صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المحلي بالاثار لابن حزم

424 - مسألة: ومن صلى من الرجال وهو لابس معصفرا بطلت صلاته إذا كان ذكرا عالما بالنهي وإلا فلا؛ فإن كان مصبوغا بعصفر لا يظهر فيه إلا أنه لا يطلق عليه اسم " معصفر " فصلاته فيه جائزة، والصلاة فيه جائزة للنساء حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا القعنبي ثنا مالك عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي بن أبي طالب: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس القسي وعن لبس المعصفر وعن تختم الذهب، وعن القراءة في الركوع " (1). وبهذا يقول بعض السلف الصالح -: كما روينا عن معمر عن قتادة: أن عمر بن الخطاب رأى على رجل ثوبا معصفرا فقال: دعوا هذه البراقات للنساء. وعن معمر عن بديل العقيلي عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشخير عن سليمان بن صرد الخزاعي قال: رأى عمر بن الخطاب على رجل ثوبين ممصرين فقال: ألق هذين عنك؛ لعلك أن توهم من عملك ما هو أشد من هذا قال علي: هذا تشديد عظيم جدا
__________
(1) - مسلم : اللباس والزينة (2078) , الترمذي : اللباس (1737) الأدب (2808) , النسائي : التطبيق (1040 ,1041 ,1042 ,1043 ,1044) الزينة (5267 ,5268 ,5269 ,5270) , أبو داود : اللباس (4044) , أحمد (1/80 ,1/92 ,1/104 ,1/114 ,1/116) , مالك : النداء للصلاة (177).

(4/84)


وروينا أن أم الفضل بنت غيلان: أرسلت إلى أنس بن مالك تسأله عن العصفر فقال أنس: لا بأس به للنساء. قال علي: صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إباحته للنساء حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ثنا يعقوب هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - ثنا أبي عن محمد بن إسحاق أن نافعا مولى ابن عمر حدثه عن عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر، أو خز، أو حلي، أو سراويل، أو قميص، أو خف " (1).
مسألة ومن صلى وهو يحمل شيئا مسروقا أو مغصوبا أو إناء فضة أو ذهب
__________
(1) - أبو داود : المناسك (1827).

(4/85)


425 - مسألة: ومن صلى وهو يحمل شيئا مسروقا أو مغصوبا أو إناء فضة أو ذهب بطلت صلاته إلا أن يحمل المأخوذ بغير حقه ليرده إلى صاحبه، أو يحمل الإناء ليكسره -: فصلاته تامة، فإن صلى وفي كفه أو حجزته حلي ذهب يتملكه لأهله، أو ليبيعه، أو ثوب حرير كذلك، أو دنانير -: فصلاته تامة. وكذلك لو صلى وفي فيه دينار أو لؤلؤة يحرزهما بذلك فصلاته تامة. برهان ذلك -: أنه عمل في صلاته ما لا يحل له، ومن عمل في صلاته ما لا يحل له؛ فلم يصل الصلاة التي أمره الله - عز وجل - بها؛ فإذا حمل ذلك لما أمر به؛ فلم يعمل في صلاته إلا ما أمر به؛ فصلاته صحيحة - وبالله تعالى التوفيق
مسألة الرجل إن صلى في ثوب واسع

(4/86)


426 - مسألة: وفرض على الرجل - إن صلى في ثوب واسع - أن يطرح منه على عاتقه أو عاتقيه، فإن لم يفعل بطلت صلاته، فإن كان ضيقا اتزر به وأجزأه، كان معه ثياب غيره أو لم يكن -: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو عاصم هو النبيل - عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " (1). ورويناه من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء " (2). قال علي: المعنى في كلا اللفظين واحد، لأنه متى ألقى بعض الثوب على عاتقه فلم يصل في ثوب ليس على عاتقيه منه شيء، بل صلى في ثوب على أحد عاتقيه منه شيء. حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا هارون بن معروف ثنا حاتم بن
__________
(1) - مسلم : الصلاة (516) , النسائي : القبلة (769) , أبو داود : الصلاة (626) , أحمد (2/464) , الدارمي : الصلاة (1371).
(2) - البخاري : اللباس (5819) , أحمد (2/529) , مالك : الجامع (1704).

(4/87)


إسماعيل عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة - عن " عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: أتينا جابر بن عبد الله أنا وأبي فحدثنا في حديث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له يا جابر، إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك " يعني ثوبه. وهذه الأحاديث تقضي سائر الأخبار في الصلاة في الثوب الواحد وروينا عن حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع مولى ابن عمر قال في الثوب: إذا كان واسعا فتوشح به، وإن كان قصيرا فاتزر به. وعن أبي عوانة عن المغيرة عن إبراهيم النخعي قال: إذا لم يكن عليك إلا ثوب واحد، إن كان واسعا فتوشح به، وإن كان صغيرا فاتزر به وعن طاوس بنحو هذا وعن محمد بن الحنفية: لا صلاة لمن لم يخمر على عاتقيه في الصلاة
مسألة ولا يجوز لأحد أن يصلي وهو مشتمل الصماء الرجل والمرأة سواء

(4/88)


427 - مسألة: ولا يجوز لأحد أن يصلي وهو مشتمل الصماء، وهو أن يشتمل المرء ويداه تحته، الرجل والمرأة سواء -: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين وعن لبستين فذكر الحديث وفيه: عن اشتمال الصماء " (1)
مسألة الصلاة ممن جر ثوبه خيلاء من الرجال
__________
(1) - البخاري : الاستئذان (6284) , أبو داود : الصوم (2417) , ابن ماجه : اللباس (3559) , أحمد (3/66).

(4/89)


428 - مسألة: ولا تجزئ الصلاة ممن جر ثوبه خيلاء من الرجال وأما المرأة فلها أن تسبل ذيل ما تلبس ذراعا لا أكثر، فإن زادت على ذلك عالمة بالنهي بطلت صلاتها وحق كل ثوب يلبسه الرجل أن يكون إلى الكعبين لا أسفل ألبتة؛ فإن أسبله فزعا أو نسيانا فلا شيء عليه حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثنا يحيى بن سعيد هو القطان - عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء " (1). فهذا عموم للسراويل، والإزار، والقميص وسائر ما يلبس. ورواه أيضا عبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم عن ابن عمر مسندا. ورويناه أيضا من طريق أبي ذر مسندا بوعيد شديد. وروينا عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أنه قال: المسبل إزاره في الصلاة ليس من الله في حل ولا في حرام. وعن ابن عباس: لا ينظر الله إلى مسبل وعن مجاهد: كان يقال: من مس إزاره كعبه لم يقبل الله له صلاة فهذا مجاهد يحكي ذلك عمن
__________
(1) - البخاري : اللباس (5788) , مسلم : اللباس والزينة (2087) , أحمد (2/386) , مالك : الجامع (1697).

(4/90)


قبله، وليسوا إلا الصحابة رضي الله عنهم لأنه ليس من صغار التابعين؛ بل من أواسطهم وعن ذر بن عبد الله المرهبي - وهو من كبار التابعين -: كان يقال: من جر ثيابه لم تقبل له صلاة ولا نعلم لمن ذكرنا مخالفا من الصحابة رضي الله عنهم. قال علي: فمن فعل في صلاته ما حرم عليه فعله فلم يصل كما أمر، ومن لم يصل كما أمر فلا صلاة له. حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا النفيلي هو عبد الله بن محمد - ثنا محمد ثنا زهير هو ابن معاوية - ثنا موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر الصديق: إن أحد جانبي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لست ممن يفعله خيلاء " (1). حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا نوح بن حبيب القومسي ثنا عبد
__________
(1) - البخاري : المناقب (3665) اللباس (5783 ,5784 ,5791) , مسلم : اللباس والزينة (2085) , الترمذي : اللباس (1730) , النسائي : الزينة (5327) , ابن ماجه : اللباس (3569) , أحمد (2/46 ,2/55 ,2/60 ,2/74 ,2/101 ,2/128 ,2/131 ,2/155) , مالك : الجامع (1696).

(4/91)


الرزاق أنا معمر عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه قالت أم سلمة يا رسول الله فكيف تصنع النساء بذيولهن قال: ترخينه شبرا؛ قالت: إذن تنكشف أقدامهن؛ قال: ترخينه ذراعا لا يزدن عليه " (1). حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري ثنا سفيان هو ابن عيينة - ثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت أبا سعيد الخدري فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل ذلك في النار، لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا " (2).
مسألة الصلاة في ثوب الكافر والفاسق
__________
(1) - الترمذي : اللباس (1731).
(2) - ابن ماجه : اللباس (3573) , أحمد (3/5 ,3/44) , مالك : الجامع (1699).

(4/92)


مسألة: والصلاة جائزة في ثوب الكافر والفاسق، ما لم يوقن فيها شيئا يجب اجتنابه لقول الله تعالى: { خلق لكم ما في الأرض جميعا } (1). وقد صح " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في جبة رومية " (2)؛ ونحن على يقين من طهارة القطن، والكتان، والصوف، والشعر، والوبر، والجلود، والحرير للنساء؛ وإباحة كل ذلك فمن ادعى نجاسة أو تحريما لم يصدق إلا بدليل من نص قرآن أو سنة صحيحة. قال تعالى: { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } (3). وقال تعالى: { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } (4)، فإن قيل: قد حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آنيتهم إلا بعد غسلها، وإن لم يوجد غيرها قلنا: نعم، والآنية غير الثياب { وما كان ربك نسيا (64) } (5). ولو أراد الله تعالى تحريم ثيابهم لبين ذلك على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما فعل بالآنية والعجب أن المانع من الصلاة في ثيابهم يبيح آنيتهم لغير ضرورة وهذا عكس الحقائق وإباحة الصلاة في ثياب المشركين هو قول سفيان الثوري، وداود بن علي، وبه نقول
مسألة ولا يجزئ أحدا من الرجال أن يصلي وقد زعفر جلده بالزعفران
__________
(1) - سورة البقرة آية : 29.
(2) - ابن ماجه : اللباس (3563).
(3) - سورة الأنعام آية : 119.
(4) - سورة يونس آية : 36.
(5) - سورة مريم آية : 64.

(4/93)


430 - مسألة: ولا يجزئ أحدا من الرجال أن يصلي وقد زعفر جلده بالزعفران، فإن صبغ ثيابه، أو عمامته، بالزعفران، أو زعفر لحيته، فحسن، وصلاته بكل ذلك جائزة حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية - كلاهما عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزعفر الرجل " (1). هذا لفظ إسماعيل، ولفظ حماد، " عن التزعفر للرجال " (2). حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا سليمان بن الأشعث ثنا زهير بن حرب ثنا محمد بن عبد الله الأسدي ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن جديه قالا: سمعنا أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق ". قال علي: الخلوق الزعفران، وأول مراتب هذا الخبر كونه من قول أبي موسى. قال علي: هذا النهي ناسخ لما كان في
__________
(1) - البخاري : اللباس (5846) , مسلم : اللباس والزينة (2101) , الترمذي : الأدب (2815) , النسائي : الزينة (5256) , أبو داود : الترجل (4179) , أحمد (3/101).
(2) - البخاري : اللباس (5846) , مسلم : اللباس والزينة (2101) , الترمذي : الأدب (2815) , أبو داود : الترجل (4179).

(4/94)


أول الهجرة من إباحته عليه السلام لأن يتزعفر الرجل، إذ رأى عبد الرحمن بن عوف حين تزوج وعليه الخلوق، فلم ينكر عليه؛ إذ الأصل في ذلك الإباحة، ثم طرأ النهي فجاء ناسخا حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا يعقوب بن إبراهيم ثنا الدراوردي هو عبد العزيز بن محمد - عن زيد بن أسلم قال: رأيت ابن عمر يصفر لحيته بالخلوق، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنك تصفر لحيتك بالخلوق قال: ] " إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصفر بها لحيته ولم يكن شيء من الصبغ أحب إليه منها؛ ولقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته " [. قال علي: ولم ينه عليه السلام النساء عن التزعفر، فهو مباح لهن. قال - عز وجل - { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } (1).
مسألة ولا يحل للرجل أن يصفق بيديه في صلاته
__________
(1) - سورة الأنعام آية : 119.

(4/95)


431 - مسألة: ولا يحل للرجل أن يصفق بيديه في صلاته، فإن فعل وهو عالم بالنهي بطلت صلاته؛ لكن إن نابه شيء في صلاته فليسبح وأما المرأة فحكمها إن نابها شيء في صلاتها أن تصفق بيديها، فإن سبحت: فحسن وهو قول الشافعي، وداود وقال أبو حنيفة: إن سبح الرجل مريدا إفهام غيره بأمر ما: بطلت صلاته وقال مالك: لا تصفق المرأة بل تسبح. وكلا القولين خطأ، وخلاف للثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو النعمان هو محمد بن الفضل عارم - ثنا حماد بن زيد ثنا أبو حازم المدني عن سهل بن سعد - فذكر حديثا وفيه -: إن الناس صفحوا إذ رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءوهم يصلون خلف أبي بكر، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم إذ سلم " إذا رابكم أمر فليسبح الرجال وليصفح النساء في الصلاة " (1). قال علي: لا خلاف في أن التصفيق، والتصفيح بمعنى واحد، وهو الضرب بإحدى صفحتي الأكف على الأخرى وروينا عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، أنهما قالا: التسبيح للرجال،
__________
(1) - البخاري : الجمعة (1204 ,1234) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1035) , أحمد (5/332) , الدارمي : الصلاة (1364).

(4/96)


والتصفيق للنساء - ولا يعرف لهما من الصحابة رضي الله عنهم مخالف وإنما جاز التسبيح للنساء، لأنه ذكر لله تعالى والصلاة مكان لذكر الله - عز وجل -
مسألة ولا يحل للمرأة إذا شهدت المسجد أن تمس طيبا
432 - مسألة: ولا يحل للمرأة إذا شهدت المسجد أن تمس طيبا، فإن فعلت بطلت صلاتها؛ سواء في ذلك الجمعة، والعتمة، والعيد، وغير ذلك من جميع الصلوات. حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان ثنا بكير بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا " (1). حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد هو ابن سلمة - عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف - عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن يخرجن وهن تفلات " (2)
__________
(1) - مسلم : الصلاة (443) , النسائي : الزينة (5134).
(2) - أحمد (2/438).

(4/97)


. قال علي: إن أمكن المرأة أن تتطيب يوم الجمعة طيبا تذهب ريحه قبل الجمعة فذلك عليها؛ وإلا فلا بد لها من ترك الطيب أو ترك الجمعة؛ أي ذلك فعلت فمباح لها
مسألة صلاة الواصلة
433 - مسألة: ولا يحل للمرأة أن تصلي وهي واصلة شعرها بشعر إنسان، أو غيره، أو بصوف، أو بأي شيء كان؛ وكذلك الرجل أيضا. وأما التي تضفر غديرتها أو غدائرها بخيط من حرير، أو صوف أو كتان، أو قطن، أو سير أو فضة، أو ذهب؛ فليست واصلة، ولا إثم عليها. ولا صلاة للتي تعظم رأسها بشيء تختمر عليه حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا الحميدي ثنا سفيان هو ابن عيينة - ثنا هشام هو ابن عروة - أنه سمع فاطمة بنت المنذر تقول: إنها سمعت أسماء بنت أبي بكر الصديق تقول " سألت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي أصابتها الحصبة فامرق شعرها وإني زوجتها، أفأصل فيه قال: لعن الله الواصلة والموصولة " (1). حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا عمرو بن يحيى
__________
(1) - البخاري : اللباس (5941) , مسلم : اللباس والزينة (2122) , النسائي : الزينة (5250) , ابن ماجه : النكاح (1988) , أحمد (6/345).

(4/98)


بن الحارث الحمصي ثنا محبوب بن موسى أنا ابن المبارك عن يعقوب هو ابن القعقاع - عن قتادة عن ابن المسيب عن معاوية أنه قال: " أيها الناس، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهاكم عن الزور، وجاء بخرقة سوداء فألقاها بين أيديهم قال: هو هذا تجعله المرأة في رأسها ثم تختمر عليه " (1). قال علي: قول معاوية: " نهاكم " خطاب من النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجال والنساء، فمن صلى وهو عامل في صلاته حالا محرمة عليه، فلم يصل كما أمر؛ فلا صلاة له - وبالله تعالى التوفيق.
مسألة بيان أن من وصل شعره من النساء ملعون
__________
(1) - النسائي : الزينة (5247).

(4/99)


434 - مسألة: وأما التي تتولى وصل شعر غيرها، والواشمة، والمستوشمة - والوشم: النقش في الجلد ثم يعمل بالكحل الأسود - والمتفلجة والنامصة والمتنمصة - والنمص هو نتف الشعر من الوجه - فكل من فعلت ذلك في نفسها، أو في غيرها فملعونات من الله - عز وجل - وصلواتهن تامة أما اللعنة فقد صح لعن كل من ذكرنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما تمام صلاتهن فإنهن بعد حصول هذه الأعمال فيهن ومنهن لا يقدرن على التبرؤ من تلك الأحوال، ومن عجز عما كلف سقط عنه. قال تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } (1). وقال عليه السلام: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (2). فلم يكلف أحد إلا ما يستطيع؛ فإذا عجزن عن إزالة تلك الأحوال فقد سقط عنهن إزالتها، وهن مأمورات بالصلاة؛ فيؤدينها كما يقدرن. وأما الواصلة في شعر نفسها فقادرة على إزالته، فإذا لم تزله فقد استصحبت في صلاتها عملا هي فيه عاصية لله - عز وجل - فلم تصل كما أمرت فلا صلاة لها - وبالله تعالى التوفيق.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 286.
(2) - البخاري : الاعتصام بالكتاب والسنة (7288) , مسلم : الحج (1337) , النسائي : مناسك الحج (2619) , ابن ماجه : المقدمة (2) , أحمد (2/247).

(4/100)


الصلاة على ظهر الكعبة وعلى أبي قبيس وعلى كل سقف بمكة
435 - مسألة: والصلاة جائزة على ظهر الكعبة، وعلى أبي قبيس، وعلى كل سقف بمكة، وإن كان أعلى من الكعبة، وفي جوف الكعبة أينما شئت منها، الفريضة والنافلة سواء وقال مالك: لا تجوز الصلاة في جوف الكعبة، الفرض خاصة، وأجاز فيها التنفل والذي قلنا نحن: هو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان، وغيرهم. واحتج أتباع مالك بأن قالوا: إن من صلى داخل الكعبة فقد استدبر بعض الكعبة قال علي: إنما قال الله - عز وجل - { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما بسم الله الرحمن الرحيمçFZن. فولوا وجوهكم } (1). فلو كان ما ذكره المالكيون حجة لما حل لأحد أن يصلي في المسجد الحرام؛ لأنه هو القبلة بنص كلام الله تعالى في القرآن، وكل من يصلي فيه فلا بد له من أن يستدبر بعضه - فظهر فساد هذا القول وأيضا: فإن كل من صلى إلى المسجد الحرام، أو إلى الكعبة فلا بد له من أن يترك بعضها عن يمينه وبعضها عن شماله، ولا فرق عند أحد من أهل الإسلام في أنه لا فرق بين استدبار القبلة في الصلاة، وبين أن يجعلها على يمينه أو على شماله. فصح أنه لم يكلفنا الله - عز
__________
(1) - سورة البقرة آية : 150.

(4/101)


وجل - قط مراعاة هذا، وإنما كلفنا أن نقابل بأوجهنا ما قابلنا من جدار الكعبة أو من جدار المسجد قبالة الكعبة حيثما كنا فقط -: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف قال: أنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال " دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكعبة وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقها عليه ومكث فيها، فسألت بلالا حين خرج: ما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة من ورائه ثم صلى " (1). قال علي: ما قال أحد قط إن صلاته المذكورة - صلى الله عليه وسلم - كانت إلى غير القبلة، وقد نص عليه السلام على أن الأرض كلها مسجد، وباطن الكعبة أطيب الأرض وأفضلها، فهي أفضل المساجد وأولاها بصلاة الفرض والنافلة. ولا يجوز لغير الراكب، أو الخائف، أو المريض أن يصلي نافلة إلى غير القبلة، والتفريق بين الفرض والنافلة بلا قرآن ولا سنة ولا إجماع خطأ - وبالله تعالى التوفيق.
__________
(1) - البخاري : المغازي (4400) , مسلم : الحج (1329).

(4/102)


وكل مكان أعلى من الكعبة فإنما علينا مقابلة جهة الكعبة فقط؛ وقد هدمت الكعبة لتجدد فما قال أحد ببطلان صلاة المسلمين
مسألة صلى وفي قبلته مصحف
436 - مسألة: ومن صلى وفي قبلته مصحف فذلك جائز، ما لم يتعمد عبادة المصحف؛ إذ لم يأت نص، ولا إجماع، بالمنع من ذلك.
مسألة صلى وفي قبلته نار أو كنيسة أو بيعة أو بيت نار
437 - مسألة: ومن صلى وفي قبلته نار، أو حجر، أو كنيسة، أو بيعة، أو بيت نار، أو إنسان، مسلم، أو كافر، أو حائض، أو أي جسم كان - حاشا الكلب، والحمار، وغير المضطجعة من النساء - فكل ذلك جائز، لأنه لم يأت بالفرق بين شيء مما ذكرنا وبين سائر الأجسام كلها قرآن ولا سنة ولا إجماع. ولا بد من أن يكون بين يدي المصلي جسم من أجسام العالم؛ فالتفريق بينها باطل؛ لأنه دعوى بلا برهان - وبالله تعالى التوفيق.
مسألة الصلاة في البيعة والكنيسة وبيت النار

(4/103)


438 - مسألة: والصلاة في البيعة، والكنيسة، وبيت النار والمجزرة - ما اجتنب البول والفرث والدم - وعلى قارعة الطريق، وبطن الوادي، ومواضع الخسف؛ وإلى البعير والناقة، وللتحدث، والنيام وفي كل موضع -: جائزة، ما لم يأت نص أو إجماع متيقن في تحريم الصلاة في مكان ما؛ فيوقف عند النهي في ذلك حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن معمر، وسفيان الثوري كلاهما عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: " قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما قال أربعون سنة، ثم حيثما أدركتك الصلاة فصل، فهو مسجد " (1). قال علي: فهذا نص جلي أن الكعبة مسجد، مع مجيء القرآن بذلك، وما علم أحد مسجدا تحرم فيه صلاة الفرض وتحل فيه النافلة وروينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة، وجابر، وحذيفة، وأنس: " أن من فضائلنا: أن الأرض جعلت لنا مسجدا " (2)
__________
(1) - البخاري : أحاديث الأنبياء (3366) , مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (520) , النسائي : المساجد (690).
(2) - مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (523) , الترمذي : السير (1553) , النسائي : الجهاد (3089) , ابن ماجه : الطهارة وسننها (567) , أحمد (2/411).

(4/104)


. وكل ما ذكرنا من الأرض، فالصلاة فيه جائزة، حاشا ما جاء النص من المنع من الصلاة فيه كعطن الإبل، والحمام، والمقبرة، وإلى قبر وعليه، والمكان المغصوب، والنجس، ومسجد الضرار فقط وإنما جاء النهي عن الصلاة في المجزرة، وظهر بيت الله الحرام، من طريق زيد بن جبيرة، وهو لا شيء. ومن طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف. وجاء النهي عن الصلاة في موضع الخسف من طريق ابن لهيعة، وهو لا شيء. وجاء النهي عن الصلاة على قارعة الطريق من طريق الحسن عن جابر، ولا يصح سماع الحسن من جابر.
مسألة الصلاة على الجلود والصوف

(4/105)


439 - مسألة: والصلاة جائزة على الجلود، وعلى الصوف، وعلى كل ما يجوز القعود عليه إذا كان طاهرا. وجائز للمرأة أن تصلي على الحرير. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان، وغيرهم. وقال عطاء: لا تجوز الصلاة إلا على التراب والبطحاء. وقال مالك: تكره الصلاة على غير الأرض أو ما تنبت الأرض. قال علي: هذا قول لا دليل على صحته، والسجود واجب على سبعة أعضاء: الرجلين، والركبتين، واليدين، والجبهة والأنف. وهو يجيز وضع جميع هذه الأعضاء على كل ما ذكرنا، حاشا الجبهة؛ فأي فرق بين أعضاء السجود ولا سبيل إلى وجود فرق بينها: لا من قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من إجماع ولا من قياس، ولا من قول صاحب ولا من رأي له وجه - وبالله تعالى التوفيق. وروينا عن ابن مسعود: أنه صلى على مسح شعر وعن عمر بن الخطاب: أنه كان يسجد في صلاته على عبقري وهو بساط صوف وعن ابن عباس: أنه سجد في صلاته على طنفسة وهي بساط صوف وعن أبي الدرداء مثل ذلك. وعن شريح والزهري مثل ذلك، وعن الحسن، ولا مخالف لمن ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك - وبالله تعالى التوفيق.
مسألة زوحم يوم الجمعة أو غيرها فلم يقدر على السجود على ما بين يديه

(4/106)


440 - مسألة: ومن زوحم يوم الجمعة أو غيرها فلم يقدر على السجود على ما بين يديه، فليسجد على رجل من يصلي بين يديه أو على ظهره ويجزئه. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان، وغيرهم. وقال مالك: لا يجوز ذلك قال علي: أمرنا الله تعالى بالسجود، ولم يخص شيئا نسجد عليه من شيء { وما كان ربك نسيا (64) } (1). حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن زيد بن وهب عن عمر بن الخطاب قال: إذا اشتد الحر فليسجد أحدكم على ثوبه، وإذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر رجل. وروينا عن الحسن البصري، وعن طاوس: إذا كثر الزحام فاسجد على ظهر أخيك؛ وعن مجاهد: اسجد على رجل أخيك. ولا يعرف في هذا لعمر - رضي الله عنه - من الصحابة رضي الله عنهم مخالف.
مسألة للإمام أن يصلي في مكان أرفع من مكان جميع المأمومين، وفي أخفض منه
__________
(1) - سورة مريم آية : 64.

(4/107)


441 - مسألة: وجائز للإمام أن يصلي في مكان أرفع من مكان جميع المأمومين، وفي أخفض منه؛ سواء في كل ذلك العامة، والأكثر، والأقل فإن أمكنه السجود فحسن؛ وإلا فإذا أراد السجود فلينزل حتى يسجد حيث يقدر، ثم يرجع إلى مكانه وهو قول الشافعي، وأبي سليمان. وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجوز ذلك. وأجازه أبو حنيفة في مقدار قامة فأقل، وأجازه مالك في الارتفاع اليسير قال علي: هذان تحديدان فاسدان؛ لم يأت بهما نص القرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب ولا رأي له وجه، وما علم في شيء من ذلك فرق بين قليل الارتفاع وكثيره، والتحريم والتحليل والتحديد بينهما لا يحل إلا بقرآن أو سنة. ولئن كان وقوف الإمام في الصلاة في مكان أرفع من المأمومين بمقدار أصبع حلالا، فإنه لحلال بأصبع بعد أصبع، حتى يبلغ ألف قامة وأكثر، ولئن كانت الألف قامة حراما في ذلك فإنه لحرام كله إلى قدر الأصبع فأقل وإن المتحكم في التفريق بين ذلك برأيه لقائل على الله تعالى وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقله قط والعجب أن أبا حنيفة، ومالكا قالا: إن كان مع الإمام في العلو طائفة جازت صلاته بالذين أسفل وإلا فلا وهذا عجب وزيادة في التحكم

(4/108)


وأجازا: أن يكون الإمام في مكان أسفل من المأمومين، وهذا تحكم ثالث كل ذلك دعوى بلا برهان قال علي: والحكم في ذلك أن يكون المأمومون خلف الإمام صفوفا صفوفا، فلا يحل لهم أن يخلوا بهذه الرتبة، لما قد ذكرنا قبل من وجوب ترتيب الصفوف، بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فإن اتفق مصلى الإمام في دكان، أو غرفة، أو رابية، لا يسع فيها معه صف خلفه: صلوا تحته حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد كلاهما عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه. أن نفرا جاءوا إلى سهل بن سعد فقال سهل: " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام عليه - يعني على المنبر - فكبر وكبر الناس، وراءه وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي " (1). قال علي: لا بيان أبين من هذا في جواز صلاة الإمام
__________
(1) - البخاري : الصلاة (377) , مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (544) , أبو داود : الصلاة (1080) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1416) , الدارمي : الصلاة (1258).

(4/109)


في مكان أرفع من مكان المأمومين واحتج المخالفون بخبر فيه النهي عن صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان المأمومين وهو خبر ساقط، انفرد به زياد بن عبد الله البكائي، وهو ضعيف. والخبر الذي أوردنا إجماع من الصحابة بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا هو الحجة لا الباطل الملفق. وقال بعض المخالفين: هذا من الكبر قال علي: هذا باطل ويعكس عليهم في إجازتهم صلاة المأمومين في مكان أرفع من مكان الإمام فيقال لهم: هذا كبر من المأمومين ولا فرق ويلزمهم على هذا أن يمنعوا أيضا من صلاة الإمام متقلدا سيفا، ولابس درع فهذا أدخل في الكبر من صلاته في مكان عال وبمثل قولنا يقول أحمد بن حنبل، والليث بن سعد، والبخاري، وغيرهم، وبالله تعالى التوفيق.

(4/110)


المحلى بالآثار
لابن حزم
المجلد الثالث
كتاب الصلاة
الأعمال المستحبة في الصلاة وليست فرضا
مسألة رفع اليدين عند كل ركوع وسجود وقيام وجلوس، سوى تكبيرة الإحرام
مسألة: رفع اليدين عند كل ركوع وسجود وقيام وجلوس، سوى تكبيرة الإحرام ؟ قال علي: اختلف الناس في هذا -: فطائفة: لم ترفع اليدين في شيء من الصلاة إلا في أولها عند تكبيرة الإحرام على ظلع أيضا.
ورأوه أيضا - إن كان - فرفع يسير - وهذه رواية ابن القاسم عن مالك ؟ وقال أبو حنيفة، وأصحابه برفع اليدين للإحرام أولا - سنة لا فريضة - ومنعوا منه في باقي الصلاة ورأت طائفة: رفع اليدين عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع.
وهو قول الشافعي: وأحمد وأبي سليمان، وأصحابهم.

(5/1)


وهو رواية أشهب، وابن وهب، وأبي المصعب، وغيرهم، عن مالك أنه كان يفعله ويفتي به ؟ ورأت طائفة: رفع اليدين عند كل تكبير في الصلاة، الفرض والتطوع، وعند كل قول: سمع الله لمن حمده ؟ فأما رواية ابن القاسم عن مالك فما نعلم لها وجها أصلا، ولا تعلقا بشيء من الروايات، ولا قائلا بها من الصحابة ولا من التابعين ؟ وأما قول أبي حنيفة فإنهم احتجوا بما حدثناه حمام ثنا عبد الله بن محمد الباجي ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا زهير بن حرب ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود قال: " ألا أريكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فرفع يديه في أول تكبيرة ثم لم يعد " (1)
قالوا: وكان علي، وابن مسعود، لا يرفعان أيديهما إلا في تكبيرة الإحرام فقط.
__________
(1) - الترمذي : الصلاة (257) , النسائي : الافتتاح (1026) , أبو داود : الصلاة (748).

(5/2)


ما نعلم لهم حجة غير هذا، ولا حجة لهم فيه، لما نذكر إن شاء الله تعالى، فنقول: وبالله تعالى التوفيق -: إن هذا الخبر صحيح، وليس فيه إلا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام ليس فرضا فقط، ولولا هذا الخبر لكان رفع اليدين - عند كل رفع وخفض وتكبير وتحميد في الصلاة -: فرضا؛ لأنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع اليدين عند كل رفع على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله - عز وجل -.
وصح عنه عليه السلام أنه قال: " صلوا كما تروني أصلي " (1) وقد ذكرناه بإسناده في كتابنا هذا في باب وجوب الأذان والإقامة.
فلولا حديث ابن مسعود هذا لكان فرضا على كل مصل أن يصلي كما كان عليه السلام يصلي.
__________
(1) - البخاري : أخبار الآحاد (7246).

(5/3)


وكان عليه السلام يصلي رافعا يديه عند كل رفع وخفض، لكن لما صح خبر ابن مسعود علمنا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام: سنة وندب فقط ؟ وإن كان علي، وابن مسعود رضي الله عنهما لا يرفعان، فقد كان ابن عمر، وابن عباس، وجماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون فليس فعل بعضهم حجة على فعل بعض، بل الحجة على جميعهم ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى كل حال فإن كان ابن مسعود، وعلي: لا يرفعان، فما جاء قط أنهما كرها الرفع، ولا نهيا عنه كما يفعل هؤلاء وأما من رأى رفع اليدين عند الركوع، والرفع من الركوع، فإنهم احتجوا بما رويناه من طريق مالك، ويونس بن يزيد، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، والزبيدي، ومعمر، وغيرهم، كلهم عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما أيضا كذلك، وكان لا يفعل ذلك في السجود " (1)
__________
(1) - البخاري : الأذان (735) , مسلم : الصلاة (390) , الترمذي : الصلاة (255) , النسائي : الافتتاح (877) , أبو داود : الصلاة (722) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (858) , أحمد (2/8) , مالك : النداء للصلاة (165) , الدارمي : الصلاة (1308).

(5/4)


.
وروينا هذا الفعل في الصلاة عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد، وأبي الدرداء، وأم الدرداء وابن عباس.
وروينا أيضا هذا الفعل في الصلاة عن أبي موسى الأشعري، وأنه كان يعلمه الناس من طريق حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري.
وروينا أيضا عن أبي الزبير وأبي هريرة، والنعمان بن أبي عياش، وجملة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن معاذ بن معاذ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن " كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أيديهم إذا أحرموا وإذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح ".

(5/5)


ورويناه أيضا - عن عبد الرحمن بن سابط، والحسن، والقاسم، وسالم، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن سيرين، ونافع مولى ابن عمر، وقتادة، والحسن بن مسلم وابن أبي نجيح، وعبد الله بن دينار، ومكحول، ومعتمر بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسماعيل بن علية، والليث بن سعد، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، والحميدي، وجرير بن عبد الحميد وعبد الله بن المبارك وابن وهب، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، والمزني، وأبي ثور، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير الطبري، وابن المنذر، وابني عبد الله بن عبد الحكم، والربيع ومحمد بن نمير، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ويزيد بن هارون، وغيرهم.

(5/6)


وأما من ذهب إلى رفع اليدين في كل خفض ورفع فاحتجوا بما حدثناه حمام بن أحمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل ثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ثنا المعتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أنه كان يرفع يديه إذا جاء الصلاة، وإذا أراد أن يركع. وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من الركعتين يرفع يديه في ذلك كله " (1).
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عياش قال: ثنا عبد الأعلى ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: " أنه كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه " (2)، ورفع ابن عمر ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) - مسلم : الصلاة (401) , النسائي : التطبيق (1055) , أبو داود : الصلاة (725) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (867).
(2) - البخاري : الأذان (739) , مسلم : الصلاة (390) , الترمذي : الصلاة (255) , النسائي : الافتتاح (877) , أبو داود : الصلاة (722) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (858) , أحمد (2/133) , مالك : النداء للصلاة (165) , الدارمي : الصلاة (1308).

(5/7)


ورواه أيضا حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبيد المحاربي قالا: ثنا ابن فضيل عن عاصم بن كليب عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه " (1).
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ثنا أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد - ثنا عبد الحميد بن جعفر أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم أبو قتادة.
__________
(1) - الترمذي : الصلاة (304) , النسائي : السهو (1181) , أبو داود : الصلاة (730) , أحمد (5/424) , الدارمي : الصلاة (1356).

(5/8)


فقال أبو حميد: " أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: فلم ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا تبعة ولا أقدمنا له صحبة قال: بلى قالوا: فاعرض ؟ فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل، فلا يصب رأسه ولا يقنع ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه " (1)
وذكر الحديث وفيه " ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته - وذكر باقي الحديث - قالوا: صدقت هكذا كان يصلي " (2).
__________
(1) - البخاري : الأذان (828) , الترمذي : الصلاة (260) , أبو داود : الصلاة (730) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1061) , أحمد (5/424) , الدارمي : الصلاة (1307).
(2) - أبو داود : الصلاة (730).

(5/9)


حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ] حدثنا [ عبيد الله بن ميسرة الجشمي ثنا عبد الوارث هو ابن سعيد - ثنا محمد بن جحادة حدثني عبد الجبار بن وائل ] قال: كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي فحدثني علقمة بن وائل [ عن وائل بن حجر قال: " صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان إذا كبر رفع يديه، ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه وأدخل يديه في ثوبه، فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه، ثم سجد، ووضع وجهه بين كفيه، وإذا رفع رأسه من السجود أيضا رفع يديه، حتى فرغ من صلاته. قال محمد بن جحادة: فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن فقال: هي صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله من فعله وتركه من تركه " (1).
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن المثنى ثنا معاذ بن هشام الدستوائي وعبد الأعلى ومحمد بن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
__________
(1) - مسلم : الصلاة (401) , الترمذي : الصلاة (268) , النسائي : الافتتاح (889) , أبو داود : الصلاة (723) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (867) , أحمد (4/319) , الدارمي : الصلاة (1357).

(5/10)


وقال معاذ: حدثني أبي عن قتادة.
ثم اتفقوا، عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث: " رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه " هذا لفظ ابن أبي عدي، وعبد الأعلى وقال معاذ في حديثه: " كان عليه السلام إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه فعل مثل ذلك " (1).
حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن ميسرة ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن حميد عن أنس: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه في الركوع والسجود " (2).
قال علي: فهذه آثار متظاهرة متواترة عن ابن عمر، وأبي حميد، وأبي قتادة، ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث، وأنس، وسواهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا يوجب يقين العلم.
__________
(1) - البخاري : الأذان (737) , مسلم : الصلاة (391) , النسائي : الافتتاح (881) , أبو داود : الصلاة (745) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (859) , الدارمي : الصلاة (1251).
(2) - مالك : النداء للصلاة (167).

(5/11)


قال علي: فكان ما رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر زائدا على ما رواه علقمة عن ابن مسعود، ووجب أخذ الزيادة؛ لأن ابن عمر حكى: أنه رأى ما لم يره ابن مسعود من رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه عند الركوع وعند الرفع من الركوع، وكلاهما ثقة، وكلاهما حكى ما شاهد، وقد خفي على ابن مسعود - رضي الله عنه - أمر وضع اليدين على الركبتين، فكيف وما تحمل كلا روايتيهما إلا على المشاهدة الصحيحة ؟
وكان ما رواه نافع ومحارب بن دثار، كلاهما عن ابن عمر، وما رواه أبو حميد وأبو قتادة وثمانية من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رفع اليدين عند القيام إلى الركعتين -: زيادة على ما رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر، وكل ثقة، وكل مصدق فيما ذكر أنه سمعه ورآه - وأخذ الزيادة واجب ؟.

(5/12)


وكان ما رواه أنس من رفع اليدين عند السجود -: زيادة على ما رواه ابن عمر، والكل ثقة فيما روى وما شاهد وما رواه مالك بن الحويرث من رفع اليدين في كل ركوع ورفع من ركوع، وكل سجود ورفع من سجود -: زائدا على كل ذلك، والكل ثقات فيما رووه وما سمعوه وأخذ الزيادات فرض لا يجوز تركه، لأن الزيادات حكم قائم بنفسه، رواه من علمه، ولا يضره سكوت من لم يروه عن روايته كسائر الأحكام كلها ولا فرق ؟ وممن قال بما ذكرناه: ابن عمر، كما أوردنا قبل من عمله، والحسن البصري، والصحابة، جملة كما أوردناه -: حدثنا يونس بن عبد الله ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ثنا أحمد بن خالد ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، وإذا سجد، وبين الركعتين، يرفعهما إلى ثدييه.

(5/13)


قال علي: هذا إسناد لا داخلة فيه، وما كان ابن عمر ليرجع إلى خلاف ما روى - من ترك الرفع عند السجود - إلا وقد صح عنده فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك -: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا أبو سهل النضر بن كثير السعدي قال: صلى إلى جنبي ابن طاوس في مسجد الخيف بمنى، فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت ذلك، وقلت لوهيب بن خالد: إن هذا يصنع شيئا لم أر أحدا يصنعه ؟ فقال ابن طاوس: رأيت أبي يصنعه، وقال لي: رأيت عبد الله بن عباس يصنعه.
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن علي الباجي ثنا أحمد بن خالد ثنا الحسن بن أحمد ثنا محمد بن عبيد بن حساب ثنا حماد بن زيد عن أيوب السختياني قال: رأيت طاوسا ونافعا مولى ابن عمر يرفعان أيديهما بين السجدتين، قال حماد: وكان أيوب يفعله

(5/14)


حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء: رأيتك تكبر بيديك حين تستفتح، وحين تركع وحين ترفع رأسك من الركعة، وحين ترفع رأسك من السجدة الأولى، ومن الآخرة، وحين تستوي من مثنى ؟ قال: أجل. قلت: تخلف باليدين الأذنين ؟ قال: لا، قد بلغني ذلك عن عثمان أنه كان يخلف بيديه أذنيه. قال ابن جريج: قلت لعطاء: وفي التطوع من التكبير باليدين ؟ قال: نعم، في كل صلاة.
مسألة والتوجيه سنة حسنة
443 - مسألة: والتوجيه سنة حسنة، وهو أن يقول الإمام والمنفرد بعد التكبير لكل صلاة - فرض أو غير فرض، جهرا أو سرا -: ما حدثناه حمام بن أحمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن زهير بن حرب، كل واحد منهما يقول: حدثني أبي.

(5/15)


ثم قال أحمد بن حنبل: ثنا أبو سعيد ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون ثنا عبد الله بن الفضل، وأبو يوسف بن أبي سلمة الماجشون كلاهما عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كبر استفتح ثم قال -: " (1).
__________
(1) - مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (771) , الترمذي : الدعوات (3423) , النسائي : الافتتاح (897) , أبو داود : الصلاة (760) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (864) , أحمد (1/94) , الدارمي : الصلاة (1238).

(5/16)


وقال زهير بن حرب: ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة هو ابن الماجشون - حدثني عمي - هو أبو يوسف بن أبي سلمة - عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كبر استفتح ثم قال - " (1): واتفق أحمد وزهير في روايتيهما جميعا " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك، أنا بك وإليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك " (2)
__________
(1) - مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (771) , الترمذي : الدعوات (3423) , النسائي : الافتتاح (897) , أبو داود : الصلاة (760) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (864) , أحمد (1/94) , الدارمي : الصلاة (1238).
(2) - مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (771) , الترمذي : الدعوات (3423) , النسائي : الافتتاح (897) , أبو داود : الصلاة (760) , أحمد (1/102) , الدارمي : الصلاة (1238).

(5/17)


.
قال علي: وقد رويناه من طريق الحجاج بن المنهال، وأبي النضر، ومعاذ بن معاذ، كلهم عن ابن الماجشون.
ورويناه أيضا من طريق جابر بن عبد الله وغيره من الصحابة رضي الله عنهم.
حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو كامل، قال أبو كامل: ثنا عبد الواحد بن زياد، وقال أبو بكر، وابن نمير: ثنا ابن فضيل، وقال زهير: ثنا جرير بن عبد الحميد.

(5/18)


ثم اتفق عبد الواحد، وابن فضيل، وجرير - واللفظ له - كلهم عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كبر في الصلاة سكت هنية قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد " (1).
ورويناه أيضا من طريق سفيان عن عمارة بن القعقاع بإسناده نحوه.
وإنما نذكر ذلك فرضا، لأنه فعل منه عليه السلام ولم يؤمر به فكان الائتساء به حسنا.
ونستحب أيضا أن يكون للإمام سكتة بعد فراغه من القراءة قبل ركوعه
__________
(1) - البخاري : الأذان (744) , مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (598) , النسائي : الافتتاح (895) , أبو داود : الصلاة (781) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (805) , أحمد (2/494) , الدارمي : الصلاة (1244).

(5/19)


كما حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث بن سعيد التنوري ثنا يونس هو ابن عبيد - عن الحسن البصري " أن سمرة بن جندب صلى فكبر، ثم سكت ساعة، ثم قرأ فلما ختم السورة سكت ساعة، ثم كبر فركع ؟ فقال له عمران بن الحصين: ما هذا ؟ فقال له سمرة: حفظت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب في ذلك إلى أبي بن كعب فصدق سمرة ".

(5/20)


قال علي: فنحن نختار أن يفعل كل إمام كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله بعده سمرة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم ويقرأ المأموم في السكتة الأولى " أم القرآن " فمن فاتته قرأ في السكتة الثانية ؟ قال علي: وقد فعل ما قلنا جمهور السلف -: روينا من طريق حماد بن سلمة عن إبراهيم النخعي عن علقمة قال: كان عمر بن الخطاب إذا دخل في الصلاة قال: الله أكبر سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، يرفع بها صوته، فظننا أنه يريد أن يعلمنا ؟ وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عمر بن الخطاب: أنه كان إذا كبر قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك
فهذا فعل عمر - رضي الله عنه - بحضرة الصحابة لا مخالف له منهم ؟ ورويناه أيضا - عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عمر، وعن طاوس وعطاء، كلهم يتوجه بعد التكبير في صلاة الفرض.

(5/21)


وهو قول الأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود وأصحابهم ؟ وقال مالك: لا أعرف التوجيه قال علي: ليس من لا يعرف حجة على من عرف ؟ وقد احتج بعض مقلديه في معارضته ما ذكرنا بما " روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنه كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب { الحمد لله رب العالمين (2) } (1) ".
قال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو قولنا، لأن استفتاح القراءة ب " الحمد لله رب العالمين ": لا يدخل فيه التوجيه، لأنه ليس التوجيه قراءة، وإنما هو ذكر.
فصح أنه عليه السلام كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم يذكر ما قد صح عنه من الذكر، ثم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، وزيادة العدول لا يجوز ردها - وبالله تعالى التوفيق ولا يقولها المأموم، لأن فيها شيئا من القرآن، وقد نهى عليه السلام أن يقرأ خلف الإمام إلا " بأم القرآن " فقط، فإن دعا بعد قراءة " أم القرآن " في حال سكتة الإمام بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فحسن ؟.
مسألة على الإمام التخفيف إذا أم جماعة
__________
(1) - سورة الفاتحة آية : 2.

(5/22)


444 - مسألة: ويجب على الإمام التخفيف إذا أم جماعة لا يدري كيف طاقتهم ويطول المنفرد ما شاء، وحد ذلك ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها، وإن خفف المنفرد فذلك له مباح ؟ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء " (1) وبه إلى البخاري ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير وهو ابن معاوية - ثنا إسماعيل هو ابن أبي خالد - سمعت قيسا هو ابن أبي حازم - قال: أخبرني أبو مسعود " أن رجلا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال عليه السلام: إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ؟ ".
__________
(1) - البخاري : العلم (90) , مسلم : الصلاة (466) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (984) , أحمد (4/118) , الدارمي : الصلاة (1259).

(5/23)


حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق القاضي ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة أنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف بن عبد الله هو ابن الشخير - " عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ".
قال علي: هذا حد التخفيف، وهو أن ينظر ما يحتمل أضعف من خلفه وأمسهم حاجة من الوقوف والركوع والسجود والجلوس فليصل على حسب ذلك ؟ وروينا ذلك عن السلف الطيب -: روينا عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحميد كلاهما " عن أنس قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تمام، كانت صلاته متقاربة، وصلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مد في صلاة الفجر " (1).
ومن طريق وكيع عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي رجاء العطاردي قال: قلت للزبير بن العوام: ما لكم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - من أخف الناس صلاة ؟ قال: نبادر الوسواس
__________
(1) - مسلم : الصلاة (473) , أبو داود : الصلاة (853) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (985) , أحمد (3/247).

(5/24)


وعن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول: إذا كنت إماما فخفف الصلاة، فإن في الناس الكبير والضعيف والمعتل وذا الحاجة، وإذا صليت وحدك فطول ما بدا لك. وأبرد، فإن شدة الحر من فيح جهنم ؟ وعن طلحة التخفيف أيضا، وعن عمار كذلك ؟ وعن سعد بن أبي وقاص: أنه كان يطيل الصلاة في بيته، ويقصر عند الناس، ويحض على ذلك
وعن عمر بن ميمون الأودي: لو أن رجلا أخذ شاة عزوزا لم يفرغ من لبنها حتى أصلي الصلوات الخمس، أتم ركوعها وسجودها
وعن علقمة: لو أمر بذبح شاة فأخذ في سلخها لصليت الصلوات الخمس في تمام قبل أن يفرغ منها

(5/25)


وأما الحد الذي ذكرنا في التطويل فهو: أننا قد ذكرنا في أوقات الصلوات: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، وقال عليه السلام - ": وقت الصبح ما لم تطلع الشمس. ووقت العصر ما لم تغرب الشمس. ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق. ووقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل. " (1) فصح يقينا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها فإنما يصلي باقيها في وقت الأخرى، وفي وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلا.
وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن " التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى " (2).
فصح أن له إذا دخل في الصلاة في وقتها أن له أن يطول ما شاء، كما أمر عليه السلام، إلا تطويلا منع منه النص، وليس إلا أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط - وبالله تعالى التوفيق ؟.
مسألة الفرض في كل ركعة أن يقرأ (بأم القرآن)
__________
(1) - مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (612) , النسائي : المواقيت (522) , أبو داود : الصلاة (396) , أحمد (2/213).
(2) - مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (681) , الترمذي : الصلاة (177) , النسائي : المواقيت (615) , أبو داود : الصلاة (437) , أحمد (5/298).

(5/26)


445 - مسألة: قد قلنا: إن الفرض في كل ركعة أن يقرأ (بأم القرآن) فقط، فإن زاد على ذلك قرآنا فحسن، قل أم كثر، أي صلاة كانت من فرض أو غير فرض، لا نحاش شيئا.
إلا أننا نستحب أن يقرأ في صلاة الصبح مع (أم القرآن) في كل ركعة من ستين آية إلى مائة آية من أي سورة شاء.
وفي الظهر في الأولتين في كل ركعة مع " أم القرآن " نحو ثلاثين آية كذلك، وفي الآخرتين منها مع " أم القرآن " في كل ركعة نحو خمس عشرة آية.
وفي الأولتين من العصر كالآخرتين من الظهر، وفي الآخرتين من العصر (أم القرآن) فقط.
وفي المغرب نحو العصر، ولو أنه قرأ في المغرب بالأعراف أو (المائدة) أو (الطور) أو (المرسلات) فحسن.
وفي العتمة في الأولتين مع أم القرآن ب (التين والزيتون) " والشمس وضحاها " ونحو ذلك.
وفي صبح يوم الجمعة " الم تنزيل السجدة ".
و (هل أتى على الإنسان) مع أم القرآن.
وفي صلاة الجمعة في الركعة الأولى مع أم القرآن (سورة الجمعة) وفي الثانية مع أم القرآن مرة (سورة المنافقين) ومرة (سورة الغاشية).
ولو قرأ في كل ذلك: سورتين أو أكثر من ركعة فحسن.
ولو قدم السورة قبل " أم القرآن " كرهنا ذلك وأجزأه.

(5/27)


ومن أراد من الأئمة تطويل صلاة ثم أحس بعذر ممن خلفه فليوجز في مدها -: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا آدم - ثنا شعبة ثنا سيار بن سلامة هو أبو المنهال - قال: دخلت على أبي برزة فسألناه فأخبرنا " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة " (1).
__________
(1) - البخاري : الأذان (771) , مسلم : المساجد ومواضع الصلاة (647) , النسائي : المواقيت (530) , أبو داود : الصلاة (398) , الدارمي : الصلاة (1300).

(5/28)


حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن هشيم عن منصور هو ابن زاذان - عن الوليد بن مسلم هو أبو بشر العنبري - عن أبي الصديق هو بكر بن عمرو الناجي - عن أبي سعيد الخدري قال " كنا نحزر قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك. وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك " (1) ؟.
__________
(1) - النسائي : الصلاة (475) , أبو داود : الصلاة (804) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (828) , أحمد (3/85) , الدارمي : الصلاة (1288).

(5/29)


حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني هارون بن عبد الله الحمال ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن بكير بن عبد الله هو ابن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال " ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فلان، قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف - الأخريين ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل " (1) ؟ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود " عن ابن عباس أنه قال إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفا ؟، فقالت: يا بني والله لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لأخر ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب " (2)
__________
(1) - النسائي : الافتتاح (982) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (827).
(2) - البخاري : الأذان (763) , مسلم : الصلاة (462) , الترمذي : الصلاة (308) , النسائي : الافتتاح (986) , أبو داود : الصلاة (810) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (831) , أحمد (6/340) , مالك : النداء للصلاة (173) , الدارمي : الصلاة (1294).

(5/30)


.
حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عمرو الناقد ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثنا أبي عن صالح عن الزهري عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس فذكر هذا الحديث، " وأن أم الفضل قالت ثم ما صلى بعد حتى قبضه الله - عز وجل - ؟ ".
فهذا آخر صلاة مغرب صلاها عليه السلام، وآخر عمله عليه السلام.
فأين المدعون أنهم يتبعون عمله وآخر عمله ؟ -: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالطور " (1).
__________
(1) - البخاري : الأذان (765) , مسلم : الصلاة (463) , النسائي : الافتتاح (987) , أبو داود : الصلاة (811) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (832) , أحمد (4/84) , مالك : النداء للصلاة (172) , الدارمي : الصلاة (1295).

(5/31)


حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر البصري ثنا أبو داود السجستاني ثنا الحسن بن علي هو الحلواني - ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني ابن أبي مليكة عن عروة بن الزبير عن " مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بطولى الطوليين ؟ قلت: ما طولى الطوليين ؟ قال: الأعراف " (1).
قال ابن جريج: وسألت ابن أبي مليكة ؟ فقال لي من قبل نفسه: المائدة (والأعراف).
__________
(1) - البخاري : الأذان (764) , النسائي : الافتتاح (990) , أبو داود : الصلاة (812) , أحمد (5/187).

(5/32)


فهذا زيد - رضي الله عنه - ينكر على أمير المدينة الاقتصار على صغار المفصل في المغرب ويخصه على ما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قراءة الأعراف في صلاة المغرب ؟ -: حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال " صلى معاذ لأصحابه العشاء فطول عليهم، فانصرف رجل منا فصلى، فأخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ما قال معاذ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أتريد أن تكون فتانا يا معاذ ؟ إذا أممت الناس فاقرأ " بالشمس وضحاها "، و (سبح اسم ربك الأعلى) و (اقرأ باسم ربك) (والليل إذا يغشى) " (1).
__________
(1) - البخاري : الأدب (6106) , مسلم : الصلاة (465) , الترمذي : الجمعة (583) , النسائي : الافتتاح (998) , أبو داود : الصلاة (790) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (986) , أحمد (3/308) , الدارمي : الصلاة (1296).

(5/33)


قال علي: وكل ذلك قد روي عن السلف رضي الله عنهم -: روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أم الصحابة رضي الله عنهم في صلاة الصبح بسورة البقرة قرأها في الركعتين.
وعن معمر عن قتادة عن أنس: أن أبا بكر أيضا أمهم في الصبح بآل عمران
وعن سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة كلاهما عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن حصين بن سبرة أن عمر بن الخطاب قرأ في الفجر يوسف ثم قرأ في الثانية والنجم فسجد، ثم قام فقرأ " إذا زلزلت "
ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن الحكم بن عتيبة أنه سمع عمرو بن ميمون يقول: إن عمر بن الخطاب صلى الصبح بذي الحليفة فقال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وقرأ " قل يا أيها الكافرون " " وقل هو الله أحد " وكان يتم التكبير ؟ وعن عمر: أنه قرأ في الظهر (ق)، والذاريات
وعن عبد الله بن عمر أنه قرأ في الظهر كهيعص
وعن حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن أبي العالية البراء: سألت ابن عباس أو سأله رجل: أأقرأ في الظهر والعصر ؟ فقال: هو إمامك، اقرأ منه ما قل أو كثر، وليس في القرآن قليل ؟

(5/34)


وعن حماد بن سلمة عن قتادة، وثابت البناني، وحميد، وعثمان البتي، كلهم عن أنس بن مالك: أنه كان يقرأ في الظهر والعصر " سبح اسم ربك الأعلى " " وهل أتاك حديث الغاشية " ويسمعنا النغمة أحيانا ؟ وعن حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يقرأ في المغرب يس ؟ وعن سفيان بن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان النوفلي عن عراك بن مالك سمع " أبا هريرة يقول " قدمت المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، فوجدت رجلا من غفار يؤم الناس في المغرب، فقرأ في الركعة الأولى سورة مريم وفي الثانية ويل للمطففين ".
وبكل ما ذكرنا يأخذ: الشافعي، وداود، وجمهور أصحاب الحديث: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي أيوب الأنصاري، أو زيد بن ثابت " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ بالأعراف في المغرب في الركعتين " (1).
__________
(1) - النسائي : الافتتاح (991).

(5/35)


وروينا عن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: أن كل واحد منهما صلى الصبح بالصحابة رضي الله عنهم فقرأ في الركعة مائة آية من آل عمران، ثم قرأ في الثانية باقي السورة.
وصح مثل هذا أيضا عن ابن مسعود ؟ وحدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا الهيثم بن عبيد الصيرفي عن أبيه عن الحسن البصري قال: لقد غزونا غزوة إلى خراسان معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان الرجل منهم يصلي بنا، فيقرأ بالآيات من السورة ثم يركع ؟ وعن ابن جريج عن عطاء: أنه إن قرأ في الركعة من صلاة الفرض آيات من بعض السورة، من أولها أو من وسطها أو من آخرها، قال عطاء: لا يضرك، كله قرآن ؟ وعن علقمة أنه كان يقرأ في الأولى من صلاة الصبح سورة الدخان والطور وسورة الجن ويقرأ في الثانية منها آخر البقرة وآخر آل عمران والسورة القصيرة.
وعن أبي وائل: أنه قرأ في إحدى ركعتي الصبح " أم القرآن " وآية.
وعن إبراهيم النخعي نحو هذا ؟ ومن طريق مالك عن نافع: أن ابن عمر كان أحيانا يقرأ بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة.

(5/36)


وعن وكيع عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون قال: صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة المغرب، فقرأ في الركعة الثانية " ألم تر كيف " " ولإيلاف قريش " جمعهما.
ومثل هذا عن طاوس، والربيع بن خثيم وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وغيرهم ؟ وحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن بشار، وعمرو بن علي.
قال ابن بشار: ثنا يحيى بن سعيد القطان -: وقال عمرو بن علي: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثم اتفق يحيى، وعبد الرحمن قالا: ثنا سفيان الثوري عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم تنزيل و (هل أتى) " (1).
__________
(1) - البخاري : الجمعة (891) , مسلم : الجمعة (880) , النسائي : الافتتاح (955) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (823) , أحمد (2/472) , الدارمي : الصلاة (1542).

(5/37)


وقد صح أيضا - من طريق ابن عباس، وهو اختيار الشافعي، وأبي سليمان وأصحاب الحديث -: ومن طريق مسلم بن الحجاج ثنا عمرو الناقد ثنا إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية - أنا ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو هريرة: في كل الصلاة يقرأ، فقال له رجل: إن لم أزد على أم القرآن ؟ قال: إن زدت عليها فهو خير، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك.
حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ثنا سليمان هو ابن بلال - عن جعفر بن محمد عن أبيه عن ابن أبي رافع قال: " صلى لنا أبو هريرة الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة إذا جاءك المنافقون. قال ابن أبي رافع فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له -: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بهما يوم الجمعة " (1).
__________
(1) - مسلم : الجمعة (877) , الترمذي : الجمعة (519) , أبو داود : الصلاة (1124) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1118).

(5/38)


وبه إلى مسلم: ثنا عمرو الناقد ثنا سفيان بن عيينة عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله قال: " كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله " أي شيء قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة سوى سورة الجمعة قال: كان يقرأ: " هل أتاك حديث الغاشية " (1).
حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن عبد الأعلى ثنا خالد هو ابن الحارث - عن شعبة أخبرني معبد بن خالد عن زيد هو ابن عقبة - عن سمرة بن جندب قال " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الجمعة " بسبح اسم ربك الأعلى " و (هل أتاك حديث الغاشية) "
__________
(1) - مسلم : الجمعة (878) , النسائي : الجمعة (1423) , أبو داود : الصلاة (1123) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1119) , مالك : النداء للصلاة (247) , الدارمي : الصلاة (1566).

(5/39)


وقال أبو حنيفة: يكره أن يكون الإمام يلتزم في الجمعة أو غيرها سورة بعينها، أو سورا بعينها ؟ قال علي: كره السنة، وخالف فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك من كره شيئا مما صح أنه عليه السلام فعله ؟ وأما تقديم السورة قبل " أم القرآن " فلم يأت أمر بخلاف ذلك، لكن عمل المسلمين، وعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو تقديم " أم القرآن " فكرهنا خلاف هذا، ولم نبطل الصلاة به، لأنه لم يأت عنه نهي.
وقد قال تعالى: { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } (1).
والعجب ممن يشنع هذا ويجيز تنكيس الوضوء، وتنكيس الطواف وتنكيس الأذان.
__________
(1) - سورة المزمل آية : 20.

(5/40)


وأما من بدأ الصلاة يريد تطويلها فأحس بعذر من بعض من خلفه، فإن عبد الرحمن بن عبد الله حدثنا قال: ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إبراهيم بن أبي موسى الفراء ثنا الوليد هو ابن مسلم - ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي، كراهية أن أشق على أمه " (1).
مسألة الجهر في الصلاة
446 - مسألة:
ويستحب الجهر في ركعتي صلاة الصبح، والأولتين من المغرب، والأولتين من العتمة، وفي الركعتين من الجمعة، والإسرار في الظهر كلها، وفي العصر كلها، وفي الثالثة من المغرب، وفي الآخرتين من العتمة، فإن فعل خلاف ذلك كرهناه، وأجزأه ؟.
__________
(1) - البخاري : الأذان (707) , النسائي : الإمامة (825) , أبو داود : الصلاة (789) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (991) , أحمد (5/305).

(5/41)


وأما المأموم ففرض عليه الإسرار ب " أم القرآن " في كل صلاة ولا بد، فلو جهر بطلت صلاته ؟ برهان ذلك -: أن الجهر فيما ذكرنا أنه يجهر فيه، والإسرار فيما ذكرنا أنه يسر فيه إنما هما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليسا أمرا منه، وأفعاله عليه السلام على الائتساء لا على الوجوب، وهو عليه السلام الإمام، وحكم المنفرد كحكم الإمام ؟ -: حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن أبي عدي عن الحجاج يعني الصواف - عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كلاهما عن أبي قتادة قال " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين ب " فاتحة الكتاب " وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا " (1).
__________
(1) - البخاري : الأذان (759) , مسلم : الصلاة (451) , النسائي : الافتتاح (978) , أبو داود : الصلاة (798) , أحمد (5/307) , الدارمي : الصلاة (1293).

(5/42)


فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببعض القراءة في الظهر -: حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن إبراهيم عن سلم بن قتيبة ثنا هاشم بن البريد عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: " كنا نصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر فيسمعنا الآية بعد الآيات من لقمان والذاريات " (1).
وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان: ثنا إسماعيل بن مسلم ثنا أبو المتوكل هو علي بن داود الناجي - قال: كان عمر بن الخطاب يقرأ في الظهر والعصر بالذاريات ذروا، و (ق والقرآن المجيد) يعلن فيهما ؟ ومن طريق معمر عن ثابت البناني قال: كان أنس بن مالك يصلي بنا الظهر والعصر فربما سمعنا من قراءته { إذا السماء انفطرت (1) } (2) و { سبح zبسم الله الرحمن الرحيم™$# ربك الأعلى (1) } (3)
__________
(1) - النسائي : الافتتاح (971) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (830).
(2) - سورة الانفطار آية : 1.
(3) - سورة الأعلى آية : 1.

(5/43)


فهذا فعل عمر بن الخطاب وأنس بحضرة الصحابة رضي الله عنهم، لا ينكر ذلك عليهما أحد ؟ وعن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: من صلى المغرب فقرأ في نفسه فأسمع نفسه أجزأ عنه ؟ وعن حماد بن سلمة عن داود هو ابن أبي هند - عن الشعبي: أن سعيد بن العاص جهر في صلاة الظهر أو العصر، فمضى في جهره، فلما قضى صلاته قال: إني كرهت أن أخفي القرآن بعدما جهرت به، ولم يذكر سجدتي السهو ؟
قال علي: هذا منه بحضرة الصحابة، لا ينكر ذلك عليه منهم أحد.
وقد روينا أيضا الجهر في العصر عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - ؟ وعن وكيع عن الربيع عن الحسن البصري قال: إذا جهر فيما يخافت به فلا سهو عليه ؟ وعن وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد عن الأسود، وعلقمة أنهما كانا يجهران فيما يخافت فيه فلا يسجدان
ومن طريق البخاري: ثنا محمد بن بشار، ومحمد بن كثير قال ابن بشار: ثنا غندر عن شعبة، وقال ابن كثير أنا سفيان الثوري، ثم اتفق شعبة وسفيان كلاهما عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: " صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها سنة "

(5/44)


قال علي: وإنما كرهنا ذلك؛ لأن المشهور من فعله عليه السلام كان الجهر فيما ذكرنا أنه يجهر به والإسرار فيما ذكرنا أنه يسر فيه، ولا سجود سهو في ذلك، لأن ما أبيح تعمد فعله أو تركه فلا سهو فيه؛ لأنه فعل ما هو مباح له، وإنما السهو الذي يسجد له فيما لو فعله عمدا بطلت صلاته، من ترك أو فعل ؟ وقال الشافعي: من جهر فيما يسر فيه أو أسر فيما يجهر فيه كرهناه وتمت صلاته، ولا سجود سهو فيه.
وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا وبه نقول.
وقال مالك: إن جهر فيما يسر فيه أو أسر فيما يجهر فيه فإن كان ذلك كثيرا سجد للسهو، وإن كان قليلا فلا شيء فيه ؟ قال علي: وهذا خطأ، لأنه لا يخلو أن يكون مباحا فالكثير منه والقليل سواء، أو يكون محظورا، فالقليل منه والكثير سواء، ولا يجوز أن يحل قليل ما حرم كثيره إلا بنص وارد في ذلك.
وأيضا: فيسأل عن حد الكثير الموجب لسجود السهو من القليل الذي لا يوجبه، فلا سبيل له إلى تحديده إلا بتحكم لا برهان عليه، ولا يعجز عن مثله أحد ومن المحال إيجاب حكم فيما لا يبين مقداره الموجب لذلك الحكم ؟.

(5/45)


وقال أبو حنيفة: إن أسر الإمام فيما يجهر فيه أو جهر فيما يسر فيه، فإن كان سهوا فعليه سجود السهو.
وإن كان عمدا فلا سجود سهو فيه، والصلاة تامة.
فإن فعل ذلك المنفرد عمدا أو سهوا فصلاته تامة، ولا سجود سهو فيه، { والصلاة تامة، فإن فعل ذلك المنفرد عمدا أو سهوا فصلاته تامة، ولا سجود سهو فيه } -
قال علي: وهذا خطأ من وجهين -: أحدهما: إباحته تعمد ذلك ولا سجود عنده على العامد، وإيجابه السجود على الساهي، وهو لم يسه إلا عما أبيح له - عنده - تركه وفعله، فأي سجود في هذا ؟ والثاني: تفريقه في ذلك بين الإمام والمنفرد، وهذا عجب آخر ولا نعرف قول أبي حنيفة، وقول مالك ههنا عن أحد قبلهما، وقد خالفا في ذلك كل رواية من الصحابة رضي الله عنهم ؟ قال علي: وأما المأموم فإنما تبطل صلاته إن جهر في شيء من قراءته فلقول الله تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول } (1)
__________
(1) - سورة الأعراف آية : 204-205.

(5/46)


وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: " إنما جعل الإمام ليؤتم به " (1).
وفي الحديث: " وإذا قرأ فأنصتوا ".
فمن لم ينصت من المأمومين وجهر فقد خالف الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته ولم يصل كما أمر، فلم يصل - وبالله تعالى التوفيق ؟
مسألة تطويل الركعة الأولى من كل صلاة أكثر من الركعة الثانية منها
447 - مسألة: ويستحب تطويل الركعة الأولى من كل صلاة أكثر من الركعة الثانية منها -: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا موسى بن إسماعيل ثنا همام هو ابن يحيى - عن يحيى هو ابن أبي كثير - عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح " (2) ؟
__________
(1) - البخاري : الصلاة (378) , مسلم : الصلاة (411) , الترمذي : الصلاة (361) , النسائي : الإمامة (832) , أبو داود : الصلاة (601) , ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1238) , مالك : النداء للصلاة (306) , الدارمي : الصلاة (1256).
(2) - مسلم : الصلاة (451) , أحمد (5/305).

(5/47)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية