صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية 1-39 وملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الكتاب : ملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
..........................................................
ويليه من الجزء 40 إلى 42
الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر : ملتقى أهل الحديث.
الجزء : من حرف النون ناقصا بعض المصطلحات في النهاية ,إلى حرف الواو كلمة : وضوء.
قام بتنسيقه وفهرسته للموسوعة الشاملة 2 أبوعمر(80)
لملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
سائلا الله عز وجل أن يغفر له ولوالديه بمنه وكرمه
وأن يجعل عمله خالصا لوجهه الكريم

ثم إن إباحتها على فعل مباح أو تركه ما لم تتكرر ، فالتكرار خلاف السنة ، فإن أفرط فيه كره ، لقوله تعالى : { ولا تطع كل حلاف مهين } وهو ذم له يقتضي كراهة الإكثار .
وهذا التقسيم لا تأباه المذاهب الأخرى .
ب - حكم البر والحنث فيها :
118 - اليمين المعقودة إما أن تكون على فعل واجب أو ترك معصية أو عكسهما ، أو فعل ما هو أولى أو ترك ما تركه أولى أو عكسهما ، أو فعل ما استوى طرفاه أو تركه .
فاليمين على فعل واجب أو ترك معصية ، كوالله لأصلين الظهر اليوم ، أو لا أسرق الليلة ، يجب البر فيها ويحرم الحنث ، ولا خلاف في ذلك كما لا يخفى .
واليمين على فعل معصية أو ترك واجب ، كوالله لأسرقن الليلة أو لا أصلي الظهر اليوم يحرم البر فيها ويجب الحنث ، وظاهر أنه لا خلاف في ذلك أيضا .
لكن ينبغي التنبه إلى أن الحلف على المعصية المطلقة عن التوقيت يلزمه فيها العزم على الحنث ، لأن الحنث فيها إنما يكون بالموت ونحوه .
واليمين على فعل ما فعله أولى أو على ترك ما تركه أولى - كوالله لأصلين سنة الصبح أو لا ألتفت في الصلاة - يطلب البر فيها وهو أولى من الحنث .
هكذا عبر الحنفية القدامى بالأولوية ، وبحث الكمال بن الهمام في ذلك بأن قوله تعالى : { واحفظوا أيمانكم } يدل على وجوب البر وعدم جواز الحنث ، ورجح ذلك ابن عابدين وغيره . وقال الشافعية والحنابلة : يسن البر ويكره الحنث في هذه الحالة .
واليمين على ترك ما فعله أولى ، أو فعل ما تركه أولى - كوالله لا أصلي سنة الصبح أو لألتفتن في الصلاة - يطلب الحنث فيها وهو أولى من البر . هذا مذهب الحنفية .
وقال الشافعية والحنابلة : يسن الحنث في هذه الحالة ويكره البر .
واليمين على فعل ما استوى طرفاه أو على تركه - كوالله لأتغدين هذا اليوم أو لا أتغدى هذا اليوم - يطلب البر فيها ، وهو أولى من الحنث .

(8/378)


هكذا قال الحنفية القدامى ، ومقتضى بحث الكمال وجوب البر وعدم جواز الحنث .
وقال الشافعية : البر أفضل ، ما لم يتأذ بذلك صديقه ، كمن حلف لا يأكل كذا ، وكان صديقه يتأذى من ترك أكله إياه ، فينعكس الحكم ويكون الحنث أفضل .
ومقصود الشافعية بالأفضلية الأولوية ، وهي الاستحباب غير المؤكد ، ويقال لمقابلها خلاف الأولى أو خلاف الأفضل ، وهو أقل من المكروه .
وقال الحنابلة : يخير بين البر والحنث ، والبر أولى ، فمذهبهم كمذهب الشافعية .
الحلف على الغير واستحباب إبرار القسم :
119 - قد يحلف الإنسان على فعل أو ترك منسوبين إليه ، نحو : والله لأفعلن أو لا أفعل ، وهذا هو الغالب . وقد يحلف على فعل أو ترك منسوبين إلى غيره ، كقوله : والله لتفعلن أو لا تفعل ، وقوله : والله ليفعلن فلان كذا أو لا يفعله .
وأحكام البر والحنث السابق ذكرها إنما هي فيمن حلف على فعل نفسه أو تركها .
وأما من حلف على فعل غيره أو تركه ، مخاطبا كان أو غائبا ، فإنه يتفق حكم التحنيث والإبرار فيه مع حكم الحنث والبر السابقين في بعض الصور ويختلف في بعضها .
أ - فمن حلف على غيره أن يفعل واجبا أو يترك معصية وجب إبراره ، لأن الإبرار في هذه الحالة إنما هو قيام بما أوجبه الله أو انتهاء عما حرمه الله عليه .
ب - ومن حلف على غيره أن يفعل معصية أو يترك واجبا لم يجز إبراره ، بل يجب تحنيثه ، لحديث : « لا طاعة لأحد في معصية الله تبارك وتعالى » .
ج - ومن حلف على غيره أن يفعل مكروها أو يترك مندوبا فلا يبره ، بل يحنثه ندبا ، لأن طاعة الله مقدمة على طاعة المخلوق .

(8/379)


د - ومن حلف على غيره أن يفعل مندوبا أو مباحا ، أو يترك مكروها أو مباحا فهذا يطلب إبراره على سبيل الاستحباب ، وهو المقصود بحديث الأمر بإبرار القسم الذي رواه الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : « أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : أمرنا بعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وتشميت العاطس ، وإبرار القسم ، أو المقسم ، ونصر المظلوم ، وإجابة الداعي ، وإفشاء السلام » .
وظاهر الأمر الوجوب ، لكن اقترانه بما هو متفق على عدم وجوبه - كإفشاء السلام - قرينة صارفة عن الوجوب .
ومما يدل على عدم الوجوب أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبر قسم أبي بكر رضي الله عنه ، فقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما حديثا طويلا يشتمل على رؤيا قصها أبو بكر رضي الله عنه وجاء في هذا الحديث « أنه قال لرسول الله بأبي أنت وأمي : أصبت أم أخطأت ؟ فقال : أصبت بعضا وأخطأت بعضا . قال : فوالله لتحدثني بالذي أخطأت ، قال : لا تقسم » فقوله صلى الله عليه وسلم " لا تقسم " معناه لا تكرر القسم الذي أتيت به ، لأني لن أجيبك ، ولعل هذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز ، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يفعل خلاف المستحسن إلا بقصد بيان الجواز ، وهو يدل على أن الأمر في الحديث السابق ليس للوجوب ، بل للاستحباب .
ج - الحكم المترتب على البر والحنث :
120 - اليمين المعقودة إذا بر فيها الحالف لم تلزمه كفارة كما لا يخفى ، وإذا حنث - بأن انتفى ما أثبته أو ثبت ما نفاه - لزمته الكفارة ، سواء أكان حالفا على فعل معصية أو ترك واجب أم لا ، وسواء أكان كاذبا عمدا أو خطأ أم لا ، وسواء أكان قاصدا للحلف أم لا .

(8/380)


هذا مذهب الحنفية ومن وافقهم ، فهم يوجبون الكفارة على من حنث في اليمين بالله تعالى على أمر مستقبل ليس مستحيلا عقلا عند أبي حنيفة ومحمد ، وليس مستحيلا عادة أيضا عند زفر ، سواء أكان الحالف قاصدا أم غير قاصد ، وكذا من حلف بتعليق الكفر .
121 - والمالكية يخالفون الحنفية في أمور :
أحدها : أنهم يوجبون الكفارة في الغموس إذا كانت على أمر حاضر أو مستقبل ، والحنفية لا يوجبون الكفارة فيها إلا إذا كانت على أمر مستقبل ممكن عقلا .
ثانيها : أنهم يوجبون الكفارة في الحلف على المستقبل المستحيل عقلا إن كان عالما باستحالته أو مترددا فيها ، والحنفية لا يوجبونها مطلقا .
ثالثها : أنهم يفصلون في اليمين غير المقصودة ، فيقولون : من أراد النطق بكلمة فنطق باليمين بدلها لخطأ لسانه لم تنعقد ، ومن أراد النطق بشيء فنطق معه باليمين زيادة بغير قصد كانت كاليمين المقصودة ، فيكفرها إن كانت مستقبلية مطلقا ، وكذا إن كانت غموسا حاضرة ، والحنفية لم نر لهم تفصيلا في غير المقصودة ، فقد أطلقوا القول بعدم اشتراط القصد .
رابعها : أنهم لا يقولون بالكفارة في تعليق الكفر ، والحنفية يجعلونه كناية عن اليمين بالله تعالى ، فيوجبون الكفارة فيه إن كان على أمر مستقبل غير مستحيل عقلا .
وليس المقصود بالكناية أنها تحتاج إلى النية ، وإنما المقصود أنها لفظ أطلق وأريد لازم معناه ، كما يقول علماء البلاغة .
122 - والشافعية يخالفون في أمور :
أحدها : أنهم يوجبون الكفارة في الغموس على ماض ، ويلزم من ذلك إيجابها في الغموس على حاضر ومستقبل ، فإن الغموس عندهم منعقدة مطلقا .
ثانيها : أنهم يوجبون الكفارة في الحلف على المستحيل عقلا ، ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا ، إلا إن كانت اليمين غير مقصودة ، أو كان جاهلا بالاستحالة .

(8/381)


ثالثها : أنهم يقولون : إن اليمين غير المقصودة تعد لغوا مطلقا ، سواء أكان معنى عدم القصد خطأ اللسان ، أم كان معناه سبق اللسان إلى النطق بها ، فلا كفارة فيها ولو على مستقبل . ويقولون فيمن حلف على غير الواقع ، جاهلا بمخالفته للواقع : لا تنعقد يمينه . سواء أكان المحلوف عليه ماضيا أم حاضرا أم مستقبلا ، إلا إذا قصد أن المحلوف عليه هو كما حلف عليه في الواقع ونفس الأمر ، فتجب فيه الكفارة حينئذ .
رابعها : أنهم لا يوجبون الكفارة في تعليق الكفر مطلقا .
ونقل ابن قدامة عن قوم من فقهاء السلف أن من حلف على معصية فالكفارة ترك المعصية ، ومعنى هذا : أن اليمين على المعصية تنعقد ويجب الحنث ، وليس فيها الكفارة المعهودة .
الحنث في اليمين : معناه وما يتحقق به :
123 - أما معناه فهو : مخالفة المحلوف عليه ، وذلك بثبوت ما حلف على عدمه ، أو عدم ما حلف على ثبوته . وأما ما يتحقق به فيختلف باختلاف المحلوف عليه ، وإليك البيان . المحلوف عليه إما ماض أو حاضر أو مستقبل .
124 - أما الماضي : فالحنفية والمالكية والحنابلة ومن وافقهم لا يعتبرون اليمين عليه معقودة أصلا ، فلا حنث فيها بالكذب عمدا أو خطأ .
وأما الشافعية ومن وافقهم فيعتبرون اليمين عليه معقودة إذا كان الحالف كاذبا عمدا ، وحينئذ يكون الحنث مقارنا للانعقاد ، وتجب الكفارة من حين تمام الإتيان بها .
125 - وأما الحاضر : فهو كالماضي ، إلا أن المالكية متفقون مع الفريق الثاني القائل بانعقاد اليمين عليه إن كان الحالف كاذبا عمدا ، ثم إنهم توسعوا فضموا إلى الكذب العمد ما تردد فيه المتكلم ، بأن حلف على ما يظنه ظنا ضعيفا ، أو يشك فيه ، أو يظن نقيضه ظنا ضعيفا ، وسبق ذلك في تعريف الغموس وحكمها .

(8/382)


126 - وأما المستقبل : فاليمين عليه إن وجدت فيها شرائط الانعقاد ، فأما أن تكون على نفي أو إثبات ، وكل منهما إما مطلق وإما مقيد بوقت .
أما اليمين على النفي المطلق : فالحنث فيها يتحقق بثبوت ما حلف على نفيه ، سواء أكان ذلك عقب اليمين أم بعده بزمان قصير أو طويل ، وهل يمنع الحنث نسيان أو خطأ في الاعتقاد ، أو خطأ لساني أو جنون أو إغماء أو إكراه ؟ وهل يحنث بالبعض إذا كان المحلوف عليه ذا أجزاء أو لا يحنث إلا بالجميع ؟ كل ذلك محل خلاف يعلم مما يأتي في شرائط الحنث .
127 - وأما اليمين على النفي المؤقت : فالحنث فيها يتحقق بحصول الضد في الوقت ، لا بحصوله قبله أو بعد تمامه . وفي النسيان ونحوه الخلاف الذي سبقت الإشارة إليه .
128 - وأما اليمين على الإثبات المطلق : فالحنث فيها يتحقق باليأس من البر ، إما بموت الحالف قبل أن يفعل ما حلف على فعله ، وإما بفوت محل المحلوف عليه ، كما لو قال : والله لألبسن هذا الثوب ، فأحرقه هو أو غيره .
هذا مذهب الحنفية ، وفصل غيرهم في فوت المحل بين ما كان باختيار الحالف وما كان بغير اختياره ، فما كان باختياره يحنث به ، وما كان بغير اختياره ففيه تفصيل يعلم من شرائط الحنث .

(8/383)


وذهب المالكية إلى أن الحنث في هذه الحالة - وهي الحلف على الإثبات المطلق - يحصل أيضا بالعزم على الضد ، وذلك بأن ينوي عدم الإتيان بالمحلوف ما دام حيا ، وهذا الحنث محتم لا يزول بالرجوع عن العزم على قول ابن المواز وابن شاس وابن الحاجب والقرافي ، وهو ظاهر كلام خليل في مختصره والدردير في أقرب المسالك واعتمده البناني ، خلافا للقائلين بالتفصيل بين الطلاق وغيره ، حيث ذهبوا إلى أن الحلف بالطلاق على الإثبات المطلق يحنث فيه بالعزم على الفوات ، والحلف بالعتق وبالقربة وبالله تعالى لا يحنث الحالف بها بالعزم المذكور إلا إذا استمر عليه ، فإن رجع عن عزمه رجعت اليمين كما كانت ، ولم يحنث إلا بالفوات .
وهذا الذي ذهب إليه المالكية لم يوافقهم عليه أحد من أهل المذاهب الأخرى .
129 - وأما اليمين على الإثبات المؤقت : فالحنث فيها يتحقق باليأس من البر في الوقت ، إن كان الحالف والمحلوف عليه قائمين ، كأن قال : والله لآكلن هذا الرغيف اليوم ، فغربت الشمس وهو حي والرغيف موجود ولم يأكله .

(8/384)


وإن مات الحالف في الوقت ولم يفت محل المحلوف عليه لم يعتبر حانثا بالموت ولا بمضي الوقت بعده عند الحنفية جميعا ، لأنهم يرون أن الحنث إنما يقع في آخر أجزاء الوقت في اليمين المؤقتة ، والحالف ميت في هذا الجزء الأخير ، ولا يوصف الميت بالحنث ، ويحنث عند غيرهم على تفصيل يعلم من شرائط الحنث . وإن فات محل المحلوف عليه في الوقت ، كأن أكل الرغيف إنسان آخر ، ولم يمت الحالف ، لم يحنث في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر لأنهم يشترطون إمكان البر ، خلافا لأبي يوسف ، حيث قال بالحنث في هذه الحالة ، لأنه لا يشترط هذه الشريطة . واختلفت الرواية عنه في وقت الحنث : فروي عنه أنه لا يحنث إلا آخر الوقت ، وروي عنه أنه يحنث في الحال - أي حال فوت محل المحلوف عليه - وهذه الرواية الثانية هي الصحيحة عنه . وفي المذاهب الأخرى تفصيل بين فوت المحل باختيار الحالف ، وفوته بغير اختياره ، وبين حصول الفوت أول الوقت ، أو بعد أوله ، مع التفريط أو عدمه ، وكل ذا يعلم من الشرائط الآتية .
130 - ومما ينبغي التنبه إليه أن المؤقتة إذا لم يبدأ وقتها من حين الحلف فمات الحالف ، أو فات المحل قبل بدء الوقت فلا حنث في الصورتين ، وخالف الحنابلة في الثانية ، فقالوا بالحنث فيها ، وذلك كما لو قال : والله لأشربن ماء هذا الكوب غدا ، فمات هو أو شرب الماء إنسان آخر قبل فجر الغد ، فإنه لا يعد حانثا في الحالين عند الأكثرين .
ومما ينبغي التنبه له أيضا : أن التوقيت في اليمين المؤقتة يشمل التوقيت نصا ، والتوقيت دلالة ، كما لو قيل لإنسان : أتدخل دار فلان اليوم ؟ فقال : والله لأدخلنها ، أو والله لا أدخلها ، فالمحلوف عليه مؤقت باليوم دلالة ، لوقوعه جوابا عن السؤال المحتوي على قيد التوقيت باليوم ، وهذا من يمين الفور ، وسيأتي بيانها والخلاف فيها .
شرائط الحنث :

(8/385)


131 - الجمهور القائلون بأن الحنث هو السبب الوحيد ، أو ثاني السببين للكفارة ، أو شريطة لها ، لم يصرحوا بشرائط للحنث ، وإنما ذكروا أمورا يختلف الرأي فيها ، إذا كان الحنث فعلا أو تركا ، ومن هذه الأمور : العمد والطواعية والتذكر والعقل .
وقد سبق أن الحنفية لا يشترطون في الحلف الطواعية ولا العمد ، وهم لا يشترطونهما في الحنث أيضا ، وكذلك لا يشترطون فيه التذكر ولا العقل ، فمن حلف أو حنث مخطئا أو مكرها وجبت عليه الكفارة . وكذا من حلف ألا يفعل شيئا ففعله وهو ذاهل أو ساه أو ناس أو مجنون أو مغمى عليه فعليه الكفارة .
فإن لم يفعل المحلوف عليه ، بل فعله به غيره قهرا عنه لم يحنث ، كما لو حلف ألا يشرب هذا الماء ، فصبه إنسان في حلقه قهرا ، لأنه في هذه الحالة ليس شاربا ، فلم يفعل ما حلف على الامتناع منه .
ومن أمثلة النسيان في الحنث : ما لو قال إنسان : والله لا أحلف ، ثم حلف ناسيا لهذه اليمين ، فإنه يجب عليه كفارة بهذا الحلف الثاني من حيث كونه حنثا في اليمين الأولى ، ثم إذا حنث في هذه اليمين الثانية وجبت عليه كفارة أخرى على القول بعدم تداخل الكفارات وسيأتي الخلاف في ذلك . وقال المالكية : إن اليمين إما يمين بر ، نحو والله لا أفعل كذا ، وإما يمين حنث ، نحو والله لأفعلن كذا .

(8/386)


132 - أما يمين البر : فيحنث فيها بفعل ما حلف على تركه - وكذا بفعل بعضه إن كان ذا أجزاء - عمدا أو نسيانا أو خطأ قلبيا ، بمعنى اعتقاد أنه غير المحلوف عليه ، وإنما يحنث بها إذا لم يقيد يمينه بالعمد أو العلم ، فإن قيدها بالعمد ، بأن قال : لا أفعله عمدا ، لم يحنث بالخطأ ، وإن قيد بالعلم ، بأن قال : لا أفعله عالما ، أو لا أفعله ما لم أنس لم يحنث بالنسيان . ولا يحنث في يمين البر بالخطأ اللساني ، كما لو حلف : لا يذكر فلانا ، ثم سبق لسانه بذكر اسمه ، وكذا لا يحنث فيها بالإكراه على فعل ما حلف على الامتناع منه ، وذلك بقيود ستة :
أ - ألا يعلم أنه يكره على الفعل .
ب - ألا يأمر غيره بإكراهه له
ج - ألا يكون الإكراه شرعيا .
د - ألا يفعل ثانيا طوعا بعد زوال الإكراه .
هـ - ألا يكون الحلف على شخص بأنه لا يفعل كذا ، والحالف هو المكره له على فعله .
و - ألا يقول في يمينه : لا أفعله طائعا ولا مكرها .
فإن وجد واحد من هذه الستة حنث بالإكراه ووجبت الكفارة .
133 - وأما يمين الحنث : فيحنث فيها بالإكراه على ترك المحلوف عليه حتى يفوت ، كما لو قال : والله لأدخلن دار زيد غدا ، فمنع من دخولها بالإكراه حتى غربت شمس الغد ، فإنه يحنث .
ويؤخذ من هذا : أنه يحنث أيضا بالترك ناسيا ومخطئا ، بأن لم يتذكر الحلف من الغد ، أو تذكره ودخل دارا أخرى يعتقد أنها الدار المحلوف عليها ، ولم يتبين له الحال حتى مضى الغد . وإذا فات المحلوف عليه في يمين الحنث بمانع ، فإما أن يكون المانع شرعيا أو عاديا أو عقليا .
134 - فإن كان المانع شرعيا حنث بالفوات مطلقا ، سواء أتقدم المانع على الحلف ولم يعلم به أم تأخر ، وسواء أفرط فيه حتى فات أم لا ، وسواء أكانت اليمين مؤقتة أم لا .

(8/387)


مثال ذلك : ما لو حلف أن يباشر زوجته غدا فطرأ الحيض ، أو تبين أنه كان موجودا قبل الحلف ولم يعلم به ، فيحنث عند مالك وأصبغ خلافا لابن القاسم ، فإن لم يقيد بالغد لم يحنث ، بل ينتظر حتى تطهر فيباشرها .
135 - وإن كان المانع عاديا ، فإن تقدم على اليمين ولم يعلم به فحلف لم يحنث مطلقا ، أقت أم لا ، فرط أم لا ، وإن تأخر حنث مطلقا ، خلافا لأشهب حيث قال بعدم الحنث .
مثال ذلك : أن يحلف ليذبحن هذا الكبش ، أو ليلبسن هذا الثوب ، أو ليأكلن هذا الطعام ، فسرق المحلوف عليه أو غصب ، أو منع الحالف من الفعل بالإكراه ، أو تبين أنه سرق قبل اليمين أو غصب ولم يكن يعلم بذلك عند الحلف .
ومحل الحنث من المانع الشرعي والمانع العادي ، إذا أطلق الحالف اليمين فلم يقيد بإمكان الفعل ولا بعدمه ، أو قيد بالإطلاق ، كأن قال : لأفعلن كذا وسكت ، أو لأفعلن كذا قدرت عليه أم لا ، فإن قيد بالإمكان فلا حنث ، بأن قال : لأفعلنه إن أمكن ، أو ما لم يمنع مانع .
136 - وإن كان المانع عقليا ، فإن تقدم ولم يكن قد علم به لم يحنث مطلقا كما في المانع العادي ، وإن تأخر فإما إن تكون اليمين مؤقتة أو غير مؤقتة . فإن كانت مؤقتة ، وفات المحلوف عليه قبل ضيق الوقت ، لم يحنث إن حصل المانع عقب اليمين ، وكذا إن تأخر ولم يكن قد فرط ، فإن تأخر مع التفريط حنث .
مثال ذلك : ما لو حلف ليذبحن هذا الحمام أو ليلبسن هذا الثوب ، فمات الحمام أو أحرق الثوب وكان قد أطلق اليمين ، أو أقت بقوله : هذا اليوم ، أو هذا الشهر مثلا .
وصورة تقدم المانع : أن يكون غائبا عن المنزل مثلا ، فيقول : والله لأذبحن الحمام الذي بالمنزل ، أو لألبسن الثوب الذي في الخزانة ، ثم يتبين له بعد الحلف موت الحمام أو احتراق الثوب قبل أن يحلف .

(8/388)


وقال الشافعية : لا يحنث من خالف المحلوف عليه جاهلا أو ناسيا أو مكرها أو مقهورا ، ولا تنحل اليمين في جميع هذه الصور ، ولا يحنث أيضا إن تعذر البر بغير اختياره .
ومن أمثلة الجهل : ما لو حلف لا يسلم على زيد ، فسلم عليه في ظلمة وهو لا يعرف أنه زيد ، وما لو حلف لا يدخل على بكر ، فدخل دارا هو فيها ولم يعلم أنه فيها .
وأمثلة النسيان والإكراه ظاهرة .
ومثال القهر : ما لو حلف : لا يدخل دار خالد ، فحمل وأدخل قهرا ، ويلحق به من حمل بغير أمره ولم يمتنع ، لأنه لا يسمى داخلا ، بخلاف من حمل بأمره فإنه يحنث لأنه يسمى داخلا ، كما لو ركب دابة ودخل بها .
ومن صور تعذر البر بغير اختياره ، ما لو قال : والله لآكلن هذا الطعام غدا ، فتلف الطعام بغير اختيار الحالف ، أو مات الحالف قبل فجر الغد ، فإنه لا يحنث ، بخلاف ما لو تلف باختياره ، فإنه يحنث ، وفي وقت حنثه خلاف ، فقيل : هو وقت التلف ، وقيل : هو غروب شمس الغد ، والراجح أن الحنث يتحقق بمضي زمن إمكان الأكل من فجر الغد .
ومن صور الفوت بغير اختياره : ما لو تلف في الغد بغير اختياره ، أو مات في الغد قبل التمكن من أكله . وقالوا أيضا : لو حلف لا يأكل هذين الرغيفين ، أو لا يلبس هذين الثوبين ، أو ليفعلن ذلك ، تعلق الحنث والبر بالمجموع ولو متفرقا ، وكذا لو عطف بالواو نحو : لا أكلم زيدا وعمرا ، أو لا آكل اللحم والعنب ، أو لأكلمن زيدا وعمرا ، أو لآكلن اللحم والعنب ، فإن الحنث والبر يتعلق بهما ، فلا يحنث في المثالين الأولين ، ولا يبر في المثالين الأخيرين إلا بفعل المجموع ولو متفرقا .
137 - ويستثنى في حالة النفي ما لو كرر حرف النفي ، كأن قال : والله لا أكلم زيدا ولا عمرا . فإنه يحنث بتكليم أحدهما ، وتبقى اليمين ، فيحنث حنثا ثانيا بتكليم الثاني .

(8/389)


وإن قال : لا أكلم أحدهما أو واحدا منهما وأطلق ، حنث بكلام واحد وانحلت اليمين .
وإن قال : لا آكل هذه الرمانة فأكلها إلا حبة لم يحنث ، أو قال : لآكلن هذه الرمانة ، فأكلها إلا حبة لم يبر . وخرج بالحبة : القشر ونحوه مما لا يؤكل من الرمانة عادة .
والحنابلة يوافقون الشافعية في كل ما سبق ، ما عدا تفويت البر ، فقد قالوا : لو حلف إنسان ليشربن هذا الماء غدا ، فتلف قبل الغد أو فيه حنث ، ولا يحنث بجنونه أو إكراهه قبل الغد مع استمرار ذلك إلى خروج الغد ، ولا يحنث أيضا بموته قبل الغد .
ولو حلف ليشربن هذا الماء اليوم أو أطلق ، فتلف قبل مضي وقت يسع الشرب لم يحنث ، بخلاف ما لو تلف بعد مضي ذلك الوقت فإنه يحنث ، وقيل : يحنث في الحالين .
بيان الكفارة :
138 - كفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها وهي منعقدة قد ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز حيث ، قال : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون } فقد بينت الآية الكريمة أن كفارة اليمين المعقودة واجبة على التخيير ابتداء ، والترتيب انتهاء ، فالحالف إذا حنث وجب عليه إحدى خصال ثلاث : إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة ، فإذا عجز عن الثلاث وجب عليه صيام ثلاثة أيام . ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك ، لأنه نص قرآني قاطع ، غير أن في التفاصيل اختلافات منشؤها الاجتهاد ، وموضع بسطها ( الكفارات ) .
هل تتعدد الكفارة بتعدد اليمين ؟

(8/390)


139- لا خلاف في أن من حلف يمينا فحنث فيها وأدى ما وجب عليه من الكفارة أنه لو حلف يمينا أخرى وحنث فيها تجب عليه كفارة أخرى ، ولا تغني الكفارة الأولى عن كفارة الحنث في هذه اليمين الثانية .
وإنما الخلاف فيمن حلف أيمانا وحنث فيها ، ثم أراد التكفير ، هل تتداخل الكفارات فتجزئه كفارة واحدة ؟ أو لا تتداخل فيجب عليه لكل يمين كفارة ؟ فإن الكفارات تتداخل على أحد القولين عند الحنفية وأحد الأقوال عند الحنابلة ، ولا تتداخل عند المالكية ولا الشافعية . وتفصيل ذلك في ( الكفارات ) .
ومثل الحلف بالله الحلف بالنذور ، ومثله أيضا الحلف بالطلاق عند ابن تيمية ، كما لو قال : إن فعلت كذا فأنت طالق ، قاصدا المنع ، أو يلزمني الطلاق إن فعلت كذا .
أحكام اليمين التعليقية :
حكم تعليق الكفر :
140- سبق بيان الخلاف في أن تعليق الكفر على ما لا يريده الإنسان يعتبر يمينا أولا يعتبر فالقائلون بعدم اعتباره يمينا لا يرتبون على الحنث فيه كفارة ، فيستوي عندهم أن يبر فيه وأن يحنث ، لكنهم يذكرون حكم الإقدام عليه .
والقائلون باعتباره يمينا يجعلونه في معنى اليمين بالله تعالى .
وفي البدائع ما خلاصته : أن الحلف بألفاظ الكفر يمين استحسانا ، لأنه متعارف بين الناس ، فإنهم يحلفون بهذه الألفاظ من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير . ولو لم يكن ذلك حلفا شرعيا لما تعارفوه ، لأن الحلف بغير الله تعالى معصية ، فدل تعارفهم على أنهم جعلوا ذلك كناية عن الحلف بالله عز وجل وإن لم يعقل وجه الكناية . وقال إبراهيم الحلبي ما خلاصته : يمكن تقرير وجه الكناية ، بأن يقال مقصود الحالف بهذه الصيغة الامتناع عن الشرط ، وهو يستلزم النفرة عن الكفر بالله تعالى ، وهي تستلزم تعظيم الله ، كأن قال : والله العظيم لا أفعل كذا .

(8/391)


وبناء على ذلك يكون كاليمين بالله تعالى في شرائط انعقاده وبقائه ، وفي تقسيمه إلى غموس ولغو ومنعقد ، وفي أحكام الإقدام عليه والبر والحنث فيه وما يترتب على الحنث . غير أنه لما كان فيه نسبة الكفر إلى المتكلم معلقة على شرط أمكن القول بأنه تارة يحكم عليه بالكفر ، وتارة لا ، وإذا حكم عليه بالكفر عند النطق لم يكن منعقدا عند الحنفية ، لأنهم يشترطون الإسلام في انعقاد اليمين بالله تعالى فكذلك يشترطونه في انعقاد تعليق الكفر ، وإذا حكم عليه بالكفر بمباشرة الشرط بعد الحلف بطل عندهم بعد انعقاده ، كما تبطل اليمين بالله بعد انعقادها إذا كفر قائلها ، وقد تقدم ذلك .
حكم الإقدام عليه :
141 - معلوم أن من نطق بكلمة الكفر منجزة يكون كافرا حالا متى توفرت شرائط الردة ، ومن علقها على أمر بغير قصد اليمين يكون كافرا في الحال أيضا وإن كان ما علقها عليه مستقبلا ، لأن الرضى بالكفر ولو في المستقبل ارتداد عن الإسلام في الحال ، وذلك كأن يقول إنسان : إذا كان الغد فهو يهودي ، أو إذا شفاه الله على يد هذا النصراني فهو نصراني .

(8/392)


وأما من علق الكفر بقصد اليمين فالأصل فيه أنه لا يكفر ، سواء أعلقه على ماض أم حاضر أم مستقبل ، وسواء أكان كاذبا أم لم يكن ، لأنه إنما يقصد المنع من الشرط أو الحث على نقيضه أو الإخبار بنقيضه - وإن لم يكن حقا - ترويجا لكذبه . فمن قال : إن كلمت فلانة ، أو إن لم أكلمها فهو بريء من الإسلام ، فمقصوده منع نفسه من التكليم في الصورة الأولى أو حث نفسه عليه في الصورة الثانية حذرا من الكفر ، فلا يكون راضيا بالكفر ، ومن قال : إن لم أكن اشتريت هذا بدينار فهو يهودي ، وأراد بهذا حمل المخاطب على تصديق ما ادعاه وكان كاذبا عمدا لا يكون راضيا بالكفر ، لأنه إنما أراد ترويج كذبه بتعليق الكفر على نقيضه . هذا هو الأصل ، ولكن قد يكون المتكلم جاهلا ، فيعتقد أن الحلف بصيغة الكفر كفر ، أو يعتقد أنه يكفر بإقدامه على ما حلف على تركه أو إحجامه عما حلف على فعله . ففي الصورة الأولى يعتبر كافرا بمجرد الحلف لأنه تكلم بما يعتقده كفرا ، فكان راضيا بالكفر حالا . وفي الصورتين الثانية والثالثة يكفر بالإقدام على ما حلف على تركه والإحجام عما حلف على فعله ، لأنه عمل عملا يعتقده كفرا ، فكان راضيا بالكفر ، ولا يكفر بمجرد النطق باليمين في هاتين الصورتين إلا إذا كان حين النطق عازما على الحنث ، لأن العزم على الكفر كفر .
142 - وصفوة القول أن الحلف بالكفر لا يعد كفرا ، إلا إذا كان قائله راضيا بالكفر ، وهذا هو الأصح عند الحنفية في الغموس وغيرها ، ويقابله رأيان في الغموس - أي الحلف على الكذب العمد .
أحدهما : أنه لا يكفر وإن اعتقد الكفر .
ثانيهما : أنه يكفر وإن لم يعتقد الكفر .

(8/393)


ووجه الأول : أنه لا يلزم من اعتقاد الكفر الرضى به ، فكم من إنسان يقدم على ما يعتقده كفرا لغرض دنيوي ، وقلبه مطمئن بالإيمان . والحالف غرضه ترويج كذبه أو إظهار امتناعه ، فهو حينما ينطق بما يعتقده كفرا إنما يأتي به صورة محضة خالية من الرضي بالكفر . ووجه الثاني : أن الحالف لما علق الكفر بأمر محقق كان تنجيزا في المعنى ، كأنه قال ابتداء : هو كافر ، ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال : « من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال » .
حكم الإقدام على تعليق الكفر في بقية المذاهب :
143 - قال المالكية : يحرم تعليق الكفر بقصد الحلف ، ولا يرتد إن فعل المحلوف عليه ، وليتب إلى الله مطلقا ، سواء أفعله أم لم يفعله ، لأنه ارتكب ذنبا .
فإن قصد الإخبار عن نفسه بالكفر كان ردة ، ولو كان ذلك هزلا وقال الشافعية : يحرم تعليق الكفر الذي يقصد به اليمين عادة ، ولا يكفر به إذا قصد تبعيد نفسه عن المحلوف عليه أو أطلق ، فإن قصد حقيقة التعليق ، أو قصد الرضى بالكفر كفر من فوره ، دون توقف على حصول المعلق عليه ، إذ الرضى بالكفر كفر ، ثم إن كفر وجبت عليه التوبة والعودة إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين ، وإن لم يكفر وجبت عليه التوبة أيضا ، وندب له أن يستغفر الله عز وجل كأن يقول : أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه . وندب له أن ينطق بالشهادتين .
ومن مات أو غاب وتعذرت مخاطبته ، وكان قد علق الكفر ولم يعرف قصده ، فمقتضى كلام الأذكار للنووي أنه لا يحكم بكفره ، وهذا هو الراجح ، خلافا لما اعتمده الإسنوي من الحكم بكفره إذا لم تكن هناك قرينة تصرفه عن الكفر .

(8/394)


وعند الحنابلة : يحرم الإقدام على اليمين بالكفر ، سواء أكان بصورة التعليق نحو : إن فعل كذا فهو يهودي ، أم بصورة القسم نحو : هو يهودي ليفعلن كذا . وإن قصد أنه يكفر عند وجود الشرط كفر منجزا .
حكم البر والحنث فيه :
144 - إذا قصد بتعليق الكفر تأكيد خبر ، فإن كان صادقا كان الحالف بارا ، وإن كان كاذبا كان الحالف حانثا ، والبر في الصورة الأولى ، والحنث في الصورة الثانية مقارنان لتمام اليمين ، فلا حكم لهما سوى حكم الإقدام .
وإنما يكون للبر والحنث حكم مستقل إذا كان المقصود تأكيد الحث أو المنع ، فإنهما حينئذ يكونان متأخرين .
والخلاصة : أن تعليق الكفر بقصد اليمين إن كان صادقا أو غموسا أو لغوا فليس للبر في الأول والحنث في الأخيرين حكم سوى حكم الإقدام على التعليق .
وإن كان منعقدا ، فحكم البر والحنث فيه هو حكم البر والحنث في اليمين بالله تعالى المنعقدة ، وقد سبق بيانه واختلاف الفقهاء فيه تفصيلا .
ما يترتب على الحنث فيه :
145 - سبق أن الفقهاء اختلفوا في تعليق الكفر بقصد اليمين ، أهو يمين شرعية أم لا ؟ فمن قال : إنه ليس بيمين قال : لا تجب الكفارة بالحنث فيه ، ومن قال : إنه يمين قال : إنما تجب الكفارة بالحنث فيه إن كان منعقدا ، فإن كان لغوا لم تجب فيه كفارة ، وإن كان غموسا ففيه الخلاف الذي في اليمين الغموس بالله تعالى .
أحكام تعليق الطلاق والظهار والحرام والتزام القربة :
مقارنة بينها وبين اليمين بالله تعالى :
146 - سبق أن تعليق الكفر في معنى اليمين بالله تعالى ، وأنه بناء على ذلك يعتبر فيه ما يعتبر فيها من شرائط وأقسام وأحكام .
وليس لبقية التعليقات هذه الصفة ، فهي تخالف اليمين بالله تعالى في أمور :

(8/395)


الأمر الأول : أنها تعتبر من قبيل الحلف بغير الله ، فينطبق عليه حديث النهي عن الحلف بغير الله ، بخلاف تعليق الكفر فقد قرر الحنفية أنه كناية عن اليمين بالله تعالى ، فلا يكون منهيا عنه لذاته ، لكنهم قرروا أيضا أن يمين الطلاق والعتاق إذا كانت للاستيثاق جازت على الأصح كما تقدم .
الأمر الثاني : أنها لا تنقسم عند الحنفية والمالكية إلى غموس ولغو ومنعقدة ، بل تعتبر كلها منعقدة ، سواء أقصد بها تأكيد خبر أم تأكيد حث أو منع ، فمن حلف بالطلاق ونحوه كاذبا متعمدا وقع طلاقه ، وكذا من كان معتقدا أنه صادق وكان مخطئا في اعتقاده لأن الطلاق والعتق والتزام القربة يستوي فيها الهزل والجد ، لحديث : « ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة » .
ويقاس بالطلاق العتاق والتزام القربة ، فإذا كان هزل هذه الثلاثة جدا ، فالكذب في الحلف بها يكون جدا أيضا ، وكان القياس أن تكون اليمين بالله تعالى كذلك ، لأن هزلها جد أيضا كما سبق ، لكن لم يلحق فيها الغموس واللغو بالهزل لأدلة أخرجتهما .
الأمر الثالث : أن هذه التعليقات يقع جزاؤها عند الجمهور بوقوع الشرط ، فتعليق الطلاق يقع به الطلاق عند تحقق ما علق عليه ، وكذا تعليق العتاق ، وأما تعليق التزام القربة فيخير الحالف به بين ما التزمه وبين كفارة اليمين ، وهناك أقوال غير ذلك سبق بيانها .
حكم الإقدام عليه :

(8/396)


147 - يرى الحنفية أن الحلف بغير الله تعالى لا يجوز ويدخل في ذلك عندهم الإقسام بغير الله تعالى ، نحو " وأبي " ، كما يدخل الحلف بالطلاق ونحوه من التعليقات ، لكنهم استثنوا من ذلك تعليق الكفر ، فقد جعلوه كناية عن اليمين بالله تعالى كما تقدم ، واستثنوا أيضا تعليق الطلاق والعتاق بقصد الاستيثاق ، فأجازوه لشدة الحاجة إليه خصوصا في زماننا هذا ، كما تقدم . وصرح الحنابلة بكراهة الحلف بالطلاق والعتاق ، ولمعرفة باقي المذاهب في ذلك يرجع إليها في مواضع هذه التصرفات من كتب الفقه .
حكم البر والحنث فيه :
148 - إذا قصد بشيء من هذه التعليقات تأكيد خبر ، وكان صادقا في الواقع ، لم يتصور فيها حنث ، لأنها مبرورة حين النطق بها ، وليس للبر فيها حكم سوى حكم الإقدام عليها . وإن كان كاذبا في الواقع لم يتصور فيها بر ، لأن الحنث مقارن لتمام الإتيان بها ، وليس له حكم سوى حكم الإقدام عليها .
وإن قصد بشيء منها تأكيد الحث أو المنع ، فحكم البر والحنث فيها هو حكم الحنث والبر في اليمين بالله تعالى المنعقدة ، فيختلف باختلاف المحلوف عليه وما يؤدي إليه ، وقد سبق بيانه وبيان الاختلاف فيه ، كما سبق حكم الإبرار إن كان حلفا على الغير .
ما يترتب على الحنث فيه :
149 - يرى الجمهور أن الحنث في هذه التعليقات يترتب عليه حصول الجزاء ، إلا تعليق التزام القربة ، فإنه عند الحنث بتحقق الشرط يتخير الحالف بين ما التزمه وبين كفارة اليمين .
انحلال اليمين :
اليمين إما مؤكدة للخبر الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وإما مؤكدة للحث أو المنع .

(8/397)


150 - فالمؤكدة للخبر : إن كان ماضيا أو حاضرا فهي منحلة من حين النطق بها ، سواء أكانت صادقة أم غموسا أم لغوا ، لأن البر والحنث والإلغاء يقتضي كل منها انحلال اليمين . وإن كان مستقبلا صدقا يقينا فهي منحلة أيضا من حين النطق بها ، نحو : والله لأموتن ، أو ليبعثن الله الخلائق ، لأنها بارة من حين النطق بها ، ولا يتوقف برها على حصول الموت والبعث . وإن كان مستقبلا كذبا عمدا ، كقول القائل : والله لأشربن ماء هذا الكوز ، وهو يعلم أنه لا ماء فيه ، فهي غموس ، وقد سبق الخلاف في انعقادها : فمن قال بانعقادها يقول : إن الحنث قارن الانعقاد فوجبت الكفارة وانحلت ، ومن قال بعدم انعقادها قال : إنها لا حاجة بها إلى الانحلال كما لا يخفى .
وإن كان مستقبلا كذبا خطأ ، بأن كان الحالف يعتقده صدقا ، فحكمها عند الشافعية وابن تيمية حكم اللغو ، فهي منحلة من حين انعقادها ، أو غير منعقدة أصلا ، وعند غيرهم حكمها حكم اليمين على الحث والمنع وسيأتي قريبا .
151 - والمؤكدة للحث أو المنع تنحل بأمور :
الأول : الردة - والعياذ بالله تعالى - وهي تحل اليمين بالله تعالى وما في معناها من تحريم الحلال وتعليق الكفر بقصد اليمين ، وإنما ذلك عند الحنفية والمالكية ، فإنهم يشترطون في بقاء انعقاد اليمين الإسلام ، كما يشترطونه في أصل الانعقاد ، فالردة عندهم تبطل الانعقاد ، سواء أكانت قبل الحنث أم بعده ، ولا يرجع الانعقاد بالرجوع إلى الإسلام .
الثاني : ذكر الاستثناء بالمشيئة بشرائطه المتقدمة . فمن حلف ولم يخطر بباله الاستثناء انعقدت يمينه ، فإذا وصل بها الاستثناء انحلت ، وهذا مذهب الحنفية والمالكية ، وخالف الشافعية والحنابلة فقالوا : لا بد من قصد الاستثناء قبل فراغ اليمين ، ثم وصل الاستثناء به ، ففي هذه الحالة يكون الاستثناء مانعا من انعقاد اليمين .

(8/398)


الثالث : فوات المحل في اليمين على الإثبات المؤقت ، نحو : والله لأشربن ماء هذا الكوز اليوم ، فإذا صبه الحالف أو غيره انحلت اليمين عند الحنفية ، لأن البر لا يجب إلا آخر اليوم - أي الوقت المتصل بغروب الشمس - وفي هذا الوقت لا يمكنه البر ، لحصول الفراغ من الماء قبله ، فلا يحنث ، وبهذا يعلم انحلال يمينه من حين فراغ الكوز . وغير الحنفية يرون أن فوات المحل إذا كان بغير اختيار الحالف وقبل تمكنه من البر يحل يمينه ، كما لو انصب الكوز عقب اليمين من غير اختياره ، أو أخذه إنسان فشربه ولم يتمكن من أخذه منه . الرابع : البر في اليمين ، بأن يفعل كل ما حلف على فعله ، أو يستمر على ترك كل ما حلف على تركه .
الخامس : الحنث ، فإن اليمين إذا انعقدت ، ثم حصل الحنث بوقوع ما حلف على نفيه ، أو باليأس من وقوع ما حلف على ثبوته ، فهذا الحنث تنحل به اليمين .
السادس : العزم على الحنث في اليمين على الإثبات المطلق ، وهذا عند المالكية ، فلو قال : والله لأتزوجن ، ثم عزم على عدم الزواج طول حياته ، فمن حين العزم تنحل اليمين ، ويعتبر حانثا ، وتجب عليه الكفارة ، ولو رجع عن عزمه لم ترجع اليمين .
السابع : البينونة في الحلف بالطلاق ، فمن قال لامرأته : إن فعلت كذا فأنت طالق ، ثم بانت منه بخلع أو بانقضاء العدة في طلاق رجعي ، أو بإكمال الطلاق ثلاثا ، أو بغير ذلك ، ثم عادت إليه بنكاح جديد لم يعد التعليق لانحلاله بالبينونة .
جامع الأيمان
الأمور التي تراعى في ألفاظ الأيمان :

(8/399)


152 - معلوم أن اللفظ الذي يأتي به الحالف يشتمل على أفعال وأسماء وحروف لها معان لغوية أو عرفية ، وأنها تارة تكون مقيدة بقيود لفظية ، وتارة تقوم القرائن على تقييدها ، وقد يقصد الحالف معنى يحتمله لفظه أو لا يحتمله ، وكل هذا يختلف البر والحنث تبعا لاختلافه . وقد اختلف الفقهاء فيما تجب مراعاته عند اختلاف اللغة والعرف والنية والسياق وغير ذلك . وفيما يلي بيان القواعد التي تتبع مرتبة مع بيان اختلاف المذاهب فيها . القاعدة الأولى : مراعاة نية المستحلف :
153 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك » والمعنى يمينك التي تحلفها ، محمولة على المعنى الذي لو نويته ، وكنت صادقا ، لاعتقد خصمك أنك صادق فيها ، وهو المعنى الذي يخطر بباله حين استحلافه إياك ، وهو في الغالب يكون متفقا مع ظاهر اللفظ ، ومقتضى هذا أن التورية بين يدي المستحلف لا تنفع الحالف ، بل تكون يمينه غموسا تغمسه في الإثم .
وهذا متفق عليه بين أكثر الفقهاء ، غير أن لهم تفصيلات وشرائط بيانها فيما يلي :
154 - مذهب الحنفية : حكى الكرخي أن المذهب كون اليمين بالله تعالى على نية الحالف إن كان مظلوما ، فإن كان ظالما فعلى نية المستحلف ، لكن فرق القدوري بين اليمين على الماضي وعلى المستقبل ، فقال : إذا كانت اليمين على ماض ففيها التفصيل السابق ، لأن المؤاخذة عليها إن كانت كاذبة إنما هي بالإثم ، كالمظلوم إذا نوى بها ما يخرجها عن الكذب ، صحت نيته فلم يأثم ، لأنه لم يظلم بها أحدا ، بخلاف الظالم إذا نوى بيمينه ما يخرجها عن الكذب فإن نيته باطلة ، وتكون يمينه على نية المستحلف فتكون كاذبة ظاهرا وباطنا ، ويأثم لأنه ظلم بها غيره .

(8/400)


وإذا كانت على مستقبل فهي على نية الحالف من غير تفصيل ، لأنها حينئذ عقد ، والعقد على نية العاقد .
واليمين بالطلاق ونحوه تعتبر فيها نية الحالف ، ظالما كان أو مظلوما ، إذا لم ينو خلاف الظاهر ، فلا تطلق زوجته لا قضاء ولا ديانة ، لكنه يأثم - إن كان ظالما - إثم الغموس ، فلو نوى خلاف الظاهر - كما لو نوى الطلاق عن وثاق - اعتبرت نيته ديانة لا قضاء ، فيحكم القاضي عليه بوقوع الطلاق سواء أكان ظالما أم مظلوما .
وقال الخصاف : تعتبر نيته قضاء إن كان مظلوما .
155 - مذهب المالكية : اختلف المالكية في هذه المسألة ، فقال سحنون وأصبغ وابن المواز : إن اليمين على نية المستحلف .
وقال ابن القاسم إنها على ، نية الحالف ، فينفعه الاستثناء ، فلا تلزمه كفارة ، ولكن يحرم ذلك عليه من حيث إنه منع حق غيره ، وهذا الذي قاله ابن القاسم خلاف المشهور .
ثم إن القائلين بأنها على نية المستحلف اختلفوا في كونها على نية المحلوف له عند عدم استحلافه ، فذهب خليل إلى أنها لا تكون على نيته ، وذهب الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير إلى أنها تكون على نيته ، وسبق في شرائط صحة الاستثناء بيان موضح تكون فيه اليمين على نية المستحلف أو المحلوف له عندهم .
156 - مذهب الشافعية : اليمين تكون على نية المستحلف بشرائط :
الشريطة الأولى : أن يكون المستحلف ممن يصح أداء الشهادة عنده كالقاضي والمحكم والإمام ، فإن لم يكن كذلك كانت على نية الحالف ، وألحق ابن عبد السلام الخصم بالقاضي ، عملا بحديث : « يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك » أي خصمك .
الشريطة الثانية : أن يستحلفه القاضي ونحوه بطلب من الخصم ، فإن استحلفه بلا طلب منه كانت اليمين على نية الحالف .

(8/401)


الشريطة الثالثة : ألا يكون الحالف محقا فيما نواه على خلاف نية المستحلف ، فإن ادعى زيد أن عمرا أخذ من ماله كذا بغير إذنه وسأل رده ، وكان عمر وقد أخذه من دين له عليه ، فأجاب بنفي الاستحقاق ، فقال زيد للقاضي : حلفه أنه لم يأخذ من مالي شيئا بغير إذني ، وكان القاضي يرى إجابته لذلك ، فيجوز لعمرو أن يحلف أنه لم يأخذ شيئا من ماله بغير إذنه ، وينوي أنه لم يأخذه بغير استحقاق ، فيمينه في هذه الحالة تكون على نيته المقيدة ، لا على نية القاضي المطلقة ، ولا يأثم بذلك .
الشريطة الرابعة : أن يكون الاستحلاف بالله تعالى لا بالطلاق ونحوه ، لكن إذا كان المستحلف يرى جواز التحليف بالطلاق كالحنفي ، كانت اليمين على نيته لا على نية الحالف.
157 - مذهب الحنابلة : يرجع في اليمين إلى نية الحالف فهي مبناها ابتداء ، إلا إذا كان الحالف ظالما ، ويستحلفه لحق عليه ، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف .
القاعدة الثانية : مراعاة نية الحالف :
إذا لم يكن مستحلف أصلا ، أو كان مستحلف ولكن عدمت شريطة من الشرائط التي يتوقف عليها الرجوع إلى نية المستحلف ، روعيت نية الحالف التي يحتملها اللفظ ، وفيما يلي بيان أقوال الفقهاء في ذلك :
158 - مذهب الحنفية : الأصل عندهم أن الكلام ينصرف إلى العرف إذا لم يكن للحالف نية ، فإن كانت له نية شيء واللفظ يحتمله انعقدت اليمين باعتباره ، فمن حلف لا يدخل بيتا فدخل المسجد لا يحنث إذا لم ينوه ، لأن المسجد لا يعتبر في العرف بيتا ، وإن كان الله في كتابه قد سماه بيتا .
159 - مذهب المالكية : إن لم تجب مراعاة نية المستحلف وجبت مراعاة نية الحالف ، فهي تخصص العام وتقيد المطلق وتبين المجمل ثم إن النية المخصصة والمقيدة لها ثلاثة أحوال :

(8/402)


الحالة الأولى : أن تكون مساوية لظاهر اللفظ ، بأن يحتمل اللفظ إرادتها وعدم إرادتها على السواء بلا ترجيح لأحدهما على الآخر ، كحلفه لزوجته : إن تزوج في حياتها فالتي يتزوجها طالق أو فعليه المشي إلى مكة ، فتزوج بعد طلاقها ، وقال : كنت نويت أني إن تزوجت عليها في حياتها وهي في عصمتي ، وهي الآن ليست في عصمتي .
ففي هذه الحالة يصدق في اليمين بالله تعالى أو الطلاق أو التزام قربة في كل من الفتوى والقضاء . ومن ذلك ما لو حلف : لا يأكل لحما ، فأكل لحم طير ، وقال : كنت أردت لحم غير الطير ، فإنه يصدق مطلقا أيضا .
الحالة الثانية : أن تكون نيته مقاربة لظاهر اللفظ ، وإن كان أرجح منها ، كحلفه لا يأكل لحما أو سمنا إذا ادعى أنه نوى لحم البقر وسمن الضأن ، فأكل لحم الضأن وسمن البقر ، ففي هذه الحالة يصدق في حلفه بالله ، وبتعليق القربة ما عدا الطلاق ، إذا رفع أمره للقاضي وأقيمت عليه البينة ، فإنه يحكم بالطلاق ، ومثل البينة الإقرار . ويقبل منه ما ادعاه في الفتوى مطلقا ، فلا يعد حانثا في جميع أيمانه . ومن ذلك ما لو حلف : لا يكلم فلانا فكلمه ، وقال : إني كنت نويت ألا أكلمه شهرا أو ألا أكلمه في المسجد ، وقد كلمته بعد شهر أو في غير المسجد ، فيقبل في الفتوى مطلقا ، ويقبل في القضاء في غير الحلف بالطلاق . وكذلك لو حلف : ألا يبيعه أو ألا يضربه ، ثم وكل إنسانا في بيعه أو أمره بضربه ، وقال : إني كنت أردت الامتناع عن تكليمه وضربه بنفسي .
الحالة الثالثة : أن تكون نيته بعيدة عن ظاهر اللفظ ، كقوله : إن دخلت دار فلان فزوجتي طالق ، إذا ادعى أنه أراد زوجته الميتة ، ثم دخل الدار استنادا إلى هذه النية لم يقبل منه ما ادعاه لا في القضاء ولا في الفتوى ، إلا إذا كانت هناك قرينة دالة على هذه الدعوى .

(8/403)


160- مذهب الشافعية : في أسنى المطالب : من حلف على شيء ولم يتعلق به حق آدمي ، فقال : أردت مدة شهر فقط ونحوه مما يخصص اليمين قبل منه ظاهرا وباطنا ، لأنه أمين في حقوق الله تعالى لا في حق آدمي كطلاق وإيلاء ، فلا يقبل قوله ظاهرا ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ، أو حلف : لا يكلم أحدا ، وقال : أردت زيدا مثلا لم يحنث بغيره عملا بنيته . ثم اللفظ الخاص لا يعمم بالنية ، مثل أن يمن عليه رجل بما نال منه ، فحلف لا يشرب له ماء من عطش لم يحنث بغيره ، من طعام وثياب وماء من غير عطش وغيرها ، وإن نواه وكانت المنازعة بينهما تقتضي ما نواه ، لانعقاد اليمين على الماء من عطش خاصة ، وإنما تؤثر النية إذا احتمل اللفظ ما نوى بجهة يتجوز بها .
وقد يصرف اللفظ إلى المجاز بالنية ، كلا أدخل دار زيد ، ونوى مسكنه دون ملكه ، فيقبل في غير حق آدمي - كأن حلف بالله - لا في حق آدمي ، كأن حلف بطلاق .
161 - مذهب الحنابلة : إن لم يكن مستحلف ، أو كان مستحلف ولم يكن الحالف ظالما رجع إلى نيته هو - سواء أكان مظلوما أم لا - وإنما يرجع إلى نيته إن احتملها لفظه ، كأن ينوي السقف والبناء السماء ، وبالفراش والبساط الأرض ، وباللباس الليل ، وبالأخوة أخوة الإسلام . ثم إن كان الاحتمال بعيدا لم يقبل قضاء ، وإنما يقبل ديانة ، وإن كان قريبا أو متوسطا قبل قضاء وديانة . فإن لم يحتمل أصلا لم تنصرف يمينه إليه ، بل تنصرف إلى ظاهر اللفظ ، وذلك كأن يقول : والله لا آكل ، وينوي عدم القيام دون عدم الأكل .
ومن أمثلة النية المحتملة احتمالا قريبا : ما لو نوى التخصيص ، كأن يحلف : لا يدخل دار زيد ، وينوي تخصيص ذلك باليوم ، فيقبل منه حكما ، فلا يحنث بالدخول في يوم آخر ، ولو كان حلفه بالطلاق .
القاعدة الثالثة : مراعاة قرينة الفور أو البساط ، أو السبب :

(8/404)


إذا عدمت نية المستحلف المحق ونية الحالف ، وكانت اليمين عامة أو مطلقة في الظاهر ، لكن كان سببها الذي أثارها خاصا أو مقيدا كان ذلك مقتضيا تخصيص اليمين أو تقييدها . وهذا السبب يسمى عند المالكية بساط اليمين ، وعند الحنابلة السبب المهيج لليمين ، ويعبر الحنفية عن هذه اليمين بيمين الفور . وفيما يلي أقوال الفقهاء في ذلك :
162 - فمذهب الحنفية : إذا لم يكن المحلوف عليه مقيدا نصا ، ولكن دلت الحال على تقييده بشيء ، فإن ذلك القيد يراعى في اليمين استحسانا عند أبي حنيفة ، وهو الراجح . مثال ذلك : أن تخرج اليمين جوابا لكلام مقيد ، أو بناء على أمر مقيد ، ولكن الحالف لا يذكر في يمينه هذا القيد نصا ، كما لو قال إنسان : تعال تغد معي ، فقال : والله لا أتغدى ، فلم يتغد معه ، ثم رجع إلى منزله فتغدى ، فإنه لا يحنث لأن كلامه خرج جوابا للطلب ، فينصرف إلى المطلوب ، وهو الغداء المدعو إليه ، فكأنه قال : والله لا أتغدى الغداء الذي دعوتني إليه . وقال زفر : يحنث ، لأنه منع نفسه عن التغدي عاما ، فلو صرف لبعض دون بعض كان ذلك تخصيصا بغير مخصص ، وذا هو القياس .
163 - مذهب المالكية : إن لم يوجد مستحلف ذو حق ، ولم يكن للحالف نية صريحة ، أو كان له نية صريحة ولكنه لم يضبطها ، روعي بساط يمينه في التعميم والتخصيص والتقييد ، والبساط هو السبب الحامل على اليمين ، ومثله كل سياق وإن لم يكن سببا ، ويعتبر البساط قرينة على النية وإن لم تكن صريحة ولا منضبطة ، وعلامته صحة تقييد اليمين بقوله ما دام هذا الشيء موجودا .

(8/405)


ومن أمثلته : ما لو حلف لا يشتري لحما ، أو لا يبيع في السوق ، إذا كان الحامل على الحلف زحمة أو وجود ظالم ، فيمينه تقيد بذلك ، فلا يحنث بشراء اللحم ولا بالبيع في السوق إذا انتفت الزحمة والظالم ، سواء أكان حلفه بالله أم بتعليق الطلاق ونحوه ، ويستوي في ذلك القضاء والفتيا ، لكن لا بد في القضاء من إقامة بينة على وجود البساط . ومن الأمثلة أيضا : ما لو كان خادم المسجد يؤذيه ، فحلف لا يدخله ، فإن معناه أنه لا يدخله ما دام هذا الخادم فيه ، وكذا لو كان فاسق بمكان فقال إنسان لزوجته : إن دخلت هذا المكان فأنت طالق ، وكان وجود هذا الفاسق الحامل على الحلف ، فإن الحلف يقيد بوجوده ، فإن زال فدخلت امرأته المكان لم تطلق .
ومن ذلك : ما لو من إنسان على آخر ، فحلف لا يأكل له طعاما ، فإنه يقتضي ألا ينتفع منه بشيء فيه المنة ، سواء أكان طعاما أم كسوة أو غيرهما ، فهذا تعميم لليمين بالبساط .
فإن لم يكن السبب الحامل على اليمين داعيا إلى مخالفة الظاهر لم يكن بساطا ، كما لو حلف إنسان : لا يكلم فلانا أو لا يدخل داره ، وكان السبب في ذلك أنه شتمه أو تشاجر معه ، فهذا السبب لا يدعو إلى مخالفة الظاهر ، وهو الامتناع من التكليم ومن دخول الدار أبدا .
164 - مذهب الشافعية : يتضح من الاطلاع على كتب المذهب الشافعي أن المعتبر - بعد نية المستحلف ونية الحالف - هو ظاهر اللفظ ، بقطع النظر عن السبب الحامل على اليمين ، فلو كانت اليمين عامة أو مطلقة في الظاهر - لكن كان سببها الذي أثارها خاصا أو مقيدا - لم يكن ذلك مقتضيا تخصيص اليمين أو تقييدها عندهم .

(8/406)


165 - مذهب الحنابلة : إن لم يوجد مستحلف ذو حق ، ولم ينو الحالف ما يوافق ظاهر اللفظ أو يخصصه ، أو يكون اللفظ مجازا فيه ، رجع إلى السبب المهيج لليمين لأنه يدل على النية ، وإن كان القائل غافلا عنها ، فمن حلف : ليقضين زيدا حقه غدا فقضاه قبله لم يحنث ، إذا كان سبب يمينه أمرا يدعو إلى التعجيل وقطع المطل ، وإنما يحنث بالتأخير عن غد ، فإن كان السبب مانعا من التعجيل حاملا على التأخير إلى غد فقضاه قبل حنث ، وفي هذه الصورة لا يحنث بالتأخير عن غد ، فإن لم يكن سبب يدعو إلى التعجيل أو التأخير حنث بهما عند الإطلاق عن النية ، وأما إذا نوى التعجيل أو التأخير فإنه يعمل بنيته كما تقدم ، فعند نية التعجيل يحنث بالتأخير دون التقديم ، وعند التأخير يكون الحكم عكس ذلك .
ومن حلف على شيء لا يبيعه إلا بمائة ، وكان الحامل له على الحلف عدم رضاه بأقل من مائة ، حنث ببيعه بأقل منها ، ولم تحنث ببيعه بأكثر إلا إذا كان قد نوى المائة بعينها لا أكثر ولا أقل . ومن حلف لا يبيعه بمائة ، وكان الحامل له على الحلف أنه يستقل المائة ، حنث ببيعه بها ، وكذا يحنث ببيعه بأقل منها ما لم ينو تعين المائة ، ولا يحنث ببيعه بأكثر من المائة ما لم ينو تعينها .
ومن دعي لغداء ، فحلف لا يتغدى ، لم يحنث بغداء آخر عند الإطلاق ، لأن السبب الحامل على الحلف هو عدم إرادته لهذا الغداء المعين ، وإنما يحنث بالغداء الآخر إذا نوى العموم ، فإن النية الموافقة للظاهر تقدم على السبب المخصص كما علم مما مر .

(8/407)


ومن حلف لا يشرب لفلان ماء من عطش ، وكان السبب عدم رضاه بمنته ، حنث بأكل خبزه واستعارة دابته ، وما ماثل ذلك من كل ما فيه منة تزيد على شرب الماء من العطش ، بخلاف ما هو أقل منة من شرب الماء كقعوده في ضوء ناره ، وهذا كله عند الإطلاق عن النية ، فإن نوى ظاهر اللفظ عمل به .
ومن حلف لا يدخل بلدا ، وكان السبب ظلما رآه فيها ، أو حلف لا رأى منكرا إلا رفعه إلى الوالي ، وكان السبب طلب الوالي ذلك منه ، ثم زال الظلم في المثال الأول ، وعزل الوالي في المثال الثاني ، لم يحنث بدخول البلد بعد زوال الظلم ، ولا بترك رفع المنكر إلى الوالي بعد عزله ، فإن عاد الظلم أو عاد الوالي للحكم حنث بمخالفة ما حلف عليه ، ويستوي في هذا الحكم ما لو أطلق الحالف لفظه عن النية ، وما لو نوى التقييد بدوام الوصف الحامل على اليمين .
166 - هذا وإذا تعارضت النية والسبب ، وكان أحدهما موافقا لظاهر اللفظ ، والثاني أعم منه عمل بالموافق ، فمن حلف لا يأوي مع امرأته بدار فلان ناويا جفاءها ، وكان السبب الحامل على اليمين هو عدم ملاءمة الدار عمل بالسبب ، فلا يحنث باجتماعه معها في دار أخرى ، وإن كان ذلك مخالفا لنيته . فإن كان ناويا عدم الاجتماع معها في الدار بخصوصها ، وكان السبب الحامل على اليمين يدعو إلى الجفاء العام فالحكم كما سبق ، عملا بالنية الموافقة للظاهر ، وإن كان ذلك مخالفا للسبب .
فإن وجدت نية ولا سبب ، أو كان السبب يدعو إلى الجفاء ولا نية ، أو اتفقا معا في الجفاء حنث بالاجتماع معها مطلقا ، وإن اتفقا في تخصيص الدار لم يحنث بغيرها .
القاعدة الرابعة : مراعاة العرف الفعلي والقولي والشرعي والمعنى اللغوي :
167- من تصفح كتب المذاهب وجد عباراتها في هذا الموضوع تختلف .

(8/408)


فالحنفية يذكرون مراعاة العرف فاللغة ، ولا يقسمون العرف إلى فعلي وقولي وشرعي ، ولعلهم اكتفوا بأن الكلمة إذا أطلقت لم تتنازعها أعراف مختلفة ، لأنها قد يكون المشهور فيها هو الفعلي فقط أو القولي فقط أو الشرعي فقط ، فلا حاجة لترتيبها .
والمالكية ذكر بعضهم العرف الفعلي وقدمه على القولي ، وأغفله بعضهم ، ومنهم من قدم الشرعي على اللغوي ، ومنهم من عكس .
والشافعية لم يفصلوا في العرف ، ثم إنهم تارة يقدمون العرف على اللغة ، وتارة يعكسون . والحنابلة قدموا المعنى الشرعي ، وأتبعوه بالعرفي فاللغوي ، ولم يقسموا العرفي إلى فعلي وقولي .
أ - مذهب الحنفية :
168 - الأصل في الألفاظ التي يأت بها الحالف أن يراعي فيها معنى المفردات في اللغة ، وأن يراعي المعنى التركيبي من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد بالوقت أو بغيره من القيود ، ومعاني الحروف التي فيها كالواو والفاء وثم وأو .
وإنما يراعى المعنى اللغوي إذا لم يكن كلام الناس بخلافه ، فإن كان كلام الناس بخلافه وجب حمل اللفظ على ما تعارفه الناس ، فيكون حقيقة عرفية .
ومن أدلة تقديم المعنى العرفي على اللغوي الأصلي ما روي أن رجلا جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال : إن صاحبا لنا مات وأوصى ببدنة ، أفتجزي عنه البقرة ؟ فقال : « ممن صاحبكم ؟ فقال من بني رباح ، فقال : " متى اقتنت بنو رباح البقر ؟ إنما البقر للأزد ، وذهب وهم صاحبكم إلى الإبل " .

(8/409)


فهذا الأثر أصل أصيل في حمل الكلام المطلق على ما يريده الناس ، ولا شك أن إرادة الناس تذهب إلى المعنى العرفي ، فيما له معنى لغوي ومعنى عرفي ، فالظاهر عند إطلاق اللفظ إرادة المعنى العرفي ، ولهذا لو قال الغريم لغريمه : والله لأجرنك في الشوك ، لم يرد به حقيقته اللغوية عادة ، وإنما يريد شدة المطل ، فلا يحنث بعدم جره في الشوك ، وإنما يحنث بإعطائه الدين من غير مماطلة .
ولو حلف : ألا يجلس في سراج ، فجلس في الشمس لم يحنث ، وإن كان الله سبحانه وتعالى سماها سراجا في قوله : { وجعل الشمس سراجا } وكذا لا يحنث من جلس على الأرض ، وكان قد حلف ألا يجلس على بساط ، وإن كان الله عز وجل سمى الأرض بساطا في قوله : { والله جعل لكم الأرض بساطا } وكذا من حلف ألا يمس وتدا ، فمس جبلا لا يحنث ، وإن سماه الله سبحانه وتدا في قوله : { والجبال أوتادا } وكذا من حلف لا يركب دابة فركب إنسانا لا يحنث ، لأنه لا يسمى دابة في العرف ، وإن كان يسمى دابة في اللغة . وهذا كله حيث لم يجعل اللفظ في العرف مجازا عن معنى آخر ، كما لو حلف : لا يضع قدمه في دار فلان ، فإنه صار مجازا عن الدخول مطلقا ، ففي هذا لا يعتبر اللفظ أصلا ، حتى لو وضع قدمه ولم يدخل لا يحنث ، لأن المعنى الأصلي والعرفي للفظ قد هجر ، وصار المراد به معنى آخر ، ومثله : لا آكل من هذه الشجرة - وهي من الأشجار التي لا تثمر ولم تجر العادة بأكل شيء منها - فهذه العبارة تنصرف إلى الانتفاع بثمنها ، فلا يحنث بتناول شيء منها ومضغه وابتلاعه .
ب - مذهب المالكية :

(8/410)


169 - إذا لم يوجد مستحلف ذو حق ، ولم ينو الحالف نية معتبرة ، ولم يكن لليمين بساط دال على مخالفة الظاهر ، فالمعتمد اعتبار العرف الفعلي ، كما لو حلف : لا يأكل خبزا ، وكان أهل بلده لا يأكلون إلا خبز القمح ، فأكل القمح عندهم عرف فعلي ، فهو مخصص للخبز الذي حلف على عدم أكله ، فلا يحنث بأكل خبز الذرة .
فإن لم يكن عرف فعلي اعتبر العرف القولي ، كما لو كان عرف قوم استعمال لفظ الدابة في الحمار وحده ، ولفظ الثوب فيما يلبس من جهة الرأس ويسلك في العنق ، فحلف حالف منهم : ألا يشتري دابة أو ثوبا ، فلا يحنث بشراء فرس ولا عمامة .
فإن لم يكن عرف فعلي ولا قولي اعتبر العرف الشرعي ، فمن حلف : لا يصلي في هذا الوقت ، أو لا يصوم غدا ، أو لا يتوضأ الآن ، أو لا يتيمم حنث بالشرعي من ذلك دون اللغوي ، فلا يحنث بالدعاء ، ولا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنهما يسميان صلاة في اللغة ، ولا يحنث بالإمساك عن الطعام والشراب من غير نية ، وإن كان يسمى صياما في اللغة ، ولا بغسل اليدين إلى الرسغين ، مع أنه يسمى وضوءا في اللغة ، ولا بقصده إنسانا والذهاب إليه مع أنه يسمى تيمما في اللغة .
فإن لم يوجد ما يدل على مخالفة الظاهر اللغوي ، من نية أو بساط أو عرف فعلي أو قولي أو شرعي ، حملت اليمين على الظاهر اللغوي ، فمن حلف لا يركب دابة أو لا يلبس ثوبا ، وليس له نية ، ولا لأهل بلده عرف في دابة معينة أو ثوب معين ، حنث بركوبه التمساح ولبسه العمامة ، لأن ذلك هو المدلول اللغوي .
ج - مذهب الشافعية :

(8/411)


170 - الأصل عندهم أن يتبع المعنى اللغوي عند ظهوره وشموله ، ثم يتبع العرف إذا كان مطردا وكانت الحقيقة بعيدة ، مثل لا آكل من هذه الشجرة ، فإنه يحمل على الثمر لا الورق ، ولو حلف : لا يأكل الرأس ، حمل على رءوس النعم ، وهي البقر والإبل والغنم ، لأنها هي المتعارفة ، حتى إن اختص بعضها ببلد الحالف ، بخلاف رأس الطير والحوت والظبي ونحوها فلا تحمل اليمين على شيء منها إلا إذا جرت العادة ببيعها في بلد الحالف ، لأنها لا تفهم من اللفظ عند إطلاقه .
د - مذهب الحنابلة :
171 - إن عدمت النية والسبب رجع في اليمين إلى ما تناوله الاسم شرعا فعرفا فلغة ، فاليمين على الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والوضوء والبيع ونحوها من كل ماله معنى شرعي ومعنى لغوي تحمل على المعنى الشرعي عند الإطلاق ، ويحمل على الصحيح دون الفاسد ، فيما عدا الحج والعمرة .
ولو قيد حالف يمينه بما لا يصح شرعا ، كأن حلف لا يبيع الخمر ، ففعل ، حنث بصورة ذلك العقد الفاسد لتعذر الصحيح .
ومن حلف على الراوية والظعينة والدابة ونحو ذلك ، مما اشتهر مجازه حتى غلب على حقيقته ، بحيث لا يعرفها أكثر الناس ، فهذا حلف على أسماء لها معان عرفية وهي التي اشتهرت ، ومعان لغوية وهي التي صارت كالمجهولة . فالراوية في اللغة : اسم لما يستقى عليه من الحيوانات ، واشتهرت في المزادة ، وهي وعاء يحمل فيه الماء في السفر كالقربة ونحوها . والظعينة في اللغة : اسم للناقة التي يظعن عليها ، ثم اشتهرت في المرأة في الهودج . والدابة في اللغة اسم لما دب ودرج ، واشتهرت في ذوات الأربع من خيل وبغال وحمير ويراعى في الحلف عليها المعنى العرفي لا اللغوي .

(8/412)


ومن حلف : لا يأكل لحما أو شحما أو رأسا أو بيضا أو لبنا ، أو ذكر نحو ذلك من الأسماء اللغوية ، وهي التي لم يغلب مجازها على حقيقتها ، يراعى في يمينه المعنى اللغوي ، فيحنث الحالف على ترك أكل اللحم بأكل سمك ولحم خنزير ونحوه ، ولا بمرق اللحم ، ولا بالمخ والشحم والكبد والكلية والمصران والطحال والقلب والألية والدماغ والقانصة والكارع ولحم الرأس واللسان ، لأن مطلق اللحم لا يتناول شيئا من ذلك ، فإن نوى الامتناع من تناول الدسم حنث بذلك كله .
ويحنث الحالف على ترك أكل الشحم بجميع الشحوم ، حتى شحم الظهر والجب والألية والسنام ، لأن الشحم ما يذوب من الحيوان بالنار ، لا باللحم الأحمر ولا الكبد والطحال والرأس والكلية والقلب والقانصة ونحوها . والحالف على الامتناع من أكل الرءوس يحنث بجميع الرءوس : رأس الطير ورأس السمك ورأس الجراد .
والحالف على الامتناع من أكل البيض يحنث بكل بيض ، حتى بيض السمك والجراد . والحالف على الامتناع من أكل اللبن يحنث بكل ما يسمى لبنا ، حتى لبن الظبية والآدمية ، وسواء أكان حليبا أم رائبا أم مجمدا ، ويحنث بالمحرم كلبن الخنزيرة والأتان ، ولا يحنث بأكل الزبد أو السمن أو الكشك أو المصل أو الجبن أو الأقط ونحوه مما يعمل من اللبن ويختص باسم .

إيمان *
التعريف :
1 - الإيمان مصدر " آمن " " وآمن " أصله من الأمن ضد الخوف .

(8/413)


يقال : آمن فلان العدو يؤمنه إيمانا ، فهو مؤمن ، ومن هنا يأتي الإيمان بمعنى : جعل الإنسان في مأمن مما يخاف . جاء في اللسان : قرئ في سورة براءة { إنهم لا أيمان } من قرأه بكسر الألف معناه : أنهم إن أجاروا وأمنوا المسلمين لم يفوا وغدروا ، والإيمان هنا : الإجارة . والغالب أن يكون الإيمان لغة بمعنى التصديق ضد التكذيب . يقال : آمن بالشيء إذا صدق به ، وآمن لفلان إذا صدقه فيما يقول . ففي التنزيل { وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } وفيه { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون }
والإيمان في الاصطلاح مختلف فيه :
فقيل : هو تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله ، مع إظهار الخضوع والقبول لما أتى به . فهو اعتقاد بالجنان ، وقول باللسان ، وعمل بالأركان . والمراد بالاعتقاد : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر ، على ما ورد في حديث جبريل عليه السلام . والمراد بقول اللسان : النطق بالشهادتين .
والمراد بالعمل بالجوارح : فعلها وكفها تبعا للأمر والنهي . قال ابن حجر العسقلاني : هذا قول السلف ، وهو أيضا قول المعتزلة ، إلا أن المعتزلة جعلوا الأعمال شرطا في صحة الإيمان ، والسلف جعلوها شرطا في كماله .

(8/414)


وقيل : الإيمان هو : التصديق بالقلب واللسان فقط ، وهو قول بعض الفقهاء بناء على أن هذا هو الوضع اللغوي للفظ ( الإيمان ) وأن الأصل عدم النقل . وليست الأعمال عندهم داخلة في مسمى الإيمان . فإذا وجد لدى الإنسان الإيمان وجد كاملا ، وإن زال زال دفعة واحدة . أما على قول السلف المتقدم ، فإن الإيمان درجات بحسب قوة التصديق لوضوح الأدلة وجودة الفهم . ويزيد الإيمان بالطاعات ، وينقص بالمعاصي ، ويفاضل الناس فيه . واستشهد لهم بقول الله تعالى { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة« يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان »
الفرق بين الإسلام والإيمان :
2 - الإسلام لغة : الاستسلام ، وشرعا : النطق بالشهادتين والعمل بالفرائض ، فالإيمان أخص من الإسلام ، إذ يؤخذ في معنى الإيمان - مع النطق والعمل - التصديق ، والإحسان أخص من الإيمان . فكل محسن مؤمن ، وكل مؤمن مسلم ، ولا عكس .
قال الأزهري في تفسير قول الله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } قال : الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وبه يحقن الدم . فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك هو الإيمان ، الذي يقال للموصوف به هو مؤمن مسلم .
فأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم ، لدفع المكروه ، فهو في الظاهر مسلم ، وباطنه غير مصدق ، فذلك الذي يقول : أسلمت . وحكمه في الظاهر حكم المسلمين .
وفي العقائد النسفية وشرحها أن الإيمان والإسلام شيء واحد ، أو أن أحدهما لا ينفك عن الآخر . ويرى بعض العلماء أن الإيمان والإسلام إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده .

(8/415)


وإن قرن بينهما تغايرا ، على وزان ما قالوه في ( الفقير ) ( والمسكين )
الحكم الإجمالي :
3 - الإيمان واجب ، بل هو أعظم الفرائض . ولا يعتبر التصديق إلا مع التلفظ بالشهادتين من القادر . والامتناع من التلفظ - مع القدرة عليه - مناف للإذعان .
وقد اختلف في جواز التقليد في الإيمان ، على قولين .
4 - والإيمان شرط في قبول العبادات ، لقول الله تعالى { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } وقوله { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا } ونحوهما من الآيات . أما صحة الأعمال ظاهرا وجريان الأحكام على الشخص ، كاستحقاق الميراث والصلاة عليه ونحو ذلك ، فيشترط لها الإسلام فقط ، إذ التصديق والاعتقاد أمر باطن لا تتعلق به الأحكام الظاهرة .
وقد يكون الإسلام شرط وجوب ، كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والجهاد حيث وجبت ، فإنما تجب ظاهرا على المسلمين .
من أجل ذلك ، وأن مباحث الفقه منصبة على الأمور الظاهرة ، فإن الفقهاء يستعملون غالبا في بيانهم للأحكام الشرعية لفظ ( الإسلام ) ، ويجعلونه متعلق الأحكام ، دون لفظ ( الإيمان ) ولذلك ينظر ما يتعلق بذلك في موضعه ( ر : إسلام ) .
5- وإذا وجدت الردة - بارتكاب أحد المكفرات اختيارا - أبطلت الإسلام والإيمان ظاهرا . وخرج صاحبه منه إلى الكفر اتفاقا ( ر : ردة ) .
6- أما الفسق والمعاصي فلا يخرج بهما المؤمن من الإيمان على قول أهل السنة . وعند الخوارج يخرج بهما من الإيمان ويدخل في الكفر . وعند المعتزلة يخرج من الإيمان ، ولا يدخل الكفر ، بل هو في منزلة بين المنزلتين .

(8/416)


7- وفي حكم الاستثناء في الإيمان ، بأن يقول الإنسان : أنا مؤمن إن شاء الله اختلاف ، والحقيقة أنه خلاف لفظي ، لأنه لو قصد حقيقة التعليق لا يكون مؤمنا بالإجماع ، ولو قصد التبرك والتأدب ، بإسناد الأمر والتفويض إلى الله سبحانه وتعالى تبركا ، فلا يمكن القول بأنه غير مؤمن .
شعب الإيمان :
8 - الإيمان أصل تنشأ عنه الأعمال الصالحة وتنبني عليه ، كما تنبني فروع الشجرة على أصلها وتتغذى منه ، وقد جاء في الحديث الصحيح « الإيمان بضع وستون ، أو بضع وسبعون شعبة ، أعلاها لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق . والحياء شعبة من الإيمان » . وقد ذكر الله تعالى منها جملة في أول سورة ( المؤمنون ) . وتتبع بعض العلماء باقي العدد من الكتاب والسنة . وإتماما لهذا المصطلح تراجع كتب العقائد والتوحيد .

إيهام *
التعريف :
1 - الإيهام لغة : إيقاع الغير في الظن .
واصطلاحا : الإيقاع في الوهم . إلا أن الفقهاء والأصوليين يختلفون في معنى الوهم ، فهو عند أغلب الفقهاء مرادف للشك ، فالشك عندهم هو التردد بين وجود الشيء وعدمه ، سواء أكان الطرفان في التردد سواء ، أم كان أحدهما راجحا .
وعند أصحاب الأصول وبعض الفقهاء : الوهم هو إدراك الطرف المرجوح .
والبعض يطلق الإيهام ويريد به الظن .
الألفاظ ذات الصلة :
الغش :
2 - الغش : أن يكتم البائع عن المشتري عيبا في المبيع لو اطلع عليه لما اشتراه بذلك الثمن .
التدليس :
3 - التدليس : العلم بالعيب وكتمانه .
الغرر :
4 - الغرر : ما يكون مجهول العاقبة ، ولا يدرى أيكون أم لا .
الحكم الإجمالي :
5 - إيهام اللقي والرحلة من تدليس الإسناد عند المحدثين ، وهو مكروه ، لكن لا يعتبر سببا لتجريح الراوي .

(8/417)


فإيهام اللقي : كقول من عاصر الزهري مثلا ولم يلقه : قال الزهري ، موهما أي موقعا في الوهم - أي الذهن - أنه سمعه .
وإيهام الرحلة نحو أن يقال : حدثنا وراء النهر ، موهما جيحون ، والمراد نهر مصر ، كأن يكون بالجيزة ، لأن ذلك من المعاريض لا كذب فيه .
وعند الفقهاء : إيهام البائع المشتري سلامة المبيع المعيب منهي عنه ، وموجب الخيار للمشتري في الجملة على خلاف وتفصيل موطنه خيار العيب .

إيواء *
التعريف :
1- الإيواء لغة : مصدر آوى - وهو متعد - ضم الإنسان غيره إلى مكان يقيم ومأمن فيه ، كقوله تعالى : { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه } ومجرده أوى ، وهو لازم . وقد يستعمل متعديا ، يقال : أوى إلى فلان إذا التجأ وانضم إليه . والمأوى لكل حيوان سكنه . وهو في الشريعة كذلك ، فقد قال عليه الصلاة والسلام للأنصار : « أسألكم لربي عز وجل أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا .. » أي تضمونا إليكم ، وقال صلوات الله وسلامه عليه : « لا يأوي الضالة إلا ضال » أي يأخذها ويضمها إليه وهكذا .
الحكم العام ومواطن البحث :
2 - حيثما كان الإيواء لغاية مشروعة كان الإيواء مشروعا ، ما لم يقم على منعه دليل ، كإيواء اليتيم ، وإيواء المشرد ، وإيواء الضيف ، وإيواء الفار من الظالم ، وإيواء اللقطة التي لا تستطيع أن تمتنع بنفسها .
وحيثما كان الإيواء لغاية غير مشروعة ، فهو غير مشروع كإيواء الجاسوس والجاني لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة « من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » .

(8/418)


3 - وإيواء العين المسروقة من قبل مالكها شرط لقطع سارقها ، وهو الذي يسميه الفقهاء بالحرز . لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تقطع اليد في ثمر معلق ، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن ، ولا تقطع في حريسة الجبل ، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن » كما فصل ذلك الفقهاء في كتاب السرقة . ( ر : سرقة ) .
4 - وإيواء المبيع إلى المشتري - بمعنى نقله وضمه إلى المشتري - في المنقولات شرط عند البعض ، لجواز بيع المشتري له ، لقول ابن عمر : « لقد رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتاعون جزافا - يعني الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم » .

الأيام البيض *
التعريف :
1 - الأيام البيض هي : اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر عربي . وسميت بيضا لابيضاض لياليها بالقمر ، لأنه يطلع فيها من أولها إلى آخرها . ولذلك قال ابن بري : الصواب أن يقال : أيام البيض ، بالإضافة لأن البيض من صفة الليالي - أي أيام الليالي البيضاء . وقال المطرزي : من فسرها بالأيام فقد أبعد .
الألفاظ ذات الصلة :
الأيام السود :
2 - الأيام السود أو أيام الليالي السود : هي الثامن والعشرون وتالياه ، باعتبار أن القمر في هذه الليالي يكون في تمام المحاق .
الحكم الإجمالي :
3 - يستحب صوم الأيام البيض من كل شهر ، لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك ، ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذاك صيام الدهر » وعن ملحان القيسي قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ، وقال : هو كهيئة الدهر » وهذا ينطبق على كل شهور العام عدا شهر ذي الحجة ، فلا يصام فيه اليوم الثالث عشر ، لأنه من أيام التشريق التي ورد النهي عن صومها .

(8/419)


والأوجه كما يقول الشافعية أن يصام السادس عشر من ذي الحجة .
وصوم هذه الأيام مستحب عند الحنفية والشافعية والحنابلة .
وكان مالك يصوم أول يومه ، وحادي عشره ، وحادي عشرينه .
وكره المالكية كونها الثلاثة الأيام البيض ، مخافة اعتقاد وجوبها وفرارا من التحديد .
وهذا إذا قصد صومها بعينها ، وأما إن كان على سبيل الاتفاق فلا كراهة

أيام التشريق *
التعريف :
1 - أيام التشريق - عند اللغويين والفقهاء - ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، قيل : سميت بذلك لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها ، أي تقدد في الشمس .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الأيام المعدودات :
2 - الأيام المعدودات هي الواردة في قوله تعالى : { واذكروا الله في أيام معدودات } وهي أيام التشريق الثلاثة كما ذكر اللغويون والفقهاء .
ب - الأيام المعلومات :
3 - الأيام المعلومات الواردة في قوله تعالى : { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } هي العشر الأوائل من ذي الحجة ، على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ، وفي قول عند الحنفية . وقيل : هي أيام التشريق ، وقيل : هي يوم النحر ويومان بعده ، وهو رأي المالكية .
وقد روى نافع عن ابن عمر : أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام : يوم النحر وثلاثة بعده ، فيوم النحر معلوم غير معدود ، واليومان بعده معلومان معدودان ، واليوم الرابع معدود لا معلوم . وقيل : هي يوم عرفة والنحر والحادي عشر .
ج - أيام النحر :
4 - أيام النحر ثلاثة : العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة ، وذلك هو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة ، لما روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وأنس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا : أيام النحر ثلاثة .

(8/420)


وذهب الشافعية إلى أن أيام النحر أربعة : يوم النحر وأيام التشريق لما روى جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل أيام التشريق ذبح » .
وقد روي ذلك عن علي رضي الله عنه ، وبه قال عطاء والحسن والأوزاعي وابن المنذر .
د - أيام منى :
5 - أيام منى هي أيام التشريق الثلاثة ، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة ، وتسمى أيام منى وأيام التشريق وأيام رمي الجمار والأيام المعدودات ، كل هذه الأسماء واقعة عليها . والفقهاء يعبرون بأيام منى تارة ، وبأيام التشريق تارة أخرى .
ما يتعلق بأيام التشريق :
أ - رمي الجمار في أيام التشريق :
6 - أيام رمي الجمار أربعة : يوم النحر ، وثلاثة أيام التشريق ، فأيام التشريق هي وقت لرمي باقي الجمار بعد يوم النحر ، يرمي الحاج كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة لثلاث جمرات ، كل جمرة سبع حصيات ، والأصل في هذا ما روته السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « أفاض رسول الله من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى ، فمكث بها ليالي أيام التشريق ، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس ، كل جمرة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، ويقف عند الأولى والثانية ، فيطيل القيام ويتضرع ، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها » . ورمي الجمار في أيام التشريق واجب ، ويفوت وقت الرمي بغروب شمس آخر أيام التشريق ، فمن ترك الرمي في هذه الأيام سقط عنه الرمي لفوات وقته ، ووجب عليه دم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من ترك نسكا فعليه دم » . وهذا باتفاق . وباقي تفصيل أحكام الرمي في مصطلح ( رمي ، وحج ) .
ب - ذبح الهدي والأضحية في أيام التشريق :

(8/421)


7 - وقت ذبح الأضحية والهدي ثلاثة أيام : يوم الأضحى ، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة والحادي عشر والثاني عشر ، فيدخل اليوم الأول والثاني من أيام التشريق ، وهذا عند الحنفية والحنابلة وهو المعتمد عند المالكية ، وقد روي ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم « نهى عن الأكل من النسك فوق ثلاث » وغير جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل ، ثم نسخ تحريم الأكل وبقي وقت الذبح بحاله .
وقد ورد عن بعض أهل المدينة إجازة الأضحية في اليوم الرابع .
وعند الشافعية يبقى وقت ذبح الأضحية والهدي إلى آخر أيام التشريق ، وهو الأصح ، كما قطع به العراقيون ، وقد روي عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل أيام التشريق ذبح » وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده وبه قال الحسن وعطاء والأوزاعي وابن المنذر .
ت - الإحرام بالعمرة في أيام التشريق :
8 - يكره الإحرام بالعمرة في أيام التشريق ، لما روت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « وقت العمرة السنة كلها ، إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق » ومثل هذا لا يعرف إلا بالتوقيف . وذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الإحرام بالعمرة في أيام التشريق ، ولا يكره ذلك لعدم النهي عنه .

(8/422)


وذهب الحنفية إلى أن المحرم بالحج إذا أهل بعمرة في أيام التشريق لزمته ، ويقطعها ، لأنه قد أدى ركن الحج من كل وجه ، والعمرة مكروهة في هذه الأيام ، فلهذا يلزمه قطعها ، فإن رفضها فعليه دم لقطعها ، وعمرة مكانها ، وإن مضى عليها أجزأه ، لأن الكراهة لمعنى في غيرها ، وهو كونه مشغولا في هذه الأيام بأداء بقية أعمال الحج ، فيجب تخليص الوقت له تعظيما ، وعليه دم لجمعه بينهما .
وعند المالكية يجوز الإحرام بالعمرة في أي وقت من السنة ، إلا لمحرم بحج مفردا ، فيمنع إحرامه بالعمرة - ولا ينعقد ، ولا يجب قضاؤها - إلى أن يتحلل من جميع أفعال الحج ، وذلك برمي اليوم الرابع لغير المتعجل ، ومضي قدره لمن تعجل ، وهو قدر زمنه عقب زوال الرابع ، فإن أحرم بالعمرة قبل غروب اليوم الرابع صح إحرامه ، لكن لا يفعل شيئا من أفعال العمرة إلا بعد غروب الشمس ، فإن فعل قبله شيئا فلا يعتد به على المذهب .
ث - صلاة عيد الأضحى أيام التشريق :
9 - صلاة عيد الأضحى تكون في اليوم الأول من أيام النحر ، فإذا تركت في اليوم الأول ، فإنه يجوز أن تصلى في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق ، وهما الثاني والثالث من أيام النحر ، وسواء أتركت بعذر أم بغير عذر ، إلا أنها إذا تركت بغير عذر فإن ذلك مكروه ، وتلحقهم الإساءة ، وتكون أداء في هذه الأيام ، وإنما جاز الأداء في هذه الأيام استدلالا بالأضحية ، فإنها جائزة في اليوم الثاني والثالث ، فكذا صلاة العيد ، لأنها معروفة بوقت الأضحية فتتقيد بأيامها .

(8/423)


وهذا بالنسبة للجماعة ، أما المنفرد إذا فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه ، هذا مذهب الحنفية . ومثله الشافعية والحنابلة ، إلا أنهم يجيزون صلاتها في كل أيام التشريق وفيما بعد أيام التشريق ، ويعتبرونها قضاء لا أداء . وعند المالكية قال في المدونة : من فاتته صلاة العيد مع الإمام يستحب له أن يصليها من غير إيجاب ، وقال ابن حبيب : إن فاتت صلاة العيد جماعة ، فأرادوا أن يصلوا بجماعتهم فلا بأس أن يجمعها مع نفر من أهله ، قال سحنون : لا أرى أن يجمعوا ، وإن أحبوا صلوا أفذاذا .
ج - الصوم في أيام التشريق :
10- من الأيام التي نهى عن الصيام فيها أيام التشريق ، ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله » إلا أنه يجوز للمتمتع أو القارن الذي لم يجد الهدي أن يصوم هذه الأيام ، لما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم أنهما قالا : « لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي » .
وهذا عند الحنابلة والمالكية ، وفي القديم عند الشافعية ، وروي عن الإمام أحمد أنه لا يجوز صيام أيام التشريق عن الهدي .
وعند الحنفية ، وفي الجديد عند الشافعية : لا يجوز صومها للنهي الوارد في ذلك .
ومن نذر صوم سنة لم يدخل في نذره أيام التشريق ، وأفطر ولا قضاء عليه ، لأنه مستحق للفطر ولا يتناولها النذر .
وهذا عند الحنابلة والشافعية والمالكية ، وهو قول زفر ورواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة ، وروى محمد عن أبي حنيفة أنه يصح نذره في هذه الأيام ، لكن الأفضل أن يفطر فيها ويصوم في أيام أخر ، ولو صام في هذه الأيام يكون مسيئا لكنه يخرج عن النذر .
وروي عن الإمام مالك أنه يجوز صوم اليوم الثالث من أيام التشريق لمن نذره .
ح - الخطبة في الحج في أيام التشريق :

(8/424)


11- يستحب أن يخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلم الناس فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم ، لما روي عن « رجلين من بني بكر قالا : رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته » .
وهذا عند الشافعية والحنابلة . وعند المالكية والحنفية - غير زفر - تكون الخطبة في اليوم الأول من أيام التشريق ، وهو ثاني أيام النحر .
خ - المبيت بمنى ليالي أيام التشريق :
12 - المبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب عند جمهور الفقهاء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : « أفاض رسول الله من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق » وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : « لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أن يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته » ، وروى الأثرم عن ابن عمر قال :" لا يبيتن أحد من الحاج إلا بمنى ، وكان يبعث رجالا لا يدعون أحدا يبيت وراء العقبة ".
وعند الحنفية ، وفي قول للشافعية ، ورواية عن الإمام أحمد : أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق سنة وليس بواجب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم « رخص للعباس أن يبيت بمكة من أجل سقايته » ولو كان ذلك واجبا لم يكن للعباس أن يترك الواجب لأجل السقاية ، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرخص له في ذلك ، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محمول على السنة توفيقا بين الدليلين .
ومن ترك المبيت بمنى ليلة أو أكثر من ليالي أيام التشريق فعند الجمهور عليه دم لتركه الواجب ، وعند القائلين بأن المبيت سنة فقد أساء لتركه السنة ولا شيء عليه .

(8/425)


والمبيت بمنى ليالي أيام التشريق كلها إنما هو بالنسبة لغير المتعجل ، أما من تعجل فليس عليه سوى مبيت ليلتين فقط ، ولا إثم عليه في ترك مبيت الليلة الثالثة للآية الكريمة . ويرخص في ترك المبيت بمنى للسقاة والرعاة ، لحديث ابن عمر « أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له » ولحديث مالك : « رخص النبي صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر ، فيرمونه في أحدهما » قال مالك : ظننت أنه قال : في يوم منهما ، ثم يرمون يوم النفر . والمريض ، ومن له مال يخاف عليه ونحوه ، كغيره من السقاة والرعاة ، وفي رواية ابن نافع عن الإمام مالك : أن من ترك المبيت بمنى لضرورة ، كخوفه على متاعه عليه هدي ، وإن لم يأثم . وتفصيل ذلك في مصطلح ( حج ، ورمي ) .
د - التكبير في أيام التشريق :
13 - التكبير في أيام التشريق مشروع لقوله تعالى : { واذكروا الله في أيام معدودات } ، والمراد أيام التشريق ، وهذا باتفاق الفقهاء ، عدا أبا حنيفة فإنه لا تكبير عنده في أيام التشريق .
ومع اتفاق الفقهاء على مشروعية التكبير في أيام التشريق ، فإنهم يختلفون في حكمه ، فعند الحنابلة والشافعية وبعض الحنفية هو سنة لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك . وهو مندوب عند المالكية ، والصحيح عند الحنفية أنه واجب ، للأمر به في قوله تعالى : { واذكروا الله في أيام معدودات } .

(8/426)


كذلك اختلف الفقهاء في وقت التكبير ، فبالنسبة للبدء فإنه باتفاق الفقهاء يكون قبل بداية أيام التشريق ، مع اختلافهم في كونه من ظهر يوم النحر كما يقول المالكية وبعض الشافعية ، أو من فجر يوم عرفة كما يقول الحنابلة وعلماء الحنفية في ظاهر الرواية وفي قول للشافعية . وأما بالنسبة للختم فعند الحنابلة وأبي يوسف ومحمد من الحنفية ، وفي قول للشافعية والمالكية يكون إلى عصر آخر أيام التشريق .
والمعتمد عند المالكية ، وفي قول للشافعية يكون إلى صبح آخر أيام التشريق . وقال ابن بشير من المالكية : يكون إلى ظهر آخر أيام التشريق . والتكبير في هذه الأيام يكون عقيب الصلوات المفروضة ، ولا يكون بعد النافلة ، إلا في قول للشافعية .
وما فات من الصلوات في أيام التشريق فقضي فيها فإنه يكبر خلفها ، وهذا عند الحنابلة والحنفية وفي وجه عند الشافعية .
أما إن قضى في غيرها فلا يكبر خلفها باتفاق .
وما فات من الصلوات في غير أيام التشريق فقضي فيها ، فعند الحنابلة يكبر خلفها .
ولا تكبير خلف مقضية مطلقا عند المالكية .
وصفة التكبير هو أن يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد . وهذا عند الحنفية والحنابلة . وعند المالكية والشافعية يكبر ثلاثا في الأول . وفي موضوع التكبير تفصيلات أخرى تنظر في : ( تكبير - عيد ) .
أيام منى *
التعريف :

(8/427)


1 - أيام منى أربعة هي : يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، وهي الحادي عشر ، والثاني عشر ، والثالث عشر من ذي الحجة . وقد أطلق عليها هذا الاسم لعودة الحجاج إلى منى بعد طواف الإفاضة في اليوم العاشر من ذي الحجة ، والمبيت بها ليالي هذا الأيام الثلاثة . كما أنه يطلق على هذه الأيام أيام منى ، فإنه يطلق عليها كذلك أيام الرمي ، وأيام التشريق ، وأيام رمي الجمار ، والأيام المعدودات . كل هذه الأسماء واقعة عليها ، ويعبر بها الفقهاء ، إلا أنه اشتهر التعبير عندهم بأيام التشريق أكثر من غيره .
الحكم الإجمالي :
2 - لأيام منى أحكام تتعلق بها ، كالمبيت بمنى في هذه الأيام ، ورمي الجمار فيها .
وقد ذكر تفصيل هذه الأحكام في مصطلح أيام التشريق ، نظرا لشهرة هذه الأيام بها .
( ر : أيام ، التشريق ) .
نهاية الجزء السابع / الموسوعة الفقهية

(8/428)


الموسوعة الفقهية / الجزء الثامن
بئر *
انظر : آبار .
بئر بضاعة *
انظر : آبار .

باءة *
التعريف :
1- الباءة لغة : النكاح ، كني به عن الجماع . إما لأنه لا يكون إلا في المنزل غالبا ، أو لأن الرجل يتبوأ من أهله - أي يستمكن منها - كما يتبوأ من داره .
وفي الحديث : « يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج . ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء » .
وقال شارح المنهاج : الباءة : مؤن النكاح .
الألفاظ ذات الصلة :
2 - أ - الباءة : هو الوطء .
ب - أهبة النكاح : القدرة على مؤنه من مهر وغيره ، فهي بمعنى الباءة على قول من فسر الحديث بذلك .
الحكم الإجمالي :
3 - الباءة بمعنى الوطء تنظر أحكامها في موضوعها ( ر : وطء ) .
أما بمعنى مؤن النكاح فإن من وجدها ، وكانت نفسه تتوق إلى الوطء ، ولا يخشى الوقوع في المحرم ، استحب له النكاح . لقوله صلى الله عليه وسلم : « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... » الحديث . فإن كان يتحقق الوقوع في المحظور ، فيفترض عليه النكاح ، لأنه يلزمه إعفاف نفسه ، وصونها عن الحرام .
قال ابن عابدين : ولأن ما لا يتوصل إلى ترك الحرام إلا به يكون فرضا .
أما إن وجد الأهبة ، وكان به مرض كهرم ونحوه ، فإن من الفقهاء من كره له النكاح ، ومنهم من قال بحرمته لإضراره بالمرأة . ويختلف الفقهاء في حكم النكاح بالنسبة لمن وجد الباءة ، ولم تتق نفسه للوطء ، منهم من يرى أن النكاح أفضل . ومنهم من يرى أن التخلي للعبادة أفضل ، وتفصيل ذلك كله يذكره الفقهاء في أول كتاب النكاح .

بادي *
انظر : بدو .

بازلة *
التعريف :

(9/1)


1 - من معاني البزل في اللغة : الشق . يقال : بزل الرجل الشيء يبزله بزلا : شقه . والبازلة من الشجاج : هي التي تبزل الجلد ، أي تشقه ، يقال انبزل الطلع : أي تشقق .
أما في استعمال الفقهاء : فهي التي تشق الجلد ويرشح منها الدم .
وسماها بعضهم - ومنهم الحنفية - الدامعة ، لقلة ما يخرج منها من الدم ، تشبيها بدمع العين ، وسميت أيضا : الدامية .
الحكم الإجمالي :
2 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن في البازلة حكومة عدل في العمد وغيره ، وقال المالكية : فيها القصاص في العمد . ولما كانت البازلة من أنواع الجراح في الجنايات تكلم الفقهاء عنها في القصاص والديات . وتفصيل ذلك في أبواب الجنايات ، والديات .

باسور *
انظر : أعذار .

باضعة *
التعريف :
1- من معاني البضع في اللغة . الشق . يقال : بضع الرجل الشيء يبضعه : إذا شقه . ومنه الباضعة : وهي الشجة التي تشق اللحم بعد الجلد ، ولا تبلغ العظم ،ولا يسيل بها الدم.
الحكم الإجمالي :
2 - الباضعة من أنواع الجراح في الرأس ، وقد تكلم الفقهاء عن حكمها في الجنايات والديات ، وتفصيلها فيهما . فذهب جمهور الفقهاء إلى أن فيها حكومة عدل في العمد وغيره ، وهي ما يقدره أهل الخبرة تعويضا عن الجناية ، بما لا يزيد عن دية أصل العضو المصاب . وقال المالكية : فيها القصاص في العمد .

باطل *
انظر : بطلان .

باغي *
انظر : بغاة .

بتات *
التعريف :

(9/2)


1 - البتات في اللغة : القطع المستأصل . يقال : بتت الحبل : أي قطعته قطعا مستأصلا . ويقال : طلقها ثلاثا بتة وبتاتا : أي بتلة بائنة ، يعني قطعا لا عود فيها . ويقال : الطلقة الواحدة تبت وتبت : أي تقطع عصمة النكاح إذا انقضت العدة ، كما يقال : حلف على ذلك يمينا بتا وبتة وبتاتا : أي يمينا قد أمضاها . ومثل البتات : البت ، وهو مصدر بت : إذا قطع . يقال : بت الرجل طلاق امرأته ، وبت امرأته : إذا قطعها عن الرجعة . وأبت طلاقها كذلك . ويستعمل الفعلان : بت وأبت لازمين كذلك ، فيقال : بت طلاقها ، وأبت ، وطلاق بات ومبت ، كما يستعمل البت بمعنى الإلزام فيقال : بت القاضي الحكم عليه : إذا قطعه ، أي ألزمه ، وبت النية : جزمها .
ولا تختلف معاني هذه الألفاظ في الفقه عنها في اللغة ، إلا أن الشافعية يوقعون الطلاق بلفظ " ألبتة " رجعيا إن كانت المطلقة مدخولا بها ، ونوى بها أقل من الثلاث .
كما أنهم يعبرون عن خلو العقد عن الخيار بالبت فيقال : البيع على البت .
وهو راجع إلى المعنى اللغوي كما لا يخفى . وكذا يعبرون عن المعتدة التي طلقت ثلاثا ، أو فرق بينها وبين زوجها بخيار الجب والعنة ونحوهما بمعتدة البت ، وهي خلاف الرجعية .
الحكم الإجمالي :
2 - ذهب المالكية والحنابلة إلى وقوع الطلاق ثلاثا ، فيمن طلق زوجته بقوله : هي بتة ، لأنه طلق امرأته بلفظ يقتضي البينونة . والبت : هو القطع ، فكأنه قطع النكاح له ، واحتجوا على ذلك بعمل الصحابة .
وعند الحنفية يقع واحدة بائنة ، لأنه وصف الطلاق بما يحتمل البينونة .
وقال الشافعي : يرجع إلى ما نواه . وهي رواية عند الحنابلة اختارها أبو الخطاب منهم . وتمام الكلام على ذلك محله كتاب الطلاق .
مواطن البحث :

(9/3)


3 - تعرض الفقهاء للبتات - ومثله بقية المصادر والمشتقات - في كتاب الطلاق ، في الكلام على ألفاظ الطلاق كما سبق . كما تعرضوا في كتاب العدة لمعتدة البت ، وهل عليها الإحداد ؟ . وفي الظهار يذكرون أن البتات يلزم الزوجة إن ظاهر منها زوجها بلفظ كنائي ، ونوى به الطلاق ، على تفصيل في ذلك . وفي الأيمان ذكروا معنى الحلف على البت ، ومقابله الحلف على العلم ، أو على نفي العلم ، ومتى يحلف الحالف على البت . وفي الشهادة ذكروا بينة البت ، ومقابلها بينة السماع ، ومتى تقدم الأولى على الثانية . وفي البيع تعرضوا لذكر البيع على البت ، باعتباره مقابلا للخيار فيه .

بتر *
التعريف :
1 - البتر لغة : استئصال الشيء بالقطع ، يقال : بتر الذنب أو العضو : إذا قطعه واستأصله ، كما يطلق على قطع الشيء دون تمام ، بأن يبقى من العضو شيء .
وقد استعمل اصطلاحا بهذين المعنيين عند الفقهاء . وقد يطلق على كل قطع ، ومنه قولهم : سيف بتار أي قاطع .
الحكم الإجمالي :
2 - البتر إما أن يكون عدوانا بجناية ، عمدا أو خطأ ، وذلك محرم .
وإما أن يكون بحق ، كقطع اليد حدا أو قصاصا .
وإما أن يكون من وسائل العلاج بقطع اليد المصابة بالآكلة لمنع السراية للبدن .
تطهير موضع البتر :
3 - من قطعت يده من دون المرفق غسل ما بقي من محل الفرض ، وإن قطعت من المرفق غسل العظم الذي هو طرف العضد ، لأن غسل العظمين المتلاقيين من الذراع والعضد واجب ، فإذا زال أحدهما غسل الآخر . وإن كان من فوق المرفقين سقط الغسل لعدم محله . وللتفصيل ينظر ( الوضوء ، والغسل ) .
بتر الأعضاء لضرورة :
4 - يجوز بتر عضو فاسد من أعضاء الإنسان ، خوفا على سلامة الجسم من انتشار العلة في الجميع . والتفصيل في ( طب ، وتداو ) .
بتر الأعضاء في الجنايات :

(9/4)


5 - بتر أعضاء الغير عمدا عدوانا يجب فيه القصاص ، بشروطه المبينة في مباحث القصاص فيما دون النفس ، وقد يعدل عن القصاص لأسباب معينة تذكر في موضعها . ( ر : قصاص - جنايات ) . أما بتر العضو خطأ فتجب فيه الدية المقدرة لذلك العضو شرعا أو الأرش بالاتفاق . ويختلف مقدارها باختلاف العضو المبتور . ( ر : ديات ) .
أعضاء الحيوان المبتورة :
6 - ما بتر من أعضاء الحيوان الحي المأكول اللحم حكمه حكم ميتته ، في حل أكله وفي نجاسته أو طهارته . فلو قطع طرف شاة أو فخذها لم يحل ، ولو ضرب سمكة فقطع جزءا منها حل أكله ، لأن ميتتها حلال ، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « ما قطع من البهيمة - وهي حية - فهو كميت » .
وهذا على خلاف وتفصيل يذكر في موضعه . ( ر : صيد : ذبائح ) .
وما بتر من أعضاء الإنسان حكمه حكم الإنسان الميت في الجملة ، في وجوب تغسيله وتكفينه ودفنه وفي النظر إليه ( ر : جنائز ) .

بتراء *
التعريف :
1 - البتر لغة : القطع ، والبتراء من الشياه : مقطوعة الذنب على غير تمام ، يقال للأنثى : بتراء ، وللذكر : أبتر . واصطلاحا : لا يختلف معناه عن المعنى اللغوي .
الحكم الإجمالي :
2 - استعمل العلماء لفظة " بتراء " في الشاة المقطوعة الألية ، حيث تكلموا عنها في الهدي والأضحية . فعند الحنفية والمالكية والشافعية البتر من العيوب التي تمنع الإجزاء في الأضحية والهدي . وأما الحنابلة فلم يعدوا ذلك عيبا يمنع الإجزاء ( ر : أضحية ، هدي ) .

بتع *
التعريف :
1 - البتع : نبيذ يتخذ من العسل في اليمن .
الحكم الإجمالي :

(9/5)


2 - ذهب الجمهور من الفقهاء إلى أن كل مسكر هو خمر ، يحرم شربه ، ويحرم بيعه ، واحتجوا لذلك بعموم الحديث : « كل شراب أسكر فهو حرام » وبقوله صلى الله عليه وسلم : « ما أسكر كثيره فقليله حرام » وبناء على ذلك فالبتع عندهم حرام ، لأنه مما يسكر كثيره . وذهب الحنفية إلى أن الخمر هي : النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد ، وأنها هي المحرمة لعينها ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حرمت الخمر لعينها » دون غيرها من سائر الأشربة .
قالوا : لا يحرم شرب البتع ما دام شاربه لا يسكر منه ، فإذا وصل إلى حد الإسكار حرم ، ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن البتع قال : « كل شراب أسكر فهو حرام » يعني شرب منه حتى السكر ، ولكنهم كرهوا شربه لدخوله في جملة ما يكره من الأشربة ، ولذلك قال عنه أبو حنيفة : البتع خمر يمانية . يقصد أن أهل اليمن يشربون منه حتى السكر ، وما حل شربه حل بيعه . وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في كتاب الأشربة .

بتعة *
انظر : بتلة .

بتلة *
التعريف :
1- بتل في اللغة : بمعنى قطع ، والمتبتل : المنقطع لعبادة الله تعالى . والبتلة : المنقطعة .
ولما كان الطلاق قطعا لحبل الزواج ، حيث تصبح المرأة به منقطعة عن زوجها ، فإنه قد يكنى به عن الطلاق ، فيقال أنت بتلة أي طالق . ولذلك اعتبر الفقهاء لفظ " بتلة " من كنايات الطلاق الظاهرة ، ولم يكن صريحا ، لأنه قد يقصد به الانقطاع في غير النكاح .
الحكم الإجمالي :
2- اتفق الفقهاء على أن لفظ " بتلة " من كنايات الطلاق ، وأنه لا يقع بها الطلاق إلا بالنية -كما هي القاعدة في الكنايات - وأنه إن نوى بها واحدة وقعت واحدة ، وإن نوى بها ثلاثا وقع ثلاث ، وإن أطلق فلم ينو عددا ، فمنهم من قال : يقع واحدة ، ومنهم من قال : يقع ثلاث ، وتفصيل ذلك في مصطلح ( طلاق ) .
بحح *
انظر : كلام .

بحر *
التعريف :

(9/6)


1 - البحر : الماء الكثير ، ملحا كان أو عذبا ، وهو خلاف البر ، وإنما سمي البحر بحرا لسعته وانبساطه ، وقد غلب استعماله في الماء الملح حتى قل في العذب .
الألفاظ ذات الصلة
أ - النهر :
2 - النهر : الماء الجاري ، يقال : نهر الماء إذا جرى في الأرض ، وكل كثير جرى فقد نهر ، واستنهر ولا يستعمل النهر غالبا إلا في الماء العذب ، خلافا للبحر .
ب - العين :
3 - العين : ينبوع الماء الذي ينبع من الأرض ويجري . وهي من الألفاظ المشتركة ، لأنها تطلق على معان أخرى : كالجاسوس ، والذهب ، والعين الباصرة .
الأحكام المتعلقة بالبحر :
يتعلق بالبحر أحكام منها :
أ - ماء البحر :
4 - اتفق جمهور العلماء على طهورية ماء البحر وجواز التطهر به ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا . أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته » .
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال " من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله "ولأنه ماء باق على أصل خلقته ، فجاز الوضوء به كالعذب . وحكي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو أنهما قالا في البحر :" التيمم أعجب إلينا منه "، وحكاه الماوردي عن سعيد بن المسيب : أي كانوا لا يرون جواز الوضوء به . ( ر : طهارة ، ماء ) .
ب - صيد البحر :
5 - ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة صيد جميع حيوانات البحر ، سواء كانت سمكا أو غيره . لقول الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } أي مصيده ومطعومه .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ماء البحر :« هو الطهور ماؤه الحل ميتته ». واستثنى الشافعية والحنابلة : التمساح والضفدع ، للنهي عن قتل الضفدع ، فقد ثبت أن

(9/7)


« النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتله » وروي عن ابن عمرو أنه قال :" لا تقتلوا الضفادع ، فإن نقيقها تسبيح ". وللاستخباث في التمساح ، ولأنه يتقوى بنابه ويأكل الناس . وزاد الحنابلة : الحية ، وصرح الماوردي من الشافعية بتحريمها وغيرها من ذوات السموم البحرية ، وقصر الشافعية التحريم على الحية التي تعيش في البحر والبر ، وأما الحية التي لا تعيش إلا في الماء فحلال . وذهب الحنفية إلى إباحة السمك من صيد البحر فقط دون غيره من الحيوانات البحرية . وللتفصيل انظر مصطلح ( أطعمة ) .
ج - ميتة البحر :
6 - ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة ميتة البحر ، سواء كانت سمكا أو غيره من حيوانات البحر ، لقول الله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » ، وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال :" كل دابة تموت في البحر فقد ذكاها الله لكم ".
ولم يبح الحنفية إلا ميتة السمك الذي مات بآفة ، وأما الذي مات حتف أنفه ، وكان غير طاف ، فليس بمباح . وحد الطافي عندهم : ما كان بطنه من فوق ، فلو كان ظهره من فوق ، فليس بطاف فيؤكل . وللتفصيل انظر مصطلح ( أطعمة ) .
د - الصلاة في السفينة :
7 - اتفق الفقهاء على جواز الصلاة في السفينة من حيث الجملة ، شريطة أن يكون المصلي مستقبلا للقبلة عند افتتاح الصلاة ، وأن يدور إلى جهة القبلة إن دارت السفينة لغيرها إن أمكنه ذلك ، لوجوب الاستقبال . ولا فرق في ذلك بين الفريضة والنافلة لتيسر استقباله . وخالف الحنابلة في النافلة ، وقصروا وجوب الدوران إلى القبلة على الفريضة فقط ، ولا يلزمه أن يدور في النفل للحرج والمشقة ، وأجازوا كذلك للملاح : ألا يدور في الفرض أيضا لحاجته لتسيير السفينة . وللتفصيل انظر مصطلح ( قبلة ) .
هـ – حكم من مات في السفينة :

(9/8)


8 - اتفق الفقهاء على أن من مات في سفينة في البحر ، وأمكن دفنه لقرب البر ، ولا مانع ، لزمهم التأخير ليدفنوه فيه ، ما لم يخافوا عليه الفساد ، وإلا غسل وكفن وصلي عليه وألقي في البحر .
وزاد الشافعية : أنه يوضع بعد الصلاة عليه بين لوحين لئلا ينتفخ ، ويلقى لينبذه البحر إلى الساحل ، لعله يقع إلى قوم يدفنونه . فإن كان أهل الساحل كفارا ثقل بشيء ليرسب .
فإن لم يوضع بين لوحين ثقل بشيء لينزل إلى القرار ، وإلى تثقيله ذهب الحنابلة أيضا .
و - الموت غرقا في البحر :
9 - ذهب العلماء إلى أنه من مات في البحر غرقا ، فإنه شهيد ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « الشهداء خمسة : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم ، والشهيد في سبيل الله » .
وإذا وجد الغريق فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه كأي ميت آخر ، وإذا لم يعثر عليه فيصلى عليه صلاة الغائب عند الشافعية والحنابلة ، وكرهها المالكية ، ومنعها الحنفية لاشتراطهم لصلاة الجنازة حضور الميت أو حضور أكثر بدنه أو نصفه مع رأسه . ( ر : غسل )

بخار *
التعريف :
1 - البخار لغة واصطلاحا : ما يتصاعد من الماء أو الندى أو أي مادة رطبة تتعرض للحرارة . ويطلق البخار أيضا على : دخان العود ونحوه . وعلى : كل رائحة ساطعة من نتن أو غيره .
الألفاظ ذات الصلة :
البخر :
2 - البخر هو : الرائحة المتغيرة من الفم . قال أبو حنيفة : البخر : النتن يكون في الفم وغيره ، وهو أبخر ، وهي بخراء .
واستعمال الفقهاء للبخر مخصوص بالرائحة الكريهة في الفم فقط .
الأحكام المتعلقة بالبخار :
للبخار أحكام خاصة ، فقد يكون طاهرا ، وقد يكون نجسا ، وينبني عليه جواز أو عدم جواز التطهر بما تقاطر من البخار .
أ - رفع الحدث بما جمع من الندى :

(9/9)


3 - ذهب الفقهاء إلى جواز التطهر بالندى ، وهو المتجمع على أوراق الشجر إذا جمع ، لأنه ماء مطلق . أما ما ورد عن بعض الفقهاء من أن الندى : نفس دابة في البحر ، ومن ثم فهل هو طاهر أو نجس ؟ فلا يعول عليه .
ب - رفع الحدث بما جمع من البخار :
4 - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التطهر من الحدث وتطهير النجس بما جمع من بخار الماء الطاهر المغلي بوقود طاهر ، لأنه ماء مطلق ، وهو المعتمد عند الشافعية ، خلافا لما ذهب إليه الرافعي منهم إلى أنه لا يرفع الحدث ، لأنه لا يسمى ماء ، بل هو بخار .
أما البخار المتأثر بدخان النجاسة فهو مختلف في طهارته ، بناء على اختلاف الفقهاء في دخان النجاسة ، هل هو طاهر أم نجس ؟ .
فذهب الحنفية على المفتى به ، والمالكية في المعتمد ، وبعض الحنابلة إلى : أن دخان النجاسة وبخارها طاهران ، قال الحنفية : إن ذلك على سبيل الاستحسان دفعا للحرج . وبناء على هذا فإن البخار المتصاعد من الماء النجس طهور يزيل الحدث والنجس .
وذهب الشافعية ، وأبو يوسف من الحنفية ، وهو المذهب عند الحنابلة إلى : أن دخان النجاسة نجس كأصلها ، وعلى هذا فالبخار المتأثر بدخان النجاسة نجس لا تصح الطهارة به ، لكن ذهب الشافعية إلى أنه يعفى عن قليله .
وأما البخار المتصاعد من الحمامات وغيرها - كالغازات الكريهة المتصاعدة من النجاسة - إذا علقت بالثوب ، فإنه لا ينجس على الصحيح من مذهب الحنفية ، تخريجا على الريح الخارجة من الإنسان ، فإنها لا تنجس ، سواء أكانت سراويله مبتلة أم لا ، والظاهر أن بقية المذاهب لا تخالف مذهب الحنفية في هذا .

بخر *
التعريف :
1 - البخر : الرائحة المتغيرة من الفم من نتن وغيره . يقال : بخر الفم بخرا من باب تعب ، إذا أنتن وتغير ريحه ، ولم يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى .
الحكم الإجمالي :

(9/10)


2 - لما كان البخر في الإنسان يؤدي إلى النفرة والتأذي اعتبره الفقهاء عيبا ، واتفقوا على أنه من العيوب التي يثبت بها الخيار في بيع الإماء .
وأما في النكاح : فقد اختلفوا في ثبوت الخيار والفسخ به .
فقال الحنفية والشافعية ، وهو القول الآخر للحنابلة : لا يثبت به الخيار ولا يفرق به بين الزوجين . وقال المالكية ، وهو رأي للحنابلة : يثبت بالبخر الخيار والفسخ في النكاح . وينظر تفصيل القول في ذلك في باب خيار العيب في البيوع ، وباب العيب في النكاح .
وأما في الترخيص لمن به بخر في حضور الجماعات والجمع وعدمه - فيرجع في ذلك إلى باب صلاة الجماعة .

بخس *
انظر : غبن .

البخيلة *
التعريف :
1 - البخيلة من مسائل العول في الميراث ، سميت بخيلة ، لأنها أقل الأصول عولا . وتسمى ( المنبرية ) لأن عليا رضي الله عنه سئل عنها على المنبر . وهي من سهام الفرائض التي تعول ، وتأتي في المسألتين اللتين يعول فيهما أصل أربعة وعشرين إلى سبعة وعشرين .
2 - المسألة الأولى : هي التي يكون فيها نصف وثمن وثلاثة أسداس ، كزوجة وبنت وأبوين وبنت ابن ، فللزوجة الثمن ، وللبنت النصف ، ولبنت الابن السدس ، وللأبوين السدسان .
3 - المسألة الثانية : هي التي يكون فيها مع الثمن ثلثان وسدسان ، كزوجة وبنتين وأبوين ، فللزوجة الثمن ، وللبنتين الثلثان ، وللأبوين السدسان ، ومجموعها من الأربعة والعشرين سبعة وعشرون . وكل من هاتين المسألتين تسمى البخيلة لقلة عولها ، لأنها تعول مرة واحدة . والمسألة الثانية تسمى أيضا ( المنبرية ) لأن عليا سئل عنها وهو على المنبر فأجاب . وللتفصيل ينظر ( الإرث ) عند الكلام عن العول .

بدعة *
التعريف :
1 - البدعة لغة : من بدع الشيء يبدعه بدعا ، وابتدعه : إذا أنشأه وبدأه .

(9/11)


والبدع : الشيء الذي يكون أولا ، ومنه قوله تعالى : { قل : ما كنت بدعا من الرسل } أي لست بأول رسول بعث إلى الناس ، بل قد جاءت الرسل من قبل ، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني .
والبدعة : الحدث ، وما ابتدع في الدين بعد الإكمال . وفي لسان العرب : المبتدع الذي يأتي أمرا على شبه لم يكن ، بل ابتدأه هو . وأبدع وابتدع وتبدع : أتى ببدعة ، ومنه قوله تعالى : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله } وبدعه : نسبه إلى البدعة ، والبديع : المحدث العجيب ، وأبدعت الشيء : اخترعته لا على مثال ، والبديع من أسماء الله تعالى ، ومعناه : المبدع ، لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها .
أما في الاصطلاح ، فقد تعددت تعريفات البدعة وتنوعت ، لاختلاف أنظار العلماء في مفهومها ومدلولها .
فمنهم من وسع مدلولها ، حتى أطلقها على كل مستحدث من الأشياء ، ومنهم من ضيق ما تدل عليه ، فتقلص بذلك ما يندرج تحتها من الأحكام . وسنوجز هذا في اتجاهين .
الاتجاه الأول :
2 - أطلق أصحاب الاتجاه الأول البدعة على كل حادث لم يوجد في الكتاب والسنة ، سواء أكان في العبادات أم العادات ، وسواء أكان مذموما أم غير مذموم .
ومن القائلين بهذا الإمام الشافعي ، ومن أتباعه العز بن عبد السلام ، والنووي ، وأبو شامة . ومن المالكية : القرافي ، والزرقاني . ومن الحنفية : ابن عابدين . ومن الحنابلة : ابن الجوزي . ومن الظاهرية : ابن حزم . ويتمثل هذا الاتجاه في تعريف العز بن عبد السلام للبدعة وهو : أنها فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهي منقسمة إلى بدعة واجبة ، وبدعة محرمة ، وبدعة مندوبة ، وبدعة مكروهة ، وبدعة مباحة . وضربوا لذلك أمثلة :

(9/12)


فالبدعة الواجبة : كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله ، وذلك واجب ، لأنه لا بد منه لحفظ الشريعة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
والبدعة المحرمة من أمثلتها : مذهب القدرية ، والجبرية ، والمرجئة ، والخوارج .
والبدعة المندوبة : مثل إحداث المدارس ، وبناء القناطر ، ومنها صلاة التراويح جماعة في المسجد بإمام واحد .
والبدعة المكروهة : مثل زخرفة المساجد ، وتزويق المصاحف .
والبدعة المباحة : مثل المصافحة عقب الصلوات ، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس . واستدلوا لرأيهم في تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة بأدلة منها :
أ - قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح جماعة في المسجد في رمضان" نعمت البدعة هذه ". فقد روي عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال :" خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط . فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم ، فجمعهم على أبي بن كعب ، ثم خرجت معه ليلة أخرى ، والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نعم البدعة هذه ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون . يريد آخر الليل . وكان الناس يقومون أوله ".
ب - تسمية ابن عمر صلاة الضحى جماعة في المسجد بدعة ، وهي من الأمور الحسنة . روي عن مجاهد قال :" دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة ، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى ، فسألناه عن صلاتهم ، فقال : بدعة ".

(9/13)


ج - الأحاديث التي تفيد انقسام البدعة إلى الحسنة والسيئة ، ومنها ما روي مرفوعا : « من سن سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة ، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .
الاتجاه الثاني :
3 - اتجه فريق من العلماء إلى ذم البدعة ، وقرروا أن البدعة كلها ضلالة ، سواء في العادات أو العبادات . ومن القائلين بهذا الإمام مالك والشاطبي والطرطوشي . ومن الحنفية : الإمام الشمني ، والعيني . ومن الشافعية : البيهقي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن حجر الهيتمي . ومن الحنابلة : ابن رجب ، وابن تيمية .
وأوضح تعريف يمثل هذا الاتجاه هو تعريف الشاطبي ، حيث عرف البدعة بتعريفين :
الأول أنها : طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشرعية ، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه . وهذا التعريف لم يدخل العادات في البدعة ، بل خصها بالعبادات ، بخلاف الاختراع في أمور الدنيا .
الثاني أنها : طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية . وبهذا التعريف تدخل العادات في البدع إذا ضاهت الطريقة الشرعية ، كالناذر للصيام قائما لا يقعد متعرضا للشمس لا يستظل ، والاقتصار في المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة . واستدل القائلون بذم البدعة مطلقا بأدلة منها :
أ - أخبر الله أن الشريعة قد كملت قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه :
{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فلا يتصور أن يجيء إنسان ويخترع فيها شيئا ، لأن الزيادة عليها تعتبر استدراكا على الله سبحانه وتعالى . وتوحي بأن الشريعة ناقصة ، وهذا يخالف ما جاء في كتاب الله .

(9/14)


ب - وردت آيات قرآنية تذم المبتدعة في الجملة ، من ذلك قوله تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } .
ج - كل ما ورد من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البدعة جاء بذمها ، من ذلك حديث العرباض بن سارية : « وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقال قائل : يا رسول الله كأنها موعظة مودع فما تعهد إلينا . فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر ، وإن كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور . فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة » .
( د ) أقوال الصحابة في ذلك ، من هذا ما روي عن مجاهد قال :" دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدا ، وقد أذن فيه ، ونحن نريد أن نصلي فيه ، فثوب المؤذن ، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد ، وقال : " اخرج بنا من عند هذا المبتدع " ولم يصل فيه .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المحدثات :
4 - الحديث نقيض القديم ، والحدوث : كون شيء بعد أن لم يكن . ومحدثات الأمور : ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء التي كان السلف الصالح على غيرها . وفي الحديث :
« إياكم ومحدثات الأمور » والمحدثات جمع محدثة بالفتح ، وهي : ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع . وعلى هذا المعنى تلتقي المحدثات مع البدعة على المعنى الثاني .
ب - الفطرة :
5 - الفطرة : الابتداء والاختراع . وفطر الله الخلق : خلقهم وبدأهم ، ويقال : أنا فطرت الشيء أي : أول من ابتدأه . وعلى هذا الوجه يلتقي مع البدعة في بعض معانيها اللغوية .
ج - السنة :

(9/15)


6 - السنة في اللغة : الطريقة ، حسنة كانت أو سيئة . قال عليه الصلاة والسلام : « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » .
وفي الاصطلاح : هي الطريقة المسلوكة الجارية في الدين المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحبه . لقوله صلى الله عليه وسلم : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » وهي بهذا المعنى مقابلة للبدعة ومضادة لها تماما .
وللسنة إطلاقات أخرى شرعية اشتهرت بها ، منها : أنها تطلق على الشريعة كلها ، كقولهم : الأولى بالإمامة الأعلم بالسنة . ومنها : ما هو أحد الأدلة الأربعة الشرعية ، وهو ما صدر عن رسول الله - غير القرآن - من قول أو فعل أو تقرير . ومنها : ما يعم النفل ، وهو ما فعله خير من تركه من غير افتراض ولا وجوب .
د - المعصية :
7 - العصيان : خلاف الطاعة يقال : عصى العبد ربه إذا خالف أمره ، وعصى فلان أميره : إذا خالف أمره . وشرعا : عصيان أمر الشارع قصدا ، وهي ليست بمنزلة واحدة .
فهي إما كبائر وهي : ما يترتب عليها حد ، أو وعيد بالنار أو اللعنة أو الغضب ، أو ما اتفقت الشرائع على تحريمه ، على اختلاف بين العلماء في تحديدها .
وإما صغائر وهي : ما لم يترتب عليها شيء مما ذكر إذا اجتنب الإصرار عليها ، لقوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } وعلى هذا تكون البدعة أعم من المعصية ، حيث تشمل المعصية ، كالبدعة المحرمة والمكروهة كراهة تحريم ، وغير المعصية كالواجبة والمستحبة والمباحة .
هـ – المصلحة المرسلة :

(9/16)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية