صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية 1-39 وملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الكتاب : ملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
..........................................................
ويليه من الجزء 40 إلى 42
الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر : ملتقى أهل الحديث.
الجزء : من حرف النون ناقصا بعض المصطلحات في النهاية ,إلى حرف الواو كلمة : وضوء.
قام بتنسيقه وفهرسته للموسوعة الشاملة 2 أبوعمر(80)
لملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
سائلا الله عز وجل أن يغفر له ولوالديه بمنه وكرمه
وأن يجعل عمله خالصا لوجهه الكريم

41 - الاحتراز لغة : التحفظ على الشيء توقيا . وليس للحبس الاحترازي تعريف خاص به مع ما ذكروا له من وقائع عديدة . ويقصد به : التحفظ للمصلحة العامة على من يتوقع حدوث ضرر بتركه ، ولا يستلزم وجود تهمة . 42 - ومما ذكره الفقهاء من هذا النوع : حبس العائن الذي يضر الناس بعينه احترازا من أذاه ، وحبس نساء البغاة وصبيانهم تحفظا عليهم من المشاركة في البغي ، مع أنهم ليسوا من أهل القتال . وكان شريح القاضي يحبس من عليه الحق في المسجد مؤقتا إلى أن يقوم من مجلسه ، فإن لم يعط الحق أمر به إلى السجن .
الحبس بقصد تنفيذ عقوبة :
43 - إذا حال دون تنفيذ العقوبة المحكوم بها أمر عارض أرجئ التنفيذ حتى يزول العذر ، فإذا خيف هرب المطلوب تنفيذ العقوبة عليه جاز حبسه . 44 - ومن ذلك أنه يؤخر المريض . والحامل . والنفساء . والمرضع . والمظنون حملها حتى تستبرئ . والمجروح والمضروب . والسكران حتى يصحوا إجماعا . ومن اجتمعت عليه حدود ليس فيها الرجم حبس بعد استيفاء كل واحد ليخف عليه ما بعده . واتفقوا على تأخير القصاص من القاتل إذا كان في الأولياء غائب حتى يحضر . ونص المالكية والشافعية على حبسه حتى حضور الولي الغائب . ومذهب الشافعية والحنابلة أن القاتل يحبس إذا كان في الأولياء صغير حتى يبلغ أو مجنون حتى يفيق . وقال ابن أبي ليلى في الصغير مثل ذلك ومن جرح آخر حبس حتى يبرأ المجروح إن كان في الجرح قصاص . ومن حكم عليه بالقتل أو القطع قصاصا حبس ليتمكن من تنفيذه ، سواء ثبت بالبينة أو بالاعتراف . ويجوز للحاكم حبس قاطع الطريق حتى يستوفي العقوبة . وينتظر لجلد المعذور اعتدال هواء فلا يجلد في برد وحر مفرطين خوف الهلاك ، ونص الحنفية على حبسه أثناء العذر ، وذكر الشافعية أن من ثبت زناه بالبينة وأمن هربه لم يحبس .
ضوابط موجبات الحبس عامة عند الفقهاء :

(17/307)


45 - ذكر القرافي ثمانية ضوابط في موجبات الحبس ، ونسب بعضها إلى عز الدين بن عبد السلام الشافعي ، وهذه الثمانية هي :
1 - حبس الجاني لغيبة ولي المجني عليه حفظا لمحل القصاص .
2 - حبس الآبق سنة حفظا للمالية رجاء أن يعرف مالكه .
3 - حبس الممتنع من دفع الحق إلجاء إليه .
4 - حبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختبارا لحاله ، فإذا ظهر حاله حكم عليه بموجبه عسرا أو يسرا .
5- حبس الجاني تعزيرا وردعا عن معاصي الله تعالى . 6 - حبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة كمن أسلم على أختين أو أكثر من أربع نسوة ، أو امرأة وابنتها ، وامتنع من ترك ما لا يجوز له .
7- حبس من أقر بمجهول عين أو في الذمة وامتنع من تعيينه ، فيحبس حتى يعينه فيقول : العين هو هذا الثوب ، أو الشيء الذي في ذمتي وأقررت به هو دينار .
8- حبس الممتنع من حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عند الشافعية والمالكية كالصوم والصلاة فيقتل فيه ، ولا يدخل الحج في هذا مراعاة للقول بوجوبه على التراخي .
9- زاد الشيخ محمد علي حسين المالكي سببا آخر ، فقال : والتاسع : من يحبس اختبارا لما ينسب إليه من السرقة والفساد .
10 - وذكر آخرون سببا عاشرا فقالوا : والعاشر حبس المتداعى فيه لحفظه حتى تظهر نتيجة الدعوى ، كامرأة ادعى رجلان نكاحها فتحبس في بيت عند امرأة صالحة ، وإلا ففي حبس القاضي .
الأحوال التي يشرع فيها الحبس : حالات الحبس بسبب الاعتداء على النفس وما دونها :
أ - حبس القاتل عمدا لعدم المكافأة في الدم بينه وبين المقتول :

(17/308)


46 - مذهب المالكية وابن شهاب الزهري حبس القاتل عمدا سنة وضربه مائة إذا سقط القصاص بعدم التكافؤ كالحر يقتل العبد ، والمسلم يقتل الذمي أو المستأمن . لما روي أن { رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة ، ومحا سهمه من المسلمين ، ولم يقده ، وأمره أن يعتق رقبة } . ونقل عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما نحو ذلك : ومثله فعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله . ولا يرى جمهور الفقهاء الحبس هنا ، بل ذهب الحنفية إلى وجوب القصاص في هذه الحالة وعند الشافعية والحنابلة ، تجب الدية فقط .
ب - حبس القاتل المعفو عنه في القتل العمد :
47 - مذهب الجمهور ( الحنفية والشافعية والحنابلة ) وبعض فقهاء السلف كأبي ثور وإسحاق وعطاء وابن رشد من المالكية أن القاتل عمدا لا يحبس إذا عفي عنه ، إلا إذا عرف بالشر فيؤدبه الإمام على قدر ما يرى في قول أبي ثور . ومذهب المالكية أنه يجلد مائة ويسجن سنة ، وهو المروي عن عمر رضي الله عنه ، وبه قال أهل المدينة والليث بن سعد والأوزاعي .
ج - حبس المتسبب في القتل العمد دون مباشرته :

(17/309)


48 - من الأمثلة المذكورة في هذا : أن من أمسك رجلا لآخر ليقتله يقتص من القاتل ويحبس الممسك ، وهذا مذهب الجمهور ( الحنفية والشافعية والحنابلة ) وهو المروي عن علي رضي الله عنه ، وبه قال عطاء وربيعة لحديث : { يصبر الصابر ويقتل القاتل } . ومذهب مالك وهو رواية عن أحمد أن القود على القاتل والممسك لاشتراكهما في القتل ، إلا إذا لم يعرف الممسك أن صاحبه سيقتل فيحبس سنة ويضرب مائة . ومن كتف إنسانا وطرحه في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته يحبس عند الحنفية والشافعية والحنابلة ، وقال بعض الحنفية : حتى يموت . ومن تبع رجلا ليقتله فهرب منه فأدركه آخر فقطع رجله ، ثم أدركه الأول فقتله ، فإن كان قصد القاطع حبسه بالقطع ليقتله الأول فعليه القصاص في القطع ، ويحبس ; لأنه كالممسك بسبب قطع رجل المقتول .
د - حبس الجاني على ما دون النفس بالجرح ونحوه لتعذر القصاص :
49 - من جرح غيره جراحة لا يستطاع في مثلها قصاص حكم عليه بالأرش ، وعوقب وأطيل حبسه حتى يحدث توبة ثم يخلى عنه . ومثل ذلك في فقء العين .
هـ - الحبس لتعذر القصاص في الضرب واللطم :
50 - نص الحنفية والمالكية على إطالة حبس من ضرب غيره بغير حق ، إذا احتاج إلى زيادة تأديب لعظيم ما اقترف . وقال آخرون : بالتعزير عامة . وذهب ابن تيمية إلى القصاص في ذلك .
و - حبس العائن :
51 - ينبغي للحاكم أمر العائن بالكف عن حسده وإيذاء الناس بعينه ، فإن أبى فله منعه من مداخلة الناس ومخالطتهم ، ويكون ذلك بحبسه في بيته والإنفاق عليه من بيت المال إن كان فقيرا دفعا لضرره عن الناس ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء . وقال بعضهم : يحبس في السجن حتى يكف عن حسده وتصفو نفسه بالتوبة .
ز - حبس المتستر على القاتل ونحوه :

(17/310)


52 - ذكر ابن تيمية أن من آوى قاتلا ونحوه ممن وجب عليه حد أو حق لله تعالى أو لآدمي ، ومنعه ممن يستوفي منه الواجب بلا عدوان فهو شريكه في الجرم ، وقد لعنه الله ورسوله ، ويعاقب بالحبس والضرب حتى يمكن منه أو يدل عليه ، لتركه واجب التعاون على البر والتقوى .
ح - الحبس لحالات تتصل بالقسامة :
53 - مما يتصل بالحبس في القسامة : أن من تجب عليه القسامة يحبس إذا امتنع من الحلف حتى يحلف ، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وأحد قولي الحنابلة ، لكن أشهب من المالكية حدد مدة الحبس في ذلك بسنة ، فإن حلف وإلا أطلق وكانت عليه الدية من ماله . وقال أبو يوسف وهو القول الآخر للحنابلة : لا يحبس من تجب عليه القسامة لنكوله ، ولكن تؤخذ منه الدية . ط - حبس من يمارس الطب من غير المختصين :
54 - نص المالكية على أن الطبيب إذا لم يكن من أهل المعرفة وأخطأ في فعله يضرب ويحبس . وقال الحنفية : يحجر على الطبيب الجاهل ، وذلك بمنعه من عمله حسا مخافة إفساد أبدان الناس .
حالات الحبس بسبب الاعتداء على الدين وشعائره :
أ - ( الحبس للردة ) :

(17/311)


55 - إذا ثبتت ردة المسلم حبس حتى تكشف شبهته ويستتاب . وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحبس على قولين : القول الأول : إن حبس المرتد لاستتابته قبل قتله واجب ، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة . واستدلوا لذلك بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه أخبر عن قتل رجل كفر بعد إسلام فقال لقاتليه : أفلا حبستموه ثلاثة أيام وقدمتم له خبزا ، فإن لم يتب قتلتموه .. اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني . فلو كان حبسه غير واجب لما أنكر عليهم ، ولما تبرأ من عملهم ، وقد سكت الصحابة على قول عمر فكان إجماعا سكوتيا . ثم إن استصلاح المرتد ممكن بحبسه واستتابته فلا يجوز إتلافه قبل ذلك . وبنحو هذا فعل علي رضي الله عنه . القول الثاني : إن حبس المرتد لاستتابته قبل قتله مستحب لا واجب ، وهذا مذهب الحنفية ، والمنقول عن الحسن البصري وطاوس ، وبه قال بعض المالكية لحديث : { من بدل دينه فاقتلوه } ولأنه يعرف أحكام الإسلام ، وقد جاءت ردته عن تصميم وقصد ، ومن كان كذلك فلا يجب حبسه لاستتابته بل يستحب طمعا في رجوعه الموهوم . وقد روي في هذا أن أبا موسى الأشعري بعث أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب يخبره بفتح تستر ، فسأله عمر عن قوم من بني بكر بن وائل : ما أخبارهم ؟ فقال أنس : إنهم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين ما سبيلهم إلا القتل . فقال عمر : لأن آخذهم سلما أحب إلي مما طلعت عليه الشمس . فقال أنس : وما تصنع بهم ؟ قال عمر : أعرض عليهم أن يرجعوا إلى الإسلام فإن فعلوا وإلا استودعتهم السجن . ويروى في هذا أيضا أن معاذ بن جبل قدم على أبي موسى اليمن فوجد عنده رجلا موثقا فقال : ما هذا ؟ قال : رجل كفر بعد إسلام ، ثم دعاه إلى الجلوس فقال معاذ : لا أجلس حتى يقتل هذا - ثلاث مرات - قضاء الله ورسوله ، فأمر به فقتل . وفي المرتد الذي يحبس ، ومدة حبسه ومسائل أخرى تتعلق

(17/312)


بالمرتد تفصيلات تنظر في مصطلح : ( ردة ) .
ب - ( الحبس للزندقة ) :
56 - يطلق لفظ الزنديق على كل من أسر الكفر وأظهر الإيمان حتى بدر منه ما يدل على خبيئة نفسه . وللعلماء قولان في حكم الزنديق : القول الأول : إذا عثر على الزنديق يقتل ولا يستتاب ، ولا يقبل قوله في دعوى التوبة إلا إذا جاء تائبا قبل أن يظهر عليه . وهذا مذهب المالكية وأحد قولي الحنفية والشافعية والحنابلة ، وقول الليث وإسحاق . وعلة ذلك : أنه لا تظهر منه علامة تبين رجوعه وتوبته ; لأنه كان مظهرا للإسلام مسرا للكفر ، فإذا أظهر الإسلام لم يزد جديدا . القول الثاني : الزنديق يحبس للاستتابة كالمرتد ، وهو الرواية الأخرى عن الحنفية والشافعية والحنابلة ، والمروي عن علي وابن مسعود ، وبه قال بعض المالكية كابن لبابة . استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتل المنافقين مع معرفته بهم ، فهو الأسوة في إبقائهم على الحياة واستتابتهم كالمرتدين .
ج - ( حبس المسيء إلى بيت النبوة ) :
57 - من سب أحدا من أهل بيت النبوة يضرب ويشهر ويحبس طويلا ; لاستخفافه بحق الرسول صلى الله عليه وسلم . ومن شتم العرب أو لعنهم أو بني هاشم سجن وضرب . ومن انتسب كذبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وسجن وشهر به لاستخفافه بحقه عليه الصلاة والسلام ، ولا يخلى عنه حتى تظهر توبته . ومن شتم عائشة رضي الله عنها بما برأها الله تعالى منه يسجن للاستتابة وإلا قتل لردته وكفره . ومن استخف بها فعليه الضرب الشديد والسجن الطويل . ومن سب الصحابة أو انتقصهم أو واحدا منهم يحبس ويشدد عليه في السجن .
د - ( الحبس لترك الصلاة ) :

(17/313)


58 - لا خلاف بين الفقهاء في أن من ترك الصلاة جحودا واستخفافا كافر مرتد ، يحبس للاستتابة وإلا يقتل . وقد ذكروا : أن ترك الصلاة يحصل بترك صلاة واحدة يخرج وقتها دون أدائها مع الإصرار على ذلك . ومن ترك الصلاة كسلا وتهاونا مع اعتقاد وجوبها يدعى إليها ، فإن أصر على تركها ففي عقوبته ثلاثة أقوال : القول الأول : يحبس تارك الصلاة كسلا ثلاثة أيام للاستتابة وإلا قتل حدا لا كفرا ، وهذا مروي عن حماد بن زيد ووكيع ومالك والشافعي . القول الثاني : يحبس تارك الصلاة كسلا ثلاثة أيام للاستتابة وإلا قتل كفرا وردة ، حكمه في ذلك حكم من جحدها وأنكرها لعموم حديث : { بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة } وهذا قول علي رضي الله عنه والحسن البصري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد في أصح الروايتين عنه . القول الثالث : يحبس تارك الصلاة كسلا ولا يقتل بل يضرب في حبسه حتى يصلي ، وهو المنقول عن الزهري وأبي حنيفة والمزني من أصحاب الشافعي . واستدلوا بحديث : { لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والمارق من الدين التارك الجماعة } وتارك الصلاة كسلا ليس أحد الثلاثة ، فلا يحل دمه بل يحبس لامتناعه منها حتى يؤديها .
هـ - الحبس لانتهاك حرمة شهر رمضان :
59 - من أفطر في رمضان جحودا واستهزاء حبس للاستتابة وإلا قتل ; لأنه كافر مرتد . ومن أفطر في رمضان كسلا وتهاونا لم يزل عنه وصف الإسلام ولا يقتل بإجماع الفقهاء بل يعاقب بالحبس ، ويمنع من الطعام والشراب نهارا ليحصل له صورة الصيام ، وربما حمله ذلك على أن ينويه فيحصل له حينئذ حقيقته . ونص الماوردي على أنه يحبس مدة صيام شهر رمضان . ومن شرب الخمر في رمضان يضرب ثمانين جلدة ، ثم يحبس ويضرب عشرين جلدة تعزيرا لحق رمضان . وهذا قول بعض فقهاء الحنفية وهو المنقول عن علي رضي الله عنه .

(17/314)


و - الحبس بسبب العمل بالبدعة والدعوة إليها : حبس البدعي الداعية :
60 - ذكر الحنفية وكثير من المالكية والشافعية والحنابلة أن البدعي الداعية يمنع من نشر بدعته ، ويضرب ويحبس بالتدرج ، فإذا لم يكف عن ذلك جاز قتله سياسة وزجرا ; لأن فساده أعظم وأعم ، إذ يؤثر في الدين ويلبس أمره على العامة . ونقل عن أحمد أنه يحبس ولو مؤبدا حتى يكف عن الدعوة إلى بدعته ولا يقتل ، وبهذا قال بعض المالكية .
حبس المبتدع غير الداعية :
61 - نص الحنفية وبعض المالكية على مشروعية حبس المبتدع غير الداعية وضربه إذا لم ينفع معه البيان والنصح ، وقال آخرون يعزر . واتجه بعضهم إلى جواز قتله إذا لم يتب . وقد حبس عمر رضي الله عنه صبيغ بن عسل وضربه مرارا لتتبعه مشكل القرآن ومتشابهه بقصد إرساء مبدأ الابتداع والكيد في الدين مخالفا بذلك قواعد التسليم لكلام الله تعالى كما كان يفعل الصحابة .
ز - الحبس للتساهل في الفتوى ونحوه : حبس المفتي الماجن :
62 - نص فقهاء المالكية على مشروعية حبس وتأديب المتجرئ على الفتوى إذا لم يكن أهلا لها . ونقل مالك عن شيخه ربيعة أنه قال : بعض ، من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق . وسئل بعض الفقهاء عن رجل يقول : إن الاستمرار في شرب الدخان أشد من الزنى فماذا يلزمه ؟ فأجاب : يلزمه التأديب اللائق بحاله كالضرب أو السجن لتجرئه على الأحكام الشرعية وتغييره لها ; لأن حرمة الزنى قطعية إجماعية ، وفي حرمة الدخان خلاف .
ح - الحبس للامتناع من أداء الكفارات :

(17/315)


63 - ذكر الشافعية في قول مرجوح أن الممتنع من أداء الكفارات يحبس . وقال المالكية : لا يحبس بل يؤدب . وقال الحنفية في الظهار : إن المرأة المظاهر منها إذا خافت أن يستمتع بها زوجها قبل الكفارة ولم تقدر على منعه رفعت أمرها للحاكم ليمنعه منها ، ويؤدبه إن رأى ذلك . فإن أصر المظاهر على امتناعه من الكفارة ألزمه القاضي بها بحبسه وضربه دفعا للضرر عن الزوجة إلى أن يكفر أو يطلق ، لأن حق المعاشرة يفوت بالتأخير لا إلى خلف ، فاستحق الحبس لامتناعه .
حالات الحبس بسبب الاعتداء على الأخلاق ونحو ذلك :
أ - حبس البكر الزاني بعد جلده :

(17/316)


64 - اتفق الفقهاء على أن حد البكر الزاني مائة جلدة للآية : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } . واختلفوا في نفيه الوارد في { قوله صلى الله عليه وسلم لرجل زنى ابنه : وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام } . ولهم في ذلك ثلاثة أقوال : القول الأول : أن التغريب جزء من حد الزنى ، وهو واجب في الرجل والمرأة ، فيبعدان عن بلد الجريمة إلى مسافة القصر ، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة . وزاد الشافعية : أنه إذا خيف إفساد المغرب غيره قيد وحبس في منفاه . القول الثاني : إن التغريب جزء من حد الزنى أيضا ، وهو واجب في الرجل دون المرأة فلا تغرب خشية عليها . وينبغي حبس الرجل وجوبا في منفاه ، وهذا مذهب المالكية والأوزاعي للمنقول عن علي رضي الله عنه . وقال اللخمي من أصحاب مالك : إذا تعذر تغريب المرأة سجنت بموضعها عاما ، لكن المعتمد الأول . القول الثالث : إن التغريب ليس جزءا من حد الزنى بل هو من باب السياسة والتعزير وذلك مفوض إلى الحاكم وهذا مذهب الحنفية . واستدلوا بقول عمر رضي الله عنه بعد أن نفى رجلا ولحق بالروم : لا أنفي بعدها أبدا . وبقول علي رضي الله عنه : كفى بالنفي فتنة . وقالوا : إن المغرب يفقد حياءه بابتعاده عن بلده ومعارفه فيقع في المحظور . لكن إذا رأى الحاكم حبسه في بلده مخافة فساده فعل .
ب - حبس من يعمل عمل قوم لوط :
65 - للفقهاء عدة أقوال في عقوبة اللواط منها قول بحبسهما . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( زنى ، ولواط ) .
ج - حبس المتهم بالقذف :

(17/317)


66 - من أقام شاهدا واحدا على قذفه حبس قاذفه لاستكمال نصاب الشهادة . ومن ادعى على آخر قذفه وبينته في المصر يحبس المدعى عليه ليحضر المدعي البينة حتى قيام الحاكم من مجلسه وإلا خلي سبيله بغير كفيل ، وهذا مذهب الحنفية والمالكية بخلاف الشافعية . وقال ابن القاسم من أصحاب مالك في الذي يقوم عليه شاهد واحد بالقذف : لا يجلد بل يسجن أبدا حتى يحلف أنه ما أراد القذف بل الشتم والسب والفحش في الكلام . وقيل : يسجن سنة ليحلف ، وقيل : يحد .
د - حبس المدمن على السكر تعزيرا بعد حده :
67 - روي عن مالك أنه استحب أن يلزم مدمن الخمر السجن ، ويؤيده ما روي أن عمر رضي الله عنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر ثماني مرات ، وأمر بحبسه ، فأوثق يوم القادسية ، ثم أطلق بعد توبته .
هـ - الحبس للدعارة والفساد الخلقي :
68 - نص الفقهاء على وجوب تتبع أهل الفساد ، وذكروا أنهم يعاقبون بالسجن حتى يتوبوا . فمن قبل أجنبية أو عانقها أو مسها بشهوة أو باشرها من غير جماع يحبس إلى ظهور توبته . ومن خدع البنات وأخرجهن من بيوتهن وأفسدهن على آبائهن حبس . وتحبس المرأة الداعرة والقوادة وتضرب حتى تظهر توبتها .
و - ( الحبس للتخنث ) :
69 - نص الحنفية على حبس المخنث تعزيرا له حتى يتوب ، ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله أنه يحبس إذا خيف به فساد الناس . وقال ابن تيمية : إذا نفي المخنث وخيف فساده يحبس في مكان واحد ليس معه غيره .
ز - ( الحبس للترجل ) :
70 - ذكر ابن تيمية رحمه الله أن المرأة المتشبهة بالرجال تحبس ، سواء أكانت بكرا أم ثيبا ; لأن جنس هذا الحبس مشروع في جنس الفاحشة وهو الزنى . وإذا لم يمكن حبسها عن جميع الناس فتحبس عن بعضهم في دار وتمنع من الخروج .
ح - الحبس لكشف العورات في الحمامات :

(17/318)


71 - نص يحيى بن عمر القاضي الأندلسي على سجن صاحب الحمام وغلق حمامه إذا سهل للناس كشف عوراتهم ورضي بذلك ولم يمنعهم من الدخول مكشوفي العورات .
ط - الحبس لاتخاذ الغناء صنعة :
72 - نص الحنفية على حبس المغني حتى يحدث توبة لتسببه في الفتنة والفساد غالبا .
حالات الحبس بسبب الاعتداء على المال :
أ - حبس العائد إلى السرقة بعد قطعه :
73 - إذا قطع السارق ثم عاد إلى السرقة يحبس عند جمهور الفقهاء لمنع ضرره عن الناس ، على خلاف بينهم في تحديد عدد المرات التي يقطع أو يحبس بعدها . ( ر : سرقة ) .
ب - حبس السارق تعزيرا لتخلف موجب القطع :
74 - نص الفقهاء على حالات يحبس فيها السارق لتخلف موجبات القطع ومن ذلك : حبس من اعتاد سرقة أبواب المساجد ، وحبس من اعتاد سرقة بزابيز الميض ( صنابير الماء ) ونعال المصلين . ونصوا على حبس الطرار والقفاف والمختلس ، ومن يدخل الدار فيجمع المتاع فيمسك ولما يخرجه . وكل سارق انتفى عنه القطع لشبهة ونحوها يعزر ويحبس .
ج - حبس المتهم بالسرقة :
75 - نص الفقهاء على حبس المتهم بالسرقة لوجود قرينة معتبرة في ذلك كتجوله في موضع السرقة ومعالجته أمورا تعتبر مقدمات لذلك .
د - الحبس لحالات تتصل بالغصب :
76 - يجب على الغاصب رد عين المغصوب فإن أبى حبس حتى يرده ، فإن ادعى هلاكه حبسه الحاكم مدة يعلم أنه لو كان باقيا لأظهره ، ثم يمضي عليه بمثله . وقيل : بل يصدق بيمينه ويضمن قيمته ولا يحبس . ومن بلع درهما أو دينارا أو لؤلؤة حبس حتى يرميه لصاحبه .
هـ - الحبس للاختلاس من بيت مال المسلمين :
77 - ذهب بعض الصحابة إلى حبس من اختلس من بيت المال ، وحكي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع معن بن زائدة .
و - ( حبس الممتنع من أداء الزكاة ) :
78 - نص بعض الفقهاء على حبس الممتنع من أداء الزكاة مع اعتقاده وجوبها .

(17/319)


ز - الحبس للدين : مشروعية حبس المدين :
79 - المدين أحد رجلين : إما معسر ، وإما موسر : فالمدين الذين ثبت إعساره يمهل حتى يوسر للآية : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } . والمدين الموسر يعاقب إذا امتنع من وفاء الدين الحال لظاهر الحديث : { لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } . وللعلماء قولان في تفسير هذه العقوبة : القول الأول : يقصد بالعقوبة في الحديث الحبس ، وهذا قول شريح والشعبي وأبي عبيد وسوار وغيره ، وهو مذهب الحنفية والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة . واختاره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما ; لأن الحقوق لا تخلص في هذه الأزمنة غالبا إلا به وبما هو أشد منه . القول الثاني : العقوبة في الحديث هي الملازمة ، حيث يذهب الدائن مع المدين أنى ذهب ، وهذا قول أبي هريرة وعمر بن عبد العزيز والليث بن سعد والحسن البصري . وذكروا أن المدين لا يحبس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحبس بالدين ، ولم يحبس بعده أحد من الخلفاء الراشدين ، بل كانوا يبيعون على المدين ماله .
( ما يحبس به المدين ) :
80 - قسم الفقهاء الدين إلى أقسام : ما كان بالتزام بعقد كالكفالة والمهر المعجل ، وما كان بغير التزام إلا أنه لازم ، كنفقة الأقارب وبدل المتلف ، وما كان عن عوض مالي كثمن المبيع . ولهم أقوال مختلفة فيما يحبس به المدين وما لا يحبس به . وذكروا أن أقل مقدار يحبس به المدين المماطل في دين آدمي درهم واحد . أما الديون التي لله تعالى كالزكاة والكفارة فلا حبس فيها عند طائفة من الفقهاء . المدين الذي يحبس :

(17/320)


81 - تحبس المرأة بالدين إن طلب غريمها ذلك ، سواء أكانت زوجة أم أجنبية . واتجه بعض الشافعية إلى أن المخدرة ( التي تلزم بيتها ولا تبرز للرجال ) لا تحبس في الدين ، بل يستوثق عليها ويوكل بها . ويحبس الزوج بدين زوجته أو غيرها . ويحبس القريب بدين أقربائه ، حتى الولد يحبس بدين والديه لا العكس . ويستوي في ذلك الرجل والمرأة ; لأن موجب الحبس لا يختلف بالذكورة والأنوثة . ومذهب المالكية والشافعية وأحد قولي الحنفية أن الصبي لا يحبس بالدين بل يؤدب . وفي القول الآخر للحنفية : أنه يحبس بالدين إذا أذن له بالبيع وظلم . ويحبس المسلم بدين الكافر ولو ذميا أو حربيا مستأمنا ; لأن معنى الظلم متحقق في مماطلته .
مدة حبس المدين :
82 - اختلفوا في مدة حبس المدين ، والصحيح تفويض ذلك للقاضي ; لأن الناس يختلفون في احتمال الحبس . وقال بعض الحنفية : هي شهر . وفي رواية محمد بن الحسن عن أبي حنيفة شهران أو ثلاثة . وفي رواية الحسن عنه ما بين أربعة أشهر إلى ستة . وعند المالكية يؤبد حبسه حتى يقضي دينه إذا علم يسره . ولم نجد نصا للشافعية والحنابلة .
ح - الحبس للتفليس :

(17/321)


83 - يشترك المفلس مع المدين في كثير من الأحكام التي تقدم ذكرها ، ويفترق عنه - بحسب ما ذكروه - في أن الحاكم يتدخل لشهر المفلس بين الناس وإعلان عجزه عن وفاء دينه وجعل ماله المتبقي لغرمائه . ولا يحبس المعسر ولو طلب غرماؤه ذلك لقوله تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } . وإذا كان المفلس مجهول الحال لا يعرف غناه أو فقره حبس بطلب من الغرماء حتى يستبين أمره . واختلفوا في صحة كفالته بوجه أو بمال حتى تزول الجهالة . وقالوا : إذا أخبر بإعساره واحد من الثقات أخرج من حبسه . وإذا حبس المفلس المجهول الحال وظهر أن له مالا ، أو عرف مكانه أمر بالوفاء . فإن أبى أبقي في الحبس - بطلب غريمه - حتى يبيع ماله ويقضي دينه . فإن أصر على عدم بيع ماله لقضاء دينه باعه الحاكم عليه وقضاه ، وأخرجه من الحبس في قول الجمهور والصاحبين من الحنفية . وقيل : يخير الحاكم بين حبسه لإجباره على بيع ماله بنفسه وبين بيعه عليه لوفاء دينه . وقال أبو حنيفة : إن الحاكم لا يجيب الغرماء إلى بيع مال المفلس وعروضه ، خوفا من أن تخسر عليه ويتضرر . بل يقضي دينه بجنس ما عنده من الدراهم والدنانير . فإن لم يكن فيؤيد حبسه لحديث : { لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } . وإذا قامت القرائن أو البينة على وجود مال للمدين المفلس ، ولم يعلم مكانه حبس حتى يظهره إن طلب غريمه ذلك . وهذا باتفاق الفقهاء للحديث الآنف ذكره .
( حبس المفلس بطلب بعض الغرماء ) :
84 - إن طلب بعض الغرماء حبس المفلس الذي لم يثبت إعساره وأبى بعضهم حبس ولو لواحد ، فإن أراد الذين لم يحبسوا محاصة الحابس في مال المفلس المحبوس فلهم ذلك . ولهم أيضا إبقاء حصصهم في يد المفلس المحبوس . وليس للغريم الحابس إلا حصته .
ط - الحبس للتعدي على حق الله أو حقوق العباد :

(17/322)


85 - شرع الحبس في كل تعد على حق لله تعالى ، كالتعامل بالربا ، وبيع الخمر ، والغش والاحتكار ، أو الزواج بأكثر من أربع ، أو الجمع بين أختين ، وبيع الوقف ، وفي كل تعد على حقوق العباد ، كمنع مستحقي الوقف من ريعه ، والامتناع من تسليم المبيع بعد العقد ، وتسليم الأجرة ، أو بدل الخلع ، أو الجزية ، أو الخراج ، أو العشر ، وجحد الوديعة ، والخيانة في الوكالة ، وعدم الإنفاق على من تجب نفقته عند الجمهور ، والمدعى عليه إذا لم يبين ما أبهمه . وتفصيل ذلك في أبوابه .
ي - حبس الكفيل لإخلاله بالتزاماته : الكفالة نوعان بالمال وبالنفس ، وتتصل بالحبس فيما يلي : أولا : حبس الكفيل بالمال لامتناعه من الوفاء :
86 - نص الحنفية والشافعية على جواز حبس الكفيل بمال مستحق إذا لم يوف المكفول ما عليه أو مات معسرا ، وذلك لتخلفه عما التزمه ; ولأن ذمته مضمومة إلى ذمة المكفول بالمطالبة ، فلذا جاز حبسه إلا إذا ثبت إعساره . وهذا مقتضى كلام المالكية والحنابلة ، بل نقل الإجماع على ذلك . والأصل في هذا حديث : { الحميل غارم } . وروي عن شريح القاضي قوله : لا يحبس الكفيل إذا غاب المكفول حيث لا يجب عليه إحضاره .
ثانيا : حبس الكفيل بالنفس :

(17/323)


87 - تعرف الكفالة بالنفس أيضا بكفالة الوجه والبدن ، وهي ثلاثة أنواع : النوع الأول : الكفالة بذات الحدود والقصاص بعد شهادة شاهدين ينتظر تزكيتهما ، وهذه غير جائزة بالإجماع ، بل يحبس المدعى عليه لاستكمال الإجراءات ; لأن الحدود لا تستوفى من الكفيل إذا تعذر إحضار المكفول ، فضلا عن أنها لا تقبل النيابة . النوع الثاني : الكفالة بإحضار نفس من عليه قصاص أو حد لآدمي ، كقذف إلى مجلس الحكم ، وهذه جائزة عند الحنفية والشافعية دون غيرهم ; لأن فيها حق العبد ويحتمل إسقاطه ممن له الحق . النوع الثالث : الكفالة بالمال وهي جائزة عند جمهور فقهاء الأمصار ، فيجوز كفالة المحبوس أو مستحق الحبس في ذلك .
أحوال الكفيل بالنفس :

(17/324)


88 - تنتظم أحوال الكفيل بالنفس الحالات التالية : الحالة الأولى : إذا تعهد الكفيل بإحضار المكفول من غير ضمان المال ، أو لم يذكره في الكفالة ، فمذهب الحنفية والشافعية في ذلك أنه يحبس لمماطلته إذا انقضت المدة ولم يحضر المكفول ، ولا يقبل منه بذل المال عند الحنفية لاشتراطه إحضار النفس لا غيرها ، والمسلمون عند شروطهم . ومذهب المالكية والحنابلة أنه لا يحبس بل يلزم بإحضار المكفول ، أو يغرم المال . الحالة الثانية : إذا تعهد الكفيل بإحضار المكفول وصرح بضمانه المال إذا تخلف ، فإنه لا يحبس بل يغرم المال إذا لم يحضر المكفول في الوقت المحدد ، وهذا قول فقهاء مذاهب الأمصار . فإن ماطل في الدفع وكان موسرا حبس ; لأن الحق شغل ذمته كشغله ذمة المكفول . وذكروا أن السجان ونحوه ممن استحفظ على بدن الغريم بمنزلة كفيل الوجه ، فينبغي عليه إحضاره . فإن أطلقه وتعذر إحضاره عومل بنحو ما تقدم في الحالتين الآنفتين . الحالة الثالثة : إذا تعهد الكفيل بإحضار النفس التي كفلها في القصاص والحد الذي هو حق لآدمي وقصر فلم يحضرها في الوقت المحدد يحبس إلى حضور المكفول أو موته .
الحبس لحالات تتصل بالقضاء والأحكام :
أ - حبس الممتنع من تولي القضاء :
89 - نص المالكية على أن للإمام حبس الممتنع من تولي القضاء إذا تعين له حتى يقبله لتخلفه عن الواجب الشرعي ، وصيانة لحقوق المسلمين ، وبه أفتى الإمام مالك .
ب - حبس المسيء إلى هيئة القضاء :
89 م - للقاضي أن يأمر بحبس وضرب من قال لا أخاصم المدعي عندك ، أو استهزأ به ورماه بما لا يناسبه ولم يثبت ذلك . وله حبس المتخاصمين وضربهما إذا تشاتما أمامه . وقال سحنون وهي رواية عن أشهب : للقاضي حبس المدعى عليه وتأديبه إذا قال في مجلس القضاء : لا أقر ولا أنكر واستمر على لدده ولا بينة للمدعي ، وبنحوه قال الشافعي .

(17/325)


ج - حبس المدعى عليه الحد والقصاص حتى يعدل الشهود :
90 - ذهب الفقهاء إلى أن للقاضي حبس المدعى عليه حتى يتثبت من الدعوى بحجة كاملة فيما كان أقصى عقوبة فيه غير الحبس كالحدود والقصاص ، حيث أقصى العقوبة فيها القتل والقطع والجلد ، فيحبس القاضي المدعى عليه وبخاصة في حق الآدمي حتى يكشف القاضي عن عدالة الشهود ; لأن ذلك من وظيفته بعد أن أتى المدعي بما عليه من البينة . فمن ادعى عليه بسرقة يحبس حتى تظهر عدالة الشهود في ذلك . ومن ادعى على آخر أنه قذفه وبينته في المصر حبس المدعى عليه ، ليحضر المدعي بينته حتى يقوم الحاكم من مجلسه وإلا خلى سبيله بدون كفيل . فإن كانت بينته غائبة أو خارج المصر فلا يحبس ، فإذا أقام شاهدا واحدا حبسه .
د - حبس صاحب الدعوى الكيدية :
91 - ذكر الحنفية والمالكية أن من قام بشكوى بغير حق وانكشف للحاكم أنه مبطل في دعواه فإنه يؤدبه ، وأقل ذلك الحبس ليندفع بذلك أهل الباطل .
و - حبس المقر لآخر بمجهول لامتناعه من تفسيره :
93 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من أقر لآخر بمجهول وامتنع من تفسيره حبس حتى يفسره ، سواء أقر به من نفسه ابتداء أو ادعى عليه به . وقالوا : إنه لا يصح له الرجوع عما أقر به للزومه ; ولأن كلام العاقل محمول على الجد لا الهزل . لكن يقبل قوله في توضيح ما أبهمه ; لأنه أعلم بنيته . ويحلف يمينا أنه ما نوى إلا ذلك صيانة لحقوق الناس . وذهب بعض فقهاء الشافعية في قول مضعف إلى أن المقر بمجهول لا يحبس إذا امتنع من تفسيره ; لإمكان حصول الغرض بغير الحبس .
حالات الحبس بسبب الاعتداء على نظام الدولة :
أ - حبس الجاسوس المسلم :

(17/326)


94 - المنقول عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد وبعض المالكية أن الحاكم لا يقتل الجاسوس المسلم بل يعزره بما يراه . ونص أبو يوسف القاضي وغيره من الحنفية على حبسه حتى تظهر توبته . وقال بعض المالكية : يطال سجنه وينفى من الموضع الذي كان فيه . وقال مالك وابن القاسم وسحنون : للحاكم قتل الجاسوس المسلم إن رأى في ذلك المصلحة ، وبه قال ابن عقيل من الحنابلة . وسبب الاختلاف في عقوبة الجاسوس المسلم تعدد الأقوال في حادثة حاطب بن أبي بلتعة قبيل فتح مكة ، حين كتب لبعض قريش يخبرهم بمسير النبي إليهم .
ب - حبس البغاة :
95 - يحبس البغاة وهم الخارجون على الحاكم في الحالات التالية : الحالة الأولى إذا تأهبوا للقتال : إذا قام البغاة بأعمال تدل على إرادة الخروج على الإمام كشراء السلاح والاجتماع للثورة والتأهب للقتال جاز للحاكم أخذهم وحبسهم ولو لم يقاتلوا حقيقة ; لأن العزم على الخروج معصية ينبغي زجرهم عنها ; فضلا عن أنهم لو تركوا لأفسدوا في الأرض وفات دفع شرهم . الحالة الثانية أخذهم أثناء القتال : إذا أمسك البغاة أثناء القتال حبسوا ، ولا يطلق سراحهم إن خيف انحيازهم إلى فئة أخرى أو عودتهم للقتال . وسبب حبسهم كسر قلوب الآخرين وتفريق جمعهم . الحالة الثالثة تتبعهم بعد القتال وحبسهم : اختلف الفقهاء في حكم تتبع البغاة الهاربين وحبسهم ، ولهم في هذا قولان : القول الأول : يجوز للإمام تتبعهم وحبسهم إن كان لهم فئة ينحازون إليها ، وهذا قول المالكية والشافعية وبعض الحنفية . ونسب إلى أبي حنيفة أن الإمام يتتبعهم ويحبسهم ولو لم تكن لهم فئة . وبه قال بعض المالكية . القول الثاني : لا يجوز للإمام تتبعهم وحبسهم ولو كان لهم فئة ينحازون إليها ; لأن المقصود دفعهم وقد حصل . وهذا مذهب الحنابلة وقول الشافعي وأبي يوسف والمنقول عن علي رضي الله عنه .
وقت الإفراج عن البغاة المحبوسين :

(17/327)


96 - للفقهاء أربعة أقوال في وقت الإفراج عن البغاة المحبوسين : القول الأول : يجب الإفراج عنهم بعد توقف القتال ، ولا يجوز استمرار حبسهم . لكن يشترط عليهم أن لا يعودوا إلى القتال . وهذا مذهب الشافعية وأحد قولي الحنابلة . القول الثاني : يجوز حبسهم بعد القتال ولا يخلى عنهم إلا بظهور توبتهم لدفع شرهم ، وعلامة ذلك عودتهم إلى الطاعة . وهذا مذهب الحنفية وقول بعض المالكية . القول الثالث : يجوز حبسهم بعد القتال ، ويجب إطلاق سراحهم إذا أمن عدم عودتهم ، وهذا مذهب المالكية . القول الرابع : يجوز استمرار حبسهم بعد القتال معاملة لهم بالمثل حتى يتوصل إلى استخلاص أسرى أهل العدل ، وهذا هو القول الآخر للحنابلة .
مشروعية اتخاذ موضع للحبس :
97 - للفقهاء قولان في جواز اتخاذ الحاكم موضعا للحبس فيه : القول الأول : يجوز للحاكم إفراد موضع ليحبس فيه ، وهذا قول الجمهور بل إن بعضهم اعتبر ذلك من المصالح المرسلة . وقال آخرون : إنه مستحب . واستدلوا لهذا بفعل عمر رضي الله عنه حين اشترى له نافع بن عبد الحارث عامله على مكة دارا للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم . كما أن عليا رضي الله عنه أول من أحدث سجنا في الإسلام وجعله في الكوفة . القول الثاني : لا يتخذ الحاكم موضعا يخصصه للحبس ; لأنه لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لخليفته أبي بكر رضي الله عنه سجن . ولكن إذا لزم الأمر يعوق بمكان من الأمكنة أو يأمر الغريم بملازمة غريمه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا قول بعض أصحاب أحمد وآخرين غيرهم .
اتخاذ السجن في الحرم :

(17/328)


98 - للفقهاء ثلاثة أقوال في اتخاذ السجن في الحرم : القول الأول : يجوز اتخاذ السجن في الحرم مطلقا من غير كراهة لخبر شراء عمر رضي الله عنه السجن بمكة ، وهذا قول جمهور الفقهاء . القول الثاني : لا يحل أن يسجن أحد في حرم مكة ; لأن تطهير الحرم من العصاة واجب للآية : { أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } وظاهره يدل على حرمة اتخاذ السجن في حرم مكة . القول الثالث : يكره اتخاذ السجن في الحرم ، وهو مروي عن طاوس وكان يقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة ويقصد حرم مكة .
( تصنيف السجون بحسب المحبوسين ) :
أ - إفراد النساء بسجن منعزل عن سجن الرجال :
99 - نص الفقهاء على أن يكون للنساء محبس على حدة إجماعا ، ولا يكون معهن رجل لوجوب سترهن وتحرزا من الفتنة . والأولى أن تقوم النساء على سجن مثيلاتهن فإن تعذر ذلك جاز استعمال الرجل المعروف بالصلاح على محبسهن ليحفظهن ، وهو المروي عن أبي حنيفة ، وإذا لم يكن هناك سجن معد للنساء حبست المرأة عند أمينة خالية عن الرجال أو ذات رجل أمين كزوج أو أب أو ابن معروف بالخير والصلاح .
ب - إفراد الخنثى بحبس خاص :
100 - إذا حبس الخنثى المشكل فلا يكون مع الرجال ولا النساء ، بل يحبس وحده أو عند محرم ، ولا ينبغي حبسه مع الرجال ولا النساء .
ج - حبس غير البالغين ( الأحداث ) : حبس غير البالغين في قضايا المعاملات المالية :

(17/329)


101 - مذهب المالكية والشافعية وأحد قولي الحنفية أن غير البالغ إذا مارس التجارة أو استهلك مال غيره فلا يحبس بدين في معاملته لعدم التكليف . ولا يمنع هذا من تأديبه بغير الحبس . وصحح السرخسي من فقهاء الحنفية حبس الولي لتقصيره في حفظ ولده ; ولأنه المخاطب بأداء المال عنه . والقول الآخر للحنفية : أن غير البالغ يحبس بالدين ونحوه تأديبا لا عقوبة ، لأنه مؤاخذ بحقوق العباد فيتحقق ظلمه ; ولئلا يعود إلى مثل الفعل ويتعدى على أموال الناس . وعلق بعض أصحاب هذا القول الحبس على وجود أب أو وصي للحدث ، ليضجر فيسارع إلى قضاء الدين عنه .
حبس غير البالغين في الجرائم :
102 - نص بعض الفقهاء على أن غير البالغ لا يحبس بارتكابه الجرائم ونحوها . وقال آخرون : بجواز حبس الفاجر غير البالغ على وجه التأديب لا العقوبة ، وبخاصة إذا كان الحبس أصلح له من إرساله ، وكان فيه تأديبه واستصلاحه ، ومن الجرائم التي نصوا على الحبس فيها الردة ، فيحبس الصبي المرتد حتى يتوب وهو قول أبي حنيفة ومحمد وكذا البغي ، فيحبس صبيان البغاة المقاتلون حتى تنقضي الحرب .
مكان حبس غير البالغين :
103 - تدل أكثر النصوص على أن يكون حبس الحدث في بيت أبيه أو وليه . على أنه يجوز حبسه في السجن إلا إذا خشي عليه ما يفسده فيتوجب حبسه عند أبيه لا في السجن .
د - تمييز حبس الموقوفين عن حبس المحكومين :

(17/330)


104 - حبس الموقوفين هو حبس أهل الريبة والتهمة ، وهو من سلطة الوالي لأنه من اختصاصه كما في قول الزبيري والماوردي والقرافي وطائفة من أصحاب أحمد . وحبس المحكومين هو حبس من وجب عليه حق وقامت به البينة وهو من سلطة القاضي . والمعمول به في القديم تميز حبس الوالي الذي يضم أهل الريبة والفساد ( الموقوفين ) عن حبس القاضي الذي يضم المحكومين . ويختلف سجن الوالي عن سجن القاضي ، فللمحبوس في سجن الوالي توكيل غيره في أداء الشهادة عنه أمام القاضي إذا منع من الخروج ، وليس ذلك لمن كان في سجن القاضي لإمكان خروجه بإذنه ومثل ذلك التوكيل في سماع الدعوى على المحبوس . - تمييز الحبس في قضايا المعاملات عن الحبس في الجرائم :
105 - ميز الفقهاء في الحبس بين المحبوس في المعاملات كالدين ، وبين المحبوس في الجرائم ، كالسرقة ، والتلصص ، والاعتداء على الأبدان ، وكانوا يحرصون على أن لا يجتمع هؤلاء بأولئك في حبس واحد خوفا من العدوى ، فضلا عن أن لأصحاب كل حبس معاملة تناسب جريمة كل منهم .
و - التمييز بين المحبوسين بحسب تجانس جرائمهم :
106 - صنف الفقهاء نزلاء سجون الجرائم إلى ثلاثة أصناف : أهل الفجور ( المفاسد الخلقية ) وأهل التلصص ( السرقات ونحوها ) ، وأهل الجنايات ( الاعتداء على الأبدان ) ، وجعل أبو يوسف القاضي هذا التقسيم عنوان فصل أفرده في كتابه .
ز - تصنيف الحبس إلى جماعي وفردي :
107 - الظاهر من كلام الفقهاء أن الأصل في الحبس كونه جماعيا ، وقالوا : لا يجوز عند أحد من المسلمين أن يجمع الجمع الكثير في موضع تضيق عنهم غير متمكنين من الوضوء والصلاة ، وقد يرى بعضهم عورة بعض ويؤذون في الحر والصيف . ويجوز للحاكم عزل السجين وحبسه منفردا في غرفة يقفل عليه بابها إن كان في ذلك مصلحة .
ح - الحبس بالإقامة الجبرية في البيت ونحوه :

(17/331)


108 - يجوز الحبس بالإقامة الجبرية في البيت ونحوه ، فقد ذكروا أن من ضرب غيره بغير حق عزر ، وصح حبسه ولو في بيته بأن يمنع من الخروج منه . وللإمام حبس العائن في منزل نفسه سياسة ويمنع من مخالطة الناس .
( حبس المريض ) :
109 - بحث الفقهاء في مسألة حبس المدين المريض ، والظاهر من كلام الجمهور وهو أحد قولي الشافعية أن المرض لا يعتبر من موانع الحبس . والقول الآخر المعتمد عند الشافعية أن المريض المدين لا يحبس ، بل يوكل به ويستوثق عليه . أما الجاني المريض فقد تقدم ذكر ما يدل على مشروعية حبسه .
إخراج المريض من سجنه إذا خيف عليه :
110 - إذا مرض المحبوس في سجنه وأمكن علاجه فيه فلا يخرج لحصول المقصود . ولا يمنع الطبيب والخادم من الدخول عليه لمعالجته وخدمته ; لأن منعه مما تدعو الضرورة إليه يفضي إلى هلاكه ، وذلك غير جائز . وللفقهاء أقوال في إخراجه من الحبس إذا لم تمكن معالجته ورعايته فيه : القول الأول : يخرج من حبسه للعلاج والمداواة صيانة لنفسه ، وهو ما ذكره بعض الحنفية كالخصاف وابن الهمام ، والظاهر من كلام الشافعية والمالكية . القول الثاني : لا يخرج إلا بكفيل وهو المفتى به عند الحنفية . القول الثالث : يعالج في الحبس ولا يخرج ، والهلاك في الحبس وغيره سواء ، وهو المروي عن أبي يوسف رحمه الله . وقد اهتم المسلمون منذ القديم برعاية المرضى في السجون فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله انظروا من في السجون وتعهدوا المرضى . وفي زمن الخليفة المقتدر خصص بعض الأطباء للدخول على المرضى في السجون كل يوم ، وحمل الأدوية والأشربة لهم ورعايتهم وإزاحة عللهم .

(17/332)


للفقهاء قولان في تمكين المحبوس من صلاة الجمعة : القول الأول : يمنع من الخروج إلى صلاة الجمعة وصلاة العيدين ليضجر قلبه وينزجر إن رأى الحاكم المصلحة في ذلك ، هذا قول أكثر فقهاء المذاهب الأربعة ، وهو ظاهر القول عن علي رضي الله عنه . القول الثاني : لا يمنع المحبوس من الخروج إلى صلاة الجمعة وصلاة العيدين لأهميتها ، وهذا ظاهر كلام بعض الحنابلة ، وبه قال البغوي من الشافعية ، وهو المفهوم من كلام السرخسي من الحنفية والبويطي صاحب الشافعي .
112 - وإذا توفرت شروط الجمعة في السجن وأمكن أداؤها فيه لزمت السجناء كما نص على ذلك الشافعية وابن حزم ، وقالوا : يقيمها لهم من يصلح لها منهم أو من أهل البلد ، ويتجه وجوب نصبه على الحاكم ، وروي عن ابن سيرين أنه كان يقول بالجمعة على أهل السجون ، وخالفه إبراهيم النخعي فقال : ليس على أهل السجون جمعة ، وظاهر كلام الحنفية جواز فعل المحبوسين لها ، فإن لم يقدروا صلوا الظهر فرادى .
( تشغيل المحبوس ) :
113 - للفقهاء ثلاثة أقوال في تمكين المحبوس من العمل في الحبس : القول الأول : لا يمنع المحبوس من العمل في حبسه ويمكن من ذلك ; لما فيه من أسباب النفقة الواجبة ووفاء الدين ونحوه ، وهذا قول الشافعية والحنابلة وغيرهم وبه أفتى بعض الحنفية . القول الثاني : يمنع المحبوس من العمل في حبسه ولا يمكن منه ; لئلا يهون عليه الحبس وليضجر قلبه فينزجر ، وإلا صار الحبس له بمنزلة الحانوت ، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنفية ، وبه قال غيرهم من الفقهاء . القول الثالث : يترك تمكين المحبوس من العمل في حبسه لتقدير الحاكم واجتهاده ، وبه قال المرتضى .
أحكام بعض التصرفات المتعلقة بالمحبوس :

(17/333)


114 - ذكر الفقهاء العديد من أحكام بعض التصرفات المتصلة بالمحبوس مما يتعلق بالأمور المالية والمدنية والجنائية والأحوال الشخصية وغيرها ، وهذا بيانها على النحو التالي : التصرفات المالية المتصلة بالمحبوس : بيع المحبوس ماله مكرها :
115 - للمحبوس التصرف بماله بيعا أو شراء ونحوه بحسب ما يرى ; لأن الحبس لا يوجب بطلان أهلية التصرف . فإن أكره بالحبس على البيع أو الشراء أو التأجير فله الفسخ بعد زوال الإكراه لانعدام الرضا . وتفصيل ذلك في مصطلح إكراه .
الرجوع على المحبوس بالمال المدفوع عنه لتخليصه :
116 - ذكر المالكية أن من حبسه السلطان فدفع عنه قريبه ما خلصه به من الحبس ثم سكت ولم يطالبه بالمدفوع حتى مات ، فقام ولده يطالب بالمدفوع وأنه سلف ، والمحبوس المفتدى يدعي أنه هبة ، فالحكم أن على مدعي الهبة البينة ، ولا حجة بسكوت الدافع عنه ، لأن ذلك دين لزم في ذمته . وذكر ابن تيمية أنه إذا أكره قريب أو صديق ونحوه على أداء مال عن محبوس فدفعه من ماله رجع به على المحبوس ولو من غير إذنه ; لأن الإكراه والدفع بسببه ، فلا يذهب المال هدرا ; ولأن النفوس والأموال يعتريها من الضرر والفساد ما لا يندفع إلا بأداء مال عنها . ولو علم المؤدي أنه لا يسترد ما دفعه من المحبوس إلا بإذنه لم يفعل ، وإذا لم يقابل المحبوس الإحسان بمثله فهو ظالم ، والظلم حرام ، والأصل في هذا اعتبار المقاصد والنيات في التصرفات .
رهن المفلس المحبوس ماله :
117 - الأصل عدم تمكين المفلس المحبوس من التصرف بماله أو رهنه ، فإن وقع تصرفه لم يبطل بل يوقف على نظر الحاكم والغرماء . وهذا قول الجمهور وصاحبي أبي حنيفة . وقال الإمام أبو حنيفة : لا يمنع من الرهن وغيره من التصرفات ، وإنما للحاكم أن يستمر في حبسه ليضجره فيسارع إلى قضاء الدين .

(17/334)


ما يجب على المودع إذا عجز عن رد الوديعة إلى مالكها المحبوس :
118 - إذا طرأ عذر للمودع كسفر أو خوف حريق وهدم رد الوديعة إلى مالكها ، فإن كان المالك محبوسا لا يصل إليه سلمها إلى من يحفظ ماله عادة كزوجته وأجيره ، وإلا دفعها إلى الحاكم . فإن تعذر ذلك أودعها ثقة وأشهد بينة على عذره ; لأنه يدعي ضرورة مسقطة للضمان بعد تحقق السبب ، وهذا مذهب المالكية والشافعية والصاحبين ، ومذهب الحنابلة في أحد الوجهين . وقال أبو حنيفة : له أن يسافر بها ما لم ينهه . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( وديعة ) .
هبة المحبوس المحكوم بقتله ماله لغيره :
119 - اتفق الفقهاء على أن الأسير أو المحبوس عند من عادته القتل إذا وهب ماله لغيره لا تصح عطيته إلا من الثلث . وتفصيل ذلك في أحكام مرض الموت .
تمكين المحبوس من وطء زوجته :

(17/335)


120 - للفقهاء ثلاثة أقوال في تمكين المحبوس من وطء زوجته : القول الأول : لا يمنع المحبوس من وطء زوجته في الحبس إذا كان فيه موضع لا يطلع عليه أحد وإلا منع ، وهذا مذهب الحنابلة واستظهره أكثر الحنفية وهو قول بعض الشافعية . واستدلوا لذلك بأنه غير ممنوع من قضاء شهوة البطن فكذا شهوة الفرج ، إذ لا موجب لسقوط حقه في الوطء ، واشترط بعضهم أن يصلح الموضع سكنا لمثل الزوج أو الزوجة . القول الثاني : يمنع المحبوس من وطء زوجته ; لأن من غايات الحبس إدخال الضيق والضجر على قلبه لردعه وزجره ، ولا تضييق مع تمكينه من اللذة والتنعم والترفه ، والوطء إنما هو لذلك ، وليس من الحوائج الأصلية كالطعام . وهذا مذهب المالكية وقول بعض الحنفية وبعض الشافعية . وزاد المالكية : أن المحبوس لا يمنع من الاستمتاع بزوجته في مكان لا يطلع عليه أحد إذا حبس بحقها ; لأنها إذا شاءت لم تحبسه ، فلا تفوت عليه حقه في الوطء . القول الثالث : الأصل في وطء المحبوس زوجته أنه حق من حقوقه المشروعة ، ولا يمنع منه إلا إذا اقتضت ذلك المصلحة ورآه القاضي كما لو رأى منعه من محادثة الأصدقاء أو قفل باب الحبس عليه ، وهذا قول بعض الشافعية .
إنفاق المحبوس على زوجته :
121 - لا يمنع الحبس من إنفاق المحبوس على زوجته ; لأنه وجد الاحتباس والتمكين من جهتها ، وما تعذر فهو من جهته . وقد فوت حق نفسه فلا يمنع الحبس من الإنفاق عليها . ونص بعض الشافعية والحنابلة على أنه لا نفقة للزوجة إذا حبس الزوج بحقها لفوات التمكين من قبلها . وقال المالكية والحنفية : لا تسقط النفقة لاحتمال أن يكون معه مال وأخفاه عنها .
إنفاق الزوج على زوجته المحبوسة :

(17/336)


122 - يرى الحنفية والشافعية والحنابلة : أنه لا تجب النفقة على الزوج لزوجته المحبوسة في دين ولو ظلما - بأن كانت معسرة - لفوات الاحتباس وكون الامتناع ليس من جهته . ونص المالكية على أن لها النفقة إن لم تكن مماطلة ، سواء كان الحبس في دين الزوج أو غيره ; لأن الامتناع ليس من جهتها ، وبنحو ذلك قال بعض الشافعية . وفرق النووي بين حبس الزوجة المقرة بدين فلا نفقة لها على زوجها وبين حبس من قامت البينة على استدانتها فلها النفقة . ونص الحنفية على أنه لا تلزم الزوج نفقة زوجته المحبوسة بسبب ردتها .
احتساب مدة حبس الزوج أو الزوجة في الإيلاء :
123 - إذا آلى الزوج من زوجته وكان محبوسا بحق يقدر على أدائه حسبت عليه المدة من حين إيلائه ; لأن المانع من جهته وليست من جهتها . وإن طرأ الحبس بعد الإيلاء لم تنقطع المدة بل تحسب أيضا ، وهذا قول جمهور الفقهاء . أما إذا كانت زوجة المولي محبوسة أو طرأ الحبس عليها بعد الإيلاء فليس لها المطالبة بالفيئة ، ولا تحسب مدة الحبس من مهلة الأشهر الأربعة لتعذر الوطء من جهتها كالمريضة ، وتستأنف المدة عند زوال العذر . وهذا قول جمهور الفقهاء والقول المعتمد عند الحنابلة . وفي قول آخر لهم : إن الحبس يحتسب كالحيض .
فيئة المحبوس من الإيلاء إذا تعذر عليه الوطء :

(17/337)


124 - الأصل أن تحصل الفيئة من الإيلاء بالوطء باتفاق الفقهاء . فإن كان المولي محبوسا وتعذر عليه الوطء ففيئته بلسانه كأن يقول : فئت إليها أو متى قدرت فعلته يعني الوطء . وإذا كانت المحبوسة زوجته يكون الفيء بالوعد بلسانه أن يفعله إذا زال المانع وهذا قول جمهور الفقهاء وابن مسعود وجابر بن عبد الله والنخعي والحسن والزهري والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وعكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس . واشترطوا أن يكون المحبوس مظلوما غير قادر على الخلاص وإلا ففيئته بالوطء . وقال سعيد بن جبير : لا يكون الفيء إلا بالجماع في حال العذر وغيره .
تأخير المحبوس ملاعنة زوجته ونفيه الولد :
125 - يشترط في اللعان الفورية وعدم تأخير الزوج نفي الولد حال العلم بذلك إذا لم يكن عذر . ونص الحنابلة والشافعية وهو مقتضى كلام غيرهم أن الحبس من أعذار تأخير اللعان . فإن كانت مدة الحبس قصيرة كيوم أو يومين فأخر المحبوس نفيه ليلا عن أمام الحاكم لم يسقط نفيه بالتأخير . وإن كانت المدة طويلة أرسل إلى الحاكم ليبعث إليه نائبا يلاعن عنده . فإن لم يمكنه ذلك أشهد على نفيه ، فإن لم يفعل سقط نفيه وبطل خياره لأن عدم تصرفه يتضمن إقراره بالنسب . وتفصيل ذلك مصطلح : ( لعان ) .
التصرفات القضائية والحكمية المتصلة بالمحبوس : خروج المحبوس لسماع الدعوى عليه عند القاضي أو تعذر ذلك :
126 - إذا ادعى رجل على محبوس حقا يخرجه القاضي لسماع الدعوى عليه والإجابة عنها ثم يرده إلى الحبس ولا يوكل عنه أحدا في الخصومة عند غير المالكية ، فإن تعذر على المحبوس الخروج جاز له استحسانا توكيل من يجيب عنه .
خروج المحبوس للشهادة عند القاضي أو تعذر ذلك :
127 - إذا منع المحبوس من الخروج لأداء الشهادة عند القاضي جاز له استحسانا توكيل من يشهد على شهادته .

(17/338)


127 م - إجابة دعوة المحبوس للإشهاد على تصرفه : نص الشافعية على أن المحبوس إذا دعا رجلا ليشهده على تصرفه فإنه يجب عليه الإجابة لأجل عذر المحبوس وحتى لا تضيع الحقوق .
ما لا يجوز تأديب المحبوس به :
128 - شرع التأديب للتقويم والإصلاح لا الإهانة والإتلاف واحتقار معاني الآدمية ، وقد نص الفقهاء على حرمة المعاقبة للمحبوس أو غيره بعدة أمور منها :
أ - التمثيل بالجسم :
129 - لا تجوز المعاقبة بجدع أنف ، أو أذن ، أو اصطلام شفة ، وقطع أنامل ، وكسر عظم ، ولم يعهد شيء من ذلك عن أحد الصحابة ; ولأن الواجب التأديب ، وهو لا يكون بالإتلاف . وقد { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالأسرى فقال في وصيته لأمراء السرايا : ولا تمثلوا } .
ب - ( ضرب الوجه ونحوه ) :
130 - لا يجوز للحاكم التأديب بما فيه الإهانة والخطر ، كضرب الوجه وموضع المقاتل ، وكذا جعل الأغلال في أعناق المحبوسين ، وكذا لا يجوز أن يمد المحبوس على الأرض عند ضربه ، سواء كان للحد أو التعزير على ما تقدم .
ج - التعذيب بالنار ونحوها :
131 - يحرم التأديب بإحراق الجسم أو بعضه بقصد الإيلام والتوجيع إلا المماثلة في العقوبة فتجوز عند كثير من الفقهاء . ولا يجوز خنق المحبوس وعصره وغطه في الماء .
د - ( التجويع والتعريض للبرد ونحوه ) :
132 - لا يجوز الحبس في مكان يمنع فيه المحبوس الطعام والشراب ، أو في مكان حار أو تحت الشمس أو في مكان بارد ، أو في بيت تسد نوافذه وفيه دخان أو يمنع من الملابس في البرد . فإن مات المحبوس فالدية على الحابس وقيل : القود .
هـ - ( التجريد من الملابس ) :
133 - تحرم المعاقبة بالتجريد من الثياب لما في ذلك من كشف العورة .
و - ( المنع من الوضوء والصلاة ونحوها ) :

(17/339)


134 - ينبغي تمكين المحبوس من الوضوء والصلاة ، ولا تجوز معاقبته بالمنع منهما . ونصوا على أنه لا يجوز منع المحبوس من قضاء حاجته .
ز - ( السب والشتم ) :
135 - لا يجوز للإمام أو غيره التأديب باللعن والسب الفاحش وسب الآباء والأمهات ونحو ذلك . ويجوز التأديب بقوله : يا ظالم يا معتدي ونحوه .
ح - أمور أخرى تحرم المعاقبة بها :
136 - تحرم المعاقبة بالإقامة في الشمس أو صب الزيت على الرءوس أو حلق اللحية وكذا إغراء الحيوان كالسبع والعقرب بالمحبوس ليؤذيه . وسئل مالك عن تعذيب المحبوس بالدهن والخنافس ( حشرات سوداء كالجعل ) فقال : لا يحل هذا ، إنما هو السوط أو السجن . وفي الجملة لا تجوز معاقبة المحبوس بقصد إتلافه كله أو بعضه ; لأن التأديب لا يكون بذلك .
إخراج المحبوس لإصابته بالجنون :
137 - نص المالكية على أن المحبوس إذا ذهب عقله وجن فإنه يخرج من الحبس لعدم إدراكه الضيق المقصود من حبسه ، ويستمر خروجه إلى أن يعود له عقله . فإن عاد له عقله عاد للحبس ، وهذا مذهب الحنفية والشافعية . وذهب الحنابلة وأبو بكر الإسكافي من الحنفية إلى أن الجنون لا يمنع التعزير - والحبس فرد من أفراده لأن الغاية منه التأديب والزجر ، فإن تعطل جانب التأديب بالجنون فلا ينبغي تعطل جانب الزجر معا للغير .
( هروب المحبوس ) :

(17/340)


138 - ذكر الفقهاء غير الشافعية أن السجان ونحوه ممن استحفظ على بدن المحبوس المدين بمنزلة كفيل الوجه ، ويترتب عليه إحضاره للخصومة ، فإن أطلقه وتعذر إحضاره ضمن ما عليه ، وعند الشافعية : إن هرب يحضره الدائن . وإذا أراد المحبوس الهرب وهجم على حارسه ليؤذيه فإنه يعامله كالصائل وقد ذكر الفقهاء أن الصائل يوعظ ويزجر ويخوف ويناشد بالله لعله يكف عن الأذى والعدوان . فإن لم ينكف وأراد نفس الحارس أو ماله فيدفعه بأسهل ما يعلم دفعه به كالضرب ونحوه . فإن لم يحصل إلا بالقتل فله ذلك ولا شيء عليه ، غير أنه لا يجوز للمصول عليه جرح الصائل إن قدر على الهرب منه بلا مشقة تلحقه ارتكابا لأخف الضررين . وقد قال ابن تيمية في جند قاتلوا عربا نهبوا أموال تجار ليردوه إليهم : هم مجاهدون في سبيل الله ، ولا ضمان عليهم بقود ولا دية ولا كفارة . وقال ابن الجوزي : لا يسقط الأمر عن الجندي بظنه أنه لا يفيد .
صفات السجان ونحوه :
أ - ( الأمانة ) :
139 - الأمانة هي الثقة ، وقد ذكر الفقهاء أن من صفات السجان كونه ثقة ليحافظ على المحبوسين ويتابع أحوالهم .
ب - الكياسة :
140 - الكياسة هي العقل والفطنة وذكاء القلب ، وقد جاءت هي والتي قبلها في قول علي رضي الله عنه ألا تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا بابا حصينا وأمينا كيسا ، والأمين والكيس صفتان للسجان . ح - الصلاح :
141 - ينبغي أن يكون مباشر الحبس معروفا بالخير والصلاح ويتأكد ذلك في مباشر سجن النساء .
د - ( الرفق ) :
142 - من صفات السجان الرفق بالمحبوسين لئلا يظلمهم ويمنعهم مما لا يقتضيه الحبس .
هـ - اللياقة البدنية :
143 - استعمل علي رضي الله عنه قوما من السبابجة في حراسة السجون ، وكانوا قد استوطنوا البصرة وعرفوا بقوة أجسامهم .
مراقبة الدولة السجون وإصلاحها .

(17/341)


144 - ذكر أبو يوسف أنه ينبغي تتبع المحبوسين والنظر فيها من غير كلل ولا تقصير واتباع العدل معهم وعدم الاعتداء عليهم . والفقهاء على أن أول عمل يبدؤه القاضي - حين توليه القضاء - النظر في السجون والبحث في أحوال المحبوسين . بل ذهب بعضهم إلى وجوب ذلك لأن الحبس عذاب فيقدم على ما سواه . وقالوا : لا يحتاج في تصفح أحوالهم إلى متظلم إليه لعجز المحبوسين عن ذلك .
حبل الحبلة
التعريف
1 - الحبل بفتح الموحدة : مصدر : حبلت المرأة تحبل ويستعمل لكل بهيمة تلد إذا حملت بالولد ، والوصف : حبلى والجمع حبليات ، وحبالى . والحبلة : جمع حابلة بالتاء . قال أبو عبيد : حبل الحبلة : ولد الجنين الذي في بطن الناقة ولهذا قيل : ( الحبلة ) بالهاء لأنها أنثى ، فإذا ولدت فولدها ( حبل ) بغير هاء . وفي الاصطلاح : هو نتاج النتاج ، بأن تستولد الدابة ، ثم تستولد ابنتها .
( الألفاظ ذات الصلة )
الملاقيح :
2 - وهي ما في بطون الأمهات من الأجنة .
المضامين :
3 - وهي ما في أصلاب الفحول .
( الحكم التكليفي ) :

(17/342)


4 - لا خلاف بين الفقهاء في أن بيع حبل الحبلة حرام والعقد باطل . لحديث : ابن عمر رضي الله عنهما : قال : { نهى النبي صلى الله عليه وسلم : عن بيع حبل الحبلة } . وكان - كما قال ابن عمر - بيعا يتبايعه أهل الجاهلية : كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ، ثم تنتج التي في بطنها . المعنى المنهي عنه : اختلف الفقهاء في المعنى المنهي عنه في الحديث لاختلاف الروايات : فذهب الحنفية إلى أن المنهي عنه هو : بيع ما سوف يحمله الحمل بعد أن يولد ويحمل ويلد وهو نتاج النتاج . وسبب النهي على هذا الرأي : أنه بيع معدوم وغير مقدور على تسليمه ، وهو قول عند الشافعية . وقال المالكية والشافعية : إن المعنى المنهي عنه هو بيع الجزور بثمن مؤجل إلى أن تنتج الناقة ، وتنتج التي في بطنها ، وسبب النهي هو : أنه بيع إلى أجل مجهول . وكلا البيعين باطل باتفاق الفقهاء ، لأنه من بيوع الغرر . وقال الحنابلة بكل من التفسيرين ، وحكموا بفساد البيع لكل منهما للسببين المذكورين .
حبلى انظر : حامل .
حتم انظر : حكم .

(17/343)


الموسوعة الفقهية / الجزء السابع عشر

حجاب
التعريف
1 - الحجاب في اللغة : الستر ، وهو مصدر يقال حجب الشيء يحجبه حجبا وحجابا : أي ستره ، وقد احتجب وتحجب إذا اكتن من وراء حجاب . والحجاب اسم ما احتجب به ، وكل ما حال بين شيئين فهو حجاب . والحجاب كل ما يستر المطلوب ويمنع من الوصول إليه كالستر والبواب والجسم والعجز والمعصية . : وقوله تعالى { ومن بيننا وبينك حجاب } ، معناه : ومن بيننا وبينك حاجز في النحلة والدين . والأصل في الحجاب أنه جسم حائل بين جسدين . وقد استعمل في المعاني ، فقيل : العجز حجاب بين الإنسان ومراده ، والمعصية حجاب بين العبد وربه . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن معناه اللغوي الذي هو الستر والحيلولة . والحاجب يأتي بمعنى المانع ، ويأتي بمعنى العظم الذي فوق العين بلحمه وشعره . وينظر ما يتصل بهما من أحكام في مصطلح : ( حاجب ) .
( الألفاظ ذات الصلة )
الخمار :
2 - الخمار من الخمر وأصله الستر ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : { خمروا آنيتكم } وكل ما يستر شيئا فهو خماره . لكن الخمار صار في التعارف اسما لما تغطي به المرأة رأسها . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للخمار في بعض الإطلاقات عن المعنى اللغوي ، ويعرفه بعض الفقهاء بأنه ما يستر الرأس والصدغين أو العنق . والفرق بين الحجاب والخمار أن الحجاب ساتر عام لجسم المرأة ، أما الخمار فهو في الجملة ما تستر به المرأة رأسها . النقاب :
3 - النقاب - بكسر النون - ما تنتقب به المرأة ، يقال انتقبت المرأة وتنقبت غطت وجهها بالنقاب . والفرق بين الحجاب والنقاب ، أن الحجاب ساتر عام ، أما النقاب فساتر لوجه المرأة فقط
( الحكم الإجمالي ) :

(18/1)


4 - للفظ الحجاب إطلاقان : أحدهما : استعماله في الحسيات ، وهو الجسم الذي يحول بين شيئين . والثاني : استعماله في المعاني ، وهو الأمر المعنوي الذي يحول دون الوصول إلى المطلوب . وتختلف أحكامه في كل ذلك باختلاف مواضعه . أولا : استعماله في الحسيات ، ومن ذلك ما يلي :
1 - الحجاب بالنسبة للعورة :
5 - اتفق الفقهاء على وجوب حجب عورة المرأة والرجل البالغين بسترها عن نظر الغير الذي لا يحل له النظر إليها . وعورة المرأة التي يجب عليها حجبها عن الأجنبي هي في الجملة جميع جسدها عدا الوجه والكفين ، وهي بالنسبة للمحرم من الرجال ما عدا الوجه والرأس والعنق والذراع ، قال الحنفية : وما عدا الصدر والساقين ، وقال الشافعية : ما عدا ما بين السرة والركبة ، وبالنسبة لمثلها من النساء ما بين السرة والركبة . وعورة الرجل التي يجب حجبها عن الغير هي ما بين السرة والركبة مع الاختلاف في حجب الفخذ . وهذا في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( عورة ) . والدليل على وجوب حجب العورة عمن لا يحل له النظر إليها قوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } ... الآية . وقول { النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه } . وقوله صلى الله عليه وسلم بالنسبة للرجال : { عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته } ووجوب حجب العورة إنما يتحقق بما يحول بين الناظر ولون البشرة أو حجم الأعضاء . وكما يجب حجب العورة عن نظر الغير فإنه يستحب - وقيل يجب - حجبها في الخلوة حياء من الله تعالى . هذا مع مراعاة أنه لا حجاب بين الرجل وزوجته . فعن بهز بن حكيم بن معاوية عن

(18/2)


أبيه عن جده قال : { قلت : يا رسول الله : عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ، قال : قلت يا رسول الله : إذا كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال : إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها ، قال : قلت يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا ؟ قال : الله أحق أن يستحيا منه من الناس } . والصغيرة إن كانت بنت سبع سنين إلى تسع فعورتها التي يجب حجبها هي ما بين السرة والركبة ، وإن كانت أقل من سبع سنين فلا حكم لعورتها ، وهذا كما يقول الحنابلة . كما أنه يجب على المرأة أن تحتجب من المراهق الذي يميز بين العورة وغيرها ، وهذا في الجملة . فإن كان صغيرا لا يميز بين العورة وغيرها فلا بأس من إبداء الزينة له لقوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } . ويستثنى من وجوب حجب العورة إباحة كشفها للحاجة والضرورة كالتداوي والختان والشهادة وغير ذلك . فعن عطية القرظي قال : كنت من سبي بني قريظة ، فكانوا ينظرون ، فمن أنبت الشعر قتل ، ومن لم ينبت لم يقتل ، فكنت فيمن لم ينبت . وفي كل ما سبق تفصيل ينظر في مصطلح : ( عورة ) .
2 - الاحتجاب أثناء قضاء الحاجة :

(18/3)


6 - يستحب لقاضي الحاجة في الفضاء أن يستتر عن أعين الناس بحيث لا يرى جسمه . أما بالنسبة للعورة فيجب حجبها ، فإن وجد حائطا أو كثيبا أو شجرة استتر به ، وإن لم يجد شيئا أبعد حتى لا يراه أحد ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من أتى الغائط فليستتر ، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من الرمل فليستدبره } وهذا في الجملة وينظر تفصيل ذلك في ( استنجاء ) .
3 - الحجاب الذي يمنع الاقتداء بالإمام في الصلاة :
7 - من شرائط الاقتداء أن لا يحول بين المأموم والإمام ما يمنع متابعته . فإن كان بين الإمام والمأموم جدار لا باب فيه ، أو كان بينهما باب مغلق يحول من المتابعة لم يصح الاقتداء ، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها لنساء كن يصلين في حجرتها : لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب ، وهذا في الجملة . وينظر ذلك في ( اقتداء ) .
4 - الطلاق من وراء حجاب :
8 - من خاطب زوجته بالطلاق وهو يظنها أجنبية بأن كانت في ظلمة ، أو من وراء حجاب وقع الطلاق ، كما جاء في مغني المحتاج ، لأنه أتى باللفظ عن قصد واختيار ، وعدم رضاه بوقوعه لظنه أنه لا يقع لا أثر له لخطأ ظنه ، وقال النووي في الروضة : تطلق عند الأصحاب ، وفيه احتمال لإمام الحرمين وهذا في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في ( طلاق ) .
5 - احتجاب القاضي :

(18/4)


9 - لا يجوز للقاضي أن يحتجب عن الناس من غير عذر إلا في أوقات استراحته لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من ولي من أمر الناس شيئا فاحتجب دون خلتهم وحاجتهم وفاقتهم احتجب الله دون خلته وفاقته وحاجته وفقره } . وكره الشافعية والحنابلة أن يتخذ القاضي حاجبا ، لأن حاجبه ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم ، فإن دعت حاجة إلى ذلك اتخذ أمينا بعيدا من الطمع . وأجاز المالكية والحنفية أن يتخذ القاضي حاجبا لمنع دخول من لا حاجة له وتأخير من جاء بعد حتى يفرغ السابق من قضيته . أما الأمير فإنه يجوز له أن يتخذ حاجبا ، لأنه ينظر في جميع المصالح فتدعوه الحاجة إلى أن يجعل لكل مصلحة وقتا لا يدخل فيه أحد . وينظر تفصيل ذلك في ( حاجب )
6 - الشهادة بالسماع من وراء حجاب :

(18/5)


10 - مدرك العلم الذي تقع به الشهادة الرؤية والسماع ، والرؤية تكون في المشهود عليه من الأفعال كالجناية والغصب والزنى والسرقة وغيرها مما يدرك بالعين ، لأنها لا تدرك إلا بها ، وإن كان المشهود عليه من العقود فقد اختلف الفقهاء هل لا بد من الرؤية والسماع ؟ أم يكفي السماع فقط ؟ فعند الحنفية والمالكية والحنابلة يكفي السماع إذا عرف القائل وتحقق أنه كلامه جاء في فتح القدير : لو سمع من وراء حجاب كثيف لا يشف من ورائه لا يجوز له أن يشهد ، ولو شهد وفسره للقاضي بأن قال : سمعته باع ولم أر شخصه حين تكلم لا يقبله ، لأن النغمة تشبه النغمة ، إلا إذا أحاط بعلم ذلك ، لأن المسوغ هو العلم غير أن رؤيته متكلما بالعقد طريق العلم ، فإذا فرض تحقق طريق آخر جاز ، وذلك بأن يكون دخل البيت فرآه فيه وعلم أنه ليس به أحد غيره ولا منفذ غير الباب ، وهو قد جلس عليه وسمع الإقرار أو البيع ، فإنه حينئذ يجوز له الشهادة عليه بما سمع ، لأنه حصل به العلم في هذه الصورة . أما عند الشافعية فلا بد من الرؤية مع السماع وهذا في الجملة . كما أنه لا يجوز أن يشهد إنسان على منتقبة حتى تكشف عن وجهها ليشهد على عينها ووصفها لتتعين لأداء الشهادة عليها وذلك لا يكون مع الانتقاب ، وهذا في الجملة . وتفصيل ذلك في ( شهادة ) . وينظر تفصيل ما تقبل فيه الشهادة بالسماع في مصطلح : ( تسامع ) .
ثانيا : استعمال الحجاب في المعاني :

(18/6)


11 - يستعمل لفظ الحجاب مجازا في المعاني وذلك كما جاء في حديث { معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له : ... واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب } . قال ابن حجر : قوله ( حجاب ) أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا ، وليس المراد أن لله تعالى حجابا يحجبه عن الناس ، وقال الطيبي : ليس بينها وبين الله حجاب تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء كمن يقصد دار السلطان متظلما فلا يحجب . وقال الحافظ العلائي : المراد بالحاجب والحجاب نفي عدم إجابة دعاء المظلوم ثم استعار الحجاب للرد ، فكان نفيه دليلا على ثبوت الإجابة ، والتعبير بنفي الحجاب أبلغ من التعبير بالقبول ، لأن الحجاب من شأنه المنع من الوصول إلى المقصود فاستعير نفيه لعدم المنع . ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : { ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه } .
2 - الحجب في الميراث :
12 - الحجب في الميراث معناه شرعا : منع من قام به سبب الإرث بالكلية أو من أوفر حظيه ، ويسمى الأول حجب حرمان ، والثاني حجب نقصان . وحجب الحرمان قسمان ، حجب بالوصف ويسمى منعا كالقتل والرق ، ويمكن دخوله على جميع الورثة . وحجب بالشخص أو الاستغراق ، كالأخ لأبوين أو لأب يحجبه الأب والابن وابن الابن . وحجب النقصان كحجب الولد الزوج من النصف إلى الربع . وتفصيل ذلك ينظر في ( إرث - حاجب ) .
حجاز
التعريف

(18/7)


1 - الحجاز لغة من الحجز ، وهو الفصل بين الشيئين . قال الأزهري : الحجز أن يحجز بين متقاتلين ، والحجاز الاسم وكذا الحاجز ، قال الله تعالى : { وجعل بين البحرين حاجزا } أي حجازا بين ماء ملح وماء عذب لا يختلطان ، وذلك الحجاز قدرة الله . ويقال للجبال أيضا حجاز ، أي لأنها تحجز بين أرض وأرض . والحجاز البلد المعروف ، سمي بذلك من الحجز الذي هو الفصل بين الشيئين ، قيل : لأنه فصل بين الغور ( أي تهامة ) والشام والبادية . وقيل : لأنه فصل بين تهامة ونجد . وقال الأزهري : سمي حجازا لأن الحرار حجزت بينه وبين عالية نجد . وقد اختلفت عبارات اللغويين في بيان ما يدخل تحت اسم الحجاز وبيان حدوده ، فقال ياقوت الحموي : الحجاز الجبل الممتد الذي حال بين الغور ، غور تهامة ، ونجد ، ثم نقل عن الأصمعي الحجاز من تخوم صنعاء من العبلاء وتبالة إلى تخوم الشام . وقريب منه قول هشام الكلبي إن جبل السراة من قعرة اليمن إلى أطراف بوادي الشام سمته العرب حجازا ، فصار ما خلفه إلى سيف البحر غور تهامة ، وما دونه في شرقيه إلى أطراف العراق والسماوة نجدا . والجبل نفسه وهو سراته وما احتجز به في شرقيه من الجبال وانحاز إلى ناحية فيه هو الحجاز . وأما في اصطلاح الفقهاء وخاصة عند الشافعية والحنابلة الذين قصروا حكم جزيرة العرب الوارد في الحديث ، فبيان مرادهم بالحجاز كما يلي : قال الشافعي : والحجاز مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها . ثم قال : « ولا يتبين أن يمنعوا ركوب بحر الحجاز ، ويمنعون من المقام في سواحله ، وكذلك إن كانت في بحر الحجاز جزائر وجبال تسكن منعوا من سكناها لأنها من أرض الحجاز » . ا هـ . وذكر في المنهاج وشرحه من مدن الحجاز وقراه : مكة والمدينة واليمامة وقراها كالطائف ووج وجدة والينبع وخيبر ، ( وأضاف عميرة البرلسي فدكا ) . وقال الشافعية : إن الكافر يمنع من الإقامة

(18/8)


بجزائر بحر الحجاز ولو كانت خرابا ، ومن الإقامة في بحر في الحجاز ولو في سفينة . وفسر القليوبي اليمامة بأنها البلد التي كان فيها مسيلمة ، والتي سميت باسمها زرقاء اليمامة . وهذا يقتضي أن الحجاز عند الشافعية - وعند الحنابلة كما يأتي - يشمل ما هو شرقي جبال الحجاز حتى اليمامة وقراها وهي منطقة الرياض الآن ، أو ما كان يسمى قديما العرض أو العارض وهي بعض العروض ، جاء في معجم البلدان : العروض اليمامة والبحرين وما والاهما . وليست البحرين وقاعدتها هجر من الحجاز . وكذلك فسره الحنابلة : فإنهم عندما تعرضوا لما يمنع الكفار من سكناه بينوا أن المراد بجزيرة العرب في الحديث ( الحجاز ) . جاء في المغني : قال أحمد ، في حديث { أخرجوا المشركين من جزيرة العرب } : جزيرة العرب المدينة وما والاها ، قال ابن قدامة : يعني أن الممنوع من سكنى الكفار المدينة وما والاها وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها وما والاها . وجاء في كلامه ما يدل على أن تيماء وفيدا ونحوهما لا يمنع أهل الذمة من سكناها وكذلك اليمن ونجران وتيماء وفيد من بلاد طيئ . وجاء في مطالب أولي النهى : يمنع أهل الذمة من الإقامة بالحجاز ، وهو ما حجز بين تهامة ونجد . والحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر والينبع وفدك وقراها ، وفدك قرية بينها وبين المدينة يومان . وقال ابن تيمية : ومن الحجاز تبوك ونحوها ، وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان يعتبر من الشام كمعان .
الأحكام الشرعية المتعلقة بالحجاز :

(18/9)


2 - الأحكام الشرعية المتعلقة بجزيرة العرب ومنها الحجاز ترجع أساسا إلى أربعة أحكام : الأول : أنها لا يسكنها غير المسلمين . والثاني : أنها لا يدفن بها أحد من غير المسلمين . والثالث : أنها لا يبقى بها دار عبادة لغير المسلمين . والرابع : أنها زكوية كلها لا يؤخذ من أرضها خراج . وقد ذكر ذلك وأدلته وتفصيله والخلاف فيه تحت عنوان ( أرض العرب ) لكن المراد هنا بيان أن أرض العرب نوعان : الأول : ما اتفق فيه الفقهاء على أنه مراد بأرض العرب الواردة أحكامها في الأحاديث ، فتنطبق عليه الأحكام المذكورة إجماعا ، وهو أرض الحجاز . والثاني : ما اختلف في أنه مراد بالأحاديث الواردة في شأن أرض العرب وهو ما عدا أرض الحجاز ، كالبحرين ، واليمن ، وما وراء جبال طيئ إلى حدود العراق . فالحنفية والمالكية يرون أنها مرادة بالأحاديث الواردة وتنطبق عليها أحكامها . والشافعية والحنابلة يرون أنها غير مرادة ولا تنطبق عليها تلك الأحكام . وانظر للتفصيل مصطلح : ( أرض العرب ) .
حجامة
التعريف
1 - الحجامة : مأخوذة من الحجم أي المص . يقال : حجم الصبي ثدي أمه إذا مصه . والحجام المصاص ، والحجامة صناعته والمحجم يطلق على الآلة التي يجمع فيها الدم وعلى مشرط الحجام فعن ابن عباس : الشفاء في ثلاث شربة عسل وشرطة محجم وكية نار . والحجامة في كلام الفقهاء قيدت عند البعض بإخراج الدم من القفا بواسطة المص بعد الشرط بالحجم لا بالفصد . وذكر الزرقاني أن الحجامة لا تختص بالقفا بل تكون من سائر البدن . وإلى هذا ذهب الخطابي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الفصد :
2 - فصد يفصد فصدا وفصادا : شق العرق لإخراج الدم . وفصد الناقة شق عرقها ليستخرج منه الدم فيشربه . فالفصد والحجامة يجتمعان في أن كلا منهما إخراج للدم ، ويفترقان في أن الفصد شق العرق ، والحجامة مص الدم بعد الشرط .

(18/10)


( الحكم التكليفي ) :
3 - التداوي بالحجامة مندوب إليه ، وورد في ذلك عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم منها قوله : { خير ما تداويتم به الحجامة } ومنها قوله : { خير الدواء الحجامة } . ومنها ما رواه الشيخان : { إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار توافق الداء ، وما أحب أن أكتوي } .
الأحكام المتعلقة بالحجامة :
4 - اعتنى الفقهاء ببيان أحكام الحجامة من حيث تأثيرها على الطهارة ، وعلى الصوم ، وعلى الإحرام . ومن حيث القيام بها ، وأخذ الأجر عليها ، والتداوي بها . تأثير الحجامة على الطهارة :
5 - ذهب الحنفية إلى أن خروج الدم بالحجامة ناقض من نواقض الوضوء . قال السرخسي : الحجامة توجب الوضوء وغسل موضع المحجمة عندنا ، لأن الوضوء واجب بخروج النجس ، فإن توضأ ولم يغسل موضع المحجمة ، فإن كان أكثر من قدر الدرهم لم تجزه الصلاة ، وإن كان دون ذلك أجزأته . والفصد مثل الحجامة في نقض الوضوء . فإذا افتصد وخرج منه دم كثير ، وينتقض أيضا إذا مصت علقة عضوا وأخذت من الدم قدرا يسيل منها لو شقت . وذهب المالكية والشافعية إلى أن الحجامة والفصد ومص العلق لا يوجب واحد منها الوضوء . قال الزرقاني : لا ينتقض الوضوء بحجامة من حاجم ومحتجم وفصد . وفي الأم " لا وضوء في قيء ولا رعاف ولا حجامة ولا شيء خرج من الجسد وأخرج منه غير الفروج الثلاثة القبل والدبر والذكر » . وذهب الحنابلة إلى أن ما خرج من الدم موجب للوضوء إذا كان فاحشا . وفي حد الفاحش عندهم خلاف : فقيل : الفاحش ما وجده الإنسان فاحشا كثيرا . قال ابن عقيل : إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس لا المتبذلين ولا الموسوسين . وقيل : هو مقدار الكف . وقيل : عشرة أصابع .
تأثير الحجامة على الصوم :

(18/11)


6 - ذهب الحنفية إلى أن الحجامة جائزة للصائم إذا كانت لا تضعفه ، ومكروهة إذا أثرت فيه وأضعفته ، يقول ابن نجيم : الاحتجام غير مناف للصوم وهو مكروه للصائم . إذا كان يضعفه عن الصوم ، أما إذا كان لا يضعفه فلا بأس به . وذهب المالكية إلى أن المحتجم إما أن يكون ضعيف البدن لمرض أو خلقة . وفي كل إما أن يغلب على ظنه أن الاحتجام لا يضره ، أو يشك أو يغلب على ظنه أنه إن احتجم لا يقوى على مواصلة الصوم . فمن غلب على ظنه أنه لا يتضرر بالحجامة جاز له أن يحتجم . ومن غلب على ظنه أنه سيعجز عن مواصلة الصوم إذا هو احتجم حرم عليه . إلا إذا خشي على نفسه هلاكا أو شديد أذى بتركه ، فيجب عليه أن يحتجم ويقضي إذا أفطر ولا كفارة عليه . ومن شك في تأثير الحجامة على قدرته على مواصلة الصوم فإن كان قوي البنية جاز له ، وإن كان ضعيف البدن كره له .
والفصادة مثل الحجامة فتكره للمريض دون الصحيح كما في الإرشاد . وذهب الشافعية إلى أنه لا يفطر الصائم بالفصد أو الحجامة يقول الخطيب الشربيني : أما الفصد فلا خلاف فيه ، وأما الحجامة فلأنه { صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم } . وهو ناسخ لحديث : { أفطر الحاجم والمحجوم } . وذهب الحنابلة إلى أن الحجامة تؤثر في الحاجم والمحجوم ويفطر كل منهما . يقول ابن قدامة : الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم ، وبه قال إسحاق وابن المنذر . ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وهو قول عطاء وعبد الرحمن بن مهدي . وكان الحسن ومسروق وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم . وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلا في الصوم منهم ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس . واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم { أفطر الحاجم والمحجوم } .
تأثير الحجامة على الإحرام :

(18/12)


7 - ذهب الحنفية إلى أن الحجامة لا تنافي الإحرام . قال ابن نجيم : ومما لا يكره له أيضا - أي للمحرم - الاكتحال بغير المطيب وأن يختتن ويفتصد . ويقلع ضرسه ، ويجبر الكسر ، ويحتجم » . فالحجامة إذا لم يترتب عليها قلع الشعر لا تكره للمحرم ، أما إذا ترتب على ذلك قلع شعر ، فإن حلق محاجمه واحتجم فيجب عليه دم . ولا يضر تعصيب مكان الفصد : يقول ابن عابدين : ( وإن لزم تعصيب اليد لما قدمناه من أن تعصيب غير الوجه والرأس إنما يكره له بغير عذر ) . وذهب المالكية إلى أن الحجامة في الإحرام : إن كانت لعذر فجواز الإقدام عليها ثابت قولا واحدا ، وإن كانت لغير عذر حرمت إن لزم قلع الشعر . وكرهت إن لم يلزم منه ذلك ، لأن الحجامة قد تضعفه قال مالك : لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة . علق عليه الزرقاني أي يكره لأنه قد يؤدي إلى ضعفه كما كره صوم يوم عرفة للحاج مع أن الصوم أخف من الحجامة . واستدلوا بما روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم فوق رأسه } ، وفي رواية الصحيحين وسط رأسه ، وفي رواية علقها البخاري { احتجم من شقيقة كانت به } وللنسائي من وثء ( وهو رض العظم بلا كسر ) وهو يومئذ بلحي جمل ولأبي داود والحاكم والنسائي عن أنس { على ظهر القدم من وجع كان به } ولفظ الحاكم { على ظهر القدمين } : يقول الزرقاني : وهذا يدل على تعددها منه في الإحرام . وعلى الحجامة في الرأس وغيره للعذر . وهو إجماع ، ولو أدت إلى قلع الشعر . لكن يفتدي إذا قلع الشعر . وأما الفصد فيقول الزرقاني : وجاز فصد لحاجة وإلا كره إن لم يعصبه ، فإن عصبه ولو لضرورة افتدى . وعند الشافعية قال النووي : إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر وإن لم تتضمنه جازت . واستدل بما روى البخاري عن ابن بحينة رضي

(18/13)


الله عنه قال : { احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم بلحي جمل في وسط رأسه } . واستدل بهذا الحديث على جواز الفصد ، وبط الجرح ، وقطع العرق ، وقلع الضرس ، وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه المحرم من تناول الطيب ، وقطع الشعر ، ولا فدية عليه في شيء من ذلك . وذهب الحنابلة إلى جواز الاحتجام للمحرم إذا لم يقلع شعرا دون تفصيل ، وإن اقتلع شعرا من رأسه أو من بدنه فإن كان لغير عذر حرم . وإن كان لعذر جاز . ويجب على من اقتلع شعرا بسبب الحجامة فدية في ثلاث شعرات مد عن كل واحدة . وإن كانت أربع شعرات فأكثر وجب عليه صيام ثلاثة أيام أو إطعام ثلاثة آصع أو ذبح شاة . والفصد مثل الحجامة في الأحكام .
امتهان الحجامة وأخذ الأجر عليها :
8 - ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في قول ) إلى جواز اتخاذ الحجامة حرفة وأخذ الأجرة عليها ، واستدلوا بما روى ابن عباس قال : { احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره } ، ولو علمه حراما لم يعطه وفي لفظ { لو علمه خبيثا لم يعطه } . ولأنها منفعة مباحة فجاز الاستئجار عليها كالبناء والخياطة ، ولأن بالناس حاجة إليها ولا نجد كل أحد متبرعا بها ، فجاز الاستئجار عليها كالرضاع . وذهب الحنابلة في قول آخر نسبه القاضي إلى أحمد قال : لا يباح أجر الحجام ، فإذا أعطي شيئا من غير عقد ولا شرط فله أخذه ، ويصرفه في علف دوابه ومؤنة صناعته ، ولا يحل له أكله ، واستدل لهذا القول بقول النبي صلى الله عليه وسلم : { كسب الحجام خبيث } .
ضمان الحجام :
9 - الحجام لا يضمن إذا فعل ما أمر به وتوفر شرطان :
أ - أن يكون قد بلغ مستوى في حذق صناعته يمكنه من مباشرتها بنجاح .
ب - أن لا يتجاوز ما ينبغي أن يفعل في مثله . وتفصيله في تداو وتطبيب .
حجب
التعريف

(18/14)


1 - الحجب لغة مصدر حجب يقال : حجب الشيء يحجبه حجبا إذا ستره ، وقد احتجب وتحجب إذا اكتن من وراء حجاب . وحجبه منعه عن الدخول ، وكل ما حال بين الشيئين فهو حجاب ، ومنه قوله تعالى : { ومن بيننا وبينك حجاب } . وكل شيء منع شيئا فقد حجبه ، وسمي البواب حاجبا لأنه يمنع من أراد الدخول . وأكثر ما يستعمل الحجب في الميراث وهو اصطلاحا : منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية ويسمى حجب حرمان ، أو من أوفر حظيه ويسمى حجب نقصان . وقد يستعمل في الحضانة والولاية بمعنى منع الشخص من دونه من ذلك الحق كما يقال : الأم تحجب كل حاضنة سواها ، ما لم تتزوج بمحرم من الصغير ، وفي الولاية يقال : إن الولي الأقرب يحجب الولي الأبعد . وتفصيله في الحضانة والولاية .
( الألفاظ ذات الصلة )
المنع :
2 - من معاني المنع في اللغة : الحرمان ، وفي الاصطلاح : هو تعطيل الحكم مع وجود سببه ، كامتناع الميراث مع وجود القرابة الموجبة له بسبب اختلاف الدين - مثلا - والمنع في الإرث أكثر ما يستعمل في الحجب بالوصف ، أما الحجب فيستعمل في الحجب بالشخص .
الحجب في الميراث :

(18/15)


3 - الحجب مطلقا قسمان : حجب بوصف ، وهو المعبر عنه بالمانع ، وحجب بشخص ، وهو قسمان : حجب حرمان ، وهو أن يسقط الوارث غيره بالكلية . وهو لا يدخل على ستة من الورثة إجماعا ، وهم : الأبوان والزوجان والابن والبنت وضابطه : كل من أدلى بنفسه إلى الميت إلا المعتق . والثاني : حجب نقصان : وهو حجب عن نصيب أكثر إلى نصيب أقل . وهو لخمسة من الورثة : الزوجين ، والأم ، وبنت الابن ، والأخت لأب ، والإخوة لأم . وللحجب مطلقا قواعد يقوم عليها ، وهي : الأولى : أن من يدلي إلى الميت بوارث يحجب حجب حرمان عند وجود ذلك الوارث إلا الإخوة لأم مع وجود الأم . الثانية : أن الأقرب يحجب الأبعد إذا كان يستحق بوصفه ونوعه . الثالثة : أن الأقوى قرابة يحجب الأضعف منه . وفي ذلك تفصيل سبق في مصطلح إرث ( ج 3 ص 45 فقرة 45 ) من الموسوعة . وفي تطبيق هذه القواعد التفصيل التالي : فابن الابن يحجبه الابن أو ابن ابن أقرب منه لإدلائه به إن كان أباه ، أو لأنه عصبة أقرب منه ، ويحجبه كذلك أبوان وبنتان للصلب باستغراقهم للتركة . والجد أبو الأب وإن علا لا يحجبه إلا الأب أو جد أقرب منه متوسط بينه وبين الميت تطبيقا لقاعدة أن من أدلى بشخص لا يرث مع وجوده إلا أولاد الأم ، والأخ الشقيق يحجبه الأب والابن وابن الابن وإن سفل لقوله تعالى : { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } وهذه المسألة مجمع عليها بين الفقهاء .

(18/16)


4 - واختلفوا فيما إذا كان الإخوة الأشقاء والإخوة للأب يحجبون بالجد أبي الأب وإن علا : فذهب أبو حنيفة إلى أن الجد يحجب الإخوة سواء أكانوا أشقاء أو لأب للآية المذكورة حيث إن الكلالة - سواء كانت اسما للميت الذي لا ولد ولا والد له حسب اختلاف العلماء في تفسيرها - لا تشمل الجد لأنه والد للميت ، وإلى هذا ذهب أبو بكر الصديق وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم .
5- وذهب جمهور العلماء وهم المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة إلى أن الجد لا يحجب الأخ الشقيق أو لأب بل يرث معه والأخ لأب يحجبه هؤلاء والأخ الشقيق .
وابن الأخ لأبوين ، يحجبه ستة وهم الأب ، والجد أبو الأب وإن علا ، والابن وابن الابن وإن سفل والأخ لأبوين ، والأخ لأب . وابن الأخ لأب يحجبه سبعة وهم هؤلاء الستة وابن الأخ لأبوين .
والعم لأبوين يحجبه ثمانية وهم الأب والجد وإن علا والابن وابن الابن وإن سفل والأخ لأبوين والأخ لأب وابن الأخ لأبوين وابن الأخ لأب . والعم لأب يحجبه تسعة وهم هؤلاء الثمانية والعم الشقيق .
وابن العم الشقيق يحجبه عشرة وهم الأب والجد أبو الأب وإن علا والابن وابن الابن وإن سفل والأخ الشقيق والأخ لأب وابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب والعم الشقيق والعم لأب . وابن العم لأب يحجبه هؤلاء العشرة ، وابن العم الشقيق . وهذه المسائل متفق عليها بين الفقهاء .
6 - وبنت الابن يحجبها الابن لأنه أبوها أو عمها وهو بمنزلة أبيها وتحجبها بنتان لأن الثلثين فرض البنات ولم يبق منه شيء إلا إذا كان معها ابن ابن يعصبها فحينئذ تشترك معه فيما بقي بعد ثلثي البنتين { للذكر مثل حظ الأنثيين }
والأخوات لأبوين أو لأب كالإخوة لأبوين أو لأب في الحجب إلا أن الأخ الشقيق يحجب الأخوة لأب وإن كثروا .
والأخت لأب فأكثر يحجبهن أختان لأبوين ، لأن الثلثين فرض الأخوات ولم يبق منه شيء .

(18/17)


وأولاد الأم يحجبهم أربعة وهم الأب والجد أبو الأب وإن علا ، والولد للصلب ذكرا كان أو أنثى ، وولد الابن كل ذلك وإن سفل . وهذا مجمع عليه بين الفقهاء لقوله تعالى : { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } . وأجمع الفقهاء كذلك على أن الجدة تحجب بالأم سواء أكانت من جهة الأم أم من جهة الأب لأن الجدات يرثن بالولادة فالأم أولى لمباشرتها الولادة ، كما أجمعوا على أن القربى من كل جهة تحجب البعدى من هذه الجهة لقربها إلى الميت .
7 - ولكنهم اختلفوا في مسألتين من مسائل حجب الجدة : أولاهما : فيمن تحجب الجدة التي من جهة الأب غير الأم . فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الأب يحجب الجدة التي من جهته لأنها تدلي به إلى الميت ومن أدلى بشخص لا يرث معه إلا أولاد الأم كما سبق ذكره . وذهب الحنابلة إلى أن الأب لا يحجب هذه الجدة بل ترث معه ، واستدلوا بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : { أول جدة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس أم أب مع ابنها وابنها حي } . ولأن الجدات أمهات يرثن ميراث الأم لا ميراث الأب فلا يحجبن به كأمهات الأم .
وثانيتهما : هل القربى من الجدات تحجب البعدى من الجهة الأخرى ؟ فذهب المالكية والشافعية إلى أن القربى من جهة الأم تحجب البعدى من جهة الأب ، وأن القربى من جهة الأب لا تحجب البعدى من جهة الأم ، لأن الأب لا يحجبها فالجدة التي تدلي به أولى أن لا تحجبها . وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن القربى من أي جهة كانت تحجب البعدى من أي جهة كانت كذلك لقوة القرابة .

(18/18)


8 - واتفق فقهاء المذاهب ومن سبقهم من علماء السلف وعامة الصحابة على أن من لا يرث لمانع فيه كالقتل أو الرق لا يحجب غيره لا حرمانا ولا نقصانا بل وجوده كالعدم . وخالفهم في ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال : إن المحروم من الإرث يحجب غيره حرمانا ونقصانا . كما اتفق هؤلاء على أن المحجوب بشخص يحجب غيره حجب نقصان . وأجمعوا كذلك على أن المعتق يحجبه عصبة النسب ، لأن النسب أقوى من الولاء . أما ما يتصل بحجب النقصان فيرجع فيه إلى مصطلح : ( إرث ) .
حج الحج
التعريف
1 - الحج : بفتح الحاء ويجوز كسرها ، هو لغة القصد ، حج إلينا فلان : أي قدم ، وحجه يحجه حجا : قصده . ورجل محجوج ، أي مقصود . هذا هو المشهور . وقال جماعة من أهل اللغة : الحج : القصد لمعظم . والحج بالكسر : الاسم . والحجة : المرة الواحدة ، وهو من الشواذ ، لأن القياس بالفتح . تعريف الحج اصطلاحا :
2 - الحج في اصطلاح الشرع : هو قصد موضع مخصوص ( وهو البيت الحرام وعرفة ) في وقت مخصوص ( وهو أشهر الحج ) للقيام بأعمال مخصوصة وهي الوقوف بعرفة ، والطواف ، والسعي عند جمهور العلماء ، بشرائط مخصوصة يأتي بيانها .
( الألفاظ ذات الصلة )
العمرة :
3 - وهي قصد البيت الحرام للطواف والسعي وتفصيله في مصطلح : ( عمرة ) .
الحكم التكليفي للحج :
4 - الحج فرض عين على كل مكلف مستطيع في العمر مرة ، وهو ركن من أركان الإسلام ، ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع .

(18/19)


أ - أما الكتاب : فقد قال الله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } . فهذه الآية نص في إثبات الفرضية ، حيث عبر القرآن بصيغة { ولله على الناس } وهي صيغة إلزام وإيجاب ، وذلك دليل الفرضية ، بل إننا نجد القرآن يؤكد تلك الفرضية تأكيدا قويا في قوله تعالى : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } فإنه جعل مقابل الفرض الكفر ، فأشعر بهذا السياق أن ترك الحج ليس من شأن المسلم ، وإنما هو شأن غير المسلم .
ب - وأما السنة فمنها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، والحج } . وقد عبر بقوله : { بني الإسلام ... } فدل على أن الحج ركن من أركان الإسلام . وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال : { خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ... } . وقد وردت الأحاديث في ذلك كثيرة جدا حتى بلغت مبلع التواتر الذي يفيد اليقين والعلم القطعي اليقيني الجازم بثبوت هذه الفريضة .
ج - وأما الإجماع : فقد أجمعت الأمة على وجوب الحج في العمر مرة على المستطيع ، وهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة يكفر جاحده .
وجوب الحج على الفور أو التراخي :

(18/20)


5 - اختلفوا في وجوب الحج عند تحقق الشروط هل هو على الفور أو على التراخي ؟ . ذهب أبو حنيفة في أصح الروايتين عنه وأبو يوسف ومالك في الراجح عنه وأحمد إلى أنه يجب على الفور ، فمن تحقق فرض الحج عليه في عام فأخره يكون آثما ، وإذا أداه بعد ذلك كان أداء لا قضاء ، وارتفع الإثم . وذهب الشافعي والإمام محمد بن الحسن إلى أنه يجب على التراخي ، فلا يأثم المستطيع بتأخيره . والتأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل ، فلو خشي العجز أو خشي هلاك ماله حرم التأخير ، أما التعجيل بالحج لمن وجب عليه فهو سنة عند الشافعي ما لم يمت ، فإذا مات تبين أنه كان عاصيا من آخر سنوات الاستطاعة . استدل الجمهور على الوجوب الفوري بالآتي :
أ - الحديث : { من ملك زادا . وراحلة تبلغه إلى بيت الله ، ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا } .
ب - المعقول : وذلك أن الاحتياط في أداء الفرائض واجب ، ولو أخر الحج عن السنة الأولى فقد يمتد به العمر وقد يموت فيفوت الفرض ، وتفويت الفرض حرام ، فيجب الحج على الفور احتياطا . واستدل الشافعية ومن معهم بما يلي :
أ - أن الأمر بالحج في قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } مطلق عن تعيين الوقت ، فيصح أداؤه في أي وقت ، فلا يثبت الإلزام بالفور ، لأن هذا تقييد للنص ، ولا يجوز تقييده إلا بدليل ، ولا دليل على ذلك . وهذا بناء على الخلاف أن الأمر على الفور أو للتراخي ( انظر مصطلح : أمر ) .
ب - ( أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عام ثمان من الهجرة ، ولم يحج إلا في السنة العاشرة ولو كان واجبا على الفورية لم يتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرض عليه ) .
فضل الحج :

(18/21)


6 - تضافرت النصوص الشرعية الكثيرة على الإشادة بفضل الحج ، وعظمة ثوابه وجزيل أجره العظيم عند الله تعالى . قال الله تعالى : { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ... } . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه } . وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ... } ومعنى يدنو : يتجلى عليهم برحمته وإكرامه . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة } . وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الحجاج والعمار وفد الله ، إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم } . { وعن عائشة رضي الله عنها ، قلت يا رسول الله : نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد ؟ قال : لا ، لكن أفضل الجهاد حج مبرور } . وعن أبي هريرة { رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : إيمان بالله ورسوله ، قيل ثم ماذا ؟ قال : جهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور } .
حكمة مشروعية الحج :

(18/22)


7 - شرعت العبادات لإظهار عبودية العبد لربه ومدى امتثاله لأمره ، ولكن من رحمة الله تعالى أن أكثر هذه العبادات لها فوائد تدركها العقول الصحيحة وأظهر ما يكون ذلك في فريضة الحج . وتشتمل هذه الفريضة على حكم جليلة كثيرة تمتد في ثنايا حياة المؤمن الروحية ، ومصالح المسلمين جميعهم في الدين والدنيا ، منها :
أ - أن في الحج إظهار التذلل لله تعالى ، وذلك لأن الحاج يرفض أسباب الترف والتزين ، ويلبس ثياب الإحرام مظهرا فقره لربه ، ويتجرد عن الدنيا وشواغلها التي تصرفه عن الخلوص لمولاه ، فيتعرض بذلك لمغفرته ورحماه ، ثم يقف في عرفة ضارعا لربه حامدا شاكرا نعماءه وفضله ، ومستغفرا لذنوبه وعثراته ، وفي الطواف حول الكعبة البيت الحرام يلوذ بجناب ربه ويلجأ إليه من ذنوبه ، ومن هوى نفسه ، ووسواس الشيطان .
ب - أن أداء فريضة الحج يؤدي شكر نعمة المال ، وسلامة البدن ، وهما أعظم ما يتمتع به الإنسان من نعم الدنيا ، ففي الحج شكر هاتين النعمتين العظيمتين ، حيث يجهد الإنسان نفسه " وينفق ماله في طاعة ربه والتقرب إليه سبحانه ، ولا شك أن شكر النعماء واجب تقرره بداهة العقول ، وتفرضه شريعة الدين .
ج - يجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم ، ومهوى أفئدتهم ، فيتعرف بعضهم على بعض ، ويألف بعضهم بعضا ، هناك حيث تذوب الفوارق بين الناس ، فوارق الغنى والفقر ، فوارق الجنس واللون ، فوارق اللسان واللغة ، تتحد كلمة الإنسان في أعظم مؤتمر بشري اجتمعت كلمة أصحابه على البر والتقوى وعلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، هدفه العظيم ربط أسباب الحياة بأسباب السماء .
شروط فرضية الحج :

(18/23)


8 - شروط الحج صفات يجب توفرها في الإنسان لكي يكون مطالبا بأداء الحج ، مفروضا عليه ، فمن فقد أحد هذه الشروط لا يجب عليه الحج ولا يكون مطالبا به ، وهذا الشروط خمسة هي : الإسلام ، والعقل ، والبلوغ ، والحرية ، والاستطاعة ، وهي متفق عليها بين العلماء ، قال الإمام ابن قدامة في المغني : لا نعلم في هذا كله اختلافا » . الشرط الأول : الإسلام :
9 - أ - لو حج الكافر ثم أسلم بعد ذلك تجب عليه حجة الإسلام ، لأن الحج عبادة ، بل هو من أعظم العبادات والقربات ، والكافر ليس من أهل العبادة .
ب - ولو أسلم وهو معسر بعد استطاعته في الكفر ، فإنه لا أثر لها .
ج - وقد أجمع العلماء على أن الكافر لا يطالب بالحج بالنسبة لأحكام الدنيا ، أما بالنسبة للآخرة فقد اختلفوا في حكمه ، هل يؤاخذ بتركه أو لا يؤاخذ . وبيان ذلك في المصطلح الأصولي .
( الشرط الثاني ) : العقل :
10 - يشترط لفرضية الحج العقل ، لأن العقل شرط للتكليف والمجنون ليس مكلفا بفروض الدين ، بل لا تصح منه إجماعا ، لأنه ليس أهلا للعبادة ، فلو حج المجنون فحجه غير صحيح ، فإذا شفي من مرضه وأفاق إلى رشده تجب عليه حجة الإسلام . روى علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم } .
( الشرط الثالث ) : البلوغ :

(18/24)


11 - يشترط البلوغ ، لأن الصبي ليس بمكلف ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : { رفعت امرأة صبيا لها فقالت : يا رسول الله ألهذا حج ؟ قال : نعم ولك أجر } . فلو حج الصبي صح حجه وكان تطوعا ، فإذا بلغ الصبي وجب عليه حجة الفريضة ، بإجماع العلماء ، لأنه أدى ما لم يجب عليه ، فلا يكفيه عن الحج الواجب بعد البلوغ ، لما روى ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا حج الصبي فهي له حجة حتى يعقل ، وإذا عقل فعليه حجة أخرى ، وإذا حج الأعرابي فهي له حجة ، فإذا هاجر فعليه حجة أخرى } .
( الشرط الرابع ) : الحرية :
12 - العبد المملوك لا يجب عليه الحج ، لأنه مستغرق في خدمة سيده ، ولأن الاستطاعة شرط ولا تتحقق إلا بملك الزاد والراحلة ، والعبد لا يتملك شيئا ، فلو حج المملوك ولو بإذن سيده صح حجه وكان تطوعا لا يسقط به الفرض ، ويأثم إذا لم يأذن له سيده بذلك . ويجب عليه أن يؤدي حجة الإسلام عندما يعتق ، للحديث السابق .
( الشرط الخامس ) : الاستطاعة :
13 - لا يجب الحج على من لم تتوفر فيه خصال الاستطاعة لأن القرآن خص الخطاب بهذه الصفة في قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } .
وخصال الاستطاعة التي تشترط لوجوب الحج قسمان : شروط عامة للرجال والنساء ، وشروط تخص النساء . القسم الأول : شروط عامة للرجال والنساء : شروط الاستطاعة العامة أربع خصال : القدرة على الزاد وآلة الركوب ، وصحة البدن ، وأمن الطريق ، وإمكان السير . الخصلة الأولى :

(18/25)


14 - تشترط لوجوب الحج القدرة على الزاد وآلة الركوب ، والنفقة ذهابا وإيابا عند الجمهور ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة ، ويختص اشتراط القدرة على آلة الركوب بمن كان بعيدا عن مكة . قال في " الهداية " : وليس من شرط الوجوب على أهل مكة ومن حولها الراحلة لأنه لا تلحقهم مشقة زائدة في الأداء ، فأشبه السعي إلى الجمعة » . والأظهر أن الذي يكون عند الحنفية بعيدا عن مكة هو : من بينه وبين مكة ثلاثة أيام فصاعدا ، أما ما دونه فلا ، إذا كان قادرا على المشي " يعني مسافة القصر في السفر . وتقدر ب ( 81 ) كيلو متر تقريبا . أما عند الشافعية والحنابلة فهو من كان بينه وبين مكة مرحلتان ، وهي مسافة القصر عندهم . وتقدر عندهم بنحو المسافة السابقة .
15 - وقد وقع الخلاف بين العلماء في شرطية الزاد وآلة الركوب لوجوب الحج ، وكانوا يركبون الدواب . لذلك عبروا بقولهم : الزاد والراحلة " وهي الجمل المعد للركوب لأنه المعروف في زمانهم . وهذا الخلاف في أمرين : الأمر الأول : خالف المالكية الجمهور في اشتراط القدرة على الراحلة وإن كانت المسافة بعيدة فقالوا : يجب عليه الحج إذا كان صحيح البنية يقدر على المشي بلا مشقة عظيمة ، وهو يملك الزاد . واستدل المالكية بقول الله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } . وجه الاستدلال أن " من كان صحيح البدن قادرا على المشي وله زاد فقد استطاع إليه سبيلا فيلزمه فرض الحج » . واستدل الجمهور بما ورد من الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فسر السبيل باستطاعة الزاد والراحلة ، مثل حديث أنس : { قيل يا رسول الله ما السبيل ؟ قال : الزاد والراحلة } . فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة المشروطة " بالزاد والراحلة جميعا " وبه تبين أن القدرة على المشي لا تكفي لاستطاعة الحج » .

(18/26)


الأمر الثاني : اختلف العلماء في الزاد ووسائل المواصلة هل يشترط ملكية المكلف لما يحصلها به أو لا يشترط ؟ فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن ملك ما يحصل به الزاد ووسيلة النقل ( مع ملاحظة ما ذكرنا عند المالكية ) شرط لتحقق وجوب الحج ، وفي هذا يقول ابن قدامة : ولا يلزمه الحج ببذل غيره له ، ولا يصير مستطيعا بذلك ، سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيا ، وسواء بذل له الركوب والزاد ، أو بذل له مالا » . وذهب الشافعي فيما يروى عنه إلى أنه يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة إذا كانت الإباحة ممن لا منة له على المباح له ، كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لابنه .
( شروط الزاد وآلة الركوب ) :
16 - ذكر العلماء شروطا في الزاد وآلة الركوب المطلوبين لاستطاعة الحج ، هي تفسير وبيان لهذا الشرط ، نذكرها فيما يلي :
أ - أن الزاد الذي يشترط ملكه هو ما يحتاج إليه في ذهابه وإيابه من مأكول ومشروب وكسوة بنفقة وسط لا إسراف فيها ولا تقتير ، فلو كان يستطيع زادا أدنى من الوسط الذي اعتاده لا يعتبر مستطيعا للحج ، ويتضمن اشتراط الزاد أيضا ما يحتاج إليه من آلات للطعام والزاد مما لا يستغني عنه . واعتبر المالكية القدرة على الوصول إلى مكة ، ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به ، ولا تزري بمثله ، أما الإياب فلا يشترط القدرة على نفقته عندهم إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه ولو شكا ، فيراعى ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع لمكة ، مما يمكنه أن يعيش به بما لا يزري به من الحرف .

(18/27)


ب - صرح الفقهاء بأنه يشترط في الراحلة أن تكون مما يصلح لمثله إما بشراء أو بكراء . وعند المالكية " لا يعتبر إلا ما يوصله فقط " ، إلا أن يكون عليه مشقة فادحة فيخفف عنه بما تزول به المشقة الفادحة . وهذا المعنى ملحوظ عند غيرهم فيما يصلح لمثلة إذا كان يشق عليه مشقة شديدة فيخفف عنه بما يزيلها . ج - إن ملك الزاد ووسيلة النقل يشترط أن يكون فاضلا عما تمس إليه الحاجة الأصلية مدة ذهابه وإيابه ، عند الجمهور . أما المالكية فاعتبروا ما يوصله فقط ، إلا أن يخشى الضياع ، وهو بناء على وجوب الحج على الفور عندهم . وفي هذا تفصيل نوضحه في الأمور التي تشملها الحاجة الأصلية .
خصال الحاجة الأصلية :
17 - خصال الحاجة الأصلية ثلاث :
أ - نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه عند الجمهور ( خلافا للمالكية كما نوضح في الخصلة التالية ) ، لأن النفقة حق للآدميين ، وحق العبد مقدم على حق الشرع . لما روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت } .
ب - ما يحتاج إليه هو وأهله من مسكن ، ومما لا بد لمثله كالخادم وأثاث البيت وثيابه بقدر الاعتدال المناسب له في ذلك كله ، عند الجمهور خلافا للمالكية أيضا . وقال المالكية في هاتين الخصلتين : يبيع في زاده داره التي تباع على المفلس وغيرها مما يباع على المفلس من ماشية وثياب ولو لجمعته إن كثرت قيمتها ، وخادمه ، وكتب العلم ولو محتاجا إليها . وإن كان يترك ولده وزوجته لا مال لهم ، فلا يراعي ما يؤول إليه أمره وأمر أهله وأولاده في المستقبل ، وإن كان يصير فقيرا لا يملك شيئا ، أو يترك أولاده ونحوهم للصدقة ، إن لم يخش هلاكا فيما ذكر أو شديد أذى » . وهذا لأن الحج عندهم واجب على الفور كما قدمنا .

(18/28)


ج - قضاء الدين الذي عليه ، لأن الدين من حقوق العباد ، وهو من حوائجه الأصلية ، فهو آكد ، وسواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى كزكاة في ذمته أو كفارات ونحوها . فإذا ملك الزاد والحمولة زائدا عما تقدم - على التفصيل المذكور - فقد تحقق فيه الشرط ، وإلا بأن اختل شيء مما ذكر لم يجب عليه الحج .
18 - ويتعلق بذلك فروع نذكر منها :
أ - من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته ، بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته من الدار الواسعة لوفى ثمنه للحج يجب عليه البيع عند المالكية والشافعية والحنابلة . ولا يجب عليه بيع الجزء الفاضل عند الحنفية .
ب - كذلك لو كان مسكنه نفيسا يفوق على مثله لو أبدل دارا أدنى لو في تكاليف الحج يجب عليه عند الثلاثة ، ولا يجب عند الحنفية .
ج - من ملك بضاعة لتجارته هل يلزمه صرف مال تجارته للحج ؟ ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط لوجوب الحج بقاء رأس مال لحرفته زائدا على نفقة الحج ، ورأس المال يختلف باختلاف الناس ، والمراد ما يمكنه الاكتساب به قدر كفايته وكفاية عياله لا أكثر ، لأنه لا نهاية له . وعند الشافعية قولان : الأصح أنه يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحج ولو لم يبق له رأس مال لتجارته . وهو مذهب المالكية كما سبق نقل كلامهم .
د - إذا ملك نقودا لشراء دار يحتاج إليها وجب عليه الحج إن حصلت له النقود وقت خروج الناس للحج ، وإن جعلها في غيره أثم . أما قبل خروج الناس للحج فيشتري بالمال ما شاء ، لأنه ملكه قبل الوجوب على ما اختاره ابن عابدين .
هـ - من وجب عليه الحج وأراد أن يتزوج وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما ، ففيها التفصيل الآتي :

(18/29)


1 - أن يكون في حالة اعتدال الشهوة ، فهذا يجب عليه تقديم الحج على الزواج عند الجمهور ، إذا ملك النفقة في أشهر الحج ، أما إن ملكها في غيرها فله صرفها حيث شاء . أما الشافعية فالصحيح عندهم أنه يلزمه الحج ويستقر في ذمته ، وله صرف المال إلى النكاح وهو أفضل .
2 - أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنى ، فهذا يكون الزواج في حقه مقدما على الحج اتفاقا .
و - قال ابن عابدين في حاشيته : تنبيه : ليس من الحوائج الأصلية ما جرت به العادة المحدثة لرسم الهدية للأقارب والأصحاب ، فلا يعذر بترك الحج لعجزه عن ذلك ... » . وهذا لا يتصور فيه خلاف بعد ما ذكرناه ، وهو يدل على إثم من أخر الحج بسبب هذه التقاليد الفاسدة .
الخصلة الثانية للاستطاعة : صحة البدن :
19 - إن سلامة البدن من الأمراض والعاهات التي تعوق عن الحج شرط لوجوب الحج . فلو وجدت سائر شروط وجوب الحج في شخص وهو مريض زمن أو مصاب بعاهة دائمة ، أو مقعد أو شيخ كبير لا يثبت على آلة الركوب بنفسه فلا يجب عليه أن يؤدي بنفسه فريضة اتفاقا . لكن اختلفوا هل صحة البدن شرط لأصل الوجوب ، أو هي شرط للأداء بالنفس : ذهب الشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أن صحة البدن ليست شرطا للوجوب ، بل هي شرط للزوم الأداء بالنفس ، فمن كان هذا حاله يجب عليه الحج ، بإرسال من ينوب عنه . وقال الإمامان أبو حنيفة ومالك : إنها شرط للوجوب ، وبناء على ذلك لا يجب على فاقد صحة البدن أن يحج بنفسه ولا بإنابة غيره ، ولا الإيصاء بالحج عنه في المرض . استدل الأولون : بأنه صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة ، وهذا له زاد وراحلة فيجب عليه الحج . واستدل أبو حنيفة ومالك بقوله تعالى : { من استطاع إليه سبيلا } وهذا غير مستطيع بنفسه فلا يجب عليه الحج . 20 - وتفرع على ذلك مسائل ، نذكر منها :

(18/30)


أ - من كان قادرا على الحج بمساعدة غيره كالأعمى ، وجب عليه الحج بنفسه إذا تيسر له من يعينه ، تبرعا أو بأجرة ، إن كان قادرا على أجرته ، إذا كانت أجرة المثل ، ولا يكفيه حج الغير عنه إلا بعد أن يموت . ومن لم يستطع الحج بنفسه بمساعدة غيره وجب عليه أن يرسل غيره ، ليحج عنه . ويجب على المريض أن يوصي بالحج عنه بعد موته . هذا على مذهب الصاحبين والجمهور . أما على مذهب أبي حنيفة فلا يجب عليه شيء ، لأن الحج غير واجب عليه . أما المالكية فقد وافقوا الجمهور في هذه المسألة ، لكن على أساس مذهبهم في مسألة الركوب السابقة ( فقرة 15 ) وأوجبوا عليه المشي إن كان يقدر على المشي .
ب - إذا وجدت شروط الحج مع صحة البدن فتأخر حتى أصيب بعاهة تمنعه من الحج ولا يرجى زوالها فالحج واجب عليه اتفاقا ، ويجب عليه أن يرسل شخصا يحج عنه باتفاق العلماء . أما إذا أصيب بعاهة يرجى زوالها فلا تجوز الإنابة ، بل يجب عليه الحج بنفسه عند زوالها عنه .
الخصلة الثالثة : أمن الطريق :
21 - أمن الطريق يشمل الأمن على النفس والمال ، وذلك وقت خروج الناس للحج ، لأن الاستطاعة لا تثبت دونه . ووقع الخلاف في أمن الطريق كما في صحة البدن : فمذهب المالكية والشافعية ورواية أبي شجاع عن أبي حنيفة ورواية عن أحمد أنه شرط الوجوب . لأن الاستطاعة لا تتحقق بدون أمن الطريق . وفي رواية أخرى عند أبي حنيفة وأحمد ، وهو الأصح عند الحنفية ورجحه المتأخرون من الحنفية والحنابلة أن أمن الطريق شرط للأداء بالنفس لا لأصل الوجوب . واستدلوا بنحو أدلتهم في إيجاب الحج على من فقد شرط صحة البدن . وعلى هذا المذهب الأخير من استوفى شروط الحج عند خوف الطريق فمات قبل أمنه يجب عليه أن يوصي بالحج . أما إذا مات بعد أمن الطريق فتجب عليه الوصية بالحج عنه اتفاقا .
الخصلة الرابعة : إمكان السير :

(18/31)


22 - إمكان السير أن تكمل شرائط الحج في المكلف والوقت متسع يمكنه الذهاب للحج . وهذا شرط لأصل الوجوب عند الحنفية والمالكية والشافعية ، وشرط للأداء عند الحنابلة . وعبر الحنفية عن هذا الشرط بالوقت . وجعله بعضهم شرطا مفردا من شرائط وجوب الحج . وفسروا هذا الشرط بأنه أشهر الحج ، أو وقت خروج أهل بلده إن كانوا يخرجون قبلها ، فلا يجب الحج إلا على القادر فيها ، أو في وقت خروجهم . وفسر غيرهم إمكان السير بوقت الخروج للحج . 23 - واستدل الجمهور على أن إمكان السير شرط لوجوب الحج بالآتي :
أ - أن إمكان السير من لواحق الاستطاعة وهي شرط لوجوب الحج .
ب - أن ذلك بمنزلة دخول وقت الوجوب ، كدخول وقت الصلاة ، فإنها لا تجب قبل وقتها ، إلا أن ذلك يختلف باختلاف البلدان ، فيعتبر وقت الوجوب في حق كل شخص عند خروج أهل بلده ، فالتقييد بأشهر الحج في الآية إنما هو بالنسبة إلى أهل أم القرى ومن حولها ، وللإشعار بأن الأفضل أن لا يقع الإحرام فيما قبلها على مقتضى قواعد الحنفية من أن الإحرام شرط ، خلافا للشافعية من أنه لا يجوز الإحرام قبل الأشهر لكونه ركنا » . واستدل الحنابلة على أن إمكان السير شرط للزوم أداء الحج بنفسه بأنه يتعذر الأداء دون القضاء ، كالمرض المرجو برؤه ، وعدم الزاد والراحلة يتعذر معه الجميع .
القسم الثاني : الشروط الخاصة بالنساء :
24 - ما يخص النساء من شروط الاستطاعة شرطان لا بد منهما لكي يجب الحج على المرأة يضافان إلى خصال شرط الاستطاعة التي ذكرناها . هذان الشرطان هما : الزوج أو المحرم ، وعدم العدة . أولا - الزوج أو المحرم الأمين :

(18/32)


25 - يشترط أن يصحب المرأة في سفر الحج زوجها أو محرم منها ، إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام ، وهي مسيرة القصر في السفر ، وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة . واستدلوا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم } . وتوسع الشافعية والمالكية فسوغوا الاستبدال بالمحرم : ذهب الشافعية إلى أنها إن وجدت نسوة ثقات : اثنتين فأكثر تأمن معهن على نفسها كفى ذلك بدلا عن المحرم أو الزوج بالنسبة لوجوب حجة الإسلام على المرأة . وعندهم " الأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن ، لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن . فإن وجدت امرأة واحدة ثقة فلا يجب عليها الحج ، لكن يجوز لها أن تحج معها حجة الفريضة أو النذر ، بل يجوز لها أن تخرج وحدها لأداء الفرض أو النذر إذا أمنت . وزاد المالكية توسعا فقالوا : المرأة إذا لم تجد المحرم أو الزوج ولو بأجرة تسافر لحج الفرض أو النذر مع الرفقة المأمونة ، بشرط أن تكون المرأة بنفسها هي مأمونة أيضا . والرفقة المأمونة جماعة مأمونة من النساء ، أو الرجال الصالحين . قال الدسوقي : وأكثر ما نقله أصحابنا اشتراط النساء » . أما حج النفل فلا يجوز للمرأة السفر له إلا مع الزوج أو المحرم فقط اتفاقا ، ولا يجوز لها السفر بغيرهما ، بل تأثم به .
( نوع الاشتراط للمحرم ) :

(18/33)


26 - اختلفوا في الزوج أو المحرم هل هو شرط وجوب أو شرط للزوم الأداء بالنفس : ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في الراجح عندهم وهو رواية عن أبي حنيفة إلى أن المحرم شرط لوجوب الحج ، ويحل محله عند فقده الرفقة المأمونة عند الشافعية والمالكية على الوجه الذي ذكرناه . والراجح عند الحنفية أن الزوج أو المحرم شرط للزوم الأداء بالنفس . وأدلة الفريقين هي ما سبق الاستدلال به في صحة البدن وأمن الطريق ( ف 19 و 21 ) .
( المحرم المشروط للسفر ) 27 - المحرم الأمين المشروط في استطاعة المرأة للحج هو كل رجل مأمون عاقل بالغ يحرم عليه بالتأبيد التزوج منها سواء كان التحريم بالقرابة أو الرضاعة أو الصهرية ... ونحو ذلك يشترط في الزوج عند الحنفية والحنابلة بزيادة شرط الإسلام في المحرم . وقال المالكية بذلك في حقيقة المحرم لكن لا يشترط في المحرم البلوغ بل التمييز والكفاية . وعند الشافعية : يكفي المحرم الذكر ، وإن لم يكن ثقة فيما يظهر ، لأن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي ، إذا كان له غيرة تمنعه أن يرضى بالزنى » .
فروع تتعلق بالمسألة :
28 - أ - يشترط لوجوب الحج على المرأة أن تكون قادرة على نفقة نفسها ونفقة المحرم إن طلب منها النفقة ، لأنه يستحقها عليها عند الحنفية . وكذلك عبر بالنفقة ابن قدامة من الحنابلة . وعبر المالكية والشافعية وابن مفلح من الحنابلة بالأجرة . والمراد أجرة المثل . ولو امتنع المحرم عن الخروج إلا بأجرة لزمتها إن قدرت عليها ، وحرم عليها الخروج مع الرفقة المأمونة وهذا عند المالكية . وأما عند الشافعية فهي مخيرة بين أن تكون في صحبة زوج أو محرم أو رفقة مأمونة .

(18/34)


ب - الزوج إذا حج مع امرأته فلها عليه النفقة ، نفقة الحضر لا السفر ، وليس له أن يأخذ منها أجرا مقابل الخروج معها عند الحنفية ، وهو ظاهر كلام الحنابلة ، لأنهم خصوا المحرم بأخذ الأجرة . وعند المالكية والشافعية له أخذ الأجرة إذا كانت أجرة المثل .
ج - إذا وجدت محرما لم يكن للزوج منعها من الذهاب معه لحج الفرض ، ويجوز أن يمنعها من النفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة . وقال الشافعية : ليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج فرضا كان أو غيره " لأن في ذهابها تفويت حق الزوج ، وحق العبد مقدم ، لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله ، " فإن خافت العجز البدني بقول طبيبين عدلين لم يشترط إذن الزوج » . واستدل الجمهور بأن حق الزوج لا يقدم على فرائض العين كصوم رمضان ، فليس للزوج منع زوجته منه ، لأنه فرض عين عليها .
ثانيا - عدم العدة :

(18/35)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية