صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المحلي بالاثار لابن حزم

والآخر - من طريق معمر أيضا عن حرام بن عثمان عن عبد الرحمن ومحمد ابني جابر بن عبد الله عن أبيهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر كلاما كثيرا وفيه: ولا رضاع بعد الفطام.
وهذان خبران لا يجوز التشاغل بهما؛ لأن جويبرا ساقط، والضحاك ضعيف وحرام بن عثمان هالك بمرة - فسقط كل ما تعلقوا به - وبالله تعالى التوفيق.
وسقطت الأقوال كلها إلا قول من راعى الحولين، وقول من لم يراع في ذلك حدا أصلا، فنظرنا فيمن راعى الحولين فوجدناهم يحتجون بقول الله - عز وجل - { وحمله وفصاله tbqèW"n=rبسم الله الرحمن الرحيم شهرا } (1). وبقوله - عز وجل - { * والوالدات يرضعن أولادهن حولين بû÷ün=دB%x لمن أراد أن يتم الرضاعة } (2).
وبقوله - عز وجل - { حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين } (3).
فقالوا: قد قطع الله - عز وجل - أن فصال الرضيع في عامين، وأن رضاعه حولان كاملان؛ لمن أراد أن يتم الرضاعة.
قالوا: فلا رضاع بعد الحولين أصلا؛ لأن الرضاعة قد تمت، وإذا انقطع الرضاع انقطع حكمه من التحريم، وغير ذلك.
__________
(1) - سورة الأحقاف آية : 15.
(2) - سورة البقرة آية : 233.
(3) - سورة لقمان آية : 14.

(20/149)


قال أبو محمد: صدق الله تعالى وعلينا الوقوف عند ما حد - عز وجل - ولو لم يأت نص غير هذا لكان في هذه النصوص متعلق، لكن قد جاء في ذلك -: ما رويناه من طريق مسلم أنا عمرو الناقد، وابن أبي عمر، قالا جميعا: أنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: " جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إني أرى وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو خليفه ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرضيعيه، فقالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير ؟ فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: قد علمت أنه رجل كبير " (1).
__________
(1) - أحمد (6/228).

(20/150)


ومن طريق مسلم. أنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - ومحمد بن أبي عمر - واللفظ له - قال: أنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب - هو السختياني - عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد بن أبي بكر " عن عائشة أم المؤمنين: أن سالما مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم فأتت - يعني سهلة بنت سهيل - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وأنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا ؟ فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة " (1).
__________
(1) - مسلم : الرضاع (1453) , النسائي : النكاح (3323) , الدارمي : النكاح (2257).

(20/151)


ومن طريق مسلم أنا محمد بن المثنى أنا محمد بن جعفر أنا غندر أنا شعبة عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة، قالت: " قالت أم سلمة لعائشة - رضي الله عنهما - إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي ؟ فقالت عائشة: أما لك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة ؟ إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علي - وهو رجل - وفي نفس أبي حذيفة منه شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرضعيه حتى يدخل عليك " (1) ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت: " جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن سالما كان يدعى ابن أبي حذيفة، وإن الله قد أنزل في كتابه { ادعوهم لآبائهم } (2) وكان يدخل علي وأنا فضل ونحن في منزل ضيق ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرضعي سالما تحرمي عليه. " قال الزهري: قال بعض أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ندري لعل هذه كانت رخصة لسالم خاصة - قال الزهري: فكانت عائشة تفتي بأنه يحرم الرضاع بعد الفصال حتى ماتت. قال أبو
__________
(1) - مسلم : الرضاع (1453).
(2) - سورة الأحزاب آية : 5.

(20/152)


محمد: فهذه الأخبار ترفع الإشكال، وتبين مراد الله - عز وجل - في الآيات المذكورات أن الرضاعة التي تتم بتمام الحولين، أو بتراضي الأبوين قبل الحولين، إذا رأيا في ذلك صلاحا للرضيع أنها هي الموجبة للنفقة على المرضعة، والتي يجبر عليها الأبوان أحبا أم كرها.
ولعمري لقد كان في الآية كفاية في هذا؛ لأنه تعالى قال: { * والوالدات يرضعن أولادهن حولين بû÷ün=دB%x لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن £`هkèEuq،دur بالمعروف } (1).
فأمر تعالى الوالدات بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا تحريم الرضاعة بعد ذلك، ولا أن التحريم ينقطع بتمام الحولين.
وكان قول الله تعالى: { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } (2) ولم يقل تعالى في حولين ولا في وقت دون وقت زائدا على الآيات الأخر، وعموما لا يجوز تخصيصه إلا بنص يبين أنه مخصص له لا بظن، ولا بمحتمل لا بيان فيه.
وكانت هذه الآثار قد جاءت مجيء التواتر رواها نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أوردنا، وسهلة بنت سهيل من المهاجرات وزينب بنت أم سلمة.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 233.
(2) - سورة النساء آية : 23.

(20/153)


ورواه من التابعين القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وحميد بن نافع.
ورواه عن هؤلاء الزهري، وابن أبي مليكة، وعبد الرحمن بن القاسم، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وربيعة.
ورواه عن هؤلاء أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ومالك، وابن جرير، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، وجعفر بن ربيعة، وسليمان بن بلال، ومعمر، وغيرهم.
ورواه عن هؤلاء الناس: الجماء الغفير، فهو نقل كافة لا يختلف مؤالف ولا مخالف في صحته فلم يبق من الاعتراض إلا أن يقول قائل: هو خاص لسالم كما قال بعض أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليعلم من تعلق بهذا أنه ظن ممن ظن ذلك منهن - رضي الله عنهن -.
وهكذا جاء في الحديث أنهن قلن: ما نرى هذا إلا خاصا لسالم، وما ندري لعله رخصة لسالم، فإذ هو ظن بلا شك، فإن الظن لا يعارض بالسنن قال تعالى: { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } (1).
وشتان بين احتجاج أم سلمة - رضي الله عنها - باختيارها وبين احتجاج عائشة - رضي الله عنها - بالسنة الثابتة، وقولها لها: أما لك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة ؟ وسكوت أم سلمة ينبئ برجوعها إلى الحق عن احتياطها.
__________
(1) - سورة يونس آية : 36.

(20/154)


ومن أعجب العجائب أن المخالفين لنا هاهنا يقولون: إن المرسل كالمسند، وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أرضعن الكبير دخل عليهن، فكان ذلك لهن خاصة.
وقال آخرون: هذا منسوخ بنسخ التبني.
قال أبو محمد: وهذا باطل بيقين؛ لأنه لا يحل لأحد أن يقول في نص ثابت: هذا منسوخ، إلا بنص ثابت مبين غير محتمل، فكيف وقول سهلة - رضي الله عنها - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف أرضعه وهو رجل كبير ؟ بيان جلي؛ لأنه بعد نزول الآيات المذكورات وباليقين ندري أنه لو كان خاصة لسالم، أو في التبني الذي نسخ لبينه عليه الصلاة والسلام كما بين لأبي بردة في الجذعة إذ قال له تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك.

(20/155)


وقال بعض من لا يخاف الله تعالى فيما يطلق به لسانه: كيف يحل للكبير أن يرضع ثدي امرأة أجنبية ؟ قال أبو محمد: هذا اعتراض مجرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أمر بذلك، والقائل بهذا لا يستحي من أن يطلق: أن للمملوكة أن تصلي عريانة يرى الناس ثدييها وخاصرتها، وأن للحرة أن تتعمد أن تكشف من شفتي فرجها مقدار الدرهم البغلي تصلي كذلك ويراها الصادر والوارد بين الجماعة في المسجد، وأن تكشف أقل من ربع بطنها كذلك - ونعوذ بالله من عدم الحياء وقلة الدين.
قال أبو محمد: وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنما الرضاعة من المجاعة " (1) حجة لنا بينة؛ لأن للكبير من الرضاعة في طرد المجاعة نحو ما للصغير، فهو عموم لكل رضاع إذا بلغ خمس رضعات كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) - البخاري : الشهادات (2647) النكاح (5102) , مسلم : الرضاع (1455) , النسائي : النكاح (3312) , أبو داود : النكاح (2058) , ابن ماجه : النكاح (1945) , أحمد (6/138) , الدارمي : النكاح (2256).

(20/156)


قال علي: فصح أن عائشة رضي الله عنها كان يدخل عليها الكبير إذا أرضعته في حال كبره أخت من أخواتها الرضاع المحرم، ونحن نشهد بشهادة الله - عز وجل - ونقطع بأنه تعالى لم يكن ليبيح سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتهكه من لا يحل له مع قوله تعالى: { والله يعصمك من الناس } (1).
فنحن نوقن ونبت بأن رضاع الكبير يقع به التحريم، وليس في امتناع سائرهن من أن يدخل عليهن بهذه الرضاعة شيء ينكر؛ لأن مباحا لهن أن لا يدخل عليهن من يحل له الدخول عليهن - وبالله تعالى التوفيق.
مسألة حملت امرأة ممن يلحق ولدها به فدر لها اللبن
2021 - مسألة: وإن حملت امرأة ممن يلحق ولدها به فدر لها اللبن، ثم وضعت فطلقها زوجها، أو مات عنها فتزوجها آخر، أو كانت أمة فملكها آخر، فما أرضعت فهو ولد للأول لا للثاني، فإن حملت من الثاني فتمادى اللبن فهو للأول إلا أن يتغير، ثم يعتدل، فإنه إذا تغير فقد بطل حكم الأول وصار للثاني والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) - سورة المائدة آية : 67.

(20/157)


المحلى بالآثار
لابن حزم
المجلد العاشر
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله
كتاب الدماء والقصاص والديات
2022 - مسألة: قال أبو محمد - رضي الله عنه - -: لا ذنب عند الله - عز وجل - بعد الشرك أعظم من شيئين -: أحدهما - تعمد ترك صلاة فرض حتى يخرج وقتها.
الثاني - قتل مؤمن أو مؤمنة عمدا بغير حق.
أما الصلاة فقد ذكرناها في " كتاب الصلاة ".
وأما القتل - فقال - عز وجل - { وما sc%x لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } (1).
وقوله تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه قبسم الله الرحمن الرحيم¨Yygy_ خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) } (2).
روينا من طريق البخاري أنا علي - هو ابن عبد الله - أنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " (3).
قال البخاري: ونا أحمد بن يعقوب أنا إسحاق - هو ابن سعيد المذكور - عن أبيه أنه سمعه يحدث عن ابن عمر أنه قال " إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله ".
__________
(1) - سورة النساء آية : 92.
(2) - سورة النساء آية : 93.
(3) - البخاري : الديات (6862) , أحمد (2/94).

(21/1)


مسألة القتل قسمان عمد وخطأ
2023 - مسألة: والقتل قسمان: عمد، وخطأ.
برهان ذلك -: الآيتان اللتان ذكرنا آنفا، فلم يجعل - عز وجل - في القتل قسما ثالثا - وادعى قوم أن هاهنا قسما ثالثا، وهو عمد الخطأ - وهو قول فاسد؛ لأنه لم يصح في ذلك نص أصلا، وقد بينا سقوط تلك الآثار في " كتاب الإيصال " والحمد لله رب العالمين.
مع أن الحنفيين، والشافعيين القائلين بشبه العمد هم مخالفون لتلك الآثار الساقطة التي موهوا بها فيما فيها من صفة الدية، وغير ذلك على ما بينا في غير هذا الموضع - وهو عندهم ينقسم قسمين -: أحدهما - ما تعمد به المرء مما قد يمات من مثله - وقد لا يمات من مثله.
قال أبو محمد: - رضي الله عنه - هذا عمد وفيه القود أو الدية، كما في سائر العمد؛ لأنه عدوان، وقال - عز وجل - { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } (1).
والثاني - ما تعمد به مما لا يموت أحد أصلا من مثله، فهذا ليس قتل عمد ولا خطأ - ولا شيء فيه إلا الأدب فقط.
ومن عجائب الأقوال هاهنا أن الحنفيين يقولون: من أخذ حجرا من قنطار فضرب متعمدا رأس مسلم، ثم لم يزل يضربه به حتى شدخ رأسه كله: فإنه لا قود فيه، وليس قتل عمد.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 194.

(21/2)


وكذلك لو تعمد ضرب رأسه بعود غليظ حتى يكسره كله ويسيل دماغه ويموت ولا فرق.
وقال المالكيون من ضرب بيده في فخذ مسلم فمات المضروب إثر الضربة -: ففيه القود، ويقتل الضارب.
وسماع هذين القولين يكفي من تكلف الرد عليهما.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - فالخطأ من رمى شيئا فأصاب مسلما لم يرده بما قد يمات من مثله فمات المصاب، أو وقع على مسلم فمات من وقعته - فهذا كله لا خلاف في أنه قتل خطأ لا قود فيه.
أو قتل في دار الحرب إنسانا يرى أنه كافر فإذا به مسلم، أو قتل إنسانا متأولا غير مقلد - وهو يرى أنه على الحق فإذا به على الخطأ.
برهان قولنا في القاتل في دار الحرب -: قول الله تعالى: { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن sc%x من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } (1).
" من " هاهنا بمعنى " في " لأنه لا خلاف بين أحد في أن قوما كفارا حربيين أسلم منهم إنسان وخرج إلى دار الإسلام فقتله مسلم خطأ: فإن فيه الدية لولده، والكفارة - فصح بذلك ما قلنا - والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) - سورة النساء آية : 92.

(21/3)


وأما المتأول - فلما روينا من طريق أبي داود السجستاني أنا مسدد أنا يحيى بن سعيد القطان أنا ابن أبي ذئب حدثني سعيد - هو ابن أبي سعيد المقبري - سمعت أبا شريح الكعبي يقول: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله ومن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا العقل، وبين أن يقتلوا " (1).
قال أبو محمد - - رضي الله عنه - -: فلا شك أن خزاعة قتلوه متأولين أن لهم قتله - وهكذا نقول فيمن قامت عليه الحجة من النص ثم قتل متماديا على تأويله الفاسد، المخالف للنص، أو على تقليد من تأول فأخطأ: فعليه القود.
وهذا الخبر زائد على خبر أسامة بن زيد - وخالد - رضي الله عنهما - في قتل خالد من قتل من بني خذيمة متأولا - وفي قتل أسامة: الرجل الذي قال: لا إله إلا الله - والزيادة لا يجوز تركها.
مسألة لا قود على مجنون ولا على سكران
__________
(1) - الترمذي : الديات (1406) , أبو داود : الديات (4504).

(21/4)


مسألة: ولا قود على مجنون فيما أصاب في جنونه، ولا على سكران فيما أصاب في سكره - المخرج له من عقله - ولا على من لم يبلغ، ولا على أحد من هؤلاء: دية، ولا ضمان، وهؤلاء والبهائم سواء لما ذكرنا في " الطلاق " وغيره من الخبر الثابت في رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق والسكران لا يعقل وقد ذكرنا " خبر حمزة - - رضي الله عنه - - في قوله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لو قاله في صحته لخرج بذلك عن الإسلام وعقره ناقتي علي - - رضي الله عنه - - فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ملامة ولا غرامة ".
وقال بعضهم: لو كان هذا ما شاء واحد أن يقتل أحدا أو يفسد ماله إلا تساكر حتى يبلغ ما يريد ؟ فقلنا لهم: فقولوا هذا الكلام في المجنون، فقولوا: لو كان هذا لما شاء أحد أن يقتل أحدا، أو يتلف ماله إلا تحامق وتجنن، حتى يبلغ من ذلك ما يريد ولا فرق.
فقالوا: ومن يعرف أنه سكران ؟ فقلنا: ومن يعرف أنه مجنون ؟ قال أبو محمد - رضي الله عنه - والحق المتيقن في هذا: أن الأحكام لازمة لكل بالغ حتى يوقن أنه ذاهب العقل بجنون أو سكر.

(21/5)


وأما ما لم يوقن ذلك - فالأحكام له لازمة وحال ذهاب العقل بأحد هذين الوجهين لا يخفى على من يشاهده، وقد وافقنا المخالفون لنا في هذا المكان على أن لا يؤخذ السكران بارتداده عن الإسلام - وهذا أشنع من كل ما سواه.
فإن قالوا: فهلا جعلتم في ذلك دية ؟ قلنا: لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام " (1) فأموال الصبي والمجنون والسكران حرام بغير نص، كتحريم دمائهم ولا فرق ولا نص في وجوب غرامة عليهم أصلا.
وجاءت عمن دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك آثار -: أما الصبي - فجاء عن علي بن أبي طالب أثر بأن ستة صبيان تغاطوا في النهر فغرق أحدهم فشهد اثنان على ثلاثة، وشهد الثلاثة على الاثنين، فجعل علي على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وجعل على الثلاثة خمسي الدية -.
وهذا لا يصح ألبتة؛ لأنه من رواية سلمة بن كهيل، أو حماد بن أبي سليمان: أن علي بن أبي طالب - وكلاهما لم يولد إلا بعد موت علي.
__________
(1) - البخاري : الفتن (7078) , أحمد (5/39).

(21/6)


ومن طريق الحجاج بن أرطاة - وهو هالك -. ثم لو صح لكان المالكيون، والحنفيون، والشافعيون مخالفون له، وإنما يكون الشيء حجة على من صححه، لا على من لم يصححه.
وروي إيجاب الغرامة على عاقلة الصبي عن الزهري، وحماد بن أبي سليمان، وإبراهيم النخعي، وقتادة - وبه يقول أبو حنيفة.
وروي عن ربيعة أنه قال: إذا كان الصبي صغيرا جدا فلا شيء على عاقلته، ولا في ماله - وإن كان يعقل فالدية على عاقلته.
وبه يقول مالك - وقال الشافعي: هي في ماله بكل حال.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - فهذه مناقضات ظاهرة، وأقوال بلا دليل، لا من قرآن، ولا سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا رواية عن صاحب أصلا، ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل متيقن.
وقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يقاس على العامد، وقياسه على الخطأ باطل لو كان القياس حقا؛ لأنه لا يقاس عندهم الشيء إلا على نظيره ومشبهه، ولا شبه بين العاقل البالغ وبين الصبي المجنون أصلا - فبطل كل ما قالوه - وبالله تعالى التوفيق.

(21/7)


وقد أجمعوا على سقوط الكفارة في ذلك عنه، فلو كان القياس حقا لكان إسقاط الدية قياسا على سقوط الكفارة في ذلك أصح قياس يوجد، ولكنهم لا النصوص يتبعون، ولا القياس يحسنون، ولا الصحابة يقلدون.
وأما المجنون - فحدثنا أحمد بن عمر بن أنس أنا عبد الله بن الحسين بن عقال أنا إبراهيم بن محمد الدينوري أنا محمد بن أحمد بن الجهم أنا جعفر بن محمد الصائغ أنا عفان - هو ابن مسلم - أنا صخر بن جويرية عن نافع مولى ابن عمر قال: إن مجنونا على عهد ابن الزبير دخل البيت بخنجر فطعن ابن عمه فقتله ؟ فقضى ابن الزبير بأن يخلع من ماله ويدفع إلى أهل المقتول. ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه: أن عبد الله بن الزبير قال: جناية المجنون في ماله.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - وهذان الأثران في غاية الصحة.
ومن طريق الحسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه عن جده عن علي قال: جناية الصبي، والمجنون على عاقلتهما -.
وهذا لا يصح؛ لأن الحسين بن عبد الله، وأباه، وجده: لا خير فيهم.
ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري: أن مروان كتب إلى معاوية في مجنون قتل رجلا ؟ فكتب إليه معاوية: اعقله، ولا تقد منه -.

(21/8)


وهذا لا يصح؛ لأن يحيى بن سعيد الأنصاري لم يولد إلا بعد موت معاوية.
وروينا عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار على المجنون العقل - ولا يصح عنهما؛ لأنه عن مخرمة بن بكير عن أبيه، ولم يسمع من أبيه شيئا.
ورويناه أيضا - عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن جعفر بن الزبير جناية المجنون على عاقلته -.
ولا يصح عنهما؛ لأنه عمن لم يسم عنهما إلا أنه صحيح عن الزهري، وأبي الزناد، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد خالف الحنفيون، والمالكيون، والشافعيون في هذا ما صح عن ابن الزبير، ولم يصح قط عن أحد من الصحابة خلافه.
ولا حجة لهم فيما روي عن معاوية؛ لأنه ليس فيه: أن الغرامة في مال المجنون، ولا أنها على عاقلته: إنما فيها: أنه أمر مروان بأن يعقله - وظاهر الأمر أنه عقله من بيت المال، ولو فعل الإمام هذا لكان حسنا، وليس واجبا - وهذا ما خالفوا فيه النصوص، ومما صح عن الصاحب الذي لا يصح لقوله خلاف عن أحد منهم، والقياس: إذ قاسوا ما جنى المجنون القاصد على ضده - وهو ما جناه العاقل المخطئ - ولم يقيسوا إسقاط الدية على إسقاطهم الكفارة في ذلك - وبالله تعالى التوفيق.

(21/9)


فأما السكران فروينا عن علي بن أبي طالب: أن سكارى تضاربوا بالسكاكين. وهم أربعة فجرح اثنان، ومات اثنان: فجعل علي دية الاثنين المقتولين على قبائلهما، وعلى قبائل اللذين لم يموتا، وقاص الحيين من ذلك بدية جراحهما - وأن الحسن بن علي رأى أن يقيد للحيين للميتين ولم ير علي ذلك، وقال: لعل الميتين قتل كل واحد منهما الآخر - وهذا لا يصح عن علي؛ لأنه من طريق فيها سماك بن حرب عن رجل مجهول، رواه حماد بن سلمة عن سماك، فقال: عن عبيد بن القعقاع.
ورواه أبو الأحوص عن سماك فقال: عن عبد الرحمن بن القعقاع، وكلاهما لا يدرى من هو - وسماك يقبل التلقين.
ولو صح لكان مخالفا لقول الحنفيين، والشافعيين، والمالكيين.

(21/10)


ومن طريق يحيى بن سعيد الأنصاري وعبد الرحمن بن أبي الزناد: أن معاوية أقاد من السكران، قال ابن أبي الزناد: وكان القاتل محمد بن النعمان الأنصاري - والمقتول عمارة بن زيد بن ثابت. قال أبو محمد - رضي الله عنه - وهذا لا يصح؛ لأن يحيى لم يولد إلا بعد موت معاوية، وعبد الرحمن بن أبي الزناد في غاية الضعف، أول من ضعفه: مالك، ولا نعلم في هذا الباب عن أحد من الصحابة شيئا غير ما ذكرنا - وصح عن الزهري، وربيعة.
وبه يقول أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: يقاد من السكران - ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا مما خالفوا فيه النصوص وما روي عن الصحابة، والقياس، كما ذكرنا.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: أن في كتاب لأبيه عن عمر بن الخطاب قال: لا قود، ولا قصاص، ولا حد، ولا جراح، ولا قتل، ولا نكال على من لم يبلغ الحلم حتى يعلم ما له في الإسلام، وما عليه.
وقد صح عن عثمان بن عفان: أن السكران لا يلزمه طلاق - فصح أنه عنده بمنزلة المجنون - وبهذا يقول أبو سليمان، والمزني، والطحاوي، وغيرهم.

(21/11)


وإيجاب الغرامة شرع، فإذا كان بغير نص قرآن أو سنة - فهو شرع من الدين لم يأذن به الله - ونعوذ بالله من هذا.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - إلا أن من فعل هذا من الصبيان، أو المجانين، أو السكارى في: دم، أو جرح، أو مال: ففرض ثقافه في بيت ليكف أذاه، حتى يتوب السكران، ويفيق المجنون، ويبلغ الصبي.
لقول الله تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ةبسم الله الرحمن الرحيمبسم الله الرحمن الرحيمM}$# والعدوان } (1) وتثقيفهم تعاون على البر والتقوى، وإهمالهم تعاون على الإثم والعدوان - وبالله تعالى التوفيق.
مسألة قتل مسلم عاقل بالغ ذميا أو مستأمنا
2025 - مسألة: وإن قتل مسلم عاقل بالغ: ذميا، أو مستأمنا - عمدا، أو خطأ - فلا قود عليه، ولا دية، ولا كفارة - ولكن يؤدب في العمد خاصة، ويسجن حتى يتوب كفا لضرره.
برهان ذلك -: قول الله تعالى: { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } (2) إلى قوله تعالى: { sc%xur الله عليما حكيما (92) } (3).
__________
(1) - سورة المائدة آية : 2.
(2) - سورة النساء آية : 92.
(3) - سورة النساء آية : 92.

(21/12)


فهذا كله في المؤمن بيقين - والضمير الذي في { كان من قوم بينكم بسم الله الرحمن الرحيمكgoY÷ t/ur ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله } (1) راجع ضرورة - لا يمكن غير هذا - إلى المؤمن المذكور أولا، ولا ذكر في هذه الآية لذمي أصلا، ولا لمستأمن - فصح يقينا أن إيجاب الدية على المسلم في ذلك لا يجوز ألبتة، وكذلك إيجاب القود عليه ولا فرق.
وقد اختلف الناس في هذا -: فقالت طائفة - منهم: أبو حنيفة: يقاد المسلم بالذمي في العمد، وعليه في قتله خطأ الدية والكفارة، ولا يقتل بالمعاهد - وإن تعمد قتله ولا نعلم له في قوله هذا سلفا أصلا.
وقالت طائفة - منها مالك: لا يقاد المسلم بالذمي إلا أن يقتله غيلة، أو حرابة، فيقاد به ولا بد - وعليه في قتله خطأ أو عمدا - غير غيلة - الدية فقط، والكفارة في الخطأ.
وقالت طائفة - منها الشافعي: لا يقاد المسلم بالذمي أصلا، لكن عليه في قتله إياه - عمدا أو خطأ - الدية، والكفارة.
__________
(1) - سورة النساء آية : 92.

(21/13)


وجاء في ذلك عن السلف - ما روينا من طريق وكيع أنا سفيان الثوري عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي: أن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الحيرة ؟ فأقاده عمر بن الخطاب - قال وكيع: ونا أبو الأشهب عن أبي نضرة بمثله سواء سواء - وهذا مرسل.
أنا محمد بن سعيد بن نبات أنا قاسم بن أصبغ أنا محمد بن عبد السلام الخشني أنا محمد بن المثنى أنا عبد الله بن إدريس الأودي عن ليث بن أبي سليم عن الحكم بن عتيبة: أن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، قالا جميعا: من قتل يهوديا، أو نصرانيا قتل به - وهذا مرسل أيضا -.
وصح هذا عن عمر بن عبد العزيز -: كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عمرو بن ميمون، قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميا: فأمره أن يدفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه - قال ميمون: فدفع إليه فضرب عنقه وأنا أنظره - وصح أيضا عن إبراهيم النخعي -: كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي، قال: المسلم الحر يقتل باليهودي والنصراني - وروي عن الشعبي مثله - وهو قول ابن أبي ليلى، وعثمان البتي، وأحد قولي أبي يوسف.

(21/14)


وقد اختلف عن عمر بن عبد العزيز في ذلك -: كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل قاضي اليمن قال: كتب عمر بن عبد العزيز في زياد بن مسلم - وكان قد قتل هنديا باليمن -: أن أغرمه خمسمائة، ولا تقده به. وقول آخر - رويناه أيضا عن عمر بن الخطاب في المسلم يقتل الذمي: إن كان ذلك منه خلقا وعادة، وكان لصا عاديا فأقده به - وروي: فاضرب عنقه - وإن كان ذلك في غضبه، أو طيرة، فأغرمه الدية - وروي فأغرمه أربعة آلاف - ولا يصح - عن عمر؛ لأنه من طريق عبد الله بن محرر - وهو هالك - عن أبي مليح بن أسامة: أن عمر - وهذا مرسل، ومن طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز في كتاب لأبيه: أن عمر.
ومن طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن القاسم بن أبي بزة أن عمر، وهذا مرسل.
أو من طريق سوء فيها: عبد الملك بن حبيب الأندلسي عن أسد بن موسى عن سعيد بن أبي عروبة عن عمرو بن دينار: أن عمر - وهذا مرسل.

(21/15)


وقول آخر - وهو أنه لا يقتل المسلم بالذمي إلا أن يقتله غيلة -: رويناه عن عثمان بن عفان من طريق هالكة مرسلة فيها: عبد الملك بن حبيب الأندلسي عن مطرف عن ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب الهذلي قال: كتب عبد الله بن عامر إلى عثمان: أن رجلا من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله ؟ فكتب إليه عثمان: أن أقتله به - فإن هذا قتل غيلة على الحرابة -: ورويناه أيضا - عن أبان بن عثمان، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ورجال كثير من أبناء الصحابة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن كل ذلك من رواية عبد الملك بن حبيب الأندلسي - وفي بعضها ابن أبي الزناد - وهو ضعيف - وبعضها مرسل، ولا يصح منها شيء.

(21/16)


وقول آخر - لا يقتل به، كما روينا بالرواية الثابتة من طريق شعبة أنا عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الحيرة ؟ فكتب عمر بن الخطاب: أن يقاد به - ثم كتب عمر كتابا بعده: أن لا تقتلوه، ولكن اعقلوه. ومن طريق إسماعيل بن إسحاق أنا سليمان بن حرب أنا حماد بن زيد عن كثير بن زياد عن الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب: لا يقتل مؤمن بكافر. ومن طريق إسماعيل أنا يحيى بن خلف أنا أبو عاصم النبيل عن ابن جريج أخبرني ابن شهاب في قتل المسلم النصراني أن عثمان بن عفان قضى: أن لا يقتل به، وأن يعاقب. ومن طريق عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الذمة عمدا ؟ فدفع إلى عثمان بن عفان فلم يقتله به، وغلظ عليه الدية كدية المسلم - قال الزهري: وقتل خالد بن المهاجر - هو ابن خالد بن الوليد - رجلا ذميا في زمن معاوية ؟ فلم يقتله به، وغلظ عليه الدية ألف دينار. قال أبو محمد - رضي الله عنه - هذا في غاية الصحة عن عثمان - ولا يصح في هذا شيء غير هذا عن أحد من الصحابة إلا ما ذكرنا عن عمر أيضا من طريق النزال بن سبرة.

(21/17)


ومن طريق عبد الرزاق أنا رباح بن عبد الله بن عمر أخبرني حميد الطويل: أنه سمع أنس بن مالك يحدث أن يهوديا قتل غيلة فقضى فيه عمر بن الخطاب باثني عشر ألف درهم. ومن طريق إسماعيل بن إسحاق أنا سليمان بن حرب أنا أبو هلال أنا الحسن البصري: أن علي بن أبي طالب قال: لا يقتل مؤمن بكافر. ورويت بذلك مرسلات من طريق الصحابة جملة، وعن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري - ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة مولى ابن عباس قال في المسلم يقتل الذمي: لا يقتل به، وفيه الدية.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - وروي أيضا عن عمر بن عبد العزيز - وهو قول سفيان الثوري، وابن شبرمة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأبي ثور، وإسحاق، وأبي سليمان، وابن المنذر، وجميع أصحابهم - وإليه رجع زفر بن الهذيل -.
روينا ذلك: من طريق أبي عبيد عن عبد الرحمن بن مهدي عنه.

(21/18)


قال أبو محمد - رضي الله عنه - أما قول أبي حنيفة - في تفريقه بين الذمي، والمعاهد، فما نعلم له حجة لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من رواية سقيمة ولا من رواية عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من قياس، ولا من رأي له وجه - فسقط بيقين.
وكذلك وجدنا من فرق بين المرة، وبين الإكثار من ذلك، لا حجة لهم من قرآن، ولا من سنة، ولا من رواية سقيمة، ولا من رواية ثابتة عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ولا من قياس، ولا من رأي له وجه.
وأما قول مالك - في الفرق بين الغيلة وغيرها - وكذلك أيضا سواء سواء، إلا أنهم قالوا: إنما قتلناه للحرابة ؟ فقلنا: أنتم لا تقولون بالترتيب في حد الحرابة، ولو قلتموه لكنتم متناقضين أيضا؛ لأنه لا خلاف بين أحد ممن قال بالترتيب في أنه لا يقتل المحارب إن قتل في حرابة، من لا يقتل به إن قتله في غير الحرابة، وأنتم لا تقتلون المسلم بالذمي في غير الحرابة - فظهر فساد هذا التقسيم بيقين.

(21/19)


وأما المشهور من قول المالكيين أنهم يقولون بتخيير الإمام في قتل المحارب، أو صلبه، أو قطعه، أو نفيه - فمن أين أوجبوا قتل المسلم بالذمي - ولا بد - في الحرابة وتركوا قولهم في تخيير الإمام فيه - فوضح فساد قولهم بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا حجة لهم أصلا - وبالله تعالى التوفيق.
ثم نظرنا - في قول من قال: يقتل المسلم بالذمي، وبالمعاهد، فوجدناهم يحتجون بقول الله - عز وجل - { $oY;tFxur عليهم فيها أن النفس بالنفس } (1) قالوا: هذا عموم.
وبقوله تعالى: { والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } (2).
وقوله تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } (3).
وقوله تعالى: { وإن بسم الله الرحمن الرحيمçG6s%%tو فعاقبوا بمثل ما بسم الله الرحمن الرحيمçF6د%qمم به } (4) وبقوله - عز وجل - { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } (5).
وبقوله تعالى: { |=دGن عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } (6).
__________
(1) - سورة المائدة آية : 45.
(2) - سورة البقرة آية : 194.
(3) - سورة الشورى آية : 40.
(4) - سورة النحل آية : 126.
(5) - سورة الشورى آية : 41-42.
(6) - سورة البقرة آية : 178.

(21/20)


وقوله تعالى: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه tb%x منصورا (33) } (1).
قالوا: وذو العهد - وإن كان كافرا - فإنه إن قتل بغير حق فهو مظلوم بلا شك.
وبالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما يودى وإما يقاد " (2).
وبالخبر الثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضا " لا يحل دم رجل مسلم إلا ثلاثة نفر، فذكر فيهم النفس بالنفس " (3).
قال علي: وسنذكرهما بأسانيدهما - إن شاء الله تعالى بعد هذا.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - واحتجوا - بما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أنه أقاد مسلما قتل يهوديا، وقال: أنا أحق من وفى بذمته ".
__________
(1) - سورة الإسراء آية : 33.
(2) - الترمذي : الديات (1406).
(3) - النسائي : تحريم الدم (4048).

(21/21)


ورواه بعض الناس عن يحيى بن سلام عن محمد بن أبي حميد المدني عن محمد بن المنكدر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكروا أشياء ادعوا فيها الإجماع - وهو أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما مات أبوه - - رضي الله عنه - - قتل الهرمزان وكان مسلما، وقتل جفينة وكان نصرانيا، وقتل بنية صغيرة لأبي لؤلؤة وكانت تدعي الإسلام - فأشار المهاجرون على عثمان بقتله ؟ قالوا: فظاهر الأمر أنهم أشاروا بقتله بهم ثلاثتهم. وقالوا: كما لا خلاف في أن المسلم يقطع إن سرق من مال الذمي، والمستأمن، فقتله بهما أولى؛ لأن الدم أعظم حرمة من المال، وقالوا لنا خاصة: أنتم تحدون المسلم إن قذف الذمي، والمستأمن، وتمنعون من قتله بقتله لهما - وهذا عجب جدا ؟ واحتجوا على الشافعيين بقولهم: إن قتل ذمي ذميا ثم أسلم فإنه يقتل به عندكم، ولا فرق بين قتلكم مسلما بكافر، وبين قتلكم مسلما بكافر في المسألة الأخرى ؟ قال أبو محمد - رضي الله عنه - وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه: أما قول الله - عز وجل - { $oY;tFxur عليهم فيها أن النفس بالنفس } (1) فإن هذا مما كتب الله - عز وجل - في التوراة، ولا تلزمنا شرائع من قبل نبينا
__________
(1) - سورة المائدة آية : 45.

(21/22)


عليه الصلاة والسلام ثم لو صح أننا ملزمون ذلك لكان القول في هذه الآية كالقول في الآيات الأخر التي ذكرناها بعدها، وفي الأخبار الثابتة التي أوردنا، وفيها " أو نفس بنفس " (1).
وأيضا - ففي آخر هذه الآية بيان أنها في المؤمنين بالمؤمنين خاصة؛ لأنه قال - عز وجل - في آخرها: { فمن تصدق به فهو كفارة له } (2) ولا خلاف بيننا وبينهم في أن صدقة الكافر على ولي الكافر الذمي المقتول عمدا لا تكون كفارة له - فبطل تعلقهم بهذه الآية.
وأما قوله - عز وجل - { والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } (3) فإن الخطاب في هذه الآيات للمؤمنين لا للكافرين، فالمؤمنون هم المخاطبون في أول الآية، وآخرها بأن يعتدوا على من اعتدى عليهم، بمثل ما اعتدى به عليهم - وليس فيها: أن يعتدي غير المؤمنين على المؤمنين باعتداء يكون من المؤمنين عليهم أصلا.
وإنما وجب القصاص من الذمي للذمي بقول الله تعالى: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } (4) لا بالآية المذكورة.
__________
(1) - النسائي : تحريم الدم (4048).
(2) - سورة المائدة آية : 45.
(3) - سورة البقرة آية : 194.
(4) - سورة المائدة آية : 49.

(21/23)


وأما قوله تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } (1) فهو أيضا في المؤمن يساء إليه خاصة؛ لأن نصها { وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله } (2) ولا خلاف في أن هذا ليس للكفار ولا أجر لهم ألبتة.
وأما قوله - عز وجل - { وإن بسم الله الرحمن الرحيمçG6s%%tو فعاقبوا بمثل ما بسم الله الرحمن الرحيمçF6د%qمم به } (3) فكذلك أيضا إنما هو خطاب للمؤمنين خاصة، يبين ذلك ضرورة قوله تعالى فيها: { وإن بسم الله الرحمن الرحيمçG6s%%tو فعاقبوا بمثل ما بسم الله الرحمن الرحيمçF6د%qمم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) } (4) ولا خير لكافر أصلا صبر أو لم يصبر -: قال الله - عز وجل - { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه :ن!$t6yd منثورا (23) } (5).
وأما قوله تعالى: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } (6) وقوله تعالى: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه tb%x منصورا (33) } (7).
__________
(1) - سورة الشورى آية : 40.
(2) - سورة الشورى آية : 40.
(3) - سورة النحل آية : 126.
(4) - سورة النحل آية : 126.
(5) - سورة الفرقان آية : 23.
(6) - سورة الشورى آية : 41-42.
(7) - سورة الإسراء آية : 33.

(21/24)


وقوله تعالى: { §Nèبسم الله الرحمن الرحيم بغي عليه لينصرنه الله } (1).
وقوله - عز وجل - { |=دGن عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } (2) الآية.
والأخبار الثابتة التي فيها " النفس بالنفس " (3) و " من قتل له قتيل فإما يودى وإما يقاد " (4).
فإن كل ذلك يخص بقول الله - عز وجل - { أفنجعل المسلمين tûüدBجچôfçRùQ$%x (35) ما لكم y#‹x تحكمون (36) } (5).
وبقوله تعالى: { أفمن tb%x مؤمنا `yJx sc%x فاسقا لا يستوون (18) } (6) وبقوله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) } (7).
فوجب يقينا أن المسلم ليس كالكافر في شيء أصلا، ولا يساويه في شيء، فإذ هو كذلك فباطل أن يكافئ دمه بدمه، أو عضوه بعضوه أو بشرته ببشرته - فبطل أن يستقاد للكافر من المؤمن، أو يقتص له منه - فيما دون النفس - إذ لا مساواة بينهما أصلا.
__________
(1) - سورة الحج آية : 60.
(2) - سورة البقرة آية : 178.
(3) - النسائي : تحريم الدم (4048).
(4) - الترمذي : الديات (1406).
(5) - سورة القلم آية : 35-36.
(6) - سورة السجدة آية : 18.
(7) - سورة النساء آية : 141.

(21/25)


ولما منع الله - عز وجل - أن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا وجب ضرورة أن لا يكون له عليه سبيل في قوده، ولا في قصاص، أصلا - ووجب ضرورة استعمال النصوص كلها، إذ لا يحل ترك شيء منها.
ومن فضائح الحنفيين - المخزية لقائلها في الدنيا والآخرة - قطعهم يد المسلم بيد الذمي الكافر، ومنعهم من قطع يد الرجل المسلم بيد المرأة الحرة المسلمة، نعم، ولا يقطعون يد الذمي الكافر إن تعمد قطع يد امرأة حرة مسلمة، فاعجبوا لهذه المصائب مع قول الله - عز وجل - { إنما المؤمنون إخوة } (1).
__________
(1) - سورة الحجرات آية : 10.

(21/26)


فإن اعترضوا في الآية المذكورة - بما روينا من طريق سفيان الثوري عن الأعمش عن زر عن يسيع الكندي قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال له: كيف تقرأ هذه الآية { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) } (1) وهم يقتلون - يعني المسلمين - فقال علي: فالله يحكم بينهم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين - يوم القيامة - على المؤمنين سبيلا. قال أبو محمد - رضي الله عنه - يسيع الكندي مجهول لا يدري أحد من هو ؟ وجواب هذا السائل: أن هذه الآية حق واجب في الدنيا والآخرة، إنما منع الله تعالى من أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل بحق يجعله الله تعالى له، ويأمر بإنفاذه للكافر على المسلم في الدنيا ويوم القيامة.
وأما بالظلم والتعدي - فلم يؤمنا الله تعالى - قط - من ذلك، كما أطلق أيدي الكفار فيما خلا على بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقتلوهم، وعلى رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - فجرحوا وجهه المقدس، وكسروا ثنيته - بنفسي هو، وبأبي وأمي.
__________
(1) - سورة النساء آية : 141.

(21/27)


وكما أطلق ألسنة الحنفيين، وأيدي من وافقهم بإيجاب الباطل في القصاص للكافر من المسلم - وكل ذلك ظلم لم يأمر الله تعالى به، ولا رضيه ولا جعله حقا، بل أنكره - عز وجل - أشد الإنكار ؟ نعم، وفي الآية التي فيها { |=دGن عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } (1) وهذا نص جلي بأنها في المؤمنين خاصة، بعضهم في بعض فقط؛ لأنهم إخوة كلهم، فاسقهم وصالحهم، عبدهم وحرهم، وليس أهل الذمة إخوة لنا - ولا كرامة لهم.
وكذلك قوله تعالى: { فقد جعلنا لوليه سلطانا } (2) فمعاذ الله أن يكون هذا لكافر، والله ما جعل تعالى لهم قط - بحكم دينه - سلطانا، بل جعل لهم الصغار، قال - عز وجل - { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) } (3).
فإن قالوا: فإذ لا يساووننا فلم قتلتم الكافر بالمؤمن ؟ قلنا: ولا كرامة أن نقتله به قودا، بل قتلناه؛ لأنه نقض الذمة، وخالف العهد بخروجه عن الصغار، وكذلك نقتله إن لطم مسلما أو سبه، ونستفيء جميع ماله بذلك، ونسبي أهله وصغار ولده.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 178.
(2) - سورة الإسراء آية : 33.
(3) - سورة التوبة آية : 29.

(21/28)


فإن قالوا: فلم تحكمون على المسلم برد ما غصبه من الذمي أو منعه إياه من المال ؟ قلنا: ليس في هذا سبيل له على المسلم، إنما هي مظلمة يبرأ منها المسلم تنزيها له عن حبسها فقط.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - ويوضح هذا غاية الوضوح -: ما رويناه من طريق أبي داود السجستاني قال: أنا أحمد بن حنبل أنا يحيى بن سعيد القطان أنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن البصري " عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا وآخر - ذكره - إلى علي بن أبي طالب فقلنا: هل عهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهدا لم يعهده إلى الناس عامة ؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، فإذا فيه المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (1).
__________
(1) - النسائي : القسامة (4734) , أبو داود : الديات (4530).

(21/29)


أنا حمام بن أحمد بن حمام القاضي أنا عباس بن أصبغ أنا محمد بن عبد الملك بن أيمن أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، قال عبد الله: أنا أبي، وقال الترمذي: أنا الحميدي، ثم اتفق أحمد بن حنبل، والحميدي - واللفظ له - قالا جميعا: أنا سفيان بن عيينة أنا مطرف بن طريف قال: سمعت الشعبي يقول: أنا أبو جحيفة - هو السوائي - قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوى القرآن ؟ قال علي " لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه، أو ما في الصحيفة ؟ قلت: وما في الصحيفة ؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ".
قال أبو محمد - رضي الله عنه - وهذا لا يحل لمسلم خلافه.

(21/30)


فاعترض فيه أهل الجهالة المضلة بأن قالوا: قد روي هذا الخبر من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن بشار أنا الحجاج بن المنهال أنا همام عن قتادة عن أبي حسان، قال: " قال علي بن أبي طالب ما عهد إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا دون الناس إلا صحيفة في قراب سيفي ؟ فلم يزالوا به حتى أخرجها ؟ فإذا فيها المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده ".
قالوا: فمرة رواه قتادة عن الحسن، ومرة رواه عن أبي حسان مرسلا - وهذه علة في الخبر ؟ فقلنا: فكان ماذا ؟ ما جعل مثل هذا علة، إلا ذو علة في دينه، وما ندري في رواية قتادة للخبر - مرة عن أبي حسان، ومرة عن الحسن -: وجها يعترض به، إلا من عدم الحياء، وكابر عين الشمس.
وقالوا أيضا: قد رويتم من طريق وكيع أنا أبو بكر الهذلي عن سعيد بن جبير قال: إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقتل مسلم بكافر - إن أهل الجاهلية كانوا يتطالبون بالدماء، فلما جاء الإسلام قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يقتل رجل من المسلمين بدم أصابه في الجاهلية ".

(21/31)


قال أبو محمد - رضي الله عنه - هذا عجب جدا، أبو بكر الهذلي: كذاب مشهور ؟ ثم لو رواه أيوب عن سعيد بن جبير لما كانت فيه شبهة يتعلق بها مخالف للحق؛ لأنه إما رأى ما رآه سعيد بن جبير فهو كسائر الآراء، لا يعترض بها على السنن، ولا كرامة - وإما سمعه ممن لا يدرى من هو : فهذا أبعد له من أن يتعلق به.
ثم لو صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله لكان هذا خبرا قائما بنفسه، كوضعه - عليه الصلاة والسلام - دماء الجاهلية في " حجة الوداع " وكان ما في صحيفة علي بن أبي طالب خبرا آخر قائما بنفسه لا يحل تخصيصه بذلك الخبر؛ لأنه عمل فاسد بلا برهان، ودعوى بلا بدليل، وضرب للسنن بعضها ببعض، كمن أباح أكل الخنزير، وشرب الخمر بقول الله - عز وجل - { (#qè=نur واشربوا } (1) ولا فرق.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 187.

(21/32)


وقالوا أيضا: قد رويتم هذا الخبر من طريق أبي داود السجستاني، قال: أنا مسلم بن إبراهيم أنا محمد بن راشد أنا سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " لا يقتل مؤمن بكافر فمن قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا أخذوا الدية " (1).
قال أبو محمد - رضي الله عنه -
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيفة لا يجوز الاحتجاج بها وهي مملوءة مناكير.
ثم لو صحت لما كانت لهم فيها حجة، بل كانت تكون حجة لنا عليهم؛ لأن فيها أن لا يقتل مؤمن بكافر، فهذه قضية صحيحة قائمة بنفسها وهي قولنا.
ثم فيها حكم من قتل عمدا فلو دخل في هذه القضية المؤمن يقتل الذمي عمدا لكانت مخالفة للحكم الذي قبلها - وهذا باطل - فلو صحت لكانت بلا شك في المؤمن يقتل المؤمن عمدا، لا فيما قد أبطله قبل من أن يقتل مؤمن بكافر.
__________
(1) - الترمذي : الديات (1413) , النسائي : القسامة (4806) , ابن ماجه : الديات (2659) , أحمد (2/214).

(21/33)


وقالوا: معناه لا يقتل مؤمن بكافر حربي، أو إذا قتله خطأ، فكان هذا من أسخف ما أتوا به، وكيف يجوز أن يظن هذا ذو مسكة عقل، ونحن مندوبون إلى قتل الحربيين، موعودون على قتلهم بأعظم الأجر، أيمكن أن يظن من به طباخ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع هذا الحال وأمره عليه الصلاة والسلام بالجهاد يتكلف أن يخبرنا أننا لا نقتل بالحربيين إذا قتلناهم، ما شاء الله كان ؟ وكذلك القول في تأويلهم السخيف: أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن لا يقتل مؤمن بكافر إذا قتله خطأ - هذا والله يقين الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموجب للنار، وكيف يمكن أن يسع هذا في دماغ من به مسكة عقل أن يكون مذ بعث الله نبيه عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة قد أمنا أن يقتل منا أحد بألف كافر قتلهم خطأ ثم يتكلف عليه الصلاة والسلام إخبارنا بأن لا يقتل المؤمن بكافر قتله خطأ ثم لا يبين لنا ذلك إلا بكلام مجمل لا يفهم أحد منه هذا المعنى، إنما يأتي به المتكلفون لنصر الباطل، وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أعطي جوامع الكلم، وأمره ربه تعالى بالبيان لنا: فلا، ولا كرامة، لقد نزهه الله - عز وجل - عن هذا وباعده عن أن يظن به ذلك

(21/34)


مسلم.
وقالوا في قوله عليه الصلاة والسلام " لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " (1) تقديم وتأخير، إنما أراد أن يقول: لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد في عهده بكافر - وقد صح - بلا خلاف - وجوب قتل المعاهد بالذمي.
فصح أنه إنما أراد بالكافر: الحربي.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - وهذا كذب آخر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موجب لصاحبه ولوج النار واللعنة، إذ تحكموا في كلامه - عليه الصلاة والسلام - بلا دليل، وليس إذا وجد نص قد قام البرهان: بأن فيه تقديما وتأخيرا وجب أن يحكم في نص آخر بالتقديم والتأخير بلا دليل، كما أنه إذ وجد نص منسوخ لم يحل لأحد أن يقول في نص آخر لم يأت دليل بأنه منسوخ: هذا منسوخ - هذه صفة الكذابين الفساق المفترين على الله - عز وجل - وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالكذب.
وقالوا: إن الشعبي هو أحد رواة ذلك الخبر وهو يرى قتل المؤمن بالذمي ؟ فقلنا: هذا لم يصح قط عن الشعبي؛ لأنه لم يروه إلا ابن أبي ليلى - وهو سيئ الحفظ، وداود بن يزيد الزغافري - وهو ساقط.
ثم لو صح ذلك عنه لكان الواجب رفض رأيه واطراحه والأخذ بروايته.
__________
(1) - البخاري : العلم (111) , الترمذي : الديات (1412) , النسائي : القسامة (4744) , ابن ماجه : الديات (2658) , أحمد (1/79).

(21/35)


لأنه وغيره من الأئمة موثوق بهم في أنهم لا يكذبون لفضلهم غير موثوق بهم بأنهم لا يخطئون، بل كل أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير معصوم من الخطأ ولا بد، وليس يخطئ أحد في الدين إلا لمخالفة نص قرآن، أو نص سنة بتأويل منه قصد به الحق فأخطأه - وقد أفردنا بابا ضخما في كتابنا الموسوم " بالإعراب " فيما أخذ به الحنفيون من السنن التي خالفها من رواها من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا من أبرد ما موهوا به.
فهذا ما اعترضوا به قد أوضحنا سقوط أقوالهم فيه.
وأما احتجاجهم بخبر ابن المنكدر.
وربيعة عن ابن البيلماني فمرسلان ولا حجة في مرسل.
فإن لجوا: قلنا لهم: دونكم مرسلا مثلهما - أنا حمام بن أحمد أنا ابن مفرج أنا ابن الأعرابي أنا الدبري أنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن شعيب: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم، وأنه ينفى من أرضه إلى غيرها ".
وذكر أن عمر بن عبد العزيز قضى بذلك.

(21/36)


وأما قصة عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وقتله الهرمزان، وجفينة وبنت أبي لؤلؤة - فليس في الخبر نص، ولا دليل على أن أحدا قال بقتل جفينة -: فبطل بذلك دعواهم.
وصح أنه إنما طولب بدم الهرمزان فقط، وكان مسلما - ولا خلاف في القود للمسلم من المسلم، فلا يجوز أن يقحم في الخبر ما ليس فيه بغير نص ولا إجماع.
وأما احتجاجهم بأنه كما يجب قطع يد المسلم إذا سرق مال ذمي، فكذلك يجب قتله به، فقياس فاسد، والقياس كله باطل - ثم لو صح القياس لكان هذا منه عين الباطل؛ لأن القود، والقصاص للمسلم من الذمي حق للذمي عندهم، له طلبه، وله تركه والعفو عنه.
وهذا هو السبيل الذي منع الله - عز وجل - منا، ولم يجعلها لكافر على مسلم - وليس كذلك القطع في السرقة، ليس هو من حقوق المسروق منه المال، ولا له طلبه دون غيره، ولا له العفو عنه، إنما هو حق لله - عز وجل - أمر به - شاء المسروق منه أو أبى - فلا سبيل فيه للذمي على المسلم أصلا.

(21/37)


وأما قولهم: إنا نحد المسلم إذا قذف الذمي ؟ قلنا: نعم، وكذلك نحده إذا قذف الحربي ولا فرق، لما ذكرنا في القطع في السرقة من أنه ليس كلا الأمرين حقا للذمي، ولا للمقذوف، ولا للمسروق منه، ولا لهما العفو عنه، ولا طلبه دون سائر الناس.
إنما الحد في القذف حق الله تعالى أمر به - كما هو الحد في الخمر لذمي - كانت - أو لحربي، ولا فرق.
فإن قالوا: إنكم تغرمون المسلم المال إذا وجب للذمي قبله، وتأخذونه من المسلم بالسجن والأدب إذا امتنع من أدائه، وهو قادر عليه ؟
قلنا: نعم، وليس هذا من القود والقصاص في شيء؛ لأن المال المأخوذ بغير حق هو محرم على آخذه - كائنا من كان - وإذ هو كذلك، فإنما هو باطل منعناه منه، وأزلناه عن يده، كما نمنعه من قتل الذمي بلا حق ولا فرق.
ولو قدرنا على تكليفه إحياء الذمي الذي قتل لفعلنا ذلك به، فإذ لا يقدر على ذلك فلا شيء عليه، إلا الأدب؛ لتعديه إلى ما حرم الله تعالى عليه فقط كما نؤدبه في غصبه ماله إذا لم يقدر على رده، ولا على إنصافه فقط، وليس كل متعد إلى ما حرم عليه الله - عز وجل - يلزمه قتل ولا قطع عضو ولا قصاص.

(21/38)


وأما احتجاجهم على من قال: إذا قتل ذمي ذميا ثم أسلم القاتل: فالقود عليه باق - فقد أخطأ هذا القائل، بل قد سقط القود والقصاص عنه؛ لأنه قتل مؤمن بكافر، وقد حرم الله تعالى ذلك على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم يعكس عليهم هذه القياسات الفاسدة فيقال لهم: كما لا تحدون أنتم المسلم إذا قذف الذمي، وتحدون الذمي إذا قذف المسلم، فكذلك اقتلوا الذمي بالمسلم، ولا تقتلوا المسلم بالذمي - وهذا أصح قياس يكون - لو كان القياس حقا - لأنها حرمة وحرمة.
ومن غرائب القول: احتجاج الحنفيين في الفرق بين قاتل المستأمن فلا يقيدونه به، وبين قاتل الذمي فيقيدونه به.
فإن قالوا: الذمي محقون الدم بغير وقت، والمستأمن محقون الدم بوقت ثم يعود دمه حلالا إذا رجع إلى دار الحرب ؟ ولا ندري من أين وجب إسقاط القود بهذا الفرق، وكلاهما محرم الدم إذا قتل: تحريما مساويا لتحريم الآخر.

(21/39)


وإنما يراعى الحكم وقت الجناية الموجبة للحكم - لا بعد ذلك - ولعل المستأمن لا يرجع إلى دار الحرب، ولعل الذمي ينقض الذمة ويلحق بدار الحرب فيعود دمه حلالا ولا فرق - وحسبك بقوم هذا مقدار علمهم الذي به يحلون دماء المسلمين - وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - وأما قولنا: لا دية على المسلم في قتله الذمي عمدا، ولا على عاقلته في قتله إياه خطأ، ولا كفارة عليه أيضا - فلما قد بينا قبل في أول كلامنا في هذه المسألة من أن الآية التي فيها إيجاب الدية والكفارة في قتل الخطأ إنما هي في المؤمن المقتول خطأ فقط، ولم يأت قط نص في إيجاب دية، ولا كفارة، في قتل الكافر الذمي خطأ.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام " (1) ولا يجوز على أصول أصحاب القياس أن يقاس الشيء إلا على نظيره، وليس الكافر نظير المؤمن ولا مثلا، فقياسه عليه باطل على أصول القائلين بالقياس، والمانعين منه - وبالله تعالى التوفيق.
__________
(1) - البخاري : العلم (105) , مسلم : القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679) , الدارمي : المناسك (1916).

(21/40)


وإنما أوجبنا الدية في قتل الكافر المسلم خطأ بعموم قول الله تعالى: { ومن قتل مؤمنا خطأ } (1) الآية فعم بهذا قاتل المؤمن خطأ، ولم يخص بذلك مؤمنا من كافر، ولم يأت دليل من قرآن، ولا سنة، ولا إجماع يخص ذلك - فوجب إمضاؤها على عمومه.
وأما هذه الآية فلا حجة لهم فيها أصلا، لأن نصها أن الله تعالى يقول: { وما sc%x لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } (2) إلى قوله تعالى: { عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } (3).
فصح بنص هاتين الآيتين نصا جليا لا يمكن أن يتأول فيه شيء، أن هذا الحكم إنما هو في المؤمن المقتول خطأ فقط.
__________
(1) - سورة النساء آية : 92.
(2) - سورة النساء آية : 92.
(3) - سورة النساء آية : 92.

(21/41)


ثم قال - عز وجل - { فإن sc%x من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم بسم الله الرحمن الرحيمكgoY÷ t/ur ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } (1) فصح بالضرورة التي لا مدخل للشك فيها أن في { sc%x } (2) من قوله تعالى: { فإن sc%x من قوم } (3) ضمير راجع إلى أول مذكور، لا يمكن غير ذلك ألبتة، فإذ لا بد من هذا، والضمير في لغة العرب لا يرجع إلا إلى أقرب مذكور قبله، إلا ببرهان يدل على غير ذلك، فليس في هذه الآيات أقرب مذكور ولا أبعد مذكور، إلا المؤمن المقتول خطأ فقط.
فصح بيقين لا إشكال فيه: أن مراد الله تعالى بقوله: { (خطأ)فإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } (4) أنه مؤمن يقتل خطأ، كما قال الحسن، وجابر بن زيد.
وصح أن معنى قول الله تعالى: { من قوم بينكم بسم الله الرحمن الرحيمكgoY÷ t/ur ميثاق } (5) إنما هو في قوم إذا كان سكناه فيهم؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بأن لا يرث الكافر المسلم، وأن الدية موروثة -.
فبطل بيقين أن يرث الكفار الذميون ابن عمهم المؤمن.
__________
(1) - سورة النساء آية : 92.
(2) - سورة النساء آية : 92.
(3) - سورة النساء آية : 92.
(4) - سورة النساء آية : 92.
(5) - سورة النساء آية : 92.

(21/42)


والدية في العمد إنما وجبت بقول الله - عز وجل - { يا أيها الذين آمنوا |=دGن عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } (1) وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى، وإما يقاد " (2) فصح بنص القرآن، والسنة: أنه لا دية في العمد إلا حيث يكون القود يقينا.
وقد بينا أنه لا قود من المسلم للذمي فإذ لا قود له منه فلا دية له عليه، إذ لم يوجب الدية دون القود في العمد قط قرآن، ولا سنة - وبالله تعالى التوفيق.
أنا حمام أنا أبو محمد الباجي أنا عبد الله بن يونس أنا بقي بن مخلد أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا يحيى بن سعيد القطان عن أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن البصري قال: إذا قتل المسلم الذمي فليس عليه كفارة.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 178.
(2) - الترمذي : الديات (1406).

(21/43)


ومن طريق إسماعيل بن إسحاق أنا محمد بن المنهال أنا يزيد بن زريع أنا يونس - هو ابن يزيد - عن الحسن أنه كان لا يرى العتق إلا في قتل المسلم الذمي - وهو قول أبي عياض، وجابر بن زيد. فإن شغبوا بما ناه الطلمنكي أنا ابن مفرج أنا الصموت محمد بن أيوب أنا البزار أنا محمد بن معاوية الزنادي أنا أبو داود أنا يعقوب بن عبد الله بن نجيد حدثني أبي عن أبيه عن عمران بن الحصين قال " إن رجلا من خزاعة قتل رجلا من هذيل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلته فأخرجوا عقله " فإن يعقوب وأباه وجده مجهولون.

(21/44)


وأما أدبه وسجنه - فالثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنع من أن يجلد أحد في غير حد أكثر من عشر جلدات، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع " (1) وقتل الذمي بغير حق منكر فواجب تغييره باليد وقال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ةبسم الله الرحمن الرحيمبسم الله الرحمن الرحيمM}$# والعدوان } (2) فسجن القاتل منع له من الظلم وتعاون على البر والتقوى وإطلاقه عون له على الإثم والعدوان - وبالله تعالى التوفيق.
مسألة قتل المسلم أو الذمي مسلما خطأ
2026 - مسألة: وإن قتل المسلم، أو الذمي - البالغان العاقلان - مسلما خطأ فالدية واجبة على عاقلة القاتل - وهي عشيرته، وقبيلته.
وعلى القاتل في نفسه - إن كان بالغا عاقلا مسلما -: عتق رقبة مؤمنة ولا بد، فإن لم يقدر عليها لفقره: فعليه صيام شهرين متتابعين، لا يحول بينهما شهر رمضان، ولا بيوم فطر، ولا بيوم أضحى، ولا بمرض، ولا بأيام حيض - إن كانت امرأة -.
__________
(1) - مسلم : الإيمان (49) , الترمذي : الفتن (2172) , النسائي : الإيمان وشرائعه (5008) , أبو داود : الصلاة (1140) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1275) , أحمد (3/10).
(2) - سورة المائدة آية : 2.

(21/45)


وذلك - واجب على الذمي، لا أنه لا يقدر في حاله تلك على عتق رقبة مؤمنة، ولا على صيام حتى يسلم، فإن أسلم يوما ما لزمه العتق، أو الصيام فإن لم يسلم حتى مات لقي الله - عز وجل -.
وذلك زائد في إثمه وعذابه، ولا يصوم عنه وليه - هذا كله نص القرآن الذي لا يجهله من له في العلم أقل حظ.
وأما كون الدية على عشيرته - فلما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا قتيبة بن سعيد أنا الليث هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة " قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنين امرأة سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت ؟ فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن ميراثها لبنيها، وزوجها، أن العقل على عصبتها " (1).
__________
(1) - البخاري : الفرائض (6740) , مسلم : القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1681) , الترمذي : الديات (1410) , النسائي : القسامة (4819) , أبو داود : الديات (4576) , ابن ماجه : الديات (2639) , أحمد (2/539) , الدارمي : الديات (2382).

(21/46)


قال أبو محمد - رضي الله عنه - وقال الحنفيون، والمالكيون: العقل على أهل الديوان - وادعوا أن عمر قضى بذلك، وذلك لا يصح، ولو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه لا حجة في أحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعيذ الله تعالى عمر من أن يكون يحيل حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحدث حكما آخر بغير وحي من الله تعالى وهذا عظيم جدا.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - فمن لم يكن له من المسلمين خاصة عصبة فمن سهم الغارمين، أو من كل مال موقوف لجميع مصالح المسلمين؛ لقول الله - عز وجل - { (خطأ)المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } (1) ولا حظ في المال المذكور لكافر ذميا كان أو غيره - وبالله تعالى التوفيق.
وأما قولنا: لا يحول بين الشهرين برمضان، ولا بأضحى، ولا بمرض ولا أيام حيض - فلأن الله - عز وجل - أمر بهما متتابعين، وأما إذا حال بينهما شيء مما ذكرنا فليسا متتابعين، ولم يخص الله - عز وجل - حيلولة بغير عذر من حيلولة بعذر.
وتؤخر المرأة صيامها حتى ترتفع حيضتها؛ لأنها لا تقدر على المتابعة، ففرضها أن تؤخر حتى تقدر كالمريض وغيره.
__________
(1) - سورة التوبة آية : 71.

(21/47)


ولو بدأهما في أول شعبان ثم سافر رمضان كله أجزأه إتمام الشهرين فيه ثم يقضي رمضان كما أمره الله تعالى.
وأما الذمي - فإن كل كافر من جن أو إنس ففرض عليهم ترك كل دين والرجوع إلى الإسلام، والتزام شرائعه لا يقول غير هذا مسلم؛ لأنه بهذا جاء القرآن وعليه حارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خالفه ولم يؤمن به، وبذلك وجب الخلود في النار على من لم يسلم، فإذ كل كافر فملزم دين الإسلام، ومأمور به، فحكمه لازم لهم، وشرائعه كذلك، إلا أن منها ما لا يقبل منهم حتى يسلموا، كالصلاة هي فرض على الجنب، وغير المتوضئ، إلا أنها لا تقبل منهما إلا حتى يغتسل الجنب ويتوضأ المحدث.
وأما قولنا: لا يصوم عن الكافر وليه بخلاف المسلم يموت وعليه صيام؛ لأنه لا يصوم الولي إلا ما لو صامه الميت لأجزأه، وليس هذا صفة الكافر - وبالله تعالى التوفيق.
مسألة قتل مؤمنا عمدا وهو يدري أنه مسلم

(21/48)


2027 - مسألة: ومن قتل مؤمنا عمدا في دار الإسلام أو في دار الحرب - وهو يدري أنه مسلم - فولي المقتول مخير إن شاء قتله بمثل ما قتل هو به وليه: من ضرب، أو طعن، أو رمي، أو صب من حالق، أو تحريق أو تغريق، أو شدخ، أو إجاعة أو تعطيش، أو خنق أو غم، أو وطء فرس، أو غير ذلك - لا تحاش شيئا.
وإن شاء عفا عنه - أحب القاتل أم كره - لا رأي له في ذلك، وليس عفو الولي عن القود وسكوته عن ذكر الدية بذلك بمسقط للدية، بل هي واجبة للولي، وإن لم يذكرها، إلا أن يلفظ بالعفو عن الدية أيضا.
وإن شاء عفا عنه بما يتفقان عليه، فهاهنا خاصة إن لم يرضه القاتل لم يلزمه، ويكون للولي القود، أو الدية، فإن أبى الولي إلا أكثر من الدية لم يلزم القاتل أن يزيده على الدية وبرة فما فوقها.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - وقد اختلف الناس في هذا -:

(21/49)


فقالت طائفة: ليس لولي المقتول إلا القود فقط، أو العفو، ولا تجب له الدية إلا برضا القاتل، فإن أبى الولي إلا أكثر من الدية - ولو أضعافا كثيرة فإن رضي بذلك القاتل جاز ذلك، وإلا فلا - صح هذا القول عن إبراهيم النخعي، وعن أبي الزناد - وهو قول أبي حنيفة، وسفيان الثوري ومالك، وابن شبرمة، والحسن بن حي، وأصحابهم.
وصح قولنا عن ابن عباس: روينا من طريق البخاري أنا قتيبة بن سعيد أنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله - عز وجل - { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } (1) قال: كان في بني إسرائيل القود، ولم تكن فيهم الدية، قال: فالعفو -: أن يقبل الدية في العمد يطلب بمعروف، ويؤدي بإحسان.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 178.

(21/50)


ومن طريق حماد بن سلمة أنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس في الآية المذكورة هو العمد يرضى أهله بالدية اتباعا من الطالب بالمعروف وأداء إليه من المطلوب بإحسان. وصح أيضا عن مجاهد، والشعبي، وعن عمر بن عبد العزيز -: كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل قاضي صنعاء قال: كتب عمر بن عبد العزيز في امرأة قتلت رجلا - إن أحب الأولياء أن يعفوا عفوا - وإن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، وإن أحبوا أن يأخذوا الدية أخذوها، وأعطوا امرأته ميراثها من الدية.
ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: يجبر القاتل على إعطاء الدية، فإن اتفقوا على ثلاث ديات: فهو جائز، إنما اشتروا به صاحبهم. وهو قول سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، والأوزاعي، والشافعي وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي سليمان، وأصحابهم، وجمهور أصحاب الحديث.
قال أبو محمد - رضي الله عنه - فنظرنا فيما احتج به أهل هذا القول ؟ فوجدنا قول الله - عز وجل - { |=دGن عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } (1).
__________
(1) - سورة البقرة آية : 178.

(21/51)


فالضمير في قوله تعالى: { له } (1) وفي { من أخيه } (2) راجع إلى القاتل، لا يجوز غير ذلك؛ لأنه هو الذي عفي له من ذنبه في قتل أخيه المسلم.
وما روينا من طريق البخاري أنا أبو نعيم - هو الفضل بن دكين - أنا شيبان عن يحيى هو ابن أبي كثير - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة فذكر حديثا وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما يودى وإما أن يقاد " (3).
__________
(1) - سورة البقرة آية : 178.
(2) - سورة البقرة آية : 178.
(3) - البخاري : في اللقطة (2434) , مسلم : الحج (1355) , ابن ماجه : الديات (2624) , أحمد (2/238).

(21/52)


ومن طريق أبي داود السجستاني أنا مسدد أنا يحيى بن سعيد القطان أنا ابن أبي ذئب أنا سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول في خبر " فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا " (1) فهذا نص جلي لا يحتمل تأويلا بأن الخيار في الدية أو القود إلى ولي المقتول لا إلى القاتل، وقد وافقونا على أنه إن عفا واحد من الأولياء فأكثر: أن الدية واجبة للباقين - أحب القاتل أم كره - وكذلك عندهم: إذا بطل القود بأي وجه بطل، كالأب قتل ابنه، أو نحو ذلك، فأي فرق بين امتناع القود بهذا وبين امتناعه بعفو الولي.
قالوا: ولا يصح خلاف ابن عباس في ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
__________
(1) - الترمذي : الديات (1406) , أبو داود : الديات (4504) , أحمد (4/31).

(21/53)


ثم نظرنا فيما يشغب به أهل القول الذي ذكرنا أولا، فوجدناهم يحتجون -: بما روينا من طريق أحمد بن شعيب أخبرني هلال بن العلاء أنا سعيد بن سليمان أنا سليمان بن كثير أنا عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قتل في رميا أو عميا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو عصا فعقله عقل خطأ ومن قتل عمدا فقود يديه، فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله " (1)، وذكر الحديث.
__________
(1) - النسائي : القسامة (4789) , أبو داود : الديات (4539) , ابن ماجه : الديات (2635).

(21/54)


ومن طريق ابن وهب أخبرني سفيان الثوري عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " من اغتبط مؤمنا قتلا فهو موديه إلا أن يرضى ولي المقتول وذكر الحديث - وفي آخره: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } (1) والرسول. " وبما ناه أحمد بن قاسم حدثني أبي قاسم بن محمد بن قاسم أنا جدي قاسم بن أصبغ أنا أحمد بن زهير أنا الحكم بن موسى أنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود الجزري عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب في كتابه إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم فمن اغتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول " (2).
__________
(1) - سورة الشورى آية : 10.
(2) - النسائي : القسامة (4853).

(21/55)


وبما روينا من طريق أبي داود أنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة أنا يحيى بن سعيد - هو القطان - عن عوف الأعرابي عن حمزة أبي عمر العايذي الضبي حدثني علقمة بن وائل حدثني وائل بن الأوزاعي، قال ": كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جيء بقاتل في عنقه النسعة فقال عليه الصلاة والسلام لمولى المقتول: أتعفو ؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية ؟ قال: لا، قال: أفتقتل ؟ قال: نعم، وفي آخر الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام قال له أما إنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمك وإثم صاحبك فعفا عنه. " ومن طريق أبي داود أنا محمد بن عوف الطائي أنا عبد القدوس بن الحجاج ثنا يزيد بن عطاء الواسطي عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بقاتل فقال له: هل لك من مال تؤدي ديته ؟ قال: لا، قال: أفرأيت إن أرسلتك تسأل الناس تجمع ديته ؟ قال: لا، قال: فمواليك يعطونك ديته ؟ قال: لا، قال لولي المقتول: خذه - ثم قال عليه الصلاة والسلام: أما إنه إن قتله كان مثله، وذكر باقي الحديث - وفيه: أنه عليه الصلاة والسلام قال له أرسله يبوء بإثم صاحبك وإثمه، فيكون من أصحاب النار ؟ فأرسله " (1)
__________
(1) - مسلم : القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1680) , النسائي : القسامة (4727) , أبو داود : الديات (4501) , الدارمي : الديات (2359).

(21/56)


.
ومن طريق أحمد بن شعيب أنا عيسى بن يونس الفاخوري أنا ضمرة عن عبد الله بن شوذب عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، " أن رجلا أتى بقاتل وليه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له عليه الصلاة والسلام: اعف عنه ؟ فأبى، فقال: خذ الدية ؟ فأبى، قال: اذهب فاقتله، فإنك مثله فذكر الحديث - وفيه أنه أرسله " (1).
قالوا: ففي حديث ابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن حزم: القود إلا أن يرضى أولياء المقتول.
وفي حديث وائل بن حجر، وأنس: الفرق بين العفو، وبين أخذ الدية.
قالوا: فلو كانت الدية واجبة بالعفو وإن لم يذكرها الولي العامي لاستغنى عليه الصلاة والسلام عن إعادة ذكرها.
قالوا: وفي أحد حديثي وائل أنه استشار القاتل في إعطاء الدية، فلو كانت واجبة عليه ما استشاره في ذلك.
قالوا: وقد رويتم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس قال: في الكتاب الذي هو عند أبي، وهو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالذي في حديث معمر، وهي في شبه العمد: ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وأربعون خلفة فتية سمينة - إذا اصطلحوا في العمد، فهو على ما اصطلحوا عليه - قالوا - فلم يذكر في العمد دية.
__________
(1) - النسائي : القسامة (4730) , ابن ماجه : الديات (2691).

(21/57)


وقالوا: قال الله - عز وجل - { ولا (# qè=نù's? أموالكم بينكم بالباطل } (1).
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يحل مال امرئ مسلم بغير طيب نفس منه " (2).
قالوا: فدل هذان النصان على أن مال القاتل لا يجوز أخذ شيء منه إلا بطيب نفس منه.
وقالوا: قال الله - عز وجل - { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } (3)، وقال تعالى: { وإن بسم الله الرحمن الرحيمçG6s%%tو فعاقبوا بمثل ما بسم الله الرحمن الرحيمçF6د%qمم به } (4).
وقالوا: وليس مثل القتل إلا القتل، فلا مدخل للدية هاهنا إلا برضاهما معا.
وقالوا: قال الله - عز وجل - { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل } (5).
قالوا: فلم يذكر - عز وجل - إلا القتل فقط.
وقالوا " لا يخلو ولي المقتول من أن يكون له القصاص أو يكون له أيضا أخذ الدية بدلا من القصاص، فإن قلتم هذا ؟
قلنا: لم نجد قط حقا لإنسان أن يكون له أخذ بدل منه إلا برضا الذي عليه الحق، فإن قلتم: له إما القصاص وإما الدية ؟.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 188.
(2) - أحمد (5/72).
(3) - سورة البقرة آية : 194.
(4) - سورة النحل آية : 126.
(5) - سورة الإسراء آية : 33.

(21/58)


قلنا: لو كان ذلك لكان إن عفا عن أحدهما لم يجز عفوه؛ لأنه لم يجب له بعد بعينه - وإنما يجوز عفوه عنه إذا اختاره ثم عفا عنه بعد وجوبه له بعينه.
وقالوا: قد روي عن عمر بن الخطاب كما رويتم من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: لا يمنع السلطان ولي الدم أن يعفو - إن شاء - أو يأخذ العقل - إن اصطلحوا عليه - ولا يمنعه أن يقتل إن أبى إلا القتل بعد أن يحق له القتل في العمد. واعترضوا في قول الله - عز وجل - { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع } (1).
وقالوا: إن الضمير الذي في { له } (2) وفي { من أخيه } (3) راجع إلى ولي المقتول، لا إلى القاتل، بمعنى: فمن سمح له القاتل بالدية.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 178.
(2) - سورة البقرة آية : 178.
(3) - سورة البقرة آية : 178.

(21/59)


واعترضوا في خبر أبي هريرة بأن قالوا: قد رويتم هذا الخبر بعينه بخلاف ذلك اللفظ، لكن كما رويتم من طريق أحمد بن شعيب أنا العباس بن الوليد بن مزيد أرني أبي حدثني الأوزاعي أنا يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما يقاد، وإما يفادى " (1).
ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة أنا الحسن بن موسى عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة أخبره في حديث " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يفادي أهل القتيل " (2) قالوا: فلم يذكر دية - وهذا قولنا.
__________
(1) - الترمذي : الديات (1406).
(2) - البخاري : في اللقطة (2434) , مسلم : الحج (1355) , ابن ماجه : الديات (2624) , أحمد (2/238).

(21/60)


واعترضوا في خبر أبي شريح الكعبي بأن قالوا: قد رويتموه كما حدثكم أحمد بن قاسم أنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم قال حدثني جدي قاسم بن أصبغ قال: أنا عبد الله بن روح أنا يزيد بن هارون أنا ابن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن سفيان بن أبي العوجاء السلمي عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح - فهو بالخيار في إحدى ثلاث أشياء: إما أن يعفو، وإما أن يقتص، وإما أن يأخذ العقل " (1).
قالوا: فلو وجبت الدية بالعفو - وإن لم تذكر - لما كان لذكره عليه الصلاة والسلام للدية مع ذكره للعفو مخيرا بينهما معنى.
قالوا: ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام " إما أن يقاد وإما أن يعقل " أن يرضى القاتل كما تقول: خذ بسلعتك كذا وكذا، أي يرضى البائع.
هذا كل ما موهوا به قد تقصيناه لهم، ولا حجة لهم في شيء منه على ما نذكر إن شاء الله - عز وجل - ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
__________
(1) - أبو داود : الديات (4496) , ابن ماجه : الديات (2623) , أحمد (4/31).

(21/61)


أما حديث سعيد بن سليمان عن سعيد بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس: فلا حجة لهم فيه؛ لأنه بإجماع منا ومنهم لم يذكر فيه عفوا، وإنما ذكر فيه القود فقط.
فإن قالوا: قد ذكر العفو في غير هذا المكان ؟
قلنا: وقد ذكرت الدية في غير هذا المكان، ولا فرق - وزيادة العدل لا يجوز تركها - والحنفيون يخالفون هذا الخبر؛ لأنهم لا يرون القود للولد من الوالد، فخصه بلا برهان - وكذلك المالكيون؛ لأنهم لا يرون القود للعبد من الحر فخصوه أيضا بلا برهان.
وأما حديث ابن أبي ليلى فمرسل، ولا حجة في مرسل - ثم هو عن محمد بن عبد الرحمن، وهو سيئ الحفظ.
وأما حديث عمرو بن حزم فساقط؛ لأن سليمان بن داود الذي رواه عن الزهري - ضعيف الحديث مجهول الحال - قال ابن معين وغيره: ثم لو صح هو وحديث ابن أبي ليلى لكانا حجة لنا لا لهم؛ لأن فيه: إلا أن يرضى أولياء المقتول - ونحن لا ننكر هذا، بل نقول: إنهم إن رضوا بالدية أو بأكثر من الدية، فلهم رضاهم.

(21/62)


وخبر أبي شريح، وأبي هريرة: ففيهما زيادة عدل على هذين الخبرين، وزيادة عدلين لا يجوز تركها - وكم قضية في خبر عمرو بن حزم المذكور، وقد خالفوها بآرائهم كما ذكرنا في " كتاب الزكاة " - وبالله تعالى التوفيق.
وأما حديثا وائل بن حجر فساقطان -: أحدهما - من رواية أبي عمرو العايذي - وهو مجهول - وقد روي عن عوف أيضا عن أبي عمرو الضبي، فإن لم يكن ذلك فهو ضعيف - وقد روي هذا الخبر مدلسا، ونحن نبينه - إن شاء الله - عز وجل - عليه لئلا يموه به على جاهل بعلوم الحديث، وهو كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن عوف الأعرابي عن علقمة بن وائل عن أبيه، قال: جيء بالقاتل - وذكر الحديث نفسه - فأسقط بين عوف، وعلقمة: أبا عمرو المذكور.
والثاني - من رواية سماك بن حرب - وهو يقبل التلقين.
ثم لو صحا لكانا حجة لنا عليهم؛ لأن في أحدهما أنه عليه الصلاة والسلام قال لولي القاتل: أتعفو ؟ قال: لا، قال: أفتأخذ الدية ؟ قال: لا، قال: أفتقتل ؟ قال: نعم.

(21/63)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية