صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الفقه على المذاهب الأربعة - الجزيري ]
الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف : عبد الرحمن الجزيري
(الصفحات مرقمة آليا)

زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم

(1/1099)


لا ريب في أن زيارة قبر المصطفى عليه الصلاة و السلام من أعظم القرب وأجلها شأنا فإن بقعة ضمت خير الرسل وأكرمهم عند الله لها شأن خاص ومزية يعجز القلم عن وصفها على أن الغرض الصحيح من زيارة القبور هو تذكر الآخرة كما ورد في الحديث الصحيح الذي نص على الإذن في زيارة القبور للموعظة الحسنة وتذكر الآخرة فمتى كانت الزيارة لغرض صحيح يقره صاحب الشريعة كانت ممدوحة من جميع الجهات ومما لا خفاء فيه أن زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه و سلم تفعل في نفوس أولي الألباب أكثر مما تفعله أي عبادة أخرى فالذي يقف على قبر المصطفى ذاكرا ما لاقاه صلى الله عليه و سلم في سبيل الدعوة إلى الله وإخراج الناس من ظلمات الشرك إلى نور الهداية وما بثه من مكارم الأخلاق في العالم أجمع وما محاه من فساد عام شامل وما جاء به من شريعة مبنية على جلب المصالح للمجتمع الإنساني ودرء المفاسد عنه لا بد أن يمتلئ قلبه حبا لذلك الرسول الذي جاهد في الله حق جهاده ولا بد أن يحبب إليه العمل بكل ما جاء به ولا بد أن يستحي من معصية الله ورسوله وذلك هو الفوز العظيم
إن زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه و سلم ومشاهدة مهبط الوحي وزيارة العاملين المخلصين في الذود عن الدين الله تعالى الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم في سبيل الله وحده بدون أن تؤثر عليهم لذة ملك أو تستولي على أنفسهم شهوة من متاع الحياة الدنيا وزينتها بل خرجوا من أموالهم الكثيرة ولذاتهم التي لا حد لها إلى الكفاح والنضال في سبيل الله ومن أجل الله فنصروا دين الله - لهي جديرة بأن تكون من أجل القرب لما تحدثه في أنفس الزائرين من عظات بليغة تحملهم على القدوة بهؤلاء في أعمالهم وأقوالهم ولو أن المسلمين استمسكوا حقا بما استمسك به سكان هؤلاء القبور الذين هزموا الفرس والرومان إبان قوتهم مع أن قوة المسلمين المادية يومئذ لا تكاد تذكر بجانب قوة أعدائهم لكان لهم شأن آخر ولما تغلب عليهم أحد فزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه و سلم وزيارة أصحابه العاملين من أجل القرب وأشدها تأثيرا على نفوس العاملين المخلصين الذين يعبدون الله وحده ويأتمرون بما أمرهم به رسوله وينتهون عما نهاهم عنه وأولئك هم الفائزون
فإذا لم يكن في زيارة قبر المصطفى سوى هذه الموعظة الحسنة وهذا الأثر الجليل لكفى في كونها من أجل الأعمال الصالحة التي يحث عليها الدين الحنيف وكيف يسكن قلب المؤمن المسلم الذي يستطيع أن يحج البيت ويستطيع أن يزور المصطفى صلى الله عليه و سلم ولا يبادر إلى هذا العمل ؟ كيف يرضى المؤمن القادر أن يكون بمكة قريبا من المدينة مهبط الوحي ولا تهتز نفسه شوقا إلى زيارتها : وزيارة المصطفى صلى الله عليه و سلم ؟ على أن على دعوة سيدنا إبراهيم صلوات الله عليه متحققة في أهل المدينة أيضا فإن الله تعالى حكي عنه { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } فأهل المدينة أيضا وهي البلدة التي نشأ منها عز الإسلام . وعلى أهلها من الأنصار ومن هاجر إليها من المؤمنين المخلصين قيام الدين الحنيف في حاجة إلى من يزورهم ويتبادل معهم المنافع فعمرانها والإحسا إلى أهلها وتبادل المنافع فيها من أقدس الأمور وأظمها شأنا وما كان لقادر أن يصل إلى مكة ولا يزور المدينة ويستمتع بمشاهدة أماكن مهبط الوحي ومنبع الدين الحنيف : أما ورد من الأحاديث في زيارتها فسواء كان سنده صحيحا أو لا فإنه في الواقع لا حاجة إليه بعد ما بينا من فوائد زيارتها ومحاسنها التي يقرها الدين وتحث عليها قواعده العامة
هذا وقد بين الفقهاء آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم وزيارة المساجد الأخرى على الوجه الآتي : قالوا : إذا توجه لزيارة المصطفى صلى الله عليه و سلم يكثر من الصلاة والسلام عليه مدة الطريق ويصلي في طريقه من مكة إلى المدينة في المساجد التي يمر بها وهي عشرون مسجدا متى أمكنه ذلك وإذا عاين حيطان المدينة يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم ويقول : اللهم هذا حرم نبيك فاجعله وقاية لي من النار وأمانا من العذاب وسوء الحساب ويغتسل قبل الدخول وبعده إن أمكنه ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويدخلها متواضعا عليه السكينة والوقار وإذا دخل المدينة يقول : اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الرياح وما ذرين أسألكخير هذه البلدة وخير أهلها وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر أهلها اللهم هذا حرم رسولك فاجعل دخولي فيه وقاية لي من النار وأمانا من العذاب وسوء الحساب وإذا دخل المسجد فعل ما يفعله في سائر المساجد من تقديم رجله اليمنى ويقول : اللهم اجعلني اليوم من أوجه من توجه إليك وأقرب من تقرب إليك وأنجح من أعال وابتغى مرضاتك ويصلي عند منبره ركعتين ويقف بحيث يكون عمود المنبر بحذاء منكبه الأيمن وهو موقفه عليه السلام وهو بين القبر الشريف والمنبر ثم يسجد شكرا لله تعالى على ما وفقه ويدعوه بما يحب ثم ينهض فيتوجه إلى قبره صلى الله عليه و سلم فيقف عند رأسه الشريف مستقبل القبلة ثم يدنو منه ثلاثة أذرع أو أربعة ولا يدنو أكثر من ذلك ولا يضع يده على جدار التربة ويقف كما يقف في الصلاة ويمثل صورته الكريمة البهية كأنه نائم في لحده عالم به يسمع كلامه ثم يقول :
السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته أشهد أنك رسول الله فقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في أمر الله حتى قبض الله روحك حميدا محمودا فجزاك الله عن صغيرنا وكبيرنا خير الجزاء وصلى عليك أفضل الصلاة وأزكاها وأتم التحية وأنماها اللهم اجعل نبينا يوم القيامة أقرب النبيين واسقنا من كأسه وارزقنا من شفاعته واجعلنا من رفقائه يوم القيامة اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بقبر نبينا عليه السلام وارزقنا العود إليه يا ذا الجلال والإكرام ولا يرفع صوته ولا يخفضه كثيرا ويبلغه سلام من أوصاه فيقول : السلام عليك يا رسول الله من فلان ابن فلان يتشفع بك إلى ربك فاشفع له ولجميع المسلمين ثم يقف عند وجهه مستدبرا القبلة ويصلي عليه ما شاء ويتحول قدر ذراع حتى يحاذي رأس الصديق رضي الله عنه ويقول : السلام عليك يا خليفة رسول الله السلام عليك يا صاحب رسول الله في الغار السلام عليك يا رفيقه في الأسفار السلام عليك يا أمينة في الأسرار جزاك الله عنا أفضل ما جزى إماما عن أمه نبيه ولقد خلفته بأحسن خلف وسلكت طريقه ومنهاجه خير مسلك وقاتلت أهل الردة والبدع ومهدت الإسلام ووصلت الأرحام ولم تزل قائما للحق ناصرا لأهله حتى أتاك اليقين السلام عليك ورحمة الله وبركاته اللهم أمتنا على حبه ولا تخيب سعينا في زيارته برحمتك يا كريم ثم يتحول حتى يحاذي قبر عمر رضي الله عنه . ويقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا مظهر الإسلام السلام عليك يا مكسر الأصنام . جزاك الله عنا أفضل الأيتام . ووصلت الأرحام . وقوي بك الإسلام . وكنت للمسلمين إماما مرضيا . وهاديا مهديا . جمعت من شملهم . وأغنيت فقيرهم . وجبرت كسرهم . السلام عليك ورحمة الله وبركاته . ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول : السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله . ورفيقيه . ووزيريه . ومشيريه والمعاونين له على القيام في الدين . القائمين بعده بمصالح المسلمين جزاكم الله أحسن الجزاء
ثم يدعو لنفسه ووالديه ولمن أوصاه بالدعاء ولجميع المسلمين . ثم يقف عند رأسه الشريف كالأول : ويقول اللهم إنك قلت وقولك الحق : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } . وقد جئناك سامعين قولك . طائعين أمرك . متشفعين بنبيك " ربنا اغفر لا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان . ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا . ربنا إنك رؤوف رحيم " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين . والحمد لله رب العالمين ويدعو بما يحضره من الدعاء ثم يأتي أسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه فيها حتى تاب الله عله وهي بين القبر والمنبر . فيصلي ركعتين . ويتوب إلى الله . ويدعو بما شاء . ثم يأتي الروضة . وهي كالحوض المربع . فيصلي فيها ما تيسر له ويدعو ويكثر من التسبيح والثناء على الله تعالى والاستغفار . ثم يأتي المنبر فيضع يده على الرمانة التي كان صلى الله عليه و سلم يضع يده عليها إذا خطب . لتناله بركة الرسول . فيصلي عليه . ويدعو بما شاء . ويتعوذ برحمته من سخطه وغضبه . ثم يأتي الأسطوانة الخنانة وهي التي فيها بقية الجذع الذي حن إلى النبي صلى الله عليه و سلم حين تركه وخطب على المنبر . ويستحب بعد زيارته عليه السلام أن يخرج إلى البقيع . ويأتي المشاهد والمزارات فيزور العباس ومعه الحسن بن علي . وزين العابدين . وابنه محمد الباقر . وابنه جعفر الصادق . ويزور أمير المؤمنين سيدنا عثمان وقبر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه و سلم . وجماعة من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم وعمته صفية وكثيرا من الصحابة والتابعين . خصوصا سيدنا مالكا وسيدنا نافعا . ويستحب أن يزور شهداء أحد يوم الخميس خصوصا قبر سيد الشهداء سيدنا الحمزة ويقول : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لا حقون . ويقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص ويستحب أن يأتي مسجد قباء يوم السبت ويدعو بقوله : يا صريخ المستصرخين ويا غياث المستغيثين يا مفرج كرب المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين صل على محمد وآل واكشف كربي وحزني كما كشفت عن رسولك كربه وحزنه في هذا المقام يا حنان يا منان يا كثير المعروف ويا دائم الإحسان يا أرحم الراحمين ويستحب له أن يصلي الصلاة كلها في مسجد النبي صلى الله عليه و سلم ما دام في المدينة وإذا أراد الرجوع إلى بلده استحب له أن يودع المسجد بركعتين ويدعو بما أحب ويأتي قبر رسول الله صلى الله عليه و سلم ويدعو بما شاء والله مجيب الدعاء

(1/1100)


مباحث الأضحية

(1/1101)


تعريفها

(1/1102)


الأضحية - بضم الهمزة وكسرها مع تخفيف الياء - وهي اسم لما يذبح أو ينحر من النعم تقربا إلى الله تعالى في أيام النحر سواء كان المكلف بها قائما بأعمال الحج أو لا باتفاق ثلاثة وخالف المالكية فقالوا : إنها لا تطلب من الحاج

(1/1103)


دليلها

(1/1104)


شرعت في السنة الثانية عن الهجرة : كالعيدين وزكاة المال وزكاة الفطر وثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى : { فصل لربك وانحر } وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : " ضحى النبي صلى الله عليه و سلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما " والأملح : الأبيض الخالص وقيل : الذي بياضه أكثر من سواده والأقرن : الذي له قرنان معتدلان وغير ذلك من الأحاديث وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها

(1/1105)


حكمها

(1/1106)


أما حكمها فهو السنية فالأضحية سنة عين مؤكدة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها وهذا القدر متفق عليه في الحقيقة ولكن الحنفية قالوا : إنها سنة عين مؤكدة لا يعذب تاركها بالنار ولكن يحرم من شفاعة النبي صلى الله عليه و سلم ويعبرون عن ذلك بالواجب وقال الشافعية : إنها سنة عين للمنفرد لا لأهل البيت الواحد كما هو موضح في مذهبهم تحت الخط ( الشافعية قالوا : هي سنة عين للمنفرد وسنة كفاية لأهل بيت واحد أو بيوت متعددة تلزم نفقتهم شخصا واحدا بمعنى أنه إذا فعلها من تلزمه نفقتهم سقط الطلب عنهم فلا ينافي أنها تسن لكل منهم )

(1/1107)


شروطها

(1/1108)


تنقسم شروط الأضحية إلى قسمين : شروط سنيتها وشروط صحتها فأما شروط سنيتها فمنها القدرة عليها فلا تسن للعاجز عنها وفي حد القدرة تفصيل المذاهب مذكور تحت الخط ( الحنفية قالوا : القادر عليها هو الذي يملك مائتي درهم وقد تقدم بيانها في " الزكاة " أو يملك عرضا يساوي مائة درهم يزيد عن مسكنه وثياب اللبس والمتاع الذي يحتاجه وإذا كان له عقار يستغله تلزمه الأضحية إذا دخل منه قوت عامه وزاد معه النصاب المذكور وقيل : تلزمه إذا دخل له منه قوت شهر وإن كان العقار وقفا تلزمه الأضحية إن دخل له منه قيمة النصاب وقتها
الحنابلة قالوا : القادر عليها هو الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدين إذا كان يقدر على وفاء دينه
المالكية قالوا : القادر عليها الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه فإذا احتاج إلى ثمنها في عامه فلا تسن وإذا استطاع أن يستدين استدان وقيل : لا يستدين
الشافعية قالوا : القادر عليها هو الذي يملك ثمنها زائدا عن حاجته وحاجة من يعول يوم العيد وأيام التشريق ومن الحاجة ما جرت به العادة من كعك وسمك وفطير ونقل ونحو ذلك
الحنفية قالوا : زادوا في الشروط أن يكون مقيما فلا تجب على المسافر وإن تطوع بها أجزأته وإذا اشترى شاة ليضحي بها ثم سافر قبل حلول وقتها فإنه يبيعها ولا تجب عليه الأضحية وكذا لو سافر بعد دخول الوقت قبل أن يذبح فإن الأضحية لا تجب عليه وتجب على الحاج إن لم يكن مسافرا بأن كان من أهل مكة ) ومنها الحرية فلا تسن للعبد وزاد المالكية في شروط سنيتها أن لا يكون حاجا ولو كان من أهل مكة كما تقدم أما المسافر لغير الحج فتسن له أما البلوغ فليس شرطا لسنيتها فتسن للصبي القادر عليها ويضحي عنه وليه ولو كان الصبي يتيما عند المالكية والحنابلة أما الحنفية والشافعية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الحنفية قالوا : البلوغ ليس شرطا لوجوبها فتجب على الصبي عندهما ويضحي وليه من مال الصبي إن كان له مال فلا يضحي الأب عن ولده الصغير . وعند محمد شرط فلا تجب الأضحية في مال الصبي وهل تجب على الأب أو لا ؟ قولان مصححان ومثل الصغير المجنون
الشافعية قالوا : لا تسن للصغير فالبلوغ شرط لسنيتها وكذلك العقل )
وأما شروط صحتها فمنها السلامة من العيوب فلا تصح إذا كان فيها عيب من العيوب المفصلة في المذاهب . فانظرها تحت الخط ( الحنفية قالوا : لا تصح الأضحية بالعمياء ولا بالعوراء . وهي المهزولة التي لا مخ في عظامها : ولا بالعرجاء التي لا تستطيع المشي إلى المذبح : أما العرجاء التي تمشي بثلاث قوائم وتضع الرابعة لتستعين بها على المشي . فإنها تجزئ وكذا لا تصح بمقطوعة الأذن . أو الذنب . أو الألية إذا ذهب أكثر من ثلثها أما إذا بقي ثلثاها وذهب ثلثها فإنها تصح . وكذا لا تصح بالهتماء إلا إذا بقي أكثر أسنانها . ولا تصح بالسكاء التي لا أذن لها بحسب الخلقة ولا تصح الأضحية بمقطوعة رؤوس الضرع ولا بالتي انقطع لبنها ولا بالتي لا ألية لها بحسب الخلقة ولا بالجلالة وهي التي ترعى العذرة قبل حبسها وإطعامها الطاهر كما تقدم وتصح بالجماء التي لا قرون لها خلقة والعظماء . وهي التي ذهب بعض قرنها فإذا وصل الكسر إلى المخ لم تصح . وكذا تصح بالتولاء وهي المجنونة إذا لم يمنعها الجنون عن الرعي . فإن منعها لا تجوز التضحية بها . وتصح بالجرباء إن كانت سمينة . فإذا هزلت بالجرب فلا تصح . وكذا لا تصح بالصغير : وهو ما كان أقل من سنة في الضأن والمعز : إلا إذا كان الضأن كبير الجسم سمينا : فإنها تصح به إذا بلغ ستة أشهر ؟ بشرط أنه إذا خلط بما له سنة لا يمكن تمييزه منه . أما المعز فإنها لا تصح به إلا إذا بلغ سنة وطعن في الثانية على كل حال أما الصغير من البقر والجاموس فهو ما كان أقل من سنتين فلا تصح بالبقر والجاموس إلا إذا بلغ سنتين وطعن في الثالثة والصغير من الأبل ما كان أقل من خمس سنين فلا تصح بالإبل إلا إذا بلغت خمس سنين وطعنت في السادسة وتجزئ الشاة عن الواحد وتجزئ الناقة والبقرة عن سبعة أشخاص بشرط أن يكون لكل واحد منهم سبعها فإن نقص نصيبه عن السبع لم تجزئه
المالكية قالوا : لا تصح بالعمياء ولا بالعوراء والمعتبر في العمى والعور ذهاب ضوء العين وإن بقيت صورتها ولا تصح بالمريضة التي تستطيع أن تتصرف كتصرف السليمة أما إذا كان المرض خفيفا فإنه لا يضر ولا تصح بالجرباء إذا كان جربها ظاهرا ولا بما أكلت أكلا غير معتاد . فشمت ما لم يحصل لها إسهال فتصح به ولا تصح بالمجنونة جنونا دائما أما الجنون غير الدائم فإنه لا يضر فتصح بالتولاء وهي التي تدور في موضعها من الجنون ولا تتبع الغنم ولا تصح بالمهزولة هزالا بينا وهي التي لا مخ في عظامها ولا بالعرجاء عرجا بينا يمنعها من مسايرة أمثالها ولا بمقطوعة جزء من أجزائها : كيد أو رجل سواء كان القطع خلقيا أو لا وسواء كان الجزء أصليا أو زائدا : ولكن يغتفر قطع خصية الحيوان فتصح بالخصي لأن فيه فائدة تعود على اللحم ولا فرق بين أن يكون خصيا بالخلقة أو لا ولا تصح بالصمعاء وهي صغير الأذنين جدا ولا بالبتراء وهي مقطوعة الذنب سواء كان ذلك خلقة أو بعارض ولا بالبكماء - فاقدة الصوت - إلا لعارض عادي : كالناقة إذا مضى على حملها أشهر فإنها تبكم فتصح بها ولا بالبخراء . وهي منتنة الفم . إلا إذا كان أصليا كما هو الحال في بعض الإبل وكذا لا تصح بيابسة الضرع ومشفوفة الأذن إذا كان الشق أكثر من الثلث فإن كان الشق ثلثها أجزأت على المشهور ولا بمكسورة سنين فأكثر أما مكسور سن واحد فتصح بها كما إذا ذهبت أسنانها لكبر أو تغيير فإنها تصح ولا تصح بذاهبة ثلث الذنب . أما ذاهبة ثلث الأذن فتصح بها وكذا لا يصح بحيوان متولد بين وحشي وأنسي فإذا كانت الآباء غنما والأمهات ظباء أو بالعكس لا تجزئ في الأضحية على الأصح وتصح بالجماء وهي المخلوقة بدون قرن أما إذا كانت مستأصلة القرنين عروضا ففيها قولان وهذا إذا لم يكن مكانهما داميا وإلا فلا تصح بها قولا واحدا وكذا تصح بالمقعدة العاجزة عن القيام بسبب السمن وكثرة الشحم لا بالمرض وتصح بالجذع من لضأن وهو ما بلغ سنة عربية وعلامته أن يرقد صوف ظهره بعد قيامه وتصح بالثني من المعز وهو ما بلغ سنة ودخل في الثانية دخولا بينا بأن قطع منها نحو شهر وتصح بالثني من البقر وهو ما بلغ ثلاث سنين وبالثني من الإبل وهو ما بلغ خمس سنين والمعتبر السنة القمرية ولو نقص بعض شهورها
الشافعية قالوا : لا تصح بالمعيبة بعيب ينقص لحمها أو شحمها أو غيرهما مما يؤكل فلا تصح بالعوراء ولا بالعمياء والمعتبر ذهاب ضوء العين وكذا ما كان على إحدى عينيها بياض إذا كان كثيرا بخلاف اليسير فلا يضر كما لا يضر العمش وهو ضعف البصر مع سيلان الدمع غالبا ولا تصح بالعرجاء عرجا بينا وهي التي تسبقها أمثالها إلى المرعى وتتخلف عنها ولو حصل لها العرج وقت الذبح ولو في حال قطع الحلقوم والمريء ولا تصح بالمريضة مرضا يظهر بينا ظهر بسببه هزالها وفساد لحمها فلو كان مرضها يسيرا لا يضر ولا تصح بالعجفاء وهي التي لا مخ لها في عظامها من شدة الهزال ولا بالثولاء وهي التي تستدبر المرعى ولا ترعى إلا قليلا فتهزل ولا تصح بالجرباء وإن كان الجرب يسيرا لأنه يفسد اللحم ولا بمقطوعة الأذن كلا أو بعضا . ولا بمقطوعة الألية ويغتفر ما يقطع من طرف الألية في الصغر ويسمى - التطريف - لأنه يجبر بالسمن أما المخلوقة بلا ذنب فإنها تجزئ كالمخلوقة بلا ضرع ولا ألية بخلاف المخلوق بلا أذن فإنها لا تصح به وتصح بمشقوقة الأذن أو مثقوبتها إذا لم يزل بذلك شيء منها وتصح بالخصي والخصاء جائز بشروط ثلاثة : أن يكون لمأكول اللحم أن يكون في صغره أن يكون في زمان معتدل وإلا حرم وتصح بمكسورة القرن وإن كان محله داميا ما لم يترتب عليه نقص في اللحم كما تصح بالجماء ما لا قرن له خلقة وإن كان الأقرن أفضل وتصح بفاقدة الأسنان خلقة أما ما ذهبت أسنانه لعارض فإنه لا يجزئ كما لا يجزئ ما ذهبت بعض أسنانه إن كان ذلك يؤثر في علفه فإن كان لا يؤثر تجزئ وتصح بالضأن إذا بلغ سنة كاملة أو أسقط مقدم أسنانه بشرط أن يكون ذلك بعد ستة أشهر وتصح بالمعز بالضأن إذا بلغ سنتين كاملتين وتصح بالبقر والجاموس إذا بلغ سنتين كاملتين وبالإبل إذا بلغ خمس سنين كوامل ولا يجزئ المتولد بين أنسي ووحشي
الحنابلة قالوا : لا تصح بالعمياء وهي التي ذهب نور عينيها وإن بقيت عيناها صورة ولا تصح بالعوراء وهي التي انخسفت عينها أما إذا كان عليها بياض وهي قائمة فتصح بها ولا تصح بالعجفاء التي لا مخ في عظامها لهزالها ولا تصح بالعرجاء وهي التي لا تقدر على المشي مع جنسها الصحيح إلى المرعى ولا تصح بالمكسورة ولا بالمريضة مرضا يفسد لحمها كجرب أو غيره ولا تصح بالعضباء وهي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها أما التي خرقت أذنها أو انشقت أو قطع منها النصف أو أقل فتصح بها مع الكراهة ومثل الأذن في ذلك القرن ولا تصح بالجداء وهي جافة الضرع ولا بالهتماء وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها ولا بالعصماء وهي التي انكسر غلاف قرنها ولا تصح بما ذهب أكثر من نصف أليتها أما ما ذهب نصفها فأقل فتصح بها كما تصح بالجماء وهي التي خلقت بلا قرن والصمعاء وهي الصغير الأذن جدا وما خلقت بلا أذن وكذا تصح بالبتراء وهي التي لا ذنب لها خلقة أو مقطوعا وتصح بالخصي أما المجبوب وهو ما قطع ذكره مع أنثييه فإنه لا يجزئ والحامل كغيرها في الأحكام ولا تصح بالوحشي ولا بالمتولد بين وحشي وغيره وتصح بالجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر ويعرف كونه أجذع بنوم الصوف على ظهره : وتصح بالثني مما سواه فثنى المعز ما له سنة كاملة وثني البقر ما له سنتان كاملتان وثني الإبل ما له خمس سنين ودخل في السادسة ولا تصح بما دون ذلك )
ومنها الوقت المخصوص فلا تصح إذا فعلت قبله أو بعده وفي بيانه تفصيل المذاهب فانظره تحت الخط ( الحنفية قالوا : يدخل وقت الأضحية عند طلوع فجر يوم النحر وهو يوم العيد ويستمر إلى قبيل غروب اليوم الثالث وهذا الوقت لا يختلف في ذاته بالنسبة لمن يضحي في المصر أو يضحي في القرية ولكن يشترط في صحتها للمصري أن يكون الذبح بعد صلاة العيد ولو قبل الخطبة إلا أن الأفضل تأخيره إلى ما بعد الخطبة فإذا ذبح ساكن المصر قبل صلاة العيد لا تصح أضحيته ويأكلها لحما فإذا عطلت صلاة العيد ينتظر بها حتى يمضي وقت الصلاة . ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال . ثم يذبح بعد ذلك أما القروي - ساكن القرية - فإنه لا يشترط له ذلك الشرط . بل يذبح بعد طلوع فجر النحر وإذا أخطأ الناس في يوم العيد فصلوا وضحوا ثم بان لهم أنه يوم عرفة أجزأتهم صلاتهم وأضحيتهم . وإذا تركت ذبيحة الأضحية حتى فات وقتها يتصدق بها حية
المالكية قالوا : يبتدئ وقت الأضحية لغير الإمام في اليوم الأول بعد تمام ذبح الإمام . ويبتدئ وقتها للإمام بعد الفراغ من خطبته بعد صلاة العيد أو مضي زمن قدر ذبح الإمام أضحيته إن لم يذبح الإمام . ويستمر وقتها لآخر اليوم الثالث ليوم العيد ويفوت بغروبه . فإذا أراد أن يذبح في اليوم الثاني فلا يلزم أن يراعي مضي زمن قدر صلاة الإمام . بل يذبح إذا ارتفعت الشمس وإذا ذبح بعد الفجر أجزأه . فإذا ذبح أحد قبل الإمام متعمدا لا تجزئه وأعاد ذبح أضحية أخرى أما إذا لم بتعمد بأن تحرى أقرب إمام لم يبرز أضحيته وطن أنه ذبح فذبح بعده وتبين أنه سبق الإمام أجزأه فإذا تأخر ألإمام بعذر شرعي انتظره إلى قرب الزوال بحيث يبقى على الزوال ما يسع الذبح ثم يذبح ولو لو يذبح الإمام
الحنابلة قالوا : يبتدىئ وقت ذبح الأضحية من يوم العيد بعد صلاة العيد فيصح الذبح بعد الصلاة وقبل الخطبة ولكن الأفضل أن يكون بعد الصلاة والخطبة ولا يلزم أن ينتظر الفراغ من الصلاة في جميع الأماكن التي تصلي فيه العيد إن تعددت بل لو سبق بعضها جاز وإذا كان في جهة لا يصلى فيها العيد : كالبادية وأهل الخيام ممن لا عيد عليهم فإن وقت الأضحية يبتدئ فيها يمضي زمن قدر صلاة العيد فإن فاتت صلاة العيد بالزوال ضحى إذن عند الزوال واخر وقت ذبح الأضحية زمن الثاني من أيام التشريق فأيام النحر عندهم ثلاثة : يوم العيد ويومان بعده ويجوز في ليل يومي التشريق التاليين ليوم العيد إنما الأفضل أن يذبح في النهار
الشافعية قالوا : يدخل وقت ذبح الأضحية بعد مضي قدر ركعتين وخطبتين بعد طلوع الشمس يوم عيد النحر وإن لم ترتفع الشمس قدر رمح ولكن الأفضل تأخيره إلى مضي ذلك من ارتفاعها ويستمر إلى آخر أيام التشريق الثلاثة ويصح الذبح ليلا أو نهارا بعد دخول وقتها إلا أنه يكره في الليل إلا لحاجة : كاشتغاله نهارا بما يمنعه من التضحية أو لمصلحة . كسهولة حضور الفقراء ليلا )
وقد زاد بعض المذاهب شروطا أخرى مذكورة تحت الخط ( المالكية قالوا : زادوا أن يكون الذبح نهارا فلو ذبح ليلا لم تصح أضحيته وهذا الشرط بالنسبة لليوم الأول لا خلاف فيه عندهم أما في غير اليوم الأول في صحة الذبح ليلا خلاف والمشهور أنه لا يجزئ وأن يكون الذابح مسلما فإذا بحها الكتابي لا تجزئ ولكنها تؤكل لحما وأن لا يشرك معه فيها أحد ويصح أن يشرك في الثواب لا في الثمن معه من تلزمه نفقتهم إن كانوا معه في سكن واحد وإلا فلا تصح وهذا هو المشهور عندهم
( يتبع . . . )

(1/1109)


الحنفية قالوا : زادوا أن يكون الذبح نهارا في اليوم الأول والرابع فلو ذبح في الليلة الأولى أو الليلة الرابعة لا تصح أما الذبح في الليلتين المتوسطتين فإنه مكروه تنزيها ) ويصح الاشتراك في الأضحية سواء كان ذلك في ثمنها أو في ثوابها . باتفاق ثلاثة وخالف المالكية فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : لا يصح الاشتراك في الثمن إنما يصح الاشتراك في الأجر بالشروط المتقدمة ) وإنما يصح الاشتراك فيها إذا كانت من الإبل أو البقر فإذا اشترك سبعة في بقرة أو ناقة يصح إذا كان نصيب كل واحد منهم لا يقل عن سبع فإن كانوا أكثر من سبعة لا يصح أما إن كانوا أقل فيصح ولا تصح الأضحية بغير النعم من الإبل والبقر والجاموس والغنم وفي الأفضل منها تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( الحنفية قالوا : الشاة أفضل من سبع البدنة - البقرة أو الجمل ونحوهما - إذا استويا في اللحم والقيمة والكبش أفضل من النعجة إذا استويا في الثمن والقيمة أيضا . والأنثى من المعز أفضل من التيس إذا استويا قيمة والأنثى من الإبل والبقر أفضل إذا استويا أيضا
الشافعية قالوا : أفضلها سبع شياه عن واحد فبدنة فبقرة والكمال لا حد له
الحنابلة قالوا : الأفضل الإبل ثم البقر إن أخرج كاملا بدون اشتراك ثم الغنم ثم شرك سبع في ناقة أو جمل ثم شرك في بقرة وأفضلها جميعها الأسمن ثم الأغلى ثمنا والذكر والأنثى سواء
المالكية قالوا : الأفضل الضأن مطلقا ثم المعز ثم البقر وتقديمه على الإبل هو الأظهر ثم الإبل ويندب الفحل إن لم يكن الخصي أسمن فإن كان أسمن فهو أفضل من الفحل السمين )

(1/1110)


مبحث إذا ترك التسمية عند الذبح الأضحية

(1/1111)


التسمية شرط في حل أكل كل ذبيحة باتفاق ثلاثة وخالف الشافعية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الشافعية قالوا : التسمية ليست شرطا في حل أكل الذبيحة فلو ترك التسمية عمدا حلت الذبيحة ولكن ترك التسمية مكروه أما الذبيحة التي يحرم أكلها فهي التي ذكر اسم غير الله عليها وهي التي كانت تذبح للأصنام ) سواء أكانت أضحية أم غيرها فمن ترك التسمية عمدا لا تؤكل ذبيحته بخلاف ما إذا تركها سهوا فإنها تؤكل كما سيأتي في مبحث الذبح وكذلك من أهل لغير الله فإن ذبيحته لا تؤكل والإهلال لغير الله هو الصياح بذكر الصنم ونحوه عند ذبح ما يتقرب به إليه فقد كانت عادة المشركين أن يصيحوا عندما يذبحون لأصنامهم بذكرها

(1/1112)


مبحث مندوبات الأضحية ومكروهاتها

(1/1113)


وأما مندوباتها ومكروهاتها فهي مفصلة في المذاهب فانظرها تحت الخط ( 1 )
_________
( 1 ) المالكية قالوا : يندب إبراز الضحية للمصلي ويكره عدم ذلك للإمام فقط ويندب أن يكون الصنف الذي يضحى منه جيدا من أعلى النعم وأكمله وأن يكون من مال طيب وأن تكون سالمة من العيوب التي تصح بها فيندب أن تكون غير خرقاء . وهي التي في أذنها خرق مستدير وأن تكون غير شرقاء وهي مشقوقة الأذن أو مقابلة وهي مقطوعة الأذن من جهة وجهها أو مدارة وهي مقطوعة الأذن من خلفها وندب أن يكون سمينا وأن يكلف ليسمن على الراجح وندب أن يكون ذكرا ذا قرنين أبيض وندب أن يكون فحلا إن لم يكن المخصي أسمن وندب أن يكون ضأنا ثم معزا إلى آخر التفصيل المتقدم ويندب لمن يريد التضحية أن يترك الحلق وقلم الظفر في عشر ذي الحجة إلى أن يضحي ويندب أن يذبح الأضحية بيده ويندب للوارث أن ينفذ أضحية مورثه إن عينها قبل موته ما لم تكن نذرا وإلا وجب تنفيذ الوصية ويندب أن يجمع بين الأكل منها والتصدق والإهداء بدون تحديد معين بل يفعل في ذلك كما يجب ويسن ذح أو نحر ولد خرج من الضحية قبل دبحها أو نحرها حيا حياة غير مستمرة ويؤكل إن تم خلقه ونبت شعره أما إن خرج منها عقب ذبحها حيا حياة مستمرة فإن ذبحه أو نحره واجب ويكره جز صوفها قبل الذبح بشرطين : الأول : أن لا ينوي جزه عند شرائها فإن نوى جزه ليتصرف فيه التصرف المباح جاز بلا كراهة أما إذا نوى بيعه فإنه يكره الثاني : أن لا ينبت مثله أو قريب منه قبل الذبح وإلا فلا كراهة أما المنذورة فإنه يحرم جز صفوفها مطلقا وقيل : حكمها كغيرها في ذلك
الحنفية قالوا : يندب أن يأكل من لحم أضحيته ويدخر ويتصدق والأفضل أن يتصدق بالثلث ويدخر الثلث ويتخذ الثلث لأقربائه وأصدقائه ولو أخذ الكل لنفسه جاز لأن القربة تحصل بإراقة الدم . هذا إذا لم تكن منذورة وإلا فلا يحل الأكل منها مطلقا بل يتصدق بها جميعها وكذا التي وجب التصدق بعينها بعد أيام النحر أما إذا اشتراها للأضحية ثم حبسها حتى مضت أيام النحر فإنه يجب عليه أن يتصدق بها حية ويحرم عليه الأكل منها وكذا يحرم الأكل من ولد الأضحية التي تلده قبل الذبح فإذا ولدت الأضحية ولدا قبل ذبحها فإنه يذبح معها ويتصدق به جميعها ولا يحل الأكل منه فإن أكل منه شيئا تصدق بقيمته . ويستحب أن يتصدق به حيا أما الولد الذي لا يخرج حيا فسيأتي بيان الخلاف في تذكيته في " مبحث الزكاة " وكذا يحرم الأكل من الأضحية التي ضحى بها عن الميت بأمره ومن المشتركة بين سبعة نوى أحدهم بحصته القضاء عن الماضي فإن هذه الأشياء يجب التصدق بها جميعها ويندب أن لا يتصدق منها بشيء إذا كان صاحبها ذا عيال توسعة عليهم وأن يذبح بيده إن كان يعرف الذبح وإلا شهدها بنفسه ويأمر غيره وكره ذبح الكتابي وأما المجوسي والوثني فلا تحل ذبيحته - كما تقدم وكره بيع جلدها أو استبداله بما يستهلك كلحم وجبن وخل ونحو ذلك أما استبدالها بغربال ودلو ونحو ذلك مما يبقى زمنا طويلا فإنه يحل ويجوز أن ينتفع به في مثل هذا فيعمل هو غلابالا وقربة وسفرة ونحو ذلك وقيل : بيع جلدها باطل لا مكروه وكره جز صوفها قبل الذبح لينتفع به فإن جزه تصدق به وكره ركوبها وتأجيرها فإن فعل تصدق بالأجرة التي أخذها ويكره الانتفاع بلبنها قبل ذبحها وأن يعطي الجزار أجره منها ويكره تنزيها الذبح ليلا في الليلتين المتوسطتين أما الليلة الأولى والرابعة فإنه لا يصح فيهما الذبح كماتقدم ويسن توجيهها إلى القبلة وأن يعمل فيها كغيرها مما تقدم من حد الشفرة وعدم تعذيبها بغير ضرورة وكره بيع صوف الأضحية وشرب لبنها وإطعام كافر منها كتابيا كان أو مجوسيا بأن يبعث له بشيء منها في منزله أما إذا ضافه كافر أو نزل به وهو يأكل فإنه لا كراهة في إطعامه منها على الراجح وكره التغالي في ثمنها أو عددها إن خاف المباهاة أما إذا قصد زيادة الثواب بزيادة الثمن والعدد فإنه مندوب وكره فعل التضحية عن شخص ميت إذا لم يشترطها في وقف له وإلا وجب فعلها عنه ويلزم أن يتبع شرطه سواء كان جائزا أو مكروها فإن عين أضحية قبل موته كان تنفيذها مندوبا كما تقدم وتكره العتيرة وهي ذبح شاة في رجب كانوا يذبحونها في الجاهلية لأصنامهم وكانت جائزة في أول الإسلام ثم نسخت بالأضحية . ويكره إبدالها بأقل منها أو مساو لها إذا لم يعينها وإلا فلا يصح
الشافعية قالوا : يسن في الأضحية كونها سمينة سواء كان سمنها بفعله أو بفعل غيره وأن لا تكون مكسورة القرن ولا فاقدته وأن تذبح بعد صلاة العيد وأن يكون الذابح مسلما وأن يكون الذبح نهارا ويكره ليلا إن لم يكن لحاجة وإلا فلا كراهة وأن يطلب لها موضعا لينا لأنه أسهل لها وأن يوجه مذبحها للقبلة وأن يتوجه هو إليها أيضا . وأن يسمي الله تعالى ويكره تعمد ترك التسمية كما تقدم ويسن أن يصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه و سلم وأن يكبر ثلاثا بعد التسمية وأن يقول : اللهم هذا منك وإليك . فتقبل مني وأن تذبح الغنم والبقر . وتنحر الإبل وأن لا يبين رأسها . ويسن قطع الودجين ويسن أن تكون الإبل عند النحر قائمة معقولة رجلها اليسرى والغنم والبقر مضجعة على جنبها الأيسر وأن يحد المدية ويكره أن يحدها والذبيحة تنظر إليه كما يكره أن يذبح واحدة والأخرى تنظر
الحنابلة قالوا : يسن أكل ثلث الأضحية وإهداء ثلثها ولو لغني والتصدق بثلثها على الفقراء ولا فرق في ذلك بين المعينة والمنذورة وغيرهما إلا أن المعينة والمنذورة لا يجوز إهداء الكافر منهما أما ضحية التطوع فيجوز إهداء الكافر منها ويستحب أن يتصدق بأفضلها وأن يهدي الوسطن ويأكل الأقل وإن كانت الأضحية ليتيم فلا يجوز للولي أن يتصدق عنه أو يهدي منها بل يوفرها له وله أن يشرب من لبنها إلا إذا كان لها ولد فإنه يحرم عليه أن يشرب ما ينقص من القدر الذي يكفي في رضاع ولدها وتلزمه قيمته أما ما زاد بعد رضاعه فله شربه أيضا ويجوز أن يجز صوفها إن كان فيه منفعة لها بأن يزيد في سمنها أما إن كانت المنفعة في بقائه بأن يقيها الحر والبرد فلا يجوز جزه ولا يجوز أن يعطي الجزار أجره منها بل إن شاء أن يعطيه منها فله ذلك على سبيل الصدقة أو الهدية ويحرم بيع جلدها وجلها وهو الذي يغطى به الحيوان كما يحرم بيع شيء من الذبيحة وله أن ينتفع بالجلد والجل فيصلي عليه . ويتخذه غربالا ونحو ذلك أو يتصدق بهما وإن ولدت التي عينت للأضحية ذبح ولدها معها سواء عينها حاملا أو حدث الحمل بعد التعيين ويندب ذبح الجنين الذي يخرج من بطن أمه ميتا أو الذي في حركة المذبوح أما لجنين الذي يخرج وفيه حياة مستقرة فإن ذبحه واجب وذكاة الجنين ذكاة أمه سواء نبت شعره أو لم ينبت ويسن نحر الإبل قائمة معقولة الرجل اليسرى وأن يعمل مع الأضحية ما يعمل مع غيرها مما يأتي في " مبحث الذبح "

(1/1114)


مبحث كيف يذبح الحيوان ويقال لذلك : ذكاة

(1/1115)


الذكاة - بالذال - ذبح أو نحر أو عقر حيوان مباح للأكل بشرائط مفصلة في المذاهب مذكورة تحت الخط ( الحنفية قالوا : الذكاة الشرعية تنقسم إلى قسمين : ذكاة الضرورة وذكاة الاختيار فذكاة الضرورة هي جرح وقع في أي جزء من بدن الحيوان وإنما تكون في حيوان غير مستأنس فلو توحش غنم أو بقر أو بعير وتعسر ذبحه ثم رمي بسهم فأصابه في أي جزء من بدنه وأراق دمه وأماته حل أكله وكذا لو نفر البعير ولم يقدر صاحبه على أخذه إلا بجماعة فإن له أن يرميه ومتى جلح وسال دمه ومات بهذا الجرح حل أكله ومثل ما إذا صال حيوان على أحد فرماه دفاعا عن نفسه فأماته . فإنه يحل أكله إذا جرحه وأسال دمه : وكذا إذا وقع حيوان في بئر وتعذر ذبحه فرماه فجرحه . وعلم أنه مات بالجرح أو لم يعلم إن كان قد مات به أو بغيره فإنه يحل أكله أما إذا علم أنه مات بغير الجرح فإن أكله لا يحل . وكذا إذا تعسرت بقرة في الولادة فأدخل رجل يده فذبح ولدها حل أكله فإن لم يقدر على ذبحه وجرحه حل أكله وإن لم يذبح أو يجرح فلا يحل ولو ذبحت أمه لأن ذكاة الأم ليس ذكاة لولدها عند أبي حنيفة وقالا - أبو يوسف ومحمد - : إن تم خلقه أكل بذكاة أمه لحديث " ذكاة الجنين ذكاة أمه " وحمل الإمام الحديث على التشبيه ويعني أن ذكاة الجنين مثل ذكاة أمه وأما ذكاة الاختيار فهي الذبح بين مبدأ الحلق إلى مبدأ الصدر بأن يقطع الودجين وهما - عرقان كبيران في جانبي قدام العنق - ويقطع الحلقوم وهو - مجرى النفس - والمريء وهو - مجرى الطعام والشراب - ويكفي قطع ثلاثة منها فإن للأكثر حكم الكل فلا بد من قطع الحلقوم أو المريء مع الودجين أو قطع ودج مع الاثنين ويرى بعضهم ضرورة قطع الحلقوم والمريء مع أحد الودجين ومتى تحقق القطع على هذا الوجه صار الذبح شرعيا وحل أكل الذبيحة سواء كان الذبح فوق العقدة التي في أعلى الحلق أو تحتها
ويشترط أولا : أن يكون الذابح مسلما أو كتابيا : يهوديا أو نصرانيا إفرنجيا أو غيره ويدخل في النصراني الصابيء لأنه يقر بعيسى عليه السلام ويدخل في اليهودي السامرة لأنهم يدينون بشريعة موسى عليه السلام فكل هؤلاء تحل ذبيحتهم ولا تحل ذبيحة غيرهم من : وثني ومجوسي ومرتد عن الإسلام وكذا لا تحل ذبيحة الدروز الذين لا يدينون بكتاب وإذا ذكر الكتابي أسم المسيح لا تحل وليمته ثانيا : أن لا يذبح صيد الحرم فإن الصيد في الحرم لا تحله الذكاة ولو كان الذابح غير محرم ثالثا : أن يترك التسمية عمدا أما إن تركها سهوا فإن الذبيحة تكون حلالا ويشترط في التسمية : 1 - أن تكون ذكرا خالصا بأن يذكر اسم الله تعالى بأي اسم من أسمائه سواء كان مقرونا بصفة نحو : الله أعظم أو غير مقرون بصفة نحو الله الرحمن أو يذكره بالتسبيح والتهليل أما ذكر اسم الله مقرونا بدعاء كقول : اللهم اغفر لي فإن الذبيحة لا تحل به ويستحب أن يقول : بسم الله الله أكبر . 2 - وأن تكون التسمية من نفس الذابح حال الذبح والرامي لصيد حال الرمي ومرسل كلب الصيد حال الإرسال فلو سمى غير الفاعل لا يحل الأكل : وأن يكون الذبح عقب التسمية قبل تبدل المجلس فلو سمي واشتغل بأكل أو شرب فإن طال لم يحل الذبح وغلا حل وحد الطول ما يستكثره الناظر ويشترط أن لا يقصد بالتسمية شيئا آخر كالتبرك في ابتداء الفعل . فإن فعل ذلك أو نوى امرا آخر غير الذبح فإنها لا تحل أما إذا لم تحضره النية أصلا فإنها تحل ذبيحة الصبي الذييعرف التسمية وإن لم يعلم أن التسمية شرط لحل الذبيحة على التحقيق ومثله السكران إذا كان يعقل لفظ التسمية وإن لم يعلم أن التسمية شرط لحل الذبيحة على التحقيق ومثله السكران إذا كان يعقل لفظ التسمية وكذلك المجنون فكل هؤلاء إذا كانوا يضبطون عمل الذبح ويذكرون اسم الله تحل ذبيحتهم كما تحل ذبيحة الأخرس وذبيحة الأقلف . وهو الذي لم يختن بدون كراهة ويصح الذبح بكل ما يقطع من العروق المشروط قطعها ويسيل الدم فيجوز الذبح بالسكين وقشر القصب الأزرق - الغاب - والمروة وهي حجر أبيض كالسكين وغير ذلك ماعدا السن والظفر فإنه لا يحل الذبح بهما إذا كانا متصلين فإن انفصلا حل الذبح بهما مع الكراهة لما فيه من تعذيب الحيوان كالذبح بالسكين الكالة التي لا تقطع وإذا ذبح لعظيم بقصد التقرب إليه وتعظيمه بالنحر فإن ذبيحته لا تؤكل لأنه أهل بها لغير الله بخلاف ما يذبح للضيف بقصد إكرامه فإنه جائز وإن قدم له غير المذبوح عند الأكل
المالكية قالوا : الذكاة الشرعية هي السبب الموصل لحل أكل الحيوان البري اختيارا وأنواها أربعة : ذبح ونحر وعقر . وفعل يزيل الحياة بأي وسيلة النوع الأول : الذبح . ويكون في البقر والجاموس والضأن والمعز والطير والوحش والمقدور عليه . ما عدا الزرافة . فإنها تنحر . ويعرف الذبح بأنه قطع الحلقوم والودجين من المقدم بمحدد بنية . ولا يشترط قطع المريء ويشترط أن يكون الذابح مميزا مسلما . أو كتابيا . وأن لا يرفع يده رفعا طويلا باختياره قبل تمام الذبح : ويشترط لحل ذبيحة الكتابي شروط : أن يذبح ما يحل له بشريعتنا وأن لا يهل به لغير الله وقد تقدم بيان ذلك في الأضحية في " مبحث إذا ذبحها كتابي " وأن يذبح بحضرة مسلم مميز عارف بأحكام الذكاة إن كان الكتابي ممن يستحل الميتة فلا يحل أكل ذي ظفر ذبحه يهودي كإبل وبط وأوز وزرافة من كل ما ليس بمنفرج الأصابع لأن اليهود يحرمون أكل ذي الظفر وثبت في شريعتنا أنه محرم عليهم فإذا ذبحه فلا يحل أما ما يحل لهم في شريعتهم : كالحمام والدجاج ونحوهما فإنها حلال إذا ذبحها النوع الثاني : النحر ويكون في الإبل والزرافة والفيلة ويكره في البقر والجاموس وكذا الخيل والبغال والحمر الوحشية ويعرف النحر بأنه طعن مميز مسلم أو كتابي بلبه بلا رفع طويل قبل التمام بنية النوع الثالث : العقر ويكون في وحشي غير مقدور عليه إلا بعسر سواء كان طيرا أو غيره ويعرف بأنه جرح مسلم مميز حيوانا وحشيا بمحدد أو حيوان صيد معلم بنية وتسمية ولا يصح العقر من كافر وقيل : يصح من الكتابي كالذبح ولا يصح العقر من صبي أو مجنون أو سكران ولا يصح عقر حيوان مستأنس إذا شرد فلو نفرت بقرة أو غنم أو جمل فإنه لا يصح العقر بعصا أو حجر لا حد له ويصح برصاصة لأنها أقوى من المحدد وأما الفعل المميت فهو ذكاة من لا دم له : كالجراد والدود فإن ذكاته إماتته بأي سبب كالنار أو قطع الأسنان أو ضرب العصا أو نحو ذلك ويشترط نية ذكاته ويشترط في الأنواع الأربعة ذكر اسم الله تعالى لمسلم ذاكر قادر فإن نسي أو عجز كأخرس أكلت ذبيحته
الشافعية قالوا : الذكاة الشرعية هي قطع الحلقوم والمريء جميعا فلو بقي شيء منهما لم يحل المذبوح ويشترط أن يكون في الحيوان حياة مستقرة قبل ذبحه إن وجد سبب يحال عليه الهلاك وإلا فلا يشترط وجودها فالمريض بغير سبب يحال عليه الهلاك لو ذبح أخر رمق حل وإن لم يسل الدم ولم توجد حركة عنيفة والمراد بالحياة المستقرة ما يوجد معها الحركة الاختيارية بقرائن يترتب عليها غلبة الظن بوجود الحياة . ومن أمارتها انفجار الدم بعد قطع الحلقوم والمريء أو الحركة الشديدة ولا فرق بين أن يكون قطع الحلقوم والمريء من تحت الجوزة المعروفة أو من فوقها . لكن بشرط أن يبقى منها تديرتان كاملتان : إحداهما : من الأعلى والثانية : من أسفل وإلا لم يحل المذبوح لأنه حينئذ يسمى فرعا لا ذبحا . أما قطع الودجين فهو سنة ولو قطع الرأس كله كفى ولكن يكره على المعتمد وإنما يشترط الذبح بهذه الصفة في الحيوان المستأنس المقدورة عليه أما غير المستأنس : كغنم وبقر توحش وبعير نفر وغزال في الصحراء وبهيمة سقطت في بئر ولا يمكن الوصول إلى ذبحها : فذكاته عقره في أي موضع من بدنه بشيء يجرح : ينسب إليه زهوق الروح . فلا ينفع العقر بحافر أو خف : ولا بخدش الحيوان خدشة لطيفة . ويشترط لحل الدبح شروط : أولا : قصد العين أو الجنس . فلو رمى شيئا ظنه حجرا أو حيوانا لا يؤكل . فظهر أنه حيوان يؤكل حل أكله لأنه كان يقصد عينا وكذا لو رمى قطيع ظباء . فأصاب واحدة منها أو قصد واحدة فأصاب غيرها حل المرمي لقصد جنسه فإذا لم يقصد العين أو الجنس لا يحل لحيوان . فإذا وقعت منه السكين فأصابت حيوانا فذبح . أو احتك بسكين فانذبح . أو صال أحد بسيفه فأصاب مذبح حيوان لا يحل المذبوح لعدم القصد : ثانيا : أن يكون الإسراع بإزهاق روح اليحوان متمحضا لقطع الحلقوم والمريء فلو أخذ واحد في قطعها وأخذ الثاني في نزع الأمعاء أو نخس الخاصرة لم يحل ثالثا : وجود الحياة المستقرة قبل الذبح حيث وجد سبب يحال عليه الهلاك فإذا جرح حيوان أو سقط عليه سقف أو نحوه وبقيت فيه حياة مستقرة فذبح حل وهي ما عرفت بشدة الحركة أو انفجار الدم وإن تيقن هلاكه بعد ساعة وإلا فلا يحل لوجود سبب يمكن أن يسند إليه الهلاك وهو الجرح أو سقوط السقف ولا يشترط تيقن الحياة المستقرة بل يكفي ظن وجودها وإذا وصل الحيوان قبل الذبح إلى حالة فقد معها الإبصار والحركة الاختيارية بسبب مرض أو وجع ثم ذبح فإنه يحل ولو لم ينفجر الدم أو يتحرك الحركة العنيفة أما إذا أكل الحيوان طعاما انتفخ به حتى صار في آخر رمق ثم ذبح فإنه لا يحل على المعتمد ما لم توجد الحركة الشديدة أو انفجار الدم رابعا : أن يكون المذبوح مما يحل أكله فلا يجوز ما لا يحل ولو لإراحته عند تضرره من الحياة خامسا : أن يكون القطع بمحدد ولو من قصب أو خشب أو ذهب أو فضة إلا السن والظفر وباقي العظام فإنه لا تحل الذكاة بها فإذا قتل الحيوان بغير محدد بأن ضرب ببندقية أو سهم بلا نصل ولاحد أو خنق بشرك فمات فإنه يحرم في كل ذلك سادسا : أن يكون القطع دفعة واحدة فلو قطع الحلقوم وسكت ثم تمم الذبح فإن كان الفعل الثاني منفصلا عن الأول عرفا اشترط أن تكون في الحيوان المستقرة وذلك كأن رفع السكين وأعادها فورا أو ألقاها لكونها لا تقطع وأخذ غيرها فورا أو سقطت منه فتناولها أو أخذ غيرها سريعا أو قلبها وقطع بها ما بقي فكل ذلك جائز إذ لا فصل فيه بين العمل الأول والثاني سابعا : أن لا يكون الذابح محرما والمذبوح صيد بري وحشي فإن كان كذلك فلا يحل المذبوح ثامنا : أن يكون الذابح مسلما أو كتابيا لا مجوسيا ولا وثنيا ولا مرتدا فتحل ذكاة اليهودي والنصراني كالمسلم كما لا تحل ذكاة المجنون والسكران وغير المميز . ولو في الحيوان الذي لا يقدر عليه على الراجح لكن مع الكراهة : وكذلك تكره ذكاة الأعمى ولا تشترط التسمية وإنما تسن وإذا ذكر اسم الله مقترنا باسم غيره كأن قال : بسم الله واسم محمد فإن أراد الإشراك كفر وحرمت الذبيحة وإن لم يرد الإشراك حلت الذبيحة ولكن يكره إن قصد التبرك ويحرم إن أطلق لإبهام الشريك
( يتبع . . . )

(1/1116)


الحنابلة قالوا : الذكاة شرعا هي ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله يعيش في البر أو نحوه إلا الجراد ونحوه مما لا يذبح أو ينحر وتتحقق الذكاة الشرعية بقطع الحلقوم والمريء والحلقوم مجرى النفس والمريء - وهو البلعوم - مجرى الطعام والشراب والنحر يكون في الليلة وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر ولا يشترط قطع الودجين وهما عرقان محيطان بالحلقوم ولكن الأولى فيجرحه ويميته فيحل أكله كالصيد . فإذا نفر بعير فلم يقدر عليه . أو سقط حيوان مباح الأكل في بئر وتعذر ذبحه فعقر . حل أكله بشرط أن يموت بالجرح الذي قصد به عقره . فإن مات بغيره فلا يحل أكله ولو كان الجرح موجبا لقتله ويشترط أيضا أن تتوفر شروط الذابح فيمن رماه : فلو رماه مجوسي لا يصح أكله ويشترط لحل الذبيحة أربعة شروط الشرط الأول : أن يقول بسم الله عند حركة يده بالذبح أو النحر أو العقر . ولا يقوم شيء مقام التسمية . فلو سبح الله لا يجزئ وتجوز بغير العربية . ولو مع القدرة على العربية ويسن أن يكبر مع التسمية . فيقول : بسم الله والله أكبر . فإن كان الذابح أخرس أومأ برأسه إلى السماء . وأشار إشارة تدل على التسمية . بحيث يفهم منها أنه أراد التسمية . وهذا كاف في حل ذبيحة الأخرس . فإذا تركت التسمية عمدا أو جهلا لم تبح الذبيحة لقوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } وإن تركت التسمية سهوا فإنها تحل . لحديث شداد بن سعد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : " ذبيحة المسلم حلال . وإن لم يسم إذا لم يتعمد " . ويشترط قصد التسمية على ما يذبحه فلو سمى على شاة وذبح غيرها بتلك التسمية لم تبح الثانية . ولا يضر الفصل اليسير بين التسمية والذبح . فلو سمى ثم تكلم وذبح حلت . وإذا أضجع شاة ليذبحها وسمى ثم ألقى سكينته وأخذ غيرها وذبح حلت . وكذا إذا رد سلاما أو استقى ماء والكتابي كالمسلم . فإذا ذكر اسم المسيح لا تحل الذبيحة . وإذا لم يعلم إن كان الذابح سمى أو لا ذكر اسم الله أو غيره فالذبيحة حلال . الشرط الثاني : أهلية الذابح أو الناحر أو العاقر . وهو أن يكون عاقلا أو قاصد التذكية فلو وقعت السكين على حلق شاة فذبحتها لم تحل لعدم قصد التذكية وأن يكون مسلما أو كتابيا ولو حربيا . أو من نصارى بني تغلب لا فرق بين أن يكون ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا ولو جنبا . وحائضا . ونفساء وأعمى . وفاسقا ولا تحل ذبيحة مجنون . وسكران . وصبي غير مميز لأنه لا قصد لهم فإذا كان الصبي مميزا تحل ذبيحته . ولو كان دون عشر سنين . ولا تحل ذبيحة مرتد . ولا مجوسي ولا وثني . ولا زنديق ولا درزي وكل من لا يدين بكتاب أخذا من مفهوم قوله تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } . أي فلا يحل لكم طعام غيره . الشرط الثالث : الآلية وهو أن يذبح بألة محددة تقطع أو تخرق بحدها . لا تقطع أو تخرق بثقلها ولا فرق في المحددة بين أن تكون من حيدي : كالسكين والسيف والنصف ونحوها أو تكون من حجر أو خشب أو عظم إلا السن والظفر فلا يصح الذكاة بهما سواء كان متصلين أو منفصلين الشرط الرابع : أن يقطع الحلقوم والمريء وقد تقدم بيانهما وإذا ذبح كتابي ما يحرم عليه في شريعته ؟ وثبت في شريعتنا تحريمه عليه ويحل أكله كما إذا ذبح يهودي حيوانا له ظفر وهي الإبل والنعام والبط وما ليس بمشقوق الأصابع فإن الله تعالى أخبر بأنه حرم عليهم كل ذي ظفر وكذلك إذا ذبح ما يزعم أنه يحرم عليه ولم يثبت عندنا أنا يحرم عليه كما إذا ذبح حيوانا ملتصقة رئته بأضلاعه فإنهم يزعمون أن الرئة تحرم عليهم ويسمونها باللازمة )
ويسن أن تنحر الإبل إلا عند المالكية فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : يجب نحر الإبل والزرافة والفيلة - لأنها تؤكل - فإن ذبحت لم تؤكل ويجب ذبح غيرها من الأنعام والوحوش والطيور فإن نحرت لم تؤكل ويجوز الأمران والأفضل الذبح في البقر والجاموس والخيل والبغال وحمر الوحش وكل ذلك في حالة السعة والاختيار أما في حالة الضرورة كعدم آلة الذبح أو كوقوع الحيوان في حفرة فلم يمكن عمل ما يجب من ذبح أو نحر فإنه في هذه الحالة يجوز العكس في الأمرين بأن يذبح ما ينحر وينحر ما يذبح للضرورة والله أعلم . وصلى الله وسلم على صاحب الشريعة سيدنا محمد وآله وصحبه ) ونحوها مما له رقبة طويلة ويذبح غيرها كالبقر والغنم : ويسن أن يحد الشفرة أولا - السكين ونحوها - وأن يحدها بعيدا عن الذبيحة وأن لا يذبح واحدة والأخرى تنظر وأن يضجع الذبيحة إن كانت شاة أو بقرة على جنبها الأيسر ثم يقول : اللهم هذا منك وإليك { وجهت وجهي } الآية { ن صلاتي نسكي } الآية بسم الله الله أكبر ثم يذبح ويكره كسر عنق المذبوح قبل أن تزهق روحه ويسكن وكذلك يكره سلخه أو قطع عضو منه أو نتف ريشه قبل أن تزهق روحه ويكره ترك التوجه إلى القبلة ويكره كل تعذيب للمذبوح بدون فائدة
هذا وقد أشبعنا الكلام في هذه المواضيع وفيما يجوز أكله وما لا يجوز أكله وفيما يحل لبسه وما لا يحل في الجزء الثاني من كتابنا هذا فليرجع إليه من شاء والله ولي التوفيق

(1/1117)


مقدمة الكتاب [ الجزء الثاني ]

(2/2)


بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله تعالى حمدا كثيرا وأصلي وأسلم على نبيه محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد
: فإنني لما وفقني الله لصوغ الجزء الأول من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " قسم العبادات " بالعبارة التي ظهر بها رأيت من الجمهور إقبالا عليه لسهولة وقوفهم على ما يريدونه من أحكام الفقه في مذاهبهم وجمعه كثيرا من تلك الأحكام المبعثرة التي يستنفذ الوقوف عليها مجهود أهل العلم الأخصائيين فضلا عن غيرهم من عامة المسلمين فبعثني ذلك الإقبال إلى التفكير في تأليف سائر أبواب الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة " قسم المعاملات وقسم الأحوال الشخصية " . وصوغه بمثل هذه العبارات أو أوضح منها كي ينشط الناس إلى معرفة أحكام دينهم في المعاملات والأحوال الشخصية ويعملوا بها إذا عرفوا أحكام دينهم الحنيف في بيعهم وشرائهم وأقضيتهم وأنكحتهم وما يتعلق بذلك واستبيان لهم سماحة الإسلام مع دقته في التشريع وإحاطته بكل صغير وكبير مما يجري في المعاملات بين جميع طوائف البشر مما يتضاءل بإزائه تشريع المشرعين وتقنين المقننين من غربيين وشرقيين فرنسيين ورومانيين دعتهم عظمته وحملتهم دقته وسماحته إلي الأخذ به والتعويل عليه فيعيشوا عيشة راضية مرضية إذ ترتفع من بينهم أسباب الشقاق المفضية إلى ضياع
الأموال والأنفس وتوفر عليهم ما ينفقونه من الأموال في المواضع التي نهاهم الله عن الإنفاق فيها كالإنفاق في الخصومات الباطلة وما إليها قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام } الآية
ذلك بعض ما ينتجه العلم بأحكام الدين والعمل بها في دار الدنيا أما في الآخرة فان الله قد وعد العامل بدينه نعيما خالدا وملكا مقيما على أنني رأيت في أول الأمر أن ذلك العمل خطير بالنسبة لرجل ضعيف مثلي قد تطغي عليه مظاهر الحياة وتفتنه شواغلها ولكن ثقتي بالله الذي هداني إلى إتمام العمل في الجزء الأول وأعانني عليه جعلني أقدم على تنفيذ ما فكرت فيه لا أهاب صعوبة ولا أخشى مللا لأنني لا أريد غير مرضاة ربي الذي بيده ملكوت كل شيء واليه يرجع كل شيء ولا أبتغي إلا أن أكون مقبولا لديه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ومن استعان بربه وحده فإن الله كفيل بمعونته . وهونعم المولى ونعم النصير فهووحده المسؤول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن يقيني شر الافتنان بمظاهر الحياة الدنيا وأن يحفظني من شر السعي وراء المغانم الدنيوية بوسائل الآخرة وأن ينفع به المسلمين كما نفع بالجزء الأول منه
هذا وقد قسمت ما بقي من الأحكام إلى ثلاثة أجزاء منها : جزآن في المعاملات وجزء في الأحوال الشخصية والفرائض وستظهر كلها في زمن قريب إن شاء الله . وهذا هو الجزء الثاني نموذجا للجزء الثالث والرابع في ترتيبه وعباراته فإن كنت قد هديت إلى ما أردت فإنني أكرر الثناء على ربي الذي هداني وان كانت الأخرى فإنني إنسان ضعيف قد فعلت ما أقدرني عليه العليم القدير
وبعد
: فقد كنت عزمت على أن أذكر حكمة التشريع بإزاء أحكامهم كما أذكر أدلة الأئمة ولكني أعرضت عن ذلك لأنني رأيت في مناقشة الأدلة دقة لا تتناسب مع ما أردته من تسهيل للعبارات ورأيت في ذكر حكم التشريع تطويلا قد يعوق عن الحصول على الأحكام فوضعت حكمة التشريع في الجزء الثاني من كتاب الأخلاق
أما الأدلة : فلقد أفردها كثير من علماء المسلمين بالذكر وكتبوا فيها أسفارا مطولة ولكن مما لاشك فيه أن الحاجة ماسة إلى وضع كتاب فيها يبين فيه اختلاف وجهة نظر كل واحد منهم بعبارة سهلة وترتيب يقرب إدراك معانيها فلهذا قد عزمت على وضع كتاب في ذلك مستعينا بالله وحده وبذلك تتم الفائدة من جميع جهاتها ويعلم الناس أن أئمة المسلمين قد فهموا الشريعة الإسلامية السمحة حق الفهم ويدرك الباحثون في التشريع أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بما فيه مصلحة الناس جميعا وأنها لم تترك صغيرة ولا كبيرة من دقائق التشريع وعجائب الأحكام إلا وقد أشارت إليه وأنها صالحة لكل زمان ومكان فهي خالدة قائمة مدى الدهور والأزمان لأنها من لدن حكيم عليم

(2/3)


كتاب الحظر والإباحة

(2/4)


مبحث ما يمنع أكله وما يباح أو ما يحل وما لا يحل

(2/5)


يحرم ( المالكية - قالوا : يحل أكل كل حيوان طاهر غير ضار لم يتعلق به حق الغير فيجوز أكل الطير الذي له مخلب كالباز والنسر الخ ما ذكر . ) من الطير أكل كل ذي مخلب " ظفر " يصطاد به كالصقر والباز والشاهين والنسر والعقاب ونحوها بخلاف ماله ظفر لا يصطاد به كالحمام فإنه حلال

(2/6)


ويحرم ( المالكية - قالوا : يكره أكل سباع البهائم المفترسة كالأسد والنمر الخ ماذكر ألا ان في القرد قولين : قول بالحرمة وقول بالكراهة والمعتمد الكراهة ومثل القرد النسناس عندهم . ) أكل كل ذي ناب من سباع البهائم يسطوبه على غيره كالأسد والنمر والذئب والدب والفيل والقرد والفهد والنمس " ويسمى ابن آوى " والهرة أهلية كانت أو وحشية فخرج ما له ناب لا يسطوعلى غيره )

(2/7)


ومن الطير ( المالكية - قالوا : يحل أكل الهدهد مع الكراهة وكذلك يحل أكل الخطاف والرخم وسائر الطيور إلا الوطواط فإنه مكروه وقيل حرام والقولان مشهوران
الحنفية - قالوا : يحل أكل الخطاف والبوم ويكره في الصرد والهدهد وفي الخفاش قولان : الكراهة والحرمة ) . المحرم الهدهد والخطاف " طائر أسود معروف " والصرد بفتح الراء " طائر عظيم الرأس يصطاد الطيور ولا يأكل إلا اللحم " والبوم والخفاش " الوطواط " والرخم والعقعق ( الحنفية - قالوا : إن أكل العقعق مكروه فقط لأنه يأكل الحب تارة والجيف تارة أخرى
المالكية - قالوا : يحل أكل الغراب بجميع أنواعه ) . " وهوغراب فيه بياض وسواد تتشاءم العرب منه " والأبقع " وهوغراب فيه سواد وبياض ولا يأكل إلا الجيف " أما غراب الزرع فحلال " وهوأسود له منقار أحمر ورجلاه أحمران " ويحرم أيضا الغداف " وهوغراب كبير وافي الجناحين " ويسمى غراب القيظ بالقاف لأنه يجيء في زمن الحر

(2/8)


ويحرم من البهائم أكل الحمر ( المالكية - قالوا : في الحمر الأهلية والخيل والبغال قولان المشهور بينهما التحريم والثاني الكراهة في البغال والحمير والكراهة والإباحة في الخيل . ) الأهلية بخلاف حمر الوحش فإنها حلال وكذا يحرم أكل البغل الذي أمه بقرة أو أبوه حمار وحشي وأمه فرس فأكله حلال لتولده من مأكولين . وكذلك يحرم ( الشافعية - قالوا : يحل أكل العرسة ) . أكل ابن عرس " العرسة " ويحل منها أكل الخيل ( الحنفية - قالوا : أكل الخيل مكروه كراهة تنزيه على المفتى به ) . والزرافة ( الشافعية - قالوا : يحرم أكل الزرافة على المعتمد ) والظبي وبقر الوحش بأنواعه والقنفذ ( الحنفية و
الحنابلة - قالوا : يحرم أكل القنفذ صغيره وكبيره ) صغيره وكبيره والأرنب واليربوع ( الحنفية قالوا : - يحرم أكل اليربوع ) . وتسمية العامة الجربوع " وهوحيوان صغير مثل الفأر " إلا أن ذنبه وأذنيه أطول ورجلاه أطول من يده عكس الزرافة والضب ( الحنفية قالوا : - يحرم أكل الضب لأنه من الخبائث وما ورد من حله فهومحمول على أنه كان قبل نزول الآية { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } ) والضبع ( الحنفية - قالوا : يحرم أكل الضبع لأنه ذوناب يفترس به ) والثعلب ( الحنابلة والحنفية - قالوا : يحرم أكل الثعلب ) والسمور والسنجاب ( الحنابلة والحنفية - قالوا : يحرم أكل السنجاب والسمور والفنك " بفتح الفاء والنون " ) وهما نوعان من ثعالب الترك والفنك " وهوحيوان يؤخذ من جلده الفرو لنعومته " ويحل من الطير أكل العصافير بأنواعها والسمان والقنبر والزرزور والقطا والقطا والكروان والبلبل والببغاء ( الشافعية - قالوا : لا يحل أكل الببغاء ) والنعامة والطاووس ( الشافعية - قالوا : لا يحل أكل الطاووس ) والكركي والبط والأوز وغير ذلك من الطيور المعروفة والجراد ( المالكية - قالوا : لا يحل أكل الجراد إلا إذا نوى ذكاته وقد تقدم أن ذكاة مثله فعل ما يميته مع النية فإذا وجد جرادة ميتة لا يحل له أكلها . ) حلال أكله وأكل الفاكهة بدودها والجبن بدونه ومثله المش ونحو ذلك . وكذا يحل أكل الفول والبر الذي به سوس بدون أن يخرج منه السوس وفي ذلك تفصيل في المذاهب
الحنفية - قالوا : يباح أكل الدود الذي لا ينفخ فيه الروح سواء كان مستقلا أو مع غيره وأما الدود الذي تنفخ فيه الروح فإن أكله لا يجوز سواء كان حيا أو ميتا مستقلا أو مع غيره ومثله السوس
الشافعية - قالوا : دون الجبن أو الفاكهة ان كان منشؤه منها يباح أكله معها بخلاف النحل إذا اختلط بالعسل فانه لا يجوز أكله مع العسل الا اذا تهرى " تقطع بشدة " ولافرق في جواز أكله بين الحي منه والميت وبين ما يعسر تمييزه ومالايعسر . نعم اذا تنحى عن موضع أو نحاه غيره عنه ثم عاد بعد امكان صونه عنه فانه في هذه الحالة لا يجوز أكله كما لا يجوز أكله على أي حال
الحنابلة - قالوا : يباح أكل الدود والسوس تبعا لما يؤكل فيجوز أكل الفاكهة بدودها وكذلك الجبن والخل بما فيه ولا يباح أكل دود وسوس استقلالا
المالكية - قالوا : الدود المتولد من الطعام كدود الفاكهة والمش يؤكل مطلقا بلاتفصيل سواء كان حيا أو ميتا وان كان غير متولد من الطعام فان كان حيا وجبت نية ذكاته بما يموت به وان كان ميتا فان تميز يطرح من الطعام وان لم يتميز يؤكل ان كان الطعام أكثر منه فان كان الطعام أقل أو مساويا لا يجوز أكله فان شك في الأغلب منهما يؤكل لأن الطعام لا يطرح بالشك ومحل ذلك كله مالم يضر وقبلته النفس والا فلا يجوز أكله كما يأتي . )

(2/9)


ويحرم ( المالكية - لا نزاع عندهم في تحريم كل ما يضر فلا يجوز أكل الحشرات الضارة قولا واحدا أما اذا اعتاد قوم أكلها ولم تضرهم وقبلتها أنفسهم فالمشهوم عتدهم أنها لاتحرم فاذا أمكن مثلا تذكية الثعبان مثلا بقطع جزء من عند رأسه ومثله من عند ذنبه بحالة لا يبقى معها سم وقبلت النفس أكله من دون أن يلحق منه ضرر حل أكله ومثله سائر الحشرات . ونقل عن بعض المالكية تحريم الحشرات مطلقا لأنها من الخبائث وهووجيه
وعلى القول المشهور من حلها فلا تحل إلا إذا قصدت تذكيتها وتذكيتها فعل ما يميتها بالنار أو بالماء الساخن أو بالأسنان أو غير ذلك كما تقدم . ) أكل حشرات الأرض " صغار دوابها " كعقرب وثعبان وفأرة وضفدع ونمل ونحو ذلك

(2/10)


ويحرم ( الحنابلة والمالكية - قالوا : ايحل أكل السلحفاة البحرية " الترسة " بعد ذبحا أما السلحفاة البرية فالراجح عند الحنابلة حرمتها . ) أكل السلحفاة برية كانت أو بحرية وهي المعروفة بالترسة لأنها تعيش في البر والبحر

(2/11)


ويحرم أكل الخنزير والكلب ( المالكية - لهم في الكلب قولان : قول بالكراهة وقول بالتحريم والثاني هو المشهور ولم يقل يحل أكله أحد وقالوا : يؤدب من نسب حله إلى مالك . ) والميتة وهي التي زالت حياتها بغير ذبح شرعي والدم ماعدا الكبد والطحال : والمنخنقة وهي التي ماتت بالخنق : والموقوذة وهي المضروبة بآلة أماتتها والمتردية وهي الواقعة من علوفتموت . والنطيحة وهي التي نطحها حيوان آخر فماتت الا اذا ذبحت هذه الأشياء كلها وفيها حياة وفي بيانها تفصيل في المذاهب ( المالكية - قالوا : يشترط في حل المنخنقة والموقوذة وما معها أن لا يصل إلى حال لا ترجى لها الحياة بعدها وذلك بأن ينفذ الخنق أو التردي مقتلها بأن يقطع نخاعها " وهو المخ في عظام الظهر أو العنق " فإن كسر العظم ولم يقطع النخاع تحل بالذبح لأنه يمكن حياتها : وكذا إذا نثر دماغها بأن خرج شيء من المخ أو مما تحويه الجمجمة فإنها في هذه الحالة لا ترجى لها حياة وكذا إذا نثرت حشوتها بأن خرج شيء مما حوته البطن من كبد وقلب وطحال ونحو ذلك بحيث لا يمكن إعادته إلى موضعه وكذا إذا خرج أحد الأمعاء أوقطع فإنها في هذه الحالة تكون كالميتة لا تعمل فيها الذكاة وإن بقيت فيها حركة
وإذا ذبح غير هذه الأشياء من الحيوانات التي تؤكل فلا يخلو إما أن يكون مريضا أو صحيحا فإن كان مريضا مرضا لا يرجى منه برء صحت ذكاته بشرطين :
الأول : أن لا يكون منفوذ المقاتل بأن نثر دماغه أوقطع نخاعه الخ ما تقدم
الثاني : أن يتحرك بعد الذبح حركة قوية أو يشخب دما وعلى كل حال لا يحل أكله إلا إذا كان غير ضار . أما إذا كان صحيحا فلا يشترط فيه شخب الدم بل يكفي سيلانه مع الحركة القوية كمد رجل وضمها أما مدها فقط فإنه لا يكفي ارتعاش أو فتح بمين أو ضمها أو نحو ذلك
الحنفية - قالوا : المنخنقة وما معها إذا ذبحت وفيها حياة ولوخفية حل أكلها وإذا ذبح شاة مريضة فلا يخلو إما أن تعلم حياتها قبل الذبح أولا فإذا علمت حياتها حلت مطلقا ولولم تتحرك أو يخرج الدم وإذا لم تعلم حياتها وقت الذبح تحل إن تحركت أو خرج منها الدم . فإن لم تتحرك أو يخرج الدم فإن فتحت فاها لا تؤكل وإن ضمته أكلت وإن فتحت عينها لا تؤكل وإن ضمتها أكلت وإن مدت رجلها لا تؤكل وإن قبضتها أكلت وإن نام شعرها لا تؤكل وإن قام أكلت وإنما يحل أكلها إذا كانت لا تضر وإلا حرم على أي حال
الشافعية - قالوا : الشرط لحل الحيوان وجود الحياة المستقرة ولوظنا قبل الذبح وقد تقدم تفصيل مذهبهم في الشرط الثالث من شروط الذكاة في الجزء الأول
الحنابلة - قالوا : المنخنقة وما معها يحل أكلها إذا ذبحت وفيها حياة مستقرة ولووصلت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه إن تحركت بيد أو برجل أو طرف عين أو حركت ذنبها ولوحركة يسيرة بشرط أن تكون هذه الحركة زائدة عن حركة المذبوح فإن وصلت إلى حركة المذبوح فإن ذكاتها لا تنفع حينئذ وكذا إذا قطع حلقومها أوانفصلت حشوة ما في داخل بطنها من كبد أو طحال ونحوهما لأنها في هذه الحالة تكون في حكم الميتة )
ويحرم تعاطي كل ما يضر بالبدن والعقل حرمة شديدة كالأفيون والحشيش والكوكايين وجميع أنواع المخدرات الضارة والسموم
ويحل ( الحنفية - قالوا : لا يحل أكل حيوان البحر الذي ليس على صورة السمك فلا يحل أكل إنسان البحر وخنزيره وفرسه ونحوها إلا الجريث والمارما هي " سمك في صورة الحية " فإنه يحل وكذا جميع أنواع السمك إلا الطافي " وهو الذي مات حتف أنفه في الماء ثم انقلب بأن صارت بطنه من فوق وظهره من تحت " فإنه لا يحل أكله
المالكية - قالوا : جميع حيوانات البحر يباح أكلها ولم يستثنوا منها شيئا أبدا ) أكل حيوان البحر الذي يعيش فيه ولولم يكن على صورة السمك كأن كان على صورة خنزير أوآدمي كما يحل أكل الجريث " وهو السمك الذي على صورة ( الحنابلة - قالوا : لا يحل أكل حية السمك لأنها من الخبائث عندهم ) الثعبان " وسائر أنواع السمك ما عدا التمساح فإنه حرام
ويحل ( الحنابلة - قالوا : تحرم الجلالة وهي التي أكثر علفها النجاسة يحرم لبنها ويكره ركوبها لأجل عرقها وتحبس ثلاثة أيام بلياليها لا تطعم فيها إلا الطاهر حتى يحل أكلها
المالكية - المشهور عندهم إباحة أكل الحيوان الذي يتعذى بالنجاسة بخلاف لبنه فإنه مكروه ) أكل الحيوان الذي يتغذى بالنجاسة " ويسمى الجلالة " ولكن يكره أكله إذا أنتنت رائحته بالنجاسة تغذى بها أو تغير طعم لحمه بها ومثل اللحم اللبن والبيض ويسن أن تحبس حتى تزول رائحة نتنها قبل ذبحها . وتزول الكراهة بحبسها وعلفها أربعين يوما في الإبل وثلاثين في البقر وسبعة في الشياه وثلاثة في الدجاج لحديث ابن عمر في الإبل وغيره في غير الإبل

(2/12)


مبحث ما يحرم شربه وما يحل

(2/13)


يحرم شرب الخمر حرمة مغلظة فهومن أخبث الكبائر وأشد الجرائم في نظر الشريعة الإسلامية لما فيه من المضار الخلقية والبدنية والاجتماعية وقد ثبت تحريمه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم وإجماع المسلمين : قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ؟ } وفي هذه الآية الكريمة عشر دلائل على حرمة الخمر فهي من أبلغ الزواجر وأشدها وإليك بيانها أولا : قد نظمت في سلك الميسر والأنصاب والأزلام فتكون مثلها في الحرمة . ثانيا : سميت رجسا والرجس معناه المحرم . ثالثا : عدها من عمل الشيطان . رابعا : أمر باجتنابها . خامسا : علق الفلاح باجتنابها . سادسا : إرادة الشيطان إيقاع العداوة بها . سابعا : إرادته إيقاع البغضاء . ثامنا : إرادته إيقاع الصد عن ذكر الله . تاسعا : إرادته إيقاع الصد عن الصلاة . عاشرا : النهي البليغ بصورة الاستفهام في قوله : { فهل أنتم منتهون } وهومؤذن بالتهديد
أما السنة فهي مملوءة بالأحاديث الدالة على تحريم شرب الخمر والتنفير من القرب منه وكفى فيه قوله صلى الله عليه و سلم : " لا يزنى الزاني حين يزني وهومؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهومؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهومؤمن " وقد أجمع المسلمون وائمتهم على تحريم الخمر وأنها من أرذل الكبائر وأشد الجرائم
والخمر : ما خامر العقل أي خالطه فأكشره وغيبه فكل ما غيب العقل فهوخمر سواء كان مأخوذا من العنب المغلي على النار أو من التمر أو من العسل أو الحنطة أو الشعير حتى ولو كان مأخوذا من اللبن أو الطعام أو أي شيء وصل إلى حد الإسكار . وقد بين النبي صلى الله عليه و سلم أن كل ما أسكر كثيره فقليله حرام ولولم يسكر ولفظ الحديث " ما أسكر كثيره فقليله حرام " رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة والبيهقي
والمسكر المأخوذ من العنب يطلق على أنواع النوع الأول : الخمر وهو المأخوذ من عصير العنب إذا إلا واشتد وصار مسكرا
النوع الثاني : الباذق وهوأن يطبخ العنب حتى يذهب أقل من ثلثيه ويصير مسكرا
الثالث : المنصف وهوأن يطبخ العنب حتى يذهب نصفه ويشتد ويصير مسكرا
الرابع : المثلث وهوأن يطبخ العنب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ويشتد ويسكر كثيره لا قليله
وكذلك المأخوذ من التمر فإنه على أنواع :
الأول : السكر - بفتحتين - وهوأن يوضع التمر الرطب في الماء حتى تذهب حلاوته ويشتد ويسكر بدون غلي على النار
الثاني : الفضيخ - بالضاد والخاء المعجمتين بينهما ياء ساكنة - وهوأن يوضع التمر اليابس في الماء حتى تذهب حلاوته ويشتد ويسكر والفضخ : الكسر لأنهم كانوا يكسرون التمر ويضعونه في الماء
الثالث : نبيذ التمر وهوما يطبخ يسيرا ويشتد ويسكر كثيره لا قليله
وجميع هذه الأنواع محرمة كثيرها وقليلها ولوقطرة واحدة منها . وكذلك نقيع الزبيب إذا غلا واشتد وصار مسكرا وكذلك الخليطان من الزبيب والتمر " الخشاف " إذا اشتد وصار مسكرا ونبيذ العسل والتين والشعير فكلها حرام إذا وصلت إلى حد الإسكار وقليلها ( الحنفية - يظن بعض شاربي البيرة ونحوها أن قليلها في مذهب الحنفية والواقع أن قليلها وكثرها حرام في مذهب الحنفية كسائر المذاهب على الصحيح المفتى به بل هي حرام عند الحنفية بإجماع آرائهم وذلك لأن الخلاف وقع في ثلاثة أمور أولا : المثلث وهوما يطبخ من العنب حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ويسكر كثيره لا قليله ويسمى " طلا " . ثانيا : نبيذ التمر وهوما يطبخ طبخا يسيرا ويسكر كثيره لا قليله . ثالثا : ما يؤخذ من الشعير والحنطة ونحوهما مما ذكر إذا أسكر كثيره لا قليله . فأبوحنيفة وأبويوسف يقولون : إن الذي يحرم هوكثير هذا لا قليله . ومحمد يقول : إن كثير هذا وقليله حرام كغيره وهوقول الأئمة الثلاثة وقول محمد هو الصحيح المفتى به في المذهب فمذهب الحنفية هومذهب محمد حينئذ على أنهم أجمعوا على أن القليل الذي لا يسكر إذا كان يؤخذ للهو والتسلية كما يفعل هؤلاء الشاربون لا لتقوية البدن الضعيف فهو حرام كالكثير تماما ولوقطرة واحدة
فالبيرة وجميع أنواع الخمور محرمة قليلها وكثيرها على الوجه المشروع عند جميع أئمة الدين وجميع المسلمين ) مثل كثيرها وإنما تحرم على المكلف العاقل غير المكره والمضطر
وكما يحرم شرب الخمر يحرم بيعها لقول النبي صلى الله عليه و سلم : " إن الذي حرم شربها حرم بيعها " وفي حديث آخر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخمر عشرة : عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشترى له " رواه ابن ماجة والترمذي
وكذلك يحرم التداوي بها على المعتمد لقول النبي صلى الله عليه و سلم لمن قال له : إن الخمر دواء " ليست بدواء إنما هي داء " رواه مسلم . وقال صلى الله عليه و سلم : " إن الله عز و جل أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء ولا تتداووا بحرام ( الشافعية - قالوا : يحرم التداوي بالخمر إذا كانت صرفا غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه كالترياق الكبير ونحوه وكذا إذا كانت صرفا قليلة غير مسكرة فيجوز بمرجوحية التداوي بها بشرط أن تتعين للدواء ولا يوجد ما يقوم مقامها من الطاهرات بشرط أن يكون ذلك بوصف الطبيب المسلم العدل وكذا يجوز في مواضع أخرى كإساغة اللقمة وقد تجب في هذه الحالة وكذا التداوي بغير الخمر من الأشياء النجسة فإنه يجوز إذا خلط بشيء غيره يستهلك فيه ولم يوجد شيء طاهر يقوم مقامه وإلا حرم التداوي به )
أما ما يحل شرابه ففيه تفصيل المذاهب
( المالكية - قالوا : يباح شرب ماء العنب المعصور أول عصرة دون أن يشتد أو يسكر وكذا شرب الفقاع - بضم الفاء وتشديد القاف - وهوشراب يتخذ من قمح وتمر وقيل : ماء جعل فيه زبيب ونحوه حتى انحل فيه
كما يباح شراب السوبيا وهي ما يتخذ من الأرز بطبخه شديدا حتى يذوب في الماء ويصفى ويوضع في السكر ليحلوبه وعقيده وهوماء العنب المغلي حتى يعقد ويهذب إسكاره الذي حصل في ابتداء غليانه ويسمى الرب الصامت " المربة " ولا يحد غليانه بذهاب ثلثيه مثلا وإنما المعتبر زوال إسكاره
ولا تباح هذه الأشياء إلا إذا أمن سكرها فإذا لم يأمن حرم الأخذ منها
الحنابلة - قالوا : يباح شرب عصير العنب ونحوه بشرط أن لا يشتد ويسكر وأن لا تمضي عليه ثلاثة أيام وإن لم يشتد ويغلي " يفور " فإذا قذف بزبده " وفار " قبل ثلاثة أيام حرم ولولم يسكر فإذا طبخ قبل التحريم حل إن ذهب ثلثاه بشرط أن لا يسكر فإن أسكر فكثيره وقليله حرام كما تقدم وقال بعضهم : ذهاب الثلثين ليس بشرط بل المعول على ذهاب الاسكار
ويباح الخشاف ويسمى النبيذ وهوما يلقى من التمر أو الزبيب في الماء ليحلو . بشرط أن لا يمضي عليه ثلاثة أيام ولولم يشتد ويغلي أو يغلي ويشتد قبل ذلك وإلا حرم إن مضت عليه ثلاث وإن لم يسكر فإذا طبخ قبل أن يفور ويغلي أو تمضي عليه ثلاثة أيام حتى صار غير مسكر كشراب الخروب وغيره والمربة فلا بأس به وإن لم يذهب بالطبخ ثلثاه
وإذا اشتد العنب قبل عصيره وغلا لم يسكر ولم يضر فيحل أكله
الحنفية - قالوا : تباح هذه الأشياء المذكورة عند المالكية والحنابلة بشرط عدم الإسكار وقد علمت أن المعتمد قول محمد في تحريم قليل المسكر وكثيره
الشافعية - قالوا : ويباح من الأشربة ما أخذ من التمر أو الرطب أو الشعير أو الذرة أو غيرها ذلك إذا أمن سكره ولم تكن فيه شدة مطربة فإن كان فيه شدة مطربة بأن أرغة وأزبد ولو " الكشك " المعروف فإنه يحرم ويحد به ويصير نجسا )
ومما يحل : الانتباذ في الدباء وهو القرع والمزفت وهو الإناء المطلي بالزفت والنقير وهو الخشبة المنقورة أو هو أصل النخلة أي ما بقي منها بعد قطعها ينقر ويوضع فيه التمر والعنب والزبيب أو نحو ذلك
وقد نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن الانتباذ فيها أولا ثم نسخ ( المالكية - قالوا : لم ينسخ النهي عن الانتباذ في هذه الأشياء إلا أن المعتمد عندهم أنه نهي كراهة فيكره الانتباذ فيها سواء كان الانتباذ فيها بصنف واحد أو بصنفين كوضع الزبيب مع التمر أما في غيرها من الأواني فكيره انتباذ شيئين فيها ويسمى بالخليطين وذلك أن يكسر التمر والعنب مثلا وبعد هرسهما أو دقهما معا يصب عليهما الماء ومحل النهي عن ذلك إذا طال زمن الانتباذ لا إن قصر بحيث لا يتصور وقوع إسكار منهما وإلا جاز بلا كراهة ويدخل فيه ما ينبذ للمريض من الزبيب والقراصية والمشمش في إناء واحد فإنه لا كراهة فيه ما لم يطل حتى يتوقع منه إسكار ) هذا النهي

(2/14)


مبحث ما يحل لبسه أواستعماله وما لا يحل

(2/15)


يحرم أن يلبس أحد ثوبا من مال حرام أو مأخوذا بطريق الغش أو الخيانة أو الغصب فقد قال صلى الله عليه و سلم : " لا يقبل الله صلاة أو صيام من يلبس جلبابا " قميصا " من حرام حتى ينحي " يبعد ذلك الجلباب عنه " . وكذلك يحرم اللباس بقصد الفخر والعجب وفي الأنواع التي يحل لباسها والتي لا يحل تفصيل المذاهب
( الشافعية - قالوا : يحرم على الرجال لباس الحرير وهونوعان نوع يسمى إبريسما وهو الحرير الذي يخرج من الدودة بعد أن تموت فيه . ونوع يسمى قزا وهوما يؤخذ من الدودة وتخرج منه حية فالحرير يعم الاثنين وهما محرمان على الرجال لبسا واستعمالا إلا في أحوال ستذكر بعد فلا يجوز للرجال أن يجلسوا على الحرير ولا أن يسندوا إليه من غير حائل أما إذا كان بحائل كأن فرش فوق الحرير ملاءة من قطن ونحوه فإنه يحل الجلوس عليه ولولم تخلط به أما لبسه إذا كان مبطنا بقطن أو صوف ونحوهما فإنه يحل إذا كانت البطانة محيطة به وكذلك إذا كان الحرير بطانة لغيره فإنه يحل لبسه إذا كان مخيطا به وإنما جاز ذلك لأن الحرير في هذه الحالة حشوا لغيره وحسوالحرير جائز
ولا يحل أن يلبس حريرا لأجل أن يدفأ به أو يجلس عليه أو يستند إليه إلا إذا كان ببطانة مخيطة في الأول وحائل ولوغير مخيط في الثاني ويحرم أيضا على الرجل أن ينام في " ناموسية " مأخوذة من الحرير بدون بطانة ولو مع امرأته كما يحرم عليه أن يدخل تحت خيمة مأخوذة من الحرير وأن يدخل مع امرأته في ثوبها الحرير أما مخالطتها وهي لابسة ثوبها الحرير فجائزة ويحرم أن يكتب الرجل على الحرير أو يرسم عليه أي نقش كما يحرم ستر الجدران به في أيام الفرح والزينة إلا لعذر نعم يحل ستر الكعبة بالحرير إن خلا عن الذهب والفضة ولا يحل على الراجح إلباس الدواب الحرير كما يجوز إلباسه للصبي والمجنون قولا واحدا
ويحرم على الرجل أن يتخذ منديلا من الحرير ويستعمله أما إذا استعملته امرأة في مسح شيء على بدنه فإنه يجوز
ويستثنى من استعمال الحرير أمور : منها كيس المصحف بخلاف كيس الدراهم فإنه يحرم على المعتمد ومنها علاقة المصحف " وهي ما يعلق به " وعلاقة السكين والسيف . وخيط الميزان والمفتاح وخيط السبحة وشراريبها إن كان من أصل خيطها وإلا حرمت الشرابة إن كانت خارجة عن الخيط على المعتمد ومنها غطاء القلل والأباريق والكيزان فإن اتخاذها من الحرير جائز وأما غطاء عمامة الرجل فإنه لا يجوز اتخاذه من الحرير لكن إذا استعملته المرأة جاز ومنها ليقة الدواة ومنها تكة اللباس ومنها زر الطربوش
ويحل للرجل أن يلبس الحرير للضرورة أو الحاجة فيجوز لبسه لدفع جرب ودفع قمل وستر عورة في الصلاة وستر عورة عن أعين الناس ونحو ذلك إذا لم يجد غيره وكذلك في الخلوة إذا لم يجد غيره فإن وجد غيره حرم عليه استعماله . ويحل للرجل أن يلبس ثوبا بعضه حرير وبعضه قطن أو كتان أو صوف أو نحو ذلك بشرط أن يكون الحرير مساويا أو أقل أما إن كان كثر فلا يحل وكذا يحل للرجل السجاف وهو التطريف والطراز من الحرير على ألا يزيد الطراز عرضا عن أربعة أصابع وأن لا يزيد التطريف عن العادة لحديثين رواهما مسلم بالإباحة واستعماله النبي صلى الله عليه و سلم اللباس المشتمل عليهما أما النساء فيحل لهن لبس الحرير وفرشه واستعماله بسائر أوجه الاستعمال . وكذلك الصبي الذي لم يبلغ والمجنون أما الخنثى المشكل فهوملحق بالرجل
وأيضا يحرم لبس مصبوغ بالزعفران بشرط أن يكون مصبوغا كله أو جزءا كبيرا منه بحيث يصح إطلاق المزعفر عليه عرفا بخلاف ما فيه نقط الزعفران فإنه يحل ويكره الثوب المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر " نبت أصفر معروف " بشرط أن يكون مصبوغا به كله أو جزءا منه بالقيد المتقدم بخلاف ما فيه نقط من العصر فإنه لا يكره وما بعد ذلك من الألوان لا يحرم ولا يكره . سواء كان أسود أو أبيض أو أصفر أو أحمر أو مخططا أو غير ذلك
ويحرم أيضا لبس نجس أو متنجس بغير معفوعنه في الصلاة ونحوها من كل عبادة يشترط لها طهارة الثوب
الحنابلة - قالوا : يحرم على الرجل استعمال الحرير من لبس وغيره ولو كان الحرير بطانة لغيره أو مبطنا بغيره وكذا يحرم اتخاذه تكة سراويل أو خيط سبحة أو نحو ذلك إلا الزر أو الشرابة التي تكون تابعة لغيرها فإنها تحل
وكذا يحرم الجلوس عليه والاستناد إليه وتوسده وتعليقه وستر الجدران به إلا الكعبة فإنه لا يحرم سترها بالحرير
ويحل للرجل أن يلبس ثوبا بعضه حرير وبعضه صوف أوقطن أو كتان أو غير ذلك بشرط أن يكون الحرير أقل أو مساويا أما إذا كان غالبا فإنه لا يحل إلا إذا كان الحرير أكثر وزنا وغيره أكثر ظهورا منه في الثوب فإنه يحل حينئذ وأما إذا كانت السدوة حريرا واللحام غيره فالمشهور أنه حرام عندهم أيضا وأجازه بعضهم ومثل الحرير الديباج
ومثل الرجل في ذلك الخنثى وكذلك الصبي والمجنون فيحرم إلباسهما الحرير ويباح لبس الحرير للرجل لحاجة كإزالة القمل ولمرض ينفع فيه لبس الحرير وفي حرب مباح ولولغير حاجة ولبطانة خوذة ودرع ويباح لبسه لاتقاء حر أو برد أو تحصن من عدوونحو ذلك ويباح للرجل أن يكون طراز ثوبه حريرا بشرط أن لا يزيد عن أربع أصابع ويباح له أن يرقع ثوبه بالحرير إذا كانت الرقعة لا تتجاوز أربع أصابع معتدلة مضمومة لا متفرقة " أربعة قراريط " وكذلك لبة الطوق الذي يخرج منه العنق . واللبة هي الزيق المحيط بالعنق فإن اتخاذها من الحرير جائز إذا كانت لا تتجاوز أربع أصابع . وكذلك يباح اتخاذ كيس المصحف من الحرير وأن يخاط بالحرير واتخاذ الأزرار منه
ويباح حشو الجباب به وكذا حشو الفرش لأنه ليس لبسا له ولا فرشا وهو بالحشو يكون خفيا عن الأعين فلا فخر فيه ولا خيلاء
ويكره للرجل لبس المزعفر والأحمر المصمت " الخالص الحمرة " أما الأحمر الذي يخالطه لون آخر فلا كراهية فيه ولو كان الأحمر المصمت بطانة ويكره له أيضا لبس المعصفر والطيلسان وهو المقور الذي على شكل الطرحة ويرسل من فوق الرأس أما المرأة فيباح لها لبس الحرير واستعماله بجميع أنواع الاستعمال وكذا لبس المصبوغ بأي لون بدون كراهة
الحنفية - قالوا : يحرم على الرجال لبس الحرير المأخوذ من الدودة إلا لضرورة أما فرشه والنوم عليه واتخاذه وسادة أي مخدة فالمشهور أنه جائز كما يجوز أن يستعمل من الحرير قدر أربع أصابع عرضا وإن كان أطول من الأصابع فيحل أن يكون طراز الثوب من الحرير وزر الطربوش من الحرير إذا لم يزد عرضه على أربع أصابع وكذا يجوز وضع قدر عرض أربع أصابع في أطراف الثوب ويسمى بالطرف . وكذا ما يجعل في طوق الجبة أو ذيل القفطان فإنه يحل إذا لم يزد عن أربع أصابع ومثله بيت تكة السراويل إذا صنعت من الحرير وكانت لا تتجاوز أربع أصابع فإنها تحل أما التكة فإنه يحل أخذها من الحرير مع الكراهة على الصحيح وإذا جعل الحرير حشوا للرداء فلا بأس به ولوجعل بطانة فهومكروه
والمشهور من المذهب أن الحرير حرام على الرجال ولولبسوه بحائل على البدن ونقل عن أبي حنيفة أنه إنما يحرم إذا لامس البدن أما إن كان بحائل فإنه لا يحرم وهذه رخصة عظيمة . ويحل للرجل اتخاذ الناموسية من الحرير الخالص ويسمى الديباج فيحل النوم فيها
ويكره اتخاذ القلنسوة " وهي ما يلبس على الرأس " وكذلك " الطاقية " المأخوذة من الحرير أو المنقوش عليها أكثر من أربع فإنها مكروهة
ويحل اتخاذ كيس النقود من الحرير أما كيس التمائم ونحوها الذي يعلقه الرجل فإنه يكره اتخاذ من الحرير
وتحل الصلاة على سجادة مصنوعة من الحرير بلا كراهة كما يحل خيط السبحة وخيط الساعة الذي تعلق به وخيط الميزان والمفاتيح وليقة الدواة فإن كل هذا جائز
وكذا تحل الكتابة في ورق الحرير وأن يتخذ منه كيس المصحف وكذا يحل اتخاذ الستر التي توضع على الأبواب والنوافذ من الحرير على المشهور وكذا لا يكره وضع ملاءة الحرير على سرير الصبي أو محل نومه أما اتخاذ اللحاف من الحرير فإنه مكروه
المالكية - قالوا : يحرم على الذكور البالغين الحرير أما الصغار فقيل : يحل إلباسهم الحرير وقيل يحرم وقيل يكره
ولا يباح عندهم لبس الحرير للجرب أوللقمل أو الحكة ونحو ذلك . كما لا يباح في الحرب وكذلك يحرم الجلوس عليه على المعتمد ولو كان زوجا جالسا على فرش امرأته تبعا له وهي معه وقيل : يجوز للزوج أن يجلس تبعا لزوجه وهي معه ولا ترفع حرمة الجلوس على الحرير فرش ملاءة ونحوها عليه
ولا يحل لبس المبطن بالحرير والمحشو بالحرير ولا المرقوم بالحرير إلا إذا كان يسيرا أقل من قدر الأصبع فإن زاد على ذلك بأن كان في عرض أصبع إلى أصابع كان مكروها وقيل بجوز إلى الأربع وما زاد على عرض الأربع أصابع فهو حرام . ويحل تعليق الحرير بدون جلوس كالستارة التي توضع على الأبواب والنوافذ بدون كراهة
ويحل كتابة المصحف على الحرير بدون كراهة
أما ما سداه حرير ولحمته قطن أو صوف أو كتان فالتحقيق أنه مكروه
أما النساء فيحل لهن لباس الحرير واستعماله
ويحل اتخاذ الخرقة التي يمسح بها أعضاؤه من الحرير " المنديل " بلا تكبر أما " البشكير " الخرقة التي توضع على الحجر عند الأكل فيكره اتخاذها من الحرير
ويحل لبس ما سداه حرير ولحمته قطن أو كتان أو صوف أو غير ذلك أما ما لحمته حرير وسداه قطن فإنه يحل في حالة الحرب فقط وكذا ما لحمته وسداه حرير فإنه يحل في حالة الحرب إلا أنه لا يصلي فيه إلا إذا خاف هجوم العدو وإنما يحل لبس الحرير في الحرب لأمرين : الأول أن يكون صفيقا " تخينا " يدفع مضرة السلاح . الثاني أن يوجب الهيبة في نفس العدوفإن لم يتحقق شرط من هذين لا يحل لبسه في حال الحرب كما لا يحل في حال السلم
ويكره للرجل أن يلبس الثوب المزعفر الأحمر والأصفر على المشهور وقيل : لا كراهة في الأحمر والأصفر كما لا كراهة في سائر الألوان
أما النساء فيحل لهن لباس الحرير واستعماله بجميع أنواع الاستعمال كما يحل لهن لباس أي لون )

(2/16)


مبحث ما يحل لبسه واستعماله من الذهب والفضة وما لا يحل

(2/17)


يحرم ( الحنفية - قالوا : يجوز له أن يجمل بيته بأواني الذهب والفضة بدون استعمالها بشرط عدم التفاخر كما يجوز له أن يجلس على الحرير ويتوسد به إذا لم يكن للتفاخر كما تقدم
المالكية - قالوا : لا بأس بتحلية سيف الرجل بالفضة والذهب سواء اتصلت الحلية به كأن جعلت قبضة له أوانفصلت عنه كغمده . أما سيف المرأة فيحرم تحليته إذ لا يباح للمرأة إلا الملبوس من الذهب والفضة وكذلك يحرم تحلية باقي آلات الحرب
ولا بأس بتحلية جلد المصحف بالذهب أو الفضة تعظيما له بشرط أن تكون من الخارج أما تحليته من الداخل أو كتابته أو تجزئته فمكروهة وأما سائر الكتب سوى المصحف فيحرم تحليتها بهما مطلقا
ويجوز لمن سقطت أسنانه أن يتخذ بدلها من الذهب والفضة . وكذلك يجوز لمن قطعت أنفه أن يتخذ بدلها من الفضة والذهب
ويجوز للرجل أن يلبس خاتما من الفضة زنة درهمين لأن النبي صلى الله عليه و سلم اتخذ خاتما من فضة وزن درهمين فيجوز لنا اتخاذه بشرط قصد الاقتداء به عليه الصلاة و السلام وبشرط أن يكون واحدا فلا يجوز تعدده وإن كان الجميع درهمين . أما ما زاد عن الدرهمين فإنه محرم . وكذلك ما كان بعضه ذهبا وبعضه فضة ولو كان الذهب قليلا . ويستحب وضعه في خنصر اليسار ويكره في اليمين . وأما المموه وهو المتخذ من معدن غير الذهب والفضة ثم يطلى بهما ففيه قولان : قول بالمنع وقول بالإباحة . والقولان متساويان . وأما المغشى وهوما صنع من فضة أو ذهب ثم طلي بالنحاس أو الرصاص عكس المموه ففيه قولان أيضا : قول بالمنع وقول بالإباحة والمعتمد المنع . وأما المطبب وهوإناء مأخوذ من خشب ونحوه يكسر فيلحم بسلك من فضة أو ذهب ففيه قولان : قول بالمنع وقول بالكراهة والقولان متساويان
ومثله ذوالحلقة - بسكون اللام - إناء يوضع له حلقة ليعلق بها . وأما الآنية المتخذة من الجوهر كالدر والياقوت ففيها قولان أيضا المنع والجواز والقولان متساويان . فإذا طلي السرج أو السكين أو الخنجر أو اللجام أو نحوها بالذهب أو الفضة ففيها الخلاف المتقدم أما صنع يد السكين ونحوها من الذهب أو الفضة فحرام قولا واحدا
ويكره التختم بالحديد والرصاص والنحاس للرجل والمرأة ويجوز التختم بالعقيق وغيره
الشافعية - قالوا : يحل للرجل والمرأة اتخاذ أنف من ذهب أو فضة وكذا يجوز لمن سقطت أسنانه أن يتخذ بدلها من الذهب أو الفضة واتخاذ أنملة من الذهب ويجوز تحلية المصحف بالفضة للرجل والمرأة . وأما بالذهب فلا يجوز إلا للمرأة . والتحلية وضع قطع رقيقة أما تمويهه بالذهب والفضة فلا يجوز والتمويه هو الطلي بهما بعد إذابتهما ويجوز كتابة المصحف بالذهب والفضة للرجل والمرأة بلا فرق على المعتمد . ويجوز استعمال إناء الذهب والفضة المطلي بنحاس ونحوه طلاء سميكا بحيث لا يحصل بعرضه على النار شيء منه . وكذا يجوز تحلية آلة الحرب للرجل دون المرأة بفضة وكذا طلاؤها بها ويجوز إصلاح الإناء بسلسلة أو صفيحة من فضة بشرط أن تكون صغيرة أما الكبيرة فكروهة إذا كان استعمالها للضرورة وإلا حرمت والكبيرة ما تستوعب جانبا من الإناء والصغيرة ما كانت دون ذلك وقيل المرجع في الصغر والكبر للعرف ويجوز للرجل اقتناء حلي الذهب والفضة لتأجيرها لمن تحل له بلا خلاف في المذهب
ويحل للرجل التختم بالفضة بل يسن ما لم يسرف فيه عرفا مع اعتبار عادة أمثاله وزنا وعدا ومحلا فإذا زاد على عادة أمثاله حرم والأفضل أن يلبسه في خنصر يده اليمنى ويسن أن يكون فصه من داخل كفه
أما التختم بالذهب فحرام مطلقا وأما خاتم الحديد والنحاس والرصاص فجائز بلا كراهة على الأصح
الحنفية - قالوا : إذا وضع الطعام ونحوه في آنية الذهب والفضة فلا بأس أن يضع الأكل يده مباشرة أو بملعقة فيه لتناول اللقمة ونحوها . وإنما المكروه تحريما هوأن يمسك الإناء المأخوذ من الذهب والفضة بيده ثم يستعمله كما إذا استعمل كوزا مأخوذا من الفضة مثلا في الحمام بأن يعرف به الماء ويصبه على رأسه ولا بأس بالأكل والشرب من إناء مذهب أو مفضض كالآنية المطعمة بالذهب والفضة بشرط أن يضع الجزء الذي فيه ذهب أو فضة على فيه وكذلك لا بأس باستعمال المضبب من الأواني والكراسي والأسرة ونحوها بالذهب والفضة إذا لم يباشر الجزء الموضوع فيه الذهب والفضة والمضبب : هو المكسور الذي يجبر بالذهب والفضة كاللحام ولا بأس أيضا باتخاذ حلقة المرأة ونحوها من الذهب والفضة ولا بأس أيضا أن يوضع في لجام الفرس ونحوها أو سرجها فضة أو ذهب بشرط أن لا يجلس على الجزء الذي فيه الذهب والفضة
ويجوز لبس الثياب المنقوشة بالذهب والفضة وكذلك استعمال كل مموه " مطلي " بالذهب والفضة إذا كان بعد ذوبانه لا يخلص منه شيء له قيمة . ولا يكره وضع الذهب والفضة في نصل السكين أوقبضة السيف بشرط أن لا يضع يده عند استعمالها على موضع الذهب والفضة . ولا بأس بحلية السيف وحمائله " العلاقة التي يعلق بها " ومثله المنطقة ولكن بالفضة فقط فيكره تحريما تحلية ذلك بالذهب . أما تحلية السكين والمقراض " المقص " والمقلمة والدواة والمرآة بالذهب فإنه يكره تحريما أما بالفضة ففيه وجهان . ولا بأس باتخاذ مسامير الساعة والباب ونحوهما من الذهب والفضة اما اتخاذ الباب من الذهب أو الفضة فمكروه تحريما . ولا بأس بوضع الذهب والفضة في آلة الحرب وكذا لا بأس بتمويه السلاح " طليه " بالذهب والفضة . وكذلك لا بأس بالانتفاع بالأواني المموهة بالذهب والفضة ولا بأس باتخاذ الآنية من العقيق والبلور والزجاج والزبرجد والرصاص وباستعمالها أيضا
ويجوز للرجل أن يلبس خاتما من فضة بشرط أن يصنع على الصفة التي اعتاد أن يلبسه عليها الرجال . أما إذا صنع على هيئة خواتم النساء كأن يكون له فصان ونحو ذلك فإنه يكره تحريما ويكره أيضا التختم بما سوى الفضة كالتختم بالحديد والنحاس والرصاص وهومكروه للرجال والنساء جميعا . وأما التختم بالعقيق ففيه خلاف والأصح أنه يجوز . ولا بأس بسد ثقب فص الخاتم بمسمار من الذهب . ولا يصح أن يزيد الخاتم من الفضة على مثقال ويسن التختم بها للرجل إذا كانت الحاجة ماسة لذلك كالقاضي والحاكم الذي يجعل خاتمه منقوشا فيه اسمه " ختم " ويلبس خاتمه في خنصر يده اليسرى ويجوز أن يلبسه في يده اليمنى . ويجوز شد الأسنان بالفضة بلا خوف أما بالذهب ففي جوازه خلاف . وكذا يجوز إعادة السن إذا خلعت من فضة أو ذهب على الخلاف المذكور
الحنابلة - قالوا : يباح اتخاذ الآنية من المعادن الطاهرة كما يباح استعمالها ولو كانت ثمينة كالجواهر والبلور والياقوت والزمرد وكذلك إذا كانت غير ثمينة كالآنية المأخوذة من الخشب والحديد والنحاس وإنما الذي يحرم من ذلك اتخاذ الآنية من الذهب والفضة . وكذلك يحرم استعمالها إن كانت مأخوذة منهما ويحرم أيضا استعمال الآنية المضببة بالذهب والفضة على الذكر والأنثى وكذا اتخاذ ميل المكحلة منهما ويحرم استعمال الإناء المموه بالذهب والفضة " المطلي " وكذا استعمال المطعم بهما واستعمال الآنية المنقوشة بهما ويحرم استعمال الذهب ولويسيرا في الثياب وغيرها وإنما الذي يجوز من ذلك فص الخاتم من الذهب ) على الرجل والمرأة استعمال الذهب والفضة وعلة النهي عن استعمال الذهب والفضة للرجال والنساء واضحة لأن في استعمالها تقليلا لما يتعامل الناس به من النقدين وكسرا لقلوب الفقراء الذين لا يجدون منهما ما يحصلون به على قوتهم الضروري إلا بجهد عظيم بينما يرون غيرهم يسرف فيها غاية الأسراف ويحبسها عنده بدون مبالاة فيشعر ذلك قلوبهم ويترك في أنفسهم أسوأ الأثر لذلك حرمت الشريعة الإسلامية استعمالها على الرجال والنساء إلا في أحوال تقتضيها فإباحت للنساء ما تتزين به منها لأن المرأة في حاجة ضرورية إلى الزينة فلها أن تتحلى بما شاءت من الذهب والفضة وكذلك أباحت للرجال التختم بالفضة لأنه قد يحتاج إلى أن ينقش عليه اسمه فيسهل عليه استعماله ويكون آمنا عليه بلبسه في يده كذلك أباحت اليسير الذي لا يضيق النقدين مما سيأتي بيانه
فيحرم اتخاذ الآنية من الذهب والفضة فلا يحل لرجل أوامرأة أن يأكل أو يشرب فيها لقوله صلى الله عليه و سلم : " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " وكذلك لا يحل التطيب أو الادهان أو غير ذلك . وكما يحرم استعمالها يحرم اقتناؤها بدون استعمال ويستثنى ما إذا قصد باقتنائها تأجيرها لمن يباح له استعمالها وكذلك يحرم الأكل بملعقة الذهب والفضة واتخاذ ميل المكحلة منهما والمرآة وقلم الدواة والمشط والمبخرة والقمقم وكذا يحرم اتخاذ فنجان القهوة من الذهب والفضة وظرف الساعة وقدرة التمباك " الشيشة " ونحوها . أما ما يباح من ذلك ففيه تفصيل المذاهب

(2/18)


مباحث الصيد والذبائح

(2/19)


ومن الحلال الطيب الذي أباح الله لنا أكله : الصيد وهوما يصطاد من يوان مأكول اللحم بالشرائط الآتي بيانها وهومباح إذا لم يترتب عليه ضرر الناس بإتلاف مزارعهم أو إزعاجهم في منازلهم أو كان الغرض منه اللهو واللعب وإلا فيحرم

(2/20)


دليله

(2/21)


وقد ثبت أكله بالكتاب والسنة والإجماع . فأما الكتاب فقول الله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } وقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } فالأمر في الآية الكريمة بالاصطياد يفيد حل الصيد
وأما السنة فكثيرة منها ما رواه البخاري ومسلم أن أبا ثعلبة قال : يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسي أو بكلبي الذي ليس بمعلم أو بكلبي المعلم فما يصلح لي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل " . وروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن صيد المعراض - والمعراض " كمحراب " سهم لا ريش له دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده - قال : " إذا أصبت بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ " . وروى مسلم عن عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله فإذا وجدته ميتا فكل إلا أن تجده قد وقع في الماء فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك " ذلك بعض ما ورد في السنة الكريمة في شأن الصيد . وهوكما ترى يشتمل على معظم أحكام الصيد الآتي بيانها
وقد أجمع المسلمون على حل أكل الصيد بالشرائط الآتية

(2/22)


شروطه

(2/23)


يشترط لحل أكل ما يصطاد من الحيوان شروط بعضها يتعلق بالحيوان الذي يحل صيده وبعضها يتعلق بالصائد وبعضها يتعلق بآلة الصيد من كلب ونحوه أو سهم ونحوه

(2/24)


الشروط المتعلقة بالحيوان الذي يحل صيده وأكله بالصيد

(2/25)


الحيوان الذي يحل صيده إما أن يكون مأكول اللحم أو غير مأكول فإن كان غير مأكول اللحم فإن صيده دفعا لشره كما يحل قتله لذلك وكذلك يحل صيده للانتفاع بما يباح الانتفاح به كالسن والشعر . وإن كان مأكول اللحم فيحل صيده بشروط :
منها : أن يكون متوحشا بطبيعته لا يألف الناس ليلا ولا نهارا كالظباء وحمر الوحش وبقره وأرنبه ونحوها فيحل صيدها ولوتأنست إذا عادت لتوحشها فإن استمرت متأنسة فإنها لا تحل إلا بالذبح أما الحيوانات المتأنسة بطبيعتها كالجمال والبقر والغنم ( الحنفية - قالوا : إذا نفرت الشاة في الصحراء يكون حكمها ما ذكر في غيرها من الجمال والبقر أما إذا نفرت في المصر فإنها لا تحل بالعقر لأنها لا يتعسر إمساكها بخلافهما ولا يلزمه الاستعانة في إمساك المتوحش بجماعة بل متى ند البعير ونحوه ولم يقدر عليه إلا بجماعة فله أن يرميه ) ونحوها فلا تحل بالصيد بل لا بد في حل أكلها من ذكاتها الذكاة الشرعية ولوتوحش واحد منها كأن نفر البعير أو الثور أو شردت الشاة وعجز عن إمساكه فإنه يحل ( المالكية - قالوا : الحيوان المتأنس أصالة لا يؤكل إلا بالذبح سواء توحش ثم عاد فتأنس أواستمر على توحشه فلوند بعير أو ثور أو نحوهما فرماه أحد بسهم فعقره بأن جرحه فقتله بذلك فإنه لا يحل وكذلك لوتردى حيوان في بئر فإنه لا يحل إلا بالذكاة الشرعية وبعضهم يستثني البقر إذا توحش فيقول : إنه يحل بالعقر لأن له نظيرا يحل صيده هوبقر الوحش فإذا توحش البقر الأهلي فعقر فإنه يحل أكله نظير البقر الوحشي الذي يحل صيده ولوتوحش الحمام البيتي فقيل : يحل بالصيد وقيل لا يحل والمعتمد أنه لا يحل ) بالعقر وهو الجرح بالسهم ونحوه في أي موضع من بدنه شرط أن يريق دمه وأن يقتله بهذا الجرح وأن يقصد تذكيته وأن يكون أهلا للتذكية ومثل هذا ما إذا سقط حيوان في بئر ونحوها ولم يمكن ذبحه في محل الذبح فإنه يحل برميه في أي موضع من بدنه كما ذكر ويسمى هذا ذكاة الضرورة
ومنها : أن يكون ممتنعا غير مقدورة عليه فلا يحل الحيوان المقدور عليه بالصيد كالدجاج والبط الأهلي والأوز والحمام لأنه مستأنس مقدور عليه بخلاف الحمام الجبلي لأنه متوحش غير مقدور عليه فيحل بالصيد
ومنها : ألا يكون مملوكا للغير فيحرم صيد المملوك للغير ولا يحل بالصيد
ومنها : أن لا يكون متقويا بنابه أو مخلبه كالذئب والسبع والنسر وغير ذلك مما لا يحل أكله
ومنها : أن لا يدلكه وهوحي فإن أدركه وفيه حياة فإنه لا يباح إلا بالذبح على تفصيل في المذاهب
( الحنفية - قالوا : إذا أدرك الصيد وفيه حياة غير مستقرة بل وجده متحركا حركة المذبوح فقط فإنه لا يحتاج إلى تذكية لأن عقره تذكية له فيحل أكله بشرائط الصيد وكذا لوأدركه وفيه حياة مستقرة زيادة على حركة المذبوح ولكن لم يتسع الوقت لذبحه فإنه يحل بالشروط أيضا . أما إذا أدركه وفيه حياة مستقرة واتسع الوقت لذبحه فإنه لا يحل إلا بالذبح لأنه يكون في هذه الحالة مقدورا عليه فهوكغيره من الحيوانات المقدور عليها وإذا لم يجد معه آلة لذبحه ومات فإنه لا يحل لأنه أصبح كغيره من الحيوانات التي لا تباح إلا بالتذكية ولو كان معه كلب فأرسله عليه في هذه الحالة فأجهز عليه وقتله فإنه يحل
الحنفية - قالوا : إذا أدرك الصيد وفيه حياة فوق حركة المذبوح بأن يعيش يوما أو بعض يوم فإنه لا يحل إلا إذا ضبحه أما لوأدركه وليس فيه غير حركة المذبوح كأن أخرج الطلب بطنه أو أصمى السهم قلبه فإنه يحل بلا ذبح حتى ولووقع في الماء بعد هذه الحالة فإنه يحل لأنه لا يمكن أن يضاف قتله إلى الماء بعد أن يبق فيه غير حركة المذبوح كما يأتي ولا فرق أن يكون متمكنا من ذبحه في هذه الحالة أولا بخلاف المتردية فإنها لوذبحت وفيها حركة المذبوح فإنها تحل لأن الحياة فيها لا يشترط أن تكون بينة بل يكتفي فيها بمطلق الحياة وبعضهم يقول : إن الصيد كذلك لا بد من تذكيته ولو كانت فيه الحياة خفية بحيث لم يبق فيها غير حركة المذبوح وهذا كله إذا أدركه وأخذه أما إذا أدركه ولم يأخذه فإن تركه وقتا يمكنه فيها غير حركة المذبوح وهذا كله إذا أدركه وأخذه أما إذا أدركه ولم يأخذه فإن تركه وقتا يمكنه أن يذبحه فيه ومات فإنه لا يؤكل وإن لا فإنه يؤكل
الشافعية - قالوا : إذا أدرك صيده حيا فإن لم يجد فيه غير حركة المذبوح بأن قطع حلقومه أو خرجت أمعاؤه فإنه يحل بدون ذبح ويكون موته بآلة الصيد تذكية له ولكن يندب إمرار السكين على حلقه ليريحه أما لوأدركه وفيه حياة مستقرة فوق حركة المذبوح فإنه لا يخلوإما أن لا يتعذر ذبحه فيتركه حتى يموت أو يتعذر بسبب إهماله وتقصيره فيموت فإنه لا يحل مثال ما يتعذر بغير تقصير أن يشغل بأخذ الآلة ليذبحه بها فيموت قبل إمكان ذبحه أو يفر الصيد من بين يديه مما فيه من قوة باقية فيموت قبل أن يتمكن من ذبحه وكذا لولم يجد من الزمن ما يمكن أن يذبح فيه . ومثال ما يتعذر بسبب تقصيره أن لا يكون معه آلة الذبح أو تضيع منه فإنه في هذه الحالة لا يحل وكذا إذا اشتغل بتحديد السكين حتى مات الصيد لأنه أهمل تحديدها أولا ولووجده منكسا فعدله ليذبحه فمات فإنه يحل كما إذا أراد أن يوجهه إلى القبلة فمات قبل ذبحه
المالكية - قالوا : إذا أدرك الصيد حيا فإن كان قد نفذ من مقاتله كأن خرجت حشوته من كبد أو كلية أو طحال أو ثقبت أمعاؤه . أو خرج شيء من مخه ونحو ذلك مما يفضي إلى الموت حتما فإنه يؤكل بدون تذكية أما لوأدركه ولم ينفذ مقتل من مقاتله فإنه لا يباح أكله إلا بالذكاة فلوأهمل في تذكيته كأن وضع السكين في المخرج واشتغل بإخراجها فمات الصيد قبل أن يدرك تذكيته فإنه يحرم وكذا إذا أعطاها لغيره ليسبقه بها فجاء ولم يجده ومات الصيد قبل تذكيته وأيضا لوأطلق كلبا وتراخى في اتباعه ثم وجد الصيد ميتا فيحرم لاحتمال أنه لوجد في طلبه لوجده حيا فيذكيه إلا إذا تحقق أنه إذا جد لا يلحقه حيا )
وزاد بعضهم على ذلك شرطا آخر ( الحنفية - زادوا شرطا خامسا وهوأن لا يكون من دواب الماء كإنسان البحر وفرسه وخنزيره ونحوه مما ليس على صورة المسك . فإن ذلك يحرم أكله عندهم فلا يجوز صيده للأكل إلا ثعبان الماء فإنه وإن كان على صورة الثعبان البري غير أنه حلال صيده وأكله فالشروط المتعلقة بالحيوان الذي يحل أكله بالصيد خمسة : أن لا يكون من الحشرات وأن يكون ممتنعا بأن يكون له قوائم أن جناحان يمنع نفسه بهما . وأن يكون ذا ناب أو مخلب وأن يموت بالجارحة أو السهم قبل أن يدركه حيا وإلا وجب ذبحه )

(2/26)


الشروط المتعلقة بالصائد

(2/27)


وأما الصائد فيشترط له شروط منها : أن يكون مسلما أو كتابيا فلا يحل صيد المجوسي والوثني والمرتد وكل من لا يدين بكتاب كما لا تحل ذبيحتهم وإنما يحل صيد الكتابي وذبيحته بشروط مفصلة في المذاهب
( المالكية - قالوا : يحل أكل ذبيحة الكتابي أما صيده فإنه لا يباح إذا مات الصيد من جرحه أو أصابه إصابة أنفذت مقتله . أما إذا أصابه إصابة جرحته ولم تنفذ مقتله ثم أدرك حيا وذكي فإنه يؤكل ولو بذكاة كتابي وبعضهم يقول : يحل صيد الكتابي كذبحه سواء أماته أولم يمته وإنما تحل ذبيحة الكتابي بشروط ثلاثة الشرط الأول : أن لا يهل بها لغير الله فإذا أهل بها لغير الله بأن ذكر اسم معبود من دون الله كالصليب والصنم وعيسى وجعل ذلك محللا كاسم الله أو تبرك بذكره كما يتبرك بذكر الإله فإنها لا تؤكل سواء ذبحها قربانا للآلهة أو ذبحها ليأكلها أما إذا ذكر اسم الله عليها وقصد إهداء ثوابها للصنم كما يذبح بعض المسلمين للأولياء فإنها تؤكل مع الكراهة . وإذا ذبحها ولم يذكر عليها اسم الله ولا غيره فإنها تؤكل بدون كراهة لأن التسمية ليست شرطا في الكتابي . وبعضهم يقول : إن الذي يحرم أكله من ذبيحة الكتابي هوما ذبح قربانا للآلهة وهذا ليس من طعامهم المباح لنا بالآية الكريمة : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } لأنهم لا يأكلونه بل يتركونه لآلهتهم أما الذي يذبحونه ليأكلوا منه فإنه يحل لنا أكله ولوذكر عليه اسم غير الله تعالى ولكن مع الكراهة . الشرط الثاني : أن يذبح الكتابي ما يملكه لنفسه . فإذا ذبح حيوانا يمكله مسلم فإنه وإن كان يحل لكن مع الكراهة على الراجح . الشرط الثالث : أن لا يذبح ما ثبت تحريمه عليه في شريعتنا فلا يحل أكل ذي ظفر ذبحه اليهودي كالأبل والبط والأوز والزرافة ونحوها من كل ما ليس بمنفرج الأصابع لأنهم يحرمون أكله وقد أخبر القرآن بأن الله حرمه عليهم . أما الذي لم يثبت تحريمه عليهم في شريعتنا كالحمام والدجاج ونحوهما فإنه يحل لنا أكله إذا ذبحوه وإذا أخبروا بأن هذا الحيوان محرم عليهم ولم يخبرنا شرعنا بتحريمه عليهم فإنه يحل مع الكراهة فإذا كان الكتابي يستحل أكل الميتة وذبح حيوانا فإنه يحل أكله إذا كان بحضرة مسلم عارف بأحكام الذبح أما إذا ذبحه وحده فإنه لا يحل أكله ويستثنى من حل ذبيحه الكتابي المستكملة لشروط الأضحية فإنه يشترط فيها أن يكون الذابح مسلما تصح منه القربة فإن استناب عنه رجلا لا يعرفه ثم تبين له أنه غير مسلم فإنها لا تجزئه والشرط أن يتولى المسلم الذبح أما السلخ والقطع ونحوهما فإنه لا يشترط له ذلك هذا ومما يجمل ذكره هنا أن الذين لا تحل ذبيحتهم عند المالكية يمكن حصرهم في ستة : وهم الصبي الذي لا يميز والمجنون حال جنونه والسكران غير المميز والمجوسي والمرتد الزنديق . وكذا من تحل ذبيحتهم مع الكراهة فإنهم ستة أيضا وهم : الصبي المميز والخنثى والمرأة والخصي والأغلف والفاسق . وهناك ستة مختلف فيهم بعضهم يقول بالكراهة وبعضهم يقول بعدمها وهم : تارك الصلاة والسكران الذي يخطئ ويصيب والبدعي المختلف في كفره والعربي النصراني والنصراني يذبح للمسلم بإذنه والأعجمي يجيب للإسلام قبل بلوغه . ولكن المشهور في ذبيحة الصبي المميز والمرأة عدم الكراهة وما يكره ذبيحته يكره صيده على الظاهر
الحنفية - قالوا : يشترط لحل ذبيحة الكتابي يهوديا أو نصرانيا أن لا يهل بها لغير الله بأن يذكر عليها اسم المسيح أو الصليب أو العزيز أو نحو ذلك فإذا حضره المسلم وقت الذبح وسمع منه ذكر المسيح وحده أو ذكره مع اسم الله فإنه يحرم عليه أن يأكل منها وإذا لم يسمع منه شيئا فإنه يحل له الأكل على تقدير أن الكتابي ذكر اسم الله في سره تحسينا للظن له أما إذا لم يحضره ولم يسمع منه شيئا فإن التحقيق أن ذبيحته تحل سواء كان يقول الله ثالث ثلاثة أولا يعتقد أن العزيز ابن الله أولا . ولكن يستحسن عدم الأكل لغير ضرورة . ولا فرق في النصراني بين أن يكون عربيا أو تغلبيا أو إفرنجيا أو أرمينيا أو صابئيا إذا كان يقر بعيسى عليه السلام ولا فرق في اليهودي بين أن يكون سامريا أو غيره . ويكره أكل ما يذبحونه لكنائسهم
الشافعية - قالوا : ذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله عليها أولا بشرط أن لا يذكروا عليها اسم غير الله كاسم الصليب أو المسيح أو العزيز أو غير ذلك فإنها لا تحل حينئذ ويحرم أكل ما ذبح لكنائسهم
الحنابلة - قالوا : يشترط في حل ذبيحة الكتابي أن يذكر اسم الله تعالى عليها كالمسلم فإذا تعمد ترك التسمية أو ذكر اسم غير الله تعالى كالمسيح فإن ذبيحته لا تؤكل وإذا لم يعلم أنه سمى أولا فإن ذبيحته تحل ذبح لعيده أولكنيسته فإن ذبحها مسلم وذكر اسم الله عليها فإنها تحل مع الكراهة وكذا إن ذبحها كتابي وذكر اسم الله أما إذا ذكر غيره أو ترك التسمية عمدا فإنها لا تحل )
يحل ( الحنفية والشافعية - قالوا : يحل صيد الصبي غير المميز والمجنون والسكران بشرط أن يكون للجميع نوع قصد كما تحل ذبيحتهم إذا كانوا يعرفون الذبح إلا أن الحنفية اشترطوا أن يعرف هؤلاء التسمية . وإن لم يعرفوا أنها شرط في حل الذبح فلم يذكروها ويجوز ذبح الأعمى مع الكراهة دون صيده
أما الشافعية فإنهم لم يشترطوا ذلك لأن التسمية ليست بشرط عندهم وقالوا : إن ذبيحتهم مكروهة ) صيد الصبي الذي لا يميز ومثله المجنون والسكران كما لا يحل ذبيحتهم . ومنها أن يذكر ( الشافعية - قالوا : التسمية ليست شرطا عند إرسال الجارحة أو إرسال السهم كما أنها ليست شرطا في الذبيحة وإنما تستحب التسمية عند ذلك استحبابا مؤكدا فإن ترك التسمية عمدا أو سهوا حل الصيد والذبح بلا خلاف عندهم
الحنفية - قالوا : يشترط للتسمية في الحنفية قالوا : الصبي والمجنون والسكران ) اسم الله عند إرسال ما يصيد به من كلب ونحوه فإذا ترك التسمية عمدا أو جهلا فإن صيده لا يحل وكذلك ذبيحته . أما إذا ترك التسمية ناسيا فإن صيده يؤكل كذبيحته ويشترك للتسمية شروط مبينة في المذاهب
( الحنفية - قالوا : يشترط للتسمية شروط بعضها يتعلق بالصيد وبعضها يتعلق بالذبح فيشترط لها في الصيد ثلاثة شروط : أحدها أن تكون من نفس الصائد فإذا سمى غيره فإن صيده لا يحل . ثانيها : أن تكون مقترنة بإرسال الجارحة أو رمي السهم وما أشبه فإذا ترك التسمية عامدا عند الإرسال فإن صيده لا يؤكل ولو سمى بعد ذلك وزجره مع السهم فانزجر ومتى سمى عند رمي السهم أو إرسال الجارحة فقد حل له ما أصابه من صيد سواء أصاب ما قصد صيده أو أصاب غيره لأن التسمية في الصيد إنما تكون على الآلة وقد وجدت فالذي تصيبه بعد ذلك يكون حلالاص فإذا أرسل كلبه وسمى عليه ليصيد له غزالا فاصطاد له أرنبا فإنه يحل له أكله بخلاف الذبح فإن التسمية فيه إنما تكون على الحيوان المذبوح فإذا أضجع شاة ليذبحها وسمى ثم أطلقها وأضطجع شاة أخرى فإنها لا تحل بالتسمية الأولى بل لا بد من أن يسمي عليها وإذا سمى وألقى السكين التي بيده وأخذ غيرها فإن ذبيحته تحل بدون تسمية لأن التسمية على الحيوان لا على الآلة أما إذا سمى على سهم فتركه وأخذ سهما غيره ولم يسم فإن صيده لا يحل . ثالثها أن تكون من نفس الصائد فلوسمى غيره لا يحل صيده ويشترط للتسمية في الذبح أن تكون من نفس الذابح ويجزئ التسبيح والتهليل وأن تكون ذكرا خالصا بأن تكون بأي اسم من أسمائه سواء كان مقرونا بصفة نحو : الله أكبر الله أعظم أو غير مقرون بصفة نحو : الله الرحمن . ويستحب أن يقول : بسم الله الله أكبر وأن تكون التسمية من نفس الذابح حال الذبح وأن يكون الذبح عقب التسمية قبل تبدل المجلس فإن اشتغلوا بأكل أو شراب فإن طال لم يحل الذبح " وحد الطول ما يستكثره الناظر " وأن لا يقصد بالتسمية شيئا آخر كالتبرك في ابتداء الفعل فإن فعل ذلك فإن ذبيحته لاتحل وقد تقدم ذلك في كتاب الذكاة
الشافعية - قالوا : إن التسمية ليست شرطا كما تقدم وإنما هي سنة ويشترط أن يذكر مع اسم الله تعالى بدون أن يقرن به اسم غيره فإن قال : بسم الله واسم محمد مثلا فإن أراد أن يشرك مع الله غيره فقد كفر وحرمت ذبيحته وإن لم يرد أن يشرك مع الله غيره حلت الذبيحة ولكن يكره إن قصد التبرك بذكر غير الله ويحرم إن أطلق ولم يقصد شيئا لإيهام التشريك بالله كما تقدم في باب الذكاة
المالكية - قالوا : يشترط التسمية عند إرسال الجارحة ونحوها وعند تذكية الحيوان والنحر وإنما تشترط في حق المسلم أما الكتابي فلا تشترط التسمية في حقه والمراد بالتسمية ذكر الله تعالى لا خصوص بسم الله ولكن الأفضل أن يقول : بسم الله الله أكبر
الحنابلة - قالوا : يشترط أن يقول : بسم الله عند إرسال السهم والجارحة وعند حركة يده بالذبح أو النحر أو العقر ولا يقوم مقام التسمية شيء بل لا بد من ذكرها بخصوصها والأفضل أن يقول : بسم الله والله أكبر كما تقدم ولا يضر أن يقدمها أو يؤخرها بزمن يسير وإذا أرسل الجارحة ولم يسم عند إرسالها وتأخر كثيرا ثم سمى وزجر الجارحة فانزجرت فإن صيده يحل ولا يضر هذا التأخر وإذا ترك التسمية عمدا حرم صيده وذبيحته أما إذا تركها سهوا أو جهلا فإن ذبيحته تحل دون صيده لأن الذبيحة تكثر ويكثر فيها النسيان بخلاف الصيد فإنه لا يتسامح فيه وإذا سمى على صيد وأصاب غيره حل أما إذا ترك رمي السهم عليه ورمى سهما آخر لم يسم عليه فإن صيده لا يؤكل لأن التسمية في الذبيحة على الحيوان وفي الصيد على الآلة )
ومنها : أن يرسل الكلب ونحوه ليصيد له بكيفية مفصله في المذاهب
( المالكية - لهم رأيان قويان في كيفية إرسال الجارحة للصيد . أحدهما أن يكون الصائد ماسكا لها بيده أو متعلقة به كأن كانت تحت قدمه أو في حزامه أما إذا لم تكن معلقة به بل مفلوتة فأرسلها فإن صيدها لا يؤكل . ثانيهما أنه لا يشترط ذلك بل لوكانت الجارحة مفلوتة فأرسلها فإن صيدها يؤكل وإذا كانت الجارحة في يد خادمه فأمره بإرسالها فأرسلها فإن صيدها يؤكل لأن يد الخادم كيد سيده في ذلك وتكفي نية الآمر وتسميته في ذلك ولا يشترط في الخادم أن يكون مسلما حينئذ لأن نيته غير لازمة اكتفاء بنية الآمر وهوسيده فالإرسال منه حكما وسيأتي الكلام على النية قريبا
الحنفية - قالوا : يشترط أن يوجد الإرسال للجارحة من الصائد ولو كانت مفلوتة فإذا انفلت الكلب ونحوه من صاحبه بدون أن يرسله فأخذ صيدا أوقتله فإنه لا يؤكل أما إذا انفلت منه فزجره بصوته فانزجر به بأن اشتد عدوه وطلبه للصيد فإن صيده يؤكل . أما إذا لم يزجره أو زجره فلم ينزجر فإن صيده لا يؤكل لعدم تحقق شرط الإرسال وكذا إذا انبعث وحده ولم يزجره صاحبه بل زجره مسلم فانزجر بصوته فإن صيده يحل استحسانا أما إذا لم ينزجر أو زجره مجوسي فإن صيده لا يحل
الحنابلة - قالوا : يشترط أن يوجد الإرسال من الصائد فإذا انبعث الكلب ونحوه بنفسه فقتل صيدا لم يحل
الشافعية - قالوا : إذا انبعثت الجارحة وحدها بدون أن يرسلها صاحبها فقتلت صيدا فإنه لا يحل وإذا انبعثت وحدها فزجرها ليستوقفها فوقفت ثم أغراها بعد الوقوف فانطلقت وقتلت صيدا فإنه يحل بلا خلاف أما إذا استرسلت ولم تقف فإن صيدها لا يؤكل سواء زاد عدوها بزجره أولا وكذا إذا لم يزجرها لتقف بل أغراها فإن لم يزد عدوها بإغرائه فإن صيدها لا يحل قطعا وإن زاد عدوها بإغرائه فقولان : والصحيح أنه لا يحل وإذا زجرها لتقف فلم تطعه فأغراها فإنه لا يحل ) ومنها أن ينوي الصائد أو الذابح حل الحيوان فإذا لم ينوكأن ضرب حيوانا بآلة فأصابت منحره فمات فإنه لا يحل . لأنه لم يقصد حله بهذه الضربة وفي ذلك تفصيل المذاهب
( المالكية - قالوا : إن كان الصائد أو الذابح مسلما فإنه يشترط في حقه أن ينوي حل أكل الحيوان الذي يذبحه أو يصيده إما حقيقة وإما حكما والنية الحكمية : هي أن يقصد الذكاة الشرعية وإن لم يلاحظ حل الأكل فإن هذا القصد في حكم قصد حل الأكل إذ لا معنى لكون الذكاة شرعية إلا كونها سببا لحل أكل الحيوان وهذا كاف في الجزم بنية التحليل حتى لوشك في إباحة الصيد فإنه لا يحل . أما إذا كان كتابيا فإنه يكفي منه قصد الفعل وإن لم ينو التحليل في قلبه لأنه إذا اعتقد حل الميتة أكلت ذبيحته إذا كانت بحضرة مسلم عارف بأحكام الذبح كما تقدم وذلك لأن النية بمعنى اعتقاد الحل بالذبح لا تشترط في الكتابي . ويحرم على المكلف أن يصطاد بغير نية الذكاة كأن لم ينو شيئا أصلا أو ينو اللهو واللعب أما إذا نوى اقتناء الصيد لغرض شرعي كتعليمه إرسال الكلب أو الاتجار فيه توسعة على نفسه وعياله ولوفي الأمور الكمالية كأكل الفاكهة فإنه جائز . أما صيد الحيوان للفرجة عليه واتخاذ ذلك حرفة يعيش منها فقولان : فبعضهم يقول بالجواز وبعضهم يقول بالمنع
الحنفية - قالوا : التسمية شرط بالنص وإنما تتحقق بالقصد فلا بد من النية . ولذا لا تصح ذكاة المجنون المستغرق الذي لا قصد له أما المعتوه الذي يتأتى منه القصد ويعقل لفظ التسمية ويضبط فعل الذبح الشرعي فإن ذبيحته تحل ولولم يأت بالتسمية لعدم علمه بشرطيتها فإن الجاهل بها كالناسي ومثل المعتوه الصبي والسكران في ذلك وإذا قال : بسم الله ولم تحضره النية فإن ذبيحته تحل حملا على ظاهر حاله من أنه قصد التسمية على الذبيحة أما إذا قال : الحمد لله أو سبحان الله أولا إله إلا الله فإنه لا بد من قصد التسمية لأن هذا كنى به عن التسمية والكناية لا بد فيها من النية
الشافعية - قالوا : يشترط أن يقصد الصائد أو الذابح إيقاع الفعل على العين التي يريدها وإن أخطأ في ظنه أو يقصد إيقاع الفعل على واحد من الجنس وإن أخطأ الإصابة مثال الأول أن يرمى شيئا يظنه جمادا فيظهر أنه حيوان مات برميته فإنه يؤكل لأنه كان يقصد عينا وإن أخطأ في ظنه . ومثال الثاني أن يرمي قطيع ظباء فيصيب واحدة فإن أكلها يحل لأن قصد الجنس فأخطأ الإصابة وكذا إذا قصد واحدة فأصاب غيرها فإذا لم يقصد العين أو الجنس لا يحل الحيوان كما إذا وقعت منه السكين فأصابت حيوانا فذبح فإنه لا يحل ولا يشترط قصد الذبح بل الشرط قصد الفعل كما ذكر فإذا صال حيوان على شخص فضربه بسيفه فقتله فإنه يحل وإن لم يقصد ذبحه لأن المعتبر قصد الفعل وقد حصل
الحنابلة - قالوا : يجب قصد التذكية فإذا وقع سيف على مذبح حيوان فأماته لا يؤكل لعدم القصد ولا تشترط إرادة الأكل اكتفاء بإرادة التذكية )

(2/28)


الشروط المتعلقة بآلة الصيد

(2/29)


تنقسم آلة الصيد إلى قسمين : جماد وحيوان . فالأولى كالسهم يرمي به الصائد صيده والثاني الجوارح وهي كلاب الصيد ونحوها من الحيوانات المفترسة كالنمر والفهد والأسد إذا تعلمت الصيد ومثلها سباع الطير كالشواهين
فأما القسم الأول فإنه يشترط له شروط : منها أن يصيب الحيوان بحده أو بنصله فإذا رماه بسكين أو سيف أو حربة أو سهم فأصابه بحدها أو نصلها فقتله فإنه يحل أما إذا أصابه بعرضها فقتله ثقلها ولم يدركه حيا ويذبحه فإنه لا يحل ومثل ذلك ما إذا رماه بعصا أو خشبة أو حجر لاحد له فأماته فإنه لا يحل وكذلك إذا نصب له شبكة أو شركا فاختنق بها ومات قبل أن يذبحه فإنه لا يحل وكذا إذا رماه برصاص البنادق أو رشها فأماته فإنه لا يحل ( المالكية - قالوا : إنه لم يوجد نص من المتقدمين في الصيد برصاص البنادق ولكن كثيرا من المتأخرين يوثق بهم قالوا : يحل أكل ما يصطاد به ويميته لأنه يريق الدم ويسرع في القتل أكثر من غيره والغرض من الذكاة الشرعية إنما هو الإجهاز السريع على الحيوان كي يستريح من التعذيب فكلما كان أسرع في الإجهاز عليه كان استعماله أحسن ولا يشترط أن يكون الجرح بالشق بل يصح أن يكون بالخرق أيضا
الحنفية - قالوا : إن الأصل في ذلك أن يكون شك شك في أن موت الصيد كان بسبب الجرح لا بسبب الثقل فإذا تحقق أنه مات بالثقل أو شك في ذلك فإنه لا يحل أكله ما لم يدركه وفيه حياة مستقرة ويذبحه كما تقدم بيانه
فالصيد الذي يرمى برصاص البنادق فإنه وإن كان الرصاص يريق ويخرق الجسم ولكنه يشك في أن الحيوان هل مات بثقل اندفاع الرصاص أو بالجرح الناشئ من الإصابة ؟ فإذا وجد هذا الشك فإنه لا يحل أما إذا تحقق أنه مات بالجرح لا بالثقل فإنه يحل
ومثل الرصاص الرش فإنه إذا رمي به حيوان كبير لا يتصور أن يموت بثقل اندفاع الرش فإنه يحل لأن موته بسبب الجرح من غير شك أما إذا رمي به حيوان صغير ضعيف كالعصافير الضعيفة التي يتصور أن تموت بثقل اندفاع الرش فإنها لا تحل إلا بتحقق أنها ماتت بسبب الجرح لا بسبب الثقل ) فإذا احتمل الحيوان الرمية كأن كان كبيرا وأدركه وفيه حياة مستقرة وذبحه فإنه يحل . فالاصطياد بالبنادق جائز إذا كان الرامي حاذقا وكان الحيوان يحتمل الضربة فيقع بها حيا
ومنها أن تجرح آلة الصيد الحيوان وتريق دمه ( الحنفية - قالوا : اختلفوا في إراقة دم الصيد فقال بعضهم : إنها تشترط مطلقا سواء أكان الجرح صغيرا أم كبيرا وقال بعضهم : إن إراقة الدم لا تشترط مطلقا ويكفي الجرح ولوصغيرا وفصل بعضهم فقال : إن كان الجرح كبيرا لا تشترط إراقة الدم وإن كان صغيرا فلا بد من الإراقة ) في أي موضع من بدنه ولوأذنه . ومنها أن يتحقق من أن السهم ونحوه هو الذي قتل الحيوان وحده بدون أن يشترك معه سبب آخر فإذا رخى الصيد بسهم فأصابه إصابة يمكن أن يعيش بعدها ثم وقع وهوحي في ماء يغرقه ويميته عادة ومات فإنه لا يحل لاحتمال أن يكون قد مات بسبب الماء فقد اجتمع على قتله سببان : مبيح لأكله وهو الجراحة بالسهم ومانع وهو الغرق بالماء فيقدم السبب المانع احتياطا ومثل ذلك ما إذا رماه فوقع على جبل أو ربوة ثم تردى من فوقها وكان يقتل مثله بذلك عادة فإنه لا يحل أما إذا نفذ السهم في عضوعن أعضائه الرئيسية ومزقه وثبت قتله بهذه الرمية بحيث لم يبق فيه بعدها سوى حركة المذبوح ثم سقط بعذ ذلك في الماء أو تردى من مرتفع يميته عادة فإنه يحل ( المالكية - قالوا : إن إراقة الدم شرط في حل الصيد حتى ولولم يشق الجلد إلا إذا كان الحيوان مريضا فإن إراقة الدم لا تشترط وإنما الذي يشترط فيه هو الشافعية قالوا : الجلد فإذا لم يشق جلده فإنه لا يحل )
ويستثنى من ذلك ما لا يمكن الاحتراز عنه إذا رماه وهو يطير في الهواء فسقط على الأرض أو على آجرة مطروحة على الأرض فإنه يحل بدون نظر إلى احتمال أن سقوطه كان سببا في قتله إذ لواعتبر ذلك لما حل صيد أبدا ومثل ذلك ما كان يطير في هواء البحر أو على وجه الماء ورمي فوقع في الماء فإنه يحل ( الحنابلة - قالوا : إذا رمي الصيد فوقع في ماء يغرقه ويميته عادة ثم مات فإنه لا يحل على أي حال ولو كانت الرمية قد مزقت أعضاءه الرئيسية إلا إذا كان يطير على الماء فإنه يعفى عن سقوطه حينئذ كما يعفى عن سقوطه على الأرض من الهواء وكذا إذا سقط في الماء بجسمه وكان رأسه خارج الماء فإنه يحل على أي حال ) ما لم يغمس في الماء وتكون الرمية غير قاضية على حياته وحدها لاحتمال أن يكون قد مات بالغرق حينئذ
وإذا رمى صيدا فقطعه نصفين فإنه يؤكل بجميع أجزائه وكذا لورماه فقطع رأسه وحدها أوقطع نصفها أوقطعها مع جزء من جسمه لا يتصور أن يعيش معه الحيوان فإنه يحل أكله وأكل ما قطع منه أما إذا قطع منه عضوا يتصور أن يعيش بدونه كاليد والرجل والفخذ والثلث الذي يلي العجز ثم مات الحيوان ( الشافعية - قالوا : إذا قطع يده أو رجله أو جزءا منه يمكنه أن يعيش بدونه ولكنه قد مات الحيوان بهذه الرمية فإنه يؤكل هووما انفصل منه من يد أو رجل بشرط أن يكون الجرح مسرعا للموت ولم يدركه وبه حياة مستقرة ولم يجرحه جرحا آخر مات بسببه الخ - أما إذا لم يمت بهذه الرمية فقتله برمية أخرى أكل ما بقي ثابتا من أعضائه ولم يؤكل العضوالذي انفصل منه وفيه الحياة وكذا لوأدركه وفيه حياة مستقرة وذبحه ) بذلك أو أدركه حيا وذكاه فإنه يحل اكل الحيوان ويحرم أكل ذلك العضوالذي قطع منه لأن الجزء الذي ينفصل من الحي ميتة إلا أن يكون قد قطع ولكنه لم ينفصل منه تمام الانفصال بأن كان متعلقا بلحمه بحيث يمكن التئامه ورجوعه إلى حالته لوكان حيا فإنه في هذه الحالة تصبح تذكية الحيوان تذكية لذلك العضو المتصل به بخلاف ما إذا كان متعلقا به تعلقا يسيرا كأن يكون متصلا بجلده ( الحنابلة - قالوا : إذا بقي العضو متعلقا بجلده فيباح أكله بإباحة أكل الحيوان الذي تعلق به ويصبح كسائر أجزائه ) أو بعرق منه بحيث لا يتصور التئامه ورجوعه إلى هيئته الأولى
وأما الشروط المتعلقة بالجوارح فهي مفصلة في المذاهب
( الحنابلة - قالوا : الجوارح نوعان أحدهما : ما يصيد بنابه كالكلب والفهد وكل ما أمكن الاصطياد به . ثانيهما : ذوالمخلب - بكسر الميم - كالبازي والصقر والعقاب والشاهين وغيرها ويشترط في إباحة الصيد بالنوعين كونها متعلمة كما قال تعالى : { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم } وتعليم النوع الأول منها أي الكلب وغيره يكون بثلاثة أشياء الأول : أن يطيع صاحبه إذا أرسله والثاني : أن ينزجر إذا زجره صاحبه سواء في حال مشاهدته الصيد أولا الثالث : أن لا يأكل مما يصيد . على أن هذه الشروط إنما هي في الكلب خاصة أما الفهد وغيره فيكفي فيه ترك الأكل لتعذر انزجاره بزجر صاحبه ولا يلزم تكرار ترك الأكل بل يجزئ تركه مرة واحدة فإذا تناول من صيد فيحرم أكل هذا الصيد الذي تناول منه ولا يخرج بذلك عن كونه متعلما فلواصطاد بعدها ولم يأكل حل صيده . وإن شرب الكلب دم الصيد ولم يأكل منه فلا يحرم . أما تعليم النوع الثاني فهوبأمرين أحدهما : أن يطيع إذا أرسل ويرجع إذا دعي أما ترك الأكل فليس شرطا في حقه فما اصطاده حلال ولوأكل منه ويشترط في ذي المخلب أن يجرح الصيد فلوقتله بعد رميه أو خنقه لم يبح
وهم يقولون بحرمة صيد الكلب الأسود البهيم كما يحرم اقتناؤه لحديث صحيح عملوا بظاهره كما لا يحل صيد الخنزير
الشافعية - قالوا : يشترط لتحقق كونه معلما أربعة شروط أحدها : أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء إرساله فلوزجره فلم يطعه فلا يعد معلما وكذا زجره بعد أن يعدوويشتد عدوه فلولم يطعه فلا يعد معلما على الصحيح . الثاني : أن يسترسل بإرساله بأن يهيج لوأغراه بالصيد . أن يمسك الصيد فيحبسه على صاحبه ولا يخليه . الرابع : أن لا يأكل منه . وهذه الشروط الأربعة في الطلب وما في معناه من جوارح السباع . وأما جوارح الطير فيشترط فيها أن تهيج لوأغراها بالصيد وأن تترك الأكل من الصيد على المعتمد أما انزجارها بعد أن تطير فليس بشرط وكذلك منعها عن الطيران في ابتداء أمرها فليس بشرط ويشترط تكرار حصول هذه الشروط حتى يغلب على الظن أن الجارحة صارت معلمة ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح فمتى قالوا : إنها صارت معلمة فإن صيدها يؤكل فلا يقدر حصولها بمرة أو مرتين على المعتمد فلوفقد شرط من هذه الشروط فإن الصيد يحرم إلا إذا أدركه حيا فذبحه فيحل حينئذ ولا يشترط في الجارحة أن تجرح الصيد الذي تضطاده فلوقتلته بثقلها عليه أو ضربته في جدار فأماتته أو صدمته في حجر أو ضربته بالأرض ونحو ذلك فيحل ولوظهر كون الكلب معلما ثم أكل صيدا لم يحل ذلك الصيد على أظهر قولي الشافعي ويشترط تعليم جديد ولا يضر في كونها معلمة لعق الدم ومحل عض الكلب يجب غسله بماء وتراب - على الراجح - كجميع النجاسات الكلبية وقيل يجب تقويره وطرحه وقيل يعفى عنه فلا يجب غسله وقيل بطهارته
الحنفية - قالوا : يشترط لتحقق كون الجارح معلما أن يمسك الصيد ويحبسه على المالك وأن يترك الأكل منه وأن يجيبه إذا دعاه وأن يجيبه إذا أرسله إلى الصيد ولا يصبح معلما إلا إذا حصل ذلك منه ثلاث مرات على الصحيح ثم يباح الأكل في الرابعة وقيل يباح في الثالثة أيضا هذا في الكلب ونحوه من جوارح السباع . وأما جوارح الطير كالشاهين والصقر والبازي فلا يشترط فيه ترك الأكل وإنما يعتبر معلما إذا أجاب صاحبه عند دعوته فمتى أجابه عند الدعوة الثالثة من غير أن يطمع في اللحم صار معلما . أما إذا أجابه طمعا في اللحم فلا يعتبر معلما ولا يضر إذا دعاه فلم يجبه في المرة الأولى والثانية أما لودعاه في الثالثة فلم يجبه فلا يعتبر معلما
ويشترط في الجوارح أن تجرح الصيد على المعتمد فلوخنقت الجارحة الطير أوقتلته بثقلها ونحو ذلك فلا يؤكل . ويستثنى من الجارحة البازي والصقر فإنهما لا يشترط فيهما أن يجرحا الصيد ويباح أكله لوقتلاه خنقا أو بثقلهما باتفاق . وفي إراقة الدم الخلاف المتقدم في الصيد بالآلة
المالكية - قالوا : الجارحة المعلمة هي التي متى أرسلت أطاعت ومتى زجرت انزجرت إلا البازي فإنه لا ينزجر وعصيان المعلم مرة لا يخرجه عن كونه معلما كما يكون المعلم معلما بطاعته مرة إنما المعتبر في التعليم وعدمه العرف
ويشترط في الجارحة أن تجرح الصيد وتريق دمه إلا أن يكون المصيد مريضا فإنه يكتفى بشق جلده وإن لم يرق دمه كما تقدم فلوقتل الصيد بجسمه أو بضربه بالأرض أو نحو ذلك فلا يحل )

(2/30)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية