صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية 1-39 وملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الكتاب : ملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
..........................................................
ويليه من الجزء 40 إلى 42
الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر : ملتقى أهل الحديث.
الجزء : من حرف النون ناقصا بعض المصطلحات في النهاية ,إلى حرف الواو كلمة : وضوء.
قام بتنسيقه وفهرسته للموسوعة الشاملة 2 أبوعمر(80)
لملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
سائلا الله عز وجل أن يغفر له ولوالديه بمنه وكرمه
وأن يجعل عمله خالصا لوجهه الكريم

14 - يرد هنا الخلاف المتقدم في محالفة الفرد للفرد ، غير أن لا توارث هنا ولا تعاقل ، وإنما يثبت بالحلف عند من أجازه مجرد التناصر على الحق ودفع الظلم .
ويستدل المجيزون لمثل هذا التحالف بما ورد في حديث أنس عند البخاري : « حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري مرتين » .
وقالوا : إن قول النبي صلى الله عليه وسلم « لا حلف في الإسلام » المراد به ما كان على طريقة أهل الجاهلية من الإعانة بالحلف في الحق والباطل . قال ابن الأثير : أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التساعد والتعاضد والاتفاق ، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات ، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام ، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام ، كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : « وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة » يريد : من المعاقدة على الخير ونصرة الحق . وبذلك يجتمع الحديثان . وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام . وتقدم النقل عن النووي بمثل ذلك ( ف /10 ) .
وأما الذين خالفوا في جواز ذلك وهم الأكثرون فقد احتجوا بظاهر الحديث « لا حلف في الإسلام » وبأن الإسلام جعل المسلمين يدا واحدة وأوجب على كل مسلم نصرة أخيه المسلم ، والقيام على الباغي حتى يرجع إلى الحق ، كما تقدم توجيهه عن ابن تيمية ( ف / 9 ) .

حلق *
التعريف :
1 - الحلق في اللغة إزالة الشعر . يقال حلق رأسه ، أي : أزال شعره .
ومن معانيه أيضا : الحلقوم وهو مساغ الطعام والشراب في المريء .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة الحلق عن هذين المعنيين .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستحداد :
2 - الاستحداد حلق العانة . وسمي استحدادا لاستعمال الحديدة وهي الموسى .
فالاستحداد نوع من الحلق .
ب - النتف :

(19/100)


3 - النتف لغة نزع الشعر والريش ونحوه .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة النتف عن هذا المعنى اللغوي .
والوجه المشترك بين الحلق والنتف : أن كلا منهما إزالة للشعر إلا أن الحلق بالموسى ونحوه ، والنتف بنزعه من جذوره .
أحكام الحلق بالمعنى الأول " حلق الشعر " :
حلق الرأس :
4 - اختلف الفقهاء في حلق الرأس : فذهب الحنفية إلى أن السنة في شعر الرأس بالنسبة للرجل إما الفرق أو الحلق ، وذكر الطحاوي أن الحلق سنة .
وذهب المالكية كما جاء في الفواكه الدواني إلى أن حلق شعر الرأس بدعة غير محرمة ، لأنه صلى الله عليه وسلم « لم يحلق رأسه إلا في التحلل من الحج » ، قال القرطبي : كره مالك حلق الرأس لغير المتحلل من الإحرام ، وقال الأجهوري : إن القول بجواز حلقه ولو لغير المتعمم أولى بالاتباع فهو من البدع الحسنة حيث لم يفعله لهوى نفسه وإلا كره أوحرم. وصرح ابن العربي من المالكية بأن الشعر على الرأس زينة ، وحلقه بدعة ، ويجوز أن يتخذ جمة وهي ما أحاط بمنابت الشعر ، ووفرة وهو ما زاد على ذلك إلى شحمة الأذنين ، وأن يكون أطول من ذلك .
ويرى الشافعية أنه لا بأس بحلق جميع الرأس لمن أراد التنظيف .
واختلفت الرواية عن أحمد في حلق الرأس : فعنه أنه مكروه ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الخوارج : « سيماهم التحليق » فجعله علامة لهم .
وروي عنه أنه لا يكره ذلك ، لكن تركه أفضل ، قال حنبل : كنت أنا وأبي نحلق رءوسنا في حياة أبي عبد الله ، فيرانا ونحن نحلق فلا ينهانا .
واتفق الفقهاء على أنه يكره القزع ، وهو أن يحلق بعض الرأس دون بعض .

(19/101)


وقيل : أن يحلق مواضع متفرقة منه . لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى غلاما قد حلق بعض رأسه ، وترك بعضه فنهى عن ذلك » . وفي لفظ قال : « احلقه كله أو دعه كله » .
وفي رواية عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم « نهى عن القزع » .
هذا بالنسبة للرجل ، أما المرأة فلا يجوز لها حلق رأسها من غير ضرورة عند الحنفية والمالكية لقول أبي موسى : « برئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصالقة ، والحالقة » وروي « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها » ، قال الحسن : هي مثلة .
وأما إذا كان حلق المرأة شعر رأسها لعذر أو وجع فلا بأس به عند الحنفية والحنابلة . ويرى الشافعية والحنابلة الكراهة . قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته ، وتقع فيه الدواب ، قال : إذا كان لضرورة فأرجو أن لا يكون به بأس . وأما حلق القفا - وهو مؤخر العنق - فقد صرح الحنابلة بأنه يكره لمن لم يحلق رأسه ، ولم يحتج إليه لحجامة أو غيرها .
قال المروزي : سألت أبا عبد الله عن حلق القفا فقال : هو من فعل المجوس ، ومن تشبه بقوم فهو منهم ، وقال : لا بأس أن يحلق قفاه وقت الحجامة .
حلق رأس المولود :
5 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يستحب حلق رأس المولود في اليوم السابع ، ويتصدق بوزن الشعر ورقا ( فضة ) ثم اختلفوا في حلق شعر المولود الأنثى ، فذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى ، لما روي ، أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم ، وتصدقت بزنة ذلك فضة . ولأن هذا حلق فيه مصلحة من حيث التصدق ، ومن حيث حسن الشعر بعده ، وعلة الكراهة من تشويه الخلق غير موجودة هنا .

(19/102)


وأما الحنابلة فيرون عدم حلق شعر المولود الأنثى لحديث سمرة بن جندب مرفوعا : « كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ، ويحلق رأسه » وعن أبي هريرة مثله .
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة لما ولدت الحسن : « احلقي رأسه ، وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين والأوفاض » يعني أهل الصفة .
أما الحنفية فذهبوا إلى أن حلق شعر المولود في سابع الولادة مباح لا سنة ولا واجب .
حلق الشارب :
6 - ذهب الحنفية إلى أن حلق الشارب سنة وقصه أحسن ، وقال الطحاوي : حلقه أحسن من القص ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أحفوا الشوارب ، وأعفوا اللحى » .
والإحفاء : الاستئصال ، وهو قول لدى الشافعية .
ويرى الغزالي من الشافعية أنه بدعة . وهو رواية عند الحنفية أيضا .
ويرى المالكية أن الشارب لا يحلق ، بل يقص .
وذهب الشافعية إلى كراهة حلق الشارب واستحباب قصه عند الحاجة حتى يبين طرف الشفة بيانا ظاهرا .
وعند الحنابلة يسن حف الشارب أو قص طرفه ، والحف أولى نصا ، وفسروا الحف بالاستقصاء أي المبالغة في القص . وتفصيله في مصطلح ( شارب ) .
وأما حلق اللحية فمنهي عنه ، وفيه خلاف ينظر في مصطلح ( لحية ) .
حلق شعر المحرم :
7 - يحظر على المحرم حلق رأسه أو رأس محرم غيره ، ما لم يفرغ الحالق والمحلوق له من أداء نسكهما . وكذا لو حلق له غيره حلالا أو محرما يحظر عليه تمكينه من ذلك .
وفي الموضوع خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح ( إحرام ) .
الحلق للتحلل من الإحرام :
8 - يرى الحنفية والمالكية والشافعية في أظهر القولين والحنابلة على ظاهر المذهب أن الحلق أو التقصير نسك في الحج والعمرة ، فلا يحصل التحلل في العمرة والتحلل الأكبر في الحج إلا مع الحلق .

(19/103)


وقال الشافعية في أحد القولين - وهو خلاف الأظهر - وأحمد في قول : إن الحلق أو التقصير ليس بنسك ، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرما عليه بالإحرام فأطلق فيه عند الحل ، كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام ، وهذا ما حكاه القاضي عياض عن عطاء وأبي ثور وأبي يوسف أيضا .
فعلى هذا الاتجاه لا شيء على تارك الحلق ويحصل التحلل بدونه .
هذا ولا تؤمر المرأة بالحلق بل تقصر لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ليس على النساء حلق وإنما عليهن التقصير » . وروى علي رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تحلق رأسها » ولأن الحلق للتحلل في حق النساء بدعة وفيه مثلة ، ولهذا لم تفعله واحدة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم .
مقدار الواجب حلقه للتحلل :
9 - لا خلاف بين الفقهاء في أفضلية حلق جميع الرأس على التقصير لقوله عز وجل : { محلقين رؤوسكم ومقصرين } والرأس اسم للجميع ، وكذا روي « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه » .
وإنما اختلفوا في أقل ما يجزئ من الحلق : فذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا يجزئ حلق بعض الرأس ، « لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه » فكان تفسيرا لمطلق الأمر بالحلق . فوجب الرجوع إليه .
ويرى الحنفية أن من حلق أقل من ربع الرأس لم يجزه ، وإن حلق ربع الرأس أجزأه ويكره. أما الجواز فلأن ربع الرأس يقوم مقام كله في القرب المتعلقة بالرأس كمسح ربع الرأس في باب الوضوء . وأما الكراهة فلأن المسنون هو حلق جميع الرأس وترك المسنون مكروه . وقال الشافعية : أقل ما يجزئ ثلاث شعرات حلقا أو تقصيرا من شعر الرأس .
وقال النووي : فتجزئ الثلاث بلا خلاف عندنا ولا يجزئ أقل منها .
وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجها أنه يجزئ شعرة واحدة . قال النووي وهو غلط .

(19/104)


المفاضلة بين الحلق والتقصير للتحلل :
10 - قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب الحلق عليه . كما أجمعوا على أن الحلق أفضل من التقصير في حق الرجل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اللهم ارحم المحلقين . قالوا : والمقصرين يا رسول الله . قال : اللهم ارحم المحلقين . قالوا : والمقصرين يا رسول الله . قال : اللهم ارحم المحلقين والمقصرين » . فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة ، ولأن ذكر المحلقين في القرآن قبل المقصرين ، ولأن الحلق أكمل في قضاء التفث ، وفي التقصير بعض تقصير فأشبه الاغتسال مع الوضوء .
وأما النساء فليس عليهن الحلق بالإجماع وإنما عليهن التقصير كما تقدم .
هذا وللتفصيل في آداب الحلق للتحلل وزمانه ومكانه ، وحكم تأخيره عن زمانه ومكانه ، تنظر أبواب الحج من كتب الفقه ومصطلحات ( إحرام ، إحصار ، تحلل ، وتحليق ) .
حلق العانة والإبط :
11 - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يستحب حلق العانة بالنسبة للرجل ، لأنه من الفطرة ، كما جاء في الحديث : « الفطرة خمس » ، وذكر منها الاستحداد وهو حلق العانة .
وأما المرأة فيستحب لها النتف عند الجمهور . وتفصيل ذلك في مصطلح ( استحداد ) .
وأما حلق شعر الإبط فجائز لمن شق عليه النتف ، والأفضل فيه النتف .
حلق شعر سائر الجسد :
12 - يرى جمهور الفقهاء أنه لو نبتت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة كان لها إزالتها بالحلق . وذهب المالكية إلى أنه يجب عليها إزالتها .
وقال ابن جرير : لا يجوز للمرأة حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها ، ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص منه ، قصدت به التزين لزوج أو غيره ، لأنها في جميع ذلك مغيرة خلق الله ومتعدية على ما نهى عنه .

(19/105)


وأما حلق شعر سائر الجسد كشعر اليدين والرجلين فقد صرح المالكية بوجوبه في حق النساء وقالوا : يجب عليها إزالة ما في إزالته جمال لها ولو شعر اللحية إن نبتت لها لحية ، ويجب عليهن إبقاء ما في إبقائه جمال لها فيحرم عليها حلق شعرها .
وأما حلق شعر الجسد في حق الرجال فمباح عند المالكية ، وقيل : سنة ، والمراد بالجسد ما عدا الرأس .
وذهب الحنفية إلى أنه لا يحلق الرجل شعر حلقه ، وعن أبي يوسف لا بأس بذلك . وفي حلق شعر الصدر والظهر ترك الأدب .
ولم يستدل على نص للشافعية والحنابلة في المسألة .
هذا وللفقهاء خلاف وتفصيل في حلق شعر الحاجبين ينظر في ( تنمص ) .
حلق شعر الكافر إذا أسلم :
13 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الكافر إذا أسلم يسن حلق رأسه ، لما روي « عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ألق عنك شعر الكفر » . قال الرملي : وظاهر إطلاقهم أي الشافعية عدم الفرق هنا في استحباب الحلق بين الذكر وغيره وهو محتمل .
ويحتمل أن محل ندبه الذكر ، وأن السنة للمرأة والخنثى التقصير كما في التحلل في الحج . وقيد المالكية الأمر بحلق شعر من أسلم بما إذا كان شعره على غير زي العرب - أي المسلمين - كالقزعة وشبهها ، لما روي في سنن أبي داود عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه « جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قد أسلمت ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ألق عنك شعر الكفر » يقول : احلق قال : وأخبرني آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لآخر معه : « ألق عنك شعر الكفر واختتن » .
وقوله صلى الله عليه وسلم « شعر الكفر » أي الشعر الذي من زي الكفر .
وقد كانت العرب تدخل في دين الله أفواجا ، ولم يروا في ذلك أنهم كانوا يحلقون .
واستحب مالك أن يحلق على عموم الأحوال .

(19/106)


واشترط الحنابلة في حلق الرأس أن يكون رجلا ، وأطلقوا في حلق العانة والإبطين .
حلق شعر الميت :
14 - ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يحرم حلق شعر رأس الميت ، لأن ذلك إنما يكون لزينة أو نسك ، والميت لا نسك عليه ولا يزين .
وكذلك يحرم حلق عانته لما فيه من لمس عورته ، وربما احتاج إلى نظرها وهو محرم ، فلا يرتكب من أجل مندوب أي في حال الحياة .
ويرى المالكية أنه يكره حلق شعر الميت الذي لا يحرم على الحي حلقه وإلا حرم حلقه من ميت .
وصرح الشافعية بأنه لا يحلق شعر رأس الميت ، وقيل إن كان له عادة بحلقه ففيه الخلاف ، وكذلك لا يحلق شعر عانته وإبطيه في القديم وهو الأصح والمختار ، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم فيه شيء معتمد ، وأجزاء الميت محترمة ، فلا تنتهك بذلك . ثم محل كراهة إزالة شعره ما لم تدع حاجة إليه ، وإلا كأن لبد شعر رأسه أو لحيته بصبغ أو نحوه ، أو كان به قروح وجمد دمها ، بحيث لا يصل الماء إلى أصوله إلا بإزالته وجب كما صرح به الأذرعي .
أحكام الحلق " بمعنى مساغ الطعام والشراب " :
15 - يتعلق بالحلق أحكام كذهاب بعض حروف الحلق لجناية ووصول اللبن إلى جوف الرضيع من الحلق ، ووصول شيء لحلق الصائم من عين أو أذن ووصول غير متحلل للحلق في الصيام ، وغير ذلك من الأحكام ينظر تفصيلها في مواطنها ، وفي مصطلح ( بلعوم ) .

حل *
التعريف :
1 - الحل لغة وصف ، أو تسمية بالمصدر من قولك : الحل ما عدا الحرم ، والحل أيضا الرجل الحلال الذي خرج من إحرامه ، والحل مقابل الحرام . وورد أن عبد المطلب لما حفر زمزم قال : لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل ، وروي من كلام العباس وابن عباس أيضا : ومعنى بل : مباح في لغة حمير . ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن ذلك .
الحكم الإجمالي :
أ - الحل ضد الحرمة :

(19/107)


2 - الحل بمعنى الحلال ، وهو ما أطلق الشرع فعله ، وكل شيء لا يعاقب عليه باستعماله . والأصل هو الحل ، وقد اشتهر قول الأصوليين الأصل في الأشياء الإباحة ، وهذا قبل ورود الشرع ، أما بعد وروده فالحلال ما أحله الشرع ، والحرام ما حرمه الشرع ، وما سكت عنه الشرع فهو عفو ، وانظر مصطلح ( حلال ) .
ب - الحل المقابل للحرم المكي :
3 - هو ما وراء أعلام الحرم ، فما كان دون الأعلام فهو حرم لا يحل صيده ولا يقطع شجره وما كان وراء المنار ( الأعلام ) فهو من الحل يحل صيده إذا لم يكن صائده محرما . فكل الدنيا حل ما عدا الحرم .
وأعلام الحرم وتسمى أيضا المنار هي التي ضربها إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام على أقطار الحرم ونواحيه وبها تعرف حدود الحرم من الحل . ( ر : أعلام الحرم ).
ج - أفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة :
4 - من كان في الحرم من مكي وغيره وأراد العمرة خرج إلى الحل فيحرم من أدناه ، وإحرامه من التنعيم أفضل ، « لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم » .
وقال ابن سيرين : « وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة التنعيم » ، وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم ، ولذلك لا يجب على المكي والمتمتع الخروج إلى الحل لأجل الإحرام بالحج ، لأنه سيذهب إلى عرفة ، وهي من الحل .
واختلف الفقهاء في أفضل البقاع للحل على قولين ، فذهب الحنفية والحنابلة إلى تفضيل التنعيم ، وهو الموضع الذي عنده المسجد المعروف الآن بمسجد عائشة بينه وبين مكة فرسخ ، فهو أقرب الحل إلى مكة ، سمي بذلك لأن على يمينه جبلا يقال له نعيم ، وعلى شماله حبلا يقال له ناعم ، والوادي نعمان .
ثم الجعرانة بكسر الجيم وإسكان العين - وقد تكسر العين وتشدد الراء - .

(19/108)


وقال الشافعي : التشديد خطأ . وهي موضع بين مكة والطائف .
ثم الحديبية ( مصغرة وقد تشدد ) ، وهي بئر قرب مكة ، بين مكة وجدة ، حدث عندها صلح الحديبية المشهور .
وذهب المالكية والشافعية ، إلى تفضيل الجعرانة ، ثم التنعيم ، ثم الحديبية « لاعتماره صلى الله عليه وسلم منها في ذي القعدة عام الفتح حين قسم غنائم حنين » .
وأصل الخلاف في التفضيل كما وضحه ابن عابدين بقوله : التنعيم موضع قريب من مكة عند مسجد عائشة وهو أقرب موضع من الحل ، الإحرام منه للعمرة أفضل من الإحرام لها من الجعرانة وغيرها من الحل عندنا ، وإن كان صلى الله عليه وسلم لم يحرم منها « لأمره عليه الصلاة والسلام عبد الرحمن بأن يذهب بأخته عائشة إلى التنعيم لتحرم منه » والدليل القولي مقدم عندنا على الفعلي .
قال ابن حجر : ولكن لا يلزم من ذلك - أي إذنه لعائشة بالاعتمار من التنعيم - تعين التنعيم للفضل لما دل عليه حديث إبراهيم عن الأسود قالا : « قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك فقيل لها : انتظري : فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ، ثم ائتينا بمكان كذا ، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك » .
أي أن الفضل في زيادة التعب والنفقة ، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحل لا من جهة أبعد منه ، والله أعلم .
د - الأحكام المتعلقة بالحل :

(19/109)


5 - للحل أحكام تتعلق بالحج والعمرة ففيه المواقيت المكانية للإحرام ، والتي جاء ذكرها في حديث ابن عباس . ( ر : إحرام - ف /55 ) والأصل في صيد البر الحل ، فحرم صيد الحرم ، لقوله صلى الله عليه وسلم في مكة : « لا ينفر صيدها » وبالإجماع ، فبقي ما عداه على الأصل . ثم هل العبرة بمكان الصيد أم بمكان الصائد ؟ خلاف ، الجمهور على أن العبرة بمكان الصيد ، إلا ما روي عن الإمام أحمد أن العبرة بمكان الصائد . ( ر : مصطلح حرم ) .
هـ - الحل المقابل لحرم المدينة :
6 - اختلف الفقهاء في المدينة هل هي حل أو حرم كمكة يحرم فيه ما يحرم في حرم مكة . فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى تحريم صيدها لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : « ما بين لابتيها حرام » وقوله صلى الله عليه وسلم : « إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ، ولا يصاد صيدها » . وحديث علي مرفوعا : « المدينة حرم ما بين عير إلى ثور » .
ولا جزاء على من صاد فيها بل يستغفر الله . ولا يضمن القيمة .
وهذا مذهب مالك والشافعي في الجديد والرواية المعتمدة عن أحمد ، وقال الشافعي في القديم وابن المنذر وهو رواية أخرى عن أحمد : يجب فيه الجزاء ، وجزاؤه إباحة سلب الصائد وعاضد الشجر لمن أخذه . لحديث سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه » .
وعند الحنفية لا حرم للمدينة فلا يحرم فيها الصيد ولا قطع الشجر لحديث : « يا أبا عمير ما فعل النغير » وقالوا : لو حرم لما جاز صيده . وعلى مذهب الجمهور ينتهي حرم المدينة المنورة ، ويبدأ الحل من خارج الحدود التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي هي جبل عير وثور ، أو اللابتان ، كما في الحديثين المتقدمين ، وانظر ( المدينة المنورة ) .
و - أشهر الحل :

(19/110)


7 - الأشهر الحرم أربعة وهي ذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر ، لقوله عز وجل : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين } .
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال : « خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمنى فقال : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان » . وعليه فالثمانية الأشهر الباقية هي ما يطلق عليها أشهر الحل .
وقد كان القتال محرما في الأشهر الحرم مباحا في أشهر الحل في الجاهلية واستمر في صدر الإسلام ، وقد أحدث الجاهليون فيها النسيء وهو إبدال موضع شهر حرام مكان آخر حلال ، وقد أبطله الإسلام بقوله تعالى : { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما } ( ر : مصطلح : إحرام . نسيء . الأشهر الحرم ) .
ز - الحل مقابل الإحرام :
8 - يكون الحل بفعل الإنسان ما يخرج به من الإحرام فيحل له ما كان محظورا على المحرم بالحج أو العمرة . ( ر : مصطلح تحلل ) .

حلم *
ر : رؤيا .

حلوان *
التعريف :
1 - الحلوان بضم الحاء وسكون اللام مثل غفران : العطاء ، وهو اسم من حلوته أحلوه ومنه حلوان الكاهن . والحلوان أيضا أن يأخذ الرجل من مهر ابنته شيئا ، وحلوان المرأة مهرها . وورد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي وحلوان الكاهن » .

(19/111)


وقال شراح الحديث : إن المراد بحلوان الكاهن ما يعطاه من الأجر على كهانته .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الجعل :
2 - الجعل هو المال الملتزم في مقابلة عمل لا على وجه الإجارة .
فالفرق بينهما أن الجعل أخص من الحلوان .
ب - الحباء :
3 - الحباء بكسر الحاء مصدر حبا يحبو ومعناه في اللغة : العطية والإعطاء بغير عوض . والفقهاء يقصدون به : أخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه .
والصلة بين الحلوان بمعناه العام ، وبين الحباء بمعناه عند الفقهاء ، صلة العموم والخصوص .
ج - الرشوة :
4 - الرشوة بكسر الراء - والضم فيها لغة - وسكون الشين : مصدر رشا يرشو . وهي لغة الإعطاء . وفي الاصطلاح : ما يعطيه الشخص لآخر ليحكم له ، أو يحمله على ما يريد .
الحكم الإجمالي :
1 - الحلوان الذي يعطى للكاهن حرام فقد نقل النووي عن البغوي والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريمه لحديث : « نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن » . ولأنه عوض عن محرم ، ولأنه أكل المال بالباطل .
2 - والحلوان بمعنى الحباء ، وهو أخذ الرجل من مهر ابنته ، لنفسه ، اختلف الفقهاء في حكمه ، وفي حكم من اشترط عليه في الصداق حباء يحابى به الأب على ثلاثة أقوال : فقال أبو حنيفة وأصحابه ( وهو مذهب الحنابلة ) : الشرط لازم والصداق صحيح .
وقال مالك : إذا كان الشرط عند النكاح فهو لابنته ، وإن كان بعد النكاح فهو له ، وسبب اختلافهم تشبيه النكاح في ذلك بالبيع .
وقال الشافعي : المهر فاسد ، ولها صداق المثل .
3 - وأما الحلوان بمعنى المهر ، فتراجع أحكامه في مصطلح ( مهر ) .

حلول *
ر : أجل .

حليف *
ر : حلف .

حلي *
التعريف :
1 - الحلي لغة : جمع الحلي وهو ما يتزين به من مصوغ المعدنيات أو الأحجار الكريمة . وحليت المرأة حليا لبست الحلي ، فهي حال وحالية . وتحلى بالحلي أي تزين .

(19/112)


ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء عن المعنى اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
الزينة :
2 - الزينة اسم جامع لكل ما يتزين به .
والزينة أعم من الحلي لأنها تكون بغير الحلي أيضا.
الأحكام المتعلقة بالحلي :
أولا : حلية الذهب :
أ - حلية الذهب للرجال :
3 - يحرم على الرجل اتخاذ حلي الذهب بجميع أشكالها . وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : « أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها » .
ويستثنى من التحريم حالتان :
الحالة الأولى : اتخاذه للحاجة . ذهب الجمهور إلى جواز اتخاذ أنف أو سن من الذهب للحاجة إليه . لحديث « عرفجة بن أسعد الذي قلع أنفه يوم الكلاب ، فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفا من ذهب » .
وذهب أبو حنيفة وهو قول لأبي يوسف إلى عدم جواز اتخاذ السن أو شده بالذهب للرجال دون الفضة ، لأن النص ورد في الأنف دون غيره ولضرورة النتن بالفضة .
الحالة الثانية : تحلية آلات القتال بالذهب . ذهب الشافعية والحنفية إلى عدم جواز تحلية آلات القتال بالذهب ، لأن الأصل أن التحلي بالذهب حرام على الرجال إلا ما خصه الدليل ولم يثبت ما يدل على الجواز . ولأن فيه زيادة إسراف وخيلاء .
وذهب المالكية والحنابلة : إلى جواز تحلية السيف بالذهب سواء ما اتصل به كالقبيعة والمقبض ، أو ما انفصل عنه كالغمد ، وقصر الحنابلة الجواز على القبيعة لأن عمر - رضي الله عنه - كان له سيف فيه سبائك من ذهب ، وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب . « وكانت قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وسلم من فضة » .
ب - حلية الفضة للرجال :
5 - اتفق الفقهاء من حيث الجملة على جواز لبس الرجل خاتما من فضة ، وعلى جواز اتخاذ سن أو أنف من فضة ، وعلى جواز تحلية آلات الحرب بالفضة .

(19/113)


وللمذاهب تفصيل في ذلك ينظر في مصطلح ( تختم من الموسوعة ، ج /11 ) .
وقيد المالكية الخاتم بأن لا يزيد على درهمين شرعيين .
وقيده الشافعية والحنابلة بأن لا يبلغ به حد الإسراف فلا يتجاوز به عادة أمثال اللابس . وللحنابلة ثلاثة أقوال في تحلي الرجال بالفضة فيما عدا الخاتم وحلية السلاح أحدها : الحرمة . والثاني : الكراهة ، والثالث ما قاله صاحب الفروع : لا أعرف على تحريم لبس الفضة نصا عن أحمد وكلام شيخنا ( يعني ابن تيمية ) يدل على إباحة لبسها للرجال إلا ما دل الشرع على تحريمه ، أي مما فيه تشبه أو إسراف أو ما كان على شكل صليب ونحوه . واستدلوا لذلك بالقياس على خاتم الفضة فإنه يدل على إباحة ما هو في معناه ، وما هو أولى منه ، والتحريم يفتقر إلى دليل والأصل عدمه .
وذهب المالكية إلى تحريم حلي الفضة للرجال عدا الخاتم وحلية السيف والمصحف ولم نجد للحنفية تصريحا في هذه المسألة .
وذهب الحنفية وهو المرجح عند الحنابلة إلى إباحة يسير الذهب في خاتم الفضة للرجال شريطة أن يقل الذهب عن الفضة وأن يكون تابعا للفضة ، وذلك كالمسمار يجعل في حجر الفص . والمعتمد عند المالكية أنه يكره .
أما فيما عدا خاتم الفضة من الحلي للرجال كالدملج ، والسوار ، والطوق ، والتاج ، فللشافعية فيه وجهان : الأول التحريم ، والثاني الجواز ما لم يتشبه بالنساء . لأنه لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني ، وتحريم الحلي على وجه يتضمن التشبه بالنساء .
واتفق الفقهاء على جواز اتخاذ أنف أو سن من فضة .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز تحلية آلات الحرب بالفضة عدا السرج واللجام والثغر للدابة فهو حرام ، لأنه حلية للدابة لا للرجل .
واستدلوا بالحديث السابق ، وقصر الحنفية والمالكية الجواز على حلية السيف فقط .
حلية الذهب والفضة للنساء :

(19/114)


6 - أجمع الفقهاء على جواز اتخاذ المرأة أنواع حلي الذهب والفضة جميعا كالطوق ، والعقد ، والخاتم ، والسوار ، والخلخال ، والتعاويذ ، والدملج ، والقلائد ، والمخانق ، وكل ما يتخذ في العنق ، وكل ما يعتدن لبسه ولم يبلغ حد الإسراف أو التشبه بالرجال .
وفي لبس المرأة نعال الذهب والفضة وجهان للشافعية : أحدهما التحريم وهو مذهب الحنابلة لما فيه من السرف الظاهر ، وأصحهما الإباحة كسائر الملبوسات .
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم جواز تحلية المرأة آلات الحرب بالذهب أو بالفضة لما فيه من التشبه بالرجال . وجاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس قال : « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال » . وخالف في هذا الشاشي والرافعي من الشافعية فقالا : بجواز التحلية بناء على جواز لبس آلة الحرب واستعمالها للنساء غير محلاة فتجوز مع التحلية ، لأن التحلية للنساء أولى بالجواز من الرجال . ولم نقف على نص للحنفية في هذه المسألة .
حكم المموه بذهب أو فضة :
7 - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح إلى جواز استعمال الرجل ما موه بذهب أو فضة مما يجوز له استعماله من الحلي كالخاتم ، إذا لم يخلص منه شيء بالإذابة والعرض على النار ، لأن الذهب والفضة على هذه الصفة مستهلك فصار كالعدم وهو تابع للمموه . وذهب الحنابلة وهو مقابل الأصح عند الشافعية إلى عدم جواز استعمال الأواني المموهة بذهب أو فضة وإلى حرمة التمويه بهما .
ويجوز عند الحنابلة تمويه غير الأواني بالذهب أو الفضة بحيث يتغير اللون ولا يحصل من الذهب أو الفضة شيء إن عرض على النار .
الحلي من غير الذهب والفضة :

(19/115)


8 - اتفق الفقهاء على جواز تحلي المرأة بأنواع الجواهر النفيسة كالياقوت والعقيق واللؤلؤ. كما ذهب الأئمة الثلاثة إلى جوازه للرجال .
وكرهه الشافعية وبعض الحنابلة من جهة الأدب ، لأنه من زي النساء أو من جهة السرف . واختلف الحنفية في حكم تحلي الرجل بالأحجار الكريمة .
واختار شمس الأئمة وقاضي خان من الحنفية الحل قياسا على العقيق .
واتفق الفقهاء على كراهة خاتم الحديد والصفر والشبه " وهو ضرب من النحاس " والقصدير للرجل والمرأة . وورد النهي عن ذلك في حديث بريدة رضي الله عنه قال : « إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه ، فقال له : ما لي أجد منك ريح الأصنام ؟ فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال : ما لي أرى عليك حلية أهل النار . فطرحه ، فقال : يا رسول الله ، من أي شيء أتخذه ؟ قال : اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا » . واختار النووي في المجموع عدم الكراهة مستدلا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للذي خطب الواهبة نفسها « اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد » ولو كان مكروها لم يأذن فيه . كما استدل بحديث معيقيب رضي الله عنه وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم قال :
« كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوي عليه فضة » .
ثم قال النووي : " والمختار أنه لا يكره لهذين الحديثين " .
زكاة الحلي :
9 - اتفق الفقهاء على وجوب الزكاة في الحلي المستعمل استعمالا محرما ، كأن يتخذ الرجل حلي الذهب للاستعمال ، لأنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط حكم فعله وهو صياغته صياغة محرمة ، وبقي على حكم الأصل من وجوب الزكاة فيه .

(19/116)


كما اتفقوا على وجوبها في الحلي المكنوز المقتنى الذي لم يقصد به مقتنيه استعمالا محرما ولا مكروها ولا مباحا ، لأنه مرصد للنماء فصار كغير المصوغ ، ولا يخرج عن التنمية إلا بالصياغة المباحة ونية اللبس .
واختلفوا في الحلي المستعمل استعمالا مباحا كحلي الذهب للمرأة وخاتم الفضة للرجل . فذهب المالكية والحنابلة والشافعي في القديم وأحد القولين في الجديد وهو المفتى به في المذهب إلى عدم وجوب الزكاة في الحلي المباح المستعمل .
وروي هذا القول عن ابن عمر وجابر وعائشة وابن عباس وأنس بن مالك وأسماء - رضي الله عنهم - والقاسم والشعبي وقتادة ومحمد بن علي وعمرة وأبي عبيد وإسحاق وأبي ثور. واستدلوا بما ورد من آثار عن عائشة وابن عمر وأسماء وجابر رضي الله عنهم ، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تلي بنات أخيها في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة . وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يحلي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج من حليهن الزكاة . وروي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها كانت تحلي ثيابها الذهب ، ولا تزكيه نحوا من خمسين ألفا . وروي أن رجلا سأل جابرا رضي الله عنه عن الحلي أفيه زكاة ؟ فقال جابر لا ، فقال : وإن كان يبلغ ألف دينار فقال جابر كثير . والمأثور عن عائشة رضي الله عنها يخالف ما روته عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيحمل على أنها لم تخالفه إلا فيما علمته منسوخا ، فإنها زوجه وأعلم الناس به ، وكذلك ابن عمر فإن أخته حفصة كانت زوج النبي صلى الله عليه وسلم وحكم حليها لا يخفى عليه ولا يخفى عنها حكمه فيه . كما استدلوا بقياس الحلي المباح على ثياب البدن والأثاث وعوامل البقر في أنها مرصدة في استعمال مباح فسقط وجوب الزكاة فيها .

(19/117)


وذهب الحنفية والشافعي في القول الآخر في الجديد إلى وجوب الزكاة في الحلي المباح المستعمل ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عمر ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبي موسى الأشعري ، وسعيد بن جبير وعطاء ، وطاوس ، وابن مهران ومجاهد ، وجابر بن زيد ، وعمر بن عبد العزيز ، والزهري ، وابن حبيب .
واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو « أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها : أتعطين زكاة هذا ؟ قالت : لا . قال : أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار ؟ قال : فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : هما لله ورسوله » .
كما استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها قالت « دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق ، فقال : ما هذا يا عائشة ، فقلت : صنعتهن أتزين لك يا رسول الله . قال : أتؤتين زكاتهن ؟ قلت : لا ، أو ما شاء الله قال : هذا حسبك من النار » . والحلي مال نام ودليل النماء الإعداد للتجارة خلقة .
حكم انكسار الحلي :
10 - فصل القائلون بعدم وجوب الزكاة في الحلي ما إذا انكسر الحلي ، فله حينئذ أحوال : الأول : أن لا يمنع الانكسار استعماله ولبسه فلا أثر للانكسار ولا زكاة فيه .
وهو مذهب الشافعية والحنابلة . وقيده الحنابلة بأن لا ينوي ترك لبسه .
الثاني : أن يمنع الانكسار استعماله فيحتاج إلى سبك وصوغ .
فتجب زكاته ، وأول الحول وقت الانكسار ، وهو مذهب المالكية والشافعية .
الثالث : أن يمنع الانكسار الاستعمال ولكن لا يحتاج إلى سبك وصوغ ويقبل الإصلاح بالإلحام وهذا على أحوال :
أ - إن قصد جعله تبرا أو دراهم ، أو كنزه وجبت زكاته وانعقد حوله من يوم الانكسار . وهو مذهب المالكية والشافعية .
ب - أن يقصد إصلاحه فلا زكاة فيه وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة .

(19/118)


ج - إن لم يقصد شيئا وجبت زكاته عند الشافعية ولا تجب عند المالكية .
والمذهب عند الحنابلة أن الانكسار إذا منع الاستعمال مطلقا فلا زكاة في الحلي .
إجارة الحلي :
11 - ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز إجارة الحلي بأجرة من جنسه أو من غير جنسه . لأنه عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقائها فجازت إجارتها كالأراضي .
وكره المالكية إجارة الحلي لأنه ليس من شأن الناس ، والأولى إعارته لأنها من المعروف . ولم نقف على رأي الحنفية في المسألة .
وقف الحلي :
12 - ذهب الشافعية والحنابلة إلى صحة وقف الحلي لما روى نافع أن حفصة ابتاعت حليا بعشرين ألفا حبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته .
وظاهر مذهب المالكية الجواز بناء على جواز وقف المملوك مطلقا : العقار والمقوم والمثلي والحيوان . ولا يجوز وقف الحلي عند الحنفية بناء على أن الأصل عندهم عدم جواز الوقف في غير العقار لأن حكم الوقف الشرعي التأبيد ، ولا يتأبد غير العقار .
وللتفصيل ينظر مصطلح ( وقف ) .
حمى *
التعريف :
1 - الحمى في اللغة : الموضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يرعى ، والشيء المحمي ، وحمى الله : محارمه ، وهو مصدر يراد به اسم المفعول ، ويثنى فيقال حميان ، وسمع حموان . يقال : حميت المكان من الناس حمى وحميا مثل رميا ، وحمية بالكسر وحماية ، أي جعلته ممنوعا من الناس لا يقربونه ، ولا يجترئون عليه .
واصطلاحا : موضع من الموات يحميه الإمام لمواشي مخصوصة .
قال الشافعي : وأصل الحمى أنه كان الرجل العزيز من العرب إذا استنجع بلدا مخصبا أوفى بكلب على حبل إن كان ، أو على نشز إن لم يكن جبل ثم استعواه ، ووقف له من يسمع منتهى صوته ، فحيث بلغ صوته حماه من كل ناحية ، ويرعى مع العامة فيما سواه ، ويمنع غيره من أن يشاركه في حماه .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - إحياء الموات :

(19/119)


2 - إحياء الموات هو عمارة أرض لم يجر عليها ملك لأحد ، ولم يوجد فيها أثر عمارة . والعلاقة بين الحمى وإحياء الموات أن كليهما تخصيص أرض لمصلحة معينة ، ويكون الحمى تخصيص الأرض للمصلحة العامة ، في حين يحصل بالإحياء اختصاص إنسان معين ، هو محيي الأرض .
ب - الإقطاع :
3 - الإقطاع لغة التمليك . واصطلاحا : ما يعطيه الإمام من الأراضي رقبة أو منفعة لمن ينتفع به فهذا تمليك ، والحمى ليس فيه تمليك ، كما أن الحمى يكون لمصلحة عامة ، بخلاف الإقطاع ، فإنه قد يكون لمصلحة خاصة .
ج - الإرفاق :
4 - الإرفاق : منح المنفعة ، وجعل موضع ما مرفقا ( محلا لخدمات الناس ) كمقاعد الأسواق ، وأفنية الشوارع ، وحريم الأمصار ، ومنازل الأسفار ( الاستراحات ) .
فالإرفاق يكون في كل ما فيه نفع عام ، أما الحمى فهو في المراعي .
د - الإرصاد :
5 - الإرصاد لغة : التخصيص والإعداد والتهيئة .
وفي الاصطلاح : تخصيص الإمام غلة بعض أراضي بيت المال لبعض مصارفه .
والفرق بينه وبين الحمى ، أن الإرصاد تخصيص الغلة ، أما الحمى فهو تخصيص العين لمصلحة عامة .
الحكم التكليفي :
6 - الأصل في الحمى المنع ، لأن فيه تضييقا على الناس ، ومنعا لهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق مشاع ، لما رواه الصعب بن جثامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا حمى إلا لله ولرسوله » .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« المسلمون شركاء في ثلاث : الماء والنار والكلأ ».
ولكن أباح جمهور الفقهاء للإمام أن يحمي لخيل المجاهدين ، ونعم الجزية وإبل الصدقة والماشية الضعيفة ، وذلك بشروط معينة ، لما ورد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين » . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « حمى النبي صلى الله عليه وسلم الربذة لإبل الصدقة » .

(19/120)


وحمى عمر رضي الله عنه بعده - صلى الله عليه وسلم - الشرف ، قيل : والربذة .
وقد أورد البخاري في صحيحه حديث حمى عمر رضي الله عنه عن زيد بن أسلم عن أبيه « أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى ، فقال : يا هني اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المسلمين ( وفي رواية : المظلوم ) ، فإن دعوة المظلوم مستجابة ، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة ، وإياي ونعم ابن عوف ، ونعم ابن عفان ، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه ، فيقول يا أمير المؤمنين ، يا أمير المؤمنين ، أفتاركهم أنا لا أبا لك ، فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق . وايم الله ، إنهم ليرون أني قد ظلمتهم ، إنها لبلادهم ، فقاتلوا عليها في الجاهلية ، وأسلموا عليها في الإسلام . والذي نفسي بيده ، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا » .
وكذلك حمى عثمان رضي الله عنه . وذهب الشافعية - في قول - إلى أن الحمى كان خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم وليس لغيره أن يحمي أخذا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : « لا حمى إلا لله ولرسوله » . والأظهر عندهم القول الأول الموافق للجمهور .
شروط الحمى :
7 - أ - أن تقع الحماية من الإمام أو نائبه ، ولنائب الإمام الحماية ، ولو لم يستأذن الإمام ، لأن الحماية ليست من قبيل التمليك أو الإقطاع ، فلا تجري عليها أحكامهما ، وليس لأحد غير الإمام أو نائبه الحق في الحماية .
ب - أن يكون الحمى لمصلحة المسلمين ، بأن يكون لخيل المجاهدين ونعم الجزية ، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله ، وإبل الزكاة ، وضوال الناس التي يقوم الإمام بحفظها ، وماشية ضعاف المسلمين . وخصه الشافعية للضعفاء من المسلمين دون الأغنياء .

(19/121)


وقال الحطاب من المالكية : والظاهر أن هذا جار على مذهبنا . ولا يجوز للإمام أن يخص نفسه بالحمى ، لأن في تخصيص نفسه بالحمى تضييقا على الناس وإضرارا بهم ، وليس له إدخاله مواشيه ما حماه للمسلمين ، إن كان غنيا ولا يجوز أن يخص به أغنياء المسلمين ، أو أهل الذمة ، ويجوز أن يخص به فقراء المسلمين ، لما ورد في حديث عمر المتقدم .
ج - أن لا يكون الحمى ملكا لأحد ، مثل بطون الأودية والجبال والموات ، وإن كان ينتفع المسلمون بتلك المواضع ، فمنفعتهم في حماية الإمام أكثر .
قال سحنون : الأحمية إنما تكون في بلاد الأعراب العفاء ، التي لا عمارة فيها بغرس ولا بناء ، وإنما تكون الأحمية فيها في الأطراف ، حتى لا تضيق على ساكن ، وكذلك الأودية العفاء ، التي لا مساكن بها ، إلا ما فضل عن منافع أهلها من المسارح والمرعى .
ولا يجوز حماية الماء العد - وهو الذي له مادة لا تنقطع - كماء عين أو بئر .
د - أن يكون الحمى قليلا ، لا يضيق على الناس ، بل يكون فاضلا عن منافع أهل ذلك الموضع .
أخذ العوض ممن ينتفع بالحمى :
8 - لا يجوز لأحد من الولاة أن يأخذ من أصحاب المواشي عوضا عن مراعي موات أو حمى ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم « المسلمون شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ » .
نصب أمين على الحمى :
9 - يندب للإمام نصب أمين يدخل دواب الضعفاء ويمنع دواب الأقوياء .
عقوبة التعدي على حمى الإمام :
10 - إذا خص الإمام الحمى بالضعفاء ، ودخله أحد من أهل القوة منع ، ولا غرم عليه ولا تعزير إن لم يبلغه نهي الإمام ، فإن كان قد بلغه النهي ، وتعدى بعد ذلك ورعى في الحمى ، فللإمام أن يعزره بالزجر أو التهديد ، فإن تكررت المخالفة فيعزره بالضرب
نقض الحمى :

(19/122)


11 - حمى النبي صلى الله عليه وسلم - كالمنصوص عليه - لا ينقض ولا يغير ، ولو مع عدم بقاء الحاجة إليه ، ومن أحياه لم يملكه ، وقال الحطاب : الأظهر جواز نقضه ، إن لم يقم دليل على إرادة استمراره . أما إذا حمى إمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم نقضه الإمام نفسه ، أو نقضه من يأتي بعده ، وفقا لمصالح المسلمين جاز له ذلك .
قال الرملي : ما حماه عليه الصلاة والسلام لا ينقض بحال ولا يغير بحال ، لأنه نص ، بخلاف حمى غيره ، ولو الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم .
قال البهوتي : وليس هذا من نقض الاجتهاد بالاجتهاد ، بل عمل بكل من الاجتهادين في محله ، كالحادثة إذا حكم فيها قاض بحكم ، ثم وقعت مرة أخرى ، وتغير اجتهاده ، كقضاء عمر في المشركة .
إحياء الحمى :
12 - إذا استقر حكم الحمى على أرض فأقدم عليها من أحياها مخلا بحق الحمى ، روعي الحمى . فإن كانت مما حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الحمى ثابتا ، والإحياء باطلا ، والمتعرض لإحيائه مردود مزجور ، لا سيما إذا كان سبب الحمى باقيا ، وإن كانت مما حماه الأئمة بعده ، ففي إقرار إحيائه قولان عند الشافعية ، ووجهان عند الحنابلة . أحدهما : يملكها باعتبار أن ملكيتها بالإحياء قد ورد فيها نص ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « من أحيا أرضا ميتة فهي له » والنص مقدم على اجتهاد الإمام عندما حماها . والثاني : لا يملكها ، ولا يقر عليها ، ويجري عليه حكم الحمى ، كالذي حماه الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه حكم نفذ بحق . والأول هو المعتمد عند الحنابلة .

حمالة *
التعريف :
1 - الحمالة بفتح الحاء هي الدية والغرامة التي يتحملها الإنسان عن غيره ، ويقال : حمال أيضا وجمعها حمالات وحمل .

(19/123)


وفي الاصطلاح : ما يتحمله الإنسان ، ويلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين ، مثل أن تقع حرب بين فريقين تسفك فيها الدماء ، ويتلف فيها نفس أو مال ، فيسعى إنسان في الإصلاح بينهم ، ويتحمل الدماء التي بينهم والأموال .
الألفاظ ذات الصلة :
الكفالة :
2 - الكفالة في اللغة : بمعنى الضم ، ومنه قوله تعالى { وكفلها زكريا } أي ضمها إليه وألزمه كفالتها . وقوله صلى الله عليه وسلم : « أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى » أي الذي يضمه إليه في التربية . ويسمى النصيب كفلا ، لأن صاحبه يضمه إليه . وأما في الاصطلاح فالكفالة عند الحنفية : ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة مطلقا أي : سواء كان بنفس أو بدين أو عين كالمغصوب ونحوه . فالكفيل والضمين ، والقبيل ، والحميل ، والغريم بمعنى واحد .
ويرى المالكية ، والشافعية في المشهور ، والحنابلة أن الكفالة هي أن يلتزم الرشيد بإحضار بدن من يلزم حضوره في مجلس الحكم .
فالحنفية يطلقون الكفالة على كفالة المال والوجه ، والمالكية والشافعية يقسمون الضمان إلى ضمان المال وضمان الوجه .
ويطلق الشافعية الكفالة على ضمان الأعيان البدنية .
وأما عند الحنابلة : فالضمان يكون التزام حق في ذمة شخص آخر ، والكفالة التزام بحضور بدنه إلى مجلس الحكم .
الضمان :
3 - الضمان في اللغة : من ضمن المال وبه ضمانا أي التزمه .
وفي الاصطلاح : هو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق .
والفرق بين الضمان والحمالة ، هو أن الحمالة ضمان الدية وغيرها لإصلاح ذات البين ، والضمان يكون في ذلك وفي غيره ، فالضمان أعم من الحمالة .
مشروعية الحمالة :
4 - لا خلاف بين الفقهاء في أن الحمالة أمر مشروع ، وهي من مكارم الأخلاق .

(19/124)


وكانت العرب تعرف الحمالة ، فإذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها ، قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة .
وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته ، وأعطوه ما تبرأ به ذمته .
وإذا سأل لذلك لم يعد نقصا في قدره ، بل فخرا . وسمي قتادة بن أبي أوفى رضي الله عنه صاحب الحمالة ، لأنه تحمل بحمالات كثيرة ، فسأل فيها وأداها .
والأصل في ذلك قوله تعالى : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } .
وما روي عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال : « تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها . فقال : أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها . قال : ثم قال يا قبيصة : إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة ، حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا » .
أحكام الحمالة :
أ - دفع الزكاة للحميل :
5 - ذهب الفقهاء إلى جواز دفع الزكاة للحميل إذا استدان لإصلاح ذات البين بسبب إتلاف نفس ، أو مال ، أو نهب بشرط أن يكون فقيرا ، قال الحنابلة : ولو كان الإصلاح بين أهل الذمة . واختلفوا فيما إذا كان غنيا :
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يعطى من سهم الغارمين وإن كان غنيا ، وبهذا قال إسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وابن المنذر .

(19/125)


واستدلوا بما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم « لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني» فيجوز للمتحمل في صلاح وبر إذا استدان مالا لتسكين الثائرة بين شخصين أو قبيلتين أن يقضي ذلك مما يأخذه من الزكاة وإن كان غنيا إذا كان يجحف بماله كالغريم .
ولأن الحميل قد يلتزم بمثل ذلك المال الكثير ، وقد أتى معروفا عظيما ، وابتغى صلاحا عاما ، فكان من المعروف حمله عنه من الزكاة وتوفير ماله عليه ، لئلا يجحف بمال المصلحين ، أو يوهن عزائمهم عن تسكين الفتن ، وكف المفاسد ، فيدفع إليه ما يؤدي حمالته وإن كان غنيا . وأما إن استدان الحمالة وأداها جاز له الأخذ من الزكاة ، لأن الغرم باق ، والمطالبة قائمة ، فلم يخرج عن كونه مدينا بسبب الحمالة .
وإن أدى الحمالة من ماله لم يكن له أن يأخذ ، لأنه قد سقط الغرم ، فخرج عن كونه مدينا . ولا تعتبر الغرامة لمصلحة نفسه حمالة ، ولا تأخذ حكمها ، لأن الغارم لمصلحة نفسه يأخذ لحاجة نفسه ، فاعتبرت حاجته كالفقير والمسكين ، وأما الغارم في الحمالة فيأخذ لإخماد الفتنة فجاز له الأخذ مع الغنى كالغازي والعامل .
ويرى الحنفية أنه لا تدفع الزكاة إلا لحميل فقير ، لأن من تجب عليه الزكاة لا تحل له كسائر أصناف مصارف الزكاة . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه : « وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم » .
إباحة السؤال لأجل الحمالة :
6 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من تحمل بسبب إتلاف نفس أو مال ، دية أو مالا لتسكين فتنة وقعت بين طائفتين يجوز له أن يسأل حتى يؤدي .
واستدلوا على ذلك بحديث قبيصة بن المخارق السابق .

(19/126)


وبحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة : لذي فقر مدقع ، أو لذي غرم مفظع ، أو لذي دم موجع » .

حمد *
التعريف :
1 - الحمد لغة : نقيض الذم ، ومنه المحمدة خلاف المذمة .
وهو الشكر والرضا والجزاء وقضاء الحق ، أو : الثناء الكامل ، أو : الثناء بالكلام أو باللسان على جميل اختياري على جهة التعظيم ، كان نعمة كالعطايا أو لا ، كالعبادات ، أو هو : الثناء على المحمود بجمال صفاته وأفعاله .
قال الجرجاني : الحمد هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها وقسمه - كما فعل أبو البقاء وغيره - خمسة أقسام .
- 1 - الحمد اللغوي : وهو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل باللسان وحده .
- 2 - الحمد العرفي : وهو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما ، وهو أعم من أن يكون فعل اللسان أو الأركان أو الجنان .
- 3 - الحمد القولي : وهو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به على نفسه على لسان أنبيائه .
- 4 - الحمد الفعلي : وهو الإتيان بالأعمال البدنية ابتغاء وجه الله تعالى .
- 5 - الحمد الحالي : وهو الذي يكون بحسب الروح والقلب ، كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والتخلق بالأخلاق الإلهية .
2 - والحمد على الإطلاق يكون لله تعالى فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه ، إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا ، ولا يجوز الحمد على الإطلاق إلا لله تعالى ، لأن كل إحسان هو منه في الفعل أو التسبب .

(19/127)


وحمد الله تعالى عبارة عن تعريفه وتوصيفه بنعوت جلاله وصفات جماله وسمات كماله الجامع لها ، سواء كان بالحال أو بالمقال ، وهو معنى يعم الثناء بأسمائه فهي جليلة ، والشكر على نعمائه فهي جزيلة ، والرضا بأقضيته فهي حميدة ، والمدح بأفعاله فهي جميلة. والتحميد : حمد الله تعالى مرة بعد مرة ، أو كما قال الأزهري : كثرة حمد الله سبحانه بالمحامد الحسنة ، والتحميد أبلغ من الحمد .
3 - والمقام المحمود الذي ورد في حديث : « اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا » هو المقام الذي يحمده فيه جميع الخلق لشفاعته لتعجيل الحساب والإراحة من طول الوقوف .
ولواء الحمد الذي ورد في حديث : « إني لأول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر ، وأعطى لواء الحمد ولا فخر » المراد به انفراده صلى الله عليه وسلم بالحمد على رؤوس الخلق يوم القيامة وشهرته به ، والعرب تضع اللواء في موضع الشهرة ، وقال الطيبي : ويحتمل أن يكون لحمده يوم القيامة لواء حقيقة يسمى لواء الحمد .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي أو العرفي .
الألفاظ ذات الصلة :
الثناء :
4 - هو ما يوصف به الإنسان من مدح أو ذم ، وخص بعضهم به المدح ، وقال الفيروزآبادي : هو وصف بمدح أو ذم ، أو خاص بالمدح ، وقال أبو البقاء : هو الكلام الجميل ، وقيل : هو الذكر بالخير ، وقيل . يستعمل في الخير والشر على سبيل الحقيقة ، وهو في عرف الجمهور حقيقة في الخير ومجاز في الشر . وقيل : هو الإتيان بما يشعر التعظيم مطلقا ، سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان ، وسواء أكان في مقابلة شيء أم لا فيشمل الحمد والشكر والمدح وهو المشهور بين الجمهور .
الشكر :

(19/128)


5 - هو في اللغة : عرفان الإحسان ونشره ، أو هو : الاعتراف بالنعمة على جهة التعظيم للمنعم ، أو هو : الثناء على المحسن بما قدم من المعروف ، أو هو : الاعتراف بالنعمة وفعل ما يجب لها ، يقال : شكرت لله أي اعترفت بنعمته وفعلت ما يجب من الطاعة وترك المعصية ، أو هو : مقابلة النعمة بالقول والفعل والنية ، فيثني على المنعم بلسانه ، وينيب نفسه في طاعته ، ويعتقد أنه موليها . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن ذلك .
واختلف في الصلة بين الشكر والحمد ، فقيل : إنهما بمعنى واحد ، وقيل : إن الشكر أعم من الحمد ، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب ، والحمد إنما يكون باللسان خاصة ، وقيل : الحمد أعم . قال القرطبي : الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان ، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان ، وعلى هذا الحد قال علماؤنا : الحمد أعم من الشكر .
المدح :
6 - هو في اللغة : الثناء الحسن ، أو الثناء على الممدوح بما فيه من الصفات الجميلة خلقية كانت أو اختيارية . وفي الاصطلاح : هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدا. قال الراغب : والحمد أخص من المدح وأعم من الشكر ، فإن المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره ، ومما يقال منه وفيه بالتسخير فقد يمدح الإنسان بطول قامة وصباحة وجهه كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه . و
الحمد يكون في الثاني دون الأول ، والشكر لا يقال إلا في مقابلة نعمة . فكل شكر حمد ، وليس كل حمد شكرا ، وكل حمد مدح وليس كل مدح حمدا .
الحكم التكليفي :
7 - الحمد يكون لله عز وجل ، وهو كله وبإطلاق له سبحانه ، لأنه تعالى المستحق للحمد ذاتا وصفات ولا شيء منه لغيره في الحقيقة .
وقد يحمد الإنسان نفسه فيثني عليها ويزكيها ، وقد يحمد غيره فيثني عليه ويمدحه .
حمد الإنسان نفسه :

(19/129)


8 - نهى الله تعالى أن يحمد الإنسان نفسه في قوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } وقوله عز وجل : { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا } وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تزكوا أنفسكم ، الله أعلم بأهل البر منكم » . لكن إن احتاج الإنسان إلى بيان فضله والتعريف بما عنده من القدرات فلا بأس بذلك . كما قال يوسف عليه السلام : { اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم } . وانظر مصطلح ( مدح - تزكية ) .
حمد الإنسان غيره :
حمد الإنسان غيره وثناؤه عليه ومدحه إياه منهي عنه شرعا من حيث الجملة ، وبخاصة إذا كان بما ليس فيه ، ففي البخاري من حديث أبي بكرة « أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل : أحسب فلانا كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك ، ولا أزكي على الله أحدا » . وللتفصيل ينظر مصطلح ( مدح ) .
حمد الله تعالى :
9 - حمد الله تعالى مطلوب شرعا ، ورد بذلك الكتاب والسنة ، ومنه قول الله تعالى : للنبي صلى الله عليه وسلم : { قل الحمد لله } وقوله صلى الله عليه وسلم : « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع » . وقد حمد الله تعالى نفسه وافتتح كتابه بحمده فقال عز وجل : { الحمد لله رب العالمين } . وحكم حمد الله تعالى يتعدد بتعدد مواطنه على النحو التالي :
أولا : الابتداء بالحمد :

(19/130)


10 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الابتداء بحمد الله تعالى في الأمور المهمة مندوب اقتداء بكتاب الله تعالى ، وعملا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أقطع » فيستحب البداءة بالحمد لكل مصنف ، ودارس ، ومدرس ، وخطيب ، وخاطب ، وبين يدي سائر الأمور المهمة ، قال الشافعي : أحب أن يقدم المرء بين يدي خطبته وكل أمر طلبه حمد الله تعالى والثناء عليه سبحانه وتعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن عابدين : الحمدلة تجب في الصلاة ، وتسن في الخطب ، وقبل الدعاء ، وبعد الأكل ، وتباح بلا سبب ، وتكره في الأماكن المستقذرة ، وتحرم بعد أكل الحرام .
وفي فتح الباري أن البسملة للكتب والوثائق والرسائل ، كما في كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وما كتبه في صلح الحديبية ، وأن الحمد للخطب .
ثانيا : الحمد في دعاء الاستفتاح :
11 - ورد الحمد في دعاء الاستفتاح الذي جاءت فيه - كما قال النووي - أحاديث كثيرة يقتضي مجموعها أن يقول المصلي في استفتاح الصلاة : « الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا . . . الخ » .
وكل هذا ثابت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال البيهقي : أصح ما روي فيه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : أنه كبر ثم قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، تبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك .
وروي مرفوعا بأسانيد ضعيفة . وتفصيل المأثور في دعاء الاستفتاح ، وحكمه ، وموضعه من الصلوات ينظر في ( استفتاح ، وتحميد ) .
ثالثا : قراءة سورة الحمد في الصلاة :

(19/131)


12 - سورة الحمد - كما تقدم - هي سورة الفاتحة ، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن قراءتها في الصلاة فرض ، وقال أبو حنيفة : لا تتعين قراءة الفاتحة بل تستحب ، وفي رواية عنه تجب ولو قرأ غيرها من القرآن أجزأه .
وفي المسألة تفصيل ينظر في ( صلاة ، وفاتحة ) .
رابعا : الحمد في الركوع والسجود :
13 - ذهب المالكية والشافعية إلى أن الأولى أن يقول المصلي في التسبيح المندوب في الركوع : سبحان ربي العظيم وبحمده ، وفي السجود ، سبحان ربي الأعلى وبحمده .
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي » .
والأفضل عند الحنابلة الاقتصار على " سبحان ربي العظيم " في الركوع وعلى " سبحان ربي الأعلى " في السجود من غير زيادة وبحمده .
ولم يتعرض الحنفية لزيادة لفظ ( وبحمده ) في أي من الركوع أو السجود .
وفي تفصيل مذاهب الفقهاء في حكم التسبيح في الركوع والسجود ينظر مصطلح ( تسبيح ).
خامسا : الحمد في الرفع بعد الركوع :
14 - ذهب المالكية وأبو حنيفة إلى من كان إماما يقول في الرفع بعد الركوع : سمع الله لمن حمده ولا يقول ربنا لك الحمد .

(19/132)


وقال أبو يوسف ومحمد : يجمع بين التسميع والتحميد ، وروي عن أبي حنيفة مثل قولهما . احتج أبو حنيفة بما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا ، وإذا قال : ولا الضالين فقولوا : آمين ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا لك الحمد » قسم التحميد والتسميع بين الإمام والقوم فجعل التحميد لهم والتسميع له ، وفي الجمع بين الذكرين من أحد الجانبين إبطال هذه القسمة ، ولأن إتيان الإمام بالحمد يؤدي إلى جعل التابع متبوعا تابعا ، وهذا لا يجوز ، بيان ذلك أن الذكر يقارن الانتقال ، فإذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، يقول المقتدي مقارنا له : ربنا لك الحمد ، فلو قالها الإمام بعد ذلك لوقع قوله بعد قول المقتدي ، فينقلب المتبوع تابعا والتابع متبوعا ، ومراعاة التبعية في جميع أجزاء الصلاة واجبة بقدر الإمكان .
وإن كان المصلي مقتديا يأتي بالحمد لا غير . وإن كان منفردا يجمع بينهما على المعتمد من أقوال ثلاثة مصححة ، أحدها هذا ، والثاني أنه كالمؤتم ، والثالث أنه كالإمام .
15 - واختلف في المختار من ألفاظ الحمد عند الحنفية : قال الحصكفي : أفضله : اللهم ربنا ولك الحمد ، ثم حذف الواو ، ثم حذف اللهم فقط ، وأضاف ابن عابدين : وبقي رابعة هي : حذف اللهم والواو ، ثم قال : الأربعة في الأفضلية على هذا الترتيب كما أفاده بالعطف بثم . قال الكاساني : والأشهر ربنا لك الحمد .
16 - وأما المقتدي فيندب له أن يقول : ربنا ولك الحمد بعد قول الإمام : سمع الله لمن حمده . والفذ ( المنفرد ) يجمع بينهما ، فهو مخاطب بسنة ومندوب والترتيب بينهما مستحب على الظاهر ، فيسن له أن يقول : سمع الله لمن حمده ، ويندب له أن يقول بعد ذلك : ربنا ولك الحمد .

(19/133)


وذهب الشافعية إلى أن المصلي إذا استوى قائما من ركوعه استحب له أن يقول : ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، قال الشافعي والأصحاب : يستوي في استحباب هذه الأذكار كلها الإمام والمأموم والمنفرد ، يجمع كل واحد منهم بين قوله بسمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد إلى آخره . والجمع بين التسميع والتحميد للإمام والمنفرد هو قول لأبي يوسف ومحمد ، واحتج أبو يوسف ومحمد بما ورد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال : سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد » وغالب أحواله صلى الله عليه وسلم أنه كان هو الإمام ، ولأن الإمام منفرد في حق نفسه ، والمنفرد يجمع بين هذين الذكرين فكذا الإمام ، ولأن التسميع تحريض على الحمد فلا ينبغي أن يأمر غيره بالبر وينسى نفسه كي لا يدخل تحت قوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } قال ابن عابدين : لكن المتون على قول الإمام .
وقال النووي : وهذا لا خلاف فيه عندنا ، لكن قال الأصحاب : إنما يأتي الإمام بهذا كله إذا رضي المأمومون بالتطويل وكانوا محصورين ، فإن لم يكن كذلك اقتصر على قوله : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد .
قال الشافعي والأصحاب : ولو قال : ولك الحمد ربنا أجزأه ، لأنه أتى باللفظ والمعنى ، ولكن الأفضل قوله : ربنا لك الحمد على الترتيب الذي وردت به السنة .

(19/134)


وقال صاحب الحاوي وغيره : يستحب للإمام أن يجهر بقوله سمع الله لمن حمده ليسمع المأمومون ويعلموا انتقاله كما يجهر بالتكبير ، ويسر بقوله ربنا لك الحمد لأنه يفعله في الاعتدال فيسر به كالتسبيح في الركوع والسجود ، وأما المأموم فيسر بهما كما يسر بالتكبير ، فإن أراد تبليغ غيره انتقال الإمام كما يبلغ التكبير جهر بقوله سمع الله لمن حمده ، لأنه المشروع في حال الارتفاع .
ولا يجهر بقوله ربنا لك الحمد ، لأنه إنما يشرع في حال الاعتدال .
وقال الحنابلة : إذا استتم المصلي قائما من ركوعه قال : ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد » متفق عليه ، ولما روى علي رضي الله تعالى عنه قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال : اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد » .
ونقل عن أحمد أن المصلي إن شاء زاد على ذلك قوله : « أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد » رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله ، أو يقول المصلي غير ذلك مما ورد .

(19/135)


والصحيح - عند الحنابلة - أن المنفرد يقول كما يقول الإمام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه قال لبريدة : « إذا رفعت رأسك في الركوع فقل : سمع الله لمن حمده ، اللهم ربنا ولك الحمد ، ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد » وهذا عام في جميع أحواله ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك ولم تفرق الرواية بين كونه إماما ومنفردا ، ولأن ما شرع من القراءة والذكر في حق الإمام شرع في حق المنفرد ، كسائر الأذكار . والمأموم يحمد - أي يقول : ربنا ولك الحمد - فقط في حال رفعه من الركوع ، لما روى أنس وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا ولك الحمد » .
فأما قول « ملء السموات . . . » وما بعده فلا يسن للمأموم لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على أمرهم بقول : « ربنا ولك الحمد » فدل على أنه لا يشرع لهم سواه .
وللمصلي - إماما كان أو مأموما أو منفردا - قول " ربنا لك الحمد " بلا واو لورود الخبر بذلك ، وبالواو أفضل للاتفاق عليه من حديث ابن عمر وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم ، ولكونه أكثر حروفا ، ويتضمن الحمد مقدرا ومظهرا ، فإن التقدير ربنا حمدناك ولك الحمد ، لأن الواو للعطف ، ولما لم يكن في الظاهر ما يعطف عليه دل على أن في الكلام مقدرا .
وإن شاء المصلي قال : " اللهم ربنا لك الحمد " بلا واو ، وهو أفضل منه مع الواو وإن شاء قاله بواو . وذلك بحسب الروايات صحة وكثرة وضدهما .

(19/136)


وإذا رفع المصلي رأسه من الركوع فعطس فقال : ربنا ولك الحمد ، ينوي بذلك لما عطس وللرفع ، فروي عن أحمد أنه لا يجزئه ، لأنه لم يخلصه للرفع من الركوع . وقال ابن قدامة : والصحيح أن هذا يجزئه ، لأنه ذكر لا تعتبر له النية وقد أتى به فأجزأه ، كما لو قاله ذاهلا وقلبه غير حاضر ، وقول أحمد يحمل على الاستحباب لا على نفي الإجزاء حقيقة .
ويسن جهر الإمام بالتسميع ليحمد المأموم عقبه ، ولا يسن جهر الإمام بالتحميد ، لأنه لا يعقبه من المأموم شيء فلا فائدة في الجهر به . ( ر : مصطلح تحميد ) .
سادسا : الحمد بعد الصلاة :
17 - اتفق الفقهاء على استحباب الحمد بعد الصلاة ، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة منها : ما رواه الشيخان عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد » وما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : « أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب أصحاب الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون ، قال صلى الله عليه وسلم : ألا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم ، وتسبقون به من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع ما صنعتم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين » . وتفصيل هذا في مصطلح ( تحميد ) .
سابعا : الحمد في الخطب المشروعة :
18 - الحمد مطلوب في الخطب المشروعة ، وهي عشر أو ثمان أو أدنى من ذلك أو أكثر ، على تفصيل يذكر في موطنه ، ومن ذلك :

(19/137)


أ - الحمد في خطبتي الجمعة :
19 - ذهب الحنفية إلى أن لفظ الحمد لا يشترط في خطبة الجمعة ، فلو ذكر الخطيب الله تعالى على قصد الخطبة بقوله : الحمد لله أو سبحان الله أو لا إله إلا الله جاز عنده في أركان الخطبة ، أما إذا قال ذلك لعطاس أو تعجب فلا يجوز ، واستدل بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } . من غير فصل ، فكان الشرط الذكر الأعم . وذهب المالكية إلى أن الحمد في خطبة الجمعة مندوب .
وقال الشافعية والحنابلة : من أركان خطبتي الجمعة حمد الله تعالى للاتباع ، روى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : « كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه » . الحديث ، ولفظ الحمد متعين للتعبد به ، فلا يكفي نحو : لا إله إلا الله ولا نحو : الشكر لله ، ولا غير لفظ الله كالرحمن ، ويكفي مصدر الحمد وما اشتق منه وإن تأخر كـ " لله الحمد " . والتفصيل في صلاة الجمعة .
ب - الحمد في خطبتي العيدين :
20 - خطبتا العيدين كخطبتي الجمعة ، لكنهما بعد الصلاة في العيدين ، ويبدأ فيهما بالتكبير ، وحكم الحمد فيهما كحكمه في خطبتي الجمعة على الخلاف والتفصيل السابقين .
وتفصيله في صلاة العيد .
ج - الحمد في خطبتي الاستسقاء :
21 - اختلف الحنفية في خطبتي الاستسقاء ، فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا خطبة في الاستسقاء ، وذهب أبو يوسف إلى أن فيه خطبتين ، وذهب محمد إلى أن فيه خطبة واحدة . وعندهما أنه يبدأ بالتحميد في الخطبة .
والحمد في خطبتي الاستسقاء عند المالكية كالحمد في خطبتي العيد .
وقال الشافعية : إن الحمد ركن من أركان خطبتي الاستسقاء .

(19/138)


وعند الحنابلة : اختلفت الرواية في الخطبة للاستسقاء وفي وقتها ، والمشهور أن في صلاة الاستسقاء خطبة واحدة بعد الصلاة كالعيدين لقول ابن عباس في وصف صلاة الاستسقاء :
« صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين كما كان يصلي في العيد » . وعلى ذلك يكون الحمد في خطبة الاستسقاء عندهم كالحمد في خطبة العيدين . والتفصيل في استسقاء .
د - الحمد في خطبتي الكسوف :
22 - خطبة الكسوف مستحبة عند الشافعية والحمد فيها ركن عندهم لفعله صلى الله عليه وسلم خلافا لجمهور الفقهاء الذين يقولون : إنه لا خطبة في كسوف الشمس ، ولا في خسوف القمر بل صلاة ودعاء وتكبير وصدقة . كما ورد في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله ، وكبروا ، وصلوا ، وتصدقوا » .
هـ - الحمد في خطب النكاح :
23 - اتفق الفقهاء على ندب الحمد في خطب النكاح " عند التماس الخطبة ، وعند الإجابة إليها ، وعند الإيجاب في عقد النكاح ، وعند القبول فيه " لحديث : « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أقطع » وخص بعضهم لخطبة النكاح لفظ خطبة ابن مسعود الذي فيه : إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره .
و - الحمد في خطب الحج :
24 - اتفق جمهور الفقهاء على ندب الحمد في خطب الحج " وهي : يوم السابع بمكة ، ويوم عرفة ، ويوم العيد بمنى ، وثاني أيام التشريق بمنى " .
وذهب الشافعية إلى أن الحمد في هذه الخطب ركن من أركانها يأتي به الخطيب وجوبا .
ثامنا : الحمد في بدء الدعاء وختمه :

(19/139)


25 - قال النووي : أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه ، ثم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك يختم الدعاء بهما ، والآثار في هذا الباب كثيرة معروفة ، منها ما روي عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال : « سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه عز وجل والثناء عليه ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد بما شاء » .
وقال القرطبي : يستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنة : { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } .
تاسعا : الحمد عند حصول نعمة أو اندفاع مكروه :
26 - قال النووي : يستحب لمن تجددت له نعمة ظاهرة ، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة ، أن يسجد شكرا لله تعالى ، وأن يحمد الله تعالى أو يثني عليه بما هو أهله ، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة ، منها « ما روي عن عمرو بن ميمون في مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عمر أرسل ابنه عبد الله إلى عائشة رضي الله عنهما يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه ، فلما أقبل عبد الله قال عمر : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ، أذنت ، قال : الحمد لله ، ما كان من شيء أهم إلي من ذلك » .

(19/140)


وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من رأى مبتلى فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا ، لم يصبه ذلك البلاء » قال النووي : قال العلماء من أصحابنا وغيرهم : ينبغي أن يقول هذا الذكر ( سرا ) بحيث يسمع نفسه ولا يسمعه المبتلى لئلا يتألم قلبه بذلك إلا أن تكون بليته معصية فلا بأس أن يسمعه ذلك إن لم يخف من ذلك مفسدة .
عاشرا : الحمد بعد العطاس :
27 - قال النووي : اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه : الحمد لله ، ثم قال النووي : فلو قال : الحمد لله رب العالمين كان أحسن ، ولو قال : الحمد لله على كل حال كان أفضل . لما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما « أن رجلا عطس إلى جنبه فقال : الحمد لله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عمر : وأنا أقول : الحمد لله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقول : الحمد لله على كل حال » .
ويستحب لمن سمعه أن يشمته . وأقل الحمد والتشميت وجوابه أن يرفع صوته بحيث يسمعه صاحبه ، وإذا قال العاطس لفظا آخر غير الحمد لله لم يستحق التشميت .
هذا في العاطس غير المصلي .
أما العاطس أثناء الصلاة ففي حمده تفصيل ينظر في ( تحميد ، و تشميت ) .
حادي عشر : الحمد عند الصباح والمساء
28 - الحمد عند الصباح وعند المساء مطلوب ومرغب فيه شرعا ، لقول الله عز وجل :

(19/141)


{ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } وقوله سبحانه وتعالى : { وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من قال حين يصبح وحين يمسي : سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه » رواه مسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « من قال حين يصبح : اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر ، فقد أدى شكر يومه ، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته » .
وقوله صلى الله عليه وسلم : « من قال إذا أصبح : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل ، وكتب له عشر حسنات ، وحط عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي ، وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح » .
ثاني عشر : الحمد عند موت الولد :
29 - الحمد عند فقد الولد مطلوب ومرغب فيه شرعا لما ورد عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته : قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد » .
ثالث عشر : الحمد إذا رأى ما يحب وما يكره :
30 - إذا رأى الشخص شيئا يحبه أو شيئا يكرهه حمد بما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يكره قال : الحمد لله على كل حال » .
رابع عشر : الحمد إذا دخل السوق :

(19/142)


31 - عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من دخل السوق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة » رواه الترمذي ، ورواه الحاكم من طرق كثيرة ، وزاد فيه في رواية الترمذي « وبنى له بيتا في الجنة » وفيه من الزيادة : قال الراوي : فقدمت خراسان ، فأتيت قتيبة بن مسلم فقلت له : أتيتك بهدية فحدثته بالحديث فكان قتيبة يركب في موكبه حتى يأتي السوق فيقولها ثم ينصرف .
خامس عشر : الحمد إذا نظر في المرآة :
32 - يشرع لمن نظر في المرآة أن يحمد الله تعالى ، فعن علي رضي الله تعالى عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نظر وجهه في المرآة قال : الحمد لله ، اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي » وفي حديث أنس : « الحمد لله الذي سوى خلقي فعدله ، وكرم صورة وجهي فحسنها ، وجعلني من المسلمين » .
سادس عشر : الحمد إذا ركب دابته ونحوها :

(19/143)


33 - حمد الله تعالى عند ركوب الدابة ونحوها مطلوب شرعا ، لقوله تعالى : { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ، لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون } ولما روي عن علي بن ربيعة قال : « شهدت عليا أتي بدابة ليركبها ، فلما وضع رجله في الركاب قال : بسم الله ثلاثا ، فلما استوى على ظهرها قال : الحمد لله ، ثم قال : { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون } ثم قال : الحمد لله ثلاث مرات ، ثم قال : الله أكبر ثلاث مرات ، ثم قال : سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . ثم ضحك ، فقيل : يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت ؟ قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت ثم ضحك ، فقلت : يا رسول الله من أي شيء ضحكت ؟ قال : إن ربك يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري » .
سابع عشر : الحمد لمن أكل أو شرب ، أو لبس جديدا ، أو قام من المجلس ، أو خرج من الخلاء ، أو استيقظ من نومه ، أو أوى إلى فراشه ، أو سئل عن حاله أو حال غيره :
34 - الحمد مشروع لكل واحد من هؤلاء . وقد سبق بيان ذلك في ( تحميد ) .
ثامن عشر : فضل الحمد وأفضل ألفاظه :

(19/144)


35 - حمد الله تعالى مشروع في المواطن التي سبق ذكرها ، ومستحب في كل أمر ذي بال ، والحمد لا تكاد تحصى مواطنه فهو مطلوب على كل حال وفي كل موطن . إلا المواطن التي ينزه الذكر عنها . وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الحمد منها ما روى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قال العبد لا إله إلا الله ، الحمد لله ، قال : صدق عبدي ، الحمد لي » .
ومنها ما روى جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة » . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسري بي ، فقال : يا محمد أقرئ أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء ، وأنها قيعان ، وأن غرسها : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر » .
ومنها ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم » ومنها ما روى أبو مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السموات والأرض » .
ومنها ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لأن أقول : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس » . ومنها ما روى أبو ذر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن أحب الكلام إلى الله : سبحان الله وبحمده » .

(19/145)


36 - وأحسن العبارات في الحمد : الحمد لله رب العالمين ، إذ هي فاتحة الكتاب العزيز ، وآخر دعوى أهل الجنة ، وهي لكونها جملة اسمية دالة على ثبوت ذلك لله تعالى والدوام له سبحانه وتعالى ، وهذا أبلغ من الجملة الفعلية الدالة على التجدد والحدوث ، وهذا من حكم افتتاح الكتاب العزيز بذلك ، أي الإشارة إلى أنه المحمود في الأزل وفيما لا يزال ، وفي قوله : رب العالمين - أي مربيهم بنعمة الإيجاد ثم بنعمة التنمية والإمداد - تحريض وحث على القيام بحمده وشكره في كل وقت وحين .
37 - ومجامع الحمد : الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ، قال النووي : قال المتأخرون من أصحابنا الخراسانيين : لو حلف إنسان ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد ، ومنهم من قال بأجل التحاميد ، فطريقه في بر يمينه أن يقول : الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده . " واحتجوا لهذه المسألة بحديث منقطع ولذلك قال النووي في الروضة : ليس لهذه المسألة دليل معتمد " وفي التحفة : لو قيل : يبر بقوله " ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك " لكان أقرب بل ينبغي أن يتعين لأنه أبلغ معنى وصح به الخبر » . قالوا : ولو حلف ليثنين على الله تعالى أحسن الثناء فطريق البر أن يقول : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، وزاد بعضهم في آخره : فلك الحمد حتى ترضى ، وصور أبو سعد المتولي المسألة فيمن حلف ليثنين على الله تعالى بأجل الثناء وأعظمه .

حمدلة *
انظر : حمد .

حمل *
التعريف :

(19/146)


1 - من معاني الحمل في اللغة الرفع والعلوق ، يقال : حمل الشيء على ظهره استقله ورفعه ، فهو حامل وهي حاملة . والحمل بالكسر ما يحمل . وحملت المرأة حملا علقت بالحمل فهي حامل وحاملة . وجمعه أحمال وحمال . قال تعالى : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } وحملت الشجرة : أخرجت ثمرتها . ويطلق الحمل في اصطلاح الفقهاء على هذين المعنيين أيضا أي حمل المتاع وما في بطن الأنثى من الأولاد .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الحبل :
2 - الحبل بفتحتين الامتلاء ، ومنه حبل المرأة وهو امتلاء رحمها ، فهي حبلى . والحبل الحمل . ويكون الحبل مصدرا واسما من حبلت المرأة حبلا . ومنه حديث : « نهى عن بيع حبل الحبلة » . وهو أن يباع ما في بطن الناقة . وقيل ولد الولد الذي في البطن .
وقال بعضهم : الحبل مخصوص بالآدميات ، أما الحمل فيشمل الآدميات والبهائم والشجر ، فهو بهذا المعنى أخص من الحمل . .
ب - الجنين :
3 - الجنين في اللغة مأخوذ من جن الشيء بمعنى ستر ، ويطلق على الولد ما دام في بطن أمه ، لاستتاره فيه ، وجمعه أجنة .
أما الحمل فيطلق على حمل المتاع ، وعلى ثمرة الشجر ، وعلى ما في بطن الأنثى .
وكل ولد في بطن الأم فهو جنين ،أما الحمل فيشمل كل ما في بطنها ولو كان أكثر من جنين.
أحكام الحمل :
4 - تقدم أن لفظ الحمل يطلق على ما يرفع باليد ، أو على الظهر من المتاع ، وما تحمله الأنثى في رحمها من الجنين . وفيما يلي الأحكام المتعلقة بكلا القسمين :
أولا : الحمل بمعنى ما تحمله الأنثى من ولد :
5 - يمر الحمل في تكوينه ونموه بمراحل مختلفة من النطفة إلى العلقة ، ومنها إلى المضغة فإلى العظام ، فتكسى العظام لحما ، ثم تنشأ خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين .

(19/147)


وقد سبق بيان بعض هذه الأدوار في مصطلح : ( جنين ) وفيما يلي الأحكام الفقهية التي تتعلق بمدة الحمل ، وما يترتب عليها من الآثار ، وما يثبت للحمل من حقوق كالنسب والإرث والوصية ، وما ينشأ عنه وعن وضعه من الأحكام المتعلقة بأمه في العبادات والمعاملات والنكاح وغيرها ، مع إحالة بعض هذه الأحكام إلى مصطلحاتها الأصلية .
مدة الحمل وأثرها في ثبوت النسب :
أقل مدة الحمل :
6 - أقل مدة الحمل ستة أشهر باتفاق الفقهاء ، لما روي أن رجلا تزوج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر فهم عثمان رضي الله عنه برجمها ، فقال ابن عباس : لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم ، فإن الله تعالى يقول : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } ، وقال : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } فالآية الأولى حددت مدة الحمل والفصال أي الفطام بثلاثين شهرا ، والثانية تدل على أن مدة الفطام عامان فبقي لمدة الحمل ستة أشهر .
وهذه المدة تحسب من وقت الزواج وإمكان الوطء عند الجمهور ، ومن وقت عقد الزواج عند الحنفية ، ومن وقت الخلوة بعد العقد عند الشافعية .
ولتعيين أقل مدة الحمل آثار فقهية ، منها :
أ - إذا ولدت اثنين فأكثر وكان بين وضعهما أقل من ستة أشهر يعتبر الولدان توأمين ، فتنقضي العدة بوضع الثاني لا بالأول .
وهل يعتبر الدم بينهما حيضا أو نفاسا ؟ فيه خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحيهما .
وأما لو كان بين وضعهما ستة أشهر فأكثر كانا بطنين تنقضي عدتهما بوضع الأول .

(19/148)


ب - إذا أقرت بانقضاء العدة ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه اتفاقا . لأنه ظهر عكسه بتعيين ، فصارت كأنها لم تقربه . وإن جاءت به لستة أشهر فأكثر لا يثبت نسبه عند الحنفية والحنابلة ، لأنه لم يظهر عكسه فيكون من حمل حادث بعده كما يقول الحنفية ، ولأنها أتت به بعد الحكم بقضاء عدتها وحل النكاح لها بمدة الحمل فلم يلحق به ، كما لو أتت به بعد انقضاء عدتها بوضع حملها لمدة الحمل ، كما يعلله الحنابلة .
وقال المالكية والشافعية : يثبت نسبه ما لم . تتزوج أو يبلغ أربع سنين ، لأنه ولد يمكن كونه منه في هذه المدة وهي أقصى مدة الحمل ، وليس معه من هو أولى منه .
هذا ، ولتحديد أقل مدة الحمل آثار أخرى في اللعان ، والاستلحاق والنسب ، والحيض والنفاس والعدة تنظر في مصطلحاتها .
أكثر مدة الحمل :
7 - اختلف الفقهاء في تحديد أكثر مدة الحمل ، فقال الشافعية وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة وقول عند المالكية : إن أكثر مدة الحمل أربع سنين ، لقول مالك بن أنس : هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق ، وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة كل بطن في أربع سنين " وما ليس فيه نص يرجع فيه إلى الوجود ، وقد حكى أبو الخطاب أن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بقي في بطن أمه أربع سنين وهكذا إبراهيم بن نجيح العقيلي ، وإذا تقرر وجوده وجب أن يحكم به .
ولأن عمر ضرب لامرأة المفقود أربع سنين ولم يكن ذلك إلا لأنه غاية الحمل .
وقد روي ذلك عن عثمان وعلي وغيرهما .

(19/149)


وقال الحنفية ، وهو رواية عن أحمد : إن أقصى مدة الحمل سنتان ، وروي ذلك عن عائشة وهو مذهب الثوري ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : « ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين ولا قدر ما يتحول ظل عود المغزل » وذلك لا يعرف إلا توقيفا ، إذ ليس للعقل فيه مجال ، فكأنها روته عن النبي صلى الله عليه وسلم . والمشهور عن مالك أن أقصى مدة الحمل خمس سنين . وقال محمد بن عبد الحكم : إن أقصى الحمل تسعة أشهر .
8- وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما يأتي : المطلقة طلاقا بائنا والمتوفى عنها زوجها إذا جاءت كل منهما بولد لسنتين فأقل ثبت نسبه اتفاقا ، لأن الوضع تم ضمن أقصى مدة الحمل عند الجميع . أما إذا جاءت بولد لأكثر من ذلك إلى أربع سنين ، فالجمهور على أنه يثبت نسبه وانقضت عدتها بناء على أن الوضع ضمن أقصى مدة الحمل عندهم ، ولا يثبت عند الحنفية لأنها وضعت بعد أقصى مدة الحمل .
وفي المطلقة الرجعية ذكر الحنفية أنه يثبت نسب ولدها وإن جاءت به لأكثر من سنتين ما لم تقر بانقضاء العدة لاحتمال الوطء والعلوق في العدة لجواز أن تكون ممتدة الطهر .
وفي الموضوع فروع أخرى تنظر أحكامها في مصطلح : ( نسب ) .
أثر الحمل في تصرفات الحامل :
9 - الحمل لا يؤثر في تصرفات الحامل قبل ستة أشهر باتفاق الفقهاء ، وكذلك بعد ستة أشهر ما لم يأت لها الطلق ( وجع الولادة ) عند جمهور الفقهاء : الحنفية والشافعية والحنابلة ، فتصح تبرعاتها كسائر المعاملات .
وفي حالة الطلق تعتبر الحامل كالمريضة مرض الموت .
ويرى المالكية أن الحمل من الأمراض المخوفة بعد ستة أشهر ، لأن الحامل تتوقع الولادة بعدها كل ساعة ، تنطبق عليها أحكام مرض الموت . ( ر : حامل ، ومرض الموت ) .
أهلية الحمل :

(19/150)


10 - الحمل له أهلية وجوب ناقصة فتثبت له الحقوق التي لا تحتاج إلى القبول كالإرث والوصية والنسب ، ولا يجب عليه شيء كالنفقة وثمن المبيع ونحوهما ، وذلك لأن الحمل من جهة جزء من أمه حسا ، لقراره بقرارها وانتقاله بانتقالها ، وحكما ، لعتقه ورقه ودخوله في البيع بعتقها ورقها وبيعها . ومن جهة أخرى هو نفس تنفرد بالحياة وهو معد للانفصال ، فلم يكن له ذمة كاملة بل ناقصة ، فهي ثابتة له من جهة الوجوب له لا عليه ، كما يقول الفقهاء والأصوليون وفيما يلي الحقوق التي تثبت للحمل .
أ - النسب :
11 - اتفق الفقهاء على أنه يثبت نسب الحمل للفراش إذا كان في مدة يحتملها ، إلى ستة أشهر فصاعدا من وقت النكاح ، أو وقت إمكان الدخول إلى سنتين ، أو أربع سنين من وفاة الزوج أو طلاق الحامل بائنا حسب ما ذكر في مدة الحمل ، وعلى تفصيل يذكر في مصطلح : ( نسب ) .
ب - الإرث :
12 - لا خلاف بين الفقهاء في أن الحمل يرث ، وله نصيب في مال مورثه قبل أن يولد ، لكنهم اختلفوا في كيفية توريثه .
فقال الحنفية والحنابلة وهو قول عند الشافعية : تقسم التركة بين سائر الورثة إذا طالبوا بذلك من غير انتظار للولادة ، ويدفع إلى من لا ينقصه الحمل كمال ميراثه ، وإلى من ينقصه أقل ما يصيبه ، ولا يدفع شيء من الميراث إلى من يسقطه الحمل ويوقف للحمل نصيب . ويقدر عدد الحمل واحدا عند الحنفية ، لأنه هو الغالب المعتاد ، فيوقف له نصيب ذكر أو أنثى أيهما كان أكثر . وعند الحنابلة يوقف له نصيب اثنين .
وذهب المالكية وهو قول آخر عند الشافعية : إلى أن الحمل سبب لتأخير تقسيم التركة ، فيوقف التقسيم كله حتى تضع الحامل ، أو يظهر عدم حملها بانتفاء عدة الوفاة وليس بها حمل ظاهر . وإن قالت : لا أدري أخر الإرث حتى يتبين أن لا حمل فيها بأن تحيض حيضة ، أو يمضي أمد العدة ولا ريبة حمل بها .

(19/151)


هذا ، واشترط الجميع لإرث الحمل أن يعلم أنه كان موجودا حال وفاة مورثه وأن تضعه حيا بأن يستهل صارخا فيرث ويورث ،لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا استهل المولود ورث». وفيما سوى الاستهلال تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( إرث ) .
ج - الوصية للحمل :
13 - تصح الوصية للحمل عند عامة الفقهاء ، لأنها استخلاف من وجه ، لأن الموصي يجعله خليفة في بعض ماله ، والجنين يصلح خليفة في الإرث فكذا في الوصية ، وقيد الحنفية والشافعية والحنابلة صحة الوصية للحمل بالعلم بوجوده حين الوصية ، بأن ينفصل حيا لأقل من ستة أشهر ، إذ لو ولد لأكثر من ستة أشهر احتمل وجوده وعدمه حين الوصية فلا تصح الوصية ، وهي تمليك لا يصح للمعدوم .
وقال المالكية : تصح الوصية لحمل ثابت أو ما سيوجد ، فيوقف إلى وضعه ، فيستحق إن استهل عقب ولادته ، فإن نزل ميتا أو حيا حياة غير قارة فلا يستحقها ، وترد الوصية لورثة الموصي . وتفصيله في مصطلح : ( وصية ) .
د - الوقف على الحمل :
14 - قال الحنفية وهو الصحيح المعول عليه عند المالكية : إنه يصح الوقف على من سيولد ، أي الحمل ، لأن الوقف لا يحتاج إلى القبول فيصح الوقف للحمل استقلالا كما يصح تبعا .
وقال الشافعية : يشترط لصحة الوقف إمكان تمليكه بأن يكون موجودا حال الوقف في الخارج أهلا للملك ، فلا يصح على جنين استقلالا ، كما لا يصح تبعا كأن يقول : وقفت على ولدي وحمل زوجتي . لكنه يدخل في الوقف على الذرية والنسل والعقب ، ولا يدخل فيما لو قال وقفت على الأولاد ، لأنه لا يسمى ولدا قبل انفصاله .
وقال الحنابلة : لا يصح الوقف على حمل أصالة ، كوقفت داري على ما في بطن هذه المرأة ، لأنه تمليك إذن ، والحمل لا يصح تمليكه بغير الإرث والوصية .

(19/152)


ويصح الوقف على الحمل تبعا ، كأن يقول : وقفت على أولادي وأولاد فلان وفيهم حمل ، فيشمل الحمل . ( ر : وقف ) .
هـ - الإقرار للحمل والهبة له :
15 - يصح الإقرار للحمل إن بين المقر سببا صالحا يتصور للحمل ، كالإرث والوصية ، كأن يقول : علي كذا أو عندي كذا لهذا الحمل بإرث ووصية .
وهذا باتفاق الفقهاء إذا كان الحمل محتمل الوجود وقت الإقرار ، بأن لا يولد لأكثر من سنتين عند الحنفية أو أربع سنين عند غيرهم . وفي صحة الإقرار للحمل في حالة الإطلاق وعدم بيان السبب تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( إقرار ) .
هذا . ولا تصح الهبة للحمل ، لأنها تمليك يحتاج إلى القبض ، والحمل ليس من أهل القبض وتفصيله في مصطلح ( هبة ) .
أثر نقصان أهلية الحمل :
16 - تقدم القول بأن الحمل له أهلية وجوب ناقصة ، لا يجب عليه شيء من الحقوق المالية ، وقد صرح الفقهاء بأنه لا يجب في مال الحمل نفقة الأقارب ، ولا يجب ثمن المبيع الذي اشترى له وليه ، ونحوهما من الواجبات المالية . ( ر : جنين ) .
نفي الحمل :
17 - لو قال الرجل لامرأته وهي حامل ليس هذا الحمل - الجنين - مني لم يجب اللعان في قول أبي حنيفة ، لأن الحمل غير متيقن الوجود فقد يكون انتفاخا .

(19/153)


وقال الصاحبان : إن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر - التي هي أقل مدة الحمل - من وقت القذف وجب اللعان للتأكد من وجود الحمل فكان محتملا للنفي إذ الحمل تتعلق به الأحكام . ويقول الكاساني : ولا يقطع نسب حمل قبل الولادة بلا خلاف بين أصحابنا ، أما عند أبي حنيفة فظاهر ، لأنه لا يجيز نفيه قبل الوضع . وأما عند الصاحبين ، فلأن الأحكام إنما تثبت للولد لا للحمل والجنين ، إنما يستحق اسم الولد بالولادة . ويقول : إن القذف إذا لم ينعقد موجبا للعان لا ينقطع نسب الولد ويكون ابنهما ولا يصدقان على نفيه ، لأن النسب قد ثبت ، والنسب الثابت بالنكاح لا ينقطع إلا باللعان واللعان لم يوجد .
ويصرح التمرتاشي وشارحه : إن قال الرجل لامرأته زنيت وهذا الحمل - الجنين - من الزنى تلاعنا ، لوجود القذف الصريح ولكن لا ينتفي الحمل لعدم الحكم عليه قبل الولادة . ويصرح ابن مودود بأنه لا ينتفي نسب الحمل قبل الولادة .
ويجيز مالك في قول نسب إليه اللعان أثناء الحمل لنفيه والحكم بنفيه بناء على ذلك ، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه « لاعن بين هلال بن أمية وبين امرأته وهي حامل » ونفى النسب عن الزوج : يقول ابن رشد : والمشهور عن مالك في نفي الحمل أنه لا يجب به اللعان . ويقول الخطيب الشافعي : إن كان هناك ولد ينفيه ما دام يعلم أنه ليس منه ، لأن ترك النفي يتضمن الاستلحاق ، واستلحاق من ليس منه حرام .
وإنما يعلم إذا لم يطأ أو وطئها ولكن ولدته لأقل من ستة أشهر من وطئه ، أو لزيادة على أربع سنين - التي هي أقصى مدة الحمل عندهم - فلو علم زناها واحتمل كون الولد منه ومن الزنى . حرم النفي لرعاية الفراش .
وفي مذهب أحمد ينقل ابن قدامة خلافا في هذه المسألة ، فنقل عن الخرقي وجماعة أن الحمل لا ينتفي بنفيه قبل الوضع ولا ينتفي حتى يلاعنها بعد الوضع .

(19/154)


وقال أبو بكر : ينتفي الولد بزوال الفراش باللعان ، ولا يحتاج إلى نفي الحمل في اللعان وقيل : يصح لعنه قبل وضعه ، واختاره ابن قدامة وغيره .
ونقل ابن قدامة عن ابن عبد البر القول بجواز نفي الحمل ، وأنه ينفى بذلك ، وأن الآثار التي تدل على صحة هذا القول كثيرة . ولأن الحمل مظنون بإمارات تدل عليه .
وصحح ابن قدامة هذا القول . وتفصيل القول في ذلك موضعه مصطلح ( لعان ) .
الاستلحاق :
18 - قال ابن عابدين في باب الاستيلاد : لو أقر السيد أن أمته حامل منه فجاءت به لستة أشهر من وقت الإقرار ثبت نسبه منه ، للتيقن بوجوده وقت الإقرار .
ويعلل الكاساني ذلك بأن الحمل - الجنين - عبارة عن الولد ، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لم يلزمه النسب ، لأنه لم يتيقن بوجوده وقت الدعوى .
لكنه إن قال في إقراره : ما في بطنها من حمل أو ولد مني لم يقبل قوله إنها لم تكن حاملا وإنما كان ريحا ولو صدقته . وفي الفتاوى الهندية : إذا كان لرجل جارية حامل فأقر أن حملها من زوج قد مات ، ثم ادعى أنه منه فولدت لأقل من ستة أشهر ، فإنه يعتق ولا يثبت نسبه ولو مكث المولى بعد إقراره الأول سنة ثم قال : هي حامل مني فولدت ولدا لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار فهو ابن للمولى ثابت النسب منه .

(19/155)


وصرح المالكية بأنه يصح استلحاق الحمل - الجنين - ولا يتوقف ذلك على الولادة في الظاهر . وفي متن خليل وحاشية الدسوقي إن الزوج إن لاعن لرؤية الزنى وقال : وطأتها قبل هذه الرؤية في يومها ، أو قبل ذلك ولم استبرئها بعد ذلك ثم ظهر بها حمل يمكن أن يكون من زنى الرؤية وأن يكون منه ، بأن كان لستة أشهر فأكثر ، فللإمام مالك في إلزام الزوج بالولد والحمل وعدمه أقوال : قيل : بأنه يلزمه الولد ولا ينتفي عنه أصلا بناء على أن اللعان إنما شرع لنفي الحد فقط ، وإن عدوله عن دعوى الاستبراء رضا منه بالاستلحاق . وقيل : بعدم الإلزام فهو لاحق به ويتوارثان ما لم ينفه بلعان آخر . وقيل : ينفى باللعان الأول . فإن استلحقه بعد ذلك لحق به وحد ، قال : والقول الثالث هو الراجح .
كما يصرح الشافعية كما في أسنى المطالب أن من استلحق حملا تعذر عليه نفيه . ويقول الرملي : إن من سكت على حمل يعلم أنه ليس منه يكون بسكوته مستلحقا لمن ليس منه . ويقول ابن قدامة : إن الزوج إن استلحق الحمل فمن قال لا يصح نفيه قال : لا يصح استلحاقه ، وهو المنصوص عن أحمد ، ومن أجاز نفيه قال : يصح استلحاقه ، وإذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك ، ومن قال : لا يصح استلحاقه قال : لو صح استلحاقه لزمه بترك نفيه . ولا يلزمه ذلك بالإجماع .
انقضاء العدة بوضع الحمل :
19 - اتفق فقهاء المذاهب على أن الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل سواء أكانت عن طلاق ، أم وفاة ، أم متاركة ، أم وطء شبهة لقوله تعالى : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ولأن القصد من العدة براءة الرحم وهي تحصل بوضع الحمل .
كما اتفقوا على أن الحمل إذا كان اثنين أو أكثر وكان بينهما أقل من ستة أشهر فالعدة تنقضي بوضع الأخير لحصول البراءة به . وتفصيله في مصطلحي ( عدة - حامل ) .
إخراج الحمل من الحامل الميت :

(19/156)


20 - إذا ماتت الحامل وفي بطنها جنين حي ، فإن أمكن أن تسطو عليه القوابل وجب ذلك اتفاقا ، وإن لم يمكن شق بطنها عند الحنفية والشافعية وبعض المالكية استبقاء لحياة الحمل ، خلافا للحنابلة والمشهور عند المالكية ، حيث قالوا بعدم جواز هتك حرمة الميت المتيقنة لأمر موهوم ، لأن هذا الولد لا يعيش ولا يتحقق أن يحيا ، كما عللوها ، وتفصيله في مصطلح : ( حامل ) .
الاعتداء على الحمل :
21 - الاعتداء على الحمل إذا تسبب في إسقاطه ميتا ففيه غرة باتفاق الفقهاء ، وكذلك إذا أسقطته الحامل بدواء أو فعل كضرب : ( ر : غرة ) .
أما إذا ألقته حيا حياة مستقرة ثم مات بسبب الاعتداء فدية كاملة خطأ كان الاعتداء أو عمدا. وفي رواية عند المالكية فيه القصاص إذا كان عمدا . ( ر : إجهاض ، حامل ) .
ذكاة حمل الحيوان :
22 - إن خرج الحمل بعد تذكية الحيوان الحامل وكان كامل الخلقة وغلب على الظن أن موته بسبب تذكية أمه فجمهور الفقهاء على أنه يحل أكله لقوله صلى الله عليه وسلم : « ذكاة الجنين ذكاة أمه » .
ولأنه متصل يتغذى بغذائها ويباع ببيعها فتكون ذكاته بذكاتها كأعضائها .
وقال أبو حنيفة : لا يحل حتى يخرج حيا فيذكى ، لأنه حيوان ينفرد بحياة . ( ر : أطعمة ، تذكية ) .
بيع الحمل واستثناؤه في بيع الحامل :
23 - اتفق الفقهاء على عدم جواز بيع الحمل وحده أو استثنائه من بيع أمه ، لأن من شروط البيع أن يكون المعقود عليه موجودا مقدور التسليم فلا يجوز بيع المضامين ، والملاقيح أي ما في أصلاب الفحول ، وباقي أرحام الأنعام والخيل من أجنة ، كما لا يجوز بيع حبل الحبلة أي نتاج النتاج ، لما ورد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة » .

(19/157)


وأما عدم صحة استثنائه في البيع فلأن الحمل مجهول ، وباستثناء المجهول من المعلوم يصير الكل مجهولا . ( ر : بيع منهي عنه ) .
ثانيا : الحمل بمعنى الرفع :
24 - الحمل بمعنى الرفع له أحكام فقهية في البيع والإجارة من حمل المبيع إلى المشتري وحمل المأجور إلى المستأجر ثم منه إلى المؤجر بعد انتهاء العقد ، وأجرة الحمل وضمان الحمل ( المحمول ) ، وكذلك حمل المصحف وكتب التفسير وما إلى ذلك ، وتفصيلها في مصطلحاتها ، وفيما يلي الكلام عنها إجمالا :
أ - حمل المبيع والمأجور :
25 - ذكر الفقهاء أن مطلق البيع يقتضي تسليم المبيع في المحل الذي يوجد فيه ، إلا إذا اشترط أن يسلم في محل معين ، وفي هذه الحالة يلزم البائع بحمل المبيع وتسليمه في ذلك المحل . وذكر في مجلة الأحكام العدلية أن ما يباع محمولا على الحيوان كالحطب والفحم تكون أجرة حمله ونقله إلى بيت المشتري جارية حسب عرف البلدة وعادتها .
وبالنسبة لحمل المأجور ذكروا أنه إن احتاج رد المأجور إعادته إلى الحمل والمؤنة فأجرة نقله على الآجر .
وجاء في المجلة : يلزم الحمال إدخال الحمل إلى الدار لكنه لا يلزمه وضعه في محله .
مثلا ليس على الحمال إخراج الحمل إلى فوق الدار ولا وضعه في الأنبار . أي المخازن .
ب - ضمان الحمال :
26 - ما يحمله الحمال بإذن المالك يكون أمانة فلا يضمن بعيبه أو تلفه إلا إذا تعمد ذلك . فمن استأجر أجيرا يحمل له شيئا فحمل له إناء أو وعاء فخر منه الإناء أو انفلت منه الوعاء فذهب ما فيه لا يكون ضامنا .
وهذه هي القاعدة في ضمان الأمانات في الجملة ، وتفصيله في مصطلح : ( ضمان ) .
ج - حمل المصحف :
27 - لا يجوز مس المصحف وحمله بغير غلاف متجاف أي غير مشرز للمحدث حدثا أكبر أو أصغر عند جميع الفقهاء من المذاهب الأربعة .

(19/158)


واختلفوا فيما إذا حمله بغلاف : فقال الحنفية والحنابلة يجوز ، ومنعه المالكية والشافعية . ونهينا عن حمل المصحف وما يجب تعظيمه في القتال ، لأن ذلك قد يؤدي إلى وقوعه في يد العدو ، وفي ذلك تعريضه لاستخفافهم به ، إلا في جيش يؤمن عليه فلا كراهة .
ويجوز حمل المصحف إلى بلد الكفار إذا دخل إليهم مسلم بأمان إذا كانوا يوفون بالعهد ، لأن الظاهر عدم تعرضهم له في هذه الحالة .

حمام *
التعريف :
1 - الحمام مشددا والمستحم في الأصل الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم وهو الماء الحار ، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان " استحمام " .
والعرب تذكر الحمام وتؤنثه ، والحمامي صاحبه ، واستحم فلان : دخل الحمام .
وفي الحديث : « لا يبولن أحدكم في مستحمه ، ثم يتوضأ فيه » .
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللغوي .
أحكام تتعلق بالحمام :
بناء الحمام ، وبيعه ، وإجارته والكسب الحاصل منه :
2 - ذهب الحنفية في الصحيح من المذهب والمالكية والشافعية إلى جواز بناء الحمام للرجال والنساء ، إذا لم يكن فيه كشف العورة ، ويكره إذا كان فيه ذلك .
ويجوز أيضا بيعه وشراؤه ، وإجارته وذلك لحاجة الناس إليه . ويجوز أخذ أجرة الحمام ، ولم تعتبر الجهالة في قدر المكث وغيره ، لتعارف الناس ، وإجماع المسلمين من لدن الصحابة والتابعين ، لما ورد : « ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن » .
ولا فرق بين اتخاذ الحمام للرجال والنساء ، إذ الحاجة في حق النساء أظهر ، لأنهن يحتجن إلى الاغتسال عن الجنابة والحيض والنفاس ، ولا يتمكن من ذلك في الأنهار والحياض تمكن الرجال . وقال اللخمي من المالكية : إجارة الحمام للنساء على ثلاثة أوجه : جائزة إن كانت عادتهن ستر جميع الجسد ، وغير جائزة إذا كانت عادتهن عدم الستر ، واختلف إذا كانت عادتهن الدخول بالمآزر .

(19/159)


ويرى الحنابلة وهو قول بعض الحنفية : أن إجارة الحمام وبيعه وشراءه مكروه .
قال أبو داود : سألت أحمد عن كري الحمام ؟ قال : أخشى ، كأنه كرهه . وقيل له : فإن اشترط على المكتري أن لا يدخله أحد بغير إزار ، فقال : ويضبط هذا ؟ وكأنه لم يعجبه ، لما فيه من فعل المنكرات من كشف العورة ، والنظر إليها ، ودخول النساء إليه .
ولما روي عن عمارة بن عقبة أنه قال : قدمت على عثمان بن عفان فسألني عن مالي فأخبرته أن لي غلمانا وحماما له غلة : فكره له غلة الحجامين ، وغلة الحمام ، وقال : إنه بيت الشياطين ، « وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم شر بيت » .
وكسب الحمامي مكروه ، وحمامية النساء أشد كراهة . قال أحمد في الذي يبني حماما للنساء : ليس بعدل ، وحمله ابن تيمية على غير البلاد الباردة ، كما ذكر ابن عابدين نقلا عن الزيلعي : أن من العلماء من فصل بين حمام الرجل وحمام النساء .
الشفعة في الحمام :
3 - لا تثبت الشفعة في الحمام الذي لا يقبل القسمة عند جمهور الفقهاء ، لأن من أصلهم : أن الأخذ بالشفعة لدفع ضرر القسمة ، وهذا لا يتحقق فيما لا يحتملها وتثبت في الكبير الذي يقبل القسمة بشرط أن يتأتى الانتفاع بالمأخوذ بالشفعة .
قال المحلي : كل ما لو قسم بطلب منفعته المقصودة كحمام ورحى صغيرين لا شفعة فيه في الأصح . ومقابله عند الشافعية - ومثله عند المالكية - ثبوت الشفعة بناء على أن العلة دفع ضرر الشركة فيما يدوم ، وكل من الضررين حاصل قبل البيع ، ومن حق الراغب فيه من الشريكين أن يخلص صاحبه بالبيع له ، فإذا باع لغيره سلطه الشرع على أخذه منه .
وذهب الحنفية إلى أن الشفعة تثبت في الحمام فيأخذه الشفيع بقدره ، لأن الأخذ بالشفعة عندهم لدفع ضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام .
وتفصيل ذلك في مصطلح : ( شفعة ) .
قسمة الحمام :

(19/160)


4 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من شروط القسمة جبرا عدم فوت المنفعة المقصودة بالقسمة ، ولذا لا يقسم حمام ونحوه عند عدم الرضا ، أما عند رضا الجميع فتجوز قسمته ، لوجود التراضي منهم بالتزام الضرر ، فكل واحد ينتفع بنصيبه فيما شاء كأن يجعله بيتا . وقيد بعض الفقهاء عدم جواز قسمة الحمام بأن يكون صغيرا .
ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح ( قسمة ) .
دخول الحمام :
5 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن دخول الحمام مشروع للرجال والنساء .
وقد دخل خالد بن الوليد حمام حمص ، ودخل ابن عباس حمام الجحفة . وكان الحسن وابن سيرين يدخلان الحمام . ولكنه مقيد بما إذا لم يكن فيه كشف العورة ، مع مراعاة ما يلي :
6 - إذا كان الداخل رجلا فيباح له دخوله إذا أمن وقوع محرم : بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس ومسها ، ويسلم من نظرهم إلى عورته ومسها ، وإن خشي أن لا يسلم من ذلك كره له ذلك ، لأنه لا يأمن وقوعه في المحظور ، فإن كشف العورة ومشاهدتها حرام ، لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال « : قلت : يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك . قال : قلت : يا رسول الله ، إذا كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال : إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها . قال : قلت : يا رسول الله . إذا كان أحدنا خاليا . قال : الله أحق أن يستحيا منه من الناس » . وأن يعلم أن كل من في الحمام عليه إزار ، قال أحمد : إن علمت أن كل من في الحمام عليه إزار فادخله ، وإلا فلا تدخل .
وقال سعيد بن جبير : دخول الحمام بغير إزار حرام . لحديث جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام » .

(19/161)


وأيضا روي « من دخل الحمام بغير مئزر لعنه الملكان » قال ابن ناجي من المالكية : دخول الرجل الحمام على ثلاثة أوجه : الأول : دخوله مع زوجته ، أو وحده فمباح ، الثاني : دخوله مع قوم لا يستترون فممنوع ، الثالث : دخوله مع قوم مستترين فمكروه ، إذ لا يؤمن أن ينكشف بعضهم فيقع بصره على ما لا يحل . وقيل في هذا الوجه : إنه جائز .
7- إذا كان الداخل امرأة فيباح لها دخوله مع مراعاة ما سبق ، وبوجود عذر من حيض أو نفاس ، أو جنابة أو مرض ، أو حاجة إلى الغسل ، وأن لا يمكنها أن تغتسل في بيتها لخوفها من مرض أو ضرر ، لما روى أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات ، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر ، وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء » .
ولخبر « ما من امرأة تضع أثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبين ربها » . ولأن أمر النساء مبني على المبالغة في الستر ، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة . فإن لم يكن لها عذر كره لها دخول الحمام .
وذكر ابن عابدين نقلا عن إحكامات الأشباه : أن المعتمد أن لا كراهة مطلقا ، ثم قال ابن عابدين : وفي زماننا لا شك في الكراهة لتحقق كشف العورة .
وفي قول عند المالكية : إنما منع دخولهن حين لم يكن لهن حمامات منفردة ، فأما مع انفرادهن عن الرجال فلا بأس ، وقال ابن الجوزي ، وابن تيمية : إن المرأة إذا اعتادت الحمام وشق عليها تركت دخوله إلا لعذر أنه يجوز لها دخوله .
دخول الذمية الحمام مع المسلمات :
8 - يرى جمهور الفقهاء خلافا للحنابلة في المعتمد أن للمرأة المسلمة إذا كانت في الحمام مع النساء المسلمات أن تكشف عن بدنها ما ليس بعورة بالنسبة إلى النساء المسلمات ، وهو ما عدا ما بين السرة والركبة .

(19/162)


وعند بعض الفقهاء يجب عليها في الحمام أن تستر جميع بدنها لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت ستر ما بينها وبين الله » . أما الذمية فليس لها عند الجمهور أن تنظر من المسلمة إلا ما يراه الرجل الأجنبي منها ، ولهذا نص الشافعية على أن المرأة الذمية تمنع من دخول الحمام مع النساء ، وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنع من ذلك . وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة . وقال ابن عباس : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها لزوجها .
آداب الدخول إلى الحمام والخروج منه :
9 - من آدابه : - أن يسلم الأجرة أولا أي قبل دخوله ، ذكر هذا الشافعية .
- وأن يقصد بدخوله التنظيف والتطهير لا الترفه والتنعم .
- وأن يقدم رجله اليسرى في دخوله ، واليمنى في خروجه .
- ويقصد موضعا خاليا ، لأنه أبعد من أن يقع في محظور .
- ويقلل الالتفات تجنبا لرؤية عورة .
- ولا يكثر الكلام ، ويتحين بدخوله وقت الفراغ أو الخلوة إن قدر على ذلك .
- ولا يطيل المقام ، ويمكث فيه مكثا متعارفا ، وأن يصب صبا متعارفا من غير إسراف .
طهارة ماء الحمام :
10 - ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يجزئ الغسل والوضوء بماء الحمام ، ويجعل بمنزلة الماء الجاري ، لأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك .
وصرح الحنفية بأن من أدخل يده في حوض الحمام وعليها نجاسة ، فإن كان الماء ساكنا لا يدخل فيه شيء من الأنبوب ، ولا يغترف الناس بالقصعة ، يتنجس ماء الحوض ، وإن كانوا يغترفون من الحوض ، بقصاعهم ، ولا يدخل من الأنبوب ماء أو على العكس اختلفوا فيه ، وأكثرهم على أنه ينجس ماء الحوض .

(19/163)


وإن كان الناس يغترفون بقصاعهم ، ويدخل الماء من الأنبوب ، اختلفوا فيه : وأكثرهم على أنه لا ينجس . وأما الماء الذي صب على وجه الحمام ( أي أرضه ) فالأصح أن ذلك الماء طاهر ما لم يعلم أن فيه خبثا ، حتى لو خرج إنسان من الحمام وقد أدخل رجليه في ذلك الماء ، ولم يغسلهما بعد الخروج وصلى جاز .
وإذا تنجس حوض الحمام فدخل فيه الماء فقد صرح الحنفية أنه لا يطهر ما لم يخرج منه مثل ما كان فيه ثلاث مرات ، وقال بعضهم : إذا خرج منه مثل ما كان فيه مرة واحدة يطهر ، لغلبة الماء الجاري عليه ، والأول أحوط .
السلام في الحمام :
11 - لا يستحب أن يسلم على من في الحمام لأن أحواله لا تناسب ذلك ، وإذا سلم عليه فلا يجب الرد ، وقيل : لا يرد . وقال أحمد : لا أعلم أنني سمعت فيه شيئا ، ويرى بعض الحنابلة أن الأولى جوازه من غير كراهة ، لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : « أفشوا السلام بينكم » ولأنه لم يرد فيه نص ، والأصل في الأشياء الإباحة .
قراءة القرآن والذكر في الحمام :
12 - ذهب الحنفية ، والحنابلة إلى أن قراءة القرآن في الحمام تكره ، لأنه محل لكشف العورة ، ويفعل فيه مالا يحسن في غيره ، فيصان القرآن عنه .
إلا أن الحنفية قيدوا الكراهة برفع الصوت ، فإن لم يرفع لا يكره وهو المختار عندهم ، وحكى ابن عقيل الكراهية عن علي وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ، وبه قال أبو وائل ، والشعبي ومكحول ، وقبيصة بن ذؤيب ، وأما إذا قرأ القرآن خارج الحمام في موضع ليس فيه غسالة الناس نحو مجلس الحمامي والثيابي فقال أبو حنيفة : لا يكره. ويكره عند محمد.
ويرى المالكية والشافعية عدم كراهية قراءة القرآن في الحمام وبه قال النخعي .

(19/164)


13 - وأما الذكر والتسبيح في الحمام فلا بأس للمستتر فيه ، فإن ذكر الله حسن في كل مكان ما لم يرد المنع منه ، ولما روي أن أبا هريرة رضي الله عنه دخل الحمام فقال : لا إله إلا الله . وروي عن النبي « أنه كان يذكر الله على كل أحيانه » .
الصلاة في الحمام وعليه وإليه :
14 - ذهب الحنفية والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة في رواية إلى أن الصلاة في الحمام صحيحة ما لم يكن نجسا ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وفي لفظ : « أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد » .
ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء .
ويرى الحنابلة في رواية أخرى وهي المعتمد عندهم أن الصلاة في الحمام لا تصح بحال ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة » ، ولأنه مظنة النجاسات ، فعلق الحكم عليه دون حقيقته . ويصلى فيه لعذر ، كأن حبس فيه ، ولم يمكنه الخروج ، ثم لا يعيد صلاته ولو زال العذر في الوقت وخرج منها ، لصحة صلاته . ولا فرق عندهم في الحمام بين مكان الغسل وصب الماء وبين البيت الذي تنزع فيه الثياب والأتون ، وكل ما يغلق عليه باب الحمام ، لتناول الاسم له .
وعلى هذا الخلاف الصلاة على سطح الحمام ، لأن الهواء تابع للقرار فيثبت فيه حكمه .
15 - وفي الصلاة إلى الحمام قال محمد : أكره أن تكون قبلة المسجد إلى الحمام ، ثم تكلم فقهاء الحنفية في معنى قول محمد هذا فقال بعضهم : ليس المراد به حائط الحمام ، وإنما المراد به المحم وهو الموضع الذي يصب فيه الحميم ، وهو الماء الحار ، لأن ذلك موضع الأنجاس . واستقبال الأنجاس في الصلاة مكروه .
وأما إن استقبل حائط الحمام فلم يستقبل الأنجاس وإنما استقبل الحجر والمدر ، فلا يكره .
قطع من سرق من حمام :

(19/165)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية