صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المحلى بالآثار شرح المجلى بالإختصار
المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي أبو محمد
عدد الأجزاء : 11
مصدر الكتاب : ملفات وورد من ملتقى أهل الحديث
http://www.ahlalhdeeth.com
[ الكتاب مشكول، مخرج ومرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بتنسيقه و فهرسته أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - لملتقى أهل الحديث ( أهل الخير ).

الخفين، خطأ لا برهان على صحته، ومالك معذور، لأنه لم يبلغه حديث ابن عباس، وإنما الملامة على من بلغه وخالفه لتقليد رأي مالك.
وأما قول محمد بن الحسن فخطأ؛ لأنه استدرك بعقله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يأمر به عليه السلام وأوجب فدية حيث لم يوجبها النبي عليه السلام.
قال أبو محمد: وهم يعظمون خلاف الصاحب الذي لا يعرف له مخالف؛ وقد ذكرنا في هذه المسألة ما روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وعلي، والمسور، ولا نعلم لأحد من الصحابة رضي الله عنهم قولا غير الأقوال التي ذكرنا في هذه المسألة فخالفها الحنفيون، والمالكيون كلها آراء فاسدة لا دليل على صحتها أصلا وبالله تعالى التوفيق.
وروينا عن عائشة أم المؤمنين نهي المرأة عن القفازين، وعن علي، وابن عمر أيضا وهو قول إبراهيم، والحسن، وعطاء، وغيرهم.

(4/461)


وروينا عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن عباس: إباحة القفازين للمرأة، وهو قول الحكم، وحماد، وعطاء، ومكحول، وعلقمة، وغيرهم؛ وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكرنا هو الحاكم على ما سواه. وأما المعصفر فقد روينا عن عمر بن الخطاب المنع منه جملة وللمحرم خاصة أيضا عن عائشة أم المؤمنين - وهو قول الحسن، وعطاء.
وروينا عن جابر بن عبد الله، وابن عمر، ونافع بن جبير: إباحته للمحرم، ولم يبحه أبو حنيفة، ومالك: للمحرم، وأباحه الشافعي.
وروينا عن ابن عمر، وابن عباس، وعلي، وعقيل ابني أبي طالب، والقاسم بن محمد، وغيرهم، إباحة المورد للرجل المحرم، وهو مباح إذا لم يكن بزعفران، أو ورس، أو عصفر؛ لأنه لم يأت عنه نهي في قرآن ولا سنة.

(4/462)


مسألة الغسل عند الإحرام
824 - مسألة: ونستحب الغسل عند الإحرام للرجال والنساء، وليس فرضا إلا على النفساء وحدها: لما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن سلمة عن ابن القاسم حدثني مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن " أسماء بنت عميس: أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر أبو بكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مرها فلتغتسل ثم تهل " (1).
مسألة التطيب عند الإحرام
825 - مسألة: ونستحب للمرأة والرجل أن يتطيبا عند الإحرام بأطيب ما يجدانه من الغالية والبخور بالعنبر، وغيره؛ ثم لا يزيلانه عن أنفسهما ما بقي عليهما - وكره الطيب للمحرم قوم -: روينا من طريق الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: وجد عمر بن الخطاب ريح طيب بالشجرة فقال: ممن هذه فقال معاوية: مني طيبتني أم حبيبة فتغيظ عليه عمر، وقال: منك لعمري أقسمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة، فلتغسله عنك كما طيبتك؛ وأنه قال: إنما الحاج الأشعث، الأدفر، الأشعر.
__________
(1) - النسائي : مناسك الحج (2663) ، مالك : الحج (709).

(4/463)


ومن طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه: أن عثمان رأى رجلا قد تطيب عند الإحرام فأمره أن يغسل رأسه بطين.
ومن طريق سفيان الثوري عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، قال: سمعت ابن عمر يقول: لأن أصبح مطليا بقطران أحب إلي من أن أصبح محرما أنضح طيبا وهو قول عطاء، والزهري، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، ومالك، ومحمد بن الحسن إلا أن مالكا قال: إن تطيب قبل إحرامه وقبل إفاضته، فلا شيء عليه - وأباحه جمهور الناس كما روينا آنفا عن أم حبيبة أم المؤمنين، ومعاوية - ورويناه أيضا عن كثير بن الصلت.
ومن طريق وكيع عن محمد بن قيس عن بشير بن يسار الأنصاري: أن عمر وجد ريح طيب فقال: ممن هذه الريح فقال البراء بن عازب: مني يا أمير المؤمنين، قال: قد علمنا أن امرأتك عطرة إنما الحاج، الأدفر، الأغبر - وبه إلى محمد بن قيس عن الشعبي: أنه قال: كان عبد الله بن جعفر يتطيب بالمسك عند إحرامه.
ومن طريق ابن أبي شيبة عن مروان بن معاوية الفزاري عن صالح بن حيان قال: رأيت أنس بن مالك أصاب ثوبه من خلوق الكعبة وهو محرم فلم يغسله.

(4/464)


ومن طريق سفيان عن أيوب السختياني عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: طيبت أبي بالسك، والذريرة لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يزور، أو يطوف.
ومن طريق معمر عن أيوب عنها وغيره، أنها سألت ما كان ذلك الطيب قالت: البان الجيد، والذريرة الممسكة.
ومن طريق ابن أبي شيبة عن حماد بن أسامة عن عمر بن سويد الثقفي عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كنا نضمخ جباهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم، ثم نحرم ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنعرق فيسيل على وجوهنا فلا ينهانا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن طريق حماد بن سلمة قال حدثتني ذرة أنها كانت تغلف رأس عائشة أم المؤمنين بالمسك، والعنبر عند الإحرام.
ومن طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أمه وهي بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رأيت عائشة تنكث في مفارقها الطيب ثم تحرم. وعن أبي سعيد الخدري أنه كان يدهن بالبان عند الإحرام. ومن طريق وكيع عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين أن الحسين بن علي أمر أصحابه بالطيب عند الإحرام.

(4/465)


ومن طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن مرة بن خالد الشيباني قال: سألنا أبا ذر بالربذة بأي شيء يدهن المحرم قال: بالدهن.
وعن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى قال: رأيت عبد الله بن الزبير وفي رأسه ولحيته وهو محرم ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال.
وعن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن الزبير أنه كان يتطيب بالغالية الجديدة عند إحرامه.
ومن طريق وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت ابن عباس عن الطيب المحرم فقال: إني لأسغسغه في رأسي قبل أن أحرم ثم أحب بقاءه.
وعن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا بالطيب عند الإحرام ويوم النحر قبل أن يزور.
فهؤلاء جمهور الصحابة رضي الله عنهم: سعد بن أبي وقاص، وأم المؤمنين: عائشة، وأم حبيبة؛ وعبد الله بن جعفر، والحسين بن علي، وأبو ذر، وأبو سعيد، والبراء بن عازب، وأنس، ومعاوية، وكثير بن الصلت، وابن الزبير، وابن عباس.
وعن ابن الحنفية: أنه كان يغلف رأسه بالغالية الجيدة قبل أن يحرم.

(4/466)


وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يدهن بالسليخة - عند الإحرام - وعن عثمان بن عروة بن الزبير: أن أباه كان يحمر ثيابه، ويحرم فيها قال: وكان يرى لحانا تقطر من الغالية ونحن محرمون فلا ينكر ذلك علينا.
وعن الأسود بن يزيد أنه كان يحرم ووبيص الطيب يرى في رأسه ولحيته.
وعن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة قال: كان أبي يقول لنا: تطيبوا قبل أن تحرموا وقبل أن تفيضوا يوم النحر.
ومن طريق أحمد بن شعيب أنا أيوب بن محمد الوزان أنا عمرو بن أيوب نا أفلح بن حميد عن أبي بكر هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - أن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع أناسا من أهل العلم فيهم عمر بن عبد العزيز، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم، وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وابن شهاب، وأبو بكر بن عبد الرحمن فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره بالطيب - فلم يختلف عليه أحد منهم إلا أن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال له: كان عبد الله جادا مجدا وكان يرمي الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض قبل أن يأتي منزله فقال سالم: صدق.

(4/467)


ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قال سالم بن عبد الله بن عمر: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع، هكذا نص كلام سالم في الحديث ولم تتبع ما جاء عن أبيه وجده في ذلك.
ورويناه أيضا: عن إبراهيم النخعي، وابن جريج، واستحبه سفيان الثوري أي طيب كان عند الإحرام قبل الغسل وبعده .
قال أبو محمد: فهؤلاء جمهور التابعين، وفقهاء المدينة، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وزفر، ومحمد بن الحسن في أشهر قوليه، وقول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي سليمان، وجميع أصحابهم.
قال أبو محمد: أما عمر فقد ذكرنا آنفا إذ شم الطيب من البراء بن عازب ولم ينهه عنه أنه قد توقف - كراهيته وإنكاره - وأما عبد الله ابنه فإننا رويناه عنه من طريق وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: لا آمر به ولا أنهى عنه.

(4/468)


وروينا من طريق سعيد بن منصور نا يعقوب بن عبد الرحمن حدثني موسى بن عقبة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: دعوت رجلا وأنا جالس بجنب أبي فأرسلته إلى عائشة أسألها عن الطيب عند الإحرام وقد علمت قولها ولكن أحببت أن يسمعه أبي فجاءني رسولي فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإحرام فأصب ما بدا لك فصمت عبد الله بن عمر. قال علي: هذا - بأصح إسناد - بيان في أنه قد رجع عن كراهته جملة ولم ينكر استحسانه فسقط تعلقهم بعمر، وبعبد الله بن عمر، ولم يبق لهم إلا عثمان وحده، وقد صح عنه رضي الله عنهم - ما سنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى - من إجازة تغطية المحرم وجهه فخالفوه فسبحان من جعل قوله حيث لم تبلغه السنة حجة، ولم يجعل فعله حيث لا خلاف فيه للسنن حجة إن هذا لعجب.

(4/469)


قال أبو محمد: فلما اختلفوا وجب الرجوع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه من بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدنا ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد الفربري نا البخاري نا محمد بن يوسف نا سفيان عن منصور عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر يدهن بالزيت، فذكرته لإبراهيم هو النخعي - فقال: ما تصنع بقوله: حدثني الأسود عن عائشة أم المؤمنين قالت كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم نا أحمد بن قاسم نا أبو قاسم بن محمد بن قاسم نا جدي قاسم بن أصبغ نا أبو إسماعيل هو محمد بن إسماعيل الترمذي - نا الحميدي نا سفيان بن عيينة نا عطاء بن السائب عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة قالت: رأيت الطيب في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ثالثة وهو محرم.

(4/470)


ورويناه أيضا من طريق علقمة، ومسروق عن عائشة نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا أحمد بن منيع، ويعقوب الدورقي قالا جميعا: نا هشيم أنا منصور هو ابن المعتمر - عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يحرم، ويوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك -: نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن منصور نا سفيان نا عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: قلت لعائشة: بأي شيء طيبت النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: بأطيب الطيب عند حله وحرمه ورويناه أيضا: من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عنها.
فهذه آثار متواترة متظاهرة لا يحل لأحد أن يخرج عنها؛ رواه عن أم المؤمنين: عروة، والقاسم، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعمرة، ومسروق، وعلقمة، والأسود.
ورواه عن هؤلاء: الناس الأعلام.

(4/471)


قال أبو محمد: فاعترض من قلد مالكا، ومحمد بن الحسن في هذا بأن قالوا: قد رويتم من طريق أبي عمير بن النحاس عن ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحلاله ولإحرامه طيبا لا يشبه طيبكم هذا - تعني ليس له بقاء.
قال علي: هذه لفظة ليست من كلامها بلا شك بنص الحديث وإنما هو ظن ممن دونها، والظن أكذب الحديث؛ وقد صح عنها من طريق مسروق، وعلقمة، والأسود - وهم النجوم الثواقب - أنها قالت: إنها رأت الطيب في مفرقه عليه السلام بعد ثلاثة أيام ولا ضعف أضعف ممن يكذب رواية هؤلاء عنها أنها رأت بعينها برواية أبي عمير بن النحاس بظن ظنه من شاء الله تعالى أن يظنه؛ اللهم فلا أكثر فهذا عجب عجيب.
وقال بعضهم: هذا خصوص له عليه السلام
قال أبو محمد: كذب قائل هذا لأن سالم بن عبد الله بن عمر روى عنها بأصح إسناد أنها طيبته عليه السلام قالت: بيدي.

(4/472)


رويناه من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله " عن عائشة. ورويناه قبل أنهن كن يضمخن جباههن بالمسك ثم يحرمن ثم يعرقن فيسيل على وجوههن فيرى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره ". ثم لو صح لهم كل هذه الظنون لكان هذا الخبر حجة عليهم لا لهم على كل حال؛ لأن فيه أنه عليه السلام تطيب عند الإحرام بطيب، فيقال لهم: ليكن أي طيب شاء، هو طيب على كل حال، وأنهم يكرهون الطيب بكل حال، فكم هذا التمويه بما هو عليكم وتوهمون أنه لكم، فسبحان من جعلهم يعارضون الحق البين بالظنون والتكاذيب والذي يجب أن يحمل عليه قولها " لا يشبه طيبكم هذا " إن صح عنها: على أنه أطيب من طيبنا، لا يجوز غير هذا لقولها الذي أوردناه عنها آنفا " أنها طيبته عليه السلام بأطيب الطيب ".
واعترض في ذلك من دقق منهم بما رويناه من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه سمع عائشة أم المؤمنين تقول: طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطاف في نسائه ثم أصبح محرما.
قال: فصح عنه أنه اغتسل فزال ذلك الطيب عنه.

(4/473)


قال أبو محمد: نعوذ بالله من الهوى وما يحمل عليه من المكابرة للحق بالظن الكاذب، ويكذب ظن هذا الظان ما رواه كل من ذكرنا قبل عن عائشة ممن لا يعدل محمد بن المنتشر بأحد منهم لو انفرد، فكيف إذا اجتمعوا من أنها طيبته عليه السلام عند إحرامه ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت - وما رواه من رواه منهم من أنها رأت الطيب في مفارقه عليه السلام بعد ثالثة من إحرامه.

(4/474)


وأيضا: فقد صح بيقين لا خلاف فيه أنه عليه السلام إنما أحرم في تلك الحجة إثر صلاة الظهر؛ فصح أن الطيب الذي روى ابن المنتشر هو طيب آخر كان قبل ذلك بليلة طاف فيها عليه السلام على نسائه ثم أصبح كما في حديث ابن المنتشر؛ فبطل أن يكون لهم في حديث ابن المنتشر متعلق، وابن المنتشر كوفي، فيا عجبا للمالكيين لا يزالون يضعفون رواية أهل الكوفة فإذا وافقتهم تركوا لها المشهور من روايات أهل المدينة فكيف وليست رواية ابن المنتشر مخالفة لرواية غيره في ذلك واحتجوا بالخبر الذي فيه " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل: من الحاج يا رسول الله قال: الأشعث التفل ". قال علي: وهذا رواه إبراهيم بن يزيد، وهو ساقط لا يحتج بحديثه، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة، لأنه لا يمكن أشعث تفلا من أول يوم ولا بعد يومين وثلاثة؛ وإنما أبحنا له الطيب عند الإحرام، وعند الإحلال كغسل الرأس بالخطمي حينئذ وشغب بعضهم بالخبر الثابت الذي رويناه من طريق مسلم عن علي بن خشرم أنا عيسى هو ابن يونس - عن ابن جريج أخبرني عطاء: " أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره: أن أباه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجعرانة وعلى رسول

(4/475)


الله - صلى الله عليه وسلم - ثوب قد أظل به عليه معه ناس من أصحابه فيهم عمر إذ جاءه رجل عليه جبة صوف متضمخ بطيب فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب فجاءه الوحي فذكر الخبر. وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك " (1).
وهكذا رويناه من طريق يحيى القطان عن ابن جريج نصا.
__________
(1) - البخاري : فضائل القرآن (4985) ، مسلم : الحج (1180) ، الترمذي : الحج (835) ، النسائي : مناسك الحج (2668) ، أبو داود : المناسك (1819) ، أحمد (4/222) ، مالك : الحج (728).

(4/476)


قال علي: في احتجاجهم بهذا الخبر عبرة ولا حجة لهم فيه، أما العجب فإنه كان في الجعرانة كما ذكر في الحديث وعمرة الجعرانة كانت إثر فتح مكة متصلة به في ذي القعدة لأن فتح مكة كان في شهر رمضان، وكانت حنين متصلة به، ثم عمرة الجعرانة منصرفه عليه السلام من حنين؛ ثم حج تلك السنة عتاب بن أسيد؛ ثم كان عام قابل فحج بالناس أبو بكر؛ ثم كانت حجة الوداع في العام الثالث؛ وكان تطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه، معه في حجة الوداع بعد حديث هذا الرجل بأزيد من عامين؛ فمن أعجب ممن يعارض آخر فعله عليه السلام بأول فعله هذا لو صح أن حديث يعلى بن أمية فيه نهي عن الطيب للمحرم، وهذا لا يصح لهم - لما نذكره إن شاء الله تعالى.

(4/477)


وأما كونه لا حجة لهم فيه؛ فإن هذا الخبر رواه من هو أحفظ من ابن جريج وأجل منه فبينه كما حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن الباجي نا أحمد بن خالد نا عبيد بن محمد الكشوري نا محمد بن يوسف الحذافي نا عبد الرزاق نا ابن عيينة هو سفيان - عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان بالجعرانة أتاه رجل متضمخ بخلوق وعليه مقطعات فقال: يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف تأمرني وأنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاني عمر فنظرت إليه فلما سري عنه قال: أين السائل ها أنا ذا يا رسول الله قال: ما كنت تصنع في حجك قال: أنزع ثيابي هذه وأغسل هذا عني قال: فاصنع في عمرتك مثل ما تصنع في حجتك ".
قال علي: عمرو بن دينار من التابعين صحب جابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمر، فقد بين أن ذلك الطيب إنما كان خلوقا.

(4/478)


وهكذا رويناه من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا وهب بن جرير بن حازم نا أبي قال: سمعت قيسا هو ابن سعد - يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه " أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة وهو مصفر رأسه ولحيته وعليه جبة فقال: يا رسول الله إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال: انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك " (1).
ومن طريق مسلم نا شيبان بن فروخ نا همام هو ابن يحيى - نا عطاء هو ابن أبي رباح - عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: " جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة - عليه جبة وعليه خلوق أو قال: أثر الصفرة فذكر الخبر - وفيه -: فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغسل عنك أثر الصفرة، أو قال: أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك " (2).
__________
(1) - البخاري : فضائل القرآن (4985) ، مسلم : الحج (1180) ، الترمذي : الحج (835) ، النسائي : مناسك الحج (2668) ، أبو داود : المناسك (1819) ، أحمد (4/222) ، مالك : الحج (728).
(2) - البخاري : الحج (1789) ، مسلم : الحج (1180) ، النسائي : مناسك الحج (2710) ، أبو داود : المناسك (1819) ، أحمد (4/224) ، مالك : الحج (728).

(4/479)


فاتفق عمرو بن دينار، وهمام بن يحيى، وقيس بن سعد كلهم عن عطاء في هذه القصة نفسها عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أنه كان متضمخا بخلوق.
وهو الصفرة نفسها، وهو الزعفران - بلا خلاف وهو محرم على الرجال عامة في كل حال، وعلى المحرم أيضا بخلاف سائر الطيب كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا مسدد نا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزعفر الرجل " (1).
نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا علي بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا شعبة نا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الورس والزعفران قال: فقلت: للمحرم قال: نعم " (2).
__________
(1) - البخاري : اللباس (5846) ، مسلم : اللباس والزينة (2101) ، الترمذي : الأدب (2815) ، النسائي : الزينة (5256) ، أبو داود : الترجل (4179) ، أحمد (3/101).
(2) - البخاري : الحج (1838) ، مسلم : الحج (1177) ، الترمذي : الحج (833) ، النسائي : مناسك الحج (2673) ، أبو داود : المناسك (1827) ، ابن ماجه : المناسك (2929) ، أحمد (2/119) ، مالك : الحج (716) ، الدارمي : المناسك (1798).

(4/480)


فبطل تشغيبهم بهذا الخبر جملة لأنه إنما فيه نهي عن الصفرة لا عن سائر الطيب، ولأنه لو كان فيه نهي عن الطيب وليس ذلك فيه لكان منسوخا بآخر فعله عليه السلام في حجة الوداع.
وقال بعضهم: وجدنا المحرم منهيا عن ابتداء التطيب، وعن ابتداء الصيد، ثم وجدناه لو أحرم وفي يده صيد لوجب عليه إرساله فكذلك الطيب.
قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس فاسد، ثم لو صح لكان من القياس باطلا لأنه لا يلزم من أحرم وفي يده صيد قد تصيده في إحلاله أن يطلقه فهو تشبيه للخطإ بالخطإ.
والعجب كله من قول هذا القائل: إن من أحرم وفي يده صيد وفي قفصه في منزله صيد أنه يلزمه إطلاق الذي في يده ولا يلزمه إطلاق الذي في القفص وهذا عجب جدا وبالله تعالى التوفيق، وقاسه أيضا على من أحرم وعليه قميص، وسراويل، وعمامة قال أبو محمد: ويعارض قياسهم هذا بأنه لا يحل للمحرم أن يتزوج؛ فإن تزوج ثم أحرم يبطل نكاحه.
فإن قالوا: لا نوافق على هذا.
قلنا: إنما خاطبنا بهذا من يقول به من المالكيين، وأما أنتم فإنكم تقولون: إن : المحرم ممنوع من ابتداء ذبح الصيد وأكله، ولا تختلفون في أن من ذبح صيدا ثم أحرم فإن ملكه وأكله له حلال.

(4/481)


مسألة النية في العمرة
826 - مسألة: ثم يقولون: لبيك بعمرة، أو ينويان ذلك في أنفسهما لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنما الأعمال بالنيات " (1) ونستحب أن يكون ذلك إثر صلاة فرض أو نافلة.
مسألة مس الطيب للمحرم
827 -مسألة: ثم يجتنبان تجديد قصد إلى الطيب فإن مسهما من طيب الكعبة شيء لم يضر؛ أما اجتناب القصد إلى الطيب فلا نعلم فيه خلافا، وأما إن مسه شيء من طيب الكعبة أو غيرها عن غير قصد، فلأنه لم يأت فيه نهي.
وقد روينا عن أنس كما ذكرنا أنه أصابه فلم يغسله؛ وبه قال عطاء، وسئل عن ذلك فقال: ليس عليه أن يغسله.
__________
(1) - البخاري : بدء الوحي (1) ، مسلم : الإمارة (1907) ، الترمذي : فضائل الجهاد (1647) ، النسائي : الطهارة (75) الطلاق (3437) الأيمان والنذور (3794) ، أبو داود : الطلاق (2201) ، ابن ماجه : الزهد (4227) ، أحمد (1/25 ،1/43).

(4/482)


مسألة تغطية الرأس للمحرم
828 - مسألة: ولا بأس أن يغطي الرجل وجهه بما هو ملتحف به أو بغير ذلك ولا كراهة في ذلك؛ ولا بأس أن تسدل المرأة الثوب من على رأسها على وجهها.
أما أمر المرأة، فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما نهاها عن النقاب؛ ولا يسمى السدل نقابا فإن كان " البرقع " يسمى نقابا، لم يحل لها لباسه؛ وأما اللثام فإنه نقاب بلا شك؛ فلا يحل لها.
وقد قال الله تعالى: { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } (1)
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا نهيتكم عن شيء فدعوه " (2).
وقال تعالى: { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } (3) فصح أن ما لم يفصل لنا تحريمه فمباح، وما لم ينه عنه فحلال وبالله تعالى التوفيق؛ وقد صح في ذلك خلاف -: روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال: رأى ابن عمر امرأة قد سدلت ثوبها على وجهها - وهي محرمة - فقال لها: اكشفي وجهك فإنما حرمة المرأة في وجهها.
وصح خلاف هذا عن غيره، كما روينا عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء بنت أبي بكر الصديق كانت تغطي وجهها وهي محرمة.
__________
(1) - سورة الأنعام آية : 119.
(2) - مسلم : الفضائل (2362).
(3) - سورة الطلاق آية : 1.

(4/483)


وعن وكيع عن شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة أم المؤمنين ما تلبس المحرمة فقالت: لا تنتقب، ولا تلثم، وتسدل الثوب على وجهها - وعن عثمان أيضا ذلك، فكان المرجوع في ذلك إلى ما منع منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط.
وأما الرجل: فإننا روينا من طريق ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن الفرافصة بن عمير قال: كان عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن الزبير يخمرون وجوههم وهم محرمون.
ومن طريق معمر، وسفيان بن عيينة كليهما عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: رأيت عثمان بن عفان مخمرا وجهه بقطيفة أرجوان بالعرج في يوم صائف وهو محرم -: نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: المحرم يغطي من الغبار ويغطي وجهه إذا نام ويغتسل ويغسل ثيابه.

(4/484)


ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، وابن الزبير أنهما كانا يخمران وجوههما وهما محرمان.
ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: المحرم يغطي ما دون الحاجب والمرأة تسدل ثوبها من قبل قفاها على هامتها.
وعن عبد الرحمن بن عوف أيضا: إباحة تغطية المحرم وجهه وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعلقمة، وإبراهيم النخعي، والقاسم بن محمد كلهم أفتى المحرم بتغطية وجهه وبين بعضهم من الشمس، والغبار، والذباب وغير ذلك.
وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأبي سليمان، وأصحابهم وروي عن ابن عمر: لا يغطي المحرم وجهه - وقال به مالك، ولم ير على المحرم إن غطى وجهه شيئا لا فدية، ولا صدقة، ولا غير ذلك إلا أنه كرهه فقط، بل قد روى عنه ما يدل على جواز ذلك.

(4/485)


روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان هو ابن عيينة - عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: الذقن من الرأس فلا تغطه، وقال: إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه - وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يغطي المحرم وجهه فإن فعل فعليه الفدية. قال أبو محمد: ما نعلم أحدا قال هذا قبل أبي حنيفة، وهم يعظمون خلاف الجمهور؛ وقد خالفوا هاهنا: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن الزبير، وجمهور التابعين؛ فإن تعلقوا بابن عمر فقد ذكرنا في هذا الباب عن ابن عمر نهي المرأة عن أن تسدل على وجهها وقد خالفوه، وروينا عنه ما يدل على جواز تغطية المحرم وجهه كما ذكرنا آنفا؛ فمرة هو حجة، ومرة ليس هو حجة، أف لهذا عملا قال أبو محمد: والعجب كل العجب أنهم قالوا: لما كانت المرأة إحرامها في وجهها كان الرجل بذلك أحق لأنه أغلظ حالا منها في الإحرام قال أبو محمد: والسنة قد فرقت بين الرجل والمرأة في الإحرام فوجب على الرجل في الإحرام كشف رأسه ولم يجب على المرأة، واتفقا في أن لا يلبسا قفازين واختلفا في الثياب، فمن أين وجب أن يقاس عليها في تغطية وجهه إن

(4/486)


هذا القياس سخيف جدا، وأيضا: فقد كذبوا وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها؛ بل هو مباح لها في الإحرام - وإن نهيت عن النقاب فقط - فظهر فساد قياسهم والعجب أنهم احتجوا في ذلك بالخبر الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره في الذي مات محرما أن لا يخمر رأسه، ولا وجهه رويناه من طرق جمة -: منها من طريق مسلم نا أبو كريب نا وكيع عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس " أن رجلا أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " (1).
قال أبو محمد: إن الحياء لفضيلة، وكما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه من الإيمان، وهم أول مخالف لهذا الحديث، وأول عاص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه فلا يرون فيمن مات محرما أن يكشف رأسه ووجهه؛ بل يغطون كل ذلك ثم يحتجون به في أن لا يغطي الحي المحرم وجهه ونعوذ بالله من الخذلان.
__________
(1) - البخاري : الجنائز (1265) ، مسلم : الحج (1206) ، الترمذي : الحج (951) ، النسائي : مناسك الحج (2854) ، أبو داود : الجنائز (3238) ، ابن ماجه : المناسك (3084) ، أحمد (1/215) ، الدارمي : المناسك (1852).

(4/487)


ويقولون: إن الصاحب إذا روى خبرا وخالفه فهو دليل على نسخ ذلك الخبر عندهم هو، وابن عباس روى هذا الخبر وهو رأي للمحرم الحي أن يخمر وجهه؛ فأين لك ذلك الأصل الخبيث الذي تعلقوا به في رد السنن الثابتة :
قال علي: ونحن نقول: إن الحي المحرم لا يلزمه كشف وجهه، وإنما يلزمه كشف رأسه فقط؛ فإذا مات أحدث الله تعالى له حكما زائدا وهو أن لا يخمر وجهه ولا رأسه { لا يسأل عما يفعل } (1) تعالى، والقياس ضلال، وزيادة في الدين شرعا لم يأذن به الله تعالى.
قال علي: لو كان تغطية المحرم وجهه مكروها أو محرما، لبينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا لم ينه عن ذلك فهو مباح وبالله تعالى التوفيق.
__________
(1) - سورة الأنبياء آية : 23.

(4/488)


مسألة التلبية
829 - مسألة: ونستحب أن يكثر من التلبية من حين الإحرام فما بعده دائما في حال الركوب، والمشي، والنزول، وعلى كل حال، ويرفع الرجل والمرأة صوتهما بها ولا بد، وهو فرض - ولو مرة - وهي: لبيك، اللهم لبيك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
نا أحمد بن محمد بن الجسور نا أحمد بن الفضل الدينوري نا محمد بن جرير الطبري حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي نا يعقوب بن محمد نا محمد بن موسى نا إسحاق بن سعيد بن جبير عن جعفر بن حمزة بن أبي داود المازني عن أبيه عن جده أبي داود - وهو بدري - قال " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحج، فلما كان بذي الحليفة صلى في المسجد أربع ركعات، ثم لبى دبر الصلاة، ثم خرج إلى باب المسجد، فإذا راحلته قائمة فلما انبعثت به أهل ثم مضى، فلما علا البيداء أهل ".

(4/489)


قال علي: ومن حيث أهل أجزأه لأنه فعل لا أمر -: نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج حدثني حرملة بن يحيى أنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: إن سالم بن عبد الله بن عمر أخبرني عن أبيه قال: " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل ملبيا يقول: لبيك، اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك " (1) لا يزيد على هؤلاء الكلمات ".
قال أبو محمد: وقد روى غيره الزيادة، ومن زاد ذكر الله تعالى فحسن، ومن اختصر على هذه فحسن، كل ذلك ذكر حسن -: نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا قتيبة بن سعيد نا حميد بن عبد الرحمن عن عبد العزيز بن أبي سلمة هو ابن الماجشون - عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة قال: " كان من تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبيك إله الحق " (2).
__________
(1) - البخاري : اللباس (5915) ، مسلم : الحج (1184) ، الترمذي : الحج (825) ، النسائي : مناسك الحج (2747) ، أبو داود : المناسك (1812) ، ابن ماجه : المناسك (2918) ، أحمد (2/120) ، مالك : الحج (738) ، الدارمي : المناسك (1808).
(2) - النسائي : مناسك الحج (2752) ، ابن ماجه : المناسك (2920) ، أحمد (2/352).

(4/490)


قال أحمد بن شعيب ما نعلم أحدا أسنده إلا عبد الله بن الفضل وهو ثقة -: نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا إسحاق بن راهويه نا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " جاءني جبريل فقال لي: يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية " (1).
قال أبو محمد: هذا أمر، وقال بعض الناس: يكره رفع الصوت.
قال علي: وهذا خلاف للسنة؛ وقال بعضهم: لا ترفع المرأة.
__________
(1) - ابن ماجه : المناسك (2923) ، أحمد (5/192).

(4/491)


قال أبو محمد: هذا خطأ وتخصيص بلا دليل، وقد كان الناس يسمعون كلام أمهات المؤمنين ولا حرج في ذلك، وقد روي عنهن وهن في حدود العشرين سنة وفويق ذلك؛ ولم يختلف أحد في جواز ذلك واستحبابه -: روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا حميد هو ابن عبد الرحمن - عن بكر بن عبد الله المزني قال: سمعت ابن عمر يرفع صوته بالتلبية حتى أني لأسمع دوي صوته بين الجبال -: وبه إلى هشيم أنا الفضل بن عطية نا أبو حازم قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم. ومن طريق وكيع نا إبراهيم بن نافع قال: قدمت امرأة أعجمية فخرجت مع الناس ولم تهل بشيء إلا أنها كانت تذكر الله تعالى، فقال عطاء: لا يجزئها.
ومن طريق ابن أبي شيبة نا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه قال: خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية فقال: من هذا قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم فذكر ذلك لعائشة فقالت عائشة: لو سألني لأخبرته؛ فهذه أم المؤمنين ترفع صوتها حتى يسمعها معاوية في حاله التي كان فيها.
فإن قيل: قد روي عن ابن عباس: لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية - وعن ابن عمر: ليس على النساء أن يرفعن أصواتهن بالتلبية ، قلنا: رواية ابن عمر هي من طريق عيسى بن أبي عيسى الحناط وهو ضعيف، ورواية ابن عباس هي من طريق إبراهيم بن أبي حبيبة وهو ضعيف ولو صحا لكانت رواية عائشة موافقة للنص.

(4/492)


مسألة القصد إلى الحجر الأسود وتقبيله
830 - مسألة: فإذا قدم المعتمر، أو المعتمرة مكة فليدخلا المسجد ولا يبدآ بشيء لا ركعتين ولا غير ذلك قبل القصد إلى الحجر الأسود فيقبلانه، ثم يلقيان البيت على اليسار ولا بد، ثم يطوفان بالبيت من الحجر الأسود إلى أن يرجعا إليه سبع مرات، منها ثلاث مرات خببا وهو مشي فيه سرعة، والأربع طوافات البواقي مشيا، ومن شاء أن يخب في الثلاث الطوافات، وهي الأشواط من الركن الأسود مارا على الحجر إلى الركن اليماني، ثم يمشي رفقا من اليماني إلى الأسود في كل شوط من الثلاثة فذلك له وكلما مرا على الحجر الأسود قبلاه، وكذلك الركن اليماني أيضا فقط، فإذا تم الطواف المذكور أتيا إلى مقام إبراهيم عليه السلام فصليا هنالك ركعتين وليستا فرضا.

(4/493)


ثم خرجا ولا بد إلى الصفا فصعدا عليه، ثم هبطا فإذا صارا في بطن الوادي أسرع الرجل المشي حتى يخرج عنه ثم يمشي حتى يأتي المروة فيصعد عليها ثم ينحدر كذلك حتى يرجع إلى الصفا ثم يرجع كذلك إلى المروة هكذا حتى يتم سبع مرات: منها ثلاث خببا وأربع مشيا، وليس الخبب بينهما فرضا.
ثم يحلق الرجل رأسه، أو يقصر من شعره - ولا تحلق المرأة لكن تقصر من شعرها، وقد تمت العمرة وحل لهما كل ما كان حرم عليهما بالإحرام من لباس وغيره.

(4/494)


قال أبو محمد: لا خلاف فيما ذكرنا إلا في أشياء نبينها إن شاء الله عز وجل وهي: وجوب الخبب في الطواف، وجواز تنكيس الطواف بأن يلقى البيت على اليمين، ووجوب السعي بين الصفا والمروة -: برهان صحة قولنا ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن سليمان لوين عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال " لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال المشركون إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرا فأطلع الله - عز وجل نبيه - عليه السلام على ذلك فأمر أصحابه أن يرملوا وأن يمشوا ما بين الركنين " (1) فهذا أمر واجب -: وبه إلى أحمد بن شعيب أنا عبيد الله بن سعيد بن قدامة نا يحيى هو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله هو ابن عمر - عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يرمل الثلاث ويمشي الأربع ويزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك - فهذا بيان الرمل إنما هو في الثلاثة الأشواط الأول، وأن الرمل في جميع تلك الأشواط جائز.
__________
(1) - البخاري : الحج (1602) ، مسلم : الحج (1266) ، النسائي : مناسك الحج (2945) ، أبو داود : المناسك (1886) ، ابن ماجه : المناسك (2953) ، أحمد (1/290).

(4/495)


فإن قيل: إن ابن عباس قال في الرمل: ليس سنة، وهو راوي الحديث قلنا: لا حجة في أحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نسألكم ما قولكم، وقول أهل الإسلام فيهم لو أنهم إذ أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرملوا يقولون له: لا نفعل - وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك - أعصاة كانوا يكونون أم مطيعين وأما وجوبه -: فقد روينا من طريق ابن عمر، وعطاء، وسليمان بن يسار، ومكحول، ليس على النساء رمل من طرق لو شئنا لتكلمنا في أكثرها لضعفها.
وروينا عن ابن عباس، وعطاء، ليس على من ترك الرمل شيء - وعن إبراهيم عليه فدية.

(4/496)


وروينا من طريق ابن أبي شيبة نا الثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن حبيب هو ابن أبي ثابت - عن عطاء: أنه سأل عن المجاور إذا أهل من مكة هل يسعى الأشواط الثلاثة قال: إنهم يسعون قال: فأما ابن عباس فإنه قال: إنما ذلك على أهل الآفاق. ومن طريق عبد الرزاق عن زكريا بن إسحاق عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد قال: خرج ابن الزبير، وابن عمر فاعتمرا من الجعرانة لما فرغ ابن الزبير من بناء الكعبة قال مجاهد: وكنت جالسا عند زمزم فلما دخل ابن الزبير ناداه ابن عمر أرمل الثلاث الأول فرمل ابن الزبير السبع كله.
ومن طريق ابن أبي شيبة عن أبي أسامة عن هشام عن الحسن، وعطاء قالا: ليس على أهل مكة رمل، ولا على من أهل منها إلا أن يجيء أحد من أهل مكة من خارج.
فهذه رواية عن ابن عباس بإيجاب الرمل على أهل الآفاق.
وعن الحسن، وعطاء مثل ذلك - وعن ابن عمر بإيجابه ذلك عن ابن الزبير وهو ساكن بمكة، وأقل هذا أن يكون اختلافا من قولي ابن عباس وعطاء، وقد ذكرنا ما تركوا فيه الجمهور وما انفردوا به بغير سنة لكن برأي؛ وهم يعظمون ذلك، ونحن لا ننكره إذا اتبعت السنة في خلافه.

(4/497)


وأما تقبيل الركنين فسنة وليس فرضا، لأنه لم يأت بذلك أمر، وإنما هو عمل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط، وقد طاف عليه السلام راكبا يشير بمحجن في يده إلى الركن.
وأما تنكيس الطواف فإن أبا حنيفة أجاز تنكيس الوضوء، وتنكيس الأذان، وتنكيس الإقامة، وتنكيس الطواف.
قال أبو محمد: إذ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخبب في الأشواط المذكورة فقد علمهم من أين يبتدئون وكيف يمشون فصار ذلك أمرا، وأمره عليه السلام فرض، ولا أعجب ممن لا يرى العمرة، أو الحج يبطلان بمخالفة ما أمر الله تعالى به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم يراهما يبطلان بما لم يأت فيه أمر بذلك من الله تعالى، ولا من رسوله - صلى الله عليه وسلم - كتعمد الإمناء في مباشرة امرأته بغير جماع ونحو ذلك.
وأما الطواف بين الصفا والمروة في العمرة فإن أنسا وغيره قالوا: ليس فرضا -: روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ: " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. قال أبو محمد: هذا قول من ابن عباس لا إدخال منه في القرآن - وعن ابن عباس أيضا: العمرة الطواف بالبيت.

(4/498)


ومن طريق شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت أنس بن مالك يقرأ فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما.
ومن طريق عبد بن حميد عن الضحاك بن مخلد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن مسعود مثل ذلك.
ومن طريق عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد المقري عن أبي حنيفة عن ميمون بن مهران عن أبي بن كعب مثل ذلك، وهو قول عطاء، ومجاهد، وميمون بن مهران. ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن الزبير قال في الطواف بين الصفا والمروة: هما تطوع.
واحتج من رأى هذا القول بقول الله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } (1).
وروينا عن عائشة رضي الله عنها إيجاب فرض السعي بينهما، وقالت في هذه الآية: إنما نزلت في ناس كانوا لا يطوفون بينهما؛ فلما كان الإسلام طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 158.

(4/499)


قال أبو محمد: لو لم تكن إلا هذه الآية لكانت غير فرض لكن الحجة في فرض ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى الأشعري قال " قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: أحججت فقلت: نعم فقال: بم أهللت قال قلت: لبيت بإهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فقد أحسنت طف بالبيت، وبين الصفا والمروة وأحل " (1).
قال علي: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضا.
وأما الرمل بينهما -: فحدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمود بن غيلان المروزي نا بشر بن السري نا سفيان هو الثوري - عن عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة فقال: إن أمش فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي، وإن أسع فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسعى.
__________
(1) - البخاري : الحج (1795) ، مسلم : الحج (1221) ، النسائي : مناسك الحج (2742) ، أحمد (4/393) ، الدارمي : المناسك (1815).

(4/500)


قال علي: والخبر الذي فيه " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " فإنما روته صفية بنت شيبة عن امرأة لم تسم؛ وقد قيل: هي بنت أبي تجراة وهي مجهولة، ولو صح لقلنا بوجوبه، ومن عجز عن الخبب المذكور مشى ولا شيء عليه لقول الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } (1)
مسألة الصيد والوطء للمحرم
831 - مسألة: ولا يحل للمحرم بالعمرة أو بالحج تصيد شيء مما يصاد ليؤكل، ولا وطء كان له حلالا قبل إحرامه، ولا لباس شيء مما ذكرنا قبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لباس المحرم، قال الله تعالى: { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } (2).
وقال تعالى: { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } (3) وهذا أيضا لا خلاف فيه.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 286.
(2) - سورة المائدة آية : 95.
(3) - سورة البقرة آية : 197.

(4/501)


مسألة أراد العمرة وهو بمكة
832 - مسألة: ومن أراد العمرة - وهو بمكة - إما من أهلها، أو من غير أهلها ففرض عليه أن يخرج للإحرام بها إلى الحل ولا بد فيخرج إلى أي الحل شاء، ويهل بها " فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر عبد الرحمن بن أبي بكر بالخروج من مكة إلى التنعيم ليعتمر منه " (1) " واعتمر عليه السلام من الجعرانة " (2) فوجب ذلك في العمرة خاصة وبالله تعالى التوفيق.
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا عمرو بن علي أنا أبو عاصم نا عثمان بن الأسود نا ابن أبي مليكة عن عائشة أم المؤمنين " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر عبد الرحمن أخاها أن يعمرها من التنعيم وانتظرها عليه السلام بأعلى مكة حتى جاءت ".
__________
(1) - البخاري : الحج (1651) ، أحمد (3/366).
(2) - البخاري : الجهاد والسير (3067) ، مسلم : الحج (1253) ، أحمد (3/256) ، الدارمي : المناسك (1787).

(4/502)


833 - مسألة: وأما من أراد الحج فإنه إذا جاء إلى الميقات كما ذكرنا فلا يخلو من أن يكون معه هدي، أو ليس معه هدي، والهدي إما من الإبل، أو البقر، أو الغنم، فإن كان لا هدي معه - وهذا هو الأفضل - ففرض عليه أن يحرم بعمرة مفردة ولا بد لا يجوز له غير ذلك؛ فإن أحرم بحج؛ أو بقران حج وعمرة ففرض عليه أن يفسخ إهلاله ذلك بعمرة يحل إذا أتمها، لا يجزئه غير ذلك؛ ثم إذا أحل منها ابتدأ الإهلال بالحج مفردا من مكة وهذا يسمى: متمتعا.
وإن كان معه هدي ساقه مع نفسه فنستحب له أن يشعر هديه إن كان من الإبل، وهو أن يضربه بحديدة في الجانب الأيمن من جسده حتى يدميه ثم يقلده، وهو أن يربط نعلا في حبل ويعلقها في عنق الهدي وإن جلله بجل فحسن، فإن كان الهدي من الغنم فلا إشعار فيه لكن يقلده رقعة جلد في عنقه؛ فإن كان من البقر فلا إشعار فيه ولا تقليد كانت له أسنمة أو لم تكن.
ثم يقول: لبيك بعمرة وحج معا، لا يجزئه إلا ذلك ولا بد؛ وإن قال: لبيك بحج وعمرة؛ أو لبيك عمرة وحجا، أو حجة وعمرة؛ أو نوى كل ذلك في نفسه، ولم ينطق به فكل ذلك جائز؛ وهذا يسمى: القران.

(4/503)


ومن ساق من المعتمرين الهدي فعل فيه من الإشعار، والتقليد ما ذكرنا؛ ونحب له في كل ما ذكرنا أن يشترط فيقول عند إهلاله: اللهم إن محلي حيث تحبسني، فإن قال ذلك فأصابه أمر ما يعوقه عن تمام ما خرج له من حج أو عمرة أحل ولا شيء عليه؛ لا هدي ولا قضاء إلا إن كان لم يحج قط ولا اعتمر فعليه أن يحج حجة الإسلام وعمرته.
برهان ما ذكرنا -: ما رويناه من طريق مسلم نا ابن أبي عمر نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من أراد منكم أن يهل بحج، أو عمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة: فأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحج، وأهل به ناس معه وأهل ناس بالحج والعمرة؛ وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بالعمرة " (1).
__________
(1) - مسلم : الحج (1211).

(4/504)


قال أبو محمد: فهذا أول أمره عليه السلام بذي الحليفة عند ابتداء إحرامهم وإرادتهم الإهلال بلا شك، إذ هو نص الحديث -: نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا ابن نمير نا أبو نعيم هو الفضل بن دكين - نا موسى بن نافع قال: (قدمت مكة متمتعا بعمرة قبل التروية بأربعة أيام فقال الناس: تصير حجتك الآن مكية) فدخلت على عطاء بن أبي رباح فقال: حدثني جابر بن عبد الله أنه حج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام ساق الهدي معه، وقد أهلوا بالحج مفردا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا وأقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بها متعة " (1).
__________
(1) - مسلم : الحج (1216).

(4/505)


وبه إلى مسلم نا إسحاق هو ابن راهويه - عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنه أخبره عن حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ": حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال عليه السلام: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد " (1). نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا موسى بن إسماعيل نا وهيب هو ابن خالد - نا أيوب هو السختياني - عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال " صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن معه بالمدينة - الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى الصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح وكبر ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى إذا كان
__________
(1) - مسلم : الحج (1218) ، أبو داود : المناسك (1905) ، مالك : الحج (836) ، الدارمي : المناسك (1850).

(4/506)


يوم التروية أهلوا بالحج " (1).
نا حمام بن أحمد نا عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا أحمد بن خالد نا عبيد بن محمد الكشوري نا محمد بن يوسف الحذافي نا عبد الرزاق نا مالك، ومعمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: " خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ولا يحل حتى يحل منهما جميعا " (2).
قال أبو محمد: ففي هذه الأحاديث الثابتة برهان كل ما قلنا ولله تعالى الحمد وهي أربعة أحاديث -: ففي الأول الذي من طريق جابر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل بحج مفرد ولا هدي معه بأن يحل بعمرة ولا بد، ثم يهل بالحج يوم التروية فيصير متمتعا.
__________
(1) - البخاري : الحج (1548) ، مسلم : صلاة المسافرين وقصرها (690) ، الترمذي : الجمعة (546) ، النسائي : الصلاة (477) ، أبو داود : المناسك (1796) ، أحمد (3/268) ، الدارمي : الصلاة (1507).
(2) - البخاري : الحيض (316 ،319) ، مسلم : الحج (1211) ، النسائي : الطهارة (242) ، أبو داود : المناسك (1779) ، ابن ماجه : المناسك (3000) ، أحمد (6/119) ، مالك : الحج (746).

(4/507)


وفي الحديث الثالث الذي من طريق أنس أمره - صلى الله عليه وسلم - من أهل بحج وعمرة قارنا ولا هدي معه أن يهل بعمرة ولا بد؛ ثم يهل بالحج يوم التروية فيصير أيضا متمتعا.
وفي الحديث الثاني الذي من طريق جابر أمره - صلى الله عليه وسلم - كل من لا هدي معه عموما بأن يحل بعمرة، وأن هذا هو آخر أمره على الصفا بمكة؛ وأنه عليه السلام أخبر بأن التمتع أفضل من سوق الهدي معه، وتأسف إذ لم يفعل ذلك هو، وأن هذا الحكم (هو) باق إلى يوم القيامة، وما كان هكذا فقد أمنا أن ينسخ أبدا؛ ومن أجاز نسخ ما هذه صفته فقد أجاز الكذب على خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا تعمده كفر مجرد؛ وفيه أن العمرة قد دخلت في الحج - وهذا هو قولنا لأن الحج لا يجوز إلا بعمرة متقدمة له يكون بها متمتعا أو بعمرة مقرونة معه ولا مزيد.

(4/508)


وفي الحديث الرابع الذي من طريق عائشة أم المؤمنين أمره - صلى الله عليه وسلم - من معه هدي أن يقرن بين الحج، والعمرة -: وبه يقول ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، وغيره -: نا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل نا أحمد بن صالح نا عنبسة حدثني يونس هو ابن يزيد - عن ابن شهاب عن كريب أنه حدثه عن ابن عباس أنه كان يقول: ما طاف رجل بالبيت إن كان حاجا إلا حل بعمرة إذا لم يكن معه هدي، ولا طاف ومعه هدي إلا اجتمعت له: حجة، وعمرة.
ومن طريق مسلم بن الحجاج نا إسحاق هو ابن راهويه - أنا محمد بن بكر أنا ابن جريج أخبرني عطاء قال: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل.
فقلت لعطاء: من أين تقول ذلك قال: من قول الله تعالى: { ثم محلها إلى البيت العتيق } (1).
قلت: فإن ذلك بعد المعرف قال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله.
__________
(1) - سورة الحج آية : 33.

(4/509)


وكان يأخذ ذلك من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع - ومن طريق عطاء، ومجاهد: أن ابن عباس كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يكن ساق الهدي - ومن طريق طاوس عن ابن عباس: والله ما تمت حجة رجل قط إلا بمتعة إلا رجل اعتمر في وسط السنة -: نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان هو الثوري - عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى الأشعري قال ": قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت قلت: أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هل سقت من هدي قلت: لا، قال: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي " (1) فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر، وإمارة عمر؛ فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك قلت: يا أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا
__________
(1) - البخاري : الحج (1795) ، مسلم : الحج (1221) ، النسائي : مناسك الحج (2742) ، أحمد (4/393) ، الدارمي : المناسك (1815).

(4/510)


به، فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ما (هذا) الذي أحدثت في شأن النسك قال: إن نأخذ بكتاب الله تعالى فإن الله تعالى قال: { وأتموا الحج والعمرة لله } (1) وإن نأخذ بسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يحل حتى نحر الهدي.
قال أبو محمد: هذا أبو موسى قد أفتى بما قلنا مدة إمارة أبي بكر وصدرا من إمارة عمر رضي الله عنهما، وليس توقفه لما شاء الله تعالى أن يتوقف له حجة على ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحسبنا قوله لعمر ما الذي أحدثت في شأن النسك فلم ينكر ذلك عمر.
وأما قول عمر - رضي الله عنه - فيقول الله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } (2) فلا إتمام لهما إلا علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس وهو الذي أنزلت عليه هذه الآية، وأمر ببيان ما أنزل عليه من ذلك.
__________
(1) - سورة البقرة آية : 196.
(2) - سورة البقرة آية : 196.

(4/511)


وأما كونه عليه السلام لم يحل حتى نحر الهدي فإن أم المؤمنين ابنته حفصة رضي الله عنها روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان فعله كما روينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر عن " حفصة أم المؤمنين أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " (1).
ورواه أيضا علي كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أخبرني معاوية بن صالح الأشعري نا يحيى بن معين نا حجاج يعني ابن محمد الأعور - نا يونس يعني أبا إسحاق السبيعي - عن أبيه عن البراء هو ابن عازب - عن علي بن أبي طالب " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: إني سقت الهدي وقرنت، لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما فعلتم، ولكني سقت الهدي وقرنت " (2).
فهذا أولى أن يتبع من رأي رآه عمر قد صح عنه رجوعه عنه؛ وقد خالفوه فيه أيضا كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى.
__________
(1) - البخاري : الحج (1566) ، مسلم : الحج (1229) ، النسائي : مناسك الحج (2682) ، أبو داود : المناسك (1806) ، أحمد (6/283) ، مالك : الحج (897).
(2) - البخاري : الحج (1651) ، الدارمي : المناسك (1805).

(4/512)


ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال في كتاب علي بن أبي طالب: من شاء أن يجمع بين الحج والعمرة فليسق هديه معه -: نا أحمد بن محمد الطلمنكي نا ابن مفرج نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا هشيم أنا منصور هو ابن المعتمر - قال: حج الحسن البصري وحججت معه في ذلك العام فلما قدمنا مكة جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد إني رجل بعيد الشقة من أهل خراسان وإني قدمت مهلا بالحج فقال له الحسن: اجعلها عمرة وأحل فأنكر ذلك الناس على الحسن وشاع قوله بمكة فأتى عطاء بن أبي رباح فذكر ذلك له فقال: صدق الشيخ، ولكنا نفرق أن نتكلم بذلك قال أبو محمد: ليس إنكار أهل الجهل حجة على سنن الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: من أهل من خلق الله تعالى ممن له متعة بالحج خالصا أو بحجة وعمرة فهي متعة سنة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه سأل عن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " دخلت العمرة في الحج " (1)
__________
(1) - مسلم : الحج (1241) ، الترمذي : الحج (932) ، أبو داود : المناسك (1790).

(4/513)


فقال: هو الرجل يفرد الحج ويذبح فقد دخلت له عمرة في الحج فوجبتا له جميعا.
ومن طريق عبد الرزاق نا عمر بن ذر: أنه سمع مجاهدا يقول: من جاء حاجا فأهدى هديا فله عمرة مع حجة.
ومن طريق سعيد بن منصور نا عتاب بن بشير نا خصيف عن عطاء ومجاهد أن ابن عباس كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يكن ساق الهدي قال خصيف: وكنت مع مجاهد فأتاه الضحاك بن سليم وقد خرج حاجا فسأل مجاهدا فقال له مجاهد: اجعلها عمرة، فقال: هذا أول ما حججت فلا تشايعني نفسي فأي ذلك ترى أتم أن أمكث كما أنا أو أجعلها عمرة قال خصيف: فقلت له: أظن هذا أتم لحجك أن تمكث كما أنت فرفع مجاهد تبنة من الأرض وقال: ما هو بأتم من هذا، وهو قول إسحاق بن راهويه.
وقال عبيد الله بن الحسن القاضي، وأحمد بن حنبل بإباحة فسخ الحج لا بإيجابه - ومنع منه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.

(4/514)


قال علي: روى أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لا هدي له أن يفسخ حجه بعمرة ويحل بأوكد أمر جابر بن عبد الله، وعائشة أم المؤمنين، وحفصة أم المؤمنين (كذلك)، وفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وأبو موسى الأشعري، وأبو سعيد الخدري، وأنس وابن عباس، وابن عمر، وسبرة بن معبد، والبراء بن عازب، وسراقة بن مالك، ومعقل بن يسار خمسة عشر من الصحابة رضي الله عنهم؛ ورواه عن هؤلاء نيف وعشرون من التابعين؛ ورواه عن هؤلاء من لا يحصيه إلا الله عز وجل فلم يسع أحدا الخروج عن هذا.
واحتج من خالف كل هذا باعتراضات لا حجة لهم في شيء منها؛ منها أنهم ذكروا خبرا رويناه من طريق مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن عائشة " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة؛ ومنا من أهل بالحج وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر " (1).
__________
(1) - البخاري : الحج (1562) ، مسلم : الحج (1211) ، أحمد (6/119).

(4/515)


وبخبر رويناه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة، وقد ذكر له عن رجل ذكر " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه طاف بالبيت وحل " (1) فقال عروة عن عائشة في حديث: قالت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنه أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف (بالبيت)، ثم لم يكن غيره، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع الزبير أبي فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره ولا أحد ممن مضى (ما) كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي، وخالتي تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط فلما مسحوا الركن حلوا، وقد كذب فيما ذكر من ذلك ".
__________
(1) - النسائي : قطع السارق (4881).

(4/516)


وبخبر رويناه من طريق ابن أبي شيبة عن محمد بن بشير العبدي عن محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة قالت: " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للحج ثم ذكرت أن من كان منهم أهل بحج مفرد، أو بعمرة وحج فلم يحلل حتى قضى مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل حتى يستقبل حجا ".
قال أبو محمد: حديث أبي الأسود عن عروة عن عائشة، وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنها منكران، وخطأ عند أهل العلم بالحديث.

(4/517)


نا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا عبيد الله بن محمد السقطي نا أحمد بن جعفر نا محمد بن مسلم الختلي نا عمر بن محمد بن عيسى الجوهري السداني نا أحمد بن محمد الأثرم نا أحمد بن حنبل فذكر حديث مالك عن أبي الأسود الذي ذكرنا آنفا فقال أحمد: إيش في هذا الحديث من العجب هذا خطأ، قال الأثرم: فقلت له: الزهري عن عروة عن عائشة بخلافه قال أحمد: نعم، وهشام بن عروة. قال أبو محمد: ولأبي الأسود المذكور حديث آخر في هذا الباب لا خفاء بفساده، وهو خبر رويناه من طريق البخاري نا أحمد بن صالح نا ابن وهب أنا عمرو بن الحارث عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر قال: حدثه أنه كان يسمع أسماء بنت أبي بكر تقول كلما مرت بالحجون: صلى الله على رسوله لقد نزلنا معه هاهنا، ونحن يومئذ خفاف قليل ظهرنا قليلة أزوادنا فاعتمرت أنا وأختي عائشة، والزبير، وفلان، وفلان؛ فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا من العشي بالحج.

(4/518)


قال علي: وهذا باطل بلا خلاف من أحد؛ لأن عائشة رضي الله عنها لم تعتمر في عام حجة الوداع قبل الحج أصلا؛ لأنها دخلت - وهي حائض - حاضت بسرف ولم تطف بالبيت إلا بعد أن طهرت يوم النحر هذا أمر في شهرة الشمس؛ ولذلك رغبت من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعمرها بعد الحج فأعمرها من التنعيم بعد انقضاء أيام التشريق كلها رواه جابر بن عبد الله، ورواه عن عائشة: عروة، والقاسم بن محمد، وطاوس، ومجاهد، والأسود بن زيد وابن أبي مليكة.
وبلية أخرى في هذا الخبر وهي قوله فيه: ثم أهللنا من العشي بالحج، وهذا باطل بلا خلاف، لأن عائشة أم المؤمنين؛ وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، وابن عباس، كلهم رووا: أن الإحلال كان يوم دخولهم مكة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن إهلالهم بالحج كان يوم التروية - وهو يوم منى - وبين يوم إحلالهم يوم إهلالهم ثلاثة أيام بلا شك؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة في حجة الوداع صبح رابعة من ذي الحجة، والأحاديث في ذلك مشهورة قد ذكرناها في كتبنا وذكرها الناس وكل من جمع في المسند؛ فظهر عوار رواية أبي الأسود.

(4/519)


وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة " أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من لا هدي له بفسخ الحج " وأنهم فسخوه، ولا يعدل أبو الأسود بالزهري -: روينا من طريق البخاري نا يحيى بن بكير نا الليث هو ابن سعد - عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله بن عمر في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة قال للناس ": من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة - ويقصر وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " (1)؛ قال الزهري عن عروة: إن عائشة أخبرته (عن النبي - صلى الله عليه وسلم -) في تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل ما أخبر به سالم عن أبيه.
__________
(1) - البخاري : الحج (1692) ، مسلم : الحج (1227) ، النسائي : مناسك الحج (2732) ، أبو داود : المناسك (1805).

(4/520)


ورواه أيضا عن عائشة من لا يذكر معه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب وهم: القاسم بن محمد بن أبي بكر؛ والأسود بن يزيد، وذكوان مولاها وكان يؤمها، وعمرة بنت عبد الرحمن، وكل واحد من هؤلاء أخص بعائشة وأعلم وأضبط وأوثق من يحيى بن عبد الرحمن -: روينا من طريق مسلم حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني نا أبو عامر عبد الملك بن عمر العقدي نا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه " عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث: وفيه فلما قدمنا مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: اجعلوها عمرة فأحل الناس إلا من كان معه الهدي، فكان الهدي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وذوي اليسارة ثم أهلوا حين راحوا ".

(4/521)


ويكفي من كل هذا أن هذه الأخبار الثلاثة من طريق أبي الأسود، ويحيى بن عبد الرحمن إنما هي موقوفة لا مسندة، ولا حجة في موقوف فكيف إذا روى بضعة وعشرون من التابعين عن خمسة عشر من الصحابة خلاف ذلك وأسلم الوجوه لحديثي أبي الأسود، وحديث يحيى بن عبد الرحمن أن يخرج على أن المراد بقولها: إن الذين أهلوا بحج، أو حج وعمرة لم يحلوا إلى يوم النحر إنما كانوا من كان معه هدي فأهل بهما جميعا أو أضاف العمرة إلى الحج كما روى مالك عن الزهري عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتخرج حينئذ هذه الأخبار سالمة لأن ما روته الجماعة عنها فيه زيادة لم يذكرها أبو الأسود، ولا يحيى بن عبد الرحمن لو كان ما رويا مسندا فكيف وليس مسندا ونحمل حديث أبي الأسود عن عروة في حج أبي بكر، وعمر، وسائر من ذكرنا على أنهم كانوا يسوقون الهدي فتتفق الأخبار.
واحتجوا أيضا بنهي عمر، وعثمان عن ذلك.

(4/522)


قال أبو محمد: هذا عليهم لا لهم لأنه إن كان نهيهما رضي الله عنهما حجة فقد صح عنهما النهي عن متعة الحج، وهم يخالفونهما في ذلك -: نا أحمد بن محمد الطلمنكي نا ابن مفرج نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا هشيم، وحماد بن زيد قال هشيم: أنا خالد هو الحذاء - وقال حماد: عن أيوب السختياني ثم اتفق أيوب، وخالد كلاهما عن أبي قلابة قال: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أنهي عنهما وأضرب عليهما؛ هذا لفظ أيوب؛ وفي رواية خالد: أنا أنهي عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج.
وبه إلى سعيد بن منصور نا هشيم أنا عبد الله بن عون عن القاسم بن محمد: أن عثمان نهى عن المتعة - يعني متعة الحج - وبه إلى سعيد بن منصور نا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبد العزيز بن نبيه عن أبيه أن عثمان بن عفان سمع رجلا يهل بعمرة وحج فقال: علي بالمهل؛ فضربه وحلقه.

(4/523)


قال أبو محمد: وهم يخالفونهما ويجيزون المتعة حتى أنها عند أبي حنيفة، والشافعي أفضل من الإفراد، فسبحان من جعل نهي عمر، وعثمان رضي الله عنهما عن فسخ الحج حجة ولم يجعل نهيهما عن متعة الحج وضربهما عليها حجة إن هذا لعجب فإن قالوا: قد أباحها سعد بن أبي وقاص وغيره قلنا: وقد أوجب فسخ الحج ابن عباس وغيره ولا فرق -: واحتجوا بما رويناه أيضا من طريق البزار نا عمر بن الخطاب السجستاني نا الفريابي نا أبان بن أبي حازم حدثني أبو بكر بن حفص عن ابن عمر عن عمر قال: يا أيها الناس، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا.
ومن طريق أبي ذر كانت المتعة في الحج رخصة لنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن عثمان: كانت متعة الحج لنا ليست لكم.
قال أبو محمد: هذا كله خالفه الحنفيون، والمالكيون، والشافعيون، لأنهم متفقون على إباحة متعة الحج - وأما حديث عمر فإنما هو في متعة النساء بلا شك، لأنه قد صح عنه الرجوع إلى القول بها في الحج؛ وهؤلاء مخالفون لهذا الخبر إن كان محمولا عندهم على متعة الحج.

(4/524)


روينا من طريق شعبة عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: لو اعتمرت في سنة مرتين ثم حججت لجعلت مع حجتي عمرة.
ورويناه أيضا من طريق سفيان عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس عن عمر بمثله - ورويناه أيضا من طرق.
واحتجوا بما رويناه أيضا من طريق المرقع عن أبي ذر أنه قال: كان فسخ الحج من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنا خاصة.
ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود عن سليمان أو سليم بن الأسود أن أبا ذر قال فيمن حج ثم فسخها عمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن طريق موسى بن عبيدة عن يعقوب بن زيد عن أبي ذر قال: لم يكن لأحد بعدنا أن يجعل حجته عمرة إنما كانت لنا رخصة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -.

(4/525)


قال أبو محمد: إن لم يكن قول أبي ذر إن متعة الحج خاصة لهم حجة فليس قوله: إن فسخ الحج خاصة لهم حجة؛ لا سيما وذلك الإسناد عنه صحيح؛ لأنه من رواية إبراهيم التيمي عن أبيه؛ وهذه الأسانيد عنه واهية؛ لأنها عن المرقع، وسليمان أو سليم، وهما مجهولان. وعن موسى بن عبيدة الربذي - وهو ضعيف - فكيف وقد خالفه ابن عباس، وأبو موسى فلم يريا ذلك خاصة.
ولا يجوز أن يقال في سنة ثابتة أنها خاصة لقوم دون قوم إلا بنص قرآن أو سنة صحيحة؛ لأن أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - على لزوم الإنس، والجن، الطاعة لها والعمل بها.
فإن قيل: هذا لا يقال بالرأي قلنا: فيجب على هذا متى وجد أحد من الصحابة يقول في آية أنها مخصوصة أو منسوخة أن يقال بقوله؛ وأقر بذلك قولهم في المتعة: إنها خاصة، وقد خالفوا ذلك.
واحتجوا بما رويناه من طريق ربيعة الرأي " عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قلت: يا رسول الله أفسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا قال: لكم خاصة " (1).
__________
(1) - النسائي : مناسك الحج (2808) ، أبو داود : المناسك (1808) ، ابن ماجه : المناسك (2984) ، أحمد (3/469) ، الدارمي : المناسك (1855).

(4/526)


قال أبو محمد الحارث بن بلال مجهول ولم يخرج أحد هذا الخبر في صحيح الحديث؛ وقد صح خلافه بيقين؛ كما أوردنا من طريق جابر بن عبد الله " أن سراقة بن مالك قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أمرهم بفسخ الحج في عمرة: يا رسول الله، لعامنا هذا أم لأبد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل لأبد الأبد " (1).
ومن طريق البخاري نا أبو النعمان هو محمد بن الفضل عارم - نا حماد بن زيد عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر بن عبد الله، وعن طاوس عن ابن عباس قالا جميعا: " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شيء؛ فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة، وأن نحل إلى نسائنا ففشت في ذلك القالة فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا والله لأنا أبر وأتقى لله منهم، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله هي لنا أو للأبد قال: لا بل للأبد " (2).
__________
(1) - البخاري : الحج (1785) ، أبو داود : المناسك (1787) ، ابن ماجه : المناسك (2980) ، أحمد (3/366).
(2) - البخاري : الاعتصام بالكتاب والسنة (7367) ، ابن ماجه : إقامة الصلاة والسنة فيها (1074) ، أحمد (3/317).

(4/527)


قال أبو محمد: وهكذا رواه مجاهد عن ابن عباس، ومحمد بن علي بن الحسين عن جابر -: قال أبو محمد: فبطل التخصيص والنسخ وأمن من : ذلك أبدا، ووالله إن من سمع هذا الخبر ثم عارض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكلام أحد ولو أنه كلام أمي المؤمنين حفصة، وعائشة، وأبويهما رضي الله عنهم لهالك؛ فكيف بأكذوبات كنسج العنكبوت الذي هو أوهن البيوت عن الحارث بن بلال، والمرقع، وسليمان أو سليم الذين لا يدرى من هم في الخلق، وموسى الربذي، وكفاك وحسبنا الله ونعم الوكيل، وليس لأحد أن يقتصر بقوله عليه السلام " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " (1) على أنه أراد جوازها في أشهر الحج دون ما بينه جابر، وابن عباس من إنكاره عليه السلام أن يكون الفسخ لهم خاصة أو لعامهم دون ذلك، ومن فعل ذلك فقد كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهارا.
__________
(1) - مسلم : الحج (1241) ، الترمذي : الحج (932) ، أبو داود : المناسك (1790).

(4/528)


قال أبو محمد: وأتى بعضهم بطامة، وهي أنه ذكر الخبر الثابت عن ابن عباس أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة من ذي الحجة فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل قال: الحل كله " فقال قائلهم: إنما أمرهم عليه السلام بذلك ليوقفهم على جواز العمرة في أشهر الحج قولا وعملا.
قال أبو محمد: وهذه عظيمة؛ أول ذلك أنه كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعواهم أنه إنما أمرهم بفسخ الحج في عمرة ليعلمهم جواز العمرة في أشهر الحج.

(4/529)


ثم يقال لهم: هبك لو كان ذلك ومعاذ الله من أن يكون أبحق أمر أم بباطل فإن قالوا: بباطل كفروا، وإن قالوا: بحق قلنا: فليكن أمره عليه السلام بذلك لأي وجه كان قد صار حقا واجبا، ثم لو كان هذا الهوس الذي قالوه فلأي معنى كان يخص بذلك من لم يسق الهدي دون من ساق وأطم من هذا كله أن هذا الجاهل القائل بذلك قد علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر بهم في ذي القعدة عاما بعد عام قبل الفتح، ثم اعتمر في ذي القعدة عام الفتح، ثم قال لهم في حجة الوداع في ذي الحليفة: من شاء منكم أن يهل بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحج فليفعل؛ ففعلوا كل ذلك، فيا لله ويا للمسلمين أبلغ الصحابة رضي الله عنهم من البلادة، والبله، والجهل أن لا يعرفوا مع هذا كله أن العمرة جائزة في أشهر الحج وقد عملوها معه عليه السلام عاما بعد عام بعد عام في أشهر الحج : حتى يحتاج إلى أن يفسخ حجهم في عمرة ليعلموا جواز ذلك، تالله إن الحمير لتميز الطريق من أقل من هذا؛ فكم هذا الإقدام والجرأة على مدافعة السنن الثابتة في نصر التقليد مرة بالكذب المفضوح، ومرة بالحماقة المشهورة، ومرة

(4/530)


بالغثاثة والبرد - حسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله على السلامة.
واحتج بعضهم في جواز الإفراد بالحج بالخبر الثابت من طريق أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما " (1).
قال أبو محمد: كل مسلم فلا يشك في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم هذا إلا بوحي من الله عز وجل إليه لا يمكن غير هذا أصلا؛ ولا شك في أن وحي الله عز وجل لا يترك بشك لأنه عز وجل لا يشك، فصح أن هذا الشك من قبل أبي هريرة أو ممن دونه لا من قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لو صح أنه من قبله عليه السلام لكان ذلك إذ كان الإفراد مباحا، ثم نسخ بأمره عليه السلام من لا هدي معه بالمتعة ولا بد، ومن معه الهدي بالقران ولا بد.
قال علي: فظهر الحق واضحا والحمد لله رب العالمين، وقال مالك: الإفراد أفضل، ووافقنا هو والشافعي في صفة التمتع والقران لمن أراد أن يكون قارنا أو متمتعا، وكل ذلك جائز عندهما لمن ساق الهدي ولمن لم يسقه.
__________
(1) - مسلم : الحج (1252) ، أحمد (2/240 ،2/272 ،2/513 ،2/540).

(4/531)


وقال الشافعي مرة: الإفراد أفضل، ومرة قال: التمتع أفضل، ومرة قال: القران أفضل؛ وكل ذلك عنده جائز كما ذكرنا.
وأما أبو حنيفة فإنه قال: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد، وكل ذلك جائز عنده لمن ساق الهدي ولمن لم يسقه إلا أنه خالف في صفة التمتع والقران على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما الإشعار: فإن عبد الله بن ربيع نا قال: نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا عمرو بن علي الفلاس نا يحيى بن سعيد القطان نا شعبة عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان بذي الحليفة أمر ببدنته فأشعر في سنامها من الشق الأيمن ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين " (1) وذكر باقي الخبر. وبه إلى عمرو بن علي نا وكيع حدثني أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة أم المؤمنين " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشعر بدنه " (2).
__________
(1) - مسلم : الحج (1243) ، الترمذي : الحج (906) ، النسائي : مناسك الحج (2774) ، أبو داود : المناسك (1752) ، ابن ماجه : المناسك (3097) ، أحمد (1/339) ، الدارمي : المناسك (1912).
(2) - البخاري : الوكالة (2317) ، مسلم : الحج (1321) ، النسائي : مناسك الحج (2772) ، أبو داود : المناسك (1757) ، ابن ماجه : المناسك (3098) ، أحمد (6/78).

(4/532)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية