صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية 1-39 وملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الكتاب : ملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
..........................................................
ويليه من الجزء 40 إلى 42
الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر : ملتقى أهل الحديث.
الجزء : من حرف النون ناقصا بعض المصطلحات في النهاية ,إلى حرف الواو كلمة : وضوء.
قام بتنسيقه وفهرسته للموسوعة الشاملة 2 أبوعمر(80)
لملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
سائلا الله عز وجل أن يغفر له ولوالديه بمنه وكرمه
وأن يجعل عمله خالصا لوجهه الكريم

أما من به عذر شرعي يمنعه من الاستقبال فقد تعرض الفقهاء للصور الآتية منه وهي : الخوف على النفس ، وذكره الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ، وذلك كالخوف من سبع وعدو ، فله حينئذ أن يتوجه إلى جهة قدر عليها ، ومثله الهارب من العدو راكبا يصلي على دابته . وذكر الحنفية من صور العذر : الخوف من الانقطاع عن رفقته ، لما في ذلك من الضرر . وذكر الشافعية من ذلك : الاستيحاش وإن لم يتضرر بانقطاعه عن رفقته . وذكر الحنفية والمالكية من الأعذار : الخوف من أن تتلوث ثيابه بالطين ونحوه لو نزل عن دابته . واشترط الحنفية عجزه عن النزول ، فإن قدر عليه نزل وصلى واقفا بالإيماء ، وإن قدر على القعود دون السجود أومأ قاعدا . وعد الحنفية والشافعية من الأعذار : ما لو خاف على ماله - ملكا أو أمانة - لو نزل عن دابته . وذكر الحنفية والشافعية من الأعذار : العجز عن الركوب فيمن احتاج في ركوبه بعد نزوله للصلاة إلى معين ولا يجده ، كأن كانت الدابة جموحا ، أو كان هو ضعيفا فله ألا ينزل . ومن الأعذار : الخوف وقت التحام القتال ، فقد اتفقت المذاهب الأربعة على أن يسقط شرط الاستقبال في حال المسايفة وقت التحام الصفوف في شدة الخوف إذا عجز المصلي عنه . ولمعرفة ماهية هذا القتال ، وما يلحق به ، ووقت صلاته ، وإعادتها حين الأمن ، وبقية أحكامها ( ر : صلاة الخوف ) .
استقبال المتنفل على الراحلة في السفر :
39 - اتفق الفقهاء على جواز التنفل على الراحلة في السفر لجهة سفره ولو لغير القبلة ولو بلا عذر ، لأنه صلى الله عليه وسلم : « كان يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به » وفسر قوله تعالى : { فأينما تولوا فثم وجه الله } بالتوجه في نفل السفر . وفي الشروط المجوزة لذلك خلاف فصله الفقهاء في مبحث صلاة المسافر ، والصلاة على الراحلة .

(5/81)


استقبال المتنفل ماشيا في السفر :
40 - مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، وإحدى الروايتين عن أحمد ، وهو كلام الخرقي من الحنابلة : أنه لا يباح للمسافر الماشي الصلاة في حال مشيه ، لأن النص إنما ورد في الراكب ، فلا يصح قياس الماشي عليه ، لأنه يحتاج إلى عمل كثير ، ومشي متتابع ينافي الصلاة فلم يصح الإلحاق . ومذهب عطاء ، والشافعي ، وهو ثانية الروايتين عن أحمد اختارها القاضي من الحنابلة : أن له أن يصلي ماشيا قياسا على الراكب ، لأن المشي إحدى حالتي سير المسافر ، ولأنهما استويا في صلاة الخوف فكذا في النافلة .
والمعنى فيه أن الناس محتاجون إلى الأسفار ، فلو شرطا فيها الاستقبال للتنفل لأدى إلى ترك أورادهم أو مصالح معايشهم . ومذهب الحنابلة ، والأصح عند الشافعية : أن عليه أن يستقبل القبلة لافتتاح الصلاة ، ثم ينحرف إلى جهة سيره ، قال الشافعية : ولا يلزمه الاستقبال في السلام على القولين .
استقبال المفترض على السفينة ونحوها :
41 - اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب استقبال المفترض على السفينة في جميع أجزاء صلاته ، وذلك لتيسر الاستقبال عليه . ونص الحنفية والمالكية والحنابلة على أنه يدور معها إذا دارت . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( الصلاة في السفينة ) .
استقبال القبلة في غير الصلاة :

(5/82)


42 - قرر الفقهاء أن جهة القبلة هي أشرف الجهات ، ولذا يستحب المحافظة عليها حين الجلوس ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إن سيد المجالس ما استقبل القبلة » . قال صاحب الفروع : ويتجه في كل طاعة إلا لدليل . وقد يكون المراد من التوجه إليها تغليط الأمر وإلقاء الرهبة في قلب من طلب منه التوجه إليها ، كما في تغليظ القاضي اليمين على حالفها بذلك ( ر : إثبات ف 26 ) . على أنه قد يعرض للإنسان أحوال ترفع هذا الاستحباب ، بل قد يكون استقبالها حراما أو مكروها ( ر : قضاء الحاجة . استنجاء ) .
والجمهور على أن زائر قبر النبي صلى الله عليه وسلم يستدبر القبلة ويستقبل القبر الشريف .
استقبال غير القبلة في الصلاة :
43 - الأصل في استقبال المصلي للأشياء الإباحة ، ما دام متوجها إلى جهة القبلة ، لكن هناك أشياء معينة نهي المصلي عن أن يجعلها أمامه لاعتبارات خاصة فيها ، كأن يكون في وجودها أمامه تشبه بالمشركين ، كما في الصنم والنار والقبر ، أو لكونها قذرة أو نجسة يصان وجه المصلي ونظره عنها ، كما في الصلاة إلى الحش والمجزرة ، أو قد يكون أمامه ما يشوش عليه فكره كما في الصلاة إلى الطريق . وقد تناولها الفقهاء بالبحث في الكلام على مكروهات الصلاة . وقد يكون ذلك الشيء الذي أمام المصلي أمرا مرغوبا فيه ، لكونه علامة على موضع سجوده لمنع المارين من المرور فيما بينه وبينه ، كما في الصلاة إلى السترة . وقد بحثها الفقهاء ضمن سنن الصلاة .
استقبال غير القبلة في غير الصلاة :
44 - الأصل في توجه الإنسان إلى الأشياء في غير الصلاة الإباحة أيضا ، ولكن قد يطلب التوجه إلى المواطن الشريفة في الأحوال الشريفة طلبا لخيرها وفضلها ، كاستقبال السماء بالبصر وببطون الكفين في الدعاء .

(5/83)


كما يطلب عدم التوجه إليها في الأحوال الخسيسة ، كاستقبال قاضي الحاجة بيت المقدس أو المصحف الشريف ( ر : قضاء الحاجة ) . وقد يطلب تجنب استقبالها صيانة له عنها لنجاستها أو حفظا لبصره عن النظر إليها ، كاستقبال قاضي الحاجة مهب الريح ، واستقبال المستأذن للدخول باب المكان الذي يريد الدخول إليه .
وقد يطلب الاستقبال حفاظا على الآداب ومكارم الأخلاق وتوفيرا لحسن الإصغاء ، كما في استقبال الخطيب للقوم واستقبالهم له ، واستقبال الإمام الناس بعد الصلاة المكتوبة . وكما في استقبال الضيوف والمسافرين إبقاء على الروابط الاجتماعية متينة . ومن هذه الطاعات : الوضوء ، والتيمم ، والأذان والإقامة ، ومنه الدعاء بعد الوضوء ، والدعاء في الاستسقاء ، والذكر ، وقراءة القرآن ، وانتظار الصلاة في المسجد ، والحج في مواطن كثيرة ، تعلم بتتبع كتاب الحج كالإهلال ، وشرب ماء زمزم ، وتوجيه الهدي حين الذبح للقبلة ، وقضاء القاضي بين الخصوم ، كما هو مبين في مواضعها . كما يستحب استقبال القبلة في مواطن خاصة طلبا لبركتها وكمال العمل باستقبالها ، كما في توجيه المحتضر إليها ، وكذا الميت في قبره عند الدفن ( ر : كتاب الجنائز ) ، ومثله من أراد أن ينام ، أو أراد أن يذبح ذبيحة فيسن له أن يستقبل بها القبلة ( ر : كتاب الذبائح ) .

استقراء *
التعريف :
1 - الاستقراء لغة : التتبع ، يقال : قرأ الأمر ، وأقرأه أي : تتبعه ، واستقرأت الأشياء : تتبعت أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصها .
وعرفه الأصوليون والفقهاء بقولهم : تصفح جزئيات كلي ليحكم بحكمها على ذلك الكلي .
الألفاظ ذات الصلة :
القياس :
2 - القياس : هو إلحاق فرع بأصل في حكم لاشتراكهما في العلة .
الحكم الإجمالي :

(5/84)


3 - الاستقراء إن كان تاما بمعنى تتبع جميع الجزئيات ما عدا صورة النزاع - أي الصورة المراد معرفة حكمها - يعتبر دليلا قطعيا حتى في صورة النزاع عند الأكثر من العلماء ، وقال بعض العلماء : ليس بقطعي ، بل هو ظني ، لاحتمال مخالفة تلك الصورة لغيرها على بعد . وقد أجاز العلماء الأخذ بالاستقراء في : الحيض ، والاستحاضة ، والعدة على خلاف وتفصيل موطنه هذه المصطلحات .
4 - وإن كان الاستقراء ناقصا أي بأكثر الجزئيات الخالي عن صورة النزاع فهو ظني في تلك الصورة لا قطعي ، لاحتمال مخالفة صورة النزاع لذلك المستقرأ ، ويسمى هذا النوع : إلحاق الفرد بالأغلب . ومن أمثلة ما احتجوا فيه بالاستقراء : المعتدة عند اليأس تعتد بالأشهر ، فقال الشافعية في الراجح عندهم : يعتبر في عدة اليائسة استقراء نساء أقاربها من الأبوين الأقرب فالأقرب ، لتقاربهن طبعا وخلقا . وقال الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة - وهو رأي للشافعية - باستقراء حالات النساء واعتبار حالها بحال مثيلاتها في السن عند ذلك ، على اختلاف بينهم في ذلك يرجع إليه في مصطلح ( عدة ) ( وإياس ) .

استقراض *
التعريف :
1 - الاستقراض لغة : طلب القرض . ويستعمله الفقهاء بمعنى طلب القرض ، أو الحصول عليه ، ولو بدون طلب . والقرض ما تعطيه من مثلي ليتقاضى مثله .
الألفاظ ذات الصلة :
الاستدانة :
2 - الاستقراض أخص من الاستدانة ، فإن الدين عام شامل للقرض وغيره مما يثبت في الذمة كالسلم . والدين قد يكون له أجل ، والأجل فيه ملزم ، أما القرض فإن الأجل فيه غير ملزم عند الجمهور ،
وقال المالكية : إن اشتراطه ملزم ، وإنه ليس للمقرض مطالبة المستقرض ما لم يحل الأجل كغيره من الديون لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « المؤمنون عند شروطهم » .
الحكم الإجمالي :

(5/85)


3 - الاستقراض جائز بالنسبة للمستقرض بشروط يذكرها الفقهاء في أبواب القرض ، ونقل بعضهم الإجماع على الجواز ، وروى أبو رافع أن « النبي صلى الله عليه وسلم : استسلف من رجل بكرا ، فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره ، فرجع إليه أبو رافع ، فقال : يا رسول الله لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا ، فقال : أعطه ، فإن خير الناس أحسنهم قضاء »
وقد يعرض للاستقراض ما يخرجه عن الجواز كحرمة الاستقراض بشرط نفع للمقرض ، وكوجوب استقراض المضطر ، وغير ذلك من الأحكام التي تذكر في باب القرض . ويصح التوكيل في الاستقراض عند الشافعية والحنابلة ، ولا يصح عند الحنفية ، لأن الاستقراض طلب تبرع من المقرض فهو نوع من التكدي ( الشحاذة ) ولا يصح التوكيل فيه . والاستقراض أحيانا يحتاج إلى إذن من القاضي ، كاستقراض من حكم له بنفقة القريب على قريبه المعسر في بعض المذاهب ، ويذكر الفقهاء ذلك في أحكام النفقة .
ولو استقرض الأب من ولده فإن للولد مطالبته ، عند غير الحنابلة ، لأنه دين ثابت فجازت المطالبة به كغيره ، وقال الحنابلة : لا يطالب ، لحديث : « أنت ومالك لأبيك » .
مواطن البحث :
4 - أغلب أحكام الاستقراض عند الفقهاء تذكر في باب القرض ، وبالإضافة إلى ذلك تأتي بعض أحكامه في الشركة ، أثناء الكلام عن إذن الشريك لشريكه ، وفي الوكالة عند بيان ما تصح فيه الوكالة ، وفي الوقف في الاستدانة على الوقف ، وفي النفقة في الاستقراض على الغائب والمعسر .
استقسام *
التعريف :

(5/86)


1 - يأتي الاستقسام في اللغة بمعنى : طلب القسم بالأزلام ونحوها ، والقسم هنا : ما قدر للإنسان من خير أو شر ، ويأتي بمعنى طلب : القسم المقدر مما هو شائع ، والقسم هنا : النصيب . وقد اختلف علماء اللغة والمفسرون في المقصود بالاستقسام في قوله تعالى : { وأن تستقسموا بالأزلام } . فقال الجمهور ومنهم الأزهري والهروي وأبو جعفر وسعيد بن جبير والحسن والقفال والضحاك والسدي : معنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح ، فكان الرجل في الجاهلية إذا أراد سفرا ، أو غزوا ، أو تجارة ، أو نكاحا ، أو أو أمرا آخر ضرب بالقداح ، وكانوا قد كتبوا على بعضها " أمرني ربي " وعلى بعضها " نهاني ربي " وتركوا بعضها خاليا عن الكتابة ، فإن خرج الأمر أقدم على الفعل ، وإن خرج النهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى ، فهم يطلبون من الأزلام أن تدلهم على قسمهم . وقال المؤرج والعزيزي وجماعة من أهل اللغة : الاستقسام هنا هو الميسر المنهي عنه ، والأزلام قداح الميسر ، وكانوا إذا أرادوا أن ييسروا ابتاعوا ناقة بثمن مسمى يضمنونه لصاحبها ، ولم يدفعوا الثمن حتى يضربوا بالقداح عليها ، فيعلموا على من يجب الثمن . وذهب الفقهاء إلى ما ذهب إليه جمهور اللغويين والمفسرين من أنه الامتثال لما تخرجه الأزلام من الأمر والنهي في شئون حياتهم ، والأقداح هي أقداح الأمر والنهي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الطرق :
2 - من معاني الطرق : الضرب بالحصى ، وهو نوع من التكهن ، وشبيه الخط في الرمل ، وفي الحديث : « العيافة والطيرة والطرق من الجبت » ومن ذلك يتبين أن الطرق بالحصى والاستقسام كلاهما لطلب معرفة الحظوظ .
ب - الطيرة :
3 - هي التشاؤم ، وأصله أن العربي كان إذا أراد المضي لمهم مر بمجاثم الطير وأثارها ، فإن تيامنت مضى ، وإن تشاءمت تطير وعدل .

(5/87)


فنهى الشارع عن ذلك ففي الحديث : « ليس منا من تطير أو تطير له » وهي بهذا تشبه الاستقسام في أنها طلب معرفة قسمه من الغيب .
ج - الفأل :
4 - الفأل هو أن تسمع كلاما حسنا فتتيمن به ، والفأل ضد الطيرة ، وفي الحديث « كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويكره الطيرة » .
والفأل مستحسن إذا كان من قبيل الكلمة الحسنة يسمعها الرجل من غير قصد ، نحو : يا فلاح ويا مسعود فيستبشر بها . والفأل بهذا المعنى ليس من قبيل الاستقسام ( المنهي عنه ) أما إذا قصد بالفأل طلب معرفة الخير من الشر عن طريق أخذه من مصحف ، أو ضرب رمل ، أو قرعة ونحوها - وهو يعتقد هذا المقصد إن خرج جيدا اتبعه ، وإن خرج رديا اجتنبه - فهو حرام ، لأنه من قبيل الاستقسام المنهي عنه .
د - القرعة :
5 - القرعة : اسم مصدر بمعنى الاقتراع وهو الاختيار بإلقاء السهام ونحو ذلك . وليست القرعة من الميسر كما يقول البعض ، لأن الميسر هو القمار ، وتمييز الحقوق ليس قمارا . وليست من الاستقسام المنهي عنه ، لأن الاستقسام تعرض لدعوى علم الغيب ، وهو مما استأثر به الله تعالى ، في حين أن القرعة تمييز نصيب موجود ، فهي أمارة على إثبات حكم قطعا للخصومة ، أو لإزالة الإبهام . وعلى ذلك فالقرعة التي تكون لتمييز الحقوق مشروعة . أما القرعة التي يؤخذ منها الفأل ، أو التي يطلب بها معرفة الغيب والمستقبل فهي في معنى الاستقسام الذي حرمه الله سبحانه وتعالى .
هـ – الكهانة :

(5/88)


6 – الكهانة أو التكهن : ادعاء علم الغيب ، والكاهن هو الذي يخبر عن بعض المضمرات ، فيصيب بعضها ، ويخطئ أكثرها ، ويزعم أن الجن يخبره بذلك ، ومثل الكاهن : العراف ، والرمال ، والمنجم ، وهو الذي يخبر عن المستقبل بطلوع النجم وغروبه . وفي الحديث : « ليس منا من تطير أو تطير له ، أو تكهن أو تكهن له ، أو سحر أو سحر له » و « من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد » .
وعلى ذلك فالكهانة هي من قبيل الاستقسام الذي حرمه الله تعالى .
صفة الاستقسام : حكمه التكليفي :
7 - الاستقسام بالأزلام وما في معناها - سواء كان لطلب القسم في أمور الحياة الغيبية ، أو كان للمقامرة - ولو كان المقصود به خيرا حرام ، كما ورد في القرآن الكريم : { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } . وقوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم } ... إلى قوله { وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق } .
فهو خروج عن طاعة الله ، لأنه تعرض لعلم الغيب ، أو نوع من المقامرة ، وكلاهما منهي عنه .
إحلال الشرع الاستخارة محل الاستقسام :
8 - لما كان الإنسان بطبعه يميل إلى التعرف على طريقه ، والاطمئنان إلى أمور حياته ، فقد أوجد الشرع للإنسان ما يلجأ به إلى الله تعالى ليشرح صدره لما فيه الخير فيتجه إليه . والاستخارة طلب الخيرة في الشيء ، والتفصيل في مصطلح ( استخارة ) .

استقلال *
انظر : انفراد .
استكساب *
انظر : إنفاق ، ونفقة .
استلام *
التعريف :
1 - من معاني الاستلام في اللغة : اللمس باليد أو الفم . والاستلام مأخوذ إما من السلام أي التحية ، وإما من السلام أي الحجارة ، لما فيه من لمس الحجر .
ويستعمله الفقهاء بهذه المعاني عند الكلام عن الطواف . وقد شاع استعمال الاستلام بمعنى التسلم ، فيرجع إليه بهذا المعنى في مصطلح : ( تسلم ) .

(5/89)


الحكم الإجمالي :
2 - يتفق الفقهاء على أنه يسن استلام الحجر الأسود والركن اليماني باليد في أول الطواف ، روى ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني » . وقال ابن عمر :« ما تركت استلام هذين الركنين : اليماني والحجر منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما في شدة ولا رخاء » . ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم عليه السلام ، فسن استلامه ، كاستلام الركن الذي فيه الحجر . والاستلام في كل طوفة كالمرة الأولى عند الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، وقال المالكية بالاستحباب . والاستلام بالفم كالاستلام باليد بالنسبة للحجر ، إلا أن المالكية قالوا : إن الاستلام باليد يكون بعد العجز عن الاستلام بالفم . وفي استلام اليماني بالفم خلاف بين الفقهاء يذكر في أحكام الطواف . وعند العجز عن الاستلام باليد يستلم الإنسان بشيء في يده . فإن لم يمكنه استلامه أصلا أشار إليه وكبر لحديث ابن عباس قال : « طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر » .
وبعد الانتهاء من ركعتي الطواف يسن كذلك العود لاستلام الحجر الأسود . وهذا كله بالنسبة للرجل ، ويختلف الحال بالنسبة للمرأة في بعض الأحوال . واستلام الحجر والركن اليماني تعبدي وخصوصية لهما ، وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في أحكام الطواف .

استلحاق *
التعريف :
1 - الاستلحاق لغة : مصدر استلحق ، يقال : استلحقه ادعاه . واصطلاحا : هو الإقرار بالنسب . والتعبير بلفظ الاستلحاق هو استعمال المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وأما الحنفية فاستعملوه في الإقرار بالنسب على قلة .
صفته: حكمه التكليفي :

(5/90)


2 - جاء في حديث عمرو بن شعيب : « أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له فقد لحق بمن استلحقه » قال الخطابي : هذه أحكام وقعت في أول زمان الشريعة ، وذلك أنه كان لأهل الجاهلية إماء بغايا ، وكان سادتهن يلمون بهن ، فإذا جاءت إحداهن بولد ربما ادعاه السيد والزاني ، فألحقه النبي صلى الله عليه وسلم بالسيد ، لأن الأمة فراش كالحرة ، فإن مات السيد ولم يستلحقه ثم استلحقه ورثته بعده لحق بأبيه . وقد اتفق الفقهاء على أن حكم الاستلحاق عند الصدق واجب ، ومع الكذب في ثبوته ونفيه حرام ، ويعد من الكبائر ، لأنه كفران النعمة ، لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ، فليست من الله في شيء ، ولن يدخلها الله جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله تعالى منه ، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين يوم القيامة » .
هذا ويشترط فقهاء المذاهب لصحة الاستلحاق شروطا معينة ، منها : أن يولد مثله لمثله ، وأن يكون مجهول النسب ، وألا يكذبه المقر له إن كان من أهل الإقرار على تفصيل في مصطلح ( نسب ) وفي بابه من كتب الفقه .
استماع *
التعريف :
1 - الاستماع لغة واصطلاحا : قصد السماع بغية فهم المسموع أو الاستفادة منه .
الألفاظ ذات الصلة
أ - السماع :
2 - الاستماع لا يكون استماعا إلا إذا توفر فيه القصد ، أما السماع فإنه قد يكون بقصد ، أو بدون قصد . وغالب استعمال الفقهاء للسماع ينصرف إلى استماع آلات الملاهي ، أي بالقصد .
ب - استراق السمع :
الاستماع قد يكون على سبيل الاستخفاء ، وقد يكون على سبيل المجاهرة ، ولكن استراق السمع لا يكون إلا على سبيل الاستخفاء ، ولذلك قالوا : استراق السمع هو الاستماع مستخفيا ( ر : استراق السمع ) .
ج - التجسس :

(5/91)


الاستماع لا يكون إلا بالسمع ، أما التجسس فإنه يكون بالسمع وبغيره فضلا عن أن التجسس يكون على سبيل الاستخفاء ، في حين أن الاستماع يكون على سبيل الاستخفاء ، أو على سبيل المجاهرة ( ر : تجسس ) .
د - الإنصات :
الإنصات هو السكوت للاستماع . ويكون الاستماع إما لصوت الإنسان ، أو الحيوان ، أو الجماد .
النوع الأول : استماع صوت الإنسان .
أ - حكم استماع القرآن خارج الصلاة :
3 - الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم حين يقرأ واجب إن لم يكن هناك عذر مشروع لترك الاستماع . وقد اختلف الحنفية في هذا الوجوب ، هل هو وجوب عيني ، أو وجوب كفائي ؟ قال ابن عابدين : الأصل أن الاستماع للقرآن فرض كفاية ، لأنه لإقامة حقه ، بأن يكون ملتفتا إليه غير مضيع ، وذلك يحصل بإنصات البعض ، كما في رد السلام .
ونقل الحموي عن أستاذه قاضي القضاة يحيى الشهير بمنقاري زاده : أن له رسالة حقق فيها أن سماع القرآن فرض عين . نعم إن قوله تعالى في سورة الأعراف { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قد نزلت لنسخ جواز الكلام أثناء الصلاة . إلا أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، ولفظها يعم قراءة القرآن في الصلاة وفي غيرها .
وعند الحنابلة : يستحب استماع قراءة القرآن الكريم .

(5/92)


4 - ويعذر المستمع بترك الاستماع لتلاوة القرآن الكريم ، ولا يكون آثما بذلك - بل الآثم هو التالي ، على ما ذكره ابن عابدين - إذا وقعت التلاوة بصوت مرتفع في أماكن الاشتغال ، والمستمع في حالة اشتغال ، كالأسواق التي بنيت ليتعاطى فيها الناس أسباب الرزق ، والبيوت في حالة تعاطي أهل البيت أعمالهم من كنس وطبخ ونحو ذلك ، وفي حضرة ناس يتدارسون الفقه ، وفي المساجد ، لأن المساجد إنما بنيت للصلاة ، وقراءة القرآن تبع للصلاة ، فلا تترك الصلاة لسماع القرآن فيه . وإنما سقط إثم ترك الاستماع للقرآن في حالات الاشتغال دفعا للحرج عن الناس . قال تعالى - { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وإنما أثم القارئ بذلك ، لأنه مضيع لحرمة القرآن .
ب - طلب تلاوته للاستماع إليه :
5 - يستحب للمسلم أن يطلب ممن يعلم منه إجادة التلاوة للقرآن الكريم مع حسن الصوت التلاوة ليستمع إليها ، قال الإمام النووي : ( اعلم أن جماعات من السلف رضوان الله عليهم كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرءوا وهم يستمعون ، وهذا متفق على استحبابه ، وهو من عادة الأخيار المتعبدين وعباد الله الصالحين ، وهو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اقرأ علي ، فقلت : يا رسول الله أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ قال : نعم وفي رواية : إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } قال : حسبك الآن ، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان » .
وروى الدارمي وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي موسى الأشعري : ذكرنا ربنا ، فيقرأ عنده القرآن . والآثار في هذا كثيرة معروفة .

(5/93)


6 - قال النووي : وقد استحب العلماء أن يستفتح مجلس حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويختم بقراءة قارئ حسن الصوت مما تيسر من القرآن . وقد صرح الحنفية بأن استماع القرآن الكريم أفضل من قراءة الإنسان القرآن بنفسه ، لأن المستمع يقوم بأداء فرض بالاستماع ، بينما قراءة القرآن ليست بفرض ، قال أبو السعود في حاشيته على ملا مسكين : استماع القرآن أثوب من قراءته ، لأن استماعه فرض بخلاف القراءة .
ت - استماع التلاوة غير المشروعة :
7 - ذهب الجمهور إلى عدم جواز استماع تلاوة القرآن الكريم بالترجيع والتلحين المفرط الذي فيه التمطيط ، وإشباع الحركات . والترجيع : أي الترديد للحروف والإخراج لها من غير مخارجها . وقالوا : التالي والمستمع في الإثم سواء ، أي إذا لم ينكر عليه أو يعلمه . أما تحسين الصوت بقراءة القرآن من غير مخالفة لأصول القراءة فهو مستحب ، واستماعه حسن ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « زينوا القرآن بأصواتكم » وقوله عليه الصلاة والسلام في أبي موسى الأشعري : « لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود » . وعلى هذا يحمل قول الإمام الشافعي في الأم : لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت بها بأي وجه ما كان ، وأحب ما يقرأ إلي حدرا وتحزينا : وذهب بعض الشافعية - كالماوردي - إلى أن التغني بالقرآن حرام مطلقا ، لإخراجه عن نهجه القويم ، وقيده غيره بما إذا وصل به إلى حد لم يقل به أحد من القراء ، وذهب بعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى إلى أن قراءة القرآن بالألحان مكروهة على كل حال ، لإخراج القرآن عن نهجه القويم ، وفسروا قوله صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » بأن معناه : يستغني به .

(5/94)


8 - وفي كراهة قراءة الجماعة على الواحد - كما يفعل المتعلمون عند الشيخ وهو يستمع لهم - روايتان عند المالكية . إحداهما : أنه حسن . والثانية : الكراهة ، وهو ما ذهب إليه الحنفية ، قال ابن رشد : كان مالك يكره هذا ولا يرضاه ، ثم رجع وخففه .
وجه الكراهة : أنه إذا قرأ عليه جماعة مرة واحدة لا بد أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم ، ما دام يصغي إلى غيرهم ، ويشتغل بالرد على الذي يصغي إليه ، فقد يخطئ في ذلك الحين ويظن أنه قد سمعه ، وأجاز قراءته ، فيحمل عنه الخطأ ، ويظنه مذهبا له .
ووجه التخفيف : المشقة الداخلة على المقرئ بانفراد كل واحد حين القراءة عليه إذا كثروا ، وقد لا يعمهم ، فرأى جمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم .
ث - استماع الكافر القرآن :
9 - لا يمنع الكافر من الاستماع إليه ، لقوله جل شأنه : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } . ورجاء أن يشرح الله صدره للإسلام فيهتدي .
ج- استماع القرآن في الصلاة :
10- ذهب الحنفية إلى أن استماع المأموم في الصلاة لقراءة الإمام والإنصات إليه واجب ، وقراءته مكروهة كراهة تحريمية ، سواء أكان ذلك في الجهرية أم السرية .
وذهب المالكية إلى أن استماع المأموم لقراءة الإمام تستحب في الجهرية ،
أما السرية فإنها تستحب فيها القراءة على المعتمد ، خلافا لابن العربي حيث ذهب إلى وجوبها في السرية . وذهب الشافعية إلى أن قراءة المأموم الفاتحة في السرية والجهرية واجبة ، وإن فاته الاستماع . وذهب الحنابلة إلى أنه يستحب للمأموم الاستماع إذا كان يسمع قراءة الإمام في الجهرية ، وتفصيل ذلك في مصطلح ( قراءة ) .
ح - استماع آية السجدة :

(5/95)


11 - يترتب على استماع أو سماع آية من آيات السجدة السجود للتلاوة ، على خلاف بين الفقهاء في حكم السجود ، تجده مع أدلته في مصطلح ( سجود التلاوة ) .
ثانيا : استماع غير القرآن الكريم :
أ - حكم استماع خطبة الجمعة :
اختلف الفقهاء في حكم الاستماع والإنصات للخطبة .
12 - فذهب الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة ، والأوزاعي إلى وجوب الاستماع والإنصات ، وهو ما ذهب إليه عثمان بن عفان ، وعبد الله بن عمر ، وابن مسعود ، حتى قال الحنفية : كل ما حرم في الصلاة حرم في الخطبة ، فيحرم أكل ، وشرب ، وكلام ، ولو تسبيحا ، أو رد سلام ، أو أمرا بمعروف ، أو نهيا عن منكر . واستدلوا على ذلك : - بقوله تعالى : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } - وبأن الخطبة كالصلاة ، فهي قائمة مقام ركعتين من الفريضة ، ولم يستثن الحنفية والحنابلة من ذلك إلا تحذير من خيف هلاكه ، لأنه يجب لحق آدمي ، وهو محتاج إليه ، أما الإنصات فهو لحق الله تعالى ، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة . واستثنى المالكية أيضا : الذكر الخفيف إن كان له سبب ، كالتهليل ، والتحميد ، والاستغفار ، والتعوذ ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لكنهم اختلفوا في وجوب الإسرار بهذه الأذكار الخفيفة . واستدل من قال بوجوب الاستماع للخطبة بما رواه أبو هريرة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت - والإمام يخطب - فقد لغوت » .

(5/96)


13 - وذهب الشافعية إلى أن الاستماع والإنصات أثناء الخطبة سنة ، ولا يحرم الكلام ، بل يكره ، وحكى ذلك النووي عن عروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، والنخعي ، والثوري ، وهو رواية عن الإمام أحمد . واستدلوا على الكراهة بالجمع بين حديث : « إذا قلت لصاحبك : أنصت ، فقد لغوت » وخبر الصحيحين عن أنس : « فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابي فقال : يا رسول الله ، هلك المال وجاع العيال فادع لنا أن يسقينا . قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وما في السماء قزعة ... » وإن عرض له ناجز كتعليم خير ، ونهي عن منكر ، وإنذار إنسان عقربا ، أو أعمى بئرا لم يمنع من الكلام ، لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت ، ويباح له - أي الكلام - بلا كراهة . ويباح الكلام عند الشافعية للداخل في أثناء الخطبة ما لم يجلس ، كما صرحوا بأنه لو سلم داخل على مستمع الخطبة وهو يخطب ، وجب الرد عليه بناء على أن الإنصات سنة ، ويستحب تشميت العاطس إذا حمد الله ، لعموم الأدلة ، وإنما لم يكره كسائر الكلام لأن سببه قهري .
14 - وذهب الحنابلة والشافعية إلى أن للبعيد الذي لا يسمع صوت الخطيب أن يقرأ القرآن ، ويذكر الله تعالى ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يرفع صوته ، لأنه إن رفع صوته منع من هو أقرب منه من الاستماع ، وهذا مروي عن عطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن جبير ، وعلقمة بن قيس ، وإبراهيم النخعي ، حتى قال النخعي : إني لأقرأ جزئي إذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة . وسأل إبراهيم النخعي علقمة : أقرأ في نفسي أثناء الخطبة ؟ فقال علقمة : لعل ذلك ألا يكون به بأس .
ب - استماع صوت المرأة :

(5/97)


15 - إذا كان مبعث الأصواتس هو الإنسان ، فإن هذا الصوت إما أن يكون غير موزون ولا مطرب ، أو يكون مطربا . فإن كان الصوت غير مطرب ، فإما أن يكون صوت رجل أو صوت امرأة ، فإن كان صوت رجل : فلا قائل بتحريم استماعه .
أما إن كان صوت امرأة ، فإن كان السامع يتلذذ به ، أو خاف على نفسه فتنة حرم عليه استماعه ، وإلا فلا يحرم ، ويحمل استماع الصحابة رضوان الله عليهم أصوات النساء حين محادثتهن على هذا ، وليس للمرأة ترخيم الصوت وتنغيمه وتليينه ، لما فيه من إثارة الفتنة ، وذلك لقوله تعالى : { فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض } .
وأما إن كان الصوت مطربا فهذا الغناء استماع ، وفيما يلي تفصيل القول فيه :
ج - الاستماع إلى الغناء :
16 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن استماع الغناء يكون محرما في الحالات التالية :
أ - إذا صاحبه منكر .
ب - إذا خشي أن يؤدي إلى فتنة كتعلق بامرأة ، أو بأمرد ، أو هيجان شهوة مؤدية إلى الزنى .
ج - إن كان يؤدي إلى ترك واجب ديني كالصلاة ، أو دنيوي كأداء عمله الواجب عليه ، أما إذا أدى إلى ترك المندوبات فيكون مكروها . كقيام الليل ، والدعاء في الأسحار ونحو ذلك .
الغناء للترويح عن النفس :
أما إذا كان الغناء بقصد الترويح عن النفس ، وكان خاليا عن المعاني السابقة فقد اختلف فيه ، فمنعه جماعة وأجازه آخرون .

(5/98)


17 - وقد ذهب عبد الله بن مسعود إلى تحريمه ، وتابعه على ذلك جمهور علماء أهل العراق ، منهم إبراهيم النخعي ، وعامر الشعبي ، وحماد بن أبي سليمان ، وسفيان الثوري ، والحسن البصري ، والحنفية ، وبعض الحنابلة . واستدل هؤلاء على التحريم : - بقوله تعالى : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } قال ابن عباس وابن مسعود : لهو الحديث هو : الغناء . وبحديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع المغنيات ، وعن شرائهن ، وعن كسبهن ، وعن أكل أثمانهن » . وبحديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كل شيء يلهو به الرجل فهو باطل ، إلا تأديبه فرسه ، ورميه بقوسه ، وملاعبته امرأته » .
18 - وذهب الشافعية ، والمالكية ، وبعض الحنابلة إلى أنه مكروه ، فإن كان سماعه من امرأة أجنبية فهو أشد كراهة ، وعلل المالكية الكراهة بأن سماعه مخل بالمروءة ، وعللها الشافعية بقولهم : لما فيه من اللهو . وعللها الإمام أحمد بقوله : لا يعجبني الغناء لأنه ينبت النفاق في القلب .

(5/99)


19 - وذهب عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن الزبير ، والمغيرة بن شعبة ، وأسامة بن زيد ، وعمران بن حصين ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وغيرهم من الصحابة ، وعطاء بن أبي رباح ، وبعض الحنابلة منهم أبو بكر الخلال ، وصاحبه أبو بكر عبد العزيز ، والغزالي من الشافعية إلى إباحته . واستدلوا على ذلك بالنص والقياس . أما النص : فهو ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : « دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : دعهما ، فلما غفل غمزتهما فخرجتا » . ويقول عمر بن الخطاب :" الغناء زاد الراكب "فقد روى البيهقي في سننه : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستمع إلى غناء خوات ، فلما كان السحر قال له :" ارفع لسانك يا خوات ، فقد أسحرنا "
وأما القياس : فإن الغناء الذي لا يصاحبه محرم فيه سماع صوت طيب موزون ، وسماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب لا ينبغي أن يحرم ، لأنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص به ، كتلذذ الحواس الأخرى بما خلقت له .
20 - وأما الوزن فإنه لا يحرم الصوت ، ألا ترى أن الصوت الموزون الذي يخرج من حنجرة العندليب لا يحرم سماعه ، فكذلك صوت الإنسان ، لأنه لا فرق بين حنجرة وحنجرة . وإذا انضم الفهم إلى الصوت الطيب الموزون ، لم يزد الإباحة فيه إلا تأكيدا .

(5/100)


21 - أما تحريك الغناء القلوب ، وتحريكه العواطف ، فإن هذه العواطف إن كانت عواطف نبيلة فمن المطلوب تحريكها ، وقد وقع لعمر بن الخطاب أن استمع إلى الغناء في طريقه للحج - كما تقدم - وكان الصحابة ينشدون الرجزيات لإثارة الجند عند اللقاء ، ولم يكن أحد يعيب عليهم ذلك ، ورجزيات عبد الله بن رواحة وغيره معروفة مشهورة .
الغناء لأمر مباح :
22 - إذا كان الغناء لأمر مباح ، كالغناء في العرس ، والعيد ، والختان ، وقدوم الغائب ، تأكيدا للسرور المباح ، وعند ختم القرآن الكريم تأكيدا للسرور كذلك ، وعند سير المجاهدين للحرب إذا كان للحماس في نفوسهم ، أو للحجاج لإثارة الأشواق في نفوسهم إلى الكعبة المشرفة ، أو للإبل لحثها على السير - وهو الحداء - أو للتنشيط على العمل كغناء العمال عند محاولة عمل أو حمل ثقيل ، أو لتسكيت الطفل وتنويمه كغناء الأم لطفلها ، فإنه مباح كله بلا كراهة عند الجمهور . واستدلوا على ذلك بما ذكر سابقا من حديث الجاريتين الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهذا نص في إباحة الغناء في العيد . وبحديث بريدة قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه ، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت : يا رسول الله إني كنت نذرت - إن ردك الله سالما - أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا » . وهذا نص في إباحة الغناء عند قدوم الغائب تأكيدا للسرور ، ولو كان الغناء حراما لما جاز نذره ، ولما أباح لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله . وبحديث عائشة : « أنها أنكحت ذات قرابة لها من الأنصار ، فجاء رسول الله فقال : أهديتم الفتاة ؟ قالوا : نعم ، قال : أرسلتم معها من يغني ؟ قالت : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الأنصار قوم فيهم غزل ، فلو بعثتم معها من

(5/101)


يقول : أتيناكم أتيناكم ، فحيانا وحياكم » . وهذا نص في إباحة الغناء في العرس . وبحديث عائشة قالت : « كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء ، وكان مع الرجال ، وكان أنجشة مع النساء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن رواحة : حرك القوم ، فاندفع يرتجز ، فتبعه أنجشة ، فأعنفت الإبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة رويدك ، رفقا بالقوارير . يعني النساء » . وعن السائب بن يزيد قال :" كنا مع عبد الرحمن بن عوف في طريق الحج ، ونحن نؤم مكة ، اعتزل عبد الرحمن الطريق ، ثم قال لرباح بن المغترف : غننا يا أبا حسان ، وكان يحسن النصب - والنصب ضرب من الغناء - فبينا رباح يغنيه أدركهم عمر في خلافته فقال : ما هذا ؟ فقال عبد الرحمن : ما بأس بهذا ؟ نلهو ونقصر عنا السفر ، فقال عمر : فإن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب بن مرداس فارس قريش" . وكان عمر يقول ." الغناء من زاد الراكب "، وهذا يدل على إباحة الغناء لترويح النفس . وروى ابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأمر بالحداء .
د - الاستماع إلى الهجو والنسيب :
23 - يشترط في الكلام - سواء أكان موزونا ( كالشعر ) أم غير موزون ، ملحنا ( كالغناء ) أم غير ملحن - حتى يحل استماعه ألا يكون فاحشا ، وليس فيه هجو ، ولا كذب على الله ورسوله ، ولا على الصحابة ، ولا وصف امرأة معينة ، فإن استمع إلى شيء من الكلام فيه شيء مما ذكرناه ، فالمستمع شريك القائل في الإثم . أما هجاء الكفار وأهل البدع فذلك جائز ، وقد « كان حسان بن ثابت شاعر رسول الله يهاجي الكفار بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمره ، وقد قال له عليه الصلاة والسلام : اهجهم أو هاجهم وجبريل معك »

(5/102)


وأما النسيب فإنه لا شيء فيه ، وقد كان يقال أمام رسول الله وهو يستمع إليه « فقد استمع صلوات الله وسلامه عليه إلى قصيدة كعب بن زهير : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول »
مع ما فيها من النسيب .
النوع الثاني : استماع صوت الحيوان :
24 - اتفق العلماء على جواز استماع أصوات الحيوانات ، سواء كانت هذه الأصوات قبيحة كصوت الحمار والطاووس ونحوهما ، أو عذبة موزونة كأصوات العنادل والقماري ونحوها ، قال الغزالي : فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة ، فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور .
النوع الثالث : استماع أصوات الجمادات :
25 - إذا انبعثت أصوات الجمادات من تلقاء نفسها أو بفعل الريح فلا قائل بتحريم استماع هذه الأصوات . أما إذا انبعثت بفعل الإنسان ، فإما أن تكون غير موزونة ولا مطربة ، كصوت طرق الحداد على الحديد ، وصوت منشار النجار ونحو ذلك ، ولا قائل بتحريم استماع صوت من هذه الأصوات . وأما أن ينبعث الصوت من الآلات بفعل الإنسان موزونا مطربا ، وهو ما يسمى بالموسيقى . فتفصيل القول فيه كما يلي :
أولا - استماع الموسيقى :
26 - إن ما حل تعاطيه ( أي فعله ) من الموسيقى والغناء حل الاستماع إليه ، وما حرم تعاطيه منهما حرم الاستماع إليه ، لأن تحريم الموسيقى أو الغناء ليس لذاته ، ولكن لأنه أداة للإسماع ، ويدل على هذا قول الغزالي في معرض حديثه عن شعر الخنا ، والهجو ، ونحو ذلك : فسماع ذلك حرام بألحان وبغير ألحان ، والمستمع شريك للقائل . وقول ابن عابدين : وكره كل لهو واستماعه .
أ : الاستماع لضرب الدف ونحوه من الآلات القرعية :

(5/103)


27 - اتفق الفقهاء على حل الضرب بالدف والاستماع إليه ، على تفصيل في ذلك ، هل هذه الإباحة هي في العرس وغيره ، أم هي في العرس دون غيره ؟ وهل يشترط في ذلك أن يكون الدف خاليا من الجلاجل أم لا يشترط ذلك ؟ وستجد ذلك التفصيل في مصطلح ( معازف ) ( وسماع ) . واستدلوا على ذلك بما رواه محمد بن حاطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح » . وبما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أعلنوا هذا النكاح ، واضربوا عليه بالغربال » . وما روت الربيع بنت معوذ قالت : « دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم غداة بني علي ، فجلس على فراشي ، وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائي يوم بدر ، حتى قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقولي هكذا وقولي كما كنت تقولين » .
28 - وألحق المالكية ، والحنفية ، والغزالي من الشافعية بالدف جميع أنواع الطبول - وهي الآلات الفرعية - ما لم يكن استعمالها للهو محرم . واستثنى من ذلك بعضهم - كالغزالي مثلا - الكوبة ، لأنها من آلات الفسقة . واستثنى الحنفية من ذلك الضرب بالقضيب . قال ابن عابدين : ضرب النوبة للتفاخر لا يجوز ، وللتنبيه فلا بأس به ، وينبغي أن يكون كذلك بوق الحمام وطبل المسحر ، ثم قال : وهذا يفيد أن آلة اللهو ليست محرمة بعينها بل لقصد اللهو فيها ، إما من سامعها ، أو من المشتغل بها ، وبه تشعر الإضافة - يعني إضافة الآلة إلى اللهو - ألا ترى أن ضرب تلك الآلة حل تارة وحرم أخرى باختلاف النية ، والأمور بمقاصدها .
ب - الاستماع للمزمار ونحوه من الآلات النفخية :

(5/104)


29 - أجاز المالكية الاستماع إلى الآلات النفخية كالمزمار ونحوه ، ومنعه غيرهم ، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود إباحة الاستماع إليه ، فقد روى بسنده إلى ابن مسعود أنه دخل عرسا فوجد فيه مزامير ولهوا ، فلم ينه عنه . ومنعه غير المالكية .
30 - أما الآلات الوترية كالعود ونحوه ، فإن الاستماع إليها ممنوع في العرس وغيره عند جمهور العلماء .
وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء السلف إلى الترخيص فيها ، وممن رخص فيها : عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن الزبير ، وشريح ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ، ومحمد بن شهاب الزهري ، وعامر بن شراحيل الشعبي ، وغيرهم .
ثانيا : استماع الصوت والصدى :
31 - من تتبع أقوال الفقهاء يتبين أنهم يرتبون آثار الاستماع على استماع الصوت ، أما استماع الصدى فلم يتحدث عنه إلا الحنفية . ويظهر أن الحنفية لا يرتبون آثار الاستماع على استماع الصدى ، فقد نصوا على أنه لا تجب سجدة التلاوة بسماعها من الصدى .

استمتاع *
التعريف :
1 - الاستمتاع : طلب التمتع ، والتمتع الانتفاع ، يقال : استمتعت بكذا وتمتعت به : انتفعت . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللغوي ، وأغلب وروده عندهم في استمتاع الرجل بزوجته .
الحكم الإجمالي :

(5/105)


2 - الاستمتاع بما أحله الله في الحالات المشروعة جائز ، كالاستمتاع بالزوجة من وطء ومقدماته إذا لم تكن هناك موانع شرعية ، كحيض ونفاس وإحرام وصيام فرض ، فإن كانت هناك موانع شرعية حرم الوطء . أما الاستمتاع بالأجنبية بأي نوع من أنواع الاستمتاع كنظر ، ولمس ، وقبلة ، ووطء ، فهو محظور ، يستحق فاعله الحد إن كان زنى ، والتعزير إن كان غير ذلك كمقدمات الوطء . ويرتب الفقهاء على الاستمتاع بالزوجة آثارا كتمام المهر واستقراره والنفقة . وتنظر تفاصيل الموضوع في ( النكاح ) و ( المهر ) و ( النفقة ) .
مواطن البحث :
3 - الاستمتاع بالزوجة يرد عند الفقهاء في أبواب النكاح ، والحيض ، والنفاس ، ومحظورات الإحرام في الحج ، والصيام ، والاعتكاف ، وتنظر في أبوابها . والاستمتاع المحرم يرد في باب حد الزنا ، وباب التعزير ، وتنظر في أبوابها .

استمناء *
التعريف :
1 - الاستمناء : مصدر استمنى ، أي طلب خروج المني . واصطلاحا : إخراج المني بغير جماع ، محرما كان ، كإخراجه بيده استدعاء للشهوة ، أو غير محرم كإخراجه بيد زوجته . 2 - وهو أخص من الإمناء والإنزال ، فقد يحصلان في غير اليقظة ودون طلب ، أما الاستمناء فلا بد فيه من استدعاء المني في يقظة المستمني بوسيلة ما . ويكون الاستمناء من الرجل ومن المرأة . ويقع الاستمناء ولو مع وجود الحائل . جاء في ابن عابدين : لو استمنى بكفه بحائل يمنع الحرارة يأثم أيضا .
وفي الشرواني على التحفة : إن قصد بضم امرأة الإنزال - ولو مع الحائل - يكون استمناء مبطلا للصوم . بل صرح الشافعية والمالكية بأن الاستمناء يحصل بالنظر . ولما كان الإنزال بالاستمناء يختلف أحيانا عن الإنزال بغيره كالجماع والاحتلام أفرد بالبحث .
وسائل الاستمناء :

(5/106)


3 - يكون الاستمناء باليد ، أو غيرها من أنواع المباشرة ، أو بالنظر ، أو بالفكر . الاستمناء باليد :
4 - أ - الاستمناء باليد إن كان لمجرد استدعاء الشهوة فهو حرام في الجملة ، لقوله تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } . والعادون هم الظالمون المتجاوزون ، فلم يبح الله سبحانه وتعالى الاستمتاع إلا بالزوجة والأمة ، ويحرم بغير ذلك .
وفي قول للحنفية ، والشافعية ، والإمام أحمد : أنه مكروه تنزيها .
ب - وإن كان الاستمناء باليد لتسكين الشهوة المفرطة الغالبة التي يخشى معها الزنى فهو جائز في الجملة ، بل قيل بوجوبه ، لأن فعله حينئذ يكون من قبيل المحظور الذي تبيحه الضرورة ، ومن قبيل ارتكاب أخف الضررين . وفي قول آخر للإمام أحمد : أنه يحرم ولو خاف الزنى ، لأن له في الصوم بديلا ، وكذلك الاحتلام مزيل للشبق . وعبارات المالكية تفيد الاتجاهين : الجواز للضرورة ، والحرمة لوجود البديل ، وهو الصوم .
ج - وصرح ابن عابدين من الحنفية بأنه لو تعين الخلاص من الزنى به وجب .
الاستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج :
5 - الاستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج يشمل كل استمتاع - غير النظر والفكر - من وطء في غير الفرج ، أو تبطين ، أو تفخيذ ، أو لمس ، أو تقبيل . ولا يختلف أثر الاستمناء بهذه الأشياء في العبادة عن أثرها في الاستمناء باليد عند المالكية ، والشافعية ، والحنابلة . ويبطل به الصوم عند الحنفية ، دون كفارة . ولا يختلف أثره في الحج عن أثر الاستمناء باليد فيه .
الاغتسال من الاستمناء :

(5/107)


6 - اتفق الفقهاء على أن الغسل يجب بالاستمناء ، إذا خرج المني عن لذة ودفق ، ولا عبرة باللذة والدفق عند الشافعية ، وهو رواية عن أحمد وللمالكية قول بذلك لكنه خلاف المشهور . واشترط الحنفية لترتب الأثر على المني أن يخرج بلذة ودفق ، وهو مشهور المالكية ، فلا يجب فيه شيء ما لم تكن لذة ، والمذهب عند أحمد على هذا ، وعليه جماهير الأصحاب ، وقطع به كثير منهم . أما إن أحس بانتقال المني من صلبه فأمسك ذكره ، فلم يخرج منه شيء في الحال ، ولا علم خروجه بعد ذلك فلا غسل عليه عند كافة العلماء ،« لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الاغتسال على الرؤية ». والرواية المشهورة عن الإمام أحمد بن حنبل أنه يجب الغسل ، لأنه لا يتصور رجوع المني ، ولأن الجنابة في حقيقتها هي : انتقال المني عن محله وقد وجد . وأيضا فإن الغسل يراعى فيه الشهوة ، وقد حصلت بانتقاله فأشبه ما لو ظهر . فإن سكنت الشهوة ثم أنزل بعد ذلك ، فإنه يجب عليه الغسل عند أبي حنيفة ومحمد ، والشافعية والحنابلة ، وأصبغ وابن المواز من المالكية . وقال أبو يوسف : لا يغتسل ، ولكن ينتقض وضوءه ، وهو قول القاسم من المالكية . ولتفصيل ما يتعلق بذلك انظر مصطلح ( غسل ) .
اغتسال المرأة من الاستمناء :
7 - يجب الغسل على المرأة إن أنزلت بالاستمناء بأي وسيلة حصل . والمراد بالإنزال أن يصل إلى المحل الذي تغسله في الاستنجاء ، وهو ما يظهر عند جلوسها وقت قضاء الحاجة . وهذا هو ظاهر الرواية عند الحنفية ، وبهذا قال الشافعية والحنابلة والمالكية عدا ( سند ) ، فقد قال : إن بروز المني من المرأة ليس شرطا ، بل مجرد الانفصال عن محله يوجب الغسل ، لأن عادة مني المرأة أن ينعكس إلى الرحم .
أثر الاستمناء في الصوم :

(5/108)


8 - الاستمناء باليد يبطل الصوم عند المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وعامة الحنفية على ذلك ، لأن الإيلاج من غير إنزال مفطر ، فالإنزال بشهوة أولى . وقال أبو بكر بن الإسكاف ، وأبو القاسم من الحنفية : لا يبطل به الصوم ، لعدم الجماع صورة ومعنى . ولا كفارة فيه مع الإبطال عند الحنفية والشافعية ، وهو مقابل المعتمد عند المالكية ، وأحد قولي الحنابلة ، لأنه إفطار من غير جماع ، ولأنه لا نص في وجوب الكفارة فيه ولا إجماع . ومعتمد المالكية على وجوب الكفارة مع القضاء ، وهو رواية عن أحمد ، وعموم رواية الرافعي من الشافعية ، والتي حكاها عن أبي خلف الطبري يفيد ذلك ، فمقتضاها وجوب الكفارة بكل ما يأثم بالإفطار به ، والدليل على وجوب الكفارة : أنه تسبب في إنزال فأشبه الإنزال بالجماع .
9 - أما الاستمناء بالنظر فإنه يبطل الصوم عند المالكية ، تكرر النظر أم لا ، وسواء أكانت عادته الإنزال أم لا ، والحنابلة معهم في الإبطال إن تكرر النظر . والاستمناء بالتكرار مبطل للصوم في قول للشافعية أيضا ، وقيل . إن كانت عادته الإنزال أفطر ، وفي " القوت " أنه إذا أحس بانتقال المني فاستدام النظر فإنه يفسد . وقال الحنفية لا يفطر به الصائم مطلقا ، وهو المعتمد للشافعية ، ولا كفارة فيه إلا عند المالكية ، لكنهم اختلفوا في الحالات التي تجب فيها الكفارة . إن تكرر النظر وكانت عادته الإنزال أو استوت حالتاه وجبت عليه الكفارة قطعا . وإن كانت عادته عدم الإنزال فقولان . أما مجرد النظر من غير استدامة فظاهر كلام ابن القاسم في المدونة أنه لا كفارة . وقال القابسي : كفر إن أمنى من نظرة واحدة .

(5/109)


10 - وأما الاستمناء بالتفكير فلا يختلف حكمه عن حكم الاستمناء بالنظر ، من حيث الإبطال والكفارة وعدمهما عند الحنفية ، والمالكية ، والشافعية . أما الحنابلة ، عدا أبي حفص البرمكي ، فقالوا بعدم الإفساد بالإنزال بالتفكير ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « عفي لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به » . وقال أبو حفص البرمكي بالإبطال ، واختاره ابن عقيل ، لأن الفكرة تستحضر وتدخل تحت الاختيار ، ومدح الله سبحانه الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ،« ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في ذات الله ، وأمر بالتفكر في الآلاء ». ولو كانت غير مقدور عليها لم يتعلق ذلك بها .
أثر الاستمناء في الاعتكاف :
11 - يبطل الاعتكاف بالاستمناء باليد عند الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية ، إلا أن من الشافعية من ذكره قولا واحدا ، ومنهم من استظهر البطلان . ولتفصيل ذلك انظر ( اعتكاف ) . أما الاستمناء بالنظر والتفكير فلا يبطل به الاعتكاف عند الحنفية والشافعية ، ويبطل به عند المالكية ، وكذلك الحنابلة ، إذ يفهم من كلامهم بطلان الاعتكاف ، لفقدان شرط الطهارة مما يوجب الغسل .
أثر الاستمناء في الحج والعمرة :

(5/110)


12 - لا يفسد الحج بالاستمناء باليد عند الحنفية والشافعية والحنابلة ، لكن يجب فيه دم ، لأنه كالمباشرة فيما دون الفرج في التحريم والتعزير ، فكان بمنزلتها في الجزاء . ويفسد الحج به عند المالكية ، وأوجبوا فيه القضاء والهدي ولو كان ناسيا ، لأنه أنزل بفعل محظور . ولبيان نوع الدم ووقته انظر ( إحرام ) . والعمرة في ذلك كالحج عند الحنفية ، والشافعية والحنابلة ، وهو ما يفهم من عموم كلام الباجي من المالكية ، لكن ظاهر كلام بهرام وغيره أن ما يوجب الفساد في الحج في بعض الأحوال من وطء وإنزال يوجب الهدي في العمرة ، لأن أمرها أخف من حيث إنها ليست فرضا .
13 - أما الاستمناء بالنظر والفكر فإنه يفسد الحج عند المالكية ، باستدعاء المني بنظر أو فكر مستدامين ، فإن خرج بمجرد الفكر أو النظر لم يفسد وعليه هدي وجوبا ، وسواء أكان عمدا أم جهلا أم نسيانا . ولا يفسد به الحج عند الحنفية والشافعية والحنابلة ، ولا فدية فيه عند الحنفية والشافعية ، وعند الحنابلة تجب الفدية في النظر ، وأما التفكير فانفرد بالفدية فيه منهم أبو حفص البرمكي .
الاستمناء عن طريق الزوجة :
14 - أغلب الفقهاء على جواز الاستمناء بالزوجة ما لم يوجد مانع ، لأنها محل استمتاعه ، كما لو أنزل بتفخيذ أو تبطين ، ولبيان المانع انظر ( حيض ، نفاس ، صوم ، اعتكاف ، حج ) . وقال بكراهته بعض الحنفية والشافعية ، نقل صاحب الدر عن الجوهرة : ولو مكن امرأته من العبث بذكره فأنزل كره ولا شيء عليه ، غير أن ابن عابدين حملها على الكراهة التنزيهية . وفي نهاية الزين : وفي فتاوى القاضي : لو غمرت المرأة ذكر زوجها بيدها كره وإن كان بإذنه إذا أمنى ، لأنه يشبه العزل ، والعزل مكروه .
عقوبة الاستمناء :

(5/111)


15 - الاستمناء المحرم يعزر فاعله باتفاق ، لقوله تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } .

استمهال *
التعريف :
1 - الاستمهال في اللغة . طلب المهلة . والمهلة التؤدة والتأخير .
والفقهاء يستعملون " الاستمهال . بهذا المعنى الذي استعمله به أهل اللغة .
حكم الاستمهال :
2 - الاستمهال قد يكون مشروعا ، وقد يكون غير مشروع :
أ - الاستمهال المشروع ، وهو على أنواع :
النوع الأول : الاستمهال لإثبات حق ، كاستمهال المدعي القاضي لإحضار البينة ، أو مراجعة الحساب ، ونحو ذلك ، وقد فصل الفقهاء ذلك في كتاب الدعوى .
النوع الثاني : الاستمهال الوارد مورد الشرط في العقود ، كاشتراط أحد المتبايعين ترك مهلة له للتروي ، كما هو الحال في خيار الشرط ، واشتراط المشتري إمهال البائع له بدفع الثمن إلى أجل معلوم . وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب البيع .
النوع الثالث : الاستمهال الذي هو من قبيل التبرع ، كاستمهال المدين الدائن في وفاء الدين . واستمهال المستعير المعير في رد ما استعاره منه ، وقد ذكر الفقهاء ذلك في أبوابه من كتب الفقه .
ب - الاستمهال غير المشروع :
ومنه الاستمهال في الحقوق التي اشترط فيها الشارع الفورية ، أو المجلس ، كاستمهال أحد المتعاقدين الآخر في تسليم البدل في بيع الصرف ، واستمهال المشتري البائع في تسليمه رأس مال السلم ، كما هو مذكور في بيع السلم .
3 - ومن الاستمهال ما يسقط الحق ، كاستمهال الشفيع المشتري لطلب الشفعة ، كما هو مذكور في باب الشفعة من كتب الفقه ، وكاستمهال الزوجة الصغيرة - إذا بلغت - في الإفصاح عن اختيارها زوجها أو فراقه ، كما هو مذكور في خيار البلوغ عند الحنفية .
مدة المهلة التي تعطى في الاستمهال :

(5/112)


4 - مدة المهلة إما محددة من قبل الشرع فتلتزم ، كإمهال العنين سنة ، كما روي ذلك عن عمر وعلي . وابن مسعود . وإما متروكة للقضاء ، كمهلة المدعي لإحضار البينة ، وإمهال الزوجة لتسليم نفسها لزوجها بعد قبضها المهر بقدر ما تنظف نفسها وتتهيأ له . وإما اتفاقية بين الطرفين ، كإمهال الدائن للمدين في وفاء الدين ، انظر مصطلح ( أجل ) .
حكم إجابة المستمهل :
5 - أ - يجب الإمهال في حالات الاستمهال لإثبات حق ، والاستمهال الذي هو من قبيل المطالبة بحق ، والاستمهال الوارد مورد الشرط في العقود .
ب - يندب الإمهال عندما يكون الإمهال من قبيل التبرع .
ج - يحرم الإمهال في الحقوق التي اشترط فيها الشارع الفورية أو المجلس ، لأن الإمهال فيها يؤدي إلى إبطالها . كما ذكر ذلك الفقهاء في الأبواب التي أشرنا إليها عند ذكر هذه الحالات .
د - يبطل الحق في مثل الحالات التي أشرنا إليها في ( ف 3 ) .

استنابة *
انظر : إنابة .
استناد *
التعريف :
1 - الاستناد لغة : مصدر استند . وأصله سند . يقال : سندت إلى الشيء ، وأسندت إليه واستندت إليه : إذا ملت إليه واعتمدت عليه . والمسند : ما استندت إليه من المتاع ، واستند إلى فلان : لجأ إليه في طلب العون .
وللاستناد في الاصطلاح معان ثلاثة :
الأول : الاستناد الحسي ، وهو أن يميل الإنسان على الشيء معتمدا عليه ، والاستناد بهذا المعنى طبق المعنى اللغوي .
الثاني : الاستناد إلى الشيء بمعنى الاحتجاج به .
الثالث : الاستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثر رجعي ، وهو بالمعنى الثاني والثالث يعتبر استنادا معنويا .
المبحث الأول :
الاستناد الحسي :

(5/113)


2 - الاستناد إلى الشيء بهذا المعنى هو الميل على الشيء مع الاعتماد عليه . ومما له صلة بالاستناد : الاتكاء . وقد ذكر أبو البقاء أن الاستناد على الشيء الاتكاء عليه بالظهر خاصة ، قال : الاتكاء أعم من الاستناد ، وهو - يعني الاتكاء - الاعتماد على الشيء بأي شيء كان ، وبأي جانب كان . والاستناد : اتكاء بالظهر لا غير . ولم نطلع على هذا التقييد في شيء من كتب اللغة .
أولا : أحكام الاستناد في الصلاة :
أ - الاستناد في الصلاة المفروضة :
3 - الاستناد إلى عماد - كحائط أو سارية - في صلاة الفريضة للقادر على القيام مستقلا دون اعتماد . للفقهاء فيه اتجاهات ثلاثة :
الاتجاه الأول : يرى الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة منعه ، وهو قول للشافعية . قالوا : من اعتمد على عصا أو حائط ونحوه بحيث يسقط لو زال العماد ، لم تصح صلاته ، قالوا : لأن الفريضة من أركانها القيام ، ومن استند على الشيء بحيث لو زال من تحته سقط ، لا يعتبر قائما . أما إن كان لا يسقط لو زال ما استند إليه ، فهو عندهم مكروه ، صرح به الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة . قال الحلبي في شرح المنية : يكره اتفاقا - أي بين أئمة الحنفية - لما فيه من إساءة الأدب وإظهار التجبر . وعلل ابن أبي تغلب - من الحنابلة - للكراهة بكون الاستناد يزيل مشقة القيام .
والاتجاه الثاني : قول الشافعية المقدم لديهم أن صلاة المستند تصح مع الكراهة ، قالوا : لأنه يسمى قائما ولو كان بحيث لو أزيل ما اعتمد عليه لسقط .

(5/114)


والاتجاه الثالث : أن استناد القائم في صلاة الفرض جائز . روي ذلك عن أبي سعيد الخدري وأبي ذر رضي الله عنهما وجماعة من الصحابة والسلف . ثم إن الصلاة المفروضة - التي هذا حكم الاستناد فيها - تشمل الفرض العيني والكفائي ، كصلاة الجنازة ، وصلاة العيد عند من أوجبها . وتشمل الواجب بالنذر على من نذر القيام فيه على ما صرح به الدسوقي ، وألحق به الحنفية سنة الفجر على قول لتأكدها .
ب - الاستناد في الفرض في حال الضرورة :
4 - يتفق الفقهاء على أنه إذا وجدت الضرورة ، بحيث لا يستطيع المصلي أن يصلي قائما إلا بالاستناد ، أن الاستناد جائز له . ولكن هل يسقط عنه فرض القيام فيجوز له الصلاة جالسا مع التمكن من القيام بالاستناد ؟ للفقهاء في هذه المسألة اتجاهان :
الأول : أن القيام واجب حينئذ ولا تصح صلاته جالسا . وهو مذهب الحنفية على الصحيح عندهم ، ومذهب الحنابلة ، وقول مرجوح عند المالكية ، ذهب إليه ابن شاس وابن الحاجب . قال شارح المنية من الحنفية : لو قدر على القيام متوكئا على عصا أو خادم . قال الحلواني : الصحيح أنه يلزمه القيام متكئا .
الثاني : وهو المقدم عند المالكية ، ومقابل الصحيح عند الحنفية ، ومقتضى مذهب الشافعية - كما تقدم - أن فرض القيام ساقط عنه حينئذ ، وتجوز صلاته جالسا . قال الحطاب نقلا عن ابن رشد : لأنه لما سقط عنه القيام ، وجاز له أن يصلي جالسا ، صار قيامه نافلة ، فجاز أن يعتمد فيه كما يعتمد في النافلة ، والقيام مع الاعتماد أفضل . واشترط المالكية لجواز الصلاة مع الاعتماد أن يكون استناده لغير حائض أو جنب ، فإن صلى مستندا إلى واحد منهما أعاد في الوقت ، أي الوقت الضروري لا الاختياري .
ج - الاستناد في الصلاة أثناء الجلوس :

(5/115)


5 - الحكم في الاستناد في الجلوس كالحكم في الاستناد في القيام تماما ، على ما صرح به الحنفية : فإذا لم يقدر على القعود مستويا ، وقدر متكئا ، يجب أن يصلي متكئا أو مستندا أما المالكية فقد قال الدردير ما معناه : المعتمد أن القيام مستندا أولى من الجلوس مستقلا . أما الجلوس مستقلا فواجب لا يعدل عنه إلى الجلوس مستندا إلا عند العجز . وكذا لا يصار إلى الجلوس مستندا ممن قدر على القيام بالاستناد . ومثل ذلك الجلوس مستندا ، فهو مقدم وجوبا على الصلاة مضطجعا ، ولم نجد للشافعية والحنابلة ذكرا لهذه المسألة .
د - الاستناد في النفل :
6 - قال النووي : الاتكاء في صلاة النفل جائز على العصي ونحوها باتفاق العلماء إلا ابن سيرين فقد نقلت عنه كراهته . وقال مجاهد : ينقص من أجره بقدره . وقد فصل الحنفية فقالوا : أنه مكروه في التطوع كما هو مكروه في الفرض . لكن لو افتتح التطوع قائما ثم أعيا - أي كل وتعب - فلا بأس عليه أن يتوكأ على عصا أو حائط أو نحو ذلك . وإنما فرق الجمهور بين الاستناد في الفرض فمنعوه ، وأجازوه في النفل ، لأن النفل تجوز صلاته من جلوس دون قيام ، فكذا يجوز الاستناد فيه مع القيام .
الاستناد في غير الصلاة :
أ - استناد النائم المتوضئ :
7 - ذهب الحنفية في ظاهر الرواية ، والشافعية ، وهو رواية للحنابلة إلى أنه إذا نام مستندا إلى شيء - بحيث لو زال لسقط - لا ينتقض وضوء المستند في الأصح ، وعليه عامة المشايخ ، وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلة عن الأرض وإلا نقض اتفاقا . وذهب المالكية ، وهو غير ظاهر الرواية عند الحنفية إلى أنه ينقض الوضوء ، لأنه يعتبر من النوم الثقيل ، فإن كان لا يسقط فهو من النوم الخفيف الذي لا ينقض . والمذهب عند الحنابلة أن نوم المستند قليلا كان أو كثيرا ينقض .
ب - الاستناد إلى القبور :

(5/116)


8 - يكره الاستناد إلى القبور عند جمهور الفقهاء ، صرح بذلك الحنفية والشافعية والحنابلة ، وقد ألحقوا الاستناد بالجلوس الذي وردت الأحاديث بالنهي عنه . قال ابن قدامة : يكره الجلوس على القبر ، والاتكاء عليه ، والاستناد إليه ، لحديث أبي هريرة مرفوعا : « لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر » . وقال الخطابي : روي « أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد اتكأ على قبر فقال : لا تؤذ صاحب القبر » .
وقد قيد الشافعية الكرامة بعدم الحاجة إلى الاستناد ، وبكون الاستناد إلى قبر مسلم . وقواعد غيرهم لا تأبى هذا التقييد . وأما المالكية فيرون أنه لا كراهة في الجلوس على القبر ، ومن باب أولى الاستناد إليه . قال الدسوقي : يجوز الجلوس على القبر مطلقا . وأما ما ورد من حرمة الجلوس على القبر فهو محمول على الجلوس لقضاء الحاجة .
المبحث الثاني : الاستناد بمعنى الاحتجاج :
9 - يأتي الاستناد بمعنى الاحتجاج بما يقوي القضية المدعاة ، ويكون إما في مقام المناظرة والاستدلال والاجتهاد ، فيرجع لمعرفة أحكامه إلى أبواب الأدلة ، وباب الاجتهاد من علم الأصول . وإما في دعوى أمام القضاء ، فيرجع لمعرفة أحكامه إلى مصطلح ( إثبات ) .
المبحث الثالث : الاستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثر رجعي :
10 - الاستناد بهذا المعنى : هو أن يثبت الحكم في الحال لتحقق علته ، ثم يعود الحكم القهقري ليثبت في الماضي تبعا لثبوته في الحاضر . ومن أمثلته : أن المغصوب إذا تلف تحت يد الغاصب بفعله أو بغير فعله يضمنه بمثله أو بقيمته ، فإذا ضمنه ملكه ملكا مستندا إلى وقت وجود سبب الضمان ، حتى أنه يملك زوائده المتصلة التي وجدت من حين الغصب إلى حين الضمان ، لأنها نماء ملكه .

(5/117)


ومن أمثلته أيضا أن البيع الموقوف نفاذه على إجازة من له حق الإجازة - كبيع الصبي المميز يقف نفاذه على إجازة وليه - إذا أجازه نفذ نفاذا مستندا إلى وقت وجود العقد ، حتى يملك المشتري زوائده المتصلة والمنفصلة . واستعمال لفظ الاستناد بهذا المعنى هو مصطلح للحنفية خاصة . والمالكية والشافعية والحنابلة يستعملون بدلا منه اصطلاح " التبين " ، والمالكية يعبرون أيضا عن ذلك المعنى " بالانعطاف " . ومعنى الاستناد في الإجازة مثلا أن العقد الموقوف إذا أجيز يكون للإجازة استناد وانعطاف ، أي تأثير رجعي ، فبعد الإجازة يستفيد العاقد من ثمرات العقد منذ انعقاده ، لأن الإجازة لم تنشئ العقد إنشاء بل أنفذته إنفاذا ، أي فتحت الطريق لآثاره الممنوعة المتوقفة لكي تمر وتسري ، فتلحق تلك الآثار بالعقد المولد لها اعتبارا من تاريخ انعقاده ، لا من تاريخ الإجازة فقط . فبعد الإجازة يعتبر الفضولي كوكيل عن صاحب العقد قبل العقد ، وبما أن تصرفات الوكيل نافذة على الموكل منذ صدورها ، يكون عقد الفضولي نافذا على المجيز نفاذا مستندا إلى تاريخ العقد .
هذا ، ومن أجل أن هذا الاصطلاح خاص بالحنفية فسيكون كلامنا في هذا المبحث معبرا عن مذهب الحنفية خاصة ، إلا في المواضع التي ينص فيها على غيرهم .
11 - وقد ذكر ابن نجيم أن الأحكام تثبت بطرق أربع ، فذكر مع الاستناد الذي سبق بيانه :
أ - الاقتصار : وهو الأصل . كما إذا أنشأ طلاقا منجزا غير معلق ، فإن الطلاق يقع عند هذا القول في الحال ، فيقتصر عليه ولا يكون له أثر رجعي .

(5/118)


ب - والانقلاب : هو أن يثبت الحكم في وقت لاحق متأخر عن القول ، كما لو قال لزوجته : أنت طالق إن دخلت الدار ، لا يثبت به الطلاق في الحال ، لكن إن دخلتها طلقت بدخولها . ووجه تسميته انقلابا : أن ما ليس بعلة - وهو الصيغة المعلقة - انقلب علة بوجود الدخول ، إذ أن قوله : أنت طالق ليس بعلة للطلاق قبل دخولها البيت ، ومتى دخلت انقلب فأصبح علة ، لأن ذلك القائل جعل للعلية شرطا وقد تحقق .
ج - والتبين أو الظهور : وهو أن يظهر في الحال أن الحكم كان ثابتا من قبل ، كما لو قال يوم الجمعة : إن كان زيد في الدار فأنت طالق ، ثم يتبين يوم السبت أن زيدا كان في الدار يوم الجمعة ، فإن الطلاق يقع يوم الجمعة عند قوله ذاك ، وإن لم يتبين أنه وقع يوم الجمعة إلا في يوم السبت . والعدة تبتدئ يوم الجمعة .
التفريق بين الاستناد والتبين :
12 - في حالة الاستناد لم يكن الحكم ثابتا في نفس الأمر في الماضي ، ثم لما ثبت في الحاضر رجع ثبوته القهقري فانسحب على المدة السابقة ، أما في التبين فقد كان الحكم ثابتا في نفس الأمر ولكن تأخر العلم به ، ومن هنا ظهر بين الأمرين الفروق التالية :
الأول : أن حالة التبين يمكن أن يطلع العباد فيها على الحكم . وفي الاستناد لا يمكن . ففي المثال السابق للتبين وهو قوله : إن كان زيد في الدار فأنت طالق ثم علم كونه في الدار بعد مدة ، فإن العلم بكونه في الدار مما يدخل في طوق العباد ، بخلاف العلم بإجازة الولي لبيع الصبي ، فإنه لا يمكن العلم بإجازته قبل أن يجيز .

(5/119)


الثاني : أن حالة التبين لا يشترط فيها قيام المحل عند حصول تبين الحكم ، ولا استمرار وجوده إلى حين التبين . فلو قال لزوجته : أنت طالق إن كان زيد في الدار ، فحاضت ثلاث حيض ثم طلقها ثلاثا ، ثم ظهر أن زيدا كان في الدار في ذلك الوقت ، لا تقع الثلاث ، لأنه تبين وقوع الأول ، وأن إيقاع الثلاث كان بعد انقضاء العدة . أما في حالة الاستناد فلا بد من قيام المحل حال ثبوت الحكم ، وعدم انقطاع وجوده من وقت ثبوت الحكم ، عودا إلى الوقت الذي استند إليه ، كما في الزكاة تجب بتمام الحول ، ويستند وجوبها إلى وقت وجود النصاب ، فلو كان عند تمام الحول مفقودا ، أو انقطع أثناءه لم يثبت الوجوب في آخر الحول .
الاستناد من وجه دون وجه :
13 - إذا استند الملك فإنه في الفترة ما بين التصرف إلى حصول الإجازة وما يقوم معها - كضمان المضمونات - ملك ناقص ، وليس كغيره من الملك التام .
ويتفرع على هذه المسألة فرعان :

(5/120)


الفرع الأول : لو غصب عينا فزادت عنده زيادة متصلة كالسمن ، أو منفصلة كالولد ، فإذا ضمن الغاصب المغصوب فيما بعد ، ملكه ملكا مستندا إلى وقت الغصب . أما الزيادة المتصلة كسمن الدابة فلا يضمنها ، لأنها تكون قد حدثت على ملكه . وأما الزيادة المنفصلة التي حصلت بعد الغصب وقبل الضمان ، لو باعها أو استهلكها ، فإنه يضمنها ، لأنها في الأصل غير مضمونة عليه ، إذ قد حدثت عنده أمانة في يده فلا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط ، وببيعها أو استهلاكها يكون متعديا ، فكان غاصبا لها فيضمنها على تفصيل موطنه الغصب . فظهر الاستناد من جهة الزوائد المتصلة ، واقتصر الملك على الحال من جهة الزوائد المنفصلة . قال الكاساني : أثبتنا الملك بطريق الاستناد ، فالمستند يظهر من وجه ويقتصر على الحال من وجه ، فيعمل بشبه الظهور في الزوائد المتصلة ، وبشبه الاقتصار في المنفصلة ، ليكون عملا بالشبهين بقدر الإمكان .
الفرع الثاني : لو استغل الغاصب المغصوب ، كما لو آجر الدابة ، فإنه يتصدق بالغلة على قول أبي حنيفة ومحمد ، ولا يلزمه أن يتصدق بالغلة على قول أبي يوسف ، لأنه حصل في ملكه حين أدى ضمانه مستندا إلى حين الغصب . وقال البابرتي : وإنما قال أبو حنيفة بالتصدق بالغلة لأنها حصلت بسبب خبيث وهو التصرف في ملك الغير ، وهو وإن دخل في ملكه من حين الغصب ، إلا أن الملك المستند ناقص لكونه ثابتا فيه من وجه دون وجه ، ولهذا يظهر في حق المغصوب القائم دون الفائت ، فلا ينعدم فيه الخبث .
ما نشأ عن اعتبار الإجازة مستندة في البيع الموقوف :

(5/121)


14 - نشأ عن نظرية استناد إجازة التصرفات الموقوفة إلى وقت الانعقاد إن اشترطوا لصحة الإجازة قيام المجيز والمحل عند العقد ، بالإضافة إلى قيام العاقدين . ولذا يقول الحصكفي : كل تصرف صدر من الفضولي وله مجيز - أي من يقدر على إمضائه حال وقوعه - انعقد موقوفا ، وما لا مجيز له لا ينعقد أصلا . فلو أن صبيا باع عينا ثم بلغ قبل إجازة وليه فأجازه بنفسه جاز ، لأن له وليا يجيزه حالة العقد ، بخلاف ما لو طلق مثلا ثم بلغ فأجازه بنفسه ، لأنه وقت قيام التصرف لا مجيز له - أي لأن وليه لا يملك إجازة الطلاق - فيبطل ، إلا أن يوقع الطلاق حينئذ ، كأن يقول بعد البلوغ : أوقعت ذلك الطلاق .
ما يدخله الاستناد :
15 - يدخل الاستناد في تصرفات شرعية كثيرة : منها في العبادة كما ذكر ابن نجيم في الأشباه : أن الزكاة تجب بتمام الحول مستندا إلى أول وجود النصاب .
وكطهارة المستحاضة تنتقض عند خروج الوقت مستندا إلى وقت الحدث ، لا إلى خروج الوقت ، وكطهارة المتيمم ، تنتقض عند رؤية الماء مستندا إلى وقت الحدث لا إلى رؤية الماء ، فلو لبست المستحاضة الخف مع السيلان أو بعده لم تمسح عليه ، ولو لبس المتيمم الخف بعد تيممه لا يجوز له المسح عليه . ووضح ذلك الكرلاني من الحنفية بالنسبة للمستحاضة بأن الثابت بالاستناد ثابت من وجه دون وجه ، لأنه بين الظهور والاقتصار ، لأن انتقاض الوضوء حكم الحدث ، والحدث وجد في تلك الحالة ، فهذا يقتضي صيرورتها محدثة معلقة بخروج الوقت ، وخروج الوقت وجد الآن ، فهذا يقتضي صيرورتها محدثة في الحال ، فجعلناه ظهورا من وجه اقتصارا من وجه ، ولو كان ظهورا من كل وجه لا يجوز المسح ، ولو كان اقتصارا من كل وجه لجاز المسح ، فقلنا لا يجوز المسح أخذا بالاحتياط .

(5/122)


16 - ويكون الاستناد أيضا في البيوع الموقوف نفاذها على الإجازة كما تقدم . ومن البيوع الموقوفة بيع المكره والمرتد ، وما صدر من مالك غير أهل لتولي طرفي العقد ، كالصبي المميز والسفيه المحجور عليه ، وبيع المحجور عليه لحق الدائنين ، وما صدر ممن ليس له ولاية شرعية كالفضولي . وكذا لو باع المالك ما تعلق به حق الغير كالمرهون .
ويدخل الاستناد أيضا سائر العقود والإسقاطات والتصرفات التي تتوقف على الإجازة ، فمثلا كل تصرف صدر من الفضولي تمليكا كتزويج ، أو إسقاطا كطلاق وإعتاق ، ينعقد موقوفا على الإجازة ويستند . والقاعدة في ذلك أن " الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة " ( ر : إجازة ) . وكذا العقود التي فيها الخيار للطرفين ، أو لأحدهما إذا أجازها من له الخيار فلزمت ، فإنها تلزم لزوما مستندا إلى وقت الانعقاد ، لأنها موقوفة على قول ، والمضمونات تملك بأداء الضمان ملكا مستندا إلى وقت سبب الضمان .
ويكون الاستناد أيضا في الوصية إذا قبل الموصى له المعين ما أوصى له به ، عند من يثبت الملك فيه من حين موت الموصي ، وهو القول الأصح للشافعية ، وهو وجه مرجوح عند الحنابلة ، وعليه فيطالب الموصى له بثمرة الموصى به ، وتلزمه نفقته وفطرته وغيرهما من حين موت الموصي .
ومما يدخله الاستناد : الوصية لأجنبي بأكثر من الثلث ، أو لوارث ، وتبرعات المريض في مرض الموت ، إذ يتوقف ذلك على إجازة الورثة ، ويستند إلى وقت وفاة الموصي عند بعض الفقهاء .
الاستناد في الفسخ والانفساخ :
17 - مذهب الحنفية ، وهو الأصح عند الشافعية أن الفسخ لا يرفع العقد من أصله ، وإنما في فسخ فيما يستقبل من الزمان دون الماضي على ما نقل شيخ الإسلام خواهر زاده . وعند الشافعية في القول المرجوح ، وهو أحد وجهين للحنابلة يستند الفسخ إلى وقت العقد .

استنباط *
التعريف :

(5/123)


1 - الاستنباط لغة : استفعال من أنبط الماء إنباطا بمعنى استخرجه . وكل ما أظهر بعد خفاء فقد أنبط واستنبط . واستنبط الفقيه الحكم : استخرجه باجتهاده . قال الله تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } واستنبطه واستنبط منه علما وخيرا ومالا : استخرجه . وهو مجاز .
ويستخلص من استعمال الفقهاء والأصوليين تعريف الاستنباط بأنه : استخراج الحكم أو العلة إذا لم يكونا منصوصين ولا مجمعا عليهما بنوع من الاجتهاد . فيستخرج الحكم بالقياس ، أو الاستدلال ، أو الاستحسان ، أو نحوها ، وتستخرج العلة بالتقسيم والسبر ، أو المناسبة ، أو غيرها مما يعرف بمسالك العلة .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاجتهاد :
2 - هو بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني ، فالفرق بينه وبين الاستنباط أنه أعم من الاستنباط ، لأن الاجتهاد كما يكون في استخراج الحكم أو العلة ، يكون في دلالات النصوص والترجيح عند التعارض .
ب - التخريج :
3 - يستعمل هذا التعبير كل من الفقهاء والأصوليين ، وهو نوع من الاستنباط ، ومعناه عندهم : استخراج الحكم بالتفريع على نص الإمام في صورة مشابهة ، أو على أصول إمام المذهب كالقواعد الكلية التي يأخذ بها ، أو الشرع ، أو العقل ، من غير أن يكون الحكم منصوصا عليه من الإمام . ومن أمثلته : التفريع على قاعدة عدم التكليف بما لا يطاق . هذا حاصل ما ذكره ابن بدران من الحنابلة . وقال السقاف من الشافعية ما حاصله : إن التخريج أن ينقل فقهاء المذهب الحكم من نص إمامهم في صورة إلى صورة مشابهة .
وقد يكون للإمام نص في الصورة المنقول إليها مخالف للحكم المنقول ، فيكون له في هذه الصورة قولان ، قول منصوص وقول مخرج . وتخريج المناط عند الأصوليين معناه : إظهار ما علق عليه الحكم ، أي إظهار العلة .
ج - البحث :

(5/124)


4 - قال ابن حجر الهيتمي : البحث ما يفهم فهما واضحا من الكلام العام للأصحاب ، المنقول عن صاحب المذهب بنقل عام . وقال السقاف : البحث هو الذي استنبطه الباحث من نصوص الإمام وقواعده الكلية .
مواطن البحث :
يرجع لمعرفة مسائل الاستنباط إلى ( الاجتهاد ) ( والقياس - مسالك العلة ) والملحق الأصولي .
استنتار *
انظر : استبراء .
استنثار *
التعريف :
1 - الاستنثار : هو نثر ما في الأنف من مخاط وغيره بالنفس ، واستنثر الإنسان : استنشق الماء ، ثم استخرج ذلك بنفس الأنف . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي .
الحكم الإجمالي :
2 - الاستنثار سنة في الطهارة ، لما ورد في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه « تمضمض واستنشق واستنثر » . وللفقهاء تفصيل في كيفيته .
مواطن البحث :
3 - تنظر أحكام الاستنثار وكيفيته تحت مصطلح ( وضوء ) ( وغسل ) .

استنجاء *
التعريف :
1 - من معاني الاستنجاء : الخلاص من الشيء ، يقال : استنجى حاجته منه ، أي خلصها . والنجوة ما ارتفع من الأرض فلم يعلها السيل ، فظننتها نجاءك .
وأنجيت الشجرة واستنجيتها : قطعتها من أصلها . ومأخذ الاستنجاء في الطهارة ،
قال شمر : أراه من الاستنجاء بمعنى القطع ، لقطعه العذرة بالماء ، وقال ابن قتيبة : مأخوذ من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض ، لأنه إذا أراد قضاء الحاجة استتر بها .
وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الاستنجاء اصطلاحا ، وكلها تلتقي على أن الاستنجاء إزالة ما يخرج من السبيلين ، سواء بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما قرب منه . وليس غسل النجاسة عن البدن أو عن الثوب استنجاء .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستطابة :

(5/125)


2 - الاستطابة هي بمعنى الاستنجاء ، تشمل استعمال الماء والحجارة . وفي قول عند الشافعية أنها خاصة باستعمال الماء ، فتكون حينئذ أخص من الاستنجاء . وأصلها من الطيب ، لأنها تطيب المحل بإزالة ما فيه من الأذى ، ولذا يقال فيها أيضا الإطابة .
ب - الاستجمار :
3 - الجمار : الحجارة ، جمع جمرة وهي الحصاة . ومعنى الاستجمار : استعمال الحجارة ونحوها في إزالة ما على السبيلين من النجاسة .
ج - الاستبراء :
4 - الاستبراء لغة طلب : البراءة ، وفي الاصطلاح : طلب البراءة من الخارج بما تعارفه الإنسان من مشي أو تنحنح أو غيرهما إلى أن تنقطع المادة ، فهو خارج عن ماهية الاستنجاء ، لأنه مقدمة له .
د - الاستنقاء :
5 - الاستنقاء : طلب النقاوة ، وهو أن يدلك المقعدة بالأحجار ، أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء حتى ينقيها ، فهو أخص من الاستنجاء ، ومثله الإنقاء . قال ابن قدامة : هو أن تذهب لزوجة النجاسة وآثارها .
حكم الاستنجاء :
6 - في حكم الاستنجاء - من حيث الجملة - رأيان للفقهاء :
الأول : أنه واجب إذا وجد سببه ، وهو الخارج ، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة . واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار ، يستطيب بهن ، فإنها تجزي عنه » وقوله : « لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار » رواه مسلم وفي لفظ له : « لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة أحجار » ، قالوا : والحديث الأول أمر ، والأمر يقتضي الوجوب . وقال : « فإنها تجزي عنه » والإجزاء إنما يستعمل في الواجب ، ونهى عن الاقتصار على أقل من ثلاثة ، والنهي يقتضي التحريم ، وإذا حرم ترك بعض النجاسة فجميعها أولى .

(5/126)


7 - الرأي الثاني : أنه مسنون وليس بواجب . وهو قول الحنفية ، ورواية عن مالك . ففي منية المصلي : الاستنجاء مطلقا سنة لا على سبيل التعيين من كونه بالحجر أو بالماء ، وهو قول المزني من أصحاب الشافعي . ونقل صاحب المغني من قول ابن سيرين فيمن صلى بقوم ولم يستنج ، قال : لا أعلم به بأسا . قال الموفق : يحتمل أنه لم ير وجوب الاستنجاء . واحتج الحنفية بما في سنن أبي داود من قول النبي صلى الله عليه وسلم « من استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج » قال في مجمع الأنهر : لأنه لو كان واجبا لما انتفى الحرج عن تاركه . واحتجوا أيضا بأنه نجاسة قليلة ، والنجاسة القليلة عفو .
وفي السراج الوهاج للحنفية : الاستنجاء خمسة أنواع . أربعة فريضة : من الحيض والنفاس والجنابة ، وإذا تجاوزت النجاسة مخرجها .

(5/127)


وواحد سنة ، وهو ما إذا كانت النجاسة قدر المخرج . وقد رفض ابن نجيم هذا التقسيم ، وقرر أن الثلاثة هي من باب إزالة الحدث ، والرابع من باب إزالة النجاسة العينية عن البدن ، وليس ذلك من باب الاستنجاء ، فلم يبق إلا القسم المسنون . وأقر ابن عابدين التقرير . وقال القرافي بعد أن ذكر أن من ترك الاستنجاء وصلى بالنجاسة أعاد ، قال : ولمالك رحمه الله في العتبية : لا إعادة عليه ، ثم ذكر الحديث المتقدم : « من استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج » وقال : الوتر يتناول المرة الواحدة ، فإذا نفاها لم يبق شيء ، ولأنه محل تعم به البلوى فيعفى عنه ، وهذا يقتضي أن عند مالك قولا بعدم الوجوب . ثم هو عند الحنفية سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله عليه وسلم . وبنى ابن عابدين على ذلك كراهة تركه ، ونقله أيضا عن البدائع . ونقل عن الخلاصة والحلية نفي الكراهة ، بناء على أنه مستحب لا سنة ، بخلاف النجاسة المعفو عنها في غير موضع الحدث فتركها يكره .
وقت وجوب الاستنجاء عند القائلين بوجوبه :
8 - إن وجوب الاستنجاء إنما هو لصحة الصلاة . ولذا قال الشبراملسي من الشافعية : لا يجب الاستنجاء على الفور ، بل عند القيام إلى الصلاة حقيقة أو حكما ، بأن دخل وقت الصلاة وإن لم يرد فعلها في أوله . فإذا دخل وقت الصلاة وجب وجوبا موسعا بسعة الوقت ، ومضيقا بضيقه . ثم قال : نعم ، إن قضى حاجته في الوقت ، وعلم أنه لا يجد الماء في الوقت ، وجب استعمال الحجر فورا .
علاقة الاستنجاء بالوضوء ، والترتيب بينهما :

(5/128)


9 - الاستنجاء من سنن الوضوء قبله عند الحنفية والشافعية ، والرواية المعتمدة للحنابلة ، فلو أخره عنه جاز وفاتته السنية ، لأنه إزالة نجاسة ، فلم تشترط لصحة الطهارة ، كما لو كانت على غير الفرج . وصرح المالكية بأنه لا يعد من سنن الوضوء ، وإن استحبوا تقديمه عليه . أما الرواية الأخرى عند الحنابلة : فالاستنجاء قبل الوضوء - إذا وجد سببه - شرط في صحة الصلاة . فلو توضأ قبل الاستنجاء لم يصح ، وعلى هذه الرواية اقتصر صاحب كشاف القناع . قال الشافعية : وهذا في حق السليم ، أما في حق صاحب الضرورة - يعنون صاحب السلس ونحوه - فيجب تقديم الاستنجاء على الوضوء .
وعلى هذا ، فإذا توضأ السليم قبل الاستنجاء ، يستجمر بعد ذلك بالأحجار ، أو يغسله بحائل بينه وبين يديه ، ولا يمس الفرج . وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ذلك التفصيل .
علاقة الاستنجاء بالتيمم ، والترتيب بينهما :
10 - للفقهاء في ذلك اتجاهان :
الاتجاه الأول : أنه يجب تقديم الاستجمار على التيمم ، وهذا رأي الشافعية ، وهو أحد احتمالين عند المالكية ، وقول عند الحنابلة . وعلل القرافي ذلك بأن التيمم لا بد أن يتصل بالصلاة ، فإذا تيمم ثم استنجى فقد فرقه بإزالة النجو . وعلل القاضي أبو يعلى ذلك بأن التيمم لا يرفع الحدث ، وإنما تستباح به الصلاة ، ومن عليه نجاسة يمكنه إزالتها لا تباح له الصلاة ، فلم تصح نية الاستباحة ، كما لو تيمم قبل الوقت .

(5/129)


والاتجاه الثاني : أن الترتيب هنا لا يجب ، وهو الاحتمال الثاني عند المالكية ، والقول الآخر للحنابلة . قال القرافي : كما لو تيمم ثم وطئ نعله على روث ، فإنه يمسحه ويصلي . وقال القاضي أبو يعلى : لأنه طهارة فأشبهت الوضوء ، والمنع من الإباحة لمانع آخر لا يقدح في صحة التيمم ، كما لو تيمم في موضع نهي عن الصلاة فيه ، أو تيمم وعلى ثوبه نجاسة . وقيل عند الحنابلة : لا يصح تأخيره عن التيمم قولا واحدا .
حكم استنجاء من به حدث دائم :
11 - من كان به حدث دائم ، كمن به سلس بول ونحوه ، يخفف في شأنه حكم الاستنجاء ، كما يخفف حكم الوضوء .
ففي قول الحنفية والشافعية والحنابلة : يستنجي ويتحفظ ، ثم يتوضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت . فإذا فعل ذلك وخرج منه شيء لم يلزمه إعادة الاستنجاء والوضوء بسبب السلس ونحوه ، ما لم يخرج الوقت على مذهب الحنفية والشافعية ، وهو أحد قولي الحنابلة . أو إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى على المعتمد من قولي الحنابلة . وأما على قول المالكية : فلا يلزم من به السلس التوضؤ منه لكل صلاة ، بل يستحب ذلك ما لم يشق ، فعندهم أن ما يخرج من الحدث إذا كان مستنكحا - أي كثيرا يلازم كل الزمن أو جله ، بأن يأتي كل يوم مرة فأكثر - فإنه يعفى عنه ، ولا يلزمه غسل ما أصاب منه ولا يسن ، وإن نقض الوضوء وأبطل الصلاة في بعض الأحوال ، وسواء أكان غائطا ، أم بولا ، أم مذيا ، أم غير ذلك .
ما يستنجى منه :
12 - أجمع الفقهاء على أن الخارج من السبيلين المعتاد النجس الملوث يستنجى منه حسبما تقدم . أما ما عداه ففيه خلاف ، وتفصيل بيانه فيما يلي :
الخارج غير المعتاد :
13 - الخارج غير المعتاد كالحصى والدود والشعر ، لا يستنجى منه إذا خرج جافا ، طاهرا كان أو نجسا .

(5/130)


أما إذا كان به بلة ولوث المحل فيستنجى منها ، فإن لم يلوث المحل فلا يستنجى منه عند الحنفية والمالكية ، وهو القول المقدم عند كل من الشافعية والحنابلة . والقول الآخر عند كل من الشافعية والحنابلة : يستنجى من كل ما خرج من السبيلين غير الريح .
ذالدم والقيح وشبههما من غير المعتاد :
14 - إن خرج الدم أو القيح من أحد السبيلين ففيه قولان للفقهاء :
الأول : أنه لا بد من غسله كسائر النجاسات ، ولا يكفي فيه الاستجمار . وهذا قول عند كل من المالكية والشافعية ، لأن الأصل في النجاسة الغسل ، وترك ذلك في البول والغائط للضرورة ، ولا ضرورة هنا ، لندرة هذا النوع من الخارج . واحتج أصحاب هذا القول أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم « أمر بغسل الذكر من المذي » والأمر يقتضي الوجوب . قال ابن عبد البر : استدلوا بأن الآثار كلها على اختلاف ألفاظها وأسانيدها ليس فيها ذكر الاستجمار ، إنما هو الغسل . كالأمر بالغسل من المذي في حديث علي .
والقول الثاني : أنه يجزئ فيه الاستجمار ، وهو رأي الحنفية والحنابلة ، وقول لكل من المالكية والشافعية ، وهذا إن لم يختلط ببول أو غائط .
وحجة هذا القول ، أنه وإن لم يشق فيه الغسل لعدم تكرره ، فهو مظنة المشقة . وأما المذي فمعتاد كثير ، ويجب غسل الذكر منه تعبدا ، وقيل : لا يجب .
ما خرج من مخرج بديل عن السبيلين :
15 - إذا انفتح مخرج للحدث ، وصار معتادا ، استجمر منه عند المالكية ، ولا يلحق بالجسد ، لأنه أصبح معتادا بالنسبة إلى ذلك الشخص المعين . وعند الحنابلة : إذا انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر ، لم يجزئه الاستجمار فيه ، ولا بد من غسله ، لأنه غير السبيل المعتاد . وفي قول لهم : يجزئ . ولم يعثر على قول الحنفية والشافعية في هذه المسألة .
المذي :

(5/131)


16 - المذي نجس عند الحنفية ، فهو مما يستنجى منه كغيره ، بالماء أو بالأحجار . ويجزئ الاستجمار أو الاستنجاء بالماء منه . وكذلك عند المالكية في قول هو خلاف المشهور عندهم ، وهو الأظهر عند الشافعية ، ورواية عند الحنابلة . أما في المشهور عند المالكية ، وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة ، فيتعين فيه الماء ولا يجزئ الحجر ، لما روي أن عليا رضي الله عنه قال : « كنت رجلا مذاء ، فاستحيت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله ، فقال : يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ » . وفي لفظ « يغسل ذكره ويتوضأ » . وإنما يتعين فيه الغسل عند المالكية إذا خرج بلذة معتادة ، أما إن خرج بلا لذة أصلا فإنه يكفي فيه الحجر ، ما لم يكن يأتي كل يوم على وجه السلس ، فلا يطلب في إزالته ماء ولا حجر ، بل يعفى عنه .
الودي :
17 - الودي خارج نجس ، ويجزي فيه الاستنجاء بالماء أو بالأحجار عند فقهاء المذاهب الأربعة .
الريح :
18 - لا استنجاء من الريح . صرح بذلك فقهاء المذاهب الأربعة . فقال الحنفية : هو بدعة ، وهذا يقتضي أنه عندهم محرم ، ومثله ما قاله القليوبي من الشافعية ، بل يحرم ، لأنه عبادة فاسدة . ويكره عند المالكية والشافعية . قال الدسوقي : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من استنجى من ريح » والنهي للكراهة . وقال صاحب نهاية المحتاج من الشافعية : لا يجب ولا يستحب الاستنجاء من الريح ولو كان المحل رطبا . وقال ابن حجر المكي : يكره من الريح إلا إن خرجت والمحل رطب . والذي عبر به الحنابلة : أنه لا يجب منها ، ومقتضى استدلالهم الآتي الكراهة على الأقل . قال صاحب المغني : للحديث « من استنجى من ريح فليس منا » رواه الطبراني في معجمه الصغير .

(5/132)


وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } . الآية إذا قمتم من النوم . ولم يأمر بغيره ، يعني فلو كان واجبا لأمر به ، لأن النوم مظنة خروج الريح ، فدل على أنه لا يجب ، ولأن الوجوب من الشرع ، ولم يرد بالاستنجاء هاهنا نص ، ولا هو في معنى المنصوص عليه ، لأن الاستنجاء شرع لإزالة النجاسة ، ولا نجاسة هاهنا .
الاستنجاء بالماء :
19 - يستحب باتفاق المذاهب الأربعة الاستنجاء بالماء . وقد ورد عن بعض الصحابة والتابعين إنكار الاستنجاء به ، ولعل ذلك لأنه مطعوم .
والحجة لإجزاء استعمال الماء ما روى أنس بن مالك قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء ، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة ، فيستنجي بالماء » متفق عليه . وعن « عائشة أنها قالت : مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله » . وقد حمل المالكية ما ورد عن السلف من إنكار استعمال الماء بأنه في حق من أوجب استعمال الماء . وحمل صاحب كفاية الطالب ما ورد عن سعيد بن المسيب من قوله : وهل يفعل ذلك إلا النساء ؟ على أنه من واجبهن .
الاستنجاء بغير الماء من المائعات :
20 - لا يجزئ الاستنجاء بغير الماء من المائعات على قول الجمهور : المالكية والشافعية والحنابلة ، وهو رواية عن محمد بن الحسن تعد ضعيفة في المذهب . قال المالكية : بل يحرم الاستنجاء بمائع غير الماء لنشره النجاسة . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يمكن أن يتم الاستنجاء - كما في إزالة النجاسة - بكل مائع طاهر مزيل ، كالخل وماء الورد ، دون ما لا يزيل كالزيت ، لأن المقصود قد تحقق ، وهو إزالة النجاسة . ثم قد قال ابن عابدين : يكره الاستنجاء بمائع غير الماء ، لما فيه من إضاعة المال بلا ضرورة .
أفضلية الغسل بالماء على الاستجمار :

(5/133)


21 - إن غسل المحل بالماء أفضل من الاستجمار ، لأنه أبلغ في الإنقاء ، ولإزالته عين النجاسة وأثرها . وفي رواية عن أحمد : الأحجار أفضل ، ذكرها صاحب الفروع . وإذا جمع بينهما بأن استجمر ثم غسل كان أفضل من الكل بالاتفاق . وبين النووي وجه الأفضلية بقوله : تقديم الأحجار لتقل مباشرة النجاسة واستعمال الماء ، فلو استعمل الماء أولا لم يستعمل الحجارة بعده ، لأنه لا فائدة فيه . وعند الحنابلة الترتيب بتقديم الاستجمار على الغسل مستحب ، وإن قدم الماء وأتبعا الحجارة كره ، لقول عائشة : « مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء فإني أستحييهم ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله » . وعند الحنفية قيل : الغسل بالماء سنة ، وقيل : الجمع سنة في زماننا . وقيل : سنة على الإطلاق ، وهو الصحيح وعليه الفتوى كما في البحر الرائق . هذا وقد احتج الخرشي وغيره على أفضلية الجمع بين الماء والحجر بأن أهل قباء كانوا يجمعون بينهما ، فمدحهم الله تعالى بقوله : { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } وحقق النووي أن الرواية الصحيحة في ذلك ليس فيها أنهم كانوا يجمعون بينهما ، وإنما فيها أنهم يستنجون بالماء .
ما يستجمر به :

(5/134)


22 - الاستجمار يكون بكل جامد إلا ما منع منه وسيأتي تفصيله ، وهذا قول جمهور العلماء ، ومنهم الإمام أحمد في الرواية المعتمدة عنه ، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة . وفي رواية عن أحمد اختارها أبو بكر : لا يجزئ في الاستجمار شيء من الجوامد من خشب وخرق إلا الأحجار ،« لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار »، وأمره يقتضي الوجوب ، ولأنه موضع رخصة ورد فيها الشرع بآلة مخصوصة ، فوجب الاقتصار عليها ، كالتراب في التيمم . والدليل لقول الجمهور : ما روى أبو داود عن خزيمة قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال : بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع » فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرجيع ، لأنه لا يحتاج لذكره ، ولم يكن لتخصيص الرجيع بالذكر معنى . وعن سلمان قال «: قيل له : قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراء قال : فقال : أجل ، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ، أو أن نستنجي باليمين . أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ، أو أن نستنجي برجيع أو عظم » 0 وفارق التيمم ، لأن القصد هنا إزالة النجاسة ، وهي تحصل بغير الأحجار ، أما التيمم فهو غير معقول المعنى .
الاستجمار هل هو مطهر للمحل ؟
23 - اختلف الفقهاء في هذا على قولين :
الأول : أن المحل يصير طاهرا بالاستجمار ، وهو قول عند كل من الحنفية والمالكية والحنابلة . قال ابن الهمام : والذي يدل على اعتبار الشرع طهارته أنه صلى الله عليه وسلم « نهى أن يستنجى بروث أو عظم ، وقال : إنهما لا يطهران » فعلم أن ما أطلق الاستنجاء به يطهر ، إذ لو لم يطهر لم يطلق الاستنجاء به لهذه العلة . وكذلك قال الدسوقي المالكي : يكون المحل طاهرا لرفع الحكم والعين عنه .

(5/135)


والقول الثاني : وهو القول الآخر لكل من الحنفية والمالكية ، وقول المتأخرين من الحنابلة : أن المحل يكون نجسا معفوا عنه للمشقة . قال ابن نجيم : ظاهر ما في الزيلعي أن المحل لا يطهر بالحجر . وفي كشاف القناع للحنابلة : أثر الاستجمار نجس يعفى عن يسيره في محله للمشقة . وفي المغني : وعليه لو عرق كان عرقه نجسا .
24 - وجمهور الفقهاء على أن الرطوبة إذا أصابت المحل بعد الاستجمار يعفى عنها .
قال ابن نجيم من الحنفية : بناء على القول بأن المحل بعد الاستجمار نجس معفو عنه ، يتفرع عليه أنه يتنجس السبيل بإصابة الماء . وفيه الخلاف المعروف في مسألة الأرض إذا جفت بعد التنجس ثم أصابها الماء ، وقد اختاروا في الجميع عدم عود النجاسة ، فليكن كذلك هنا . ثم نقل عن ابن الهمام قوله : أجمع المتأخرون - أي من الحنفية - على أنه لا ينجس المحل بالعرق ، حتى لو سال العرق منه ، وأصاب الثوب والبدن أكثر من قدر الدرهم لا يمنع ( أي لا يمنع صحة الصلاة ) .
ونقل القرافي عن صاحب الطراز وابن رشد : يعفى عنه لعموم البلوى . قال : وقد عفي عن ذيل المرأة تصيبه النجاسة ، مع إمكان شيله ، فهذا أولى ، ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستجمرون ويعرقون . والقول الآخر : قاله الشافعية ، وابن القصار من المالكية : لا ينجس إن لم تتعد الرطوبة محل الاستجمار ، وينجس إن تعدت النجاسة محل العفو .
المواضع التي لا يجزئ فيها الاستجمار :
أ - النجاسة الواردة على المخرج من خارجه :

(5/136)


25 - إن كان النجس طارئا على المحل من خارج أجزأ فيه الاستجمار في المشهور عند الحنفية . وصرح الشافعية والحنابلة بأن الحجر لا يجزئ فيه ، بل لا بد من غسله بالماء . وهو قول آخر للحنفية . ومثله عند الشافعية ، ما لو طرأ على المحل المتنجس بالخارج طاهر رطب ، أو يختلط بالخارج كالتراب . ومثله ما لو استجمر بحجر مبتل ، لأن بلل الحجر يتنجس بنجاسة المحل ثم ينجسه . وكذا لو انتقلت النجاسة عن المحل الذي أصابته عند الخروج ، فلا بد عندهم من غسل المحل في كل تلك الصور .
ب - ما انتشر من النجاسة وجاوز المخرج :
26 - اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخارج إن جاوز المخرج وانتشر كثيرا لا يجزئ فيه الاستجمار ، بل لا بد من غسله . ووجه ذلك أن الاستجمار رخصة لعموم البلوى ، فتختص بما تعم به البلوى ، ويبقى الزائد على الأصل في إزالة النجاسة بالغسل . لكنهم اختلفوا في تحديد الكثير ، فذهب المالكية والحنابلة والشافعية إلى أن الكثير من الغائط هو ما جاوز المخرج ، وانتهى إلى الألية ، والكثير من البول ما عم الحشفة .
وانفرد المالكية في حال الكثرة بأنه يجب غسل الكل لا الزائد وحده .
وذهب الحنفية إلى أن الكثير هو ما زاد عن قدر الدرهم ، مع اقتصار الوجوب على الزائد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، خلافا لمحمد ، حيث وافق المالكية في وجوب غسل الكل .
ج - استجمار المرأة :
27 - يجزئ المرأة الاستجمار من الغائط بالاتفاق ، وهذا واضح . أما من البول فعند المالكية لا يجزئ الاستجمار في بول المرأة ، بكرا كانت أو ثيبا . قالوا : لأنه يجاوز المخرج غالبا . وعند الشافعية : يكفي في بول المرأة - إن كانت بكرا - ما يزيل عين النجاسة خرقا أو غيرها ، أما الثيب فإن تحققت نزول البول إلى ظاهر المهبل ، كما هو الغالب ، لم يكف الاستجمار ، وإلا كفى . ويستحب الغسل حينئذ .

(5/137)


أما عند الحنابلة ففي الثيب قولان :
الأول : أنه يكفيها الاستجمار .
والثاني : أنه يجب غسله . وعلى كلا القولين لا يجب على المرأة غسل الداخل من نجاسة وجنابة وحيض ، بل تغسل ما ظهر ، ويستحب لغير الصائمة غسله .
ومقتضى قواعد مذهب الحنفية أنه إذا لم يجاوز الخارج المخرج كان الاستنجاء سنة . وإن جاوز المخرج لا يجوز الاستجمار ، بل لا بد من المائع أو الماء لإزالة النجاسة . ولم يتعرضوا لكيفية استجمار المرأة .
ما لا يستجمر به :
28 - اشترط الحنفية والمالكية فيما يستجمر به خمسة شروط :
(1 ) أن يكون يابسا ، وعبر غيرهم بدل اليابس بالجامد .
(2 ) طاهرا .
(3 ) منقيا .
(4 ) غير مؤذ .
(5 ) ولا محترم . وعلى هذا فما لا يستنجى به عندهم خمسة أنواع :
(1 ) ما ليس يابسا .
(2 ) الأنجاس .
(3 ) غير المنقي ، كالأملس من القصب ونحوه .
(4 ) المؤذي ، ومنه المحدد كالسكين ونحوه .
(5 ) المحترم وهو عندهم ثلاثة أصناف :
أ - المحترم لكونه مطعوما .
ب - المحترم لحق الغير .
ج - المحترم لشرفه .
وهذه الأمور تذكر في غير كتب المالكية أيضا ، إلا أنهم لا يذكرون في الشروط عدم الإيذاء ، وإن كان يفهم المنع منه بمقتضى القواعد العامة للشريعة . وهم وإن اتفقوا على هذه الاشتراطات من حيث الجملة ، فإنهم قد يختلفون في التفاصيل ، وقد يتفقون .
ويرجع في تفصيل ذلك إلى كتب الفقه .
هل يجزئ الاستنجاء بما حرم الاستنجاء به :
29 - إذا ارتكب النهي واستنجى بالمحرم وأنقى ، فعند الحنفية والمالكية وابن تيمية من الحنابلة ، كما في الفروع : يصح الاستنجاء مع التحريم . قال ابن عابدين : لأنه يجفف ما على البدن من الرطوبة . وقال الدسوقي : ولا إعادة عليه في الوقت ولا في غيره .

(5/138)


أما عند الشافعية فلا يجزئ الاستنجاء بما حرم لكرامته من طعام أو كتب علم ، وكذلك النجس . أما عند الحنابلة فلا يجزئ الاستجمار بما حرم مطلقا ، لأن الاستجمار رخصة فلا تباح بمحرم . وفرقوا بينه وبين الاستجمار باليمين - فإنه يجزئ الاستجمار بها مع ورود النهي - بأن النهي في العظم ونحوه لمعنى في شرط الفعل ، فمنع صحته ، كالوضوء بالماء النجس . أما باليمين فالنهي لمعنى في آلة الشرط ، فلم يمنع ، كالوضوء من إناء محرم . وسووا في ذلك بين ما ورد النهي عن الاستجمار به كالعظم ، وبين ما كان استعماله بصفة عامة محرما كالمغصوب . قالوا : ولو استجمر بعد المحرم بمباح لم يجزئه ووجب الماء ، وكذا لو استنجى بمائع غير الماء . وإن استجمر بغير منق كالقصب أجزأ الاستجمار بعده بمنق . وفي المغني : يحتمل أن يجزئه الاستجمار بالطاهر بعد الاستجمار بالنجس ، لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها .
كيفية الاستنجاء وآدابه :
أولا : الاستنجاء بالشمال :
30 - ورد في الحديث عند أصحاب الكتب الستة عن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه ، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه » . فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين ، وحمل الفقهاء هذا النهي على الكراهة ، وهي كراهة تحريم عند الحنفية ، كما استظهر ابن نجيم . وكل هذا في غير حالة الضرورة أو الحاجة ، للقاعدة المعروفة : الضرورات تبيح المحظورات .
فلو يسراه مقطوعة أو شلاء ، أو بها جراحة جاز الاستنجاء باليمين من غير كراهة .
هذا ، ويجوز الاستعانة باليمين في صب الماء ، وليس هذا استنجاء باليمين ، بل المقصود منه مجرد إعانة اليسار ، وهي المقصودة بالاستعمال .
ثانيا : الاستتار عند الاستنجاء :

(5/139)


31 - الاستنجاء يقتضي كشف العورة ، وكشفها أمام الناس محرم في الاستنجاء وغيره ، فلا يرتكب لإقامة سنة الاستنجاء ، ويحتال لإزالة النجاسة من غير كشف للعورة عند من يراه . فإن لم يكن بحضرة الناس ، فعند الحنفية : من الآداب أن يستر عورته حين يفرغ من الاستنجاء والتجفيف ، لأن الكشف كان لضرورة وقد زالت .
وعند الحنابلة في التكشف لغير حاجة روايتان : الكراهة ، والحرمة . وعليه فينبغي أن يكون ستر العورة بعد الفراغ من الاستنجاء مستحبا على الأقل .
ثالثا : الانتقال عن موضع التخلي :
32 - إذا قضى حاجته فلا يستنجي حيث قضى حاجته . كذا عند الشافعية والحنابلة - قال الشافعية : إذا كان استنجاؤه بالماء - بل ينتقل عنه ، لئلا يعود الرشاش إليه فينجسه . واستثنوا الأخلية المعدة لذلك ، فلا ينتقل فيها .
وإذا كان استنجاؤه بالحجر فقط فلا ينتقل من مكانه ، لئلا ينتقل الغائط من مكانه فيمتنع عليه الاستجمار . أما عند الحنابلة ، فينبغي أن يتحول من مكانه الذي قضى فيه حاجته للاستجمار بالحجارة أيضا ، كما يتحول للاستنجاء بالماء ، وهذا إن خشي التلوث .
رابعا : عدم استقبال القبلة حال الاستنجاء :
33 - من آداب الاستنجاء عند الحنفية : أن يجلس له إلى يمين القبلة ، أو يسارها كي لا يستقبل القبلة أو يستدبرها حال كشف العورة . فاستقبال القبلة أو استدبارها حالة الاستنجاء ترك أدب ، وهو مكروه كراهة تنزيه ، كما في مد الرجل إليها . وقال ابن نجيم : اختلف الحنفية في ذلك ، واختار التمرتاشي أنه لا يكره ، وهذا بخلاف التبول أو التغوط إليها فهو عندهم محرم . وعند الشافعية : يجوز الاستنجاء مع الاتجاه إلى القبلة من غير كراهة ، لأن النهي ورد في استقبالها واستدبارها ببول أو غائط ، وهذا لم يفعله .
خامسا : الاستبراء :

(5/140)


34 - وهو طلب البراءة من خارج ، ويختلف بطباع الناس ، إلى أن يستيقن بزوال الأثر . وتفصيل ذلك في مصطلح ( استبراء ) .
سادسا : الانتضاح وقطع الوسوسة :
35 - ذكر الحنفية والشافعية والحنابلة : أنه إذا فرغ من الاستنجاء بالماء استحب له أن ينضح فرجه أو سراويله بشيء من الماء ، قطعا للوسواس ، حتى إذا شك حمل البلل على ذلك النضح ، ما لم يتيقن خلافه . وهذا ذكره الحنفية أنه يفعل ذلك إن كان الشيطان يريبه كثيرا . ومن ظن خروج شيء بعد الاستنجاء فقد قال أحمد بن حنبل : لا تلتفت حتى تتيقن ، واله عنه فإنه من الشيطان ، فإنه يذهب إن شاء الله .

استنزاه *
التعريف :
1 - الاستنزاه : استفعال من التنزه وأصله التباعد . والاسم النزهة ، ففلان يتنزه من الأقذار وينزه نفسه عنها : أي يباعد نفسه عنها . وفي حديث المعذب في قبره « كان لا يستنزه من البول » أي لا يستبرئ ولا يتطهر ، ولا يبتعد منه .
والفقهاء يعبرون بالاستنزاه والتنزه عند الكلام عن الاحتراز عن البول أو الغائط .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستبراء :
2 - الاستبراء هو طلب البراءة من الخارج من السبيلين حتى يستيقن زوال الأثر ، فهو أخص من الاستنزاه .
ب - الاستنجاء :
3 - الاستنجاء - ومثله الاستطابة - هو إزالة النجس عن أحد السبيلين بماء أو حجر أو غير ذلك ، وهو أيضا أخص من الاستنزاه .
الحكم الإجمالي :
4 - الاستنزاه من البول أو الغائط واجب ، فمن لم يتحرز من البول في بدنه وثوبه فقد ارتكب كبيرة كما يراه ابن حجر .
وتفصيل أحكامه في مصطلح ( استبراء ) ( وقضاء الحاجة ) ( ونجاسة ) .
مواطن البحث :
5 - تبحث المسألة عند الفقهاء في الطهارة عند الكلام عن الاستنجاء ، أو الاستبراء عن البول والغائط .
استنشاق *
التعريف :
1 - الاستنشاق : استنشاق الهواء أو غيره : إدخاله في الأنف . ويخصه الفقهاء بإدخال الماء في الأنف .

(5/141)


الحكم الإجمالي :
2 - الاستنشاق سنة في الوضوء عند جمهور الفقهاء ، وعند الحنابلة فرض . وأما في الغسل للتطهر من الحدث الأكبر فهو سنة عند المالكية والشافعية ، فرض عند الحنفية والحنابلة . وإنما فرق الحنفية بين الوضوء ، والغسل من الجنابة ، فقالوا بفرضية الاستنشاق في الغسل وسنيته في الوضوء ، لأن الجنابة تعم جميع البدن ، ومن البدن الفم والأنف ، بخلاف الوضوء فالفرض فيه غسل الوجه وهو ما تقع به المواجهة ، ولا تقع المواجهة بالأنف والفم . وللفقهاء تفصيل في كيفيته انظر ( وضوء ) ( وغسل ) .
مواطن البحث :
3 - تنظر أحكام الاستنشاق في ( الوضوء ) ( والغسل ) ( وغسل الميت ) .

استنفار *
التعريف :
1 - الاستنفار في اللغة مصدر : استنفر ، من نفر القوم " نفيرا " أي أسرعوا إلى الشيء ، وأصل النفير مفارقة مكان إلى مكان آخر لأمر حرك ذلك ، ويقال للقوم النافرين لحرب أو لغيرها : نفير ، تسمية بالمصدر .
2 - وفي الاصطلاحي الشرعي : الخروج إلى قتال العدو ونحوه من الأعمال الصالحة بدعوة من الإمام أو غيره أو للحاجة إلى ذلك . ولكن غلب استعماله عند الفقهاء في قتال العدو .
الألفاظ ذات الصلة به :
الاستنجاد :
3 - الاستنجاد : وهو طلب العون من الغير . يقال : استنجده فأنجده ، أي استعان به فأعانه .
الحكم الإجمالي :

(5/142)


4 - لا خلاف بين المسلمين في أن الخروج إلى الجهاد فرض ، منذ شرع بعد الهجرة ، واختلفوا في نوع الفرضية في عهده صلى الله عليه وسلم فذهب الشافعية في أصح القولين عندهم إلى أن النفير كان فرض كفاية في عهده صلى الله عليه وسلم . أما كونه فرضا فبالإجماع ، وأما كونه على الكفاية فلقوله تعالى : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله } ، إلى قوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } . ووجه الاستدلال : أن الحق تبارك وتعالى فاضل بين القاعدين والمجاهدين في سبيل الله ، ثم وعد كليهما الحسنى . والعاصي لا يوعد بها ، ولا يفاضل بين مأجور ومأزور ، فكانوا غير عاصين بقعودهم . وقيل : كان النفير في عهده صلى الله عليه وسلم فرض عين ، فلم يكن لأحد من غير المعذورين أن يتخلف عنه ، لقوله تعالى : { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } . إلى قوله تعالى : { انفروا خفافا وثقالا } . وقالوا : إن القاعدين المشار إليهم بآية سورة النساء كانوا حراسا على المدينة ، وهو نوع من الجهاد . وهناك أقوال أخرى : يرجع إليها في مصطلح : ( جهاد ) .
أما بعد عهده صلى الله عليه وسلم فللعدو حالتان :
5 - أن يكون في بلاده مستقرا ، ولم يقصد إلى شيء من بلاد المسلمين ، ففي هذه الحالة : اتفق جمهور الفقهاء على أن النفير فرض كفاية ، إذا قام به فريق من الناس مرة في السنة سقط الحرج عن الباقين ، أما الفرضية فلقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } . ولقوله صلى الله عليه وسلم « الجهاد ماض إلى يوم القيامة » .

(5/143)


وأما كونه على الكفاية فلأنه لم يفرض لذاته وإنما فرض لإعزاز دين الله وإعلاء كلمة الحق ، ودفع الشر عن العباد ، فإذا حصل المقصود بالبعض سقط الحرج عن الباقين ، بل إذا أمكنه أن يحصل بإقامة الدليل والدعوة بغير جهاد كان أولى من الجهاد ، فإن لم يقم به أحد أثم الجميع بتركه .
6 - أما إذا دهم العدو بلدا من بلاد الإسلام ، فإنه يجب النفير على جميع أهل هذا البلد ، ومن بقربهم وجوبا عينيا ، فلا يجوز لأحد أن يتخلف عنه ، حتى الفقير ، والولد ، والعبد ، والمرأة المتزوجة بلا إذن من : الأبوين ، والسيد ، والدائن ، والزوج . فإن عجز أهل البلد ومن بقربهم عن الدفاع فعلى من يليهم ، إلى أن يفترض على جميع المسلمين فرض عين كالصلاة تماما على هذا التدريج .
7 - وكذلك يكون النفير فرض عين على كل من يستنفر ممن له حق الاستنفار كالإمام أو نوابه ، ولا يجوز لأحد أن يتخلف إذا دعاه داعي النفير ، إلا من منعه الإمام من الخروج ، أو دعت الحاجة إلى تخلفه لحفظ الأهل أو المال ، لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم } .
النفير من منى :

(5/144)


8 - يجوز للحاج أن ينفر قبل الغروب من اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الرمي عند الشافعية ، والحنابلة ، ومن اليوم الثالث من أيام التشريق عند الحنفية ، فإن لم ينفر حتى غربت شمس اليوم الثالث كره له أن ينفر حتى يرمي في اليوم الرابع ، ولا شيء عليه إن نفر وقد أساء ، وقيل : إنه عليه دم . وأما لو نفر بعد طلوع فجر الرابع لزمه دم هذا عند الحنفية . أما عند الأئمة الثلاثة : فإنه يجب عليه دم إذا نفر بعد غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق . كما صرح الشافعية بأنه يجب عليه دم لو نفر بعد المبيت ، وقبل الرمي ، ولو نفر قبل الغروب ثم عاد إلى منى مارا أو زائرا ولو بعد الغروب لم يجب عليه مبيت تلك الليلة ولا رمي يومها . والتفصيل في ( الحج ) .
مواطن البحث :
يذكره الفقهاء في باب : الجهاد ، وفي الحج : المبيت بمزدلفة .

استنقاء *
انظر : استنجاء .
استنكاح *
التعريف :
1 - في المصباح : استنكح بمعنى نكح ، وفي تاج العروس وأساس البلاغة : ومن المجاز استنكح النوم عينه غلبها . وفقهاء المالكية فقط هم الذين يعبرون بهذا اللفظ عن معنى الغلبة مسايرين المعنى اللغوي فيقولون : استنكحه الشك أي اعتراه كثيرا .
وبقية الفقهاء يعبرون عن ذلك بغلبة الشك أو كثرته بحيث يصبح عادة له .
الحكم الإجمالي :
2 - فسر المالكية الشك المستنكح بأنه الذي يعتري صاحبه كثيرا ، بأن يأتي كل يوم ولو مرة ، فمن استنكحه الشك في الحدث بأن شك هل أحدث أم لا بعد وضوئه ؟ فلا ينتقض الوضوء لما فيه من الحرج ، وأما لو أتي يوما بعد يوم فينقض ، لأنه ليس بغالب ، ولا حرج في التوضؤ به على المشهور من المذهب . وانظر ( شك ) .
ومن استنكحه خروج المذي أو الودي أو غيرهما ففي الحكم تيسير ينظر في ( سلس ) .
مواطن البحث :

(5/145)


3 - الشك الغالب يرد ذكره في كثير من مسائل الفقه كالوضوء ، والغسل ، والتيمم ، وإزالة النجاسة ، والصلاة ، والطلاق ، والعتاق ، وغير ذلك .
وتنظر في مواضعها وفي مصطلح ( شك ) .

استهزاء *
انظر : استخفاف .
استهلاك *
التعريف :
1 - الاستهلاك لغة : هلاك الشيء وإفناؤه ، واستهلك المال : أنفقه وأنفده . واصطلاحا ، كما يفهم من عبارة بعض الفقهاء : هو تصيير الشيء هالكا أو كالهالك كالثوب البالي ، أو اختلاطه بغيره بصورة لا يمكن إفراده بالتصرف كاستهلاك السمن في الخبز .
الألفاظ ذات الصلة :
الإتلاف :
2 - الإتلاف هو : إفناء عين الشيء وإذهاب لها بالكلية ، فهو أخص من الاستهلاك ، لأن عين الشيء قد تفنى وقد تبقى مع خروجه عن الانتفاع الموضوع له عادة . انظر مصطلح ( إتلاف ) .
ما يكون به الاستهلاك :
3 - مما يكون به الاستهلاك :
أ - تفويت المنافع الموضوعة المقصودة من العين بحيث يصير كالهالك مع بقاء العين ، كتخريق الثوب ، وتنجيس الزيت إن لم يمكن تطهيره .
ب - تعذر وصول المالك إلى حقه في العين لاختلاطه بحيث يتعذر تمييزه عن غيره ، كما إذا خلط اللبن بالماء ، أو الزيت بالشيرج .
أثر الاستهلاك :
4 - يترتب على الاستهلاك الواقع من الغير زوال ملك المالك عن العين المستهلكة ، فهو يمنع الاسترداد ويوجب الضمان بالمثل أو القيمة للمالك .
ويثبت الملك للغاصب بالضمان ، وهذا عند الحنفية ، والمذهب عند الشافعية .

استهلال *
التعريف :
1 - الاستهلال لغة : مصدر استهل ، واستهل الهلال ظهر ، واستهلال الصبي أن يرفع صوته بالبكاء عند ولادته ، والإهلال رفع الصوت بقول : لا إله إلا الله ، وأهل المحرم بالحج : رفع صوته بالتلبية . والبحث هنا قاصر على استهلال المولود .

(5/146)


ويختلف مراد الفقهاء بالاستهلال ، فمنهم من قصره على الصياح ، وهم المالكية والشافعية ، وهو رواية عن أحمد ، ومنهم من ذهب إلى أوسع من ذلك وأراد به كل ما يدل على حياة المولود ، من رفع صوت ، أو حركة عضو بعد الولادة ، وهم الحنفية . ومنهم من فسره بأنه كل صوت يدل على الحياة من صياح ، أو عطاس ، أو بكاء ، وهو رأي للحنابلة .
والذين قصروا الاستهلال على الصياح لا يمنعون حصول حياة المولود الذي مات دون صياح ، وإنما يحكمون على حياته ببعض الأمارات التي تدل على الحياة بمفردها أو مع غيرها . وسيشمل هذا البحث أحكام الاستهلال بمعناه الأعم ، وهو اصطلاح الحنفية القائلين بتعدد أمارات الحياة .
أمارات الحياة :
أ - الصياح :
2 - يتفق الفقهاء على أن الصياح أمارة يقينية على الحياة ، لكنهم يختلفون في الحال التي يعتبر الصياح فيها مؤثرا ، وقد يختلف ذلك من موطن لآخر في المذهب الواحد .
ب - العطاس والارتضاع :
3 - العطاس والارتضاع من أمارات الاستهلال عند الحنفية ، وهما في معناه عند الشافعية ، والمازري وابن وهب من المالكية ، وهو المذهب عند أحمد كذلك ، فيثبت بهما حكم الاستهلال عندهم . أما عند مالك فلا عبرة بالعطاس ، لأنه قد يكون من الريح ، وكذلك الرضاع إلا أن الكثير من الرضاع معتبر ، والكثير ما تقول أهل المعرفة : إنه لا يقع مثله إلا ممن فيه حياة مستقرة .
ج - التنفس :
4 - يأخذ التنفس حكم العطاس عند الحنفية والشافعية والحنابلة .
د - الحركة :
5 - حركة المولود إما أن تكون طويلة أو يسيرة ، وهي أعم من الاختلاج ، إذ الاختلاج تحرك عضو ، والحركة أعم من تحرك عضو أو تحرك الجملة .
وللعلماء ثلاثة اتجاهات في الحركة :
الأول : الأخذ بها مطلقا .
والثاني : عدم الاعتداد بها مطلقا .
والثالث : الأخذ بالحركة الطويلة دون اليسيرة .

(5/147)


هـ- الحركة الطويلة :
6 – الحركة الطويلة من الاستهلال عند الحنفية ، عدا ابن عابدين ، وفي معنى الاستهلال عند الشافعية ، وأحد رأيي المالكية ، والمذهب عند أحمد أنها في حكم الاستهلال كذلك .
أما المالكية في قولهم الآخر ، وابن عابدين فإنهم لا يعطونها حكم الاستهلال ، سواء أكانت طويلة أم يسيرة ، لأن حركته كحركته في البطن ، وقد يتحرك المقتول ،
وقيل بهذا عند الحنابلة .
و - الحركة اليسيرة :
7 - تأخذ الحركة اليسيرة حكم الاستهلال عند الحنفية ، ولا يعتد بها عند المالكية اتفاقا ، وكذلك الحنابلة ، أما الشافعية فمنهم من وافق الحنفية ، ومنهم من وافق المالكية ، ومنهم من تردد ، إذ لم يفرق كثير من فقهاء الشافعية بين الحركة الطويلة والحركة اليسيرة ، ومنهم من اشترط قوة الحركة ولم يعتد بحركة المذبوح ، لأنها لا تدل على الحياة .
ز - الاختلاج :
8 - يأخذ الاختلاج حكم الحركة اليسيرة عند عامة الفقهاء ، إلا أن الشافعية شهروا عدم إعطائه حكم الاستهلال .
إثبات الاستهلال :
9 - مما يثبت به الاستهلال الشهادة ، وهي إما أن تكون بأقوال رجلين ، أو رجل وامرأتين ، وهو محل اتفاق ، وإما أن تكون بشهادة النساء وحدهن .
وقد اختلف الفقهاء في العدد المجزي والمواطن المقبولة .
10 - والاستهلال من الأمور التي يطلع عليها النساء غالبا ، لذلك يقبل الفقهاء - عدا الربيع من الشافعية - شهادتهن عليه منفردات عن الرجال . إلا أنهم اختلفوا في نصابها وفي المواطن التي تقبل شهادتهن فيها .
وتفصيل اتجاهاتهم في نصاب شهادة النساء كما يلي :

(5/148)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية