صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية 1-39 وملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الكتاب : ملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
..........................................................
ويليه من الجزء 40 إلى 42
الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر : ملتقى أهل الحديث.
الجزء : من حرف النون ناقصا بعض المصطلحات في النهاية ,إلى حرف الواو كلمة : وضوء.
قام بتنسيقه وفهرسته للموسوعة الشاملة 2 أبوعمر(80)
لملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
سائلا الله عز وجل أن يغفر له ولوالديه بمنه وكرمه
وأن يجعل عمله خالصا لوجهه الكريم

وقال الشافعية : لو بان إمامه كافرا معلنا ، وقيل : أو مخفيا ، وجبت الإعادة ، لأن المأموم مقصر بترك البحث . وقال الشربيني : إن الأصح عدم وجوب الإعادة إذا كان الإمام مخفيا كفره . ومثله مذهب المالكية حيث قالوا : تبطل الصلاة بالاقتداء بمن كان كافرا ، سواء أكانت سرية أم جهرية ، وسواء أطالت مدة صلاته إماما بالناس أم لا . وصرح الحنابلة ، وهو رواية عند المالكية ، بعدم جواز إمامة الفاسق ، وهو الذي أتى بكبيرة كشارب خمر وزان وآكل الربا ، أو داوم على صغيرة . لكن الحنفية والشافعية ذهبوا إلى جواز إمامة الفاسق مع الكراهة ، وهذا هو المعتمد عند المالكية إذا لم يتعلق فسقه بالصلاة ، وإلا بطلت عندهم كقصده الكبر بالإمامة ، وإخلاله بركن أو شرط أو سنة عمدا . وفي صلاة الجمعة والعيدين جاز إمامة الفاسق بغير كراهة ، مع تفصيل ينظر في مواضعه .
ب - العقل :
6 - يشترط في الإمام أن يكون عاقلا ، وهذا الشرط أيضا متفق عليه بين الفقهاء ، فلا تصح إمامة السكران ، ولا إمامة المجنون المطبق ، ولا إمامة المجنون غير المطبق حال جنونه ، وذلك لعدم صحة صلاتهم لأنفسهم فلا تبنى عليها صلاة غيرهم .
أما الذي يجن ويفيق ، فتصح إمامته حال إفاقته .
ت - البلوغ :
7 - جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والحنابلة - على أنه يشترط لصحة الإمامة في صلاة الفرض أن يكون الإمام بالغا ، فلا تصح إمامة مميز لبالغ في فرض عندهم ، لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا تقدموا صبيانكم » ، ولأنها حال كمال والصبي ليس من أهلها ، ولأن الإمام ضامن وليس هو من أهل الضمان ، ولأنه لا يؤمن معه الإخلال بالقراءة حال السر . واستدلوا كذلك على عدم صحة إمامة الصبي للبالغ في الفرض أن صلاة الصبي نافلة فلا يجوز بناء الفرض عليها .

(7/254)


أما في غير الفرض كصلاة الكسوف أو التراويح فتصح إمامة المميز للبالغ عند جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية - لأنه لا يلزم منها بناء القوي على الضعيف . والمختار عند الحنفية عدم جواز إمامة المميز للبالغ مطلقا ، سواء أكانت في الفرائض أم في النوافل ، لأن نفل الصبي ضعيف لعدم لزومه بالشروع ، ونفل المقتدي البالغ قوي لازم مضمون عليه بعد الشروع . ولم يشترط الشافعية في الإمام أن يكون بالغا ، فتصح إمامة المميز للبالغ عندهم مطلقا ، سواء أكانت في الفرائض أم النوافل ،
لحديث « عمرو بن سلمة أنه كان يؤم قومه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست أو سبع سنين » لكنهم قالوا : البالغ أولى من الصبي ، وإن كان الصبي أقرأ أو أفقه ، لصحة الاقتداء بالبالغ بالإجماع ، ولهذا نص في البويطي على كراهة الاقتداء بالصبي . أما إمامة المميز لمثله فجائزة في الصلوات الخمس وغيرها عند جميع الفقهاء .
ث - الذكورة :
8 - يشترط لإمامة الرجال أن يكون الإمام ذكرا ، فلا تصح إمامة المرأة للرجال ، وهذا متفق عليه بين الفقهاء ، لما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أخروهن من حيث أخرهن الله » والأمر بتأخيرهن نهي عن الصلاة خلفهن . ولما روى جابر مرفوعا : « لا تؤمن امرأة رجلا » ولأن في إمامتها للرجال افتتانا بها .
أما إمامة المرأة للنساء فجائزة عند جمهور الفقهاء - وهم الحنفية والشافعية والحنابلة - واستدل الجمهور لجواز إمامة المرأة للنساء بحديث « أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها » .

(7/255)


لكن كره الحنفية إمامتها لهن ، لأنها لا تخلو عن نقص واجب أو مندوب ، فإنه يكره لهن الأذان والإقامة ، ويكره تقدم المرأة الإمام عليهن . فإذا صلت النساء صلاة الجماعة بإمامة امرأة وقفت المرأة الإمام وسطهن . أما المالكية فلا تجوز إمامة المرأة عندهم مطلقا ولو لمثلها في فرض أو نفل . ولا تصح إمامة الخنثى للرجال ولا لمثلها بلا خلاف ، لاحتمال أن تكون امرأة والمقتدي رجلا ، وتصح إمامتها للنساء مع الكراهة أو بدونها عند جمهور الفقهاء ، خلافا للمالكية حيث صرحوا بعدم جوازها مطلقا .
ج - القدرة على القراءة :
9- يشترط في الإمام أن يكون قادرا على القراءة وحافظا مقدار ما يتوقف عليه صحة الصلاة على تفصيل يذكر في مصطلح ( قراءة ) .
وهذا الشرط إنما يعتبر إذا كان بين المقتدين من يقدر على القراءة ، فلا تصح إمامة الأمي للقارئ ، ولا إمامة الأخرس للقارئ أو الأمي ، لأن القراءة ركن مقصود في الصلاة ، فلم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه ، ولأن الإمام ضامن ويتحمل القراءة عن المأموم ، ولا يمكن ذلك في الأمي ، ولتفصيل المسألة ( ر : اقتداء ) .
أما إمامة الأمي للأمي والأخرس فجائزة ، وهذا متفق عليه بين الفقهاء .
هذا ، وتكره إمامة الفأفاء ( وهو من يكرر الفاء ) والتمتام ( وهو من يكرر التاء ) واللاحن لحنا غير مغير للمعنى عند الشافعية والحنابلة . وقال الحنفية : الفأفأة ، والتمتمة ، واللثغة ( وهي تحرك اللسان من السين إلى الثاء ، أو من الراء إلى الغين ونحوه ) تمنع من الإمامة . وعند المالكية في جواز إمامة هؤلاء وأمثالهم خلاف .
ح - السلامة من الأعذار :

(7/256)


10 - يشترط في الإمام إذا كان يؤم الأصحاء أن يكون سالما من الأعذار ، كسلس البول وانفلات الريح والجرح السائل والرعاف ، وهذا عند الحنفية والحنابلة ، وهو رواية عند الشافعية ، لأن أصحاب الأعذار يصلون مع الحدث حقيقة ، وإنما تجوز صلاتهم لعذر ، ولا يتعدى العذر لغيرهم لعدم الضرورة ، ولأن الإمام ضامن ، بمعنى أن صلاته تضمن صلاة المقتدي ، والشيء لا يضمن ما هو فوقه .
ولا يشترط في المشهور عند المالكية - وهو الأصح عند الشافعية - السلامة من العذر لصحة الإمامة ، لأن الأحداث إذا عفي عنها في حق صاحبها عفي عنها في حق غيره .
وأما إمامة صاحب العذر لمثله فجائزة باتفاق الفقهاء مطلقا ، أو إن اتحد عذرهما ( ر : اقتداء ) .
خ - القدرة على توفية أركان الصلاة :
11 - يشترط في الإمام أن يكون قادرا على توفية الأركان ، وهذا إذا كان يصلي بالأصحاء ، فمن يصلي بالإيماء ركوعا أو سجودا لا يصح أن يصلي بمن يقدر عليهما عند جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والحنابلة ) خلافا للشافعية فإنهم أجازوا ذلك قياسا على صحة إمامة المستلقي أو المضطجع للقاعد .
واختلفوا في صحة إمامة القاعد للقائم ، فالمالكية والحنابلة لا يجوزونها ، لأن فيه بناء القوي على الضعيف ، واستثنى الحنابلة إمام الحي إذا كان مرضه مما يرجى زواله ، فأجازوا إمامته ، واستحبوا له إذا عجز عن القيام أن يستخلف ، فإن صلى بهم قاعدا صح . والشافعية يقولون بالجواز ، وهو قول أكثر الحنفية ، لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم « صلى آخر صلاة صلاها بالناس قاعدا ، والقوم خلفه قيام » .
أما إمامة العاجز عن توفية الأركان لمثله فجائزة باتفاق الفقهاء ، وللتفصيل ( ر : اقتداء ) .
د - السلامة من فقد شرط من شروط الصلاة :

(7/257)


12 - يشترط في الإمام السلامة من فقد شرط من شروط صحة الصلاة كالطهارة من حدث أو خبث ، فلا تصح إمامة محدث ولا متنجس إذا كان يعلم ذلك ، لأنه أخل بشرط من شروط الصلاة مع القدرة على الإتيان به ، ولا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر ، ولا بين نجاسة الثوب والبدن والمكان .
وصرح المالكية والشافعية أن علم المقتدي بحدث الإمام بعد الصلاة مغتفر ، وقال الحنفية : من اقتدى بإمام ثم علم أن إمامه محدث أعاد لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من أم قوما ثم ظهر أنه كان محدثا أو جنبا أعاد صلاته » .
وفصل الحنابلة فقالوا : لو جهله المأموم وحده وعلمه الإمام يعيدون كلهم ، أما إذا جهله الإمام والمأمومون كلهم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة المأموم وحده ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم » . وتفصيله في مصطلح : ( طهارة ) .
ذ - النية :
13 - يشترط في الإمام عند الحنابلة نية الإمامة ، فإنهم قالوا : من شرط صحة الجماعة : أن ينوي الإمام أنه إمام وينوي المأموم أنه مأموم . ولو أحرم منفردا ثم جاء آخر فصلى معه ، فنوى إمامته صح في النفل ، لحديث ابن عباس أنه قال : « بت عند خالتي ميمونة ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم متطوعا من الليل ، فقام إلى القربة فتوضأ ، فقام فصلى ، فقمت لما رأيته صنع ذلك ، فتوضأت من القربة ، ثم قمت إلى شقه الأيسر ، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن » .
أما في الفرض فإن كان ينتظر أحدا ، كإمام المسجد يحرم وحده ، وينتظر من يأتي فيصلي معه ، فيجوز ذلك أيضا .

(7/258)


واختار ابن قدامة أن الفرض كالنفل في صحة صلاة من أحرم منفردا ثم نوى أن يكون إماما . وقال الحنفية : نية الرجل الإمامة شرط لصحة اقتداء النساء إن كن وحدهن ، وهذا في صلاة ذات ركوع وسجود ، لا في صلاة الجنازة ، لما يلزم من الفساد بمحاذاة المرأة له لو حاذته ، وإن لم ينو إمامة المرأة ونوت هي الاقتداء به لم تضره ، فتصح صلاته ولا تصح صلاتها ، لأن الاشتراك لا يثبت دون النية .
ولا يشترط نية الإمام الإمامة عند المالكية والشافعية ، إلا في الجمعة والصلاة المعادة والمنذورة عند الشافعية ، لكنه يستحب عندهم للإمام أن ينوي الإمامة في سائر الصلوات للخروج من خلاف الموجب لها ، وليحوز فضيلة الإمامة وصلاة الجماعة .
الأحق بالإمامة :
14 - وردت في ذلك الأحاديث التالية : عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم ، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم » رواه أحمد ومسلم والنسائي . وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه » .

(7/259)


15 - اتفق الفقهاء على أنه إذا اجتمع قوم وكان فيهم ذو سلطان ، كأمير ووال وقاض فهو أولى بالإمامة من الجميع حتى من صاحب المنزل وإمام الحي ، وهذا إذا كان مستجمعا لشروط صحة الصلاة كحفظ مقدار الفرض من القراءة والعلم بأركان الصلاة ، حتى ولو كان بين القوم من هو أفقه أو أقرأ منه ، لأن ولايته عامة ، ولأن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج . وإن لم يكن بينهم ذو سلطان يقدم صاحب المنزل ، ويقدم إمام الحي وإن كان غيره أفقه أو أقرأ أو أورع منه ، إن شاء تقدم وإن شاء قدم من يريده . لكنه يستحب لصاحب المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه .
واتفقوا كذلك على أن بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، ومن استجمع خصال العلم وقراءة القرآن والورع وكبر السن وغيرها من الفضائل كان أولى بالإمامة .
ولا خلاف في تقديم الأعلم والأقرأ على سائر الناس ، ولو كان في القوم من هو أفضل منه في الورع والسن وسائر الأوصاف .
وجمهور الفقهاء : ( الحنفية والمالكية والشافعية ) على أن الأعلم بأحكام الفقه أولى بالإمامة من الأقرأ ، لحديث : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » وكان ثمة من هو أقرأ منه ، لا أعلم منه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أقرؤكم أبي » ، ولقول أبي سعيد :" كان أبو بكر أعلمنا "، وهذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون المعول عليه . ولأن الحاجة إلى الفقه أهم منها إلى القراءة ، لأن القراءة إنما يحتاج إليها لإقامة ركن واحد ، والفقه يحتاج إليه لجميع الأركان والواجبات والسنن .

(7/260)


وقال الحنابلة ، وهو قول أبي يوسف من الحنفية : إن أقرأ الناس أولى بالإمامة ممن هو أعلمهم ، لحديث أبي سعيد قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم ، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم » ولأن القراءة ركن لا بد منه ، والحاجة إلى العلم إذا عرض عارض مفسد ليمكنه إصلاح صلاته ، وقد يعرض وقد لا يعرض .
16 - أما إذا تفرقت خصال الفضيلة من العلم والقراءة والورع وكبر السن وغيرها في أشخاص فقد اختلفت أقوال الفقهاء . فمنهم من قدم الأعلم على الأقرأ ، وقالوا : إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ ، لأن أصحابه كان أقرؤهم أعلمهم ، فإنهم كانوا إذا تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه ، وهذا قول جمهور الفقهاء . والأصل في أولوية الإمامة حديث أبي مسعود الأنصاري أن النبي عليه السلام قال : « يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا » .
17 - وفي ترتيب الأولوية في الإمامة بعد الاستواء في العلم والقراءة ، قال الحنفية والشافعية : يقدم أورعهم أي الأكثر اتقاء للشبهات ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي » ولأن الهجرة المذكورة بعد القراءة والعلم بالسنة نسخ وجوبها بحديث : « لا هجرة بعد الفتح » فجعلوا الورع - وهو هجر المعاصي - مكان تلك الهجرة .

(7/261)


ومثله ما صرح به المالكية حيث قالوا : الأولوية بعد الأعلم والأقرأ للأكثر عبادة . ثم إن استووا في الورع يقدم عند الجمهور الأقدم إسلاما ، فيقدم شاب نشأ في الإسلام على شيخ أسلم حديثا . أما لو كانوا مسلمين من الأصل ، أو أسلموا معا فإنه يقدم الأكبر سنا ، لقوله عليه السلام : « وليؤمكما أكبركما سنا » . ولأن الأكبر في السن يكون أخشع قلبا عادة ، وفي تقديمه كثرة الجماعة .
18 - فإن استووا في الصفات والخصال المتقدمة من العلم والقراءة والورع والسن ، قال الحنفية يقدم الأحسن خلقا ، لأن حسن الخلق من باب الفضيلة ، ومبنى الإمامة على الفضيلة ، فإن كانوا فيه سواء فأحسنهم وجها ، لأن رغبة الناس في الصلاة خلفه أكثر ، ثم الأشرف نسبا ، ثم الأنظف ثوبا . فإن استووا يقرع بينهم .
وقال المالكية : يقدم بعد الأسن الأشرف نسبا ، ثم الأحسن صورة ، ثم الأحسن أخلاقا ، ثم الأحسن ثوبا .
والشافعية كالمالكية في تقديم الأشرف نسبا ، ثم الأنظف ثوبا وبدنا ، وحسن صوت ، وطيب صفة وغيرها ، ثم يقرع بينهم . أما الحنابلة فقد صرحوا أنه إن استووا في القراءة والفقه فأقدمهم هجرة ، ثم أسنهم ، ثم أشرفهم نسبا ، ثم أتقاهم وأورعهم ، فإن استووا في هذا كله أقرع بينهم . ولا يقدم بحسن الوجه عندهم ، لأنه لا مدخل له في الإمامة ، ولا أثر له فيها . وهذا التقديم إنما هو على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الاشتراط ولا الإيجاب ، فلو قدم المفضول كان جائزا اتفاقا ما دام مستجمعا شرائط الصحة ، لكن مع الكراهة عند الحنابلة . والمقصود بذكر هذه الأوصاف وربط الأولوية بها هو كثرة الجماعة ، فكل من كان أكمل فهو أفضل ، لأن رغبة الناس فيه أكثر .
اختلاف صفة الإمام والمقتدي :

(7/262)


19 - الأصل أن الإمام إذا كان أقوى حالا من المقتدي أو مساويا له صحت إمامته اتفاقا ، أما إذا كان أضعف حالا ، كأن كان يصلي نافلة والمقتدي يصلي فريضة ، أو كان الإمام معذورا والمقتدي سليما ، أو كان الإمام غير قادر على القيام مثلا والمقتدي قادرا ، فقد اختلفت آراء الفقهاء ، وإجمالها فيما يأتي :
أولا : تجوز إمامة الماسح للغاسل وإمامة المسافر للمقيم اتفاقا ، وتجوز إمامة المتيمم للمتوضئ عند جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والحنابلة - ، وقيد الشافعية هذا الجواز بما إذا لم تجب على الإمام الإعادة .
ثانيا : جمهور الفقهاء على عدم جواز إمامة المتنفل للمفترض ، والمفترض للذي يؤدي فرضا آخر ، وعدم إمامة الصبي للبالغ في فرض ، وإمامة المعذور للسليم ، وإمامة العاري للمكتسي ، وإمامة العاجز عن توفية ركن للقادر عليه ، مع خلاف وتفصيل في بعض الفروع ، أما إمامة هؤلاء لأمثالهم فجائزة باتفاق الفقهاء . وللتفصيل يرجع إلى بحث : ( اقتداء ) .
موقف الإمام :
20 - إذا كان يصلي مع الإمام اثنان أو أكثر فإن الإمام يتقدمهم في الموقف ، لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الأمة بذلك . وقد روي أن « جابرا وجبارا وقف أحدهما عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن يساره ، فأخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه » . ولأن الإمام ينبغي أن يكون بحال يمتاز بها عن غيره ، ولا يشتبه على الداخل ليمكنه الاقتداء به . ولو قام في وسط الصف أو في ميسرته جاز مع الكراهة لتركه السنة . ويرى الحنابلة بطلان صلاة من يقف على يسار الإمام ، إذا لم يكن أحد عن يمينه .

(7/263)


ولو كان مع الإمام رجل واحد أو صبي يعقل الصلاة وقف الإمام عن يساره والمأموم عن يمينه ، لما روي عن ابن عباس « أنه وقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فأداره إلى يمينه » . ويندب في هذه الحالة تأخر المأموم قليلا خوفا من التقدم . ولو وقف المأموم عن يساره أو خلفه جاز مع الكراهة إلا عند الحنابلة فتبطل على ما سبق .
ولو كان معه امرأة أقامها خلفه ، لقوله عليه السلام : « أخروهن من حيث أخرهن الله » . ولو كان معه رجل وامرأة أقام الرجل عن يمينه والمرأة خلفه ، وإن كان رجلان وامرأة أقام الرجلين خلفه والمرأة وراءهما .
21- والسنة أن تقف المرأة التي تؤم النساء وسطهن ، لما روي أن عائشة وأم سلمة أمتا نساء فقامتا وسطهن وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة .
أما المالكية فقد صرحوا بعدم جواز إمامتها ولو لمثلها ، في فريضة كانت أو في نافلة كما تقدم في شروط الإمامة .
22 - ولا يجوز تأخر الإمام عن المأموم في الموقف عند جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - لحديث : « إنما جعل الإمام ليؤتم به » ومعنى الائتمام الاتباع ، والمتقدم غير تابع . وأجاز المالكية تأخره في الموقف إذا أمكن للمأمومين متابعته في الأركان ، لكنهم صرحوا بكراهة تقدم المقتدي على الإمام أو محاذاته له إلا لضرورة . والاختيار في التقدم والتأخر للقائم بالعقب ، وللقاعد بالألية ، وللمضطجع بالجنب .

(7/264)


23 - هذا ، ويكره أن يكون موقف الإمام عاليا عن موقف المقتدين اتفاقا ، إلا إذا أراد الإمام تعليم المأمومين ، فالسنة أن يقف الإمام في موضع عال عند الشافعية ، لما روي « أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم قال : { أيها الناس : إنما فعلت هذا لتأتموا بي ، ولتعلموا صلاتي » . أما إذا أراد الإمام بذلك الكبر فممنوع . ولا بأس عند الحنابلة بالعلو اليسير ، وقدروه بمثل درجة المنبر . وقدر الحنفية العلو المكروه بما كان قدر ذراع على المعتمد . ولتفصيل هذه المسائل يراجع مصطلح : ( صلاة الجماعة ) ( واقتداء ) .
من تكره إمامتهم :
24 - إن بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، فكل من كان أكمل فهو أفضل ، وإن تقدم المفضول على الفاضل جاز وكره وإذا أذن الفاضل للمفضول لم يكره ، وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء . وقد سبق بيانه في بحث الأولوية .
ثم قال الحنفية : يكره تقديم العبد لأنه لا يتفرغ للتعلم ، والأعرابي وهو من يسكن البادية لغلبة الجهل عليه ، ويكره تقديم الفاسق لأنه لا يهتم بأمر دينه ، والأعمى لأنه لا يتوقى النجاسة ، كما يكره إمامة ولد الزنى ، والمبتدع بدعة غير مكفرة ، كذلك يكره إمامة أمرد وسفيه ومفلوج وأبرص شاع برصه . ولأن في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة ، لكنه إن تقدموا جاز ، لقوله عليه السلام : « صلوا خلف كل بر وفاجر » .
والكراهة في حقهم لما ذكر من النقائص ، فلو عدمت بأن كان الأعرابي أفضل من الحضري ، والعبد من الحر ، وولد الزنى من ولد الرشدة والأعمى من البصير زالت الكراهة . أما الفاسق والمبتدع فلا تخلو إمامتهما عن الكراهة بحال ، حتى صرح بعضهم بأن كراهة تقديمهما كراهة تحريم .

(7/265)


وقال المالكية : كره إمامة مقطوع اليد أو الرجل والأشل والأعرابي لغيره وإن كان أقرأ ، وكره إمامة ذي السلس والقروح للصحيح ، وإمامة من يكرهه بعض الجماعة ، فإن كرهه الكل أو الأكثر ، أو ذو الفضل منهم - وإن قلوا - فإمامته حرام ، لقوله عليه السلام : « لعن رسول الله ثلاثة : رجل أم قوما وهم له كارهون ... » كما كره أن يجعل إماما راتبا كل من الخصي أو المأبون أو الأقلف ( غير المختون ) أو ولد الزنى ، أو مجهول الحال .
وقال الشافعية : يكره إمامة الفاسق والأقلف وإن كان بالغا ، كما يكره إمامة المبتدع ، ومن يكرهه أكثر القوم لأمر مذموم فيه شرعا ، والتمتام والفأفاء ، واللاحن لحنا غير مغير للمعنى ، لكن الأعمى والبصير سيان في الإمامة ، لتعارض فضيلتهما ، لأن الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع ، والبصير ينظر الخبث فهو أحفظ لتجنبه . وإمامة الحر أولى من العبد ، والسميع أولى من الأصم ، والفحل أولى من الخصي والمجبوب ، والقروي أولى من البدوي . وقال الحنابلة : تكره إمامة الأعمى والأصم واللحان الذي لا يحيل المعنى ، ومن يصرع ، ومن اختلف في صحة إمامته ، وكذا إمامة الأقلف وأقطع اليدين أو إحداهما ، أو الرجلين أو إحداهما ، والفأفاء والتمتام ، وأن يؤم قوما أكثرهم يكرهه لخلل في دينه أو فضله . ولا بأس بإمامة ولد الزنى واللقيط والمنفي باللعان والخصي والأعرابي إذا سلم دينهم وصلحوا لها . هذا ، والكراهة إنما تكون فيما إذا وجد في القوم غير هؤلاء ، وإلا فلا كراهة اتفاقا .
ما يفعله الإمام قبل بداية الصلاة :

(7/266)


25 - إذا أراد الإمام الصلاة يأذن للمؤذن أن يقيمها ، فإن « بلالا كان يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم للإقامة » ، ويسن للإمام أن يقوم للصلاة حين يقال ( حي على الفلاح ) أو حين قول المؤذن : ( قد قامت الصلاة ) أو مع الإقامة أو بعدها بقدر الطاقة على تفصيل عند الفقهاء ، وإذا كان مسافرا يخبر المأمومين بذلك ليكونوا على علم بحاله ، ويصح أن يخبرهم بعدم تمام الصلاة ليكملوا صلاتهم . كما يسن أن يأمر بتسوية الصفوف فيلتفت عن يمينه وشماله قائلا : اعتدلوا وسووا صفوفكم ، لما روى محمد بن مسلم قال : « صليت إلى جانب أنس بن مالك يوما فقال : هل تدري لم صنع هذا العود ؟ فقلت : لا والله . فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه فقال : اعتدلوا وسووا صفوفكم ، ثم أخذه بيساره وقال : اعتدلوا وسووا صفوفكم » ، وفي رواية : « اعتدلوا في صفوفكم وتراصوا ، فإني أراكم من وراء ظهري » .
ما يفعله الإمام أثناء الصلاة :
أ - الجهر أو الإسرار بالقراءة :
26 - يجهر الإمام بالقراءة في الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء أداء وقضاء ، وكذلك في الجمعة والعيدين والتراويح والوتر بعدها . ويسر في غيرها من الصلوات . والجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه واجب على الإمام عند الحنفية ، وسنة عند غيرهم . وتفصيله في مصطلح : ( قراءة ) .
ب - تخفيف الصلاة :

(7/267)


27 - يسن للإمام أن يخفف في القراءة والأذكار مع فعل الأبعاض والهيئات ، ويأتي بأدنى الكمال ، لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف ، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير » ، ولحديث معاذ أنه كان يطول بهم القراءة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « أفتان أنت يا معاذ ، صل بالقوم صلاة أضعفهم » ، لكنه إن صلى بقوم يعلم أنهم يؤثرون التطويل لم يكره ، لأن المنع لأجلهم ، وقد رضوا . ويكره له الإسراع ، بحيث يمنع المأموم من فعل ما يسن له ، كتثليث التسبيح في الركوع والسجود ، وإتمام ما يسن في التشهد الأخير .
ج - الانتظار للمسبوق :
28 - إن أحس الإمام بشخص داخل وهو راكع ، ينتظره يسيرا ما لم يشق على من خلفه ، وهذا عند الحنابلة ، وهو الأصح عند الشافعية ، لأنه انتظار ينفع ولا يشق ، فشرع كتطويل الركعة وتخفيف الصلاة ، وقد ثبت « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم » . وكان ينتظر الجماعة فإن رآهم قد اجتمعوا عجل ، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر . ويكره ذلك عند الحنفية والمالكية ، وهو مقابل الأصح عند الشافعية .
د - الاستخلاف :
29 - إذا حدث للإمام عذر لا تبطل به صلاة المأمومين يجوز للإمام أن يستخلف غيره من المأمومين لتكميل الصلاة بهم ، وهذا عند جمهور الفقهاء .
وفي كيفية الاستخلاف وشروطه وأسبابه تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( استخلاف ) .
ما يفعله الإمام عقب الفراغ من الصلاة :

(7/268)


30 - يستحب للإمام والمأمومين عقب الصلاة ذكر الله والدعاء بالأدعية المأثورة ، منها ما رواه الشيخان « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ... إلخ » ، كما يستحب له إذا فرغ من الصلاة أن يقبل على الناس بوجهه يمينا أو شمالا إذا لم يكن بحذائه أحد ، لما روي عن سمرة قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه » .
ويكره له المكث على هيئته مستقبل القبلة ، لما روي عن عائشة « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة لا يمكث في مكانه إلا مقدار أن يقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام » ، ولأن المكث يوهم الداخل أنه في الصلاة فيقتدي به . كما يكره له أن يتنفل في المكان الذي أم فيه .
وإذا أراد الانصراف فإن كان خلفه نساء استحب له أن يلبث يسيرا ، حتى ينصرف النساء ولا يختلطن بالرجال ، لما روت أم سلمة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم قام النساء حين يقضي سلامه ، فيمكث يسيرا قبل أن يقوم » . ثم ينصرف الإمام حيث شاء عن يمين وشمال .
31 - ويستحب كذلك للإمام المسافر إذا صلى بمقيمين أن يقول لهم عقب تسليمه : أتموا صلاتكم فإنا سفر ، لما روي عن عمران بن حصين « أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأهل مكة ركعتين ، ثم قال لهم : صلوا أربعا فإنا سفر » .
هذا ، وقد فرق الحنفية بين الصلوات التي بعدها سنة وبين التي ليست بعدها سنة ، فقالوا : إن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة ، كالفجر والعصر فإن شاء الإمام قام ، وإن شاء قعد يشتغل بالدعاء ، مغيرا هيئته أو منحرفا عن مكانه . وإن كانت صلاة بعدها سنة يكره له المكث قاعدا ، ولكن يقوم ويتنحى عن ذلك المكان ثم يتنفل .

(7/269)


ووجه التفرقة عندهم أن السنن بعد الفرائض شرعت لجبر النقصان ، ليقوم في الآخرة مقام ما ترك فيها لعذر ، فيكره الفصل بينهما بمكث طويل ، ولا كذلك الصلوات التي ليست بعدها سنة . ولم يعثر على هذه التفرقة في كتب غير الحنفية .
الأجر على الإمامة :
32 - ذهب جمهور الفقهاء : - الشافعية والحنابلة ، والمتقدمون من الحنفية - إلى عدم جواز الاستئجار لإمامة الصلاة ، لأنها من الأعمال التي يختص فاعلها بكونه من أهل القربة ، فلا يجوز الاستئجار عليها كنظائرها من الأذان وتعليم القرآن ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به » . ولأن الإمام يصلي لنفسه ، فمن أراد اقتدى به وإن لم ينو الإمامة ، وإن توقف على نيته شيء فهو إحراز فضيلة الجماعة ، وهذه فائدة تختص به . ولأن العبد فيما يعمله من القربات والطاعات عامل لنفسه ، قال سبحانه وتعالى : { من عمل صالحا فلنفسه } ، ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره .
وقال المالكية : جاز أخذ الأجرة على الأذان وحده أو مع صلاة ، وكره الأجر على الصلاة وحدها ، فرضا كانت أو نفلا من المصلين .
والمفتى به عند متأخري الحنفية جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه والإمامة والأذان ، ويجبر المستأجر على دفع المسمى بالعقد أو أجر المثل إذا لم تذكر مدة .
واستدلوا للجواز بالضرورة ، وهي خشية ضياع القرآن لظهور التواني في الأمور الدينية اليوم . وهذا كله في الأجر . وأما الرزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدى نفعه من هذه الأمور بلا خلاف ، لأنه من باب الإحسان والمسامحة ، بخلاف الإجارة فإنها من باب المعاوضة ، ولأن بيت المال لمصالح المسلمين ، فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجا إليه كان من المصالح ، وكان للآخذ أخذه ، لأنه من أهله وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح .
الإمامة الكبرى
التعريف :

(7/270)


1 - ( الإمامة ) : مصدر أم القوم وأم بهم . إذا تقدمهم وصار لهم إماما . والإمام - وجمعه أئمة - : كل من ائتم به قوم سواء أكانوا على صراط مستقيم : كما في قوله تعالى : { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } أم كانوا ضالين كقوله تعالى : { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون } .
ثم توسعوا في استعماله ، حتى شمل كل من صار قدوة في فن من فنون العلم . فالإمام أبو حنيفة قدوة في الفقه ، والإمام البخاري قدوة في الحديث ... إلخ ، غير أنه إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى صاحب الإمامة العظمى ، ولا يطلق على الباقي إلا بالإضافة ، لذلك عرف الرازي الإمام بأنه : كل شخص يقتدى به في الدين .
والإمامة الكبرى في الاصطلاح : رئاسة عامة في الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم وسميت كبرى تمييزا لها عن الإمامة الصغرى ، وهم إمامة الصلاة وتنظر في موضعها .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الخلافة :
2 - الخلافة في اللغة : مصدر خلف يخلف خلافة : أي : بقي بعده أو قام مقامه ، وكل من يخلف شخصا آخر يسمى خليفة ، لذلك سمي من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم في إجراء الأحكام الشرعية ورئاسة المسلمين في أمور الدين والدنيا خليفة ، ويسمى المنصب خلافة وإمامة .
أما في الاصطلاح الشرعي : فهي ترادف الإمامة ، وقد عرفها ابن خلدون بقوله : هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي ، في مصالحهم الأخروية ، والدنيوية الراجعة إليها ، ثم فسر هذا التعريف بقوله : فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين والدنيا .
ب - الإمارة :

(7/271)


3 - الإمارة لغة : الولاية ، والولاية إما أن تكون عامة ، فهي الخلافة أو الإمامة العظمى ، وإما أن تكون خاصة على ناحية كأن ينال أمر مصر ونحوه ، أو على عمل خاص من شئون الدولة كإمارة الجيش وإمارة الصدقات ، وتطلق على منصب أمير .
ج - السلطة :
4 - السلطة هي : السيطرة والتمكن والقهر والتحكم ومنه السلطان وهو من له ولاية التحكم والسيطرة في الدولة ، فإن كانت سلطته قاصرة على ناحية خاصة فليس بخليفة ، وإن كانت عامة فهو الخليفة ، وقد وجدت في العصور الإسلامية المختلفة خلافة بلا سلطة ، كما وقع في أواخر العباسيين ، وسلطة بلا خلافة كما كان الحال في عهد المماليك .
د - الحكم :
5 - الحكم هو في اللغة : القضاء ، يقال : حكم له وعليه وحكم بينهما ، فالحاكم هو القاضي في عرف اللغة والشرع .
وقد تعارف الناس في العصر الحاضر على إطلاقه على من يتولى السلطة العامة .
الحكم التكليفي :
6 - أجمعت الأمة على وجوب عقد الإمامة ، وعلى أن الأمة يجب عليها الانقياد لإمام عادل ، يقيم فيهم أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخرج عن هذا الإجماع من يعتد بخلافه .
واستدلوا لذلك ، بإجماع الصحابة والتابعين ، وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم ، بمجرد أن بلغهم نبأ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بادروا إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة ، واشترك في الاجتماع كبار الصحابة ، وتركوا أهم الأمور لديهم في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشييع جثمانه الشريف ، وتداولوا في أمر خلافته .

(7/272)


وهم ، وإن اختلفوا في بادئ الأمر حول الشخص الذي ينبغي أن يبايع ، أو على الصفات التي ينبغي أن تتوفر فيمن يختارونه ، فإنهم لم يختلفوا في وجوب نصب إمام للمسلمين ، ولم يقل أحد مطلقا إنه لا حاجة إلى ذلك ، وبايعوا أبا بكر رضي الله عنه ، ووافق بقية الصحابة الذين لم يكونوا حاضرين في السقيفة ، وبقيت هذه السنة في كل العصور ، فكان ذلك إجماعا على وجوب نصب الإمام .
وهذا الوجوب وجوب كفاية ، كالجهاد ونحوه ، فإذا قام بها من هو أهل لها سقط الحرج عن الكافة ، وإن لم يقم بها أحد ، أثم من الأمة فريقان :
أ - أهل الاختيار وهم : أهل الحل والعقد من العلماء ووجوه الناس ، حتى يختاروا إماما للأمة .
ب - أهل الإمامة وهم : من تتوفر فيهم شروط الإمامة ، إلى أن ينصب أحدهم إماما .
ما يجوز تسمية الإمام به :
7 - اتفق الفقهاء على جواز تسمية الإمام : خليفة ، وإماما ، وأمير المؤمنين .
فأما تسميته إماما فتشبيها بإمام الصلاة في وجوب الاتباع والاقتداء به فيما وافق الشرع ، ولهذا سمي منصبه بالإمامة الكبرى .
وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا في الأمة ، فيقال خليفة بإطلاق ، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
واختلفوا في جواز تسميته خليفة الله ، فذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز تسميته بخليفة الله ، لأن أبا بكر رضي الله عنه نهى عن ذلك لما دعي به ، وقال : لست خليفة الله ، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب ، والله منزه عن ذلك . وأجازه بعضهم اقتباسا من الخلافة العامة للآدميين في قوله تعالى :
{ إني جاعل في الأرض خليفة } وقوله : { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } .
معرفة الإمام باسمه وعينه :

(7/273)


8 - لا تجب معرفة الإمام باسمه وعينه على كافة الأمة ، وإنما يلزمهم أن يعرفوا أن الخلافة أفضت إلى أهلها ، لما في إيجاب معرفته عليهم باسمه وعينه من المشقة والحرج ، وإنما يجب ذلك على أهل الاختيار الذين تنعقد ببيعتهم الخلافة ، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء .
حكم طلب الإمامة :
9 - يختلف الحكم باختلاف حال الطالب ، فإن كان لا يصلح لها إلا شخص وجب عليه أن يطلبها ، ووجب على أهل الحل والعقد أن يبايعوه .
وإن كان يصلح لها جماعة صح أن يطلبها واحد منهم ، ووجب اختيار أحدهم ، وإلا أجبر أحدهم على قبولها جمعا لكلمة الأمة . وإن كان هناك من هو أولى منه كره له طلبها ، وإن كان غير صالح لها حرم عليه طلبها .
شروط الإمامة :
10 - يشترط الفقهاء للإمام شروطا ، منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه . فالمتفق عليه من شروط الإمامة :
أ - الإسلام ، لأنه شرط في جواز الشهادة . وصحة الولاية على ما هو دون الإمامة في الأهمية . قال تعالى : { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } والإمامة كما قال ابن حزم : أعظم ( السبيل ) ، وليراعى مصلحة المسلمين .
ب - التكليف : ويشمل العقل ، والبلوغ ، فلا تصح إمامة صبي أو مجنون ، لأنهما في ولاية غيرهما ، فلا يليان أمر المسلمين ، وجاء في الأثر « تعوذوا بالله من رأس السبعين ، وإمارة الصبيان » .
ت - الذكورة : فلا تصح إمارة النساء ، لخبر : « لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة » ولأن هذا المنصب تناط به أعمال خطيرة وأعباء جسيمة تتنافى مع طبيعة المرأة ، وفوق طاقتها . فيتولى الإمام قيادة الجيوش ويشترك في القتال بنفسه أحيانا .
ث - الكفاية ولو بغيره ، والكفاية هي الجرأة والشجاعة والنجدة ، بحيث يكون قيما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود والذب عن الأمة .
ج - الحرية : فلا يصح عقد الإمامة لمن فيه رق ، لأنه مشغول في خدمة سيده .

(7/274)


ح - سلامة الحواس والأعضاء مما يمنع استيفاء الحركة للنهوض بمهام الإمامة . وهذا القدر من الشروط متفق عليه .
11 - أما المختلف فيه من الشروط فهو :
أ - العدالة والاجتهاد . ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن العدالة والاجتهاد شرطا صحة ، فلا يجوز تقليد الفاسق أو المقلد إلا عند فقد العدل والمجتهد .
وذهب الحنفية إلى أنهما شرطا أولوية ، فيصح تقليد الفاسق والعامي ، ولو عند وجود العدل والمجتهد .
ب - السمع والبصر وسلامة اليدين والرجلين .
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنها شروط انعقاد ، فلا تصح إمامة الأعمى والأصم ومقطوع اليدين والرجلين ابتداء ، وينعزل إذا طرأت عليه ، لأنه غير قادر على القيام بمصالح المسلمين ، ويخرج بها عن أهلية الإمامة إذا طرأت عليه .
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يشترط ذلك ، فلا يضر الإمام عندهم أن يكون في خلقه عيب جسدي أو مرض منفر ، كالعمى والصمم وقطع اليدين والرجلين والجدع والجذام ، إذ لم يمنع ذلك قرآن ولا سنة ولا إجماع .
ج - النسب : ويشترط عند جمهور الفقهاء أن يكون الإمام قرشيا لحديث : « الأئمة من قريش » وخالف في ذلك بعض العلماء منهم أبو بكر الباقلاني ، واحتجوا بقول عمر :" لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته "، ولا يشترط أن يكون هاشميا ولا علويا باتفاق فقهاء المذاهب الأربعة ، لأن الثلاثة الأول من الخلفاء الراشدين لم يكونوا من بني هاشم ، ولم يطعن أحد من الصحابة في خلافتهم ، فكان ذلك إجماعا في عصر الصحابة .
دوام الإمامة :
12 - يشترط لدوام الإمامة دوام شروطها ، وتزول بزوالها إلا العدالة ، فقد اختلف في أثر زوالها على منصب الإمامة على النحو التالي :

(7/275)


عند الحنفية ليست العدالة شرطا لصحة الولاية ، فيصح تقليد الفاسق الإمامة عندهم مع الكراهة ، وإذا قلد إنسان الإمامة حال كونه عدلا ، ثم جار في الحكم ، وفسق بذلك أو غيره لا ينعزل ، ولكن يستحق العزل إن لم يستلزم عزله فتنة ، ويجب أن يدعى له بالصلاح ونحوه ، ولا يجب الخروج عليه ، كذا نقل الحنفية عن أبي حنيفة ، وكلمتهم قاطبة متفقة في توجيهه على أن وجهه : هو أن بعض الصحابة رضي الله عنهم صلوا خلف أئمة الجور وقبلوا الولاية عنهم . وهذا عندهم للضرورة وخشية الفتنة .
وقال الدسوقي : يحرم الخروج على الإمام الجائر لأنه لا يعزل السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته ، وإنما يجب وعظه وعدم الخروج عليه ، إنما هو لتقديم أخف المفسدتين ، إلا أن يقوم عليه إمام عدل ، فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك القائم . وقال الخرشي : روى ابن القاسم عن مالك : إن كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه والقتال معه ، وأما غيره فلا ، دعه وما يراد منه ، ينتقم الله من الظالم بظالم ، ثم ينتقم من كليهما .
وقال الماوردي : إن الجرح في عدالة الإمام ، وهو الفسق على ضربين :
أحدهما ما تبع فيه الشهوة ، والثاني ما تعلق فيه بشبهة . فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح ، وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيما للشهوة وانقيادا للهوى ، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها ، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد . وقال بعض المتكلمين : يعود إلى الإمامة بعودة العدالة من غير أن يستأنف له عقد ولا بيعة ، لعموم ولايته ولحوق المشقة في استئناف بيعته .

(7/276)


وأما الثاني منهما فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض ، فيتأول لها خلاف الحق ، فقد اختلف العلماء فيها : فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ، ويخرج منها بحدوثه لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل . وقال كثير من علماء البصرة : إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ، ولا يخرج به منها ، كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة .
وقال أبو يعلى : إذا وجدت هذه الصفات حالة العقد ، ثم عدمت بعد العقد نظرت ، فإن كان جرحا في عدالته ، وهو الفسق ، فإنه لا يمنع من استدامة الإمامة . سواء كان متعلقا بأفعال الجوارح . وهو ارتكاب المحظورات ، وإقدامه على المنكرات اتباعا لشهوته ، أو كان متعلقا بالاعتقاد ، وهو المتأول لشبهة تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحق . وهذا ظاهر كلامه ( أحمد ) في رواية المروزي في الأمير يشرب المسكر ويغل ، يغزى معه ، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين ، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن .
وقال حنبل : في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله قالوا : هذا أمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار القول بخلق القرآن - نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه . فقال : عليكم بالنكير بقلوبكم ، ولا تخلعوا يدا من طاعة ، ولا تشقوا عصا المسلمين . وقال أحمد في رواية المروزي ، وذكر الحسن بن صالح بن حي الزيدي فقال : كان يرى السيف ، ولا نرضى بمذهبه .
ما تنعقد به الإمامة :
تنعقد الإمامة بطرق ثلاثة ، باتفاق أهل السنة :
أولا - البيعة :

(7/277)


13 - والمراد بالبيعة بيعة أهل الحل والعقد ، وهم : علماء المسلمين ورؤساؤهم ووجوه الناس ، الذين يتيسر اجتماعهم حالة البيعة بلا كلفة عرفا ، ولكن هل يشترط عدد معين ؟ اختلف في ذلك الفقهاء ، فنقل عن بعض الحنفية أنه يشترط جماعة دون تحديد عدد معين . وذهب المالكية والحنابلة إلى أنها لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد ، بالحضور والمباشرة بصفقة اليد ، وإشهاد الغائب منهم من كل بلد ، ليكون الرضى به عاما ، والتسليم بإمامته إجماعا .
وذهب الشافعية إلى أنه لا يشترط اتفاق أهل الحل والعقد من سائر البلاد ، لتعذر ذلك وما فيه من المشقة ، وذكروا أقوالا خمسة في ذلك فقالت طائفة : أقل ما تنعقد به الإمامة خمسة ، يجتمعون على عقدها أو يعقد أحدهم برضى الباقين ، واستدلوا بخلافة أبي بكر لأنها انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ، ثم تابعهم الناس فيها . وجعل عمر الشورى في ستة ليعقدوا لأحدهم برضى الخمسة .
وذهبت طائفة إلى أن الإمامة لا تنعقد بأقل من أربعين ، لأنها أشد خطرا من الجمعة ، وهي لا تنعقد بأقل من أربعين ، والراجح عندهم : أنه لا يشترط عدد معين ، بل لا يشترط عدد ، حتى لو انحصرت أهلية الحل والعقد بواحد مطاع كفت بيعته لانعقاد الإمامة ، ولزم على الناس الموافقة والمتابعة .
شروط أهل الاختيار :
14 - يشترط الفقهاء لأهل الاختيار أمورا ، هي : العدالة بشروطها ، والعلم بشروط الإمامة ، والرأي والحكمة والتدبير .
ويزيد الشافعية شرطا آخر وهو : أن يكون مجتهدا في أحكام الإمامة إن كان الاختيار من واحد ، وأن يكون فيهم مجتهد إن كان أهل الاختيار جماعة .
ثانيا : ولاية العهد : (الاستخلاف ) :

(7/278)


15 - وهي : عهد الإمام بالخلافة إلى من يصح إليه العهد ليكون إماما بعده . قال الماوردي : انعقاد الإمامة بعهد من قبله مما انعقد الإجماع على جوازه ، ووقع الاتفاق على صحته ، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما .
أحدهما : أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه ، فأثبت المسلمون إمامته بعهده .
والثاني : أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى ، فقبلت الجماعة دخولهم فيها ، وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها ، وقال علي للعباس رضوان الله عليهما حين عاتبه على الدخول في الشورى :" كان أمرا عظيما في أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه ". فصار العهد بها إجماعا في انعقاد الإمامة ، فإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجتهد رأيه في الأحق بها والأقوم بشروطها ، فإذا تعين له الاجتهاد في واحد نظر فيه :
فإن لم يكن ولدا ولا والدا جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه ، وإن لم يستشر فيه أحدا من أهل الاختيار ، لكن اختلفوا هل يكون ظهور الرضى منهم شرطا في انعقاد بيعته أو لا ؟ فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن رضى أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمة ، لأنها حق يتعلق بهم ، فلم تلزمهم إلا برضى أهل الاختيار منهم ، والصحيح أن بيعته منعقدة وأن الرضى بها غير معتبر ، لأن بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف على رضى الصحابة ، ولأن الإمام أحق بها فكان اختياره فيها أمضى ، وقوله فيها أنفذ .
وإن كان ولي العهد ولدا أو والدا فقد اختلف في جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب .

(7/279)


أحدهما : لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولد ولا لوالد ، حتى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلا لها ، فيصح منه حينئذ عقد البيعة له ، لأن ذلك منه تزكية له تجري مجرى الشهادة ، وتقليده على الأمة يجري مجرى الحكم ، وهو لا يجوز أن يشهد لوالد ولا لولد ، ولا يحكم لواحد منهما للتهمة العائدة إليه بما جبل من الميل إليه .
والمذهب الثاني : يجوز أن يفرد بعقدها لولد ، ووالد ، لأنه أمير الأمة نافذ الأمر لهم وعليهم . فغلب حكم المنصب على حكم النسب ، ولم يجعل للتهمة طريقا على أمانته ولا سبيلا إلى معارضته ، وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده ، وهل يكون رضى أهل الاختيار بعد صحة العهد معتبرا في لزومه للأمة أو لا ؟ على ما قدمناه من الوجهين .
والمذهب الثالث : أنه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده ، ولا يجوز أن ينفرد بها لولده ، لأن الطبع يبعث على ممايلة الولد أكثر من مما يبعث على ممايلة الوالد ، ولذلك كان كل ما يقتنيه في الأغلب مذخورا لولده دون والده .

(7/280)


فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبيه فكعقدها للبعداء الأجانب في جواز تفرده بها . وقال ابن خلدون ، بعد أن قدم الكلام في الإمامة ومشروعيتها لما فيها من المصلحة ، وأن حقيقتها للنظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم . قال : فالإمام هو وليهم والأمين عليهم ، ينظر لهم ذلك في حياته ، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ، ويقيم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها ، ويثقون بنظره لهم في ذلك ، كما وثقوا به فيما قبل ، وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده ، إذ وقع بعهد أبي بكر رضي الله عنه لعمر بمحضر من الصحابة ، وأجازوه ، وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر رضي الله عنه وعنهم ، وكذلك عهد عمر في الشورى إلى الستة بقية العشرة ، وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين ، ففوض بعضهم إلى بعض ، حتى أفضى ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف ، فاجتهد وناظر المسلمين فوجدهم متفقين على عثمان وعلى علي ، فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إياه على لزوم الاقتداء بالشيخين في كل ما يعرض له دون اجتهاده ، فانعقد أمر عثمان لذلك ، وأوجبوا طاعته ، والملأ من الصحابة حاضرون للأولى والثانية ، ولم ينكره أحد منهم ، فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهد ، عارفون بمشروعيته ، والإجماع حجة كما عرف ، ولا يتهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه ، لأنه مأمون على النظر لهم في حياته ، فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته ، خلافا لمن قال باتهامه في الولد والوالد ، أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد ، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله ، لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة أو توقع مفسدة فتنتفي الظنة في ذلك رأسا .

(7/281)


هذا ، وللإمام أن يجعلها شورى بين اثنين فأكثر من أهل الإمامة ، فيتعين من عينوه بعد موت الإمام ، لأن عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين ستة ، فاتفقوا على عثمان رضي الله عنه ، فلم يخالف من الصحابة أحد ، فكان ذلك إجماعا .
استخلاف الغائب :
16 - صرح الفقهاء بأنه يصح استخلاف غائب عن البلد ، إن علم حياته ، ويستقدم بعد موت الإمام ، فإن طال غيابه وتضرر المسلمون بغيابه يجوز لأهل الاختيار نصب نائب عنه ، وينعزل النائب بقدومه .
شروط صحة ولاية العهد :
17 - يشترط جمهور الفقهاء لصحة ولاية العهد شروطا منها :
أ - أن يكون المستخلف جامعا لشروط الإمامة ، فلا يصح الاستخلاف من الإمام الفاسق أو الجاهل .
ب - أن يقبل ولي العهد في حياة الإمام ، فإن تأخر قبوله عن حياة الإمام تكون وصية بالخلافة ، فيجري فيها أحكام الوصية ، وعند الشافعية قول ببطلان الوصية في الاستخلاف ، لأن الإمام يخرج عن الولاية بالموت .
ج - أن يكون ولي العهد مستجمعا لشروط الإمامة ، وقت عهد الولاية إليه ، مع استدامتها إلى ما بعد موت الإمام ، فلا يصح - عند جمهور الفقهاء - عهد الولاية إلى صبي أو مجنون أو فاسق وإن كملوا بعد وفاة الإمام ، وتبطل بزوال أحد الشروط من ولي العهد في حياة الإمام . وذهب الحنفية إلى جواز العهد إلى صبي وقت العهد ، ويفوض الأمر إلى وال يقوم به ، حتى يبلغ ولي العهد . وصرحوا أيضا بأنه إذا بلغ جددت بيعته وانعزل الوالي المفوض عنه ببلوغه .
ثالثا : الاستيلاء بالقوة :

(7/282)


18 - قال الماوردي : اختلف أهل العلم في ثبوت إمامة المتغلب وانعقاد ولايته بغير عقد ولا اختيار ، فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته ، وانعقاد إمامته ، وحمل الأمة على طاعته وإن لم يعقدها أهل الاختيار ، لأن مقصود الاختيار تمييز المولى ، وقد تميز هذا بصفته . وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا بالرضى والاختيار ، لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة له ، فإن توقفوا أثموا لأن الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد . وقال أبو يعلى : الإمامة تنعقد من وجهين :
أحدهما : باختيار أهل الحل والعقد .
والثاني : بعهد الإمام من قبل .
فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد ، فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد . قال أحمد ، في رواية إسحاق بن إبراهيم : الإمام : الذي يجتمع عليه ، كلهم يقول : هذا إمام .
وظاهر هذا : أنها تنعقد بجماعتهم .
وروي عنه ما دل على أنها تثبت بالقهر والغلبة ، ولا تفتقر إلى العقد . فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار : ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين ، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما ، برا كان أو فاجرا . وقال أيضا في رواية أبي الحارث - في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك ، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم - : تكون الجمعة مع من غلب واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة . وقال :" نحن مع من غلب ".
وجه الرواية الأولى : أنه لما اختلف المهاجرون والأنصار ، فقالت الأنصار :" منا أمير ومنكم أمير " حاجهم عمر ، وقال لأبي بكر رضي الله عنهما :" مد يدك أبايعك "فلم يعتبر الغلبة واعتبر العقد مع وجود الاختلاف .

(7/283)


ووجه الثانية : ما ذكره أحمد عن ابن عمر وقوله : نحن مع من غلب ولأنها لو كانت تقف على عقد لصح رفعه وفسخه بقولهم وقوله ، كالبيع وغيره من العقود ، ولما ثبت أنه ( أي المتغلب ) لو عزل نفسه أو عزلوه لم ينعزل ، دل على أنه لا يفتقر إلى عقده .
ولأن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير واستولى على البلاد وأهلها ، حتى بايعوه طوعا وكرها ، فصار إماما يحرم الخروج عليه ، ولما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين ، وإراقة دمائهم ، وذهاب أموالهم . ولخبر : « اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي أجدع » . وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء .
وذكر الشافعية قولا : يشترط لصحة إمامة المتغلب استجماع شروط الإمامة . كما يشترط الشافعية أيضا : أن يستولي على الأمر بعد موت الإمام المبايع له ، وقبل نصب إمام جديد بالبيعة ، أو أن يستولي على حي متغلب مثله . أما إذا استولى على الأمر وقهر إماما مولى بالبيعة أو بالعهد فلا تثبت إمامته ، ويبقى الإمام المقهور على إمامته شرعا .
اختيار المفضول مع وجود الأفضل :
19 - اتفق الفقهاء على أنه إذا تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة ، فبايعوه على الإمامة ، فظهر بعد البيعة من هو أفضل منه ، انعقدت بيعتهم إمامة الأول ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه . كما اتفقوا على أنه لو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل لعذر ، ككون الأفضل غائبا أو مريضا ، أو كون المفضول أطوع في الناس ، وأقرب إلى قلوبهم ، انعقدت بيعة المفضول وصحت إمامته ، ولو عدلوا عن الأفضل في الابتداء لغير عذر لم يجز .

(7/284)


أما الانعقاد فقد اختلفوا في انعقاد بيعة المفضول مع وجود الأفضل بغير عذر ، فذهبت طائفة إلى أن بيعته لا تنعقد ، لأن الاختيار إذا دعا إلى أولى الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره . وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن الإمامة جائزة للمفضول مع وجود الأفضل ، وصحت إمامته إذا توفرت فيه شروط الإمامة . كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار ، وليست شرطا فيه . وقال أبو بكر يوم السقيفة : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين : أبي عبيدة بن الجراح ، وعمر بن الخطاب . وهما - على فضلهما دون أبي بكر في الفضل ، ولم ينكره أحد .
ودعت الأنصار إلى بيعة سعد ، ولم يكن أفضل الصحابة بالاتفاق ، ثم عهد عمر رضي الله عنه إلى ستة من الصحابة ، ولا بد أن يكون بعضهم أفضل من بعض .
وقد أجمع أهل الإسلام حينئذ على أنه لو بويع أحدهم فهو الإمام الواجب طاعته . فصح بذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، على جواز إمامة المفضول .
عقد البيعة لإمامين :
20 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز كون إمامين في العالم في وقت واحد ، ولا يجوز إلا إمام واحد . واستدلوا بخبر : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » . وقوله تعالى : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا } .
ووجه الاستدلال : أن الله سبحانه وتعالى : حرم على المسلمين التفرق والتنازع ، وإذا كان إمامان فقد حصل التفرق المحرم ، فوجد التنازع ووقعت المعصية لله تعالى .
فإن عقدت لاثنين معا بطلت فيهما ، أو مرتبا فهي للسابق منهما . ويعزر الثاني ومبايعوه . لخبر : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » . وإن جهل السابق منهما بطل العقد فيهما عند الشافعية ، لامتناع تعدد الأئمة ، وعدم المرجح لأحدهما .

(7/285)


وعند الإمام أحمد روايتان : إحداهما : بطلان العقد ، والثانية : استعمال القرعة .
وذهب المالكية إلى أنه إذا تباعدت البلاد ، وتعذرت الاستنابة ، جاز تعدد الأئمة بقدر الحاجة ، وهو قول عند الشافعية ..
طاعة الإمام :
21 - اتفقت الأمة جمعاء على وجوب طاعة الإمام العادل وحرمة الخروج عليه للأدلة الواردة في ذلك كخبر : « من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر » . وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } وحديث : « من خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية » .
أما حكم الخروج على الجائر من الأئمة فقد سبق بيانه عند الكلام عن دوام الإمامة .
ويدعو للإمام بالصلاح والنصرة وإن كان فاسقا . ويكره تحريما وصفه بما ليس فيه من الصفات كالصالح والعادل ، كما يحرم أن يوصف بما لا يجوز وصف العباد به . مثل شاهنشاه الأعظم ، ومالك رقاب الناس ، لأن الأول من صفات الله فلا يجوز وصف العباد به ، والثاني كذب .
من ينعزل بموت الإمام :
22 - لا ينعزل بموت الإمام من عينه الإمام في وظيفة عامة كالقضاة ، وأمراء الأقاليم ، ونظار الوقف ، وأمين بيت المال ، وأمير الجيش . وهذا محل اتفاق بين الفقهاء ، لأن الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - ولوا حكاما في زمنهم ، فلم ينعزل أحد بموت الإمام ، ولأن الخليفة أسند إليهم الوظائف نيابة عن المسلمين ، لا نوابا عن نفسه ، فلا ينعزلون بموته ، وفي انعزالهم ضرر على المسلمين وتعطيل للمصالح .
أما الوزراء فينعزلون بموت الإمام وانعزاله ، لأن الوزارة نيابة عن الإمام فينعزل النائب بموت المستنيب . لأن الإمام استناب الوزير ليعينه في أمور الخلافة .
عزل الإمام وانعزاله :

(7/286)


23 - سبق نقل كلام الماوردي في مسألة عزل الإمام لطروء الفسق والجور عند الكلام عن دوام الإمام . ثم قال الماوردي : أما ما طرأ على بدنه من نقص فينقسم ثلاثة أقسام :
أحدها : نقص الحواس ، والثاني : نقص الأعضاء ، والثالث : نقص التصرف .
فأما نقص الحواس فينقسم ثلاثة أقسام : قسم يمنع من الإمامة ، وقسم لا يمنع منها ، وقسم مختلف فيه .
فأما القسم المانع منها فشيئان : أحدهما : زوال العقل . والثاني : ذهاب البصر .
فأما زوال العقل فضربان : أحدهما : ما كان عارضا مرجو الزوال كالإغماء ، فهذا لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج منها ، لأنه مرض قليل اللبث سريع الزوال ،« وقد أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه » .
والضرب الثاني : ما كان لازما لا يرجى زواله كالجنون والخبل ، فهو على ضربين :
أحدهما : أن يكون مطبقا دائما لا يتخلله إفاقة ، فهذا يمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، فإذا طرأ هذا بطلت به الإمامة بعد تحققه والقطع به ،
والضرب الثاني : أن يتخلله إفاقة يعود بها إلى حال السلامة فينظر فيه : فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، ويخرج بحدوثه منها ، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل منع من عقد الإمامة .
واختلف في منعه من استدامتها ، فقيل : يمنع من استدامتها كما يمنع من ابتدائها ، فإذا طرأ بطلت به الإمامة ، لأن في استدامته إخلالا بالنظر المستحق فيه ، وقيل : لا يمنع من استدامة الإمامة ، وإن منع من عقدها في الابتداء ، لأنه يراعى في ابتداء عقدها سلامة كاملة ، وفي الخروج منها نقص كامل .
وأما ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها ، فإذا طرأ بطلت به الإمامة ، لأنه لما أبطل ولاية القضاء ، ومنع من جواز الشهادة ، فأولى أن يمنع من صحة الإمامة .

(7/287)


وأما غشاء العين ، وهو : ألا يبصر عند دخول الليل ، فلا يمنع من الإمامة في عقد ولا استدامة ، لأنه مرض في زمان الدعة يرجى زواله .
وأما ضعف البصر ، فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع من الإمامة ، وإن كان يدرك الأشخاص ولا يعرفها منع من الإمامة عقدا واستدامة .
وأما القسم الثاني من الحواس ، التي لا يؤثر فقدها في الإمامة فشيئان : أحدهما : الخشم في الأنف الذي يدرك به شم الروائح . والثاني : فقد الذوق الذي يفرق به بين الطعوم . فلا يؤثر هذا في عقد الإمامة ، لأنهما يؤثران في اللذة ، ولا يؤثران في الرأي والعمل .
وأما القسم الثالث من الحواس المختلف فيها فشيئان : الصمم ، والخرس ، فيمنعان من ابتداء عقد الإمامة ، لأن كمال الأوصاف بوجودهما مفقود .
واختلف في الخروج بهما من الإمامة ، فقالت طائفة : يخرج بهما منها كما يخرج بذهاب البصر لتأثيرهما في التدبير والعمل ، وقال آخرون : لا يخرج بهما من الإمامة ، لقيام الإشارة مقامهما ، فلم يخرج منها إلا بنقص كامل . وقال آخرون : إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما من الإمامة ، وإن كان لا يحسنها خرج من الإمامة بهما ، لأن الكتابة مفهومة والإشارة موهومة ، والأول من المذاهب أصح .
وأما تمتمة اللسان ، وثقل السمع ، مع إدراك الصوت إذا كان عاليا ، فلا يخرج بهما من الإمامة إذا حدثا . واختلف في ابتداء عقدها معهما ، فقيل : يمنع ذلك ابتداء عقدها ، لأنهما نقص يخرج بهما عن حال الكمال ، وقيل : لا يمنع ، لأن نبي الله موسى عليه السلام لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة فأولى ألا يمنع من الإمامة .
وأما فقد الأعضاء فينقسم إلى أربعة أقسام :

(7/288)


أحدها : ما لا يمنع من صحة الإمامة في عقد ولا استدامة ، وهو ما لا يؤثر فقده في رأي ولا عمل ولا نهوض ولا يشين في المنظر ، فلا يمنع من عقد الإمامة ولا من استدامتها بعد العقد ، لأن فقده لا يؤثر في الرأي والحنكة . مثل قطع الأذنين لأنهما لا يؤثران في رأي ولا عمل ، ولهما شين يمكن أن يستتر فلا يظهر .
والقسم الثاني : ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها : وهو ما يمنع من العمل ، كذهاب اليدين ، أو من النهوض كذهاب الرجلين ، فلا تصح معه الإمامة في عقد ولا استدامة ، لعجزه عما يلزمه من حقوق الأمة في عمل أو نهضة .
والقسم الثالث : ما يمنع من عقد الإمامة : واختلف في منعه من استدامتها ، وهو ما ذهب به بعض العمل ، أو فقد به بعض النهوض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرجلين ، فلا يصح معه عقد الإمامة لعجزه عن كمال التصرف ، فإن طرأ بعد عقد الإمامة ففي خروجه منها مذهبان للفقهاء :
أحدهما : يخرج به من الإمامة ، لأنه عجز يمنع من ابتدائها فمنع من استدامتها .
والمذهب الثاني : أنه لا يخرج به من الإمامة وإن منع من عقدها ، لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة ، وفي الخروج منها كمال النقص .
والقسم الرابع : ما لا يمنع من استدامة الإمامة . واختلف في منعه من ابتداء عقدها ، وهو ما يشين ويقبح ، ولا يؤثر في عمل ولا في نهضة ، كجدع الأنف وسمل إحدى العينين ، فلا يخرج به من الإمامة بعد عقدها ، لعدم تأثيره في شيء من حقوقها ، وفي منعه من ابتداء عقدها مذهبان للفقهاء :
أحدهما : أنه لا يمنع من عقدها ، وليس ذلك من الشروط المعتبرة فيها لعدم تأثيره في حقوقها .
والمذهب الثاني : أنه يمنع من عقد الإمامة ، وتكون السلامة منه شرطا معتبرا في عقدها ليسلم ولاة الملة من شين يعاب ونقص يزدرى ، فتقل به الهيبة ، وفي قلتها نفور عن الطاعة ، وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة .

(7/289)


وأما نقص التصرف فضربان : حجر ، وقهر .
فأما الحجر : فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة ، فلا يمنع ذلك من إمامته ، ولا يقدح في صحة ولايته .
وأما القهر فهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه ، فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له ، لعجزه عن النظر في أمور المسلمين ، وسواء كان العدو مشركا أو مسلما باغيا ، وللأمة اختيار من عداه من ذوي القدرة . وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة فعلى كافة الأمة استنقاذه ، لما أوجبته الإمامة من نصرته ، وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك إما قتال أو فداء ، فإن وقع اليأس منه ، لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة المسلمين ، فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه ، واستأنف أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة ، وإن خلص قبل الإياس فهو على إمامته . وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين ، فإن كان مرجو الخلاص فهو على إمامته ، وإن لم يرج خلاصه ، فالإمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من خلاصه ، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها ، فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها .
واجبات الإمام :
24 - من تعريف الفقهاء للإمامة الكبرى بأنها رئاسة عامة في سياسة الدنيا وإقامة الدين نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم يتبين أن واجبات الإمام إجمالا هي كما يلي :
أ - حفظ الدين على أصوله الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وإقامة شعائر الدين .
ب - رعاية مصالح المسلمين بأنواعها .

(7/290)


كما أنهم - في معرض الاستدلال لفرضية نصب الإمام بالحاجة إليه - يذكرون أمورا لا بد للأمة ممن يقوم بها وهي : تنفيذ الأحكام ، وإقامة الحدود ، وسد الثغور ، وتجهيز الجيوش ، وأخذ الصدقات ، وقبول الشهادات ، وتزويج الصغار والصغائر الذين لا أولياء لهم ، وقسمة الغنائم . وعدها أصحاب كتب الأحكام السلطانية عشرة . ولا تخرج في عمومها عما ذكره الفقهاء فيما مر ، على أن ذلك يزيد وينقص بحسب تجدد الحاجات الزمنية وما تقضي المصالح بأن لا يتولاه الأفراد والهيئات ، بل يتولاه الإمام .
ولايات الإمام :
25 - الولاة من قبل الإمام تنقسم ولايتهم إلى أربعة أقسام :
أ - ولاية عامة في الأعمال العامة ، وهي : الوزارة ، فهي نيابة عن الإمام في الأمور كلها من غير تخصيص .
ب - ولاية عامة في أعمال خاصة ، وهي الإمارة في الأقاليم ، لأن النظر فيما خص بها عام في جميع الأمور .
ج - ولاية خاصة في الأعمال العامة : كرئاسة القضاء ونقابة الجيش ، لأن كليهما مقصور على نظر خاص في جميع الأعمال .
د - ولاية خاصة في أعمال خاصة كقاضي بلد ، أو مستوفي خراجه ، وجابي صدقاته ، لأن كلا من ولاية هؤلاء خاص بعمل مخصوص لا يتجاوزه ،
والتفصيل في مصطلحي : ( وزارة ، إمارة )
مؤاخذة الإمام بتصرفاته :
26 - يضمن الإمام ما أتلفه بيده من مال أو نفس بغير خطأ في الحكم أو تقصير في تنفيذ الحد والتعزير كآحاد الناس فيقتص منه إن قتل عمدا ، وتجب الدية عليه أو على عاقلته أو بيت المال في الخطأ وشبه العمد ، ويضمن ما أتلفه بيده من مال ، كما يضمن ما هلك بتقصيره في الحكم ، وإقامة الحد ، والتعزير . بالقصاص أو الدية من ماله أو عاقلته أو بيت المال حسب أحكام الشرع ، وحسب ظروف التقصير وجسامة الخطأ . وينظر التفصيل في مصطلحات : ( حد ، وتعزير ، وقصاص ، وضمان ) .

(7/291)


وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء ، لعموم الأدلة ، ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ، وأموالهم معصومة إلا بحقها ، وثبت « أن النبي صلى الله عليه وسلم " أقاد من نفسه » وكان عمر رضي الله عنه يقيد من نفسه . والإمام والمعتدى عليه نفسان معصومتان كسائر الرعية . واختلفوا في إقامة الحد عليه ، فذهب الشافعية إلى أنه يقام عليه الحد كما يقام على سائر الناس لعموم الأدلة ، ويتولى التنفيذ عليه من يتولى الحكم عنه .
وذهب الحنفية إلى أنه لا يقام عليه الحد ، لأن الحد حق الله تعالى ، والإمام نفسه هو المكلف بإقامته ، ولا يمكن أن يقيمه على نفسه ، لأن إقامته تستلزم الخزي والنكال ولا يفعل أحد ذلك بنفسه ، بخلاف حق العباد . أما حد القذف فقالوا : المغلب فيه حق الله ، فحكمه حكم سائر الحدود ، فإقامته إليه كسائر الحدود . ولا ولاية لأحد عليه . ليستوفيه ، وفائدة الإيجاب الاستيفاء ، فإذا تعذر لم يجب . وفرقوا بين الحد ، وبين القصاص وضمان المتلفات بأنهما من حقوق العباد فيستوفيهما صاحب الحق ، ولا يشترط القضاء ، بل الإمكان والتمكن ، ويحصل ذلك بتمكينه من نفسه ، إن احتاج إلى منعة . فالمسلمون منعته ، فبهم يقدر على الاستيفاء فكان الوجوب مفيدا .
هدايا الإمام لغيره :
27 - هدايا الإمام لغيره إن كانت من ماله الخاص فلا يختلف حكمه عن غيره من الأفراد ، وينظر في مصطلح : ( هدية ) .

(7/292)


أما إن كانت من بيت المال ، فإذا كان مقابلا لعمل عام فهو رزق ، وإن كان عطاء شاملا للناس من بيت المال فهو عطاء ، وإن كانت الهدية بمبادرة من الإمام ميز بها فردا عن غيره فهي التي تسمى ( جائزة السلطان ) وقد اختلف فيها ، فكرهها أحمد تورعا لما في بعض موارد بيت المال من الشبهة ، لكنه نص على أنها ليست بحرام على آخذها ، لغلبة الحلال على موارد بيت المال ، وكرهها ابن سيرين لعدم شمولها للرعية ، وممن تنزه عن الأخذ منها حذيفة وأبو عبيدة ومعاذ وأبو هريرة وابن عمر . هذا من حيث أخذ الجوائز .
أما من حيث تصرف الإمام بالإعطاء فيجب أن يراعى فيه المصلحة العامة للمسلمين دون اتباع الهوى والتشهي ، لأن تصرف الإمام في الأموال العامة وغيرها من أمور المسلمين منوط بالمصلحة .
قبول الإمام الهدايا :
28 - لم يختلف العلماء في كراهية الهدية إلى الأمراء .
ذكر ابن عابدين في حاشيته : أن الإمام ( بمعنى الوالي ) لا تحل له الهدية ، للأدلة - الواردة في هدايا العمال ولأنه رأس العمال .
وقال ابن حبيب : لم يختلف العلماء في كراهية الهدية إلى السلطان الأكبر وإلى القضاة والعمال وجباة الأموال . وهذا قول مالك ومن قبله من أهل العلم والسنة . « وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية » ، وهذا من خواصه ، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم مما يتقي على غيره منها ، ولما " رد عمر بن عبد العزيز الهدية ، قيل له : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها ، فقال : كانت له هدية وهي لنا رشوة ، لأنه كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته ، ونحن يتقرب بها إلينا لولايتنا " .
هدايا الكفار للإمام :

(7/293)


29 - لا يجوز للإمام قبول هدية من كفار أشرفت حصونهم على السقوط بيد المسلمين ، لما في ذلك من توهين المسلمين وتثبيط همتهم . أما إذا كانوا بقوة ومنعة جاز له قبول هديتهم . وهي للإمام إن كانت من قريب له ، أو كانت مكافأة ، أو رجاء ثواب ( أي مقابل ) . وإن كانت من غير قريب ، وأهدى بعد دخول الإمام بلدهم فهي غنيمة . وهم فيء قبل الدخول في بلدهم .
هذا إذا كانت من الأفراد ، أما إذا كانت من الطاغية أي رئيسهم ، فإنها فيء إن أهدى قبل دخول المسلمين في بلدهم ، وغنيمة بعد الدخول فيه ، وهذا التفصيل للمالكية . وعند أحمد : يجوز للإمام قبول الهدية من أهل الحرب ، لأن « النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس صاحب مصر » ، فإن كان ذلك في حال الغزو فما أهداه الكفار لأمير الجيش أو لبعض قواده فهو غنيمة ، لأنه لا يفعل ذلك إلا خوفا من المسلمين ، فأشبه ما لو أخذه قهرا . وأما إن أهدى من دار الحرب ، فهو لمن أهدى إليه سواء كان الإمام أو غيره ، « لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية منهم » ، فكانت له دون غيره . وعزا ابن قدامة هذا إلى الشافعي أيضا ، ونقل عن الإمام أبي حنيفة : أنها للمهدى له بكل حال ، لأنه خصه بها ، فأشبه ما لو أهدي له من دار الإسلام ، وحكى في ذلك رواية عن أحمد وذهب الشافعية إلى أنه لو أهدى مشرك إلى الأمير أو إلى الإمام هدية ، والحرب قائمة فهي غنيمة ، بخلاف ما لو أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام ، فإنه للمهدى إليه .
وقال عبد الغني النابلسي : قال الماوردي : فنزاهته عنها أولى من قبولها ، فإن قبلها جاز ولم يمنع ، وهذا حكم الهدايا للقضاة ، أما الهدايا للأئمة فقد قال في الحاوي : إنها إن كانت من هدايا دار الإسلام فهي على ثلاثة أقسام :

(7/294)


أحدها : أن يهدي إليه من يستعين به على حق يستوفيه ، أو على ظلم يدفعه عنه ، أو على باطل يعينه عليه ، فهذه الرشوة المحرمة .
الثاني : أن يهدي إليه من كان يهاديه قبل الولاية ، فإن كان بقدر ما كان قبل الولاية لغير حاجة عرضت فيجوز له قبولها ، وإن اقترن بها حاجة عرضت إليه فيمنع من القبول عند الحاجة ، ويجوز أن يقبلها بعد الحاجة . وإن زاد في هديته على قدر العادة لغير حاجة ، فإن كانت الزيادة من جنس الهدية جاز قبولها لدخولها في المألوف ، وإن كانت من غير جنس الهدية منع من القبول .
الثالث : أن يهدي إليه من لم يكن يهاديه قبل الولاية ، فإن ( كان ) لأجل ولايته فهي رشوة ، ويحرم عليه أخذها ، وإن كان لأجل جميل صدر ( له ) منه إما واجبا أو تبرعا فلا يجوز قبولها أيضا . وإن كان لا لأجل ولاية ، بل لمكافأة على جميل ، فهذه هدية بعث عليها جاه ، فإن كافأه عليها جاز له قبولها ، وإن لم يكافئ عليها فلا يقبلها لنفسه ، وإن كانت من هدايا دار الحرب جاز له قبول هداياهم ، وذكر الماوردي في الأحكام السلطانية قال : والفرق بين الرشوة والهدية أن الرشوة ما أخذت طلبا ، والهدية ما بذلت عفوا .
أثر فسق الإمام على ولايته الخاصة :
30 - اختلف الفقهاء في سلب الولاية الخاصة عن الإمام بفسقه ، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا يشترط - عندهم - العدالة في ولاية النكاح أصلا ، حتى يسلبها الفسق ، فيزوج بناته القاصرات بالولاية الخاصة ، يستوي في ذلك الإمام ، وغيره من الأولياء . وذهب الشافعية إلى أن الولاية الخاصة تسلب بالفسق ، فلا يصح له تزويج بناته بالولاية الخاصة كغيره من الفسقة ، لخروجه بالفسق عن الولاية الخاصة كأفراد الناس ، وإن لم يسلبه عن الولاية العامة تعظيما لشأن الإمامة ، على أن في ذلك خلافا سبق بيانه .

(7/295)


وتنتقل ولاية النكاح إلى البعيد من العصبة ، فإن لم توجد عصبة زوجهن بالولاية العامة كغيرهن ممن لا ولي لهن . لحديث : « السلطان ولي من لا ولي له » .
أمان *
التعريف :
1 - الأمان في اللغة : عدم توقع مكروه في الزمن الآتي ، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف ، والأمن والأمانة والأمان مصادر للفعل ( أمن ) ، ويرد الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان من الطمأنينة ، وتارة لعقد الأمان أو صكه .
وعرفه الفقهاء بأنه : رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله أو الغرم عليه ، مع استقراره تحت حكم الإسلام .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الهدنة :
2 - الهدنة هي : أن يعقد لأهل الحرب عقد على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض ، وتسمى : مهادنة وموادعة ومعاهدة . ويختلف عقد الهدنة عن الأمان بأن عقد الهدنة لا يعقده إلا الإمام أو نائبه ، أما الأمان فيصح من أفراد المسلمين .
ب - الجزية :
3 - عقد الجزية موجب لعصمة الدماء وصيانة الأموال والأعراض إلى غير ذلك مما يترتب عليه . ويختلف عن الأمان في أن عقد الجزية مثل الهدنة لا يعقده إلا الإمام . كما أن عقد الجزية مؤبد لا ينقض ، بخلاف الأمان فهو عقد غير لازم ، أي قابل للنقض بشروطه .
الحكم الإجمالي :
4 - الأصل أن إعطاء الأمان أو طلبه مباح ، وقد يكون حراما أو مكروها إذا كان يؤدي إلى ضرر أو إخلال بواجب أو مندوب .
وحكم الأمان هو ثبوت الأمن للكفرة عن القتل والسبي وغنم أموالهم ، فيحرم على المسلمين قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم واغتنام أموالهم .
ما يكون به الأمان :

(7/296)


5 - ينعقد الأمان بكل لفظ صريح أو كناية يفيد الغرض ، بأي لغة كان ، وينعقد بالكتابة والرسالة والإشارة المفهمة . لأن التأمين إنما هو معنى في النفس ، فيظهره المؤمن تارة بالنطق ، وتارة بالكتابة ، وتارة بالإشارة ، فكل ما بين به التأمين فإنه يلزم .
شروط الأمان :
6 - ذهب المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية إلى أن شرط الأمان انتفاء الضرر ، ولو لم تظهر المصلحة .
وقيد البلقيني جواز الأمان بمجرد انتفاء الضرر بغير الأمان المعطى من الإمام ، فلا بد فيه من المصلحة والنظر للمسلمين .
وقال الحنفية : يشترط في الأمان أن تكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين وذلك بأن يعطى في حال ضعف المسلمين وقوة أعدائهم ، لأن الجهاد فرض والأمان يتضمن تحريم القتال ، فيتناقض ، إلا إذا كان في حال ضعف المسلمين وقوة الكفرة ، لأنه إذ ذاك يكون قتالا معنى ، لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال ، فلا يؤدي إلى التناقض .
من له حق إعطاء الأمان :
7 - الأمان إما أن يعطى من الإمام أو من آحاد المسلمين :
أ - أمان الإمام : يصح أمان الإمام لجميع الكفار وآحادهم ، لأنه مقدم للنظر والمصلحة ، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار . وهذا ما لا خلاف فيه .
ب - أمان آحاد المسلمين : يرى جمهور الفقهاء أن أمان آحاد المسلمين يصح لعدد محصور كأهل قرية صغيرة وحصن صغير ، أما تأمين العدد الذي لا ينحصر فهو من خصائص الإمام . وذهب الحنفية إلى أن الأمان يصح من الواحد ، سواء أمن جماعة كثيرة أو قليلة أو أهل مصر أو قرية ، فليس حينئذ لأحد من المسلمين قتالهم .
شروط المؤمن :
8 - أ - الإسلام : فلا يصح أمان الكافر ، وإن كان يقاتل مع المسلمين .
ب - العقل : فلا يصح أمان المجنون والصبي الذي لا يعقل .

(7/297)


ج - البلوغ : بلوغ المؤمن شرط عند جمهور الفقهاء . وقال محمد بن الحسن الشيباني : ليس بشرط .
د - عدم الخوف من الحربيين : فلا يصح أمان المقهورين في أيدي الكفرة .
أما الذكورة فليست بشرط لصحة الأمان عند جمهور الفقهاء ، فيصح أمان المرأة لأنها لا تعجز عن الوقوف على حال القوة والضعف .
وقال ابن الماجشون من المالكية : إن أمان المرأة والعبد والصبي لا يجوز ابتداء ، ولكن إن وقع يمضي إن أمضاه الإمام وإن شاء رده .
مواطن البحث :
فصل الفقهاء أحكام الأمان في أبواب السير والجهاد فتنظر فيها ، ويرجع إلى مصطلح ( مستأمن ) .
أمانة *
التعريف :
1 - الأمانة : ضد الخيانة ، والأمانة تطلق على : كل ما عهد به إلى الإنسان من التكاليف الشرعية وغيرها كالعبادة الوديعة ، ومن الأمانة : الأهل والمال .
وبالتتبع تبين أن الأمانة قد استعملها الفقهاء بمعنيين :
أحدهما : بمعنى الشيء الذي يوجد عند الأمين ، وذلك يكون في :
أ - العقد الذي تكون الأمانة فيه هي المقصد الأصلي ، وهو الوديعة وهي ، العين التي توضع عند شخص ليحفظها ، فهي أخص من الأمانة ، فكل وديعة أمانة ولا عكس .
ب - العقد الذي تكون الأمانة فيه ضمنا ، وليست أصلا بل تبعا ، كالإجارة والعارية والمضاربة والوكالة والشركة والرهن .
ج - ما كانت بدون عقد كاللقطة ، وكما إذا ألقت الريح في دار أحد مال جاره ، وذلك ما يسمى بالأمانات الشرعية .
الثاني : بمعنى الصفة وذلك في :
أ - ما يسمى ببيع الأمانة ، كالمرابحة والتولية والاسترسال ( الاستئمان ) وهي العقود التي يحتكم فيها المبتاع إلى ضمير البائع وأمانته .
ب - في الولايات سواء كانت عامة كالقاضي ، أم خاصة كالوصي وناظر الوقف .
ج - فيمن يترتب على كلامه حكم كالشاهد .
د - تستعمل الأمانة في باب الأيمان كمقسم بها باعتبارها صفة من صفات الله تعالى .
الحكم الإجمالي :

(7/298)


أولا : الأمانة بمعنى الشيء الذي يوجد عند الأمين :
2 - للأمانة بهذا المعنى عدة أحكام إجمالها فيما يلي :
أ - الأصل إباحة أخذ الوديعة واللقطة ، وقيل يستحب الأخذ لمن قدر على الحفظ والأداء ، لقوله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى } .
وقد يعرض الوجوب لمن يثق في أمانة نفسه وخيف على اللقطة أخذ خائن لها ، وعلى الوديعة من الهلاك أو الفقد عند عدم الإيداع ، لأن مال الغير واجب الحفظ ، وحرمة المال كحرمة النفس ، وقد روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « حرمة مال المؤمن كحرمة دمه » . وقد يحرم الأخذ لمن يعجز عن الحفظ ، أو لا يثق بأمانة نفسه ، وفي ذلك تعريض المال للهلاك . وهذا في الجملة . وتفصيله في الوديعة واللقطة .
ب - وجوب المحافظة على الأمانة عامة ، وديعة كانت أو غيرها ، يقول العلماء : حفظ الأمانة يوجب سعادة الدارين ، والخيانة توجب الشقاء فيهما ، والحفظ يكون بحسب كل أمانة ، فالوديعة مثلا يكون حفظها بوضعها في حرز مثلها . والعارية والشيء المستأجر يكون حفظهما بعدم التعدي في الاستعمال المأذون فيه ، وبعدم التفريط . وفي مال المضاربة يكون بعدم مخالفة ما أذن فيه للمضارب من التصرفات وهكذا .
ت - وجوب الرد عند الطلب لقوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » .
ث - وجوب الضمان بالجحود أو التعدي أو التفريط .
ج- سقوط الضمان إذا تلفت الأمانة دون تعد أو تفريط .
وهذا في غير العارية عند الحنابلة والشافعية ، فالعارية عندهم مضمونة .

(7/299)


ح - التعزير على ترك أداء الأمانات كالودائع وأموال الأيتام وغلات الوقوف ، وما تحت أيدي الوكلاء والمقارضين وشبه ذلك ، فإنه يعاقب على ذلك كله حتى يؤدي ما يجب عليه . وللفقهاء في كل ذلك تفصيلات وفروع يرجع إليها في مواضعها من ( وديعة ، ولقطة ، وعارية ، وإجارة ، ورهن ، وضمان ، ووكالة ) .
ثانيا : الأمانة بمعنى الصفة :
3 - تختلف أحكام الأمانة بهذا المعنى لاختلاف مواضعها ، وبيان ذلك إجمالا فيما يأتي :
أ - بيع الأمانة كالمرابحة ، والمرابحة تعتبر بيع أمانة ، لأن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثمن الأول من غير بينة ولا استحلاف ، فتجب صيانتها عن الخيانة والتهمة ، لأن التحرز عن ذلك كله واجب ما أمكن ، قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من غشنا » .
وعلى ذلك فإذا ظهرت الخيانة في بيع المرابحة ففي الجملة يكون المشتري بالخيار ، إن شاء أخذ المبيع ، وإن شاء رده ، وقيل : بحط الزيادة على أصل رأس المال ونسبتها من الربح مع إمضاء البيع .
هذا مع تفصيل كثير ينظر في ( بيع - مرابحة - تولية - استرسال ) .
ب - اعتبار الأمانة شرطا فيمن تكون له ولاية ونظر في مال غيره كالوصي وناظر الوقف ، فقد اشترط الفقهاء صفة الأمانة في الوصي وناظر الوقف ، وأنه يعزل لو ظهرت خيانته ، أو يضم إليه أمين في بعض الأحوال ، وهذا في الجملة . كذلك من له ولاية عامة كالقاضي ، فالأصل اعتبار الأمانة فيه . وللفقهاء في ذلك تفصيل ( ر : قضاء ، وصي ) .

(7/300)


ج - من يترتب على كلامه حكم كالشاهد : فقد اشترط الفقهاء في الشاهد العدالة ، لقول الله تعالى : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } . وقوله تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } ، فأمر الله تعالى بالتوقف عن نبأ الفاسق ، والشهادة نبأ فيجب عدم قبول شهادة الفاسق ، واعتبر الفقهاء أن الخيانة من الفسق ، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة » .
د - الحلف بالأمانة : يرى جمهور الفقهاء أن من حلف بالأمانة مع إضافتها إلى اسم الله سبحانه وتعالى فقال : وأمانة الله لأفعلن كذا ، فإن ذلك يعتبر يمينا توجب الكفارة .
أما الحلف بالأمانة فقط دون إضافة إلى لفظ الجلالة ، فإنه يرجع فيه إلى نية الحالف ، فإن أراد بالأمانة صفة الله تعالى فالحلف بها يمين ، وإن أراد بالأمانة ما في قوله تعالى : { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض } أي التكاليف التي كلف الله بها عباده فليس بيمين . ويكون الحلف بها غير مشروع لأنه حلف بغير الله ، واستدل لذلك بحديث : « من حلف بالأمانة فليس منا » .
مواطن البحث :
4 - يأتي ذكر الأمانة في كثير من الأبواب الفقهية : كالبيع ، والوكالة ، والشركة ، والمضاربة ، الوديعة ، والعارية ، والإجارة ، والرهن ، والوقف ، والوصية ، والأيمان ، والشهادة ، والقضاء . وقد سبقت الإشارة إلى ذكر ذلك إجمالا .
كذلك يأتي ذكر الأمانة في باب الحضانة باعتبارها شرطا من شروط الحاضن والحاضنة ، وفي باب الحج في الرفقة المأمونة بالنسبة لسفر المرأة ، وفي باب الصيام بالنسبة لمن يخبر برؤية الهلال .
امتثال *
انظر : طاعة
امتشاط *
التعريف :
1 - الامتشاط لغة : هو ترجيل الشعر ، والترجيل : تسريح الشعر ، وتنظيفه ، وتحسينه . وعند الفقهاء معناه كالمعنى اللغوي .
الحكم الإجمالي ومواطن البحث :

(7/301)


2 - يستحب ترجيل شعر الرأس واللحية من الرجل ، وكذا الرأس من المرأة ، لما ورد :
« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية ، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن اخرج . كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته ، ففعل الرجل ثم رجع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس ، كأنه شيطان »
ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من كان له شعر فليكرمه » ويفصل الفقهاء ذلك في خصال الفطرة ، والحظر والإباحة .
3 - وفي الإحرام : يحرم الامتشاط إن علم أنه يزيل شعرا ، وكذا إن كان يدهن ولم يزل شعرا ، فإن كان لا يزيل شعرا وكان بغير طيب فإن من الفقهاء من أباحه ، ومنهم من كرهه على تفصيل ينظر في مصطلح ( إحرام )
4 - ولا يمنع امتشاط المحدة عند أغلب الفقهاء ، إن كان الترجيل خاليا عن مواد الزينة ، فإن كان بدهن أو طيب حرم .
وقال الحنفية : يحرم امتشاط المحدة بمشط ضيق ، وإن لم يكن معه طيب ، وتفصيل هذه الأحكام يذكرها الفقهاء في ( الإحداد ) ( ج 2 ص 107 ف 14 ) .
امتناع *
التعريف :
1 - الامتناع لغة : مصدر امتنع . يقال : امتنع من الأمر : إذا كف عنه . ويقال : امتنع بقومه أي : تقوى بهم وعز ، فلم يقدر عليه .
والامتناع في الاصطلاح لا يخرج عن هذين المعنيين .
الحكم الإجمالي :
2 - إن الامتناع عن الفعل المحرم واجب ، كالامتناع عن الزنى وشرب الخمر ، وامتناع الحائض عن الصلاة ، وعن مس المصحف ، والجلوس في المسجد .
والامتناع عن الواجب حرام ، كامتناع المكلف غير المعذور عن الصلاة والصوم والحج ، ومثل امتناع المحتكر عن بيع الأقوات ، والامتناع عن إنقاذ المشرف على الهلاك ممن هو قادر على إنقاذه .

(7/302)


والامتناع عن المندوب يكون مكروها ، كامتناع المريض عن التداوي مع قدرته عليه . والامتناع عن المكروه يكون مندوبا إليه ، كالامتناع عن التدخين عند من يقول بكراهته ، والامتناع عن تولي القضاء لمن يخاف على نفسه الزلل .
والامتناع عن المباح مباح ، كالامتناع عن طعام معين في الأحوال المعتادة ، ومثل امتناع المرأة عن الدخول حتى تقبض مقدم المهر ، وامتناع البائع من تسليم المبيع حتى يقبض الثمن . ويرجع لمعرفة حكم كل نوع من هذه الأنواع في بابه .
امتهان *
التعريف :
1 - الامتهان افتعال من ( مهن ) أي خدم غيره ، وامتهنه : استخدمه ، أو ابتذله . ومنه يتبين أن أهل اللغة يستعملون كلمة ( امتهان ) في معنيين :
الأول : بمعنى ( الاحتراف ) ، والثاني : بمعنى ( الابتذال ) .
والابتذال هو : عدم صيانة الشيء بل تداوله واستخدامه في العمل .
والفقهاء يستعملون الامتهان بهذين المعنيين أيضا .
أما الامتهان بمعنى الاحتراف ، فينظر تفصيله في مصطلح ( احتراف ج 1 ص 69 ) وفيما يلي ما يتصل بالمعنى الثاني وهو الابتذال .
الألفاظ ذات الصلة :
الاستخفاف والاستهانة :
2 - سبق بيان معنى ( الامتهان ) ومنه يتبين أنه غير الاستهانة بالشيء أو الاستخفاف به ، فالاستهانة بالشيء استحقاره ، أما الامتهان فليس فيه معنى الاستحقار .
الحكم الإجمالي :
3 - هناك كثير من الأحوال يطلب فيها من المسلم أن يلبس غير ثياب المهنة ، كالجمعة والعيدين والجماعات ، يدل على ذلك حديث { ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته } .
والتفصيل في مصطلح : ( احتراف ) ( وألبسة ) . كما أنه يختلف حكم ما فيه صورة ، بين أن يكون ممتهنا ( مبتذلا ) أو غير ممتهن وينظر في مصطلح ( تصوير ) .
أمر *
التعريف :
1- الأمر في اللغة يأتي بمعنيين :

(7/303)


الأول : يأتي بمعنى الحال أو الشأن ، ومنه قوله تعالى : { وما أمر فرعون برشيد } أو الحادثة ، ومنه قول الله تعالى : { وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه } وقوله سبحانه : { وشاورهم في الأمر }
قال الخطيب القزويني في الإيضاح : أي شاورهم في الفعل الذي تعزم عليه . ويجمع بهذا المعنى على ( أمور ) .
الثاني : طلب الفعل ، وهو بهذا المعنى نقيض النهي . وجمعه ( أوامر ) فرقا بينهما ، كما قاله الفيومي .
وعند الفقهاء يستعمل الأمر بالمعنيين المذكورين ، ولكن اختلف الأصوليون من ذلك في مسائل :
المسألة الأولى : قال بعضهم : لفظ ( الأمر ) مشترك لفظي بين المعنيين . وقال آخرون : بل هو حقيقة في القول المخصوص ، وهو قول الطالب للفعل ، مجاز في الحال والشأن . وقيل : إنه موضوع للمعنى المشترك بينهما .
المسألة الثانية : طلب الفعل لا يسمى أمرا حقيقة ، إلا إن كان على وجه الحتم والإلزام . واستدل من قال بذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء » قالوا : لو لم يكن الأمر على وجه الحتم ما كان فيه مشقة . وهذا قول الحنفية . وقال الباقلاني وجمهور الشافعية : لا يشترط ذلك ، بل طلب الفعل أمر ولو لم يكن على وجه التحتم ، فيدخل المندوب في المأمور به حقيقة .
المسألة الثالثة : إن طلب الفعل لا يسمى أمرا حقيقة إلا إذا كان على سبيل الاستعلاء ، أي استعلاء الآمر على المأمور ، احترازا عن الدعاء والالتماس ، فهو شرط أكثر الماتريدية والآمدي من الأشعرية ، وصححه الرازي ، وهو رأي أبي الحسين البصري من المعتزلة ، لذم العقلاء الأدنى بأمره من هو أعلى .
وعند المعتزلة يجب العلو في الأمر ، وإلا كان دعاء أو التماسا .

(7/304)


وعند الأشعري لا يشترط العلو ولا الاستعلاء ، وبه قال أكثر الشافعية . وفي شرح المختصر : وهو الحق ، لقوله تعالى حكاية عن فرعون : { إن هذا لساحر عليم ، يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون } .
صيغ الأمر :
2 - للأمر صيغ صريحة وهي ثلاثة : فعل الأمر ، مثل قوله تعالى : { أقيموا الصلاة } وقوله : { فاسعوا إلى ذكر الله } ، واسم فعل الأمر نحو : نزال ، والمضارع المقترن فاللام الأمر نحو { لينفق ذو سعة من سعته } .
وصيغ غير صريحة ، قال الشاطبي :
- أ - منها : ما جاء مجيء الإخبار عن تقرير الحكم ، نحو : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } .
- ب - ومنها : ما جاء مجيء مدحه أو مدح فاعله نحو : { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات } .
- ج - ومنها : ما يتوقف عليه المطلوب ، كالمفروض في مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، كغسل جزء من الرأس ، لاستيفاء غسل الوجه .
دلالة صيغة الأمر الصريحة :
3 - اختلف الأصوليون في دلالة صيغة ( افعل ) غير المقترنة بما يعين معناها .
فهي عند الجمهور حقيقة في الوجوب ، وعند أبي هاشم وكثير من الأصوليين حقيقة في الندب وهو أحد قولي الشافعي ، وقيل : مشترك بينهما اشتراكا لفظيا ، وروي هذا عن الشافعي . وقيل : إنها موضوعة لمشترك بينهما وهو الاقتضاء حتما كان أو ندبا ، وروي هذا عن أبي منصور الماتريدي ، ونسب إلى مشايخ سمرقند .
4 - الأمر الوارد بعد الحظر هو للإباحة عند الأكثر ، ومنهم الشافعي والآمدي كقول النبي صلى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها » .
وللوجوب عند عامة الحنفية وهو المروي عن القاضي والمعتزلة واختاره الرازي ، وتوقف فيه إمام الحرمين . واختار ابن الهمام والشيخ زكريا الأنصاري أنه يرجع الحكم لما كان عليه قبل الحظر إباحة أو وجوبا .
ورود الأمر لغير الوجوب :

(7/305)


5 - ترد صيغة الأمر لغير الوجوب في أكثر من عشرين معنى ، منها : الالتماس والتهديد .
اقتضاء الأمر للتكرار :
6 - الأمر لطلب الفعل مطلقا لا يقتضي التكرار عند الحنفية ، فيبرأ بالفعل مرة ويحتمل التكرار ، واختاره الرازي والآمدي .
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : هو لازم مدة العمر إن أمكن ، وعلى هذا جماعة من الفقهاء والمتكلمين .
وذهب كثير من أهل الأصول إلى أنها للمرة ، ولا يحتمل التكرار ، وهو قول أكثر الشافعية . أما إن قيد بشرط ، نحو { وإن كنتم جنبا فاطهروا } أو بالصفة نحو { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } فإنه يقتضي التكرار ، بتكرر الشرط أو الصفة ، وقيل بالوقف في ذلك .
دلالة الأمر على الفور أو التراخي :
7 - الصحيح عند الحنفية أن الأمر لمجرد الطلب ، فيجوز التأخير كما يجوز البدار ، وعزي إلى الشافعي وأصحابه . واختاره الرازي والآمدي .
وقيل : يوجب الفور ، وعزي إلى المالكية والحنابلة والكرخي ، واختاره السكاكي والقاضي . وتوقف الإمام في أنه للفور أو للقدر المشترك بين الفور والتراخي .
الأمر بالأمر :
8 - من أمر غيره أن يأمر آخر بفعل ما فليس هذا أمرا للمأمور الثاني على المختار عند الأصوليين . فقول النبي صلى الله عليه وسلم : « مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين » ليس أمرا منه للصبيان بالصلاة .
لكن إن أفهمت القرينة أن الواسطة مجرد مبلغ كان الأمر بالأمر أمرا للمأمور الثاني ، ومنه « أن عمر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض ، فقال : مره فليراجعها » . وليس من موضوع هذه المسألة ما لو صرح الأمر بالتبليغ نحو قوله : ( قل لفلان يفعل كذا ) فإن هذا أمر للثاني بلا خلاف .
تكرار الأمر :

(7/306)


9 - إذا كرر الآمر الأمر قبل أن ينفذ المأمور الأمر الأول ، فقد يتعين الثاني للتأكيد ، كما في نحو : صم هذا اليوم ، صم هذا اليوم ، إذ لا يصام اليوم مرتين . ونحو : اسقني اسقني ، فإن الحاجة التي دعت إلى طلب الماء تندفع بالشرب الأول . فإن دار الثاني بين التأسيس والتأكيد فقيل : يحمل على التأسيس احتياطا ، ويكون المطلوب الإتيان بالفعل مكررا . وقيل : يحمل على التأكيد لكثرته في الكلام .
امتثال الآمر يقتضي الإجزاء :
10 - المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجهه كما طلب مع الشرائط والأركان ، يستلزم الإجزاء اتفاقا ، إذا فسر الإجزاء بالامتثال .
أما إن فسر الإجزاء بسقوط القضاء ، فإن الإتيان بالمأمور به على وجهه يسقطه كذلك عند الجمهور ، خلافا للقاضي عبد الجبار المعتزلي .
تعارض الأمر والنهي :
11 - النهي عند الأصوليين يترجح على الأمر ، لأن دفع المفسدة المستفادة من النهي أولى من جلب المنفعة ، ولذا يترجح حديث النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة على حديث الأمر بصلاة ركعتين قبل الجلوس في المسجد ، في حق من دخل المسجد قبيل غروب الشمس مثلا . وفي هذه المسائل المتقدمة خلافات وتفصيلات أوسع مما تقدم ، فليرجع إليها ضمن مباحث الأمر من كتب أصول الفقه ، والملحق الأصولي .
الأحكام الفقهية إجمالا :
طاعة الأوامر :
12 - تجب طاعة أوامر الله تعالى التي تقتضي الوجوب ، وكذلك أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم . ويطاع سواهما في غير المعصية ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم « السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية » فيطاع الأبوان وولي الأمر ونوابه في غير الحرام . ( ر : طاعة ) .
الأمر في الجنايات :

(7/307)


13 - من أمر إنسانا بقتل إنسان فقتله ، فالقصاص على القاتل دون الآمر ، إن كان القاتل مكلفا ، لكن إن كان للآمر ولاية على المأمور ، أو خاف المأمور على نفسه لو لم يفعل ، ففي وجوب القصاص عليهما أو على أحدهما خلاف وتفصيل .
ينظر في ( إكراه ، وقتل ، وقصاص )
ضمان الآمر :
14 - من أمر غيره بعمل ، فأتلف شيئا ، فالضمان على المتلف لا على الآمر ، ويستثنى من ذلك صور منها : أن يكون الآمر سلطانا أو أبا ، أو يكون المأمور صغيرا أو مجنونا أو أجيرا لدى الآمر . وفي ذلك تفصيل يرجع إليه في مصطلح ( ضمان وإكراه ) .
الإيجاب أو القبول بصيغة الأمر :
15 - إذا قال : بعني هذا الثوب بعشرين ، فقال : بعتك بها ، انعقد البيع وصح . وكذا لو قال البائع : اشتر مني هذا الثوب بكذا ، فقال : اشتريته به ، لصدق حد الإيجاب والقبول عليهما . وكذا في التزويج ، لو قال لرجل : زوجني ابنتك ، فقال : زوجتكها ، ينعقد النكاح . وهذا بخلاف الاستفهام أو التمني مثلا ، فلا ينعقد بهما العقد . كما لو قال : أتبيعني هذا الثوب بكذا فقال : بعتكه بها . وفي ذلك تفصيل ، وفي بعضه خلاف ( ر : صيغة ، عقد ، زواج ) .
امرأة *
التعريف :
1 - المرء هو الإنسان ، والأنثى منه ( مرأة ) بإضافة تاء التأنيث ، وقد تلحق بها همزة الوصل فتصبح ( امرأة ) وهي اسم للبالغة .
وهذا في اللغة والاصطلاح . إلا أنها في بعض الأبواب كالمواريث تصدق على الصغير والكبير .
الحكم الإجمالي :
2 - يمكن إجمال ما يتعلق بالمرأة من أحكام غالبا فيما يأتي :
أ - المرأة كإنسان لها حق الرعاية في طفولتها من تربية وتعليم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من كانت له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها ، وعلمها فأحسن تعليمها ، وأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه ، كانت له منعة وسترة من النار » .

(7/308)


وإذا رشدت كانت لها ذمتها المالية المستقلة ، وصار لها حرية التعبير عن إرادتها ، ولذلك لا تزوج بدون إذنها .
ب - والمرأة كأنثى ، مطالبة بالمحافظة على مظاهر أنوثتها ، فلها أن تتزين بزينة النساء ، ويحرم عليها التشبه بالرجال . ومطالبة كذلك بالتستر وعدم الاختلاط بالرجال الأجانب أو الخلوة بهم ، ولذلك تقف في الصلاة متأخرة عن صفوف الرجال .
ج - والمرأة كمسلمة ، مطالبة بكل التكاليف الشرعية التي فرضها الله على عباده ، مع الاختلاف عن الذكر في بعض هيئات العبادة .
د - والمرأة اختصها الله سبحانه وتعالى بالحيض والحمل والولادة ، وترتب على ذلك بعض الأحكام الفقهية كالتخفيف عنها في العبادات في هذه الحالات .
هـ - ولضعف المرأة في الخلقة والتكوين ، فإنها لا تتولى من الأعمال ما يحتاج إلى بذل الجهد الجسدي والذهني كالإمارة والقضاء ، ولم يفرض عليها الجهاد في الجملة ، وكانت شهادتها على النصف من شهادة الرجل .
و - ولأن المرأة أكثر حنانا وشفقة من الرجل كان حقها في الحضانة مقدما على الرجل .
ز - والأصل أن يكون عمل المرأة هو رعاية بيتها وزوجها وأولادها ، لذلك كانت نفقتها على زوجها ولو كانت غنية . وكان الرجل قواما عليها ، يقول الله تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } .
وتفصيل كل هذه الأمور ينظر في مصطلح ( أنوثة ) .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر *
التعريف :
1 - الأمر في اللغة : كلام دال على طلب الفعل ، أو قول القائل لمن دونه : افعل .
وأمرت بالمعروف : أي بالخير والإحسان .

(7/309)


ويقول ابن الأثير : المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه ، والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات ، ونهى عنه من المقبحات . وهو من الصفات الغالبة أي معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه .
والأمر بالمعروف في اصطلاح الفقهاء : هو الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الذي جاء به من عند الله ، وأصل المعروف : كل ما كان معروفا فعله جميلا غير مستقبح عند أهل الإيمان ، ولا يستنكرون فعله .
أما النهي عن المنكر ، فإن النهي في اللغة : ضد الأمر ، وهو قول القائل لمن دونه : لا تفعل . والمنكر لغة : الأمر القبيح .
وفي الاصطلاح : المنكر ما ليس فيه رضى الله من قول أو فعل . فالنهي عن المنكر في الاصطلاح : طلب الكف عن فعل ما ليس فيه رضى الله تعالى .
هذا ، وقد عرف الزبيدي الأمر بالمعروف بقوله : هو ما قبله العقل ، وأقره الشرع ، ووافق كرم الطبع . والنهي عن المنكر : هو ما ليس فيه رضى الله تعالى من قول أو فعل .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الحسبة :
2 - الاحتساب في اللغة : العد والحساب ونحوه ، ومنه احتساب الأجر عند الله ، أي : طلبه كما في الحديث : « من مات له ولد فاحتسبه » أي : احتسب الأجر بصبره على مصيبته به ، قال صاحب اللسان : معناه عد مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها . وفي الشريعة يتناول كل مشروع يؤدى لله تعالى ، كالأذان والإقامة وأداء الشهادة . إلخ ، ولهذا قيل : القضاء باب من أبواب الحسبة .
قال التهانوي : واختص في العرف بأمور منها : إراقة الخمر وكسر المعازف وإصلاح الشوارع . والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه ، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله .

(7/310)


والحسبة من الولايات الإسلامية التي يقصد بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من اختصاص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم . ومما يقارب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : النصح والإرشاد ، وقد سبقت المقارنة بينهما في مصطلح ( إرشاد ) .
الحكم التكليفي :
3 - اتفق الأئمة على مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحكى الإمام النووي وابن حزم الإجماع على وجوبه ، وتطابقت آيات الكتاب وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين على أنه من النصيحة التي هي الدين . قال الله تعالى : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » .
قال الإمام الغزالي : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل الدين ، وأساس رسالة المرسلين ، ولو طوي بساطه ، وأهمل علمه وعمله ، لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة ، وعمت الفوضى ، وهلك العباد .
إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في حكمه ، هل هو فرض عين ، أو فرض كفاية ، أو نافلة ؟ أو يأخذ حكم المأمور به والمنهي عنه ، أو يكون تابعا لقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد . على أربعة مذاهب :
المذهب الأول : أنه فرض كفاية . وهو مذهب جمهور أهل السنة ، وبه قال الضحاك من أئمة التابعين والطبري وأحمد بن حنبل .
المذهب الثاني : أنه فرض عين في مواضع :
أ - إذا كان المنكر في موضع لا يعلم به إلا هو ، وكان متمكنا من إزالته .
ب - من يرى المنكر من زوجته أو ولده ، أو يرى الإخلال بشيء من الواجبات .
ج - والي الحسبة ، فإنه يتعين عليه ، لاختصاصه بهذا الفرض .
المذهب الثالث : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نافلة ، وهو مذهب الحسن البصري وابن شبرمة .

(7/311)


المذهب الرابع : التفصيل ، وقد اختلفوا على ثلاثة أقوال :
القول الأول : إن الأمر والنهي يكون واجبا في الواجب فعله أو في الواجب تركه ، ومندوبا في المندوب فعله أو في المندوب تركه هكذا ، وهو رأي جلال الدين البلقيني والأذرعي من الشافعية .
القول الثاني : فرق أبو علي الجبائي من المعتزلة بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال : إن الأمر بالواجب واجب ، وبالنافلة نافلة ، وأما المنكر فكله من باب واحد ، ويجب النهي عن جميعه .
القول الثالث : لابن تيمية وابن القيم وعز الدين بن عبد السلام ، قالوا : إن مقصود النهي عن المنكر أن يزول ويخلفه ضده ، أو يقل وإن لم يزل بجملته ، أو يخلفه ما هو مثله ، أو يخلفه ما هو شر منه ، والأولان مشروعان ، والثالث موضع اجتهاد ، والرابع محرم .
أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
4 - عقد الغزالي في إحياء علوم الدين مبحثا جيدا لأركانه ، وحاصله ما يلي : الأركان اللازمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربعة ، وهي :
( أ ) الأمر .
( ب ) ما فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( المأمور فيه ) .
( ج ) نفس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( الصيغة ) .
( د ) المأمور . ثم بين أن لكل ركن من الأركان شروطه الخاصة به على النحو التالي :
أولا : الآمر وشروطه :
أ - التكليف ، ولا يخفى وجه اشتراطه ، فإن غير المكلف لا يلزمه أمر ، وما ذكر يراد به شرط الوجوب ، فأما إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا العقل .
ب - الإيمان ، ولا يخفى وجه اشتراطه ، لأن هذا نصرة للدين ، فكيف يكون من أهله من هو جاحد لأصله ومن أعدائه .

(7/312)


ج - العدالة : وقد اختلفوا في هذا الشرط ، فاعتبرها قوم ، وقالوا : ليس للفاسق أن يأمر وينهى ، واستدلوا بقوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } . وقوله تعالى : { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } . وقال آخرون : لا تشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العصمة من المعاصي كلها ، وإلا كان خرقا للإجماع ، ولهذا قال سعيد بن جبير : إذا لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء . وقد ذكر ذلك عند مالك فأعجبه .
واستدل أصحاب هذا الرأي بأن لشارب الخمر أن يجاهد في سبيل الله ، وكذلك ظالم اليتيم ، ولم يمنعوا من ذلك لا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بعده .
ثانيا : محل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطه :
أ - كون المأمور به معروفا في الشرع ، وكون المنهي عنه محظور الوقوع في الشرع .
ب - أن يكون موجودا في الحال ، وهذا احتراز عما فرغ منه .
ج - أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس ، فكل من أغلق بابه لا يجوز التجسس عليه ، وقد نهى الله عن ذلك فقال : { ولا تجسسوا } وقال : { وأتوا البيوت من أبوابها } وقال : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } .
د - أن يكون المنكر متفقا على تحريمه بغير خلاف معتبر ، فكل ما هو محل اجتهاد فليس محلا للإنكار ، بل يكون محلا للإرشاد ، ينظر مصطلح ( إرشاد ) .
ثالثا : الشخص المأمور أو المنهي :
وشرطه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع منه في حقه منكرا ، ولا يشترط كونه مكلفا ، إذ لو شرب الصبي الخمر منع منه وأنكر عليه ، وإن كان قبل البلوغ . ولا يشترط كونه مميزا ، فالمجنون أو الصبي غير المميز لو وجدا يرتكبان منكرا لوجب منعهما منه .
رابعا : نفس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

(7/313)


وله درجات وآداب . أما الدرجات فأولها التعريف ، ثم النهي ، ثم الوعظ والنصح ، ثم التعنيف ، ثم التغيير باليد ، ثم التهديد بالضرب ، ثم إيقاع الضرب ، ثم شهر السلاح ، ثم الاستظهار فيه بالأعوان والجنود . وسيأتي تفصيل ذلك .
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
5 - يرى جمهور الفقهاء أن المراتب الأساسية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاث ، وذلك لحديث أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان »
فمن وسائل الإنكار التعريف باللطف والرفق ، ليكون أبلغ في الموعظة والنصيحة ، وخاصة لأصحاب الجاه والعزة والسلطان وللظالم المخوف شره ، فهو أدعى إلى قبوله الموعظة . وأعلى المراتب اليد ، فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله ، وينزع المغصوب ، ويرده إلى أصحابه بنفسه ، فإذا انتهى الأمر بذلك إلى شهر السلاح ربط الأمر بالسلطان . وقد فصل الغزالي في الإحياء مراتب الأمر والنهي وقسمها إلى سبع مراتب ، تنظر في مصطلح ( حسبة ) .
هذا ويجب قتال المقيمين على المعاصي الموبقات ، المصرين عليها المجاهرين بها على كل أحد من الناس إذا لم يرتدعوا - وهذا بالنسبة للإمام - لأننا مأمورون بوجوب التغيير عليهم ، والنكير بما أمكن باليد ، فإذا لم يستطع فلينكر بلسانه ، وذلك إذا رجا أنه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ويتركوه ، فإن خاف على نفسه أو على عضو من أعضائه ، أنكر بقلبه . فلو قدر واحد باليد وآخرون باللسان تعين على الأول ، إلا أن يكون التأثير باللسان أقرب ، أو أنه يتأثر به ظاهرا وباطنا ، في حين لا يتأثر بذي اليد إلا ظاهرا فقط ، فيتعين على ذي اللسان حينئذ .

(7/314)


6- ولا يسقط الإنكار بالقلب عن المكلف باليد أو اللسان أصلا ، إذ هو كراهة المعصية ، وهو واجب على كل مكلف ، فإن عجز المكلف عن الإنكار باللسان وقدر على التعبيس والهجر والنظر شزرا لزمه ، ولا يكفيه إنكار القلب ، فإن خاف على نفسه أنكر بالقلب واجتنب صاحب المعصية . قال ابن مسعود رضي الله عنه :" جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا ".
أخذ الأجر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
7 - الأصل أن كل طاعة لا يجوز الاستئجار عليها ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأذان والحج وتعليم القرآن والجهاد . وهو رأي للحنفية ومذهب الإمام أحمد ، لما روي عن عثمان بن أبي العاص قال : « إن آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا » وما رواه « عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة ، فأهدى إلي رجل منهم قوسا ، قلت : قوس وليس بمال ، أتقلدها في سبيل الله ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها »
وأجاز الشافعي ومالك ومتأخرو الحنفية ذلك ، وهو رواية عن أحمد ، وقال به أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر ، " لأن « رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلا بما معه من القرآن » وجعل ذلك يقوم مقام المهر . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله » على أن المحتسب المعين يفرض له كفايته من بيت المال ، ما يفرض للقضاة وأصحاب الولايات ، بخلاف المتطوع لأنه غير متفرغ لذلك . ( ر : إجارة ) .
أمرد *
التعريف :
1 - الأمرد في اللغة من المرد ، وهو نقاء الخدين من الشعر ، يقال : مرد الغلام مردا : إذا طر شاربه ولم تنبت لحيته .

(7/315)


وفي اصطلاح الفقهاء هو : من لم تنبت لحيته ، ولم يصل إلى أوان إنباتها في غالب الناس والظاهر أن طرور الشارب وبلوغه مبلغ الرجال ليس بقيد ، بل هو بيان لغايته ، وأن ابتداءه حين بلوغه سنا تشتهيه النساء .
الألفاظ ذات الصلة :
الأجرد :
2 - الأجرد في اللغة هو : من لا شعر على جسده ، والمرأة جرداء . وفي الاصطلاح : الذي ليس على وجهه شعر ، وقد مضى أوان طلوع لحيته . ويقال له في اللغة أيضا : ثط وأثط . ( ر : أجرد ) أما إذا كان على جميع بدنه شعر فهو : أشعر .
المراهق :
3 - إذا قارب الغلام الاحتلام ولم يحتلم فهو مراهق . فيقال : جارية مراهقة ، وغلام مراهق ، ويقال أيضا : جارية راهقة وغلام راهق .
الأحكام الإجمالية المتعلقة بالأمرد :
أولا : النظر والخلوة :
4 - إن كان الأمرد غير صبيح ولا يفتن ، فقد نص الحنفية والشافعية على أنه يأخذ حكم غيره من الرجال . أما إن كان صبيحا حسنا يفتن ، وضابطه أن يكون جميلا بحسب طبع الناظر ولو كان أسود ، لأن الحسن يختلف باختلاف الطباع فله في هذه الصورة حالتان : الأولى : أن يكون النظر والخلوة وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالأمر بلا قصد الالتذاذ ، والناظر مع ذلك آمن الفتنة ، كنظر الرجل إلى ولده أو أخيه الأمرد الصبيح ، فهو في غالب الأحوال لا يكون بتلذذ ، فهذا مباح ولا إثم فيه عند جمهور الفقهاء .
الثانية : أن يكون ذلك بلذة وشهوة ، فالنظر إليه حرام .
وقد ذكر الحنفية والشافعية أن الأمرد يلحق بالمرأة في النظر إن كان بشهوة ، ولو مع الشك في وجودها ، وحرمة النظر إليه بشبهة أعظم إثما ، قالوا : لأن خشية الفتنة به عند بعض الناس أعظم منها .

(7/316)


أما الخلوة بالأمرد فهي كالنظر ، بل أقرب إلى المفسدة حتى رأى الشافعية حرمة خلوة الأمرد بالأمرد وإن تعدد ، أو خلوة الرجل بالأمرد وإن تعدد . نعم إن لم تكن هناك ريبة فلا تحرم كشارع ومسجد مطروق .
ثانيا : مصافحة الأمرد :
5 - جمهور الفقهاء على حرمة مس ومصافحة الأمرد الصبيح بقصد التلذذ ، وذلك لأن المس بشهوة عندهم كالنظر بل أقوى وأبلغ منه .
ويرى الحنفية كراهة مس الأمرد ومصافحته .
ثالثا : انتقاض الوضوء بمس الأمرد :
6 - يرى المالكية ، وهو قول للإمام أحمد إنه ينتقض الوضوء بلمس الأمرد الصبيح لشهوة . ويرى الشافعية ، وهو القول الآخر لأحمد عدم انتقاضه .
رابعا : إمامة الأمرد :
7 - جمهور الفقهاء ( الحنفية والشافعية والحنابلة ) على أنه تكره الصلاة خلف الأمرد الصبيح ، وذلك لأنه محل فتنة . ولم نجد نصا للمالكية في هذه المسألة .
خامسا : ما يراعى في التعامل مع الأمرد وتطبيبه :
8 - التعامل مع الأمرد الصبيح من غير المحارم ينبغي أن يكون مع شيء من الحذر غالبا ولو في مقام تعليمهم وتأديبهم لما فيه من الآفات .
وعند الحاجة إلى معاملة الأمرد للتعليم أو نحوه ينبغي الاقتصار على قدر الحاجة ، وبشرط السلامة وحفظ قلبه وجوارحه عند التعامل معهم ، وحملهم على الجد والتأدب ومجانبة الانبساط معهم . والأصل : أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز ، حيث يجب سد الذريعة إلى الفساد إذا لم يعارضها مصلحة .
إمساك *
التعريف :
1 - من معاني الإمساك في اللغة القبض . يقال : أمسكته بيدي إمساكا : قبضته ، ومن معانيه أيضا الكف يقال : أمسكت عن الأمر : كففت عنه .

(7/317)


واستعمله الفقهاء أيضا في هذين المعنيين في مواضع مختلفة ، لأن مرادهم بالإمساك في الجنايات القبض باليد . فإذا أمسك رجل آخر فقتله الثالث يقتل الممسك قصاصا عند المالكية إذا كان الإمساك بقصد القتل ، وعند غيرهم لا يقتل كما سيأتي . ومرادهم بالإمساك في الصيام : الكف عن المفطرات والامتناع عن الأكل والشرب والجماع ، كما صرحوا بذلك .
الألفاظ ذات الصلة :
الاحتباس :
2 - الاحتباس لغة : هو المنع من حرية السعي ، ويختص بما يحبسه الإنسان لنفسه . تقول : احتبست الشيء : إذا اختصصته لنفسك خاصة .
ويطلق الاحتباس عند الفقهاء على تسليم المرأة نفسها لزوجها ، كما قالوا : إن النفقة جزاء الاحتباس . كما يطلقون الاحتباس أو الحبس على الوقف ، لما فيه من منع التصرف فيه ، وعلى هذا فالاحتباس أخص من الإمساك .
الحكم الإجمالي :
يختلف حكم الإمساك باختلاف الموضوعات التي ذكر فيها : من الصيام ، والصيد ، والطلاق ، والقصاص .
أولا : إمساك الصيد :
3 - يطلق إمساك الصيد على الاصطياد ، وعلى إبقاء الصيد في اليد بدلا من إرساله ، وقد اتفق الفقهاء على أن إمساك صيد البر حرام إذا كان في حالة الإحرام ، أو كان في داخل حدود الحرم . وكذلك الدلالة والإشارة إلى الصيد والإعانة في قتله ، كما هو مبين في مصطلح ( إحرام ) على تفصيل في ذلك .
4 - ويجوز الاصطياد بجوارح السباع والطير ، كالكلب والفهد والبازي والشاهين ، ويشترط في الجارح أن يمسك الصيد على صاحبه . بشرط كونه معلما .

(7/318)


والإمساك على صاحبه شرط من شروط كون الكلب معلما عند الجمهور ، فإنهم صرحوا أن تعليم الكلب هو أنه إذا أرسل اتبع الصيد . وإذا أخذه أمسكه على صاحبه . ولا يأكل منه شيئا . حتى لو أخذ صيدا فأكل منه لا يؤكل عند الجمهور ، بدليل قوله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } إشارة إلى أن حد تعليم الكلب وما هو في معناه هو الإمساك على صاحبه وترك الأكل منه ، والكلب الذي يأكل إنما أمسك على نفسه لا على صاحبه ، فكان فعله مضافا إليه لا إلى المرسل فلا يجوز أكله . واستدل لذلك بحديث « عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : فإن أكل فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه » .
وقال مالك وهو رواية عن أحمد : إن الإمساك ليس شرطا في تعليم الحيوان الذي يرسل إلى الصيد . فالحيوان المعلم هو الذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر ، لأن التعليم إنما شرط حالة الاصطياد وهي حالة الاتباع . أما الإمساك على صاحبه وترك الأكل فيكونان بعد الفراغ عن الاصطياد فلا يشترطان . وتفصيله في مصطلح ( صيد ) .
ثانيا : الإمساك في الصيام :
5 - الإمساك عن الأكل والشرب والجماع بشرائط مخصوصة هو معنى الصيام عند الفقهاء . وهناك إمساك لا يعد صوما ، لكنه واجب في أحوال منها : ما إذا أفطر لاعتقاده أن اليوم من شعبان ، فتبين أنه من رمضان ، لزمه الإمساك عن جميع المفطرات لحرمة الشهر ، وإن كان لا يحتسب إمساكه هذا صوما .
كذلك يلزم إمساك بقية اليوم لكل من أفطر في نهار رمضان والصوم لازم له ، كالمفطر بغير عذر ، والمفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع ، أو ظن أن الشمس قد غابت ولم تغب ، مع وجوب القضاء عند عامة الفقهاء .

(7/319)


6- أما من يباح له الفطر وزال عذره في نهار رمضان كما لو بلغ الصبي ، أو أفاق المجنون ، أو أسلم الكافر ، أو صح المريض أو أقام المسافر ، أو طهرت الحائض والنفساء ، فالمالكية وكذا الشافعية في الأصح والحنابلة في رواية على عدم وجوب الإمساك عليهم بقية يومهم . وصرح بعضهم باستحباب إمساكهم لحرمة الشهر .
أما الحنفية والشافعية في قولهم الثاني والحنابلة في رواية فقد صرحوا بوجوب الإمساك عليهم بقية يومهم ، كما إذا قامت البينة على رؤية هلال رمضان في أثناء النهار . وللفقهاء في صوم يوم الشك خلاف وتفصيل ، لكن المالكية صرحوا بأنه يندب الإمساك عن المفطر في يوم الشك بقدر ما جرت العادة بالثبوت فيه ليتحقق الحال .
وللتفصيل في هذه المسائل يرجع إلى مصطلح ( صيام ) .
ثالثا : الإمساك في القصاص :
7 - إن أمسك شخص إنسانا وقتله آخر فلا خلاف أن القاتل يقتل قصاصا . أما الممسك فإن لم يعلم أن الجاني كان يريد القتل فلا قصاص عليه اتفاقا ، لأنه متسبب والقاتل مباشر ، والقاعدة الفقهية تقول : ( إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر ) .
كذلك إذا كان الإمساك بقصد القتل بحيث لولا إمساكه له لما أدركه القاتل مع علم الممسك بأن الجاني قاصد قتله فقتله الثالث فالحنفية والشافعية على أنه لا يقتص من الممسك ، لتقديم المباشر على المتسبب .
وقال مالك وهو رواية عن أحمد : يقتص من الممسك لتسببه كما يقتص من القاتل لمباشرته ، لأنه لو لم يمسكه لما قدر القاتل على قتله ، وبإمساكه تمكن من قتله ، فيكونان شريكين . وروي عن أحمد أن من أمسك شخصا ليقتله الطالب يحبس الممسك حتى يموت . لأنه أمسك القتيل حتى الموت . وتفصيله في مصطلح ( قصاص )
رابعا : الإمساك في الطلاق :

(7/320)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية