراه أمكنه العدو إليه .

(36/45)


وذهب الحنفية إلى أن من سرق من القطار بعيرا أو حملا لم يقطع ، لأنه ليس بحرز مقصود ، فتتمكن فيه شبهة العدم ، وهذا لأن السائق والراكب والقائد إنما يقصدون قطع المسافة ونقل الأمتعة دون الحفظ ، حتى لو كان مع الأحمال من يتبعها للحفظ قالوا : يقطع ، وإن شق الحمل وأخذ منه قطع ، لأن الجوالق في مثل هذا حرز ، لأنه يقصد بوضع الأمتعة فيه صيانتها كالكم ، فوجد الأخذ من الحرز فيقطع .
وللتفصيل ( ر : سرقة ف / 37 ) .
ب - ضمان ما أتلفه القطار :
4 - نص الحنفية على أن الدية تجب على قائد قطار وطئ بعير منه رجلا ، وإن كان معه سائق ضمنا لاستوائهما في التسبب ، لكن ضمان النفس على العاقلة وضمان المال في ماله، هذا لو كان السائق من جانب من الإبل ، فلو توسطها وأخذ بزمام واحد ضمن ما خلفه ، وضمنا ما قدامه ، وضمن راكب على بعير وسط القطار الوسط فقط ولا يضمن ما قدامه لأنه غير سائق له ولا ما خلفه لأنه غير قائد ما لم يأخذ بزمام ما خلفه ، وإن قتل بعير ربط على قطار سائر بلا علم قائده رجلا ضمن عاقلة القائد الدية ، ورجعوا بها على عاقلة الرابط ، لأنه دية لا خسران ، ولو ربط البعير والقطار واقف ضمنها عاقلة القائد بلا رجوع لقوده بلا إذن .
وقال المالكية : من قاد قطارا فهو ضامن لما وطئ البعير في أول القطار أو آخره ، وإن نفحت رجلا بيدها أو رجلها لم يضمن القائد ، إلا أن يكون ذلك من شيء فعله بها .
وعند الحنابلة : قال شمس الدين ابن قدامة : الجمل المقطور على الجمل الذي عليه راكب يضمن الراكب جنايته لأنه في حكم القائد ، فأما الجمل المقطور على الجمل الثاني فينبغي ألا يضمن جنايته إلا أن يكون له سائق ، لأن الراكب الأول لا يمكنه حفظه عن الجناية .

قط *
انظر : هر .

قطع *
التعريف :

(36/46)


1 - القطع في اللغة : إبانة جزء من الجرم ، يقال : قطعت الحبل قطعا : فصلت منه جزءا ، ويطلق على المعاني : فكل من شرع في أمر من الأمور فلم يكمله يقال : إنه قطعه ، فمن تحلل عن الصلاة بالسلام قبل إتمامها ، أو أتى ما يبطلها بعد الشروع فيها فقد قطع صلاته ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي .
الأحكام المتعلقة بالقطع :
تختلف أحكام القطع باختلاف موضوع القطع :
قطع العبادة :
2 - قطع العبادة الواجبة بعد الشروع فيها بلا مسوغ شرعي غير جائز باتفاق الفقهاء ، لأن قطعها بلا مسوغ شرعي عبث يتنافى مع حرمة العبادة ، وورد النهي عن إفساد العبادة، قال تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم } ، أما قطعها بمسوغ شرعي فمشروع ، فتقطع الصلاة لقتل حية ونحوها للأمر بقتلها ، وخوف ضياع مال له قيمة له أو لغيره ، ولإغاثة ملهوف ، وتنبيه غافل أو نائم قصدت إليه نحو حية ، ولا يمكن تنبيهه بتسبيح ، ويقطع الصوم لإنقاذ غريق ، وخوف على نفس ، أو رضيع .
أما قطع التطوع بعد الشروع فيه فقد اختلف الفقهاء في حكمه فقال الحنفية والمالكية : لا يجوز قطعه بعد الشروع بلا عذر كالفرض ويجب إتمامه ، لأنه عبادة ، ويلزم بالشروع فيه، ولا يجوز إبطاله ، لأنه عبادة .
وقال الشافعية والحنابلة : يجوز قطع التطوع ، عدا الحج والعمرة ، لحديث « المتنفل أمير نفسه » ولكن يستحب إتمامه ، أما الحج والعمرة فيجب إتمامهما ، وإن فسدا إذا شرع فيهما، لأن نفلهما كفرضهما ( ر : تطوع ف / 21 ) .
وتنقطع الصلاة بإتيان ما يتنافى معها كتعمد الحدث ، ونية الخروج منها بعد الإحرام ، والكلام الكثير عرفا ، والعمل الكثير ، ونحو ذلك من مبطلاتها .

(36/47)


وقال الحنابلة : يقطعها أيضا : الكلب الأسود إذا مر بين يدي المصلي ، وهو البهيم الذي ليس في لونه شيء سوى السواد ، وفي رواية عن أحمد أنه يقطع الصلاة : الكلب الأسود ، والحمار ، والمرأة إذا مرت بين يدي المصلي ، ولا يقطع شيء من ذلك عند عامة الفقهاء . ويقطع عند الحنفية محاذاة المرأة الرجل في صلاة مطلقة يشتركان فيها ( ر : اقتداء ف / 11 ) .
ويقطع الصوم ما يبطله من أكل أو شرب أو جماع ، ولا ينقطع الصوم بنية القطع عند الشافعية ( ر : صوم ف / 33 ) .
قطع القدوة :
3 - تنقطع قدوة المأموم بخروج إمامه من صلاته بسلام ، أو غيره لزوال الرابطة .
ويجوز عند الشافعية للمأموم قطعها بنية المفارقة ، وإن قلنا : إن الجماعة فرض كفاية ، لأن فرض الكفاية لا يلزم بالشروع عندهم ، كالتطوع ، إلا في الجهاد وصلاة الجنازة ، لأن « الفرقة الأولى فارقت النبي صلى الله عليه وسلم في ذات الرقاع » ، لكن يكره قطعها إلا لعذر ، كمرض ، وتطويل الإمام لمن لا يصبر لضعف ، أو شغل ، وتركه سنة مقصودة كتشهد أو قنوت .
قطع موالاة الفاتحة :
4 - يقطع موالاة الفاتحة تخلل ذكر ، وإن قل ، وسكوت طويل عرف بلا عذر ، أو سكوت ولو كان قصيرا قصد به قطع القراءة ، لإشعار ذلك الإعراض عن القراءة .
قطع خطبة الجمعة :
5 - يشترط لصحة خطبة الجمعة سماع العدد الذي تنعقد به ، فإن انفضوا أو بعضهم ففي ذلك تفصيل ينظر في ( خطبة ف / 24 ) .
قطع نبات الحرم :
6 - اتفق الفقهاء على حرمة قطع أو قلع نبات الحرم إذا كان مما لا يستنبته الناس عادة ، سواء أكان شجرا أو غيره ، ويستوي في ذلك المحرم وغيره ، لحديث : « حرم الله مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي أحلت لي ساعة من نهار ، لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها » . ( ر : حرم ف / 10 ) .
قطع سلعة أو عضو متآكل :

(36/48)


7 - للحر البالغ العاقل قطع سلعة - أي ورم ونحوه - من جسده لا خطر في قطعها ، ولا في تركها ، لأن له غرضا في إزالة الشين ، فإن كان في قطعها خطر على نفسه بقول طبيبين أو طبيب ثقة ولا خطر في تركها ، أو زاد خطر القطع ، فلا يجوز له قطعها ، لأن ذلك يؤدي إلى هلاك نفسه . والله يقول : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ، وإن قال الأطباء : إن لم يقطع حصل أمر يفضي إلى الهلاك ، وجب القطع ، كما يجب دفع المهلكات ، ومثل السلعة العضو المتآكل في الأحكام .
وللأصل وإن علا : قطع نحو سلعة وعضو متآكل من صبي ، ومجنون مع الخطر فيه إن زاد خطر الترك على خطر القطع ، لأنه يلي صون مالهما عن الضياع فبدنهما أولى ، وللحاكم وغيره من الأولياء غير الأب والجد قطعها بلا خطر ، أما مع الخطر فلا يجوز .
قطع يد السارق :
8 - يجب على الإمام إقامة حد السرقة على سارق نصاب السرقة من حرز مثله إذا رفع إلى الإمام وثبتت السرقة عنده ، لقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ، وحديث : « تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا » .
والتفصيل في مصطلح ( سرقة ف / 62 ) .
قطع أيدي المحاربين وأرجلهم من خلاف :
9 - لا خلاف بين الفقهاء في أن من بين عقوبات المحاربين قطع أيديهم وأرجلهم ، قال تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } .
والتفصيل في مصطلح ( حرابة ف / 7 وما بعدها ) .

قطع الطريق *
انظر : حرابة .

قفيز *
انظر : مقادير .

قلس *
انظر : قيء .

قلفة *
انظر : حشفة ، ختان .

قلة *
انظر : مقادير .

قلنسوة *
التعريف :
1 - القلنسوة لغة : من ملابس الرءوس .
والتقليس : لبس القلنسوة .

(36/49)


ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي .
ما يتعلق بالقلنسوة من أحكام :
حكم المسح عليها في الوضوء :
2 - ذهب الحنفية والحنابلة في المذهب إلى أنه لا يجوز المسح في الوضوء على القلنسوة لعدم الحرج في نزعها .
قال إسحاق بن إبراهيم : قال أحمد : لا يمسح على القلنسوة .
وقال المالكية : يجوز المسح على القلنسوة إن خيف من نزعها ضرر .
وقال الشافعية : إن عسر رفع القلنسوة ، أو لم يرد ذلك كمل بالمسح عليها وإن لبسها على حدث ، لخبر مسلم « أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة » ، وسواء أعسر عليه تنحيتها أم لا .
حكم لبس المحرم القلنسوة :
3 - يحرم على المحرم لبس القلنسوة ، لأن ستر الرأس من محظورات الإحرام ، لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم : لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين » .
قال ابن بطال : قوله « ولا البرانس » قال في الصحاح البرنس : قلنسوة طويلة وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام .
فإن لبس المحرم القلنسوة لزمه الفدية وهذا باتفاق الفقهاء .
حكم لبس أهل الذمة القلانس :
4 - من أحكام أهل الذمة أنهم يلزمون بلبس يميزهم عن المسلمين ، لأن عمر رضي الله تعالى عنه صالحهم على تغيير زيهم بمحضر من الصحابة ، فإذا لبسوا القلانس يجب أن تكون مخالفة للقلانس التي يلبسها المسلمون وذلك بتمييزها بعلامة يعرفون بها .
قال ابن عابدين : يمنع أهل الذمة من لبس القلانس الصغار ، وإنما تكون طويلة من كرباس مصبوغة بالسواد مضربة مبطنة وهذا في العلامة أولى .
وقد ذكر أبو يوسف في كتاب الخراج بإلزامهم لبس القلانس الطويلة المضربة وأن عمر رضي الله تعالى عنه كان يأمر بذلك ، أي تكون علامة يعرفون بها .

(36/50)


وقال الشيرازي : إن لبسوا القلانس جعلوا فيها خرقا ليتميزوا عن قلانس المسلمين ، لما روى عبد الرحمن بن غنم في الكتاب الذي كتبه لعمر حين صالح نصارى الشام فشرط أن لا تتشبه بهم في شيء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة .
وبمثل ذلك قال الحنابلة .
وقال المالكية : يلزمون بلبس يميزهم .

قمار *
انظر : ميسر .

قميص *
انظر : ألبسة .

قنطار *
انظر : مقادير .

قنفذ *
انظر : أطعمة .

قن *
انظر : رق .

قنوت *
التعريف :
1 - يطلق القنوت في اللغة على معان عدة ، منها :
- الطاعة : ومن ذلك قوله تعالى : { له ما في السماوات والأرض كل له قانتون } .
- والصلاة : ومن ذلك قوله تعالى : { يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين }. وطول القيام : ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصلاة طول القنوت » أي طول القيام .
وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن القنوت ، فقال : ما أعرف القنوت إلا طول القيام ، ثم قرأ قوله تعالى : { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما } .
- والسكوت : حيث ورد عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .
- والدعاء : وهو أشهرها ، قال الزجاج : المشهور في اللغة أن القنوت الدعاء ، وأن القانت الداعي ، وحكى النووي أن القنوت يطلق على الدعاء بخير وشر ، يقال : قنت له وقنت عليه .
وفي الاصطلاح : قال ابن علان : القنوت عند أهل الشرع اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام .
القنوت في الصلاة :
2 - القنوت منحصر في ثلاثة مواطن : صلاة الصبح ، وصلاة الوتر ، وفي النوازل ، وبيان ذلك فيما يأتي :
أ - القنوت في الصبح :

(36/51)


3 - اختلف الفقهاء في حكم القنوت في صلاة الصبح على أربعة أقوال :
الأول : للحنفية والحنابلة والثوري : وهو أن القنوت في الصبح غير مشروع ، وهو مروي عن ابن عباس ، وابن عمر ، وابن مسعود ، وأبي الدرداء ، رضي الله عنهم ، وقال أبو حنيفة : القنوت في الفجر بدعة ، وقال الحنابلة : يكره .
واستدلوا على ذلك : بما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم « قنت في صلاة الفجر شهرا يدعو في قنوته على أحياء من أحياء العرب ، ثم تركه » ، قالوا : فكان منسوخا ، إذ الترك دليل النسخ ، وبما روي عن أبي مالك سعد بن طارق الأشجعي قال : « قلت لأبي : يا أبت ، إنك قد صليت خلف رسول الله ، وأبي بكر ، وعثمان ، وعلي هاهنا بالكوفة نحوا من خمس سنين ، أكانوا يقنتون ؟ قال : أي بني ، محدث » . وفي لفظ : « يا بني إنها بدعة » . قال الترمذي : والعمل عليه عند أكثر أهل العلم .
والثاني : للمالكية على المشهور : وهو أن القنوت في الصبح مستحب وفضيلة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم « كان يقنت في صلاة الصبح » فيما روى أبو هريرة وخفاف بن إيماء والبراء وأنس بن مالك . قال أنس : « ما زال رسول الله يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا » ، وقال علي بن زياد بوجوب القنوت في الصبح ، فمن تركه فسدت صلاته .

(36/52)


ويجوز قبل الركوع وبعده في الركعة الثانية ، غير أن المندوب الأفضل كونه قبل الركوع عقب القراءة بلا تكبيرة قبله ، وذلك لما فيه من الرفق بالمسبوق ، وعدم الفصل بينه وبين ركني الصلاة ولأنه الذي استقر عليه عمل عمر رضي الله عنه بحضور الصحابة ، قال القاضي عبد الوهاب البغدادي " وروي عن أبي رجا العطاردي قال : كان القنوت بعد الركوع، فصيره عمر قبله ليدرك المدرك وروي أن المهاجرين والأنصار سألوه عثمان ، فجعله قبل الركوع ، لأن في ذلك فائدة لا توجد فيما بعده ، وهي أن القيام يمتد فيلحق المفاوت ، ولأن في القنوت ضربا من تطويل القيام ، وما قبل الركوع أولى بذلك ، لا سيما في الفجر .
ويندب كونه بلفظ : اللهم إنا نستعينك ، ونستغفرك ، ونؤمن بك ، ونتوكل عليك ، ونخضع لك ، ونخلع ونترك من يكفرك ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخاف عذابك ، إن عذابك الجد بالكفار ملحق .
ومن ترك القنوت عمدا أو سهوا فلا شيء عليه ، فإن سجد لتركه قبل السلام بطلت صلاته . وليس لدعاء القنوت حد محدود .
ولا يرفع يديه في دعاء القنوت ، كما لا يرفع في التأمين ، ولا في دعاء التشهد .
والإسرار به هو المستحب في حق الإمام والمأموم والمنفرد ، لأنه دعاء ، فينبغي الإسرار به حذرا من الرياء .
والمسبوق إذا أدرك الركعة الثانية لا يقنت في القضاء ، لأنه إنما يقضي الركعة الأولى ولم يكن فيها قنوت ، قال ابن رشد : إن أدرك قبل ركوع الثانية لم يقنت في قضائه ، سواء أدرك قنوت الإمام أم لا .
الثالث : للشافعية : وهو أن القنوت في صلاة الصبح سنة ، قال النووي : اعلم أن القنوت مشروع عندنا في الصبح ، وهو سنة متأكدة ، وذلك لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه : « ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا » .

(36/53)


قالوا : ولو تركه لم تبطل صلاته ، لكن يسجد للسهو ، سواء تركه عمدا أو سهوا .
أما محله ، فبعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية من الصبح ، فلو قنت قبل الركوع لم يحسب له على الأصح ، وعليه أن يعيده بعد الركوع ثم يسجد للسهو .
وأما لفظه ، فالاختيار أن يقول فيه ما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال :
« علمني رسول الله كلمات أقولهن في الوتر : اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، وأنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت » ، وزاد العلماء فيه :
" ولا يعز من عاديت " قبل : " تباركت ربنا وتعاليت " وبعده : " فلك الحمد على ما قضيت ، أستغفرك وأتوب إليك " .
قال النووي : قال أصحابنا : لا بأس بهذه الزيادة ، وقال أبو حامد والبندنيجي وآخرون : مستحبة .
ويسن أن يقول عقب هذا الدعاء : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم .
وذلك في الوجه الصحيح المشهور .
قال النووي : واعلم أن القنوت لا يتعين فيه دعاء على المذهب المختار ، فأي دعاء دعا به حصل القنوت ، ولو قنت بآية أو آيات من القرآن العزيز ، وهي مشتملة على الدعاء حصل القنوت ، ولكن الأفضل ما جاءت به السنة .

(36/54)


ولو قنت بالمنقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان حسنا ، فقد روي أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال : اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، وألف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوك وعدوهم ، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ، ويكذبون رسلك ، ويقاتلون أولياءك ، اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين ، بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ، ونثني عليك ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك ، بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، ولك نسعى ونحفد ، ونخشى عذابك الجد ، ونرجو رحمتك ، إن عذابك بالكافرين ملحق .
ثم إنه يستحب الجمع بين قنوت عمر رضي الله عنه وما سبق ، فإن جمع بينهما ، فالأصح تأخير قنوت عمر ، وإن اقتصر فليقتصر على الأول ، وإنما يستحب الجمع بينهما إذا كان منفردا أو إمام جماعة محصورين يرضون بالتطويل .
ويستحب إذا كان المصلي إماما ألا يخص نفسه بالدعاء ، بل يعمم ، فيأتي بلفظ الجمع " اللهم اهدنا ... إلخ " ، لما روي عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يؤم امرؤ قوما ، فيخص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم » .
أما رفع اليدين في القنوت ففيه وجهان مشهوران ، أصحهما استحباب رفع اليدين فيه . وأما مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء - إن قلنا بالرفع - ففيه وجهان ، أصحهما عدم استحباب المسح .
وأما الجهر بالقنوت أو الإسرار به في صلاة الصبح ، فيفرق بين ما إذا كان المصلي إماما ، أو منفردا ، أو مأموما .
- فإن كان إماما : فيستحب له الجهر بالقنوت في الأصح .
- وإن كان منفردا فيسر به بلا خلاف .

(36/55)


- وإن كان مأموما : فإن لم يجهر الإمام قنت سرا كسائر الدعوات ، وإن جهر الإمام بالقنوت، فإن كان المأموم يسمعه أمن على دعائه ، وشاركه في الثناء على آخره ، وإن كان لا يسمعه قنت سرا .
ب - القنوت في الوتر :
4 - اختلف الفقهاء في حكم القنوت في صلاة الوتر على أربعة أقوال :
الأول : لأبي حنيفة : وهو أن القنوت واجب في الوتر قبل الركوع في جميع السنة ، وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد : هو سنة في كل السنة قبل الركوع .
فعند الحنفية إذا فرغ مصلي الوتر من القراءة في الركعة الثالثة كبر رافعا يديه ، ثم يقرأ دعاء القنوت ، واستدلوا على ذلك بما روي أنه صلى الله عليه وسلم « قنت في آخر الوتر قبل الركوع » .
وذكر الكرخي أن مقدار القيام في القنوت مقدار سورة { إذا السماء انشقت } ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه كان يقرأ في القنوت : اللهم إنا نستعينك … إلخ »
« اللهم اهدنا فيمن هديت ... إلخ » وكلاهما على مقدار هذه السورة .
وليس في القنوت دعاء مؤقت ، كذا ذكر الكرخي في كتاب الصلاة ، لأنه روي عن الصحابة أدعية في حال القنوت ، ولأن المؤقت من الدعاء يجري على لسان الداعي من غير احتياجه إلى إحضار قلبه وصدق الرغبة منه إلى الله تعالى ، فيبعد عن الإجابة ، ولأنه لا توقيت في القراءة لشيء من الصلوات ، ففي دعاء القنوت أولى ، وقد روي عن محمد أنه قال : التوقيت في الدعاء يذهب رقة القلب ، وقال بعض مشايخنا : المراد من قوله : ليس في القنوت دعاء مؤقت ما سوى قوله : « اللهم إنا نستعينك .. » لأن الصحابة اتفقوا على هذا في القنوت ، فالأولى أن يقرأه ، ولو قرأ غيره جاز ، ولو قرأ معه غيره كان حسنا ، والأولى أن يقرأ بعده ما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما في قنوته « اللهم اهدنا فيما هديت .. » ، إلى آخره .

(36/56)


ومن لا يحسن القنوت بالعربية أو لا يحفظه ، ففيه ثلاثة أقوال مختارة ، قيل : يقول : " يا رب " ثلاث مرات ، ثم يركع ، وقيل : يقول : اللهم اغفر لي ثلاث مرات ، وقيل : يقول : اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، قال ابن نجيم بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة : والظاهر أن الاختلاف في الأفضلية لا في الجواز ، وأن الأخير أفضل لشموله ، وأن التقييد بمن لا يحسن العربية ليس بشرط ، بل يجوز لمن يعرف الدعاء المعروف أن يقتصر على واحد مما ذكر لما علمت أن ظاهر الرواية عدم توقيته .
وأما صفة دعاء القنوت من الجهر والمخافتة ، فقد ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إن كان منفردا فهو بالخيار : إن شاء جهر وأسمع غيره ، وإن شاء جهر وأسمع نفسه ، وإن شاء أسر كما في القراءة .
وإن كان إماما يجهر بالقنوت ، لكن دون الجهر بالقراءة في الصلاة ، والقوم يتابعونه هكذا إلى قوله : إن عذابك بالكفار ملحق .
قال أبو يوسف : يسن أن يقرأ المقتدي أيضا وهو المختار ، لأنه دعاء كسائر الأدعية ، وقال محمد : لا يقرأ بل يؤمن لأن له شبهة القرآن احتياطا .
وقال في الذخيرة : استحسنوا الجهر في بلاد العجم للإمام ليتعلموا ، كما جهر عمر رضي الله عنه بالثناء حين قدم عليه وفد العراق ، ونص في الهداية على أن المختار المخافتة ، وفي المحيط على أنه الأصح .
وفي البدائع : واختار مشايخنا بما وراء النهر الإخفاء في دعاء القنوت في حق الإمام والقوم جميعا ، لقوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « خير الذكر الخفي » .

(36/57)


أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت . فقد قال أبو القاسم الصفار : لا يفعل ، لأن هذا ليس موضعها ، وقال الفقيه أبو الليث : يأتي بها ، لأن القنوت دعاء ، فالأفضل أن يكون فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في الفتاوى .
وأما حكم القنوت إذا فات عن محله ، فقالوا : إذا نسي القنوت حتى ركع ثم تذكر بعدما رفع رأسه من الركوع لا يعود ، ويسقط عنه القنوت ويسجد للسهو ، وإن تذكره في الركوع ، فكذلك في ظاهر الرواية ، كما في البدائع ، وصححه في الفتاوى الخانية ، وروي عن أبي يوسف : أنه يعود إلى القنوت ، لأن له شبها بالقراءة فيعود ، كما لو ترك الفاتحة أو السورة فتذكرها في الركوع أو بعد رفع الرأس منه ، فإنه يعود وينتقض ركوعه، كذا هاهنا. والثاني : للمالكية في المشهور وطاوس ، وهو رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه لا يشرع القنوت في صلاة الوتر من السنة كلها ، فعن طاوس أنه قال : القنوت في الوتر بدعة ، وعن ابن عمر : أنه لا يقنت في صلاة بحال ، ومشهور مذهب مالك كراهة القنوت في الوتر .
وفي رواية عن مالك أنه يقنت في الوتر في النصف الأخير من رمضان .
والثالث : للشافعية في الأصح : وهو أنه يستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان خاصة ، فإن أوتر بركعة قنت فيها ، وإن أوتر بأكثر قنت في الأخيرة .
وفي وجه للشافعية : أنه يقنت في جميع رمضان .
وحكى الروياني وجها أنه يجوز القنوت في جميع السنة بلا كراهة ، ولا يسجد للسهو لتركه في غير النصف الأخير من رمضان ، قال : وهذا حسن وهو اختيار مشايخ طبرستان .
قال الرافعي : وظاهر كلام الشافعي كراهة القنوت في غير النصف الأخير من رمضان .
أما محل القنوت في الوتر ، فهو بعد رفع الرأس من الركوع في الصحيح المشهور .
أما لفظ القنوت في الوتر فكالصبح .

(36/58)


واستحب الشافعية أن يضم إلى ما ذكرنا من دعاء القنوت قنوت عمر رضي الله عنه .
أما الجهر بالقنوت في الوتر ورفع اليدين ومسح الوجه فحكمها ما سبق في قنوت الصبح نفسه .
والرابع : للحنابلة : وهو أنه يسن القنوت جميع السنة في الركعة الواحدة الأخيرة من الوتر بعد الركوع ، لما روى أبو هريرة وأنس « أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع » ، قال ابن قدامة في تعليل مشروعيته كل السنة : لأنه وتر ، فيشرع فيه القنوت ، كالنصف الأخير من رمضان ، ولأنه ذكر شرع في الوتر ، فشرع في جميع السنة كسائر الأذكار .
ولو كبر ورفع يديه بعد القراءة ، ثم قنت قبل الركوع جاز ، لما روى أبي بن كعب « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر قبل الركوع » .
وهيئة القنوت أن يرفع يديه إلى صدره حال قنوته ويبسطهما وبطونهما نحو السماء ولو كان مأموما ، ويقول جهرا - سواء أكان إماما أو منفردا - : " اللهم إنا نستعينك ، ونستهديك ، ونستغفرك ، ونتوب إليك ، ونؤمن بك ، ونتوكل عليك ، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخشى عذابك ، إن عذابك الجد بالكفار ملحق ، اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا شر ما قضيت ، إنك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، وبك منك ، لا نحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " .

(36/59)


وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة ، قال المجد ابن تيمية : فقد صح عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقنت بقدر مائة آية ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويفرد المنفرد الضمير ، فيقول اللهم اهدني . اللهم إني أستعيذك ... إلخ ، وهو الصحيح في المذهب . وعليه نص أحمد ، وعند ابن تيمية ، يجمعه ، لأنه يدعو لنفسه وللمؤمنين . والمأموم إذا سمع قنوت إمامه أمن عليه بلا قنوت ، وإن لم يسمعه دعا ، وهل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ ؟ على روايتين :
أشهرهما : أنه يمسح بهما وجهه ، نقله أحمد ، واختاره الأكثر ، لما روى السائب بن يزيد عن أبيه « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه ، مسح وجهه بيديه » ، وكخارج الصلاة .
والثانية : لا ، نقلها الجماعة ، واختارها الآجري لضعف الخبر ، وعنه : يكره ، صححها في الوسيلة ، وعنه : يمرهما على صدره ، وبعد ذلك يرفع يديه إذا أراد السجود ، لأن القنوت مقصود في القيام ، فهو كالقراءة .
ج - القنوت عند النازلة :
5 - اختلف الفقهاء في حكم القنوت عند النوازل على أربعة أقوال :
الأول للحنفية : وهو أنه لا يقنت في غير الوتر إلا لنازلة : كفتنة وبلية ، فيقنت الإمام في الصلاة الجهرية ، قال الطحاوي : إنما لا يقنت عندنا في صلاة الفجر من دون وقوع بلية ، فإن وقعت فتنة أو بلية فلا بأس به ، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(36/60)


وهل القنوت للنازلة قبل الركوع أو بعده ؟ احتمالان ، استظهر الحموي في حواشي الأشباه والنظائر كونه قبله ، ورجح ابن عابدين ما استظهره الشرنبلالي في مراقي الفلاح أنه بعده. والثاني للمالكية في المشهور والشافعية في غير الأصح : وهو أنه لا يقنت في غير الصبح مطلقا ، قال الزرقاني : لا بوتر ولا في سائر الصلوات عند الضرورة خلافا لزاعميه ، لكن لو قنت في غيرها لم تبطل ، والظاهر أن حكمه في غير الصبح الكراهة ، ودليلهم على ذلك ما في الصحيحين عن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما « أنه صلى الله عليه وسلم قنت شهرا ثم تركه » .
والثالث للشافعية في الصحيح المشهور وبعض المالكية : وهو أنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة، كوباء ، وقحط ، أو مطر يضر بالعمران أو الزرع ، أو خوف عدو ، أو أسر عالم قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة ، قال النووي : مقتضى كلام الأكثرين أن الكلام والخلاف في غير الصبح إنما هو في الجواز ، ومنهم من يشعر إيراده بالاستحباب ، قلت : الأصح استحبابه ، وصرح به صاحب العدة ، ونقله عن نص الشافعي في الإملاء ، فإن لم تكن نازلة فلا قنوت إلا في صلاة الفجر ، قال ابن علان : وإن لم تنزل فلا يقنتوا ، أي يكره ذلك لعدم ورود الدليل لغير النازلة ، وفارقت الصبح غيرها بشرفها مع اختصاصها بالتأذين قبل الوقت ، وبالتثويب ، وبكونها أقصرهن ، فكانت بالزيادة أليق ، وليعود على يومه بالبركة ، لما فيه - أي القنوت - من الذلة والخضوع .

(36/61)


واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما : « قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ، يدعو على رعل وذكوان وعصية في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة ، ويؤمن من خلفه » قال ابن علان : إنه صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة ، لدفع تمرد القاتلين ، لا لتدارك المقتولين لتعذره . وقيس غير خوف العدو عليه .
وإذا قنت في غير الصبح من الفرائض لنازلة ، فهل يجهر بالقنوت أم يسر به ؟ قال النووي: الراجح أنها كلها كالصبح ، سرية كانت أم جهرية ، ومقتضى إيراده في الوسيط أنه يسر في السرية ، وفي الجهرية الخلاف .
والرابع للحنابلة على الراجح عندهم : وهو أنه يكره القنوت في غير وتر إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة - غير الطاعون - لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس ولا في غيره، ولأنه شهادة للأخيار ، فلا يسأل رفعه ، فيسن للإمام الأعظم - وهو الصحيح في المذهب - القنوت فيما عدا الجمعة من الصلوات المكتوبات - وهو المعتمد في المذهب - لرفع تلك النازلة ، ذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه قنت شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ، ثم تركه » ، وما روي عن علي رضي الله عنه أنه قنت ثم قال : إنما استنصرنا على عدونا هذا .
ويقول الإمام في قنوته نحوا مما قال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت : " اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، وألف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوك وعدوهم ، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ، ويقاتلون أولياءك ، اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين ، بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك ... إلخ .

(36/62)


ويجهر بالقنوت للنازلة في صلاة جهرية ، قال ابن مفلح وظاهر كلامهم مطلقا ، ولو قنت في النازلة كل إمام جماعة أو كل مصل ، لم تبطل صلاته . لأن القنوت من جنس الصلاة ، كما لو قال : آمين يا رب العالمين .

قنية *
التعريف :
1 - القنية في اللغة : جمع المال وكسبه واتخاذه للنفس ، يقال : اقتنيت المال : اتخذته لنفسي قنية لا للتجارة ، وقنى الشيء قنيا : كسبه وجمعه .
والقنية في الاصطلاح : حبس المال للانتفاع لا للتجارة .
الألفاظ ذات الصلة :
الكنز :
2 - الكنز لغة : من كنزت المال كنزا أي جمعته وادخرته .
وشرعا : هو المال الذي لم تؤد زكاته وإن لم يكن مدفونا تحت الأرض .
والعلاقة بين القنية والكنز هي حبس المال وجمعه .
الحكم التكليفي :
3 - قنية الأشياء قد يكون مباحا مثل اقتناء الذهب والفضة في حال دون حال ، وقد يكون مندوبا مثل اقتناء المصاحف وكتب الحديث والعلم ، وقد يكون حراما مثل الخنزير والخمر وآلات اللهو المحرمة .
انظر مصطلح ( اقتناء ف / 2 ) .
زكاة القنية :
4 - قسم ابن جزي العروض إلى أربعة أقسام : قسم للقنية خالصا ، وقسم للتجارة خالصا ففيه الزكاة ، وقسم للقنية والتجارة ، وقسم للغلة والكراء .

(36/63)


وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن عرض التجارة يصير للقنية بنية القنية وتسقط الزكاة منه، لأن القنية هي الأصل ، ويكفي في الرد إلى الأصل مجرد النية ، كما لو نوى المسافر الإقامة في مكان صالح للإقامة يصير مقيما في الحال بمجرد النية ; ولأن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض ، فإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب ; ولأن القنية هي الحبس للانتفاع وقد وجد بالنية مع الإمساك ، كما أن العرض إذا صار للقنية بالنية لا يصير للتجارة بالنية المجردة ما لم يقترن بها فعل التجارة ; لأن التجارة هي تقليب العروض بقصد الإرباح ، ولم يوجد ذلك بمجرد النية ; ولأن الأصل القنية ، والتجارة عارض فلم يصر إليها بمجرد النية ، كما لو نوى الحاضر السفر لا يثبت له حكم السفر بمجرد النية ، بل لا بد من الشروع فيه والخروج عن عمران المصر .
وخالف في ذلك أبو ثور وابن عقيل وأبو بكر من الحنابلة وأحمد في رواية حيث ذهبوا إلى أن القنية تصير للتجارة بمجرد النية ، واستدلوا بحديث سمرة رضي الله عنه قال : « أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع » ، قال ابن قدامة : قال بعض أصحابنا : هذا على أصح الروايتين ; لأن نية القنية بمجردها كافية فكذلك نية التجارة بل أولى ; لأن إيجاب الزكاة يغلب على إسقاطها احتياطا ; ولأنه أحظ للمساكين فاعتبر كالتقويم .

قهقهة *
التعريف :
1 - القهقهة مصدر قهقه إذا مد ورجع في ضحكه ، وقيل : هو اشتداد الضحك .
وفي الاصطلاح : الضحك المسموع له ولجيرانه .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الضحك :
2 - الضحك لغة : مصدر ضحك يضحك ضحكا وضحكا : انفرجت شفتاه وبدت أسنانه من السرور .
وفي الاصطلاح : هو ما يكون مسموعا له دون جيرانه .
وبين الضحك والقهقهة عموم وخصوص .
ب - التبسم :

(36/64)


3 - التبسم مصدر تبسم ، والثلاثي بسم ، يقال : بسم يبسم بسما : انفرجت شفتاه عن ثناياه ضاحكا بدون صوت ، وهو أخف من الضحك .
وعرفه الجرجاني بقوله : ما لا يكون مسموعا له ولجيرانه .
والصلة بين التبسم والقهقهة أن التبسم غالبا مقدمة للقهقهة .
الحكم الإجمالي :
4 - اختلف الفقهاء في القهقهة في الصلاة ، فقال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة : إن الصلاة تفسد بالقهقهة ولا ينتقض الوضوء ، لما روى البيهقي عن أبي الزناد قال : كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وغيرهم يقولون فيمن رعف غسل عنه الدم ولم يتوضأ وفيمن ضحك في الصلاة أعادها ولم يعد وضوءه . ولأن الضحك لو كان ناقضا لنقض في الصلاة وغيرها كالحدث ، فهي لا توجب الوضوء خارج الصلاة فلا توجبه داخلها كالعطاس والسعال .
وقال الحنفية : القهقهة في الصلاة ذات الركوع والسجود تنقض الوضوء وتفسد الصلاة لما روي عن أبي العالية والحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري « أن رجلا أعمى جاء والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، فتردى في بئر ، فضحك طوائف من الصحابة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة » ، وكما تبطل بالحدث العمد إذا حصل قبل القعود الأخير قدر التشهد فإنها تبطل كذلك ، بالقهقهة إذا حصلت قبل القعود الأخير قدر التشهد كذلك أما إن كانت بعده فإنها لا تبطل الصلاة وإن نقضت الوضوء. وأما إذا كانت القهقهة خارج الصلاة ، أو في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وصلاة الصبي وصلاة الباني بعد الوضوء لا تفسد الوضوء في جميع ذلك .
قهقهة الإمام والمأموم :

(36/65)


5 - ولو قهقه الإمام والقوم جميعا : فإن قهقهة الإمام أولا تنقض وضوءه دون القوم ; لأن قهقهتهم لم تصادف تحريمة الصلاة بفساد صلاتهم لفساد صلاة الإمام ، فجعلت قهقهتهم خارج الصلاة .
وإن قهقه القوم أولا ثم الإمام انتقض طهارة الكل ; لأن قهقهتهم حصلت في الصلاة .
وكذلك إن قهقهوا معا ; لأن قهقهة الكل حصلت في تحريمة الصلاة .
وهذا مذهب الحنفية .

قوادح *
التعريف :
1 - القوادح في اللغة جمع قادح : يقال قدح الرجل يقدحه قدحا إذا عابه بالطعن في نسبه أو عدالته .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي الفقهي عن المعنى اللغوي .
وفي اصطلاح الأصوليين قال العضد : هي في الحقيقة اعتراضات على الدليل الدال على العلية .
الحكم الإجمالي :
ما ترد عليه القوادح :
2 - لا ترد القوادح على كل قياس ; لأن من الأقيسة ما لا ترد عليه كالقياس مع عدم النص أو الإجماع ، فلا يتجه عليه فساد الاعتبار إلا ممن ينكر القياس أصلا .
تعدد القوادح :
3 - القوادح متعددة وقد اختلف الأصوليون في عددها :
ومنها : تخلف الحكم عن العلة بأن وجدت العلة في صورة مثلا بدون الحكم .
ومنها : العكس : وهو انتفاء الحكم لانتفاء العلة .
ومنها : عدم التأثير : وهو أن لا يكون بين الوصف والحكم مناسبة .
ومنها : القلب : وهو دعوى المعترض أن ما يستدل به المستدل في المسألة المتنازع فيها على ذلك الوجه عليه لا له إن صح ذلك المستدل به .
ومنها : القول بالموجب وهو : تسليم دليل المستدل مع بقاء محل النزاع ، كأن يقول المستدل في القصاص بالقتل بالمثقل : قتل بما يقتل غالبا فلا ينافي القصاص ، فيسلم المعترض بعدم المنافاة بين القتل بالمثقل والقصاص ، ويقول : ولكن لم قلت إنه يقتضي القصاص وهو محل النزاع .
والتفصيل في الملحق الأصولي .
قوادح العدالة :
4 - من قوادح العدالة ما يأتي :

(36/66)


أ - الفسق فلا تقبل الشهادة من فاسق لقوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء } والفاسق ليس بمرضي .
ب - عدم المروءة : وهي سقوط الهمة ، وعدم الترفع عن الدنايا ، فلا يقبل شهادة من لا مروءة له ; لأنه قد لا يترفع عن الكذب .
ج - عدم النطق : فلا يقبل شهادة الأبكم .
د - التهمة : فلا يقبل شهادة من يتهم بجر نفع ، أو دفع ضرر كأن يشهد لأصله ،أو فرعه.
وقال الشربيني الخطيب : المداومة على ترك السنن الراتبة ومستحبات الصلاة تقدح في الشهادة لتهاون مرتكبها بالدين وإشعاره بقلة مبالاته بالمهمات .
والتفصيل في مصطلح ( عدالة ف / 17 وشهادة ف / 22 ) وما بعدها .

قواعد *
التعريف :
1 - القواعد لغة جمع قاعدة وهي أساس الشيء وأصله .
فقواعد البناء أساسه الذي يعتمده ، قال الزجاج : القواعد أساطين البناء التي تعمده ومنه قوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل } .
والقواعد من النساء العجز اللواتي قعدن عن التصرف من أجل السن وقعدن عن الولد والمحيض .
وفي الاصطلاح يطلق الفقهاء القواعد على معان منها :
القواعد الفقهية ، والقاعدة الفقهية قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها ، وقال الحموي: هي حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه ، كما يطلق الفقهاء القواعد من النساء على المرأة التي قعدت عن الحيض والزواج من أجل السن .
ويطلق الفقهاء قواعد البيت على أسسه التي يقوم عليها .
الألفاظ ذات الصلة :
الأصول :
2 - الأصول في اللغة جمع أصل ، وهو ما ينبني عليه غيره ، أو هو ما يفتقر إليه ولا يفتقر هو إلى غيره .
والأصل في الشرع : عبارة عما يبنى عليه غيره ولا يبنى هو على غيره أو هو ما يثبت حكمه بنفسه ويبنى عليه غيره .

(36/67)


والصلة بين الأصول وبين القواعد أن القاعدة الكلية أصل لجزئياتها .
أولا : القواعد الفقهية :
3 - أورد العلماء قواعد كلية للفقه متفق عليها ترجع إليها مسائل الفقه في الجملة ويندرج تحتها ما لا ينحصر من الصور الجزئية ، ومن هذه القواعد ما يلي :
أ - الأمور بمقاصدها :
وقد استخرج الفقهاء من هذه القاعدة أحكاما منها : أن الشيء الواحد يتصف بالحل والحرمة باعتبار ما قصد به . فمثلا أخذ اللقطة بقصد حفظها وردها إلى أصحابها جائز ، أما أخذها بقصد الاستيلاء عليها وتملكها فلا يجوز بل يكون الآخذ غاصبا آثما أو إلى غير ذلك .
ب - اليقين لا يزول بالشك :
قال السيوطي : هذه القاعدة يتفرع عليها مسائل من الطهارة والعبادات والطلاق وإنكار المرأة وصول النفقة إليها واختلاف الزوجين في التمكين من الوطء والسكوت والرد ، واختلاف المتبايعين ودعوى المطلقة الحمل وغير ذلك .
والتفصيل في الملحق الأصولي .
ثانيا : القواعد من النساء :
4 - قال بعض الفقهاء : يجوز النظر إلى ما يظهر غالبا من المرأة العجوز التي لا يشتهى مثلها كما يجوز لها أن تضع الجلباب والخمار بشرط أن لا تكون مظهرة لما يتطلع إليه الرجال منها ، ولا متعرضة بالتزين للنظر إليها ، ولكن خير لها أن تستعف بالتستر الكامل كالشابة .
قال القرطبي : إنما خص القواعد من النساء بذلك لانصراف الأنفس عنهن ، إذ لا مذهب للرجال فيهن فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن ، وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب لهن ، ودليل ما ذكر قوله تعالى : { والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم } .
والتفصيل في ( عجوز ف / 5 ) .

قوامة *
التعريف :

(36/68)


1 - القوامة في اللغة من قام على الشيء يقوم قياما : أي حافظ عليه وراعى مصالحه ، ومن ذلك القيم وهو الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه ، والقوام على وزن فعال للمبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد .
قال البغوي : القوام والقيم بمعنى واحد ، والقوام أبلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب .
وبتتبع عبارات الفقهاء يتبين أنهم يطلقون لفظ القوامة على المعاني الآتية :
أ - ولاية يفوضها القاضي إلى شخص كبير راشد بأن يتصرف لمصلحة القاصر في تدبير شؤونه المالية ( ر : قيم ) .
وكثيرا ما يسمي الفقهاء القيم بهذا المعنى وصي القاضي ، ويسمي المالكية القيم مقدم القاضي .
ب - ولاية يفوض بموجبها صاحبها بحفظ المال الموقوف والعمل على إبقائه صالحا ناميا بحسب شرط الواقف .
ج - ولاية يفوض بموجبها الزوج بتدبير شؤون زوجته وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز .
ويستعمل الفقهاء القيم والناظر والمتولي في باب الوقف بمعنى واحد .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإيصاء :
2 - الإيصاء في اللغة مصدر أوصى ، يقال أوصى فلان بكذا يوصي إيصاء ، والاسم الوصاية " بفتح الواو وكسرها " وهو أن يعهد إلى غيره في القيام بأمر من الأمور ، سواء أكان القيام بذلك الأمر في حال حياة الطالب أم كان بعد وفاته .
وأما في الاصطلاح فالإيصاء بمعنى الوصية ، وعند بعض الفقهاء هو إقامة الإنسان غيره مقامه بعد وفاته في تصرف من التصرفات ، أو في تدبير شؤون أولاده الصغار ورعايتهم ، وذلك الشخص المقام يسمى الوصي .
أما إقامة غيره مقامه في القيام بأمر في حال حياته فلا يقال له في الاصطلاح إيصاء ، وإنما يقال له وكالة . ( ر : إيصاء ف / 1 ) .

(36/69)


وفرق بعض الفقهاء بين الوصي والقيم بأن القيم من فوض إليه حفظ المال والقيام عليه وجمع الغلات دون التصرف ، والوصي من فوض إليه التصرف والحفظ جميعا فيكون بمنزلة الوكيل بالتصرف والحفظ جميعا ، وعقب على ذلك ابن مازه بقوله : لكن هذا الفرق كان من قبل ، أما في زماننا فإنه لا فرق بين القيم والوصي .
ب - الوكالة :
3 - الوكالة : إقامة الشخص غيره مقام نفسه في تصرف مملوك قابل للنيابة ليفعله في حال حياته ، فهي تشبه القوامة من حيث إن كلا منهما فيه تفويض للغير في القيام ببعض الأمور نيابة عمن فوضه إلا أن القوامة تختلف عن الوكالة في أن التفويض في القوامة يكون من قبل القاضي غالبا ، أما الوكالة فلا يشترط أن يكون التفويض فيها من قبل القاضي.
ج - الولاية :
4 - الولاية في اللغة : المحبة والنصرة .
وفي الاصطلاح تنفيذ القول على الغير ، ومنه ولاية الوصي وقيم الوقف وولاية وجوب أداء صدقة الفطر .
والولاية أعم من القوامة .
أحكام القوامة :
للقوامة أحكام منها :
القوامة على المحجور عليهم :
5 - تثبت القوامة على الصغير ، والمجنون ، والمعتوه ، والسفيه ، وذي الغفلة .
واختلف الفقهاء فيمن له الولاية على أموالهم ، وقدم كل منهم من رآه أشفق على المحجور عليه وأحرص على مصلحته .
والتفصيل في ( ولاية ، ووصي ، وقيم ف / 4 ، وإيصاء ف / 9 ، 11 ) .
نصب القيم على مال المفقود :
6 - إذا غاب الرجل فلم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت نصب القاضي من يحفظ ماله ، ويقوم عليه ويستوفي حقه ; لأن القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن النظر لنفسه ، والمفقود عاجز عنه ، فصار كالصبي والمجنون ، وفي نصب ما ذكر نظر له فيفعل . وللتفصيل ( ر : مفقود ) .
القوامة على الوقف :
7 - يرى الفقهاء أن حق تولية أمر الوقف في الأصل للواقف فإن شرطها لنفسه أو لغيره اتبع شرطه .

(36/70)


وأما إذا لم يشترط الواقف الولاية لأحد أو شرطها فمات المشروط له فاختلف الفقهاء في ذلك .
والتفصيل في مصطلح ( وقف ) .
قوامة الزوج على زوجته :
8 - الزوج قيم على زوجته ، والمقصود أن الزوج أمين عليها يتولى أمرها ويصلحها في حالها ، ويقوم عليها آمرا ناهيا كما يقوم الوالي على رعيته .
قال ابن كثير في تفسير قول الله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } ، أي الرجل قيم على المرأة ، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها مؤدبها إذا اعوجت .
وقال الجصاص في تفسيره للآية : قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة لما فضل الله الرجل على المرأة في العقل والرأي ، وبما ألزمه الله تعالى من الإنفاق عليها ، فدلت الآية على معان :
أحدها : تفضيل الرجل على المرأة في المنزلة ، وأنه هو الذي يقوم بتدبيرها وتأديبها ، وهذا يدل على أن له إمساكها في بيته ومنعها من الخروج ، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية ، ودلت على وجوب نفقتها عليه بقوله : { وبما أنفقوا من أموالهم } . وقال الزمخشري في تعليقه على الآية : وفيه دليل على أن الولاية تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر .
أسباب القوامة :
9 - ذكر العلماء أن القوامة جعلت على المرأة للرجل لثلاثة أسباب :
الأول : كمال العقل والتمييز ، قال القرطبي : إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير فجعل لهم حق القيام عليهن لذلك .
الثاني : كمال الدين .
الثالث : بذل المال من الصداق والنفقة ، قال ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى :

(36/71)


{ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } أي من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فالرجل أفضل من المرأة في نفسه ، وله الفضل عليها ، فناسب أن يكون قيما عليها .
( ر : زوج ف / 2 - 11 وزوجة ف / 14 - 16 ) .
مقتضى قوامة الرجل على المرأة :
10 - مقتضى قوامة الرجل على المرأة أن على الرجل أن يبذل المهر والنفقة ويحسن العشرة ويحجب زوجته ويأمرها بطاعة الله وينهي إليها شعائر الإسلام من صلاة وصيام ، وعليها الحفظ لماله والإحسان إلى أهله والالتزام لأمره وقبول قوله في الطاعات .

قود *
انظر : قصاص .

قول *
التعريف :
1 - القول في اللغة هو : الكلام ، أو كل لفظ نطق به اللسان تاما أو ناقصا .
ويستعمل القول مجازا للدلالة على الحال مثل : وقالت له العينان : سمعا وطاعة .
والقول هو القيل والمقالة والمذهب .
وجمع القول : أقوال وأقاويل .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى .
اللغوي الحكم التكليفي :
2 - أجمعت الأمة على أن القول منوط بقائله إذا كان مكلفا ، إن خيرا وإن شرا ، لقول الله تعالى : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ، وأن قول الكفر من مكلف غير مكره كفر وقال الفقهاء : إن القول قد يكون واجبا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد يكون حراما كشهادة الزور والغيبة ونحوهما ، وقد يكون مندوبا كالإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون مكروها كالبسملة على المكروه ، وقد يكون مباحا في غير ما سبق .
العقود منوطة بالقول غالبا :

(36/72)


3 - لما كانت الأقوال تعريفا ودلالة على ما في نفوس الناس جعل الشارع للعقود والمعاملات صيغا لا تتم إلا بالقول بها ; لأن هذه العقود لا تصح إلا بالرضا كما قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما البيع عن تراض » ، والرضا أمر خفي لا يطلع عليه ، فنيط الحكم بسبب ظاهر وهو القول - وهو الإيجاب والقبول - .
قبول القول في الدعوى :
4 - اتفق الفقهاء على أن قول المدعي في الدعوى يقبل بالبينة ، وعلى أن قول المنكر يقبل باليمين لحديث : « البينة على من ادعى واليمين على من أنكر » .
والتفصيل في مصطلح ( دعوى ف / 12 ) .
وقال السيوطي : يقبل القول بلا يمين في فروع :
منها : من عليه الزكاة وادعى مسقطا لها كأن يقول مثلا : إن هذا النتاج بعد الحول أو من غير النصاب ; لأن الأصل براءته .
ومنها : من اكترى من يحج عن أبيه مثلا ، فقال الأجير : حججت فيقبل قوله ولا يمين عليه ولا بينة ; لأن تصحيح ذلك بالبينة لا يمكن ، وكذا لو قال للأجير : قد جامعت في إحرامك فأفسدته ، وأنكر الأجير قبل قول الأجير ، وكذا لو ادعى أنه جاوز الميقات بغير إحرام أو قتل صيدا في إحرامه ونحو ذلك قبل قول الأجير ; لأنه أمين في كل ذلك .
ومنها : الأب أو الجد إذا طلب الإعفاف وادعى الحاجة إلى النكاح قبل قوله بلا يمين إذ لا يليق بمنصبه تحليفه في مثل ذلك .
ومنها : المطلقة ثلاثا إذا نكحت زوجا آخر وادعت أنه أصابها ، فيقبل قولها في حلها للزوج الأول .
ومنها : العنين إذا ادعى الوطء قبل قوله لدفع الفسخ .
ومنها : المتزوجة بشرط البكارة إذا ادعت زوال البكارة بوطئه قبل قولها لعدم الفسخ ، ويقبل قول الزوج لعدم تمام المهر .

(36/73)


ومنها : الوكيل إذا ادعى قبض الثمن من المشتري وتسليمه إلى البائع يقبل قوله حتى لا يلزمه الغرم .
وقال ابن قدامة : المودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة بغير خلاف ، قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت أن القول قوله .
وتفاصيل هذه المواضيع في مصطلحاتها .

قول الصحابي *
التعريف :
1 - القول في اللغة : كل لفظ نطق به اللسان ، تاما كان أو ناقصا .
ويطلق على الآراء والاعتقادات ، يقال : هذا قول فلان في المسألة أي رأيه فيها ، وسبب تسمية الآراء أقوالا : أن الآراء تخفى فلا تعرف إلا بالقول أو ما يقوم مقامه من شاهد الحال ، فلما كانت لا تظهر إلا بالقول سميت قولا .
والقول اصطلاحا لا يخرج عن معناه اللغوي .
والصحابي في اللغة مشتق من الصحبة وهي الرؤية والمجالسة والمعاشرة .
والصحابي اصطلاحا : من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام . ويؤخذ مما سبق أن قول الصحابي : هو ما نقل عمن صحب النبي صلى الله عليه وسلم من قول لم يرفعه إليه ولم يكن له حكم الرفع .
الأحكام المتعلقة بقول الصحابي :
2 - لا خلاف بين الأصوليين في أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر ، مجتهدا كان أو إماما ، أو حاكما أو مفتيا ، وإنما الخلاف المشهور في حجيته على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين ، وفيه أقوال :
الأول : أنه ليس بحجة مطلقا كغيره من المجتهدين ، وهو قول الشافعي في الجديد ، وإليه ذهب جمهور الأصوليين من الشافعية ويومئ إليه أحمد ، واختاره أبو الخطاب من أصحابه ، وقال عبد الوهاب من المالكية : إنه الصحيح الذي يقتضيه مذهب مالك ; لأنه نص على وجوب الاجتهاد واتباع ما يؤديه إليه صحيح النظر ، فقال : ليس في اختلاف الصحابة سعة، إنما هو : خطأ أو صواب .

(36/74)


الثاني : أنه حجة شرعية مقدمة على القياس وإليه ذهب أكثر الحنفية ، ونقل عن مالك وهو القول القديم للشافعي ، وقال أبو سعيد البردعي : تقليد الصحابي واجب ، يترك به القياس ، وأدركنا مشايخنا عليه ، وقال محمد بن الحسن : ليس عن أصحابنا المتقدمين مذهب ثابت ، والمروي عن أبي حنيفة : إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم ، وإذا جاء التابعون زاحمناهم ; لأنه كان منهم - فلا يثبت لهم بدون إجماع .
الثالث : أنه حجة إذا انضم إليه القياس ، فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي ، وهو ظاهر قول الشافعي الجديد ، ونص على ذلك في الرسالة . وقال : وأقوال أصحاب النبي عليه السلام إذا تفرقوا نصير منها إلى ما وافق الكتاب ، أو السنة أو الإجماع ، أو كان أصح في القياس .
وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم له موافقة ولا خلافا صرت إلى اتباع قول واحدهم . إذا لم أجد كتابا ، ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا يحكم بحكمه أو وجد معه قياس . الرابع : أنه حجة إذا خالف القياس ; لأنه لا محمل لمخالفته إلا بالتوقيف ، فيعلم أنه ما قاله إلا توقيفا ، وقال ابن برهان في الوجيز : وهذا هو الحق المبين ، قال : ومسائل أبي حنيفة والشافعي تدل عليه .
والتفصيل في الملحق الأصولي .

قوة *
التعريف :

(36/75)


1 - القوة في اللغة : الطاقة الواحدة من طاقات الحبل ، أو الوتر أو الخصلة الواحدة منه ، ففي الحديث : « لينقضن الإسلام عروة عروة كما ينقض الحبل قوة قوة » ، ثم اشتهر فيما يقابل الضعف ، يقال : قوي الرجل والضعيف يقوى قوة ، والقوى جمع قوة ، مثل غرفة وغرف ، ويكون ذلك في الجسم ، ومنه قوله تعالى : { علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوى } ، كما يكون في الأمور النفسية المعنوية : كالعقل ونحوه ، ومنه قوله تعالى لنبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : { فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } أي خذ الألواح بقوة في دينك وحجتك ، وقوله : { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } أي بجد .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستطاعة :
2 - قال الجوهري : الاستطاعة : الطاقة ، وقال ابن بري : هو كما ذكر ، بيد أن الاستطاعة للإنسان خاصة ، والإطاقة عامة ، يقال : جمل مطيق لحمله ، ولا يقال : جمل مستطيع .
والصلة بين القوة وبين الاستطاعة أنها أخص من القوة .
ب - القدرة :
3 - القدرة لغة : القوة على الشيء والتمكن منه ، وهي عبارة عن أدنى قوة يتمكن بها المأمور من أداء ما لزمه بدنيا كان أم ماليا .
والصلة بين القوة والقدرة أنها درجة من درجات القوة .
الأحكام المتعلقة بالقوة :
فضل القوة :
4 - القوة من الخصال الفطرية يودعها الله من يشاء من عباده ويفاضل فيها بين الناس كما يفاضل بينهم في الرزق وغيره من عطائه ، وهي نعمة عظيمة وفضل كبير من الله لمن عرف قدرها وأحسن استعمالها شكرا لله عليها لأنها الأداة اللازمة لجلب الخير للأمة ودفع الشر عنها ، وإزالة المنكر ، والأمر بالمعروف ، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يكون قويا في نفسه ولجماعة المسلمين أن يكونوا أقوياء كذلك .

(36/76)


جاء في الأثر الصحيح : « المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير » .
الأخذ بأسباب القوة :
5 - الأخذ بأسباب القوة فريضة على المسلمين على اختلاف صنوفها وألوانها ، وأسبابها ، مادية كانت أو معنوية ، قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } والخطاب لكافة المسلمين ; لأن المأمور به وظيفة كافتهم ، وتشمل كل ما يطيقونه مما يفيد في الحرب من الوسائل ماديا كان كالسلاح والإنفاق وتدريب المجاهدين في فنون الحرب ، وإتقان استعمال أنواع السلاح المختلفة ، لقوله : { ما استطعتم } أو معنويا ، كالتصافي ، واتفاق الكلمة والثقة بالله وعدم خوض الحرب بغير إذن الإمام ، والاختيار لإمارة الجيش من كان ثقة في دينه ، والتوصية بتقوى الله ، وأخذ البيعة عليهم بالثبات على الجهاد وعدم الفرار ، وغير ذلك مما يؤدي إلى القوة البدنية والمعنوية .
فأخذ أسباب القوة بقسميها فرض على المسلمين ، بالأمر القرآني : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مارسوا كل عمل مشروع متاح لهم في بيئتهم يدل على علو الهمة وكمال الرجولة ، ويؤدي إلى قوة الجسم ودفع الكسل والميل إلى الدعة .
والتفصيل : في مصطلح ( عدة ف / 2 - 3 ) .
اشتراط القوة فيمن يتقلد إمارة أو يوكل إليه أمر قاصر ونحوه :

(36/77)


6 - يشترط فيمن يقلد إمارة أو يوكل إليه أمور القصر ، كالأيتام ، والمجانين وأموال الوقف : القدرة على القيام بها ، ولا يجوز تقليد من لا يقوى على النهوض بها ، كما لا يجوز لمن لا يعلم في نفسه القدرة على القيام بها قبولها ، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : « قلت يا رسول الله ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على منكبي ، ثم قال : يا أبا ذر : إنك ضعيف، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة : خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها » .

قيء *
التعريف :
1 - القيء لغة : مصدر قاء ، يقال قاء الرجل ما أكله قيئا من باب باع ، ثم أطلق المصدر على الطعام المقذوف ، واستقاء استقاءة ، وتقيأ : تكلف القيء ، ويتعدى بالتضعيف فيقال : قيأه غيره .
واصطلاحا : هو الخارج من الطعام بعد استقراره في المعدة .
الألفاظ ذات الصلة :
القلس :
2 - القلس لغة : القذف وبابه ضرب ، وقال الخليل : القلس : ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه وليس بقيء ، فإن عاد فهو القيء .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي .
والصلة بينهما : أن القلس دون القيء .
الأحكام المتعلقة بالقيء :
للقيء أحكام منها :
طهارة القيء ونجاسته :
3 - اختلفت الآراء في طهارة القيء ونجاسته .
فيقول الحنفية والشافعية والحنابلة بنجاسته ولكل منهم تفصيله ، وبذلك يقول المالكية في المتغير عن حال الطعام ولو لم يشابه أحد أوصاف العذرة .
قال الحنفية : إن نجاسته مغلظة ; لأن كل ما يخرج من بدن الإنسان وهو موجب للتطهير فنجاسته غليظة ولا خلاف عندهم في ذلك ، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(36/78)


« يا عمار إنما يغسل الثوب من خمس : من الغائط ، والبول ، والقيء ، والدم ، والمني »، وهذا إذا كان ملء الفم ، أما ما دونه فطاهر على ما هو المختار من قول أبي يوسف ، وفي فتاوى نجم الدين النسفي : صبي ارتضع ثم قاء فأصاب ثياب الأم : إن كان ملء الفم فنجس ، فإذا زاد على قدر الدرهم منع الصلاة في هذا الثوب ، وروى الحسن عن أبي حنيفة : أنه لا يمنع ما لم يفحش ; لأنه لم يتغير من كل وجه وهو الصحيح .
والثدي إذا قاء عليه الولد ، ثم رضعه حتى زال أثر القيء ، طهر حتى لو صلت صحت صلاتها .
وعند الشافعية : أنه نجس ، وإن لم يتغير حيث وصل إلى المعدة ، ولو ماء وعاد حالا بلا تغير ; لأن شأن المعدة الإحالة ، فهو طعام استحال في الجوف إلى النتن والفساد ، فكان نجسا كالغائط ، واستدلوا لذلك بالحديث السابق ، وقالوا : إنه لو ابتلي شخص بالقيء عفي عنه في الثوب والبدن وإن كثر كدم البراغيث .
والمراد بالابتلاء بذلك : أن يكثر وجوده بحيث يقل خلوه منه ، واستثنوا من القيء عسل النحل فقالوا : إنه طاهر لا نجس معفو عنه .
وعند الحنابلة : أنه نجس ; لأنه طعام استحال في الجوف إلى الفساد أشبه الغائط .
واختلفت الرواية عندهم في العفو عن يسير القيء فروي عن أحمد أنه قال : هو عندي بمنزلة الدم ، وذلك لأنه خارج من الإنسان نجس من غير السبيل فأشبه الدم ، وعنه أنه لا يعفى عن يسير شيء من ذلك ; لأن الأصل أن لا يعفى عن شيء من النجاسة خولف في الدم وما تولد منه فيبقى فيما عداه على الأصل .
وعند المالكية : أن النجس من القيء هو المتغير عن حال الطعام ولو لم يشابه أحد أوصاف العذرة ، ويجب غسله عن الثوب والجسد والمكان ، فإن كان تغيره بصفراء أو بلغم ولم يتغير عن حالة الطعام فطاهر .

(36/79)


فإذا تغير بحموضة أو نحوها فهو نجس وإن لم يشابه أحد أوصاف العذرة كما هو ظاهر المدونة واختاره سند والباجي وابن بشير وابن شاس وابن الحاجب خلافا للتونسي وابن رشد وعياض حيث قالوا : لا ينجس القيء إلا إذا شابه أحد أوصاف العذرة .
أثر القيء في الوضوء :
4 - اختلف الفقهاء في نقض الوضوء بالقيء :
فذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا ينقضه .
وعند الحنفية أن القيء ينقض الوضوء متى كان ملء الفم ، سواء كان قيء طعام أو ماء وإن لم يتغير .
وحد ملئه : أن لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف " أي مشقة " على الأصح من التفاسير فيه ، وقيل حد ملئه : أن يمنع الكلام ، وذلك لتنجسه بما في قعر المعدة وهو مذهب العشرة المبشرين بالجنة ; ولأن النبي صلى الله عليه وسلم « قاء فتوضأ » ; ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة .
فإذا لم يملأ الفم لا ينقض الوضوء ; لأنه من أعلى المعدة ، وكذا لا ينقضه قيء بلغم ولو كان كثيرا لعدم تخلل النجاسة فيه وهو طاهر .
وإن قاء قليلا قليلا متفرقا ولو جمع تقديرا كان ملء الفم ، فأبو يوسف اعتبر اتحاد المجلس; لأنه جامع للمتفرقات ، ومحمد اعتبر اتحاد السبب وهو الغثيان ; لأنه دليل على اتحاده ، وهو الأصح ، وعلى هذا ينقض القيء المتفرق الوضوء إن كان قدر ملء الفم .
وعند زفر ينقض قليله كثيره وهما في ذلك سواء ; لأنه لما كان الخارج من غير السبيلين حدثا بما دل عليه من الدليل وجب أن يستوي فيه القليل والكثير كالخارج من السبيلين ، ولقوله : « القلس حدث » .
ولو قاء دما وهو علق يعتبر فيه ملء الفم ; لأنه سوداء محترقة ، وإن كان مائعا فكذلك عند محمد اعتبارا بسائر أنواعه ، وعندهما : إن سال بقوة نفسه ينقض الوضوء وإن كان قليلا ; لأن المعدة ليست بمحل الدم ، فيكون من قرحة في الجوف .

(36/80)


وعند الحنابلة : أنه ينقض الوضوء إن فحش في نفس كل أحد بحسبه ; لأن اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره حرج فيكون منفيا لما رواه معدان بن طلحة عن أبي الدرداء رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال : صدق أنا صببت له وضوءه » ، ولا ينقض اليسير لقول ابن عباس في الدم : إذا كان فاحشا فعليه الإعادة .
وتفصيله في مصطلح ( وضوء ) .
أثر القيء في الصلاة :
5 - الطهارة في الصلاة شرط من شروط صحتها وما يبطل الطهارة يبطل الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تقبل صلاة بغير طهور » فتفسد الصلاة إن فقدت شرطا من شروط صحتها كالطهارة .

(36/81)


فعند الحنفية : أن من سبقه الحدث في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم : « من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم » ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا صلى أحدكم فقاء أو رعف فليضع يده على فمه وليقدم من لم يسبق له شيء » ، فإن كان منفردا إن شاء عاد إلى مكانه وإن شاء أتمها في منزله ، والمقتدي والإمام يعودان إلا أن يكون الإمام الجديد قد أتم الصلاة فيتخيران ، والاستئناف أفضل لخروجه عن الخلاف ، ولئلا يفصل بين أفعال الصلاة بأفعال ليست منها ، وقيل : إن كان إماما أو مقتديا فالبناء أولى إحرازا لفضيلة الجماعة ، وإن كان إماما استخلف لقوله صلى الله عليه وسلم : « أيما إمام سبقه الحدث في الصلاة فلينصرف ولينظر رجلا لم يسبق بشيء فليقدمه ليصلي بالناس » ، وإنما يجوز البناء إذا فعل ما لا بد منه كالمشي والاغتراف حتى لو استقى أو غرز دلوه أو وصل إلى نهر فجاوزه إلى غيره فسدت صلاته ، وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم ; لأنه لم يبق عليه سوى السلام ، وإن تعمد الحدث تمت صلاته ; لأنه لم يبق عليه شيء من أركان الصلاة ، وقد تعذر البناء لمكان التعمد وإذا لم يبق عليه شيء من أركان الصلاة تمت صلاته.
وعند المالكية : أن من ذرعه قيء طاهر يسير لم يزدرد منه شيئا لم تبطل صلاته ، فإن كان نجسا أو كثيرا أو ازدرد شيئا منه عمدا بطلت صلاته ، وإن ازدرد شيئا منه نسيانا لم تبطل ويسجد للنسيان بعد السلام ، وإن غلبه ففيه قولان ، والقلس كالقيء .

(36/82)


وذهب الشافعية : إلى أن من سبقه الحدث ففيه قولان : في الجديد تبطل صلاته ; لأنه حدث يبطل الطهارة فأبطل الصلاة كحدث العمد ، وقال في القديم : لا تبطل صلاته بل ينصرف ويتوضأ ويبني على صلاته ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن صلاته وهو في ذلك لا يتكلم » ; ولأنه حدث حصل بغير اختياره فأشبه سلس البول ، قال في المجموع : لو رعف المصلي أو قاء أو غلبته نجاسة أخرى جاز له على القديم أن يخرج ويغسل نجاسته ويبني على صلاته بالشروط السابقة في الحدث نص عليه .
وعند الحنابلة : إن كان القيء فاحشا بطلت صلاته وعليه الإعادة ، واختلف الرواية عند أحمد في يسيره ، فروي أنه قال : هو عندي بمنزلة الدم وذلك ; لأنه خارج من الإنسان نجس من غير السبيل فأشبه الدم ، وعنه أنه لا يعفى عن يسير شيء من ذلك ; لأن الأصل أن لا يعفى عن شيء من النجاسة .
أثر القيء في الصوم :
6 - اتفق الفقهاء على أن الصائم إذا ذرعه القيء " أي غلبه " فلا يبطل صومه لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض » . ولو عاد القيء بنفسه بغير صنع الصائم فعند المالكية والشافعية وأبي يوسف من الحنفية يفسد صومه ، وعند الحنابلة ومحمد من الحنفية لا يفسد صومه لعدم وجود الصنع منه . والتفصيل في مصطلح ( صوم / 80 - 81 ) .

قياس *
التعريف :
1 - القياس في اللغة : تقدير شيء على مثال شيء ، وتسويته به ، لذلك سمي المكيال : مقياسا ، يقال : فلان لا يقاس على فلان : لا يساويه .

(36/83)


أما في الاصطلاح فقد اختلف علماء الأصول فيه ، حتى قال إمام الحرمين : يتعذر الحد الحقيقي في القياس ; لاشتماله على حقائق مختلفة ، كالحكم ، والعلة ، والفرع والجامع . وعرفه المحققون بأنه : مساواة فرع لأصل في علة الحكم أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم ، وقيل : حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بجامع حكم أو صفة أو نفيهما .
أركان القياس :
2 - لا تتم ماهية القياس ، إلا بوجود أركانه :
وهي أربعة :
أ - الأصل : وهو محل الحكم المشبه به .
ب - والفرع : وهو المشبه .
ج - والحكم : وهو ما ثبت بالشرع في الأصل كتحريم الخمر .
د - والعلة : وهو الوصف الجامع بين الأصل والفرع .
أما شروط كل ركن من هذه الأركان ، وآراء العلماء فيرجع في ذلك إلى الملحق الأصولي . الأحكام المتعلقة بالقياس :
حجية القياس :
3 - لا خلاف بين العلماء في أن القياس حجة في الأمور الدنيوية كالأغذية ، والأدوية .
أما القياس الشرعي إذا عدم النص والإجماع فقد ذهب جمهور أئمة الصحابة ، والتابعين ، وجمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن القياس الشرعي أصل من أصول التشريع ، يستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع ، ونقل عن أحمد : لا يستغني أحد عن القياس .
ما يجري فيه القياس :
4 - اختلف العلماء في جريان القياس في بعض الأمور ، كالأسباب والكفارات والمقدرات التي لا نص فيها ولا إجماع وغير ذلك .
فذهب أصحاب أبي حنيفة ، وجماعة من الشافعية ، وكثير من علماء الأصول ، إلى أنه لا يجري القياس في الأسباب .
وذهب أكثر الشافعية ، إلى أنه يجري فيها .
ومعنى القياس في الأسباب أن يجعل الشارع وصفا سببا لحكم ، فيقاس عليه وصف آخر ، فيحكم بكونه سببا .
كما اختلفوا في جريانه في الحدود والكفارات ، والمقدرات التي لا نص ولا إجماع فيها ، فمنعه الحنفية وجوزه غيرهم .
والتفصيل في الملحق الأصولي .

قيافة *
التعريف :

(36/84)


1 - القيافة مصدر قاف بمعنى تتبع أثره ليعرفه ، يقال : فلان يقوف الأثر ويقتافه قيافة . وفي لسان العرب أن القائف هو : الذي يتتبع الآثار ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للقيافة ومشتقاتها عن المعنى اللغوي المتعلق بتتبع الأثر ومعرفة الشبه .
ففي التعريفات للجرجاني وفي دستور العلماء أن القائف هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود ، ويعرفه ابن رشد وابن حجر والصنعاني بما لا يبعد عن ذلك . الألفاظ ذات الصلة :
أ - العيافة :
2 - تأتي هذه المادة في اللغة ويراد بها الكراهة ، كقوله صلى الله عليه وسلم في الضب المشوي الذي لم يأكله : « لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه » .
كما يراد بها التردد على الشيء والقرب منه والحوم عليه ، فعافت الطير أي : تحوم على الماء ، وعافت على الجيف أي : تطير حولها تريد الوقوع عليها .
وتطلق على زجر الطيور والسوانح ، والاعتبار بأسمائها ومساقطها وممرها وأصواتها . قال الأزهري : العيافة زجر الطير ، وهو أن يرى طائرا أو غرابا فيتطير وإن لم ير شيئا ، فقال بالحدس كان عيافة أيضا وهذا هو الذي شهر به بنو لهب وبنو أسد .
وكان العائف هو الكاهن الذي يعمد إلى التضليل ، ويدعي الاتصال بعالم الغيب ، وهناك شواهد عديدة على ارتباط العيافة بالكهانة ، وهي بهذا تختلف عن القيافة التي لا تعلق لها بالكهانة ، وتقوم على النظر المنطقي التجريبي حسبما يتضح من شروط العمل بها .
ب - الفراسة :
3 - الفراسة : اسم فعله تفرس كتوسم وزنا ومعنى ، أما الفراسة بفتح الفاء فمصدر الفعل فرس يفرس ، ومعناها : العلم بركوب الخيل وركضها من الفروسية ، والفارس : الحاذق بما يمارس من الأشياء كلها ، وبها سمي الرجل فارسا .
وتطلق الفراسة في الاصطلاح على معنيين :

(36/85)


أولهما : نوع يتعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق فتعرف به أحوال الناس ، ويستفاد إطلاق الفراسة على هذا النوع من العلامات عند ابن العربي من تفسيره للتوسم بأنه العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها ، وهي الفراسة ... وذلك استدلال بالعلامة ، ومن العلامات ما يبدو لكل أحد بأول نظر ، ومنها ما هو خفي لا يبدو لكل أحد ، ولا يدرك ببادئ النظر .
والثاني : ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه ، فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس ، ولا يكتسب هذا النوع من الفراسة ، وإنما يكون طبقا لما ذكره القرطبي بجودة القريحة وحدة الخاطر وصفاء الفكر ... وتفريغ القلب من حشو الدنيا، وتطهيره من أدناس المعاصي ، وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا .
وتتميز القيافة عن الفراسة من جهة أن القائف يقوم بجمع الأدلة ويكشف عنها ، مع النظر فيها والموازنة بينها بنوع خبرة لا تتاح إلا بالتعلم والتمرس ومداومة النظر والدراسة ، أما التفرس فيختص بإعمال الذكاء الشخصي والقدرة الذهنية الخاصة لوزن الأدلة المتعارضة وتقديرها .
ويلحق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة الفراسة بالإلهام والكرامة، ولا يجوز للقاضي الحكم بالفراسة عندهم لهذا .
ج - القرينة :
4 - القرينة في اللغة : مأخوذة من المقارنة ، وهي المصاحبة ، يقال : فلان قرين لفلان أي مصاحب له .
وفي الاصطلاح : العلامة الدالة على شيء مطلوب .
والصلة بين القيافة وبين القرينة أن القيافة نوع من القرائن .
نوعا القيافة :
5 - يقسم صاحب كشف الظنون القيافة إلى قسمين :
أولهما : قيافة الأثر الذي يطلق عليه العيافة كذلك ، ويعرف هذا النوع بأنه : علم باحث عن تتبع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر في الطرق القابلة للأثر .

(36/86)


أما النوع الثاني فهو قيافة البشر الذي يعرفه بأنه : علم باحث عن كيفية الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على المشاركة والاتحاد في النسب والولادة وسائر أحوالهما .
الأحكام المتعلقة بالقيافة :
أ - إثبات النسب بالقيافة :
6 - اختلف الفقهاء في إثبات النسب بالقيافة إلى رأيين :
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى إثبات النسب بالقيافة ، وأجازوا الاعتماد عليها في إثباته عند التنازع وعدم الدليل الأقوى منها ، أو عند تعارض الأدلة الأقوى منها .
واستدلوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض » ، وفي سنن أبي داود « أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة ; لأنه " كان أسود شديد السواد مثل القار ، وكان زيد أبيض مثل القطن » .
والحجة فيه : أن سروره صلى الله عليه وسلم بقول القائف إقرار منه صلى الله عليه وسلم بجواز العمل به في إثبات النسب .
كما استدلوا بما روت عائشة رضي الله عنها « أن أم سليم الأنصارية رضي الله عنها ، وهي أم أنس بن مالك رضي الله عنه قالت : يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق ، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم إذا رأت الماء فقالت أم سلمة : وتحتلم المرأة ؟ فقال : تربت يداك ، فبم يشبهها ولدها » . والاستدلال به : أن إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك يستلزم أنه " أي الشبه " مناط شرعي، وإلا لما كان للإخبار فائدة يعتد بها .
ومما استدلوا به أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يليط - أي : يلحق - أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام في حضور الصحابة دون إنكار منهم ، وكان يدعو القافة ويعمل بقولهم ، فدل هذا على جواز العمل به .

(36/87)


وكذلك فإن أصول الشرع وقواعده والقياس الصحيح يقتضي اعتبار الشبه في لحوق النسب، والشارع متشوف إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها ، ولهذا اكتفى في ثبوتها بأدنى الأسباب من شهادة المرأة الواحدة على الولادة والدعوى المجردة مع الإمكان وظاهر الفراش ، فلا يستبعد أن يكون الشبه الخالي عن سبب مقاوم له كافيا في ثبوته .
7 - وذهب الشافعية والحنابلة وهو رواية ابن وهب عن مالك إلى أن القيافة يثبت بها نسب الولد من الزوجة أو الأمة .
والمشهور من مذهب مالك فيما نقله ابن رشد والقرافي والمواق أن القافة إنما يقضى بها في ملك اليمين فقط لا في النكاح ، يقول القرافي : وإنما يجيزه مالك في ولد الأمة يطؤها رجلان في طهر واحد ، وتأتي بولد يشبه أن يكون منهما ، والمشهور عدم قبوله في ولد الزوجة .
كما ذهب الحنابلة إلى أنه إذا وطئ رجلان امرأة وطئا يثبت به النسب ، كالموطوءة بشبهة أو في زواج فاسد وكالأمة المشتركة ، فإنها إن أتت بولد واحتمل أن يكون من أحدهما ، كما لو تزوج معتدة وأتت بالولد بعد ستة أشهر من الزواج وقبل انتهاء أقصى مدة الحمل ، كان القائف هو الذي يلحقه بأي من الرجلين .
كما ذهب المالكية إلى أنه إذا تنازع شخصان أو أكثر بنوة أحد ، ولم يترجح قول أي منهما ببينة ، فلو ادعيا جميعا صبيا واحدا ... يقول كل واحد منهما هذا ابني ... الواجب في هذا عندي على أصولهم أن تدعى له القافة أيضا ، ومن جنسه ما أورده المواق عن أشهب فيمن نزل على رجل له أم ولد حامل ، فولدت هي وولدت امرأة الضيف في ليلة صبيين فلم تعرف كل واحدة منهما ولدها ، دعي لهما القافة ، وكذا لو وضع وليدها في مكان فاختلط بغيره ، إلا إذا كانت متعدية في تركها له ، كأن قصدت نبذه والخلاص منه ، فلا يثبت نسبه منها عند بعض المالكية ولا يدعى لها القافة .
ويتصور الحكم بالقافة في اللقيط إذا تنازع بنوته رجلان أو أكثر .

(36/88)


وذهب الحنفية إلى أنه لا يثبت النسب بقول القافة ، لا لأن القيافة كالكهانة في الذم والحرمة، أو أن الشبه لا يثبت بها ، وإنما ; لأن الشرع حصر دليل النسب في الفراش ، وغاية القيافة إثبات المخلوقية من الماء لا إثبات الفراش ، فلا تكون حجة لإثبات النسب . ويستدلون على مذهبهم بأن الله عز وجل شرع حكم اللعان بين الزوجين عند نفي النسب ، ولم يأمر بالرجوع إلى قول القائف ، فلو كان قوله حجة لأمر بالمصير إليه عند الاشتباه . ولأن مجرد الشبه غير معتبر ، فقد يشبه الولد أباه الأدنى ، وقد يشبه الأب الأعلى الذي باعتباره يصير منسوبا إلى الأجانب في الحال ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حين « أتاه رجل فقال : إن امرأتي ولدت غلاما أسود ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل لك من إبل ؟ قال : نعم . قال : ما ألوانها ؟ قال : حمر ، قال : فهل فيها من أورق قال : نعم ، قال صلى الله عليه وسلم : فأنى هو ؟ فقال : لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له » ، فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا عبرة للشبه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » . أي الولد لصاحب الفراش ... والمراد من الفراش هو المرأة . وفي التفسير في قوله عز وجل : { وفرش مرفوعة } أنها نساء أهل الجنة .
ودلالة الحديث من وجوه ثلاثة :
أحدها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الكلام مخرج القسمة ، فجعل الولد لصاحب الفراش والحجر للزاني ، فاقتضى ألا يكون الولد لمن لا فراش له ، كما لا يكون الحجر لمن لا زنا منه ، إذ القسمة تنفي الشركة .
والثاني : أنه عليه الصلاة والسلام جعل الولد لصاحب الفراش ، ونفاه عن الزاني بقوله عليه الصلاة والسلام : « وللعاهر الحجر » ; لأن مثل هذا الكلام يستعمل في النفي .

(36/89)


والثالث : أنه جعل كل جنس الولد لصاحب الفراش ، فلو ثبت نسب ولد لمن ليس بصاحب الفراش لم يكن كل جنس الولد لصاحب الفراش ، وهذا خلاف النص ، فعلى هذا إذا زنى رجل بامرأة فادعاه الزاني لم يثبت نسبه منه لانعدام الفراش ، وأما المرأة فيثبت نسبه منها; لأن الحكم في جانبها يتبع الولادة .
ومفاد هذا كله أن النسب يثبت للرجل عند الحنفية بثبوت سببه وهو النكاح أو ملك اليمين ، ولا يرجع عمل القائف إلى شيء من ذلك ، وإنما يرجع إلى معرفة التخلق من الماء وهو لا يثبت به النسب ، حتى لو تيقنا من هذا التخلق ولا فراش ، فإن النسب لا يثبت .
شروط القائف :
8 - يشترط في القائف ما يلي :
أ - الخبرة والتجربة : ذهب الشافعية إلى أنه لا يوثق بقول القائف إلا بتجربته في معرفة النسب عمليا ، وذلك بأن يعرض عليه ولد في نسوة ليس فيهن أمه ثلاث مرات ، ثم في نسوة فيهن أمه ، فإن أصاب في المرات جميعا اعتمد قوله ... والأب مع الرجال كذلك على الأصح ، فيعرض عليه الولد في رجال كذلك .
وإذا حصلت التجربة وتولدت الثقة بخبرته فلا حاجة لتكرار هذا الاختبار عند كل إلحاق .
ونص الحنابلة بأنه يترك الصبي مع عشرة من الرجال غير من يدعيه ويرى إياهم ، فإن ألحقه بواحد منهم سقط قوله لأنا تبينا خطأه ، وإن لم يلحقه بواحد منهم أريناه إياه مع عشرين فيهم مدعيه ، فإن ألحقه به لحق ، ولو اعتبر بأن يرى صبيا معروف النسب مع قوم فيهم أبوه أو أخوه ، فإذا ألحقه بقريبه علمت إصابته ، وإن ألحقه بغيره سقط قوله جاز وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته ، وإن لم يجرب في الحال بعد أن يكون مشهورا بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كثيرة جاز .

(36/90)


ب - العدالة : اختلفت الروايات عن مالك في اشتراط عدالة القائف للعمل بقوله ، فرواية ابن حبيب عن مالك أنه يشترط العدالة في " القائف " الواحد ، وروى ابن وهب عن مالك الاجتزاء بقول واحد كما تقدم عن ابن القاسم ولم يشترط العدالة .
أما الشافعية والحنابلة فيشترطون العدالة للعمل بقول القائف ; لأنه حكم فتشترط فيه .
ج - التعدد : الأصح عند الجمهور أنه لا يشترط التعدد لإثبات النسب بقول القائف ، ويكتفى بقول قائف واحد كالقاضي والمخبر ، لكن وجد في هذه المذاهب رأي آخر يقضي باشتراط التعدد ، جاء في " التبصرة " حكاية الخلاف عن مالك في الاجتزاء بقائف واحد كالأخبار ، وهو قول ابن القاسم أو لا بد من قائفين ، وهي رواية عن أشهب عن مالك ، وقاله ابن دينار ، ورواه ابن نافع عن مالك ، ووجهه أنه كالشهادة ، قال بعض الشيوخ والقياس على أصولهم أن يحكم بقول القائف الواحد ، وظاهر كلام أحمد كما جاء في المغني أنه لا يقبل إلا قول اثنين ... فأشبه الشهادة ... وقال القاضي : يقبل قول الواحد ; لأنه حكم ، ويقبل في الحكم قول واحد ، وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين ، والراجح في المذهب الاكتفاء بقول قائف واحد في إلحاق النسب ، وهو كحاكم ، فيكفي مجرد خبره ; لأنه ينفذ ما يقوله بخلاف الشاهد ، وهو الراجح عند الشافعية كذلك . ومبنى الخلاف في اشتراط التعدد أو عدم اشتراطه هو التردد في اعتبار قول القائف من باب الشهادة أو الرواية ، وقد رجح القرافي إلحاق قول القائف بالشهادة للقضاء به في حق المعين واحتمال وقوع العداوة أو التهمة لذلك ، ولا يقدح انتصابه لهذا العمل على العموم فإن هذا مما يشترك فيه مع الشاهد ، أما السيوطي فيرجح إلحاق قول القائف بالرواية ، يقول : والأصح الاكتفاء بالواحد تغليبا لشبه الرواية ; لأنه منتصب انتصابا عاما لإلحاق النسب .

(36/91)


د - الإسلام : نص على اشتراطه الشافعية والحنابلة ، وهو الراجح في المذهب المالكي ، وقد سبقت الإشارة إلى الرواية الأخرى في هذا المذهب ، وهي القاضية بعدم اشتراط العدالة، ولا يسلم بعض فقهاء الحنابلة بوجوب اشتراط هذا الشرط للعمل بقول القائف في مذهبهم .
هـ - الذكورة والحرية : الأصح في المذهب الشافعي اشتراط هذين الشرطين ، وهو الراجح أيضا عند الحنابلة ، والمرجوح في المذهبين عدم اشتراط هذين الشرطين .
و - البصر والسمع ، وانتفاء مظنة التهمة ، بحيث لا يكون عدوا لمن ينفي نسبه ، ولا أصلا أو فرعا لمن يثبت نسبه ، نص على اشتراط ذلك الشافعية .
ويتخرج اعتبار هذه الشروط كذلك عند من ألحقوا القائف بالشاهد أو القاضي أو المفتي فيشترط في القائف ما يشترط فيهم .
شروط القيافة :
9 - يشترط في القيافة لإلحاق النسب بها ما يلي :
أ - عدم قيام مانع شرعي من الإلحاق بالشبه ، فلو نفى نسب ولده من زوجته ، فإنه يلاعنها ولا يلتفت إلى إثبات الشبه بقول القافة ; لأن الله عز وجل شرع إجراء اللعان بين الزوجين عند نفي النسب ، وإلغاء الشبه باللعان من باب تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما. ولا يعتبر الشبه كذلك إذا تعارض مع الفراش ، يدل عليه ويوضحه قضية سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : « اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة ، فقال سعد : أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابنه ، وقال عبد بن زمعة: أخي ابن أمة أبي ، ولد على فراش أبي ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شبها بينا بعتبة ، فقال : الولد للفراش ... واحتجبي عنه يا سودة » فقد ألغى النبي صلى الله عليه وسلم الشبه وألحق النسب بزمعة صاحب الفراش .

(36/92)


ب - وقوع التنازع في الولد نفيا أو إثباتا وعدم وجود دليل يقطع هذا التنازع ، كما إذا ادعاه رجلان أو امرأتان ، وكما إذا وطئ رجلان امرأة بشبهة وأمكن أن يكون الولد من أحدهما ، وكل منهما ينفيه عن نفسه ، فإن الترجيح يكون بقول القافة . أما إذا ادعاه واحد فإنه يكون له ، ولا يقوم التنازع حقيقة فيما بينهما إذا تعين الولد لأحدهما ، فلو ادعى اللقيط رجلان ، وقال أحدهما : هو ابني ، وقال الآخر : بنتي ، فإن كان اللقيط ابنا فهو لمدعيه ، وإن كانت بنتا فهي لمدعيها ; لأن كل واحد منهما لا يستحق غير ما ادعاه .
ج - إمضاء القاضي قول القائف عند التنازع فيما نص عليه الشافعية ، فلا يلزم قوله على هذا إلا بإمضاء القاضي له ، جاء في حاشية الجمل : ولا يصح إلحاق القائف حتى يأمر القاضي ، وإذا ألحقه اشترط تنفيذ القاضي إن لم يكن قد حكم بأنه قائف ، ورأى الزركشي أن القائف إن ألحقه بأحدهما فإن رضيا بذلك بعد الإلحاق ثبت نسبه ، وإلا فإن كان القاضي استخلفه وجعله حاكما بينهما جاز ، ونفذ حكمه بما رآه ، وإلا فلا يثبت النسب بقوله وإلحاقه حتى يحكم الحاكم .
د - حياة من يراد إثبات نسبه بالقيافة ، وهو شرط عند المالكية ، جاء في مواهب الجليل : أنها إن وضعته تماما ميتا لا قافة في الأموات ، ونقل الصقلي عن سحنون : إن مات بعد وضعه حيا دعي له القافة ، قال الحطاب : ويحتمل ردهما إلى وفاق ; لأن السماع ( أي لابن القاسم ) فيمن ولد ميتا ، وقول سحنون فيما ولد حيا .
ولم يشترط الشافعية حياة المقوف ، فإذا كان ميتا جاز إثبات نسبه بالقافة ما لم يتغير أو يدفن .

(36/93)


هـ - حياة من يلحق به النسب : اشترط كثير من المالكية حياة الملحق به ، فعن سحنون وعبد الملك أنه لا تلحق القافة الولد إلا بأب حي ، فإن مات فلا قول للقافة في ذلك من جهة قرابته إذ لا تعتمد على شبه غير الأب ، ويجوز عند كثير من المالكية عرض الأب على القافة إن مات ولم يدفن ، جاء في التبصرة : ولا تعتمد القافة إلا على أب موجود بالحياة . قال بعضهم : أو مات ولم يدفن ، قيل : ويعتمد على العصبة .
ولا يشترط هذا الشرط فقهاء الشافعية والحنابلة .
اختلاف القافة :
10 - إذا اختلفت أقوال القافة جمع بينها إن أمكن ذلك ، كما لو ألحق أحد القائفين نسب اللقيط برجل ، وألحقه الآخر بامرأة فإنه ينسب إليهما ، وإن لم يمكن الجمع بينهما وترجح أحدهما ، فإن الراجح هو الذي يؤخذ به .
وتفريعا عليه فإنه يؤخذ بقول قائفين اثنين خالفهما قائف ثالث ، كبيطارين خالفهما بيطار في عيب وكطبيبين خالفهما طبيب في عيب ، قاله في المنتخب ، ويثبت النسب ، وذلك ; لأنهما شاهدان فقولهما مقدم على قول شاهد واحد ، لكن لا يترجح قول ثلاثة قافة على قول قائفين بزيادة العدد فيما نص عليه ابن قدامة .
أما إذا لم يمكن الجمع ولا الترجيح ، كأن يلحق القائف المقوف بأحد المتنازعين ، ويلحقه الآخر بغيره ، ففيه خلاف الفقهاء :
ذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يلحق الولد إلا برجل واحد ، ويؤخر الولد إذ قضى القافة باشتراك رجلين أو أكثر فيه إلى حين بلوغه ، فيخير في الالتحاق بمن يشاء منهم ، بناء على ما ينعقد من ميل فطري بين الولد وأصله قد يعينه على التعرف عليه ، جاء في بداية المجتهد : الحكم عند مالك إذا قضى القافة بالاشتراك أن يؤخر الصبي حتى يبلغ ، ويقال له: وال أيهما شئت ، ولا يلحق واحد باثنين ، وبه قال الشافعي .

(36/94)


وفي مغني المحتاج : لو عدم القائف بدون مسافة القصر ، أو أشكل عليه الحال بأن تحير ، أو ألحقه بهما ، أو نفاه عنهما ، وقف الأمر حتى يبلغ عاقلا ويختار الانتساب إلى أحدهما بحسب الميل الذي يجده ، ويحبس ليختار إن امتنع من الانتساب ، إلا إن لم يجد ميلا إلى أحدهما فيوقف الأمر .
ولا يقبل رجوع قائف إلا قبل الحكم بقوله ، ثم لا يقبل قوله في حقه لسقوط الثقة بقوله ومعرفته ، وكذا لا يصدق لغير الآخر إلا بعد مضي إمكان تعلمه مع امتحان له بذلك .
ولو استلحق مجهولا نسبه وله زوجة فأنكرته زوجته لحقه عملا بإقراره دونها ، لجواز كونه من وطء شبهة أو زوجة أخرى ، وإن ادعته ، والحالة هذه ، امرأة أخرى وأنكره زوجها ، وأقام زوج المنكرة بينتين تعارضتا فيسقطان ، ويعرض على القائف ، فإن ألحقه بها لحقها ، وكذا زوجها على المذهب المنصوص كما قاله الإسنوي خلافا لما جرى عليه ابن المقري ، أو بالرجل لحقه وزوجته ، فإن لم يقم واحد منهما بينة ، فالأصح كما قال الإسنوي أنه ليس ولدا لواحدة منهما .
ولا يسقط حكم قائف بقول قائف آخر ، ولو ألحقه قائف بالأشباه الظاهرة ، وآخر بالأشباه الخفية كالخلق وتشاكل الأعضاء ، فالثاني أولى من الأول ; لأن فيها زيادة حذق وبصيرة ، ولو ألحق القائف التوأمين باثنين ، بأن ألحق أحدهما بأحدهما ، والآخر بالآخر بطل قوله حتى يمتحن ويغلب على الظن صدقه فيعمل بقوله ، كما لو ألحق الواحد باثنين ، ويبطل أيضا قول قائفين اختلفا في الإلحاق حتى يمتحنا ويغلب على الظن صدقهما .

(36/95)


ويلغو انتساب بالغ أو توأمين إلى اثنين ، فإن رجع ، أحد التوأمين إلى الآخر قبل ، ويؤمر البالغ بالانتساب إلى أحدهما ، ومتى أمكن كونه منهما عرض على القائف وإن أنكره الآخر أو أنكراه ; لأن للولد حقا في النسب فلا يثبت بالإنكار من غيره وينفقان عليه إلى أن يعرض على القائف أو ينتسب ، ويرجع بالنفقة من لم يلحقه الولد على من لحقه إن أنفق بإذن الحاكم ولم يدع الولد ، ويقبلان له الوصية التي أوصي له بها في مدة التوقف ; لأن أحدهما أبوه ، ونفقة الحامل على المطلق فيعطيها لها ويرجع بها على الآخر إن ألحق الولد بالآخر، فإن مات الولد قبل العرض على القائف عرض عليه ميتا ، لا إن تغير أو دفن ، وإن مات مدعيه عرض على القائف مع أبيه أو أخيه ونحوه من سائر العصبة .
ورجح الحنابلة إطلاق العمل بقول القافة ، فإن ألحقوه بواحد من المتنازعين لحق به ، وإن ألحقوه باثنين لحق بهما ، وإن ألحقوه بأكثر من اثنين التحق بهم وإن كثروا ; لأن المعنى الذي لأجله ألحق بالاثنين موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه ، ودليل الحنابلة على مذهبهم ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رجلين ادعيا ولدا كلاهما يزعم أنه ابنه ، فدعا عمر لهما بالقافة فنظروا وقالوا نراه يشبههما فألحقه عمر رضي الله عنه بهما وجعله يرثهما ويرثانه .
وإن ادعت امرأتان نسب ولد ، ولم يمكن ترجيح قول إحداهما ببينة ، ففيه الاختلاف السابق.
الإثبات بقيافة الأثر في المعاملات :

(36/96)


11 - ذكر ابن تيمية جواز اعتماد القاضي على القيافة في المعاملات والأموال ، يقول : ويتوجه أن يحكم بالقيافة في الأموال كلها ، كما حكمنا بذلك في الجذع المقلوع إذا كان له موضع في الدار ، وكما حكمنا في الاشتراك في اليد الحسية بما يظهر من اليد العرفية ، فأعطينا كل واحد من الزوجين ما يناسبه في العادة ، وكل واحد من الصانعين ما يناسبه ، وكما حكمنا بالوصف في اللقطة إذا تداعاها اثنان ، وهذا نوع قيافة أو شبيه به ، وكذلك لو تنازعا غرأسا أو تمرا في أيديهما ، فشهد أهل الخبرة أنه من هذا البستان ، ويرجع إلى أهل الخبرة حيث يستوي المتداعيان ، كما رجع إلى أهل الخبرة بالنسب ، وكذلك لو تنازع اثنان لباسا من لباس أحدهما دون الآخر ، أو تنازعا دابة تذهب من بعيد إلى إصطبل أحدهما دون الآخر ، أو تنازعا زوج خف أو مصراع باب مع الآخر شكله ، أو كان عليه علامة لأحدهما كالزربول التي للجند ، وسواء كان المدعى في أيديهما أو في يد ثالث . وكذلك لو تداعيا بهيمة أو فصيلا فشهد القائف أن دابة هذا أنتجتها ينبغي أن يقضى بهذه الشهادة ، وتقدم على اليد الحسية ، وقد « حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالأثر في السيف في قضية ابني عفراء » .
فقد جاء في حديثهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهما : أيكما قتله ؟ قال كل واحد منهما : أنا قتلته ، فقال : هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : لا ، فنظر في السيفين فقال : كلاكما قتله » .
الإثبات بقيافة الأثر في الجنايات :
12 - يرجع إلى قائف الأثر للقبض على المتهمين وإحضارهم مجلس القاضي ، كما حدث في قضية العرنيين ، فقد ورد « أن قوما من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قافة فأتي بهم » .
ويرجع إليه كذلك في جمع الأدلة والكشف عن كيفية ارتكاب الجناية .

(36/97)


ويعد رأي القائف شهادة تثبت بها الحقوق والدعاوى عند الفقهاء ، مثاله فيما ذكره ابن تيمية : أن يدعي شخص أنه ذهب من ماله شيء ، ويثبت ذلك ، فيقتص القائف أثر الوطء من مكان إلى مكان آخر ، فشهادة القائف أن المال دخل إلى هذا الموضع توجب أحد الأمرين: إما الحكم به ، وإما أن يكون الحكم به مع اليمين للمدعي ، وهو الأقرب ، فإن هذه الأمارات ترجح جانب المدعي ، واليمين مشروعة في أقوى الجانبين ، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالأثر في السيف كما يذكر ابن فرحون في قصة عبد الله بن أنيس وأصحابه رضي الله عنهم « لما دخلوا الحصن على ابن أبي الحقيق ليقتلوه ، وكان ذلك ليلا ، فوقعوا فيه بالسيوف ، ووضع عبد الله بن أنيس السيف في بطنه وتحامل عليه حتى نبع ظهره ، فلما رجعوا وقد قتلوه نظر عليه الصلاة والسلام إلى سيوفهم فقال : هذا قتله » لأنه رأى على السيف أثر الطعان .
وقد استند إياس بن معاوية إلى الأثر حين اختصم عنده رجلان في قطيفتين إحداهما حمراء والأخرى خضراء ، وأحدهما يدعي التي بيد الآخر ، وأنه ترك قطيفته ليغتسل ، فأخذها الآخر وترك قطيفته هو في محلها ، ولم توجد بينة ، فطلب إياس أن يؤتى بمشط ، فسرح رأس هذا ورأس هذا ، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر ، ومن رأس الآخر صوف أخضر ، فقضى بالحمراء للذي خرج من رأسه الصوف الأحمر وبالخضراء للذي خرج من رأسه الصوف الأخضر .
وفي إحدى القضايا هرب القاتل واندس بين الناس فلم يعرف ، فمر المعتضد على الناس يضع يده على قلب كل واحد منهم ، واحدا بعد واحد فيجده ساكنا ، حتى وضع يده على فؤاد ذلك الغلام ، فإذا به يخفق خفقا شديدا ، فركضه برجله ، واستقره فأقر فقتله .

(36/98)


ومع ذلك فإن الاستناد إلى الأثر ليس قرينة قطعية على ارتكاب الجريمة ، تشير إلى ذلك قضية القصاب الذي ذهب إلى خربة للتبول ومعه سكينه ، فإذا به أمام مقتول يتشحط في دمه ، وما أفاق من ذهوله حتى وجد العسس يقبضون عليه ، وقد عجز الرجل عن الدفاع عن نفسه معتقدا أن الأدلة جميعها ضده ، ولم ينقذه من العقوبة المحتومة - وهي القتل - إلا إقرار القاتل الحقيقي بالجريمة .

قيام *
التعريف :
1 - القيام لغة : من قام يقوم قوما وقياما : انتصب ، وهو نقيض الجلوس .
ولا يخرج اصطلاح الفقهاء عن المعنى اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القعود :
2 - القعود في اللغة : الجلوس ، أو هو من القيام ، والجلوس من الضجعة ومن السجود . ولا يخرج اصطلاح الفقهاء عن المعنى اللغوي .
والصلة بين القيام والقعود التضاد .
ب - الاضطجاع :
3 - الاضطجاع : وضع الجنب بالأرض ، والاضطجاع في السجود : أن يتضام ويلصق صدره بالأرض .
ولا يخرج اصطلاح الفقهاء عن المعنى اللغوي .
والصلة بين القيام والاضطجاع التضاد .
الحكم التكليفي :
4 - يتردد حكم القيام في العبادات وغيرها بين أن يكون واجبا أو حراما أو سنة أو مكروها أو مباحا ، بحسب نوع الفعل المرتبط به ، والدليل الوارد فيه ، وتفصيل ذلك فيما يلي : القيام في الصلاة المفروضة :
5 - اتفق الفقهاء على أن القيام ركن في الصلاة المفروضة على القادر عليه ، وكذا عند الحنفية في العبادة الواجبة ، كنذر وسنة صلاة الفجر في الأصح ، لقوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } أي : مطيعين ، ومقتضى هذا الأمر الافتراض ; لأنه لم يفرض القيام خارج الصلاة ، فوجب أن يراد به الافتراض الواقع في الصلاة . إعمالا للنص في حقيقته حيث أمكن .
وأكدت السنة فرضية القيام فيما رواه الجماعة إلا مسلما ، عن عمران بن حصين قال :

(36/99)


« كانت بي بواسير ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال : صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب » .
كيفية القيام :
6 - اتفق الفقهاء على أن القيام المطلوب شرعا في الصلاة هو الانتصاب معتدلا ، ولا يضر الانحناء القليل الذي لا يجعله أقرب إلى أقل الركوع بحيث لو مد يديه لا ينال ركبتيه .
مقدار القيام :
7 - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن القيام المفروض للقادر عليه يكون بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة فقط ; لأن الفرض عندهم ذلك ; ولأن من عجز عن القراءة وبدلها من الذكر ، وقف بقدرها ، وأما السورة بعدها فهي سنة .
فإن أدرك المأموم الإمام في الركوع فقط ، فالركن من القيام بقدر التحريمة ; لأن المسبوق يدرك فرض القيام بذلك ، وهذا رخصة في حق المسبوق خاصة ، لإدراك الركعة .
وذهب الحنفية إلى أن فرض القيام وواجبه ومسنونه ومندوبه لقادر عليه وعلى السجود يكون بقدر القراءة المطلوبة فيه ، وهو بقدر آية فرض ، وبقدر الفاتحة وسورة واجب ، وبطوال المفصل وأوساطه وقصاره في محالها المطلوبة مسنون ، والزيادة على ذلك في نحو تهجد مندوب ، فلو قدر المصلي على القيام دون السجود ، ندب إيماؤه قاعدا ، لقربه من السجود ، وجاز إيماؤه قائما .
سقوط القيام :
8 - اتفق الفقهاء على أن القيام يسقط في الفرض والنافلة لعاجز عنه ، لمرض أو غيره ، لحديث عمران بن حصين المتقدم : « صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب » .
فإن قدر المريض على بعض القراءة ولو آية قائما ، لزمه بقدرها .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلاة المريض ف / 5 ، 6 ) .
ويسقط القيام أيضا عند الحنفية والحنابلة عن العاري ، فإنه يصلي قاعدا بالإيماء إذا لم يجد ساترا يستر به عورته ، خلافا للمالكية والشافعية ، فإنه يصلي عندهم قائما وجوبا . وتفصيل ذلك في مصطلح ( عريان ف / 7 ) .

(36/100)


ويسقط القيام كذلك حالة شدة الخوف ، فيصلي قاعدا أو موميا ، ولا إعادة عليه اتفاقا . وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلاة الخوف ف / 9 ) .
الاستقلال في القيام :
9 - ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وهو قول عند الشافعية إلى اشتراط الاستقلال في القيام أثناء الصلاة للقادر عليه في الفرائض دون النوافل ، على تفصيل :
فذهب الحنفية ، إلى أن من اتكأ على عصاه ، أو على حائط ونحوه ، بحيث يسقط لو زال لم تصح صلاته ، فإن كان لعذر صحت ، أما في التطوع أو النافلة : فلا يشترط الاستقلال بالقيام ، سواء أكان لعذر أم لا ، إلا أن صلاته تكره ; لأنه إساءة أدب ، وثوابه ينقص إن كان لغير عذر .
والقيام فرض بقدر التحريمة والقراءة المفروضة كما تقدم في فرض ، وملحق به كنذر وسنة فجر في الأصح ، لقادر عليه وعلى السجود .
وذهب المالكية إلى إيجاب القيام مستقلا في الفرائض للإمام والمنفرد حال تكبيرة الإحرام ، وقراءة الفاتحة ، والهوي للركوع ، فلا يجزئ إيقاع تكبيرة الإحرام والفاتحة في الفرض للقادر على القيام جالسا أو منحنيا ، ولا قائما مستندا لعماد بحيث لو أزيل العماد لسقط ، وأما حال قراءة السورة فالقيام سنة ، فلو استند إلى شيء لو أزيل لسقط ، فإن كان في غير قراءة السورة ، بطلت صلاته ; لأنه لم يأت بالفرض الركني ، وإن كان في حال قراءة السورة لم تبطل ، وكره استناده ، ولو جلس في حال قراءة السورة بطلت صلاته ; لإخلاله بهيئة الصلاة ، أما المأموم فلا يجب عليه القيام لقراءة الفاتحة ، فلو استند حال قراءتها لعمود بحيث لو أزيل لسقط ، صحت صلاته .

(36/101)


وأما الشافعية في الأصح فلم يشترطوا الاستقلال في القيام ، فلو استند المصلي إلى شيء بحيث لو رفع السناد لسقط أجزأه مع الكراهة ، لوجود اسم القيام ، والثاني يشترط ولا تصح مع الاستناد في حال القدرة بحال ، والوجه الثالث يجوز الاستناد إن كان بحيث لو رفع السناد لم يسقط ، وإلا فلا .
وذهب الحنابلة إلى أنه لو استند استنادا قويا على شيء بلا عذر ، بطلت صلاته ، والقيام فرض بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة في الركعة الأولى ، وفيما بعد الركعة الأولى بقدر قراءة الفاتحة فقط .
صلاة القاعد خلف القائم وبالعكس :
10 - لا خلاف بين الفقهاء في جواز صلاة القاعد لعذر خلف القائم ، لما ثبت في السنة من وقائع ، منها : ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه خلف أبي بكر قاعدا ، في ثوب ، متوشحا به » ومنها ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا » .
وأما صلاة القائم خلف الجالس أو القاعد : فهي جائزة عند الحنفية والشافعية ; لأنه صلى الله عليه وسلم « صلى آخر صلاته قاعدا والناس قيام ، وأبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس بصلاة أبي بكر وهي صلاة الظهر » .
وذهب المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية ، إلى عدم الجواز ، مستدلين بقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحد بعدي جالسا » ; ولأن حال القائم أقوى من حال القاعد ، ولا يجوز بناء القوي على الضعيف ، إلا أن الحنابلة استثنوا من عدم الجواز إمام الحي المرجو زوال علته ، وهذا في غير النفل ، أما في النفل فيجوز اتفاقا .
القيام في النوافل :

(36/102)


11 - اتفق الفقهاء على جواز التنفل قاعدا لعذر أو غير عذر ، أما الاضطجاع فقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة ومقابل الأصح عند الشافعية إلى أنه لا يجوز للقادر على القيام أو الجلوس أن يصلي النفل مضطجعا إلا لعذر ، وذهب الشافعية إلى جواز التنفل مضطجعا مع القدرة على القيام في الأصح ، لحديث عمران بن الحصين أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعدا قال : « من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد » .
والأفضل أن يصلي على شقه الأيمن فإن اضطجع على الأيسر جاز ويلزمه أن يقعد للركوع والسجود قيل : يومئ بهما أيضا .
الجمع بين القيام والجلوس في الركعة الواحدة في صلاة التطوع :
12 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن للمصلي تطوعا القيام إذا ابتدأ الصلاة جالسا ، لحديث عائشة رضي الله عنها : « أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن ، فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ، ثم ركع » .
ويجوز للمصلي أيضا أن يصلي بعض الركعة قائما ثم يجلس أو العكس .
وذهب أبو يوسف ومحمد إلى كراهة القعود بعد القيام ، ومنع أشهب الجلوس بعد أن نوى القيام .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلاة التطوع فقرة / 20 ) .
القيام في الصلاة في السفينة :
13 - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية وهو الأظهر في المذهب ، إلى أنه لا تصح الصلاة فرضا في السفينة ونحوها كالمحفة والهودج والطائرة والسيارة قاعدا إلا لعذر .
وقال أبو حنيفة : لو صلى في الفلك قاعدا بلا عذر صح لغلبة العجز وأساء ، أي يركع ويسجد لا مومئا ، قال ابن عابدين : لغلبة العجز أي ; لأن دوران الرأس فيها غالب والغالب كالمتحقق فأقيم مقامه ، ثم قال : وأساء : أشار إلى أن القيام أفضل ; لأنه أبعد عن شبهة الخلاف .

(36/103)


والتفصيل في مصطلح ( سفينة ف / 3 ) .
القيام في الأذان والإقامة :
14 - اتفق الفقهاء على أنه يندب للمؤذن والمقيم أن يؤذن ويقيم قائما ، لحديث ابن عمر في حديث بدء الأذان « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا بلال ، قم فناد بالصلاة » ; ولأنه أبلغ في الإعلام ، وترك القيام مكروه .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( أذان ف 37/ ، وإقامة ف / 15 ) .
بقاء الداخل إلى المسجد قائما أثناء الأذان :
15 - إذا دخل المسلم المسجد ، والمؤذن يؤذن ، فهل يظل قائما أو يجلس ؟ للفقهاء اتجاهان :
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا دخل المصلي المسجد ، والمؤذن قد شرع في الأذان ، لم يأت بتحية ولا بغيرها ، بل يجيب المؤذن واقفا ، حتى يفرغ من أذانه ، ليجمع بين أجر الإجابة والتحية .
وذهب الحنفية إلى أنه إذا دخل المصلي المسجد ، والمؤذن يؤذن أو يقيم قعد حتى يفرغ المؤذن من أذانه ، فيصلي التحية بعدئذ ، ليجمع بين أجر الإجابة وتحية المسجد .
وقت القيام للصلاة :
16 - ينبغي أن لا يقوم المصلون للصلاة عند الإقامة حتى يقوم الإمام أو يقبل ، أي عند الإمام ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت » .
وأما تعيين وقت قيام المصلين إلى الصلاة ، ففيه اختلاف بين المذاهب .
ذهب جمهور الحنفية ما عدا زفر إلى أن القيام للإمام والمؤتم حين قول المقيم : حي على الفلاح ، أي عند الحيعلة الثانية ، وعند زفر عند قوله : حي على الصلاة ، أي عند الحيعلة الأولى ; لأنه أمر به فيجاب ، هذا إذا كان الإمام حاضرا بقرب المحراب ، فإن لم يكن حاضرا ، يقوم كل صف حين ينتهي إليه الإمام على الأظهر ، وإن دخل الإمام من قدام ، قاموا حين يقع بصرهم عليه ، وإن أقام الإمام بنفسه في مسجد ، فلا يقف المؤتمون حتى يتم إقامته .

(36/104)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية