صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الفقه على المذاهب الأربعة - الجزيري ]
الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف : عبد الرحمن الجزيري
(الصفحات مرقمة آليا)

وكما أن بيع هذه الأصول المتقدمة يتبعه ما ذكر من الفروع فكذلك كل ما ينقل الملك من العقود كالهبة والوقف والوصية والخلع ونحو ذلك أما ما لا ينقل الملك كالرهن والعارية فإنه لا يتناول سوى ما نص عليه فيه فإذا رهن الرض لا يدخل فيه شجرها ولا زرعها الذي له خلفة أما في رهن البستان فإنه يتناول أرضه وشجره ولكن لا يتناول البناء به
الحنابلة - قالوا : الأصول التي يتفرع عنها غيرها ويتبعها في البيع وإن لم يذكر هي : الأرض والدور والبساتين والمعاصر والطواحين ونحوها . فيدخل في بيع الدار الأرض والبناء والسقف والدرج كما يدخل فناؤها إن كان لها فناء . والمراد بالفناء : المتسع الذي أمامها ويدخل فيها أيضا الشجر العريش " تكعيبة العنب ونحوه " وكذلك يدخل فيها السلاليم جمع سلم " بضم السن وفتح اللازم " وهو : المرقاة المعروف كما تدخل الرفوف المسمرة " الدواليب " والأبواب المنصوبة ويشمل أيضا ما كان بالأرض من أحجار طبيعية كالصخر والأحجار المبنية كأساس الحائط المنهدم والآخر المتصل بالأرض . كما أن بيع الدار يدخل فيه ما ذكر فكذلك رهنها وهبتها ووقفها والوصية والإقرار بها . ثم إن كان المتصل بالأرض يضربها . كالصخر المخلوق في الأرض المضر بجذور الشجر فإنه يكون عيبا يجعل للمشتري الحق في الخيار بين رد المبيع وبين إمساكه مع المطالبة بالعوض إذا لم يكن عالما بالعيب على قياس ما تقدم فإن كان عالما به فلا خيار له . وإن كان بالدار أحجار مودعة فيها بقصد أن تنقل منها فهي للبائع . ويلزمه نقلها وتسوية الرض وإصلاح الحفر لأنه ملزم بتسليم المبيع تاما وإن كان قلع الحجارة يضر بالأرض كان عيبا فيها كما تقدم آنفا
ولا يتناول البيع ما كان مدفونا بالأرض من كنز ونحوه لأنه ليس من أجزائها . كما لا يتناول ما كان منفصلا عن الأرض كالفرش والمنقولات والأخشاب التي لم تسمر أو تغرز في الحائط أو إن كان للبائع متاع في الدار فإنه يلزم بنقله منها على حسب العادة فلا يكلف جمع الحمالين أو النقل ليلا . فإن طال النقل عرفا " وقيده بعضهم بما زاد على ثلاثة أيام " فإنه يكون عيبا يجعل للمشتري الحق في الخيار إن لم يعلم به قبل الشراء ولا أجرة على البائع في مدة نقله فإن أبى النقل فللمشتري الحق في غجباره عليه
ويدخل في بيع الرض أو البستان البناء والشجرة ولو لم يقل المشتري اشتريتها بحقوقها لأنهما يتبعان الأرض من كل وجه ويتخذان للبقاء فيها
ولا يدخل الشجر المقطوع والمقلوع فإذا قال : بعتك هذه الدار وثلث بنائها أو هذه الأرض وثلث غراسها لم يدخل غلا الجزء الذي سماه ويدخل ماء الأرض المبيعة تبعا لها بمعنى أن المشتري يكون له حق الانتفاع به
ولا يدخل في بيع القرية مزارعها إلا بذكرها أو بقرينة كأن يساوم على أرض المزارع أو يذكر حدودها أو يبذل ثمنا لا يكون فيها وفي أرض مزارعها ولكن يدخل في القرية البيوت والحصن والسور الدائر عليها
وإذا اشترى شجرة فللمشتري أن يبيعها بالأرض وله حق الانتفاع بمكانها وله حق الدخول بسقيها وتأبيرها فإذا قلعت الشجرة أو بادت فليس للمشتري إعادة غيرها مكانها
وإذا كان في الأرض زرع له خلفة فيقطع مرة بعد أخرى كالبرسيم والنعناع والكراث أو كان بها زرع تتكرر ثمرته كالقثاء والباذنجان أو زرع يتكرر زهرة كالبنفسج والنرجس والورد والياسمين وشجر البان فإن أصوله تكون للمشتري أما الموجود منها وقت العقد فإنه للبائع غلا أن يشترط المشتري أنه له وعلى البائع قطع ما يستحقه منه في الحال
أما الزرع الذي لا خلفة له بل يحصد مرة واحدة كالقمح والشعير والعدس والجزر والفجل والثوم والبصل والدخم والذرة " وقصب السكر فإنه يؤخذ مرة واحدة " وإن كانت جذوره يعاد زرعها مرة أخرى ولكنها تحتاج الي عمل جديد كالبذور وكذلك القصب الفارسي " الغاب " فكل ذلك لا يدخل فيبيع الأرض بل يكون من حق البائع ويبقى مستمرا إلى وقت حصاده أو قلعه بلا أجرة على البائع إن لم يشترط المشتري غير ذلك سواء كان معلوما أو مجهولا لأنه بالشرط يدخل تبعا للأرض )

(2/197)


مبحث بيع الثمار

(2/198)


الثمار بكسر المثلثة اسم جنس جمعي للثمرة وجمع الثمرة الحقيقي ثمرات ومفرد الثمار : ثمر كجبال وجل . وتجمع الثمار على ثمر ككتاب وكتب : ويجمع الثمر بضم المثلثة على أثمار كعنق وأعناق
ومعناه على أي حال : الحمل الذي تخرجه الشجرة وإن لم يؤكل فيقال : ثمرة الأراك كما يقال ثمر العنب
وتنقسم الثمار باعتبار كونها مبيعة إلى قسمين : لأنها إما أن تكون تابعة في البيع لشجرها بحيث يكون المقصود بالبيع الشجرة وقد عرفت أنها تدخل في المبيع على التفصيل المتقدم
وإما أن يكون المقصود بالبيع هو الثمار مستقلة سواء كانت على أشجارها كما هو الحال في بيع ثمار النخيل والكروم والحدائق " الجناين " في زماننا أو كانت منفصلة عن أشجارها في كل ذلك تفصيل المذاهب
( الشافعية - قالوا : المراد بالثمرة هنا ما يشمل المشموم كالورد والياسمين والريحان ويشمل شجرة البقل التي تؤخذ مرة بعد أخرى والبطيخ والباذنجان والبامية وحكم الثمر المبيع تبعا لشجرة أن يكون للبائع أو المشتري بالشرط فإن سكت عن الشرط لواحد منهما فهو أقسام ثلاثة : الأول : أن يكون المبيع نخلا عليه بلح وله حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون قد ظهر ثمره بتأبره ومعنى ظهوره بتأبره : أن يتشقق الغلاف الذي داخله الطلع " العناقيد " البيضاء التي يؤخذ منها ويوضع على طلع النخلة فيجيء ثمرها جيدا . وحكم هذا : أن يكون للبائع فلا يتبع الأصل في البيع
ومعنى التأبير الحقيقي : هو التلقيح الذي هو وضع طلع الذكر على طلع النخلة بالفعل ولكنه ليس مرادا هنا بل المراد تشقق الطلع مطلقا ولا يلزم ظهور الثمرة بتأبير جميع النخل المبيع بل يكفي تأبير البعض ولو قليلا ولو كان تشقق الطلع في غير أوانه فإن التمر في هذه الحالة يكون للبائع ولا يتبع المبيع
الحالة الثانية : أن لا يكون ثمره قد ظهر منه شيء وليس بموجود وفي هذه الحالة يكون ما ظهر منه بعد العقد للمشتري وليس للبائع الحق فيه مطلقا ولو اشترطه
أما إذا كان موجودا ولكنه غير ظاهر فإنه في هذه الحالة يكون للبائع
القسم الثاني : أن يكون المبيع شجرا غير النخل وله هاتان الحالتان المتقدمتان إلا أن ظهور ثمره لا يكون بالتأبير فإن التأبير خاص بالنخل وإنما يكون ببروزه سواء كان له نور وتناثر كالمشمش . أو لميكن له نور كالتوت . وحكم ما ظهر منه : أن يكون للبائع وما لم يظهر منه يكون تابعا للمبيع فهو للمشتري . وهذا بخلاف البلح فإنك قد عرفت أن غير الظاهر منه متى كان موجودا يكون للبائع إذا تشقق بعض طلع النخل
القسم الثالث : أن يكون المبيع شيئين مختلفين وتحته ثلاث صور :
الصورة الأولى : أن يكون الاختلاف بحسب المكان وذلك كما إذا اشترى نخلا موجودا في بستانين فإن النخل في أحدهما غير النخل الموجود في الآخر
الصورة الثانية : أن يكون الاختلاف بحسب العقد كأن يشتري نخلا واحدا في عقدين وحكم هذا القسم بصوره الثلاث : أن يكون الظاهر من ثمره يكون للبائع وغيره يكون للمشتري
وبقيت صورة رابعة وهي : أن يشتري شجرة قد تحمل في السنة مرتين كالتين مثلا وقد بينت لك حكمه في القسم الثاني وهو أن ما ظهر منه يكون للبائع وما لم يظهر يكون للمشتري بخلاف ما يحمل مرة واحدة كالنخل فإن الموجود الذي لا يظهر منه يكون للبائع أيضا على الوجه المتقدم
وأما حكم بيع الثمر وحده فإنه ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : أن يكون الثمر قد ظهر صلاحه وفي هذه الحالة يجوز بيعه مطلقا سواء كان على شجره أو لا وسواء شرط قطعه أو بقاؤه أو لا . وظهور الصلاح يعرف بأمور تختلف باختلاف الثمر
أحدها : اللون : وهو علامة لظهور صلاح بعض الثمار كالبلح والعناب . فمتى تلونا فقد بدا صلاحهما
ثانيها : الطعم كحلاوة القصب وحموضة الرمان
ثالثها : النضج واللين كالبطيخ والتين
رابعها : القوة والاشتداد كالقمح والشعير
خامسها : الطول والامتلاء كالملوخيا والفاصوليا واللوبيا
سادسها : كبر الحجم كالقثاء
سابعها : انشقاق الغلاف كالقطن والجزر
ثامنها : تفتح الزرع كالورد والياسمين
وإذا باع شيئا بدا صلاحه فإن على البائع سقي ما بقي حتى يستكمل نموه ويسلم من التلف والفساد . فإذا اشترط أن يكون ذلك السقي على المشتري بطل البيع ولو تلف بترك السقي المطلوب من البائع انفسخ البيع
القسم الثاني : أن لا يكون الثمر قد بدا صلاحه وفي هذه الحالة لا يجوز بيعه وحده دون أصله إلا بشرط قطعه ما لم يكن الأصل مملوكا للمشتري فإنه يصح بيع الثمر له من غير شرط القطع على الصحيح فإذا اشترى شخص شجرة عليها ثمر ظاهر فإن الثمر يكون للبائع وقد علمت أنه لا بد من اشتراط قطعه في هذه الحالة فإذا باعه لنفس من اشترى الشجرة فإنه لا يجب اشتراط القطع لأنها شجرة مملوكة للمشتري والثمر الذي عليها أصبح ملكه فلا يكلف قطعه
وأما بيع الزرع فإنه يجوز إذا بدا صلاحه مطلقا وإن لم يبد صلاحه فلا يجوز بيعه وحده إلا بشرط قطعه أو قلعه . ولا يصح بيع حب مستتر في سنبله كقمح وسمسم وعدس وحمص سواء كان وحده أو مع أصله . أما إذا بيع الأصل وحده فيصح أن يتبعه هذه الأشياء على المتقدم بيانه . وهذا ولا يصح بيع القمح في " سنبله " بالقمح الخالص من التبن لأن هذا البيع يسمى بيع " المحاقلة " وهو منهي عنه . وكذلك لا يجوز بيع الرطب على النخيل بالتمر ويسمى بيع المزابنة وهو منهي عنه أيضا على أنه يصح بيع الرطب أو العنب وهو على شجره خرصا بتمر أو زبيب كيلا
ولا يصح بيع الرطب وهو على نخله بالتمر لأن ذلك هو بيع المزابنة المنهي عنه المذكور إلا في العرايا فإنه يصح بيع الرطب على النخل بالتمر . والعرية : ما يفردها مالكها للأكل فإذا كان له بستان " حديقة " وأفرد منه بعض نخله للأكل منه فإنه يجوز أن يبيع ثمرها الرطب بالتمر اليابس خرصا - بكسر الخاء - ومعناه : أن يقدر ما عليها من التمر بالتخمين بأن يقدر البائع أو المشتري أو غيرهما بطريق الحدث والتخمين ما على النخلة من الرطب إن كان يساوي إردبا أو أكثر أو أقل فيأخذه المشتري ويدفع ثمنه تمرا كيلا مثلا ما تم عليه التقدير
ومثل رطب النخل وتمره في ذلك الحكم : العنب والزبيب فإنه يجوز أن يبيع العنب في كرمه خرصا بالزبيبن كيلا لأن النبي صلى الله عليه و سلم رخص في التمر والرطب وقيس عليه الزبيب والعنب وسبب هذه الرخصة : أن بعض الفقراء الذين لا يملكون مالا شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أنهم لا يجدون شيئا يشترون به الرطب سوى التمر فرخص لهم في شراء ذلك على أن الرخصة أصبحت عامة للفقراء وغيرهم لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب
وإذا كان الثمن ثمرا على الشجر بأن اشترى رطبا على شجرة بتمر على شجرة فإنه يشترط أن يكون الثمن كيلا بأن يقدر الرطب ويحدد كيل الثمن فلا يصح تقديره تخمينا
ويشترط لصحة بيع العرايا تسعة شروط :
أحدها : أن يكون المبيع أقل من خمسة أوسق في حال جفافه وإن كان أكثر من ذلك وقت المبيع
ثانيها : أن لا يتعلق بها حق الزكاة . وإلا فلا يصح بيعه
ثالثها : أن يكون المبيع عنبا أو رطبا
رابعها : أن يكون ما على الأرض مكيلا والآخر مخروصا
خامسها : أن يكون ما على الأرض يابسا والآخر رطبا
سادسها : أن يكون الرطب على الأشجار
سابعها : أن يتقابضا قبل التفرق بتسليم التمر والزبيب كيلا وتخلية الشجر للمشتري ليقطع منه الثمر وإن لم يكن الشجر في مجلس العقد ولكن لا بد من بقائهما في المجلس حتى يمضي زمن الوصول إلى الشجر
ثامنها : أن يكون الثمر قد ظهر صلاحه
تاسعها : أن لا يكون مع المبيع أو الثمن شيء من غير جنسه
وخرج بالرطب والعنب سائر الثمار كالجوز واللوز والمشمش فلا يصح بيع رطبها بجافها لكونها متفرقة مستورة بالأوراق فلا يمكن تقديرها
المالكية - قالوا : المراد بالثمار هنا ما يشمل الفواكه كالبلح والتين والرمان والخضر : كالخس والكراث والفجل . والحبوب : كالقمح والشعير فإذا بيع شيء منها وهو على شجره أو قائم لم يقطع فإن لذلك البيع حالتين :
الحالة الأولى : أن يكون قد ظهر صلاح الثمار ومعنى الصلاح يختلف باختلاف تلك الثمار فيظهر صلاح الفاكهة كالبلح والعناب باصفراره أو احمراره
واختلف في " القاوون " و " الحرش " والعجور " العبد اللاوي " و " الدميري " و " الشهد " على قولين :
أحدهما : أن ظهور صلاحه يكون باصفراره بالفعل
ثانيهما : أن يكون يقرب من الاصفرار وإن لم يصفر . أما البطيخ الأخضر فظهور صلاحه يكون بتلون لبه بالاحمرار أو الاصفرار . ويظهر صلاح الزيتون إذا قرب من الاسوداد ومثله العنب الأسود ويظهر صلاح باقي أنواع الفاكهة بظهور ألوانها المختلفة وظهور الحلاوة فيها
والمدار في كل ذلك على إمكان الانتفاع بها ولو بعد قطعها بزمن كالموز مثلا فإنه يصح بيعه وهو أخضر لم يستو إذا كان يستوي بعد ذلك يوضعه في تبن أو نخالة أو غير ذلك ومثله المنجو
ويظهر صلاح الزهر بانفتاح أكمامه وظهور ورقه كالورد والياسمين وغيرهما ويظهر صلاح البقول " الخضر " كاللفت والجزر والفجل والبصل والبنجر ونحوهما بتمام ورقه والانتفاع به وعدم فساده بقلعه
ويظهر صلاح القمح والحبوب بيبسه وانقطاع شرب الماء عنه بحيث لا ينفعه الماء إذا سقي به وحكم ما ظهر صلاحه : أنه يصح بيعه وهو على شجره جزافا بدون كيل ولا وزن كما يصح أن يباع منفردا أو تابعا لشجره بلا فرق بين أن يشترط قطعه أو يبقى على شجره . وإنما يشترط أن لا يكون التمر مستترا في غلافه أو ورقه كالبلح والعنب فإنهما ظاهران . أما إن كان مستترا كالقمح والشعير المستتر في سنبله والجوز واللوز المستترين في قشرهما فإنه لا يجوز بيعه منفردا بدون قشره جزافا فلا يصح أن يشتري القمح الموجود في سنبله " سبله " بدون السنبل كأن يقول للبائع : اشتريت القمح الموجود في هذه المزرعة وحده بدون تبنه جزافا " حميلة بدون كيل ولا وزن " إلا إذا كان القمح قد يبس ولم ينفعه الماء إذا سقي به فإنه في هذه الحالة يجوز شراؤه وهو في سنبله وحده جزافا
ومثل القمح في ذلك : الجوز واللوز واللوبيا والفاصوليا ونحو ذلك مما له قشر فإنه لا يصح شراؤه مجردا عن قشره جزافا . أما شراؤها بالكيل أو الوزن فإنه يصح بدون قشره على أي حال
الحالة الثانية : أن لا يكون قد ظهر صلاح الثمار عكس الحالة الأولى . وحكم هذا : أنه يصح بيعه في ثلاث صور :
الصورة الأولى : أن يكون مع أصله كالشجرة بالنسبة للثمر والأرض بالنسبة للزرع فيصح بيع الثمر مع شجرة قبل بدو صلاحه كما يصح بيع الزرع مع أرضه كذلك
الصورة الثانية : أن يبيع الأصل بدون تعرض لذكر الثمر والزرع ثم يلحق به الثمر أو الزرع الذي لم يبد صلاحه كما تقدم
الصورة الثالثة : أن يبيع الثمر أو الزرع وحده بدون أن يبيع أصله ولكن يشترط لصحته ثلاثة شروط :
الأول : أن يشترط قطعه حالا فلا يصح تركه إلا زمنا يسيرا بحيث لا يزيد ولا ينتقل عن طوره إلى طور آخر فإذا اشترط بقاءه على أصله حتى يتم نضوجه فإنه لا يصح . وكذلك إذا أطلق ولم يشترط قطعه أو بقاءه
الشرط الثاني : أن يكون مما ينتفع به كحصرم العنب قبل أن يستوي وإلا فلا يصح بيعه لأنه يكون إضاعه مال وغش وهذا شرط لكل مبيع سواء كان هذا أو غيره
الشرط الثالث : أن يكون فيه حاجة إلى شرائه وإن لم تبلغ حد الضرورة لا فرق بين أن يكون بيعه على هذه الحالة معروفا عند أهل البلد أو لا
وإذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط قطعها ثم اشترى أصلها جاز إبقاء الشجرة . أما إذا اشتراها بشرط إبقائها ثم اشترى أصلها فإنه لا يجوز إبقاؤها لأن بيع الثمرة وقع فاسدا من أول الأمر
وإذا فسخ العقد وكانت الثمرة على الشجرة كان ضمانها على البائع . أما إذا قطعها المشتري فإن عليه ردها إن كان تمرا وكان باقيا فإن تعذر رد مثله إن علم وإلا رد قيمته . أما إن كانت رطبا فإن عليه أن يرد قيمتها . وهذا كله إذا اشتراها بشرط تبقيتها . أما إذا اشتراها ولم يشترط شيئا ثم قطعها نفذ البيع بالثمن ولا شيء على البائع أو المشتري . ولا يشترط في صحة بيع الثمر على شجره أن يظهر صلاحه في جميع الشجر فإذا كان عنده حديقة " جنينة " بها أشجار مختلفة من نخل ورمان وعنب وتين ومانجو وجوافى وغير ذلك إذا كانت في حديقة واحدة وظهر صلاح ثمر نوع منها ولو في شجرة واحدة فإنه يصح أن يبيع باقي ثمار ذلك النوع وإن لم يبد صلاحها فإذا ظهر صلاح الرمان في شجرة واحدة صح له أن يبيع جميع الرمان وإن لم يبد صلاحه إذا كان لا يفرغ رمان الشجرة التي ظهر صلاحها قبل ظهور صلاح ما يجاورها أما إذا أثمرت شجرة مبكرة بحيث يستوي ثمرها قبل ظهور صلاح ثمر غيرها فإنه لا يجوز وهكذا سائر الأجناس
أما في غير جنسه كما إذا ظهر صلاح العنب ولم يظهر صلاح التين فقيل : يصح بيع التين الذي لم يظهر صلاحه بظهور صلاح العنب الذي هو من غير جنسه . وقيل : لا يصح . وكذلك اختلف فيما إذا ظهر صلاح جنس من الأجناس في حديقة من حدائق البلد ولم يظهر في باقيها فهل يصح بيع باقي الحدائق التي لم يظهر فيها صلاح الثمر قياسا على ما ظهر أو لا ؟ خلاف
ثم إن الزرع الذي له خلفه كالبرسيم والياسمين وثمار الخضر كالخيار والعجور والقرع والجميز تكون خلفته للمشتري حتى ينقطع ثمره وليس له وقت مؤقت
( يتبع . . . )

(2/199)


وقد علمت مما تقدر في مباحث الربا أنه لا يصح بيع الرطب بالتمر ولكن يستثنى من ذلك العرايا فيصح فيها الرطب بالتمر اليابس بشرائط خاصة . والعرايا جمع عرية : وهي هبة الثمرة الرطبة كرطب النخل والعنب ونحوهما من الفواكه الرطبة التي تيبس وتجف إذا تركت على أصلها فتستعمل جافة كما تستعمل رطبة كالجوز والعنب والزيتون واللوز والبندق والتين الذي يصلح للتجفيف بخلاف التين الذي لا يصلح كتين حدائق مصر فإنه لا يجفف فلا يكون له حكم العرايا . ومثله الموزون فإنه لا ييبس . وكذلك الخوخ والرمان والتفاح وسائر الفواكه التي لو تركت على أصلها لا تجف ولا ينتفع بها يابسة
ويشترط لصحة بيع العرايا شروط الأول : أن يكون المشتري هو الذي وهب الثمرة أو من يقوم مقامه فإذا وهب شخص لآخر رطب نخلة فإنه يصح للواهب أن يشتريها من الموهوب له بنفسه أو من يقوم مقامه وهو الذي يملك النخلة بإرث أو شراء أو نحو ذلك . أما الثمن الذي يشتري به فيصح أن يكون بالتمر كيلا بأن يخرص ما عليها من الرطب " يقدر بالحدس والتخمين " فيقال هذا يساوي إردبا مثلا ثم يدفع له إردبا من التمر بحيث لا يزيد ولا ينقص فإن قطع رطبها ووجده أكثر مما قدر بالتخمين فإن عليه أن يرد الزائد للبائع وإن كان أقل وثبت كونه أقل فإن للمشتري أن يرده للبائع ويأخذ ما دفعه من الثمن ولا يلزم بشيء زائد وإن لم يثبت كونه أقل لزم المشتري أن يرده كاملا فضمن ما نقص منه . ولا يصح شراء الرطب بالتمر خرصا في العرية الموهوبة إلا إذا كان المشتري هو الواهب أو من يقوم مقامه كما علمت . ويصح شراؤها بالنقدين وبعروض التجارة على المشهور
الثاني : أن يقول الواهب " المعري " حين هبة الثمرة : أعريتك هذه الثمرة ونحو ذلك . أما إن قال : وهبتك فلا يجوز لأن الرخصة خاصة بالعرية
الثالث : أن يظهر صلاح الثمرة حين شرائها بخرصها لا حال هبتها فإن لم يظهر صلاحها فلا يصح بيعها
الرابع : أن يكون شراؤها بنوعها إن كان بخرصها فلا يصح أن يشتري الجوز الرطب مثلا بالثمر
الخامس : أن يدفع المشتري للبائع الثمن عند قطع الثمر المعتاد فإن شرط تعجيل الثمن بطل البيع وإن لم يعجل بالفعل
السادس : أن يكون الثمن دينا في ذمة المشتري فلا يصح تعيين ثمر حديقة خاصة
السابع : أن لا يزيد المشتري من العرية عن قدر معين وهو خمسة أوسق فأقل وقد تقدم بيانه في الزكاة وقد ذكر هناك أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق
الحنفية - قالوا : الثمار لها ثلاثة أحوال : الحالة الأولى : أن لا تنعقد الثمرة ولا تبرز ولا تتميز عن زهرها وفي هذه الحالة لا يصح بيعها مطلقا لأنها تكون معدومة وقد عرفت أن المعدوم غير صحيح
الحالة الثانية : أن تظهر الثمرة وتبرز بحيث يتناثر الزهر عنها إن كان لها زهر كالجوافى والمشمش وتتميز الثمرة ولو كانت صغيرة وفي هذه الحالة إما أن يظهر صلاح الثمرة أو لا يظهر فإن ظهر صلاحها فإن بيعها يصح مطلقا ومعنى ظهور صلاحها : هو أن يؤمن عليها من العاهات والفساد فمتى اجتازت الثمرة الأدوار التي تكون فيها عرضة للفساد بسبب الآفات الجوية وغيرها فقد ظهر عند ذلك صلاحها . أما إذا لم يظهر صلاحها فإنها لا يصح بيعها بشرط تركها على الشجر لأن هذا شرط لا يقتضيه العقد فإنه يستلزم شغل الشجر المملوك للغير وهو مناف للملك فإذا لم يشترط ترك الثمرة على الشجر كما لا يشترط قطعها بل سكت عن ذلك فإن ذلك يشمل صورتين :
الصورة الأولى : أن يكون الثمر على حالة بحيث يمكن الانتفاع به ولو علفا للدواب والبيع في هذه الصورة صحيح لأنه إنما يفسد بشرط الترك فقط
الصورة الثانية : أن يكون على حالة بحيث لا ينتفع به أصلا والبيع في هذه الصورة مختلف في صحته والصحيح أنه يجوز لأنه مال وإن لم يمكن الانتفاع به في الحال ولكن يمكن الانتفاع به بعد حين ومن شاء أن يجعل البيع في هذه الصورة جائزا باتفاق فإنه يصح له أن يحتال على ذلك بشراء أوراق الشجر من الثمرة فتكون تابعة لأوراق الشجر وحينئذ يصح البيع باتفاق ما لم يشترط تركهما على الشجر . الحالة الثالثة : أن ينعقد بعض الثمر ويبرز دون بعضه ويشمل هذا أربع صور الصورة الأولى : أن يبيع الموجود فقط ويؤخر بيع ما لم يوجد حتى يتم وجوده والبيع في هذه الحالة صحيح وتجري عليه أحكام ما ظهر صلاحه وما لم يظهر المتقدمة . الصورة الثانية : أن يبيع الموجود فقط بجميع ثمنه وثمن ما سيوجد ثم يبيح البائع للمشتري أن ينتفع بما يحدث من الثمر وحكم هذه الصورة كسابقتها
الصورة الثالثة : أن يبيع الموجود بدون ذكر لما لم يوجد وبدون اشتراط القبض ثمرة أو تركها وتشمل هذه الصورة أمرين : الأول أن يقبض المشتري المبيع ثم يثمر بعد القبض ثمرة جديدة وفي هذه الحالة لا يفسد البيع ويكون البائع شريكا للمشتري فيما حدث من الثمرة لاختلاطه بالثمرة التي كانت بارزة وقت البيع والقول للمشتري في مقدار ما حدث من يمينه لأنه في يده ومثل الثمرة التي على الشجرة ثمار الخضر التي تحدد بعد قطعها كالباذنجان والبطيخ والعجور . الأمر الثاني : أن يحدث الثمر قبل قبض المبيع وفي هذه الحالة يفسد البيع لأنه لا يمكن تسليم المبيع لاختلاط الحادب بالموجود وقت العقد فأشبه هلاك المبيع قبل التسليم . الصورة الرابعة : أن يبيع الموجود المعدوم وفي هذا خلاف : فقال لعضهم . إن البيع يكون فاسدا لأن بيع المعدوم منهي عنه وإنما رخص النبي صلى الله عليه و سلم في بيع المعدوم في السلم للضرورة وهذا القول هو ظاهر الرواية وقال بعضهم : إن البيع صحيح لتعامل الناس به وفي نزع الناس عن عاداتهم حرج وحيث أجاز رسول الله صلى الله عليه و سلم لضرورة الناس ورفع الحرج عنهم فكذلك الحال هنا . ومن هذا يتضح أن الناس الذين يبيعون الحدائق " الجناين " في زماننا يستطيعون أن يتبعوا قواعد دينهم بسهولة فليس فيها حرج عليهم فإن في الصورة التي وضحناها لهم ما فيه كفايتهم . على أنها كلها ملاحظ فيها رفع النزاع بين البائع والمشتري وقطع جرثومه الخصام والله الهادي إلى سواء السبيل
تنبيهان : الأول : إنك قد عرفت في المبحث الذي قبيل هذا أن الثمر الذي على شجرة لا يتبع الشجرة فيبيعه إلا إذا اشترطه المشتري فهو حق للبائع سواء أبر أو لم يؤبر والتأبير : التلقيح وهو أن يتشقق غلاف الطلع فيؤخذ منه ويوضع على طلع المخلة ويدخل في الثمر الورد والياسمين ونحوهما من المشمومات . أما الزرع فقد اختلف في جواز بيعه قبل أن تناله المناجل بحيث يمكن قطعه بها فبعضهم قال : يجوز وبعضهم قال : لا . والأوجه جواز بيعه رجاء أن يكبر بعد فإذا نبت الزرع وكانت له قيمة ثم بيعت الأرض التي هو عليها فإنه لا يدخل إلا بالشرط أما إذا نبت ولم تكن له قيمة فقيل : يدخل في البيع بدون شرط . وقيل : لا يدخل إلا بالشرط . والأصح أنه يدخل بدون شرط فقيل : يدخل في البيع بدون شرط . وقيل : لا يدخل إلا بالشرط . والأصح أنه يدخل بدون شرط وكذلك إذا لم ينبت " كربة " البرسيم وخلفة الزرع الذي يتجدد بعد قطعه فقيل : يدخل . وقيل : لا يدخل
الثاني : قد تقدم في مباحث الربا أنه يجوز بيع الرطب بالتمر سواء كان في العرايا أو غيرها
الحنابلة - قالوا : لا يصح بيع الثمار حتى يظهر صلاحها كما لا يصح بيع الزرع حتى يشتد حبه وظهور الصلاح في التمر : هو أن ينضج ويطيب أكله وفي الحب هو أن يشتد أو يبيض على أنه يصح بيع ما لم يظهر صلاحه بشروط . الشرط الأول : أن يشترط قطعه في الحال ولا يصح له أن يستأجر الشجرة أو يستعيرها لترك الثمرة عليها حتى تنضج . الشرط الثاني : أن يكون منتفعا به حين القطع . الشرط الثالث : أن لا يكون مشاعا كأن كان له نصف ثمرة نخل مشاعا فإنه لا يصح بيعه قبل ظهور صلاحه لأنه لا يستطيع قطع ما يملكه إلا بقطع ما لا يملكه وليس له ذلك
الشرط الرابع : أن يبيعه مع الأصل بأن يبيع الثمرة مع الشجر أو يبيع الزرع مع الأرض . أو يبيع الشجرة أولا لشخص ثم يبيع له ثمرها بعد ذلك
ولا تباع ثمار الخضر التي تتجدد " إلا قطفة قطفة " فليس له أن يبيع غلا الموجود أما الذي يوجد بعد ذلك فإنه لا يصح بيعه إلا أن يبيعه مع الأرض وذلك كالقثاء والعجور ولكن يصح بيعه مع أصوله " عروشه التي ينبت منها " لأن الثمار في هذه الحالة تكون تابعة للأصل
وحكم القطن حكم الزرع فمتى كان لوزه ضعيفا رطبا لم يشتد ما فيه لم يصح بيعه كالزرع الأخضر غلا بشرط القطع في الحال . وإذا اشتد جاز بيعه مطلقا بشرط بقائه كالزرع إذا اشتد حبه ومثل القطن الباذنجان
وإذا ظهر صلاح الثمر أو الزرع جاز بيعه مطلقا بغير اشتراط قطع أو ترك في محله . وإذا باع نخلا قد تشقق طلعه - بكسر الطاء - غلاف العنقود الربيض فالثمن للبائع دون العراجين والسعف والليف ولا يشترط التأبير بالفعل - التلقيح : وهو وضع طلع الفحل في طلع الشجر - وللبائع الحق في إبقاء التمر على النخل إلى وقت استوائه وكمال حلاوته وذلك بشرطين : أحدهما : أن لا يشترط المشتري قطعه في الحال . الثاني : أن لا يحصل ضرر للنخل ببقائه فإن لم يتحقق الشرطان فإن البائع يجبر على القطع
ومثل البيع في هذه الأحكام : الرهن والهبة والإجارة والخلع والصداق فإذا وهب نخلا أو أجره أو جعله خلعا أو صداقا وكان عليه تمر فإن حكمه في التبعية وغيرها كالبيع )

(2/200)


مباحث السلم

(2/201)


تعريفه

(2/202)


السلم - بفتح السين واللام - اسم مصدر لأسلم ومصدره الحقيقي الإسلام ومعناه في اللغة : استعجال رأس المال وتقديمه ويقال للسلم سلف لغة إلا أن السلم لغة أهل الحجاز والسلف لغة أهل العراق . على أن السلف أعم من السلم لأنه يطلق على القرض . فالسلف يستعمل على وجهين :
أحدهما : القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض سوى الثواب من الله تعالى وعل المقترض رده كما أخذه على ما سيأتي بيانه
والثاني : هو أن يعطي ذهبا أو فضة في سلعة معلومة إلى امد معلوم بزيادة في السعر الموجود عند السلف وفي هذا منفعة للمسلف . والوجه الثاني : هو الذي يقال له سلم
والسلف اسم مصدر أسلف ومصدره الحقيقي إسلاف . ويقال أيضا سلفه ومصدره التسليف
أما تعريفه اصطلاحا عند الشرعيين ففيه تفصيل المذاهب
( الشافعية - قالوا : السلم بيع شيء موصوف في ذمة بلفظ سلم ك أن يقول : أسلمت غليك عشرين جنيها مصرية في عشرين إردبا من القمح الموصوف بكذا على أن أقبضها بعد شهر مثلا
أما إن كان بلفظ البيع كأن قال : بعني عشرين إردبا من القمح الموصوف بكذا أقبضها بعد مدة معينة بعشرين جنيها ففيه خلاف : فبعضهم يقول : إنه بيع فيصح فيه ما يصح في البيع من تأجيل الثمن وتأخير قبضه في المجلس وجواز استبداله بغيره وشرط الخيار فيه وبعضهم يقول إنه سلم لأن العقد في معنى السلم ولا نظر للفظ فلا يصح استبدال ثمنه بغيره فإذا كان الثمن ذهبا فلا يصح أن يعطيه حنطة كما لا يصح استبدال المثمن - وهو المسلم فيه فإذا أسلم في حنطة فلا يصح أن يدفع بدلها ذرة وكذلك لا يصح تأجيل قبض الثمن عن المجلس ولا يصح شرط الخيار فيه . ولكن المعتمد أن السلم لا يتحقق إلا إذا ذكر لفظ السلم فإذا ذكر لفظ البيع كان بيعا وهذا أحد أمور ثلاثة تتوقف على لفظ مخصوص وهي : السلم والنكاح والكتابة
الحنفية - قالوا : السلم هو شراء آجل بعاجل . ويسمى صاحب النقدين الذهب والفضة : مسلم - بكسر اللام - كما يسمى رب السلم . ويسمى صاحب السلعة المؤجلة : مسلم إليه وتسمى السلعة كالقمح والزبد : مسلم فيه . ويسمى الثمن : رأس مال السلم فإذا أراد شخص أن يشتري قمحا مؤجلا إلى أجل مسمى بنقد يدفعه فورا كان ذلك سلما ويسمى المشتري مسلما والبائع مسلما إليه والقمح مسلما فيه والثمن رأس مال السلم ولا يشترط فيه أن يكون بلفظ السلم ولا بلفظ السلف بل ينعقد البيع والشراء بلفظ السلم أيضا
المالكية - قالوا : السلم عقد معاوضة يوجب شغل ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين فقوله معاوضة معناه : ذو عوض يدفعه كل واحد من طرفي العقد لصاحبه خرج به الهبة والصدقة وغيرهما من العقود التي لا معاوضة فيها بل فيها بذل من جانب واحد فقط وقوله بغير عين خرج به بيع سلعة بعين مؤجلة من ذهب أو فضة كما تقدم في تعريف البيع وقوله ولا منفعة . خرج به كراء الداء ونحوه المضمون فإنه عقد معاوضة بغير عين ولكن أحد عوضيه منفعة وقوله غير متماثل العوضين خرج به السلف " القرض " فإن المقترض يرد ما أخذه كما هو
الحنابلة - قالوا : السلم عقد على شيء يصح بيعه موصوف في الذمة إلى أجل . والذمة هي وصف يصير به المكلف أهلا للإلزام والالتزام وهو معنى عام عند غيرهم وقد تقدم . ويصح بلفظ البيع كأن يقول : ابتعت منك قمحا صفته كذا وكيله كذا أقبضه بعد شهر مثلا كما يصح بلفظ سلم وسلف . بل يصح بكل ما يصح به البيع كتملكت واتهبت ونحوه )

(2/203)


حكم السلم ودليله

(2/204)


وحكم السلم الجواز فهو رخصة مستثناة من بيع ما ليس عند بائعه . ودليل جوازه الكتاب والسنة والإجماع
فأما الكتاب فقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } والدين عام يشمل دين السلم ودين غيره وقد فسره ابن عباس بدين السلم
وأما السنة فمنها خبر الصحيحين : " ومن أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " . وقد أجمع أئمة المسلمين على جوازه

(2/205)


أركان السلم وشروطه

(2/206)


السلم قسم من أقسام البيع كما تقدم فأركان البيع أركان له وشروطه شروطه غلا أنه للسلم شروط زائدة على شروط البيع
والغرض منها على وجه الإجمال أن يكون البدلان في السلم وهما رأس المال " ويسمى في البيع ثمنا " والمسلم فيه ويسمى في البيع مبيعا ومثمنا منضبطين محدودين بحيث لا يكون فيهما جهالة من أي وجه فيقع النزاع بين المتعاقدين ويثور بينهما الخصام وذلك ما تأباه الشريعة الإسلامية ولا ترضاه فيصح السلم فيما يمكن ضبطه كالأشياء التي تباع بالكيل أو بالوزن أو بالعد أو بالذرع لأنها محدودة يمكن ضبطها وإنما يصح لشروط تذكر في العقد : منها : بيان جنس المسلم فيه وجنس رأس المال كأن يقول : أسلمت إليك جنيها في تمر أو قمح
ومنها : بيان النوع كأن يقول : تمر زغلول أو أسيوطي وقمح بعلي أو مسقي . ومنها : بيان الصفة كأن يقول : جيد ( الشافعية - قالوا : ذكر الجودة والرداءة في المسلم فيه ليس بشرط وإذا أطلق ينصرف الجيد للعرف وينزل على أقل درجاته ولكن يجوز أن يشترط الجودة والرداءة وإنما الذي يشترط هو أن يكون للمسلم فيه صفات تضبطه وتعينه ويعرف بها على أن تكون هذه الصفات كثيرة الوجود فإن كانت نادرة فلا يصح السلم فمثال ما له صفات كثيرة الوجود : الحبوب . في البلاد الزراعية والحيوان وغيرهما مما يأتي مفصلا ومثال ما له صفات نادرة الوجود : الجواهر الكبيرة التي تستعمل للزينة فإنها لا يصح فيها السلم وذلك لأن السلم يستلزم أن يبين حجمها ووزنها وشكلها وصفاءها واجتماع هذه الصفات نادر فلا يصح السلم . أما الجواهر الصغيرة التي تستعمل للتداوي فإنه يصح فيها السلم إلا العقيق فإنه لا يصح فيه لاختلاف أحجاره . والشرط أن يعرف المتعاقدان الصفات التي يختلف بها الغرض من استعمال المسلم فيه بطريق الإجمال كأن يعرفا أن القمح منه بعلي ومنه : مسقي . وأن الغنم منها : " أو سيمي " وصعيدي كمعرفة الأعمى الأوصاف بالسماع ولكن لا بد من وجود عدلين يعرفان الصفات تفصيلا بالتعيين يرجع إليهما عند التنازع فلا بد أن يكون لهما خبرة بصفات المبيع ) أو رديء وبيان العد في المعدود والذرع في المذروع
ومنها : بيان قدره بالكيل في المكيال والوزن في الموزون والعد في المعدود والذرع في المذروع . ومنها : أن يكون المسلم فيه مؤجلا ( الشافعية - قالوا : لا يشترط في المسلم فيه أن يكون مؤجلا بل يصخ أن يكون حالا ) إلي أجل معلوم أقله شهر ( الشافعية - قالوا : أقل الاجب ما يزيد على نصف شهر " خمسة عشر يوما " ولو زيادة يسيرة ) فلا يصح أن يكون المسلم فيه حالا أما رأس المال وهو الثمن فإنه يشترط فيه الحلول على تفصيل في المذاهب
( الحنفية - قالوا : يشترط أن يكون رأس مال السلم " الثمن " مقبوضا في المجلس سواء كان عينا " سلعة معينة " أو كان جنيهات أو غيرها من العملة . ولا يشترط قبضه في أول المجلس بل يكفي أن يقبض قبل التفرق ولو طال المجلس وإذا قاما من المجلس يمشيان ثم قبض المسلم إليه رأس السلم بعد مسافة فإنه يصح إن لم يتفرقا . وكذلك إذا تعاقدا ثم قام رب السلم " المشتري " ليحضر الدراهم من داره فإنه إن لم يغب عن المسلم إليه " يصح وإلا فلا
المالكية - قالوا : إذا تأخر قبض رأس المال وهو المسلم - بفتح اللام - الثمن عن مجلس العقد فلا يخلو : إما أن يكون ذلك التأخير بشرط كأن يشترط المسلم بكسر اللاز " المشتري " تأخيره فسد السلم اتفاقا سواء كان التأخير كثيرا جدا بأن أخره إلى حلول أجل المسلم فيه أو لم يكن كذلك . وإما أن يكون التأخير بلا شرط وفي هذه قولان : أحدهما : فساده سواء كان التأخير كثيرا أو قليلا . ثانيهما : عدم فساده سواء كان التأخير كثيرا أو قليلا
الحنابلة - قالوا : يشترط قبض رأس مال السلم في مجلس العقد قبل التفرق ويقوم مقام القبض ما كان في معناه كما إذا كان عند المسلم إليه أمانة أو عين مغصوبة فإنه يصح أن يجعلها صاحب السلم رأس مال ما دامت ملكا له لأن ذلك في معنى القبض
الشافعية - قالوا : يشترط قبض راس المال في المجلس قبضا حقيقيا فلا ينفع فيه الحوالة ولو قبضه من المحال عليه في المجلس لأن المحال عليه ما دفعه عن نفسه إلا إذا قبضه رب السلم وسلمه بنفسه للمسلم إليه . وإذا كان رأس المال منفعة كما إذا قال له : أسلمت إليك داري هذه لتنفع بها في عشرين نعجة آخذها في وقت كذا فإنه يصح ولكن يشترط أن يسلمها له قبل أن يتفرقا وهذا وإن لم يكن قبضا حقيقيا كما هو الشرط إلا أن تسليمها هو الممكن في قبضها فكان بمنزلة القبض الحقيقي وليس معنى القبض في المجلس أن يحصل القبض قبل الانتقال من مجلس العقدن بل معناه أن يحصل قبل تفرقهما بأبدانهما فلو فاما ومشيا مسافة ثم حصل القبض قبل أن يتفرقا فإنه يصح )
ومنها غير ذلك مما هو مفصل في المذاهب
( الحنفية - قالوا : شروط السلم تنقسم إلى قسمين : قسم منها يرجع إلى العقد وقسم يرجع إلى البدل . فأما الذي يرجع إلى العقد فهو شرط واحد وهو : أن يكون العقد عاريا عن شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما . أما إذا كان رأس المال مستحقا للغير وليس ملكا لرب السلم فدفعه إليه في المجلس ثم تفرقا فللمالك الخيار في إجازة العقد أو فسخه فلو أجازه صح السلم وأما الذي يردع إلى البدل فهو خمسة عشر شرطا . منها ستة في رأس المال وعشرة في المسلم فيه
فأما الستة التي في رأس المال فهي أولا : بيان جنسه إن كان من النقدين الجنيهات أو غيرها من أنواع العملة . أو كان عينا كالقمح أو الشعير أو غير ذلك . ثانيا : بيان نوعه كأن يبين أن هذا الجنيه " مصري أو انكليزي " أو هذا القمح " بعلي أو مسقي " . ثالثا : بيان صفته كأن يقول : هذا جيد أو رديء أو متوسط . رابعا : بيان قدره كأن يقول : خمسة جنيهات أو عشرة أرادب من القمح أو الشعير . وهل تقوم الإشارة مقام بيان القدر أو لا ؟ والجواب أنها تقوم مقامه إذا كان الثمن من المذروعات أو المعدودات المتفاوتة . فإذا قال له : أسلمت إليك هذا الثوب أو هذه الكومة من البطيخ في كذا فإنه يصح وإن لم يبين عدد أذرع الثوب ولا عدد الكومة من البطيخ . أما إذا كان الثمن من المكيلات أو الموزونات فإن فيه خلافا : فقيل : الإشارة تكفي وقيل : لا تكفي ولا بد من بيان القدر . خامسا : أن يكون مقبوضا في مجلس السلم وقد تقدم . وأما العشرة التي في المسلم فيه فمنها الأربعة الأول التي في رأس المال وهي : بيان الجنس والنوع والوصف والقدر . والخامس : أن يكون مؤجلا وقد تقدم بيانه . والسادس : أن يكون الصنف موجودا في الأسواق وسيأتي . السابع : أن يكون مما يتعين بالتعيين وقد تقدم : الثامن : بيان مكان الدفع فيما يحتاج إلى نفقات كالبر ونحوه . التاسع : أن لا يشمل البدلان على علة ربا والفضل وهي القدر والجنس كما تقدم . والعاشر : أن يكون من الأجناس الأربعة المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة والذرعيات . رابعا : بيان قدره فلا بد أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أن العد أو الذرع فأما المكيلات فإنه يصح فيها السلم سواء كانت حبوبا أو عسلا أو لبنا أو سمنا أو تمرا . وهل يصح أن يسلم فيها بالوزن أو لا ؟ خلاف : المعتمد أنه يصح لأن المعول عليه إنما هو الضبط ولا بد أن يكون قدر المكيال معروفا بين الناس فلا يصح أن يقول له : أسلمت إليك جنيها في 20 قصعة من القمح إذا لم تكن القصعة مكيالا معروفا بين الناس كالكيلة ونحوها . وأما الموزونات فإنه يصح فيها السلم إلا إذا كانت أثمانا وهي النقدان من الذهب والفضة فلا يصح أن تقول : أسلمت إليك هذا الثوب في جنيه زنته كذا آخذه بعد شهر مثلا لأن الجنيه لا يصح أن يكون مسلما فيه لأن شرط السلم أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين وقد عرفت أن النقدين من الذهب والفضة لا تتعين بالتعيين وهل يعتبر ذلك بيعا للثوب بأن يجعل الثوب مبيعا والجنيه ثمنا مؤجلا أو لا ؟ قولان فقيل : يعتبر ورجحه بعضهم . وقيل : لا وصححه بعضهم
وأما المعدودات فإنه يصح السلم في المتقاربة منها كجوز الشام " عين الجمل " فإن آحاده متقاربة حتى إذ استهلك أحد شيئا منها كان لمالكه الحق في أخذ مثله أما المتفاوتة إذا استهلكت فإنه يكون لمالكها قيمتها ومن المتفاوت القرع والرمان فلا يصح أن يقول : أسلمت إليك جنيها في مائة بطيخة أو مائتي رمانة لأن آحاده متفاوتة فلا يمكن ضبطها . ومن المتقارب بيض الدجاج لأنه وإن كان بعضه أكبر من بعض ولكن الكمية التي يحتوي عليها البياض والصفار متقاربة ومثله بيض النعام إذا كان الغرض من شرائه أكله . أما إذا كان الغرض استعمال قشره زينة فإنه يكون متفاوتا لأن بعض قشره كبير وبعضه صغير ومن المعدود المتقارب . الفلوس : " العملة المتخذة من غير الذهب والفضة " كالقروش النيكل والنحاس فيجوز فيها السلم فيصح أن يسلم إليه جنيها في مائة وعشرين قرشا يأخذها بعد شهر
ومن المعدود المتقارب اللبن : الطوب النيء . وكذلك الآخر : والطوب المحروق فيصح أن يقول لأحد العمال : أسلمت إليك جنيها في ألفين من الأخضر . ولكن يشترط أن يبين صفة القالب الذي يضرب به كأن يقول : حجمه كذا طولا وعرضا وكذلك يبين مكان الأرض التي يضرب الطوب عليها كما يبين العدد
وأما المذروع الذي يباع بالذراع كالقماش والبسط والحصر فإنه يصح فيها السلم أيضا بشروط :
الأول : أن يبين مقدار طوله وعرضه
الثاني : أن يبين صفته كأن يقول : ثوب غير مخيط من قطن أو كتان أو صوف أو حرير مركب من نوعين مختلفين
الثالث : أن يبين محل صنعه كأن يقول : قطنية شامية أو مصرية . أو يقول : مقطع سكاروت ياباني أو هندي أو ملاءة محلاوي أو إخميمي ونحو ذلك . وإن كان حريرا فينبغي أن يبين زنته مع عدد الأذرع لأن الوزن له مدخل في اختلاف الثمن فإن الديباج وهو نوع من الحرير كلما ثقل وزنه زادت قيمته وبالعكس غيره من أنواع الحرير
ويصح السلم في السمك القديد الذي فيه الملح " البكلاه " ثم إن كان كبيرا فإنه يصح فيه السلم بالعدد وإن كان صغيرا فإنه يصح فيه وزنا وكيلا فيصح أن يسلمه جنيها فأكثر على أن يأخذ به عددا معينا من سمك البطلاه الموصوف بالأصناف التي تعينه كفرنساوي أو انكليزي إذا كان كبيرا أما إذا كان صغيرا " كالسردين " المقدد المملوح فإنه يجوز وزنا وكيلا وكذلك يصح السلم في السمك الطري " الطازة " ولكن إن كان لا ينقطع في وقت من الأوقات صح فيه بدون قيد . أما إن كان ينقطع في بعض الأحيان كالجهات التي يتجمد فيها الماء في الشتاء فلا يوجد فيها السمك فإن الأجل يجب أن يكون ملاحظا فيه وجود السمك فلا يصح امتداده إلى الزمن الذي ينقطع فيه
ولا يصح السلم في الحيوان مطلقا وهل يصح في أطرافه بعد ذبحه كالأكارع ؟ خلاف : المشهور أنه لا يصح أيضا كالحيوان وقال بعضهم : لا بأس به وزنا بعد ذكر النوع وباقي الشروط . وكذلك اللحم فإن فيه خلافا والفتوى على أنه يصح فيه السلم . ولا يصح السلم في الحطب بالحزمة كأن يقول له : أسلمتك جنيها على أن آخذ به مائة حزمة لعدم ضبط ويصح فيه وزنا . وكذلك لا يصح السلم في الحشائش الخضراء التي ترعاها الدواب كالبرسيم ونحوه بالقت والقتة : الحزمة . وإذا ضبط بما لا يؤدي إلى نزاع فإنه يجوز . ولا يصح السلم في العقيق والبلور ونحوهما لتفاوت آحادهما تفاوتا كبيرا . وكذا لا يصح في اللآلئ الكبار أما اللآلئ الصغيرة التي تباع وزنا فإنه يصح فيها السلم فيجوز أن يقول للصائغ ونحوه : أسلمتك مائة جنيه في لؤلؤة صفتها كذا وزنتها كذا
الحنابلة - قالوا : شروط السلم سبعة : أحدها : أن يصف المسلم فيه بما يختلف به الثمن اختلافا ظاهرا بأن يذكر جنسه ونوعه ولونه وبلده وكونه قديما أو جديدا
ثانيها : أن يذكر قدره وقد تقدم ولا بد أن يكون المكيال معروفا عند العامة
ثالثها : أن يشترط أجلا معلوما . رابعا : أن يكون المسلم فيه كثير الوجود في وقته . أما إن كان نادرا كالعنب في غير وقته فإنه لا يصح خامسها : أن يكون رأس المال مقبوضا في مجلس العقد وقد تقدم . سادسها : أن يكون المسلم فيه دينا في الذمة فإذا أسلم في دار أو عين موجودة فإنه لا يصح . السابع : أن يكون المسلم إليه من الأمور التي تضبط صفاتها كالمكيلات والموزونات والمعدودات والمذروعات . فأما المكيلات فيصح السلم فيها سواء كانت حبوبا أو غيرها كالألبان والأدهان والعسل ونحوه . فإن أسلم في حبوب فإنه يشترط أن يصفه بأربعة أمور :
أحدها : ذكر النوع فيقول مثلا : قمح مواني أو بعلي أو غيره
ثانيها : ذكر البلد فيقول : قمح بحيري أو صعيدي أو هندي أو استرالي
ثالثها : ذكر قدر الحب من صغر أو كبر
رابعها : ذكر القديم والجديد وكذلك العدس فإنه يشترط ذكر نوعه كصحيح أو مدشوش وبلده كإسناوي أو غيره وكونه قديما أو جديدا وكون حبه كبيرا أو صغيرا أو سليما أو مكسرا وهكذا سائر أصناف الحبوب
ولا يصح السلم في القمح إلا إذا فصل من تبنه ومثله باقي الحبوب
وإذا أسلم في تمر فإنه يشترط أن يذكره فيقول : تمر ويذكر نوعه فيقول : زغلول أو سمان ويذكر قدر حبه صغيرا أو كبيرا ويذكر لونه فيقول : أحمر أو أصفر ويذكر بلده فيقول : واحي أو أسيوطي ويذكر حداثته وقدمه فيقول : جديد أو قديم ويذكر جودته وردائته فيقول : جيد أو رديء
ومثل التمر اليابس الرطب فينبغي وصفه بهذه الأوصاف
وإذا أسلم في عسل فينبغي أن يذكر فيه بلده كمصري أو غيره وأن يذكر زمنه فيقول : ربيعي أو صيفي ويذكر لونه فيقول : أبيض أو أسود ويذكر جودته وردائته وأنه مصفى من الشمع أو لا
( يتبع . . . )

(2/207)


وإذا أسلم في سمن فينبغي أن يضبطه بالنوع يقول : سمن ضأن أو معز أو بقر أو جاموس وباللون فيقول : أبيض أو أصفر أو أخضر وبالجودة والرداءة فيقول : جيد أو رديء . وبالمرعى فيقول : بحيري أو صعيدي لأن قيمة الثمن تختلف باختلاف المرعى ولا حاجة إلى ذكر القديم والحديث لأن القدم عيب في السمن يرد به ويصف الزبد بأوصاف السمن ويزيد زبد يومه أو أمسه
وإذا أسلم في لبن فإنه يضبطه بذكر النوع فيقول : لبن ضأن أو معز أو جاموس أو بقر ويذكر المرعى ولا يحتاج إلى ذكر اللون ولا إلى ذكر اليوم أو الأمس لأنه إذا أطلق ينصرف إلى اليوم
وأما الموزونات فإنه يصح فيها السلم سواء كانت خبزا أو فاكهة أو لحما نيئا ولو مع عظمه أو رصاصا أو نحاسا أو غير ذلك . فإذا أسلم في لحم فينبغي بيان قدره أولا وبيان نوعه من بقر جواميس أو ضأن أو معز وبيان سنه وبيان ذكورته وأنوثته وبيان كونه خصيا أو غيره وبيان كونه رضيعا أو فطيما معلوفا أو راعية سمينا أو هزيلا . فإن كان السلم في لحم طير فإنه لا حاجة فيه إلى ذكر الأنوثة والذكورة إلا إذا كانت تختلف قيمته بهما كلحم الدجاج فإن لحم الديك أقل من لحم الأنثى فيه ولا حاجة إلى أن يبين موضع القطع فيقول : من الفخذ مثلا إلا إذا كان الطير كبيرا يؤخذ منه بعضه كلحم النعام فإنه يبين موضع القطع لاختلاف العظم ولا يصح السلم في اللحم المطبوخ ولا اللحم المشوي
وإذا أسلم في الخبز فينبغي أن يذكر كونه خبز بر أو شعير أو دخن أو ذرة ويذكر اليبوسة والرطوبة واللون
وإذا أسلم في السمك فينبغي أن يذكر نوعه فيقول : من النهر أو من البركة وأن يذكر صنفه فيقول : بوري أو بلطي مثلا وأن يذكر كبره أو صغره وسمنه وهزاله وأن يذكر كونه طريا أو مملوحا " بكلاه "
وإذا أسلم في رصاص أو نحاس أو حديد فإنه يضبطه بذكر نوعه ولونه إن كان يختلف به ثمنه كالنحاس الأصفر والأحمر والأبيض وذكر نعومته وخشونته ويزيد في الحديد كونه ذكرا أو أنثى إن كان العرف على أن ثمنه يختلف باختلاف ذلك ولا يصح السلم في الفلوس وزنا بشيء موزون فإن كانت الفلوس وزنية فلا يصح أن يسلم فيها شيئا يباع بالوزن كأن يقول أسلمت إليك ثوبا من الحرير زنته كذا في مائتي قرش من النيكل مثلا فإنه لا يصح لتحقق علة ربا النسيئة فيهما وهو الوزن إذ لا يحل بيع موزون بموزون مع التفاضل نسيئة . أما إن كان الفلوس عددية فإنه يصح السلم فيها على الأصح ولو كانت مستعملة لأنها عرض لا ثمن كما تقدم وقيل لا يصح على أنه يصح في الأثمان الخالصة بشرط أن يكون رأس المال غير سلم فيصح أن يقول له أسلمتك هذا الثوب في جنيه آخذه بعد شهر . أما إذا قال له : أسلمتك هذا الجنيه في ستة من " الريالات " آخذها بعد شهر مثلا فإنه لا يجوز لأنه يكون ربا
وأما المعدود المختلف الذي تتفاوت آحاده فإنه لا يصح السلم فيه إلا في الحيوان لأنه هو الذي يمكن ضبط صفاته فلا يصح في بيض ولا رمان ولا بطيخ إلى غير ذلك من الأشياء المختلف آحادها التي تباع عدا وقيل يصح في المتقارب منها كالجوز الشامي وبيض الدجاج . وينضبط الحيوان بذكر سنه وذكورته وأنوثته وسمنه وهزاله . وكونه راعيا معلوفا بالغا أو صغيرا ولونه إن كان نوعه مختلف اللون كالغنم البيضاء أو السوداء أو الحمراء وتضبط الإبل بأربعة أوصاف :
النتاج فيقول : من نتاج بني فلان والسن فيقول : بنت مخاض مثلا واللون فيقول : بيضاء أو حمراء أو زرقاء . والأنوثة فيقول : ذكرا أو أنثى
وتضبط الخيل بأوصاف الإبل الأربعة المذكورة ولا بد من ذكر نوعها فيقول في الإبل : بختية أو عرابية ويقول في الخيل : عربية أو هجين أو برذون ويقول في الغنم : ضأن أو معز إلا البغال والحمير فإنه لا أنواع لها
ويضبط اللبن " الطوب النيء " بالتراب الذي يضرب منه والثخانة
وأما المذروع كالثياب فإنها تنضبط بذكر نوعها فيقول : كتان أو قطن أو حرير . أو صوف وبذكر بلدها فيقال قماش مصري أو شامي ويذكر طولها أو عرضها وصفاقتها ورقتها وغلظها ونعومتها وخشونتها ولا يذكر زنتها فإن ذكرها لم يصح السلم
وبالجملة فإنه ينبغي أن يذكر في كل نوع من هذه الأنواع الصفة التي يترتب على ذكرها وعدمه اختلاف في الثمن اختلافا ظاهرا
وإذا أسلم فيما يباع كيلا بالوزن كأن قال : أسلمتك جنيها في قنطارين من القمح فقيل : يصح وقيل : لا . واختار الأول كثير لأن الغرض معرفة القدر والمكان وذلك متحقق
المالكية - قالوا : شروط صحة السلم الزائدة على شروط صة البيع سبعة : الشرط الأول : قبض رأس المال كله وقد تقدم الكلام في جواز تأخيره وعدمه ويجوز شرط الخيار في رأس المال أو في المسلم إليه قبل قبض المال مدة ثلاثة أيام لا أكثر . ولو كان رأس المال دارا على المعتمد . فإن نقد رأس المال فسد العقد بشرط الخيار . وذلك لأنه بعد أن يقبض المسلم إليه الذي هو في حكم البائع رأس المال الذي هو في حكم الثمن مع شرط الخيار كان رأس المال مترددا بين كونه سلفا يصح أن يأخذه من دفعه وبين كونه ثمنه فلا ينعقد السلم . وإذا شرط نقد رأس المال مع شرط الخيار بطل العقد أيضا وإن لم ينعقد بالفعل لأن المشروط لازم للشرط حتى ولو نزل عن الشرط فإن العقد لا يرجع صحيحا وإذا تطوع رب السلم ونقده رأس المال فإن كان معينا كثوب معين أو حيوان معين فإنه يصح . أما إن كان غير معين كالجنيه فإنه لا يصح
ويصح أن يكون رأس المال منفعة شيء معين كسكنى دار أو استخدام حيوان فإذا قال له : أسلمتك سكني داري مدة كذا في عشرين نعجة آخذها بعد شهر مثلا فإنه يصح . أما جعل المنفعة بدلا عن الدين فإن فيها خلافا فإذا كان له عند نجار مثلا دينا فكلفه بعمل صندوق واحتسب له ذلك الدين . قيل : يصح وقيل : لا . ولا بد من قبض الدار التي جعلت منفعتها رأس مال قبل تمام أيام ثلاثة . أما الحيوان فيجوز تأخيره أكثر بدون أن يشترط التأخير لأن الحيوان يجوز تأخيره كذلك سواء جعل هو رأس المال أو جعله منفعة أما إذا اشترط التأخير فإنه لا يجوز
الشرط الثاني من شروط السلم : ما اشتمل على نفي خمسة أشياء :
أحدها : أن لا يكون رأس المال والمسلم فيه طعامين سواء كانا متحدي الجنس أو لا فلا يصح أن يقول : أسلمتك إردب قمح في إردب قمح كما لا يصح أن يقول : أسلمتك إردب قمح في إردب فول آخذه بعد شهر مثلا لأن في هذا ربا النساء فإذا قالله : أسلمتك إردب قمح في إردب ونصف قمح آخذه بعد شهر كان فيه ربا فضل ونساء فإذا وقع بلفظ القرض بدون زيادة جاز كأن يقول له : أقرضتك إردب قمح آخذه بعد شهر
ثانيها : أن لا يكونا نقدين فلا يصح أسلمتك جنيها في جنيه كما لا يصح أسلمتك جنيها في " خمسة ريالات " وإنما لا يصح لعلة الربا المذكورة والفلوس الجدد في باب السلم مثل النقدين فلا يجوز سلم بعضها في بعض فلا يجوز أنيقول : أسلمتك عشرين قرشا في عشرين قرشا من النحاس
ثالثا : أن لا يكون رأس المال أقل من المسلم فيه إذا كان من جنسه فلا يصح أن يقول : أسلمتك هذا الثوب في ثوبين من جنسه أو أسلمتك قنطارا من القطن في قنطارين أو إردبا من الجبس في إردبين . إلا إذا اختلفت المنفعة في أفراد الجنس الواحد بحيث تعادل منفعة الواحد منفعة الاثنين كالحمار السريع المشي فإنه يصح أن يكون سلما في حمارين ضعيفين مشيهما بطيء وكالحصان الذي يسبق غيره أكثر منه غير سابق وكسيف قاطع جيد في سيفين أقل منه أما الجنسان المختلفان فإنه يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر ولو كانت منفعتهما متقاربة كثوب رقيق من القطن وثوب غليظ . فإنه يصح أن يجعل أحدهما رأس مال السلم والآخر مسلما فيه
رابعها : أن لا يكون رأس المال رديئا والمسلم فيه جيدا إذا كانا من جنس واحد فلا يصح أن يقول له : أسلمت إليك قطنية شامية في قطنية بلدية آخذها بعد شهر . أو يقول له : أسلمتك قنطارا من الكتان الأسمر في قنطار من الكتاب الأبيض الناصع آذه بعد شهر إلا إذا اختلفت المنفعة بحيث تكون منفعة الشيء الواحد من الجنس تعادل اثنين كالقطن " السكلاريدس " فإن القنطار الواحد من الثاني يعادل اثنين من الأول فيصح أن يسلم الواحد في اثنين
خامسها : أن لا يكون رأس المال جيدا والمسلم فيه رديئا فلا يصح أن يسلم إردبا من القمح في إردب من الشعير ولا ثوبين في ثوب لأنه يكون من باب الضمان بجعل وذلك لأن المسلم إليه ضمن لرب السلم الثوب الذي لا يدفعه له في الوقت الذي أجل إليه في نظير الثوب الذي يأخذه الآن وهو ممتنع أو ضمن له إردب الشعير في نظير المنفعة التي يأخذها زيادة عليه من إردب القمح
الشرط الثالث : من شروط السلم : أن يكون المسلم فيه مؤجلا أجلا معلوما للمتعاقدين وأقله خمسة عشر يوما كما تقدم إلا إذا أسلم في شيء واشترط تسليمه في بلد العقد بمجرد وصوله لذلك البلد ولذلك شروط :
الأول : أن يكون على بعد مسافة يومين من بلد العقد على الأقل وإن لم يلفظ بذكر المسافة فإن كانت أقل فلا بد من التأجيل خمسة عشر يوما
الثاني : أن يشترط العاقدان الخروج من بلد العقد وأن يخرجا فورا بالفعل منها كي يدفع المسلم إليه لرب السلم المسلم فيه بمجرد وصولهما إلى البلد طبقا للشرط فإن لم يشترطا الخروج ولم يخرجا بالفعل فلا بد من التأجيل نصف شهر
الثالث : تعجيل رأس المال في المجلس أو قريبا منه
الرابع : أن يكون سفرهما أو وكيلهما في يومين بالبر أو بباخرة لا تتأثر بالرياح حتى لا يتعطل سيرها
الخامس : أن يخرجا في نفس اليوم الذي حصل فيه العقد فإن فقد شرط من هذه الشروط تعين التأجيل لمدة خمسة عشر يوما
الشرط الرابع من شروط السلم : أن يضبط المسلم فيه أو رأس السلم بما جرت عادة الناس في الجهة التي وقع فيها العقد أن يضبطوا به من كيل أو وزن أو عد
فالقمح جرت عادة الناس أن يضبطوه بالكيل ومنهم من يضبطه بالوزن فيصح السلم فيه كيلا ووزنا واللحم جرت عادة الناس أنيضبطوه بالوزن فيصح السلم فيه وزنا
والرمان جرت عادة الناس أن يضبطوه بالعد ومنهم من يضبطه بالوزن فيصح السلم فيه عدا ووزنا . ولما كان الرمان مما تتفاوت احاده فيجب أن يقيس طول كل رمانة وعرضها بخيط ونحوه ويحفظ ذلك المقياس ليرجع إليه عند اللزوم وسواء وضع ذلك المقياس عند أمين أو كتب بيانه في ورقة أمضاها العاقدان فإن الغرض من التوثيق يحصل فيصح أن يقول : أسلمك جنيها في قنطار من الرمان كل رمانة سعة هذا الخيط . أو أسلمك جنيها في مائة رمانة حجم كل رمانة كذا طولا وكذا عرضا وعمقا ومثل الرمان البيض
ويصح السلم في الخضر والحشائش كالبرسيم " والدراو " ويضبط بالحمل - بكسر الحاء - كأن يقول له : أسلمتك جنيها في مائة حمل برسيم كل حمل ملء هذا الحبل ويوضع الحبل تحت يد أمين أو يقاس طوله وسمكه بمقياس مخصوص ويكتب في ورقة ومثل ذلك الكراث والكزبرة ولا بد أن تكون آلة الكيل أو الوزن معلومة فإذا ضبط بشيء مجهول كملء هذه القصعة مثلا أو وزن هذا الحجر ولم يكن مقدارا بمعيار مخصوص فإن السلم يفسد
الشرط الخامس : أن يبين الصفات التي تختلف رغبات الناس من أجلها كالصنف والجودة والرداءة والتوسط بينهما واللون إذا كان له دخل في اختلاف قيمة المسلم فيه أو رأس المال فإن رغبة بعض الناس تنبعث إلى لون الغنم البيضاء للانتفاع بأصوافها البيضاء . وبعضهم بالعكس يرغبون في الحمراء أو السوداء فيترتب على ذلك اختلاف في قيمتها . أما إذا لم يترتب عليه اختلاف في القيمة بحسب العرف فلا يشترط ذكره
فإذا أسلم في قمح فإنه يشترط أن يبين قدره بالكيل أو الوزن إن تعارف الناس على وزنه ويبين صنفه فيقول : بعلي أو مسقي ويبين جودته وغيرها ويبين كونه ملآنا أو ضامرا ويبين كونه قديما أو جديدا إن ترتب على ذلك البيان اختلاف الثمن أما بيان لون القمح فليس شرطا لأن ذكر الصنف يغني عنه . وكذا لا حاجة إلى بيان كونه خاليا من الطين أو لا " غلت أو نظيف " لأن هذا يحمل على الغالب المتعارف فإن لم يكن فيحمل على المتوسط . ويندب البيان دفعا للنزاع . ويجب بيان الجهة الوارد منها إذا كان في بلده غير أصناف النابت فيها كالهندس والأسترالي والروسي
وإذا أسلم في حيوان فإنه يشترط أن يبين نوعه هل هو غنم أو بقر ضأن أو معز ؟ ويبين جودته ورداءته ويبين لونه إن ترتب عليه اختلاف في الثمن . وكذلك يبين سنه وكونه ذكرا أو أنثى وكونه سمينا أو غير سمين
وإذا أسلم في تمر فإنه يبين نوعه وجودته ورداءته وكبره وصغره وقدره والجهة التي ورد منها
وإذا أسلم في عسل فإنه يبين نوعه هل هو عسل نحل أو قصب أو بنجر أو سكر ؟ ويبين جودته ورداءته ولونه إن ترتب عليه اختلاف في الثمن . وإن كان عسل نحل فإنه يبين مرعاه لأنه يختلف بذلك طعما فإن الذي يقتطف من زهر الكروم أجود عسلا من غيره وأغلى ثمنا
وإذا أسلم في لحم فإنه يشترط أن يبين نوعه في ضأن أو معز إلخ الصفات المذكورة في الحيوان ويزيد عليها بيانه كونه خصيا أو لا معلوفا أو راعيا . ولا يشترط أن يبين المكان الذي يقطع منه اللحم كالفخذ والذراع . إلا إذا اختلفت الأغراض في ذلك فإنه يجب البيان
وإذا أسلم في سمك فإنه يشترط أن يبين صنفه وجودته ويبين كونه كبيرا أو صغيرا أو متوسطا وبالجملة فينبغي أن يبين في كل نوع ما يضبطه من الصفات التي يترتب عليها اختلاف في الثمن عادة في مكان العقد
( يتبع . . . )

(2/208)


( تابع . . . 2 ) : السلم قسم من أقسام البيع كما تقدم فأركان البيع أركان له وشروطه
الشرط السادس من شروط السلم : أن يكون المسلم فيه دينا في ذمة المسلم إليه فلا يصح أن يكون معينا سواء كان حاضرا كأن يقول : أسلمت إليك جنيها في هذا الثوب الحاضر أو غائبا كأن يقول له : أسلمت إليك جنيها في الثوب الفلاني المعروف لي لأن تعيينه يستلزم أن يبيع شيئا معينا يتأخر قبضه وهو غير جائز فإن لم يكن عنده كان بيعا لشيء غير موجود وهو منهي عنه أيضا والذمة وصف اعتباري يحكم به الشرع ويقدر وجوده في الشخص من غير أن يكون له وجود حقيقي قابل للالتزام كأن يلتزم على نفسه شيئا كضمان ودين وقابل للالتزام من الغير كأن يقول له : ألزمك حق فلان
الشرط السابع : أن يوجد المسلم فيه عند حلول الأجل فلا يصح أن يسلم في فاكهة مثلا مؤجلة إلى زمن لا توجد فيه
الشافعية - قالوا : شرط السلم شروط البيع ما عدا رؤية المبيع فإنها شرط في صحة البيع كما تقدم بخلاف رؤية المسلم فيه فإنها ليست بشرط لأنها رخصة مستثناة من منع بيع المعدوم ويزيد السلم على البيع شروطا أخرى بعضها يتعلق برأس مال المسلم وبعضها يتعلق بالمسلم فيه . وكلها شروط لصحة عقد السلم فلا يصح إذا تخلف شرط منها . فأما التي تتعلق برأس المال فهي شرطان :
الشرط الأول : أن يكون رأس المال مال السلم حالا غير مؤجل فلا يصح تأجيله
الثاني : تسليمه بالمجلس وقد تقدم قريبا لأنه لو تأخذر يكون بيع دين بدين ولا فرق في ذلك بين أن يكون رأس المال عينا أو منفعة كأن يقول : أسلمت إليك سكنى داري مدة كذا في كذا من الغنم فلا بد من تسليمها كما تقدم . وأما التي تتعلق بالمسلم فيه فهي :
أولا : بيان مكان تسليم المسلم فيه إن لم يكن المكان الذي حصل فيه العقد صالحا للتسليم سواء كان السلم حالا أو مؤجلا . أما إذا كان المكان صالحا للتسليم فإن كان نقله يحتاج إلى نفقات وجب البيان في السلم المؤجل دون الحال . وإذا كان نقله لا يحتاج إلى نفقات فلا يجب البيان سواء كان السلم حالا أو مؤجلا . وقد تقدم أن السلم يصح حالا أو مؤجلا
ثانيا : القدرة على تسليم " المسلم فيه " عند حلول الأجل إن كان مؤجلا أو بالعقد إن كان حالا فإذا أسلم في فاكهة وأجلت إلى أمد لا توجد فيه فلا يصح السلم
ثالثا : أن يكون المسلم فيه مقدورا على تسليمه عند وجوبه بلا مشقة عظيمة ويجب التسليم في السلم الحال بالعقد وفي المؤجل بحلول الأجل وهذا الشرط من شروط البيع أيضا فليس بزائد عليها وإنما يترتب عليه شيء آخر زائد على شروط البيع وهو : ما إذا أسلم في شيء يندر وجوده كالجواهر الكبار والياقوت فإنه لا يصح السلم فيها لتعذر وجود الصفات المطلوبة في السلم فيها إذ لا بد من التعرض للحجم والشكل وصفاء اللون ونحو ذلك وهذه الصفات يندر اجتماعها فالشرط أن لا يسلم في شيء يندر وجوده أو يكثر وجوده ولكنه ينقطع عند حلول الأجل فلا يصح السلم في الفاكهة ونحوها بعد انقطاعها
فإذا حصل عقد السلم فيما يندر وجوده أو فيما ينقطع عند حلول الأجل كان لرب السلم " المشتري " الحق في الخيارين بين أمرين : فإما أن يصبر حتى يوجد المسلم فيه وإما أن يفسخ العقد وله هذا الحق على التراخي فله أن يستعمله في أي وقت شاء ولو أسقط حقه في الفسخ لم يسقط على الأصح
رابعا : أن يكون المسلم فيه منضبطا فلا يصح السلم فيما تركب من أجزاء مختلفة لا يمكن ضبطها كالكشك والقمح المخلوط بالشعير الكثير والأحذية المبطنة . أما غير المبطنة " كالصنادل " والخف غير المبطن فإنه يصح السلم فيه بشرط أن تكون متخذة من الجوخ ونحوه . أما المتخذة من الجلد فإنه لا يصح السلم فيها لأن الجلد لا يصح فيه السلم . ومن المركب من أجزاء رؤوس الحيوانات المذبوحة فإنه لا يصح السلم فيها ولو بعد تنقيتها من الشعر . ومنه معجون الروائح العطرية الغالية المركبة من نحو مسك وعنبر ودهن فلا يصح السلم فيها
خامسا أن لا يكون المسلم فيه معينا بل دينا لأن السلم موضوع لبيع شيء في الذمة . فإذا قال أسلمت إليك هذا الجنيه في هذا الثوب فإنه لا يصح . وكذلك لا يصح أن يكون جزءا من معين : كأسلمت إليك هذا الجنيه في إردب قمح من هذا الجرن بخصوصه
سادسا : أن يبين جنسه ونوعه ويذكر الصفات التي يترتب عليها اختلاف الثمن عادة فإذا أسلم في حيوان فعليه أن يذكر جنسه ونوعه فيقول : غنما أو بقرا أو إبلا . ثم يذكر سنه ولونه وهل هو ذكر أو أنثى ؟ . ويذكر في الطير زيادة على ذلك كونه صغيرا أو كبيرا أما سنه فلا يلزم ذكره إلا إذا كان معروفا
وإذا أسلم في ثياب فعليه أن يذكر عرضها وطولها ورقتها وثخانتها ونعومتها وخشونتها ويبين إن كانت خاما أو مقصورا
وإذا أسلم في سمن أو زبد فعليه أن يبين قدره وزنا أو كيلا ويبين الحيوان الذي أخذه منه فيذكر إن كان سمن بقر أو غنم أو جاموس أو جمال ويبين كونه جديدا أوقديما ومثله الزبد فعليه أن يبين الصفات المذكورة في السمن ويزيد عليها إن كانت جافة أو رطبة
وإذا أسلم في جبن فعليه أن يذكر نوعه فيقول : جبن غنم أو بقر أو جاموس ويذكر صنفه إن كان مأخوذا من الرائب أو الخض أو اللبن ويذكر بلده فيقول : صعيدي أو بحيري ومثله القشدة " القشطة " فيصح السلم فيها مع هذه البيانات
سابعا : أن يكون المسلم فيه معلوم القدر بأن يكون مما يكال أو يوزن أو يعد أو يذرع فإذا أسلم في حبوب فإن عليه أن يذكر قدرها ولا يجوز تعيين مكيال غير معروف القدر ككوز أو قصعة فلو عينه فسد السلم . ويصح السلم فيما يكال بالوزن وعكسه بخلاف ما تقدم في الربا فهنا يصح أن يسلم في الحنطة كيلا ووزنا إن كان ينضبط بالوزن . ومثل الحبوب : الجوز واللوز والفستق والبن فيصح السلم في ذلك كيلا ووزنا . أما المعدود المتفاوت الآحاد فإنه يصح فيه السلم وزنا كالبطيخ والقثاء ونحو ذلك مما هو أكبر من التمر فإنه لا يصح فيه الكيل فيصح أن يسلم فيه بالوزن
ومثل ذلك أيضا الخضر : كالملوخية والبامية والرجلة فإنه يضح فيها السلم وزنا . وكذلك الخشب والدريس والتبن فإنه يصح فيها السلم وزنا ويصح السلم في النقدين " الذهب والفضة " ولكن بالوزن فقط
فإذا جمع بين العدد والوزن فيها فإنه يفسد . ومثلها الجمع بين الوزن والعد فيما تفاوتت آحاده كالبطيخ فلا يصح أن يقول له : أسلمتك هذا الجنيه في مائة بطيخة زنة كل واحدة منها ثلاثة أرطال لأنه يحتاج مع ذلك إلى ذكر حجمها فيتعذر وجوده
ويصح السلم في الطوب بالعد والوزن معا كأن يقول له : أسلمت إليك جنيها في ألف طوبة زنة الواحدة منها رطلان لأن ذلك ليس بمتعذر إذ يمكن وضع قالب بهذا الوزن ومثل الطوب الخشب
ثامنا : أن يشترط في عقد السلم الخيار لأحد المتعاقدين أو لهما : لأنه لا يحتمل التأجيل في رأس المال فكيف يصح معه الخيار الذي يترتب عليه عدم الإلزام بقبض رأس المال ؟ ولكن يدخله خيار المجلس لعموم قوله صلى الله عليه و سلم : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وهذا الشرط متعلق بالعقد لا بالمسلم فيه )

(2/209)


مباحث الرهن

(2/210)


تعريفه

(2/211)


الرهن في اللغة معناه : الثبوت والدوام يقال ماء راهن : أي راكد . ونعمة راهنة : أي دائمة وقال بعضهم : إن معناه في اللغة الحبس لقوله تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } أي محبوسة بما قدمته ومن ذلك قوله عليه الصلاة و السلام : " نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه " فمعنى مرهونة : محبوسة في قبرها والمعنى الثاني لازم للمعنى الأول لأن الحبس يستلزم الثبوت بالمكان وعدم مفارقته أما في الشرع : فهو جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدين بحيث يمكن أخذ الدين أو أخذ بعضه من تلك العين ومعنى وثيقة : متوثق بها من وثق كظرف صار وثيقا والوثيق : المحكم فقد توثق الدين وصار محكما بهذه العين وخرج بقوله قيمة مالية في نظر الشرع : العين النجسة والمتنجسة لا يمكن إزالتها فإنها لا تصلح أن تكون وثيقة للدين ومثل ذلك ما إذا كانت طاهرة ولكنها لا تساوي شيئا ماليا على قياس ما تقدم في تعريف البيع

(2/212)


حكمه ودليله

(2/213)


أما حكمه فهو الجواز مثل البيع لأن كل ما جاز بيعه جاز رهنه إلا ما ستعرفه
وأما دليله فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع
أما الكتاب : فقد قال تعالى : { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } والرهان جمع رهن مثل حبل وحبال . ويجمع على رهن بضم الهاء ومعنى الآية : أن الله تعالى أمر من يتعاقد مع غيره ولم يجد كاتبا يوثق له فليرهن شيئا يعطيه لمن له الدين كي يطمئن الدائن على ماله ويحفظ المدين بما استدان به خوفا على ضياع ماله المرهون فلا يتسامح فيه ويبذر بدون حساب ولا خوف
وأما السنة : فلما روي في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه و سلم : " رهن درعه عند يهودي يقال له أبو الشحم على ثلاثين صاعا من شعير لأهله "
وفي هذا الحديث دلالة على ما كان عليه نبينا صلى الله عليه و سلم من الانصراف عن مظاهر الحياة الدنيا وزخارفها والزهد فيحطامها فرسول الله الذي كانت تهتز لذكره عروش القياصرة وكانت الأموال تجبى إليه كومات مكدسة يرهن ردعه من أجل التافه اليسير الذي تقتضيه ضرورة القوت ما ذاك إلا لأن نفسه الكريمة تأبى أن يكنز شيئا من المال ولو يسيرا فيقسم كل ما يأتي إليه بين الناس ولا يأخذ منه لا قليلا ولا كثيرا . ألا إنه لرسول الله حقا وصدقا . وفي الرهن عند اليهودي دلالة على جواز معاملة أهل الكتاب . وأما لإجماع : فقد أجتمع أئمة الدين على جواز الرهن بالشروط الآتية :

(2/214)


أركان الرهن

(2/215)


أما أركانه فهي ( الحنفية - قالوا : للرهن ركن واحد وهو الإيجاب والقبول لأنه هو حقيقة العقد وأما غيره فهو خارج عن ماهيته كما تقدم في البيع ) ثلاثة :
الأول : عاقد ويشمل الطرفين : وهو المالك والمرتهن وهو صاحب الدين الذي أخذ الرهن في نظير دينه
الثاني : معقود عليه ويشمل أمرين : العين المرهونة والدين المرهون به الثالث : الصيغة

(2/216)


شروط الرهن

(2/217)


يشترط لصحة عقد الرهن أمور منها : أن يكون الراهن والمرتهن ممن تحققت فيهما أهلية البيع فلا يصح عقد الرهن من مجنون وصبي غير مميز ومنها : غير ذلك على تفصيل مبين في المذاهب
( المالكية - قالوا : تنقسم شروط الرهن إلى أربعة أقسام : قسم يتعلق بالعاقدين الراهن والمرتهن . وقسم يتعلق بالمرهون وقسم يتعلق بالمرهون به وهو دين الرهن . وقسم يتعلق بالعقد فأما الأول : فهو كل من يقع بيعه صحيحا فكذلك يقع رهنه . وكل من يقع بيعه لازما فكذلك يقع رهنه فيشترط لصحة الرهن أن يكون الراهن مميزا فلا يصح من مجنون ولا من صبي غير مميز . أما الصبي المميز والسفيه ونحوهما فإن رهنهم يقع صحيحا ولكن لا يكون لازما إلا إذا أجازه الولي ويشترط أن يذكر ذلك في صلب عقد البيع أو القرض كأن يقول : بعتك هذه السلعة بثمن قدره كذا مؤجلا لمدة كذا برهن كذا أو أقرضتك مبلغ كذا إلى أجل كذا برهن كذا على أن هناك فرقا بين البيع وبين الرهن في حالة المرض فإن المريض إذا استدان وهو سليم فلا يصح أن يرهن في نظير الدين وهو مريض بخلاف البيع فإن له أن يقترض مالا وهو سليم ثم يبيع به عينا وهو مريض :
أما إذا استدان وهو مريض فله أن يرهن في نظير ذلك الدين وهو مريض كما أن له بيعه . ويشترط للزوم الرهن التكليف فلا يلزم من الصبي كما ذكر آنفا . والرشد فلا يلزم رهن السفيه إلا بإذن الولي ويتضح من هذا أنه يجوز للولي سواء كان أبا أو وصيا أو قاضيا أن يرهن مال المحجور عليه الذي له عليه ولاية بشرط أن يكون ذلك في مصلحة المحجور عليه . كأن يرهنه لكسوته أو لطعامه أو لتعليمه إذا لم يجد شيئا غير ذلك . أما إذا كان الرهن لمصلحة الولي فإنه يقع باطلا ولا يلزم الولي ونحوه بيان السبب في الرهن . أما البيع فإنه لا يصح له أن يبيع مال المحجور عليه إلا بعد أن يثبت أن ذلك فيه مصلحة للمحجور عليه عند الحاكم
وإذا كان للمحجور عليه وصيان فإنه لا يصح لأحدهما أن ينفرد برهن مال المحجور عليه بدون الاتحاد مع الآخر كما لا يصح له أن ينفرد ببيعه . وأما القسم الثاني وهو ما يتعلق بالمرهون : فهو أن ما يصح بيعه يصح رهنه وبالعكس . فلا يصح رهن النجس كجلد الميتة ولو بعد دبغه ولا رهن الخنزير ولا الكلب لأنه لا يجوز بيع ذلك . وكذلك الخمر سواء كانت ملكا لمسلم ورهنها عند مسلم أو ذمي أو كانت ملكا لذمي ورهنها عند مسلم . فإن رهنها فاسد على أي حال على أنه يستثنى من قاعدة كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه : الأشياء التي بها غرر كالثمرة التي لم تخلق والجنين الذي في بطن أمه والثمر قبل بدو صلاحه ونحو ذلك مما فيه غرر " أي خطر " بمعنى أن وجوده غير متحقق فقد يوجد لا يوجد فإنه لا يصح بيعه ولكن يصح رهنه
فأما الذي فيه غرر شديد كالجنين في بطن أمه والثمرة التي لم توجد ففيه خلاف فقيل : لا يجوز رهنه كما لا يجوز بيعه وقيل : يجوز رهنه ولو عدة سنين . ومحل الخلاف ما إذا اشترط الراهن في عقد البيع أو القرض كأن قال له : بعتك هذه السلعة بثمن إلى أجل بشرط أن ترهن لي الجنين الذي في بطن الناقة أو ثمر حديقتك سنتين قبل أن يخلق . ومثل ذلك ما إذا قال له : أقرضتك كذا الخ أما إذا لم يشترط الرهن في عقد البيع أو القرض . بل باع لأجل أو أقرضه لأجل ولم يشترط رهن الجنين فإنه يجوز له أن يرهنه بعد ذلك بلا خلاف
وأما الذي غرره غير شديد كالثمر قبل ظهور صلاحه فلا خلاف في جواز رهنه فإذا رهن الثمرة قبل بدو صلاحها فإنه ينتظر بدو صلاحها ثم يبيعها في الدين . وإذا مات الراهن أو أفلس قبل ظهور الصلاح وكان عليه دين لغير المرتهن وعنده مال آخر غير المرهون فإن للمرتهن أن يتشرك مع الغرماء بجميع دينه في المال الذي تركه غير المرهون لأن الدين متعلق بالذمة لا بالعين المرهونة وما دامت غير صالحة ووجد ما يفي لغيره من أرباب الديون فإن له الحق أن يسترك معهم في ذلك حتى إذا ظهر صلاح الثمرة بيعت واختص بثمنها إن وفى دينه ورد ما أخذه أولا وإن زاد رد الزيادة وإن نقص استوفى ماله والفرق بين حالة البيع وحالة الرهن : أن المالك له أن يقرض ماله أو بيعه لأجل بدون أن يرهن شيئا أصلا فيصح له أن يرهن شيئا محتمل الوجود والعدم لأنه خير من لا شيء على كل حال . ويشترط أن يكون الدين عينا فيصح رهن الدين بالدين سواء كان للمدين نفسه أو لغيره . ويشترط في رهن الدين للمدين : أن يكون أجل الدين الذي جعل رهنا أبعد من أجل الدين الذي هو سبب في الرهن أو مساويا له . فإن كان أقرب منه فإنه لا يصح . مثاله : أن يشتري شخص من آخر قمحا مثلا بمائة جنيه بثمن مؤجل إلى ثلاثة أشهر . أو كان للمشتري على البائع دين اقترضه منه أو اشترى به سلع ويحل دفعه بعد ثلاثة أشهر أو أربعة فإنه يصح أن يجعل الدين الذي له رهنا في الدين الذي عليه . أما إن كان الدين له وهو ما جعل رهنا أجله أقرب أو حل فإنه لا يصح جعله رهنا لأنه بعد حلول أجله يكون بقاؤه عند المدين سلفا في نظير بيعه القمح واجتماع بيع وسلف " باطل لما يجر إليه من الربا "
أما رهن الدين بغير المدين وهو ما إذا كان لزيد مائة جنيه على عمرو وكان لعمرو مائة على خالد فإنه يصح لعمرو أن يرهن ماله من الدين على خالد لزيد في دينه الذي عليه وذلك بأن يسلم عمرا وثيقة الدين على خالد حتى يقبضه دينه
ولا يشترط في صحة الرهن أن يكون المرهون مقبوضا كما لا يشترط القبض في انعقاده ولزومه فيصح الرهن وينعقد ويلزم وإن لم يقبض المرتهن المرهون بل يتحقق الرهن بالإيجاب والقبول فليس للراهن أن يرجع بعد ذلك وعلى المرتهن أن يطالب بالقبض
ولا يشترط أن يكون المرهون غير مشاع بل يصح رهن المشاع كما تصح هبته وبيعه ووقفه سواء كان عقارا أو عروض تجارة أو حيوانا فإذا كان لشخص دين على آخر فله أن يرهنه جزءا مشاعا من داره مقابل ذلك الدين ولو كانت الدار ملكا للراهن كما أن له أن يرهنه نصيبه المشاع في دار له شريك فيها إلا أنه إذا رهن جزءا شائعا من دار يملكها جميعها . فإن المرتهن يضع يده عليها كلها لأن الراهن لو وضع يده معه لكانت يده ممتدة إلى الجزء الشائع أيضا فيبطل الرهن لأن من شروط صحته أن لا يكون للراهن عليه يد
ولا يشترط أن يستأذن الراهن شريكه في رهن نصيبه إنما يندب له ذلك كما أن لشركيه الحق في أن يقسم ولكن بإذن الراهن وله أنيبيع بدون إذنه
ويصح رهن المستعار كأن يستعير شخص من آخر عينا ليرهنها في دين عليه فإن وفى المستعير دينه رجعت العين المستعارة لصاحبها وإلا بيعت في الدين المرهونة بسببه ورجع صاحبها وهو المعير بقيمة العين على الذي استعارها وتعتبر القيمة يوم إعارتها وإذا استعار سلعة على أن يرهنها في ثمن قمح فرهنها في ثمن لحم كان عليه ضمانها لتعديه بمخالفته لما وصفه لصاحبها وللمعير أن يأخذها من المرتهن وتبطل العارية
ويصح رهن الشيء المستأجر عنده من استأجره له قبل مضي مدة الإجارة فإذا استأجر دارا من شخص لمدة سنة ثم رهنها منه قبل مضي تلك المدة فإنه يصح ووضع يده عليها أولا يعتبر قبضا لها
ويصح رهن المكيل والموزون والمعدود بشرط أن يجعل في مكان مغلق عليه طابع " ختم " بحيث لو فتح مكانه يعرف فإذا لم يطبع عليه لا يصح رهنه خوفا من أن يجعل الدين الذي أخذه الراهن سلفا وأن السلعة التي رهنها هي رهن صوري وإنما هي فائدة للمدين فيكون ربا . وإذا وضع المكيل والموزون عند أمين : لا يشترط طبعه . وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بدين الرهن : فيشترط فيه أن يكون الدين لازما حالا أو مالا فيصح الرهن في الجعل وهو ما يجعله الإنسان لآخر في نظير عمل فإذا قال له : ابن لي هذه الدار بمائة فإنه يصح أن يرهنه في نظيرها عينا لأن المائة وإن لم تكن دينا لازما ابتداء ولكن مآلها إلى اللزوم / وخرج بالدين : الوديعة ونحوها مما ليس بدين فإنه لا يصح أن يرهن لمودع عنده عينا للمودع مقابل وديعته لأن الوديعة ليست دينا عنده
ويصح أن يبيع شخص شيئا لآخر بثمن مؤجل ثم يرهن في نظير ثمنه شيئا كما يصح للأجير أن يأخذ رهنا في أجر عمله الذي يشرع فيه لأنه دين لازم مآلا كالحداد والنجار والبناء . وكذلك يصح لمن يستأجر على عمل أن يأخذ رهنا من العامل الذي أعطاه أجره حتى يتمه له . ويصح أن يرهنه شيئا مقابل الوعد بإعطائه قرضا كأن يقول له : خذ هذا رهنا عندك في نظير ما أقترضه منك أو ما يقترضه منك فلان أو في نظير ما تبيعه لي أو تبيه لفلان فالرهن صحيح لازم لأنه ليس من شرط صحة الرهن أن يكون الدين ثابتا قبل الرهن ولكن لا يستمر لزومه إلا إذا حصل قرض أو بيع في المستقبل فإن لم يحصل كان للراهن أخذ رهنه . وأما القسم الرابع وهو ما يتعلق بالعقد : فهو أن يشترط شرطا منافيا لمقتضى العقد مثلا : عقد الرهن يقتضي أن المرهون يقبض من الراهن وأنه يباع إذا لم يوف الراهن الدين فإذا شرط الراهن أن لا يقبض منه وأن لا يباع في الدين الذي رهن فيه كان ذلك الشرط مناقضا لما يقتضيه عقد الرهن فيبطل
الحنفية - قالوا : تنقسم شروط الرهن إلى ثلاثة أقسام
- 1 - شرط انعقاد
- 2 - شرط صحة . ويسمى الجواز
- 3 - شرط لزوم . فأما القسم الأول وهو شرط الانعقاد : فهو أن يكون المرهون مالا وأن يكون المرهون به المقابل له وهو دين الرهن مضمونا فمثال ما ليس بمال : الميتة والدم ونحوهما من كل ما لا يعتبره الشرع مالا فلا يصح أن يكون شيء منه مرهونا : ومثال المرهون به غير المضمون : الأمانات . والوديعة . فإذا وضع شخص عند آخر أمانة فلا يصح أن يرهن بها عينا فإذا فعل ذلك وقع الرهن باطلا لأن الأمانة إذا هلكت عند الأمين بآفة سماوية فلا يضمنها ولا يلزم بشيء لصاحبها وإذا استهلكت بفعل فاعل لم تكن أمانة وإنما تكون مغصوبة وعلى كل حال فلا تصلح بعنوان كونها أمانة أن تكون سببا في الرهن . ومثل الأعيان غير المضمونة : الأعيان الشبيهة بالمضمونة وتسمى الأعيان المضمونة بغيرها كالمبيع قبل قبضه فإذا باع شخص لآخر سلعة ولم يقبضها المشتري فإنه لا يجوز للبائع أن يرهن للمشتري سلعة أخرى في مقابلها حتى يسلمها له فإذا فعل يقع الرهن باطلا لأن المبيع إذا هلك في يد البائع لا يكون مضمونا عليه بغير الثمن بمعنى أنه يرد الثمن على المشتري إن كان قد قبضه فإن لم يكن قد قبضه فإنه يسقط ولا شيء عليه . وبعضهم يقول : إن الرهن جائز وعليه الفتوى لأن المرهون مال والمبيع متقوم مضمون بالثمن فيصح أن يكون سببا في الرهن كالدين
أما الأعيان المضمونة بأنفسها فإنه يصح أن تكون مرهونا بها : وهي الأعيان التي لها مثل كالمكيلات والموزونات والمعدودات والأعيان التي ليس لها مثل ولكن لها قيمة كالحيوان والثوب لأنها إذا هلكت تكون مضمونة بمثلها إن كان لها مثل وبقيمتها إن لم يكن لها مثل
ومن ذلك تعلم أن الأعيان بالنسبة للضمان وغيره ثلاثة أقسام : مضمونة بأنفسها . وهي : المثلية والقيمية ومضمونة بغيرها وهي المضمونة بمثنها وليست مضمونة أصلا
فالمضمونة يصح أن تكون سببا في الرهن بلا خلاف . والشبيهة بالمضمونة فيها الخلاف الذي سمعته وغير المضمونة لا يصح أن تكون سببا في الرهن بلا خلاف . ومن المضمونة العين المغصوبة فإذا باع شخص لآخر عينا مغصوبة ورهن له شيئا في نظيرها حتى يستلمها فإن الرهن يصح لأنها إذا هلكت تكون مضمونة على الغاصب ومثلها العين التي جعلها مهرا أو بدلا عن خلع فإنه يصح أن يرهن شيئا في مقابلها حتى يستلمها صاحبها لأنها مضمونة
ومن الأعيان غير المضمونة : العين المأخوذة بالشفعة فإذا اشترى شخص عينا فطلبها من له حق الشفعة فإنه يجب في هذه الحالة تسليمها ولا يصح للمشتري أن يرهن بها للشفيع عينا حتى يسلمها له وإذا فعل يقع ذلك في الرهن باطلا لأن الرهن يكون قد وقع في مقالبل عين غير مضمونة لأن العين المبيعة ليست مضمونة على المشتري فإذا هلكت في يده قبل أن يستلمها الشفيع فلا شيء عليه
ومثل ذلك الكفالة بالنفس كما إذا كان لمحمد دين على خالد فكفل عمرو شخص خالد على أن يحضره لمحمد بعد سنة مثلا فإن لم يحضره يكون ملزما بالدين الذي عليه فلا يصح لعمرو في هذه الحالة أن يأخذ رهنا من المكفول وهو خالد في نظير هذه الكفالة لأنه لا يجب على خالد دين حتى يأخذ عمرو في نظيره رهنا . فإذا وقع يكون باطلا . وذلك لأن سبب الرهن وهو المرهون به إما أن يكون دينا حقيقة أو دينا حكما
والدين الحكمي : هو الأعيان المضمونة بأنفسها لأنها هي ليست نفس الدين وإنما الدين مثلها أو قيمتها لأنها إذا هلكت كان الواجب المثل في المثلي أو القيمة في القيمي فيصح أن تكون الأعيان المضمونة سببا للرهن كالدين الحقيقي
ولا يشترط في الدين أن يكون مقدما على الرهن بل يصح أن يرهن شيئا في مقابل دين يعده به فإذا وعده أن يقرضه ألفا على أن يرهنه داره فرهنها له على ذلك صح الرهن فإذا دفع له بعض ما وعده به وامتنع فإنه لا يجبر على دفع الباقي . وإذا هلك هذا الرهن في يد المرتهن كان مضمونا عليه بالدين إذا كان الدين مساويا للقيمة أو أقل . أما إذا كان الدين أكثر كان مضمونا بالقيمة . وكذلك يشترط في الدين أن يكون عينا فلا يصح رهن الدين ابتداء أما إذا رهن عينا فباعها المرتهن بإذنه فإن ثمنها يكون رهنا بدلها لأن الثمن وإن لم يكن عينا لكنه يرهنه ابتداء بل هو بدل عن القيمة المرهونة
هذا ويصح رهن الذهب والفضة . فإن رهن كل منهما بجنسه وهلك هلك بمثله وإن رهن بغير جنسه كالذهب بالفضة أو الحنطة وهلك هلك بقيمته
( يتبع . . . )

(2/218)


ويصح أن يجعل رأس السلم سببا في الرهن كما يصح أن يجعل المسلم فيه كذلك فإذا أسلم شخص مائة جنيه في مائة إردب من القمح يأخذها بعد سنة ولم يدفع الجنيهات ولكنه رهن في مقابلها داره فإنه يصح لأن الجنيهات دين حقيقي عند المسلم . وكذلك إذا رهن المسلم إليه للمسلم داره حتى يسلمه القمح فإنه يصح
وإذا اشترى شخص من آخر دارا ولكنه خشي أن تكون مملوكة لغيره أو لغيره فيها حق فأخذ منه رهنا على هذا الخوف فإن الرهن يقع باطلا ويسمى رهن الدرك لأن الخوف ليس مالا حتى أن يكون سببا للرهن . وأما القسم الثاني وهو شروط الصحة : فهي ثلاثة أنواع : النوع الأول : يتعلق بالعقد وهو شيئان : الأول : أن يكون معلقا على شرط لا يقتضيه العقد . الثاني : أن لا يكون مضافا إلى وقت كأن يقول : رهنتك هذا مدة شهرين أو ثلاثا
والنوع الثاني : يتعلق بالمرهون وهو أمور :
الأول : أن يكون المرهون متميزا فلا يصح رهن المشاع غير المميز سواء كان مشاعا يحتمل القسمة أو لا يحتملها وسواء رهنه من أجنبي أو من شريكه . فإذا كان لشخص دين على آخر وكان شريكا له في دار على الشيوع فإنه لا يصح أن يرهن منه نصيبه في الدار نظير دينه
الثاني : أن يكون المرهون في حياة المرتهن بعد قبضه فلا يصح رهن الثمر على الشجر بدون الشجر كما لا يصح رهن الزرع على الأرض بدون الأرض لأن الشجر المتعلق به الثمر لم يكن في حيازة المرتهن فكذلك الثمر المرهون ومثله الزرع الذي على الأرض إذ لا يمكن حيازة ثمر بدون شجر . ولا زرع بدون الأرض التي عليها . ومعنى في حيازة المرتهن أن لا يكون مجتمعا في يده
الثالث : أن يكون المرهون فارغا غير مشغول بحق الراهن فلا يصح رهن الشجر مع شغله بالثمر الذي هو حق الراه وكذلك لا يكون رهن دار مشغولة بمتاع للراهن ثم استلمها المرتهن قبل إخلائها
الرابع : أن لا يكون المرهون نجسا فلا يصح للمسلم أن يرهن الخمر من مسلم أو يرتهنها كما لا يصح أن يفعل ذلك مع ذمي . وإذا رهن الخمر عند ذمي فأهلكها الذمي فلا ضمان عليه . أما إذا رهنها ذمي عند مسلم فأراقها المسلم أو أضاعها فإن عليه ضمانها للذمي . ومع ذلك فقد قالوا : إن رهنها غير صحيح ومقتضى القاعدة المتقدمة في بيان الرهن الباطل وهي : أن لا يكون المرهون مالا يقتضي صحة رهن الذمي الخمر عند مسلم لأنها مال متقوم عند الذمي ومضمون على المسلم إذا أضاعه
الخامس : أن لا يكون من الأعيان المباحة التي لا يتعلق بها الملك كالأعشاب المباحة للرعي والصيد المباح فإن رهنها فاسد . أما كون الأعيان مملوكة للراهن فليس بشرط في الرهن . فإن للإنسان أن يرهن ملك غيره إذا كانت له عليه ولاية كما إذا رهن الولي مال المحجور عليه لصغر أو سفه أو نحوهما سواء كان أبا أو وصيا عليه فإن الرهن يكون صحيحا ولو كان ذلك لمصلحة الولي كأن يرهن الأرب مال ابنه الصغير في دين على الأب فإنه يصح فإذا هلك الرهن في يد المرتهن قبل أن يفك الأب الرهن ضمنه الأب بالأقل من قيمته ومما رهن به فإذا كانت قيمة المرهون ثلاثين جنيها ورهنه بدين مقداره خمسة وعشرون ضمنه بخمسة وعشرين وبالعكس
إذا بلغ المحجور عليه رشده والرهن باق في يد المرتهن فليس له أن يسترد إلا بقضاء الدين ولكن يؤمر الأب بقضاء الدين ورد المرهون على ولده . ولو قضى الولد دين أبيه وافتك المرهون لم يكن متبرعا ويرجع بجميع ما قضى على أبيه
ومثل الأب الوصي إلا أنه هلك المرهون في حالة ما إذا كان الراهن الوصي فإنه يضمنه بقيمته لا بالأقل للفرق الظاهر بين الأب وغيره لا لأن الأب له أن ينتفع بمال ابنه
وكذلك يصح له أن يرهن ملك غير المستعار بإذنه فإذا استعار شخص عينا من صديق أو قريب أو غيرهما ليرهنها في دين عليه فإنه يصح متى رضي له صاحبها بذلك ولا يشترط أن يبين له جنس الرهن ولا قدره ولا أمد أجله فإذا فعل شيئا من ذلك وجب عليه أن يتقيد به فإن خالف فللمعير أن يأخذ ما أعاره ويفسخ الرهن
وبالجملة : فكل ما يصح بيعه يصح رهنه إلا أمور : أهمها المشاع والمشغول بحق الراهن والمتصل بغيره كالزرع المتصل بالأرض وقد بينا ذلك
النوع الثالث يتعلق بالعاقدين : وهو العقل فلا يصح الرهن من المجنون والصبي غير المميز . أما الصبي المميز والسفيه اللذان يعرفان معنى المعاملة فإن تصرفهما في ذلك يكون صحيحا بإذن الولي فالبلوغ ليس شرطا في صحة الرهن ومثله الحرية
وحكم الرهن الفاسد : أنه يكون مضمونا بقبضه بخلاف الرهن الباطل فإنه لا يكون مضمونا
وأما القسم الثالث : وهو شرط اللزوم : فهو قبض المرهون فإذا حصل الإيجاب والقبول مع شرط الانعقاد انعقد الرهن صحيحا ولكنه لا يكون لازما إلا بالقبض فللراهن أن يرجع في رهنه قبل أن يسلم المرهون فهو نظير الهبة فإن للواهب الحق في الرجوع عن هبته قبل أن يقبضها الموهوب له . أما بعد قبضها فإنه ليس له الرجوع إلا برضا الموهوب له أو بالقضاء كما سيأتي في بابها إن شاء الله
وصحح بعضهم أن القبض شرط في الانعقاد فإذا لم يقبض المرهون كان العقد باطلا ولكن الأول أصح ومن شروط اللزوم أيضا : الرشد والتكليف
ويشترط في القبض إذن الراهن صريحا أو دلالة فالأول كأن يقول للمرتهن : أذنتك بقبض العين المرهونة أو رضيت بقبضها فيجوز للمرتهن بعد التصريح أن يقبضها في المجلس أو بعد الافتراق والثاني كأن يقبض المرتهن العين بحضرة الراهن فيسكت ولا ينهاه وبهذا يكون القبض صحيحا لأن سكوته يدل على الإذن بالقبض وإذا قبض المرهون مع الإخلال بشرط من الشروط السابقة كان القبض فاسدا فلا يلزم به العقد كما إذا كان المرهون مشغولا بحق الراهن أو كان مما لا يمكن حيازته وحده كالثمر على الشجر والزرع على الأرض أو كان مشاعا وكذلك إذا كان القابض غير عاقل فإن قبضه لا يصح فهذه شروط لصحة القبض أيضا كما أنها شروط لصحة الرهن
الشافعية - قالوا : تنقسم شروط الرهن إلى قسمين :
القسم الأول : شرط لزوم وهو قبض المرهون فإذا رهن دارا ولم يستلمها المرتهن لم يلزم العقد فيصح للراهن أن يرجع فيه
وإذا كانت العين المرهونة تحت يد المرتهن قبل العقد سواء كان ذلك بإجارة أو إعارة أو غصب أو غير ذلك فإنها تكون مقبوضة له بعد العقد إذا مضى زمن يمكن قبضها فيه ويشترط لصحة القبض إذن الراهن
القسم الثاني : شروط الصحة وهي أنواع :
النوع الأول يتعلق بالعقد : وهو أن لا يكون معلقا على شرط لا يقتضيه العقد عند حلول الدين فإن هذا يبطل الرهن أما إذا اشترط شرطا يقتضيه العقد كشرط تقدم المرتهن على غيره من الغرماء في الاختصاص بالعين المرهونة فإنه لا يضر
النوع الثاني يتعلق بالعاقدين الراهن والمرتهن : وهو أهلية العاقدين بأن يكون كل منهما بالغا عاقلا غير محجور عليه فلا يصح رهن الصبي والمجنون والسفيه مطلقا ولو بإذن الولي على أن يجوز للولي أن يتصرف في مال المحجور عليه بالرهن في حالتين :
الحالة الأولى : أن تكون ضرورة تدعوه إلى الرهن كاحتياجى المحجور عليه لطعام أو كسوة أو تعليم أو نحو ذلك بشرط أن لا يجد الولي وسيلة للإنفاق عليه سوى رهن ماله
الحالة الثانية : أن يكون في الرهن مصلحة مالية تعود على المحجور عليه كما إذا وجد عينا تباع وفي شرائها ربح للمحجور عليه ولم يجد مالا يشتريها به فيصح له أن يرهن ملكه ليشتري به هذه العين حرصا على فائدة المحجور عليه
النوع الثالث : يتعلق بالمرهون وهو أمور :
أولا : أن يكون للراهن ولاية على المرهون بأن كان ماله محجورا عليه وهو ليه أو وصيه أو كان مالا استعاره من شخص ليرهنه في دينه ويشترط في الاستعارة لذلك ثلاثة شروط :
أحدها : أن يبين المستعير لمن يريد أن يستعير منه جنس الدين وقدره وصفته كأن يقول له : إن دينه الذي يريد أن يرهنها فيه عشرون جنيها مصرية أو إنكليزية أو مائة ريال فضة مصرية أو غيرها
ثانيها : أن يبين له أجل الدين إن كان بعيدا أو قريبا
ثالثها : أن يذكر له المرتهن الذي يريد أن يرهنها عنده . وليس لصاحب العارية أن يرجع فيها بعد أن يقبضها وإذا تلفت العين المستعارة بعد ذلك فلا ضمان على الراهن ولا على المرتهن وعند حلول الأجل يطلب المرتهن دينه من المالك والراهن معا . وإذا بيعت العارية كان لصاحبها الثمن الذي بيعت له فقط وإن كان أقل من قيمتها
ثانيا : أن يكون المرهون عينا فلا يصح رهن سكنى الدار ونحوها من المنافع التي ليست عينا وكذلك لا يصح رهن الدين ابتداء فإذا كان لشخص مائة جنيه دينا على آخر وكان مدينا لغيره بمائة جنيه فإنه لا يصح أن يرهن المائة التي له في المائة التي عليه لأنها ليست عينا . نعم يصح رهن الدين دواما كما إذا رهن شخص عينا في دين عليه فأتلفها المرتهن وهي عنده فإنها في هذه الحالة تكون مضمونة على المرتهن إن كانت مثلية وبقيمتها إن كانت قيمية ويكون بدلها عنده مرهونا في مقابل دينه فيصح رهن الدين في هذه الحالة لأنه ليس دينا من أول الأمر بل هو في الأول رهن عين فلذا صح رهنه بعد أن ينقلب دينا
ثالثها : أن لا تكون العين سريعة الفساد والدين مؤجل إلى أمد بعيد بحيث يلحق العين الفساد قبل حلول الأجل سواء اشترط عدم بيعها أو لم يشترط شيئا
( يتبع . . . )

(2/219)


أما إذا اشترط بيعها قبل أن يلحقها الفساد أو كانت لا تفسد قبل حلول الأجل فإنه يصح رهنها ومثال ما لا يصح رهنه : أن يرهن لدائنه ثلجا في نظير دين يحل موعده بعد شهر وشرط أن لا يبيع الثلج أو لم يشترط شيئا فإن الرهن فاسد إلا إذا أمكن حفظ الثلج كل هذه المدة أما إذا رهن له ثلجا يمكن تجفيفه وحفظه فإنه يصح : وعلى الراهن نفقة تجفيفه
رابعا : أن تكون طاهرة فلا يصح رهن النجس على ما تقدم في البيع
خامسا : أن يكون منتفعا به انتفاعا شرعيا ولو في المستقبل كالحيوان الصغير فإنه يصح رهنه لكونه ينتفع به مستقبلا وغير ذلك من الشروط المذكورة في البيع فكل ما يصح بيعه يصح رهنه إلا المنفعة فإنه يصح بيعها ولا يصح رهنها فلا يصح أن يرهن منفعة حق المرور ولكن يصح بيعها كما تقدم
النوع الرابع : يتعلق بالمرهون به " سبب الرهن " وهو أربعة أمور :
الأول : أ يكون دينا فلا يصح الرهن بسبب غير الدين كالمغصوب والمستعار ونحوهما . فإذا باع أرضا مغصوبة فلا يصح أن يرهن داره بسببها . وكذلك إذا استعار دابة فإنه لا يصح أن يرهن ثوبا من أجلها لأنها ليست بدين لأن فائدة الرهن أن يؤخذ منه في نظير الدين والعين ما دامت موجودة فإن اللازم ردها بنفسها
الثاني : أن يكون الدين ثابتا فلا يصح الرهن قبل ثبوته كما إذا رهنه داره على أن يقرضه مائة جنيه أو يرهن ساعته في الأشياء التي يشتريها من حانوت الزيات ونحوه لأن الثمن لم يثبت قبل أن يأخذها
أما إذا اشترى بثمن مؤجل ورهن عينا مقابل الدين الذي لم يحل في عقد البيع فإنه جائز كأن يقول له : بعتك أرض كذا بمائة جنيه وارتهنت منك دارك في ثمنها فيقول المشتري : اشتريت ورهنت
الثالث : أن يكون الدين لازما في الحال أو في المآل فيصح الرهن بسبب الثمن في مدة الخيار فإذا باعه دارا بشرط الخيار واستلمها المشتري ولم يقبض البائع الثمن فإن له أن يأخذ رهنا مقابل ثمنها لأن الثمن وإن لم يكن دينا لازما في الحال ولكنه لازم مآلا
الشرط الرابع : أن يكون الدين معلوما عينا وقدرا وصفة فلا يصح الرهن مع جهل شيء من ذلك
الحنابلة - قالوا : تنقسم شروط الرهن إلى قسمين : شروط لزوم وشروط صحة فأما القسم الأول وهو شروط اللزوم : فهو قبضه المرهون فإذا قبض المرتهن لزم الرهن في حق الراهن فليس له الرجوع بعد ذلك . أما قبل القبض فإنه لا يلزم ويصح له أن يتصرف فيه كما يشاء حتى إن له أن يرهنه لشخص آخر ويكون ذلك إبطالا للرهن الأول . ولو أذن الراهن للمرتهن في قبضه ولكنه لم يقبضه فإنه يصح له أن يتصرف فيه أيضا . وكذلك لا يلزم في حق المرتهن مطلقا فله فسخه متى شاء لأنه هو الذي ينتفع به في حفظ دينه وحده فإن شاء أبقاه وإن شاء فسخه . والدليل على أنه لا يلزم إلا بعد القبض وقوله تعالى : { فرهان مقبوضة } فالقبض شرط في لزومه
ويشترط في صحة القبض : أن يأذن له الراهن فإن قبضه من غير إذنه لم يكن الرهن لازما وصفة قبضه كصفة قبض البيع فإن كان منقولا فيكون قبضه بنقله كالحلي أو تناوله كالنقدين وإن كان مكيلا فيكون قبضه بكيله أو موزونا فبوزنه أو معدودا فبعده أو مذروعا فبذرعه
أما إن كان غير منقول كعقار من أرض وبناء وشجر وثمر على شجر وزرع على أرض فإن كل ذلك يصح رهنه ويكون قبضه بالتخلية بينه وبين مرتهنه من غير حائل واستدامة القبض شرط في اللزوم فإن رد المرتهن المرهون للراهن بإجارة أو إعارة أو إيداع أو نحو ذلك زال لزومه وأصبح كأنه لم يكن مقبوضا فإن أعاده الراهن إلى المرتهن ثانيا باختياره عاد لزومه بالعقد السابق
أما إذا انتزع المرهون من يد المرتهن بغير اختياره كأن اغتصبه الراهن منه أو سرق منه فإن العقد يبقى على لزومه
وأما شروط الصحة فهي أربعة أنواع : نوع يتعلق بالعقد ونوع يتعلق بالمتعاقدين الراهن والمرتهن ونوع يتعلق بالمرهون ونوع يتعلق بالمرهون به
النوع الأول : ما يتعلق بالعقد وهو : أن لا يكون العقد معلقا بشرط لا يقتضيه العقد كما تقدم في البيع النوع الثاني : ما يتعلق بالعاقدين وهو : أن تتحقق الشروط السابقة في صحة بيعها فيصح الرهن ممن يصح منه البيع فلا يصح الرهن من سفيه ولا من مفلس ولا من مجنون غير مميز على التفصيل المتقدم في البيع
النوع الثالث : ما يتعلق بالمرهون وهو أمور : منها : أن تكون العين مملوكة للراهن بنفسها أو بمنافعها كأن يستأجر عينا من شخص ليرهنها في نظير دين عليه فإنه يصح ومثل ذلك ما إذا استعار من شخص عينا ليرهنها كذلك . ولا يشترط أن يبين المدين للمؤجر والمعير قدر الدين الذي يرهنهما به . إنما ينبغي بيانه وبيان المرتهن ومدة الرهن وجنس الرهن فإذا اشترط شيئا من ذلك وخالفه لم يصح الرهن
ومنها أن يكون المرهون عينا فيصح رهن كل عين يجوز بيعها أما إذا لم يكن عينا فإنه لا يصح رهنه كما لا يصح بيعه فلا يصح رهن المنافع فلو رهنه سكنى داره في نظير دين عليه فإنه لا يصح وكذلك لا يصح رهن العين النجسة وغير ذلك مما تقدم في شرائط البيع النوع الرابع : ما يتعلق بالمرهون به أعني سبب الرهن وكل دين واجب أو مآله إلى الوجوب كالثمن في مدة الخيار فإذا باع لشخص عينا على أن يكون لأحدهما الخيار فإنه يصح للبائع أن يأخذ رهنا بالثمن لأنه وإن لم يكن واجبا الآن ولكنه يجب بعد مضي مدة الخيار ومثل ذلك الأعيان المضمونة فإنه يصح أخذ الرهن عليها كالمغصوب فإذا باع أرضا مغصوبة لشخص فإنه يصح أن يرهنه داره ونحوها حتى يستلمها ومثلها العارية . فإذا استعار شخص من آخر شيئا فإنه يصح أن يرهنه عينا في نظير عاريته لأن الرهن بسبب هذه الأعيان يحمل الراهن على أدائها فإذا تعذر أداؤها يؤخذ بدلها من المرهون فأشبهت الدين الذي في الذمة ويصح أخذ الرهن على إجارة في الذمة " كما إذا أجر بنائين على بناء دار فإنه يصح أن يأخذ رهنا منهم في نظير عملهم حتى إذا لم يبنوا الدار فإن للمرتهن الحق في بيع المرهون ويستأجر منه من يعمله " وقريب من هذا : ما تأخذه المصالح من التأمينات التي يدفعها العمال حتى لا يهملوا في أدار أعمالهم "
ويصح رهن الأشياء التي تفسد بسرعة كالخضر والفواكهة الرطبة ونحو ذلك فإن كان تجفيفها ممكنا كالبلح والعنب فإن الراهن يلزم بتجفيفها وتبقى حتى يحل أجل الدين وإن لم يمكن تجفيفها وبقاؤها كالبطيخ والثلج فإن اشترط المرتهن بيعه فإنه يبيعه ويجعل ثمنه رهنا وإن لم يشترط بيعه ورضي الراهن ببيعه فذاك وإن لم يرض أمر الحاكم ببيعه وإذا شرط عدم بيعه في العقد بطل الشرط
ويصح رهن المشاع للشريط وللأجنبي فإذا كان شريكا لآخر في دار وله عليه دين فإن له أن يرهنه نصيبه في الدار مقابل دينه كما يصح أن يرهن نصيبه المشاع للأجنبي وكذلك يصح أن يرهن بعض نصيبه ثم إن كان المرهون مما لا ينقل كالعقار فإن قبضه يكون بأن يخلي الراهن بين المرهون وبين المرتهن وإن لم يحضر الشريك وإن كان مما ينقل فإن اتفق المرتهن وشريكه على أن يبقى في يد أحدهما فذاك وإلا جعله الحاكم في يد أمين وللحاكم أن يؤجره عليهما إذا كان في ذلك مصلحة ويصح رهن المبيع قبل قبضه إذا كان غير مكيل أو موزون أو معدود أو مذروع فإذا اشترى دارا ولم يستلمها فإن له رهنا لغير البائع كما يجوز رهنها للبائع ولو في ثمنها . لأن الثمن دين في ذمة المشتري والمبيع ملك له فيصح أن يرهنه )

(2/220)


مبحث الانتفاع بالمرهون

(2/221)


ثمرة المرهون وما ينتج منه سواء كان أرضا زراعية أو دارا يمكن استغلالها أو حيوانا هل تكون للراهن أو للمرتهن ؟ في ذلك تفصيل المذاهب
( المالكية - قالوا : ثمرة المرهون وما ينتج منه من حقوق الراهن فهي له ما لم يشترط المرتهن ذلك فإنها تكون له بثلاثة شروط :
الأول : أن يكون الدين بسبب البيع لا بسبب القرض . وذلك كما إذا باع شخص لآخر عقارا أو عروض تجارة أو غير ذلك بثمن مؤجل ثم ارتهن به عينا مقابل دينه
الشرط الثاني : أن يشترط المرتهن أن تكون المنفعة له فإن تطوع بها الراهن له لا يصح له أخذها
الشرط الثالث : أن تكون مدة المنفعة التي يشترطها معينة . فإذا كانت مجهولة فإنه لا يصح . فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة صح للمرتهن أن يستولي على منفعة المرهون ويأخذها له أما إذا كان بسبب القرض فإنه لا يصح له أن يأخذ المنفعة على أي حال سواء اشترطها أو لم يتشرطها أباحها له الراهن أو لم يبحها عين مدتها أو لم يعينها وذلك لأنه يكون قرضا جر نفعا للمقرض فيكون ربا حراما
ولا يلزم من كون المنفعة للراهن أن يتصرف في المرهون أو يكون المرهون تحت يده كلا فإن الرهن يكون تحت يد المرتهن ولكنه يعطي منفعته للراهن إذا لم يشترطها بالكيفية المتقدمة فإذا رهن دارا فإن المرتهن هو الذي يؤجرها ولكن يعطي أجرتها للراهن فإذا أذن المرتهن الراهن في إجارتها بطل الرهن ولو لم يؤجرها بالفعل
ومثل ذلك ما أذنه بالسكنى . أما إذا كان الرهن يمكن نقله كأدوات الفراش فإن مجرد الإذن بإجارتها لا يبطل الرهن بل لا بد في بطلانه من تأجيرها بالفعل : وكذلك إذا أذن الراهن المرتهن في بيع الرهن وسلمه له فإن الرهن يبطل بذلك ويبقى دينه بلا رهن
الشافعية - قالوا : الراهن هو صاحب الحق في منفعة المرهون على أن المرهون يكون تحت يد المرتهن ولا ترفع يده عنه إلا عند الانتفاع بالمرهون فترد العين المرهونة للراهن مدة الانتفاع إن لم يمكن استثمارها وهي تحت يد المرتهن ثم إذا لم يأتمن المرتهن الراهن على إعارة المرهون إليه يشهد عليه
ويجوز للراهن أن ينتفع بكل ما لا ينقص العين المرهونة كسكنى الدار وركوب الدابة بدون إذن المرتهن وإلى ذلك يشير الحديث الصحيح " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا "
وليس للراهن أن يبني على الأرض المرهونة أو يغرس فيها أشجارا فإذا فعل ذلك لم يلزم بهدم البناء ولا بقلع الأشجار قبل حلول الدين . أما بعد حلول الدين فإن كان البناء أو الشجر يضر بثمن الأرض فلا تفي بالدين فإنه يلزم بإزالته وإلا فلا . ولا يدخل الشجر ولا البناء في الرهن لأنه طرأ بعد العقد
أما التصرف الذي ينقص الذي ينقص قيمة المرهون فإنه لا يصح إلا بإذن المرتهن فلا يصح للراهن أن يؤجر المرهون بعد قبضه مدة تزيد على مدة الرهن . أما إذا كانت الإجارة تنتهي عند حلول الدين أو قبله فإنه يصح لأن ذلك لا يضر المرتهن . أما إذا أذن المرتهن فإنه يصح وللمرتهن الرجوع عن الإذن قبل أن يتصرف الراهن . وإذا رجع ولم يعلم الراهن برجوعه وتصرف بطل تصرفه
وإذا اشترط المرتهن أن تكون منفعة المرهون له في عقد الرهن فإن العقد يفسد على الراهن وقيل : إن الذي يفسد هو الشرط والعقد صحيح وعلى كل حل فلا يحل للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة إذا اشترطها في العقد . أما إذا أباح الراهن للمرتهن منفعة العين التي يريد رهنها قبل العقد فإنه يحل له الانتفاع بها بعد العقد كما إذا أعطاه مالا قبل عقد القرض بدون ذكر للقرض ثم عقد معه قرضا بعد ذلك فإنه يصح
ثم إن الزيادة التي تتعلق بالمرهون تنقسم إلى متصلة ومنفصلة فإن كانت منفصلة فلا تدخل في المرهون كالبيض والتمر والولد المنفصل
أما إذا رهن له دابة حاملا ولم تلد عند بيعها لسداد الرهن فإنها تباع بحملها ويكون الولد تابعا لأنه متصل وكذلك لو ولدت فإنه يباع تبعا على الصحيح . أما لو حملت بعد الرهن فإنه لا يكون داخلا في المرهون على الأظهر . ومثله الزيادة المتصلة كالسمن وكبر الدابة والشجر فإنه يدخل في المرهون تبعا
أما إذا أذنه في بيعه ولم يسلمه له وادعى أنه أذنه في بيعه لأن بيعه خير من بقائه فإنه يحلف على ذلك ويبقى ثمنه رهنا للآجل إن لم يأت الراهن برهن كالأول . وكذلك يبطل الرهن إذا أعار المرتهن الرهن للراهن أو لغير الراهن بإذنه إن لم يشترط رده إليه قبل مضي أجل الدين فإن اشترط ذلك فإن إعارة المرهون لا تبطل الرهن . ومثل الشرط العرف فغذا كان العرف جاريا على أن المستعير يرد العارية قبل مضي أجل الرهن فإنه لا يبطل بالإعارة
وكذلك يبطل الرهن بإعادته للراهن باختيار المرتهن فإذا تصرف فيه الراهن ببيع ونحوه صح تصرفه . أما إذا لم يتصرف فيه فإن للمرتهن أن يأخذه ثانيا بعد أن يحلف أنه جاهل بأن ذلك نقض للرهن
هذا واعلم أن الزيادة المتعلقة بالمرهون إن كانت منفصلة كاللبن والسمن والزبد وعسل النحل والبيض وأجرة الدار ونحوها فهي للراهن ولا تدخل في المرهون إلا بالشرط . وقد عرفت ما يصح للمرتهن الانتفاع به منها وما لا يصح وأما الزيادة المتصلة كالجنين في بطن الدابة سواء حملت به وقت الرهن أو بعده وفسيل النخل " وهو ولد النخلة الملتصق بها " فإنه يندرج في المرهون تبعا . أما الصوف على ظهر الغنم فإنه إذا كان تاما فإنه يندرج في المرهون لأن تركه على ظهرها بعد تمامه من غير جز دليل على أن المقصود رهنه مع الغنم أما إذا كان ناقصا لا يمكن جزه فإنه يكون كالزيادة المنفصلة فلا يتبع المرهون فللراهن جزه بعد تمامه
الحنفية - قالوا : لا يجوز للراهن أن ينتفع بالمرهون بأي وجه من الوجوه إلا بإذن المرتهن فلا يصح له أن يستخدم دابة ولا يسكن دارا ولا يؤجرها ولا يلبس ثوبا ولا يعير شيئا منها ما دامت مرهونة إلا بإذن المرتهن ولا فرق بين أن يكون استعمال المرهون منقصا لقيمته أو لا فإذا أذنه المرتهن فإنه يصح . على أن منافع المرهون وثمرته الناشئة منه من حقوق الراهن مما يتولد من المرهون كالولد والثمر واللبن والبيض والصوف والوبر ونحو ذلك فهو من حقوق الراهن . فإذا بقي إلى فكاك الدين حسب بقسط من الدين
أما إذا هلك قبل ذلك فلا يحتسب منه شيء بل يعتبر كأنه لم يكن . أما ما كان بدلا عن منفعة كأجرة الدابة المرهونة فإنه ليس من حقوق الراهن . أما المرتهن فإن في جواز انتفاعه بالمرهون بإذن الراهن خلافا : فبعضهم يقول : لا يحل الانتفاع بالمرهون ولو أذنه الراهن سواء كان سبب الدين بيعا أو قرضا لأنه يستوفي دينه كاملا . فتبقى له المنفعة زيادة بدون مقابل وهذا هو عين الربا ولكن الأكثر على أنه يجوز انتفاع المرتهن بالمرهون إذا أذنه الراهن بشرط أن لا يشترط ذلك في العقد لأنه إذا شرطه يكون قرضا جر نفعا وهو ربا . ونظير هذا : ما لو اقترض من شخص مالا ثم أهدى له هدية . فإن كانت الهدية مشروطة فإنها تكون مكروهة أما إذا كانت بدون شرطها فإنها جائزة له وإذا أذنه فليس له الرجوع . فإذا استعمل المرتهن المرهون بإذن الراهن وهلك أثناء استعماله فإنه يهلك أمانة فلا شيء على المرتهن ويبقى دينه . أما إذا هلك بعد استعماله أو قبله فإنه يهلك بالدين
وإذا تصرف الراهن في المرهون بالبيع بدون إذن المرتهن فإن بيعه لا ينفذ إلا إذا قضاه دينه . وإذا لم يجز المرتهن البيع فإنه لا يملك فسخ البيع بل يبقى موقوفا ويكون للمشتري الخيار بين أن يصبر إلى فكاك الرهن وبين أن يرفع الأمر للقاضي ليفسخ البيع وله حق الخيار سواء كان عالما بأن مرهون قبل أن يشتريه أو لا على الصحيح
وكذلك إذا باعه المرتهن بدون إذن الراهن فإن أجازه الراهن نفذ وإلا فلا وله أن يبطله ويعيده رهنا وهذا هو الصحيح . وبعضهم يقول : ينفذ بيع المرتهن بدون إذن الراهن فإذا أذن الراهن المرتهن في بيع المرهون يبقى ثمنه مرهونا بدله سواء قبض الثمن من المشتري أو لا لقيامه مقام العين والثمن وإن كان لا يصح رهنه ابتداء لأنه دين والدين لا يصح رهنه كما تقدم ولكنه لا يصح في هذه الحالة لأنه لم يرهن الدين ابتداء
وإذا رد المرتهن المرهون للراهن بإعارته له فإن عقد الرهن لا يبطل بذلك وإنما يبطل ضمان المرتهن لأنه ضامن للمرهون ما دام تحت يده فإذا رد للراهن وهلك عنده لا يكون المرتهن مسؤولا عنه فلا يسقط شيء من دينه بهلاكه
فإذا أعاده الراهن للمرتهن ثانيا عاد ضمانه عليه وللمرتهن أن يسترده إلى يده فإذا مات الراهن قبل رجوع المرهون للمرتهن كان المرتهن أحق به من سائر أرباب الديون الأخرى لأن عقد الرهن باق وتسمية رد المرهون للراهن إعارة فيها تسامح لأن الإعارة تمليك المنافع بلا عوض والمرتهن لم يملكها غيره ؟
ولكن لم يترتب على رد المرهون للراهن ما يترتب على الإعارة من عدم الضمان ومن جواز استردادها اشبه الإعارة فسمي إعارة . ومثل العارية في هذه الأحكام الوديعة إلا إذا أذن الراهن المرتهن في أن يودع المرهون إنسانا فإنه إذا هلك المرهون عند من أدع عنده فإنه يهلك بالدين ففيه فرق بين الوديعة والعارية في حالة ما إذا أودع عند أجنبي بإذن . وحاصل هذا المقام : أن جملة ما يقع من التصرفات في المرهون ستة :
أحدها : العارية
ثانيها : الوديعة وقد عرفت حكمها
ثالثها : الرهن وهو مبطل للرهن فغذا أذن الراهن للمرتهن في أن يرهن العين المرهونة لغيره ثانيا بطل عقد الرهن الأول وكذلك إذن المرتهن للراهن في ذلك
رابعها : الإجارة ولها حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون المستأجر هو الراهن كما إذا رهن محمد لخالد فدانا ثم استأجره محمد منه وحكم هذه الحالة : أن الإجارة تكون باطلة وأن المرهون يكون كالمستعار أو المودع فلا ضمان بهلاكه وللمرتهن أن يسترده متى أراد
الحالة الثانية : أن يكون المستأجر هو المرتهن وجدد استلام المرهون بالإجارة أو يكون المستأجر أجنبيا عنهما بإذنهما وفي هذه الحالة يبطل عقد الرهن وتكون الأجرة للراهن ويقبضها من باشر العقد منهما إذا كانت الإجارة منهما لأجنبي ولا يعود المرهون مرهونا إلا بعقد جديد
خامسها : البيع وقد عرفت حكمه
سادسها : الهبة وهي مثل البيع فإذا أذن الراهن للمرتهن في أن يهب المرهون بطل الرهن ولا يبطل بموت الراهن ولا المرتهن ولا بموتهما ويبقى المرهون عند الورثة على حاله
الحنابلة - قالوا : المرهون إما أن يكون حيوانا يركب ويحلب أو يكون غير حيوان فإن كان محلوبا أو مركوبا فللمرتهن أن ينتفع بركوبه ولبنه بغير إذن الراهن نظير الإنفاق عليه وعليه أن يتحرى العدل في ذلك
أما إن كان المرهون غير مركوب ومحلوب فإنه يجوز للمرتهن أن ينتفع بالمرهون بإذن الراهن مجانا بدون عوض ما لم يكن سبب الرهن قرضا فإنه لا يحل للمرتهن الانتفاع به ولو بإذن الراهن
وكذلك لا يصح للراهن أن يتصرف في المرهون بدون إذن المرتهن فلا يصح له أن يجعله وقفا أو يهبه لأحد أو يرهنه ثانيا أو يبيعه . كما لا يصح له أن ينتفع به بالسكنى والإجارة والإعارة وغير ذلك بغير رضا المرتهن . وكذلك لا يملك المرتهن شيئا من ذلك بغير رضا الراهن فإذا لم يتفقا تعطلت منافع المرهون فإن كان دارا أغلقت وإن كان أرضا تعطلت منفعتها حتى يفك الرهن فلا يصح أن ينفرد أحدهما بالتصرف
وما يتولد من المرهون سواء كان متصلا به أو منفصلا عنه كاللبن والبيض والصوف وما يسقط من الليف والسف والعراجين وما قطع من الشجر من حطب وأنقاض الدار كل ذلك يكون رهنا بيد المرتهن أو وكيله أو من اتفقا عليه فيباع مع الأصل إذا بيع فإن كان مما لا يمكن بقاؤه فإنه يباع ويجعل ثمنه رهنا كما تقدم
ويصح أن يأذن الراهن في بيع المرهون وهو على ثلاث صور :
الصورة الأولى : أن يأذنه قبل حلول الدين مع اشتراط جعل الثمن رهنا وفي هذه الحالة يصح البيع والشرط
والصورة الثانية : أن يأذنه في بيعه بعد حلول جزء من الدين وفي هذه الحالة يصح البيع ويأخذ من ثمنه قيمة ما حل من الدين ويبقى الباقي رهنا إن شرط ذلك
الصورة الثالثة : أن يأذنه بالبيع قبل حلول شيء من الدين بدون أن يشترط شيئا وفي هذه الحالة يبطل الرهن وينفذ البيع ويبقى دين المرتهن بلا وثيقة )

(2/222)


مباحث القرض

(2/223)


تعريفه

(2/224)


القرض بفتح القاف وقد تكسر وأصله في اللغة : القطع فسمي المال الذي تعطيه لغيرك ثم تتقاضاه منه قرضا لأنه قطعة من مالك . وأما الاستقراض : فهو طلب القرض يقال : استقرض منه : أي طلب منه القرض فأقرضه . وأما المقارضة والقراض - بكسر القاف - فهما بمعنى واحد وهو أن يعطي شخص لآخر مالا ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على ما شرطا وأما معنى القرض في اصطلاح الفقهاء فإن فيه تفصيلا في المذاهب
( المالكية - قالوا : معنى القرض في الاصطلاح هو أن يدفع شخص لآخر شيئا له قيمة مالية بمحض التفضل بحيث لا يقتضي ذلك الدفع جواز عارية لا تحل على أن يأخذ عوضا متعلقا بالذمة أصلا بشرط أن لا يكون ذلك العوض مخالفا لما دفعه . فقوله ما له قيمة مالية خرج به ما ليس كذلك كما إذا أعطاه قطعة نار ليوقد بها حطبه ونحو ذلك مما جرت العادة بأن يتبادله الناس من الأمور التافهة فإنه لا يكون قرضا لأنه ليس له قيمة مالية : وقوله بمحض التفضل معناه أن تكون منفعة القرض عائدة على المقترض فقط خرج به عقد الربا لأنه قرض في نظير منفعة تعود على المقرض . وخرج بقوله لا يقتضي إمكان عارية خرج به عقد العارية لأنه يجيز انتفاع المستعير بالعارية وهو لا يسمى قرضا . وقوله على أن يأخذ عوضه خرج به الهبة بلا عوض . وخرج بقوله بشرط أن لا يكون العوض مخالفا لما دفعه السلم والصرف فإن عقد السلم يقتضي أن يكون رأس مال السلم مخالفا للمسلم فيه
وكذلك الصرف فإن أحد البدلين مخالف للآخر . وقوله آجلا خرج به المبادلة المثلية كأن يأخذ منه إردب قمح ويعطيه مثله في الحال فإن هذا لا يسمى قرضا بل مبادلة ويصح القرض في كل ما يصج أن يسلم فيه سواء كان عرض تجارة أو حيوان أو مثلي
الحنفية - قالوا : القرض : هو ما تعطيه من مال مثلي لتتقاضى مثله فيشترط في القرض أن يكون مثليا : وحد المثلي : هو الذي لا تتفاوت آحاده تفاوتا تختلف به القيمة وذلك كالمكيلات والمعدودات المتقاربة كالبيض والجوز الشامي " عين الجمل " والموزونات أما ما ليس مثليا كالحيوان والحطب والعقار ونحوه مما يقدر بالقيمة فإنه لا يصح قرضه . ومثله المعدودات المتفاوتة تفاوتا به القيمة كالبطيخ والرمان ونحوهما مما تقدم في السلم فإنه لا يصح قرضه . فإذا اقترض شيئا من ذلك وقع القرض فاسدا ولكنه يملك بالقبض : مثلا : إذا اقترض جملا ثم قبضه فإنه يملكه ولكن لا يحل له لأت ينتفع به على أي وجه فإذا باعه فإن بيعه يقع صحيحا نظرا للملك ولكنه يأثم بذلك لأن الفاسد يجب فسخه والبيع مانع من الفسخ فقد فعل ما ينافي الواجب فيأثم بذلك
الشافعية - قالوا : القرض يطلق شرعا بمعنى الشيء المقرض بفتح الراء فهو اسم مفعول ومنه قوله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } فإن القرض هنا معناه القرض الموصوف بكونه حسنا . ويطلق على المصدر بمعنى الإقراض . ويسمى القرض سلفا . وهو : تمليك الشيء على أن يرد مثله فما جرت به العادة في زماننا من دفع " النقوط " في الأفراح لصاحب الفرح في يده أو يد من أذنه كأرباب الحرف يكون قرضا لأنه تمليك لمال على أن يرد مثله وقال بعضهم : إنه هبة لا يرد . وبعضهم يقول : ينظر للعادة في ذلك
الحنابلة - قالوا : القرض : دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله وهو نوع من السلف لانتفاع المقترض بالشيء الذي يقترضه وهو عقد لازم إذا قبضه المقترض فليس للمقرض الرجوع فيه لكونه أزال ملكه بعوض سيأخذه
أما المقترض فليس بلازم في حقه . فله أن يعدل عن القرض كما هو ظاهر )

(2/225)


أحكام تتعلق بالقرض

(2/226)


يتعلق بالقرض أحكام مفصلة في المذاهب
( الحنفية - قالوا : يتعلق بالقرض أحكام . منها : أنه مضمون بمثله فإذا اقترض مكيلا كقمح مثلا فإنه لا يلزم إلا برد مثل ما أخذه بقطع النظر عن غلائه ورخصه . وكذلك الحال فيما يعد أو يوزن فإذا اقترض فلوسا " قروشا رائجة " ثم بطلت المعاملة بها فإنه لا يلزم إلا برد مثلها . وكذلك إذا اقترض عشرين رطلا من اللحم وكان سعر الرطل خمسة قروش ثم نزل السعر إلى قرشين . فإنه لا يلزم إلا برد العشرين رطلا وذلك إذا اقترض خبزا فإنه لا يلزم إلا برد العدد الذي أخذه أو بوزنه الخبز يصح قرضه عدا ووزنا
ومنها : أن التوكيل يصح في القرض وفي قبضه كأن يقول شخص لآخر : أقرضني كذا . ثم يوكل عنه من يقبض له . أما الاستقرار وهو : طلب القرض فلا يصح التوكيل فيه فإذا وكل شخص آخر في أن يذهب إلى فلان ويستقرض له منه شيئا فإنه لا يكون وكيلا عنه في ذلك . فإذا استقرض المأمور على الأمر لأنه ليس وكيلا له . وتصح الرسالة في الاستقراض كأن يرسل رسولا إلى فلان ليستقرض له منه فإن ذهب الرسول وقال : فلان يستقرض منك كذا فأقرضه كان المال للآمر المرسل . أما إذا قال : أقرضني كذا وأضاف القرض لنفسه فأعطاه فإن المال يكون له وله أن يمنعه من المرسل . وقد تقدم شيء من ذلك في مباحث اليمين
ومنها : أن يكره أن يقرض شخص لآخر شيئا في نظير منفعة . ولكن محل ذلك إذا كانت المنفعة مشترطة في العقد كأن يقرضه مثلا عشرين إردبا من القمح " الغلت " على أن يأخذ مثلها نظيفا . أما إذا أقرضه شيئا رديئا فأعطاه جيدا بدون شرط فإنه لا كراهة فيه . ومثل ذلك : ما إذا أقرضه مالا يشتري منه سلعة بثمن غال . كما إذا كان عنده ثياب من الحرير أو القطن يساوي ثمن الواحد منها عشرة ثم جاءه رجل فاستقرض منه مائتين فأعطاه ببعض القرض ثيابا ثمن الثوب عشرون وكمل له الباقي نقودا . فإذا لم يكن ذلك مشروطا في العقد يجوز . وبعضهم يقول بكراهته . أما اذا كان مشروطا في العقد فإنه يكون مكروها ولا بأس أن يهدي من عليه القرض لمن اقترض منه . ولكن الأفضل التورع عن ذلك
ومن ذلك ما إذا طلب شخص من آخر أن يقرضه مالا فقال له : اشتر مني هذا الثوب بعشرين فاشتراه ثم باعه لشخص غير الذي اشتراه منه بعشرة وهذا باعه لصاحبه بالعشرة فأخذها وأعطاها للمشتري الأول فأخذها وبقي عليه دين العشرين ويسمى هذا بيع العينة بكسر العين فقال بعضهم : إنه جائز وقال بعضهم : إنه مكروه
ومنها : أنه لا يجوز أن يقرض الصبي المحجور عليه . فإذا أقرضه فأضاع الصبي ما أخذه فقد ضاع على صاحبه أما إذا كان الصبي غير محجور عليه بأن كان مأذونا بالتصرف فإنه يصح أن يقرضه لأنه يكون في حكم البالغ وبعضهم يقول : إن الصبي المحجور عليه إذا استهلك ما اقترضه يكون عليه ضمانه أما إذا هلك بنفسه فلا ضمان عليه اتفاقا . ومثل الصبي في ذلك المعتوه
الشافعية - قالوا : يتعلق بالقرض أحكام
أولا أركانه كأركان البيع فلا بد من أن يكون الشيء المقترض معلوم القدر وكذلك لا بد فيه من الإيجاب والقبول كالبيع والإيجاب تارة يكون صريحا وتارة يكون كناية فالصريح كأن يقول : أقرضتك هذا الشيء أو سلفتك . ومثله ما إذا قال : ملكت هذا الشيء بمثله . والكناية كأن يقول : خذ هذا الشيء بمثله أو على أن ترد بدله أو خذه ورد بدله أو اصرفه في حوائجك ورد بدله . ولا يلزم الإيجاب والقبول في القرض الحكمي وذلك كما إذا وجد دابة لقطة فأنفق عليها فإن الإنفاق عليها له حكم قرض صاحبها وهذا لا يشترط فيه القبول ولا الإيجاب
ثانيا : أنه يشترط في المقرض بكسر الراء أن يكون أهلا للتبرع فلا يصح للوالي أن يقرض مال المحجور الذي له عليه ولاية بلا ضرورة كأن يخاف الوالي على مال المحجور عليه من الضياع نهبا ونحو ذلك . ولكن للقاضي أن يقرض مال المحجور عليه بدون ضرورة إن كان المقترض أمينا موسرا . وكذلك يشترط أن يكون المقرض مختارا فلا يصح قرض المكره كسائر عقوده أما المقترض فإنه يشترط فيه أن يكون أهلا للمعاملة بأن يكون بالغا عاقلا غير محجور عليه
ثالثا : يشترط في الشيء المقرض أن يكون مما يصح فيه السلم إذا كان موصوفا في الذمة كأقرضتك جملي الموصوف بكذا إنما يشترط أن يقبضه المقترض حالا فلا يصح أن يؤخر قبضه زمناعلى أنه لا يشترط في المجلس بل يصح ولو تفرقا . أما المعين كهذا الجمل الحاضر فإنه لا يشترط فيه القبض حالا . لأنه أقوى من الموصوف في الذمة فيصح تأخير قبضه وقد عرفت في السلم أن المعين لا يصح فيه السلم ولكن يصح قرضه وخرج بقول مما يصح فيه السلم الخ الموصوف في الذمة التي لا يصح فيه السلم نحو الدابة الحامل فإنه لا يصح قرضها كما لا يصح أن تكون مسلما فيها . وإنما اشترط في القرض أن يكون الشيء المقرض مما يصح فيه السلم . لأن مالا يصح فيه السلم لا ينضبط أو يندر وجوده فيتعذر رد مثله . ويستثنى من ذلك الخبز فإنه لا يجوز السلم فيه ولكن يجوز إقراضه وزنا لعموم الحاجة إليه . وبعضهم يقول : يجوز إقراضه عدا أو وزنا وكذلك يستثنى قرض نصف عقار شائع كنصف دار فإنه لا يصح السلم فيه ولكن يصح إقراضه وذلك لأن المطلوب في القرض أن يكون للشيء المقرض بفتح الراء مثل يمكن رده للمقرض بكسر الراء ونصف الدار الشائع يقابله النصف الآخر وهو مثله تماما فيصح في هذه الحالة أن يرد المقترض من النصف الآخر للمقرض وهو مثل ما أقرضه تماما . وإنما لم يصح السلم فيه لأنه نادر الوجود وإذ لا يوجد له مثل إلا نصفه الثاني فلو نفذ يتعذر وجود مثل فلا يصح السلم لذلك . أما ثلثا العقار أو كل العقار فلا يصح قرضه كما لا يصح السلم فيه لعدم وجود المثل حينئذ : ولا يقال : إنه يصح أن يقرض ثلثي العقار أو كل العقار ويدفع بدله من عقار آخر إذ لا يلزم أن يرد في صورته ومعناه . بل يكفي في القرض أن يكون نظيره في عقار آخر لأن ذلك قد يترتب عليه نزاع فإن المقرض قد لا يرضى إلا برد مثله الصوري . ولا يقبل رد نظيره من عقار آخر وظاهر هذا أن المقرض إذا رضي بذلك ابتداء فإنه يصح
ومن ذلك يتضح أنه يجوز قرض ما له مثل وما له قيمة . فأما المثلي فإن على المقترض أن يرد مثله سواء كانت نقودا معدودة أو غيرها فلو اقترض نقودا وبطل العمل بها فلا يلزم إلا برد مثلها إذا كانت لها قيمة غير تافهة أما إذا كانت لها قيمة تافهة فإنه يلزم برد قيمتها باعتبار أقرب وقت بالنسبة لوقت المطالبة بها ومثلها الفلوس " القروش " من غير الذهب والفضة
وأما القيمي فإن على المقترض أن يرد مثله صورة كما إذا اقترض جملا فإن المطلوب أن يرد جملا مثله فلا يصح أن يرد فيه بقرة . نعم يصح أن يرده أحسن أو أكبر فإن النبي صلى الله عليه و سلم اقترض جملا وهو في السنة السادسة ورد مثله جملا في السنة السابعة
رابعا : يفسد القرض بشرط يجر منفعة للمقرض كرد زيادة في القدر أو الصفة كأن يقترض منه قمحا غير نظيف بشرط أن يرده له مغربلا نظيفا أو يقترض ورقا بشرط أن يرد ذهبا فلو رد زيادة بلا شرط فحسن لما في الحديث السابق . أما إذا شرط أنه لا يقرضه إلا برهن أو كفيل أو إشهاد فإنه لا يصح لأن هذا الشرط من مقتضى العقد كما تقدم . وحاصل ذلك : أن الشرط في القرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : أن يجر نفعا للمقرض وفي هذه الحالة يكون فاسدا مفسدا للعقد
الثاني : أن يجر نفعا للمقترض كأن يشترط المقترض أن يرد ردئيا وقد أخذ جيدا وفي هذه الحالة يكون الشرط فاسدا والعقد صحيح
الثالث : أن يكون للوثوق كطلب رهن وكفيل وهو صحيح نافذ ومحل ذلك كله إذا وقع الشرط في صلب العقد أما قبل العقد فلهما أن يشترطا ما يعجبهما ويتفقا عليه من غير ذكر في طلب العقد ولا يكون مفسدا ويصح أن نذكر هنا حيلة مخلصة من الربا وهي أنه إذا أراد أن يقترض شخص مالا من آخر فيصح للمقرض أن يبيعه سلعة بثمن زائد على قيمتها ثم يشتريها منه بأقل مما باعها ويعطيه الثمن فتحصل له الزيادة التي يريدها ولا تكون ربا . مثال ذلك : أن يبيعه مائة إردب من القمح بسعر الإردب جنيهين وهو يساوي جنيها ونصفا ثم يشتريها منه بقيمتها الحقيقية فتحصل له الزيادة وينجو من الربا
المالكية - قالوا : يتعلق بالقرض أحكام :
منها : أن كل ما يقبل جنسه السلم يصح قرضه كالمكيل والموزون والمعدود فإن جنس كل واحد منها يقبل السلم فالقمح مثلا يقبل السلم لكونه مكيلا واللحم كذلك وإن كان قد يمتنع فيه السلم أحيانا ولا يمتنع فيه القرض كما إذا كانت آلة الكيل أو الوزن مجهولة فإنه لا يصح فيه السلم ويصح فيه القرض مثلا : إذا أقرضه قمحا كاله له بصفيحة أو جردل أو قصعة على أن يرد له مثله بالصفيحة أو الجردل أو القصعة فإنه يصح
أما في السلم فإنه لا يصح إلا بآلة الكيل المعروفة بين الناس وآلة الوزن المعروفة بين الناس أيضا " كالكيلة والربع والقدح " والرطل والأوقية المعلومة
وكذلك يصح قرض الحيوان وعروض التجارة لأنه يصح السلم في جنسهما فيصح قرضهما كما تقدم
ومنها : أنه يحرم على المقرض أن يأخذ هدية من المقترض إلا إذا كانت له عادة بذلك من قبل أو طرأ ما يدعو للهدية كمصاهرة ونحوها أما الهدية لأجل الدين فهي تحرم ظاهرا وباطنا فإن كانت لمجرد التواد والتحابب فإنها تحل باطنا ولكن لا يقرها القاضي ظاهرا
وكذلك يحرم أن يشترط في القرض شرطا يجر منفعة كأن يشترط أن يأخذ سليما ويعطيه ضعيفا فلا يصح أن يقرضه بقرة لا تقوى على الحرث ثم يشترط أن يأخذ بدلها بقرة تقدر عليه أو يقرضه قمحا غلتا بشرط أن يأخذه نظيفا
ومنها : أن القرض يملكه المقترض بمجرد العقد كالصدقة والهبة والعارية فإذا قبضه المقترض فلا يخلو : إما أن يكون له أجل مضروب أو لا فإن كان له أجل مضروب فإنه يلزم برده عند حلول الأجل وإن لم ينتفع به انتفاع أمثاله عادة وإن لم يكن له أجل مضروب فلا يخلو : إما أن تكون العادة أن يرد مثل هذا القرض في وقت مخصوص كما إذا اقترض قمحا والعادة أن يرد مثله بعد حصاد القمح . وإما أن لا يكون في ذلك عادة فإن كانت في ذلك عادة فإنه يعمل بها كما يعمل بانقضاء الأجل . فيلزم بالرد في الوقت الذي جرت به العادة وإن لم تكن فيه عادة فإنه لا يلزم برده إلا إذا انتفع به الانتفاع الذي جرت به عادة أمثاله
ويجوز للمقرض أن يرد مثل الذي اقترضه وأن يرد عينه . سواء كان مثليا أو غير مثلي بشرط أن لا يتغير بزيادة أو نقص . فإن تغير وجب رد مثله
أولا : إنه يصح القرض في كل عين يجوز بيعها من مكيل وموزون ومذروع ومعدود ونحوه واختلف في قرض المنافع كأن يحصد معه يوما وهو يحصد معه يوما آخر فأجازه بعضهم ومنعه الآخرون
ثانيا : يشترط في الشيء المقترض " بفتح الراء " أن يكون قدره معروفا فإن كان مكيلا فيلزم أن يعرف بمكيال معلوم بين الناس " كالكيلة والربع " ونحوهما
وكذلك إن كان موزونا فينبغي أن تبين آلة الوزن المعروفة كالرطل والأوقية ونحوهما فلا يصح القرض إذا كانت آلة الكيل أو الوزن مجهولة كالصفيحة والجردل . فإذا أقرضه قمحا كاله له بجردل أو قصعة فإنه لا يصح كالسلم
ومثل ذلك آلة الوزن والذرع . فلا بد أن تكون معروفة بين الناس كالمتر والياردة ونحو ذلك
وكذلك يشترط معرفة وصفه بأن يقرضه جنيهات مصرية أو انكليزية . أو يقرضه قمحا هنديا أو بلديا أو نحو ذلك
ثالثا : يشترط في المقترض بكسر الراء أن يكون أهلا للتبرع فلا يصح قرض الصبي والمجنون ونحوهما
رابعا : عقد القرض يلزم بقبضه سواء كان الشيء المقرض " بفتح الراء " مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا أو غير ذلك وللمقترض أن يشتري بالمال الذي اقترضه من مقرضه . فإذا اقترض محمد من علي مائة جنيه فله أن يشتري بها دار أو نحوها من علي ولا يملك رب المال أن يسترده ممن اقترضه بعد قبضه إلا إذا أفلس المقترض وحجر عليه بالفلس قبل أن يأخذ المقترض شيئا منه بدل القرض فإنه يصح له أن يسترده في هذه الحالة
خامسا : إن كان الشيء المقترض مثليا والمثلي هو : المكيل والموزون الذي لم تتعلق به صناعة مباحة فإن المقترض يلزم برد مثله . ولا يلزم برد عين ما اقترضه لأنه بالقرض يملكها ملكا تاما بالقبض فله أن يستهلكها كما يشاء فإذا رده بعينه فإن المقترض يلزم بقبوله إلا إذا طرأ عليه عيب كما إذا اقترض قمحا فأقبل أو تعفن أو نحو ذلك فإنه لا يلزم بقبوله حينئذ
أما إذا كان القرض غير مثلي فإن المقترض يلزم برد قيمته فلو رده بعينه لصاحبه فإنه لا يلزم بقبوله لأن الذي وجب له بالقرض قيمته فلا يلزم الاعتياض عنها ويجب رد المثل في المثلي سواء زادت قيمته عن يوم قرضه أو نقصت فإذا اقترض قمحا في وقت كان سعر الإردب فيه جنيهين ثم نزلت قيمته عند حلول الدين فأصبحت جنيها واحدا فإنه لا يكلف إلا رده فقط بدون نظر إلى قيمته
وإذا اقترض مثليا مما يكال أو يوزن ثم تعذر وجوده فإنه يلزم برد قيمته من يوم أن انقطع وجوده . أما ما سوى المكيل والموزون فإنه يلزم برد قيمته وإذا اقترض خبزا عددا بلا شرط زيادة ولا قصد فإنه يجوز
سادسا : لا يجوز أن يشترط في عقد القرض شرطا يجر منفعة للمقرض كأن يشترط المقرض على المقرض أن يسكنه دارا مجانا أو رخيصا أو يعطيه خيرا مما أخذه منه أو يهدي إليه هدية أو نحو ذلك وكذلك لا يجوز أن يشترط المقترض أن يعطي أقل مما أخذ . أما اشتراط ما به التوثيق كأن يقول : اقرضك بشرط أن ترهنني كذا أو تأتيني بضمان فإنه يصح وينفذ )

(2/227)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية