صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ الفقه على المذاهب الأربعة - الجزيري ]
الكتاب : الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف : عبد الرحمن الجزيري
(الصفحات مرقمة آليا)

صوم يوم الخميس والإثنين

(1/888)


يندب صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع وأن في صومها مصلحة للأبدان لا تخفى

(1/889)


صوم ست من شوال

(1/890)


يندب صوم ستة من شوال مطلقا بدون شروط عند الأئمة الثلاثة وخالف المالكية والأفضل أن يصومها متتابعة بدون فاصل عند الشافعية والحنابلة أما المالكية والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( المالكية قالوا : يكره صوم ستة أيام من شوال بشروط :
- 1 - أن يكون الصائم ممن يقتدي به أو يخاف عليه أن يعتقد وجوبها
- 2 - أن يصومها متصلة بيوم الفطر
- 3 - أن يصومها متتابعة
- 4 - أن يظهر صومها فإن انتقى شرط من هذه الشروط فلا يكره صومها إلا إذا اعتقد أن وصلها بيوم العيد سنة فيكره صومها ولو لم يظهرها أو صامها متفرقة
الحنفية قالوا : تستحب أن تكون متفرقة في كل أسبوع يومان )

(1/891)


صوم يوم وإفطار يوم

(1/892)


يندب للقادر أن يصوم يوما ويفطر يوما وقد ورد أن ذلك أفضل أنواع الصيام المندوب

(1/893)


صوم رجب وشعبان وبقية الأشهر الحرم

(1/894)


يندب صوم شهر رجب وشعبان باتفاق ثلاثة من الأئمة وخالف الحنابلة فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنابلة قالوا : إفراد رجب بالصوم مكروه إلا إذا أفطر في أثنائه فلا يكره ) أما الأشهر الحرم وهي أربع : ثلاثة متوالية وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد منفرد وهو رجب فإن صيامها مندوب عند ثلاثة من الأئمة وخالف الحنفية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنفية قالوا : المندوب في الأشهر الحرم أن يصوم ثلاثة أيام من كل منها وهي : الخميس والجمعة والسبت )

(1/895)


إذا شرع في صيامه النفل ثم أفسده

(1/896)


إتمام صوم التطوع بعد الشروع فيه وقضاؤه إذا أفسده مسنون عند الشافعية والحنابلة وخالفهم المالكية والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الحنفية قالوا : إذا شرع في صيام نفل ثم أفسده فإنه يجب عليه قضاؤه والواجب عندهم بمعنى السنة المؤكدة فإفساد صوم النفل عندهم مكروه تحريما وعدم قضائه مكروه تحريما كما تقدم في أقسام " الصوم "
المالكية قالوا : إتمام النفل من الصوم بعد الشروع فيه فرض وكذلك قضاؤه إذا تعمد إفساده ويستثنى من ذلك من صام تطوعا ثم أمره أحد والديه أو شيخه بالفطر شفقة عليه من إدامة الصوم فإنه يجوز له الفطر ولا قضاء عليه ) ومثل ذلك صوم الأيام التي نذر اعتكافها كأن يقول : لله علي أن أعتكف عشرة أيام فإنه يسن له أن يصوم هذه الأيام العشرة ولا يفترض صيامها عند الشافعية والحنابلة وخالفهم المالكية والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الحنفية قالوا : يشترط الصوم في صحة الاعتكاف المنذور كما تقدم
المالكية قالوا : الاعتكاف المنذور يفترض فيه الصوم بمعنى أن نذر الاعتكاف أياما لا يستلزم نذر الصوم لهذه الأيام فيصح أن يؤدي الاعتكاف المنذور في صوم تطوع ولا يصح أن يؤدي في حال الفطر لأن الاعتكاف من شروط صحته الصوم عندهم )

(1/897)


الصوم المكروه

(1/898)


صوم يوم الجمعة وحده والنيروز والمهرجان وصوم يوم أو يومين قبل رمضان
من الصوم المكروه صوم يوم النيروز ويوم المهرجان منفردين بدون أن يصوم قبلهما أو بعدهما ما لم يوافق ذلك عادة له فإنه لا يكره عند ثلاثة وقال الشافعية : لا يكره صومها مطلقا ومن المكروه صيام يوم الجمعة منفردا وكذا صيام يوم السبت منفردا وقال المالكية : لا يكره إفراد يوم الجمعة أو غيره بالصوم ومن المكروه أن يصوم قبل شهر رمضان بيوم أو يومين لا أكثر عند الحنفية والحنابلة أما المالكية فقالوا : لا يكره صوم يوم أو يومين قبل رمضان والشافعية قالوا يحرم صوم أو يومين قبل رمضان وكذا صوم النصف الثاني من شعبان إذا لم يصله بما قبله ولم يوجد سبب يقتضي صومه من نذر أو عادة ومن المكروه صوم يوم الشبك وقد تقدم بيانه في المذاهب وهناك مكروهات أخرى مفصلة في المذاهب : فانظرها تحت الخط ( الحنفية قالوا : الصوم المكروه ينقسم إلى قسمين : مكروه تحريما وهو صوم أيام الأعياد والتشريق فإذا صامها انعقد صومه مع الإثم وإن شرع في صومها ثم أفسدها لا يلزمه القضاء ومكروه تنزيها وهو صيام يوم عاشوراء منفردا عن التاسع أو عن الحادي عشر ومن المكروه تنزيها إفراد يوم النيروز والمهرجان بالصوم إذا لم يوافق عادة له كما ذكر في أعلى الصحيفة ومنه صيام أيام الدهر لأنه يضعف البدن عادة ومنه صوم الوصال وهو مواصلة الإمساك ليلا ونهارا ومنه صوم الصمت وهو أن يصوم ولا يتكلم ومنه صوم المرأة تطوعا بغير إذن زوجها إلا أن يكون مريضا أو صائما أو محرما بحج أو عمرة ومنه صوم المسافر إذا أجهده الصوم
المالكية قالوا : يكره صوم رابع النحر ويستثنى من ذلك للقارن ونحوه كالمتمتع ومن لزمه هدي ينقص في حج أو عمرة فإنه يصومه ولا كراهة وإذا صام الرابع تطوعا فيعقد وإذا أفطر فيه عامدا ولم يقصد بالفطر التخلص من النهي وجب عليه قضاؤه وإذا نذر صومه لزمه نظرا لكونه عبادة في ذاته ويكره سرد الصوم وتتابعة لمن يضعفه ذلك عن عمل أفضل من السوم ويكره أيضا صوم يوم المولد النبوي لأنه شبيه بالأعياد ويكره صوم التطوع لمن عليه صوم واجب كالقضاء وصوم الضيف بدون إذن رب المنزل أما صوم المرأة تطوعا بدون إذن زوجها فهو حرام كما تقدم وكذا يحرم الوصال في الصوم وهو وصل الليل بالنهار في الصوم وعدم الفطر وأما صوم المسافر فهو أفضل من الفطر إلا أن يشق عليه الصوم فالأفضل الفطر
الشافعية قالوا : يكره صوم المريض والمسافر والحامل والمرضع والشيخ الكبير إذا خافوا مشقة شديدة وقد يكون محرما في حالة ما إذا خافوا على أنفسهم الهلاك أو تلف عضو بترك الغذاء ويكره أيضا إفراد يوم الجمعة أو يوم سبت أو أحد بالصوم إذا لم يوجد لهم سبب من نذر ونحوه أما إذا صام لسبب فلا يكره كما إذا وافق عادة له أو وافق يوما في صومه وكذا يكره صوم الدهر ويكره التطوع بصيام يوم وعليه قضاء فرض لأن أداء الفرض أهم من التطوع
الحنابلة قالوا : يكره أيضا صيام الوصال وهو أن لا يفطر بين اليومين وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها ويكره إفراد رجب بالصوم )

(1/899)


ما يفسد الصيام

(1/900)


تنقسم مفسدات الصيام إلى قسمين : قسم يوجب القضاء والكفارة وقسم يوجب القضاء دون الكفارة وإليك بيان كل قسم :

(1/901)


ما يوجب القضاء والكفارة

(1/902)


في مفسدات الصيام التي توجب القضاء والكفارة اختلاف المذاهب فانظره تحت الخط ( الحنفية قالوا : يوجب القضاء والكفارة أمران : الأول أن يتناول غذاء أو ما في معناه بدون عذر شرعي كالأكل والشرب ونحوهما ويميل إليه الطبع وتنقضي به شهوة البطن الثاني : أن يقضي شهوة الفرج كاملة وإنما تجب الكفارة في هذين القسمين بشروط :
أولا : أن يكون الصائم المكلف مبيتا للنية في أداء رمضان فلو لم يبيت النية لا تجب عليه الكفارة كما تقدم وكذا إذا بيت النية في قضاء ما فاته من رمضان أو في صوم آخر غير رمضان ثم أفطر فإنه لا كفارة عليه
ثانيا : أن لا يطرأ عليه ما يبيح الفطر من سفر أو مرض فإنه يجوز له أن يفطر بعد حصول المرض . أما لو أفطر قبل السفر فلا تسقط عنه الكفارة
ثالثا : أن يكون طائعا مختارا لا مكرها
رابعا : أن يكون متعمدا . فلو أفطر ناسيا أو مخطئا تسقط عنه الكفارة كما تقدم . ومما يوجب الجماع في القبل أو الدبر عمدا . وهو يوجب الكفارة على الفاعل والمفعول به . بالشروط المتقدمة . ويزاد عليها . أن يكون المفعول به آدميا حيا يشتهي . وتجب الكفارة بمجرد لقاء الختانين . وإن لم ينزل وإذا مكنت المرأة صغيرا أو مجنونا من نفسها فعليها الكفارة بالاتفاق . أما إذا تلذذت امرأة بامرأة مثلها بالمساحقة المعروفة وأنزلت . فإن عليها القضاء دون الكفارة وأما وطء البهيمة والميت والصغيرة التي لا تشتهي فإنه لا يوجب الكفارة ويوجب القضاء بالإنزال . كما تقدم ومن القسم الأول شرب الدخان المعروف وتناول الأفيون الحشيش ونحو ذلك . فإن الشهوة فيه ظاهرة . ومنه ابتلاع ريق زوجته للتلذذ به . ومنه ابتلاع حبة حنطة أو سمسمة من خارج فمه لأنه يتلذذ بها . إلا إذا مضغها فتلاشت ولم يصل منها شيء إلى جوفه ومنه أكل الطين الأرمني كما تقدم . وكذا قليل الملح ومنه أن يأكل عمدا بعد أن يغتاب آخر ظنا منه أنه أفطر بالغيبة لأن الغيبة لا تفطر فهذه الشبهة لا قيمة لها وكذلك إذا أفطر بعد الحجامة أو المس أو القبلة بشهوة من غير إنزال لأن هذه الأشياء لا تفطر فإذا تعمد الفطر بعدها لزمته الكفارة ومنه غير ذلك مما يأتي بيانه بيما يوجب القضاء فقط
الشافعية قالوا : ما يوجب القضاء والكفارة ينحصر في شيء واحد وهو الجماع بشروط . الأول : أن يكون ناويا للصوم فلو ترك النية ليلا لم يصح صومه ولكن يجب عليه الإمساك فإذا أتى امرأته في هذه الحالة نهارا لم تجب عليه الكفارة لأنه ليس بصائم حقيقة الثاني : أن يكون عامدا فلو أتاها ناسيا لم يبطل صومه وليس عليه قضاء ولا كفارة الثالث : أن يكون مختارا فلو أكره على الوقاع لم يبطل صومه الرابع : أن يكون عالما بالتحريم وليس له عذر مقبول شرعا في جهله فلو صام وهو قريب العهد بالإسلام أو نشأ بعيدا عن العلماء وجامع في هذه الحالة لم يبطل صومه أيضا والخامس : أن يقع منه الجماع في صيام رمضان أداء بخصوصه ولو فعل ذلك في صوم النفل أو النذر أو في صوم القضاء أو الكفارة فإن اكفارة لا تجب عليه ولو كان عامدا السادس : أن يكون الجماع مستقلا وحده في إفساد الصوم فلو أكل في حال تلبسه بالفعل فإنه لا كفارة عليه وعليه القضاء فقط السابع : أن يكون آثما بهذا الجماع بأن كان مكلفا عاقلا أما إذا كان صبيا وفعل ذلك وهو صائم فإنه لا كفارة عليه ومن ذلك ما لو كان مسافرا ثم نوى الصيام وأصبح صائما : ثم أفطر في أثناء اليوم بالجماع : فإنه لا كفارة عليه بسبب رخصة السفر الثامن : أن يكون معتقدا صحة صومه : فلو أكل ناسيا فظن أن هذا مفطر ثم جامع بعد ذلك عمدا . فلا كفارة عليه . وإن بطل صومه ووجب عليه القضاء التاسع : أن لا يصيبه جنون بعد الجماع وقبل الغربو . فإذا أصابه ذلك الجنون فإنه لا كفارة عليه . العاشر : أن لا يقدم على هذا الفعل بنفسه . فلو فرض وكان نائما وعلته امرأته . فأتاها وهو على هذه الحالة . فإنه لا كفارة عليه . إلا أن أغراها على عمل ذلك الحادي عشر : أن لا يكون مخطئا . فلو جامع ظانا بقاء الليل أو دخول المغرب . ثم تبين أنه جامع نهارا . فلا كفارة عليه وإن وجب عليه القضاء والإمساك الثاني عشر : أن يكون الجماع بإدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها ونحوه فلو لم يدخلها أو أدخل بعضها فقط لم يبطل صومه . وإذا أنزل في هذه الحالة فعليه القضاء فقط . ولكن يجب عليه الإمساك فإن لم يسمك بقية اليوم فقد أثم الثالث عشر : أن يكون الجماع في فرج دبرا كان أو قبلا ولو لم ينزل فلو وطئ في غير ما ذكر فلا كفارة عليه الرابع عشر : أن يكون فاعلا لا مفعولا فلو أتى أنثى أو غيرها فالكفارة على الفاعل دون المفعول مطلقا . هذا وإذا طلع الفجر وهو يأتي زوجه فإن نزع حالا صح صومه وإن استمر ولو قليلا بعد ذلك فعليه القضاء والكفارة إن علم بالفجر وقت طلوعه أما إن لم يعلم فعليه القضاء دون الكفارة
الحنابلة قالوا : يوجب القضاء والكفارة شيئان : أحدهما : الوطء في نهار رمضان في قبل أو دبر سواء كان المفعول به حيا أو ميتة عاقلا أو غيره ولو بهيمة وسواء كان الفاعل متعمدا أو ناسيا عالما أو جاهلا مختارا أو مكرها أو مخطئا كمن وطئ وهو يعتقد أن الفجر لم يدخل وقته ثم تبين أنه وطئ بعد الفجر ودليلهم على ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر المجامع في نهار رمضان بالقضاء والكفارة ولم يطلب منه بيان حاله وقت الجماع والكفارة واجبة في ذلك سواء كان الفاعل صائما حقيقة أو ممسكا إمساكا واجبا وذلك كمن لم يبيت النية فإنه لا يصح صومه مع وجوب الإمساك عليه فإذا جامع في هذه الحالة لزمته الكفارة مع القضاء الذي تعلق بذمته
هذا والنزع جماع : فمن طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع وجب عليه القضاء والكفارة أما الموطوء فإن كان مطاوعا عالما بالحكم غير ناس للصوم فعليه القضاء والكفارة أيضا : ثانيهما : إذا باشرت امرأة أخرى وأنزلت إحداهما وجبت عليها الكفارة ويقال لذلك : المساحقة
هذا وإذا جامع وهو في حال صحته ثم عرض له مرض لم تسقط الكفارة عنه بذلك ومثل ذلك إذا جامع وهو طليق ثم حبس أو جامع وهو مقيم ثم سافر أو جومعت المرأة وهي غير حائض ثم حاضت فإن الكفارة لا تسقط بشيء من ذلك
المالكية قالوا : موجبات القضاء والكفارة هي كل ما يفسد الصوم بشرائط خاصة وإليك بيان مفسدات الصوم الموجبة للقضاء والكفارة
أولا : الجماع الذي يوجب الغسل ويفسد به صوم البالغ سواء كان قاعلا أو مفعولا وإذا جامع بالغ صغيرة لا تطيقه فإن صومه لا يفسد إلا بالإنزال وإذا خرج المني من غير جماع فإنه يوجب الكفارة دون القضاء إلا أنه إذا كان بنظر أو فكر فإنه لا يوجب الكفارة إلا بشرطين : أحدهما : أن يديم النظر والفكر . فلو نظر إلى امرأة ثم غض بصره عنها بدون أن يطيل النظر وأمنى بهذا فلا كفارة عليه . الثاني : أن تكون عادته الإنزال عند استدامة النظر . فإن لم يكن الإنزال عادته عند استدامة النظر ففي الكفارة وعدمها قولان : وإذا خرج المني بمجرد نظر أو فكر مع لذة معتادة بلا استدامة أوجب القضاء دون الكفارة . وأما إخراج المذي فإنه يوجب القضاء فقط على كل حال ومن أتى امرأة نائمة في نهار رمضان وجب عليه أن يكفر عنها كما تجب الكفارة على من صب شيئا عمدا في خلق شخص آخر وهو نائم ووصل لمعدته وأما القضاء فيجب على المرأة وعلى المصبوب في حلقه لأنه لا يقبل النيابة
ثانيا : إخراج القيء وتعمده سواء ملأ الفم أو لا فمن فعل ذلك عمدا بدون علة وجب عليه القضاء والكفارة أما إذا غلبه القيء فلا يفسد الصوم إلا إذا رجع شيء منه ولو غلبه فيفسد صومه وهذا بخلاف البلغم إذا رجع فلا يفسد الصوم ولو أمكن الصائم أن يطرحه وتركه حتى رجع
ثالثا : وصول مائع إلى الحلق من فم أو أذن أو عين أو أنف . سواء كان المائع ماء أو غيره إذا وصل عمدا فإنه تجب به الكفارة والقضاء أما إذا وصل سهوا كما إذا تمضمض فوصل الماء إلى الحلق قهرا فإنه يوجب القضاء فقط وكذا إذا وصل خطأ كأكله نهارا معتقدا بقاء الليل أو غروب الشمس أو شاكا في ذلك ما لم تظهر الصحة كأن يتبين أن أكله قبل الفجر أو بعد غروب الشمس أو شاكا في ذلك ما لم تظهر الصحة كأن يتبين أن أكله قبل الفجر أو بعد غروب الشمس وإلا فلا يفسد صومه وفي حكم المائع : البخور وبخار القدر إذا استنشقهما فوصلا إلى حلقه وكذلك الدخان الذي اعتاد الناس شربه وهو مفسد للصوم بمجرد وصوله إلى الحلق وإن لم يصل إلى المعدة وأما دخان الحطب فلا أثر له كرائحة الطعام إذا استنشقها فلا أثر لها أيضا ولو اكتحل نهارا فوجد طعم الكحل في حلقه فسد صومه ووجبت عليه الكفارة إن كان عامدا وأما لو اكتحل ليلا ثم وجد طعمه نهارا فلا يفسد صومه ولو دهن شعره عامدا بدون عذر فوصل الدهن الى حلقه من مسام الشعر فسد صومه وعليه الكفارة وكذا إذا استعملت المرأة الحناء في شعرها عمدا بدون عذر . فوجدت طعمها في حلقها فسد صومها . وعليها الكفارة
رابعا : وصول أي شيء إلى المعدة . سواء كان مائعا أو غيره عمدا بدون عذر سواء وصل من الأعلى أو من الأسفل . لكن ماوصل من الأسفل لا يفسد الصوم إلا إذا وصل من منفذ كالدبر . فلا يفسد الصوم بسريان زيت أو نحوه من المسام إلى المعدة . فالحقنة بالإبرة في الذراع أو الألية أو غير ذلكلا تفطر . أما الحقنة في الإحليل وهو الذكر . فلا تفسد الصوم مطلقا . ولو وصل إلى المعدة حصاة أو درهم فسد صومه إن كان واصلا من الفم فقط . وكل ما وصل إلى المعدة على ما بين يبطل الصوم . ويوجب القضاء في رمضان سواء كان وصوله عمدا أو غلبة أو سهوا . أو خطأ كما تقدم في وصول المائع للحلق إلا أن الواصل عمدا في بعضه الكفارة على الوجه الذي بينا
وبالجملة فمن تناول مفسادا من مفسدات الصوم السابقة وجب عليه القضاء والكفارة بشروط : أولا : أن يكون الفطر في أداء رمضا فإن كان في غيره كقضاء رمضان وصوم منذور أو صوم كفارة أو نفل فلا تجب عليه الكفارة . وعليه القضاء في بعض ذلك . على تفصيل يأتي في القسم الثاني ثانيا : أن يكون متعمدا . فإن أفطر ناسيا أو مخطئا . أو لعذر . كمرض وسفر . فعليه القضاء فقط . ثالثا : أن يكون مختارا في تناول المفطر . أما إذا كان مكرها فلا كفارة عليه وعليه القضاء رابعا : أن يكون عالما بحرمة الفطر . ولو جهل وجوب الكفارة عليه . خامسا : أن يكون غير مبال بحرمة الشهر وهو غير المتأول تأويلا قريبا وإن كان متأويلا تأويلا قريبا فلا كفارة عليه والمتأول تأويلا قريبا هو المستند في فطره لأمر موجود وله أمثلة : منها أن يفطر أولا ناسيا أو مكرها . ثم ظن أنه لا يجب عليه إمساك بقية اليوم بعد التذكر . أو زوال الإكراه فتناول مفطرا عمدا . فلا كفارة عليه لاستناده لأمر موجود وهو الفطر أولا نسيانا أو بإكراه . ومنها ما إذا سافر الصائم مسافة أقل من مسافة القصر فظن أن الفطر مباح له . لظاهر قوله تعالى : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } فنوى الفطر من الليل وأصبح مفطرا . فلا كفارة عليه . ومنها من رأى هلال شوال نهار الثلاثين من رمضان فظن أنه يوم عيد . وأن الفطر مباح فأفطر لظاهر قوله عليه السلام : " وصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " فلا كفارة عليه وأما المتأول تأويلا بعيدا فهو المستند في فطره إلى أمر غير موجود وعليه الكفارة وله أيضا أمثلة : منها أن من عادته الحمى في يوم معين . فبيت نية الفطر من الليل ظانا أنه مباح فعليه الكفارة . ولو حم في ذلك اليوم . ومنها المرأة تعتاد الحيض في يوم معين . فبيتت نية الفطر لظنها إباحته في ذلك اليوم لمجيء الحيض فيه . ثم أصبحت مفطرة فعليها الكفارة . ولو جاء الحيض في ذلك اليوم حيث نوت الفطر قبل مجيئه . ومنها من اغتاب في يوم معين من رمضان فظن أن صومه بطل . وأن الفطر مباح فأفطر متعمدا . فعليه الكفارة سادسا : أن يكون الواصل من الفم . فلو وصل شيء من الأذن أو العين أو غيرهما . مما تقدم فلا كفارة وإن وجب القضاء . سابعا : أن يكون الوصول للمعدة فلو وصل شيء إلى حلق الصائم ورده فلا كفارة عليه . وإن وجب القضاء في المائع الواصل إلى الحلق ومن الأشياء التي تبطل الصوم وتوجب القضاء والكفارة : رفع النية ورفضها نهارا وكذا رفع النية ليلا إذا استمر رافعا لها حتى طلع الفجر وصول شيء إلى المعدة من القيء الذي أخرجه الصائم عمدا سواء وصل عمدا أو غلبة لا نسيانا ووصول شيء من أثر السواك الرطب الذي يتحلل منه شيء عادة كقشر الجوزن ولو كان الوصول غلبة متى تعمد الاستياك في نهار رمضان فهذه الأشياء توجب الكفارة بالشروط السابقة ما عدا التعمد بالنسبة للراجع من القيء والواصل من أثر السواك المذكور فإنه لا يشترط بل التعمد والوصول غلبة سواء وأما الوصول نسيانا فيوجب القضاء فقط فيهما )

(1/903)


ما يوجب القضاء دون الكفارة وما لا يوجب شيئا

(1/904)


قد عرفت ما يوجب القضاء والكفارة وبقي الكلام فيما يوجب القضاء دون الكفارة وما لا يفسد الصيام أصلا وهو أمرو كثيرة مفصلة في المذاهب فانظرها تحت الخط ( الحنفية قالوا : ما يوجب القضاء دون الكفارة ثلاثة أشياء : الأولى : أن يتناول الصائم ما ليس فيه غذاء أو ما في معنى الغذاء وما فيه غذاء هو ما يميل الطبع إلى تناوله وتنقضي شهوة البطن به وما في معنى الغذاء هو الدواء الثاني : أن يتناول غذاء أو دواء لعذر شرعي كمرض أو سفر أو إكراه أو خطأ كأن أهمل وهو يتمضمض فوصل الماء إلى جوفه وكذا إذا داوى جرحا في بطنه أو رأسه وصل الدواء إلى جوفه أو دماغه أما النسيان فإنه لا يفسد الصيام أصلا فلا يجب به قضاء ولا كفارة الثالث : أن يقضي شهوة الفرج غير كاملة ومن القسم الأول ما إذا أكل أرزا نيئا أو عكينا أو دقيقا غير مخلوط بشيء يؤكل عادة كالسمن والعسل وإلا وجبت به الكفارة وكذا إذا أكل طينا غير أرمني إذا لم يعتد أكله أما الطين الأرمني وهو معروف عند العطارين فإنه يوجب الكفارة مع القضاء أو أكل ملحا كثيرا دفعة واحدة فإن ذلك مما لا يقبله الطبع ولا تنقضي به شهوة البطن . أما أكل القليل منه فإن فيه الكفارة مع القضاء لأنه يتلذذ به عادة وكذا إذا أكل نواة أو قطعة من الجلد أو ثمرة من الثمار التي لا تؤكل قبل نضجها كالسفرجل إذا لم يطبخ أو يملح وإلا كانت فيه الكفارة وكذا إذا ابتلع حصاة أو حديدة أو درهما أو دينارا : أو ترابا أو نحو ذلك أو أدخل ماء أو دواء في جوفه بواسطة الحقنة من الدبر أو الأنف أو قبل المرأة وكذا إذا صب في أذنه دهنا بخلاف ما إذا صب ماء فإنه لا يفسد صومه على الصحيح لعدم سريان الماء وكذا دخل فمه مطر أو ثلج ولم يبتلعه بصنعه وكذا إذا تعمد إخراج القيء من جوفه أو خرج كرها وأعاده بصنعه بشرط أن يكون ملء الفم في الصورتين وأن يكون ذاكرا لصومه فإن كان ناسيا لصومه لم يفطر في جميع ما تقدم وكذا إذا كان أقل من ملء الفم على الصحيح وإذا أكل ما بقي من نحو تمرة بين أسنانه إذا كان قدر الحمصة وجب القضاء فإن كان أقل فلا يفسد لعدم الاعتداد به وكذا إذا تكون ريقه ثم ابتلعه أو بقي بلل بفيه بعد المضمضة وابتلعه مع الريق فلا يفسد صومه وينبغي أن يبصق بعد المضمضة قبل أن يبتلع ريقه ولا يشترط المبالغة في البصق ومن القسم الثاني - وهو ما إذا تناول غذاء أو ما في معناه لعذر شرعي - إذا أفطرت المرأة خوفا على نفسها أن تمرض من الخدمة أو كان الصائم نائما وأدخل أحد شيئا مفطرا في جوفه وكذا إذا أفطر عمدا بشبهة شرعية بأن أكل عمدا بعد أن أكل ناسيا أو جامع ناسيا ثم جامع عامدا أو أكل عمدا بعد الجماع ناسيا وكذا إذا لم يبيت النية ليلا ثم نوى نهارا فإنه إذا أفطر لا تجب عليه الكفارة لشبهة عدم صيامه عند الشافعية وكذا إذا نوى الصوم ليلا . ولم ينقص نيته ثم أصبح مسافرا ونوى الإقامة بعد ذلك ثم أكل لا تلزمه الكفارة وإن حرم عليه الأكل في هذه الحالة وكذا إذا أكل أو شرب أو جامع شاكا في طلوع الفجر وكان الفجر طالعا لوجود الشبهة . أما الفطر وقت الغروب . فلا يكفي فيه الشك لإسقاط الكفارة بل لا بد من غلبة الظن على إحدى الروايتين . ومن جامع قبل طلوع الفجر ثم طلع عليه الفجر فإن نزع فورا لم يفسد صومه . وإن بقي كان عليه القضاء والكفارة . ومن القسم الثالث - وهو ما إذا قضى ضهوة الفرج غير كاملة - ما إذا أمنى بوطء ميتة أو بهيمة أو صغيرة لا تشتهى أو أمنى بفخذ أو بطن أو عبث بالكف أو وطئت المرأة وهي نائمة أو قطرت في فرجها دهنا ونحوه فإنه يجب في كل هذا القضاء دون الكفارة . ويلحق بهذا القسم ما إذا أدخل إصبعه مبلولة بماء أو دهن في دبره واستنجى فوصل الماء إلى داخل دبره وإنما يفسد ما دخل في الدبر إذا ما وصل إلى محل الحقنة ولم يبق منه شيء . أما إذا بقي منه في الخارج شيء بحيث لم يغب كله لم يفسد صومه وكذلك المرأة إذا أدخلت إصبعها مدهونة بماء أو دهن في فرجها الداخل . أو أدخلت خشبة الحقنة أو نحوها في داخل فرجها وغيبتها كلها . ففي كل هذه الأشياء ونحوها يجب القضاء دون الكفارة
هذا ولا يفسد صومه لو صب ماء أو دهنا في إحليله للتداوي وكذا لو نظر بشهوة فنزل مني بشهوة ولو كرر النظر . كما لا يفطر إذا أمنى بسبب تفكره في وقاع ونحوه أو احتلم ولا يفطر أيضا بشم الروائح العطرية كالورد والنرجس ولا بتأخير غسل الجنابة حتى تطلع الشمس ولو مكث جنبا كل اليوم . ولا يفطر بدخول غبار طريق أو غربلة دقيق أو ذباب أو بعوض إلى حلقة رغما عنه
المالكية قالوا : من تناول مفطرا من الأمور المفسدة للصوم المتقدمة ولم تتحقق فيه شرائط وجوب الكفارة السابة فعليه القضاء فقط سواء كان الصائم في رمضان أو في فرض غيره كقضاء رمضان والكفارات والنذؤ غير المعين وأما النذر المعين فإن كان الفطر فيه لعذر كمرض واقع أو متوقع . بأن ظن أن الصوم في ذلك الوقت المعين يؤدي إلى مرضه أو خاف من الصوم زيادة المرض أو تأخر البرء أو كان الفطر لحيض المرأة أو نفاسها أو لإغماء أو جنون فلا يجب قضاؤه نعم إذا بقي شيء من زمنه بعد زوال المانع تعين الصوم فيه أما إذا أفطر فيه ناسيا كأن نذر صوم يوم الخمس فصام الأربعاء يظنه الخميس ثم أفطر يوم الخميس فعليه القضاء
هذا ومن الصيام المفروض صوم المتمتع والقارن إذا لم يجد الهدي فإن أفطر أحدهما فيهما وجب عليه القضاء
وبالجملة كل فرض أفطر فيه فإنه يجب عليه قضاؤه إلا النذر المعين على التفصيل السابق وأما النفل فلا يجب القضاء على من أفطر فيه إلا إذا كان القطر عمدا حراما أما ما لا يفسده الصوم ولا يوجب القضاء فهو أمور : أحدها : أن يغلبه القيء ولم يبتلع منه شيئا فهذا صومه صحيح ثانيها : أن يصل غبار الطريق أو الدقيق ونحوهما إلى حلق الصائم الذييزاول أعمالا تتعلق بذلك كالذي يباشر طحن الدقيق أو نخله ومثلهما ما إذا دخل حلقه ذباب بشرط أن يصل ذلك إلى حلقه قهرا عنه ثالثها : أن يطلع عليه الفجر وهو يأكل أو يشرب مثلا فيطرح المأكول ونحوه من فيه بمجرد طلوع الفجر فإنه لا يفسد صيامه بذلك رابعها : من غلبه المني أو المذي بمجرد نظر أو فكر فإن ذلك لا يفسد الصيام كما تقدم قريبا . خامسها : أن يبتلع ريقه المتجمع في فمه أو يبتلع ما بين أسنانه من بقايا الطعام فإنه لا يضره ذلك وصومه صحيح حتى ولو تعمد بلع ما بين أسنانه على المعتمد إلا إذا كان كثيرا عرفا وابتلعه . ولو قهرا عنه فإن صيامه يبطل في هذه الحالة سادسها : أن يضع دهنا على جرح في بطنه متصلا بجوفه فإن ذلك لا يفطره لأن كل ذلك لا يصل للمحل الذي يستقر فيه الطعام والشراب سابعها : الاحتلام فمن احتلم فإن صومه لا يفسد
الحنابلة قالوا : يوجب القضاء دون الكفارة أمور : منها إدخال شيء إلى جوفه عمدا من الفم أو غيره سواء كان يذوب في الجوف كلقمة أو لا كقطعة حديد أو رصاص وكذا إذا وجد طعم العلك - اللبان - بعد مضغه نهارا أو ابتلع نخامة وصلت إلى فمه أو وصل الدواء بالحقنة إلى جوفه أو وصل طعم الكحل إلى حلقه أو وصل قيء إلى فمه ثم ابتلعه عمدا أو أصاب ريقه نجاسة ثم ابتلعه عمدا فإن صومه يفسد في كل هذه الأحوال وعليه القضاء دون الكفارة كما يفسد أيضا بكل ما يصل إلى دماغه عمدا كالدواء الذي يصل إلى أم الدماغ إذا داوى به الجرح الواصل إليها وتسمى - المأمومة - وكذا يفسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة إذا أمنى بسبب تكرار النظر أو أمنى بسبب الاستمناء بيده أو بيد غيره وكذا إذا أمذى بنظر أو نحوه أو أمنى بسبب تقبيل أو لمس أو بسبب مباشرة دون الفرج فإن صومه يفسد إذا تعمد في ذلك وعليه القضاء ولو كان جاهلا بالحكم ويفسد صومه أيضا إذا قاء قهرا عنه ولو قليلا وعليه القضاء فقط ويفسد أيضا بالحجامة فمن احتجم أو حجم غيره عمدا فسد صومه إذا ظهر دم وإلا لم يفطر ولا يفسد صومه بشيء من هذه الأمور إذا فعله ناسيا أو مكرها ولو كان الإكراه بإدخال دواء إلى دوفه وأما ما لا يوجب كفارة ولا قضاء فأمور منها الفصد ولو خرج دم ومنها التشريط بالموسى بدل الحجامة للتداوي ومنها الرعاف وخروج القيء رغما عنه ولو كان عليه دم ومنها إذا وصل إلى حلق الصائم ذباب أو غبار طريق ونحوه بلا قصد لعدم إمكان التحرز عنه ومنها ما إذا أدخلت المرأة إصبعها أو غيره في قبلها ولو مبتلة فإنه لا تفطر بذلك ومنها الإنزال بالفكر أو الاحتلام فإنه لا يفسد الصوم ومنها ما إذا لطخ باطن قدمه بالحناء فوجد طعمها في حلقه ومنها ما إذا تمضمض أو استنشق فسرى الماء إلى جوفه بلا قصد فإن صومه لا يفسد بذلك حتى ولو بالغ في المضمضة والاستنشاق ولو كانت المضمضة عبثا مكروها ومنها ما إذا أكل أو شرب أو جامع شاكا في طلوع النهار أو ظانا غروب الشمس ولم يتبين الحال فإن صومه لا يفسد بذلك أما إذا تبينه في الصورتين فعليه القضاء في الأكل والشرب وعليه القضاء والكفارة في الجماع ومنها أن يأكل أو يشرب في وقت يعتقده ليلا فبان نهارا أو أكل فظن أنه أفطر بالأكل ناسيا فأكل عامدا فإن صومه يفسد وعليه القضاء فقط
الشافعية قالوا : ما يفسد الصوم ويوجب القضاء دون الكفارة أمور : منها وصول شيء إلى جوف الصائم كثيرا كان أو قليلا ولو قدر سمسمة أو حصاة ولو ماء قليلا ولا يفسد الصوم بذلك إلا بشروط : أحدها : أن يكون جاهلا بسبب قرب إسلامه ثانيها أن يكون عامدا فلو وصل شيء قهرا عنه فإن صومه لا يفسد ثالثها أن تصل إلى جوفه من طريق معتبر شرعا كأنفه وفمه وأذنه وقبله ودبره وكالجرح الذي يوصل إلى الدماغ ومنها تعاطي الدخان المعروف والتمباك والنشوق ونحو ذلك فإنه يفسد الصوم ويوجب القضاء دون الكفارة لما عرفت من مذهبهم أن الكفارة لا تجب إلا بالجماع بالشرائط المتقدمة ومنها ما لو أدخل إصبعه أو جزءا منه ولو جافا حالة الاستنجاء في قبل أو دبر بدون ضرورة فإن صومه يفسد بذلك أما إذا كان لضرورة فإنه لا يفسد . ومنها أن يدخل عودا ونحوه في باطن أذنه فإنه يفطر بذلك . لأن باطن الأذن تعتبر شرعا من الجوف أيضا ومن ذلك ما إذا زاد في المضمضة والاستنشاق عن القدر المطلوب شرعا من الصائم بأن بالغ فيهما . أو زاد عن الثلاث فترتب على ذلك سبق الماء إلى جوفه فإن صيامه يفسد ذلك وعليه القضاء ومنها ما إذا أكل ما بقي من بين أسنانه مع قدرته على تمييزه وطرحه فإنه يفطر بذلك ولو كان دون الحمصة ومنها إذا قاء الصائم عامدا عالما مختارا فإنه يفطر وعليه القضاء ولو لم يملأ الفم ومنها ما إذا دخلت ذبابه في جوفه فأخرجها فإن صومه يفسد وعليه القضاء ومنها ما إذا تجشى عمدا فخرج شيء من معدته إلى ظاهر حلقه فإن صومه يفسد بذلك وظاهر الحلق - هو مخرج الحاء المهملة على المعتمد - وليس من ذلك إخراج النخامة من الباطن - وقذفها إلى الخارج لتكرر الحاجة إلى ذلك أما لو بلعتها بعد وصولها واستقرارها في فمه فإنه يفطر ومنها الإنزال بسببب المباشرة ولو كانت فاحشة وكذا الإنزال بسبب تقبيل أو لمس أو نحو ذلك فإنه يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط أما الإنزال بسبب النظر أو الفكر فإن كان غير عادة له فإنه لا يفسد الصوم كالاحتلام )

(1/905)


ما يكره فعله للصائم وما لا يكره

(1/906)


يكره للصائم فعل أمور مفصلة في المذاهب فانظرها تحت الخط ( الحنفية قالوا : يكره للصائم فعل أمور : أولا : ذوق شيء لم يتحلل منه ما يصل إلى جوفه بلا فرق بين أن يكون الصوم فرضا أو نفلا إلا في حالة الضرورة فيجوز للمرأة أن تذوق الطعام لتتبين ملوحته إذا كان زوجها شيء الخلق ومثلها الطاهي - الطباخ - وكذا يجوز لمن يشتري شيئا يؤكل أو يشرب أن يذوقه إذا خشي أن يغبن فيه ولا يوافقه ثانيا : مضغ شيء الحنابلة لا عذر فإن كان لعذر كما إذا مضغت المرأة طعاما لابنها ولم تجد من يمضغه سواها ممن يحل له الفطر فلا كراهة ومن المكروه مضغ العلك - اللبان - الذي لا يصل منه شيء إلى الجوف ثالثا : تقبيل امرأته سواء كانت القبلة فاحشة بأن مضغ شفتها أو لا وكذا مباشرتها مباشرة فاحشة بأن يضع فرجه على فرجها بدون حائل . وإنما يكره له ذلك إذا لم يأمن على نفسه من الإنزال أو الجماع أما إذا أمن فلا يكره كما يأتي رابعا : جمع ريقه في فمه ثم ابتلاعه لما فيه من الشبهة خامسا : فعل ما يظن أنه يضعفه عن الصوم كالفصد والحجامة أما إذا كان يظن أنه لا يضعفه فلا كراهة وأما ما لا يكره للصائم فعله فأمور : أولا : القبلة أو المباشرة الفاحشة إن أمن الإنزال والجماع ثانيا : دهن شاربه لأنه ليس فيه شيء ينافي الصوم ثالثا : الاكتحال ونحوه وإن وجد أثره في حلقه رابعا : الحجامة ونحوها إذا كانت لا تضعفه عن الصوم خامسا : السواك في جميع النهار بل هو سنة ولا فرق في ذلك بين أن يكون السواك يابسا أو أخضر مبلولا بالماء أو لا سادسا : المضمضة والاستنشاق ولو فعلهما لغير وضوء سابعا : الاغتسال ثامنا : التبرد بالماء بلف ثوب مبلول على بدنه ونحو ذلك
المالكية قالوا : يكره للصائم أن يذوق الطعام ولو كان صانعا له وإذا ذاقه وجب عليه أن يمجه لئلا يصل إلى حلقه منه شيء فإن وصل شيء إلى حلقه غلبة فعليه القضاء في الفرض على ما تقدم وإن تعمد إيصاله إلى جوفه فعليه القضاء والكفارة في رمضان كما تقدم ويكره أيضا مضغ شيء كتمر أو لبان ويجب عليه أن يمجه وإلا فكما تقدم ويكره أيضا مداواة أيضا مضغ شيء كتمر أو لبان ويجب عليه أن يمجه ولا فكما تقدم ويكره أيضا مداواة حفر الأسنان - وهو فساد أصولها - نهارا إلا أن يخاف الضرر إذا أخر المداواة إلى الليل فلا تكره نهارا بل تجب إن خاف هلاكا أو شديدا أذى بالتأخير ومن المكروه غزل الكتان الذي له طعم وهو الذي يعطن في المبلات إذا لم تكن المرأة الغازلة مضطرة للغزل وإلا فلا كراهة ويجب عليه أن تمج ما تكون في فمها من الريق على كل حال أما الكتان الذي لا طعم له وهو الذي يعطن في البحر فلا يكره غزله ولو من غير ضرورة ويكره الحصاد للصائم لئلا يصل إلى حلقه شيء من الغبار فيفطر ما لم يضطر إليه وإلا فلا كراهة وأما رب الزرع فله أن يقوم عليه عند الحصاد لأنه مضطر لحفظه وملاحظته وتكره مقدمات الجماع كالقبلة والفكر والنظر إن علمت السلامة من الإمذاء والإمناء فإن شك في السلامة وعدمها أو علم عدم السلامة حرمت ثم إذا لم يحصل إمداء ولا إمناء فالصوم صحيح فإن أمذى فعليه القضاء والكفارة في رمضان إن كانت المقدمات محرمة بأن علم الناظر مثلا عدم السلامة أو شك فيها فإن كانت مكروهة بأن علم السلامة فعليه القضاء فقط إلا إذا استرسل في المقدمة حتى أ زل فعليه القضاء والكفارة ومن المكروه الاستياك بالرطب الذي يتحلل منه شيء وإلا جاز في كل النهار بل يندب لمقتضى شرعي كوضوء وصلاة وأما المضمضة للعطش فهي جائزة والإصباح بالجنابة خلاف الأولى والأولى الاغتسال ليلا ومن المكروه الحجامة والفصد للصائم إذا كان مريضا وشك في السلامة من زيادة المرض التي تؤدي إلى الفطر فإن علم السلامة جاز كل منهما كما يجوز أن للصحيح عند علم السلامة أو شك فيها فإن علم كل منهما عدم السلامة بأن علم الصحيح أنه يمرض لو احتجم أو قصد أو علم المريض أنه مرضه يزيد بذلك كان كل منهما محرما
الحنابلة قالوا : يكره للصائم أمور منها ما إذا تمضمض عبثا أو سرفا أو لحر أو لعطش أو غاص في الماء لغير تبرد أو غسل مشروع فإن دخل الماء في هذه الحالات إلى جوفه فإنه لا يفسد صومه مع كراهة هذه الأفعال ومنه أن يجمع ريقه فيبتلعه وكره مضغ ما لا يتحلل منه شيء وحرم مضغ ما يتحلل منه شيء ولو لم يبلع ريقه . وكذا ذوق طعام لغير حاجة . فإن كان ذوقه لحاجة لم يكره ويبطل الصوم بما وصل منه إلى حلقه إذا كان لغير حاجة وكره له أن يترك بقية طعام بين أسنانه وشم ما لا يؤمن من وصوله إلى حلقه بنفسه كسحيق مسك وكافور وبخور بنحو عود بخلاف ما يؤمن فيه جذبه بنفسه إلى حلقه فإنه لا يكره كالورد وكذا يكره له القبلة ودواعي الوطء كمعانقة ولمس وتكرار نظر إذا كان ما ذكر يحرك شهوته وإلا لم يكره وتحرم عليه القبلة ودواعي الوطء إن ظن بذلك إنزالا وكذا يكره له أن يجامع وهو شاك في طلوع الفجر الثاني بخلاف السحور مع الشك في ذلك لأنه يتقوى به على الصوم بخلاف الجماع فإنه ليس كذلك
الشافعية قالوا : يغتفر للصائم أمور ويكره له أمور : فيغتفر له وصول شيء إلى الجوف بنسيان أو إكراه أو بسبب جهل يعذر به شرعا ومنه وصول شيء كان بين أسنانه بجريان ريقه بشرط أن يكون عاجزا عن مجه أما إذا ابتلعه مع قدرته على مجه فإنه يفسد صومه ومثل هذا النخامة وأثر القهوة على هذا التفصيل ومن ذلك غبار الطريق وغربلة الدقيق والذباب والبعوض فإذا وصل إلى جوفه شيء من ذلك لا يضر لأن الاحتراز عن ذلك من شأنه المشقة والحرج ويكره له أمور : منها المشاتمة وتأخير الفطر عن الغروب إذا اعتقد أن هذا فضيلة وإلا فلا كراهة ومن ذلك مضغ العلك - اللبان - ومنه مضغ الطعام فإنه لا يفسد ولكنه يكره إلا لحاجة كأن يمضغ الطعام لولده الصغير ونحوه ومن ذلك ذوق الطعام فإنه يكره للصائم إلا لحاجة كأن يكون طباخا ونحوه فلا يكره ومن ذلك الحجامة والقصد فإنهما يكرهان للصائم إلا لحاجة ومن ذلك التقبيل إن لم يحرك الشهوة وإلا حرم ومثل المعانقة والمباشرة ومن ذلك دخول الحمام فإنه مضعف للصائم فيكره له ذلك لغير حاجة . ومن ذلك السواك بعد الزوال فإنه يكره إلا إذا كان لسبب يقتضيه كتغير فمه بأكل نحو بصل بعد الزوال نسيانا ومن ذلك تمتع النفس بالشهوات من المبصرات والمشمومات والمسموعات إن كان كل ذلك حلالا فإنه يكره أما التمتع بالمحرم فهو محرم على الصائم والمفطر كما لا يخفى ومن ذلك الاكتحال وهو خلاف الأولى على الراجح )

(1/907)


حكم من فسد صومه في أداء رمضان

(1/908)


من فسد صومه في أداء رمضان وجب عليه الإمساك بقية اليوم تعظيما لحرمة الشهر فإذا داعب شخص زوجه أو عانقها أو قبلها أو نحو ذلك فأمنى فسد صومه وفي هذه الحالة يجب عليه الإمساك بقية اليوم ولا يجوز له الفطر أما من فسد صومه في غير أداء رمضان كالصيام المنذور سواء أكان معينا أم لا وكصوم الكفارات وقضاء رمضان وصوم التطوع فإنه لا يجب عليه الإمساك بقية اليوم باتفاق ثلاثة من الأئمة وخالف المالكية فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : يجب إمساك المفطر في النذر المعين أيضا سواء أفطر عمدا أو لا لتعيين وقته للصوم بسبب النذر كما أن شهر رمضان متعين للصوم في ذاته أما النذر غير المعين وباقي الصوم الواجب فإن كان التتابع واجبا فيه كصوم كفارة رمضان وصوم شهر نذر أن يصومه متتابعا فلا يجب عليه الإمساك إذا أفطر فيه عمدا لبطلانه بالفطر ووجوب استئنافه من أوله وإن أفطر فيه سهوا أو غلبة . فإن كان في غير اليوم الأول منه وجب عليه الإمساك . وإن كان في اليوم الأول ندب الإمساك ولا يجب وإن كان التتابع غير واجب فيه . كقضاء رمضان وكفارة اليمين جاز الإمساك وعدمه سواء أفطر عمدا أو لا لأن الوقت غير متعين للصوم . وإن كان الصوم نفلا فإن أفطر فيه نسيانا وجب الإمساك لأنه لا يجب عليه قضاؤه بالفطر نسيانا وإن أفطر فيه عمدا فلا يجب الإمساك لوجوب القضاء عليه بالفطر عمدا كما تقدم )

(1/909)


الأعذار المبيحة للفطر

(1/910)


المرض وحصول المشقة الشديدة

(1/911)


الأعذار التي تبيح الفطر للصائم كثيرة : منها المرض فإذا مرض الصائم وخاف زيادة المرض بالصوم أو خاف تأخر البرء من المرض أو حصلت له مشقة شديدة بالصوم فإنه يجوز له الفطر باتفاق ثلاثة وقال الحنابلة " بل يسن له الفطر ويكره له الصوم في هذه الأحوال أما إذا غلب على ظنه الهلاك أو الضرر الشديد بسبب الصوم كما إذا خاف تعطيل حاسة من حواسه فإنه يجب عليه الفطر ويحرم عليه الصوم باتفاق
هذا ما إذا كان مريضا بالفعل أما إذا كان صحيحا وظن بالصوم حصول مرض شديد ففي حكمه تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( الحنابلة قالوا : يسن له الفطر كالمريض بالفعل ويكره له الصيام
الحنفية قالوا : إذا كان صحيحا من المرض وغلب على ظنه حصول المرض بالصيام فإنه يباح له الفطر كما يباح له الصوم كما لو كان مريضا بالفعل
المالكية قالوا : إذا ظن الصحيح بالصوم هلاكا أو أذى شديدا وجب عليه الفطر كالمريض
الشافعية قالوا : إذا كان صحيحا وظن بالصوم حصول المرض فلا يجوز له الفطر ما لم يشرع في الصوم ويتحقق الضرر )
ولا يجب على المريض إذا أراد الفطر أن ينوي الرخصة التي منحها الشارع للمعذورين باتفاق ثلاثة وقال الشافعية : بل نية الترخص له بالفطر واجبة وإن تركها كان آثما

(1/912)


خوف الحامل والمرضع الضرر من الصيام

(1/913)


إذا خافت الحامل والمرضع الضرر من الصيام على أنفسهما وولديهما معا أو على أنفسهما فقط أو على ولديهما فقط فإنه يجوز لهما الفطر على تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( المالكية قالوا : الحامل والمرضع سواء أكانت المرضع أما للولد من النسب أو غيرها وهي الظئر إذا خافتا بالصوم مرضا أو زيادته سواء كان الفخوف على أنفسهما وولديهما أو أنفسهما فقط أو ولديهما فقط يجوز لهما الفطر وعليهما القضاء ولا فدية على الحامل بخلاف المرضع فعليها الفدية أما إذا خافتا بالصوم هلاكا أو ضررا شديدا لأنفسهما أو ولديهما فيجب عليهما الفطر وإنما يباح للمرضع الفطر إذا تعين الرضاع عليها بأن لم تجد مرضعة سواها أو وجدت ولم يقبل الوالد غيرها . أما إن وجدت مرضعة غيرها وقبلها الولد فيتعين عليها الصوم ولا يجوز لها الفطر بحال من الأحوال وإذا احتاجت المرضعة الجديدة التي قبلها الولد الأجرة فإن كان للولد مال فالأجرة تكون من ماله وإن لم يوجد له مال فالأجرة تكون على الأب لأنها من توابع النفقة على الولد والنفقة واجبة على أبيه إذا لم يكن له مال
الحنفية قالوا : إذا خافت الحامل أو المرضع الضرر من الصيام جاز لهما الفطر سواء كان الخوف على النفس والولد معا أو على النفس فقط أو على الولد فقط ويجب عليهما القضاء عند القدرة بدون فدية وبدون متابعة الصوم في أيام القضاء ولا فرق في المرضع بين أن تكون أما أو مستأجرة للإرضاع . وكذا لا فرق بين أن تتعين لفرضاع أو لا لأنها إن كانت أما فالإرضاع واجب عليها ديانة وإن كانت مستأجرة فالإرضاع واجب عليها بالعقد فلا محيص عنه
الحنابلة قالوا : يباح للحامل والمرضع الفطر إذا خافتا الضرر على أنفسهما وولديهما أو على أنفسهما فقط وعليهما في هاتين الحالتين القضاء دون الفدية أما إن خافتا على ولديهما فقط فعليهما القضاء والفدية والمرضع إذا قبل الولد ثدي غيرها وقدرت أن تستأجر له أو كان للولد مال يستأجر منه من ترضعه استأجرت له ولا تفطر وحكم المستأجر للرضاع كحكم الأم فيما تقدم
الشافعية قالوا : الحامل والمرضع إذا خافتا بالصوم ضررا لا يحتمل سواء كان الخوف على أنفسهما وولديهما معا أو على أنفسهما فقط أو على ولديهما فقط وجب عليهما الفطر وعليهما القضاء في الأحوال الثلاثة وعليهما أيضا الفدية مع القضاء في الحالة الأخيرة : وهي ما إذا كان الخوف على ولدهما فقط ولا فرق في المرضع بين أن تكون أما للولد أو مستأجرة للرضاع أو متبرعة به وإنما يجب الفطر على المرضع في كل ما تقدم إذا تعينت للإرضاع بأن لم توجد مرضعة غيرها مفطرة أو صائمة لا يضرها الصوم فإن لم تتعين للإرضاع جاز لها الفطر مع الإرضاع والصوم مع تركه ولا يجب عليها الفطر ومحل هذا التفصيل في المرضعة المستأجرة إذا كان ذلك الخوف قبل الإجارة أما بعد الإجارة بأن غلب على ظنها احتياجها للفطر بعد الإجارة فإنه يجب عليها الفطر متى خافت الضرر من الصوم ولو لم تتعين للإرضاع
والفدية هي إطعام مسكين عن كل يوم من أيام القضاء مقدارا من الطعام يعادل ما يعطى لأحد مساكين الكفارة على التفصيل المتقدم في المذاهب )

(1/914)


الفطر بسبب السفر

(1/915)


يباح الفطر للمسافر بشرط أن يكون السفر مسافة تبيح قصر الصلاة على ما تقدم تفصيله وبشرط أن يشرع فيه قبل طلوع الفجر بحيث يصل إلى المكان الذي يبدأ فيه قصر الصلاة قبل طلوع الفجر فإن كان السفر لا يبيح قصرها لم يجز له الفطر وهذان الشرطان متفق عليهما عند ثلاثة . وخالف الحنابلة في الشرط الأول فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنابلة قالوا : إذا سافر الصائم من بلده في أثناء النهار ولو بعد الزوال سفرا مباحا يبيح القصر جاز له الإفطار ولكن الأولى له أن يتم صوم ذلك اليوم ) وزاد الشافعية شرطا ثالثا فانظره تحت الخط ( الشافعية : زادوا شرطا ثالثا لجواز الفطر في السفر وهو أن لا يكون الشخص مديما للسفر فإن كان مديما له حرم عليه الفطر إلا إذا لحقه بالصوم مشقة كالمشقة التي تبيح التيمم فيفطر وجوبا ) فإذا شرع في السفر بعد طلوع الفجر حرم عليه الفطر فلو أفطر فعليه القضاء دون الكفارة عند ثلاثة وخالف الشافعية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الشافعية قالوا : إذا أفطر الصائم الذي أنشأ السفر بعد طلوع الفجر بما يوجب القضاء والكفارة وجبا عليه وإذا أفطر بما يوجب القضاء فقط وجب عليه القضاء وحرم عليه الفطر على كل حال ) ويجوز الفطر للمسافر الذي بيت النية بالصوم ولا إثم عليه وعليه القضاء خلافا للمالكية والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( المالكية قالوا : إذا بيت نية الصوم في السفر فأصبح صائما فيه ثم أفطر لزمه القضاء والكفارة سواء أفطر متأولا أو لا
الحنفية قالوا : يحرم الفطر على من بيت نية الصوم في سفره وإذا أفطر فعليه القضاء دون الكفارة ) ويندب للمسافر الصوم إن لم يشق عليه لقوله تعالى : { وأن تصوموا خير لكم } فإن الشافعية قالوا : عليه كان الفطر أفضل باتفاق الحنفية والشافعية أما المالكية والحنابلة فانظر مذهبيهما تحت الخط ( المالكية قالوا : الأفضل للمسافر الصوم إن لم يحصل له مشقة
الحنابلة قالوا : يسن للمسافر الفطر ويكره له الصوم ولو لم يجد مشقة لقوله صلى الله عليه و سلم : " ليس من البر الصوم في السفر " ) إلا إذا أدى الصوم إلى الخوف على نفسه من التلف أو تلف عضو منه أو تعكيل منفعته فيكون الفطر واجبا ويحرم الصوم باتفاق

(1/916)


صوم الحائض والنفساء

(1/917)


إذا حاضت المرأة الصائمة أو نفست وجب عليها الفطر وحرم الصيام ولو صامت فصومها باطل وعليها القضاء

(1/918)


حكم من حصل له جوع أو عطش شديدان

(1/919)


فأما الجوع والعطش الشديدان اللذان لا يقدر معهما على الصوم فيجوز لمن حصل له شيء من ذلك الفطر وعليه القضاء

(1/920)


حكم الفطر لكبر السن

(1/921)


الشيخ الهرم الفاني الذي لا يقدر على الصوم في جميع فصول السنة يفطر وتجب عن كل يوم فدية طعام مسكين وقال المالكية : يستحب له الفدية فقط ومثله المريض الذي لا يرجى برؤه ولا قضاء عليهما لعدم القدرة باتفاق ثلاثة وخالف الحنابلة فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنابلة قالوا : من عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فعليه الفدية عن كل يوم ثم إن أخرجها فلا قضاء عليه إذا قدر بعد على الصوم أما إذا لم يخرجها ثم قدر فعليه القضاء ) أما من عجز عن الصوم في رمضان ولكن يقدر على قضائه في وقت آخر فإنه يجب عليه القضاء في ذلك الوقت ولا فدية عليه

(1/922)


إذا طرأ على الصائم جنون

(1/923)


إذا طرأ على الصائم جنون ولو لحظة ولم يجب عليه الصوم ولا يصح وفي وجوب القضاء تفصيل المذاهب فانظره تحت الخط ( الشافعية قالوا : إن كان متعديا بجنون بأن تناول ليلا عمدا شيئا أزال عقله نهارا فعليه قضاء ما جن فيه الأيام وإلا فلا
الحنابلة قالوا : إذا استغرق جنونه جميع اليوم فلا يجب عليه القضاء مطلقا سواء كان متعديا أو لا وإن أفاق في جزء من اليوم وجب عليه القضاء
الحنفية قالوا : إذا استغرق جنونه جميع الشهر فلا يجب عليه القضاء وإلا وجب
المالكية قالوا : إذا جن يوما كاملا أو جله سلم في أوله أو لا فعليه القضاء وإن جن نصف اليوم أو أقله ولم يسلم أوله فيهما فعليه القضاء أيضا وإلا فلا كما تقدم )
وإذا زال العذر المبيح للإفطار في أثناء النهار كأن طهرت الحائض أو أقام المسافر أو بلغ الصبي وجب عليه الإمساك بقية اليوم احتراما للشهر عند الحنفية والحنابلة أما المالكية والشافعية فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : لا يجب الإمساك ولا يستحب في هذه الحالة إلا إذا كان العذر الإكراه فإنه إذا زال وجب عليه الإمساك وكذا إذا أكل ناسيا ثم تذكر فإنه يجب عليه الإمساك أيضا
الشافعية قالوا : لا يجب الإمساك في هذه الحالة ولكنه يسن )

(1/924)


ما يستحب للصائم

(1/925)


يستحب للصائم أمور : منها تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب وقبل الصلاة ويندب أن يكون على رطب فتمر فحلو فماء وأن يكون ما يفطر عليه من ذلك وترا ثلاثة فأكثر ومنها الدعاء عقب فطره بالمأثور كأن يقول : اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت وعليك توكلت وبك آمنت ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر يا واسع الفضل اغفر لي الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت ومنها السحور على شيء وإن قل ولو جرعة ماء لقوله صلى الله عليه و سلم : " تسحروا فإن في السحور بركة " ويدخل وقته بنصف الليل الأخير وكلما تأخر كان أفضل بحيث لا يقع في شك في الفجر لقوله صلى الله عليه و سلم : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ومنها كف اللسان عن فضول الكلام وأما كفه عن الحرام كالغيبة والنميمة فواجب في كل زمان ويتأكد في رمضان ومنها الإكثار من الصدقة والإحسان إلى ذوي الأرحام والفقراء والمساكين . ومنها الاشتغال بالعلم وتلاوة القرآن والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم كلما تيسر له ذلك ليلا أو نهارا ومنها الاعتكاف وسيأتي بيانه في مبحثه

(1/926)


قضاء رمضان

(1/927)


من وجب عليه قضاء رمضان لفطرة فيه عمدا أو لسبب من الأسباب السابقة فإنه يقضى بدل الأيام التي أفطرها في زمن يباح الصوم فيه تطوعا فلا يجزئ القضاء فيما نهى عن صومه كأيام العيد ولا فيما تعين لصوم مفروض كرمضان الحاضر وأيام النذر المعين كأن ينذر صوم عشرة أيام من أول ذي القعدة فلا يجزئ قضاء رمضان فيها لتعينها بالنذر عند المالكية والشافعية أما الحنابلة والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الحنفية قالوا : إذا قضى ما فاته من رمضان في الأيام التي نذر صومها صح صيامه عن رمضان وعليه قضاء النذر في أيام أخر وذلك لأن النذر لا يتعين بالزمان والمكان والدرهم فيجزئه صيام رجب عن صيام شعبان في النذر وكذلك يجزئه التصدق بدرهم بدل آخر في مكان غير المكان الذي عينه في نذره
الحنابلة قالوا : إن ظاهر عبارة الإقناع أنه إذا قضى أيام رمضان في أيام النذر المعين أجزأه ) كما لا يجزئ القضاء في رمضان الحاضر لأنه متعين للأداء فلا يقبل صوما آخر سواه فلو نوى أن يصوم رمضان الحاضر أو أياما منه قضاء عن رمضان سابق فلا يصح الصوم عن واحد منهما لا عن الحاضر لأنه لم ينوه ولا عن الفائت لأن الوقت لا يقبل سوى الحاضر باتفاق ثلاثة وخالف الحنفية فانظر مذهبيهم تحت الخط ( الحنفية قالوا : من نوى قضاء صيام الفائت في رمضان الحاضر صح الصيام ووقع عن رمضان الحاضر دون الفائت لأن الزمن متعين لأداء الحاضر فلا يقبل غيره ولا يلزم فيه تعيين النية كما تقدم في " شرائط الصيام " ) ويجزئ القضاء في يوم الشك لصحة صومه تطوعا ويكون القضاء بالعدد لا بالهلال فمن أفطر رمضان كله وكان ثلاثين يوما ثم ابتدأ قضاءه من أول المحرم مثلا فكان تسعة وعشرين يوما وجب عليه أن يصوم يوما آخر بعد المحرم ليكون القضاء ثلاثين يوما كرممضان الذي أفطره ويستحب لمن عليه قضاء أن يبادر به ليتعجل براءة ذمته وأن يتابعه إذا شرع فيه فإذا أخر القضاء أو فرقه صح ذلك وخالف المندوب إلا أنه يجب عليه القضاء فورا إذا بقي على رمضان الثاني بقدر ما عليه من أيام رمضان الأول فيتعين القضاء فورا في هذه الحالة خلافا للشافعية والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الشافعية قالوا : يجب القضاء فورا أيضا إذا كان فطره في رمضان عمدا بدون عذر شرعي
الحنفية قالوا : يجب قضاء رمضان وجوبا موسعا بلا تقييد بوقت فلا يأثم بتأخره إلى أن يدخل رمضان الثاني ) ومن أخر القضاء حتى دخل رمضان الثاني وجبت عليه الفدية ( الشافعية قالوا : تتكرر الفدية بتكرر الأعوام ) زيادة عن القضاء وهي إطعام مسكين عن كل يوم من أيام القضاء ومقدارها هو ما تعطى لمسكين واحد في الكفارة كما تقدم في " مبحث الكفارات " باتفاق ثلاثة وخالف الحنفية فقالوا : لا فدية على من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان الثاني سواء كان التأخير بعذر أو بغير عذر وإنما تجب الفدية إذا كان متمكنا من القضاء قبل دخول رمضان الثاني وإلا فلا فدية عليه ولا تتكرر الفدية بتكرر الأعوام بدون قضاء باتفاق ثلاثة . وقال الشافعية : بل تتكرر الفدية بتكرر الأعوام

(1/928)


الكفارة الواجبة على من أفطر رمضان وحكم من عجز عنها

(1/929)


تقدم أن الصيام ينقسم إلى مفروض وغيره وأن المفروض ينقسم إلى أقسام . صوم رمضان وصوم الكفارات والصيام المنذور أما صوم رمضان فقد تقدم الكلام فيه وأما الكفارات فأنواع : منها كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة القتل ولهذه الأنواع الثلاثة مباحث خاصة بها في قسم المعاملات . " وقد ذكرنا كفارة اليمين في الجزء الثاني وكفارة الظهارة في الجزء الرابع ومن أنواع الكفارات كفارة الصيام وهي المراد بيانها هنا : فكفارة الصيام هي التي تجب على ما أفطر في أداء رمضان على التفصيل السابق في المذاهب . وهي إعتاق رقبة مؤمنة باتفاق ثلاثة وقال الحنفية لا يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة في الصيام ويشترط أن تكون سليمة من العيوب المضرة كالعمى والبكم والجنون فإن لم يجدها فصيام شهرين متتابعين فإن صام في أول الشهر العربي أكمله وما بعده باعتبار الأهلة وإن ابتدأ في أثناء الشهر العربي صام باقيه . وصام الشهر الذي بعده كاملا باعتبار الهلال وأكمل الأول ثلاثين يوما من الثالث ولا يحسب يوم القضاء من الكفارة ولا بد من تتابع هذين الشهرين بحيث لو أفسد يوما في أثنائها ولو بعذر شرعي كسفر صار ما صامه نفلا ووجب عليه استئنافها لانقطاع التتابع الواجب فيها باتفاق ثلاثة وقال الحنابلة : الفطر لعذر شرعي كالفطر للسفر لا يقطع التتابع فإن لم يستطع الصوم لمشقة شديدة ونحوها فإطعام ستين مسكينا فهي واجبة على الترتيب المذكور باتفاق ثلاثة . وخالف المالكية فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : كفارة رمضان على التخيير بين الإعتاق والإطعام وصوم الشهرين المتتابعين وأفضلها الإطعام فالعتق فالصيام وهذا التخيير بالنسبة للحر الرشيد أما العبد فلا يصح العتق منه لأنه لا ولاء له فكيفر بالإطعام إن أذن له سيده فيه وله أن يكفر بالصوم فإن لم يأن له سيده في الإطعام تعين عليه التكفير بالصيام وأما السفيه فيأمره وليه بالتكفير بالصوم فإن امتنع أو عجز عنه كفر عنه وليه بأقل الأمرين قيمة من الإطعام أو العتق ) وقد استدل الثلاثة بخبر الصحيحية عن أبي هريرة رضي الله عنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : " هلكت قال : وما أهلكك قال : واقعت امرأتي في رمضان قال : هل تجد ما تعتق رقبة ؟ قال : لا قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا قال : فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا ثم جلس السائل فأتي النبي صلى الله عليه و سلم بعرق فيه تمر " العرق : مكتل في خوص النخل وكان فيه مقداره الكفارة " فقال تصدق بهذا فقال : على أفقر منا يا رسول الله فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا فضحك صلى الله عليه و سلم حتى بدت أنيابه ثم قال : اذهب فأطعمه أهلك " وما جاء في هذا الحديث من إجراء صرف الكفارة لأهل المكفر وفيهم من تجب عليه نفقته فهو خصوصية لذلك الرجل لأن المفروض في الكفارة إنما هو إطعام ستين مسكينا لغير أهله بحيث يغطي كل واحد منهم مقدارا مخصوصا على تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( المالكية قالوا : يجب تمليك كلواحد مدا بمد النبي صلى الله عليه و سلم وهو ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين ويكون ذلك المد من غالب طعام أهل بلد المكفر من قمح أو غيره ولا يجزئ بدله الغداء ولا العشاء على المعتمد وقدر المد بالكيل بثلث قدح مصري وبالوزن برطل وثلث كل رطل مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا وكل درهم يزن خمسين حبة وخمس حبة من متوسط الشعير والذي يعطى إنما هو الفقراء أو المساكين ولا يجزئ إعطاؤها لمن تلزمه نفقتهم كأبيه وأمه وزوجته وأولاده الصغار أما أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم فلا مانع من إعطائهم منها إذا كانوا فقراء كإخوته وأجداده
الحنفية قالوا : يكفي في إطعام الستين مسكينا أن يشبعهم في غذاءين أو عشاءين أو فطور وسحور أو يدفع لكل فقير نصف صاع من القمح أو قيمته أو صاعا من الشعير أو التمر أو الزبيب والصاع قد حان وثلث بالكيل المصري . ويجب أن لا يكون في المساكين من تلزمه نفقته . كأصوله وفروعه وزوجته
الشافعية قالوا : يعطي لكل واحد من الستين مسكينا مدا من الطعام الذي يصح إخراجه في زكاة الفطر كالقمح والشعير ويشترط أن يكون من غالب قوت بلده ولا يجزئ نحو الدقيق والسويق لأنه لا يجزئ في الفطرة . والمد : نصف قدح مصري . وهو ثمن الكيلة المصرية . ويجب تمليكهم ذلك . ولا يكفي أن يجعل هذا القدر طعاما يطعمهم به فلا غداهم وعشاهم به لم يكف ولم يدزئ . ويجب أن لا يكون في المساكين من تلزمه نفقته إن كان الجاني في الصوم هو المكفر عن نفسه أما إن كفر عنه غيره فيصح أن يعتبر عيال ذلك الجاني في الصوم من ضمن المساكين
الحنابلة قالوا : يعطي كل مسكين مدا من قمح والمد : هو رطل وثلث بالعراقي والرطل العراقي مائة وثمانية وعشرون درهما أو نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط وهو اللبن المجمد ولا يجزئ إخراجها من غير هذه الأصناف مع القدرة والصاع أربعة أمداد ومقدار الصاع بالكيل المصري قد حان ويجوز إخراجها من دقيق القمح والشعير أو سويقهما وهو ما يحمص ثم يطحن إذا كان بقدر حبة في الوزن لا في الكيل ولو لم يكن منخولاص كما يجزئ إخراج الحب بلا تنقية ولا يجزئ في الكفارة إطعام الفقراء خبزا أو إعطاؤهم حبا معيبا كالقمح المسوس والمبلول والقديم الذي تغير طعمه ويجب أن لا يكون في الفقراء الذين يطعمهم في الكفارة من هو أصل أو فرع له كأمه وولده ولو لم يجب عليه نفقتهما ولا من تلزمه نفقته كزوجته وأخته التي لا يعود لها غيره سواء كان هو المكفر عن نفسه أو كفر عنه غيره )
وتتعدد الكفارة بتعدد الأيام التي حصل فيها ما يقتضي الكفارة عند الشافعية والمالكية أما الحنفية والحنابلة فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الحنفية قالوا : لا تتعدد الكفارة بتعدد ما يقتضيها مطلقا سواء كان التعدد في يوم واحد أو في أيام متعددة وسواء كان في رمضان واحد أو في متعدد من سنين مختلفة إلا أنه لو فعل ما يوجب الكفارة ثم كفر عنه ثم فعل ما يوجبها ثانيا فإن كان هذا التكرار في يوم واحد كفت كفارة واحدة وإن كان التكرار في أيام مختلفة عما بعد الأول الذي كفر عنه بكفارة جديدة وظاهر الرواية يقتضي التفصيل وهو إن وجبت بسبب الجماع تتعدد وإلا فلا تتعدد
الحنابلة قالوا : إذا تعدد المقتضى الكفارة في يوم واحد فإن كفر عن الأول لزمته كفارة ثانية للموجب الذي وقع بعده وإن لم يكفر عن السابق كفته كفارة واحد عن الجميع ) أما إذا تعدد المتقضى في اليوم الواحد فلا تتعدد ولو حصل الموجب الثاني بعد أداء الكفارة عن الأول فلو وطئ في اليوم الواحد عدة مرات فعليه كفارة واحدة ولو كفر بالعتق أو الإطعام عقب الوطء الأول فلا يلزمه شيء لما بعده وإن كان آثما لعدم الإمساك الواجب فإن عجز عن جميع أنواع الكفارات استقرت في ذمته إلى الميسرة باتفاق ثلاثة وخالف الحنابلة فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنابلة قالوا : إذا عجز في وقت وجوبها عن جميع أنواعها سقطت عنه ولو أيسر بعد ذلك )

(1/930)


كتاب الإعتكاف

(1/931)


تعريفه وأركانه

(1/932)


هو اللبث في المسجد للعبادة على وجه مخصوص ومعنى هذا أن النية ليست ركنا من أركان الاعتكاف وإلا لذكرت في التعريف وهو كذلك عند الحنفية والحنابلة فإنهم يقولون : إن النية شرط لا ركن وخالف المالكية . والشافعية فقالوا : إنها ركن لا شرط . وقد عرفت أن الأمر في ذلك سهل إذ النية لا بد منها عند الفريقين سواء كانت شرطا أو ركنا فمن قال : إنها ركن ذكرها في التعريف فزاد بعد كلمة " مخصوص " كلمة " بنية " ومن لم يقل : إنها ركن حذف كلمة " بنية " . فأركانه ثلاثة : المكث في المسجد . والمسجد . والشخص المعتكف . والنية عند من يقول : إنها ركن . وله أقسام . وشروط . ومفسدات . ومكروهات وآذاب

(1/933)


أقسامه ومدته

(1/934)


فأما أقسامه فهي اثنان : واجب وهو المنذور فمن نذر أن يعتكف وجب عليه الاعتكاف وسنة وهو ما عدا ذلك وفي كون السنة مؤكدة في بعض الأحيان دون بعض تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( الحنابلة قالوا : يكون سنة مؤكدة في شهر رمضان وآكده في العشر الأواخر منه
الشافعية قالوا : إن الاعتكاف سنة مؤكدة في رمضان وغيره وهو في العشر الأواخر منه آكد
الحنفية قالوا : هو سنة كفاية مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان ومستحب في غيرها فالأقسام عندهم ثلاثة
المالكية قالوا : هو مستحب في رمضان وغيره على المشهور ويتأكد في رمضان مطلقا وفي العشر الأواخر منه آكد فأقسامه عندهم اثنان : واجب وهو المنذور ومستحب وهو ما عداه ) . وأقل مدته لحظة زمانية بدون تحديد وخالف المالكية والشافعية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( المالكية قالوا : أقله يوم وليلة على الراجح
الشافعية قالوا : لا بد في مدته من لحظة تزيد عن زمن قول : " سبحان الله "

(1/935)


شروط الاعتكاف - اعتكاف المرأة بدون زوجها

(1/936)


وأما شروطه : فمنها الإسلام فلا يصح الاعتكاف من كافر ومنها التمييز فلا يصح من مجنون ونحوه ؟ ولا من صبي غير مميز أما الصبي المميز فيصح اعتكافه ومنها وقوعه في المسجد فلا يصح في بيت ونحوه على أنه لا يصح في كل مسجد بل لا بد أن تتوافر في المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف شروط مفصلة في المذاهب مذكورة تحت الخط ( المالكية : اشترطوا في المسجد أن يكون مباحا لعموم الناس وأن يكون المسجد الجامع لمن تجب عليه الجمعة فلا يصح الاعتكاف في مسجد البيت ولو كان المعتكف امرأة ولا يصح في الكعبة ولا في مقام الولي
الحنفية قالوا : يشترط في المسجد أن يكون مسجد جماعة وهو ما له إمام ومؤذن سواء أقيمت فيه الصلوات الخمس أو لا
هذا إذا كان المعتكف رجلا أما المرأة فتعتكف في مسجد بيتها الذي أعدته لصلاتها ويكره تنزيها اعتكافها في مسجد الجماعة المذكور ولا يصح لها أن تعتكف في غير موضع صلاتها المعتاد سواء أعدت في بيتها مسجدا لها أو اتخذت مكانا خاصا بها للصلاة
الشافعية قالوا : متى ظن المعتكف أن المسجد موقوف خالص المسجدية - أي ليس مشاعا - صح الاعتكاف فيه للرجل والمرأة ولو كان المسجد غير جامع أو غير مباح للعموم
الحنابلة قالوا : يصح الاعتكاف في كل مسجد للرجل والمرأة ولم يشترط للمسجد شروط إلا أنه إذا أراد أن يعتكف زمنا يتخلله فرض تجب فيه الجماعة فلا يصح الاعتكاف حينئذ إلا في مسجد تقام فيه الجماعة ولو بالمعتكفين ) ومنها النية فلا يصح الاعتكاف بدونها . وقد عرفت أنها من الشروط عند الحنفية والحنابلة وخالف المالكية والشافعية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الشافعية والمالكية قالوا : النية ركن لا شرط كما تقدم ولا يشترط عند الشافعية في النية أن تحصل وهو مستقر في المسجد ولو حكما فيشمل المتردد في المسجد فتكفي في حال مروره على المعتمد ) ومنها الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس عند الشافعية والحنابلة أما المالكية والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الحنفية قالوا : الخلو من الجنابة شرط لحل الاعتكاف لا لصحته فلو اعتكف الجنب صح اعتكافه مع الحرمة أما الخلو من الحيض والنفاس فإنه شرط لصحة الاعتكاف الواجب وهو المنذور فلو اعتكف الحائض أو النفساء لم يصح اعتكافهما لأنه يشترط للاعتكاف الواجب الصوم ولا يصح الصيام منهما أما الاعتكاف المسنون فإن الخلو من الحيض والنفاس ليس شرطا لصحته لعدم اشتراط الصوم له على الراجح
المالكية قالوا : الخلو من الجنابة ليس شرطا لصحة الاعتكاف إنما هو شرط لحل المكث في المسجد فإذا حصل للمعتكف أثناء اعتكافه جنابة بسبب غير مفسد للاعتكاف كالاحتلام ولم يكن بالمسجد ماء وجب عليه الخروج للاغتسال خارج المسجد ثم يرجع عقبه فإن تراخى عن العود إلى المسجد بعد اغتساله بطل اعتكافه إلا إذا تأخر لحاجة من ضرورياته كقص أظافره أو شاربه فلا يبطل اعتكافه وأما الخلو من الحيض والنفاس فهو شرط لصحة الاعتكاف مطلقا منذورا أو غيره لأن من شروط صحته الصوم والحيض والنفاس مانعان من صحة الصوم فإذا حصل للمعتكفة الحيض أو النفاس أثناء الاعتكاف خرجت من المسجد وجوبا ثم تعود إليه عقب انقطاعهما لتتميم اعتكافها التي نذرته أو نوته حين دخولها المسجد فتعتكف في المنذور بقية أيامه وتأتي أيضا ببدل الأيام التي حصل فيها العذر وأما في التطوع فتكمل الأيام التي نوت أن تعتكف فيها ولا تقضي بدل أيام العذر )
وزاد المالكية على ذلك شروطا أخرى فانظرها تحت الخط ( المالكية : زادوا في شروط الاعتكاف الصوم سواء كان الاعتكاف منذورا أو تطوعا
الحنفية : زادوا في شروط الاعتكاف الصيام إن كان واجبا أما التطوع فلا يشترط فيه الصوم ) ولا يصح اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها ولو كان اعتكافها منذورا سواء علمت أنه يحتاج إليها للاستمتاع أو ظنت أو لا . وخالف الشافعية والمالكية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الشافعية قالوا : إذا اعتكف المرأة بغير إذن زوجها صح وكانت آثمة ويكره اعتكافها إن أذن لها وكانت من ذوات الهيئة
المالكية قالوا : لا يجوز للمرأة أن تنذر الاعتكاف أو تتطوع به بدون إذن زوجها إذا علمت أو ظنت أنه يحتاج لها للوطء فإذا فعلت ذلك بدون إذنه فهو صحيح وله أن يفسده عليها بالوطء لا غير ولو أفسده وجب عليها قضاؤه ولو كان تطوعا لأنها متعدية بعدم استئذانه ولكن لا تسرع في القضاء إلا بإذنه )

(1/937)


مفسدات الاعتكاف

(1/938)


أما مفسدات الاعتكاف منها : الجماع عمدا ولو بدون إنزال سواء كان بالليل أو النهار باتفاق . أو الجماع نسيانا فإنه يفسد الاعتكاف عند ثلاثة وقال الشافعية : إذا جامع ناسيا للاعتكاف فإن اعتكافه لا يفسد أما دواعي الجماع من تقبيل بشهوة ومباشرة ونحوها فإنها لا تفسد الاعتكاف إلا بالإنزال باتفاق ثلاثة وخالف المالكية فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : مثل الجماع القبلة على الفم ولم يقصد المقبل لذة ولم يجدها ولو لم ينزل أما اللمس والمباشرة . فإنهما يفسدان بشرط قصد اللذة أو وجدانها وإلا فلا ) ولكن يحرم على المعتكف أن يفعل تلك الدواعي بشهوة ولا يفسده إنزال المني بفكر أو نظر أو احتلام سواء كان ذلك عادة له أو لا عند الحنفية والحنابلة أما المالكية والشافعية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( المالكية قالوا : يفسد الاعتكاف بإنزال بالفكر والنظر ليلا أو نهارا عامدا أو ناسيا
الشافعية قالوا : إن كان الإنزال بالنظر والفككر عادة للمعتكف فإنه يفسد الاعتكاف وإن لم يكن عادة له فلا يفسده ) ومنها الخروج من المسجد على تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( الحنفية قالوا : خروج المعتكف من المسجد له حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون الاعتكاف واجبا بنذر وفي هذه الحالة لا يجوز له الخروج من المسجد مطلقا ليلا أو نهارا عمدا أو نسيانا فمن خرج بطل اعتكافه إلا بعذر والأعذار التي تبيح للمعتكف - اعتكافا واجبا - الخروج من المسجد تنقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول : أعذار طبيعية كالبول أو الغائط أو الجنابة بالاحتلام حيث لا يمكنه الاغتسال في المسجد ونحو ذلك فإن المعتكف يخرج من المسجد للاغتسال من الجنابة ولقضاء حاجة الإنسان بشرط أن لا يمكث خارج المسجد إلا بقدر قضائها الثاني : أعذار شرعية كالخروج لصلاة الجمعة إذا كان المسجد المعتككف فيه لا تقام فيه الجمعة ولا يجوز أن يخرج إلا بقدر ما يدرك به أربع ركعات قبل الأذان عند المنبر ولا يمكث بعد الفراغ من الصلاة إلا بقدر ما يصلي أربع ركعات أو ستا فإن مكث أكثر من ذلك لم يفسد اعتكافه في المسجد الأول بلا ضرورة الثالث : أعذار ضرورية كالخوف على نفسه أو متاعه إذا استمر في هذا المسجد وكذا إذا انهدم المسجد فإنه يخرج بشرط أن يذهب إلى مسجد آخرفورا ناويا الاعتكاف فيه
الحالة الثانية : أن يكون الاعتكاف نفلا وفي هذه الحالة لا بأس من الخروج منه ولو بلا عذر لأنه ليس له زمن معين ينتهي بالخروج ولا يبطل ما مضى منه فإن عاد إلى المسجد ثانيا ونوى الاعتكاف كان له أجره أما إذا خرج من المسجد في الاعتكاف الواجب بلا عذر أثم وبطل ما فعل منه
المالكية قالوا : إذا خرج المعتكف من المسجد فإن كان خروجه لقضاء مصلحة لا بد منها كشراء طعام أو شراب له أو ليتطهر أو ليتبول مثلا فلا يبطل اعتكافه وأما إذا خرج لغير حاجياته الضرورية كأن خرج لعيادة مريض أو لصلاة الجمعة حيث كان المسجد الذي يعتكف فيه ليس فيه جمعة أو خرج لأداء شهادة أو تشييع جنازة ولو كانت جنازة أحد والديه فإن اعتكافه يبطل وإن كان الخروج واجبا كما في الجمعة فإن مكث بالمسجد ولم يخرج لها كان آثما وصح اعتكافه لأن ترك واحدة ليس من الكبائر والاعتكاف لا يبطل إلا بارتكاب كبيرة على المشهور وليس من الخروج المبطل لاعتكافه ما إذا خرج لعذر كحيض أو نفاس . كما تقدم وأما إذا صادف المعتكف أثناء اعتكافه زمن لا يصح فيه الصوم كأيام العيد فإنه يجب عليه البقاء بالمسجد ولا يجوز له الخروج على الراجح فإذا انتهى العيد أتم ما بقي من أيام الاعتكاف الذي نذره أو نواه تطوعا
الحنابلة قالوا : يبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد عمدا لا سهوا إلا لحاجة لا بد له منها كبول وقيء غلب عليه وغسل ثوب متنجس يحتاج إليه والطهارة عن الأحداث . كغسل الجنابة والوضوء وله أن يتوضأ في المسجد : ويغتسل إذا لم يضر ذلك بالمسجد أو بالناس وإذا خرج المعتكف لشيء من ذلك فله أن يمشي على حسب عادته بدون إسراع وكذلك يجوز له الخروج ليأتي بطعامه وشرابه إذا لم يوجد من يحضرهما له ويخرج أيضا للجمعة إن كانت واجبة عليه ولا يبطل اعتكافه بذلك لأنه خروج لواجب وله أن يذهب لها مبكرا وأن يطيل المقام بمسجدها بعد صلاتها بدون كراهة لأن المسجد الثاني صالح للاعتكاف ولكن يستحب له المسارعة بالرجوع إلى المسجد الأول ليتم اعتكافه به . وعلى الإجمال لا يبطل الاعتكاف بالخروج لعذر شرعي أو طبيعي
الشافعية قالوا : الخروج من المسجد بلا عذر يبطل الاعتكاف : والأعذار المبيحة للخروج تكون طبيعية كقضاء الحاجة من بول وغائط وتكون ضرورية كانهدام حيطان المسجد فإنه إن خرج إلى مسجد آخر بسبب ذلك لا يبطل اعتكافه وإنما يبطل الاعتكاف بالمفسد إذا فعله المعتكف عامدا مختارا عالما بالتحريم فإن فعله ناسيا أو مكرها أو جاهلا جهلا يعذر به شرعا كأن كان قريب عهد بالإسلام لم يبطل اعتكافه ومن خرج لعذر مقبول شرعا لا ينقطع تتابع اعتكافه بالمدة التي خرج فيها ولا يلزمه تجديد نيته عند العود ولكن يجب قضاء المدة التي مضت خارج المسجد إلا الزمن الذي يقضي فيه حاجته من تبرز ونحوه مما لم يطل عادة فإنه لا يقضيه وهذا إذا كان الاعتكاف واجبا متتابعا بأن نذر اعتكاف أيام متتابعة أما الاعتكاف المنذور المطلق أو المقيد بمدة لا يشترط فيها التتابع فإنه يجوز الخروج من المسجد فيهما ولو لغير عذر لكن ينقطع اعتكافه بخروجه ويجدد النية عند عودته إلا إذا عزم على العودة فيهما أو كان خروجه لنحو تبرز فإنه لا يحتاج إلى تجديدها ومثل ذلك الاعتكاف المندوب أما بول المعتكف في إناء في المسجد فهو حرام وإن لم يطل اعتكافه ) ومنها الردة فإذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه ثم إن عاد للإسلام فلا يجب عليه قضاءه ترغيبا في الإسلام عند الحنفية والمالكية وخالف الشافعية والحنابلة فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الحنابلة قالوا : إذا عاد للإسلام بعد الردة وجب عليه القضاء
الشافعية قالوا : إذا كان الاعتكاف المنذور مقيدا بمدة متتابعة بأن نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة بدون انقطاع ثم ارتد في الأثناء وجب عليه إذا رجع للإسلام أن يستأنف مدة جديدة أما إذا نذر اعتكافا مدة غير متتابعة ثم ارتد أثناء الاعتكاف وأسلم فإنه لا يستأنف مدة جديدة بل يبني على ما فعل )
وهناك مفسدات أخرى مفصلة في المذاهب مذكورة تحت الخط ( المالكية قالوا : من المفسدات أن يأكل أو يشرب نهارا عمدا فإذا أكل أو شرب نهارا عامدا بطل اعتكافه ووجب عليه ابتداؤه من أوله سواء كان الاعتكاف واجبا أو غيره ولا يبني على ما تقدم منه وأما إذا أكل أو شرب ناسيا فلا يجب عليه ابتداءه بل يبني على ما تقدم منه ويقضي بدل اليوم اذي حصل فيه الفطر ولو كان الاعتكاف تطوعا ومنها تناول المسكر المحرم ليلا ولو أفاق قبل الفجر وكذلك تعاطي المخدر إذا خدره بالفعل فمتى تعاطى شيئا من ذلك بطل اعتكافه وابتدأه من أوله ومنها فعل كبيرة لا تبطل الصوم كاليغبة والنميمة على أحد قولين مشهورين والقول الآخر هو : أن ارتكاب الكبائر لا يبطله وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ومنها الجنون والإغماء فإذا جن المعتكف أو أغمي عليه فإن كان ذلك مبطلا للصوم كما تقدم بطل اعتكافه ولكنه لا يبتدئه من أوله كما تقدم في " الحيض والنفاس " ومنها الحيض والنفاس كما تقدم في الشروط
الحنفية قالوا : يفسد الاعتكاف أيضا بإغماء إذا استمر أياما ومثله الجنون وأما السكر ليلا فلا يفسده وكذلك لا يفسد بالسباب والجدل ونحوهما من المعاصي وأما الحيض والنفاس فقد تقدم أن الخلو منهما شرط لصحة الاعتكاف الواجب ولحل الاعتكاف غير الواجب فإذا طرأ أحدهما على المعتكف اعتكافا واجبا فسد اعتكافه وإذا فسد الاعتكاف معينا كما إذا نذر اعتكاف عشرة أيام معينة قضى بدل الأيام التي حصل فيها المفسد ولا يستأنف الاعتكاف من أوله وإن كان غير معين استأنف الاعتكاف ولا يعتد بما تقدم عنه على وجود المفسد
الحنابلة قالوا : من مفسدات الاعتكاف أيضا سكر المعتكف ولو ليلا أما إن شرب مسكرا ولم يسكر أو ارتككب كبيرة فلا يفسد اعتكافه ومنها الحيض والنفاس فإذاحاضت المرأة أو نفست بطل اعتكافها ولكنها بعد زوال المانع تبني على ما تقدم منه لأنها معذورة بخلاف السكران فإنه يبني بعد زوال السكر ويبتدئ اعتكافه من أوله ولا يبطل الاعتكاف بالإغماء ومن المفسدات أن ينوي الخروج من الاعتكاف وإن لم يخرج بالفعل
الشافعية قالوا : يفسد الاعتكاف أيضا بالسكر والجنون إن حصلا بسبب تعديه وبالحيض والنفاس إذا كانت المدة المنذورة تخلو في الغالب عنهما بأن كانت خمسة عشر يوميا فأقل في الحيض وتسعة أشهر فأقل في النفاس أما إذا كانت المدة لا تخلو في الغالب عنهما بأن كانت تزيد على ما ذكر فلا يفسد بالحيض ولا بالنفاس كما لا يفسد بارتكاب كبيرة كالغيبة ولا بالشتم )

(1/939)


مكروهات الاعتكاف وآدابه

(1/940)


وأما مكروهاته وآدابه ففيها تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( المالكية قالوا : مكروهات الاعتكاف كثيرة : منها أن ينقص عن عشرة أيام ويزيد على شهر ومنها أكله خارج المسجد بالقرب منه كرحبته وفنائه أما إذا أكل بعيدا من المسجد فإن اعتكافه يبطل ومنها أن لا يأخذ القادر معه في المسجد ما يكفيه من أكل أو شرب ولباس ومنها دخوله منزله القريب من المسجد لحاجة لا بد منها إذا لم يكن بذلك المنزل زوجته أو أمته لئلا يشتغل بهما عن الاعتكاف فإن كان منزله بعيدا من المسجد بطل اعتكافه بالخروج إليه ومنها الاشتغال حال الاعتكاف بتعلم العلم أو تعليمه لأن المقصود من الاعتكاف رياضة النفس وذلك يحصل غالبا بالذكر والصلاة ويستثنى من ذلك العلم العيني فلا يكره الاشتغال به حال الاعتكاف ومنها الاشتغال بالكتابة إن كانت كثيرة ولم يكن مضطرا لها لتحصيل قوته وإلا فلا كراهة ومنها اشتغاله بغير الصلاة والذكر وقراءة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وذلك كعيادة مريض بالمسجد وصلاة على جنازة به ومنها صعوده منارة أو سطحا للأذان ومنها اعتكاف ما ليس عنده ما يكفيه
وأما آدابه : فمنها أن يستصحب ثوبا غير الذي عليه لأنه ربما احتاج ومنها مكثه في مسجد اعتكافه ليلة العيد إذا اتصل انتهاء اعتكافه بها ليخرج من المسجد إلى مصلى العيد فتتصل عبادة بعبادة ومنها مكثه بمؤخر المسجد ليبعد عمن يشغله بالكلام معه ومنها إيقاعه برمضان ومنها أن يكون في العشر الأواخر منه لالتماس ليلة القدر فإنها تغلب فيها ومنها لا ينقص اعتكافه عن عشرة أيام
الحنفية قالوا : يكره تحريما فيه أمور : منها الصمت إذا اعتقد أنه قربة أما إذا لم يعتقده كذلك فلا يكره والصمت عن معاصي اللسان من أعظم العبادات ومنها إحضار سلعة في المسجد للبيع أما عقد البيع لما يحتاج لنفسه أو لعياله بدون إحضار السلعة فجائز بخلاف عقد التجارة فإنه لا يجوز
وأما آدابه : فمنها أن لا يتكلم إلا بخير وأن يختار أفضل المساجد وهي المسجد الحرام ثم الحرم النبوي ثم المسجد الأقصى لمن كان مقيما هناك ثم المسجد الجامع ويلازم التلاوة والحديث والعلم وتدريسه ونحو ذلك
الشافعية قالوا : من مكروهات الاعتكاف الحجامة والفصد إذا أمن تلويث المسجد وإلا حرم ومنها الإكثار من العمل بصناعته في المسجد أما إذا لم يكثر ذلك فلا يكره فمن خاط أو نسج خوصا قليلا فلا يكره
وأما آدابه : فمنها أن يشتغل بطاعة الله تعالى كتلاوة القرآن والحديث والذكر والعلم لأن ذلك طاعة ويسن له الصيام وأن يكون في المسجد الجامع وأفضل المساجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى وأن لا يتكلم إلا بخير فلا يشتم ولا ينطق بلغو الكلام
الحنابلة قالوا : يكره للمعتكف الصمت إلى الليل وإذا نذر ذلك لم يجب عليه الوفاء به
وأما آدابه : فمنها أن يشغل وقته بطاعة الله تعالى كقراءة القرآن والذكر والصلاة وأن يجتنب ما لا يعنيه )

(1/941)


كتاب الزكاة

(1/942)


تعريفها

(1/943)


هي لغة التطهير والنماء قال تعالى : { قد أفلح من زكاها } أي طهرها من الأدناس ويقال : زكاة الزرع إذا نما وزاد وشرعا تمليك مال مخصوص لمستحقه بشرائط مخصوصة وهذا معناه : أن الذين يملكون نصاب الزكاة يفترض عليه أن يعطوا الفقراء ومن على شاكلتهم من مستحقي الزكاة الآتي بيانهم قدرا معينا من أموالهم بطريق التمليك والحنابلة يعرفون الزكاة بأنها حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص وهو بمعنى التعريف الأول إلا أن التعريف الأول قد صرح بضرورة تمليك المستحق وإعطائه القدر المفروض من الزكاة فعلا إذ لا يلزم من الوجوب التمليك بالفعل

(1/944)


حكمها ودليله

(1/945)


الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمس وفرض عين على كل من توفرت فيه الشروط الآتية
وقد فرضت في السنة الثانية من الهجرة . وفرضيتها معلومة من الدين بالضرورة
ودليل فرضيتها : الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقد قال تعالى : { وآتوا الزكاة } . وقال تعالى : { وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } . وأما السنة فكثيرة : منها قوله صلى الله عليه و سلم : " بني الإسلام على خمس " فذكر من الخمس " إيتاء الزكاة " ومنها ما أخرجه الترمذي عن سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب في حجة الوداع فقال : " اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلون جنة ربكم " حديث حسن صحيح ومنها غير ذلك وأما الاجماع فقد اتفقت الأمة على أنها من أركان الإسلام بشرائط خاصة

(1/946)


شروط وجوب الزكاة

(1/947)


يشترط لوجوب الزكاة شروط : منها البلوغ فلا تجب على الصبي الذي له مال ومنها العقل
فلا تجب على المجنون ولكن تجب في مال كل منهما ويجب على الولي إخراجها عند ثلاثة من الأئمة : وخالف الحنفية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنفية قالوا : لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون ولا يطالب وليهما بإخراجها من مالهما لأنها عبادة محضة والصبي والمجنون لا يخاطبان بها وإنما وجب في مالهما الغرامات والنفقات لأنهما من حقوق العباد ووجب في مالهما العشر وصدقة الفطر لأن فيهما معنى المؤنة فالتحقا بحقوق العباد وحكم المعتوه كحكم الصبي فلا تجب الزكاة في ماله )

(1/948)


هل تجب الزكاة على الكافر ؟

(1/949)


من شروطها الإسلام فلا تجب على كافر سواء كان أصليا أو مرتدا وإذا أسلم المرتد فلا يجب عليه إخراجها زمن ردته عند الحنفية والحنابلة أما المالكية والشافعية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( المالكية قالوا : الإسلام شرط صحة لا للوجوب فتجب على الكافر وإن كانت لا تصح إلا بالإسلام وإذا أسلم فقد سقطت بالإسلام لقوله تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ولا فرق بين الكافر الأصلي والمرتد ) وكما أن الإسلام شرط لوجوب الزكاة فهو شرط لصحتها أيضا لأن الزكاة لا تصح إلا بالنية والنية لا تصح من الكافر باتفاق ثلاثة وقال الشافعية : تصح النية من المرتد ولذا قالوا : تجب الزكاة على المرتد وجوبا موقوفا إلى آخر ما هو مبين في مذهبهم تحت الخط ( الشافعية قالوا : تجب الزكاة على المرتد وجوبا موقوفا على عودة إلى الإسلام فإن عاد إليه تبين أنها واجبة عليه لبقاء ملكه فيخرجها حينئذ ولو أخرجها حال ردته أجزأت وتجزئه النية في هذه الحالة لأنها للتمييز لا للعبادة أما إذا مات على ردته ولم يسلم فقد تبين أن المال خرج عن ملكه وصار فيئا فلا زكاة )

(1/950)


هل تجب الزكاة في صداق المرأة

(1/951)


يشترط لوجوب الزكاة الملك التام وهل صداق المرأة قبل قبضه مملوك لها ملكا تاما أو لا ؟ في ذلك تفصيل في المذاهبن فانظره تحت الخط ( الحنفية قالوا : الملك التام هو أن يكون المال مملوكا في اليد فلو ملك شيئا لم يقبضه فلا تجب فيه الزكاة كصداق المرأة قبل قبضه فلا زكاة عليها فيه وكذلك لا زكاة على من قبض ما ولم يكن ملكا له كالمدين الذي في يده مال الغير أما مال العبد المكاتب فإنه وإن كان مملوكا له ملكا غير تام إلا أنه خارج بقيد الحرية الآتي وأما مال الرقيق فهو غير مملوك له وهو خارج أيضا بقيد الحرية ولا زكاة في المال الموقوف لعدم الملك فيه ولا في الزرع النابت بأرض مباحة لعدم الملك أيضا
المالكية قالوا : الملكك التام هو أن يكون الشخص صاحب التصرف فيما ملك فلا زكاة على العبد بجميع أنواعه فيما ملك من المال لأن ملكه غير تام ولو كان مكاتبا لأنه تصرفه ربما أدى إلى عجزه عن أداء دين الكتابة فيرجع رقيقا وكذلك لا زكاة على من كان تحت يده شيء غير مملوك له كالمرتهن وأما المرأة فصداقها مملوك لها ملكا تاما إلا أنها لا تزكيه حال وجوده بيد الزوج وإنما يجب عليها زكاته بعد أن يمضي عليه حول عندها بعد قبضه وأما المدين الذين بيده مال غيره وكان عينا فإن كان عنده ما يمكنه أن يوفي الدين منه من عقار وغيره وجب عليه زكاة المال الذي بيده متى مضى عليه حول لأنه بالقدرة على دفع قيمته من عنده أصبح مملوكا له أما إذا كان المال الذي عنده حرثا أو ماشية أو معدنا : فإن الدين لا يسقط زكاته ولا يتوقف وجوب الزكاة على أن عنده ما يوفي به الدين ولا زكاة في مال مباح لعموم الناس كالزرع النابت وحده في أرض غير مملوكة لأحد فيكون الزرع لمن أخذه ولا تجب الزكاة فيه . وأما الموقوف لا يخرج العين عن الملك فلو وقف بستانا ليوزع ثمره على الفقراء أو على معنين كبني فلان وجب عليه أن يزكي ثمره متى خرج منه نصاب فإن خرج منه أقل من نصاب فلا زكاة إلا إذا كان عند الواقف ثمر من بستان آخر يكمل النصاب فتجب عليه زكاة الجميع
الشافعية قالوا : اشتراط الملك التام يخرج الرقيق والمكاتب فلا زكاة عليهما أما الأول فلأنه لا يملك وأما الثاني فلأن ملكه ضعيف وكذلك يخرج المال المباح لعموم الناس كزرع نبت بفلاة وحده بدون أن يستنبته أحد فلا زكاة فيه على أحد لعدم ملكه له وخرج أيضا المال الموقوف على غير معين فلا تجب الزكاة فيه كما إذا وقف بستانا على مسجد أو رباط أو جماعة غير معينين كالفقراء والمساكين فلاتجب الزكاة في ثمره وزرعه أما إذا أجرت الأرض وزرعت فيجب على المستأجر الزكاة مع أجرة الأرض وكذلك الموقوف على معين تجب الزكاة فيه وأما صداق المرأة إذا كان بيد زوجها فهو من قبيل الدين وسيأتي أن زكاته واجبة وإنما تخرج بعد قبضه وكذلك يجب على من استدان مالا من غيره أن يزكيه إذا حال عليه الحول وهو في ملكه لأنه ملكه بالاستقراض ملكا تاما
الحنابلة قالوا : الملك تام هو أن يكون بيده لم يتعلق به حق للغير ويتصرف فيه على حسب اختياره فوائده له لا لغيره فلا تجب الزكاة في دين الكتابة ولا فيما هو موقوف على غيرمعين كالمساكين أو على مسجد ومدرسة ونحوها أما الوقف على معين فتجب فيه الزكاة فمن وقف أيضا أو شجرا على معين فتجب عليه الزكاة في غلة ذلك متى بلغت نصابا أما صداق المرأة فهو من قبيل الدين وسيأتي حكمه وحكم المال الذي استدانه شخص من غيره أما العبد فلا زكاة عليه وسيأتي الكلام فيه عند ذكر شرط الحرية )

(1/952)


نصاب الزكاة وحولان الحول عليه

(1/953)


يشترط لوجوب الزكاة أن يبلغ المال المملوك نصابا فلا تجب الزكاة إلا على من ملك نصابا والنصاب معناه في الشرع - ما نصبه الشارع علامة على وجوب الزكاة سواء كان من النقدين أو غيرهما - ويختلف مقدار النصاب باختلاف المال المزكى وسيأتي بيانه عند ذكر كل نوع من الأنواع التي تجب فيها الزكاة أما حولان الحول فمعناه أن لا تجب الزكاة إلا إذا ملك النصاب ومضى عليه حول وهو مالكه والمراد الحول القمري لا الشمسي والسنة القمرية ثلاثمائة وأربع وخمسون يوما والسنة الشمسية تختلف باختلاف الأحوال فتارة تكون ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وتارة تزيد على ذلك يوما وفي حولان الحول تفصيل المذاهب فانظره تحت الخط ( الحنفية قالوا : يشترط كمال النصاب في طرفي الحول سواء بقي في أثنائه كاملا أو لا فإذا ملك نصابا كاملا في أول الحول ثم بقي كاملا حتى حال الحول وجبت الزكاة فإن نقص في أثناء الحول ثم تم في آخره وجبت فيه الزكاة كذلك أيضا أما إذا استمر ناقصا حتى فرغ الحول فلا تجب فيه الزكاة ومن ملك نصابا في أول الحول ثم استفاد مالا في أثناء الحول يضم إلى أصل المال وتجب فيه الزكاة إذا بلغ المجموع نصابا وكان المال المستفاد من جنس المال الذي معه وإنما يشترط حولان الحول في غير زكاة الزرع والثمار أما زكاتهما فلا يشترط فيها ذلك
المالكية قالوا : حولان الحول شرط لوجوب الزكاة في غير المعدن والركاز والحرث - الزرع والثمار - أما هي فتجب فيها الزكاة ولو لم يحل عليها الحول كما يأتي تفصيله في كل من هذه الأنواع الثلاثة وإذا ملك نصابا من الذهب أو الفضة في أول الحول ثم نقص في أثنائه ثم ربح فيه ما يكمل النصاب في آخر الحول فتجب عليه الزكاة لأن حول الربح أصله وكذا لو ملك أقل من نصاب في أول الحول ثم اتجر فيه فربح ما يكمل النصاب في آخر الحول وجب عليه زكاة الجميع
الحنابلة قالوا : يشترط لوجوب الزكاة مضي الحول ولو تقريبا فتجب الزكاة مع نقص الحول نصف يوم وهذا الشرط معتبر في زكاة الأثمان والمواشي وعروض التجارة أما في غيرها : كالثمار والمعادن والركاز فلا يشترط لوجوب الزكاة فيها حولان الحول . ولا بد من حولان الحول بتمامه ولو تقريبا على النصاب فإذا ملك أقل من نصاب في أول الحول ثم اتجر فيه فربح ما يكمل النصاب فيعتبر حول الجميع من حين تمام النصاب فلا زكاة إلا إذا مضى حول من يوم التمام أما إذا ملك في أول الحول نصابا ثم استفاد في أثناء الحول مالا من جنسه بالاتجار فيه فإنه يضم إلى المال الذي عنده ويزكي الجميع على حول الأصل لأن حول الربح حول أصله متى كان الأصل نصابا
الشافعية قالوا : حولان الحول شرط لوجوب الزكاة على التحديد فلو نقص الحول ولو لحظة . فلا زكاة وإنما يشترط حولان الحول في غير زكاة الحبوب والمعدن والركاز وربح التجارة لأن ربح التجارة يزكى على حول أصله . بشرط أن يكون الأصل نصابا فإن كان أقل من نصاب ثم كمل النصاب بالربح فالحول من حين التمام ولو كان النصاب كاملا في أول الحول ثم نقص في أثنائه ثم كمل بعد ذلك فلا زكاة إلا إذا مضى حول كامل من يوم التمام )

(1/954)


الحرية وفراغ المال من الدين

(1/955)


ويشترط لوجوب الزكاة الحرية : فلا تجب على الرقيق ولو مكاتبا كما يشترط فراغ المال من الدين فمن كان عليه دين يستغرق للنصاب أو ينقصه فلا تجب عليه الزكاة على تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( الشافعية قالوا : لا يشترط فراغ المال من الدين . فمن كان عليه دين وجبت عليه الزكاة ولو كان ذلك الدين يستغرق النصاب
الحنفية قالوا : ينقسم الدين بالنسبة لذلك إلى ثلاثة أقسام : الأول : أن يكون دينا خالصا للعباد الثاني : أن يكون دينا لله تعالى ولكن له مطالب من جهة العباد : كدين الزكاة والمطالب هو الإمام في الأموال الظاهرة . - وهي السوائم . وما يخرج من الأض - أو نائب الإمام في الأموال الباطنة - وهي أموال التجارة : كالذهب والفضة - ونائب الإمام هم الملاك لأن الإمام كان يأخذها إلى زمن عثمان رضي الله عنه ففوضها عثمان إلى أربابها في الأموال الباطنة الثالث : أن يكون دينا خالصا لله تعالى ليس له مطالب من جهة العباد كديون الله تعالى الخالصة من نذور وكفارات وصدقة فطر ونفقة حج فالدين الذي يمنع وجوب الزكاة هو دين القسمين الأولين . فإذا ملك شخص نصاب الزكاة ثم حال عليه الحول ولم يخرج زكاته ثم حال عليه حول آخر فإنه لا تجب عليه الزكاة فيه بالنسبة للحول الثاني لأنه دين زكاة الحول الأول ينقصه عن النصاب وكذا لو ملك مالا وكان عليه دين لشخص آخر لا فرق بين أن يكون الدين قرضا أو ثمن مبيع أو نقودا أو مكيلا أو موزونا أو حيوانا أو غيره والدين المذكور يمنع وجوب الزكاة بجميع أنواعها إلا زكاة الزروع والثمار - العشر والخراج - أما القسم الثالث فإنه لا يمنع وجوب الزكاة
المالكية قالوا : من كان عليه دين ينقص النصاب وليس عنده ما يفي به من غير مال الزكاة مما لا يحتاج إليه في ضرورياته كدار السكنى فلا تجب عليه الزكاة في المال الذي عنده وهذا الشرط خاص بزكاة الذهب والفضة إذا لم يكونا من معدن أو ركاز أما الماشية والحرث فتجب زكاتهما . ولو مع الدين وكذا المعدن والركاز
الحنابلة قالوا : لا تجب الزكاة على من عليه دين يستغرق النصاب أو ينقصه ولو كان الدين من غير جنس المال المزكى ولو كان دين خراج أو حصاد أو أجرة أرض وحرث ويمنع الدين وجوب الزكاة في الأموال الباطنة : كالنقود وقيم عروض التجارة والمعدن والأموال الظاهرة : كالمواشي والحبوب والثمار فمن كان عنده مال وجبت زكاته وعليه دين فليخرج منه بقدر ما يفي دينه أولا ثم يزكي الباقي إن بلغ نصابا )

(1/956)


هل تجب الزكاة في دور السكنى وثياب البدن وأثاث المنزل والجواهر الثمينة ؟

(1/957)


لا تجب الزكاة في دور السكنى وثياب البدن وأثاث المنزل ودواب الركوب وسلاح الاستعمال وما يتجمل به من الأواني إذا لم يكن من الذهب أو الفضة وكذا لا تجب في الجواهر كاللؤلؤ والياقوت والزبرجد ونحوها إذا لم تكن للتجارة باتفاق المذاهب وكذا لا تجب في آلات الصناعة مطلقا سواء أبقي أثرها في المصنوع أم لا إلا عند الحنفية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنفية قالوا : آلات الصناعة إذا بقي أثرها في المصنوع : كالصباغة تجب فيها الزكاة وإلا فلا ) وكذا لا تجب في كتب العلم إذا لم تكن للتجارة سواء أكان مالكها من أهل العلم أم لا إلا عند الحنفية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنفية قالوا : كتب العلم إذا كان مالكها من أهل العلم فلا تجب فيها الزكاة وإلا وجبت )

(1/958)


الأنواع التي تجب فيها الزكاة

(1/959)


الأنواع التي تجب فيها الزكاة خمسة أشياء الأول : النعم - وهي الأبل والبقر والغنم - والمراد بها الأهلية فلا زكاة في الوحشية وهي التي تولد في الجبال فمن كان يملك عددا من بقر الوحش أو من الظباء فإنه لا يجب عليه زكاتها ومثل ذلك النعم المتولدة بين وحشي وأهلي فإنها لا زكاة فيها سواء أكانت الأم أهلية أم لا باتفاق المالكية والشافعية وخالف الحنفية والحنابلة فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الحنفية قالوا : المتولد بين وحشي وأهلي ينظر فيه للأم فإن كانت أهلية ففيها الزكاة وإلا فلا زكاة فيها
الحنابلة قالوا : تجب الزكاة في الوحشية والمتولد بين وحشية وأهلية ) والمراد بالبقر ما يشمل الجاموس وبالغنم ما يشمل المعز ولا زكاة في غير ما بيناه من الحيوان فلا زكاة في الخيل والبغال والحمير والفهد والكلب المعلم ونحوها إلا إذا كانت للتجارة ففيها زكاة التجارة الآتي بيانها . الثاني : الذهب والفضة ولو غير مضروبين الثالث : عروض التجارة الرابع : المعدن والركاز الخامس : الزروع والثمار ولا زكاة فيما عدا هذه الأنواع الخمسة

(1/960)


شروط زكاة الإبل والبقر والغنم وبيان معنى السائمة وغيرها

(1/961)


تجب الزكاة فيالإبل والبقر والغنم بشرطين : الشرط الأول : أن تكون سائمة غير معلوفة خلافا للمالكية فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : لا شترط في وجوب زكاة النعم السوم فتجب الزكاة فيها متى بلغت نصابا سواء أكانت سائمة أو معلوفة ولو في جميع السنة وسواء أكانت عاملة أم غير عاملة ) وفي معنى السائمة تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( الحنابلة قالوا : السائمة هي التي تكتفي برعي الكلأ المباح في أكثر السنة على الأقل ويشترط أن تكون مقصودة للدر أو النسل أو التسمين فلو اتخذت للحمل أو الركوب أو الحرث فلا زكاة فيها ولو اتخذت للتجارة ففيها زكاة التجارة الآتي بيانها ولا يشترط أن ترسل للرعي فلو رعت بنفسها أو بفعل غاصب أكثر الحول بدون أن يقصد مالكها ذلك وجب فيها الزكاة
الشافعية قالوا : السائمة هي النعم التي يرسلها صاحبها العالم بأنه مالك لها أو نائبه لرعي الكلأ المباح كل الحول ومثل الكلأ المباح الكلأ المملوك إذا كانت قيمته يسيرة ولا يضر علفها بشيء يسير تعيش بدونه بلا ضرر بين كيوم أو يومين إذا لم يقصد بذلك العلف اليسير فطع السوم فلو تخلف شرط من هذه الشروط لا تكون سائمة كأن سامت بنفسها أو سامها غير مالكها أو نائبه أو علفت قدرا لا تعيش بدونه وكذا لو علفت بشيء تعيش بدونه بضرر بين أو تعيش بلا ضرر بين لكن قصد بعلفها قطع السوم أو ورثها وارث ولم يعلم بانتقال الملك إليه فلا زكاة في كل هذه الأحوال كما لا زكاة في السائمة المستكملة للشروط إذا قصدت للعمل
الحنفية قالوا : السائمة هي التي يرسلها صاحبها لترعى في البراري في أكثر السنة لقصد الدر أو النسل أو السمن الذي يراد به تقويتها لا ذبحها فلا بد من أن يقصد صاحبها إسامتها لذلك فإن قصد إسامتها للذبح أو الحمل أو الركوب أو للحرث فلا زكاة فيها أصلا وإن أسامها للتجارة ففيها زكاتها التي سيأتي بيانها وكذا لا تجب فيها الزكاة إن علفها نصف السنة أو أكثر من نصفها كما لا تجب الزكاة إن سامت بنفسها بدون قصد من مالكها
المالكية : لم يحددوا السائمة لأنه لا فرق عندهم بين السائمة وغيرها في وجوب الزكاة كما عرفت ) : الشرط الثاني : أن يملك منها عددا معينا وهو النصاب فإذا لم يملك هذا العدد أو كانت معلوفة عنده لا ترعى الحشائش المباحة فإن الزكاة لا تجب فيها

(1/962)


بيان مقادير زكاة الإبل

(1/963)


أول نصاب الإبل خمس فإذا بلغتها ففيها شاة من الضأن أو المعز كما يأتي بيانه . وهكذا في كل خمس شاة إلى عشرين ففيها أربع شياه فإن بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وهي ما بلغت من الإبل سنة ودخلت في الثانية وإذا بلغت ست وثلاثين ففيها بنت لبون وهي ما أتمت سنتين ودخلت في الثالثة فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة وهي ما أتمت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة والجذعة هي ما أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة واشتراط الدخول في السنة الثانية أو الثالثة أو الرابعة متفق عليه إلا الحنابلة فإنهم يكتفون ببلوغ السن إلى السنة الثانية ولا يشترطون الدخول في الثالثة وهكذا فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون عند الشافعية والحنابلة أما المالكية والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط ( المالكية قالوا : إذا بلغت الإبل مائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين خير الساعي بين أن يأخذ ثلاث بنات لبون أو حقتين إذا وجد الصنفان عند المزكي أو فقدا أما إذا وجد أحدهما فقط فإنه يتعين الإخراج منه ولا يكلف رب المال بإخراج النصف المفقود إذا رأى الساعي ذلك
الحنفية قالوا : إذا زاد العدد على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة وكانت زكاة ما زاد كزكاة النصاب الأول فيجب في كل خمس يزيد على ذلك شاة مع الحقتين إلى مائة وخمس وأربعين ففيها حقتان وبنت مخاض وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق ثم تجب في كل خمس يزيد على مائة وخمسين شاة إلى مائة وأربع وسبعين وفي مائة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض وفي مائة وست وثمانين ثلاث حقاق وبنت لبون وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق إلى مائتين وفي مائتين يخير المتصدق بين أربع حقاق أو خمس بنات لبو ثم تستأنف الفريضة كما تستأنف في الخمسين التي بعد المائة والخمسين بمعنى أنه يجب في كل خمس تزيد على المائتين شاة مضافة إلى ما وجب في ذمته إلى مائتين وأربع وعشرين فإذا بلغت مائتين وست وثلاثين ففيها بنت لبون مع ما وجب في المائتين . إلى مائتين وخمسين فإذا زادت فعل في الخمسين الزائدة مثل ما تقدم وهكذا ) . فإذا بلغت مائة وثلاثين تغير الواجب فيكون في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة ففي مائة وثلاثين بنتا لبون وحقة وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق وهكذا يكون التفاوت بزيادة عشرة فعشرة . وما بين كل فريضتين من جميع الفرائض المتقدمة معفو عنه لا زكاة فيه مثلا الخمس من الإبل فيها شاة والتسع فيها شاة أيضا فلا شيء عليه في مقابل الأربع الزائدة على أصل النصاب وهكذا
هذا ولا تجزئ الشاة في الزكاة عن الإبل إلا بشروط مفصلة في المذاهب مذكورة تحت الخط ( الحنفية قالوا : الشاة التي تجزئ في الزكاة ما أتمت سنة ودخلت في الثانية معزا كانت أو ضأنا ويشترط أن تكون سليمة من العيوب ولو كانت الإبل المزكاة معيبة
الحنابلة قالوا : الشاة التي تجزئ في الزكاة إن كانت من الضأن فيشترط أن تتم ستة أشهر وإن كانت من العز اشترط فيها تمام سنة كاملة ويجب أن تكون الشاة المخرجنة سليمة من العيوب التي تمنع من إجزائها في الأضحية إلا أنه إذا كانت الإبل المخرج عنها مريضة تنقص قيمة الشاة بنسبة نقص قيمة الإبل المريضة عن الإبل الصحيحة مثلا إذا كان عند الشخص خمس من الإبل تساوي لمرضها ثمانين جنيها ولو كانت صحيحة لكانت قيمتها مائة فيكون نقص المريضة عن الصحيحة الخمس فلو كانت الشاة التي تخرج عن الإبل الصحيحة تساوي خمسا فالتي تخرج عن الإبل المريضة شاة صحيحة تساوي أربعا فقط
الشافعية قالوا : الشاة التي تجزئ في الزكاة إن كانت ضأنا وجب أن تتم سنة إلا إذا اسقطت مقدم أسنانها بعد مضي ستة أشهر من ولادتها فإنها تجزئ وإن لم تتم الحول وإن كانت من المعز فيشترط أن تتم سنتين وتدخل في الثالثة ولا بد في كل منها من السلامة وإن كانت الإبل التي يخرج زكاتها معيبة
المالكية قالوا : الشاة التي يجزئ إخراجها في الزكاة لا بد أن تكون جذعة أو جذعا بلغ كل منهما سنة تامة سواء كانت من الضأن أو المعز وفي إخراج الواجب من أي الصنفين تفصيل حاصله أنه يتعين إخراج الشاة من الضأن إن كان أكثر غنم أهل البلد الضأن ولو كانت غنم الزكي بخلاف ذلك فإن كان أكثر الغنم في بلد المزكي هو المعز فالواجب إخراج الشاة منه إلا إذا تبرع بإخراجها من الضأن فيكفيه ذلك ويجبر الساعي على قبوله فإن تساوى الضأن والمعز في البلد خير الساعي في أخذ الشاة من الضأن أو المعز ويجب أن تكون الشاة التي يخرجها سليمة من العيوب فلا يجزئ إخراج المعيبة إلا إذا رأى الساعي أنها أنفع للفقراء لكثرة لحمها مثلا فيجزئ إخراجها لكن لا يجبر المالك على دفعها )

(1/964)


زكاة البقر

(1/965)


أول نصاب البقر ثلاثون فإذا بلغتها ففيها تبيع أو تبيعة وإخراج التبيعة أفضل عند الشافعية والمالكية فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة ولا يجزئ الذكر المسن باتفاق ثلاثة وخالف الحنفية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنفية قالوا : الذكر والأنثى سواء . فالأربعون من البقر الواجب فيها مسن أو مسنة ) فإذا زادت على ذلك ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنة ففي الستين تبيعان أو تبيعتان وفي السبعين مسنة وتبيع وفي الثمانين مسنتان وفي التسعين ثلاثة أتبعة وفي المائة مسنة وتبيعان وفي مائة وعشرة مسنتان وتبيع وفي مائة وعشرين تجب أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات إلا عند المالكية فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : في مائة وعشرين أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات . يخير آخذ الزكاة في أخذ أيهما شاء إذا وجد الصنفان . أو فقد معا . فإذا وجد أحدهما فقط عند المالك تعين الأخذ منه وليس لأخذ الزكاة جبره على شراء الصنف الآخر ) وهكذا وما بين الفريضتين معفو عنه ولا زكاة فيه . إلا عند الحنفية فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنفية قالوا : ما بين الفريضتين عفو إلا فيما زاد على الأربعين إلى الستين . فإنه يبج الزكاة في الزيادة بقدرها من المسنة على ظاهر الرواية . ففي الواحدة الزائدة على الأربعين ربع عشر مسنة . وفي الاثنين نصف عشر مسنة . وهكذا إلى الستين ) والتبيع ما أوفى سنة ودخل في الثانية والمسنة ما أوفت سنتين ودخلت في الثالثة وتعريف التبيع والمسنة بهذا متفق عليه إلا عند المالكية . فانظر مذهبهم تحت الخط ( المالكية قالوا : التبيع هو ما أوفى سنتين . ودخل في الثالثة أما المسنة فهي ما أوفت ثلاث سنين . ودخلت في الرابعة )

(1/966)


زكاة الغنم

(1/967)


أو نصاب الغنم أربعون . وفيها شاة من الضأن أو المعز بالسن التي تقدم بيانها . إلا أنه إذا كانت الغنم ضأنا تعين ألإخراج منها . وإن كانت معزا فالإخراج من المعز وإن كانت الغنم ضأنا ومعزا فإن كان الغالب أحدهما فالشاة المخرجة تكون منه . وإن تساويا مثل أن يكون عنده عشرون من الضأن وعشرون من المعز كان محصل الزكاة بالخيار في أخذ الشاة من أي الصنفين شاء وهذا الحكم متفق عليه بين الحنفية . والمالكية أما الشافعية . والحنابلة فانظر مذهبيهما تحت الخط ( الشافعية قالوا : يجزئ إخراج الضأن عن المعز وعكسه مع رعاية القيمة فلو كانت غنمه كلها ضأنا وأراد أن يخرج ثنية من المعز أجزأه ذلك بشرط أن تكون قيمتها تساوي قيمة الجذعة من الضأن وهكذا
الحنابلة قالوا : يجزئ إخراج الواحدة من المعز عن الضأن بشرط أن يكون سنها حولا كما تجزئ الشاة من الضأن عن أربعين من المعز بشرط أن لا ينقص سنها عن ستة أشهر كما تقدم ) فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان فإذا بلغت مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه وفي أربعمائة شاة أربع شياه وما زاد ففي كل مائة شاة وما بين الفريضتين معفو عنه فلا زكاة فيه

(1/968)


زكاة الذهب والفضة

(1/969)


تجب الزكاة في الذهب والفضة إذا بلغا النصاب ونصاب الذهب عشرون مثقالا وهو الدينار باتفاق إلا عند الحنابلة فانظر مذهبهم تحت الخط ( الحنابلة قالوا : الدينار أصغر من المثقال فالنصاب بالدنانير خمسة وعشرون دينارا وسبعا دينار وتسع دينار ) ويساوي بالعملة المصرية أحد عشر جنيها مصريا ونصفا وربعا وثمنا وقيمة ذلك بالقروش المصرية 1187 ، 50 ؟ ؟ قرش وقيمة النصاب بالجنيه الإنجليزي اثنا عشر جنيها وثمن جنيه إنجليزي وقيمة النصاب بالبنتو خمسة عشر بنتو وخمسا خمس وقيمة النصاب من المجر خمسة وعشرون مجرا وثمانية استاع وقيمة النصاب من البندقي خمسة وعشرون بندقيا ونصف بندقي ويجب أن يخرج مالك النصاب من الذهب ربع العشر زكاة له بالشروط المتقدمة ونصاب الفضة مائتا درهم وتساوي بالريال المصري ستة وعشرين ريالا مصريا وتسعة قروش وثلثي قرش ويساوي بالقروش المصرية خمسمائة وتسعة وعشرين قرشا وثلثين فمن ملك نصابا منها وجب عليه إخراج ربع العشر زكاة له ولا فرق بين أن يكون الذهب والفضة مضروبين أو غير مضروبين وهذا في غير الحلي أما الحلي ففي زكاته تفصيل المذاهب مذكور تحت الخط ( المالكية قالوا : الحلي المباح كالسوار للمرأة وقبضة السيف المعد للجهاد والسن والأنف للرجل لا زكاة فيه إلا في الأحوال الآتية : أولا : أن يتكسر بحيث لا يرجى عوده إلى ما كان عليه إلا بسبكه مرة أخرى ثانيا : أن يتكسر بحيث يمكن عوده بدون السبك مرة أخرى ولكن لم ينو مالكه إصلاحه ثالثا : أن يكون معدا لنوائب الدهر وحوادثه لا للاستعمال رابعا : أن يكون معدا لمن سيوجد للممالك من زوجة وبنت مثلا خامسا : أن يكون معدا لصداق من يريد أن يتزوجها أو يزوجها لولده سادسا : أن ينوي به التجارة ففي جميع هذه الأحوال تجب فيه الزكاة وأما الحلي المحرم : كالأواني والمرود والمكحلة فتجب فيه الزكاة بلا تفصيل والمعتبر في زكاة الحلي الوزن لا القيمة
الحنفية قالوا : الزكاة واجبة في الحلي سواء كان للرجال أو للنساء تبرا كان أو سبيكة آنية كان أو غيرها ويعتبر في زكاته الوزن لا القيمة
الحنابلة قالوا : لا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال أو الإعارة لمن يباح له استعماله فإن كان غير معد للاستعمال فتجب زكاته إذا بلغ النصاب من جهة الوزن فإذا بلغ النصاب من جهة القيمة دون الوزن فلا تجب فيه الزكاة أما الحلي المحرم فتجب فيه الزكاة كما تجب في آنية الذهب والفضة البالغة نصابا وزنا وإذا انكسر الحلي فإن أمكن لبسه مع الكسر فهو كالصحيح لا تجب فيه الزكاة وإن لم يمكن فإن كان يحتاج في إصلاحه إلى صوغ وجبت فيه الزكاة وإن لم يحتج إلى صوغ ونوى إصلاحه فلا زكاة فيه
الشافعية قالوا : لا تجب الزكاة في الحلي المباح الذي حال عليه الحول مع مالكه العالم به . أما إذا لم يعلم بملكه كأنه يرث حليا يبلغ نصابا ومضى عليه الحول بدون أن يعلم بانتقال الملك إليه فإنه تجب زكاته أما الحلي المحرم : كالذهب للرجل فإنه تجب فيه الزكاة ومثله حلي المرأة إذا كان فيه إسراف كخلخال المرأة إذا بلغ مائتي مثقال فإنه تجب فيه الزكاة أيضا كما تجب في آنية الذهب والفضة وتجب الزكاة في قلادة المرأة المأخوذة من الذهب والفضة المضروبين إذا لم تكن لها عروة من غير جنسها فإن كان لها عروة منهما فلا زكاة فيها ويعتبر في زكاة الحلي الوزن دون القيمة وإذا انكسر الحلي لم تجب زكاته إذا قصد إصلاحه . وكان إصلاحه ممكنا بلا صياغة وإلا وجبت )

(1/970)


زكاة الدين

(1/971)


من كان له دين على آخر يبلغ نصابا وحال عليه واستكمل الشرائط المتقدمة ففي زكاته تفصيل في المذاهب مذكور تحت الخط ( الحنفية قالوا : ينقسم الدين إلى ثلاثة أقسام : قوي ومتوسط وضعيف : فالقوي هو دين القرض والتجارة إذا كان على معترف به ولو م فلسا والمتوسط هو ما ليس دين تجارة : كثمن دار السكنى وثيابه المحتاج إليها إذا باعها ونحو ذلك مما تتعلق به حاجته الأصلية كطعامه وشرابه والضعيف هو ما كان في مقابل شيء غير المال : كدين المهر فإنه ليس بدلا عن مال أخذه الزوج من زوجته وكدين الخلع بأن خالعها على مال وبقي دينا في ذمتها فإن هذا الدين لم يكن بدل شيء أخذه منها ومثله دين الوصية ونحوه فأما الدين القوي فإنه يجب فيه أداء الزكاة عن كل ما يقبض منه إن كان يساوي أربعين درهما فكلما قبض أربعين درهما سواء قبض أقل منها ابتداء بأن قبض أو دفعة ثلاثين مثلا أو قبض في الأول أربعين ثم قبض أقل منها بعد ذلك فإنه لا تجب عليه الزكاة في كلحال إلا في الأربعين الكاملة لأن الزكاة لا تجب في الكسور من الأربعين فلو كان له دين عند آخر يبلغ ثلاثمائة درهم مثلا ثم حال عليها ثلاثة أحوال فقبض منها مائتين وجب عليه أن يخرج زكاة السنة الأولى عنها خمسة دراهم فيبقى منها مائة وخمسة وتسعون تحتوي على الأربعين أربع مرات وذلك يساوي مائة وستين درهما فيخرج عنها أربعة دراهم وهي زكاة السنة الثانية فيبقى مائة وستة وثمانون درهما تحتوي أيضا على الأربعين أربع مرات فيخرج زكاة السنة الثالثة أربع دراهم أيضا ولا شيء عليه فيما زاد عن ذلك ويعتبر حولان الحول في الدين القوي من وقت ملك النصاب لا من وقت القبض فيجب أداء الزكاة بمجرد القبض بلا خلاف أما الدين المتوسط فإنه لا تجب فيه الزكاة إلا إذا قبض منه نصابا فإذا كان الدين خمسمائة درهم مثلا وقبض مائتين وجب عليه أن يخرج خمسة دراهم ولا يجب عليه فيما دون ذلك كما تقدم والدين المتوسط مثل الدين القوي في حولان الحول عليه فيعتبر حوله بحسب الأصل لا من وقت القبض في الأصح وأما الدين الضعيف فإنه يجب أداء الزكاة فيه بقبض نصاب منه بشرط أن يحول عليه الحول من وقت القبض
وهذا كله إذا لم يكن عنده ما يبلغ نصابا سوى مال الدين : أما لو كان عنده مال يبلغ ذلك ثم قبض من الدين شيئا سواء كان كان ما قبضه قليلا أو كثيرا وسواء أكان الدين قويا أم متوسطا أم ضعيفا فإنه يجب ضم ما قبضه من الدين إلى ما عنده من المال وإخراج زكاة الجميع لأن المقبوض من الدين في هذه الحالة يكون كالمال الذي استفاده في أثناء السنة وقد علمت أنه يجب ضمه إلى الأصل
الحنابلة قالوا : تجب زكاة إذا كان ثابتا في ذمة المدين ولو كان المدين مفلسا إلا أنه لا يجب إخراج زكاته إلا عند قبضه فيجب عليه إخراج زكاة ما قبضه فورا إذا بلغ نصابا بنفسه أو بضمه إلى ما عنده من المال ولا زكاة في الديون التي لم تكن ثابتة في ذمة المدين
المالكية قالوا : من ملك مالا بسبب ميراث أو هبة أو صدقة أو خلع أو بيع عرض مقتنى كأن باع متاعا أو عقارا أو أرش جناية - تعويض - ولم يضع عليه يده بل بقي دينا له عند واضع اليد فإن هذا الدين لا تجب فيه الزكاة إلا بعد أن يقبضه ويمضي عليه حول من يوم قبضه مثال ذلك : رجل ورث مالا من أبيه وعينت له المحكمة حارسا قبل أن يقبضه لسبب من الأسباب واستمر دينا له أعواما كثيرة فإنه لا يطلب بزكاته في كل هذه الأعوام ولو أخره فرارا من الزكاة فإذا قبضه ومضى عليه حول بعد قبضه وجبت عليه زكاة ذلك الحول ويحتسب من يوم القبض ومن كان عنده مال مقبوض بيده وأقرضه لغيره وبقي عند المدين أعواما كثيرة فإنه تجب عليه زكاة عام واحد إلا إذا أخره قصدا فرارا من الزكاة فإن تجب عليه زكاته في كل الأعوام التي قصد تأخيره فيها ويحتسب عام زكاة هذا المال من يوم الملك أو من يوم تزكيته إن كان قد زكاه قبل إقراضه فإذا ملك شخص مالا ومكث معه ستة أشهر ثم أقرضه لآخر فمكث عنده ستة أشهر أخرى فإنه تجب فيه الزكاة عن هذا الحول لأنه يحتسب من يوم الملك أما إذا مكث بيده سنة ثم زكاه وأقرضه لآخر فإن الحول يحتسب من يوم تزكيته وإنما تجب الزكاة في هذا الدين بشروط أربعة :
أولا : أن يكون أصله - وهو ما أعطاه للمدين - عينا ذهبا أو فضة أو عرض تجارة لمحتكر - التاجر المحتكر هو الذي لا يبيع ولا يشتري بالسعر الحاضر وإنما يحبس السلع عنده رجاء ارتفاع الأسواق - مثال ما أصله عين أن يكون عنده عشرون جنيها فيسلفها لغيره ومثال ما أصله عرض تجارة لمحتكر أن يكون عنده ثياب للتجارة وهو محتكر - فيبيعها لغيره بعشرين جنيها مؤجلة إلى عام أو أكثر فإن كان أصل الدين عرضا للقنية ولم ينوبه التجارة كما إذا كان عنده دارا اتخذها لسكناه ثم باعها بأربعمائة جنيه مؤجلة عاما أو أكثر فلا تجب عليه زكاة ثمنها إلا إذا قبض منه نصابا فأكثر ومضى على المقبوض من يوم قبضه عام فيزكي ذلك المقبوض لا غير وإن كان أصل الدين عرض تجارة لتاجر مدير وهو الذي يبيع ويشتري بالسعر الحاضر فإنه يزكي الدين كل عام بإضافته إلى قيم العروض التي عنده وإلى باع به من الذهب والفضة على ما يأتي في " زكاة التجارة "
ثانيا : أن يقبض شيئا من الدين على التفصيل الآتي فإن لم يقبض منه شيئا . فلا زكاة عليه إلا في دين تجارة المدير على ما يأتي :
ثالثا : أن يكون المقبوض ذهبا أو فضة فإن قبض عروضا : كثياب وقمح فلا تجب عليه الزكاة إلا إذا باع هذه العروض ومضى حول من يوم قبض العروض فيزكي الثمن حينئذ وهذا إذا كان تاجرا محتكرا فإذا كان مديرا زكى قيمة العروض كل عام ولو لم يبعها وإذا لم يكن تاجرا أصلا بأن قبض عروضا للقنية ثم باعها لحاجة فإنها تجب زكاتها عليه إذا مضى عليها حول من يوم قبض ثمنها
رابعا : أن يكون المقبوض نصابا على الأقل ولو قبضه لعدة مرات أو يكون المقبوض أقل من نصاب ولكن عنده ما يكمل النصاب من ذهب أو فضة حال الحول عليهما أو كانا من المعدن لأن المعادن لا يشترط في زكاة المستخرج منها حلول الحول كما تقدم فلو قبض من دينه نصابا زكاه دفعة واحدة ثم يزكي المقبوض بعد ذلك سواء كان قليلا أو كثيرا إلا أن مبدأ الحول في المستقبل مختلف فحول النصاب المقبوض أولا من يوم قبضه وحول الدفع المقبوضة بعد ذلك من يوم قبض كل منها أما إذا كان المقبوض أولا أقل من نصاب ولم يكن عنده ما يكمل النصاب فلا يزكى إلا إذا تم المقبوض نصابا بدفع أخرى ويعتبر حول المجموع من يوم التمام ثم ما يقبضه بعد التمام يزكيه قليلا أو كثيرا ويعتبر حوله في المستقبل من يوم قبضه
الشافعية قالوا : تجب زكاة الدين إذا كان ثابتا وكان من نوع الدراهم أو الدنانير أو عروض التجارة سواء كان حالا أو مؤجلا أما إذا كان الدين ماشية أو مطعوما نحو التمر والعنب فلا تجب الزكاة فيه ولا يجب إخراج زكاة الدين على الدائن إلا عند التمكن من أخذ دينه فيجب حينئذ إخراجها عن الأعوام الماضية أما إذا تلف الدين قبل التمكن من أخذه فإن الزكاة تسقط عنه )

(1/972)


زكاة الأوراق المالية " البنكنوت "

(1/973)


جمهور الفقهاء يرون وجوب الزكاة في الأوراق المالية لأنها حلت محل الذهب والفضة في التعامل ويمكن صرفها بالفضة بدون عسر فليس من المعقول أن يكون لدى الناس ثروة من الأوراق المالية ويمكنهم صرف نصاب الزكاة منها بالفضة ولا يخرجون منها زكاة ولذا أجمع فقهاء ثلاثة من الأئمة على وجوب الزكاة فيها وخالف الحنابلة فقط فانظر تفصيل آراء المذاهب تحت الخط ( الشافعية قالوا : الورق النقدي وهو المسمى - بالبنكنوت - التعامل به من قبيل الحوالة على البنك بقيمته فيملك قيمته دينا على البنك والبنك مدين مليء مقر مستعد للدفع حاضر ومتى كان المدين بهذه الأوصاف وجبت زكاة الدين في الحال وعدم الإيجاب والقبول اللفظيين في الحوالة لا يبطلها حيث جرى العرف بذلك على أن بعض أئمة الشافعية قال : المراد بالإيجاب والقول كل ما يشعر بالرضا من قول أو فعل والرضا هنا متحقق
الحنفية قالوا : الأوراق المالية - البنكنوت - من قبيل الدين القوي إلا أنها يمكن صرفها فضة فورا فتجب فيها الزكاة فورا
المالكية قالوا : أوراق البنكنوت وإن كانت سندات دين إلا أنها يمكن صرفها فضة فورا وتقوم مقام الذهب في التعامل فتجب فيها الزكاة بشروطها
الحنابلة قالوا : لا تجب زكاة الورق النقدي إلا إذا صرف ذهبا أو فضة ووجدت فيه شروط الزكاة السابقة )

(1/974)


زكاة عروض التجارة

(1/975)


عروض التجارة جمع عرض - بسكون الراء - وهو ما ليس بذهب أو فضة مضروبا كان كالجنيه والريال أو غير مضروب . كحلية النساء فقد اتفق ثلاثة من الأئمة على أن الذهب والفضة لا تدخل في عروض التجارة مطلقا وخالف المالكية في غير المضروب فقالوا : إذا لم يكن الذهب والفضة مضروبين فإنهما يكونان من عروض التجارة لا من النقدين فتجب الزكاة في عرض التجارة من قماش وحديد ونحو ذلك فيجب على من يملك تجارة أن يخرج زكاتها وهو ربع العشر بشروط وكيفية مفصلة في المذاهب فانظرها تحت الخط ( الشافعية قالوا : تجب زكاة عروض التجارة بشروط ستة : الأول : أن تكون هذه العروض قد ملكت بمعاوضة : كشراء فمن اشترى عروضا نوى بها التجارة سواء اشتراها بنقد أو بدين حال أو مؤجل وجب عليه زكاتها بالكيفية الآتية أما إذا كانت العروض مملوكة بغير معاوضة : كإرث كأن ترك لورثته عروض تجارة فلا تجب عليهم زكاتها حتى يتصرفوا فيها بنية التجارة الثاني أن ينوي بهذه العروض التجارة حال المعاوضة في صلب العقد أو في مجلسه فإذا لم ينو بالعروض التجارة على هذا الوجه فلا زكاة فيها ويشترط تجديد نية التجارة عند كل معاوضة حتى يفرغ رأس المال فإذا فرغ رأس المال فلا تجب النية عند كل تصرف لانسحاب حكم التجارة عليه اكتفاء بما تقدم الثالث : أن لا يقصد بالمال القنية أي إمساكه للانتفاع به وعدم التجارة فإن قصد ذلك انقطع الحول فإذا أراد التجارة بعد احتاج لتجديد نية التجارة مقرونة بتصرف في المال الرابع : مضى حول من وقت ملك العروض فإن لم يمض حول من ذلك الوقت فلا تجب الزكاة فيها إلا إذا كان الثمن الذي ملك به العروض نقدا حالا وكان نصابا أو كان أقل من نصاب ولكنه يملك ما يكمل النصاب من النقد ففي هاتين الصورتين تجب عليه الزكاة في العروض متى مضى حول على أصلها وهو النقد الخامس : أن لا يصير جميع مال التجارة في أثناء الحول نقدا من جنس ما تقوم به العروض على ما يأتي في " كيفية زكاة العروض " وهو أقل من النصاب فإن صار جميع المال نقدا مع كونه أقل من نصاب انقطع الحول فإذا اشترى به سلعة للتجارة ابتدأ حولها من حين شرائها ولا عبرة بالزمن السابق أما لو صار بعض المال إلى ما ذكر وبقي بعضه عروضا أو باع الكل بنصاب من نقد أو بعرض أو بنقد لا يقوم به آخر الحول كما يأتي فلا ينقطع الحول السادس : أن تبلغ قيمة العروض آخر الحول نصابا فالعبرة بآخر الحول لا بجميعه ولا بطرفيه وإذا كانت عروض التجارة مما تتعلق الزكاة بعينها : كالسائمة والثمر نظر فإن وجد النصاب في عين المال وفي قيمته زكيت عين المال على حكم زكاة السوائم والثمر دون القيمة وإن وجد النصاب في أحدهما دون الآخر زكى ما وجد فيه النصاب من قيمة عروض التجارة أو ذات السوائم والثمر وتتكرر زكاة عروض التجارة بتكرار الأعوام ما دام النصاب كاملا وكيفية زكاتها أن تقوم آخر الحول بما اشتريت به من ذهب وفضة أما إذا اشتراها بغير نقد فتقوم بالنقد الغالب في البلد ولا بد في التقويم آخر الحول من عدلين : لأنها شهادة بالقيمة والشاهد في ذلك لا بد من تعدده والواجب فيها ربع العشر
الحنفية قالوا : تجب الزكاة في عروض التجارة بشروط : منها أن تبلغ قيمتها نصابا من الذهب أو الفضة وتقوم بالمضروبة منهما وله تقويمها بأي النوعين شاء إلا إذا كانت لا تبلغ بأحدهما نصابا وتبلغ بالآخر فحينئذ يتعين التقويم بما يبلغها النصاب وتعتبر قيمتها في البلد الذي فيه المال حتى لو أرسل تجارة إلى بلد آخر فحال عليها الحول اعتبرت قيمتها في تلك البلد فلو أرسلها إلى مفازة اعتبرت قيمتها في أقرب الأمصار إلى تلك المفازة وتضم بعض العروض إلى بعض في التقويم وإن اختلفت أجناسها ومنها أن يحول عليها الحول والمعتبر في ذلك طرفا الحول لا وسطه فمن ملك في أول الحول نصابا ثم نقص في أثنائه ثم كمل في آخره وجبت فيه الزكاة أما لو نقص في أوله أو في آخره فإنه لا تجب فيه الزكاة كما تقدم في " شروط الزكاة " وكذا لو زادت قيمتها في ىخر الحول عن النصاب فإنه يخرج زكاتها باعتبار هذه الزيادة ومنها أن ينوي التجارة وأن تكون هذه النية مصحوبة بعمل تجارة فعلا . فلو اشترى حيوانا ليستخدمه ثم نوى أن يتجر فيه لا يكون للتجارة إلا إذا شرع في بيعه أو تأجيره بالفعل وإذا وهب له مال غير النقدين أو أوصى له به ونوى به التجارة عند الهبة أو الوصية فإن هذه النية لا تصح إلا إذا تصرف بالفعل وإذا استبدل سلعة تجارية بسلعة مثلها فتعتبر النية في الأصل لا في البدل فيكون البدل للتجارة بلا نية اكتفاء بالنية في الأصل إلا إذا نوى عدم التجارة فيه فإنه لا يكون للتجارة حينئذ ومنها أن تكون العين المتجر فيها صالحة لنية التجارة فلو اشترى أرض عشر وزرعها أو بذرا وزرعه وجب في الزرع الخارج العشر دون الزكاة أما إذا لم يزرع الأرض العشرية فإن الزكاة تجب في قيمتها بخلاف الأرض الخراجية فإن الزكاة لا تجب فيها وإن لم يزرعها وإذا كان عنده ماشية للتجارة لم يحل عليها الحول ثم قطع نية التجارة وجعلها سائمة للدر والنسل ونحوهما مما تقدم في " زكاة السوائم " بطل حول التجارة وابتدأ الحول من وقت جعلها سائمة فإذا تم الحول من ذلك الوقت زكاها نفسها على حكم زكاة السائمة المتقدمة ولا يقومها وإذا اتجر في الذهب أو الفضة زكاها على حكم زكاة النقد المتقدمة ولا يشترط في وجوب زكاتهما نية التجارة وإذا بقيت عروض التجارة عنده أعوام ثم باعها بعد ذلك فعليه زكاتها لجميع الأحوال لا لعام فقط
المالكية قالوا : تجب زكاة عروض التجارة مطلقا سواء كان التاجر محتكرا أو مديرا وقد سبق بيانهما في " زكاة الدين " بشروط خمسة وبكيفية مخصوصة : الأول : أن يكون العرض مما لا تتعلق الزكاة بعينه : كالثياب والكتب فإن تعلقت الزكاة بعينه كالحلي من الذهب أو الفضة وكالماشية - الإبل والبقر والغنم - وجبت زكاته بالكيفية المتقدمة في زكاة النعم والذهب والفضة إن بلغ نصابا فإن لم يبلغ نصابا تكون لزكاة في قيمته كبقية العروض الثاني : أن يكون العرض مملوكا بمبادلة حالية : كشراء وإجارة لا مملوكا بإرث أو خلع أو هبة أو صدقة مثلا فإنه إذا ملك شيئا بسبب ذلك ثم نوى به التجارة فإنه إذا باعه يستقبل بثمنه حولا من يوم قبض الثمن لا من يوم ملكه وإذا لم يبعه فلا يقوم عليه ولا زكاة فيه ولو كان مديرا الثالث أن ينوي بالعرض التجارة حال شرائه سواء نوى التجارة فقط أو نوى معها الاستغلال أو الانتفاع بنفسه مثال ذلك : أن يشتري للتجارة بيتا ونوى مع ذلك أن يكريه أو يسكنه ريثما يظهر فيه ربح فيبيعه فتجب زكاته في كل هذه الأحوال على التفصيل الآتي في كيفية " زكاة العروض " وأما إذا اشترى عرضا ونوى به الاستغلال أو الاقتناء لينتفع به بنفسه أو لم ينو شيئا فلا تجب زكاته الرابع : أن يكون ثمنه عينا أو عرضا امتلكه بمعاوضة مالية وأما إذا كان ثمنه عرضا ملكه بهبة أو إرث مثلا فلا زكاة فيه . بل إذا باعه بعد استقبل بثمنه حولا من يوم قبضه الخامس : أن يبيع من ذلك العرض بنصاب من الذهب أو الفضة إن كان محتكرا أو بأي شيء منهما ولو درهما إن كان مديرا . فإن لم يبع المحتكر بنصاب من النقدين أو لم يبع المدير بشيء منهما فلا تجب الزكاة إلا إذا كان عند المحتكر ما يكمل النصاب منهما من مال استفاده بإرث مثلا وحال عليه الحول أو من معدن وإن لم يحل الحول عليه فتجب عليه زكاة الجميع . وأما كيفية زكاة عرض التجارة فإن كان التاجر محتكرا فيزكي ما باع به من النقدين مضموما إلى ما عنده منها لسنة واحدة فقط . ولو أقامت العروض عنده أعواما . والديون التي له من التجارة لا يزكيها إلا إذا قبضها . فيزكيها لعام واحد فقط وإن كان مديرا . فإنه يقوم في كل عام ما عنده من عروض التجارة ولو كسد سوقها . وأقامت عنده أعواما ثم يضم قيمتها إلى ما عنده من النقدين ويزكي الجميع وأما الديون التي له من التجارة فإن كانت نقدا حل أجله أو كان حالا ابتداء وكان مرجوا خلاصه ممن هو عليه في الصورتين . فإنه يعتبر عدده ويضمه إلى ما تقدم . وإن كان الدين عرضا أو نقدا مؤجلا وكان مرجوا خلاصه أيضا فإنه يقومه ويضم القيمة لما تقدم ويزكي الجميع وكيفية تقويم النقد المؤجل أنه يقول بعرض ثم العرض بذهب أو فضة حالين مثلا إذا كان له عشرة جنيهات مؤجلة يقال ما مقدار ما يشتري بهذه العشرة جنيهات المؤجلة من الثياب مثلا ؟ فإذا قيل خمسة أثواب قيل : وإذا بيعت هذه الخمسة بذهب أو فضة حالة فبكم تباع ؟ فإذا قيل : بثمانية جنيهات اعتبرت هذه الثمانية قيمة للعشرة المؤجلة . وضمت لما عنده من النقود وقيمة العروض فإذا بلغ المجموع نصابا زكاه وإلا فلا وأما إذا كان الدين على معدم لا يرجى خلاصه منه فلاتجب عليه زكاته إلا إذا قبضه من المدين فإذا قبضه زكاه لعام واحد فقط وكذا حكم الدين السلف فإنه يزكي لعام واحد فقط بعد قبضه ويعتبر مبدأ حول المدير من الوقت الذي ملك فيه الثمن الذي اشترى به عروض التجارة إن لم تجر فيه الزكاة فإن جرت الزكاة في عينه فحوله من يوم ملك الأصل . أو زكاته إذا كان دون نصاب كما سبق ولو تأخر وقت الإدارة عن ذلك على الراجح وأما المحتكر فمبدأ حوله يوم ملك الأصل أو زكاته إن كان قد زكاه قولا واحدا . ولا تقوم على المدير الأواني التي توضع فيها سلع التجارة ولا آلات العمل إذا كان التاجر محتكرا لبعض السلع ومديرا للبعض الآخر فالزكاة فيها تفصيل يتلخص فيما يلي : إن كان ما فيه الإدارة مساويا لما فيه الاحتكار زكى الأول على حكم الإدارة . يعني يقومه كل عام . وزكى الثاني على حكم الاحتكار فكل منهما على حكمه المتقدم أي المدار يقوم كل عام وغيره ينتظر بركات البيع وقبض الثمن وأما إذا كان الأكثر للإدارة فيقوم الجميع كل عام تغليبا لجانب الإدارة على الاحتكار ويكفي في تقويم العروض واحد ولا يشترط التعدد لأن ذلك ليس من قبيل الشهادة بل هو من قبيل الحكم والحاكم لا يجب أن يكون متعددا
الحنابلة قالوا : تجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابا بشرطين : الأول : أن يملكها بفعله كالشراء فلو ملك العروض بغير فعله كأن ورثها فلا زكاة فيها الثاني : أن ينوي التجارة حال التملك بأن يقصد التكسب بها ولا بد من استمرار النية في جميع الحول أما لو اشترى عرضا للقنية ثم نوى به التجارة بعد ذلك فلا يصير للتجارة إلا الحلي المتخذ للبس فإنه إذا نوى به التجارة بعد شرائه للبس يصير للتجارة بمجرد النية وتقوم عروض التجارة عند تمام الحول ويكون التقويم بما هو أنفع للفقراء من ذهب أو فضة سواء أكان من نقد البلد أم لا وسواء بلغت قيمة العروض نصابا بكل منهما أو بأحدهما ولا يعتبر في التقويم ما اشتريت به من ذهب أو فضة لا قدرا ولا جنسا وإذا نقصت بعد التقويم أو زادت فلا عبرة بذلك متى كان التقويم عند تمام الحول وإن ملك نصاب سائمة لتجارة ثم حال الحول عليه وكان السوم ونية التجارة موجودين فعليه زكاة تجارة وليس عليه زكاة سوم ولو ملك سائمة للتجارة نصف حول ثم قطع نية التجارة استأنف بها حولا من وقت قطع النية وإن اشترى أرضا لتجارة يزرعها . وبلغت قيمتها نصابا أو اشترى أرضا لتجارة وزرعها ببذر تجارة فعليه زكاة الجميع قيمة إن بلغت قيمتها نصابا )

(1/976)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية