صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الفقه على المذاهب الأربعة - الجزيري ]
الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف : عبد الرحمن الجزيري
(الصفحات مرقمة آليا)

( ثالثا ) يشترط اتحاد ما يخرجه من المال ببعضه فلا يصح أن يخرج أحدهما ذهبا والاخر فضة وبالعكس . وكذلك لا يصح أن يخرج أحدهما فضة من ذات العشرة وقروش ويخرج الاخر من ذلت الخمسة ونحو ذلك إلا إذا ملكا مختلفا بطريق الهبة أو طريق الميراث فإنه لا يشترط اتحاده وإنما الشرط أن يأذن كل واحد منهما صاحبه في التصرف بطريق التجارة
ولا يشترط التساوي في رأس المال ولا في العمل على المعتمد فيصح أن يكون رأس مال صاحبه ويكون عمله الذي يقابل زيادة من المال تبرعا منه لا يستحق عليه شيئا نعم يشترط أن بقسم الربح والخسارة على قدر المالين سواء تساوى الشريكان في العمل أو تفاوتا فإذا دفع أحدهما مائة ودفع الآخر خمسين لزم أن يأخذ الثاني ثلث الربح فإن اشترط أقل من ذلك أو أكثر فسد العقد ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمل مثله في ماله فإذا كانا متساوين في مال صاحبه مقابل عمل الآخر في ماله ويكون ذلك مفاوضة
الحنابلة - قالوا : تنقسم الشروط في الشركة إلى ثلاثة أقسام :
الأول - شروط صحيحة لا يترتب عليها ضرر ولا يتوقف العقد عليها كما إذا اشترطا أن لا يبيعا إلا بكذا وأن يتجرا في مكان كذا أو أن لا يسافر بالمال ونحو ذلك فهذا كله صحيح لا ضرر فيه
الثاني - شروط فاسدة لا يقتضيها العقد كاشتراط عدم فسخ الشركة مدة سنة مثلا أو أن يبيع بها
القسم الثالث : الشروط التي يتوقف عليها صحة العقد وهي أمور : منها أن يكون المالان معلومين للشريكين . ومنها حضور المالين بمال غائب أو في ذمة كالمضاربة . ومنها أن يشترطا لكل واحد جزءا من الربح معلوما مشاعا كالنصف والثلث ونحوهما . ومنها غير ذلك الشروط التي تقدمت في المضاربة فارجع إليها )

(3/44)


مبحث في تصرفات الشركاء في المال وغيره

(3/45)


- لكل واحد من الشركاء أن يتصرف باختلاف أنواع الشركة فأما تصرفهم في شركة ؟ ؟ المذاهب ( 1 )
_________
( 1 ) ( الحنفية - قالوا حكم تصرف الشركاء باختلاف أنواع الشركة فأما تصرفهم في شركة المفاوضة فهو على قسمين :
الأول : أن يتصرف كل منهم في مال الشركة
الثاني : أن يتصرف كل منهم فيما وقع من شريكه من التعاقد مع الغير فأما الأول فهو على وجوه :
أن يكون لكل واحد الحق في أن يبيع بكثير الثمن وقليله إلا إذا كان في بيعه غبن كثير لا يقع بين الناس عادة فإنه لا يجوز أن يشتري إلا بما هو معروف عند الناس عادة وهل يصح له أن يبيع بعرض التجارة أو لابد من البيع بقيمة العرض والنفوذ خلاف
ومنها : أن لكل منهم أن يبيع لمن لا تقبل شهادته عليه كولد ما دام بغير غبن كثير
ومنها : أن لكل منهم أن يودع مال الشركة
ومنها : أن لكل منهم أن يبيع ويشتري بثمن مقبوض ومؤجل منهم أن يتعاقد عقد سلم بأن يشتري سلعة بثمن حال على أن يقبضها بعد مدة معينة أو بيع سلعة كذلك
ومنها : لكل منهم أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها بثمن أقل حالا لينتفع بالمال الذي يقبضه . ومنها : لكل منهم أن يرهن مال الشركة مقابل
دين عليه خاصة إلا أنه يضمن لشريكه القدر الذي يستحقه في المال المرهون وإن كانت قيمة المرهون أكثر من الدين الذي عليه فلا يضمن شيئا وإذا رهن مالا خاصا به في مقابل دين على الشركة فإن شريكه يكون ضامنا لنصيبه من الدين فيرجع عليه به
ومنها أن لكل واحد منهم أن يهدي بالمأكول كالحم والخبز والقاكهة وله أن يولم بشرط أن لا يخرج عن العرف في ذلك أما الإهداء بغير المأكول كالذهب والفضة فإنه لا يجوز
ومنها : أن لكل منهم أن يسافر بالمال بدون إذن شريكه على الصحيح . ثم إن كان السفر بإذن شريكه كان له الحق في الإنفاق على نفسه في طعامه وإدامه وكرائه من رأس المال إن لم يربح فإن ربحت النفقة من الربح
ومنها : أن لكل منهم أن يدفع المال مضاربة كأن يعطي شخصا مائة ليعمل فيها بجزء الربح وما بقي من الربح يكون بين الشركاء وله أن يأخذ مالا مضاربة ليعمل فيه ولكن ربحه يكون خاصا به
ومنها : أن لكل منهم أن يشارك الغير شركة عنان ببعض مال الشركة ويجوز عليه وعلى شركائه سواء كان ذلك بإذنه شريكه أو لا . وليس له أن يشارك الغير مفاوضة إلا بإذن شريكه ولا فرق فس ذلك بين أن يشارك قريبا كأبيه وابنه أو بعيدا
ومنها : أن لكل منهم أن يوكل وكيلا ويدفع إليه بعض المال ويأمره أن ينفق على تجارة من مال الشركة فإذا عزل الشريك الآخر ذلك الوكيل فإنه ينعزل إذا كان وكيلا في بيع أو شراء أو إجارة . اما إذا كان وكيلا في تخليص دين باع به الشريك الموكل سلعة من تجارة الشركة فليس للشريك الآخر عزل الوكيل لأنه ليس لأحد الشركاء أن يقبض ما باع به واحد منهم أو يخاصم فيه بل الذي يفعل ذلك هو المباشر فقط ليس لغير المباشر أن يعزل الوكيل
ومنها : أن لكل منهم أن يعير من مال الشركة ولكل واحد من الشركاء أن يمنع صاحبه من عمل شيء من الأوجه التي تقدمت كلها فإذا نهاه عن فعل واحد في نصيب شريكه الذي نهاه عن السفر
وليس لواحد من الشركاء أن يقرض من مال الشركة بدون إذن صاحبه فإذا فعل ضمن نصيب شريكه ولا بفسد الشركة
القسم الثاني : تصرف أحد الشركاء فيما يقع من التعاقد مع الغير وهو وجوه أيضا : منها أنه قال أحدهما في بيع باعه الآخر نفذت إقالته على الشركاء مثلا إذا باع أحدهم سلعة بمائة فطلب المشتري إقالته الشريك الذي لم يباشر بيعها نفذت إقالته ومثل السلم
ومنها أنه إذا باع أحد الشركاء سلعة بثمن مؤجل ثم مات فليس للشريك
أن يطالب بغير ما يخصه فإذا كان له النصف ودفع المدين يرئت ذمته والورثة هم يطالبون بنصيب الميت
ومنها : أنه إذا باع أحدهم شيئا ثم ذهب ثمن المشتري أو لأبرأه فإنه يجوز وعليه الضمان . ومنها أنه يجوز لأحد الشركاء أن يؤخر دينا لهم
عند الغير حل موعده وينفذ تأخيره على الجميع سواء كان المباشر لعقد منهم أن يطالب البائع بثمنها
ومنها : أنه أقر أحدهم نفذ إقراره على نفسه وعلى شركائه إلا إذا كان متهما بالنسبة لمن أقر له بأن كان ممن لا تقبل عليه كأبيه وابنه
وأما الثاني : وهو التصرف في شركة العنان فهو على وجوه أيضا . منها أن لكل واحد من الشريكين شركة عنان أن يوكل بالبيع والشراء والاستئجار وللآخر أن يعزل الوكيل من ذلك
أما إذا وكله بتقاضي دين فليس للآخر إخراجه كما تقدم في شركة المفاوضة وبعضهم يقول إن ذلك خاص بالمفاوضة . وما عدا ذلك فإن كل التصرفات الثابتة لشريك المفاوضة تثبت لشريك العنان وكل ما يمنع منه شريك العنان إلا أمور منها أن شريك العنان لا يملك أن يشارك الغير بدون إذن شريكه فإذا اشترك اثنان شركة عنان فاشترك احدهما مع ثالث بدون شريكه الذي لم يشارك شيئا كان ربحه خاصا به
ومنها : أنه ليس لشريك العنان الذي لم يباشر البيع أن يرهن عينا من مال الشركة رهن بدين على الشركة لم يجز وضمن العين المرهونة
وإذا ارتهن عينا بدين لهما على الغير لم يجز لهما على شريكه فإن هلك الرهن في يده وكانت قيمته مساوية للدين فإن حصته تضيع ويرجع عليه ويرجع شريكه بحصته على المدين صاحب العين الموهونة على المرتهن بنصف قيمة الرهن ولشريكه أن يرجع بما يخصه مباشرة
أما الشريك المباشر للبيع فإنه يجوز له أن يرهن ويرتهن فإذا اشترى أحدهما عينا بثمن مؤجل ورهن في مقابل الثمن من مال الشركة فإن له ذلك وينفذ على الشريكين
المالكية - قالوا : لأحد الشريكين ( شركة مفاوضة ) أن يتصرف فيما يأتي :
أولا : له أن يتبرع بشيء من مال الشركة ليؤلف الذين يروجون تجارته
ويشبه ذلك ما ينفق على الإعلانلت في زماننا وكذا له أن يتصدق باليسير المعتادة بين الناس كإعارة آلة ونحو ذلك
ثانيا : له أن يعطي شخصا مالا من الشركة ليشتري له به بضاعة من بلد كذا وذلك يسمى إيضاعا وهذان من حقوق الشريكين شركة عنان أيضا على الإيضاع لا يصح إلا إذا كان مال الشركة واسعا وإلا فلا يصح الإيضاع بدون إذن شريكه
ثالثا : لأحد المتفاوضين أن يودع مال الشركة عند من يراه أمينا لعذر يقتضي الإيداع فإن أودع لغير عذر ضمن
رابعا : له أن يشارك في جزء معين من مال شركة مفاوضة أو شركة عنان بحيث لا يكون للشريك الجديد إلا العمل في الخير الذي عينه فلو عمل في كل مال الشركة بدون إذن الشريك الأول فإنه لا يصح
خامسا : له أن يعطي بعض المال لشخص مضاربة إذا كان المال متسعا يحتمل ذلك وإلا فلا يصح بدون إذن شريكه أيضا
سادسا : له أن يقبل من سلعة باعها هو أو شريكه إن كان في ذلك فائدة للتجار وإلا فائدة للتجار وإلا لزمه للشريك قدر حصته
سابعا : له أن يقبل السلعة التي يترتب سواء اشتراه هو أو شريكه بغير إذن شريكه . هكذا وإن لأحد الشريكين أن يفعل كل هذه الأمور من الأول إلى السابع وإن نهى شريكه عنها وامتنع من قبولها
ثامنا : له أن يقر بدين على الشركة ويؤخذ من مال الشركة ويلزم شريكه أن يدفع ما يخصه ولكن بشروط ثلاثة :
أحدهما : أن يصدقه المقر له على ذلك فإذا كذبه فلا يلزم شريكه شيء
ثانيهما : أن يكون المقر له ليست بينه وبين المقر علاقة توجب اتهامه في إقراره كأبويه وابنه فإذا أقر فإنه لا يلزم شريكه ويكون مسؤولا عنه المقر فقط
ثالثهما : أن يكون الإقرار لمن لا يتهم بالنسبة له حال قيام الشركة فإن أقر بعد فض الشركة وصدقه المقر له لزمه أن يدفع له نصيب الذي يخصه ثم يعتبر شاهدا بالنسبة لنصيب شريكه ويحلف هو وصاحب الدين الذي أقر له وبعد ذلك يلزم الشريك أن يدفع ما يخصه
تاسعا : له أن يبيع بالدين بغير إذن شريكه وليس له أن يشتري بالدين
بغير إذنه فإن فعل خير شريكه بين القبول والرد وفي حالة الرد يكون الثمن على المشتري خاصة ولا فرق في ذلك بين أن تكون السلعة التي اشترها بالدين معينة بينهما بأن قالوا له اشتر السلعة الفلانية أو لم تكن معينة كأن قال له سلعة أعجبتك فاشتراها فإذا أذنه شريكه في شراء سلعة معينة بالدين فإنه يصح أما يصح أما أذنه فس شراء أي سلعة بالدين فإنه لا يصح لأنها تكون من باب شركة الذمم وهي ممنوعة عندهم كما تقدم
عاشرا : لأحد المتفاوضين أن يأخذ مالا من شخص آخر غير شريكه ليتجر فيه مضاربة ويكون ربحه خاصا به لا شيء منه لشريكه بشرط أن لا يشغله العمل فيه عن العمل للشركة الأولى وعليه خسارتها بلا دخل لشريكه إلا إذا علم شريكه بذلك ولم يمنعه فإنه يكون متضامنا معه في ربحها وخسارتها
الشافعية - قالوا : لكل سلعة بشرط الخيار ثم وجد من يرغب فيها بثمن زائد قبل انقضاء مدة الخيار فإنه يتعين عليه فسخ العقد وبيعها لازائد للمصلحة وليس لأحدهم أن يبيع بالدين ولا بنقد غير متداول ببلده أو ينقد أقل سعرا من نقده بلده لأن في ذلك ضرارا لمصلحة شركائه بغير ضرورة مالم يأذن له في ذلك كله شركاؤه فإذا أذنوا فعل ولا ضمان عليه وإلا فعليه الضمان ثم إن كان قد باع بالدين أو بغير نقد البلد الذي يتعامل به فيها أو بغبن كثير لا يصح البيع شريكه ويضمنه بالتسليم أما نصيبه هو فقيل يصح البيع فيه بناء على القول بجواز تجزأة العقد بأن يكون صحيحا ببعض العين المبيعة وفاسدا في البعض الآخر ويسمى ذلك ( تفريق الصفقة ) وقيل لا يصح أيدا وكما لا يصح في نصيب الشريك بنلء على القول بعدم جواز ذلك وعلى الأول أن يكون المشتري شريكا لأنه يملك نصيب الشريك الذي باع له أما على الثاني فالبيع كله باطل وليس لأحد الشركاء أن يعطي شيئا من مال الشركة ليشتري به بضاعة بدون أجر ( ويسمى ذلك إبضاعا ) إلا بإذن شركائه
هذا وعقد الشركة جائز لكل من الشريكين فسخه متى شاء فلو فسخه الشريكان جميعا انعزلا عن العمل
أما إذا عزل أحدهما صاحبه فإن عزله ينفذ ويبقى هو في العمل حتى يعزله صاحبه أيضا وتفسخ الشركة بموت أحدهما وجنونه دائما
الحنابلة - قالوا : يجوز لأحد الشركاء أن يفعل الأمور التي تقدمت في المضاربة ويمتنع عليه ما يمتنع فيها فارجع إليها إن شئت )

(3/46)


مبحث إذا ادعى أحد الشركاء تلف المال ونحو ذلك

(3/47)


- الأصل أن الشريك أمين بالمال والأمين ينبغي أن يصدق فيما يدعيه وذلك هو الأساس الأول الذي تحث شريعتنا المطهرة على إعتباره في عقد الشركة فمتى اختل ذلك الأساس فقد انهارت الشركة وفشل الشركاء
في كل ما يقومون به من الأعمال صغيرا كان أو كبيرا ومن أجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يقول الله أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان خرجت من بينهما " . رواه أبو داود والحاكم صحيح الإسناد
ومعنى ذلك أن الله سبحانه لا يزال عونا للشريكين ما دام كل مهما أمينا على صاحبه لا يخونه في كثير منه ولا قليل فإذا سولت له شهوته الفاسدة أن يخون صاحبه رفع الله تلك المعونة . ومن يكن الإله عونا له لا بد أن ينجح في عمله ويفوز بأحسن ثمراته إن كان عاجلا وإن آجلا أما الذي لا يعينه خالفه فهو خاسر لا محالة ومعرض للهلاك في الدنيا والآخرة فالأمانة هي أس نجاح الشركاء والخيانة أس فشلهم وخسارتهم جميعا وذلك مشاهد محس لا يحتاج إلى دليل فإنك ترى كثيرا من الشركات لا تلبث أن تنمحي آثارها رغما من مساعدة الظروف إياها بينما الشركات التي أقل منها مالا وأتعس حالا تستمر وتنمو وما ذلك لحرص الشركاء على تفيذ شروطهم كاملة وتمسكهم بالمانة في كل شأن من شؤونهم وبعدهم عن الخيانة في جميع الأحوال
وإن ادعى كان كذلك فكل ما يدعيه أحد الشركاء من خسارة وربح ونحو ذلك يصدق فيه على تفصيل في المذاهب ( 1 )
_________
( 1 ) ( الحنفية - قالوا : كل ما يدعيه أحد الشركاء في مقدار الربح والخسران وفقد المال والدفع لشريكه فإنه يصدق في قوله بعد أن يحلف اليمين حتى ولو ادعى أنه دفع ما يخص شريكه بعد موته فإن القول بيمينه ألا ترى أن من وكل شخصا في أن يقبض وديعة له عند آخر ثم مات الموكل فادعى الوكيل أنه قبضها قبل أن يموت الموكل وهلكت في يده قبل أن يعطيها له وهو أمين لا ضمان عليه فإنه يصدق ولو أنكرت الورثة وكذلك إذا قال دفعها إليه فإنه يصدق أما إذا وكله في قبض دين ثم مات الموكل وادعى الوكيل تلك الدعوى فإنه لا يصدق ولا تبرأ ذمة المديون بذلك
وذلك لأن شاغل الدين لذمة المدين فإذا دفعه لصاحبه فقد شغل ذمته به فثبت للمديون الدائن مثل ما ثبت للدائن في ذمته فتقابل كل مهما بالآخر قصاصا وهذا هو معنى قولهم إن الديون تقتضي بامثالها . وهي ذلك تضمين للميت وإيجاب الضمان على الغير لا يصدق فيه الوكيل وإنما يصدق في نفي الضمان عن نفسه . ولهذا لا يضمن الوكيل الدين ولا يرجع عليه المديون بشيء وبالجملة فالوكيل إذا ادعى أمرا فيه نفي الضمان عن نفسه صدق أما إذا ادعى ما فيه إيجاب الضمان على الغير فإنه لا يصدق
ويضمن الشريك بالتعدي لأن الأمين إذا تعدى ضمن كما يضمن بموته من غير أن يبين نصيب شريكه فإذا اشترك اثنان وباع أحدهما تجارة بالدين ولم يبين نصيب شريكه قبل موته فإن على الورثة دفع نصيبه ولو ضاع عند المدين أما إذا بينه فلا ضمان . وإذا نهى أحد الشركاء شريكه عن البيع بالدين فباع نصيب البائع ووقع موقوفا في حصة شريكه فإن أجاره فالربح بينهما وإن لم يجزه فالبيع في حصته باطل وحكم ما إذا نهاه عن السفر فلم يمتثل حكم المضارب الذي يفعل ذلك وقد تقدم
الشافعية - قالوا : الشريك أمين مال الشركة فكل ما يدعيه أحد الشريكين
في الربح والخسران ورد بعض المال فإنه يصدق فيه . وأما إذا ادعى
المال ففيه تفصيل وذلك لأنه إذا ادعى تلفه بدون أن يعرف له سببا
أو بسبب خفي كالسرقة فإنه يصدق بلا يمين
أما إذا ادعى تلفه بسبب ظاهر كالحريق فإنه لا يصدق إلا أقام البينة على حصول الحريق وأن مال التجارة حرق به
وأما إذا عرف أحد الشريكين بأنه اشترى هذه الشلعة للشركة وادعى الآخر بأنه اشتراها لنفسه لما فيها من زيادة في الثمن أو العكس صدقمن كان المال في يده . وإذا ادعى من في يده المال انهما اقتسماه وما في يده خاص به وأنكر شريكه فالقول في هذه الحالة للمنكر لأن الأصل عدم القسمة
المالكية - قالوا : إذا ادعى أحد الشركاء التلف لمال الشركة بآفة سماوية أو خسر بالعمل فيه تجارة وأنكر شريكه عليه ذلك وادعى عليه أنه أخفاه ولم يحصل تلف ولا خسارة فلا يخلو إما أن تقوم القرائن على كذبة على كذبة في دعواه التلف والخسر كأن يكون مع جماعة لا يخفى عليهم التلف ولم يسمعوا عنه . أو تكون السلعة رابحة لا يمكن أن تخسر أو لا تقوم القرائن على ذلك
وعلى كل حال فالقول للمنكر . ثم إن قامت القرائن على كذب المدعي ضمن المال وإن لم تقم القرائن حيث لا بينه ولا دليل فإنه يحلف على أنه حصل الخسار والتلف
وإذا ادعى أحدهما أن له ثلثي المال وادعى الآخر أن لكل واحد نصفه فالقول لمن ادعى النصف فيقسم بينهما نصفين بعد حلفهما وبعضهم يقول إنه يعطي لمدعى الثلثين النصف ولمدعي النصف الثلث ويقسم السدس التنازع بين أكثر من اثنين قسم المال بحسب الرؤوس
وإذا ادعى أحد الشريكين على شيء رآه بيد شريكه أنه مال الشركة فأنكر الآخر ذلك وقال إنه خاص بي فإن ذلك يحتمل أمرين : الأول أن تقوم بينه على أنهما يتصرفان تصرف شركاء المفاوضة أو لأنهما أقرا بالمفاوضة أو أن الشركة قد وقعت يدهما ولا بينه للمنكر
الثاني : أن ياتي المنكر بينه تشهد بأن هذا المال قد ورثة المنكر أو وهب له أو نحو ذلك وفي هذه الحالة يكون المال للمنكر خاصة سواء شهدت بانه جاءهه قبل ولم يدخل فيها أو قالت إنها لا تعلم إن كانت المفاوضة قبله أو هو قبلها
أما إذا قالت إن الشركة قبل المال ولم تشهد بعدم دخوله فيها فإنه يكون للشركة
الحنابلة - قالوا : الشريك بالنسبة أمين لأنه كالوكيل فالقول في رأس المال وفي قدر الربح أو لم يربح وفيما يدعيه من هلاك إلا إذا كان للآخر بينة تشهد خلاف ذلك وإن ادعى التلف بسبب ظاهر كتلف بينة تشهد به ثم حلف أنه تلف به والقول فيما اشتراه لنفسه أو للشركة ونحو ذلك )

(3/48)


مباحث الإجارة

(3/49)


تعريفها وأركانها وأقسامها

(3/50)


- الإجارة في اللغة بكسر الهموة وضمنها وفتحها والكسر أشهرها وهي مصدر سماعي لفعل أجر على وزان ضرب وقتل فمضارعها يأجر وأجر بكسر الجيم وضمها ومعناها الجزاء على العمل . وقال : بعضهم إنها ليست مصدرا سماعيا أيضا لأن المصدر القياسي لفعل أجر كضرب الأجر بمعنى الثواب والجزاء الحسن ولم يسمع أن الإجاوة مصدر له بل هي اسم لما يعطي من الأجرة وأن الذي ينبغي تعريفه فيما ياتي هو الإيجار وهو مصدر آخر بالمد يؤجر وأصله أأجر على وزان أكرم واسم الفاعل منه كمكرم ولكن الصحيح أن الإجارة مصدر سماعي أيضا لفعل أجر كما ذكر أولا فكما أن الإيجار مصدر قياسي لآجر كأكرم فكذلك الإجارة مصدر سماعي لأجر كضرب كما أنها اسم للاجرة وهي ما يعطي من كراء الأجير وياتي آجر أن يستعمل في لإجارة الدار ونحوهما مما لا يتصور فيه ذذلك من أن تكون آجرت على وزان أفعل كأكرم ثم إنه في هذه الحالة يتعدى إلى مفعولين تقول آجرت محمدا الدار أما آجر على وزان فاعل فإنه لازم غير متعد ومنه مؤاجرة الأجير تقول آجرت مؤاجرة على أنه إذا قال آجرت الأجير ولم يقل مؤاجرة فإنه يصح أن يحمل الفعل على وزان كأكرم ويتعين في هذه الحالة أن يكون مصدره الإيجار ويصح أن يحمل على وزان فاعل ويكون مصدره الفعال والمفاعلة فيقال أجره إيجارا ومؤاجرة . وأما معناها في الشرع ففيه تفصيل في المذاهب ( 1 )
_________
( 1 ) ( الحنفية - قالوا : الإجارة عقد يفيد تكليك منفعة معلومة مقصودة من العين المستأجرة بعوض
فقولهم عقد معناه إيجاب وقبول ولا يلزم أن يكون لفظا وذلك كما استأجر شخص دارا من آخر لمدة سنة فلما انقضت المدة طلب منه صاحب الدار إخلاءها وإن لم يفعل عليه اليوم بكذا فشرع في إخلاءها ولم يتمكن من الإخلاء إلا في مسافة فإن عليه أجر المثل في تلك المسافة فالإجارة منعقدة فيها بدون لفظ كما سياتي
وقولهم يفيد تمليك منفعة خرج به البيع والهبة والصدقة لأن العقد تمليك الذات لا تمليك المنفعة
أما عقد النكاح فقد قال بعضهم إنه يفيد ملك الذات في حق الاستمتاع بمعنى أنه يفيد ملك البضع الذي يستمتع به وقال بعضهم إنه يفيد بالبضع وبسائر أجزاء بدنها بمعنى أن الزوج يختص بالاستمتاع بذلك دون سواه وكلا القولين قريب من الآخر لأن الذي قال إن الزوج يملك الذات لا يملك بذلك أنه يملك الذات ملكا حقيقيا كملك الإماء وإنما أراد أن
الاستمتاع ويختص به دون غيره ولذا عرفوه بأنه عقد على ملك المتعة أي يفيد ملك المتعة ومعنى الملك الاختصاص ويلزم منه حل الاستمتاع طبعا وعلى كل حال فعقد النكاح خارج أما على الأول فإنه تمليك للذات ظاهرا
وأما عقد الإجارة فهو تمليك للمنفعة ظاهرا وباطنا وأما على الثاني فإن عقد النكاح ليس تمليكا لمنفعة البضع ولإنما هو تمليك لالانتفاع وفرق بين الأمرين لأن الذي يملك المنفعة يملك كل ما يجيء منها وهنا ليس كذلك ألا ترى أن المرأة المتزوجة إذا نكحها آخر بشبهة كأن اعتقد أنها خالية من الأزواج فعقد عليها فإن النكاح يكون فاسدا وعليه مهر المثل
أما الذي ينكح منكوحة الغير وهو يعلم أنه يعلم فإنه يحد وبلزمه مهر المثل أيضا ولا يأخذه زوجها بل تملكه هي فلو كان الزوج يملك منافع البضع لاستحق مهرها . وهذا بخلاف ما لو عقد أحد على جارية الآخر فإن مهرها الذي يجب لها عنده يملكه سيدها لأنه يملك بضعها ملكا حقيقيا كما يملك كل منافعه
وقولهم ( معلومة ) خرج به الإجارة الفاسدة بسبب الإبهام الموجب للمنازعة كأن لم تتبين مدة الإجارة أو لم تحدد المنفعة التي تحتاج إلى التحديد فإن المعروف وإنما هو الإجارة الصحيحة التي يتعلق بها غرض الشرع . وقولهم ( مقصودة من العين المستأجرة ) معناه أن منفعة الإجارة
ينبغي أن تكون منفعة معتبرة في نظر الشرع والعقل خرج به ما إذا استأجر شيئا لغرض غير صحيح في نظر الشرع والعقل كما استأجر فرسا بضعة أيام ليقال إنه راكبي الخيل أو استأجر ثوبا ليوهم الناس أنه من العظماء يلبسه أو استأجر دارا ولم يسكنها ليقال إنه ثري قادر على دفع الإجارة ونحو ذلك من الأمور الصبيانية التي لا تكون لها قيمة في نظر الرجال وإن كانت مقصودة لصغار العقول فالمراد بقولهم مقصودة إنما هو القصد المعتبر في نظر الشرع والعقل لا مجرد القصد فإذا وقع شيء من ذلك كانت الإجارة فاسد ولا يلوم المستأجر أجرتها وإن استعملها
أما إذا كانت الإجارة فاسدة بسبب الإبهام وكان الغرض من الاستئجار صحيحا فإن الأجرة تلزم المستأجر بالاستعمال
وأما ركن الإجارة فهو الإيجاب والقبول لما عرفت كما تقدم أن المراد بالركن ما كان داخلا في الماهية العقد هي الصفة التي يتحقق بها وما عدا مما تتوقف عليه كالعاقد والمعقود عليه فإنه شرط لتتحقق الماهية
وتنعقد الإجارة بلفظ وبغير لفظ وهو المعاطاة فأما الأول فإنه يشترط فيه أن يكون لفظا ماضيا من العاقدين بأن يقول أحدهما أجرت هذه الدار أو أجرتها بالقصر والمد كما تقدم فيقول الآخر قبلت أو استأجرت . هذه الدار فقال له الآخر أجرت وكما تنعقد بلفظ إجارة فإنها كذلك تنعقد بلفظ الهبة والصلح كأن يقول أحدهما وهبتك منافع هذه الدار سنة بكذا أو شهرا فيقول الآخر قبلت . وكذا قال له صالحتك على منفعة هذه الدار سنة بكذا وقال قبلت فإن ذلك يكون إجارة وتنعقد أيضا بلفظ الإعارة لأن العارية بعوض إجارة فلو قال اعرتك منفعة هذه الدار شهرا بجنيهين فإنها تكون إجارة أما إذا قال له أجرتك منافع هذه الدار شهرا بلا عوض فإنها لا تكون إعارة بل إجارة فاسدة فإذا استعملها بعد ذلك يلزم باجرة مثلها . وأما الثاني وهو المعطاة فإن الإجارة تنعقد به في المدة القصيرة والأجور الصغيرة التي تحدث بين الناس عادة من غير كركوب السفينة ودخول الحمام والحلاقة ونحو ذلك فإنه يجوز أن بقع ذلك بدون عقد إجارة صحيحة وأما المدة الطويلة فإن الإجارة تنعقد فيها بالمعاطاة متى كانت الأجرة من سنة لأخرى فقد ترتفع وقد تنخفض وذلك موجب للنزاع
ومن أمثلة الإجارة التي تنعقد بدون لفظ أن يسكن أحدهما في دار بأجرة معلومة مدة معينة حتى إذا لنتهت المدة استمر ساكنا وسكت صاحبها واستلم منه بعض الأجرة فإن تنعقد بذلك سنة أخرى ويجب الأجر بدون عقد ومنه المثال الذي تقدم في التعريف
( وأما أقسامها ) فإنها تنقسم إلى قسمين : قسم يرد على منافع الأعيان كاستئجار الأراضي والدواب والثياب وما أشبه ذلك فغن عقد الإجارة لهذه الأشياء وارد على منفعتها إذ الغرض من تأجير الأراضي الانتفاع بزرعها ومن تأجير الأواني والثياب الانتفاع باستعمالها فالعقد فيها متعلق بمنفعتها
وقسم يرد على نفس العمل كاستئجار أرباب المهن على الأعمال التي يقومون به من الأعمال . أما المنافع المترتبة على أعمالهم آخر خارج التعاقد
المالكية - قالوا : الإجارة والكراء معناها واحد إلا أنهم اصطلحوا على تسمية التعاقد على منفعة الأدمي وبعض المنقولات كالأثاث والثياب والأواني ونحو ذلك إجارة وعلى تسمية البعض الآخر وهي السفن والحيوان خاصة كراء مع كونهما من المنقولات . ومثل السفن والحيوان جميع الأشياء الثابتة كالدور والأراضي وغيرهما فإن العقد على منافعها يسمى كراء على أنهم قد يستعملون الكراء في معنى الإجارة وبالعكس في بعض الأحيان
وعلى كل حال فهم قد عرفوا الإجارة بانها عقد يفيد تمليك منافع شيء معلومة بعوض غير ناشيء عن المنفعة
ومثلها الكراء فإنهم قد عرفوه بهذا التعريف أيضا لما عرفت الإجارة والكراء واحد وإنما الاختلاف في التسمية
فقولهم تمليك يشمل العقود التمليك من إجارة وبيع وهبة وصدقة ونكاح وجعل ومضاربة ومساقاة فإنها تفيد أيضا تمليك الأمة المحللة وهي المستعارة التي يعقد عليها مستعيرها ليحلل نكاحها
وقولهم منافع شيء خرج به البيع والهبة والصدقلة بالشيء ما يصح أن تستأجر منفعةته سواء كان آدميا أو حيوانا أو ثيابا أو أواني أو غيرهما تقدم قريبا
وكذلك يخرج به عقد النكاح لأنه لا يفيد منفعته البضع وإنما يفيد تمليك الانتفاع ولا يلزم من تمليك الانتفاع تمليك المنافع كما في المنكوحة بشبهة ولها زوج فإن المهر الذي يجب لها تأخذه هي لا الزوج كما تقدم عند الحنفية
وقولهم منفعة مباحة خرج به تمليك منفعة الأمة المحللة التي ذكرت فإن العقد عليها لا يسمى إجارة لأن منفعتها المقصودة من العقد - وهي الوطء - غير مباحة . وقولهم معلومة خرج به الجعل كما إذا جعل شخص قدرا من المال الآخر في نظير أن يحضر له خيله الضالة فغن المدة غير معلومة . وقولهم غير ناشيء عن المنفعة فغن العامل يدفع للمالك اجرة أو شجرة من الثمرة كما تقدم
أما أركانها فهي ثلاثة : العاقد المؤجر والمستاجر والمعقود عليه وهو الأجر والمنفعة والصيغة وهي اللفظ الذي يدل على تمليك المنفعة بعوض أو ما يقوم في تلك الدلالة . وأما أقسامها فسيأتي بيانها في الشروط
الشافعية - قالوا : الإجارة عقد منفعة مقصودة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم . فقولهم عقد معناه الإيجاب والقبول وهو الصيغة والعقد لا بد من عاقد . وقولهم على منفعة هي المعقود عقد كمنفعة الدار التي يستأجرها للسكنى أو الأرض التي يستأجرها ينتفع بزرعها وهكذا
وقولهم بعوض هو المعقود الذي يدفعه الطرف الثاني وهو بمنزلة الثمن في البيع فقد اشتمل هذا التعريف على اركان الإجارة وهي ثلاثة إجمالا ستة تفصيلا : عاقد وتحته أمران أيضا أجرة ومنفعة وصيغة وتحتها أمر ان إيجاب وقبول . وخرج بقولهم معلومة الجعالة فإن العقد فيها على منفعة مجهولة كما مجققة بل مجهولة وخرج بقولهم مقصودة المنفعة التافهة التي لا قيمة كاستئجار تفاحة لشمها ونحو ذلك مما ياتي
وقولهم قابلة للبذل خرج العقد على منفعة غير قابلة للبذل هو عقد على منفعة البضع وهذه المنفعة لا يصح بذلها لغير العاقد على أن عقد النكاح ليس داخلا في الحقيقة في قولهم عقد منغعة وذلك لأن الذي يستحقه الزوج هو الانتفاع بالبضع أما منفعته فلا يملكها بالعقد والدليلي على ذلك أن المراد إذا وطئت بشبهة وهي متزوجة فإنها تستحق المهر وتأخذه هي لا الزوج فمتة البضع في ذاتها ليست للزوج إنما له أن ينتفع
وقولهم قابلة للغجارة خرج به غجارة الإماء للوطء فغن منفعتهن وهي الاستمتاع بهن لا تحل بالأجرة . وقولهم بعوض خرج به الإعارة لأن الذي يستعير شيئا يأخذه عوض
وقولهم معلوم خرج به المساقاة لأنها بعوض غير معلوم إذ لا يمكن معرفة مقدار ما ينتج وإن كان لا بد من معرفة قدره من الثلث ونحوه . واما أقسامها فسيأتي بيانها في الشروط وهي اثنان عين وإجارة ذمة
الحنابلة - قالوا : الإجارة عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئا فشيئا مدة معلومة بعوض معلوم فالمعقود عليه هو المنفعة لا العين لأن المنفعة هي التي تستوفى والأجر في مقابلها ولهذا تضمن دون العين . وإنما يضاف العقد إلى العين باعتبار أنه محل المنفعة ومنشؤها
ومما تقدم في المذاهب الأخرى تعرف العقود التي خرجت عن التعريف كالبيع والهبة والصدقة ونحو ذلك مما يكون العقد فيها العين لا على المنفعة وكذلك العقود على ما لا يباح ونحو ذلك
وأركانها كأركان البيع : عاقد ومعقود عليه وصيغة ثم إن العاقد يشمل المؤجر والمستأجر والمعقود عليه يشمل الأجر والمنفعة والصيغة تشمل الإيجاب القبول كما هو رأي الشافعية والمالكية في الأركان . وتقدم لك في البيع أن الحنفية يقولون إن الركن هو الصيغة وهو اصطلاح . فاما الصيغة فتنعقد بأي لفظ يعرف بما يوجب الريبة والنزاع لأن الشارع لم يعين ألفاظ العقود ولم يحدها بل جعلها مطلقة ليستعمل الناس منها ما يدل على غرضهم ويحدد المعنى الذي يقصدونه فتنعقد بلفظ الإجارة سواء أضافها إلى العين كما يقول آجرتك هذه الدار أوأضافها إلى المنفعة كما تقول أجرتك منفعة هذه الدار . وتنعقد بلفظ الملك مضافا للمفعة أيضا كأن يقول بعتك منفعة هذه الدار أو بعتك سكنى الدار وهي قسمان :
الأول : أن يكون العقد واردا على منفعة عين معينة كأن يقول شخص لآخر أجرتك هذا البعير أو هذه الدار أو واردا على منفعة عين موصوفة في الذمة كآجرتك بعيرا صفته كذا
القسم الثاني : ان يكون العقد واردا على معلوم كأن يقول سخص لآخر استأجرتك لتبني لي هذه الحائط أو لتعمل لي هذا الصندوق أو نحو ذلك من التعاقد مع أرباب المهن فغن العقد فيها وارد على أعمالهم وإن كان المعقود عليه هو العمل والمنفعة تأتي تبعا كما في عقد المساقاة فإنه يضاف إلى البستان بالثمرة تأتي كما تقدم )

(3/51)


شروط الإجارة

(3/52)


- للإجارة شروط مفصلة في المذاهب ( 1 )
_________
( 1 ) ( الحنفية - قالوا : تنقسم شروط الإجارة إلى أربعة أقسام كشروط البيع :
الأول : شروط الانعقاد فلا تنعقد الإجارة أصلا إلا إذا تحققت هذه الشروط
الثاني : شروط الصحة فلا تصح إلا بها وإن كانت تنعقد هذه بدونها
الثالث : شروط اللزوم فلا تلزم إلا بها
الرابع : شروط النفاذ فلا تنعقد إلا بها
فأما شروط الانعقاد فهي أمور : منها العقل فلا تنعقد إجارة المجنون والصبي الذي لا يميز أما الصبي المميز فإن مأذونا تنعقد موقوفة على إذن الوالي فلا اتنعقد إلا إذا أجازها فإذا كان مأذونا أجر الصبي المميز المحجور عليه نفسه وعمل عملا وسلمه فإنه يستحق أجره لنفسه
ومثل الصبي المميز في ذلك العبد إلا أن تكون أجرته لسيده وإذا أصاب الصبي ضررا أثناء عمله الذي استؤجر له فإن المستأجر يكون مسؤولا عنه وعليه الضمان فإذا قتل الصبي خطا كأن وقعت عليه حائط يعمل فيها كانت ديته على عائلة المستأجر وعلى المستأجر الأجر الذي استحقه المقتول وإذا أصيب بشيء من الضرر كان على المستأجر التعويض
وأما شرائط الصيغة فمنها رضا المتعاقدين فلا يصح إجارة المكره والمخطئ والناس وإن كانت تنعقد وتنفذ إلا أنها إجارة فاسدة حكمها أن فيها أجر المثل بعد الاستعمال وهذا الشرط وما قبله متعلق بالعاقد
ومنها أن يكون الشيء المستأجر مقدورا على تسليمه فلا يصح إجارة حيوان ضال غير مقدور عليه كما لا تصح إجارة شخص على عمل معصية لأنه كان مقدورا عليه بالفعل ولكن في حكم غير المقدور عليه من جهة الشرع لأن الممنوع شرعا في حكم الممتنع حقيقة
ومها أن لا يكون العمل المستأجر له فرضا ولا واجبا على الأجير قبل الإجارة فلا تصح الإجارة على الحج
أما الأجرة على الطاعات الأخرى كالإمامة والأذان فبيننا عليها في مبحث ما يجوز اسئجاره وما لا يجوز
ومنها أن تكون المنفعة لها قيمة مقصودة عند العقلاء كما تقدم . ومنها أن تكون الأجرة معلومة وتنقسم الأجرة إلى ثلاثة أقسام :
الأول : النقود كالجنيهات والقروش ونحوهما ويشترط في النقود بيان قدرها كعشرة حنيهات مثلا وبيان صفتها كجيدة أو مخلوط فإذا لم يكن في البلد إلا نقد واحد لا يتعامل إلا به يتصرف التعاقد إليه وإن لم ينص عليه في العقد فإذا لم ينص عليه في العقد فإذا لم يبين القدر والرصف عند اختلاف النقد فسد العقد ولا يشترط في النقد بيان الأجل فيصح تأجيله وتعجيله إذا كان مؤجلا يكون دينا كالثمن
الثاني : المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة في المقدار فإنها تصلح ثمنا في البيع وكل ما صلح أجرا ويشترط فيها أيضا بيان والصفة والأجل فينص في العقد على أنه استأجر كذا بعشر أرادب من القمح أو السمن البلدي ونحو ذلك - تدفع حالا ومؤجلا - ثم كانت الأجرة تحتاج إلى نقل يستلزم نفقات كما إذا استأجر أرضا زراعية مدة بعشرين إردبا من الفول فإنه يشترط أن يبين الموضع الذي يستلزم فيه المؤجر أجرته وإلا فسدت الإجارة فإذا لم يكن نفقه فلا يشترط ذلك ولمؤجر أن يسلم كيف شاء وبعضهم يقول لا تفسد بعدم بيان الموضع
الثالث : أن تكون الأجرة حيوانا إذا استأجر شخص آخر ليخمه سنة بجمل أو بقرق ويشترط في ذلك أن يكون معينا مشارا إليه كهذا الجمل أو هذه البقرة فإذا لم يكن كذلك فسد العقد
الرابع : أن تكون الأجرة عروض تجارة كالثياب من التان الجيد تدفع عاجلا أو آجلا فإذا لم يبين ذلك فسد العقد لأن عروض التجارة لا تكون دينا في الذمة إلا سلما فيشترط فيها ما يشترط في السلم والإشارة إلى عروض التجارة وإلى المكيلات وما معها تغني عن بيان ذلك
ولا يشترط في الأجرة أن تدفع آجلا عند الحنفية على أي حال سواء أكانت عينا غير دين كهذا الحيوان الحاضر أم كانت دينا موصوفا في الذمة وذلك لأن العقد وقع على المنفعة وهي تحصبل شيئا فشيئا بدل عن المنفعة مقابلة لها وحيث لم يمكن استيفاء المنفعة حالا فإن بدلها لم يلزم حالا وإنما يلزم أذا استوفى المستأجر المنفعة
نعم تملك بتعجيلها فعلا فإذا وقع المستأجر عاجلا ( مقدمة ) فإن المؤجر يملكها وليس للمستأجر استردادها
وكذلك تملك بشرط التعجيل في الإجارة المنجزة فإذا استاجر شخص من آخر دارا للسكنى ابتداء من يوم العقد وشروط المؤجر أن تدفع الأجرة عاجلا مقدما كما هو الحاصل الآن في عقود الإجارة فإنه يصح وللمؤجر أن يمنعه أن يمنعه من السكنى إذا لم يدفع الأجرة وله أن يفسخ العقد
كذلك وقد يقال إن هذا الشرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة أحد العاقدين دون الآخر فكيف يصح والجواب أن الأجر بمنزلة الثمن والأصل فيه أن يكون والأصل فيه أن يكون معجلا فإذا أسقط البائع حقه في التعجيل ورضي بتأجيله لزمه ذلك وكذلك حتى خيار العيب في المبيع ثابت فإذا لزمه فما من هذا القبيل فإن من حق المستأجر أن لا يدفع الأجرة إلا بعد أن يستوفي المنفعة فإذا أسقط هذا الحق لزمه
أما الإجارة غير المنجزة كما إذا استأجر شخص من آخر زراعية أو دارا للسكنى يعد تاريخ العقد بيوم فأكثر فإن شرط تعجيل الجرة لا يستلزم ملكها وللمستأجر أن يمنع عن دفعها وليس للمؤجر أن يمنع عنه العين المؤجرة أو يفسخ العقد إذا حل موعده الإجارة
أما قبل حلول موعد الإجارة بطل العقد وله فسخ كذلك وذلك لأن الإجارة غير المنجزة ( ويعبر عنها بالمضافة للزمن المستقبل ) غير لاومة على المفتى به . ومحصل ذلك أن الأجرة تملك بأربعة أمور :
أحدهما الحصول على المنفعة كاملة . ثانيهما دفع الجرة بالفعل . ثالثهما شرط التعجيل إذا كانت الإجارة منجزة لا مضافة . رايعها التمكن من الحصول على المنفعة وإن لم يحصل عليها فعلا
فإذا استأجر شخص دارا مدة معينة ولم يستعملها في تلك المدة مع تمكينه من الاستعمال فغن الأجرة تلزمه أما إذا منعه مانع من استعمالها كأن حال بينه وبين سكانها سخص وضع يده عليها غصبا فإنه لا يلزم بأجرتها
ومثل ذلك ما إذا استأجر أرضا ليزرعها فأغرقها الماء أو انقطع عنها الماء الذي تسقى به فإنه لا يلزم بأجرتها . وهل تفسخ الإجارة في هذه الحالة أو لا ؟ قولان
وإذا طالب الصانع أو المالك بأجرته قبل استفياء المنفعة بتمامها فإنه يجاب إلى طلبه فيعطي من الأجرة بنسبة ماقام به من العمل أو بنسبة الأيام التي سكنها بشرط أن يسلمه فإذا خاط له بنسبة خاط له بنسبة ما خاطه ومثل ذلك ما يقع من ( المنجدين ) الذي ينجدونه الفرش في البيوت فإنهم يأخذون بنسبة ما يعملون من أجرهم لأن لالأعيان التي يستعملونها فيها تحت يد مالكها فهي مسلمة له واما إذا كانت في محل الصناع ولم تسلم لأصحابها أنهم لا يستحقون أجرا إلا بعد إتمامها وبعضهم يقول لا يستحقون عليها أجرا مطلقا بعد تمامها
ومن شروط صحة الإجارة أن لا تكون الأجرة منفعة من جنس المعقود عليه فلا تصح إجارة سكنى الدار بسكنى دار أخرى ولا خدمة رجل بخدمة رجل آخر
أما إذا اختلفت المنفعة فإنه يصح كمال استأجر السكنى في زريبة بركوب دابته أو استأجر دارا بخدمة جماله أو نحو ذلك . وذلك لأن اتحاد الجنس لا يصح فيه تأجيل القبض وقد عرفت أن المنفعة تحدث شيئا فهي مؤجلة طبعا
اما اختلاف الجنس فإنه يصح معه تأجيل القبض أعطى لجاره بقرة يحرث عليها وأخذ منه جماره أو فرسه إذا اغطاه ثوره وأخذ منه ثورا آخر فإنه لا يصح لاتحاد المنفعة فإذا وقع ذلك كان لكل منها أجر مثله بعد استعمال
ومنها : خلو العقد عن الشروط لا يقتضيه ولا يلائمه كسائر العقود
ومنها : أن تكون المنفعة معلومة علما يمنع المنازعة والخصام وتعلم المنفعة بأمور :
أولا : بيان المدة لأنها إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة معلوما لأن من يؤجر منزلا للسكنى فيه سنة كانت المنفعة محدودة بتلك السنة وكذلك من يستأجر أرضا زراعية مدة معينة فغن منفعتها تكون معلومة بتحديد تلك المدة وليس للمدة حد في الملك فللمالك أن يؤجر أرضه مدة طويلة ولو كانا لا يعيشان لمثلهما على المعتمد
أما في الوقف فلا تصح إجارة الأراضي أكثر من ثلاث سنين والمساكن والحوانيت ( الدكاكين ) ونحوهما أكثر من سنة إلا إذا كانت المصلحة تقتضي بتأجير الوقف أكثر من ذلك فإن للقاضي في هذه الحالة أن يؤجرها أكثر من ذلك وليس للناظر أن يفعل ذلك بدون إذن القاضي إلا إذا نص الواقف على جواز تأجيرها أكثر من هذه المدة إذا كان منفعة فإذا قال الواقف مثلا لا يجوز تاجير هذا المنزل أكثر من سنة إلا إذا كان في تاجيره مصلحة للفقراء الموقوف عليهم فإن لللناظر أن يؤجر أكثر من سنة بناء على هذا الشرط
ومحل عدم جواز تأجير الرقف أكثر من تلك المدة إذا كان المدة إذا كان المؤجر غير الواقف أما الواقف فله أن يزيد على هذه المدة كما يحب
وقد ذكروا لجواز تأجير الواقف أكثر منة هذه المدة حيلة - وهي أن تجعل عقودا منعددة مترادفة كل عقد سنة في غير الأراضي وثلاث سنين في الأراضي ثم ينص على أنه استأجر دارا كذا عشر سنين مثلا لكل سنة عقد . أو أرض كذا تسع سنين من غير أن يكون بعضهما شرطا في بعض
والغرض من هذه الحيلة أن يكون العقد الأول هو الازم لأنه منجز
أما العقد الثاني وما بعده فهي عقود لأنها وقعت قبل حلول موعدها بسنة أو ثلاث سنين وقد عرفت أن العقد المضاف غير لازم فيصبح للناظر فسخه إذا رأى ما يضر بالوقف لأن الإجارة الطويلة منعت في الوقف خوفا من ادعاء الملك فيه بوضع اليد فإذا كانت العقود متعددة وكان لكل عقد مدة خاصة كان الازم منها هو الأول والباقي غير لازم فلا خوف على الوقف حينئذ وقد يزيدون على هذا بان تجعل المدة الأولى باجرة مرتفعة ارتفاعا كثيرا وباقيها بأجرة يسيرة حتى إذا فسخ المستأجر العقد لم يجحف بالوقف . ولكن الصحيح أن إجارة الوقف لا تصح من الناظر أكثر من المدة التي ذكرت سواء أكانت بعقد واحد أم بعقود متعددة وإذا فعلها الناظر أكثر من المدة التي ذكرت سواء أكانت بعقد واحد أم بعقود متعددة وإذا فعلها الناظر وقعت فاسدة وتفسخ في كل المدة لأن العقد إذا فسد في بعضه فسد في كله على الصحيح
وقد عرفت أنه إذا اقتضت المصلحة الزيادة في مدة إجارة الوقف فإن للقاضي أن يزيد فيها بحسب تلك المصلحة ولا بد من بيان المدة أيضا في الآدمية المرضعة ويقال لها الظئر على أنه لا يشترط بيان ما يعمل في المنازل من أوجه الاستعمال إنما يشترط ذلك في إجارة الأرض فلا بد من بيان العمل الذي يريد ان يعمله فيها
الأمر الثاني : من الأمور التي تعلم بها المنفعة بيان العمل كالصياغة والصبغ والخياطة ونحوها فلا بد أن يعين الثوب الذي يريد صبغه ولون الصبغ وقدره إذا كان يختلف ثقلا وخفة وردائه وجودة
ومثل ذلك في البصياغة فلا بد من بيان الأسورة أو الخاتم وبيان الصناعة التي يريدها بحسب المتعارف في ذلك
وبالجملة فإنه يجب أن يبين في العقد ما يرفع الجهالة حتى لا يوجد نزاع بين المتعاقدين ومن ذلك ما إذا استأجر دابة فإنه يشترط بيان الغرض الذي استؤجرت له من جمل لأمتة لأو ركوب وبيان المدة وابمكان . فإذا لم يبين ذلك كانت الإجارة فاسدة ويجب أجر المثل بحقيقة الانتفاع
الأمر الثالث : الإشارة كنقل هذا القمح من مكان ذكا إلى مكان كذا لأنه إذا علم المنقول والمنقول إليه صارت المنفعة معلومة
ومن شروط صحة الإجارة بيان محل المنفعة فلو كان لأحد داران فقال : أجرتك إحدى هاتين الدارين من غير تعيين للمحل الذي يعينه فإن الإجارة لا تصح
واعلم أن العقد وإن المقصود منه إلا أن الراجح أنه ينبغي أن لا يضاف العقد إلى المنفعة فلا يقال أجرتك منلفع هذه الدار وهو يتضمن المنفعة لأنه لا معنى للاجرة إلا الانتفاع بالعين أما المنفعة فهي معدودة غير موجودة فالعقد عليها قبل وجودها عقد على معدوم
نعم قد يقال إن إضافة المنفعة إلى الدار تاتي بهذا الغرض ولكن الأرجح في العقود أن تكون بعيدة عن التأويل ثم إن المنفعة التي تصح إجارتها هي المنفعة التي لا يترتب عليها استهلاك نفس العين أو استهلاك شيء متولد منها فلا تصح استئجار النقود لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاكها كما لا يصح استئجار الشجرة للانتفاع بثمرتها أو البقر لشرب لأن اللبن والثمر أعيان ولا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها
وأما شروط اللزوم فمنها أن يكون العقد صحيحا فلا سيلزم العقد الفاسد وأن لا يكون بالشيء المستأجر عيب مرتبا للمستأجر وأن يكون سليما عن حدوث عيب يخل بالانتفاع فإذا استأجر جملا للحمل عليه مدة ثم حدث به فيه مرض يقلل الأنتفاع به فإن العقد لا يكون لازما وللمستأجر فسخه
ومنها أن لا يحدث عذر لأحد العاقدين فإذا حدث عذر شرعي فإن العقد لا يكون لازما . ومنها عدم بلوغ الصبي المستأجر إذا أجره أبوه أو وصي أبيه أو جده أو القاضي أو أمين القاضي فإذا بلغ لا يكون العقد لازما
ومنها أن يكون المستأجر الشيء الذي استؤجر له فإذا لم يسلمه لم يلزم الأجر . فهذا شرط للزوم العقد وقد عرفت ما يلزم به الآخر قريبا
وأما شروط النفاذ فمنها الملك والولاية فلا تنعقد إجارة الفضولي لعدم الملك والولاية ولكنها تنعقد موقوفة على أجازة المالك فإذا أجازها نفذت
ومنها قيام المنفعة وبقاؤها فإذا أجر فضولي منزلا يملكه شخص غيره مدة واستوفاها المسأجر وخرج من المنزل ثم علم المالك فأجاز الإجارة فإنها لاتنفذ طبعا لأن المنفعة قد أنتهت إنما الإجارة تنفع إذا كانت المنفعة قائمة يمكن الحصول عليها
المالكية - قالوا : يشنرط في العاقدين الشروط المتقدمة في البيع وهي قسمان شرط انعقاد وشرط صحة فأما شرط النعقاد فهو التميز فلا تنعقد الإجارة من صبي غير مميز ( وغير المميز هو الذي لا يفهم مقاصد العقلاء من الكلام ) كما تقدم
( يتبع . . . )

(3/53)


وأما شروط اللزوم فهو التكليف فالصبي المميز تنعقد إجارته ولكنها لا تلزم إلا بإذن وليه فإذا أجر نفسه أو شيئا يملكه انعقدت موقوفة على إذن الوالي ومثله العبد وأما الرشد فإنه شرط للزوم العقد في بعض الصور
فإذا كان المؤجر سفيها غير رشيد فلا بخلو إما أن يؤجر مفسه أو سلعته فإن أجر نفسه في إجارته تنعقد وتنفذ بدون إذن وليه إذا لم يكن مغبونا أما إن كان مغبونا فلا تلزم إلا بإجازة الولب أما إذا أجر السفيه سلعته فإن إجارته لاتلزم إلا بإجازة الولي مطلقا
ويشترط في الجر أن يكون ظاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه معلوما . وقد تقدم تفصيل ذلك موضحا في البيع فارجع إليه إن شئت على أنه يشترط في الأجر في مسائل بحيث لو أخر دفعه فيها لم يصح العقد
المسألة الأولى : أن يكون الأجر شيئا معينا كما استأجر أحد شخصا
لخدمة سنة في نظير جمل معين يعطيه إياه فإنه يجب أن يسلمه الجمل عاجلا بحيث لا يجوز له أن يؤخره أكثر من ثلاثة أيام فإن أخره فسد العقد لأن في ذلك غررا فغن الجمل قابل لتغير فيصح أن تكون قيمة الآن عشرة وأن خدمة الرجل تساويها فإذا قبضه فقد أخذ قيمة أجره كاملة اما إذا تأخر فإنه قد يهزل أو يعرض له عارض آخر تنفض به قيمة وفي ذلك ضرر باعامل أو تعرض له زيادة وفي ذلك ضرر بصاحبه فدفعا لهذا الضرر يجب تقدم الأجر
ومثل ذلك كل سلعة معينة كهذا الثوب فإنها قابلة للنقص والزيادة وفي ذلك عذر النزاع فمتى كان الأجر معينا فإنه يجب تعجيله حتى ولو كان العرف جاريا على التأجيل في مثله فإذا كان العرف جاريا على التأجيل فإنه يجب اشتراط العجيل وإلا فسد العقد
المسألة الثانية أن يكون الأجر غير معين كمال استأجره على أن يعطيه جملا ما لا جملا معينا أو ثوبا ما . مثاله أن يقول شخص لاخر : استأجرتك لخدمتي سنة وأعطيك جملا أجرة لك في نظير خدمتي وهذه الحالة تشتمل ثلاث صور :
الصورة الأولى : أن يشترطا دفع الأجرة مقدما وحكمها أنه يجب الدفع عملا بالشرط وإلا فسدت
الصورة الثانية : لم يشترطا التعجيل ولكن العادة بين الناس في مثل ذلك العجيل فيجب التعجيل عملا بالعادة
الصورة الثالثة : لم يقع شرط ولم تكن عادة وهذه تشمل صورتين :
الصورة الأولى : أن يكون عقد الإجارة على منفعة في الذمة لا على منفعة شيء معين كأن يقول له استأجرتك على أن تخيط لي هذا الثوب في ذمتك إن شئت فعلته بنفسك أو بغيرك فإنه في هذه الحالة استأجره على أن يؤدي له منفعة مضمونة في ذمته
الصورة الثانية : أن يستأجر منفعة شيء كأن يستأجر شخصا لخدمته أو دارا لسكناه ففي الصورة الأولى يجب تعجيل دفع الأجرة وإلا كان مقابلة دين بدين لأن العامل في هذه الحالة مدين بالمنفعة والمستأجر مدين بالأجر وهذا غير جائز نعم إذا شرع العامل فغن تعجيل الأجر لا يجب لأن الذي يصنعه العامل يكون مقبوضا إنما يجب أن يشرع بدون تأجير كأن يكون الليلة أو الغد وإلا فلا يصح فإذا لم يكن الأجر معينا ولم يشترط تعجيله ولم يجر العرف بتعجيله ولم تكن المنافع المعقود عليها في الذمة فإنه لا يجب التعجيل
وحكم هذه الحالة يختلف باختلاف حال عقد الإجارة وذلك لأنك قد عرفت أن العقد إما أن يكون على منفعة آدمي وهو ثلاثة أقسام أجير وصانع وخادم والفرق بين الأجير والصانع أن الأجير هو الذي يعمل بدون أن يكون شيء مما فيه في حيازته كالبناء فإنه يبني وينصرف وبترك عمله تحت يد المستأجر ومثله كل صانع يعمل فيما ليس في حياوته الذي يصلح الأبواب أو الشبابيك
وأما الصانع فهو الذي يعمل فيما هو تحت كالخياط والحداد والصانع ثم الصانع إلى قسمين صانع فقط وصانع بائع فقط هو الذي لا يعمل شيئا سوى الصنعة بدون زيادة عليها من عنده والصانع البائع هو الذي يزيد على الصنعة شيئا فلإنه يزيد الصبغة
وأما الخادم فهو الذي يستأجر لخدمة الغير
وإما يكون الإجارة على منفعة دار أو عقار أو حيوان أو آنية فإن كان على منفعة آدمي صانع أو أجير فحكمه أنه ليس لهما المطالبة باخذ الأجر إلا بعد الفراغ من عملها ما لم يكن هناك عرف بيقضي بالتعجيل فإنهما يعاملان به فإذا عمل النجار جزءا من عمله مثلا وأراد أخذ أجرته وامتنع المستأجر فليس له جبره على الدفع إلا بعد تمام العمل إلا إذا كانت العادة تقديم الدفع فيعمل بها فإذا أراد أن ينفصل عن العمل ولا يتمه فإن له أن يحاسب على ذلك الجزء الذي عمله
أما إذا كان العقد على منفعة دار أو عقار أو راحلة أو آدمي للخدمة أوآنية ( كآنية الفراشين ) فإنه يصح فيها الاتفاق على تقديم الأجرة وتأخيرها بشرط أن لا يتأخر الشروع في العمل أكثر من عشرة أيام وإلا فلا يصح تعجيل الدفع فإذا لم يحصل اتفاق تدفع الأجرة يوما بيوم وبذلك تعرف أقسام الإجارة
أما الركن الرابع وهو المنفعة فهي ما يقابل الذات فلا يمكن أن يشار إليها إشارة حسية استقلالا وإنما يشار إليها كذلك تبعا للذات المتعلقة بها على أن لاتكون متعلقة بجزء الذات وأن يكون الحصول عليها ممكنا مثال ذلك السكنى المتعلقة بالدار فإنها لا يمكن الإشارة إليها إشارة حسية استقلالا بدون إضافة إلى الدار وهي متعلقة بكل الدار أما إذا تعلقت بجزء من عين لا يمكن قسمتها كمنفعة جزء شائع في دابة فإنها لا تكون منفعة معتتبرة كالصفات المعنوية القائمة بالحيوان والإنسان مثل الحياة والقدر فإنه لا يصح استئجاره من اجلها لأنها منافع خاصة به لا يمن أخذها منه
وأما تاصيغة فيشترط فيها الشروط المتقدمة في البيع وقد ذكرت موضحة فارجع إليها إن شئت
ويشترط شروط ( أحدهما ) أن تكون لها قيمة فلا تصح شيء له منفعتها تافهة لا قيمة لها كالإيقاد من النار ونحو ذلك مما سيأتي بيانه فيما يجوز إجازته وما لا يجوز . ثانيهما أن تكون المنفعة مقدورا على تسليمها حسا أو شرعا فمثال الأول إجازة أرض للزراعة ولم يصل إليها ماء أو كانت غير صالحة للزراعة فإن المنفعة فيها غير مقدور على تسلميها أما الأرض التي غمرها الماء فإنه يمكن أن ينكشف عنها ولو نادر فإنه يصح إجازتها من غير نقد فإذا انكشف عنها وإلا فلا أما الذي لا أمل في انكشاف الماء عنها فإن إجارتها ليتعدى على آخر بالضرب أو ليعصر الخمر فإن كل ذلك لا يجوز شرعا . ثالثهما أن يمكن استيفاء المنفعة بدون استهلاك شيء من العين المستاجرة أو من عين أخرى متولدة قصدا
مثال ذلك ان يستاجر بقرة ليشرب لبنها فإذا قال شخص لآخر استأجرت بقرتك مدة الشتاء بجنيهين لآخذ لبنها وقبل الآخر فإن العقد يفسد وكذا إذا قال له : اشتريت لبن البقرة مدة الشتاء بتكاليفها فغن هذا لا يصح اما في الأجرة فلأن العقد تضمن استهلاك عين متولدة من العين المستاجرة وهي اللبن المتولد من البقرة فغن المنفعة لا تتحقق إلا باستهلاك اللبن واما في الشراء فلأنه يلزم عليه شراء اللبن في الضرع وهو ممنوع على أن بيع اللبن في الضرع أواستأجار الحيوان المترتب عليه استهلاك اللبن
ليس بمننوع مطلقا وإنما هو ممنوع إذا لم تتحقق فيه شروط الجواز وبيان ذلك أن شراء اللبن في الضرع إما ان يكون جزافا من غير كيل وإنما أن يكون بكيل فمثال الأول أن يقول سخص لآخر يملك أغناما كثيرة : إنني اشتري منك لبن عشرة أغنام او خمسة مدة شهر بكذا
ومثال الثاني : أن يقول له : إنني أشتري منك بمائة رطل من اللبن آخذ منها خمسة أرطال
ويشترط لجواز الأول تسعة شروط :
أن تكون الغنم المشترى لبنها متععدة وأن تكون مملوكة للبائع . وان تكون متساوية في اللبن . وان يكون الشراء في زمن الحلاب المعتاد ( كزمن البرسيم ) لنه يختلف في غيره كثرة وقلة . وأن يكون المشترك عاؤفا للقدر الذي تحلبه من اللبن وان يكون الشراء مقدرا بمدة لا ينقص اللبن قبلها . وأن يشرع في أخذ اللبن وان بدفع الثمن معجلا ( مقدما ) فإذا تححقت هذه الشروط فإنه يصح بيع اللبن جزافا
أما إذا كان الشراء بالكيل فيشترط له خمسة شروط :
الأول : أن يكون الشراء في زمن الحلاب
الثاني : أن يكون في مدة لا ينقص اللبن قبلها فإذا كان مدة الحلاب أربعة أشهر فلا يصح أن يشتري خمسة أشهر لأنه ينقص اللبن في الشهر الخامس
الثالث : أن يشرع المشتري في الأخذ منة يوم العقد أو بعده بأيام
الرابع : أن يسلم لرب الشياه دون غسيره ( أي يتعاقد عقد سلم ) فلا يصح أن يتعاقد مع غير المالك
الخامس : أن يعجل دفع الثمن لأنه عقد سلم كما عرفت لأن العين للمشتراة المعجلة فلا يصح تاجيل الثمن وإى كان مقابلة دين بدين
الشافعية - قالوا : لكل ركن من أركان الإجارة شروط فاما الركن الأول فيشترط له الشروط المتفقدمة في البيع
ومنها أن تكون مشتملة على الإيجاب والقبول لفظا وأن لا يفصل بينهما فاصل طويل عرفا الخ ما تقدم على ان البيع يشترط فيه عدم التأقيت وقت بخلاف الإجارة فإنه بخلاف الإجارة فإنها على العكس منه فيشترط فيها التأقيت
وتنقسم صيغة الإجارة إلى قسمين صريحة وكناية
فالصيغة الصريحة هي ما دلت على معنى الإجارة فلا تحتمل غيره . والكناية ما احتملت الإجارة وغيرها
ومثال الأول : ان يقول المالك : أجرتك هذه الدار سنة بكذا فيقول المستأجر فورا : قبلت
وكذا إذا قال له : أكريتك هذه الدار أو منفعتها أو ملكتك شهرا بكذا فكل هذه صيغ صريحة تنعقد بها الإجارة سواء أضيفت إلى العين أو إلى المنفعة
وبعضهم يقول : إن لفظ الإجارة وضع مضافا للعين فلا يصح إضافته إلى المنفعة فإذا قال أجرتك منفعة هذه الدار بطل العقد وهذا ليس هذا بصحيح لأن لفظ الإجارة يقتضي ملك المنفعة فإضافتها للمنفعة تاكيد لا ضرر منه
ومثال الثانية : أن يقول له : جعلت لك منعفة هذه الدار سنة بكذا أو اسكن داري شهرا بكذا فإن ذلك كناية لأنه يحتمل أن يكون جعل المنفعة على طريق إجارة وغيرها
وإذا وقع العاقدين على عقد مكتوب كالمتعارف في زماننا فإنه يصح ويقوم التوقيع على المكتوب مقام التلفظ بالصيغة ويكون من باب الكناية
ومثل ذلك كل عقد مكتوب فالمتابة تقوم مقام الصيغى الفظية على انها من باب الكناية ولا تنعقد في الإجارة بلفظ البيع فإذا قال له :
بعتك داري سنة بكذا لا ينعقد مطلقا لا إجارة ولا بيعا وذلك لأن لفظ البيع يقتضي التأبيد ولفظ ( سنة ) يقتضي التأقيت فيتناقض أول لفظ مع آخرهفلا يكون صريحا ولا كناية وكذلك لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة
ثم إن الإجارة تنقسم إلى قسمين : إجارة عين وإجارة ذمة
وإجارة العين هي عبارة عن العقد الوارد على منفعة ةتعلقة بشيء معين نعلوم للمستأجر كالمبيع الحاضر المعلوم للمشتري في البيع وذلك كأن يستأجر شخص عقارا معينا كأرض زراعية معينة لينتفع بزرعها مدة مخصوصة باجرة معينة أو يستأجر كذلك لينتفع بسكناها او شخص معين ليخدمه سنة
وأما إجارة الذمة فهي عبارة عن العقد علة منفعة متعلقة بشيء غير معين بل موصوف بالذمة أو بعبارة أخرى هي كما كانت المنفعة دينا في الذمة كما في السلم
وذلك كأن يقول شخص لآخر آجرتك جملا صفته كذا ليحملك إلى بلد كذا فإن المنفعة في هذا بحمل غير معين بل موصوف في ذمة المؤجر فالمراد بالعين ( في قولهم إجارة عين ) ما قابل الذمة لا ما قابل المنفعة لأن عقد الإجارة وارد على المنفعة أي على أي حال لكن تارة تكون المنفعة متعلقة بشيء نعين كمنفعة العين الوراعية النعلومة وتارة لا تكون كمنفعة الجمل الموصوف كما بيناه
وإذا قد عرفت ذلك فعلم انه يشترط في إجاة الذمة أن تكون بصيغة خاصة فلا تنعقد بغيرها وهي الزمت ذمتك أو أسلمت إليك كذا فإذا أراد شخص أن يستأجر جملا غير معين من آخر فلا بد أن يقول له ألزمت ذمتك كذا من القروش في جمل صفته كذا يحمل لي متاعي إلى جهة كذا أو يقول له : أسلمت إليك كذا من القروش مثل ذلك
كل عقد يراد به منفعة متعلقة بشيء غير معين كما إذا قال له ألزمت ذمتك بكذا منة الرقوش لخياطة هذا الثوب أو في بناء هذا الحائظ لأن يكون معنى ذلك أن الذي يتعلق به المنفعة غير معين سواء كان هو المخاطب أو غيره ومن هذا يعلم أن إجارة العين لا يجوز معها للأجير أن يأذن لغيره بالعمل فلو قال له : استأجرتك لبناء هذا الحائط فلم يبنه بنفسه وإذن لغيره بالبناء فيه فإن ذلك لا يصح . ثم إن العامل الثاني إذا كان يعلم أن التعاقد على أن الذي يباشر العمل هو الأول لا تكون له أجرة على عمله مطلقا وإذا كان لا يعلم الحقيقة كانت له أجرة المصثل على من أذنه
ويشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس كرأس مال السلم فلا يجوز فيها التاجيل وإلا كان مقالبلة دين بدين لأن المنفعة في الذمة والأجرة دين في الذمة وذلك غير جائز وكما لا يجوز تأجيلها لا يجوز الحوالة بها ولا عليها ولا استبدالها ولا البراءة منها فإذا وقع شيء من ذلك بطل العقد عند شرط التأجيل فإذا اشترطا وتفرقا من المجلس قبل القبض فإنه يبطل أيضا أما إذا لم يتفرقا قبل العقد فإنه يصح
وأما إجارة العين فإن كانت الأجرة فيها معينة كاستأجرتك لتخمني سنة بهذا الجمل فإنه لا يصح تأجيلها أيضا
أما إذا كانت دينا في الذمة كاستأجرتك لتخمني سنة بمجمل صفته كذا فإنه يجوز تأجيلها وتعجيلها . وإذا استأجر شخص من آخر شيئا معينا ولم يشترط أو التأجيل كما إذا قال له استأجرت منك هذا الجمل بكذا ولم يشترط شيئا فإن الأجرة في هذه الحالة تكون معجلة
وأما الركن الثاني وهو العاقد سواء كان مؤجرا أو مستأجرا فيشترط له الشروط التي تقدمت في البيع من كونه مطلقا ولا مجنون ولا محجور عليه لسفه . كما لا يصح من المكروه بغير حق إلى آخر ما تقدم في البيع الإسلام في بعض الأمور فلا يصح كافر أن يشتري مصحفا أو رقيقا مسلما . وهنا يصح للكافر أن يستأجر مسلما لخدمته وإن كان يكره
( يتبع . . . )

(3/54)


( تابع . . . 2 ) : - للإجارة شروط مفصلة في المذاهب ( 1 )
وكذلك لا يشترط إطلاق التصرف في الإجازة في جميع الصور . فإن السفيه يصح أن يؤجر نفسه في الأمور كلها التي لا يكسب بها عادة ككونه أجيرا في الحج بخلاف المهن التي يكتسب بها كالحدادة والنجارة فإنه لا يصح أن يؤجر نفسه فيها
وأما الركن الثالث : وهو المعقود عليه فإنه يشمل أمرين : الأجرة والمنفعة كما تقدم قريبا
فأما الأجرة فإنها تارة تكون غير معين وتارة تكون حاضرة معينة . فيشترط في غير المعينة ما يشترط في الثمن من الشروط المتقدمة في مباحث البيع فلا بد أن تكون معلومة قدرا وجنسا ونوعا وصفة
مثال ذلك أن يقول : آجرتك هذه الدار بعشرة جنيهات مصؤية صحيحة . فذكر العشرة بيان للقدر والجنيهات بيان لجنس إذا يحتمل أن تكون عشرة قروش أو عشرة ريالات أو جنيه فلما ذكرت الجنيهات تبين جنس العشرة . ومصرية بيان للنوع لأن الجنيه أنواع متععدة كالإنكيزي والمصري وغيرهما وصحيحة بيان لصفة النقد إذ يحتمل دفعها أنصافا من الجنيهات وقد لا تكون رائجة كالصحيح
ومثل ذلك ما إذا استأجر حيوانا يشترط أن يبين جنسه من خيل أو إيل ونوعه كبختي أو روسي جمل أو هجين أو نحو ذلك وذكورته وأنوثته وصفته سيره كأن يذكر سريعة السير واسعة الخطا أو بطيئة السير ونحو ذلك
وأما إذا كانت الأجرة معينة فإنه يشترط فيها رؤيتها فإذا قال له : أجرتك له : أجرتك هذه الدار بهذا الجمل فإنه يشترط رؤية الجمل
والغرض من ذلك رفع اللبس والإبهام حتى لا يقع نزاع بين المتعاقدين ولهذا اشترطوا فيمن استأجر دابة أو راحلة ليركبها بيان قدر السير الذي في الليل والنهار إلا إذا كان للناس في مثل ذلك عرف متبع فإنه يعمل به إلا إذا اشترط أحدهما ما يخالف العرف فإنه يعمل بالشرط . ولا فرق في ذلك بين أن تكون معينة أو غير معينة
وكذلك يشترطا بيان الشيء الذي يريد أن يحمله على الراحلة أو على الدابة إن كان غائبا ورؤيته أو جسه باليد إن كان حاضرا . وبيان جنسه إن كان مكيلا
ومن أجل ذلك قالوا : لاتصح من الجهالة دابة بعلفها ولا إجارة دار مدة معينة بالإنفاق لما في ذلك على عمارتها لما في ذلك من الجهالة . فينبغي في مثل ذلك أن تقدر العمالة أو قيمة الإنفاق على الدابة ويجعل المبلغ أجرة . ثم يأذن المالك لمستأجر في إنفاق هذا المبلغ في علف الدابة بشرط أن يكون هذا الإذن خارج العقد وهذه حيلة يصح العمل بها
وكذلك قالوا : تأجير العامل بما يحصل من عمله . فلا يصح تأجير الجزار بجلد الشاة التي يسلخها لأن حال الجلد قبل السلخ مجهول . فيجوز أن يكون رقيقا أو ثخينا أو به عيب ينقص قيمته . وكذلك لا يصح تأجير الطحان ببعض ما يطحنه من الحبوب كربع أو قدح من الدقيق الناتج من لعد التحليل مجهول بالنسبة لما به من النخالة فيجوز أن تكون النخالة كثيرة ويجوز أن تكون يسيرة والباقي بعد التحليل مجهول أيضا فإن الأجرة المعينة كالدقيق المأخوذ من هذا القمح يشترط فيه القدرة على التسليم حال العقد . وهنا ليس كذلك لأن القمح لا يمكن تسليمه دقيقا قبل طحنه . هذا ينافي شرط القدرة على تسليمه . ومثله جلد الشاة فإنه مقدور على تسلينه . وقد يرد على هذا أنهم لأجازوا للشخص أن يستأجر من يحج عنه بالنفقة وهي مجهولة
والجواب أن أمر الحج ليس من باب الإجارة وإنما هو من باب الجعالة فهو قد جعل له الانفاق عليه مقابل الحج عنه
وأما المنفعة : فيشترط فيها شروط :
منها : أن تكون لها قيمة فلا تصح الإجارة على منفعة كأن يستأجر أشجارا ليجفف الثياب أو آنية ليزن بها الدكان أو نحو ذلك كما تقدم
ومن ذلك ما إذا استأجر شخصا لنادي له بكلمة تروح سلعته كالدلال إلا إذا تكلم كثيرا وعمل أعمالا يستحق عليها الأجرة كالانتقال من مكان إلى مكان وعروض السلعة في كل مكان وتكرار النداء على بيعها ونحو ذلك
أما مجرد كلمة أو كلمتين فإنه لا يستحق عليها أجرا واو كانت الكلمة سببا في بيع السلع . فما يأخذه الشخص الذي يستحق عليه الأجر وإنما يحل له الأجر بنسبة تعبه وكثره تردده وكلامه ومع ذلك فلا يستحق عليها إلا أجر المثل والمتعارف بين الناس
ومنها أن لا تكون عينا مقصودة بعقد الإجارة كما استأجر بقرة من أجل لبنها فغن العقد يتضمن أن المقصود إنما هو استفياء اللبن واللبن عين لا تملك بعقد الإجارة قصدا لأن الأعيان لا تملك بالإجارة إلا تبعا
ومثل ما إذا استأجرت بستانا من أجل ثمره أو بركة ماء من أجل سمكها ونحو ذلك من كل ما تكون فيه المنفعة عينا مقصودة من العقد بخلاف ما إذا كانت المنفعة عينا تابعة كما إذا استأجر امرأة لإرضاع الخياط لأنهما لا يقصدان لذاتهما
ومها : أن يكون العمل المتعلقة مقدورا على تسليمه حسا وشرعا فلا يصح استئجار الحائض على كنس المسجد ولا استئجار زوجة الغير بدون إذن زوجها
ومنها : أن لا يكون العمل المتعلقة به المنفعة واجبا على الأجير فلا يصح الاستئجار على الصلاة ونحوها من كل العبادات التي لا نيابة فيها أما ما يرصده الواقفون على الأئمة والأذان ونحو ذلك فيؤخذ لا على أنه أجرة وإنما هو جعل أو يؤخذ الأجرة عن الحج عن الغير وغسل الميت وحفر القبر ودفن الموتى وحمل الموتى
ومنها : أن يكون العمل والمنفعة معلومين فالخياط يعرف في الثوب والمعلم يعرف عمله بالزمن كما سيأتي . وحمل الدواب يعرف بمقدار المحمول وهكذا . وسيأتي تكملة هذا في مبحث ما يجوز اسئجاره
ومن هذا تعلم أقسام الإجارة اثنان وإجارة ذمة
الحنابلة - قالوا : يشترط لصحة الإجارة ثلاثة شروط :
الأول : معرفة الأجرة لقوله عليه الصلاة السلام : " من استاجر أجيرا فليعلمه أجره " فلا تصح الإجارة إذا لم تبين الثمن المؤجل فما صح أن يكون ثمنا في الذمة صح أن يكون أجرة كذلك ويصح إجارة بجنس ما يخرج منها . كما أجر أرضا لشخص يزرعها قمحا بأردبين قمح . ولكن يشترط أن لا يكون في العقد أجرتها بأردبين مما يخرج مما يخرج منها فإن قال ذلك فإنه لا يصح . ويصح إجازة العامل والمرضعة يطعامهما وكستوهما وعند التنازع في صفة الطعام والكسوة يكون لهما الحق في طعام وكسوة مثل طعام الزوجة وكسوتها . وسيأتي ( في مبحث ما تجوز إجازته ) تكلمه لذلك
وإذا أعطى شخص ثوبا لخياط ليخطه أو لصباغ أو نحوهما ولم يعقد إجارة فإنه يصح ويكون لهما أجر المثل بشرط أن يكون الصابع مختصا بالعمل أما إذا لم يكن كذلك فإنه يستحق أجر المثل إلا بشرط أو تعريض
ومثل ذلك ما إذا حمل شخص لآخر متاعا إلى مكان بدون عقد فإن للحمال ( الشيال ) أجر المثل
( ومثل ذلك ما جرت العادة باستعماله بدون عقد كدخول الحمام وركوب السفن ( المعديه ) وحلق الرأس وغسل الثياب وشرب الماء والقهوة وغير ذلك من أنواع المباحات فإنه يصح وفيه أجر المثل
الشرط الثاني : معرفة المنفعة المعقود عليها فهي كالبيع ينبغي العلم بالمبيع وتعرف المنفعة بأمرين :
الأول : العرف ( وهو ما يتعارفه الناس بينهم ) فمتى كان الناس عرف فإنه يكتفى به عن تعيين عين المنفعة وصفتها في ذلك كسكنى الدار فإنها معروفه لا تحتاج إلى بيان . نعم لا يجوز للساكن أن يعمل فيها ما يضرها فإذا استأجر دارا للسكنى فلا يصح أن يعملها مصنعا للحدادة أوللنجارة أو مخزنا للحبوب أو نحو ذلك مما يضر الدار والعرف لا يعتبر هذه الأشياء سكنى
الأمر الثاني : الوصف فتعرف المنفعة بالوصف كما إذا استأجر حمالا ليحمل له قطعة حديد فإنه ينبغي له أن يبين زيتها ويبين المكان الذي يريد أن يحملها إليه لأن المنفعة لا يمكن معرفتها إلآ بهذا الببيان وإذا استأجر شخص آخر على أن يحمل متاعا إلى آخر فذهب فوجد المحمول إليه غائبا فرده ثانيا فإن له أجر حمله ذهابا وإيابا أما إذا وجد ميتا فليس له أجر حمله ذهابا فقط وذلك لأن الموت قهري لا يمكن معه احتياط بخلاف غيره فإنه يمن فيه الاحتياط فعلبيها تحديد الزمان والمكان والوقت قبل أن بذهب الحمال
ويجوز أن ستأجر الأجنبي الأمة أو الحرة لخدمته ولكن عليه أن يصرف وجهه عن الحرة فلا بنظر إلى شيء منها
أما الأمة فإنه يصح له أن ينظر ما عدا عورة الصلاة المتقدمة وعليه أن لا يخلو في بيت مع الأمة أو الحرة لأن الخلوة من داعي الفساد
وتصح إجارة المنفعة بالمنفعة سواء اتحد جنسها كسكنى دار بسكنى دار أخرى أم اختلفت كسكنى الدار في نظير صيغته أو تزويجه لأن كل ما جاز أن يكون ثمنا في البيع جاز أن يكون في الإجارة
الشرط الثالث : أن تكون المنفعة مباحة لغير ضرورة وأن تكون مقصودة فلا تصح الإجارة على ضرب شخص أو فعل محرم كالنباحة كما لا تصح إجارة الدار لتكون محلا للباعات أو لبيع الخمر أو للقمار أو نحو ذلك مما لا يحل
وكذا لا يحل استئجار أواني الذهب والفضة أو الكلب لأنه لا يباح للضرورة وكذلك لا يحل اسئجار الأشياء التي منفعتها ليست مقصوردة كالأشياء التي يزين بها حانوته أو مائدته
أما أركان الإجارة فهي خمسة : العاقدان والعوضان والصيغة )

(3/55)


مبحث ما تجوز إجارته وما لا تجوز

(3/56)


- في الأمور التي تجوز إجازتها والتي لا تجوز تفصيل في المذاهب ( 1 )
_________
( 1 ) ( الحنفية قالوا : الأشياء التي تستأجر :
( 1 ) منها ما يصح استئجاره باتفاق
( ب ) ومنها ما لا يصح استئجاره كذلك
( ج ) ومنها ما هو مختلف فيه . فأما الذي يصح استئجار فهو خمسة أمور :
الأول : الدكاكين والدور
الثاني : الأراضي الزراعية والأراضي الفضاء للبناء أو لغرس الأشجار فيها
والثالث : الحيوانات كاستئجار الجمال والخيل والبغال والحمير والبقر لركوبها أو للحمل عليها أو للحراثة أو نحو ذلك
الرابع : استجار الآدمي للخدمة أولحمل المتاع أو لصنع شيء كالخياطة والصباغة والحدادة ونحو ذلك . ومن هذا استئجار المراضع لتقوم برضاع الأطفال وتسمى الظئر
الخامس : إجارة الثياب والخيام والحلي ونحو ذلك
ويعلق بكل قسم من هذه الأقسام أحكام سترد عليك مفصلة فيما يلي :
القسم الأول استئجار الدكاكين والدور ويتعلق بها أمور :
( أحدهما ) : أنها تصح إجارتها بدون بيان ما يعمل فيها كما تقدم لأن المعروف من استئجارها إنما هو السكنى والسكنى لا تتفاوت فلا يلزم بيانها
ثانيهما : أن للمستأجر أن يسكن بنفسه أو يسكن غيره باجرة ويغير أجرة حتى ولو شرط أن يسكن وحده فهذا الشرط لا يعمل به . ومثل الدكاكين والدور كل شيء لا يختلف استعماله باختلاف المستعمل كالأرض الزراعية والآدمي المستأجر للخدمة فإن المستعمل بالنسبة لهما لا يختلف حاله أما ما يختلف استعماله باختلاف المستعمل كالدواب والثياب والخيمة فإنه لا يصح للمستأجر أن يؤخرها لغيره إذ قد يستأجر الدابة لركوبها شخص نحيف تقوى على حمله فربما يؤجرها لشخص ينصها في مكان بعيد عن الشمس والمطر فلا يضر بها فربما يؤجرها لشخص ينصبها في مكان فيه شمس ومطر فتتأثر به
ثالثهما : لا يصح للمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها لصحابها الذي استأجرها منه فلو استأجر محمد دارا من خالد لمدة سنة فلا يصح لمحمد أن يؤجر تلك الدار لخالد سواء كانت تلك الدار ملكا لخالد مستأجرها من شخص آخر حتى واو تخلل بينهما ثالث كأن أجر محمد تلك الدار لبكر وأجرها بكر لخالد منه ابتداء فإنه لا يصح . فلو وقع وأجرت الدار لخالد ثانيا فهل يبطل العقد الأول أو لا يبطل ؟ الصحيح أنه لا يبطل العقد الثاني الفاسد الصحيح . وهل يلزم المستأجر وهو محمد بالأجرة أو لا ؟ والجواب أنه إذا استلمها فإنه يلوم بأجرتها
أما إذا كانت في يد خالد ولم يستلمها محمد فلا يلزم بأجرتها
رابعها : إذا استأجر شخص دارا أو دكانا بمبلغ معين كجنيه في الشهر فلا يحل له أن يؤخرها لغيره بزيادة
ومثل الدور والدكاكين في ذلك غيرهما من الأشياء المستأجرة كالأرض الزراعية فإنه لا يصح للمستأجر أن يؤجر ( من باطنه ) بأجرة زائدة على ما استأجر به وإنما يصح له تأجيرها بالأجرة التي استأجر بها بدون زيادة فإذا فعل فإن عليه أن يتصدق بالزيادة . ويستثنى من ذلك ثلاثة أمور :
الأمر الأول : أن يضم إلى الدار المستأجرة ونحو هما شيئا من ملكه يصلح للتأجير ويؤجره معها فإن فعل ذلك وأجرها بزيادة فإنه يصح
الأمر الثاني : أن يحدث في العين المستأجرة إصلاحا كأن يبيض حيطانها ويرم جدرانها إن كانت دارا أو يشق فيها ترعة إن كانت أرضا . وبعضهم يقول إن شق الترعة لا يكفي وإنما الذي يكفي هو أن يحدث في هذه الحالة بناء على ما زاده من العمل ولا يخفى أن في شق الترعة إصلاحا فقوله غير صحيح
الأمر الثالث : أن يؤجرها بغير جنس ماستأجر به كما إذا استأجرها بنقود وأجرها بعرض تجارة قيمتها أكثر فإن الزيادة تحل له . هذا وإذا استأجر بيتين صفقة واحدة وزاده في أحدهما عن الآخر فإن له أن يؤجرها بأكثر
أما إذا استأجرهما في صفقتين فإن الزبادة لا تحل له
( خامسهما ) : للمستأجر الدور والدكاكين أن يعمل فيها كل مالا يضر ببنائها أو بسقوفها فله أن يبني التنور ( الفرن ) وإن احترق بها شيء لا يضمنه المستأجر إلا إذا بناها بدون احتياط كأن وضعها تحت سقف خشب يتأثر بما يتصاعد من نارها فإنه في هذه الحالة يكون مقصرا فيضمن ما احترق . وللمستأجر أيضا أن يكسر خشب الوقود . ويستعمل المدق ( المطحن ) لطحن الملح ونحوه ويستعمل الرحى لطحن الحبوب بشرط أن لا يضر ذلك الاستعمال بالبناء فإنه لا يصح إلا برضا المالك أو باشتراطه في العقد وعلى هذا فلا يصح للمستأجر أن يسكن الدار حدادا أو نجارا أو نحوهما من أرباب الحرف التي تحتاج إلى دق شديد يضر بالمنزل إلا إذا رضي المالك أو اشترطه المستأجر في العقد وإذا قال المستأجر : إنني اشترطت عليك أن أفعل في المنزل ذلك الذي يضر وقال المالك لم تشترط فإن القول في هذه الحالة للمالك وإذا أقاما البينة فالذي تسمع بينته المستأجر لأنه يريد إثبات شيء زائد على أصل العقد . وإذا استأجره للنجارة فاستعمله للحدادة فإن له إن اتحد ضررهما . وإذا استأجر دارا للسكنى فاستعملها للحدادة فأضر ببنائها كان ضامنا للضرر الذي حصل فعليه التعويض وسقط عنه الأجر في هذه الحالة لأن الأجرة لا تجتمع مع الضمان إذ الأصل في المستأجر أن لا يكون ضامنا أما إذا سلمت الدار ولم يضرها الاستعمال فإنه عليه الأجرة لأنه تبين في هذه الحالة أن الاستعمال غير ضار وهذا بخلاف الدابة والخيمة فعلا والثوب ونحوها فإنه إذا استأجر دابة ليرطبها فأجرها لغيره فإنه يكون غاصبا في هذه الحالة فعليه ضمانها إذا حل لها عطب وتسقط عنه الأجرة مطلقا سواء عطبت أو سلمت لأن منافع المغصوب غير مضمونة إلا في أمور ستأتي في بابها وإنما المضمون هو المغصوب
ومثل ذلك ما إذا استأجر خيمة فأجرها لغيره أو ثوبا أو نحو ذلك مما يختلف استعماله باستعمال الأشخاص فإنه لا يصح للمستأجر الأول أن يؤجره فإذا فعل كان غاصبا وعليه الضمان وذلك لأن أحوال الناس تتفاوت في مثل ذلك
( سادسهما ) : يجوز أن يزيد المستأجر في الأجرة أثناء المدة إذا كانت من غير جنس نا استأجر به فإذا استأجر شخص من آخر دكانا مدة سنة شهرية ( جنيهين ) وعرض في خلال المدة ما يوجب الزيادة فزاد المستأجر متطوعا في الأجرة فإنه لا يصح للمؤجر أن يأخذها إلا إذا كانت من غير جنس الجنيهات التي استأجر بها أما بعد انقضاء المدة فإن الزيادة من المستأجر مطلقا وهل تعتبر الزيادة في أثناء المدة عن الأشهر الباقية أو توزع على أشهر السنة كلها خلاف وليس للمالك أن يزيد الأجرة على المستأجر مدة عقد الإجارة مطلقا سواء ارتفعت إجارة العين لعارض أو لا إلا في الوقت وملك اليتيم على التفصيل الآتي في الوجه السابع
( سابعهما ) : إذا أخرجت دارا موقوفة أو ملك فاحش فإن الإجارة تقع فاسدة ومثل الدار في هذا الحكم غيرها من دكان أو أرض زراعية أو غير ذلك مما يصح استئجاره . وقد اختلف في حكم المستأجر فقال بعضهم إنه غاصب وقال بعضهم : إنه ليس بغاصب وعليه أجر المثل في المدة التي استعمل فيها الدار
والمراد بالغين الفاحش مالا يدخل تحت تقويم المقومين بمعنى أن أهل الخبرة بعضهم يقوم الدار مثلا بعشرة وبعضهم يقومها بتسعة وبعضهم يقومها بثمانية وهو يؤرجرها بسبعة فإن ذلك يكون غنبنا فاحشا لأن السبعة لم بقومها بها أحد ومتى ثبت أنها أجرت بغبن فاحش فإن الناظر يؤجرها بأجر المثل لمن يرغب فيها سواء أكان المستأجر الأول . ولا تكفي مجرد دعوى الناظر أو الأجنبي بأن الأجرة بغبن فاحش لأن الناظر متهم بنزعها من يد المستأجر كي يؤجرها لغيره والأجنبي متهم بأنه يريد استئجارها لنفسه بل لا بد من أن يخير من أن يخبر القاضي رجل خبير بمثل هذه الأمور بأن كانت الأجرة وقت العقد بغبن فاحش . وإذا شهدت بينة بأن الأجرة أجرة المثل وقت العقد واتصل بها القضاء فإنه يعمل بها ولا تنقص بخبر الواحد الخبير إلا إذا كذبها الظاهر . أما إذا لم يتصل بها القضاء فإنها تنقص ويعمل بخبر الواحد ذي الخبرة
بقيت مسألة أخرى وهي ما إذا أجر الناظر بأجر المثل ثم زادت رغبات الناس فيها فزادت أجرة المثل عما كانت عليه فماذا يكون الحكم فماذا يكون الحكم ؟ والجواب أن هذه المسألة على وجهين :
الوجه الأول : أن لا تكون العين المستأجرة مشغولة بملك المستأجر كالدار والدكان والأرض التي لا زرع بها فإن هذه الأشياء يمكن إخلاؤها من المنقولات التي بها . وحكم هذا أن الزيادة التي عرضت للعين تعرض على المستأجر بعد ثبوتها فإن قبل فذاك وإن لم يقبل فالناظر يفسخ العقد ويحكم به القاضي ثم يؤجر بالزيادة وليس للمستأجر أن يتمسك بأنه أجرها بأجر المثل وليس للناظر أن يزيده في أثناء المدة على الأصح المفتى به . وبعضهم يقول إن المعتبر في ذلك هو وقت العقد فمتى كانت أجرة المثل وقت العقد فلا ينظر للزيادة التي عرضت بكثرة الرغبات وهذا القول وجيه في ذاته لمل يترتب عليه من احترام العقود وعدم نفرة الناس من تأجير الوقف فإنهم إذا عملوا بأنهم مهدون بفسخ العقد لعارض تقل رغبتهم في التأجير فليس من المصلحة نقضه ما دام مؤجرا بأجر المثل وقت العقد على أن بعضهم قال : إنه لا يفسخ في هذه الحالة إلا إذا بلغت الزيادة نصف الذي أجر به أولا فإذا كان مؤجرا بخمسة لا يفسخ إلا إذا زاد إلى عشرة وهذا القول يبرز الفسخ في الجملة لأن مصلحة الوقف في هذه الحالة تكون ظاهرة ولكن المعتمد عندهم أن الفسخ يكون بالزبادة التي لا يتغابن الناس فيها عادة سواء كانت نصفا أو ربعا أما الزيادة اليسيرة كالواحدة من العشرة فإنه لا يفسخ العقد من أجلها باتفاق
الوجه الثاني : أن تكون العين المستأجرة مشغولة بملك بحيث لا يمكن إخلاؤها بدون إتلاف ذلك الملك ويشتمل ذلك الوجه على صورتين :
الصورة الأولى : أن تكون العين مشغولة بالزرع الذي له مدة ينتهي إليها حصاده كالقمح والذرة ونحو ذلك
وحكم هذه الصورة أن تعرض الزيادة على المستأجر فإن قبلها فإنها تحسب عليه من وقت الزيادة إلى أن يحصد ولو انتهت مدة العقد وإن لم يقبل الزيادة يؤمر بقلع الزرع إن لم يضر بالأرض فإن أضر بها يتملكه الناظر لجهة الوقف بقيمته جبرا على المستأجر
الصورة الثانية : أن تكون الأرض مشغووولة بالبناء وغرس الأشجار ليس لها مدة يقلع فيها كانخيل والرمان ونحو ذلك وفي هذه الحالة تعرض الزيادة على المستأجر فإن قبلها تحسب عليه من وقتها إلى انتاهء مدة العقد فقط لأن الشجر والبناء ليست لهما مدة معلومة . فإذا كانت مؤجرة مشاهرة فسخها وأجرها لغيره
أما البناء أو الشجر إن كان قلعة يضر بالوقف فالناظر مخير إما أن يضمه للوقف بقيمته أو يتركه حتى يسقط وحده
أما إذا لم يضر بالوقف فإنه المستأجر يكلف برفعه وأخذه ومحل هذا كله إذا كان الغرس والبناء بدون إذن الناظر لإغن كان بإذنه فإنه يضم للوقف ويرجع الغارس أو الباني على الناظر بقيمة ما أنفقه
وإذا كانت زيادة الأجرة بسبب بناء الناظر أو غرسه فإنه لا يطالب بالزيادة باتفاق لأن الذي نشأت معه الزيادة إنما جاء من ملك المستأجر
وبعضهم يقول : إذا غرس المستأجر في أرض الروقف أشجارا أو بنى ومضت مدة الإجارة فله أن يبقيها فلا يقطع الأشجار ولا يهدم البناء ويدفع عليها بقائها في الأرض بمثل ما يستأجر به الأرض لذلك عادة . ولا يملك الناظر ولا المسستحقون جبره فلع الشجرة ورفع البناء ولا ضمنها إلأى جهة الوقف إلا إذا أذنه الناظر بأن يبني لجهة الوقف
أما إذا أذنه بأن يبيني لنفسه وأشهد على ذلك فإنه لا يضم ولا يقلع جبرا وقد أفتى بذلك بعضهم ولكن الصحيح خلافه . وقد بالغ بعضهم في رد هذا القول لأنه يرى فيه إجحافا بمصلحة الوقف وتضييعا لأعمال البر على أن الكل فيه مجمعون على أن اللازم الفتوى فيه مصلحة الوقف لأنه عليه يقوم أعمال الخير فكل ما كان فيه مصلحة ينبغي العمل به فإذا كان في ترك الأشجار والبناء بأرض الوقف مصلحة فإنه ينبغي تركها وإلا فلا
القسم الثاني : من أقسام ما يصلح للتأجير الأراضي ويتعلق بها مسائل : الأولى أنه لا بد في عقد إجارة الأراضي الزراعية من بيان ما يزرع فيها من قمح أو ذرة أو أرز أو قطن أو نحو ذلك حتى ترتفع الجهالة المفضية للنزاع بخلاف إجارة الدور والدكاكين لأن الغرض استعمال الأولى للسكنى والثانية للتجارة وهذا الاستعمال لا يتفاوت وكل ما يطلبه المالك أن لا يفعل المستأجر شيئا يضر بالبناء أو السقوف وقد عرفت أن المستأجرر ممنوع من فعل كل ما يضر فيصح العقد فيها بدون بيان
أما الأراضي الزراعية فقد زرع دون زرع بيان ما يراد زرعه أو يستأجرها على أن يزرع فيها فيها ما يشاء ويرضى المالك بذلك فإذا تعاقدا بدون العقد يكون فاسدا فإذا زرعها بعد العقد وعلم المالك وأقر زرعها فإن الإجارة تنقلب صحيحة ويجب دفع الأجرة المسماة
الثانية : إذا استأجرها مدة تسع أن يزرعها مرتين فإن له أن يزرعها مرتين
الثالثة : أن للمستأجر الارتفاع بالمساقي الموجودة في الأرض وسقيها منها وله الانتفاع بالطريق الموصلة إليها المملوكة للمؤجر وإن لم ينص عليها في العقد
الرابعة : لاتصح إجارة الأرض التي لا تصلح للزراعة كالأرض السبخة أو التي لا يصل إليها الماء كما لا تصح إجارتها في مدة لا يمكن زرعها فيها
الخامسة : لاتصح إجارة الأرض المشغولة بالزراعة إلا إذا كانت تلك الزراعة بغير حق حتى يصح قلعها وتسليم الأرض لمستأجر . أما إذا كانت بحق كأن كانت مستأجرة لشخص فزرعها وللم تحصد زرعها فإنه لا يصح إجارتها لآخر حتى ولو كانت الإجازة فاسدة لأن الإجارة الفاسدة لا يكون صاحبها غاصبا بل يكون أجر المثل فلا يجبر على قلع زرعه فإذا استأجر أرضا مشغولة بالزرع فحصد صاحب الزرع زرعه وسلمها اتقلبت صحيحة على أنه يجوز تأجير الأرض المشغولة بالزرع إذا أدرك الزرع وحل موعده حصاده لأن صاحبه يؤمر بحصاده وتسليم الأرض
وكذلك يصح تأجيرها وهي مشغولة إذا كان العقد مؤجلا إلى زمن يدرك فيه الزرع
( يتبع . . . )

(3/57)


السادسة : تصح إجارة الأرض للبناء عليها ولغرس الشجر فيها فإذا استأجر شخص من آخر أرضا فارغة مدة معينة ليني عليها دكانا فإنه يصح فإذا مضت المدة يهدم بناءه ويسلمها خالية وإذا استأجرها لغرس فيها شجرا فأثمر الشجر وانتهت المدة وبقي الثمر فإن الشجر يبقى على الأرض بأجر المثل ويصح أن يأخذ المالك الشجر والبناء بقيمته بسبب البناء بمعنى البناء والشجر يدفعا المالك فإن كانت الأرض تنقص قيمتها بهدم البناء أو بقلع الشجر فإن المالك يتملكها بقيمتها جبرا على المستأجر وإلا فالمستأجر مخير في أن يقلع أو يعطيها للمالك بالقيمة المذكورة ولهما أن بتفقا على أن يبقى الشجر أو البناء على المستأجر وتبقى الأرض على ملك صاحبها بدون إجارة بل تكون عارية وتمون منفعتها شركة بينها فلو أجراها لثالث تقسم الأجرة بينهما على تقدير الأرض بلا بناء وعلى تقدير البناء بلا أرض فإذا كانت أجرة الأرض فارغة تساوي عشرة وكانت أجرة البناء خمسة أخذ كل منهما نصيبه على ذلك الغرض وقد عرفت حكم البناء والغرس غي أرض الوقف فيما تقدم
القسم الثالث : مما يصح تأجيره الحيرانت فبصح أن يستأجر دابة ليركبها أو ليحمل عليها متاعه ونحو ذلك من الأغراض المقصودة للعقلاء كالطحين والحرث أما أسنئجارها لمجرد الزينة أو لإبهام الناس أنه فرسا أو نحو ذلك فإنه لا يصح كما تقدم
وتعلق بها أمور أحدها : أنه يلزم بيان من يركبها فإذا لم يبين فسدت وتنقلب صحيحه بركوبها فعلا سراء ركبها المستلأجر أو أركبها غيره لأن الراكب تعين عند المؤجر بعد العقد وهذا هو المطلب إذا لا يلزم التعيين ابتداء . وإذا قبدها المستأجر براكب خاص بأن قال : أركبها أنا وفلان فركبها غبره فإنه يكون غاصبا وعليه ضمانها إذا عطبن ولا أجر عليه سواء سلمت أو عطبت كما تقدم لأن منافع المغصوب لاتضمن
( ثانيها ) : وإذا أستأجرها للحمل فسمى نوعا كا القمح مثلا فإن له أن يحمل عليها مثله أو أخف كا الذرة أو الشعير ولبس له أن يحمل أثقل كا الملح مثلا
( ثالثها ) : إذا أردف خلفه شخصا آخر وكانت الدابة تطبق حمل الاثنين عادة فإن كان كبيرا يمكنه أن يستمسك وحده بدون من يستند إليه وعطبت الدابة يضمن النصف سواء كان الذى أردفه خفيفا في الوزن أو ثقيلا إذا لاعبرة بالوزن
أما إذا كانت الدابة لاتطيق حمل الاثنين فإنه يضمن الكل فإذا أردف صغيرا لا يستمسك بنفسه فإنه بضمن يقدر ثقله
( رابعها ) : إذا أستأجرها ليحمل عليها مقدارا معينا فحمل عليه أكثر منه فعطبت كان عليه ضمان ما يقابل الثقل الذي زاده فإذا اتفقا على أن تحكل عشرة فحملها خمس عشرة فعطبت كان عليه قيمة ثلث عطبها وعليه الأجر فأما الضمان في مقابل ما زاد في الثقل الموجب لعطبها وأما الأجر فهو في مقابلة الحمل الذي بين مقداره . فلم يجتمع الضمان والأجر هذا إذا كانت الدابة تطيق الكل لأنه حملها ما لا تطيق . ( خامسها ) : إذا اتفقا على حمل شيء معين ثم حملها صاحبا بيده أكثر منه فعطبت فلا ضمان على المستأجر لأن صاحبا هو الذي باشر فعل ما به عطبها وحده
أما إذا اشترك معه المستأجر في وضع الحمل عليها كأن على المستأجر ضمان ربع ما عطيت منها وذلك لأنه مأذون في النصف الثاني فيه شاركه فيه صاحبه فيكون عليه الربع فإذا اتفقا على أن تحمل ثمان كيلات فحملها ست عشر كيلة فإن وضع الزيادة صاحبها فلا شيء على المستأجر وإن اشترك معه في وضع الزيادة كان علبه الربع وهو ما يقابل أربعة من الزيلدة وعلى صاحبها أربعة تهدر طبعا
وإذا كان المحمول كالقمح مثلا موضوعا في وعاءين ( جوالين ) فوضع المستأجر عليها واحدا ومالكها واحدا ثم عطبت فلا ضمان على المستأجر سواء وضع الحمل هو أولا أو ثانيا لأنه يجعل ما وضعه هو ماكان مستحقا بالعقد وبعضهم يقول : إذا وضع المستأجر الحمل الثاني يضمن الجميع
سادسا : إذا وضع عليها شيئا زائدا على ماسماه وسلمت الدابة فإنه لا يلزم المستأجر بدفع شيء سوى ما سماه وإن كان لا يحل له أن يضع عليها شيئا زائدا على ما سماه وذلك لأنه في هذه الحالة يكون غاصبا ومنافع الغضب لا تضمن كما تقدم
سابعا : إذا ضرب المستأجر الدابة فعطبت بها فإن عليه الضمان إلا إذا استأذن صاحبها فأذنه فضربها في الموضع المعتاد فإنه لا ضمان عليه
وبعضهم يقول : إنه لا ضمان لضرب الدابة أثناء السير لأنه مستفاد بالعقد وهذا الخلاف وقع في ضرب الولي للصبي والأب فبعض الحنفية يقول لا ضمان عليه
وبعضهم يقول : يضمنان بالضرب مطلقا إذا عطب الصبي لأن التأديب لا يتوقف على الضرب إذ يمكن زجره وعرك أذنيه ونحو ذلك وقد اتفقوا على عدم جواز ضرب الإنسان المستأجر للخدمة فإذا ضربه زجره وعطب كان عليه الضمان لأن الإنسان الكبير يؤمر وينهي ويفهم فلا معنى لضربه بخلاف الدابة والصبي والصحيح أن الضرب الخفيف الذي لا يترتب عليه ضرر للحيوان ويحمله على السير فإنه مأذون فيه بشرط سلامة الحيوان فإذا ترتب على الضرب عطب كان ضامنا
ومثل دابة الغير دابة نفسه فإنه لا يحل ضربها ضربا يترتب عليه عطبها فإنه فعل فإنه يخاصم ويؤدب على ذلك ويملك مخاصمته كل أحد . وله أن بفعل ما يحتاج إلى التأديب والزجر فقط ويمنع من ضرب الحيوان على وجهه على أي حال فإن فعل فإنه يخاصم لذلك
ثامنها : إذا استأجره وعليه سرج فنزعه فعطب كان عليه الضمان وكذلك إذا استأجره بدون سرج فوضع عليه السرج فإن كان مثل هذا الحمار لا يحتمل هذا السرج عادة كان علي الضمان وإلا فلا
تاسعها : إذا عين عين له المالك طريقا فسلك غيرها واختلف الطريقان بعدا ووعورة كان عليه الضمان وإذا سلم الحمار فللمالك الأجر المسمى بقطع النظر عن اختلاف الطريق فلا يصح أن يقول له قد سلكت طريقا شاقا أو بعيدا لأن المقصود واحد وهو الوصول إلى جهة معينة فمتى سلم الحيوان لا يظهر تفاوت إنما يظهر التفاوت حال هلاكه
القسم الرابع : إجارة الآدمي وهي نوعان :
الأول : استئجار الصناع وقد عرفت في الشروط أنه لا بد من بيان العمل كالصياغة والصبغ والخياطة فلا بد أن يعين ويبين لونه الذي يريده ونحو ذلك فإذا استأجر صانعا ليعمل له عملا في داره كالمنجدين والنجارين والخياطين الذين يدعون إلى المنازل لأداء ما يطلب منهم عن صانعهم فعملوا عملا وتركوه في يد المستأجر ففسد أو هلك فإن لهم أجورهم
فإذا استأجر خياطا ليخيط له ثيابا في داره فقطعها ( فصلها ) وأعد الخيط الذي يخيطها به ثم تركها في المنزل وانصرف فجاء لص فسرقها فإنه لا يستحق أجر على ( التفصيل ) لأنه مستأجر على الخياطة وقد سرقت الثياب فلا أجر له وإذا استأجر خبازا ليخبز له فاحترفق الخبز فاحترق في ( الفرن ) قبل إخراجه فلا أجر له وإن سرق لص الخبز من الخباز فلا أجر له ولا ضمان وقيل عليه ضمانه
وإذا استأجر عمالا لحفر بئر وبائها بالطوف ففعلوا ثم انهارت فلهم أجرهم وإذا انهارت قبل بنائها بالطوف فلهم أجر نما عملوا
النوع الثاني : استئجار الآدمي للخدمة وهو جائز يالنسبة للرجال بعضعم بعضا بلا كراهية إنما لا يصح للإنسان أن يستأجر أبويه ولو كافرين وإذا عمل الأب فله أجره ومثل الأبوين الجد والجدة . وإذا استأجر ابنة أو المرأة ابنها فإنه لا يصح وما عدا ذلك فإن استئجار جائز فتصح إجارة الإخوة وسائر الأقارب
وبعضهم يقول : لا يصح استئجار العم والأخ الأكبر لما في ذلك من الإذلال الذي لا يليق ولهذا قالوا يكوه أن يؤجر المسلم نفسه لخدمة الكافر وإن كان جائز بخلاف العمل في السقي والزرع والتجارة ونحو ذلك فإنه يصح أن يؤجر له نفسه بلا كراهة لعدم المهانة في نحو ذلك
ويجوز للمرأة أن تؤجر نفسها لخدمة الرجل التأكل هي وعيالها بشرط أن لا تختلي معه فإن الخلوة الأجنبية حرام ويكره للرجل أن يخلو بها
ولا يجوز للمرأة أن تؤجر نفسها لخدمة بيت زوجها لأن ذلك مستحق عليها أما إذا أجرها فيما ليس من جنس خدمة البيت كزرع حديقة أو رعي ماشية فإنه يجوز . وللمرأة أن تستأجر زوجها للخدمة أو لرعي الغنم وله أن بفسخ إجارتها ولا يخدمها
النوع الثالث : إجارة المراضع والقياس عدم جوازها وإنما جازت استحسانا وذلك لأنك قد عرفت مما مضى أن الإجارة إنما ترد على استهلاك المنفعة لا على استهلاك العين والإجارة هنا ترد على استهلاك اللبن كمن استأجر بقرة ليشرب لبنها وإنما استثنى المراضع لحاجة الناس إلى هذا ولمصلحة الصغير وتصح أجرتها بطعامها وكسوتها ولها عند النزاع كسوة وطعام الوسط . ولزوجها أن يطأها وهي مرضعة في بيته لا في بيت المستأجر إلا إذا رضي المستأجر بأن يخلو بها في بيته
وللزوج أن يفسخ إجارتها مطلقا سواء كان يتعير بتأجيرها أم لا
وللمستأجر أم يفسخ الإجارة بحيل المرضعة ومرضها وفجورها ظاهرا لا يكفرها لأنه لا يضر بالصبي . وعليها أن تفعل مع الصبي ما جرت به العادة من غسل ودهن وتنظيف ثياب ونحو ذلك ولا يلزمها شيء من نفقات ذلك وأجرتها على الوالد الصبي إن لم يكن له مال وإلا ففي ماله
القسم الخامس : استئجار الثياب والحلي والأمتعة والخيام ونحو ذلك فللإنسان أن يستأجر ثوبا ليلبسه أياما معلومة فإن فعل فله أن يستعمله بما قضت به العادة والعرف بالنسبة لحالة الثوب فغن كان قيما فلا يصح أن يلبسه بالليل ولا أن ينام بل يستعمله قياما أعد له فإن نلم فيه فتخرق عليه ضمانه وإذا ألبسه لغيره فضاع أو تخرق كان ضامنا له
أما إذا اشترط أن ينصبها في داره فنصبها في جهة أخرى في البد نفسها فلا ضمان عليه إذا كانت الدار مماثلة لداره . أما كانت مكشوفة تنزل فيها الشمس أو المطر فيضر القماش فإنه يضمن
وإذا استأجرت المرأة حليا معلوما إلى الليل لتلبسه ثم حبسته أكثر من يوم وليلة تكون غاضبة عليها الضمان وهذا إذا طلب منها ولم تدفعه لأصحابه . أما إذا حفظه بأن وضعته في مكان لا يلبس فيه عادة فإنه لا ضمان عليها
هذا ومما ينبغي التنبه له أن كل عين مستأجرة من حيوان أو متاع أو دار إذا فسدت بحيث لا يمكن الانتفاع بها سقط الأجر عن المستأجر من حين فسادها وعليه أجر مانتفع به مما مضى فإذا كان ساكنا بمنزل ثم تخرب في خلال الشهر فخرج منه عليه أن بدفع أجر الأيام التي قضاها من الشهر وإن اختلفا فيها فقال الساكن : إنها عشرة وقال المالك : إنها عشرون يحكم في ذلك حال المنزل والذي يشهد له من علامات الخراب يعمل بقوله
وأما الأعيان التي لا يصح استئجارها باتفاق فمنها نزو الذكور من الحيوانات على إناثها فلا يحل لأحد أن يؤجر ثوره ليحبل بقرة غيره ولا يؤجر حمارة الغير وهكذا لأن إحبال الحيوان غير مقدور عليه فلا يصح تأجيره
ومنها : الاستئجار على المعاصي مثل الغناء والنوح والملاهي كاستئجار بعض الفارغين من الشبان لبقوموا بأناشيد سخيفة ويتبادلون في مجلس الخمور والمحرمات فإن استئجارهم كبيرة لا يحل لمسلم أن يفعلها وهو الذين يسمونهم ( كشكش ) ومثل استئجار الأشخاص العاطلين لضرب الناس وإيذائهم بالسبب فإنه كبيرة لا يحل لمسلم أن يفعلها وهي إجارة باطلة لا يستحقون عليها أجرا وأما إجارة المغنين فإن كان الغناء مما يجوز فإنها تصح وإلا فلا وقد تقدم في باب الوليمة في الجزء الثاني من الكتاب
أما الإجارة على الطاعات فأصول مذهب الحنفية تقضي أنها غير صحيحة أيضا لأن كل طاعة يختص بها المسلم لا يصح الاستئجار عليها ولأن كل قرية تقع من العامل إنما تقع عنه لا عن غيره فلو لم يكن أهلا لأدائها لا تنفع منه فلا يصح له أن يأخذ عليها أجرا من غيره ويستدلون بحديث روي عنه عليه السلام : " اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به " وقد عهد عمر إلى عمرو بن العاص : " وإن اتخذت مؤذنا فلا يأخذ على الأذان أجرا " هذا هو أصل مذهبهم وهو بظاهره عام يشمل كل الطاعات فكان من حقه أن لا بعض الطاعات للضرورة فاجازرا أخذ الأجرة على تعليم القرآن خوفا من ضياعه ومثله تعليم العلم . والأذان والإمامة والوعظ خوفا من تعطيلها
أما قراءة القرآن خصوصا على المقابر وفي الولائم والمآتم : إنه لا يصح الاستئجار عليها إذ لا ضرورة تدعو إليها . فمن أوصى لقارئ يقرأ على قبره بكذا أوقف له دارا أو أوصى بعتاقة أو نحو ذلك كانت وصيته باطلة لا قيمة لها لأن الأجرة على الطاعات بدعة محرمة كما ذكرنا
وإنما تنفذ مثل هذه الوصايا أو الوقفيات إذا جعلت صدقات وقد قال صاحب الطريقة المحمدية رضي الله عنه ما نصه :
الفصل الثالث في أمور مبتدعة باطلة أكب الناس على ظن أنها قرب مقصودة
ومنها الوصية من الميت بالطعام والضيافة يوم موته أو بعده وبإعطائه دراهم لمن يتلو القرآن لروحه أو يسبح أو يهلل له وكلها بدع منكرات
باطلة والمأخوذة منها حرام للآخذ وهو عاض بالتلاوة والذكر لأجل الدنيا اه
ومحصل هذا كله أن أصل المذاهب منع الإجارة على الطاعات ولهذا أجمعوا على أن الحج عن الغير من باب الإنابة لا من باب الاستئجار فمن حج عن غيره كان نائبا عنه في أداء هذه الفريضة ينفق على نفسه بقدر ما يؤدي فإن زاده معه شيء من المال الذي أخذه وجب لصاحبه ولو كان إجارة لما رد منه شيئا
وإما إقتاء المتأخرين بجواز أخذ الأجرة على بعض الطاعات فهو للضرورة خوفا من تعطليها فأجازوا أخذها على التعليم القرآن ونحوه ولم يجيزوه على قراءة القرآن إذ لا ضرورة في القراءة
ويرد على هذا ما ثبت من جواز أخذ الأجرة على الرقية في عهد النبي صلى الله عليه و سلم وقوله : " إن أحل ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " وأجيب بأن الرقية تلاوة فقط بل المقصود منها الطب وأخذ الأجرة على التداوي جائز
( يتبع . . . )

(3/58)


( تابع . . . 2 ) : - في الأمور التي تجوز إجازتها والتي لا تجوز تفصيل في المذاهب ( 1 )
وقد يقال في زماننا أن الناس يتصرفون عن تعليم القرآن إذا لم يجدوا فيه شيئا يساعدهم على قوتهم فالعلة التي أباحوا من أجلها أخذ الأجرة على التعليم وهي خوف تقليل الحفاظ هي بعينها موجودة في الحفاظ الذين ينفقون الذين ينتفعون من قراءءتهم وقد يكون للإفتاء بجواز أخذ الأجرة على القراءة من هذه الجهة وجه ولكن الذي لا يمكن إقراره بحال إنما هو ما اعتاد بعض القراء من فعل ما ينافي التأديب مع كتاب الله تعالى كتلاوته على قارعة الطريق للتسول به وفي الأماكن التي نهىالشرع عنه الجلوس فيها وتلاوته على حالة تنافي الخشية والاتعاظ بآياته الكريمة كما يفعل بعض القراءة من التغني به في مجالس المآتم والولائم التي نهى الشارع عنها لما فيها من المنكرات وتأوه الناس في مجلسه كما يتأوهون في مجالس الغناء والإمعان في هذه الطريقة الممقوتة حتى أن بعض القراء يحرفون كلمه عن مواضعه تبعا لما يقتضيه نغم وتمشيا مع أهواء الناس وشهواتهم فإن ذلك كله حرام باطل لا يمكن الإقرار عليه بأي حال
ومن الأشياء التي لا تصح إجازتها الأياء التي تستأجر على خلاف شرائط الإجازة المتقدمة
ومن ذلك استئجار الشخص بجزء من عمله كأن يستأجر جمالا لينقل له جرنه ويأخذ باقية في نظير أجره أو يعطي طحانا إردبا من الحنطة ليطحنه ويأخذ منه كيلة في نظير أجره فإن كل ذلك ممنوع لأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن ذلك ولأن القدرة على تسليم الأجرة شرط في صحة الإجارة وفي هذه الحالة أن يسلم الأجرة لأنه ناطقه بالشيء المعمول فالطحان مثلا لا يمكنه أن يأخذ أجره إلا من الدقيق الذي ينتج من القمح المطحون وهو لم يوجد بعد فإذا وقعت مثل الإجازة وجب فيها أجر المثل بشرط أن لا تزيد على المسمى بينهما
والحيلة في جواز مثل ذلك أن يفرز أولا ويسلمه للمستأجر كأن يخرج الصوف أو القمح الذي يريد أن يدفعه أجرا ثم يسلمه للمستأجر وهذا جائز
ومن ذلك إجارة ماء الشرب وحده فإنها لا تصح واقعة على استهلاك عين السمك وإجارة المرعى لتأكل غنمه حشيشها فإن كل ذلك فيه استهلاك للعين فلا تنفع إجارته ولكنه يصح أن يستأجر تبعا لشيء آخر فيصح أن يستأجر القناة تجري فيها الماء فتقع الإجارة على الماء تبعا ويصح أن يستأجر قطعة من أرض المرعى ليجعلها مأوى لمواشيه ( حوش ) ويبيح له مالكها الرعي من حشيشها
وأما الأشياء المختلف في جواز استئجارها فمنها إجارة الحمام فإن بعضهم يقول : إن أخذ الحمامي أجرة مكروهة من الرجال والنساء . وبعضهم يقول : إنها مكروهة من النساء دون الرجال والصحيح أنها جائزة بلا كراهة لحاجة الناس إليها وربما كانت حاجة النساء إليها أكثر من لنفاسهن وضعفهن إنما الذي ينبغي النهي عنه هو كشف العورة فيها سواء كان من فيها نساء أم رجال إذ لا يحل للنساء أن ينظرن إلى عورة بعضهن كما لا يحل للرجال على التفصيل المتقدم في مباحث ستر العورة فعلى من يدخل الحمام أن يحتاط في ستر عورته وأن يغض بصره عن النظر إلى عورة غيره وإلا فقد فعل ما لا يحل له فعله سواء أكان ذلك في الحمام أو غيره
ومنها أجرة الحجام فقد قال بعضهم بكراهية لما ورد من أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " كسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث " والصحيح أنها جائزة بلا كراهة لما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه و سلم احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان مكروها لم يعطيه والحديث الأول منسوخ بما ورد أن رجلا " وقال يا رسول الله إن لي عيالا وغلاما حجاما أفاطعم عيالي من كسبه ؟ قال : نعم " وأيضا فإن حديث البخاري مروي عن ابن عباس وحديث النهي رواه في السن عن أبي رافع
ومما لا شك فيه أن ابن عباس أعلم وأضبط وأفقه فيعمل بحديثه على أنه إذا اشترط الحجام أجرا معينا كره ذلك فيمكن حمل الكراهة على ذلك
ومن ذلك أجرة السمسار والدلال . فإن الأصل فيه عدم الجواز لكنهم أجازوا الناس إليه كدخول الحمام على أن الذي يجوز من ذلك إنما هو أجر المثل
فإذا اتفق شخص مع دلال أو مع سمسار على أن يبيع له أرضا بمائة جنيه على أن يكون له قرشين في كل جنيه مثلا فإن ذلك لا ينفذ وإنما الذي ينفذ هو أن يأخذ ذلك الدلال لأجر مثله في هذه الحالة
هذا وتصح إجارة الماشطة لتزيين العروس بشرط أن يذكر العمل أو مدته في العقد
وإذا استأجر شخص عاملا يمكن تعيين عمله كخياط ليخيط له هذا الثوب بكذا أو خباز ليخبز هذه الأرغفة بكذا أو هذا الإردب فإنه لا يصح له أن يجمع مع هذا التعيين الوقت فيقول خطه اليوم أو غدا أو اخبزه اليوم أو بعد ساعتين فإذا تأخر عن هذا الموعد يكون بأجرة أقل وإنما لا يجوز ذلك لأنه يفضي إلى المنازعة بأن يقول العامل المنفعة المعقودة عليها إنما هي العمل وذكر الوقت للحث على العجيل وحيث قد تم العمل في اليوم أو بعده فإنني استحق عليه الأجر كاملا ويقول المؤجر كلا بل المنفعة المعقود عليها مقدورة بالوقت فالمعقود عليه هو الوقت وحيث لم توجد قيمة المنفعة فلا تستحق الأجرة كاملة فلذا قبل بفساد العقد . نعم إذا قال على أت تفرغ منه أو تخيطه في اليوم فإن العقد ألا يفسد ويعتبر العقد على العمل وذكر هذه الكلمة يكون الغرض منه إنجاز العمل والفرقأن قوله في اليوم معناه أن تعمل في اليوم ولا يلزم أن يعمله جميعه في اليوم . وقوله على أن تفرغ منه اليوم يفيد أن ذكر اليوم ليس مقصودا كالعمل فيكون الغرض من التعاقد إنما هو العمل وأما كونه يفرغ منه اليوم فهو أمر ثانوي معناه اسعجال العمل على أن بعضهم يقول إن الإجارة لا تفسد بذلك مطلقا ولو قال اليوم بدون في أو على ويقع العقد على العمل ويكون الغرض من ذكر الوقت الحث على التعجيل
ويجوز أن يقول شخص لآخر إن خطت لي الثوب في هذا اليوم فتكون أجرته درهما وإن خطته غدا تكون أجرته نصف درهم . وإن سكنت هذه الدار حدادا فبعشرة وإن سكنتها عطارا فبخمسة . وهكذا في كل ما فيه ترديد الأجرة بالنسبة للزمان والمكان والمسافة
المالكية - قالوا : الأشياء المستأجرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم ممتنع فلا يصح استئجاره وقسم جائز وقسم مكروه
فالقسم الأول : وهو الممتنع فهو ما خالف شرطا من شروطها وقد تقدم بيان كثير منه وبقيت أمور : أولها كراء الشجر لأخذ ثمره لأن فيه استفياء عين وهو الثمر قصدا لا تبعا وهو بيع عين قبل وجودها وذلك باطل . أما الشاة لأخذ لبنها فقد مر بيانه في الكلام على المنفعة فارجع إليه
وإذا استأجر دارا فيها نخلة أو كرمة فإن كان ثمرها قليلا واشترط المستأجر لأن تكون تابعة للدار في الإجلرة فإنه يغتفر تأجيرها وأخذ ثمرتها بشرط أن لا يزيد ثمن الثمر عن ثلث الأجرة . وذلك بأن تقوم الدار بغير الثمر فإن كانت عشرة وقيمة الثمر بعد إسقاط ما أنفق على الشجر من سقي ونحوه فإنه يصح في هذه الحالة أخذ الثمن لأن الخمسة إذا أضيفت إلى الأجرة وهي عشرة كان المجموع خمسة عشرة والخمسة ثلثها فيصح أخذه حينئذ أما إذا كانت قيمة أكثر من خمسة فإنه لا يصح لأن القاعدة من مذهب مالك أن كل شيء يمكن قليله من كثيره فثلثه والقليل يتسامح فيه ويستثنى من هذه القاعدة أمور ثلاثة :
( 1 ) الآفات التي تصيب الثمرة المبيعة فغن ثلثها ليس من القليل
( 2 ) مساواة المرأة للرجل في دية الجراحة
( 3 ) ما تحمله العاقلة من الدبة
ثانيها : الإجازة على التعليم الغناء فإنها لا تصح والغناء بالمد التطريب بالأهوية المعروفة في علم الموسيقى وقد عرفت في مباحث الوليمة أن المالكية لا يبحون سماع شيء من الغناء إلا إذا كان على وزان :
أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحيكم
إلى أخره
وكل ما لا يباح لا يصح تأجيره أما غيره فلهم فيه تفصيل فما كان منه مباحا فإنه يصح الأجرة على تعليمه عندهم . ومن ذلك أجرة آلات الطرب كالعود والمزمار فإن استعمالها وسماعها حرام فكذلك ثمنها وإجارتها
ثالثهما : إجارة النائحة ( المعددة ) فإنه حرام بلا خلاف
رابعهما : إجارة الدجالين الذين يزعمون أنهم يخبرون عن المسروق ويردون الضائع فإنها لا تحل ومثله الاستئجار على حل المربوط ( العاجز عن إتيان امرأته ) فغن اسئجاره لا يحل وقيل يحل إن تكرر نفعه
خامسها : استئجار الحائض لكنس المسجد فإنه لا يحل
سادسها : إجارة الدكان ليباع فيه الخمر والحشيش ونحوه مما يفسد العقل أو يضر بالبدن فإنها لا تصح وكذلك إجارة المنازل لتتخذ بيوتا للدعارة أو محلا للفسق أو نحو ذلك . وكما لا تصح إجارتها كذلك لا يصح بيعها على ثمنها المعتاد إن باعها بثمن زائد عنه
سابعها : الإجارة على طاعة مطلوبة من الأجير ( طلب عين لا طلب كفاية ) إذا كانت لا تقبل النيابة كالصلاة والصيام سواء كان طلبها على سبيل الوجوب أو على الندب . فلا يصح الاستئجار على صلاة ركعتي الفجر والوتر
أما ما يقبل النيابة كالحج وقراءة القرآن وأذكار والتهليل ونحوها ففيها خلاف مبنى على وصول ثوابها للميت . فبعضهم يقول : إنها تصل فالإجارة عليها صحيحة وبعضهم يقول : إنها لا تصل فالإجارة عليها لا تصح والمنقول عن الإمام مالك أنها لا تصل وأن الإجارة عليها لا تصح ولكن الظاهر من قول أصحابه الميل إلى الميل إلى أنها تصل عملا بحديث رواه النسائي : " من دخل مقبرة وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة وأهدى ثوابها لهم كتب الله له من الحسنات بعدد من دفن فيها " فلو لم يكن ثواب القرآن ينفع الميت ويصل إليه لما حث النبي صلى الله عليه و سلم قل هو الله أحد للأموات
أما الأعمال المطلوبة من المكلف على سبيل الكفاية كتكفين الميت وتغسيله ودفنه فيجوز الإجارة عليها بلا خلاف فما يأخذه ( الحانوتية ) على تغسيل الموتى وحملهم ودفنهم من الأجرة ( جائز )
ثامنها : تأجير العامل الذي يجني الزيتون أو النبق ونحوهما أو يعصره زيتا بجزء مما يخرج منه فلو قال له انقض لي هذه الشجرة يختلف في ذلك فمنه ما يسقط من ثمره بالهز كثيره ومنه ما يسقط قليل فيكون القدر الذي ينزل منه مجهول
وكذا إذا قال له اعصر هذا الزيتون أو الرقطم ولك جزء مما يخرج منه فإنه لا يصح لأن القدر الذي يخرج من الزيت مجهول وصفة الزيت الخارج بالعصر مجهولة إذ يمكن أن يكون جيدا وأن يكون رديئا ثخينا أو رقيقا نقيا أو مشوبا ينقصه
وبعضهم يقول إذا قال له انفض الثمر الذي على هذا الشجر كله ولك سدسه مثلا فإنه يجوز فإذا وقع شئ من هذا فإن للعامل أجر مثله وجميع الثمر أو الزيت لصاحبه فإن اقنسما كان ما يأخذه العامل حراما أما ما يأخذه رب العمل فهو حلالا لأنه كله ملكه
ومثل ذلك ما إذا قال له أدريس ( هذا الجرن ) ولك ثمن ما يخرج من الحب فإنه إجارة فاسدة للجهل بقدر ما يخرج من الحب . أما إذا قال له احصد هذا الغيط ولك سبعه أو ثمنه فإنه يصح لأن الزرع ظاهر مرئي فيمكنه معرفة القدر الذي بخرج منه
ثامنها : تأجير أرض صابحة للزراعة ليزرعها با الطهام فإنه لا يصح فإذا اسنأجر فدانا ليزرعه بخمسه ( أرادب ) من القمح أو الذرة أو الشعير أو نحو ذلك مما تنبته الأرض كالعدس والفول وجميع أنواع الطعام فإنه لا يصح أنه يمكنه أن يزرع الأرض من هذا النوع الذى أستأجر به فتؤل المسألة ألى بيع الطعاملأجل منع التفاضل والغرر لأنه يحتمل أن يخرج له من الزرع قدر الأجرة أو أقل أو أكثر
وكذلك لا يجوز تأجيرها بالطعام الذى لا تنبته كالعسل والجبن واللبن والشاة المذبوحة والشاة التى بها لبن . أما الشاة الحية التى لا لبن بها يجرز أنها ليست بطعام في هذه الحالة ولا يتولد منها طعام كذلك لاتصح بالسمك وطير الماء زعلة ذلك أنه ربما يزرعها طعاما كا القمح والذرة ونحو ذلك فيكون فيه بيع بطعام مخالف له وهو ممنوع
كذلك لا يجوز تأجيرها بما ينبت منها من غير الطعام كالقطن والكتان والعصفر والزعفران ونحو ذلك لأنه قد يزرع فيها ذلك النوع الذي أجره بها فيكون فيه بيع الزرع بمثله لأجل فإذا وفع فيه شيء من ذلك كان فاسدا وله كراؤها بالنقود
ويجوز كراء الأرض بالشجر الذي يمكث فيها زمنا طويلا واختلف في جواز كرائها بما ينبت وحده لا بما ينبته الناس كالحلف والحشيش والصحيح لأنه يجوز
وأما كراء الأرض لأجل بناء عليها دكان عليها جرن فيها جائز وكذلك كراء الدور والدكاكين بالطعام فإنه جائز بلا نزاع لانتفاع الشبه التي تقدمت
تاسعها : يمنع استئجار صانع على عمل بحيث لو لأتمه في يوم يكون له عشرة وإن لأتمه يومبن يكون له ثمانية لأنه في هذه الحالة يكون قد أجر العامل نفسه بما لا يعرف
فإذا استأجر خياطا على هذه الحالة وخاط له الثوب فله أجر مثله خاطه في يوم أو يومين فإن اتفق معه على أجرة معينة ثن قال له بعد ذلك عجل وأزيدك كذا فإن كان على يقين من أنه يستطيع الفراغ منه في الموعد الذي حدده فإنه يجوز أما إن كان لا يدري فيكون مكروها
عاشرها : أن يقول لآخر اعمل على دانتي كأن تحتطب عليها أو تحمل عليها الناس تحمل عليها الحبوب أو نحو ذلك أو يقول له اعمل على دابتي ولم يصرح بشيء مما يحمل عليها ولك نصف ما يتحصل من ثمن ما تحتطبه عليه وتبيعه أة نصف ما تكريها به . وتشتمل هذه الصورة على أربعة أوجه : الأول أن يقول اعمل على دابتي فيعمل بنفسه
الثاني : أن بقول اعمل عليها فيؤجرها لغيره ليعمل عليها
الثالث : أن يقول له خذ دابتي فاكرها فيأخذها ويعمل عليها بنفسه
الرابع أن يقول له خذها فاكرها فيأخذها ويكريها لغيره . والإجلرة في جميع هذه الأوجه فاسدة . فإذا وقع ذلك فحكم الأوجه الثلاثة الأول للعامل جميع ما يتحصل وعليه أجرة المثل لمالكها لأنه في هذه الأوجه يكون قد استأجر الدابة إجارة فاسدة فإذا لم يجد عملا يعمله عليها فبعضهم يقول تلزمه أجرتها مطلقا وبعضهم يقول لا تلزمه الأجرة إذ عاقه عن العمل عائق معروف
( يتبع . . . )

(3/59)


( تابع . . . 3 ) : - في الأمور التي تجوز إجازتها والتي لا تجوز تفصيل في المذاهب ( 1 )
وحكم الوجه الرابع وهو أن يقول له خذها فاكرها فيكريها أن كل ما يتحصل من الكراء للمالك ويكون له أجر المثل فيما عمله فإذا تعاقد مع شخص ليحمله من بلد إلى آخر ومشى خلفه كان له أجر المثل على التعاقد وعلى المشي الذي مشاه وما يتحصل من الأجر للمالك لأن العامل في هذه الحالة يكون قد أجر نفسه إجارة فاسدة . هذا كله بعد الشروع في العمل أما قبله فتعين فسخ العقد وإنما فسدت الإجارة في هذه الأوجه للجهالة بقدر الأجرة
أما إذا قال له خذ دابتي الذي واحتطب عليها ولك نصف الذي تجيء به فإنه يصح بشرطين :
الأول : أن يكون القدر الذي يجيء به من الخطب معروفا في العرف كأن تجري العادة بأن هذه الدابة تنقل قنطارين في اليوم أو يسترطا ذلك كأن يقولا نقسم كل قنطارين مما تنقله
الثاني : أن لا يحجر المالك على العامل كأن يقول لا تأخذ نصيبك إلا بعد أن يجتمع الحطب في مكان كذا فيصح بهذين الشرطين لانتفاع جهالة هنا محققة فإنه لا يدري بكم يبيع الحطب الذي يجيء به فالثمن مجهول تماما
وهل السفينة والحمام والربع ونحو ذلك من الأشياء الثانية مثل الدابة في ذلك ؟ والجواب أن بعضهم يقول إنها مثلها فإذا قال العمل في سفينتي أو في حمامي أو في داري أو لنا ولك نصف ما يتحصل من ريعها فإن ما يتحصل يكون لمالكها وللعامل أجر مثله
وبعضهم يقول إن السفينة والدار والحمام ونحو ذلك من الأعيان الثابتة التي لا يتولى العامل مؤنتها يكون لمالكها وللعامل أجرة مثله سواء قال اعمل عليها أو اكرها وسواء عمل عليها بنفسه أو أجرها لغيره . والثاني أصح
الحادي عشر : أن يبيع شخص لآخر نصف سلعة معين على أن يبيع المشتري النصف الثاني فلا يصح أن يقول شخص لآخر بعتك نصف داري هذه بمائة على أن تتولى بيع نصفها الثاني وإنما تمتنع هذه الصورة إن لم يعين محل البيع أو عين بلدا تبعد عن البلد الذي فيها العقد أكثر من ثلاثة أيام
أما إذا قال له أن تبيع لي النصف الثاني في هذه البلدة التي حصل العقد أو في بلد قريب منها فإنه يصح وذلك لأنه في الحال الأولى يكون قد اشترى معينا وهو نصف الدار ولم يتمكن من قبضة إلا بعد بيع النصف الثاني في بلد يبعد عن محل العقد أكثر أيام وذلك ممنوع
أما في الحالة الثانية وهي إذا كان محل البيع في البلد أو في بلد يصح تأجير القبض إليها بأن كانت مسافتها ثلاثة أيام فأقل فإنه يصح ولكن يشترط في هذه الحالة أن يجعل العاقدان للبيع أجلا معلوما بأن يقول على أن تبيع لي النصف الثاني بعد شهر مثلا حتى في المسألة بيع وإجارة
أما البيع فلأنه قد باع نصف الدار بثمن معلوم
وأما الإجارة فلأنه قد اجره على أن يبيع له الثاني في وقت كذا وذلك جائز لأنه يصح أن يجتمع البيع والإجارة في عقد واحد
أما إذا لم يؤجلا فيجتمع في المسألة بيع وجعالة فكأن قال بعتك النصف بمائة على أن يكون هذا البيع جعلا لبيع النصف الثاني وهو ممتنع وذلك لأنك التأجيل بعين الإجارة إذ الجعالة يفسدها التأجيل
وإذا باع شيئا مكيلا أو موزونا أو معدودا كأن أعطاه عشرين إردبا من القمح وباع له إردبين منها بجنيه وسمسرة على بيع باقيها في خمسة أيام فيكون له نصف أجرة السمسرة فيرد نصف الإردب الذي جعل في مقابل السمسرة ويحتمل أن يبيعها في آخر يوم من العشرة أو بعد العشرة فلا يريد شيئا فقد ترددت أجرة السمسرة وهي الإردب بين كون بعضه إجارة وبعضه سلفا يرده غير جائز
وإذا اشترط المشتري إنه باع النصف الثاني لا يرد شيئا من الأجرة فإنه يصح . فتحصل من ذلك أنه لا يجوز أن يبيع شخص لآخر سلعة بثمن معين وأجرة سمسرة على بيع النصف الثاني إلا بثلاثة شروط :
الشرط الأول : أن يعين محل البيع بأن يكون في بلد لا تبعد عنه أكثر من ثلاثة أيام
الثاني : أن يجعل لبيع النصف الثاني أجلا
الثالث : أن يكون المبيع مثليا لا يعرف فإذا تحققت هذه الشروط صح لأنه يكون بيع وأجرة وهو جائز وإلا فلا
وأما القسم الثاني وهو الجائز فهو أمور : منها الأجرة على الإملمة مع الأذان فإنها جائزة بخلاف الأجرة على الصلاة وحدها فإنها لا تجوز كما تقدم
ومنها : الأجرة على تعليم القرآن والعلم والصنعة ونحو ذلك فإنها تجوز بشرط أن يعرف المعلم الشخص الذي يريد أن يتعلم
ومنها إجارة المراضع : فيصح أن يستأجر شخص مرضعة لابنه وتسمى ( ظئرا ) بشرط أن يعين الولد الذي يريد إرضاعه فإن كان غائبا فينبغي أن يذكر سنة . أما إذا كان حاضرا فينبغي رؤيته وإن جربته المرضع لترى قوة رضاعه يكون حسنا
وإذا استؤجرت المرضع بإذن زوجها فإنه يمنع من وطئها سواء أضر بالصغير أو لم يضر
وبعضهم يقول : إنه لا يمنع من وطئها إلا إذا أضر بالصغير فإن وطئها على القول الأول يكون لأب الصغير فسخ الإجارة
وكذلك يمنع الزوج من السفر من بلد أهل الرضيع وإذا سافر الأبوان من بلد الظئر لزمهما دفع الأجرة كالملة وإلا تركا الصبي لترضعه في محل العقد
أما إذا أجرت نفسها بغير إذن زوجها فله كل ذلك ويفسخ الإجارة
وليس للمرضعة أن ترضع ولدا آخر بعد التعاقد على إرضاع معين ولو لم يضر بالأول فإن فعلت فسخت الإجارة . وليس عليها أن تحضن الصغير لأن الإرضاع لا يستلزم الحضانة وبالعكس
وإذا استأجرها لإرضاع صغيرين فمات أحدهما فسخت الإجارة وكذلك تفسخ الإجارة بسبب ظهور حمل المرضع بأن كانت حاملا وقت العقد ولكن لم يظهر حملها ثم ظهر في أثنائه . وهل تفسخ إن خيف الضرر على الرضيع أو تفسخ مطلقا ؟ خلاف فبعضهم يقول : مجرد ظهور الحمل كاف في جواز الفسخ وبعضهم يقزل : لا بل يفسخ إن خيف وهل يجب على أهل الصغير الفسخ إن خيف الضرر أولا يجب ؟ إذا خافوا عليه الموت يجب عليهم الفسخ وإلا فلا يجب وكذلك تفسخ إجارة المرضع إن مرضت مرضا لا تقدر على إرضاع الصغير وإذا فسخت الإجارة فللمرضع حساب ما أرضعت
وإذا كان أب الصغير قد أعطاها الأجرة مقدما فأكلتها فلا تطالب بدفعها . وإذا فسخت الإجارة فلا تلزم المرضع أن تحضر غيرها محلها في إرضاع الصغير
ومنها : أنه يجوز للمالك أن يستأجر العين الذي أجرها من المستأجر فإذا استأجر محمد دارا من خالد فإنه يصح لخالد أن يستأجر تلك الدار من محمد بنفس القيمة التي أجر بها أو أكثر أو أقل بجنسها أو بغير جنسها فإذا استأجرها فإذا بجنيه ذهب فله أن يؤجر لمالكها بجنيه كذلك أو بجنيه ونصف كما أن له أن يؤجرها له بإردب من القمح أو بثوب من القماش وهكذا وإنما الممنوع ما يوجب التهمة
وذلك كما أجر له داره بجنيهين شهريا وأجل له الأجرة فلا يستلمها إلا بعد سنة ثم استأجرها منه بجنيه واحد على أن يدفع له الأجرة فورا فإن في هذا شبهة وهو أنه فعل ذلك لبقرضه بفائدة
ومثل ذلك ناظر الوقف فإنه لا يجوز له أن يستأجر ما أجره لغيره لأن فيه تهمة أنه فعل ذلك ليستولي على العين وينتفع بها فأجرها بأجرة زهيدة للغير ليأخذها منه بذلك
ومها : لأنه يجوز أن يستأجر دابة أو دارا إلى مدة معينة بأجرة معلومة بشرط أنه إن استغنى عنها أثناء هذه المدة سلمها لصاحبها وحاسبه لقدر المدة التي استعملها فيها إن كانت دارا أو المسافة التي قطعتها بها إن كانت دابة
هذا وإن كانت المنفعة التي باعها المالك مجهولة فيه لعدم بيان المدة إلا أن الجهالة فيها يسيرة فإن المعتاد أن الذي يستأجر شيئا من ذلك إنما يعمل حسابه فلا يستغني عنه غالبا وإن استغنى عنه فإنما يستغني عنه في أخريات المدة فيتغفر تسهيلا للتعامل . ولكن يشترط أن لا يدفع المستأجر للمالك الأجرة لأنه إن دفعها له يحتمل أن يرجع بعضها إن لم يستوف المدة ويحتمل أن لا يرجع إن استوفاها . فيكون تارة أجرة وتارة سلفا وهو ممنوع
ومنها : أنه يجوز للمالك أن يؤجر الشيء الذي استأجره مدة تلي مدة الإجارة فإذا أجره داره سنة ولم تنته جاز له أن يؤجرها مدة أخرى تبتدئ بعد نهاية السنة لا فرق في ذلك بين أن يؤجرها للمستأجر الأول أو لغيره
ومنها : أنه يجوز للمالك أن يبيع أرضا على أن تبقى نتفعتها أو أكثر أو أقل ويسلمها للمشتري بعد نهاية تلك المدة . فللمشتري في هذه الحالة أن يؤجرها قبل أن يستلمها على أن تبتدي مدة الإجارة عند نهاية مدة المنفعة التي اشترطها البائع . ولكن يشترط لجواز تأجيرها أن يغلب على تأجيرها وما لا يصح تأجيره فلا يصح دفع أجرته مقدما طبعا
أما ما يغلب الظن بقاؤه فإنه يصح دفع الأجرة مقدما وإذا احتمل الأمران على السواء فقيل يجوز العقد لا النقد وقيل لا يجوز
وللبائع أن يشترط الانتفاع بسلعته التي باعها عام فأقل إذا كانت دارا ونحوها والانتفاع بها مدة طويلة واو سنين إذا كانت أرضا أما إذا كانت حيوانا فإنه لا يصح أن يشترط الانتفاع به أكثر من ثلاثة أيام
ومنها : أنه يجوز أن يستأجر شخص أرضا على أن يبنيها مسجدا مدة السنين فإذا انقضت المدة ردم البناء وأخذ الثاني انقاضه وتعود الأرض ملكا لصاحبها ولا يجبر أحدهما على بقاء ما يخصه . ومنها : أنه يجوز الاستئجار على طرح ميتة ونحوها من النجاسات كالمواد البرازية وإن كان فيه مباشرة للنجاسة
ومنها : أنه يجوز إجارة المبنية بناء جديدة وأرض مأمونة الري مدة طويلة إلى ثلاثين سنة . وأما الدار القديمة فإنه يصح تأجيرها مدة يظن معها بقاؤها سليمة
وأما الأرض التي ريها غير مؤمون فإنه يجوز العقد دون دفع الأجرة كما تقدم هذا في الملك وأما في الوقف فإنه لا يصح تأجيره في الدور ونحوها أكثر من سنة سواء كانت موقوفة على معين كفلان وأولاده أو لا كالفقراء . وأما الأرض فإنه لا يصح تأجيرها أكثر من ثلاث سنين سواء كان المؤجر الناظر الأجنبي أو المستحق إن كانت على معين
أما إذا كانت موقوفة على غير معين كالفقراء فإنه يصح تأجيرها إلى أربعة سنين دون زيادة . فإن كان المستأجر ممن يؤول الوقف يصح أن يؤجرها له زما طويلا كعشر سنين ونحوهما لأن الوقف يرجع إليه
وإذا وجدت ضرورة تقتضي مد زمن الإجارة أكثر من المدة التي تقدمت كما إذا تهدم الوقف . وليس له ريع يبنى منه فإنه يصح للناظر أن يؤجر ليبني بها ولو طال الزمن كأربعين عاما
ومنها : أنه يجوز أن يبيع شخص لآخر سلعة بمائة مع أنها تساوي مائة وخمسين على أن أن يتجر المشتري في ثمنها فيكون الثمن محموع أمرين : المائة والاتجار ففيه إجارة وبيع إنما يشترط بصحة ذلك شروط :
أحدهما : أن يكون الثمن معلوما
ثانيهما : أن يحضر المشتري الثمن ويشهد عليه لينتقل من دين في ذمته إلى أمانة عنده وإلا كان سلفا جر نفعا يتهم بتأخيره ليزيده بربح التجارة
ثالثها : أن تكون المدة التي يريد له فيها معلومة كسنة مثلا
رابعها : أن يعين النوع الذي يتجر فيه لأن التجارة تتفاوت بتفاوت السلع في الصعوبة والسهولة
خامسها : أن يكون ذلك النوع موجودا في زمن الأجل
سادسها : أن يكون العامل مديرا يتصرف في السلع بأن يشتري ويبيع ولا يكون محتكرا بمعنى أنه يجمع السلع ولا يبيعها إلا إذا ارتفعت أثمانها لأن ذلك يؤدي إلى البيع في زمن مجهول فيدخل الجهل في الثمن لأن الثمن مجموع الأمرين كما عرفت : المائة والعمل
سابعها : أن لا يتجر له في الربح لأن الربح مجهول
ثامنها : أنه يلزم أن يشترط المشتري الذي يريد أن يتجر في الثمن على البائع أن الثمن إذا تلف منه شيء يدفع البائع غيره حتى لا يكون له وجه في ادعاء أن المشتري لم يتجر في كل الثمن بل اتجر في بعضه فلم يستلم الثمن كاملا في هذه الحالة فإذا اشترط ذلك وتلف بعض الثمن ولم ينشأ البائع تكتمله بل رضي أن يتجر له المشتري في الباقي فإنه يصح ولا يلزم بالتكلمة لأن الغرض من الشرط دفع النزاع من البائع ومتى رضي فقد انتهى الأشكال
ومنها : أنه يجوز استئجار طريق في دار أو غيرها للمرور فيها . ومنها : أنه يجوز استئجار مجراة تصب فيها مياه المرحاض
وكذلك استئجار مجراة يصب فيها الماء الذي يسقي الزرع أما شراء نفس الماء فإنه لا يجوز سواء كانت مدة شرائه قليلة أو طويلة على المعتمد
ومنها : أنه يجوز إجارة المنقولات كالأواني والدلاء والفؤوس
وأما القسم الثالث : وهو المكروه فأمور منها : إجارة الحلي فإنها مكروهة سواء كان ذهبا أو فضة وعلة الكراهة أن الله تعالى لم يجعل له زكاته في إعارته فيكره أن يأخذ عليه أجرا
ومن ذلك تعلم أن الذي تكره إجارته هو الحلي المباح الاستعمال أما المحرم فإن الزكاة واجبة فيه فتمنع إجارته فإذا استأجر رجل حليا فإن الإجارة لا تصح وبعضهم يرى كراهة إجارته سواء كان استعماله حلالا أو ممنوعا
ومنها : أنه يكره لمن استأجر دابة ليركبها أن يؤجرها لمثله في الخفة والإهانة ولا ضمان عليه إن ضاعت بلا تفريط أو ماتت أما أجرها ليحمل عليها شيئا فإنه لا يجوز له أن يؤجرها لغيره عليها مثل ذلك
ويجوز كراء الدابة بعلقها أو طعام صاحبها أو بهما معا سواء انضم لذلك نقد أو لا ليركبها أو ليطحن بها زمنا نحو شهر إذا كانت مسافة الركوب أو قدر الطحن معروفين في العادة بأن كان الركوب في البلد وما قاربها الطحن للقمح ونحوه لا الحبوب الصبغة كالترمس
ومنها : الأجرة على تعليم الفقه والفرائض فإنها الغرض نشر العلم الديني وأخذ الأجرة عليه ومكروه في الجملة فلذا كانت مكروهة
ومنها : استئجار من يقرأ القرآن بتطريب ونغم لا يخرجانه عن وضعه فإن استئجار مكروه والمراد من يقطع صوته بالأنغام لا من يجود القرآن
بالصوت الحسن أما ما يخرج بالقراءة عن وضعها فإنه يحرم استئجاره وحرم قراءة القرآن بالشاذ وهو ما زاد على العشرة على الرلجح وبعضهم يقول ما زاد على السبعة
( يتبع . . . )

(3/60)


( تابع . . . 4 ) : - في الأمور التي تجوز إجازتها والتي لا تجوز تفصيل في المذاهب ( 1 )
ومنها : أنه يكره للمسلم أن يكري نفسه أو ولده لكافر إلا إذا لم يكن مختصا به كالخياط الذي يخيط للمسلم والكافر فإنه لا يكره . هذا ولا يحل للمسلم أن يضع نفسه تحت يد الكافر في الخدمة كخدم البيوت والمراضع فإنهم لا يحل لهم وإن فعلوا تفسخ الإجلرة ويكون لهم أجر المثل
الشافعية - قالوا : الأمور التي يصح استئجارها والتي لا يصح تقدم معظمها في الشروط وبقيت أمور :
منها : أنه لا تصح الإجارة على الطاعات التي تجب لها كالصلاة فرضا كانت أو نفلا إلا أنه يصح الإجارة على الإمامة على أن يكون الأجر في مقابل إتعاب مفسه بالحضور إلى كوضع معين والقيام بها في وقت معين لا على أداء الصلاة
ومثل ذلك ما يتعلق بالصلاة كالخطبة فإنه لا تصح الإجارة على نفس أدائها وإن كانت تصح على القيود الخاصة التي يتقيد بها الخطيب من الحضور إلى المكان ونحوه وتصح الإجارة على الحج كما تقدم في بابه
ومنها : أنه لا تصح الإجارة على التدريس إلا إذا عين المسائل التي يريد دراستها وكذا لا تصح الإجارة على زيارة القبور ولو قبر النبي صلى الله عليه و سلم للدعاء عنده
ومنها : أنه تصح الإجارة على قراءة القرآن لحي أو ميت ويحصل له الثواب سواء قرأ بحضرته أو أهدى له ثواب القراءة كأن يقول : اللهم اجعل ثواب هذا لفلان وهل يحصل ثواب القراءة للقارئ أيضا أو لا ؟ خلاف : فبعضهم يقول : إنه يثاب يقول : إن كل عبادة كان الحامل عليها أمرا دنيويا لا ثواب فيها للفاعل
ومنها : أنه تصح الإجارة على كل مسنون كالأذان والإقامة . وعلى ذكر الله تعالى كالتهاليل ( العتاقة ) إذا كان فيها كلفة يستحق عليها الأجر ولا يصح الإجارة على أن يرفع صوته بها
ومنها : أنه تصح الإجارة على تعليم القرآن على المعتمد ويقدر تعليم القرآن بالزمن وبتعيين محل العمل مثال ذلك اسئجار الدواب مثلا فإنه يمكن ضبط منافعها بيان محل عملها فأما عملها فهو سيرها أو ركوبها وأما محله فهو المسافة التي يقع فيها ذلك السير والركوب فلك أن تقدر المنفعة بمحل العمل وهو الركوب والسير كأن يستأجرها لتركبها إلى بلد سواء عملت يوما أو أقل أوأكثر ولك أن تقدر المنفعة كأن تستأجرها يوما فأكثر
ومن ذلك ما يفعله الناس في زماننا من تأجير السيارات ( الأتومبيلات ) بالمسافة أو الساعة فإنه جائز في كل من الحالين
أما إذا كان لا يمكن ضبط المنفعة بتعيين محل العمل فإنه يجب تقديرها بالزمن فقط كتعليم القرآن فإن عمل المعلم لا يمكن تقدير المسافاة التي يقع فيها فيقدر بالزمن خاصة كأن يستأجيره لعمله شهرا بكذا أو ليعمله سورة خاصة بكذا أما تعيين المنفعة ببيان محل العمل والزمن معا فإنه لا يصح كما إذا قال له : خط لي هذا الثوب في هذا النهار فإن عمل الخياط غرز الإبرة ومحله نفس الخياطة الحاصلة وهي التي تقدر عليها الأجرة فلا يصح حينئذ تقديره بالزمان لأن الزمان قد لا يفي بالعمل فيوجد النزاع
نعم إن كان الغرض من ذكر الزمن الإسراع فإنه يصح . واعلم أن الاستئجار لمجرد الخياطة باطل لأنها عمل مستقل على قطع لبثياب . أما الاستئجار على الخياطة وقطع القماش وقطع ( التفصيل ) فإنها صحيحة
ومنها : أنها تصح الإجارة لإرضاع الصبي ةتقدر بالزمان كأن يستأجرها لترضع ولده مدة كذا بكذا من النقد أو غيره ويشترط تعيين الطفل الذي يريد إرضاعه بالرؤية أو الوصف على المعتمد كما يشترط تعيين مكان الإرضاع سواء كان بيت المستأجر أو المرضعة
ويصح استئجار المسلمة والكافرة والحرة والأمة كما يصح أن تباشر التعاقد بنفسها أو بواسطة زوجها وعليها أن تعمل ما يزيد في اللبن وأن تمتنع عن كل ما يضر بالصبي فإن كان يضره أن يطأها زوجها فإنها تمنع منه وإلا فلا . فإذا لم تفعل وتغيلا لبنها أو قل ثبت الخيار للمستأجر فإن شاء فسخ العقد وإن شاء أقره
ومنها : أنه يصح إجارة العين مدة تبقى فيها غالبا فيؤجر الدار ثلاثين سنة والدابة عشر سنين والثوب سنة أو سنتين بحسب حاله وللمستأجر أن يستوفي المنفعة بنفسه وله أن يتنازل عنها لغيره فإذا استأجر دارا فله أن يؤجرها لغيره بشرط أن يكون مثله في الاستعمال فلا يصح له أن يسكن حدادا أو نجارا إذا لم يكن هو كذلك لما في إسكانها من الضرر ما لم يشترط أن يسكن من يشاء . وإذا اشترط المالك أنه لا يجوز للمستأجر إسكان غيره فسد العقد
وأما المحل المستأجر فإن كان معينا فإنه لا يصح اسبداله بغيره فإذا استأجر هذه الدار ليسكنها فإنه لا يجوز للمالك أن يسكنه دارا غيرها فإذا شرط استبدالها في العقد فإنه يصح
هذا واعلم أن كل شيء يمكن الانتفاع به شرعا مع بقاء عينه مدة الإجارة فإنه يصح تأجيرها فلا تصح إجارة الملاهي كالزمارة والدربكة أما بقية الطبول فيصح استئجارها
الحنابلة - قالوا : تنقسم الأشياء التي يمكن عليها عقد إجارة إلى ثلاثة أقسام :
مالا يصح لمخالطة شرط من الشروط المتقدمة وما يصح بدون كراهية وما يصح بكراهية
القسم الأول : ما يصح بلا كراهة وهو أمور :
منها : أنه استئجار المرضعة بإذن زوجها وللزوج الاستمتاع بها وقت فراغ ويصح إجارة الوالدة لإرضاع ولدها بأجرة معلومة ولو بطعامها وكسوتها وإن لم يعين الطعام والكسوة وإذا استؤجرت للرضاع فلا تلزمها الحضانة إلا إذا نص عليها . وبشرط لصحة الإجارة للرضاع شروط :
الأول : رؤية الطفل المرتضع ولا يكفي وصفه لأن الرضاع يختلف باختلاف كبره وصغره ونهمته وقناعته
الثاني : معرفة مدة الرضاع لأنه لا يمكن تقدير الرضاع إلا بالزمن فإن العمل وهو السقي لا يمكن تعيينه
الثالث : معروفة مكان الرضاع هل عند المرضعة أو في منزل المستأجر لأنه يختلف سهولة وصعوبة
ويجب على المرضعة أن تأكل وتشرب ما بدر لبنها ويصلح لبنها ويصلح به وللمستأجر أن يطالبها بذلك كما يجب عليها أن تجتنب كل ما يضر بالصبي
ويجوز للمسلمة أن ترضع الطفل الكتابي بالأجرة وهل لها أن ترضع المجوسي ( الوثني ) خلاف
ومنها : أنه يجوز استئجار الدابة بعلفها أو بأجر معين مع علفها بشرط صاحب الدابة ذلك مع بيان نوع العلف أو فول أو نحوهما وكقدح وهكذا . وبعضهم يقول يصح مطلقا من غير بيان
ومنها : أنه يجوز استئجار الدابة ( المولودة ) فيجوز لها أن تأخذ الأجرة على ذلك . ولو من غير شرط
ومنها : أنه يجوز الإجارة على حصد الزرع بجزء مشاع منه كربعه وخمسه وهكذا كما تجوز الإجارة على جني النخل بجزء من ثمره أما نفض الزيتون ( هزه ) ببعض ما يتساقط منه فإنه لا يصح لجهل بالباقي وللعامل أجر مثله
أما جني الزيتون كله بجزءمشاع كسدسسه مثلا فإنه يصح
ومنها إجارة الوقف فإنها تصح لأن منافع الوقف مملوكة للوقوف عليه ثم إن كان المؤجر ناظرا بأصل الاستحقاق بمعنى أن الواقف لم يعين ناظرا بل وقف على شخص وعلى هذا يكون ذلك الشخص الموقوف عليه نظرا للوقف إذا لم يشترط ناظرا يكون المستحق هو للناظر فإن كان ذلك فإن الأجرة تبطل بموته
وإذا كان المستأجر قد دفع أجرة مقدما فإنه يأخذها من تركه المؤجر أما إذا كان المؤجر ناظرا بشرط الواقف فإن الإجارة لا تفسخ بموته ويشترط أن تكون مدة الإجارة معلومة في الوقف وفي الملك كما يشترط أيضا أن بغلب على الطن بقاء العين سليمة في مدة الإجارة وإن طالت حتى ولو كان المتعاقدان أو أحدهما مرمان يظن موتهما قبل انقضاء مدة الإجارة ولا فرق في ذلك بين الملك والوقف
ومنها : أنه يصح تأجير العين مضافة إلى الزمان المستقل فإذا أجرت أرضا في سنة أربع تبتدئ سنة خمس فإنه يصح سواء كانت العين مشغولة وقت العقد برهن أو إجارة أو لم تكن مشغولة ما دام يمكن تسليمها وقت الإجارة
وإذا كانت الأرض مشغولة ببناء أو بغرس شجر للغير ونحو ذلك مما لا يمكن إخلاء الأرض منه فإنه لا يصح تأجيرها إلا بإذن صاحب البناء أو الشجر فإن كانت مشغولة ببنات لا يدوم أو بمنقولات يمكن إخلاؤها منها كاجرن أو أثاث المنازل فإنه يصح تأجيرها مطلقا . هذا والمنافع التي لحدثها المستأجر على العين تكون مملوكة له
ومنها : أنه يص للمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها لغيره لأن المنفعة أصبحت مملوكة له فيجوز أن يستوفيها بنفسه أو بنائه بشرط أن يكون مثله أو أقل منه في استعمال تلك العين . فإذا استأجر منزلا ليسكن فيه فإنه لا يصح له أن يؤجره لحداد ( أو صباغ ) أو نحو ذلكويصح تأجير العين لمؤجرها بأجرة زائدة أو أقل أو مساوية
فإذا استأجر زيد من عمرو دارا فلزيد أن يؤجرها لعمرو صاحبها بهذه العشرة أو بأزيد منها أو بأقل . بشرط أن لا يكون الغرض التحابل على الربا كأن يؤجره منه بعشرة لأجل ثم ستأجرها منه بخمسة مقبوضة كبيع العينة المتقدم في كتاب البيوع فإن ذلك لا يصح هنا
ومنها : أنه يجوز أخذ الأجرة على الحمام كما تقدم في الشروط وما يأخذه الحمامي يكون أجرة السطل والمئزر والمكان ويدخل الماء تبعا لأنه لا يصح إجارة الماء استقلالا ويحرم على من يدخل الحمام أن يستعمل ماء أكثر من العادة ولا يلزم تعيين الأجرة فيه كغيره من المباحات المتعارفة كركوب السفينة وحلق الرأس ونحو ذلك فإنه لا يلزم فيه تعيين الأجر كما تقدم
ومنها : إجارة الحلي فإنها بأجرة من جنسه ومن غير جنسه
القسم الثاني : مالا تصح إجارته وهو ماخالف الشروط المتقدمة وبقيت أمور :
منها : أن يقول للخياط إن خطت الثوب فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصفه لأنه لا جزم بشيء فيوجد التنازع بخلاف ما إذا استأجر سيارة أو دابة على إن رده اليوم بخمسة وإن رده غدا فبعشرة فإن ذلك يجوز لأنه عين لكل زمن عرضا فلا جهالة فيه ولا نزاع
ومنها : أنه لا يجوز إجارة عين إلا بخمسة شروط :
الأولى : أن يقع التعاقد على نفع العين الذي يمكن اسيفاؤه دون إجزاء تلك العين فلا تصح إجارة الطعام للأكل لأن الانتفاع إنما هو باستهلاك أجزاء الطعام لا بشيء آخر ومثله إجارة الشمع ليوقده لأنه يستهلك نفس العين . وكذا إجارة حيوان يأخذ لبنه أو صوفه أو يره فإنه لا يصح لأن المنفعة لا تقع إلا باستهلاك نفس العين المتولدة من الحيوان وإنما صح تأجير المرضعة لأنها يحصل منها عمل كوضع الثدي في فم المرضع وإمساكه بين يديها واحتمال ما يترتب على إرضاعه من ألم في بعض الأحيان ونحو ذلك فهي مستأجرة لهه المنافع واللبن غير معقود عليه مستقلا وأيضا فإنه أجير لحاجة الناس إليه ضرورة وكذا لا يصح استئجار شجرة لأخذ تمرها ونحو ذلك
الشرط الثاني : معرفة العين المؤجرة بروؤية إن كانت لا تضبط بالصفات كالدار والحمام . فمن أراد أن يستأجر دارا فلا تصح إجارتها إلا بعد معلينتها ومثلها الحمام
أما إن كانت العين يمكن ضبطها بالصفات فإنه يصح تأجيرها بدون رؤية كالأراضي الزراعية فإنه يكتفي فيها بوصفها وذكر حدودها ونحو ذلك . وهل يصح إجارة الحمام مطلقا أو تصح مع الكراهة والجواب أن الكراهة فيه تنزيهية
الشرط الثالث : القدرة على التسليم فلا تصح إجارة الحمل الشارد كما لا يصح بيعه ولا إجارة مشاع لغير شريكه لأنه لا يقدر على تسليمه إلا أن يؤجر الشريكان معا أو يؤجر أحدهما بإذن الآخر
الشرط الرابع : اشتمالها على المنفعة المعقودة عليها فلا تصح إجارة عين لغرض من الأرغاض وهو غير موجود فيها فلا تصح إجارة الأخرس ليعلم العلم وذلك ظاهر
الشرط الخامس : كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونا له فيها كالبيع
ومن الأشياء التي لا تصح إجارتها ذكور الحيوانات التي تستأجر لإحبال إناثها فلا يحل استئجار ثور ليحبل بقرة ولا حملا ليحبل ناقة وهكذا لأن المقصود من ذلك إنما هو منيه وهو محرم لا قيمة له فلا يصح الاستئجار عليه فإذا احتاج شخص إلى ذلك ولم يجد من يعطيه فإنه يصح له فإنه يصح له أن بدفع الأجرة ويكون الإثم على من أخذها ولكن لا بأس أن يدفع هدية بعد العمل بدون تعاقد ومنها لأنه لا تصح الإجارة على فعل قربة إلى الله تعالى كالحج والصلاة والآذان والإقامة وتعلين القرآن والفقه والحديث وإنما يصح الأخذ عليه على أنه جعالة لا أجرا كما يجوز أخذه بلا شرط على أنه يصح الوقف على الطاعات التي يتعدى نفعها للغير كالآذان وتعليم القرآن ونحوه والإمامة والقضاء والفتيا فيجوز لمن يقوم بهذه المصالح أن يأخذ الموقوف عليه من ذلك كما يجوز له أن يأخذ مرتبا عليها ( رزقا ) لا بعنوان كونه أجرا ولا يخرجه أخذ ذلك عن كونه قربة
ولا يصح أن يصلي أحد عن آخر فرضا ولا نافلة في حياته وبعد مماته وتصح الإجارة على تعليم الخط والحساب والشعر المباح وشبهة كما تصح الإجارة على خدمة المساجد
وأما القسم الثالث المكروه فهو إجارة الحجام فإنها وإن كانت صحيحة إلا أنه يكره الأكل من كسبه )

(3/61)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية