صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المحلى
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: " لما حضر عبد الله بن أبي الموت قال ابن عباس: فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى بينهما كلام فقال له عبد الله بن أبي: قد أفقه ما تقول ولكن من على اليوم وكفني بقميصك هذا وصل علي قال ابن عباس.
فكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقميصه وصلى عليه والله أعلم أي صلاة كانت وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخدع إنسانا قط غير أنه قال يوم الحديبية: كلمة حسنة قال الحكم: فسألت عكرمة ما هذه الكلمة؟ فال
قالت قريش: يا أبا حباب إنا قد منعنا محمدا طواف هذا البيت ولكنا نأذن لك فقال لا لي في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة " * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد ابن شعيب أنا عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وسمع جابرا يقول: أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبر عبد الله بن أبي وقد وضع في حفرته فوقف فأمر به فأخرج من حفرته فوضعه على ركبتيه وألبسه قميصه ونفث عليه من ريقه والله أعلم * قال أبو محمد رحمه الله: فهذا كله يوجب صحة ما قلناه لوجوه، أحدها ظاهر الآية كما قلنا من أنهم كفروا قبل وماتوا على الفسق، والثاني ان الله تعالى قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن الاستغفار جملة للمشركين بقوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) إلى قوله تعالى: (أصحاب الجحيم) فلو كان ابن أبي وغيره من المذكورين ممن تبين للنبي عليه السلام انهم كفار بلا شك لما استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا صلى عليه، ولا يحل لمسلم أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم انه خالف ربه في ذلك فصح يقينا أنه عليه السلام لم يعلم قط ان عبد الله بن أبي والمذكورين كفار في الباطن * روينا من طريق مسلم نا حرملة بن يحيى التجيبي نا عبد الله بن وهب أنا يونس عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب بن حور عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل.
وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال أبو جهل.
وعبد الله ابن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدان عليه تلك المقالة حتى قال أبو طالب: آخر ما كلمهم به على ملة عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والله لاستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله تعالى.
(ما كان للنبي والذين آمنوا) الآية * قال أبو محمد: فصح ان النهي عن الاستغفار للمشركين نزل بمكة بلا شك فصح يقينا انه عليه السلام لم يوقن أن عبد الله بن أبى مشرك ولو أيقن أنه مشرك لما صلى عليه
أصلا ولا استغفر له وكذلك تعديد عمر بن الخطاب مقالات عبد الله بن أبى سلول لا ولو

(11/210)


كان عنده كافرا لصرح بذلك وقصد إليه ولم يطول بغيره، والثالث شك ابن عباس.
وجابر وتعجب عمر من معارضة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على عبد الله بن أبى واقراره بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف منه، والرابع ان الله تعالى انما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم فقط ولم ينه سائر المسلمين عن ذلك وهذا لا ننكره فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلى على من له دين لا يترك له وفاء ويأمر المسلمين بالصلاة عليهم فصح يقينا بهذا ان معنى الآيات انما هو انهم كفروا بذلك من قولهم: وعلم بذلك النبي عليه السلام والمسلمون، ثم تابوا في ظاهر الامر فمنهم من علم الله تعالى ان باطنه كظاهره في التوبة ومنهم من علم الله تعالى أن باطنه خلاف ظاهره ولم يعلم ذلك النبي عليه السلام ولا أحد من المسلمين وهذا في غاية البيان وبالله تعالى التوفيق * وقال تعالى.
(فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله) إلى قوله تعالى: (وهم كافرون) قال فقوله تعالى.
(فرح المخلفون) الآية ليس فيها نص على أنهم كفروا بذلك ولكنهم أتوا كبيرة من الكبائر كانوا بها عصاة فاسقين وقد ذكر الله تعالى هؤلاء بأعيانهم في سورة الفتح وبين تعالى هذا الذى قلناه هنالك بزيادة على ما ذكرهم به ههنا فقال تعالى.
(سيقول لك المخلفون من الاعراب) إلى قوله تعالى: (عذابا أليما) فنص الله تعالى على أن أولئك المخلفين الذين أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ان لا يصلى على أحد منهم مات أبدا وانهم كفروا بالله وبرسوله والذين أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا تعجبه أموالهم ولا أولادهم وانه تعالى أراد أن تزهق أنفسهم وهم كافرون انهم مقبولة توبتهم ان تابوا في ظاهر أمرهم وفى الحكم بأن باطنهم ان من كان منهم صحيح التوبة مطيعا إذا دعى بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد فسيؤتيه أجرا عظيما وان من تولى عذبه الله تعالى عذابا أليما فصح ما قلناه من أنهم كفروا فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انهم كفروا ثم تابوا فقبل توبتهم ولم يعرف عليه السلام بعد التوبة من منهم الصادق في سر أمره
ولا من منهم الكافر في باطن معتقده وهذا هو الحق الذى لا يجوز غيره بشهادة النصوص كما أوردنا آنفا وبالله تعالى التوفيق * وقال تعالى: (وإذا انزلت سورة أن آمنوا بالله) إلى قوله تعالى: (فهم لا يفقهون) * قال أبو محمد رحمه الله: فهذه نص الآيات التي ذكرنا أيضا وقد تكلمنا فيها، وقال تعالى: (وجاء المعذرون من الاعراب) إلى قوله تعالى: (عذاب أليم) قال: وهذه الآية تبين ما قلناه نصا لانه تعالى أخبر ان بعضهم كفار إلا أن كلهم عصاة فأما المبطنون للكفر منهم فلم يعلمهم النبي عليه السلام ولا علمهم احد منهم الا الله تعالى فقط، وقال تعالى.
(انما السبيل على الذين يستأذنونك) إلى قوله: (عن القوم الفاسقين) *

(11/211)


قال أبو محمد رحمه الله: وهذه كالتي قبلها وقد قلنا ان فيهم من كفر فأولئك الذين طبع الله على قلوبهم ولكن الله تعالى أرجى أمرهم بقوله تعالى.
(وسيرى الله عملكم ورسوله) فصح ما قلناه واتفقت الآيات كلها والحمد لله رب العالمين * وكذلك أخبر تعالى أن مأواهم جهنم جزاءا بما كانوا يكسبون وجهنم تكون جزاءا على الكفر وتكون جزاءا على المعصية وكذلك لا يرضى تعالى عن القوم الفاسقين وان لم يكونوا كافرين وقال تعالى: (الاعراب أشد كفرا ونفاقا) إلى قوله تعالى: (ان الله غفور رحيم) * قال أبو محمد: وهذه الآيات كلها تبين نص ما قلناه من أن فيهم كفارا في الباطن * قال أبو محمد رحمه الله: لا يعلم سرهم الا الله تعالى وأما رسوله عليه السلام فلا وقال تعالى.
(وممن حولكم من الاعراب منافقون) إلى قوله تعالى: (سميع عليم) * قال أبو محمد: هذه الآية مبينة نص ما قلناه بيانا لا يحل لاحد أن يخالفه من أن النبي عليه السلام لا يعلم المنافقين لا من الاعراب ولا من أهل المدينة ولكن الله تعالى يعلمهم وان منهم من يتوب فيعفو الله تعالى عنه، وان النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأخذ زكوات جميعهم على ظاهر الاسلام، وقال تعالى.
(الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا) إلى قوله
تعالى: (الا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم) * قال أبو محمد رحمه الله: وهذه كالتى قبلها وفيها ان بنيانهم للمسجد قصدوا به الكفر ثم أظهروا التوبة فعلم الله تعالى صدق من صدق فيها وكذب من كذب فيها ونعم لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة في قلوبهم الا أن تقطع قلوبهم، وقد قدم الله تعالى ان من أذنب ذنبا فممكن أن لا يغفره له أبدا حتى يعاقبه عليه، وهذا مقتضى هذه الآية وقال تعالى.
(وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول) إلى قوله تعالى: (لا يفقهون) * قال أبو محمد رحمه الله.
فهذه لا دليل فيها أصلا على أن القائلين بذلك معروفين بأعيانهم لكنها صفة وصفها الله تعالى يعرفونها من أنفسهم إذا سمعوها فقط، وقال تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول) إلى قوله تعالى: (هم الفائزون) * قال أبو محمد.
ليس في هذه الآية بيان انهم معروفون بأعيانهم وانما هي صفة من سمعها عرفها من نفسه وهي تخرج على وجهين، أحدهما أن يكون من فعل ذلك كافرا وهو أن يعتقد النفار عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدين بأن لا يرضى به فهذا كفر مجرد، والوجه الثاني ينقسم قسمين.
أحدهما أن يكون فاعل ذلك متبعا لهواه في الظلم ومحابات نفسه عارفا بقبح فعله في ذلك ومعتقدا ان الحق في خلاف فعله فهذا فاسق وليس كافرا، والثاني أن يفعل ذلك مقلدا لانسان في أنه قد شغفه تعظيمه إياه وحبه موهما نفسه انه

(11/212)


على حق وهذه الوجوه كلها موجودة في الناس.
فأهل هذين القسمين الآخرين مخطئون عصاة وليسوا كفارا ويكون معنى قوله تعالى.
(وما أولئك بالمؤمنين) أي وما أولئك بالمطيعين لان كل طاعة لله تعالى فهو ايمان وكل ايمان طاعة لله تعالى فمن لم يكن مطيعا لله تعالى في شئ ما فهو غير مؤمن في ذلك الشئ بعينه وان كان مؤمنا في غير ذلك مما هو فيه مطيع لله تعالى، وقال تعالى.
(يا أيها النبي اتق الله) إلى قوله تعالى.
(عليما حكيما) *
قال أبو محمد رحمه الله: هذه الآية يقتضي ظاهرها أن اهواء الكافرين والمنافقين معروفة وهو أن يكفر جميع المؤمنين، قال تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) فإذ أهواؤهم معروفة ففرض على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى كل مسلم أن لا يطيعهم في ذلك مما قد عرف أنه مرادهم وإن لم يشيروا عليه في ذلك برأي ولا يجوز أن يظن ظان أن الكفار والمنافقين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم مشيرين عليه برأي راجين أن يتبعهم فيه فإذ الامر كذلك فليس في الآية بيان أن المنافقين كانوا معروفين بأعيانهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يدري أنهم منافقون ولكنهم معروفة صفاتهم جملة ومن صفاتهم بلا شك ارادتهم أن يكون كل الناس كفارا، وقال تعالى: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) الآية * قال أبو محمد رحمه الله: هذا ايضا ليس فيه بيان بأنهم قوم معروفين بأعيانهم وانما هو خبر عن قائلين قالوا ذلك: وقال تعالى: (واذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) * قال أبو محمد: وهذا أيضا ممكن أن يقوله يهود وممكن أن يقوله أيضا قوم مسلمون خور اوجبنا، واذ كل ذلك ممكن فلا يجوز القطع من أجل هذه الآية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرف أنهم منافقون، وأما قوله تعالى: (ويستأذن فريق منهم النبي) إلى قوله تعالى.
(وكان عهد الله مسئولا) فان هذا قد روي أنه كان نزل في بني حارثة وبني سلمة وهم الافاضل البدريون الاحديون ولكنها كانت وهلة في استئذانهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق.
وقولهم.
(ان بيوتنا عورة) وفيهما نزلت.
(إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما) كما نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا علي بن عبد الله نا سفيان بن عيينة قال عمرو بن دينار.
سمعت جابر بن عبد الله يقول.
فبينا نزلت (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما) قال جابر.
نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة

(11/213)


قال جابر.
وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى.
(والله وليهما) * قال أبو محمد.
مع أنه ليس في الآية ان هذا كفر أصلا فبطل التعلق بها وبالله تعالى التوفيق * وقال تعالى.
(قد يعلم الله المعوقين منكم) إلى قوله تعالى.
(وكان ذلك على الله يسيرا) * قال أبو محمد: فهذه ليس فيها دليل على أنها في قوم معروفين بأعيانهم ولكنها صفة يعرفها من نفسه من سمع منهم هذه الآية الا أن قول الله تعالى بعدها بيسير.
(ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ان شاء أو يتوب عليهم) بيان جلي على بسط التوبة لهم وكل هؤلاء بلا خلاف من احد من الامة معترف بالاسلام لائذ بالتوبة فيما صح عليهم من قول يكون كفرا ومعصية فبطل التعلق بهذه الآية لمن ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم بأعيانهم ويعرف أنهم يعتقدون الكفر في باطنهم قال الله تعالى.
(ولا تطع الكافرين والمنافقين) إلى قوله تعالى.
(وكفى بالله وكيلا) * قال أبو محمد: قد مضى قولنا في قوله تعالى: (ولا تطع الكافرين والمنافقين) وقال تعالى: (ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) لا يختلف مسلمان في أنه ليس على ترك قتال الكافرين وإصغارهم ودعائهم إلى الاسلام ولكن فيما عدا ذلك، وقال تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض) إلى قوله تعالى: (ولن تجد لسنة الله تبديلا) * قال أبو محمد: هذه الآية فيها كفاية لمن عقل ونصح نفسه لان الله تعالى قطع بأنه إن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ليغرين بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يجاورونه فيها إلا قليلا فأخبر تعالى انهم يكونون إن لم ينتهوا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا - واعراب - ملعونين - انه حال لمجاورتهم -
معناه لا يجاورونه إلا قليلا ملعونين، ولو أراد الله تعالى غير هذا لقال: ملعونون على خبر ابتداء مضمر ثم أكد تعالى بأن هذه هو سنته تعالى التي لا تتبدل فنسأل من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم بأعيانهم وعلم نفاقهم هل انتهوا أو لم ينتهوا فان قال: انتهوا رجع إلى الحق وصح أنهم تابوا ولم يعلم باطنهم في صحة التوبة أو كذبها إلا الله تعالى وحده لا شريك له ولم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا الظاهر الذي هو الاسلام أو كفرا رجعوا عنه فأظهروا التوبة منه وان قال: لم ينتهوا لم يبعد من الكفر لانه يكذب الله تعالى ويخبر أنه تعالى بدل سنته التي قد أخبر أنه

(11/214)


لا يبدلها أو بدلها رسوله عليه السلام * قال أبو محمد: وكل من وقف على هذا وقامت عليه الحجة ثم تمادى فهو كافر لانه مكذب لله تعالى أو مجور لرسوله عليه السلام وكلا الامرين كفر * قال أبو محمد: ولقد بلغني عن بعض من خذله الله تعالى أنه تلا هذه الآية ثم قال: ما انتهوا ولا أغراه بهم * قال أبو محمد: نحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا فان قائله آفك كاذب عاص لله تعالى لا يحل له الكلام في الدين ونسأل الله تعالى العافية، وقال تعالى: (ومنهم من يستمع اليك) إلى قوله تعالى: (واتبعوا أهواءهم) * قال أبو محمد: من عصى الله تعالى فقد طبع على قلبه في الوجه الذي عصى فيه ولو لم يطبع على قلبه فيه لما عصى فقد يمكن أن يكون هؤلاء منافقين فاعلانهم بالتوبة ماح لما تقدم في الظاهر والله أعلم بالباطن، وبالله تعالى التوفيق * وقال تعالى: (فإذا أنزلت سورة محكمة) إلى قوله تعالى: (فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم) * قال أبو محمد: وهذا كالذي قبله إما أن يكون هذا النظر يبين معتقدهم واظهارهم الاسلام توبة تصح به قبولهم على ظاهرهم وان لم يكن ذلك النظر دليلا يتميزون
به فهم كغيرهم ولا فرق، وقال تعالى: (ان الذين ارتدوا على أدبارهم) إلى قوله تعالى: (والله يعلم اسرارهم) * قال أبو محمد: هذه صفة مجملة لمن ارتد معلنا أو مسرا ولا دليل فيها على أنه عليه السلام عرف أنهم منافقون مسرون للكفر، وبالله تعالى التوفيق * قال تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض) إلى قوله تعالى: (والله يعلم أعمالكم) * قال أبو محمد: قد بين الله تعالى: أنه لو شاء أراهم نبيه عليه السلام وهذا لا شك فيه ثم قال تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول) فهذا كالنظر المتقدم ان كان لحن القول برهانا يقطع به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنهم منافقون فاظهارهم خلاف ذلك القول واعلانهم الاسلام توبة في الظاهر كما قدمنا وان كان عليه السلام لا يقطع بلحن قولهم على ضميرهم فانما هو ظن يعرفه في الاغلب لا يقطع به، وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: قد ذكرنا في براءة.
والفتح قول الله تعالى: (سيقول لك المخلفون) الآيات كلها وبينا أن الله تعالى وعدهم بقبول التوبة والاجر العظيم ان تابوا وأطاعوا لمن دعاهم بعد النبي عليه السلام إلى الجهاد، وبالله تعالى التوفيق *

(11/215)


وقال تعالى: (قالت الاعراب آمنا) إلى قوله تعالى: (غفور رحيم) * قال أبو محمد: هذا دليل على أنهم استسلموا لله تعالى غلبة ولم يدخل الايمان في قلوبهم ولكن الله تعالى قد بسط لهم التوبة في الآية نفسها بقوله تعالى: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا) فاظهارهم الطاعة لله تعالى ولرسوله عليه السلام مدخل لهم في حكم الاسلام ومبطل لان يكون عليه السلام عرف باطنهم، وقال تعالى: (يوم يقول المنافقون والمنافقات) إلى قوله تعالى: (وغرتكم الاماني) * قال أبو محمد: فهذه حكاية عن يوم القيامة وإخبار بأنهم كانوا في الدنيا مع المسلمين وهذا يبين أنهم لم يكونوا معروفين عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند المسلمين وهذه
الآية يوافقها ما روينا من طريق مسلم بن الحجاج نا زهير بن حرب نا يعقوب بن ابراهيم بن سعد نا أبي عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث: " فيجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه.
فيتبع من يعبد الشمس الشمس، ويتبع من يعبد القمر القمر، ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الامة فيها منافقوها، وذكر الحديث، وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى) إلى قوله تعالى: (فبئس المصير) * قال أبو محمد: هؤلاء معروفون بلا شك ولكن التوبة لهم مبسوطة كما ذكرنا في سائر الآيات، وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم) إلى قوله تعالى: (هم الخاسرون) * قال أبو محمد: وهذه صفة قوم لم يسلموا إلا أنهم يتبرءون من موالاة الكفار فان كانوا معروفين بالكفر فالتوبة لهم مبسوطة كما ذكر تعالى في سائر الآيات التي تلونا قبل، وبالله تعالى التوفيق * وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا) إلى قوله تعالى: (بأسهم بينهم شديد) * قال أبو محمد: هذا قد يكون سرا علمه الله منه وفضحه ولم يسم قائله ويمكن أن يكون قد عرف فالتوبة لهم مبسوطة كما ذكرنا في سائر الآيات، وقال تعالى: (إذا جاءك المنافقون) إلى قوله تعالى: (ولكن المنافقين لا يعلمون) * قال أبو محمد: هذا نزل في عبد الله بن أبي كما روينا من طريق البخاري نا عمرو ابن خالد نا زهير بن معاوية نا أبو إسحق - هو السبيعي - قال: سمعت زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله وقال: لان رجعنا

(11/216)


إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل إلى عبد
الله بن أبي فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا.
كذب زيد يا رسول الله فوقع في نفسي مما قال شدة حتى أنزل الله تعالى تصديقي في (إذا جاءك المنافقون) فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم قال " وقوله.
(خشب مسندة) كانوا رجالا أجمل شئ كما روينا من طريق البخاري نا علي بن عبد الله نا سفيان قال عمرو بن دينار.
سمعت جابر بن عبد الله يقول.
كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الانصار فقال دعوها فانها منتنة فسمع ذلك عبد الله بن أبي فقال.
فعلوها أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقام عمر فقال.
يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم.
دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه قال سفيان.
فحفظته من عمر وقال.
سمعت جابرا قال.
كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم " * قال أبو محمد: أما قول الله تعالى.
(إذا جاءك المنافقون) إلى قوله تعالى.
(فهم لا يفقهون) فهم قوم كفروا بلا شك بعد ايمانهم وارتدوا بشهادة الله تعالى عليهم بذلك الا أن التوبة لهم بيقين مذكورة في الآية، وفيما رواه زيد بن أرقم من الحديث الثابت أما النص فقوله تعالى.
(يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم) وأما منع الله تعالى من المغفرة لهم فانما هو بلا شك فيما قالوه من ذلك القول.
لا في مراجعة الايمان بعد الكفر فان هذا مقبول منهم بلا شك * برهان ذلك ما سلف في الآيات التي قدمنا قبل وأيضا اطلاقهم فيه نبيه صلى الله عليه وسلم على الاستغفار لهم بقوله.
(سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) وهم قد أظهروا الايمان بلا شك والله أعلم بنياتهم * برهان ذلك ما قد ذكرناه قبل من شك جابر وابن عباس وعمر رضي الله عنهم في ابن أبي بعينه صاحب هذه القصة، وكذلك الخبر عن جابر إذ قال عمر للنبي عليه السلام دعني أضرب عنق هذا المنافق - يعني عبد الله بن أبي - فليس في هذا دليل على أنه حينئذ منافق لكنه قد كان نافق بلا شك وقد قال عمر رضي الله عنه: مثل هذا في مؤمن برئ من النفاق جملة وهو حاطب بن بلتعة - وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
" دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " دليل بين على تحريم دم
عبد الله بن أبي بن سلول بقوله عليه السلام.
" دعه " وهو عليه السلام لا يجوز أن يأمر بأن يدع الناس فرضا واجبا، وكذلك قوله عليه السلام.
" لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " بيان جلي بظاهر لفظه مقطوع على غيبه بصحة باطن أن عبد الله بن أبي من جملة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بظاهر إسلامه وأنه من جملة الصحابة المسلمين الذين لهم حكم الاسلام والذين حرم الله تعالى دماءهم الا بحقها وبيقين ندري أنه لو حل دم

(11/217)


ابن ابي لما حاباه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو وجب عليه لما ضيعه عليه السلام * ومن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل من وجب عليه القتل من أصحابه فقد كفر وحل دمه وماله لنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الباطل، ومخالفة الله تعالى، والله لقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الفضلاء المقطوع لهم بالايمان والجنة إذ وجب عليهم القتل كماعز، والغامدية، والجهينية رضي الله عنهم، فمن الباطل المتيقن، والضلال البحت، والفسوق المجرد بل من الكفر الصريح أن يعتقد أو يظن من هو مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل مسلمين فاضلين من أهل الجنة من أصحابه أشنع قتلة بالحجارة، ويقتل الحارث بن سويد الانصاري قصاصا بالمجدر بن خيار البلوي بعلمه عليه السلام دون أن يعلم ذلك أحد والمرأة التي أمر أنيسا برجمها إن اعترفت وبقطع يد المخزومية ويقول: " لو كانت فاطمة لقطعت يدها " وبقوله عليه السلام: " انما هلكت بنو اسرائيل بأنهم كانوا إذا أصاب الضعيف منهم الحد أقاموه عليه وإذا أصابه الشريف تركوه " ثم يفعل هو عليه السلام ذلك ويعطل اقامة الحق الواجب في قتل المرتد على كافر يدري أنه ارتد الآن ثم لا يقنع بهذا حتى يصلي عليه ويستغفر له وهو يدري أنه كافر وقد تقدم نهي الله تعالى له عن الاستغفار للكفار ونحن نشهد بشهادة الله تعالى بأن من دان بهذا واعتقده فانه كافر مشرك مرتد حلال الدم والمال نبرأ إلى الله تعالى منه ومن ولايته (1) من يظن به النفاق بلا خلاف فالامر فيمن
دونه بلاشك أخفى فارتفع الاشكال في هذه الآيات ولله الحمد، وصح أن عبد الله ابن أبي بعد أن كفرهو ومن ساعده على ذلك أظهروا التوبة والاسلام فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منهم ولم يعلم باطنهم على ما كانوا عليه من الكفر؟ أم على ما أظهروا من التوبة؟ ولكن الله تعالى عليم بذلك وهو بلا شك المجازي عليه يوم القيامة، وقال تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) * قال أبو محمد: هذا يخرج على وجهين لا ثالث لهما * أما من يعلم أنه منافق وكفر فانه عليه السلام يجاهده بعينه بلسانه والاغلاظ عليه حتى يتوب، ومن لم يعلم بعينه جاهده جملة بالصفة وذم النفاق والدعاء إلى التوبة، ومن الباطل البحت أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن فلانا بعينه منافق متصل النفاق ثم لا يجاهده فيعصي ربه تعالى ويخالف أمره ومن اعتقد هذا فهو كافر لانه نسب الاستهانة بأمر الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: هذا كل ما في القرآن من ذكر المنافقين قد تقصيناه والحمد لله رب
__________
(1) هنا سقط مقدار كلمتين في جميع الاصول

(11/218)


العالمين، وبقيت آثار نذكرها الآن إن شاء الله تعالى * روينا من طريق البخاري نا سعيد بن عفير نى الليث - هو ابن سعد - نا عقيل عن ابن شهاب أخبرني محمود ابن الربيع الانصاري أن عتبان بن مالك ممن شهد بدرا قال في حديث: " فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأبو بكر حين ارتفع النهار.
قال: وحسبناه على خزيرة صنعناها له قال: فثاب في البيت رجال ذوو عدد فاجتمعوا فقال قائل منهم: أين مالك بن الدخشن - أو ابن دخشن - فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقل ذلك ألا تراه قد قال لا إله الا الله يريد بذلك وجه الله قال: الله ورسوله أعلم فانا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فان الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله تعالى " * حدثنا عبد
الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق بن السليم نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا عبد الله بن مسرة نا معاذ بن هشام الدستوائي نا أبي عن قتادة عن عبيد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقولوا للمنافق سيدا فانه ان يك سيدا فقد أسخطتم ربكم " * ومن طريق مسلم نا زهير بن حرب نا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن منصور ابن المعتمر عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة فأعطى الاقرع بن حابس مائة من الابل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القمسة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما يعدل فيها وما أريد بها وجه الله قال فقلت: والله لاخبرن به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيته فأخبرته بما قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصرف ثم قال: " من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " قال ابن مسعود: قلت لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا * ومن طريق مسلم نا محمد بن المثنى.
ومحمد بن رمح قال محمد بن رمح بن المهاجر: أنا الليث ابن سعد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن أبي الزبير عن جابر، وقال ابن المثنى: نا عبد الوهاب عن عبد الحميد الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيد الانصاري يقول: أنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: أتى رجل بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوبه بلال فضة - ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس فقال: يا محمد اعدل قال: " ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ " فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية " *

(11/219)


ومن طريق البخاري نا محمد أنا مخلد بن يزيد أخبرنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار انه سمع جابر بن عبد الله يقول: " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه
ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا فغضبت الانصار غضبا شديدا حتى تداعوا فقال الانصاري: يا للانصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الانصاري فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فانها خبيثة فقال عبد الله بن أبي بن سلول: قد تداعوا علينا لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل فقال عمر بن الخطاب.
ألا تقتل يا نبي الله هذا الخبيث؟ - لعبد الله بن أبي - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " * ومن طريق مسلم نا قتيبة بن سعيد نا عبد الواحد - هو ابن زياد - عن عمارة بن القعقاع عن عبد الرحمن بن أبي نعم قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: " بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تخلص من ترابها فقسمها بين أربعة نفر.
عيينة بن بدر، والاقرع بن حابس، وزيد الخيل وشك في الرابع فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بها من هؤلاء فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال.
ألا تأمنوني وأنا أمين في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء، فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الازار فقال.
يا رسول الله اتق الله فقال.
ويلك أو لست أحق أهل الارض أن يتقي الله؟ ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد.
يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال.
لعله أن يكون يصلي، قال خالد.
وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم انه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة عن قيس بن عباد قلت: " لعمار أرأيت قتالكم هذا أرأي
رأيتموه فان الرأي يخطئ ويصيب؟ أو عهد عهد اليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال.
ما عهد الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسبه قال: حدثني حذيفة أنه قال: في أمتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم يكفيكهم الرسلة سراج من النار يظهر بين اكتافهم

(11/220)


حتى ينجم من ظهورهم " * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا أبو أحمد - هو الزبيري - نا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن أبيه عن ابن مسعود قال: " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر في خطبته ما شاء الله تعالى، ثم قال: ان منكم منافقين فمن سميت فليقم ثم قال: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى عد ستة وثلاثين ثم قال: ان منكم وان فيكم فسلوا الله العافية فمر عمر برجل مقنع قد كان بينه وبينه معرفة قال ما شأنك؟ فأخبره بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عمر: تبا لك سائر اليوم " * ومن طريق مسلم نا الحسن بن علي الحلواني نا ابن أبي مريم أنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم النبي عليه السلام اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب * ومن طريق مسلم نا زهير بن حرب أنا احمد الكوفي نا الوليد بن جميع نا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من اهل العقبة وبين حذيفة ما يكون بين الناس فقال: أنشدك الله كم كان أصحاب العقبة فقال له القوم: أخبره إذ سألك قال - يعني حذيفة - كنا نخبر أنهم أربعة عشر فان كنت فيهم فقد كان القوم خمسة عشر وأشهد بالله ان اثنى عشر منهم حزب لله ولرسوله ويوم يقوم الاشهاد وعذر ثلاثة وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه
وسلم ولا علمنا بما أراد القوم * قال أبو محمد: ليست هذه العقبة العقبة الفاضلة المحمودة قبل الهجرة تلك كانت للانصار خالصة شهدها منهم رضي الله عنهم سبعون رجلا وثلاث نسوة ولم يشهدها أحد من غيرهم الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده والعباس عمه وهو غير مسلم يومئذ لكنه شفقة على ابن أخيه * ومن طريق مسلم نا أبو كريب جعفر بن غياث عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثت هذه الريح لموت منافق وقدم المدينة فإذا عظيم من المنافقين قد مات * قال أبو محمد: وأحاديث موقوفة على حذيفة فيها أنه كان يدري المنافقين وان عمر سأله أهو منهم؟ قال.
لا ولا أخبر أحدا بعدك بمثل هذا وان عمر كان ينظر إليه فإذا حضر حذيفة جنازة حضرها عمر وان لم يحضرها حذيفة لم يحضرها عمر

(11/221)


وفي بعضها منهم شيخ لو ذاق ألما ما وجد له طعما كلها غير منسندة، وعن حذيفة قال: مات رجل من المنافقين فلم أذهب إلى الجنازة فقال.
هو منهم فقال له عمر.
أنا منهم قال.
لا، وعن محمد بن اسحاق نى عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الطفري قال.
قلت لمحمود بن لبيد هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال.
نعم والله ان كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن بني عمه ومن عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك قال محمود.
" لقد أخبرني رجل من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار فلما كان من أمر الحجر ما كان ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس أقبلنا عليه نقول.
ويحك أبعد هذا شئ؟ قال: سحابة مارة ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى كان ببعض الطريق ضلت ناقته فخرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها وعند رسول الله
صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم وكان عقيبا بدريا - وهو من بني عمرو بن مخزوم - وكان في رحل يزيد بن نصيب القينقاعي وكان منافقا فقال زيد وهو في رحل عمارة وعمارة عند النبي عليه السلام.
أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء ولا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده: إن رجلا قال هذا محمد يخبركم انه نبي ويزعم أنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته واني والله ما أعلم الا ما علمني الله وقد دلني عليها وهي في هذا الوادي من شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها فذهبوا فجاءوا بها فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال.
والله لاعجب من شئ حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه كذا وكذا للذي قال زيد بن نصيب فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي فأقبل عمارة على زيد يجافي عنقه ويقول يا آل عباد الله ان في رحلي الراهبة وما أشعر أخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني " وعن زيد بن وهب قال.
كنا عند حذيفة - وهو من طريق البخاري - فقال حذيفة.
ما بقي من أصحاب هذه الآية الا ثلاثة يعني قوله تعالى.
(قاتلوا ائمة الكفر) إلى قوله: (ينتهون) قال حذيفة.
ولا بقي من المنافقين الا أربعة فقال له اعرابي انكم أصحاب محمد تخبروننا بما لا ندري فما هؤلاء الذين ينقرون بيوتنا ويسرقون اعلافنا قال.
اولئك الفساق أجل لم يبق منهم الا اربعة شيخ كبير لو شرب الماء وجد له بردا *

(11/222)


قال أبو محمد: هذا كل ما حضرنا ذكره من الاخبار وليس في شئ منها حجة أصلا، اما حديث مالك بن الدخشن فصحيح وهو أعظم حجة عليهم لان رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر بأن شهادة التوحيد تمتع صاحبها وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نهيا عن قتال المصلين " * وأما حديث بريدة الاسلمي " لا تقولوا للمنافق سيدا "
فان هذا عموما لجميع الامة ولا يخفى هذا على أحد واذ الامر كذلك فإذا عرفنا المنافق ونهينا أن نسميه سيدا فليس منافقا بل مجاهر، وإذا عرفنا من المنافق ونحن لا نعلم الغيب ولا ما في ضميره فهو معلن لا مسر، وقد يكون هذا الحديث أيضا على وجه آخر وهو ان النبي عليه السلام قد صح عنه أن خصلا من كن فيه كان منافقا خالصا وقد ذكرناها قبل، وليس هذا نفاق الكفر لكنه منافق لاظهاره خلاف ما يضمره في هذه الخلال المذكورة في كذبه، وغدره.
وفجوره.
وأخلاقه.
وخيانته ومن هذه صفاته فلا يجوز أن يسمى سيدا ومن سماه سيدا فقد أسخط الله تعالى باخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك * وأما حديث ابن مسعود فان القائل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعدل ولا أراد وجه الله تعالى فما عمل فهو كافر معلن بلا شك، وكذلك القائل في حديث جابر إذ استأذن عمر في قتله إذ قال: اعدل يا رسول الله فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر عن ذلك واخبر بأنه لا يقتل أصحابه وكذلك أيضا في استئذان عمر في قتل عبد الله بن أبي أن هؤلاء صاروا باظهارهم الاسلام بعد أن قالوا ما قالوا: حرمت دماؤهم وصاروا بذلك من جملة أصحابه عليه السلام * قال أبو محمد: فهذا ما احتج به من رأى أن المرتد لا يقتل أصلا لان هؤلاء مرتدون بلا شك ولم يقتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قتل أصحابه الفضلاء كماعز والغامدية والجهينية إذ وجب القتل عليهم ولو كان القتل على هؤلاء المرتدين لما ضيع ذلك أصلا * قال ابو محمد: فنقول وبالله تعالى التوفيق انه لا خلاف بين أحد من الامة في أنه لا يحل لمسلم ان يسمى كافرا معلنا بأنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أنه من أصحاب النبي عليه السلام وهو عليه السلام قد أثنى على أصحابه فصح انهم أظهروا الاسلام فحرمت بذلك دماؤهم في ظاهر الامر وباطنهم إلى الله تعالى في صدق أو كذب فان كانوا صادقين في توبتهم فهم أصحابه حقا عند الناس ظاهرهم وعند الله تعالى باطنهم وظاهرهم فهم الذين أخبر رسول الله صلى اله عليه وسلم انهم لو انفق أحدنا مثل أحد ذهبا ما بلغ نصيف مد أحدهم
وان كانوا كاذبين فهم في الظاهر مسلمون وعند الله تعالى كفار، وهكذا القول في حديث

(11/223)


أبي سعيد الذي قد ذكرناه إذ استاذنه خالد في قتل الرجل فقال لا لعله أن يكون يصلي فقد صح نهي النبي عليه السلام لخالد عن قتله ولو حل قتله لما نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك واخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبب المانع من قتله وهو أنه لعله يصلي فقال له خالد رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فأخبره أنه لم يبعث ليشق عن قلوب الناس فانما عليه الظاهر وأخبرنا عليه السلام انه لا يدري ما في قلوبهم وان ظاهرهم مانع من قتلهم اصلا، وقد جاء هذا الخبر من طريق لا تصح وفيه أنه عليه السلام امر أبا بكر.
وعمر بقتله فوجده يركع ووجده الآخر يسجد فتركاه وأمر عليا بقتله فمضى فلم يجده، وأنه عليه السلام قال: لو قتل لم يختلف من أمتي اثنان وهذا لا يصح أصلا ولا وجه للاشتغال به، وأما حديث عمار في أمتى اثنا عشر منافقا فليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفهم بأعيانهم وهو اخبار بصفة عن عدد فقط ليس فيهم بيان أنهم عرفوا باسمائهم فسقط التعلق بهذا الخبر وبالله تعالى التوفيق * وأما حديث ابن مسعود فانه لا يصح فان قد روينا من طريق قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير بن حرب نا أبو نعيم عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن رجل عن أبيه عن ابن مسعود فذكر هذا الحديث وقال سفيان عن هذا الرجل الذي لم يسم عن أبيه أراه عياض بن عياض فقد أخبر أبو نعيم عن سفيان انه مشكوك فيه، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة لانهم قد انكشفوا واشتهر أمرهم فليسوا منافقين بل هم مجاهرون فلابد من أحد أمرين لا ثالث لهما، اما ان يكونوا تابوا فحقنت دماؤهم بذلك، وإما أنهم لم يتوبوا فهو مما تعلق به من لا يرى قتل المرتد على ما ذكرنا * وأما حديث ابي سعيد فانما فيه أنهم ليسوا مأمونين من العذاب وهذا ما لا شك فيه ليس فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كفرهم * وأما حديث حذيفة
فساقط لانه من طريق الوليد بن جميع وهو هالك ولا نراه يعلم من وضع الحديث فانه قد روى أخبارا فيها ان أبا بكر.
وعمر.
وعثمان.
وطلحة.
وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاءه من العقبة في تبوك وهذا هو الكذب الموضوع الذي يطعن الله تعالى واضعه فسقط التعلق به والحمد لله رب العالمين * وأما حديث جابر فراويه أبو سفيان طلحة بن نافع وهو ضعيف، ثم لو صح لما كانت فيه الحجة لانه ليس فيه الا هبوب الريح لموت عظيم من عظماء المنافقين فانما في هذا انكشاف أمره بعد موته فلم يوقن قط بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم نفاقه في حياته فلا يجوز أن يقطع بالظن على رسول الله صلى الله عليه وسلم *

(11/224)


وأما الموقوفة على حذيفة فلا تصح ولو صحت لكانت بلا شك على ما بينا من أنهم صح نفاقهم وعاذوا بالتوبة ولم يقطع حذيفة ولا غيره على باطن امرهم فتورع عن الصلاة عليهم، وفي بعضها أن عمر سأله أنا منهم فقال له لا ولا أخبر أحدا غيرك بعدك وهذا باطل كما ترى لان من الكذب المحض أن يكون عمر يشك في معتقد نفسه حتى لا يدري أمنافق هو أم لا؟ وكذلك أيضا لم يختلف اثنان من أهل الاسلام في أن جميع المهاجرين قبل فتح مكة لم يكن فيهم منافق انما كان النفاق في قوم من الاوس والخزرج فقط فظهر بطلان هذا الخبر * وأما حديث محمود بن لبيد فمنقطع ومع هذا فانما فيه انهم كانوا يعرفون المنافقين منهم وإذ الامر كذلك فليس هذا نفا قابل هو كفر مشهور وردة ظاهرة هذا حجة لمن رأى أنه لا يقتل المرتد * واما حديث حذيفة لم يبق من أصحاب هذه الآية الا ثلاثة فصحيح ولا حجة لهم فيه لان في نص الآية أن يقاتلوا حتى ينتهوا فبيقين ندري أنهم لو لم ينتهوا لما ترك قتالهم كما أمر الله تعالى، وكذلك أيضا قوله أنه لم يبق من المنافقين الا أربعة فلا شك عند أحد من الناس أن أولئك الاربعة كانوا يظهرون الاسلام وأنه لا يعلم غيب القلوب الا الله تعالى فهم
ممن أظهر التوبة بيقين لا شك فيه ثم الله تعالى أعلم بما في نفوسهم * قال أبو محمد: ويبين هذا ما رويناه من طريق البخاري نا عمر بن حفص بن غياث نا أبي نا الاعمش نى ابراهيم النخعي عن الاسود قال: كنا في حلقة عبد الله بن مسعود فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم قال الاسود: سبحان الله ان الله تعالى يقول: (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار) فتبسم عبد الله بن مسعود وجلس حذيفة في ناحية المسجد فقام عبد الله فتفرق أصحابه فرماني حذيفة بالحصى فأتيته فقال حذيفة: عجبت من ضحكه وقد علم ما قلت لقد أنزل الله النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم * روينا من طريق البخاري نا آدم بن أبي إياس نا شعبة عن واصل الاحدب عن أبي وائل شقيق ابن سلمة عن حذيفة بن اليمان قال: ان المنافقين اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا حينئذ يسرون واليوم يجهرون * قال أبو محمد: فهذان أثران في غاية الصحة في أحدهما بيان ان المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسرون وفي الثاني أنهم تابوا فبطل تعلق من تعلق بكل آية وكل خبر ورد في المنافقين وصح أنهم قسمان.
إما قسم لم يعلم باطن أمره فهذا لا حكم له في الآخرة.
وقسم علم باطن أمره وانكشف فعاذ بالتوبة قالوا: ان

(11/225)


الذي جور رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال انه لم يعدل ولا أراد بقسمته وجه الله مرتد لا شك فيه منكشف الامر وليس في شئ من الاخبار انه تاب من ذلك ولا أنه قتل بل فيها النهي عن قتله قلنا: أما هذا فحق كما قلتم لكن الجواب في هذا ان الله تعالى لم يكن أمر بعد بقتل من ارتد فلذلك لم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك نهى عن قتله ثم أمره الله تعالى بعد ذلك بقتل من ارتد عن دينه فنسخ تحريم قتلهم * برهان ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا هناد بن السري نا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق
عن عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد الخدري قال: " بعث علي - وهو باليمن - بذهيبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر الاقرع ابن حابس الحنظلي.
وعيينة بن بدر الفزاري.
وعلقمة بن علاثمة العامري.
وزيد الخيل الطائي احد بني نبهان فذكر الحديث وفيه فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس فقال: اتق الله يا محمد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله ان عصيته أيأمنني على أهل الارض ولا تأمنوني فاستأذن رجل في قتله - يرون أنه خالد بن الوليد - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل الاوثان يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لاقتلنهم قتل عاد " * حدثنا هشام ابن سعيد أنا عبد الجبار بن أحمد نا الحسن بن الحسين البجيرمي نا جعفر بن محمد نا يونس ابن حبيب نا أبو داود الطيالسي نا سلام بن سليمان - هو أبو الأحوص - عن سعيد ابن مسروق عن عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد الخدري " أن عليا بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في تربتها فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر بين عيينة ابن حصن بن بدر الفزاري.
وعلقمة بن علاثة الكلابي.
والاقرع بن حابس التميمي.
وزيد الخيل الطائي فغضبت قريش والانصار وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انما أعطيتهم أتألفهم فقام رجل غائر العينين محلوق الرأس مشرف الوجنتين ناتئ الجبين فقال: اتق الله يا محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يطع الله ان عصيته أنا أيأمنني على أهل الارض ولا تأمنوني فاستأذن عمر في قتله فأبى ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يخرج من ضئضئ هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل الاوثان والله لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد " *

(11/226)


قال أبو محمد: فصح كما ترى الاسناد الثابت ان هذا المرتد استأذن عمر بن الخطاب.
وخالد بن الوليد في قتله فلم يأذن لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك واخبر عليه السلام في فوره ذلك انه سيأتي من ضئضئه عصابة ان ادركهم قتلهم وانهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية فقد خرج عنه ومن خرج عنه بعد كونه فدخوله كدخول السهم في الرمية فقد ارتد عنه فصح انذار النبي عليه السلام بوجوب قتل المرتد وانه قد علم عن الله تعالى انه سيأمر بذلك بعد ذلك الوقت فثبت ما قلناه من ان قتل من ارتد كان حراما ولذلك نهى عنه عليه السلام ولم يأذن به لا لعمر ولا لخالد ثم انه عليه السلام نذر بأنه سيباح قتله وانه سيجب قتل من يرتد فصح يقينا نسخ ذلك الحال وقد نسخ ذلك بما رويناه عن ابن عباس.
وابن مسعود.
وعثمان.
ومعاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد رحمه الله: فإذ قد بطلت هذه المقالة من أن لا يقتل المرتد وصح أنه من قال انه تعلق بمنسوخ فلم يبق الا قول من قال يستتاب وقد ذكرناه * 2200 - مسألة - حد الزنا - قال أبو محمد رحمه الله: قال الله تعالى: (ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة) وقال تعالى: (ولا يزنون) الآية فحرم تعالى الزنا وجعله من الكبائر توعد فيه بالنار * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا محمد بن المثنى نا اسحاق بن يوسف نا الفضل بن غزوان عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن " قال عكرمة قلت لابن عباس كيف ينتزع الايمان منه قال هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها فان تاب عاد إليه هكذا وشبك بين أصابعه * ومن طريق البخاري نا آدم نا شعبة عن الاعمش عن ذكوان - هو أبو صالح - عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني
حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن والتوبة معروضة " نا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني نا احمد بن شعيب انا اسحاق بن راهويه أنا الوليد بن مسلم عن الاوزاعي قال نى سعيد بن المسيب - وابو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كلهم حدثوني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف فيرفع المسلمون إليها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن " *

(11/227)


قال أبو محمد رحمه الله: الايمان هو جميع الطاعة فأي طاعة أطاع العبد بها ربه فهي إيمان وهو بفعله إياها مؤمن وأي معصية عصى بها العبد ربه فليست إيمانا فهو بفعله إياها غير مؤمن والايمان والطاعة شئ واحد فمعنى ليس مؤمنا ليس مطيعا لله تعالى ولو كان نفي الايمان ههنا ايجابا للكفر لوجب قتل السارق ومن ذكر معه على الردة هذا لا يقوله أحد ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك ابن أيمن نا محمد بن اسماعيل الترمذي نا الحميدي نا سفيان بن عيينة عن الاعمش عن عبد الله ابن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله الا في احدى ثلاث رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد احصانه أو نفس بنفس " * وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال وهو محصور في الدار بم تقتلونني؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث رجل كفر بعد إيمان أو زنى بعد احصان أو قتل نفسا فقتل بها * قال أبو محمد رحمه الله: وعظم الله تعالى بعض الزنا على بعض وكله عظيم ولكن المعاصي بعضها أكبر من بعض فعظم الله الزنا بحليلة الجار وبامرأة المجاهد وزنا الشيخ * وروينا من طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم أنا جرير عن منصور عن أبي وائل
عن عمرو بن شرحبيل عند عبد الله بن مسعود قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله تعالى قال ان تدعو لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت ثم أي قال أن تزاني بحليلة جارك " * وبه إلى مسلم نا أبو بكر ابن أبي شيبة نا وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم الا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء فما ظنكم؟ " * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب نا محمد بن المثنى أنا محمد بن جعفر نا شعبة عن منصور قال سمعت ربعي ابن حراش يحدث عن زيد بن ظبيان رفعه إلى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم ثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم " * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب نا محمد بن العلاء نا أبو معاوية عن الاعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان.
وملك كذاب.
وعامل مستكبر " * قال احمد بن شعيب ونا عبد الرحمن بن محمد بن سلام نا محمد بن ربيعة نا الاعمش

(11/228)


عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وقال فيه الشيخ الزاني والامام الكذاب والعامل المختال " * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا أبو داود الحزامي نا عارم - هو محمد بن الفضل - نا حماد بن زيد نا عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اربعة يبغضهم الله البياع الحلاف والفقير المختال والشيخ الزاني والامام الجائر " * 2201 مسألة - ما الزنا؟ قال علي: قال الله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم) إلى قوله: (فاؤلئك هم العادون) وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال.
" الولد للفراش
وللعاهر الحجر " وقد ذكرناه باسناده فيما تقدم فصح أنه ليس الوطئ الا مباحا لا يلام فاعله أو عهرا في غير الفراش وههنا وطئان آخران، أحدهما من وطئ فراشا مباحا في حال محرمة كواطئ الحائض والمحرمة والمحرم والصائم فرضا والصائمة كذلك والمعتكف والمعتكفة والمشركة فهذا عاص وليس زانيا باجماع الامة كلها الا أنه وطئ فراشا حرم بوجه ما فإذا ارتفع ذلك الوجه حل له وطئها، والثاني من جهل فلا ذنب له وليس زانيا فبعد هذين الوطئين فليس الا من وطئ امرأته المباحة بعقد نكاح صحيح أو بملك يمين صحيح يحل فيه الوطئ أو عاهر وهو من وطئ من لا يحل له النظر إلى مجردها وهو عالم بالتحريم فهذا هو العاهر الزاني وبالله تعالى التوفيق * 2202 - مسألة حد الزنا - قال علي رحمه الله: قال الله تعالى.
(واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) الآية إلى قوله تعالى: (فأعرضوا عنهما) * قال أبو محمد رحمه الله: فصح النص والاجماع على أن هذين الحكمين منسوخان بلا شك، ثم اختلف الناس فقالت طائفة: إن قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما) ناسخ لقوله: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) إلى قوله تعالى: (أو يجعل الله لهن سبيلا) وحمل من قال هذا قوله عزوجل: (واللذان يأتيانها منكم) على أن المراد بها الزاني والزانية، وقال آخرون: ليس أحد الحكمين ناسخا للآخر لكن قوله تعالى: (فأمسكوهن في البيوت) هذا كان حكم الزواني من النساء ثيباتهن وابكارهن وقوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما) هذا حكم الزانين من الرجال خاصة الثيب منهم والبكر * قال أبو محمد رحمه الله: وهذا قول ابن عباس وغيره كما نا أبو سعيد الجعفري نا محمد بن علي الادفوي المقري نا أبو جعفر احمد بن محمد بن اسماعيل النحوي نا بكر ابن سهل نا عبد الله بن صالح نا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس انه قال في قول الله تعالى: (واللاتي تأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة

(11/229)


منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت) فكانت المرأة إذا زنت تحبس في البيت حتى تموت ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وان كانا محصنين رجما فهذا السبيل الذي جعل الله لهما، قال ابن عباس: وقوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما) فكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب النعال فأنزل الله تعالى بعد هذا (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) فان كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم * نا أبو سعيد الجعفري نا محمد بن علي الادفوي نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن اسماعيل ثنا أحمد بن محمد أنا سلمة - هو ابن شبيب - نا عبد الرزاق نا معمر عن قتادة في قول الله تعالى: (فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) قال: نسختها الحدود، وقال قتادة أيضا: في قوله تعالى: (والذان يأتيانها منكم فآذوهما) نسختها الحدود * قال أبو محمد رحمه الله: وهذا هو القول الصحيح لان قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) إلى قوله: (فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) انما فيه حكم النساء فقط وليس فيها حكم الرجال أصلا، ثم عطف الله تعالى عليها متصلا بها قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما) فكان هذا حكما زائدا للرجال مضافا إلى ما قبله من حكم النساء ولا يجوز البتة أن يقال في شئ من القرآن إنه منسوخ بكذا ولا أنه ناسخ لكذا الا بيقين لانه اخبار عن مراد الله تعالى ولا يمكن أن يعلم مراد الله تعالى منا الا بنص قرآن أو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فانها بوحي من الله تعالى أو باجماع متيقن من جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوه عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم على ذلك أو بضرورة وهو أن يتيقن تأخير أحد النصين بعد الآخر ولا يمكن استعمالهما جميعا فندري حينئذ بيقين أن الله تعالى أبطل حكم الاول بالنص الآخر، وكذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا فرق، فمن أخبر عن مراد الله تعالى منا بشئ من دين الله
تعالى بغير أحد هذه الوجوه فقد أخبر عن الله تعالى بما لا علم له وهذا هو الكذب على الله تعالى بلا شك أخبر عنه بما لم يخبر به تعالى عن نفسه فصح يقينا أن حكم النساء الزواني كان الحبس في البيوت حتى يمتن أو يجعل الله لهن سبيلا بحكم آخر وان حكم الرجال الزناة كان الاذى هذا ما لا شك فيه عند أحد من الامة ثم نسخ هذا كله بالحدود بلا خلاف من أحد من الامة وليس معنا يقين بأن حبس الزواني من النساء نسخ بالاذى، ثم نسخ عنهن الاذى بالحد هذا ما لم يأت به قرآن ولا سنة

(11/230)


ولا اجماع ولا أوجبته ضرورة فلم يجز القول به وبالله تعالى التوفيق * قال ابو محمد: فلما صح بالنص والاجماع أن الحبس والاذى منسوخان عن الزواني والزناة باليقين الذي لا شك فيه بالحدود وجب أن ننظر في الناسخ ما هو فوجدنا الناس قد أجمعوا على أن الحر الزاني والحرة الزانية إذا كانا غير محصنين فان حدهما مائة جلدة ثم اختلفوا فقالت طائفة: ومع المائة جلدة نفي سنة، وقالت طائفة: هذا على الرجل وأما المرأة فلا نفي عليها، وقالت طائفة: لا نفي في ذلك لا على رجل ولا على امرأة، ثم اتفقوا كلهم حاش من لا يعتد به بلا خلاف وليس هم عندنا من المسلمين فقالوا: ان على الحر والحرة إذا زنيا وهما محصنان الرجم حتى يموتا ثم اختلفوا فقالت طائفة: عليهما مع الرجم المذكور جلد مائة لكل واحد منهما، وقالت طائفة: ليس عليهما إلا الرجم ولا جلد عليهما، وقالت الازارقة من الخوارج ليس عليهما الا الجلد فقط ولا رجم على زان أصلا، ثم وجدنا الامة قد اتفقت بلا خلاف من أحد منهم على أن الامة إذا أحصنت فعليها خمسون جلدة * قال أبو محمد رحمه الله: ولا ندري أحدا أوجب عليها مع ذلك الرجم ولا يقطع على أن المنع من رجمها اجماع والله أعلم، ثم اختلفوا فقالت طائفة عليها نفي ستة أشهر مع الجلد، وقالت طائفة: لا نفي عليها مع ذلك أصلا ثم اختلفوا في الامة إذا لم تحصن وزنت فقالت طائفة: عليها خمسون جلدة ونفي ستة أشهر، وقالت طائفة:
ليس عليها الا خمسون جلدة فقط ولا نفي عليها، وقالت طائفة: لا شئ عليها لا جلد ولا نفي أصلا * ثم اختلفوا في حد العبد إذا زنى وهو محصن أو غير محصن فقالت طائفة: حده كحد الامة على حسب اختلافهم في النفي مع الجلد أو اسقاط النفي وقالت طائفة: حده كحد الحر الرجم أو النفي * واختلفوا في حد من بعضه حر وبعضه عبد إذا زنى من العبيد والاماء فقالت طائفة: حده حد العبد التام الرق أو الرجم والنفي والامة التامة الرق، وقالت طائفة: عليه من الجلد والنفي بحساب ما فيه من الحرية وبحساب ما فيه من الرق * قال أبو محمد رحمه الله: ونحن ان شاء الله تعالى ذاكرون جميع هذه المسائل مسألة مسألة ومتقصون ما احتجب به كل طائفة لقولها ومبينون بعون الله تعالى صواب القول في ذلك بالبراهين من القرآن والسنة كما فعلنا في سائر كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين وبه تعالى نستعين ونعتصم * 2203 - مسألة - حد الحر والحرة غير المحصنين *

(11/231)


قال أبو محمد رحمه الله: قال الله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) * قال أبو محمد رحمه الله: فجاء النص كما ترى ولم يختلف أحد من أهل القبلة في أن حكم الزاني الحر غير المحصن والزانية الحرة غير المحصنة وانما اختلف الناس في هل عليها نفي كما ذكرنا أم لا؟ وهذا باب قد تقصيناه في أبواب مجموعة صدنا بها قبل كلامنا في المرتدين ذكرنا فيها كل حكم يختص به حدان من الحدود فصاعدا وتقصينا هنالك الآثار بأسانيدها ونذكرها هنا ان شاء الله تعالى جملة مختصرة من ذلك وبالله تعالى التوفيق * فنقول إنه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " البكر بالبكر جلد مائة
وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " وصح عنه عليه السلام من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام * وعن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بأن ينفى عاما مع إقامة الحد عليه وصح أنه عليه السلام قال للذي زنى ابنه بامرأة مستأجره: على ابنك جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأة هذا الرجم "، وصح أن عمر بن الخطاب جلد امرأة زنت مائة جلدة وغربها عاما، وروي أيضا مثل ذلك عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة رضي الله عنهم ولم يرو عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم خلاف ذلك الا رواية عن علي ليس على أم الولد نفي وانما قال في البكرين يزنيان حسبهما من الفتنة أن ينفيا، وعن ابن عباس من زنى جلد وأرسل * قال أبو محمد رحمه الله: فليس قول ابن عباس من زنى جلد وأرسل دليلا على أنه لا يوجب النفي عنده بل قد يكون قوله وأرسل يريد به أن يرسل إلى بلد آخر، وكذلك قول علي حسبهما من الفتنة أن ينفيا يخرج على ايجاب النفي وأن ذلك حسبهما من البلاء * قال الله تعالى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) إلى قوله تعالى: (وليعلمن الكاذبين) والرواية عنه في أن أم الولد لا تنفى إذا زنت لا تصح على ما ذكرنا قبل * قال أبو محمد رحمه الله: وكلا القولين دعوى بلا برهان ومن عجائب الدنيا أن يجعلوا الاربعين التي زادها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حد الخمر على سبيل التعزير حدا واجبا مفترضا وهو رضي الله عنه يجلد مرة أربعين، مرة ستين، ومرة ثمانين، وكذلك عثمان بعده، وعلي، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم ثم يأتون إلى حد افترضه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فيجلعونه تعزيرا كل ذلك جرأة على الدعوى بلا برهان،

(11/232)


وادعوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " ولم يقل فلينفها دليلا على نسخ التغريب *
قال أبو محمد رحمه الله: وهذا من الباطل المحض لان هذا خبر مجمل أحال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيره فلم يذكر نفيا ولا عدد الجلد فان كان دليلا على اسقاط التغريب فهو أيضا دليل على اسقاط عدد ما يجلد وان لم يكن دليلا على اسقاط عدد ما يجلد لانه لم يذكر فيه فليس أيضا دليلا على نسخ النفي وان لم يذكر فيه، والاخبار يضم بعضها إلى بعض وأحكام الله تعالى وأحكام رسوله عليه السلام كلها حق ولا يحل ترك بعضها لبعض بل الواجب ضم بعضها إلى بعض واستعمال جميعها * قال أبو محمد رحمه الله: وأما اسقاط مالك النفي عن العبيد والاماء والنساء واثباته إياه على الحر فتفريق لا دليل على صحته لان قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره قد ورد عموما بالنفي على كل من زنى ولم يحصن ولم يخص الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم امرأة من رجل ولا عبدا من حر وما كان ربك نسيا * وقد قال الله تعالى في الاماء (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فصح أن عليهن من النفي نصف ما ينفى المحصن، وكذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقام الحد على المكاتب بنسبة ما أدى من حد الحر وبنسبة ما لم يؤد من حد العبد فبطل كل ما خالف حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم وبالله تعالى التوفيق * * حد الحر والحرة المحصنين * 2204 مسألة قال أبو محمد رحمه الله: قالت طائفة: الحر والحرة إذا زنيا وهما محصنان فانهما يرجمان حتى يموتا، وقالت طائفة: يجلدان مائة ثم يرجمان حتى يموتا، فأما الازارقة فليسوا من فرق الاسلام لانهم الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم بانهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فانهم قالوا لا رجم أصلا وانما هو الجلد فقط، فأما من روي عنه الرجم فقط دون جلد فكما نا محمد بن سعيد ابن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع عن يحيى بن أبى كثير السقا عن الزهري أن أبا بكر رضي الله عنه.
وعمر رجما ولم يجلدا *
وبه إلى وكيع نا العمري - هو عبد الله بن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال: ان عمر رجم ولم يجلد * وبه إلى وكيع نا الثوري عن مغيرة عن ابراهيم النخعي قال: يرجم ولا يجلد * وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنه كان ينكر الجلد مع الرجم

(11/233)


وبه يقول الاوزاعي.
وسفيان الثوري.
وأبو حنيفة.
ومالك.
والشافعي.
وأبو ثور.
وأحمد بن حنبل.
وأصحابهم، وأما من روي عنه الرجم والجلد معا فكما نا أبو عمر احمد بن قاسم نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم نا جدي قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي ان علي بن أبي طالب جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة فقال: أجلدها بكتاب الله وارجمها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك ابن أيمن نا اسماعيل بن اسحق القاضي نا عبد الواحد بن زياد نا حفص بن غياث عن الاعمش عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: رأيت علي ابن أبي طالب دعا بشراحة فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، فقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع نا اسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن مرة عن علي بن أبي طالب أنه قال: أجلدها بالكتاب وأرجمها بالسنة، وعن الشعبي عن أبي بن كعب أنه قال: في الثيب تزني أجلدها ثم أرجمها * وبه يقول الحسن البصري: كما نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة والرجم والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة " وكان الحسن يفتي به، وبه يقول الحسن بن حي.
وابن راهويه.
وأبو سليمان وجميع أصحابنا، وههنا قول ثالث: ان الثيب ان كان شيخا جلد ورجم فان كان شابا
رجم ولم يجلد كما روي عن أبي ذر قال: الشيخان يجلدان ويرجمان والثيبان يرجمان والبكران يجلدان وينفيان، وعن أبي بن كعب قال: يجلدون ويرجمون ولا يجلدون ويجلدون ولا يرجمون، وفسره قتادة قال الشيخ المحصن يجلد ويرجم إذا زنى والشاب المحصن يرجم إذا زنى والشاب إذا لم يحصن جلد، وعن مسروق قال: البكران يجلدان وينفيان.
والثيبان يرجمان ولا يجلدان والشيخان يجلدان ويرجمان * قال أبو محمد رحمه الله: وهذه أقوال كما ترى فأما قول من لم ير الرجم أصلا فقول مرغوب عنه لانه خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان نزل به قرآن ولكنه نسخ لفظه وبقي حكمه، حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن ذر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب كم تعدون سورة الاحزاب؟ قلت: إما ثلاثا وسبعين آية أو أربعا وسبعين

(11/234)


آية قال: ان كانت لتقارن سورة البقرة أو لهي أطول منها وان كان فيها لآية الرجم قلت: أبا المنذر وما آية الرجم قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم * قال علي: هذا اسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه، وحدثنا أيضا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا معاوية بن صالح الاشعري أنا منصور - هو ابن ابي مزاحم - نا أبو حفص - هو عمر بن عبد الرحمن - عن منصور - هو ابن المعتمر - عن عاصم بن أبي النجود عن ذر بن حبيش قال.
قال لي أبي بن كعب: كم تعدون سورة الاحزاب قلت: ثلاثا وسبعين فقال أبي: إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول وفيها آية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم، فهذا سفيان الثوري.
ومنصور شهدا على عاصم وما كذبا فهما الثقتان الامامان البدران وما كذب عاصم على ذر ولاكذب ذر على أبي *
قال أبو محمد رحمه الله: ولكنها نسخ لفظها وبقي حكمها ولو لم ينسخ لفظها لاقرأها أبي بن كعب ذرا بلا شك ولكنه أخبره بانها كانت تعدل سورة البقرة ولم يقل له أنها تعدل الآن فصح نسخ لفظها * قال علي: وقد روي هذا من طرق، منها ما ناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب انا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت قال: قال لي زيد بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة " قال عمر: لما نزلت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت اكتبنيها قال شعبة كأنه كره ذلك فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم * قال علي رحمه الله: وهذا إسناد جيد * قال علي: وقد توهم قوم ان سقوط آية الرجم انما كان لغير هذا وظنوا انها تلفت بغير نسخ، واحتجوا بما ناه احمد بن محمد ابن عبد الله الطلمنكي نا ابن منفرج نا محمد بن ايوب الصموت نا احمد بن عمر بن عبد الخالق البزار نا يحيى بن خلف نا عبد الاعلى بن عبد الاعلى عن محمد بن اسحق عن عبد الله بن ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن ابي بكر الصديق قال عبد الله عن عمرة بنت عبد الرحمن وقال عبد الرحمن عن ابيه، ثم اتفق القاسم ابن محمد.
وعمرة كلاهما عن عائشة ام المؤمنين قال: لقد نزلت آية الرجم والرضاعة

(11/235)


فكانتا في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها * قال أبو محمد: وهذا حديث صحيح وليس هو على ما ظنوا لان آية الرجم إذ نزلت حفظت وعرفت وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يكتبها نساخ القرآن في المصاحف ولا أثبتوا لفظها في القرآن، وقد سأله عمر بن الخطاب ذلك كما أوردنا
فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فصح نسخ لفظها وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة رضي الله عنها فأكلها الداجن ولا حاجة بأحد إليها، وهكذا القول في آية الرضاعة ولا فرق * وبرهان هذا انهم قد حفظوها كما أوردنا فلو كانت مثبتة في القرآن لما منع أكل الداجن للصحيفة من إثباتها في القرآن من حفظهم، وبالله تعالى التوفيق * فبيقين ندري أنه لا يختلف مسلمان في أن الله تعالى افترض التبليغ على رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ كما أمر قال الله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)، وقال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وقال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) وقال تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) فصح أن الآيات التي ذهبت لو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغها لبلغها ولو بلغها لحفظت ولو حفظت ما ضرها موته كما لم يضر موته عليه السلام كل ما بلغ فقط من القرآن وإن كان عليه السلام لم يبلغ أو بلغه فأنسيه هو والناس أو لم ينسوه لكن لم يأمر عليه السلام أن يكتب في القرآن فهو منسوخ بيقين من عند الله تعالى لا يحل أن يضاف إلى القرآن * قال أبو محمد رحمه الله: وقد روي الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة كما حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري نا بشر بن عمر الزهراني نى مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قال: إن الله بعث محمدا وانزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل آية الرجم فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله تعالى فيترك فريضة أنزلها الله وأن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف * وبه إلى أحمد بن شعيب أنا محمد بن منصور المكي نا سفيان بن عيينة عن الزهري
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: قد خشيت

(11/236)


أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله ألا وإن الرجم حق على من زنى إذا أحصن وكانت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، وقد قرأناها (الشيخ والشيخ فارجموها البتة) وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده * حدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا سليمان بن الاشعث نا مسدد نا يحيى بن سعيد القطان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة " * روينا من طريق مسلم نا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد نا أبي عن جدي نا عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه أتى رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمسجد فناداه يا رسول الله اني زنيت فذكر الحديث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " فهل أحصنت؟ قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا به فارجموه " * (مسألة) حد الامة المحصنة: قال أبو محمد: قال الله تعالى: (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فبيقين ندري أن الله تعالى اراد فإذا تزوجن ووطئن فعلين نصف ما على الحرائر المحصنات من العذاب، والحرة المحصنة فان عليها جلد مائة والرجم، وبالضرورة ندري أن الرجم لا نصف له فبقي عليهن نصف المائة فوجب على الامة المحصنة جلد خمسين فقط (فان قيل) فمن اين أوجبتم عليها نفي ستة أشهر أمن هذه الآية أم من غيرها؟ (فجوابنا) وبالله تعالى التوفيق أن القائلين ان على الامة نفي ستة أشهر قالوا: ان ذلك واجب عليهن من
هذه الآية، وقالوا: إن الاحصان اسم يقع على الحرة المطلقة فقط فان كان هذا كما قالوا فالنفي واجب على الآماء المحصنات من هذه الآية لان معنى الآية فعلين نصف ما على الحرائر من العذاب وعلى الحرائر هنا من العذاب جلد مائة ومعه نفي سنة أو رجم والرجم لا ينتصف أصلا لانه موت والموت لا نصف له أصلا، وكذلك الرجم لانه قد يموت المرجوم من رمية واحدة وقد لا يموت من ألف رمية وما كان هكذا فلا يمكن ضبط نصفه أبدا واذ لا يمكن هذا فقد أمنا ان يكلفنا الله تعالى ما لا نطيق لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم " أو كما قال عليه السلام: فسقط الرجم وبقي

(11/237)


الجلد والنفي سنة وكلاهما له نصف فعلى الامة نصف ما على الحرة منها * قال أبو محمد رحمه الله: وان كان الاحصان لا يقع في اللغة إلا على الحرية فقط فالنفي لا يجب على الاماء من هذه الآية، وما نعلم الاحصان في اللغة العربية والشريعة يقع إلا على معنيين على الزواج الذي يكون فيه الوطئ فهذا اجماع لا خلاف فيه وعلى العقد فقط ولا نعلمه يقع على الحرة المطلقة فقط فلا يجوز أن يقع في الدين الا بيقين لانه اخبار عن الله تعالى ولا يحل لمن له تقوى أو عقل أن يخبر عن الله تعالى الا بيقين ولسنا والله نحن كمن يقول: ان الدين مأخوذ بالظنون فقط ولكن النفي واجب على الاماء إذا زنين من موضع آخر وهو الخبر الذي ناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن اسماعيل بن ابراهيم ابن علية نا يزيد بن هرون أنا حماد ابن سلمة عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه وأقيم عليه الحد بحساب ما عتق منه " * وبه إلى أحمد بن شعيب أنا محمد بن عيسى الدمشقي نا يزيد بن هرون نا حماد بن سلمة عن أيوب السختياني.
وقتادة قال قتادة: عن خلاس بن عمرو عن علي بن أبي طالب، وقال أيوب: عن عكرمة عن ابن عباس ثم اتفقا علي، وابن عباس كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ويقام عليه الحد بقدر ما عتق منه ويرث بقدر ما عتق منه " وهذا اسناد في غاية الصحة فوجب ضرورة أن يكون حد الامة بنسبته من حد الحرة عموما في جميع ماله نصف من حد الحرة فوجب ضرورة أن حد الامة المتزوجة نصف حد الحرة من النفي والجلد وأن لا يخص من ذلك شئ لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص من ذلك ولا أحد من الامة أجمع على تخصيصه ولا جاء القرآن بتخصيصه فوجب نفيها ستة أشهر وجلدها خمسون جلدة وبالله تعالى التوفيق * 2205 - مسألة - حد المملوك إذا زنى، وهل عليه وعلى الامة المحصنة رجم أم لا؟ * قال أبو محمد: اختلف الناس في المملوك الذكر إذا زنى فقالت طائفة: إن حده حد الحر من الجلد والنفي والرجم كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا عبد الله بن ادريس الاودي نا ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: قدمت المدينة وقد أجمعوا على عبد زنى وقد أحصن بحرة أنه يرجم الا عكرمة فانه قال: عليه نصف الحد قال مجاهد:

(11/238)


واحصان العبد أن يتزوج الحرة واحصان الامة أن يتزوجها الحر وبهذا يأخذ أصحابنا كلهم، وقال أبو ثور: الامة المحصنة والعبد المحصن عليهما الرجم الا أن يمنع من ذلك اجماع، وقال الاوزاعي: إذا أحصن العبد بزوجة حرة فعليه الرجم وان لم يعتق فان كان تحته أمة لم يجب عليه الرجم إن زنى وإن عتق، وكذلك قال أيضا: إذا أحصنت الامة بزوح حر فعليها الرجم وان لم تعتق ولا تكون محصنة بزوج عبد، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد: حد العبد المحصن وغير المحصن
والامة لا رجم في شئ من ذلك * قال أبو محمد: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في ذلك فيما احتج به أصحابنا لقولهم فوجدناهم يقولون: (الزانية والزاني) الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " قالوا: فجاء القرآن والسنة بعموم لا يحل أن يخص منه إلا ما خصه الله تعالى ورسوله عليه السلام فوجدنا النص من القرآن والسنة قد صح بتخصيص الاماء من جملة هذا الحكم بأن على المحصنات منهن نصف ما على المحصنات الحرائر، وكذلك النص الوارد في الامة التي لم تحصن فخصصنا الاماء بالقرآن ولاسنة وبقي العبد وما كان ربك نسيا، وبيقين ندري أن الله تعالى لو أراد أن يخص العبيد لذكرهم كما ذكر الاماء ولما أغفل ذلك ولا اهمله والقياس كله باطل ودعوى بلا برهان، وكل ما يشغبون به في إثبات القرآن فحتى لو صح لهم وهو لا يصح لهم منه شئ أصلا لما كان في شئ منه إيجاب تخصيص القرآن به ولا إباحة الاخبار عن مراد الله تعالى إذ لا يجوز أن يعرف مغيب أحد بقياس قالوا: فوجب أن يكون حكم العبد كحكم الحر في حد الزنا، ثم نقول لاصحاب القياس قد أجمعتم على أن حد العبد كحد الحر في الردة وفي المحاربة وفي قطع السرقة فيلزمكم على أصولكم في القياس أن تردوا ما اختلف فيه من حكمه في الزنا إلى ما اتفقتم فيه من حكمه في الردة والمحاربة والسرقة بالقتل رجما والقتل صلبا أو بالسيف أشبه من القتل رجما بالجلد قالوا.
لا ولا سيما المالكيون المشغبون باجماع أهل المدينة وهذا اجماع الا عكرمة قد خالفوه * (فان قالوا) إن راوي هذا الخبر ليث بن أبي سليم وليس بالقوي (قلنا لهم): رب خبر احتججتم فيه لانفسكم بليث ومن هو دون ليث كجابر الجعفي عن الشعبي " لا يؤمن احد بعدي جالسا، وليث اقوى من جابر بلا شك، ثم نظرنا فيما احتج به أبو ثور فوجدنا من حجته أن قال:

(11/239)


قال الله تعالى: (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) (قلنا): أمر الله تعالى بالمخالفة بين حد الامة وحد الحرة فيما له نصف وليس ذلك الا الجلد والتغريب فقط وأما الرجم فلا نصف له أصلا فلم يكن للرجم في هذه الآية دخول اصلا ولا ذكر، وكذلك لم يكن له ذكر في قوله تعالى: (والزانية والزاني) الآية، ووجدنا الرجم قد جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أحصن، وكذلك جاء عن عمر رضي الله عنه.
وغيره من الصحابة الرجم على من أحصن جملة ولم يخص حرا من عبد ولا حرة من أمة فوجب أن يكون الرجم واجبا على كل من أحصن من حر أو عبد أو حرة أو أمة بالعموم الوارد في ذلك إلا أن جلد الامة نصف جلد الحرة ونفيها نصف أمد الحرة * قال أبو محمد رحمه الله: فنظرنا في هذين الاحتجاجين فوجدناهما صحيحين إذ لم يرد نص صحيح يعارضهما فنظرنا في ذلك فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال إذ أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه واقيم عليه الحد بحساب ما عتق منه وقد ذكرناه باسناده في الباب الذي قبل هذا متصلا به فاغنى عن اعادته، فاقتضى لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه في هذا الخبر حكم المماليك في الحد بخلاف حكم الاحرار جملة إذ لو كان ذلك سواء لما كان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقام عليه الحد بحساب ما عتق منه معنى أصلا، ولكان المكاتب الذي عتق بعضه كأنه حر كله هذا خلاف حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد رحمه الله: فإذ قد صح أن حكم أهل الردة في الحدود خلاف حكم الحر فليس الا أحد وجهين لا ثالث لهما ولابد من أحدهما اما أن لا يكون على المماليك حد أصلا وهذا باطل بما أوردناه أيضا باسناده في الباب المتصل بهذا الباب واسناده * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب أنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام نا اسحق بن يوسف الازرق عن سفيان الثوري عن عبد الاعلى - هو ابن عبد الاعلى
التغلبي - عن ميسرة - هو ابن جميلة - عن علي بن أبي طالب " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " فكان هذا عموما موجبا لوقوع الحدود على العبيد والاماء، واما أن يكون للمماليك حد مخالف لحكم حدود الاحرار وهذا هو الحق إذ قد بطل الوجه الآخر ولم يبق الا هذا، والحق في أحدهما ولابد مع ورود هذين النصين الذين ذكرنا من وجوب اقامة الحدود على ما ملكت أيماننا وانهم في ذلك بخلاف حدود الاحرار، فإذ قد وجب هذا بلا شك فلم يكن بد من تحديد حد المماليك بخلاف حكم الاحرار في الحدود، فقد صح اجماع القائلين بهذا القول وهم أهل الحق على أن

(11/240)


حكم المماليك في الحد نصف حد الحر فكان هذا حجة صحيحة مع صحة الاجماع المتيقن على اطباق جميع أهل الاسلام على أن حد العبد والامة ليس يكون أقل من نصف حد الحر ولا أكثر من نصف حد الحر، ولم يأت بهذا نص قط فهذا اجماع صحيح متيقن على ابطال القول بأن يكون حد المملوك أو المملوكة أقل من نصف حد الحر أو اكثر من نصف حد الحر فبطل بالنصوص المذكورة * قال أبو محمد رحمه الله: فلو لا نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على اقامة الحدود على ما ملكت أيماننا لكانت الحدود عنهم ساقطة جملة فإذ قد صحت الحدود عليهم فلا يجوز أن يقام عليهم منها الا ما أوجبه عليه نص أو اجماع ولا نص ولا اجماع بوجوب الرجم عليهم ولا بايجاب ازيد من خمسين جلدة ونفي نصف سنة فوجب الاخذ بما أوجبه النص والاجماع واسقاط ما لا نص فيه ولا اجماع وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد رحمه الله: فصح بما ذكرنا أن قول الله تعالى: (والزانية والزاني فاجلدوا) الآية انما عنى بلا شك الاحرار والحرائر، وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم انما عنى به عليه السلام الاحرار والحرائر لا العبيد ولا الاماء، وأما من لم يصحح الحديث الذي
أوردنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يقام الحد على المكاتب بقدر ما عتق منه ولم يصحح الحكم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " ولم يعتمد في الرجم الا على الاحاديث الواردة في رجم ماعز.
والغامدية.
والجهينية رضي الله عنهم فانه لا مخلص لهم من دليل أبي ثور وأصحابنا ولا نجد البتة دليلا على اسقاط الرجم عن الامة المحصنة والعبد المحصن فان رجع إلى القياس فقال: أقيس العبد على الامة قيل له القياس كله باطل ولو كان حقا لما كان لكم ههنا وجه من القياس تتعلقون به في اسقاط الرجم أصلا لان قول الله تعالى: (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) ليس فيه نص ولا دليل على اسقاط الرجم عنها ولا نجد دليلا على اسقاطه أصلا لا سيما من قال: احصانها هو اسلامها وأنه أيضا يلزمه أن تكون كل حرة مسلمة محصنة ولابد وان لم تتزوج قط لان احصانها ايضا اسلامها، ومن الباطل المحال أن يكون اسلام الامة احصانا لها ولا يكون اسلام الحرة احصانا لها فإذا وجب هذا ولابد فواجب أن تكون الآية المذكورة يعني قوله تعالى: (فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) اللواتي لم يتزوجن من الاماء والحرائر لان أهل هذه المقالة لا يرون

(11/241)


المحصنات ههنا الا الحرائر اللواتي لم يتزوجن فهن عندهم اللواتي لعذابهن نصف، وأما الرجم الذى هو عندهم عذاب المتزوجات فقط لا عذاب عليهن عندهم غيره فلا نصف له فإذا لزمهم هذا واقتضاه قولهم فواجب أن تبقي الامة المحصنة بالزواج والحرة المحصنة بالزواج زعلي وجوب الرجم الذي انما وجب عندهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم من زأحصن فقط وبالله تعالى التوفيق * 2206 - مسألة - وجدت امرأة ورجل يطؤها فقالت: هو زوجي وقال هو: هي زوجتي وذلك لا يعرف *
قال أبو محمد رحمه الله: اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: لا حد عليهما كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا موسى بن معاوية نا وكيع نا داود بن يزيد الزعاوي عن أبيه أن رجلا وامرأة وجدا في حرب مراد فرفعا إلى علي بن أبي طالب فقال ابنة عمي تزوجتها فقال لها علي ما تقولين؟ فقال لها الناس قولي نعم فقالت نعم فدرأ عنهما، حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عون الله نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار بندار نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن الحكم بن عتيبة.
وحماد بن سليمان أنهما قالا في الرجل يوجد مع المرأة فيقول هي امرأتي انه لا حد عليه قال شعبة فذكرت ذلك لايوب السختياني فقال ادرءوا الحدود ما استطعتم * قال أبو محمد رحمه الله: وبه يقول أبو حنيفة، والشافعي، وقالت طائفة: عليهما الحد كما نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى ابن معاوية نا وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم النخعي في الرجل يوجد مع المرأة فيقول: هي امرأتي فقال ابراهيم: ان كان كما يقول لم يقم على فاجر حد، حدثنا محمد ابن سعيد بن نبات نا احمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن المغيرة عن ابراهيم النخعي في الرجل يوجد مع المرأة فيقول هي امرأتي قال: عليه الحد * حدثنا عبد الله بن ربيع نا ابن مفرج نا قاسم ابن اصبغ نا ابن وضاح نا سحنون نا ابن وهب عن غير واحد عن الاوزاعي قال: سألت ابن شهاب عن الرجل يوجد مع المرأة؟ فيقول تزوجتها فقال: يسأل البينة فان جاء ببينته والا وقع عليه الحد * وبه يقول مالك.
وأصحابه، وقال عثمان البتي: ان كانا لا يعرفان فلا حد عليهما فان كانا معروفين فان كان يرى قبل ذلك يدخل إليها ويذكر ذلك فلا حد عليه وان لم يكن شئ من ذلك فعليهما الحد * قال أبو محمد رحمه الله: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب ان ننظر في ذلك فوجدنا

(11/242)


من قال لا حد عليهما يحتج بأن قال: هو قول روي عن علي بن أبي طالب بحضرة الصحابة ولا مخالف له منهم فلا يجوز تعديه وقالوا ادرءوا الحدود بالشبهات وأوجب هذه شبهة قوية وقالوا لا خلاف بين أحد من الامة في أن رجلا لو وجد يطأ أمة معروفة لغيره فقال الذي عرف ملكها له قد كان اشتراها مني وقال هو كذلك وأقرت هي بذلك أنه لا حد عليهما فهذا مثله * قال أبو محمد رحمه الله: ما نعلم لهم حجة غير ما ذكرنا وكل هذا لا حجة لهم فيه، أما قولهم انه قول روي عن علي فهذا لا حجة لهم فيه لانه لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يلزمنا، وأما قولهم: ادرءوا الحدود ما أمكنكم فقد ثبت بطلان هذا القول وانه لا يحل درء حد بشبهة ولا إقامته بشبهة في دين الله تعالى وانما هو الحق واليقين فقط ويكفي من بطلان قول من قال: ادرءوا الحدود بالشبهات إنه قول لم يأت به قرآن ولا سنة وانما جاء القرآن والسنة بتحريم دم المسلم وبشرته حتى يثبت عليه حد من حدود الله تعالى فإذا ثبت لم يحل درءه أصلا فيكون عاصيا لله تعالى، وأما قولهم في تنظيرهم ذلك بالامة المعروفة لانسان فيوجد معها رجل فيقول قد صارت إلي وملكتها ويقول سيدها بذلك ودعواهم الاجماع في ذلك قول بالظن لا يصح وما عهدنا قول مالك المشهور فيمن قامت عليه بينة بأنه اخرج من حرزه مالا مستترا بذلك فادعى ان صاحب ذلك الشئ أمره بذلك أو أنه وهبه وأقر صاحب المال بذلك بأنه لا يلتفت إلى ذلك بل تقطع يده ولا بد * قال أبو محمد رحمه الله: والذي نقول به أن من وجد مع امرأة يطؤها وقامت البينة بالوطئ فقال هو إنها امرأتي أو قال أمتي فصدقته في ذلك فان كان غريبين أو لا يعرفان فلا شئ عليهما ولا يعرض لهما ولا يكشفان عن شئ لان الاجماع قد صح بنقل الكواف ان الناس كانوا يهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم افذاذا ومجتمعين من اقاصي اليمن ومن جميع بلاد العرب بأهليهم ونسائهم وإمائهم وعبيدهم فما حيل بين أحد وبين من
زعم انها امرأته أو أمته ولا كلف احد على ذلك بينة، ثم على هذا إجماع جميع اهل الاسلام وجميع أهل الارض من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والى يومنا هذا لا يزال الناس يرحلون بأهليهم وإمائهم ورقيقهم ولا يكلف أحد منهم بينة على ذلك بل تصدق أقوالهم في ذلك مسلمين كانوا أو كفارا فإذ قد صح النص بهذا والاجماع فلا يجوز مخالفة ذلك فان كانت هي معروفة في البلد ومعروف أنه لا زوج لها فان أمكن ما يقول فلا شئ عليهما لان أصل دمائهما وأبشارهما على التحريم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن

(11/243)


دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام " فلا يجوز اباحة ما حرم الله تعالى الا بيقين لا شك فيه وان كان كذبهما في ذلك متيقنا فالحد واجب عليهما وان قال هي أمتي وصدقه صاحبها الذي عرف ملكها له وأقر أنه قد كان وهبها له أو كان باعها منه صدق ولا شئ عليهما في ذلك فان كذبه حد إلا أن يأتي ببينة على صحة دعواه فلو قال: هي أمتي وقالت هي بل أنا زوجته أو قال هي زوجتي وقالت هي بل أنا أمته أو قالت بل أم ولده فقد اتفقا على صحة الفراش فلا حد في ذلك وهي على الحرية حتى يقيم هو بينة بملكه لها فان لم يفعل حلف لها فيما يدعيه من الزوجية وفرق بينهما لان الملك قد بطل إذا لم تقم بينة والناس على الحرية حتى يصح الرق والزوجية لم تثبت لا باقرارهما ولا ببينة وانما يحكم عليهما من الآن وأما إذا كانت أمة معروفة لانسان فأنكر سيدها خروجها عن ملكه إلى الذي وجد معها فالحد عليها وعلى الذي وجد معها الا أن يأتي ببينة على ذلك وله على سيدها اليمين ولا بد * 2207 - مسألة - فيمن وجد مع امرأة فشهد له ابوها أو اخوها بالزوجية * قال أبو محمد رحمه الله: فلو وجد يطأ امرأة معروفة وهو مجهول أو معروف فادعى هو وهي الزوجية وشهد لهما بذلك ابوها أو اخوها فان مالكا قال: عليهما الحد وقال اصحابنا: ان كان اللذان شهدا لهما عدلين صح العقد وبطل الحد وبهذا نأخذ
فان لم يكونا عدلين فالحد عليهما ما لم يكن على صحة النكاح بينة أو استفاضة لان اليقين صح أنهما غير زوجين وانها حرام عليه فلا ينتقل التحريم إلى التحليل ولا ينتقلان إلى حكم الزوجية الا بيقين من بينة أو استفاضة * 2208 - مسألة - هل يصلي الامام وغيره على المرجوم أم لا؟ * قال أبو محمد رحمه الله: نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب ابن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا عبد الاعلى نا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري " أن رجلا من أسلم يقال له ماعز ابن مالك رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا من العشى فقال: أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس على أن لا أوتي برجل فعل ذلك الا نكلت به قال فما استغفر له ولا سبه " * حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني عبد الله بن أبي بكر أخبرني أيوب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلى الظهر يوم أمر بماعز يرجم فطول الاوليين من الظهر حتى

(11/244)


كاد الناس يعجزون عنها من طول القيام فلما انصرف أمر به فرجم فلم يقتل حتى رماه عمر ابن الخطاب بلحي بعير فأصاب رأسه فقتله فقال رجل لماعز حين فاضت نفسه أتصلي عليه يا رسول الله؟ قال: لا فلما كان الغد صلى الظهر فطول الركعتين الاولتين كما طولهما بالامس أو أخر بأشياء فلما انصرف قال: صلوا على صاحبكم فصلى عليه النبي عليه السلام والناس " * حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابي سلمة عن جابر بن عبد الله " أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض - فذكر الحديث وفيه - فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرجم بالمصلى فلما أذلفته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خيرا
ولم يصل عليه " * قال أبو محمد رحمه الله: فذهب إلى هذا قوم فقالوا لا يصلي عليه الامام ويصلي عليه غيره، وذهب آخرون إلى أن الامام يصلي على المرجوم والمرجومة كسائر الموتى ولا فرق، روينا من طريق البخاري نا محمود نا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن جابر قال: " ان رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع - مرات فذكر الحديث وفيه - فأمر به فرجم بالمصلي فلما أذلفته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا وصلى عليه " * قال أبو محمد رحمه الله: فهذا مما اختلف فيه محمود بن غيلان.
واسحق بن ابراهيم الدبري على عبد الرزاق فرواية الدبري عنه في هذا الخبر ولم يصل عليه ورواية محمود عنه في هذا الخبر وصلى عليه فالله أعلم أيهما وهم * ومن طريق مسلم نا محمد بن عبد الله بن نمير نا أبي نا عبد الله بن بريدة عن أبيه فذكر حديث الغامدية وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس فرجموها ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت * ومن طريق مسلم نا أبو غسان المسمعي نا معاذ - يعني ابن هاشم الدستوائي - نى أبي عن يحيى بن أبي كثير نى ابو قلابة أن أبا المهلب حدثه عن عمران ابن الحصين " أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا وذكر الحديث، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر بن الخطاب أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت بأفضل من أن جادت بنفسها لله؟ " ففي هذه الآثار صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجهينية بنفسه بلا خلاف وأمره بالصلاة على

(11/245)


الغامدية بلا خلاف وصلاته على ماعز رضي الله عنه باختلاف، وهذه الآثار في غاية
الصحة وبهذا يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين رجم شراحة فقالوا كيف نصنع بها؟ قال اصنعوا بها كما تصنعون بنسائكم إذا متن في بيوتكم * قال أبو محمد رحمه الله: والذي نصنع بنسائنا إذا متن في بيوتنا هو أن يغسلن ويكفن ويصلي عليهن الامام وغيره هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الامة وبالله تعالى التوفيق * 2209 - مسألة - في امرأة أحلت نفسها أو تزوج رجل خامسة أو دلست أو دلست بنفسها لاجنبي * قال أبو محمد رحمه الله: حدثنا عبد الله بن ربيع نا ابن مفرج نا قاسم بن اصبغ نا ابن وضاح نا سحنون نا ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب انه قال في المرأة تقول للرجل اني حل لك فيمسها على ذلك فنلد منه انه يرجم ولا يرثه ذلك الولد * قال ابو محمد: ليس لاحد ان يحل ما حرم الله تعالى فاحلالها نفسها باطل وهو زنا محض وعليه الرجم والجلد ان كانا محصنين ولا يلحق في هذا ولد أصلا إذا لم يكن عقد فان كانا جاهلين فلا شئ عليهما وان كان احدهما جاهلا والآخر عالما فالحد على العالم دون الجاهل * وعن بكير بن الاشج انه قال في امرأة انطلقت إلى جاريتها فهيأتها بهيئتها وجعلتها في حجلتها وجاء زوجها فوطئها قال تنكل المرأة ولا جلد على الرجل وعلى الجارية حد الزنا ان كانت تدري ان ذلك لا يحل، ولو ان امرأة دلست نفسها لاجنبي فوطئها يظن انها امرأته فهي زانية ترجم وتجلد ان كانت محصنة أو تجلد وتنفى ان كانت غير محصنة ولا يلحق الولد في ذلك * قال ابو محمد: في امرأة وجدت مع رجل ولها زوج فقالت تزوجني نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: اخبرني بعض اهل الكوفة ان علي بن ابي طالب رجم امرأة كانت ذات زوج فجاءت ارضا فتروجت ولم تشك ان ما جاءها موت زوجها ولا طلاقه، وعن ابن شهاب انه قال نرى في امرأة
حرة كانت تحت عبد فتحولت ارضا اخرى فتزوجت رجلا قال: نرى عليها الحد ولا نرى على الذي تزوجها شيئا ولا على الذي أنكحها إن كان لا يعلم انها كان لها زوج * قال ابو محمد رحمه الله: واما من تزوج خامسة فان حماما قال: حدثنا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في الرجل يتزوج

(11/246)


الخامسة قال: يجلد فان طلق رابعة من نسائه طلقة أو طلقتين ثم تزوج الخامسة قبل انقضاء عدة التي طلق جلد مائة * وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال ابن شهاب: في رجل نكح الخامسة فدخل بها قال: ان كان قد علم ذلك ان الخامسة لا تحل رجم وان كان جاهلا جلد أدنى الحدين ولها مهرها بما استحل منها ثم يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا فان علمت رجمت ان أحصنت وجلدت ان لم تحصن فان لم تعلم ان تحته أربع نسوة فلا عقوبة عليها فان ولدت لم يرثه ولدها، وعن ابراهيم النخعي في الذي ينكح الخامسة متعمدا قبل ان تنقضي عدة الرابعة من نسائه أنه يجلد مائة ولا ينفى، وقال آخرون: غير هذا كما روي عن الاوزاعي قال: سألت ابن شهاب عن الرجل يتزوج الاخت على الاخت والخامسة وهو يعلم أنه حرام قال يرجم ان كان محصنا قال ابن وهب: وسمعت الليث يقول ذلك، وقال مالك، والشافعي، واصحابنا: يرجم الا ان يعذر بجهل * قال أبو محمد رحمه الله: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في ذلك فوجدنا من قال لا حد على من تزوج خامسة يحتج بما ذكرنا في أول الباب الذي قبل هذا متصلا به في الكلام في المرأة تتزوج ولها زوج والرد عليه قد ذكرناه هنالك أيضا بما جملته أنه ليس زواجا لان الله تعالى حرمه واذ ليس زواجا فهو عهر فإذ هو عهر فعليه حد الزنى وعليها كذلك ان كانا عالمين بأن ذلك لا يحل ولا يلحق فيه الولد أصلا فان كانا جاهلين فلا حد في ذلك لما ذكرنا ويلحق الولد وان كان أحدهما جاهلا والآخر
عالما فالحد على العالم ولا شئ على الجاهل، وأما من قال أنه يجلد أدنى الحدين فليس بشئ لما ذكرنا هنالك من أنه زان أو غير زان فان كان زانيا فعليه حد الزنا كاملا وان كان غير زان فلا شئ عليه لان بشرته حرام الا بقرآن أو بسنة وبالله تعالى التوفيق * 2210 - مسألة - امرأة تزوجت في عدتها ومن طلق ثلاثا قبل الدخول أو بعده ثم وطئ * قال أبو محمد رحمه الله: روي عن سعيد بن المسيب ان امرأة تزوجت في عدتها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فضربها دون الحد وفرق بينهما، وعن الشعبي أنه قال: في امرأة نكحت في عدتها عمدا قال: ليس عليها حد، وعن ابراهيم النخعي بمثله * قال أبو محمد رحمه الله: والاسناد إلى عمر منقطع لان سعيدا لم يلحق عمر رضي الله عنه سماعا الا نعيه النعمان بن مقرن على المنبر، ولا تخلو الناكحة في عدتها بأن تكون عالمة بأن ذلك لا يحل أو تكون جاهلة بأن ذلك محرم أو غلطت في العدة فان كانت جاهلة

(11/247)


أو غلطت في العدة فلا شئ عليها لانها لم تعمد الحرام والقول قولها في الغلط على كل حال فان كانت عالمة بأن ذلك لم يحل ولم تغلط في العدة فهي زانية وعليها الرجم وقد يمكن أن يضربها عمر رضي الله عنه تعزيرا لتركها التعلم من دينها ما يلزمها فهو مكان التعزير، وأما من أسقط الحد في العمد في ذلك فانه ان طرد قوله لزمه المصير إلى قول أبي حنيفة في سقوط الحد عمن تزوج أمه وهو يدري أنها أمه وانها حرام وعمن تزوج ابنته كذلك أو أخته كذلك وتزوج نساء الناس وهن تحت أزواجهن عمدا دون طلاق ولا فسخ وهذا هو الاطلاق على الزنا بل هو الاستخفاف بكتاب الله تعالى، وأما من أسقط الحد في بعض ذلك واوجبه في بعض قاقض فان تعلقوا بعمر فقد قلنا إنه ليس في الاثر عن عمر انها كانت عالمة بانقضاء العدة ولا بالتحريم فلا متعلق لهم بذلك *
قال أبو محمد رحمه الله: والقول في ذلك كله واحد وهو أن كل عقد فاسد لا يحل فالفرج به لا يحل ولا يصح به زواج فهما أجنبيان كما كانا والوطئ فيه من العالم بالتحريم زنا مجرد محض وفيه الحد كاملا من الرجم أو الجلد أو التعزير ولا يلحق فيه ولد أصلا ولا مهر فيه ولا شئ من أحكام الزوجية وان كان جاهلا فلا حد ولا يقع في ذلك شئ من أحكام الزوجية إلا لحاق الولد فقط للاجماع وبالله تعالى التوفيق، وأما من طلق ثلاثا ثم وطئ فان كان عالما ان ذلك لا يحل فعليه حد الزنى كاملا وعليها كذلك لانها أجنبية فان كان جاهلا فلا شئ عليه ولا يلحق الولد ههنا أصلا لانه وطئ فيما لا عقد له معها لا صحيحا ولا فاسدا وبالله تعالى التوفيق * 2211 مسألة من تزوجت عبدها * قال أبو محمد رحمه الله: حدثنا محمد ابن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع عن سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن الحكم بن عتيبة ان عمر بن الخطاب كتب في امرأة تزوجت عبدها فعزرها وحرمها على الرجال * وبه إلى وكيع نا الاسود ابن شيبان عن أبي نوفل عن أبي عقرب قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب فقالت يا أمير المؤمنين اني امرأة كما ترى غيري من النساء أجمل مني ولي عبد قد رضيت أمانته فأردت أن أتزوجه فبعث عمر إلى العبد فضربه ضربا وأمر بالعبد فبيع في أرض غربة، وعن ابن شهاب عن ابن سمعان قال: كان ابو الزبير يحدث عن جابر بن عبد الله الانصاري انه قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب ونحن بالجابية نكحت عبدها فتلهف عليها وهم برجمها ثم فرق بينهما وقال للمرأة: لا يحل لك ملك يمينك * قال ابو محمد رحمه الله: القول في هذا كله واحد كل نكاح لم يبحه الله تعالى فلا

(11/248)


يجوز عقده فان وقع فسخ أبدا لانه ليس نكاحا صحيحا جائز فان وقع فيه الوطئ فالعالم بتحريمه زان عليه الحد حد الزنا كاملا فهو أو هي أو كلاهما ومن كان جاهلا فلا شئ عليه
والولد فيه لاحق للاجماع ومن قذف الجاهل حد لانه ليس زانيا ولو كان زانيا لحد حد الزنا ولا يحل للمرأة عبدها فان وطئها فكما قلنا ان كانت عالمة ان هذا لا يحل فهي زانية وترجم ويجلدها ان كانت محصنة أو تجلد وتنفى ان كانت غير محصنة والعبد كذلك ولا يلحق الولد فان كانت جاهلة فلا شئ عليها ويلحق الولد بها أما التفريق فلا بد منه، واما التحريم على الرجال فلا يحرم بذلك لان الله تعالى لم يوجب ذلك، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فان أعتقته بشرط ان يتزوجها فالعتق باطل مردود لانه علق بشرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإذا بطل الشرط بطل عقد لم يعقد الا بذلك الشرط ولا يجوز انفاذ العقد لان العاقد له لم يعقده قط منفردا من الشرط فلا يحل ان بمضي عليه عقد لم يعقده على نفسه قط لانه لم يوجب عليه ذلك قرآن.
ولا سنة صحيحة.
ولا اجماع فان أعتقته بغير شرط ثم تزوجها زواجا صحيحا فهو جائز * قال أبو محمد رحمه الله: (فان قالوا): من أين أوجبتم الحد وعمر بن الخطاب لم يحد في ذلك ولا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف؟ (قلنا): ان عمر رضي الله عنه قد هم برجمها فلولا أن الرجم عليها كان واجبا ما هم وإنما ترك رجمها إذ عرف جهلها بلا شك ونحن أيضا لا نرى حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذ يحتجون بقول عمر رضي الله عنه فيلزمكم ان تحرموها على الرجال في الابد كما جاء عن عمر، وبالله تعالى التوفيق * 2212 مسألة - المحلل والمحلل له - قال ابو محمد رحمه الله: حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا احمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا شعبة عن الاعمش عن المسيب بن رافع عن قبيصة بن جابر الاسدي قال: قال عمر بن الخطاب: لاأوتي بمحلل أو محلل له الا رجمته * قال أبو محمد: عهدنا بالحنيفيين، والمالكيين، والشافعيين يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم وكلهم قد خالفوا عمر بن الخطاب وهم يقلدونه فيما هو
عنه من طريق لا تصح والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق أن كل نكاح انعقد سالما مما يفسده ولم يشترط فيه التحليل والطلاق فهو نكاح صحيح تام لا يفسخ وسواء اشترط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشترط لان كل ناكح لمطلقة ثلاثا فهو محلل ولا بد فالتحليل المحرم هنا هو ما انعقد عقدا غير صحيح، وأما إذا عقد النكاح على شرط التحليل ثم

(11/249)


الطلاق فهو عقد فاسد ونكاح فاسد فان وطئ فيه فان كان عالما أن ذلك لا يحل فعليه الرجم والحد لانه زنا وعليها إن كانت عالمة مثل ذلك ولا يلحق الولد فان كان جاهلا فلا حد عليه ولا صداق والولد لاحق وبالله تعالى التوفيق، وهكذا القول في كل عقد فاسد بالشغار.
والمتعة والعقد بشرط ليس في كتاب الله تعالى اي شرط كان وبالله تعالى التوفيق * 2213 مسألة - المستأجرة للزنا أو للخدمة والمخدمة * قال ابو محمد: حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق نا ابن جريج نى محمد بن الحرث بن سفيان عن ابي سلمة بن سفيان ان امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت: يا امير المؤمنين أقبلت اسوق غنما لي فلقيني رجل فحفن لي حفنة من تمر ثم حفن لي حفنة من تمر ثم حفن لي حفنة من تمر ثم أصابني فقال عمر: ما قلت؟ فأعادت فقال عمر بن الخطاب ويشير بيده: مهر مهر مهر ثم تركها * وبه إلى عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن الوليد بن عبد الله - وهو ابن جميع - عن ابي الطفيل ان امرأة اصابها الجوع فأتت راعيا فسألته الطعام فأبى عليها حتى تعطيه نفسها قالت: فحثى لي ثلاث حثيات من تمر وذكرت انها كانت جهدت من الجوع فأخبرت عمر فكبر وقال: مهر مهر مهر ودرأ عنها الحد * قال أبو محمد رحمه الله: قد ذهب إلى هذا أبو حنيفة ولم ير الزنا إلا ما كان مطارفة وأما ما كان فيه عطاء أو استئجار فليس زنا ولا حد فيه، وقال أبو يوسف.
ومحمد.
وأبو ثور.
وأصحابنا.
وسائر الناس، هو زنا كله وفيه الحد، وأما المالكيون.
والشافعيون فعهدنا بهم يشنعون خلاف الصاحب الذي لا يعرف له مخالف إذا وافق تقليدهم وهم قد خالفوا عمر رضي الله عنه ولا يعرف له مخالف من الصحابة رضي الله عنهم بل هم يعدون مثل هذا إجماعا ويستدلون على ذلك بسكوت من بالحضرة من الصحابة عن النكير لذلك (فان قالوا): ان أبا الطفيل ذكر في خبره انها قد كان جهدها الجوع (قلنا لهم): وهذا أيضا أنتم لا تقولون به ولا ترونه عذرا مسقطا للحد فلا راحة لكم في رواية أبي الطفيل مع أن خبر أبي الطفيل ليس فيه أن عمر عذرها بالضرورة بل فيه أنه درأ الحد من أجل التمر الذي أعطاها وجعله عمر مهرا، وأما الحنيفيون المقلدون لابي حنيفة في هذا فمن عجائب الدنيا التي لا يكاد يوجد لها نظير ان يقلدوا عمر في اسقاط الحد ههنا بأن ثلاث حثيات من تمر مهر وقد خالفوا هذه القضية بعينها فلم يجيزوا في النكاح الصحيح مثل هذا وأضعافه مهرا بل منعوا من أقل من عشرة دراهم في ذلك فهذا هو الاستخفاف حقا والاخذ بما اشتهوا من قول الصاحب حيث اشتهوا وترك ما اشتهوا

(11/250)


ترك من قول الصاحب إذا اشتهوا فما هذا دينا وأف لهذا عملا إذ يرون المهر في الحلال لا يكون الا عشرة دراهم لاأقل ويرون الدرهم فأقل مهرا في الحرام إلا أن هذا هو التطريق إلى الزنا وإباحة الفروج المحرمة وعون لابليس على تسهيل الكبائر وعلى هذا لا يشاء زان ولا زانية أن يزنيا علانية الا فعلا وهما في أمن من الحد بأن يعطيها درهما يستأجرها به للزنا فقد علموا الفساق حيلة في قطع الطريق بأن يحضروا مع أنفسهم امرأة سوء زانية وصبيا بغاء ثم يقتلوا المسلمين كيف شاءوا ولا قتل عليهم من أجل المرأة الزانية والصبي البغاء فكلما استوقروا من الفسق خفت اوزارهم وسقط الخزي والعذاب عنهم ثم علموهم وجه الحيلة في الزنا وذلك ان يستأجرها بتمرتين وكسرة خبر ليزني بها ثم يزنيان في أمن وذمام من العذاب بالحد الذي افترضه الله تعالى ثم علموهم الحيلة في وطئ الامهات والبنات بأن يعقدوا معهن نكاحا ثم يطؤنهن علانية آمنين من الحدود
ثم علموهم الحيلة في السرقة أن ينقب أحدهم نقبا في الحائط ويقف الواحد داخل الدار والآخر خارج الدار، ثم يأخذ كلما في الدار فيضعه في النقب، ثم يأخذه الآخر من النقب ويخرجان آمنين من القطع، ثم علموهم الحيلة في قتل النفس المحرمة بأن يأخذ عودا صحيحا فيكسر به رأس من أحب حتى يسيل دماغه ويموت ويمضي آمنا من القود ومن غرم الدية من ماله، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذه الاقوال المعلونة وما قال أئمة المحدثين ما قالوا باطلا ونسأل الله السلامة ولو أنهم تعلقوا في كل ما ذكرنا بقرآن أو سنة لاصابوا بل خالفوا القرآن.
والسنة وما تعلقوا بشئ الا بتقليد مهلك ورأي فاسد.
واتباع الهوى المضل * قال أبو محمد رحمه الله: وحد الزنا واجب على المستأجر والمستأجرة بل جرمهما أعظم من جرم الزاني والزانية بغير استئجار لان المستأجر والمستأجرة زنيا كما زنى غير المستأجر ولا فرق وزاد المستأجر والمستأجرة على سائر الزنا حراما آخر وهو أكل المال بالباطل، وأما المخدمة فروي عن ابن الماجشون صاحب مالك أن المخدمة سنين كثيرة لا حد على المخدم إذا وطئها وهذا قول فاسد ومع فساده ساقط، أما فساده فاسقاطه الحد الذي أوجبه الله تعالى في الزنا، وأما سقوطه فتفريقه بين المخدمة مدة طويلة والمخدمة مدة قصيرة ويكلف تحديد تلك المدة المسقطة للحد التي يسقط فيها الحد فان حد مدة كان متزيدا من القول بالباطل بلا برهان، وان لم يحد شيئا كان محرما موجبا شارعا مالا يدري فيما لا يدري وهذه تخاليط نعوذ بالله منها، والحد كامل واجب على المخدم والمخدمة ولو أخدمها عمر نوح في قومه لانه زنا وعهر

(11/251)


من ليست له فراشا، وبالله تعالى التوفيق * 2214 مسائل من نحو هذا - قال علي: من زنى بامرأة ثم تزوجها لم يسقط الحد بذلك عنه لان الله تعالى قد أوجبه عليه فلا يسقطه زواجه إياها وكذلك
إذا زنى بأمة ثم اشتراها وهو قول جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه في كلتا المسألتين * قال أبو محمد رحمه الله: وهذه من تلك الطوام (فان قالوا): كيف نحده في وطئ امرأته وأمته (قلنا لهم): لم نحده في وطئه لهما وهما امرأته وأمته وإنما نحده في الوطئ الذي كان منه لهما وهما ليستا امرأته ولا أمته ثم يلزمهم على هذا الاعتلال الفاسد أن من قذف امرأة ثم تزوجها أن يلاعن ولا حد عليه وأنه إن زنى بها فحملت ثم تزوجها أو اشتراها أن يلحق به الولد والا فكيف ينفى عنه ولد امرأته منه أو ولد أمته منه (فان قالوا): ليس ابن فراش (قلنا): صدقتم ولذلك نحده على الوطئ السالف لانه لم يكن وطئ فراش * قال أبو محمد رحمه الله: ولو زنى بامرأة حرة أو أمة ثم قتلها فعليه حد الزنا كاملا والقود أو الدية والقيمة لانها كلها حقوق أوجبها الله تعالى فلا تسقطها الآراء الفاسدة، وروي عن أبي حنيفة أن حد الزنا يسقط إذا قتلها فما سمع بأعجب من هذه البلية أن يكون يزني فيلزمه الحد فإذا أضاف إلى كبيرة الزنا كبيرة القتل للنفس التي حرم الله تعالى سقط عنه حد الزنا نبرأ إلى الله تعالى من ذلك، ونحمده على السلامة منها كثيرا وبه نستعين * 2215 - مسألة - من وطئ امرأة أبيه أو حريمته بعقد زواج أو بغير عقد * قال أبو محمد: نا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أحمد ابن زهير نا عبد الله بن جعفر الرقي.
وابراهيم بن عبد الله قال الرقي: نا عتبة بن عمرو الرقى عن زيد بن أبى أنيسة عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء بن عازب عن أبيه، وقال ابراهيم: نا هشيم عن أشعث بن سوار عن البراء بن عازب ثم اتفقا واللفط لهشيم قال: مر بي عمي الحرث بن عمرو وقد عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: أي
عم أين بعثك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه * قال أبو محمد رحمه الله: وهذا الخبر من طريق الرقيين صحيح نقي الاسناد،

(11/252)


وأما من طريق هشيم فليست بشئ لان أشعث بن سوار ضعيف * وبه إلى أحمد بن زهير نا يوسف بن منازل نا عبد الله بن ادريس نا خالد بن أبي كريمة عن معاوية بن قرة عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أباه - هو جد معاوية - إلى رجل أعرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله " قال أحمد بن ابراهيم: قال يحيى بن معين: هذا الحديث صحيح ومن رواه فأوقفه على معاوية فليس بشئ قد كان ابن ادريس أرسله لقوم وأسنده لآخرين، قال ابن معين: ويوسف بن منازل ثقة نا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا عبد الله بن أحمد بن حنبل.
وأبو قلابة قال أبو قلابة: حدثنا المغيرة بن بكار نا شعبة سمعت الربيع بن الركين يقول: سمعت عدي بن ثابت يحدث عن البراء قال: مر بنا ناس ينطلقون قلنا: أين تريدون قالوا: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل أتى امرأة أبيه أن نضرب عنقه * قال أبو محمد رحمه الله: هذه آثار صحاح تجب بها الحجة ولا يضرها أن يكون عدي بن ثابت حدث به مرة عن البراء.
ومرة عن يزيد بن البراء عن أبيه فقد يسمعه من البراء ويسمعه من يزيد البراء فيحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا، فهذا سفيان عن عيينة يفعل ذلك يروي الحديث عن الزهري مرة وعن معمر عن الزهري مرة قال: وقد اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: من تزوج امه أو ابنته أو حريمته أو زنى بواحدة منهن فكل ذلك سواء وهو كله زنا والزواج كلا زواج إذا كان عالما بالتحريم وعليه حد الزنا كاملا ولا يحلق الولد في العقد وهو قول الحسن.
ومالك.
والشافعي.
وابي ثور وابي يوسف.
ومحمد بن الحسن صاحبي
ابي حنيفة: الا ان مالكا فرق بين الوطئ في ذلك بعقد النكاح وبين الوطئ في بعض ذلك بملك اليمين فقال: فيمن ملك بنت اخيه.
أو بنت اخته.
وعمته.
وخالته.
وامرأة ابيه.
وامرأة ابنه بالولادة.
وامه نفسه من الرضاعة.
وابنته من الرضاعة.
وأخته من الرضاعة وهو عارف بتحريمهن وعارف بقرابتهن منه ثم وطئهن كلهن عالما بما عليه في ذلك فان الولد لاحق به ولا حد عليه لكن يعاقب ورأي أن ملك أمه التي ولدته.
وابنته وأخته بأنهن حرائر ساعة يملكهن فان وطئهن حد حد الزنا، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه في ذلك كله ولا حد على من تزوج أمه التي ولدته وابنته.
وأخته.
وجدته.
وعمته.
وخالته.
وبنت أخيه.
وبنت أخته عالما بقرابتهن منه عالما بتحريمهن عليه ووطئهن كلهن فالولد لاحق به والمهر واجب لهن عليه وليس عليه الا التعزير دون الاربعين فقط، وهو قول سفيان الثوري قالا: فان وطئهن بغير

(11/253)


عقد نكاح فهو زنا عليه ما على الزاني من الحد * حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال فيمن زنى بذات محرم يرجم على كل حال، وقال ابراهيم النخعي.
والحسن: حده حد الزنا، وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن عوف - هو ابن أبي جميلة - نى عمرو ابن أبي هند قال.
ان رجلا أسلم وتحته أختان فقال له علي بن أبي طالب: لتفارقن احداهما أو لاضربن عنقك، وقال جابر بن زيد أبو الشعثاء.
وأحمد بن حنبل.
واسحاق بن راهويه كل من وطئ حريمته عالما بالتحريم عالما بقرابتها منه فسواء وطئها باسم نكاح أو بملك يمين.
أو بغير ذلك فانه يقتل ولا بد محصنا كان أو غير محصن * قال أبو محمد رحمه الله: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في ذلك ليلوح الحق فنتبعه ان شاء الله فبدأنا بما احتج به أبو حنيفة ومن قلده لقوله فوجدناهم يقولون ان اسم الزنا غير اسم النكاح فواجب أن يكون له غير حكمه *
(فإذا قلتم): زنى بأمه فعليه ما على الزاني، (وإذا قلتم): تزوج أمه فالزواج غير الزنا فلا حد في ذلك وانما هو نكاح فاسد فحكمه حكم النكاح الفاسد من سقوط الحد ولحاق الولد ووجوب المهر وما نعلم لهم تمويها غير هذا وهو كلام فاسد.
واحتجاج فاسد.
وعمل غير صالح، أما قوله ان اسم الزنا غير اسم الزواج فحق لا شك فيه الا أن الزواج هو الذي أمر الله تعالى به وأباحه وهو الحلال الطيب والعمل المبارك، وأما كل عقد أو وطئ لم يأمر الله تعالى به ولا أباحه بل نهى عنه فهو الباطل والحرام والمعصية والضلال ومن سمى ذلك زواجا فهو كاذب آفك متعد وليست التسمية في الشريعة الينا ولا كرامة إنما هي إلى الله تعالى قال الله عزوجل: (ان هي الا أسماء سميتوها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) الآية * قال أبو محمد رحمه الله: أما من سمى كل عقد فاسد ووطئ فاسد - وهو الزنا المحض - زواجا ليتوصل به إلى اباحة ما حرم الله تعالى أو إلى إسقاط حدود الله تعالى إلا كمن سمى الخنزير كبشا ليستحله بذلك الاسم، وكمن سمى الخمر نبيذا أو طلاء ليستحلها بذلك الاسم، وكمن سمى البيعة والكنيسة مسجدا، وكمن سمى اليهودية إسلاما وهذا هو الانسلاخ من الاسلام ونقض عقد الشريعة وليس في المحال أكثر من قول القائل هذا نكاح فاسد وهذا ملك فاسد لان هذا كلام ينقض بعضه بعضا ولئن كان نكاحا أو ملكا فانه لصحيح حلال لان الله تعالى أحل الزواج والملك وقال تعالى: (الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) الآية فما كان زواجا وملك يمين فهو حلال طلق

(11/254)


ومباح طيب ولا ملامة فيه ولا مأثم وكل ما كان فيه اللوم والاثم فليس زواجا ولا ملكا مباحا للوطئ ولا كرامة بل هو العدوان والزنا المجرد لا شئ الا فراش أو عهر حرام فان وجد لنا يوما ما أن نقول نكاح فاسد أو زواج فاسد أو ملك فاسد فانما هو حكاية أقوال لهم وكلام على معانيهم كما قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة
مثلها)، وكما قال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (والله يستهزئ بهم)، وقد علم المسلمون أن الجزاء ليس بسيئة وان القصاص ليس عدوانا وأن معارضة الله تعالى على الاستهزاء ليس مذموما بل هو حق فصح من هذا أن كل عقد لم يأمر به الله تعالى فمن عقده فهو باطل وان وطئ فيه فان كان عالما بالتحريم عالما بالسبب المحرم فهو زان مطلق، وهكذا القول فيمن نكح نكاح متعة أو شغار أو موهوبة أو على شرط ليس في كتاب الله تعالى أو بصداق لا يحل.
من جهل التحريم في شئ من ذلك بأن لم تبلغه أو بتأويل لم تقم عليه الحجة في فساده فهو معذور لا حد عليه ومن قذفه فعليه الحد كمن دخل بلدا فتزوج امرأة لا يعرفها فوجدها أمه أو ابنته فهذا يلحق فيه الولد ولا يحد فيه حد بالاجماع * وبهذا بطل قول أبي حنيفة المذكور.
وقول مالك الذي وصفنا في وطئ الحريمة بملك اليمين والعجب كل العجب من احتجاج بعض من لقيناه من المالكيين بقوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (قيل لهم): ان كنتم تعلقتم بهذه الآية في إلحاق الولد بمن وطئ عمته وخالته وذوات محارمه فانها من ملك اليمين فأبيحوا الوطئ المذكور واسقطوا عنه الملامة جملة فهذا هو نص الآية فلو فعلوا ذلك لكفروا بلا خلاف من أحد واذ لم يفعلوا ذلك ولا أسقطوا الملامة ولا أباحوا له ذلك فقد ظهر تمويههم في إيراد هذه الآية في غير موضعها * قال أبو محمد رحمه الله: (فان قال قائل): فانتم تقولون إن المملوكة الكتابية لا يحل وطئها وإن وطئها فلا حد عليه والولد لاحق فما الفرق بين هذا وبين من وطئ أحدا من ذوات محارمه التي ذكرنا فأوجبتم في كل هذا حد الزنا ولم تلحقوا الولد، (قلنا): ان الفرق في ذلك هو أن الله تعالى أباح ملك اليمين جملة وحرم ذوات المحارم بالنسب والرضاع والصهر والمحصنات من النساء تحريما واحدا مستويا فحرمت أعيانهن كلهن تحريما واحدا ولم يحل منهن لمس ولا رؤية عرية ولا تلذذ أصلا لانهن
محرمات الاعيان، وقال تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) فانما حرم فيهن النكاح فقط والنكاح ليس الا عقد الزواج أو الوطئ فقط فإذا ملكناهن فلم تحرم علينا أعيانهن إذ لا نص في ذلك ولا اجماع وانما حرم وطئهن فقط وبقي سائر ذلك على

(11/255)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية