صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المحلى
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

المنهال نا حماد بن سلمة عن قتادة ان علي بن أبى طالب قال في البكر إذا زنى قبل أن يدخل باهله: جلد الحد وفرق بينه وبين اهله ولها نصف الصداق فان زنت هي جلدت وفرق بينهما ولا صداق لها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن ادريس الاودى هو عبد الله عن أشعث عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: البكر إذا زنت جلدت وفرق بينها وبين زوجها وليس لها شئ * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبدة عن سعيد عن على بن ثابت عن
نافع عن ابن عمر قال: إذا رأى أحدكم أمرأته على فاحشة أو أم ولده فلا يقربنها، وهو قول الحسن.
وطاوس.
والنخعي.
وحماد بن أبى سليمان.
وغيرهم ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وههنا خبر لو صح لقلنا به * وريناه من طريق سعيد بن المسيب عن بصرة بن أكثم (ان امرأة زنت فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدها عبدا لزوجها) ولا نعلم لسعيد سماعا من بصرة، وقد قال بعضهم: نضرة * 1840 مسألة ولا يحل لاحد ان يخطب امرأة معتدة من طلاق أو وفاة، فان تزوجها قبل تمام العدة فسخ أبدا دخل بها أو لم يدخل طالت مدته معها أو لم تطل، ولا توارث بيهما ولا نفقة لها عليه ولا صداق ولا مهر لها، فان كان أحدهما عالما فعليه حد الزنى من الرجم والجلد، وكذلك ان علما جميعا ولا يلحق الولد به ان كان عالما وان كانا جاهلين فلا شئ عليهما فان كان أحدهما جاهلا فلا حد على الجاهل فان كان هو الجاهل فالولد به لاحق فإذا فسخ النكاح وتمت عدتها فله أن يتزوجها ان أرادت ذلك كسائر الناس الا أن يكون الرجل طلق امرأته فله أن يرتجعها في عدتها منه ما لم يكن طلاق ثلاث، وكذلك الرجل تكون تحته الامة ويدخل بها فتعتق فتخير فتختار فراقه ويفسخ نكاحه فتعتد بحمل أو بالاطهار أو بالشهور فله وحده دون سائر الناس أن يخطبها في عدتها منه فان رضيت به فله نكاحها ووطؤها * برهان ما قلنا قول الله عزوجل: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله انكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا الا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم مافى أنفسكم فاحذروه) * وأما قولنا: لا توارث ولا نفقة ولا كسوة ولا صداق بكل حال جهلا أو علما فلانه ليس نكاحها لان الله تعالى أحل النكاح ولم يحل هذا العقد بلا خلاف من أحد فإذ ليس نكاحا فلا توارث ولا كسوة ولا نفقة الا في نكاح، وأما الحاق الولد
بالرجل الجاهل فلا خلاف فيه، وأما وجوب الحد على العالم فلان الله تعالى يقول:

(9/478)


(والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) وهذه ليست زوجا ولا ملك يمين فهو عاهر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فلم يجعل عليه الصلاة والسلام الا فراشا أو عهرا، وهذه ليست فراشا فهو عهر والعهر الزنا وعلى الزانى الحد ولا حد على الجاهل المخطئ لقول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) ولقوله تعالى: (لانذركم به ومن بلغ) وهذا لم يبلغه فلا شئ عليه، وأما المعتقة تخير فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (لو راجعتيه) وسنذكره في بابه ان شاء الله عزوجل * وأما قولنا: ان الناكح في العدة الواطئ فيها جاهلا كان أو عالما فحد وكان غير محصن ولم تحد هي لجهلها أو لم ترجم لانها كانت بكرا معتدة من وفاة فله أن يتزوجها بعد تمام عدتها التى تزوجها فيها فلان الله عزوجل ذكر لنا كل ما حرم علينا من النساء في قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) الآية إلى قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) فلم يذكر لنا المنكوحة في العدة المدخول بها فيها في جملة ما حرم علينا ابتداء النكاح فيها بعد تمام عدتها فإذ لم يذكرها تعالى لا في هذه الآية ولا في غيرها ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وقد أحلها الله تعالى في القرآن نصا بقوله عزوجل: (واحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين) وقولنا هذا هو قول الحسن.
وحماد بن أبى سليمان.
وأبى حنيفة.
وأصحابه، وسفيان الثوري.
والشافعي.
وابى سليمان.
وأصحابهم، وقال سعيد بن المسيب.
وربيعة.
ومالك.
والليث.
والاوزاعي: لا تحل له أبدا.
وقال مالك.
والليث: ولا بملك اليمين، وما لمن قال هذا حجة أصلا الا شغيبتان، احداهما أنهم قالوا.
تعجل شيئا قبل وقته فواجب ان يحرم عليه في الابد (1) كالقاتل العامد يمنع الميراث.
قال أبو محمد: وهذا من أسخف قول يسمع قبل كل شئ من اين وضح لهم تحريم الميراث على القاتل ولا نص يصح فيه ولا اجماع؟ قد أوجب الميراث لقاتل العمد الزهري.
وسعيد بن جبير.
وغيرهما، ثم من اين لهم ان من تعجل شيئا قبل وقته وجب ان يحرم عليه ابدا، وأى نص جاء بهذا أو أي عقل دل عليه؟ ثم لو صح لهم ان القاتل يمنع من الميراث فمن اين لهم ان ذلك لتعجيله اياه قبل وقته؟ وكل هذا كذب وظن فاسد وتخرص بالباطل، ويلزمهم ان طردوا هذا الدليل السخيف ان يقولوا فيمن غصب مال موروثه: ان يحرم عليه في الابد لانه استعجله قبل وقته، وان يقولوا في امرأة
__________
(1) في النسخة رقم 14 أبدا

(9/479)


سافرت في عدتها: ان يحرم عليها السفر ابدا.
ومن تطيب في احرامه: ان يحرم عليه الطيب ابدا: وان يقولوا فيمن اشتهى شيئا وهو صائم في رمضان فأكله أو وطئ جاريته أو أمته وهو صائم في رمضان أو وهى حائض: أن يحرم عليه ذلك الطعام في الابد وتحرم عليه تلك الامة أو امرأنه في الابد لانه تعجل كل ذلك قبل وقته، والذى يلزمهم أكثر من هذا * والثانية رواية عن عمر رضى الله عنه منقطعة منها ما حدثناه يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا صالح بن مسلم: قلت للشعبى: رجل طلق امرأته تطليقة فجاء آخر فتزوجها في عدتها؟ فقال الشعبى: قال عمر بن الخطاب: يفرق بينها وبين زوجها وتكمل عدتها الاولى وتأتنف من هذه عدة جديدة ويجعل صداقها في بيت المال ولا يتزوجها ابدا ويصير الاول خاطبا، وقال على بن أبى طالب: يفرق بينهما وتكمل عدتها الاولى وتستقبل من هذا عدة جديدة ولها الصداق بما استحل من فرجها ويصير كلاهما خاطبين قد أخبرتك بقول هذين فان أخبرتك برأى قبل عليه، وجاء هذا عن عمر من طرق ليس منها شئ يتصل، وروى خلافها كما
ذكرنا عن على.
وابن مسعود * قال أبو محمد: لا عجب أعجب من تعلق هؤلاء القوم بروايات منقطعة عن عمر قد خالفه على فيها فمن جعل قول أحدهما أولى من الآخر بلا برهان، وثانية انهم قد خالفوا عمر فيما صح عنه يقينا من هذه القضية إذ جعل مهرها في بيت المال كما روينا من طريق وكيع عن زكريا بن أبى زائدة.
واسماعيل بن أبى خالد كلاهما عن الشعبى عن مسروق أن امرأة نكحت في عدتها ففرق بينهما عمر وجعل مهرها في بيت المال وقال: نكاحها حرام ومهرها حرام * نا يونس بن عبد الله نا أبو بكر بن أحمد بن خالد نا أبى نا على بن عبد العزيز نا أبو عبيد القاسم بن سلام نا يزيد عن داود بن ابى هند عن الشعبى عن مسروق أو عن عبيد ابن نضلة عن مسروق شك داود في أحدهما، وقال رفع إلى عمر امرأة نكحت في عدتها فقال: لو أنكما علمتما لرجمتكما فضربهما أسواطا وفرق بينهما وجعل المهر في سبيل الله عزوجل وقال: لا أجيز مهرا لا أجيز نكاحه * قال أبو محمد: عبيد بن نضلة امام ثقة ومسروق كذلك فلا نبالي عن أيهما رواه وقد ثبت داود بن أبى هند على انه عن أحدهما بلا شك * قال على: فخالفوه في جعل مهرها في بيت المال وهو الثابت عن عمر فهان عليهم خلافه في الحق واتبعوه فيما لا برهان على صحته فيما قد خالفه فيه غيره من الصحابة كما أوردنا * وثالثة وهى انه قد صح رجوع

(9/480)


عمر عن ذلك كما روينا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى عن مسروق عن عمر قال: مهرها في بيت المال ولا يجتمعان يعنى التى نكحت في العدة ودخل بها الذى نكحها وقال سفيان: فأخبرني أشعث عن الشعبى عن مسروق ان عمر رجع عن ذلك وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان فاى شئ أعجب من تماديهما على خلاف عمر في الثابت عنه من ان يجعل مهرها في بيت المال وعلى قوله قد رجع عمر عنها وكفى بهما خطأ * ورابعة انه قد صح عن عمر ما حدثناه حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي
نا الدبرى نا عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب بالجابية نكحت عبدها فانهرها عمر وهم أن يرجمها وقال لها: لا يحل لك مسلم بعده، فهذا أصح سند عن عمر بحضرة الصحابة ولم يلفتوا إليه ولجوا في الخطأ تقليد الخطأ مالك بعد رجوع عمر عنه ونسأل الله العافية * ومن عجائب الدنيا قولهم: من اشترى أمة فوجدها حاملا من زوج كان لها فمات بعد ان وطئها فانه لا يحل له أبدا ولا بملك اليمين، وقالوا: من تزوج امرأة لا زوج لها فدخل بها فوطئها ثم ظهر بها حمل من زنا أو من غصب كان بها قبل نكاحه فانها لا تحل له أبدا ما ندرى لماذا؟ وقال: من تزوج أمة أعتقت قبل ان تتم حيضة بعد عتقها فدخل بها حرمت عليه في الابد، فلجوا هذا اللجاج الفاسد ثم لم يلبثوا ان قالوا: من تزوج امرأة لها زوج قائم حى حاضر أو غائب يظنان انه قد مات أو يوقنان بحياته فدخل بها فوطئها انها لا تحرم عليه في الابد بل له ان يتزوجها ان طلقها الزوج أو مات وهذا هو المتسعجل قبل الوقت بلا شك وقالوا: من زنى بامرأة لم تحرم عليه في الابد فرأوا الزنا أخف من زواج الجاهل في العدة ورأوا ما لا حد فيه ولا اثم للجهالة أغلظ من الحرام المتيقن فهل في اعجب أكثر من هذا؟ ونسأل الله العافية * 1841 مسألة ومن انفسخ نكاحه بعد صحته بما يوجب فسخه فلها المهر المسمى كله فان لم يسم لها صداقا فلها مهر مثلها دخل بها أو لم يدخل * برهان ذلك قول الله عزوجل: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) فالصداق واجب لها بصحة العقد دخل بها أو لم يدخل فإذا انفسخ فحقها في الصداق باق كما لو مات ولا فرق، ومن ادعى انه ليس لها في الفسخ قبل الدخول الا نصف الصداق فانما قاله قياسا على الطلاق قبل الدخول والقياس كله باطل ولو كان القياس حقا لكان هذا منه باطلا لان الطلاق فعل المطلق والفسخ ليس فعله فلا تشابه بين الفسخ والطلاق بل الفسخ بالموت أشبه لانهما يقعان بغير اختيار الزوج ولا يقع الطلاق الا باختياره، وكذلك من أسقط جميع الصداق في بعض وجوه الفسخ

(9/481)


إذا جاء الفسخ من قبلها فقوله باطل لانه اسقاط لما أوجبه الله تعالى بلا برهان وبالله تعالى التوفيق * 1842 مسألة ومن طلق قبل أن يدخل بها فلها نصف الصداق الذى سمى لها، وكذلك لو دخل بها ولم يطأها طال مقامه معها أو لم يطل هذا في كل مهر كان بصفة غير معين كعدد.
أو وزن.
أو كيل أو شئ موصوف.
أو في مكان بعينه ان وجد صحيحا، وسواء كان تزوجها بصداق مسمى في نفس العقد أو تراضيا عليه بعد ذلك أو لم يتراضيا فقضى لها بمهر مثلها * برهان ذلك قول الله عزوجل: (وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) الآية، وفيما ذكرنا اختلاف قديم وحديث في دخوله بها ولم يطأها وفى ضياع المهر وفى الفرق بين كون الصداق مفروضا في العقد وبين تراضيهما عليه بعد العقد أو الحكم لها به عليه والتسوية بين ذلك كله، فاما الاختلاف في الفرق بين كون الصداق مفروضا في العقد وبين تراضيهما بعد العقد أو الحكم لها به عليه فان أبا حنيفة وأصحابه قالوا: انما يقضى لها بنصف الصداق إذا كان الصداق مفروضا لها في نفس العقد، وأما ان تراضيا عليه بعد ذلك أو اختلفا فيه فحكم عليه بمهر مثلها فههنا ان طلقها قبل الدخول فلاشئ لها الا المتعة، وقال مالك.
والشافعي.
وأبو سليمان واصحابهم: لها النصف في كل ذلك * قال أبو محمد: وبهذا نأخذ لان قول الله تعالى: (فنصف ما فرضتم) عموم لكل صداق في نكاح صحيح فرضه الناكح في العقد أو بعده ولم يقل عزوجل فنصف ما فرضتم في نفس العقد، والزائد لهذا الحكم مخطئ مبطل متعد لحدود الله تعالى، وأما الذى فرض عليه الحكم صداق مثلها فانه وان كان قد أبى من الواجب عليه في ذلك فحكم الله تعالى عليه بقوله الصادق: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) موجب عليه ان يفرض لها
أحد وجهين لا بد له من أحدهما ضرورة اما ما رضيت واما مهر مثلها فايهما لزمه برضاه أو بحكم حق فقد فرضه لها إذ عقد نكاحها يقينا في علم الله عزوجل وقد وجب لها في ماله وما نعلم لمن خالف هذا حجة أصلا، ونحن نشهد بشهادة الله تعالى ان الله تعالى لو اراد بقوله: (فنصف ما فرضتم) في نفس العقد خاصة لبينه لنا ولم يهمله حتى يبينه لنا أبو حنيفة وما هنالك، فإذ لاشك في هذا فقد أيقنا ان الله تعالى أراد بكل حال، وأما من دخل بزوجته ولم يطأها طال مقامه معها أو لم يطل فان الناس قد اختلفوا فيه * فروينا من طريق أبى عبيد نا اسماعيل بن ابراهيم عن عوف بن أبى جميلة عن زرارة بن أوفى قال: قضى

(9/482)


الخلفاء الراشدون المهديون انه إذا أغلق الباب وأرخى الستر فقد وجب الصداق * ومن طريق وكيع عن موسى بن عبيدة عن نافع بن جبير قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إذا أرخى الستر أو اغلق الباب فقد وجب الصداق * ومن طريق عبد الرزاق عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: إذا أرخيت الستر وغلقت الابواب فقد وجب الصداق، هذا صحيح عن عمر * ومن طريق ابى عبيد نا يزيد هو ابن هارون عن سعيد بن ابى عروبة عن قتادة عن الحسن عن الاحنف بن قيس عن عمر بن الخطاب.
وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما قالا جميعا: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق * ومن طريق أبى عبيد نا سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: إذا اغلق الباب وأرخى الستر فقد وجب الصداق * ومن طريق أبى عبيد نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن سليمان بن يسار ان الحارث بن الحكم تزوج امرأة فقال عندها ثم راح وفارقها فأرسل مروان إلى زيد بن ثابت فقص عليه القصة فقال زيد: لها الصداق فقال مروان: أنه ممن لا يتهم فقال زيد بن ثابت: أرأيت لو حملت أكنت ترجمها؟ (1) قال:
لا فقال زيد بلى، قال أبو عبيد: وحدثناه أبو النضر عن الليث بن سعد عن بكير بن عبد الله بن الاشج عن سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت مثله، وفى آخره فلذلك تصدق، المرأة في مثل هذا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الكريم عن ابن مسعود مثل قول على.
وعمر * ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن ارطاة عن الركين بن الربيع عن حنظلة ان المغيرة بن شعبة قضى في امرأة عنين فرق بينهما بجميع الصداق * ومن طريق ابن وهب عن رجال من أهل العلم ان أنس بن مالك قال في التى دخل بها زوجها ولم يطأها: ان الصداق لها (2) وعليها العدة ولا رجعة له عليها وهو قول على بن الحسين، وروى عن سعيد بن المسيب، وصح عن سليمان بن يسار، وعن عروة بن الزبير قضى به في عنين، وعن عبد الكريم وزاد وان كانت حائضا، وعن عطاء مثل قول عبد الكريم وهو قول ابن أبى ليلى.
والاوزاعي.
وسفيان الثوري الا ان تكون رتقاء فلا يجب لها الا نصف الصداق، وصح أيضا عن الليث ابن سعد وهو قول الزهري.
وأحمد.
واسحاق وروينا عن عمر قولا آخر رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير ان عمر بن الخطاب قضى في
__________
(1) في النسخة رقم 16 (أرأيت لو حبلت ألست ترجمها) (2) في النسخة رقم 16 (لها الصداق)

(9/483)


رجل اختلى بامرأة ولم يخالطها بالصداق كاملا يقول: إذا خلا بها ولم يغلق بابا ولا أرخى سترا، وعن ابراهيم النخعي قولا آخر رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة قال: قال ابراهيم النخعي: كان يقال: إذا رأى منها ما يحرم على غيره فلها الصداق، وقال أبو حنيفة: إذا خلا بها في بيتها وطئ أو لم يطأ فالمهر كله لها الا ان يكون أحدهما محرما أو احدهما مريضا أو كانت هي حائضا أو صائمة في رمضان فليس لها في كل ذلك الا نصف المهر فلو خلا بها وهو صائم صيام فرض (1) في ظهار أو نذر أو قضاء رمضان فعليه الصداق كله وعليها العدة فلو خلا بها في صحراء أو في مسجد أو
في سطح لا حجرة عليه فليس لها الا نصف الصداق * قال أبو محمد: هذه أقوال لم تأت قط عن أحد من السلف ولا جاء بها قرآن ولا سنة ولا قياس.
ولا رأى سديد، وقال مالك: إذا خلا بها فقبلها أو كشفها ثم طلقها واتفقا على أنه لم يطأها فان كان ذلك قريبا فليس لها الا نصف الصداق فان تطاول ذلك حتى أخلق ثيابها فلها المهر كله * قال أبو محمد: وهذا قول لا يحفظ عن أحد قبله، وليت شعرى كم حد هذا التطاول الناقل عن حكم القرآن وما حد الاخلاق لهذه الثياب (2)، وههنا قول آخر كما روينا من طريق وكيع عن الحسن بن صالح بن حى عن فراسن عن عامر الشعبى عن ابن مسعود قال: لها النصف وان جلس بين رجليها، ومن طريق سعيد بن منصور ثنا هشيم انا ليث هو ابن أبى سليم عن طاوس عن ابن عباس انه كان يقول في رجل دخلت عليه امرأته ثم طلقها فزعم انه لم يمسها: عليه نصف الصداق * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: لا يجب الصداق وافيا حتى يجامعها ولها نصفه * ومن طريق أبى عبيد نا هشيم انا المغيرة بن مقسم عن الشعبى عن شريح قال: لم أسمع الله عزوجل ذكر في كتابه بابا ولا سترا إذا زعم انه لم يمسها فلها نصف الصدق * ومن طريق سعيد بن منصور نا اسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى ان عمرو بن نافع طلق امرأته وكانت قد ادخلت عليه فزعم انه لم يقربها وزعمت انه قربها فخاصمته إلى شريح فقضى شريح بيمين عمرو بالله الذى لا اله الا هو ما قربتها وقضى عليه لها بنصف الصداق قال أبو محمد: كانت هذه المطلقة بنت يحيى بن الجزار * ومن طريق أبى عبيد نا معاذ هو ابن معاذ العنبري عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين انه كان لا يرى اغلاق الباب ولا أرخاء الستر شيئا * ومن طريق وكيع عن زكريا هو ابن أبى
__________
(1) في النسخة رقم 14 في صيام فرض (2) في النسخة رقم 14 (وما حد اخلاق هذه الثياب)

(9/484)


زائدة عن الشعبى انه قال: لها نصف الصداق يعنى التى دخل بها ولم يقل: انه مسها * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن ابيه قال: لا يجب الصداق وافيا حتى يجامعها وان اغلق عليها الباب قلت له: فإذا وجب الصداق وجبت العدة قال: ويقول أحد غير ذلك؟ * ومن طريق حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن مكحول قال: لا يجب الصداق والعدة الا بالملامسة البينة: تزوج رجل جارية فأراد سفرا فأتاها في بيتها مخلية ليس عندها أحد من أهلها فأخذها فعالجها فمنعت نفسها فصب الماء ولم يفترعها فساغ الماء فيها فاستمر بها الحمل فثقلت بغلام فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فبعث إلى زوجها فسأله؟ فصدقها فعند ذلك قال عمر: من أغلق الباب أو أرخى الستر فقد وجب الصداق وكملت العدة * قال أبو محمد: وهو قول الشافعي.
وأبى ثور.
وأبى سليمان.
وأصحابهم * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة.
ومالك فمخالفان لكل من ذكرنا من الصحابة ولا نعلم لهما حجة أصلا ولا سلفا في قولهما فلم يبق الا قول من قال: ان اغلق بابا أو أرخى سترا فقد وجب الصداق فوجدنا من ذهب إلى هذا القول يحتجون بقول الله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) قالوا: فالصداق كله واجب لها (1) إلا أن يمنع منه اجماع * وكما روينا من طريق البخاري نا عمرو بن زرارة نا اسماعيل هو ابن علية عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير ان ابن عمر قال له: فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوى بنى العجلان، وذكر الحديث، قال أيوب: فقال لى عمرو بن دينار ان في الحديث شيئا لا أراك تحدثه قال: قال الرجل.
مالى قال قيل: لا مال لك ان كنت صادقا فقد دخلت بها * قال أبو محمد: لا حجة في هذا (2) لان عمرو بن دينار لم يذكر من أخبره بهذا فحصل مرسلا ولا حجة في مرسل، وايضا فانما فيه قال: قيل وليس فيه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال ذلك فسقط من كل وجه، وقد أسنده عمرو بن دينار ولم يذكر فيه هذا اللفظ لكن كما نا حمام بن احمد نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا محمد ابن اسماعيل الترمذي نا الحميدى نا سفيان بن عيينة نا عمرو بن دينار قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: للمتلاعنين (حسابكما على الله أحدكما كاذب فقال: يارسول الله مالى مالى قال: لا مال لك إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللت من فرجها) وذكر الحديث قالوا:
__________
(1) في النسخة رقم 16 فالصداق نحلة واجبة (2) في النسخة رقم 14 هذا لا حجة لهم فيه

(9/485)


فالدخول بها استحلال لفرجها * قال أبو محمد: هذا تمويه بل حين العقد للنكاح يصح استحلاله لفرجها فلولا نص القرآن بأنه إن لم يمسها حتى طلقها فنصف الصداق فقط لكان الكل لها كما هو لها إن مات أو ماتت فوجب الوقوف عند ذلك، وهكذا القول قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) ان هذه الآية الاخرى خصتها فلم يوجب الطلاق قبل المس الا نصف الصداق * وشغبوا أيضا بخبر ساقط (1) رويناه من طريق أبى عبيد نا أبو معاوية.
والقاسم بن مالك عن جميل بن يزيد الطائى عن زيد بن كعب الانصاري قال: (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار فلما دخل عليها رأى بكشحها (2) بياضا فقال: البسى عليك ثيابك وألحقي بأهلك) زاد القاسم بن مالك في روايته وأمر لها بالصداق كاملا * قال أبو محمد: جميل بن يزيد ساقط متروك الحديث غير ثفة.
ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة لانه لم يقل عليه الصلاة والسلام انه لها واجب بل هو تفضل منه كما قال عزوجل: (الا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) كما لو تقضلت هي فاسقطت عنه جميع حقها لاحسنت، وموهوا أيضا بخبر آخر ساقط رويناه أيضا من طريق ابى عبيد
نا سعيد بن أبى مريم.
وعبد الغفار بن داود قال سعيد: عن يحيى بن أيوب، وقال عبد الغفار: عن ابن لهيعة ثم اتق يحيى بن أيوب.
وابن لهيعة كلاهما عن عبيد الله بن أبى جعفر عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن يزيد عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كشف امرأة فنظر إلى عورتها فقد وجب الصداق) وهذا لا حجة فيه لوجوه، أولها انه مرسل ولا حجة في مرسل، والثانى انه من طريق يحيى بن أيوب.
وابن لهيعة وهما ضعيفان، والثالث انه ليس فيه للدخول ذكر ولا أثر وانما فيه كشفها والنظر إلى عورتها وقد يفعل هذا بغير مدخول بها وقد لا يفعله في مدخول بها فهو مخالف لقول جميعهم ثم ليس فيه أيضا بيان انه في المتزوجة فقط بل ظاهره عموم في كل زوجة وغيرها فبطل أن يكون لهم تعلق جملة، وأما من تعلق (3) بانها لو حملت لحق الولد ولم تحد فلا حجة لهم في هذا لانه لم يدخل بها أصلا ولا عرف انه خلا بها لكن كان اجتماعه بها سرا ممكن فحملت فالولد لا حق ولا حد في ذلك اصلا لانها فراش له حلال مذ يقع العقد لا معنى للدخول في ذلك أصلا وقد تحمل من غير ايلاج لكن بتشفير بين الشفرين فقط * كل هذا لا يسمى مسا، فان تعلقوا بمن جاء ذلك عنه من الصحابة
__________
(1) في النسخة رقم 16 من طريق ساقط (2) في النسخة رقم 16 على كشحها (3) في النسخة رقم 14 من احتج

(9/486)


رضى الله عنهم فلا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اختلفوا كما ذكرنا فوجب الرد عند التنازع إلى القرآن والسنة فوجدنا القرآن لم يوجب لها بعدم الوطئ الا نصف الصداق وبالله تعالى التوفيق * 1843 مسألة فان عدم الصداق بعد قبضها له بأى وجه كان تلف أو أنفقته لم يرجع عليها بشئ والقول قولها في ذلك مع يمينها فان وطئها قبل الدخول أو بعده فلها المهر كله * قال على: ان كان المهر شيئا بعينه فتلف في يد الزوج فان كانت قد طلبته منه فمنعها فهو غاصب وعليه ضمانه كله لها أو ضمان نصفه ان طلقها قبل الدخول، فان كان لم
يمنعها اياه فهو تالف من مال المرأة ولا ضمان على الزوج فيه ولا في نصفه وطئها أو طلقها قبل الوطئ، وان كان شيئا يصفه فهو ضامن له بكل حال أو لنصفه ان طلقه قبل الدخول فان كانت المرأة قد قبضته فسواء كان بعينه أو بصفة فان تلف عندها فهو من مصيبة الزوج ان طلقها قبل الدخول لان الله تعالى يقول: (فنصف ما فرضتم) فانما أوجب له الرجوع ان كان قد دفعه إليها بنصف ما دفع لا بنصف شئ غيره والذى دفع إليها هو الذى فرض لها سواء كان شيئا بعينه أو شيئا بصفة، ولو لم يكن الذى دفع إليها هو الذى فرض لها لكان لا يبرأ أبدا مما عليه فصح يقينا انه إذا دفع إليها غير ما فرض لها أو على الصفة التى عقد معها فقد دفع إليها ما فرض لها بلا شك، وإذا دفع إليها ما فرض لها فقد قبضت حقها فان تلف فلم تتعد ولا ظلمت فلا ضمان عليها فان أكلته أو باعته أو وهبته أو لبسته فأفنته أو أعتقته ان كان مملوكا فلم تتعد في كل ذلك بل أحسنت، وقال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) فلا ضمان عليها لانها حكمت في مالها وحقها وانما الضمان على من أكل بالباطل * قال أبو محمد: فان بقى عندها النصف فهو له وكذلك لو بقى بيده النصف فهو لها فلو تعدت أو تعدى عليه ضمن أو ضمنت، وقال أبو حنيفة والشافعي.
في كل ما هلك بيدها من الصداق بفعلها أو بغير فعلها في ضامنة له قيمة نصفه ان طلقها قبل الوطئ وهذا قول فاسد لما وصفنا من أنه يقضى لها بنصف غير الذى فرض لها وهذا خلاف القرآن وقد قلنا: انها لم تعتد (1) فلا ضمان عليها.
وقال مالك: ما تلف بيدها من غير فعلها ثم طلقها قبل الدخول فلا شئ له عليها قال فلو أكلته أو وهبته أو كان مملوكا فاعتقته أو باعته ثم طلقها قبل الدخول ضمنت له نصف ما أخذت ان كان له مثل أو نصف قيمته ان كان مما لا مثل له فان كانت ابتاعت بذلك شورة فليس له الا نصف
__________
(1) في النسخة رقم 16 لم تتعد

(9/487)


الشئ الذى اشترت * قال أبو محمد: وهذه مناقضات ظاهرة لانه فرق بين ما أكلت ووهبت واعتقت وبين ما تلف بغير فعلها ولا فرق بين شئ من ذلك لانها في كل ذلك غير متعدية ولا ظالمة فلا شئ له عليها، ثم فرق بين ما اعتقت وأكلت ووهبت وبين ما اشترت به شورة، وهذا قول لا يعضده برهان من قرآن ولا سنة صحيحة ولا من رواية سقيمة.
ولا من قول صاحب.
ولا من قياس، وادعوا في ذلك عمل أهل المدينة، وهذا احتجاج فاسد لانه ان كان ذلك عمل الائمة الذين كانوا بالمدينة رضى الله عنهم فيعيذهم الله تعالى من أن لا يأمروا بالحق عمالهم بالعراق والشام وسائر البلاد وهذا باطل مقطوع به ممن ادعاه عليهم، فان ادعوا انهم فعلوا فبدل ذلك اهل الامصار كانت دعوى فاسدة ولم يكن فقهاء الامصار أولى بالتبديل من تابعي المدينة وكل هذا باطل قد أعاذ الله جميعهم من ذلك (1) فصح أنه اجتهاد من كل طائفة قصدت به الخير وبالله تعالى التوفيق * 1844 مسألة ومن تزوج فسمى صداقا أو لم يسم فله الدخول بها أحبت أم كرهت ويقضى لها بما سمى لها أحب أم كره ولا يمنع من اجل ذلك من الدخول بها لكن يقضى له عاجلا بالدخول ويقضى لها عليه حسب ما يوجد عنده بالصداق فان كان لم يسم لها شيئا قضى عليه بمهر مثلها إلا أن يتراضيا بأكثر أو بأقل، وهذا مكان اختلف السلف فيه * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابو الزبير أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: قال ابن عباس: إذا نكح المرأة وسمى لها صداقا فأراد أن يدخل عليها فليلق إليها رداءه أو خاتما ان كان معه * ومن طريق ابن وهب حدثنى يونس بن يزيد الايلى عن نافع عن ابن عمر قال: لا يصلح للرجل ان يقع على المرأة زوجه (2) حتى يقدم إليها شيئا من مالها ما رضيت به من كسوة أو عطاء قال ابن جريج: وقال عطاء وسعيد بن المسيب.
وعمرو هو ابن دينار لا يمسها حتى يرسل إليها بصداق أو فريضة قال عطاء.
وعمرو: ان
أرسل إليها بكرامة لها ليست من الصداق أو إلى أهلها فحسبه هو يحلها له، وقال سعيد بن جبير: اعطها ولو خمارا (3): وقال الزهري: بلغنا في السنة أن لا يدخل بامرأة حتى يقدم نفقة أو يكسو كسوة ذلك مما عمل به المسلمون، وقال مالك: لا يدخل عليها حتى يعطيها مهرها الحال فان وهبته له أجبر على أن يفرض لها شيئا
__________
(1) في النسخة رقم 14 قد أعاذهم الله تعالى جميعهم من ذلك (2) في النسخة رقم 14 (على امرأته) (3) في النسخة رقم 16 ولو جهازا

(9/488)


آخر ولا بد * وذهب آخرون إلى اباحة دخوله عليها وان لم يعطها شيئا كما روينا من طريق ابى داود نا محمد بن يحيى بن فارس الذهلى نا عبد العزيز بن يحيى الحرانى نا محمد ابن سلمة عن ابى عبد الرحيم عن زيد بن أبى أنيسة عن يزيد بن أبى حبيب عن مرثد ابن عبد الله اليزنى هو أبو الخير عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا امرأة برضاهما فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية وكان من شهدها له سهم بخيبر فحضرته الوفاة فقال: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجنى فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا ولكني أشهدكم ان أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر قال: فاخذته فباعته بمائة ألف) * وروينا من طريق وكيع عن هشام الدستوائي عن سعيد بن المسيب قال: اختلف أهل المدينة في ذلك فمنهم من أجازه ولم ير به بأسا ومنهم من كرهه قال سعيد: واى ذلك فعل فلا بأس به يعنى دخول الرجل بالمرأة التى تزوج ولم يعطها شيئا * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر.
ويونس بن عبيد قال منصور: عن ابراهيم النخعي وقال يونس: عن الحسن ثم اتفقا جميعا على أنه لا بأس بان يدخل الرجل بامرأته قبل أن يعطيها شيئا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري في الرجل يتزوج المرأة ويسمى لها صداقا هل يدخل عليها ولم يعطها شيئا؟ فقال الزهري: قال الله عزوجل: (ولا جناح
عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) فإذا فرض الصداق فلا جناح عليه في الدخول عليها وقد مضت السنة ان يقدم لها شئ من كسوة أو نفقة * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم ثنا حجاج عن أبى اسحق السبيعى ان كريب بن أبى مسلم وكان من أصحاب أبن مسعود تزوج امرأة على أربعة آلاف درهم ودخل بها قبل أن يعطيها من صداقها شيئا، وبهذا يقول سفيان الثوري.
والشافعي.
وأبو سليمان.
وأصحابهم، وقال الاوزاعي: كانوا يستحسنون ان لا يدخل بها حتى يقدم لها شيئا، وقال الليث: ان سمى لها مهرا فاحب إلى أن يقدم لها شيئا وان لم يفعل لم أر به بأسا، وقال أبو حنيفة: ان كان مهرها مؤجلا فله ان يدخل بها أحبت أم كرهت حل الاجل أو لم يحل، فان كان الصداق نقدا لم يجز له أن يدخل بها حتى يؤديه إليها فلو دخل بها فلها ان تمنع نفسها منه حتى يوفيها جميع صداقها * قال أبو محمد: أما تقسيم أبى حنيفة.
ومالك فدعوى بلا برهان لا من قرآن.
ولا من سنة.
ولا قياس.
ولا قول متقدم، ولا رأى له وجه فلم يبق الا قول من أباح دخوله عليها وان لم يعطها شيئا أو منع من ذلك فنظرنا في حجة من منع من ذلك فوجدناهم يحتجون بحديث فيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عليا ان يدخل بفاطمة رضى الله عنهما

(9/489)


حتى يعطيها شيئا * قال أبو محمد: وهذا خبر لا يصح لانه انما جاء من طريق مرسلة أو فيها مجهول أو ضعيف وقد تقصينا طرقها وعللها في كتاب الايصال الا ان صفتها كلها ما ذكرنا ههنا لا يصح شئ منها الا خبر من طريق أحمد بن شعيب انا عمرو بن منصور نا هشام بن عبد الملك الطيالسي نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن عكرمة عن ابن عباس (ان عليا قال: تزوجت فاطمة فقلت: يا رسول الله أبن لى؟ فقال: اعطها شيئا فقلت: ما عندي شئ قال فأين درعك الحطمية؟ قلت: هو عندي قال: فاعطها اياه) * قال أبو محمد: انما كان ذلك على انه صداقها لا على معنى انه لا يجوز الدخول الا
حتى يعطيها شيئا، وقد جاء هذا مبينا كما نا أحمد بن قاسم قال: نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم قال: حدثنى جدى قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير نا الحسن بن حماد نا يحيى بن يعمر الاسلمي عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن البصري عن أنس قال: قال على بن ابى طالب: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد علمت قدمى في الاسلام ومناصحتي وانى وانى قال: وما ذاك يا على؟ قال: تزوجني فاطمة قال: وما عندك؟ قلت عندي فرسى ودرعى قال: اما فرسك فلا بد لك منها واما درعك فبعها قال: فبعتها باربعمائة وثمانين فاتيته بها فوضعتها في حجره ثم قبض منها قبضة وقال: يا بلال ابغنا بها طيبا) وذكر باقى الحديث، فهذا بيان ان الدرع انما ذكرت في الصداق لا من أجل الدخول لانها قصة واحدة بلا شك * قال أبو محمد: وقد جاء في هذا أثر كما روينا من طريق أبى عبيد نا عمر بن عبد الرحمن نا منصور بن المعتمر عن طلحة بن مصرف عن خيثمة بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا تزوج امرأة فجهزها إليه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينقد شيئا * قال على: خيثمة من أكابر أصحاب ابن مسعود وصحب عمر بن الخطاب رضى الله عنهم، قال على: قال الله عزوجل: (الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) ولا خلاف بين أحد من المسلمين في انه من حين يعقد الزواج فانها زوجة له فهو حلال لها وهى حلال له فمن منعها منه حتى يعطيها الصداق أو غيره فقد حال بينه وبين امرأته بلا نص من الله تعالى ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الحق ما قلنا ان لا يمنع حقه منها ولا تمنع هي حقها من صداقها لكن يطلق على الدخول عليها أحبت أم كرهت ويؤخذ مما يوجد له صداقها أحب أم كره، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تصويب قول القائل: (اعط كل ذى حق حقه) وبالله تعالى التوفيق *

(9/490)


1845 مسألة وكل نكاح عقد على صداق فاسد أو على شرط فاسد مثل أن
يؤجل إلى أجل مسمى أو غير مسمى أو بعضه إلى أجل كذلك أو على خمر أو على خنزير أو على ما يحل ملكه.
أو على شئ بعينه في ملك غيره.
أو على أن لا ينكح عليها.
أو ان لا يتسرى عليها.
أو أن لا يرحلها عن بلدها أو عن دارها.
أو أن لا يغيب مدة أكثر من كذا أو على أن يعتق أم ولده فلانة أو على أن ينفق على ولدها أو نحو ذلك فهو نكاح فاسد مفسوخ أبدا وان ولدت له الاولاد ولا يتوارثان ولا يجب فيه نفقة ولا صداق ولا عدة وهكذا كل نكاح فاسد حاش التى تزوجت بغير اذن وليها جاهلة فوطئها فان كان سمى لها مهرا فلها الذى سمى لها وان كان لم يسم لها مهرا فلها عليه مهر مثلها فان لم يكن وطئها فلا شئ لها، فان كان الصداق الفاسد.
والشروط الفاسدة انما تعاقداها بعد صحة عقد النكاح خاليا من كل ذلك فالنكاح صحيح تام ويفسخ الصداق ويقضى لها بمهر مثلها إلا أن يتراضيا بأقل أو أكثر فذلك جائز وتبطل الشروط كلها * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وهذه كلها شروط ليست في كتاب الله عزوجل فهو باطل وكذلك تأجيل الصداق أو بعضه لان الله تعالى يقول: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) فمن شرط أن لا يؤتيها صداقها أو بعضه مدة ما فقد اشترط خلاف ما أمر الله تعالى به في القرآن، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) والخبران صحيحان مشهوران وقد ذكرناهما بأسانيدهما فيما سلف من كتابنا هذا، وكل ما ذكرنا فليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو باطل مردود بنص كلامه عليه الصلاة والسلام وبضرورة العقل يدرى كل ذى عقل ان كل ما عقدت صحته بصحة ما لا يصح فانه لا يصح، فكل نكاح عقد على أن لا صحة له الا بصحة الشروط المذكورة فلا صحة له، فإذ لا صحة له فليست زوجة وإذ ليست زوجة فان كان عالما فعليه حد الزنا ولا يلحق به الولد لان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فليس الا فراش
أو عهر فإذ ليست فراشا فهو عهر والعهر لا يلحق فيه ولد والحد فيه واجب، فان كان جاهلا فلا حد عليه والولد لاحق به لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بالحق ولم تزل الناس يسلمون وفى نكاحهم الصحيح والفاسد كالجمع بين الاختين ونكاح أكثر من أربع.
وامرأة الاب ففسخ عليه الصلاة والسلام كل ذلك وألحق فيه الاولاد فالولد لاحق بالجاهل لما ذكرنا * وأما استثناؤنا التى نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل فللخبر

(9/491)


الثابت الذى ذكرنا قبل باسناده من قوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل:) إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (فالمهر لها بما أصاب منها) وصح أيضا فلها مهرها (1) بما أصاب منها فقوله عليه الصلاة والسلام: (فالمهر لها) تعريف بالالف واللام وقوله عليه الصلاة والسلام: (فلها مهرها) اضافة المهر إليها فهذان اللفظان يوجبان لها المهر المعهود المسمى ومهرا يكون لها ان لم يكن هنالك مهر مسمى وهو مهر مثلها، ولا يجوز أن يحكم بهذا لكل نكاح فاسد لانه قياس والقياس كله باطل، وقوله عليه الصلاة والسلام: (ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام:) فصح يقينا أن ماله حرام عليها الا بنص قرآن.
أو سنة وما كان ربك نسيا، ونحن نشهد بشهادة الله عزوجل أن الله تعالى لو أراد أن يجعل في الوطئ في النكاح الفاسد مهرا لبينه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم كما بين ذلك في التى نكحت بغير اذن وليها، ولما اقتصر على هذه وحدها دون غيرها تلبسا على عبادة وحاش لله من هذا، فان قالوا: قال الله عزوجل: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقال تعالى: (الحرمات قصاص) والوطئ في النكاح الفاسد اعتداء وحرمة منتهكة فالواجب أن يعتدى عليه في ماله بمثل ذلك وأن يقتص بمثل ذلك في ماله قلنا: قول الله عزوجل حق وانتاجكم منه عين الباطل لان الله تعالى أوجب أن يعتدى على المعتدى ويقتص من حرمته بمثل
ما اعتدى عليه في حرمته، وليس المال مثلا للفرج الا ان يأتي به نص فيوقف عنده، ولو كان هذا لوجب على من ضرب آخر أو شتمه أن يقتص من ماله مثل ذلك وأن يعتدى عليه في ماله ولوجب أيضا على من زنى بامرأة أو لاط بغلام مهر مثلها أو غرامة ما، وهذه أحكام الشيطان.
وطغاة العمال.
وفساق الشرط ليس أحكام الله تعالى ولا أحكام رسوله صلى الله عليه وسلم انما حكم الله تعالى وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تتعدى حدوده فإذا حكم بغرامة مال حكمنا بها وإذا لم يحكم بها لم نحكم بها وبالله تعالى التوفيق * وقد ذكرنا قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه الذى حدثناه محمد ابن سعيد بن نبات نا اسماعيل بن اسحاق النصرى نا عيسى بن حبيب نا عبد الرحمن ابن عبد الله بن يزيد المقرى نا جدى محمد بن عبد الله ثنا سفيان بن عيينة عن اسماعيل ابن أبى خالد عن الشعبى عن مسروق أن عمر بن الخطاب قال: (ان كان النكاح حراما فالصداق حرام) وذكرنا فعل ابن عمر في ابطاله صداق التى تزوجها عبده
__________
(1) في النسخة رقم 14 فلها المهر

(9/492)


بغير اذنه كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن همام بن يحيى عن مطر الوراق عن نافع ان ابن عمر كان إذا تزوج عبده بغير اذنه جلده وفرق بينهما، وقال: أبحت فرجك ولم يجعل لها صداقا * وبه إلى عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن زيد عن عاصم الاحول قال: سمعت الحسن البصري يقول في الحرة التى تتزوج العبد بغير اذن سيده: أباحت فرجها لا شئ لها * وبه إلى محمد ابن المثنى نا ابو أحمد الزبيري نا سفيان الثوري عن داود بن أبى هند عن الشعبى قال: كل فرج لا يحل فلا مهر له * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبى ليلى عن فقهائهم في التي ينكحها العبد بغير اذن سيده قال: يأخذ السيد منها
ما أصدقها غلامه عجلت قبل أن تعلم * وبه إلى عبد الرزاق (1) عن معمر عن الزهري عن سليمان بن يسار انه قال: في التى تنكح في عدتها: مهرها في بيت المال * ومن طريق وكيع عن شعبة بن الحجاج قال: سألت الحكم بن عتيبة: وحماد بن أبى سليمان عن العبد يتزوج الحرة بغير اذن مولاه؟ فقالا جميعا: يفرق بينهما ولا صداق لها ويؤخذ منها ما أخذت * ونحو هذا عن ابراهيم النخعي، وهو قول أبى سليمان.
واصحابنا، وأما مالك فانه فرق ههنا فروقا لا تفهم، فمنها نكاحات هي عنده فاسدة تفسخ قبل الدخول وتصح بعد الدخول، ومنها ما يفسخه قبل الدخول وبعد الدخول أيضا ما كان من قرب فإذا طال بقاؤه معها لم يفسخه، ومنها ما يفسخه قبل الدخول وبعد الدخول وان طال بقاؤه معها ما لم تلد له أولادا فان ولدت له أولادا لم يفسخه، ومنها ما يفسخه قبل الدخول وبعده وان طال بقاؤه معها وولدت له الاولاد.
وهذه عجائب لا يدرى أحد من أين قالها ولا نعلم احدا قالها قبله ولا معه الا من قلده من المنتمين إليه، ولا يخلو كل نكاح في العالم من أن يكون صحيحا أو غير صحيح، ولا سبيل إلى قسم ثالث فالصحيح صحيح ابدا الا أن يوجب فسخه قرآن أو سنة فيفسخ بعد صحته متى وقعت الحال التى جاء النص بفسخه معها، وأما الذى ليس صحيحا فلا يصح أبدا لان الفرج الحرام لا يحله الدخول به وطئه ولا طول البقاء على استحلاله بالباطل ولا ولادة الاولاد منه بل هو حرام ابدا، فان قالوا: ليس بحرام قلنا: فلم فسختم العقد عليه قبل الدخول إذا وهو صحيح غير حرام؟ وهذه أمور لا ندرى كيف ينشرح قلب من نصح نفسه لاعتقادها أو كيف ينطلق لسانه بنصرها؟ ونسأل الله العافية *
__________
(1) في النسخة رقم 14 وبه إلى عبد الرحمن

(9/493)


وأما كل عقد صح ثم لما صح تعاقدا شروطا فاسدة فان العقد صحيح لازم واذ هو صحيح لازم فلا يجوز ان يبطل بغير قرآن.
أو سنة، ومحرم الحلال كمحلل الحرام
ولا فرق لكن تبطل تلك الشروط الفاسدة أبدا ويفسخ حكم من حكم بامضائها والحق حق والباطل باطل، قال الله تعالى: (ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) وقال تبارك وتعالى: (ويحق الله الحق بكلماته) وبالله تعالى التوفيق * 1846 مسألة وكل ما جاز ان يتملك بالهبة أو بالميراث فجائز ان يكون صداقا وان يخالع به وان يؤاجر به سواء حل بيعه أو لم يحل كالماء.
والكلب.
والسنور والثمرة التى لم يبد صلاحها والسنبل قبل أن يشتد لان النكاح ليس بيعا هذا ما لا يشك فيه ذو حس سليم * وقال بعض الغافلين: لا يحل الصداق بما لا يجوز بيعه (1) وهذا حكم فاسد بلا برهان لا من قرآن.
ولا سنة.
ولا رواية سقيمة.
ولا قول صاحب.
ولا قياس.
ولا رأى له وجه يعقل، وليت شعرى ماذا باع أو ماذا اشترى أرقبتها؟ فبيع الحر لا يجوز أم فرجها؟ فهذا أبين في الحرام وهو قد استحل بكلمة الله تعالى فرجها الذى كان حراما عليه قبل النكاح كما استحلت بكلمة الله تعالى فرجه الذى كان حراما عليها قبل النكاح ففرج بفرج وبشرة ببشرة، وأوجب الله تعالى عليه وحده الصداق لها زيادة على استحلالها فرجه وليس البيع هكذا انما هو جسم يبادل بجسم أحدهما ثمن والآخر مبيع مثمون لا زيادة ههنا لاحدهما على الآخر، فوضح لكل ذى عقل سليم فساد قول من شبه النكاح بالبيع، وايضا فان البيع بغير ذكر ثمن لا يحل والنكاح بغير ذكر صداق حلال صحيح، والعجب أنهم يمنعون النكاح بصداق ثمرة لم يبد صلاحها قياسا على البيع ثم أجازوا النكاح بوصيف وبيت.
وخادم هكذا غير موصوف بشئ من ذلك، ولا يحل عندهم بيع وصيف ولا بيع بيت ولا بيع خادم غير معين بشئ من ذلك ولا موصوف، وهذا كما ترى ونعوذ بالله من التهوك في الخطأ في الدين * 1847 مسألة وجائز أن يكون صداقا كل ماله نصف قل أو كثر ولو أنه حبة بر أو حبة شعير أو غير ذلك، وكذلك كل عمل حلال موصوف كتعليم شئ من القرآن أو من العلم أو البناء أو الخياطة أو غير ذلك إذا تراضيا بذلك، وورد
في هذا اختلاف (2) كما روينا من طريق وكيع عن داود بن يزيد الاودى عن الشعبى عن على رضى الله عنه قال: لا يكون صداق أقل من عشرة * ومن طريق عبد الرزاق عن حسن صاحب له عن شريك عن داود بن يزيد الاودى عن الشعبى عن على بن أبى طالب
__________
(1) في النسخة رقم 16 بعض القائلين لا يجوز اصداق ما ليس يجوز بيعه (2) في النسخة رقم 14 خلاف

(9/494)


رضى الله عنه قال: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم * وبه إلى حسن المذكور أخبرني المغيرة عن ابراهيم النخعي قال: (أكره أن يكون المهر مثل أجر البغى ولكن العشرة دراهم والعشرون * وبه يقول أبو حنيفة.
وأصحابه * وعن ابراهيم روايتان غير هذه صحيحتان، احداهما رويناها من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم النخعي قال: لا يتزوج الرجل على أقل من أربعين * والاخرى رويناها من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال: السنة في النكاح الرطل من الفضة * وروينا من طريق شعبة عن أبى سلمة الكوفى قال: سمعت الشعبى يقول: كانوا يكرهون أن يتزوج الرجل على أقل من ثلاثة أواقى * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا حسام بن المصك عن أبى معشر عن سعيد بن جبير انه كان يحب أن يكون الصداق خمسين درهما * قال أبو محمد: أما الرواية عن الشعبى فساقطة لانها عن أبى سلمة الكوفى ولا يدرى من هو، ولو صحت لكانت هي والرويتان عن ابراهيم في الاربعين اما درهما.
واما أوقية.
واما دينارا، والرواية عن سعيد بن جبير قول بلا برهان وما كان هكذا فهو باطل.
وأما الرواية عن ابراهيم بالعشرة دراهم فساقطة لانها عن حسن صاحب عبد الرزاق ولا يدرى أحد من هو، والرواية عن على رضى الله عنه باطل لانها عن داود بن يزيد الاودى وهو في غاية السقوط كان الشعبى يقول: إذا رأى اختلاطه لا تموت حتى تكوى في رأسك ثلاث كيات قال الراوى:
فما مات حتى كوى في رأسه ثلاث كيات، ثم هي مرسلة لان الشعبى لم يسمع من على قط حديثا، واحتجوا لقولهم هذا الفاسد بخبرين موضوعين، أحدهما عن حرام ابن عثمان عن ابني جابر بن عبد الله عن أبيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صداق أقل من عشرة دراهم) والآخر عن بقية عن مبشر بن عبيد الحلبي عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء.
وعمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا مهر دون عشرة دراهم) وقالوا: النكاح استباحة فرج وهو عضو منها فوجب أن لا يجوز الا بما تقطع فيه اليد، وقد احتج المالكيون بهذه التشغيبة (1) الساقطة أيضا * قال أبو محمد: لا حجة لهم غير ما ذكرنا، والحديثان المذكوران مكذوبان بلا شك، أحدهما من طريق حرام بن عثمان وهو في غاية السقوط لا تحل الرواية عنه، والآخر من طريق مبشر بن عبيد الحلبي وهو كذاب مشهور بوضع الكذب (2) على
__________
(1) في النسخة رقم 14 بهذه الشغيبة (2) في النسخة رقم 14 بوضع الحديث

(9/495)


رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجاج بن ارطاة وهو ساقط ولو صح لكانوا قد خالفوه لانهم يجيزون (1) النكاح على دينار لا يساوى عشرة دراهم فبطل كل ذلك والحمد لله رب العالمين * وأما قولهم: انه قياس على قطع يد السارق فهو أسخف قياس في العالم لانه لا شبه بين النكاح والسرقة، وأيضا فان اليد تقطع البته والفرج لا يقطع والنكاح طاعة والسرقة معصية، ولو قاسوا اباحة الفرج على اباحة الظهر في حد الخمر لكان أدخل في مخازي القياس وسخافاته (2) لان كليهما عضو مستور لا يقطع وقبل وبعد فما صح قط ان لا قطع في اقل من عشرة دراهم فو باطل متيقن على باطل وخطأ مشبه بخطأ فسقط هذا القول الفاسد، وقال مالك: لا يكون أقل من ثلاثة دراهم وقاسوه على قطع اليد، وقد مضى الكلام في سقوط هذا القول آنفا وما جاء نص قط بان لا قطع في أقل من ثلاثة دراهم انما صح النص لا قطع الا في ربع
دينار فصاعدا وهم لا يراعون في القطع ولا في الصداق ربع دينار في القيمة أصلا فلاح بطلان كل ما قالوه بيقين لا اشكال فيه * وموه المالكيون ايضا بان قالوا: قال الله عز وجل: (ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) قالوا: فلو جاز الصداق بما قل أو كثر لكان كل احد واجد الطول لحرة مؤمنة * قال أبو محمد: لا ندرى على ما نحمل هذا القول من قائله الا اننا لانشك في انه لم يحضره فيه من الورع [ قليل ] (3) وتقوى الله تعالى حاضر لانهم لا يختلفون في انه لا يجوز ان يكون صداق الامة المتزوجة أقل من صداق الحرة فكيف يفرقون بعد هذا بين وجود الطول لنكاح حرة وبين وجود الطول لنكاح أمة ونعوذ بالله من التمويه في دين الله عزوجل بما ندرى انه باطل قاصدين إليه عمدا: وقال بعضهم: كيف يجوز أن يكون الصداق بما قل أو كثر ولا تكون المتعة في الطلاق الا محدودة؟ قلنا: لان الله تعالى لم يحد في الصداق حدا الا ما تراضيا به وحد في المتعة في الطلاق على الموسع قدره وعلى المقتر قدره فالفرق بين الامرين أوضح من الشمس عند من لا يتعدى حدود الله تعالى، وأعجب شئ قول بعضهم ان الله عزجل عظم أمر الصداق فلا يجوز أن يكون قليلا فقلنا: هذا العجب حقا انما عظم الله تعالى أمر الصداق في ايجاب ادائه وتحريم اخذه بغير رضاها وهذا موجود في كل حق قال الله عزوجل: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة
__________
(1) في النسخة رقم 16 لا يجيزون وهو غلط (2) في النسخة رقم 16 في مخارق القياس وسخافته (3) الزيادة من النسخة رقم 16 ولا شئ

(9/496)


شرا يره) وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام (اتقوا النار ولو بشق تمرة) ولا عظيم اعظم من اتقاء النار، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم (من حلف على منبرى بيمين آثمة وجبت له (1) النار وان كان قضيبا من أراك) ثم أغرب شئ من أين وقع لهم ان ثلاثة دراهم
كثير وان ثلاثة دراهم غير حبة قليل؟، وتخليط هذه الطوائف أكثر من أن يحصيه الا محصى انفاسهم عزوجل * قال أبو محمد: فإذ قد ظهر بطلان اقوالهم (2) لا سيما قول مالك فانه لا نعرفه عن أحد من أهل العلم قبله، وقول أبى حنيفة لم يصح عن احد من أهل العلم قبله فلنورد البرهان على صحة قولنا قال الله عزوجل: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) وقال تعالى: (وآتوهن أجورهن بالمعروف) وقال تعالى: (وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) فلم يذكر الله عزوجل في شئ من كتابه الصداق فجعل فيه حدا بل أجمله اجمالا وما كان ربك نسيا، ونحن نشهد بشهادة الله عزوجل في الدنيا ويوم يقوم الاشهاد ان الله عزوجل لو أراد أن يجعل للصداق حدا لا يكون أقل منه لما أهمله ولا أغفله حتى يبينه له أبو حنيفة.
ومالك، وحسبنا الله ونعم الوكيل * والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روينا من طريق البخاري نا عبد الله بن يوسف انا مالك بن أنس.
وعبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه (فقام الرجل فقال: زوجنيها ان لم يكن لك بها حاجة قال: هل عندك شئ تصدقها؟ قال: ما عندي إلا إزارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان أعطيتها إياه جلست لا ازار لك فالتمس شيئا قال: ما أجد شيئا قال: التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال: أمعك من القرآن شئ؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا قال: قد زوجناكها بما معك من القرآن) * ومن طريق البخاري نا يحيى نا وكيع عن سفيان الثوري عن أبى حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: (تزوج ولو بخاتم من حديد) ومن طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا الحسين بن على عن زائدة عن أبى حازم عن سهل بن سعد قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يارسول الله قد وهبت نفسي لك فاصنع في ما شئت فقال له شاب عنده: يارسول الله
ان لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها قال: وعندك شئ تعطيها إياه؟ قال: ما أعلمه قال: فانطلق فاطلب فلعلك تجد شيئا ولو خاتما من حديد فأتاه فقال: ما وجدت
__________
(1) في النسخة رقم 14 أوجب الله له (2) في النسخة رقم 16 بطلان قولهم

(9/497)


شيئا إلا ازارى هذا قال: ازارك هذا ان أعطيتها اياه لم يبق عليك شئ قال: اتقرأ أم القرآن؟ قال: نعم قال: فانطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن) * نا حمام بن احمد القاضى نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا عبد الله بن يونس المرادى نا بقى بن مخلد نا أبو بكر بن أبى شيبة نا الحسن بن على هو الجعفي عن زائدة عن أبى حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا من امرأة على أن يعلمها سورة من القرآن * قال أبو محمد: والحديث مشهور ومنقول نقل التواتر (1) من طرق الثقات رويناه أيضا من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القارى.
وعبد العزيز بن محمد الدراوردى وسفيان بن عيينة: وحماد بن زيد.
ومعمر: ومحمد بن مطرف.
وفضيل ابن سليمان: وغيرهم كلهم عن أبى حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: فاعترض من لم يتق الله عزوجل ولا استحيا من الكذب في هذا فقال: انما كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من حديد مزينا يساوى عشرة دراهم من فضة أو ثلاثة دراهم من فضة خالصة فقول يضحك الثكلى ويسئ الظن بقائله لانها مجاهرة بما لم يكن قط ولا خلقه الله عزوجل قط في العالم ان تكون حلقة من حديد وزنها درهمان تساوى ما ذكروا (2) ولا سيما في المدينة وقد علم كل ذى حظ من التمييز ان مرورهم ومساحيهم لحفير الارض وشوافرهم وفؤوسهم لقطع الحطب.
ومناجلهم لعمل النخل وحصاد الزرع.
وسككهم للحرث ومزابرهم للزرجون.
ودروعهم ورماحهم كل ذلك من حديد فمن اين استحلوا أن يخبروا عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكذبة السخيفة؟ ونسأل
الله العافية، وان من لجأ إلى المحال الممتنع في نصر باطله لقد يدل فعله هذا على صفات سوء في الدين.
والحياء.
والعقل، واعترضوا على ان يكون الصداق تعليم القرآن بخبر رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا عفان بن مسلم نا ابان بن يزيد العطار حدثنى يحيى بن أبى كثير عن زيد بن أبى سلام (3) عن أبى راشد الحبرانى (4) عن عبد الرحمن بن شبل الانصاري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكوا به ولا تستكثروا به) وبالخبر الذى رويناه من طريق أبى ابن كعب انه علم رجلا القرآن فاهدى إليه فرسا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتحب ان تأتى الله في عنقك يوم القيامة نار)، وفى بعض ألفاظه (ان كنت تحب ان تطوق طوقا
__________
(1) في النسخة رقم 14 نقل الكافة (2) في النسخة رقم 16 ما ذكرنا (3) في النسخة رقم 14 عن زيد عن أبى اسلام (4) في النسخة رقم 14 الحرانى وهو غلط

(9/498)


من نار فاقبلها) وفى بعضها (جمرة بين كتفيك تقلد بها أو تعلقها) * قال أبو محمد: وهذه آثار واهية لا تصح، أما حديث (لا تأكلوا به) فرواية أبى راشد (1) الحبرانى وهو مجهول، ثم لو صح لم تكن لهم به حجة لان الاكل أكلان اكل بحق وأكل بباطل فالاكل بحق حسن وقد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه إلى المدينة كمصعب بن عمير وغيره يعلمون الانصار القرآن والدين وينفق الانصار عليهم قال الله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) فأنكر الله عزوجل على من نهاهم عن النفقة على اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد النكير * وأما حديث أبى بن كعب فان أحد طرقه في روايته الاسود بن ثعلبة وهو مجهول لا يدرى من هو، والاخرى من طريق أبى زيد عبد الله بن العلاء وهو مجهول لا يدرى من هو، والثالثة من طريق بقية وهو ضعيف فسقطت كلها، والصحيح من ذلك ضد هذا وهو ما رويناه من طريق البخاري نا سيدان (2) بن مضارب الباهلى نا أبو معشر
البراء هو يوسف بن يزيد حدثنى عبيد الله بن الاخنس أبو مالك عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس (أن رجلا قال: يا رسول الله آخذ على كتاب الله أجرا؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله عزوجل) * ومن طريق أبى داود نا عبد الله بن معاذ نا أبى نا شعبة عن عبد الله بن أبى السفر عن الشعبى عن خارجة بن الصلت عن عمه (انه رقى مجنونا بأم القرآن فاعطاه اهله شيئا فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل فلعمري من أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق) فصح ان الاكل بالقرآن في الحق وفى تعليمه حق.
وان الحرام انما هو أن يأكل به رياء أو لغير الله تعالى، وموهوا بالخبر الساقط الذى رويناه من طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية نا أبوعرفجة الفاشى عن أبى النعمان الازدي قال: (زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة على سورة من القرآن ثم قال: لا يكون لاحد بعدك مهرا) فهذا خبر موضوع فيه ثلاث عيوب، أولها انه مرسل ولا حجة في مرسل إذ رواه شعبة عن أيوب، والثانى ان أبا عرفجة الفاشى مجهول لا يدرى أحد من هو، والثالث ان أبا النعمان الازدي مجهول أيضا لا يعرفه أحد، وموه بعضهم بالخبر الذى فيه ان أبا طلحة تزوج أم سليم رضى الله عنهما على ان يسلم فلم يكن لها مهر غيره، وهذا لا حجة لهم فيه لوجهين، أحدهما ان ذلك كان قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدة لان أبا طلحة قديم الاسلام من أول الانصار اسلاما ولم
__________
(1) في النسخة رقم 14 فرواه أبو راشد (2) هو بكسر السين المهملة

(9/499)


يكن نزل ايجاب إيتاء النساء صدقاتهن بعد، الثاني انه ليس في ذلك الخبر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك، وقال بعضهم: هذا خاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: وهذا كذب * برهان ذلك قول الله عزوجل: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فكل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فالفضل لنا والاجر والاحسان في ان نفعل كما فعل إئتساء به والمانع من ذلك مخطئ والراغب عن سنته ظالم لنفسه هالك
الا أن يأتي نص قرآن أو سنة ثابتة بأنه خصوصي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحل ان يعمل به حيئنذ والعجب كله ان هؤلاء يأتون إلى ما عمله عليه الصلاة والسلام ولم يخبر المؤمنين انه خاص له فيقولون: هو خاص له ثم يأتون إلى نكاح الموهوبة وقد نص الله عزوجل عل أنها خالصة له عليه الصلاة والسلام دون المؤمنين فيقولون: هو عام لكل أحد نعوذ بالله مما ابتلوا به * وقال بعضهم: ارأيت ان طلقها قبل الدخول؟ فقلنا: ان كان قد علمها السورة التى أصدقها تعليمها فقد استوفت صداقها ولا سبيل لها إليه لانه عرض قد انقضى وان كان لم يعلمها اياه فعليه ان يعلمها نصفها فقط، وهذا لا يحرم على أحد يعنى تعليم امرأة أجنبية، وقد كلم أمهات المؤمنين الناس * قال أبو محمد: وقال بقولنا طائفة من السلف * روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن اسماعيل بن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: لو رضيت بسواك من أراك (1) لكان مهرا * ومن طريق وكيع عن الحسن بن صالح بن حى عن أبى هارون العبدى عن أبى سعيد الخدرى انه قال: (ليس على أحد جناح ان يتزوج بقليل ماله أو كثيره إذا استشهدوا وتراضوا) وروى عن عبد الرحمن بن مهدى عن صالح بن رومان عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: (من اعطى في صداق امرأة مل ء حفنة (2) من سويق أو تمر فقد استحل) * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حميد عن أنس بن مالك ان عبد الرحمن بن عوف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (تزوجت امرأة من الانصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم سقت إليها؟ قال: وزن نواة من ذهب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولم ولو بشاة) قال عبد الرزاق: فأخبرني اسماعيل بن عبد الله عن حميد عن انس قال: وذلك دانقان من ذهب * قال أبو محمد: الدانق سدس الدرهم الطبري وهو الاندلسي فالدانقان وزن ثلث درهم أندلسى وهو سدس المثقال من الذهب، وهذا خبر مسند صحيح، فان قيل: فقد رويتم من طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية نا حجاج هو ابن أرطاة عن قتادة
__________
(1) في النسخة رقم 14 سواك الاراك (2) في النسخة رقم 14 مل ء كفيه

(9/500)


عن أنس في النواة المذكورة انها قومت بثلاث (1) دراهم قلنا: حجاج ساقط ولا يعارض بروايته رواية عبد الرزاق * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء انه قال في الصداق: أدنى ما يكفى خاتمه أو ثوب يرسله، قال ابن جريج.
وقال عمرو ابن دينار.
وعبد الكريم: ادنى الصداق ما تراضوا به * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن يزيد بن قسيط قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لو اصدقها سوطا حلت له * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم ابن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا أبو أحمد الزبيري نا عبد العزير ابن أبى داود عن سعيد بن المسيب انه زوج أبنته ابن أخيه فقيل له: أصدق؟ فقال: درهمين * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا يونس بن عبيد عن الحسن انه كان يقول في الصداق: هو على ما تراضوا عليه من قليل أو كثير، ولا يؤقت شيئا، قال سعيد: ونا خالد بن عبد الله هو الطحان عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: ما تراضوا به عليه فهو صداق * ومن طريق سحنون عن عبد الله بن وهب أخبرني عثمان بن الحكم عن يحيى بن سعيد الانصاري انه قال: يحل المرأة ما رضيت به من قليل أو كثير، قال ابن وهب: وأخبرني رجال من أهل العلم عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق.
وابن قسيط.
وربيعة بن أبى عبد الرحمن أنه يجوز من الصداق درهم * قال أبو محمد: وهو قول سفيان الثوري.
والاوزاعي.
والحسن بن حى: والليث بن سعد.
وابن أبى ليلى.
وابن وهب صاحب مالك.
والشافعي.
وأحمد بن حنبل.
واسحاق.
وأبى ثور.
وابى سليمان.
وأصحابهم، وجملة أصحاب الحديث (2) ممن سلف وخلف وبالله تعالى التوفيق * 1848 مسألة ومن أعتق أمته على أن يتزوجها وجعل عتقها صداقها لا صداق
لها غيره فهو صداق صحيح ونكاح صحيح وسنة فاضلة فان طلقها قبل الدخول فهى حرة ولا يرجع عليها بشئ فلو أبت أن تتزوجه بطل عتقها وهى مملوكة كما كانت * وفى هذا خلاف متأخر، قال أبو حنيفة.
ومحمد بن الحسن.
وزفر بن الهذيل.
ومالك.
وابن شبرمة.
والليث: لا يجوز ان يكون عتق الامة صداقها.
قال أبو حنيفة.
وزفر.
ومحمد: ومالك ان فعل فلها عليه مهر مثلها وهى حرة.
ثم اختلفوا ان ابت أن تتزوجه فقال أبو حنيفة.
ومحمد: تسعى له في قيمتها، وقال مالك.
وزفر: لا شئ له عليها * قال على: البرهان على صحة قولنا وبطلان قول هؤلاء الخبر المشهور الثابت الذى
__________
(1) في النسخة رقم 14 ثلاثة (2) في النسخة رقم 16 (وجملة من أصحاب الحديث)

(9/501)


رويناه من طريق شتى كثيرة، منها من طريق البخاري، ومن طريق عبد الرزاق، ومن طريق حماد بن سلمة قال البخاري: ثنا قتيبة نا حماد بن زيد عن ثابت البنانى، وقال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة، وقال حماد بن سلمة عن عبد العزيز بن صهيب، ثم اتفق ثابت.
وقتادة.
وعبد العزيز كلهم عن أنس بن مالك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها) قال قتادة في روايته: ثم جعل * قال أبو محمد: فاعترض من خالف الحق على هذا الخبر بأن قال: لا يخلو أن يكون تزوجها وهى مملوكة فهذا لا يجوز بلا خلاف أو يكون تزوجها بعد أن أعتقها فهذا نكاح بلا صداق * قال على: هذا أحمق كلام سمع لوجوه، أولها أنه اعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا انسلاخ من الاسلام، والثانى أنه اعتراض مموه ساقط لاننا نقول لهم ما تزوجها الا وهى حرة بعد صحة العتق لها وذلك العتق الذى صح لها بشرط أن يتزوجها به هو صداقها قد أتاها اياه واستوفته ولا فرق بين هذا وبين من أعطى امرأة دراهم ثم خطبها فتزوجها على تلك الدراهم التى له عندها وهم لا ينكرون هذا، والثالث أنهم لو
سألوا أنفسهم هذا السؤال في أقوالهم الفاسدة لاصابوا؟ مثل توريثهم المطلقة ثلاثا في المرض فنقول لهم: لا يخلو من ان تكونوا ورثتموها وهى زوجة له أو وهى ليست بزوجة له ولا سبيل إلى قسم ثالث فان كانت زوجته فقد كان تلذذه بمباشرتها ونظره إلى فرجها حلال له مادام يجرى فيه الزوج وأنتم تحرمون عليه ذلك بتلا قطعا وان كانت ليست زوجا له ولا اما له ولا بنتا له ولا جدة له ولا بنت ابن له ولا اختا ولا معتقة ولا ذات رحم فهذا عين الظلم واعطاء المال بالباطل (1) فان ادعوا اتباع الصحابة قلنا: نحن أولى بالصواب وبوضوح العذر وبترك الاعتراض علينا إذ انما اتبعنا ههنا النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أيضا.
والتابعين زيادة فكيف وقد كذبتم في دعواكم اتباع الصحابة في توريث المطلقة ثلاثا في المرض على ما نبينه ان شاء الله تعالى في بابه؟، وأقرب ذلك انه لم يصح عن عمر والمشهور عن عثمان انه لم يعده طلاقا وفى قولهم في ولد المستحقة: انهم احرار وعلى أبيهم قيمتهم.
فنقول لهم: لا يخلو من أن يكونوا احرارا أو عبيدا فان كانوا أحرارا فثمن الحر حرام كالميتة والدم وان كانوا عبيدا فبيع العبيد من غير رضا سيدهم حرام الا بنص، ومثل هذا لهم كثير جدا؟ وقال بعضهم: العتق ليس مالا فهو كالطلاق في أن العتق يبطل به الرق فقط والطلاق يبطل به النكاح فقط فلو انه طلقها على أن يكون
__________
(1) في النسخة رقم 16 عين الظلم والخطأ وأكل المال بالباطل

(9/502)


طلاقها مهرا لها بعد ذلك فكذلك العتق * قال أبو محمد: وهذا قول في غاية الفساد والسخافة لانه قياس والقياس كله باطل، ثم لو صح لكان هذا منه عين الباطل لان قياس أصل على أصل آخر لا يجوز عندهم ولا شبه بين الطلاق والعتق لان العتق يبطل الرق كما قالوا: وأما الطلاق فقد كذبوا في قولهم أنه يبطل النكاح بل للمطلق الذى وطئها دون الثلاث ان يرتجعها فصح انه لم يبطل نكاحه بخلاف العتق الذى لا يجوز له ارتجاعه في الرق، وأيضا فان العتق اخراج
مال عن ملكه وليس الطلاق كذلك فبطل تمويههم البارد والحمد لله رب العالمين، وقال بعضهم: هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: هذا كذب ومخالفة لقول الله عزوجل: (لقد كان لكم في رسول أسوة حسنة) فكل فعل فعله عليه الصلاة والسلام لنا الفضل في الائتساء به عليه الصلاة والسلام ما لم يأت نص بانه خصوص فنقف عنده ولو قالوا هذا لانفسهم في اجازتهم الموهوبة التى لا تحل لغيره عليه الصلاة والسلام لوفقوا، وقال بعضهم: قد رويتم في ذلك ما كتب به اليكم داود بن بابشاذ قال: نا عبد الغنى بن سعيد الحافظ نا هشام بن محمد بن قرة نا أبو جعفر الطحاوي نا أحمد بن داود نا يعقوب بن حميد - وهو ابن كاسب قال: نا حماد بن زيد عن عبد الله بن عون قال: (كتب إلى نافع ان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ جويرية في غزوة بنى المصطلق فاعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها) أخبرني بذلك عبد الله بن عمر كان في ذلك الجيش قالوا: وابن عمر لا يرى ذلك فمحال أن يترك ما روى الا لفضل علم عنده بخلاف ذلك * قال أبو محمد: لو صح ما ذكروه من ان ابن عمر لم ير ذلك لما كانت فيه حجة لان الحجة التى أمرنا الله تعالى بها وباتباعها انما هي ما رووه لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ما رواه من رآه منهم (1) برأى اجتهد فيه وأصاب ان وافق النص فله أجران أو اخطأ إن خالف النص غير قاصد إلى خلافه فله أجر واحد، وقد افردنا في كتابنا المرسوم بالاعراب في كشف الالتباس بابا ضخما لكل واحدة من الطائفتين فيما تناقضوا فيه في هذا المكان فاخذوا برواية الصاحب وخالفوا رأيه الذى خالف به ماروى، والذى نعرفه عن ابن عمر فهو ما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا هشيم.
وجرير كلاهما عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال، (ان ابن عمر كان يقول في الرجل يعتق الجارية ثم يتزوجها كالراكب بدنته) قال ابراهيم وكان أعجب ذلك إلى أصحابنا ان يجعلوا عتقها صداقها
__________
(1) في النسخة رقم 14 لا ما رأه من رآه منهم

(9/503)


فانما كره ابن عمر زواج المرء من أعتقها لله عزوجل فقط، فبطل كيدهم الضعيف في هذه المسألة * قال أبو محمد: والخبر المذكور عن ابن عمر كتب به إلى داود بن بابشاذ قال: نا عبد الغنى بن سعيد ثنا هشام بن محمد بن قرة نا أبو جعفر الطحاوي فذكر الحديث الذى ذكرنا آنفا، ثم قال: فقد روى هذا ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا ثم قال: هو من بعده عليه الصلاة والسلام في مثل هذا انه يجدد لها صداقا * نا بذلك سليمان بن شعيب نا الخصيب هو ابن ناصح حدثنا حماد بن سلمة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مثل ذلك * قال أبو محمد: هذا نص كلام الطحاوي ولم يذكر كلام ابن عمر كيف كان ولعله لو اورده لكان خلافا لظن الطحاوي، وهذا الحديث ليس مما رواه أصحاب حماد بن سلمة الثقات عنه، والخصيب لا يدرى حاله وليس بالمشهور في اصحاب حماد ابن سلمه فهو أمر ضعيف من كل جهة، والخبر الاول من رواية ابن عمر لا من جويرية هو من رواية يعقوب بن حميد بن كاسب وهو ضعيف، وذكروا أيضا الخبر الذى رويناه من طريق محمد بن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة أم المؤمنين أن جويرية قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (انها وقعت في سهم ثابت بن قيس ابن الشماس أو ابن عم له وانها كاتبته وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها وانه عليه الصلاة والسلام قال لها: أو خير من ذلك أقضى عنك كتابتك واتزوجك) قالوا: وليس هذا لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤدى كتابة مكاتبة لغيره ويتزوجها بذلك * قال أبو محمد: قبل كل شئ فان هذا خبر لا تقوم به حجة انما وريناه عن محمد بن اسحاق من طريقين ضعيفين، احدهما من طريق زياد بن عبد الله البكائى.
والآخر من طريق اسد بن موسى وكلاهما ضعيف ثم لو صح لكان لا يخلو من أن ثابت بن قيس وهبها
لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرف رغبته عليه الصلاة والسلام فيها ولم تكن أدت من كتابتها بعد شيئا فبطلت الكتابة وصارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز أن يظن بثابت أو بصاحب غير هذا أصلا، وأيضا فلو لم يكن ذلك وتمادت على كتابتها حتى عتقت بأدائها أو بأداء رسول الله صلى الله عليه وسلم اياها عنها لكانت مولاة ثابت وهذا لم يقله أحد قطعا ولا اختلف أحد من أهل العلم في انها لم تكن مولاة ثابت أصلا فوضح سقوط ما رواه أسد.
وزياد وبطل تعلقهم بهذه الملفقات التى لا تغني من الحق شيئا، وموهوا ايضا بما حدثناه حمام بن أحمد نا عباس بن اصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا اسماعيل

(9/504)


ابن اسحاق نا يحيى بن عبد الحميد الحمانى نا أبو بكر بن عياش نا أبو حصين عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ايما امرئ أعتق أمته ثم تزوجها بمهر جديد فله أجران) فهذا لفظ سوء انفرد به يحيى الحمانى وهو ضعيف جدا عن أبى بكر بن عياش وهو ضعيف، والخبر مشهور من رواية الثقات ليس فيه بمهر جديد أصلا، ثم لو صح لم تكن فيه حجة أصلا لانه ليس فيه انه لا يجوز له نكاحها الا بمهر جديد، ونحن لا نمنع من أن يجعل لها مهرا آخر بل كل ذلك جائز، وهذا الخبر رويناه من طرق * منها من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن صالح بن حيان عن الشعبى عن ابى بردة بن أبى موسى الاشعري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له جارية فاحسن ادبها وعلمها فاحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران اثنان) * ومن طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله نا مطرف هو بن طريف عن الشعبى عن أبى بردة عن أبى موسى الاشعري (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الذى يعتق أمته ثم يتزوجها (1) فله أجران) ليس في شئ من ذلك ذكر مهر جديد * [ اخبرنا أبو عمر بالسند المتقدم إلى مسلم قال: نا يحيى بن يحيى نا هشيم عن صالح بن صالح الهمدنى عن الشعبى قال: رأيت رجلا من خراسان يسأل الشعبى فقال: يا أبا عمرو
ان من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق امته ثم تزوجها: فهو كالراكب بدنته فقال الشعبى.
حدثنا أبو بردة هو عامر بن عبد الله بن قيس هو أبو موسى الاشعري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من اهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدق به (2) فله أجران.
وعبد مملوك أدى حق الله عليه وحق سيده فله أجران ورجل كانت له أمة فغذاها فاحسن غذاءها ثم ادبها فاحسن أدبها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران) ثم قال الشعبى للخراساني: خذ هذا الخبر (3) بغير شئ فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة، قال مسلم: ونا أبو بكر بن ابى شيبة نا عبدة بن سليمان ونا ابن أبى عمر حدثنا سفيان ونا عبد الله بن معاذ قال: حدثنى أبى قال: نا شعبة كلهم عن صالح بن صالح بهذا الاسناد نحوه ] (4) * قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا به انما هو أباطيل، وممن قال بقولنا (5) من السلف طائفة كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى عن الحارث عن على بن أبى طالب أنه قال فيمن أعتق أمته ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها
__________
(1) في النسخة رقم 16 أعتق أمته ثم تزوجها (2) في صحيح مسلم وصدقه (3) في صحيح مسلم خذ هذا الحديث (4) من قوله أخبرنا أبو عمر بالسند المتقدم إلى هنا زيادة من النسخة رقم 16 (5) في النسخة رقم 14 بمثل قولنا

(9/505)


قال: (له أجران) وقد روى أيضا عن ابن مسعود.
وأنس * ومن طريق سعيد ابن منصور نا هشيم أنا يحيى بن سعيد الانصاري.
والمغيرة.
ويونس هو ابن عبيد وجابر قال يحيى: عن سعيد بن المسيب وقال المغيره: عن ابراهيم.
وقال يونس: عن الحسن وقال جابر: عن الشعبى قالوا كلهم: لا بأس بأن يجعل عتقها صداقها، قال هشيم: وأنا عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء بن أبى رباح أنه كان يقول: (إذا قال الرجل لامته قد أعتقتك وتزوجتك فهى امرأته وان قال: أعتقك واتزوجك فاعتقها ان شاءت تزوجته وان شاءت لم تتزوجه، وكان الحسن يكره غير هذا كما روينا من طريق
أبى داود الطيالسي عن شعبة عن منصور بن زاذان عن الحسن البصري أنه كره أن يعتق الرجل أمته لوجه الله ثم يتزوجها * قال أبو محمد: وروى مثله عن أنس بن مالك.
وابن مسعود.
وجابر بن زيد.
وابراهيم * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم قال: كانوا يكرهون ان يعتق أمته ثم يتزوجها ولا يرون بأسا أن يجعل عتقها صداقها * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد الانصاري.
وعبد الله ابن طاوس قال يحيى: عن سعيد بن المسيب وقال ابن طاوس: عن أبيه قالا جميعا: لا بأس ان يجعل عتقها صداقها، قال طاوس: ذلك حسن * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: لا بأس ان يعتق الرجل أمته فيتزوجها ويجعل عتقها صداقها * وبه إلى معمر عن قتادة قال: إذا أعتق الرجل أمته وجعل عتقها مهرها ثم طلقها قبل ان يدخل بها فلا شئ لها، وابن جريج يقول: ان طلقها سعت له في نصف قيمتها، وهو قول عطاء * قال أبو محمد: فهؤلاء على.
وأنس.
وأبن مسعود.
وسعيد بن المسيب وابراهيم.
ومن لقيه ابراهيم من شيوخه.
والشعبى وعطاء بن أبى رباح.
وطاوس.
وأبو سلمة ابن عبد الرحمن.
وقتادة.
وغيرهم وهو قول سفيان الثوري.
والاوزاعي.
والحسن ابن حى وأبى يوسف القاضى خالف في ذلك اصحابه ووفق.
والشافعي.
وأحمد وأبى ثور وبعض أصحابنا وما نعلم للمخالفين سلفا الا تلك الرواية الساقطة عن ابن عمر التى لم يبين فيها كيف كان لفظه ولا كيف كان لفظ نافع الذى ذكر ذلك عنه، وشيئا ربما ذكروه * رويناه من طريق سعيد بن منصور قال: نا هشيم انا يونس عن ابن سيرين انه كان يحب ان يجعل مع عتقها شيئا ما كان.
قال أبو محمد: انما هذا استحباب من ابن سيرين والا فهذا القول يدل على انه كان

(9/506)


يجيز ان يجعل عتقها صداقها فقط وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: ان طلقها قبل الدخول فلا شئ له عليها لان الذى فرض لها هو عتقها وهو شئ قد تم فلا يستدرك وتكليف الغرامة هو ايجاب غير نصف ما فرض لها فلا يجوز واما ان لم تتزوجه فانه عتق لم يتم انما هو عتق بشرط ان تتزوجه فيكون صداقها فإذا لم تتزوجه فلا صداق لنكاح لم يتم فهو باطل، واما ان تزوجته فقد تم النكاح وصح العتق لصحة النكاح الذى عتق به وبالله تعالى التوفيق * 1849 مسألة ولا يجوز ان تجبر المرأة على ان تتجهز إليه بشئ أصلا لا من صداقها الذى أصدقها ولا من غيره من سائر مالها، والصداق كله لها تفعل فيه كله ما شاءت لا اذن للزوج في ذلك ولا اعتراض وهو قول أبى حنيفة.
والشافعي.
وأبى سليمان.
وغيرهم، وقال مالك: ان اصدقها دنانير أو دراهم أجبرت على أن تبتاع بكل ذلك شورة من ثياب ووطاء وحلى تتجمل به له ولا يحل له ان تقضى منها دينا عليها الا ثلاثة دنانير فاقل فان أصدقها نقار ذهب أو نقار فضه فهو لها ولا تجبر على أن تبتاع بها شورة أصلا، فان أصدقها حليا اجبرت على أن تتحلى به له فان أصدقها ثيابا ووطاء أجبرت على أن تلبسها بحضرته ولم تجب لها عليه كسوة حتى تمضى مدة تخلق فيها تلك الثياب، فان أصدقها خادما انثى أجبرت على أن تخدمها ولم يكن لها بيعها وان أصدقها عبدا فلها ان تفعل فيه ما شاءت من بيع أو غيره، فلو أصدقها دابة.
أو ماشية.
أو ضيعة أو دارا أو طعاما لم يكن للزوج في كل ذلك رأى وهو لها تفعل فيه ما شاءت من بيع أو غيره وليس للزوج ان ينتفع بشئ من ذلك ولا ان ينظر فيه الا باذنها ان شاءت * قال أبو محمد: قول مالك هذا يكفى من فساده عظيم تناقضه وفرقه بين ما فرق من ذلك بلا برهان من قرآن.
ولا من سنة.
ولا رواية سقيمة.
ولا قول أحد نعلمه قبله ولا قياس ولا رأى له وجه.
واطرف شئ اباحته لها قضاء الثلاثة دنانير والدينارين في دينها فقط لا أكثر من ذلك فليت شعرى ان كان صداقها الفى دينار أو كان صداقها دينارا
واحد كيف العمل في ذلك ان هذا لعجب * قال أبو محمد: وبرهان صحة قولنا قول الله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) فافترض الله عزوجل على الرجال أن يعطوا السناء صدقاتهن نحلة ولم يبح للرجال منها شيئا الا بطيب أنفس النساء فأى بيان بعد هذا نرغب أم كيف تطيب نفس مسلم على مخالفة هذا الكلام لرأى فاسد متخاذل متنافر لا يعرف لقائله فيه سلف، ووجدنا الله عزوجل قد أوجب للمرأة حقوقا في مال

(9/507)


زوجها أحب أم كره وهى الصداق والنفقة والكسوة.
والاسكان ما دامت في عصمته.
والمتعة ان طلقها ولم يجعل للزوج في مالها حقا أصلا لا ماقل ولا ما كثر ولا شئ أطرف من اسقاطهم عن الزوج الكسوة ما دام يمكنها أن تكتسي من صداقها ولم يسقط عنه النفقة مادام يمكنها أن تنفق على نفسها من صداقها فهل سمع باسقط من هذا الفرق الفاسد؟.
وشغب بعضهم بقول الله عزوجل: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض) فقلنا: صدق الله عزوجل، ولا يحل تحريف الكلم عن مواضعه ولا أن نقول عليه عزوجل ما لم يقل فهذا من أكبر الكبائر، وليس في هذه الآية ذكر لقيامه على شئ من مالها ولا للحكم برأيه ولا للتصرف فيه وانما فيها انه قائم عليها يسكنها حيث يسكن ويمنعها من الخروج إلى غير الواجب ويرحلها حيث يرحل، ثم لو كان في الآية لما ادعيتم لكنتم أو مخالفين لها لانكم خصصتم بعض الصدقات دون بعض ودون سائر مالها كل ذلك تحكم (1) بالباطل بلا برهان، وشغبوا أيضا بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لاربع لحسنها ومالها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) * وهذا عجب جدا لا نظير له أول ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أن تنكح لمالها ولا ندب إلى ذلك ولا صوبه بل انما أورد ذلك اخبارا عن فعل الناس فقط، وهذه أفعال الطماعين المذموم فعلهم في ذلك بل في الخبر نفسه الانكار لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام:
(فاظفر بذات الدين) فلم يأمر بأن تنكح بشئ من ذلك الا للدين خاصة لكن الواجب أن تنكح المرأة الزوج لماله لان الله تعالى أوجب لها الصداق عليه والنفقة والكسوة، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان النهى عن أن تنكح المرأة لمالها كما حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج القاضى نا محمد بن أيوب الرقى نا البزار نا سلمة بن شبيب نا عبد الله ابن يزيد عن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعل حسنهن يرديهن ولا تنكحوهن لاموالهن فلعل أموالهن يطغيهن وانكحوهن للدين ولامة سوداء خرماء ذات دين أفضل) ثم أنهم أول مخالفين لما موهوا به لانه ليس في نكاح المرأة لمالها لو أبيح ذلك أو ندب إليه شئ مما أتوا به من التخليط في الفرق بين صداق فضة مضروبة وذهب مضروب وبين سبائك فضة وذهب غير مضروبة، والفرق بين أصداق ثياب.
ووطاء.
وجوهر.
وخادم، وبين اصداق حرير.
وقطن.
وكتان.
وصوف.
ودابة.
وماشية.
وعبد.
وطعام، والفرق بين قضاء ثلاثة دنانير من دينها فأقل وبين قضائها أكثر من ذلك فوضح عظيم فساد تخليط هذه الاقوال وبالله
__________
(1) في النسخة رقم 16 وهذا تحكم

(9/508)


تعالى التوفيق * وربما يموهون بما نذكره مما روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا همام ابن يحيى أنا قتادة عن جلال بن أبى الجلال العتكى عن أبيه أن رجل خطب إلى رجل ابنته من امرأة عربية فأنكحها اياه فبعث إليه بابنة له أخرى أمها أعجمية فلما دخل بها علم بعد ذلك فأتى معاوية فقص عليه فقال: معضلة ولا ابا حسن وكان على حربا لمعاوية فقال الرجل لمعاوية فأذن لى أن آتيه فاذن له معاوية فأتى الرجل على بن أبى طالب فقال: السلام عليك يا على فرد عليه السلام فقص عليه القصة فقضى على على أبى الجارية بان يجهز ابنته التى أنكحها اياه بمثل الصداق الذى ساق منها لاختها بما أصاب من فرجها وأمره أن لا يمس امرأته حتى تنقضي عدة أختها، قال الحجاج بن المنهال: وأخبرني
هشيم قال: أخبرني المغيرة عن ابراهيم النخعي أن رجلا تزوج جارية فأدخل عليه غيرها فقال ابراهيم: للتى دخل بها الصداق الذى ساق وعلى الذى غره أن يزف إليه امرأته بمثل صداقها * قال أبو محمد: هذا كله عليهم لا لهم لانه ليس في شئ من هذين الخبرين ان للزوج في ذلك حقا ولا اربا انما فيهما أن يضمن للتى زوجت منه وزف إليه غيرها صداقها الذى استهلك لها وأعطى لغيرها بغير حق وهكذا نقول، ثم هم يخالفون هذه الرواية عن على في موضعين، أحدهما انه جعل للتى زفت إليه الصداق الذى سمى لاختها وهم لا يقولون بهذا بل انما يقضون لها بصداق مثلها، والموضع الثاني أمر على له أن لا يطأ التى صح نكاحه معها الا حتى تنقضي عدة الاخرى التى زفت إليه وهم لا يقولون بهذا، فمن المقت والعار والاثم تمويه من يوهم أنه يحتج بأثر هو أول من يخالفه ونعوذ بالله من الخذلان، هذا مع أن الجلال بن أبى الجلال غير مشهور * وبما أخبرناه أحمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير نا الحسن بن حماد نا يحيى بن يعلى عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن أنس فذكر خطبة على فاطمة رضى الله عنهما (وان عليا باع درعه باربعمائة وثمانين قال: فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعتها في حجره فقبض منها قبضة فقال: يا بلال أبغنا بها طيبا وأمرهم أن يجهزوها) قال: فجعل لنا سرير مشروط بالشريط ووسادة من أدم حشوها ليف ومل ء البيت كثيبا * قال أبو محمد: وهذا حجة عليهم لانه لا تبلغ قبضة في طيب وسرير مشروط بالشريط ووسادة من أدم حشوها ليف عشر اربعمائة درهم وثمانين درهما فظهر فساد قولهم والحمد لله رب العالمين *

(9/509)


1850 مسألة وعلى الزوج كسوة الزوجة مذ يعقد النكاح ونفقتها وما
تتوطاه وتتغطاه وتفترشه واسكانها كذلك أيضا.
صغيرة كانت أو كبيرة.
ذات أب أو يتيمة غنية أو فقيرة دعى إلى البناء أو لم يدع نشزت أو لم تنشز.
حرة كانت أو أمة بوأت معه بيتا أو لم تبوأ * برهان ذلك ما رويناه من طريق أبى داود نا موسى بن اسماعيل نا حماد ابن سلمة نا أبو قزعة الباهلى عن حكيم بن معاوية القشيرى قال: (قلت يارسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: ان تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر الا في البيت) قال أبو محمد: أبو قزعة هذا هو سويد بن حجير ثقة روى عنه شعبة.
وابن جريج.
وحماد بن سلمة.
وابنه قزعة.
وغيرهم * ومن طريق مسلم نا الحجاج نا اسحق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في عرفة يوم عرفة (1): (فاتقوا الله في النساء فانكم اخذتموهن بامان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم احدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل النساء ولم يخص ناشزا من غيرها ولا صغيرة ولا كبيرة ولا أمة مبوأة بيتا (2) من غيرها وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى وما كان ربك نسيا * نا يونس بن عبد الله نا أحمد ابن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا عبيد الله بن عمر أخبرني نافع عن ابن عمر قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الاجناد ان انظروا إلى من طالت غيبته ان يبعثوا بنفقة أو يرجعوا، وذكر باقى الخبر فلم يستثن عمر امرأة من امرأة * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عن امرأة خرجت من بيت زوجها غاضبة (3) هل لها نفقة؟ قال: نعم *
قال أبو محمد: وروينا عن نحو خمسة من التابعين: لا نفقة لناشز: وهذا قول خطأ ما نعلم لقائله حجة، فان قيل: ان النفقة بازاء الجماع والطاعة قلنا: لا بل هذا القول كذب، وأول من يبطله (4) أنتم، أما الحنيفيون.
والشافعيون فيوجبون النفقة
__________
(1) في النسخة رقم 14 في خطبته بعرفة (2) في النسخة رقم 14 (مبوأة بيت) (3) في النسخة رقم 14 (عاصية) (4) في النسخة رقم 14 وأول من يسقطه

(9/510)


على الزوج الصغير على الكبيرة ولا جماع هنالك ولا طاعة، والحنيفيون، والمالكيون والشافعيون يوجبون النفقة على المجبوب والعنين ولا خلاف في وجوب النفقة على المريضة التى لا يمكن جماعها وقد بين الله عزوجل ما على الناشز فقال: (واللاتي تخافون بنشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) فاخبر عزوجل انه ليس على الناشز الا الهجر والضرب ولم يسقط عزوجل نفقتها ولا كسوتها فعاقبتموهن أنتم بمنعها حقها وهذا شرع في الدين لم يأذن به الله فهو باطل، فان قالوا: انها ظالمة بنشوزها قلنا: نعم وليس كل ظالم يحل منعه من ماله الا ان يأتي بذلك نص والا فليس هو حكم الله هذا حكم الشيطان وظلمة العمال والشرط، والعجب كله انهم لا يسقطون قرضا اقرضته اياه من أجل نشوزها فما ذنب نفقتها تسقط دون سائر حقوقها ان هذا لعجب عجيب، وقال بوجوب النفقة على الصغيرة سفيان الثوري.
وابو سليمان وأصحابنا، وما نعلم لمن أسقطها حجة أصلا فهو باطل بلا شك قال الله عزوجل: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فقوله باطل وقال مالك: لا نفقة على الزوج الا حتى يدعى إلى البناء * قال أبو محمد: هذا الحكم دعوى مجردة لا برهان على صحتها لا من قرآن.
ولا من سنة ولا قول صاحب.
ولا قياس.
ولا رأى صحيح وقد بينا ان السنة الثابتة جاءت بخلافه فهو ساقط وبالله تعالى التوفيق *
1851 مسألة ولا يحل لاب البكر صغيرة كانت أو كبيرة أو الثيب ولا لغيره من سائر القرابة أو غيرهم حكم في شئ من صداق الابنة أو القريبة ولا لاحد ممن ذكرنا أن يهبه ولا شيئا منه لا للزوج طلق أو أمسك ولا لغيره فان فعلوا شيئا من ذلك فهو مفسوخ باطل مردود أبدا، ولها أن تهب صداقها أو بعضه لمن شاءت ولا اعتراض لاب ولا لزوج في ذلك هذا إذا كانت بالغة عاقلة وبقى لها بعده غنى والا فلا، ومعنى قوله عزوجل: (فنصف ما فرضتم الا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) انما هو أن المرأة إذا طلقها زوجها قبل أن يطأها وقد كان سمى لها صداقا رضيته فلها نصف صداقها الذى سمى لها الا أن تعفو هي فلا تأخذ من زوجها شيئا منه وتهب له النصف الواجب لها أو يعفو الزوج فيعطيها الجميع فأيهما فعل ذلك فهو أقرب للتقوى، وهذا مكان اختلف فيه السلف فقالت طائفة: الذى بيده عقدة النكاح هو الزوج كما قلنا * روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا جرير بن حازم سمعت عيسى بن عاصم يقول: سمعت شريحا يقول: سألني على بن أبى طالب عن الذى بيده عقدة النكاح؟

(9/511)


فقلت: هو الولى فقال على: بل هو الزوج * ومن طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس قال: هو الزوج * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن صالح بن كيسان أن نافع بن جبير بن مطعم تزوج امرأة فطلقها قبل أن يبنى بها فأكمل لها الصداق وتأول قول الله عزوجل: (الذى بيده عقدة النكاح) يعنى الزوج * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ايوب السختيانى عن محمد بن سيرين عن شريح قال: هو الزوج * نا أحمد بن عمر العذري نا مكى بن عيسون نا أحمد بن عبد الله بن رزيق نا أحمد بن عمرو بن جابر نا محمد بن حماد الطهراني (1) نا عبد الرزاق عن قتادة.
وابن أبى نجيح قال قتادة: عن سعيد بن المسيب وقال ابن أبى نجيح: عن مجاهد قالا جميعا سعيد ابن مسيب.
ومجاهد: الذى بيده عقدة النكاح هو الزوج * ومن طريق الحجاج بن المنهال
نا أبو عوانة عن أبى بشر هو جعفر بن اياس بن أبى وحشية عن سعيد بن جبير قال الذى بيده عقدة النكاح هو الزوج، وقال مجاهد.
وطاوس.
وأهل المدنية: هو الولى، قال: فأخبرتهم بقول سعيد بن جبير فرجعوا عن قولهم * ومن طريق ابن ابى شيبة حدثنى عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى نا عبيدالله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر أنه قال الذى بيده عقدة النكاح الزوج * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا ابراهيم ابن حمزة نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن عمير مولى غفرة أنه سمع محمد بن كعب القرظى يقول: الذى بيده عقدة النكاح هو الزوج * ومن طريق اسماعيل نا محمد بن أبى بكر المقدمى نا معتمر بن سليمان التيمى (2) عن ليث عن عطاء بن أبى رباح الذى بيده عقدة النكاح هو الزوج * ومن طريق قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد ابن المثنى نا عبد الاعلى نا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال: الذى بيده عقدة النكاح هو الزوج * ومن طريق اسماعيل نا على بن المدينى نا سفيان بن عيينة عن ابن شبرمة قال: هو الزوج، وهو قول الاوزاعي.
وسفيان الثوري.
والليث بن سعد وأبى حنيفة.
والشافعي.
وأبى ثور.
وأبى سليمان.
وأصحابهم، وقالت طائفة: هو الولى [ جملة ] (3)، صح ذلك عن ابن عباس أنه ان عفا وليها الذى بيده عقدة النكاح وضنت جاز وان ابت، وصح أيضا عن جابر بن زيد كان يقول: أو يعفو أبوها أو اخوها ان كان وصولا وان كرهت المرأة، وصح أيضا عن عطاء.
وعلقمة.
وابراهيم النخعي.
والشعبى.
والحسن البصري.
وابى الزناد.
وعكرمة مولى ابن عباس، وروينا عن ابن عباس قولا لم
__________
(1) هو بكسر الطاء المهملة وفى النسخة رقم 16 بالظاء المعجمة وهو غلط (2) في النسخة رقم 16 معمر ابن سليمان التيمى وهو غلط (3) الزيادة من النسخة رقم 16

(9/512)


يصح عنه لانه من طريق الكلبى انه ولى البكر جملة، وصح عن الزهري قول آخر وهو أنه الاب جملة، وقول خامس رويناه من طريق مالك عن ربيعة، وزيد بن أسلم انه
السيد يعفو عن صداق أمته والاب خاصة في ابنته البكر خاصة يجوز عقده عن صداقها وهو قول مالك * قال أبو محمد: فنظرنا في هذه الاقوال فوجدنا قول ربيعة وزيد بن أسلم.
ومالك اظهرها فسادا وأبعدها عن مقتضى الآية جملة ونحن نشهد بشهادة الله عزوجل ان الله تعالى لو أراد بقوله: (أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) سيدا لامة.
وولد البكر خاصة لما ستره ولا كتمه فلم يبينه في كتابه ولا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان قيل: هذان لا يصح نكاح الامة والبكر الا بعقدهما قلنا: نعم ولا يصح أيضا الا برضى الزوج والا فلا فله في ذلك كالذى للسيد وللاب سواء سواء فمن جعلهما أولى بان يكون بأيديهما عقدة النكاح من الزوج مع تخصيص الآية بلا برهان من قرآن.
ولا سنة صحيحة.
ولا رواية سقيمة.
ولا قول صاحب.
ولا قياس.
ولا رأى له وجه فسقط هذا القول جملة وسقط بسقوطه قول الزهري انه الاب أيضا جملة وكذلك سقط أيضا القول الذى صح عنه انه ولى البكر جملة: ثم نظرنا في قول من قال: انه الولى فوجدنا الاولياء قسمين أحدهما من ذكرنا من أب البكر وسيد الامة فكان حظ هذين في كون عقدة النكاح بأيديهما كحظ الزوج في كون عقدة النكاح بيده سواء سواء وقد يسقط حكم الاب في البكر بان يكون كافرا وهى مؤمنة أو هو مؤمن وهى كافرة أو بان يكون مجنونا ويسقط أيضا حكم السيد في أمته بان يكون صغيرا أو مجنونا والقسم الثاني سائر الاولياء الذين لا يلتفت إليهم لكن ان أبوا أخراج الامر عن أيديهم وعقد السلطان نكاحها فهؤلاء حظ الزوج في كون عقدة النكاح بيده أكمل من حظ الاولياء المذكورين فوجدنا أمر الاولياء مضطربا كما ترى ثم انما هو العقد فقط ثم لا شئ بأيديهم جملة من عقدة النكاح بل هي إلى الزوج ان شاء امضاها وان شاء حلها بالطلاق ووجدنا أمر الزوج ثابتا في أن عقدة كل نكاح بيده ولا تصح الا بارادته بكل حال ولا تحل الا بارادته فكان أحق باطلاق هذه الصفة عليه بلا شك، ثم البرهان القاطع قول الله عزوجل: (ولا
تكسب كل نفس الا عليها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فكان عفو الولى عن مال وليه كسبا على غيره فهو باطل وحكما في مال غيره فهو حرام، فصح انه الزوج الذى يفعل في مال نفسه ما أحب من عفو أو يقضى بحقه وبالله تعالى التوفيق * 1852 مسألة ولا يحل نكاح الشغار وهو أن يتزوج هذا ولية هذا على

(9/513)


أن يزوجه الآخر وليته أيضا سواء ذكرا في كل ذلك صداقا لكل واحدة منهما أو لاحداهما دون الاخرى أو لم يذكرا في شئ من ذلك صداقا كل ذلك سواء يفسخ أبدا ولا نفقة فيه ولا ميراث ولا صداق ولا شئ من أحكام الزوجية ولا عدة، فان كان عالما فعليه الحد كاملا ولا يلحق به الولد وان كان جاهلا فلا حد عليه والولد له لاحق وان كانت هي عالمة بتحريم ذلك فعليها الحد وان كانت جاهلة فلا شئ عليها * قال أبو محمد: واختلف الناس في هذا فقال مالك: لا يجوز هذا النكاح ويفسخ دخل بها أو لم يدخل، وكذلك لو قال: أزوجك ابنتى على أن تزوجني ابنتك بمائة دينار فلا خير في ذلك، وقال ابن القاسم: لا يفسخ هذا ان دخل بها، وقال الشافعي: يفسخ هذا النكاح إذا لم يسم في ذلك مهرا فان سميا لكل واحدة منهما مهرا أو لاحداهما دون الاخرى ثبت النكاحان معا وبطل المهر الذى سميا وكان لكل واحدة منهما مهر مثلها ان مات أو وطئها أو نصف مهر مثلها ان طلق قبل الدخول، وقال الليث.
وأبو حنيفة.
وأصحابه: هو نكاح صحيح ذكرا لكل واحدة صداقا أو لاحداهما دون الاخرى أو لم يذكرا صداقا أصلا أو اشترطا وبينا انه لا صداق في ذلك قالوا: ولكل واحدة في هذا مهر مثلها والظاهر من قولهم: انهما ان سميا صداقا انه ليس لهما إلا المسمى * قال أبو محمد: والذى قلنا به هو قول اصحابنا فوجب النظر فيما اختلفوا فيه فوجدنا في ذلك ما رويناه من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا ابن نمير عن عبيدالله بن عمر عن أبى الزناد عن الاعرج عن ابى هريرة قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار)
والشغار ان يقول الرجل للرجل: زوجنى ابنتك وأزوجك ابنتى أو زوجنى أختك وأزوجك أختى، وقد رويناه أيضا مسندا صحيحا من طريق جابر.
وابن عمر.
وأنس.
وغيرهم فكان هذا تحريما من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبطل قول من سواه، فنظرنا في أقوال من خالف فاما قول ابن القاسم انه يصح بعد الدخول فقول قد تقدم تبيينا لفساده وتعريه من البرهان جملة.
وأما أبو حنيفة.
والشافعي.
واصحابهما فانهم قالوا: انما فسد هذا النكاح لفساد صداقه فقط، ثم اختلفوا فقال الشافعي: والصداق الفاسد يفسخ فكان نكاح كل واحدة منهما صداقا للاخرى فهما مفسوخان، قال: فان سميا لاحداهما صداقا صح ذلك النكاح وصح نكاح الاخرى لصحة صداقه * قال أبو محمد: فكان هذا قولا فاسدا لانه ان كان هذا العقد الذى سمى فيه الصداق صحيحا فهو صداق صحيح فلا معنى لفسخه واصلاحه بصداق آخر إذا، فان قال قائل: بل هو فاسد قلنا: فقل بقول أبى حنيفة الذى يجيز كل ذلك ويصلح الصداق وإلا فهى

(9/514)


مناقضة ظاهرة، ثم نظرنا في قول أبى حنيفة فوجدناه ظاهر الفساد (1) لمخالفة حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا * قال أبو محمد: ودعوى الشافعي انه انما نهى عن الشغار لفساد الصداق في كليهما دعوى كاذبة لانها تقويل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل وهذا لا يجوز، فان ذكروا ما رويناه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار والشغار ان يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته ليس بينهما صداق) وما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البنانى وآخر معه هو يزيد الرقاشى - عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شغار في الاسلام) والشغار أن يبدل الرجل الرجل أخته بأخته بغير ذكر صداق وذكر باقى الحديث (2)، قلنا: أما هذان الخبران فهما خلاف قول أبى حنيفة.
واصحابه كالذى قدمنا ولا فرق.
وأما الشافعي فلا حجة له في هذين الخبرين
لوجهين، احدهما انه وان ذكر فيهما صداق أو لاحداهما فانه يبطل ذلك الصداق جملة بكل حال وليس هذا في هذين الخبرين فقد خالف ما فيهما، والوجه الآخر وهو الذى نعتمد عليه وهو ان هذين الخبرين انما فيهما تحريم الشغار الذى لم يذكر فيها صداق فقط وليس فيه ذكر الشغار الذى ذكر فيه الصداق لا بتحريم ولا باجازة ومن ادعى ذلك فقد ادعى الكذب وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله قط فوجب أن نطلب حكم الشغار الذى ذكر فيه الصداق في غير هذين الخبرين فوجدنا خبر أبى هريرة.
وجابر قد وردا بعموم الشغار وبيان انه الزواج بالزواج ولم يشترط عليه الصلاة والسلام فيهما ذكر صداق ولا السكوت عنه فكان خبر أبى هريرة زائدا على خبر ابن عمر.
وخبر أنس زيادة عموم لا يحل تركها * قال أبو محمد: وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) ووجدنا الشغار ذكر فيه صداق أو لم يذكر قد اشترطا فيه شرطا ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل بكل حال * وروينا من طريق أبى داود السجستاني نا محمد بن فارس نا يعقوب بن ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف نا أبى عن محمد بن اسحق نا عبد الرحمن بن هرمز الاعرج قال: ان العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أنكح ابنته عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاصى بن أمية وأنكحه عبد الرحمن ابنته وكانا جعلا صداقا فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال معاوية في كتابه: هذا الشغار الذى نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم *
__________
(1) في النسخة رقم 14 عظيم الفساد (2) في النسخة رقم 14 باقى الخبر

(9/515)


قال أبو محمد: هذا معاوية بحضرة الصحابة لا يعرف له منهم مخالف يفسخ هذا النكاح وان ذكرا فيه الصداق ويقول: انه الذى نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتفع الاشكال جملة والحمد لله رب العالمين.
والعجب كله من تشنيع الحنيفيين بخلاف الصاحب
الذى يدعون أنه لا يعرف له مخالف من الصحابة رضى الله عنهم كدعواهم ذلك في نزح زمزم من زنجى مات فيها فنزحها ابن الزبير وغير ذلك ثم لم يلتفتوا ههنا إلى ما عظموه وحرموه هنالك وهذا خبر صحيح لان عبد الرحمن بن هرمز ممن أدرك أيام معاوية وروى عن ابى هريرة وغيره وشاهد هذا الحكم بالمدينة وبالله تعالى التوفيق، لا سيما في مثل هذه القصة المشهورة بين رجلين عظيمين من عظماء بنى هاشم.
وبنى أمية يأتي به البريد من الشام إلى المدينة هذا ما لا يخفى على أحد من علماء أهلها والصحابة يومئذ بالشام والمدينة أكثر عددا من الذين كانوا أحياء أيام ابن الزبير بلا شك * وروينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن رجلين أنكح كل واحد منهما أخته بان يجهز كل واحد منهما بجهاز يسير لو شاء أخذ لها أكثر من ذلك؟ فقال: لا نهى عن الشغار: فقلت له: انه قد أصدقها كلاهما قال: لا قد ارخص كل واحد منهما على صاحبه من أجل نفسه فقلت لعطاء: ينكح هذا ابنته بكذا وهذا ابنته بكذا بصداق كلاهما يسمى صداقه وكلاهما أرخص على أخيه من أجل نفسه؟ قال: إذا سما صداقا فلا بأس فان قال: جهز وأجهز فلا ذلك الشغار، قلت: فان فرض هذا وفرض هذا قال: لا * قال أبو محمد: ففرق عطاء بين النكاحين يعقد أحدهما بالآخر ذكرا صداقا أو لم يذكرا فابطله وبين النكاحين لا يعقد أحدهما بالاخر فأجازه، وهذا قولنا وما نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين خلافا لما ذكرنا * قال أبو محمد: فان خطب أحدهما إلى الآخر فزوجه ثم خطب الآخر إليه فزوجه فذلك جائز ما لم يشترط ان يزوج أحدهما الآخر فهذا هو الحرام الباطل، والعجب أن يعضهم احتج بأن قال: ان هذا بمنزلة النكاح يعقد على أن يكون صداقه خمرا أو خنزيرا فقلنا: نعم وكل ذلك مفسوخ باطل أبدا لانه عقد على أن لا صحة لذلك العقد الا بذلك المهر وذلك المهر باطل فالذي لا يصح الا بصحة باطل باطل بلا شك وبالله تعالى التوفيق *
1853 مسألة ولا يصح نكاح على شرط أصلا حاش الصداق الموصوف في الذمة أو المدفوع أو المين وعلى أن لا يضربها في نفسها ومالها امساك بمعروف أو تسريح احسان واما بشرط هبة أو بيع أو أن لا يتسرى عليها أو أن لا يرحلها أو غير ذلك كله فان

(9/516)


اشترط ذلك في نفس العقد فهو عقد مفسوخ وان اشترط ذلك بعد العقد فالعقد صحيح والشروط كلها باطل سواء عقدها بعتق أو بطلاق أو بأن أمرها بيدها أو أنها بالخيار كل ذلك باطل، وكذلك ان تزوجها على حكمه أو على حكمها أو على حكم فلان فكل ذلك عقد فاسد، وقد أجاز بعض ذلك (1) قوم * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن الاشعث تزوج امرأة على حكمها ثم طلقها قبل أن يتفقا على صداق فجعل لها عمر صداق امرأة من نسائها، وهذا منقطع عن عمر لان ابن سيرين لم يولد إلا بعد موت عمر رضى الله عنه * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أنه قال فيمن تزوج على حكمه: انه ليس لها الا ما حكم به الزوج، وقال أبو حنيفة: ومالك.
والاوزاعي: ان اتفقا على شئ إذا تزوجها على حكمها أو حكمه جاز فان لم يتفقا قال أبو حنيفة.
والاوزاعي: فلها مهر مثلها، وقال مالك: يفسخ قبل الدخول ولها مهر مثلها بعد الدخول * قال أبو محمد: هذا شرط فاسد لانه مجهول قد يمكن أن تحتكم هي بجميع ما في العالم وقد يمكن أن يحتكم هو بلاشئ فما كان هكذا فهو شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل والنكاح عليه باطل مفسوخ فاما (2) ان اشترطا ذلك بعد عقد النكاح (3) فالعقد صحيح ولها مهر مثلها إلا أن يتراضيا بأقل أو أكثر، وقول مالك يفسخ النكاح ان لم يتفقا خطأ لانه فسخ نكاح صحيح بغير أمر من الله تعالى بذلك ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم * روينا من طريق البخاري نا عبيد الله بن موسى عن زكريا هو ابن أبى زائدة عن سعد بن ابراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن أبى سلمة بن عبد الرحمن
ابن عوف عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها فانما لها ما قدر لها)، فمن اشترط ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو شرط باطل وان عقد عليه نكاح فالنكاح باطل، ومن ذلك أن لا يشترط لها أن لا يرحلها فاختلف الناس في ذلك فروينا من طريق سعيد بن منصور نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن اسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر عن عبد الرحمن بن غنم أنه شهد عند عمر رجلا أتاه فأخبره انه تزوج امرأة وشرط لها دارها فقال له عمر: لها شرطها فقال له رجل عنده: هلكت الرجال إذ لا تشاء امرأة تطلق زوجها إلا طلقته فقال عمر: المسلمون على شروطهم عند مقاطع حقوهم * وبه إلى سعيد نا سفيان هو ابن عيينة نا عبد الكريم الجزرى عن أبى عبيد أن معاوية أتى في ذلك فاستشار عمرو بن العاصى فقال: لها شرطها
__________
(1) في النسخة رقم 16 بعض كلام (2) في النسخة رقم 14 وأما (3) في النسخة رقم 14 بعد العقد

(9/517)


وهو قول القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله.
وجابر بن زيد، وروى عن شريح، وقال آخرون بابطال ذلك كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا ابن وهب أخبرني عمرو ابن الحارث عن كثير بن فرقد عن سعيد بن عبيد بن السباق أن رجلا تزوج على عهد عمر ابن الخطاب فشرط لها ان لا يخرجها فوضع عمر عنه الشرط وقال: المرأه مع زوجها * وبه إلى سفيان عن ابن أبى ليلى عن المنهال بن عمرو عن عباد عن على بن أبى طالب في الرجل يتزوج المرأة يشترط لها دارها فقال: شرط الله قبل شرطها * ومن طريق سعيد بن منصور.
نا هشيم انا مغيرة.
ويونس قال مغيرة: عن ابراهيم وقال يونس: عن الحسن قالا جميعا: يجوز النكاح ويبطل الشرط، وقال أبو حنيفة.
ومالك: يبطل الشرط الا أن يكون معلقا بطلاق أو بعتاق أو بأن يكون أمرها بيدها أو بتخييرها * قال على: هذا قول لم يأت عن أحد من الصحابة فهو خلاف لكل ما روى عنهم في ذلك *
قال أبو محمد: احتج من قال بالزام هذه الشروط بما روينا من طريق أحمد بن شعيب انا عيسى بن حماد زغبة أخبرنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة ابن عامر الجنهى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ان أحق الشروط ان توفوا به ما استحللتم به الفروج) * قال أبو محمد: هذا خبر صحيح ولا متعلق لهم به لانهم لا يختلفون معنا ولا مسلم على ظهر الارض في انه ان شرط لها ان تشرب الخمر أو ان تأكل لحم الخنزير أو ان تدع الصلاة أو أن تدع صوم رمضان أو أن يغنى لها أو ان يزفن لها ونحو ذلك ان كل ذلك كله باطل لا يلزمه، فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد قط في هذا الخبر شرطا فيه تحريم حلال أو تحليل حرام أو اسقاط فرض أو ايجاب غير فرض لان كل ذلك خلاف لاوامر الله تعالى ولاوامره عليه الصلاة والسلام: واشتراط المرأة ان لا يتزوج أو ان لا يسترى أو ان لا يغيب عنها أو ان لا يرحلها عن دارها كل ذلك تحريم حلال وهو وتحليل الخنزير والميتة سواء في ان كل ذلك خلاف لحكم الله عزوجل فصح انه عليه الصلاة والسلام انما أراد شرط الصداق الجائز الذى أمرنا الله تعالى به وهو الذى استحل به الفرج لا ما سواه، وأما تعليق ذلك كله بطلاق أو بعتاق أو تخييرها أو تمليكها أمرها فكل ذلك باطل لما ذكرنا في كتاب الايمان من كتابنا هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فلا يحلف الا بالله) فصح ان من حلف بغير الله تعالى فليس حالفا ولا هي يمينا وهو باطل ليس فيه الا استغفار الله تعالى والتوبة فقط ولما نذكره بعد هذا ان شاء الله عزوجل من

(9/518)


أن تخيير الرجل امرأته أو تمليكه اياها أمرها كل ذلك باطل لان الله تعالى لم يوجب قط شيئا من ذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وصح عنه عليه الصلاة والسلام انه قال: (من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد) فكل ذلك باطل ولا يكون للمرأة خيار في فراق زوجها أو البقاء معه إلا حيث جعله الله تعالى في المعتقة ولا تملك المرأة أمر نفسها ابدا
فسقط كل ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * ولا يجوز النكاح على أن يكون الصداق وصيفا غير موصوف أو خادما غير موصوفة.
أو بيتا غير موصوف ولا محدود وكل ذلك يبطل النكاح ان عقد عليه لانه مجهول لا يعرف ما هو فلم يتفقا على صداق معروف بل على مالها ان تقول قيمة كل ذلك ألف دينار ويقول هو: بل عشرة دنانير وان تعاقدا ذلك بعد صحة النكاح فالنكاح صحيح والصداق فاسد ويقضى لها بمهر مثلها ان لم يتراضيا على أقل أو أكثر، روينا اجازة ذلك عن ابراهيم النخعي، وصح عن ابن شبرمة انه قال.
من تزوج على وصيف فانه يقوم عربي.
وهندى وحبشي وتجمع القيم ويقضى لها بمثلها، وقال أبو حنيفة: لها في الوصيف الابيض خمسون مثقالا فان اعطاها وصيفا يساوى خمسين دينارا من ذهب لم يكن لها غيره وإلا فيقضى عليه بتمام خمسين دينارا من ذهب ويقضى لها في البيت بأربعين دينارا من ذهب وفى الخادم بأربعين دينارا من ذهب * قال أبو محمد: في هذين القولين عجب يغنى ايراده عن تكلف الرد عليه لما فيهما من التحكم البارد بالرأى الفاسد في دين الله تعالى، وقال مالك.
والشافعي: لها الوسط من ذلك، قال على: وهذا عجب آخر وليت شعرى كم هذا الوسط؟ ومن الوصفاء ما يساوى خمسمائة دينار ومنهم من لا يساوى عشرين دينارا، فظهر فساد هذه الآراء والحمد الله رب العالمين * 1854 مسألة قال أبو محمد: ولا يجوز نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل وكان حلالا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخها الله تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخا باتا (1) إلى يوم القيامة، وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف رضى الله عنهم منهم من الصحابة رضى الله عنهم أسماء بنت أبى بكر الصديق.
وجابر بن عبد الله.
وابن مسعود.
وابن عباس: ومعاوية بن أبى سفيان، وعمرو بن حريث.
وابو سعيد الخدرى.
وسلمة.
ومعبد ابناء أمية بن خلف، ورواه جابر بن عبد الله عن جميع
الصحابة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومدة أبى بكر.
وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، واختلف
__________
(1) في النسخة رقم 16 تاما

(9/519)


في اباحتها عن ابن الزبير.
وعن على فيها توقف.
وعن عمر بن الخطاب انه انما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط وأباحها بشهادة عدلين، ومن التابعين طاوس.
وعطاء.
وسعيد بن جبير.
وسائر فقهاء مكة أعزها الله، وقد تقصينا الآثار المذكورة في كتابنا الموسوم بالايصال، وصح تحريمها عن ابن عمر.
وعن ابن ابى عمرة الانصاري، واختلف فيها عن على.
وعمر.
وابن عباس.
وابن الزبير، وممن قال بتحريمها وفسخ عقدها من المتأخرين أبو حنيفة.
ومالك.
والشافعي.
وأبو سليمان، وقال زفر: يصح العقد ويبطل الشرط * قال أبو محمد: لقد صح تحريم الشغار.
والموهوبة فأباحوها وهى في التحريم أبين من المتعة (1) ولكنهم لا يبالون بالتناقض، ونقتصر من الحجة في تحريمها على خبر ثابت وهو ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة الجهنى عن أبيه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكر الحديث وفيه فقال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب ويقول: من كان تزوج امرأة إلى أجل فليعطها ما سمى لها ولا يسترجع مما أعطاها شيئا ويفارقها فان الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة) * قال أبو محمد: ما حرم إلى يوم القيامة فقد أمنا نسخه، وأما قول زفر ففاسد لان العقد لم يقع إلا على أجل مسمى، فمن أبطل هذا الشرط وأجاز العقد فانه ألزمهما عقدا لم يتعاقداه قط ولا التزماه قط لان كل ذى حس سليم يدرى بلا شك أن العقد المعقود إلى أجل هو غير العقد الذى هو إلى غير أجل [ بلا شك ] (2) فمن الباطل ابطال عقد تعاقداه والزامهما عقدا لم يتعاقداه وهذا لا يحل البتة إلا أن يأمرنا به الذى أمرنا
بالصلاة والزكاة والصوم والحج لا أحد دونه وبالله تعالى التوفيق * 1855 مسألة ولا يحل نكاح الام ولا الجدة من قبل الاب أو من قبل الام وان بعدتا ولا البنت ولا بنت من قبل البنت أو من قبل الابن وان سفلتا ولا نكاح الاخت كيف كانت ولا نكاح بنت أخ أو بنت أخت وان سفلتا ولا نكاح العمة والخالة وان بعدتا ولا نكاح أم الزوجة ولا جدتها وان بعدت ولا أم الامة التى حل له وطؤها ولا نكاح جدتها وان بعدت * قال أبو محمد: قال الله عزوجل.
(حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت) إلى قوله تعالى (وأمهات نسائكم)
__________
(1) في النسخة رقم 16 وهو ابين في التحريم من المتعة (2) الزيادة من النسخة رقم 16

(9/520)


قال على: والجدة كيف كانت أم أب أو أم جد أو أم جد جد أو أم أم جد أو جدة أم أو أم أم كل هؤلاء أم قال تعالى: (كما أخرج أبويكم من الجنة) والاخت تكون شقيقة وتكون لاب وتكون لام وبنت البنت.
وبنت الابن.
وبنت ابن البنت.
وبنت بنت الابن وهكذا كيف كانت كل هؤلاء بنت قال عزوجل: (يا بنى آدم) وقال صلى الله عليه وسلم في الحيض: (هذا شئ كتبه الله على بنات آدم) وبنت بنت الاخ وبنت ابن الاخ كلهن بنات أخ.
وبنت بنت الاخت.
وبنت ابن الاخت كل هؤلاء بنت أخت وأخت الجد من الاب.
واخت جد الجد من الاب كلهن عمة.
وأخت الجد من الام وأخت الجدة من قبل الاب والام كلهن خالة.
والزوجة.
والامة التى حل وطؤها للرجل كلهن من نسائه، وكل هذا لا خلاف فيه بين أحد من المسلمين الا الامة وابنتها بملك اليمين فان قدما أحلوهما (1) * 1856 مسألة وكل ما حرم من الانساب.
والحرم التى ذكرنا فانه يحرم بالرضاع كالمرأة التى ترضع الرجل فهى أمه وأمها جدته وجداتها من قبل ابيها وامها
كلهن ام له وكل من ارضعته فهن اخواته واخوته ومن تناسل منهم فهن بنات اخوته وبنات اخواته وعمات التى أرضعته وخالاتها خالاته كما ذكرنا وعمات أبيه من الرضاعة عماته وهكذا في كل شئ * روينا من طريق مالك بن دينار عن سليمان ابن يسار عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حرمته الولادة حرمه الرضاع) * 1857 مسألة ولا يحل الجمع في استباحة الوطئ بين الاختين من ولادة أو من رضاع كما ذكرنا لا بزواج ولا بملك يمين ولا إحداهما بزواج والاخرى بملك يمين ولا بين العمة وبنت أختيها ولا بين الخالة وبنت أختها كما قلنا في الاختين سواء سواء، فمن اجتمع في ملكه اختان أو عمة وبنت أخيها أو خالة وبنت اختها فهما جميعا عليه حرام حتى يخرج احداهما عن ملكه بموت أو بيع أو هبة أو غير ذلك من الوجوه أو حتى تزوج احداهما بأى هذا الوجوه كان حل له وطئ الباقية، فان رجعت إلى ملكه الاخرى رجعت حراما كما كانت وبقيت الاولى حلالا كما كانت فان أخرجها عن ملكه أو زوجها أو ماتت حلت له التى كانت حراما عليه وكذلك ان ماتت الزوجة أو طلقها ثلاثا أو قبل الدخول حل له زواج الاخرى وكذلك ان طلقها طلاقا رجعيا فتمت عدتها منه * برهان ذلك قول الله عز وجل: (وأن تجمعوا
__________
(1) في النسخة رقم 14 أجازوهما

(9/521)


بين الاختين إلا ما قد سلف).
قال أبو محمد: معناه انه تعالى غفر لهم ما قد سلف من ذلك لانه تعالى ابقاهم عليه * قال على: لم يختلف الناس في تحريم الجمع بين الاختين بالزواج واختلفوا في الجمع بينهما بملك اليمين فطائفة أحلتهما وطائفة توقفت في ذلك وطائفة قالت: يطأ ايتهما شاء فإذا وطئها حرمت عليه الاخرى فصح عن ابن عباس.
وعكرمة ما رويناه من طريق
عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار ان عكرمة مولى ابن عباس كان لا يرى بأسا ان يجمع بين أختين والمرأة وابنتها يعنى بملك اليمين وأخبره عكرمة ان ابن عباس كان يقول: لا تحرمهن عليك قرابة بينهن انما يحرمهن عليك القرابة بينك وبينهن، قال عمرو بن دينار: وكان ابن عباس يعجب من قول على حرمتهما آية وأحلتهما آية ويقول: إلا ما ملكت أيمانكم هي مرسلة قال على: وبه يقول أبو سليمان وأصحابنا * قال أبو محمد: فهذا قول من أحلهما وقول على في التوقف وصح عن عمر كما روينا من طريق سعيد بن منصورنا سفيان هو ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود عن أبيه قال: (سئل عمر عن الجمع بين أم وابنتها؟ فقال عمر: ما أحب أن يجيزهما جميعا وقال ابن عتبة: فوددت أن عمر كان أشد في ذلك مما هو عبد الله بن عتبة أدرك عمر وجاء أيضا عن عثمان كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب اخبرني قبيصة بن ذئيب أن نيارا الاسلمي استفتى عثمان في امرأة وأختها بملك اليمين فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية أخرى ولم أكن لافعل ذلك * وروينا التوقف أيضا عن ابن عباس ورويناه ايضا من طريق وكيع عن اسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع قال: (سألت ابن الحنفية عن الاختين المملوكتين؟ فقال: حرمتهما آية وأحلتهما آية، والقول الثالث قاله أبو حنيفة ومالك.
والشافعي، واما القول الذى قلنا به فكما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الكريم الجزرى عن ميمون بن مهران عن ابن عمر انه سئل عن الامة يطؤها سيدها ثم يريد أن يطأ أختها قال: لا حتى يخرجها عن ملكه، وقال سفيان عن غير واحد من أصحابه: أنهم قالوا: إذا زوجها فلا بأس باختها وكان ابن عمر يكره ذلك وان زوجها * نا محمد بن سعيد بن نبات أنا أحمد بن عون الله نا قاسم ابن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار بندار نا محمد بن جعفر
غندر نا شعبة عن المغيرة بن مقسم عن الشعبى قال: قيل لعبد الله بن مسعود أن

(9/522)


ابن عامر قال: لا بأس أن يجمع بين الاختين المملوكتين فقال ابن مسعود: لا يقربن واحدة منهما * وبه إلى المغيرة عن ابراهيم النخعي قال: إذا كان عند الرجل مملوكتان أختان فلا يغشين واحدة منهما حتى يخرج الاخرى عن ملكه قال شعبة: وقال الحكم بن عتيبة وحماد بن أبى سليمان: من عنده أختان مملوكتان لا يطأ واحدة منهما ولا يقربنها حتى يخرج احداهما عن ملكه * ومن طريق سعيد بن منصور نا حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن عبد الله بن أبى مليكة أن رجلا سأل عائشة أم المؤمنين عن أمة له قد كبرت وكان يطؤها ولها ابنة ايحل له أن يغشاها؟ فقالت لها أم المؤمنين: أنهاك عنها ومن أطاعنى * ومن طريق سعيد بن منصور قلت لسفيان بن عيينة حدثك مطرف عن أبى الجهم عن أبى الاخضر عن عمار قال: يحرم من الاماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد قال سفيان: نعم ورويناه أيضا عن على * قال أبو محمد: أما من توقف فلم يلح له البيان فحكمه التوقف وأما من احلهما فانه غلب قول الله عزوجل: (الا ما ملكت ايمانكم) على قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الاختين) فخص ملك اليمين من هذا النهى، وكذلك فعلوا في قوله تعالى: (وأمهات نسائكم) ولا حجة لهم غير هذا فنظرنا في ذلك فوجدنا النصين لا بد من تغليب احدهما على الآخر بان يستثنى منه اما كما قال من ذكرنا فيكون معناه وأن تجمعوا بين الاختين وأمهات نسائكم الا ما ملكت أيمانكم، واما كما قلنا نحن فيكون معناه الا ما ملكت أيمانكم الا أن تكونا اختين أو ام امرأة حلت لكم أو عمة وبنت أخيها أو خالة وبنت أختها فإذا لا بد من احد الاستثناءين وليس احدهما أولى من الآخر الا ببرهان ضروري واما بالدعوى فلا فطلبنا هل للمغلبين المستثنين ملك اليمين من تحريم الاختين والام وابنتها والعمة وبنت أخيها.
والخالة وبنت أختها برهان فلم نجده أصلا الا أن بعضهم
قال: قد علمنا ان الله عزوجل لم ينهنا قط عن الجمع بين الاختين في الوطئ لانه غير ممكن ومحال ان يخاطبنا الله تعالى بالمحال أو أن ينهانا عن المحال فصح انه تعالى انما نهانا عن معنى يمكن جمعهما فيه وليس الا الزواج لان جمعهما في ملك اليمين جائز حلال بلا خلاف فقلنا: صدقتم انه تعالى لم ينهانا عن المحال من الجمع بينهما في الوطئ وأخطأتم في تخصيصكم بنهيه الزواج فقط لانه تخصيص للآية بلا برهان بل نهانا عن الجمع بينهما بالزواج.
وباستحلال وطئ أيتهما شاء وبالتلذذ منهما معا فهذا ممكن فهلموا دليلا على تخصيصكم الزواج دون ما ذكرنا فلم نجده عندهم أصلا فلزمنا ان نأتى ببرهان على صحه استثنائنا والا فهى دعوى ودعوى فوجدنا قول الله عزوجل: (الا ما ملكت أيمانكم) لا خلاف

(9/523)


بين أحد من الامة كلها قطعا متيقنا في انه ليس على عمومه بل كلهم مجمع قطعا على انه مخصوص لانه لا خلاف ولا شك في أن الغلام من ملك اليمين وهو حرام لا يحل وان الام من الرضاعة من ملك اليمين والاخت من الرضاعة من ملك اليمين وكلتاهما متفق على تحريمهما أو الامة يملكها الرجل قد تزوجها أبوه ووطئها وولد له منها حرام على الابن ثم نظرنا في قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الاختين)، (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن)، (ولا تنكح المشركات حتى يؤمن) ولم يأت نص ولا اجماع على أنه مخصوص حاش زواج الكتابيات فقط فلا يحل تخصيص نص لا برهان (1) على تخصيصه واذ لا بد من تخصيص ما هذه صفتها أو تخصيص نص آخر لا خلاف في أنه مخصوص فتخصيص المخصوص هو الذى لا يجوز غيره، وبهذه الحجة احتج ابن مسعود في هذه المسألة كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا اسماعيل بن ابراهيم انا سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين أنه سمع عبد الله بن عتبة بن مسعود يقول: لم يزالوا بعبد الله بن مسعود حتى أغضبوه يعنى في الاختين بملك اليمين فقال ابن مسعود: ان حملك مما ملكت يمينك وبالله تعالى التوفيق *
قال أبو محمد: واما من أباح له أن يطأ أي الاختين المملوكتين له شاء وحينئذ تحرم عليه التى لم يطأ فقول في غاية الفساد لانه لا يخلو قائل هذا القول من أن يقول: أنهما قبل أن يطأ أحداهما حرام جميعا فهذا قولنا أو أنهما جميعا حينئذ حلال فهذا قول ابن عباس.
وعكرمة ومن وافقهما وكلا القولين خلاف قول هذا القائل أو يقول: أن احداهما بغير عينها حلال له والاخرى حرام فهذا باطل قطعا لوجهين، أحدهما قول الله عزوجل: (قد تبين الرشد من الغى) فمحال أن يحرم الله تعالى علينا ما لم يبينه لنا وكذلك قوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فلا شك في أن ما حرمه الله تعالى علينا قد فصله لنا وهم يقولون ان احداهما حرام لم يفصل لنا تحريمها * والوجه الثاني أن هذا التقسيم أيضا باطل على مقتضى قولهم لانهم يبيحون له وطئ أيتهما شاء وهذا يقتضى تحليلهما جميعا لا تحريم احداهما لانه من المحال تخيير أحد في حرام وحلال الا أن يأتي نص قرآن أو سنة بذلك فيوقف عنده واما بالرأى الفاسد فلا فصح قولنا يقينا وبطل ما سواه والحمد لله رب العالمين.
والخبر المشهور من طريق أبى هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن لا يجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وعلى هذا جمهور الناس الا عثمان البتى فانه اباحه * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا مجاهد بن موسى
__________
(1) في النسخة رقم 16 بلا برهان

(9/524)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية