صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

[ السيل الجرار - الشوكاني ]
الكتاب : السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار
المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1405
تحقيق : محمود إبراهيم زايد
عدد الأجزاء : 4

صلى الله عليه و سلم قضى في الأصابع بعشر من الإبل وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب بلفظ والأصابع سواء والأسنان سواء وأخرج أحمد والبخاري وأهل السنن من حديثه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام وبعض هذا يدفع اجتهاد من فاضل بين الأصابع وقد ذهب إلى ما دلت عليه هذه الأدلة جمهور أهل العلم
وأما قوله وفي مفصلها ثلثه إلا الإبهام فنصفه فصواب لأن ذلك أحسن ما يقال وإن اختلف النفع فيها واختلف مقدارها فإن من المعلوم أن ما تحت البراجم من المفاصل أكبر منها وهكذا قوله وفيما دونه حصته فيجعل فيه بمقدار نسبته من ذلك المفصل
قوله وفي الجائفة ثلث الدية
أقول يدل على هذا ما تقدم في حديث عمرو بن حزم المتلقي بالقبول بلفظ وفي الجائفة ثلث الدية وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وحكى صاحب نهاية المجتهد الإجماع عليه وأخرج نحوه البزار من حديث عمر مرفوعا بإسناد ضعيف وأخرجه البيهقي من وجه آخر عنه بإسناد أضعف منه وفي حديث عمرو بن حزم ما يغني عن غيره وهكذا قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم في المأمومة بثلث الدية كما في حديث عمرو بن حزم بلفظ وفي المأمومة ثلث الدية وهكذا في حديث عمرو بن شعيب بلفظ والمأمومة ثلث العقل

(4/447)


قوله وفي المنقلة خمس عشرة ناقة
أقول هكذا في حديث عمرو بن حزم بلفظ وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل وفي حديث عمرو بن شعيب بمثل هذا اللفظ وفي حديث عمر الذي أخرجه البزار بلفظ وفي المنقلة خمس عشرة وقد قدمنا الإشارة إلى ضعفه كما قدمنا تصحيح الحديثين اللذين قبله
قوله وفي الهاشمة عشر
أقول لم تذكر الهاشمة في حديث عمرو بن حزم ولا في حديث عمرو بن شعيب ولا في سائر الأحاديث المعمول بها وإنما روى ذلك عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي عن زيد بن ثابت موقوفا عليه قال ابن حجر في التلخيص لا يصح مرفوعا وحينئذ فينبغي الرجوع في ذلك إلى تقدير الحاكم فيجعل فيها أرش الموضحة الذي سيأتي مع زيادة أرش هشم العظم بحسب ما يقتضيه اجتهاده
قوله وفي الموضحة خمس
أقول يدل على ذلك ما في حديث عمرو بن حزم المتقدم بلفظ وفي الموضحة خمس من الإبل وأخرج أحمد وأهل السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في المواضح خمس من الإبل ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات وأخرج البزار من حديث عمر بلفظ وفي الموضحة خمس

(4/448)


وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن مكحول أن النبي صلى الله عليه و سلم جعل في الموضحة خمسا من الإبل ولم يؤقت فيما دون شيئا وهو مرسل وروى عبد الرزاق عن شيخ له عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقض فيما دون الموضحة بشيء وهو مرسل وهكذا رواه البيهقي عن الزهري وربيعة وأبي الزناد وإسحاق بن أبي طلحة مرسلا
وبهذا تعرف أن قوله وفي السمحاق أربع لا مستند له بل مجرد اجتهاد وليس بحجة على الغير فكان ينبغي إدخال ذلك في الفصل الذي بعد هذا
وأما قوله ولا يحكم حتى يتبين الحال فصواب ويكون العمل في ذلك بالانتهاء لأنه الذي يقرر عليه مقدار الجناية فيلزم في الميت ديته وفي الحي حسبما ذهب منه
فصل
وفيما عدا ذلك حكومة وهي ما رآه الحاكم مقربا إلى ما مر كعضو زائد وسن صبي لم يثغر وفي الشعر وما انجبر وما لا نفع فيه وما ذهب جماله فقط وفي مجرد عضد وساعد وكف بلا أصابع وإلا تتبعها لا الساعد وكذلك الرجل وفي جناية الرأس والرجل ضعف ما على مثلها في غيرهما قدر في حارصة رأس الرجل خمسة مثاقيل وفي الدامية اثنا عشر ونصف وفي الباضعة عشرون وفي المتلاحمة

(4/449)


ثلاثون لأن في السمحاق أربعين وفي حلمة الثدي ربع الدية وفي درور الدمعة ثلث دية العين وفي دونه الخمس وفيما كسر فانجبر ونحوه ثلث ما فيه لو لم ينجبر والغرة عبد أو أمة بخمسمائة درهم ولا شيء فيمن مات بقتل أمه إن لم ينفصل
قوله فصل وفيما عدا ذلك حكومة إلخ
أقول قد تقرر عصمة الدماء وأنه لا يحل إراقة شيء منها بغير حقه ولا الجناية على معصوم من غير فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة ورد في الشرع تقديرها أو لم يرد فمن جنى على غيره جناية ظاهرة الأثر ولم يرد في الشرع لها تقدير كما في دون الموضحة وسائر ما أشار إليه المصنف فلا يكون عدم ورود الشرع بتقديرها مقتضيا لإهدارها وعدم لزوم أرشها بلا خلاف وإلا لزم إهدار ما هو معصوم بعصمة الشرع واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله فالجناية التي لم يرد الشرع بتقديرها لا بد من الرجوع في التقدير إلى شيء يكون على طريقة العدل التي لا حيف فيها على الجاني ولا على المجني عليه فينظر مثلا في قدر اللحم الذي ذهب بالجناية وقدر ما بقي إلى ما ورد فيه التقدير من الشرع فيلزم فيه بنسبته إلى ذلك الذي ورد فيه التقدير فإذا كان المأخوذ نصف اللحم والباقي فوق العظم نصفه كان أرشها نصف أرش الموضحة وإذا كان المأخوذ ثلثا كان أرشها ثلث أرش الموضحة ثم كذلك ويكون المرجع في هذا التقدير إلى أهل الاختبار بالجنايات فإذا أخبروا الحاكم بأن المأخوذ كذا قربه الحاكم إلى أرش ما ورد به الشرع بحسب نسبته إليه وهكذا في العضو الزائد وسن الصبي وذهاب الشعر والجمال ومالا نفع فيه وقد قدمنا ما يدل على أنه لم يثبت في الشرع تقدير ما دون الموضحة فما ذكره المصنف هنا من تقدير أرش الدامية والباضعة والسمحاق هو من هذا القبيل الذي ذكرناه فإن وافق نظر الحاكم الخبير بما ورد قرره وإلا فعل ما يترجح له فليس في ذلك حجر ولا يكون تقدير

(4/450)


المتقدم حجة على المتأخر إذا كان الصواب عنده في مخالفته وهكذا الكلام في أرش الدامية والمتلاحمة والحارصة والوارمة
قوله وفي جناية الرأس والرجل ضعف ما على مثلها في غيرهما
أقول التقديرات الثابتة عن الشارع في الجنايات مطلقة غير مقيدة بكونها في الرأس ولم يرد ما يصلح للتقييد فالواجب البقاء على الإطلاق ويكون اللازم مثلا في الموضحة ما قدره الشارع من غير فرق بين أن يكون في الرأس أو في سائر البدن وهكذا غيرها من الجنايات المقدرة وهكذا تكون الحكومات فيما لم يرد فيه تقدير
وأما كون جناية المرأة على النصف من جناية الرجل فقد قدمنا عند قوله ويلزم في نفس المسلم ما ورد في أن أرشها إلى قدر الثلث كأرش الرجل وما زاد على ذلك كان أرشها على النصف من أرش الرجل وقد ورد في ذلك ما تقوم به الحجة ويصلح للاعتبار وإذا ثبت الشرع طاحت الأقيسة وبطلت الاجتهادات العاطلة عن الدليل
قوله وفي حلمة الثدي ربع الدية
أقول قد عرفناك أنه لا وجه لقول المصنف أنها تلزم الدية في كل زوج في البدن بل الواجب التوقف في ذلك على موارد النص كما بيناه سابقا وما لم يرد فيه النص كان المرجع فيه إلى حاكم الشرع فلا وجه لتقدير المصنف بقوله وفي حلمة الثدي ربع الدية
وأما قوله وفي درور الدمعة إلخ فهذا اجتهاد لا يلزم من بعده من المجتهدين الأخذ به بل كل واحد متعبد بما يؤدي إليه اجتهاده بعد إمعان النظر في التقريب إلى ما ورد به النص
وأما قوله والغرة عبد أو أمة فقد قدمنا الأدلة الواردة في ذلك

(4/451)


وأما قوله ولا شيء فيمن مات بقتل أمه إن لم ينفصل فهذا مبني على أنها لم تعلم حياته بوجه من الوجوه أما إذا علمت وجب فيه الغرة كما تقدم
فصل
ويعقل عن الحر الجاني على آدمي غير رهن خطأ لم تثبت بصلح ولا اعتراف بالفعل موضحة فصاعدا الأقرب فالأقرب الذكر الحر المكلف من عصبته الذين على ملته ثم سببه كذلك على كل واحد دون عشرة دراهم ولو فقيرا ثم في ماله ثم في بيت المال ثم المسلمون ولا شيء عليه إن كفت العاقلة وتبرأ بإبرائه قبل الحكم عليها لا العكس وعن ابن العبد والملاعنة والزنا عاقلة أمه والإمام ولي مسلم قتل ولا وارث له ولا عفو
قوله فصل ويعقل عن الحر الجاني إلخ
أقول اعلم أنه قد أجمع أهل العلم على ثبوت العقل كما حكى ذلك ابن حجر في فتح الباري وعليه دلت الأحاديث الصحيحة كما في الصحيحين وغيرهما أن امرأتين من هذيل اقتتلتا ولكل واحدة منهما زوج فبرأ الزوج والولد ثم ماتت القاتلة فجعل النبي صلى الله عليه و سلم ميراثها لبنيها والعقل على العصبة وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر قال كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم على كل بطن عقوله

(4/452)


ثم كتب إنه لا يجل أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه وأخرج أحمد في المسند عن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قضى في الجنين المقتول بغرة عبد أو أمة قال فورثها بعلها وبنوها وكان من امرأتيه كلتيهما ولد قال فقال أبو القاتلة المقضي عليه يا رسول الله كيف أغرم من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل فمثل ذلك بطل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا من الكهان وأخرج أبو داود وابن ماجه وصححه النووي من حديث جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ الزوج والولد فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا ميراثها لزوجها وولدها وأخرج الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمير الهذلي عن أبيه قال كان فينا رجل يقال له حمل بن مالك له امرأتان إحداهما هذلية والأخرى عامرية وذكر نحو ما تقدم وأخرج الحاكم من حديث ابن إسحاق قال حدثني عمر بن عثمان بن محمد بن الأخنس بن شريق قال أخذت من آل عمر هذا الكتاب وفيه المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم والأنصار على ربعتهم يتعاقلون الحديث
فهذه الأحاديث وما ورد في معناها قد دلت على ثبوت العقل في الجملة ولا يعارضها مثل قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وقوله صلى الله عليه و سلم لا يجني جان إلا على نفسه وما ورد في معنى ذلك لأنها عمومات مخصصة

(4/453)


بأحاديث العقل وليس في هذه الأحاديث التي ذكرناها ما يدل على أن الجنايات التي أثبت الشرع فيها العقل هي جنايات الخطأ بل في هذه الأحاديث ما يشعر بالعمد كما تراه ولكنه أخرج الدارقطني والبيهقي عن عمر أنه قال العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة قال ابن حجر وهو منقطع وفي إسناده عبد الملك بن حسين وهو ضعيف قال البيهقي والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله ولا يخفاك أن مثل هذا لا يصلح لتقييد تلك الأحاديث المطلقة على تقدير أنه صحيح فكيف يصلح لذلك مع ضعفه وقد أخرج أحمد عن ابن عباس لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك وأخرجه أيضا البيهقي وهذا أيضا قول صحابي لا يصلح لتقييد ما أطلقته السنة وأخرج مالك في الموطأ عن الزهري أنه قال قضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد وأخرج معناه البيهقي عن أبي الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة فإن أراد بهذه السنة سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو مخالف لما تقدم في الأحاديث السابقة ولو سلمنا عدم مخالفته لها لاحتمل أن يريدوا سنة الصحابة أو الخلفاء أو عمل أهل المدينة أو نحو ذلك ولا حجة في شيء من ذلك
وأما ما أخرجه الدارقطني والطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئا ففي إسناده الكذاب

(4/454)


المشهور المصلوب في الزندقة محمد بن سعيد وفي إسناده أيضا الحارث بن نبهان وهو منكر الحديث وبهذا تعرف أنه لم يكن في الباب ما يصلح لتقييد ما أطلقته السنة
فإن قلت قد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث عمران بن حصين أن غلاما لأناس فقراء قطع اذن غلام لأناس أغنياء فأتى أهله إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا يا نبي الله إنا أناس فقراء فلم يجعل عليه شيئا قلت ليس فيه إلا إسقاط ضمان جناية الجاني إذا كانت عاقلته فقراء فيخص بهذه الصورة وظاهر قوله إن غلاما لأناس فقراء أنه كان عبدا ويحتمل أن يكون حرا فقيرا كما كان أهله فقراء
قوله الأقرب فالأقرب المكلف الذكر الحر من عصبته
أقول إخراج الولد من هذا العموم لما تقدم من أن النبي صلى الله عليه و سلم برأ الزوج والولد ويشكل على تقييد من يعقل بكونه عصبة ما أخرجه أحمد وابو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه وحسنه أبو زرعة من حديث المقدام بن معد يكرب أنه صلى الله عليه و سلم قال أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه وله شواهد
وأما تقدير ما يلزم العاقلة بدون عشرة دراهم فلا وجه له من رواية ولا دراية فالأولى

(4/455)


الرجوع إلى ما في الأحاديث من إطلاق العقل فتغرم العاقلة الدية وتحصص بينهم وإن بلغ نصيب الواحد ألف درهم
وأما قوله ولو فقيرا فقد قدمنا حديث عمران بن حصين وهو نص في محل النزاع فلا وجه لإلزام من كان فقيرا من العاقلة ولا يقال إنه ينظر إلى ميسرة كسائر ما يلزمه من الديون لأنا نقول هذا أخص من ذاك فإنه صلى الله عليه و سلم لم يجعل على الجاني شيئا حتى تضمنه العاقلة وتحمله عنه والعلة في ذلك فقرهم فكان الفقر مسقطا
قوله ثم في ماله
أقول الأدلة قد دلت على أن هذه الدية على العاقلة كما دلت الأحاديث الكثيرة على أن الدية على القاتل فإن جعلنا العقل خاصا بالخطأ فلا معارضة بين الأحاديث وإن جعلناه على العموم فلا بد من الجمع بينها بوجه مقبول وهذا الذي ذكره المصنف من جملة ما يصلح للجمع لأنه يقتضي حمل أحاديث ضمان العاقلة على الإمكان فإن كانوا لا وجود لهم كانت الدية من مال القاتل رجوعا إلى الأصل لئلا يهدر دم امرئ مسلم وأما إذا كانوا فقراء فقد تقدم الدليل على أنهم لا يضمنون وهكذا إذا لم تف أموالهم بالعقل
قوله ثم في بيت المال
أقول يدل على هذا ما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه و سلم أنا أولى بكل مسلم فمن ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا أو ضياعا فإلي وعلي ويدل عليه أيضا حديث المقدام بن معد يكرب المتقدم قريبا والدية هي دين ثابت في ذمة

(4/456)


الجاني فإذا كان فقيرا كانت من بيت المال كما يكون قضاء دينه من بيت المال وسيأتي في القسامة إن شاء الله أنه صلى الله عليه و سلم أعان من وجبت عليه بتسليم الدية من بيت المال
وأما قوله ثم المسلمون فلا وجه له من دراية ولا رواية وأموال المسلمين تحت العصمة الشرعية فلا يحل شيء منها إلا بناقل صحيح عن تلك العصمة
وأما قوله ولا شيء عليه إن كفت العاقلة فوجهه ظاهر لأن النبي صلى الله عليه و سلم أوجب ذلك عليها
وأما كونها تبرأ ببراءته قبل الحكم عليها فوجه ذلك أن أصل الوجوب عليه
وأما قوله لا العكس فلا وجه له بل يبرأ ببراءة العاقلة كما برئت هي ببراءته
قوله ويعقل عن ابن العبد وابن الزنا عاقلة أمه
أقول الأولى أن يعقل عن ابن العبد موالي أبيه وقد عرفت أنه لم يرد ما يقيد أحاديث العقل المطلقة وأما ابن الزنا فلا قرابة له إلا من جهة أمه وقد تقدم أن الخال يعقل عمن لا وارث له سواه وهو من عصبة الأم وأرحام ابنها
قوله والإمام ولي مسلم قتل ولا وارث له ولا عفو
أقول يدل على ذلك الأدلة المتقدمة التي ذكرناها قريبا ويدل على ذلك أيضا غيرها من العمومات وهو أيضا ولي أموات المسلمين كما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم فله المطالبة بما يجب لهم وعليهم ولا وجه لقوله ولا عفو بل إليه العفو كما تكون إليه العقوبة لعموم ولايته إذا كان في ذلك مصلحة عائدة على المسلمين أو خصوصا

(4/457)


باب القسامة
تجب في الموضحة فصاعدا إن طلبها الوارث ولو نساء ولا يستبد الطالب بالدية
قوله تجب في الموضحة فصاعدا إلخ
أقول القسامة قد ثبتت في هذه الشريعة في الجملة ولا ينكر ذلك منكر ولا يدفعه دافع وقد أخذ بها الجمهور وعملوا عليها وهي شرع مستقل لا يضرها مخالفتها لبعض ما قد تقرر اعتباره على جهة العموم فإن بناء العام على الخاص واجب وقد قال قوم من السلف إنها غير ثابتة مع اعترافهم بورودها ووقوعها في زمن النبوة وفي أيام الخلفاء الراشدين والقائلون بأنها غير ثابتة هم أبو قلابة وسالم بن عبد الله والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلم بن خالد وعمر بن عبد العزيز ومن أهل البيت الناصر وعدلوا على مجرد الاستبعاد لثبوتها مع اشتمالها على أحكام تخالف

(4/458)


ما هو المتقرر في غالب الأبواب
وعندي أنه لا وجه لهذا الاستبعاد ولا مقتضى للجزم بعدم ثبوتها لأن النبي صلى الله عليه و سلم أقرها على ما كانت عليه في الجاهلية كما في صحيح مسلم وغيره وكانت أول قسامة وقعت في الجاهلية القسامة التي ادعاها أبو طالب عم النبي صلى الله عليه و سلم على فخذ من أفخاذ قريش والقصة مستوفاة في صحيح البخاري وغيره وفيها أن أبا طالب قال للذي اتهم بقتل الفتى من بني هاشم اختر منا إحدى ثلاث إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت حلف خمسون من قومك إنك لم تقتله فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه فأخبروهم فقالوا نحلف فاقسامة المشروعة هي هذه التي قررها النبي صلى الله عليه و سلم وهي أن يدفع المتهمون بالقتل الدية أو يحلفوا ولا دية عليهم
وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة عبد الله بن سهل الذي قتلته يهود خيبر وأن النبي صلى الله عليه و سلم عرض على ورثته أنهم يحلفون ويستحقون فقالوا كيف نحلف ولم نشهد قال فتبرئكم يهود بخمسين يمينا فقالوا كيف نأخذ أيمان قوم كفار فعقله النبي صلى الله عليه و سلم من عنده فينبغي أن يكون هذا على طريق الصلح لأن القسامة التي أقرها رسول الله صلى الله عليه و سلم هي قسامة أبي طالب فيحمل ما خالفها كهذه القصة على ما ينبغي أن يحمل عليه ما خالف ما هو الأصل وقد قيل إن النبي صلى الله عليه و سلم تلطف لورثة عبد الله بن سهل ليريهم كيف بطلانها ولهذا

(4/459)


أسلم الدية من عنده لئلا يهدر دم المقتول
وأما الجمع للمتهمين بين الإيمان والدية فمخالف لما وقع في قسامة أبي طالب التي قررها رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس في ذلك إلا ما يروى عن عمر ولا يجوز العمل به لمخالفته لما صح عنه صلى الله عليه و سلم
وإذا عرفت ما ذكرناه من وجوب تأويل ما خالف قسامة أبي طالب فمن جملة ما خالفها في قصة عبد الله بن سهل أنه يحلف من قرابته خمسون ويستحقون فإن اليمين إنما تكون على يقين ولهذا قالوا كيف نحلف ولم نشهد وهذا يقوي ما قدمنا من قول من قال إنه تلطف لورثة عبد الله بن سهل ليريهم كيف بطلانها
فالحاصل أن القسامة ثابتة في هذه الشريعة فمن ادعاها على قوم فيقال لهم يحلف منهم خمسون فإن حلفوا فليس عليهم شيء من الدية وإن نكلوا فعليهم الدية وإن التبس الأمر كانت من بيت المال كما فعله صلى الله عليه و سلم في قصة عبد الله بن سهل وليس غير هذا ولكن في قصة أبي طالب أن الدعوى وقعت على معين فيدل ذلك على أن التعيين لا يبطل القسامة بل يتوجه على قوم ذلك المعين ما يتوجه على قوم وقعت الدعوى على واحد منهم غير المعين وعلى جماعة منهم غير المعينين
وأما قوله تجب في الموضحة فصاعدا فمبني على صحة إلحاق ما دون النفس بالنفس ولكنه يقال مقتضى قواعدهم أنه لا يقاس على ما ورد مخالفا للقياس بل يقر في موضعه وإن كان الحق ما قدمنا أن كل الشريعة المطهرة واردة على القياس المطابق للحكمة التي ينتفع بها العباد عاجلا وآجلا

(4/460)


وأما قوله إن طلبها الوارث إلخ فوجهه ظاهر لأن هذا شأن حقوق الآدميين لا تجب إلا بعد الطلب كما تقدم في الدعوى وقد قدمنا هنالك ما ينبغي الرجوع إليه وهكذا لا يبطل حق من لم يعف من عفا وليس في هذا تبرع
وأما كونه لا يستبعد بالدية الطالب فوجهه أنها عوض عن دم المقتول وهم يستحقونه جميعا ولا يبطل حق الساكت بسكوته
فصل
فمن قتل أو جرح أو وجد أكثره في أي موضع يختص بمحصورين غيره ولو بين قريتين استويا فيه أو سفينة أو دار أو مزرعة أو نهر أو لم يدع الوارث على غيرهم أو معينين فله أن يختار من مستوطنيها الحاضرين وقت القتل خمسين ذكورا مكلفين أحرارا وقت القتل إلا هرما أو مدنفا يحلفون ما قتلناه ولا علمنا قاتله ويحبس الناكل حتى يحلف ويكرر على ما شاء إن نقصوا ويبدل من مات ولا تكرار مع وجود الخمسين ولو تراضوا وتعدد بتعدده ثم تلزم الدية عواقلهم ثم في أموالهم ثم في بيت المال فإن كانوا صغارا أو نساء منفردين فالدية والقسامة على عواقلهم وإن وحد بين صفين فعلى الأقرب إليه من ذوي جراحته من رماة وغيرهم
قوله فصل فمن قتل أو جرح إلخ
أقول وجوده على هذه الصفة مقتض لتعلق التهمة بأهل المحل فكان ذلك سببا لثبوت القسامة وجعلوا هذا قائما مقام اللوث الذي اعتبره بعض أهل العلم

(4/461)


وأما اشتراط أن يختص المحل بمحصورين فلكونها لا تصح الدعوى على من لم ينحصر كالمدن الكبار وقوله غيره يفيد أنه لو كان المحل مختصا بالمتهم كانت القسامة عليه وحده وقد قيل إن ذلك إجماع وفيه نظر فإن قسامة أبي طالب كانت على فرد معين ولم يكن ذلك قادحا في القسامة فهكذا لا يقدح فيها إذا كان القتيل موجودا في مكان يختص بالمتهم
قوله ولو بين قريتين استويا فيه
أقول وجه ذلك أن التهمة قد تعلقت بأهل القريتين جميعا مع الاستواء بينهما بالنسبة إلى الموضع الذي وجد فيه القتيل وأما إذا كان موضع القتيل أقرب إلى أحدهما فالتهمة متعلقة به تعلقا أقوى من صاحب المكان الأبعد ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد والبيهقي من حديث أبي سعيد قال وجد رسول الله صلى الله عليه و سلم قتيلا بين قريتين فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فذرع ما بينهما زاد البيهقي فوجد إلى أحد الحيين أقرب بشبر فألقى ديته عليهم قال البيهقي تفرد به أبو إسرائيل عن عطية ولا يحتج بهما وقال العقيلي هذا الحديث ليس له أصل وروى الشافعي عن عمر أنه كتب في قتيل وجد بين خيوان ووادعة أن يقاس ما بين القريتين قال الشافعي ليس بثابت

(4/462)


إنما رواه الشعبي من الحارث الأعور وقال البيهقي روي عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عمر ومجالد غير محتج به قال وقد روي عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع عن عمر قال ابن حجر لكن لم يسمعه أبو إسحاق من الحارث فقد روى علي بن المديني عن أبي زيد عن شعبة سمعت أبا إسحق يحدث حديث الحارث بن الأزمع يعني هذا قال فقلت يا أبا إسحق من حدثك قال حدثني مجالد عن الشعبي عن الحارث بن الأزمع فعادت رواية أبي إسحق إلى حديث مجالد ومجالد غير محتج به انتهى
وأما قوله أو سفينة أو دار أو مزرعة أو نهر فالأمر كذلك
وأما قوله ما لم يدع الوارث على غيرهم فوجهه ظاهر لعدم وجود ما هو المناط وهو التهمة
وأما قوله أو معينين فقد قدمنا الكلام عليه في أول الباب
قوله فله أن يختار إلخ
أقول الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن أبي حثمة ورافع ابن خديج وغيرهما بألفاظ ليس فيها إلا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال فتبرئكم يهود بخمسين يمينا وفي بعضها فيحلفون وليس في هذا ما يدل على أن لمدعي القسامة أن يختار لليمين من أراد وهكذا في قسامة أبي طالب ليس فيها أنه اختار الخمسين بل طلب أيمان خمسين فالظاهر أن المتهمين يحلف منهم خمسون يعينونهم من أنفسهم وليس للمدعي إلا ذلك

(4/463)


وأما اشتراط أن يكون الحالفون من مستوطنيها الحاضرين وقت القتل فوجهه أن مناط القسامة التهمة ولا تهمة على من لم يحضر وقت القتل
وأما اشتراط كونهم أحرارا فوجهه أنهم يدفعون عن أنفسهم باليمين لزوم الدية ولا يلزم العبيد من ذلك شيء فلا يمين عليهم
وهكذا اشتراط كونهم ذكورا لأن التهمة لا تتعلق بالنساء وأما استثناء المريض والمدنف فوجهه أن التهمة غير متعلقة به فهو كمن لم يحضر
قوله يحلفون ما قتلناه ولا علمنا قاتله
اقول قد ثبت في صحيح البخاري في قسامة أبي طالب التي أقرها الشرع بلفظ وإن شئت حلف خمسون من قومك بأنك لم تقتله فهذا يدل على أنه لا بد أن يحلف الخمسون على أن المعين لم يقتله أو على أنهم لا يعلمون له قاتلا حيث لم يكن معينا وهذا من جملة ما ورد خاصا بالقسامة فإن اليمين على أن المعين لم يقتله وبعد وقوع الدعوى عليه لا يكون إلا باعتبار الرجوع إلى الأصل وهو عدم صدور الفعل من المدعي عليه وفيه ما فيه
قوله ويحبس الناكل حتى يحلف
أقول قد قدمنا أن إيجاب اليمين عليهم لأجل إسقاط الدية على ما قررناه من أنه لا دية عليهم بعد حلفهم فمن نكل منهم خوطب بتسليم نصيبه من الدية كما يخاطب من نكل عن اليمين في سائر الحقوق ولا وجه للحبس لأنه قد يكون فيه إكراه عن اليمين الفاجرة
قوله ويكرر على من شاء إن نقصوا
أقول قد تقرر أن أيمان القسامة خمسون فحيث لا يتم إلا بالتكرار على بعض من

(4/464)


حلف كان ذلك حقا للمدعي لأنه سيترتب على كمال القسامة وهي الخمسون اليمين سقوط الدية ولكن ليس له أن يختار من تكرر عليه اليمين كما قدمنا لأنه ليس له أن يختار من يحلف بل لهم أن يعينوا من يكون التكرار عليه
وأما كونه يبدل من مات فوجهه انه لا بد من الخمسين اليمين لكن يكون البدل ممن تتعلق به التهمة لا مطلقا
وأما كونه لا تكرار مع وجود الخمسين فظاهر لأنها ألجأت الضرورة إلى التكرار فلا تكرار مع السعة
وأما كونها تتعدد القسامة بتعدد ما تجب فيه فظاهر لأنها واجبة لكل قتيل كما حكم به رسول الله صلى الله عليه و سلم
قوله وتلزم الدية عواقلهم
اقول قد عرفناك ما هو الصواب في أول الباب فلا نعيده فلا يجب عليهم إذا حلفوا ولا على عواقلهم ويجب في بيت المال مع اللبس كما تقدم
وأما قوله فإن كانوا صغارا أو نساء منفردين إلخ فالذي ينبغي اعتماده أن التهمة إذا تعلقت بالنساء والصغار حلف من تعلقت به التهمة من النساء وينتظر بلوغ الصغار ثم يحلفون فإن حلفوا أو حلفن فلا ديه عليهن ولا عليهم ولا على عواقلهم وإن لم يحلفوا كانت الدية عليهم وعليهن وأما العواقل فقد تقدم في فصل ضمان العاقلة ما لا يحتاج معه إلى إعادته هنا
قوله فإن وجد بين صفين إلخ
أقول قد ثبتت القسامة في وجوده بين قريتين فثبوتها في وجوده بين صفين أولى لأن التهمة أقوى والسبب أظهر فإن كان أحد الصفين أقرب من الآخر كان تعلق التهمة به أقوى إلا أن لا يكون في سلاحهم ما هو المؤثر في الجناية عليه ووجد ذلك في سلاح

(4/465)


الصف الأبعد فإن التهمة تنصرف عن الأقربين إلى الأبعدين فما ذكره المصنف هاهنا صواب لأن قوله فعلى الأقرب إليه من ذوي جراحته تدل على أنهم إذا لم يكونوا من ذوي جراحته كانت على ذوي جراحته وإن كان صفهم بعيدا منه
فصل
فإن لم يختص أو لم ينحصروا ففي بيت المال ولا تقبل شهادة أحد من بلد القسامة وهي خلاف القياس وتسقط عن الحاملين في تابوت ونحوه وبتعيينه الخصم قبل موته والقول للوارث في إنكار وقوعها ويحلف
قوله فصل فإن لم يختص إلخ
أقول هذا وجه من وجوه الالتباس وقد قدمنا أنها تكون معه على بيت المال وأيضا لا يهدر دم امرئ مسلم
وأما قوله ولا تقبل شهادة أحد من بلد القسامة فوجهه ما تقدم في الشهادات من أنها لا تقبل شهادة من له فيها جلب نفع أو دفع ضرر وقد حققنا ذلك هنالك فأرجع إليه
وأما قوله وهي جارية على خلاف القياس فمرادهم عند إطلاق مثل هذا أن ما أطلقوه عليه مخالف لغالب ما ثبت في القواعد الشرعية وقد قدمنا الإشارة إلى شيء من هذا
وأما قوله ويسقط عن الحاملين إلخ فيجاب عنه بأن مثل هذا الفعل لا يستلزم انتفاء التهمة التي عللوا بها لا عقلا ولا شرعا ولا عادة فكيف يكون موجبا لسقوط القسامة عليهم
وأما قوله وبتعيينه قبل موته فقد قدمنا أن قسامة أبي طالب التي قررها

(4/466)


الشرع كانت على معين عينه المقتول قبل موته
وأما قوله والقول للوارث في إنكار وقوعها فوجهه أن الأصل عدم ذلك فيكون القول قوله مع يمينه وعليه البينة أنها قد وقعت
فصل
وإنما تؤخذ الدية وما يلزم العاقلة في ثلاث سنين تقسيطا
قاله فصل وإنما تؤخذ الدية إلخ
أقول غاية ما روي في هذا ما أخرجه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال من السنة أن تنجم الدية في ثلاث سنين ويقويه ما حكاه الشافعي من الإجماع على ذلك وكذا ما حكاه الترمذي في جامعه وابن المنذر وقد روي التنجيم في ثلاث سنين عن جماعة من الصحابة وقد حكى الرافعي إجماع الصحابة على ذلك

(4/467)


كتاب الوصايا

(4/469)


فصل
إنما تصح من مكلف مختار حالها بلفظها أو لفظ الأمر لبعد الموت وإن لم يذكر وصيا
قوله فصل إنما تصح من مكلف
أقول الوصية تكليف من التكاليف الشرعية ورد الأمر بها والترغيب إلى فعلها والترهيب في تركها وهي أيضا تتضمن إخراج جزء من المال لفلان أو للقربة الفلانية أو عند فلان كذا أو يفعل الوارث كذا أو يترك كذا وهذه أمور لا تصح إلا من المكلف لا من الصغير الذي لم يبلغ التكليف وهذا يكفي في الإستدلال على اشتراط التكليف من فاعلها ولا يصلح لمعارضة هذا ما أورده ابن حجر في التلخيص أن غلاما من غسان حضرته الوفاة وله عشر سنين فأوصى لبنت عم له وارث فرفعت القصة إلى عمر فأجاز وصيته وعزاه إلى مالك من حديث عمرو بن سليم الزرقي أنه قيل لعمر بن الخطاب إن ها هنا غلاما يفاعا لم يحتلم من غسان ووارثه بالشام وهو ذو مال وليس له هاهنا إلا ابنة عم له فقال عمر فليوص لها الحديث ورواه أيضا من وجه آخر وفيه أن الغلام كان ابن اثنتي عشرة سنة أو عشر سنين

(4/471)


وقال البيهقي علق الشافعي القول بجواز وصية الصبي وتدبيره بثبوت الخبر عن عمر لأنه منقطع وعمرو بن سليم لم يدرك عمر قال ابن حجر ذكر ابن حبان في ثقاته أنه كان يوم قتل عمر جاوز الحلم وكأنه أخذ من قوله الواقدي إنه كان حين قتل عمر راهق الإحتلام انتهى
وإنما قلنا إنه لا يعارض ما ذكرنا لأنه اجتهاد يخالف ما جرت عليه قواعد هذه الشريعة وأدلتها من اشتراط التكليف وقد أمر الله الأولياء بحفظ أموال اليتامى وقال فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وهكذا يقال فيما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الزهري أن عثمان أجاز وصية غلام ابن إحدى عشرة سنة
وأما اشتراط الإختيار فلعدم صحة تصرف المكره لا بوصية ولا بغيرها كما تقدم
وأما قوله بلفظها أو لفظ الأمر فقد عرفناك غير مرة أن المعتبر ما يدل على المقصود ويشعر بالمراد ولو بغير لفظ فضلا عن أن يكون لفظ معين
وأما إضافة الوصية إلى ما بعد الموت فلأجل تفرق الحال بين الوصية والوكالة
وأما قوله وإن لم يذكر وصيا فوجهه أن ذلك الذي أمره بأن يفعل بعد موته كذا قد صار وصيا بمجرد هذا الأمر كما سيأتي للمصنف في قوله ويعم وإن سمي معينا إلخ

(4/472)


فصل
وما نفذ في الصحة وأوائل المرض غير المخوف فمن رأس المال وإلا فمن الثلث ولا رجوع فيهما
قوله فصل وما نفذ في الصحة وأوائل المرض غير المخوف فمن رأس المال وإلا فمن الثلث
أقول المال ما دام لصاحبه عين تطرف فهو ملكه وله التصرف فيه بما شاء كيف شاء لكنه لما صح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال لسعد بن أبي وقاص الثلث والثلث كثير أو كبير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بعد أن قال له سعد إنه يريد أن يتصدق بثلثي ماله قال لا قال فالشطر يا رسول الله قال لا قال فالثلث قال الثلث والثلث كبير والحديث في الصحيحين وغيرهما كان ذلك دليلا على عدم جواز مجاوزة الثلث لمن له وارث لأنه علل المنع بذلك
وأما من لا وارث له فلا يدخل تحت هذا النهي ولا يصح الإستدلال على وجوب الإقتصار على الثلث بقوله صلى الله عليه و سلم إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها زيادة لكم في أعمالكم أخرجه أحمد وابن

(4/473)


ماجه والبزار والدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة وفي إسناده ضعف وأخرجه الدارقطني والبيهقي بنحوه من حديث أبي أمامة وفي إسناده مقال ورواه العقيلي في الضعفاء عن أبي بكر الصديق وفي إسناده متروك لأن الحديث لا تقوم به حجة كما ترى وعلى فرض قيام الحجة به فالتصدق منه تعالى عليهم بالثلث لا ينافي تصدقهم بزيادة عليه لأنه تعالى قد جعل كل مالك مفوض في ملكه فلا يخرج عن ذلك إلا ما ورد المنع منه بما لا يجوز مخالفته
وأما رده صلى الله عليه و سلم لبيضة الذهب لمن تصدق بها وكذلك رده لمن تصدق بأحد ثوبيه فالوجه في ذلك ما هو مذكور في الحديثين من أنه يقعد يستكف الناس فهذا هو الموجب لرد هذه الصدقة وقد قدمنا الكلام على نحو هذا في الهبة وفي النذر فارجع إليه
والحاصل أنه من له وارث لم يصح تصرفه في زيادة على الثلث ومن لا وارث له يصح تصرفه في جميع ماله إذا لم يخش عليه الحاجة إلى الناس والوقوع في المسألة

(4/474)


المحرمة ولا فرق بين المرض والصحة ولم يرد ما يدل على هذا الفرق الذي ذكره المصنف وكونه صلى الله عليه و سلم قال ذلك لسعد في حال مرضه فقد علله بعلة يستوي فيها المرض وغيره حيث قال إنك أن تذر ورثتك أغنياء إلخ وهذا الحديث يقيد به ما ورد في الكتاب العزيز من قوله عز و جل من بعد وصية يوصي بها أو دين ويؤيده النهي عن وصية الضرار ويؤيده أيضا حديث الرجل الذي أعتق ستة أعبد عند موته ليس له مال غيرهم فأعتق النبي صلى الله عليه و سلم اثنين وأرق أربعة أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ورجال إسناده رجال الصحيح وقد قدمنا الكلام عليه في العتق وفي آخر هذا الحديث أنه قال صلى الله عليه و سلم لو شهدته قبل أن يدفن في مقابر المسلمين
قوله ولا رجوع فيها
أقول ما صدر عن طيبة نفسه بنفوذه في الحال قد حصل المناط الشرعي المقتضي لخروج الملك من مالكه إلى غيهر وأما إذا كانت نفس لا تطيب بالنفوذ ما دام حيا فلا ينفذ ذلك إلا بالموت وله الرجوع قبله لأن المناط الشرعي لم يوجد ها هنا
فصل
وتجب والإشهاد على من له مال بكل حق لآدمي أو لله مالي أو يتعلق به ابتداء أو انتهاء فالثلاثة الأول من رأس المال وإن لم يوص ويقسط الناقص بينها ولا

(4/475)


ترتيب والرابع من ثلث الباقي كذلك إن أوصى ويشاركه التطوع
قوله فصل تجب والإشهاد على من له مال
أقول وجه الوجوب قول الله عز و جل كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين لا يستلزم نسخ وجوبها لغيرهم ويؤيد الوجوب الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ما حق امرىء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه وفي هذه العبارة ما يقتضي الإيجاب على طريق المبالغة ولم يأت من أراد دفع دلالة هذا الحديث على الوجوب بطائل وقد حققنا هذا المبحث في شرحنا للمنتقي فليرجع إليه
والحاصل أن وجوب تخلص العبد من الحقوق اللازمة له لله ولعباده معلوم بأدلته فإذا لم يكن التخلص عنه في حال الحياة كان التخلص عنه بالوصية واجبا والجمهور

(4/476)


وإن قالوا بأنها مندوبة فهم لا يخالفون في مثل هذا لأنهم يوافقون على وجوب التخلص من الواجبات بكل ممكن فإذا لم يمكن إلا بالوصية فهم لا ينكرون الوجوب
وأما الوصية بما يريد الإنسان أن يتقرب به من القرب فمعلوم أن ذلك إليه وراجع إلى اختياره لأنه لا يجب عليه غير ما هو واجب عليه وأصل التقربات التي لم يوجبها الشرع الندب فلا يزيد عليها ما هو متفرع عليها وهو الوصية
وأما وجوب الإشهاد فإذا علم الموصي أن وصيته لا تتم إلا بذلك كان واجبا عليه وإلا فلا وجه للوجوب
وأما قوله على من له مال فوجه ذلك أن من لا مال له قد تعذر عليه التخلص عن الواجب والتقرب بالمندوب فلا فائدة في وصيته ولهذا قال صلى الله عليه و سلم وله شيء يريد أن يوصي فيه لكن إذا علم أنه إذا أوصى حصل تخليص ما عليه من بيت المال أو من إخوانه المسلمين كان ذلك واجبا عليه لأنه نوع من التخلص وقوله لكل حق لآدمي أو لله وجهه ظاهر كما قدمنا
وأما قوله أو يتعلق به ابتداء أو انتهاء فليس المراد إلا ثبوت ذلك عليه قبل موته فإذا تقرر ثبوته كان له حكم الدين فيخرج من الرأس لقوله عز و جل من بعد وصية يوصي بها أو دين وإن كان ثبوته قبل موته غير متقرر كالنذر والهبة ووصايا القربة مع إضافة ذلك إلى ما بعد الموت فمخرجه من الثلث لما قدمنا ومعي وقفة في لزوم الوصية بالحج لمن مات وقد لزمه الحج وقد أوضحت ذلك في حاشيتي على الشفاء بل في كونه يقع عن الميت الموصي به نظر إذا لم يكن الذي يحج عن الميت قريبا له فكيف يقال يجب التحجيج وإن لم يوص الميت به ويخرج من رأس ماله

(4/477)


فصل
ولا ينفذ في ملك تصرف غير عتق ونكاح ومعاوضة معتادة من ذي مرض مخوف أو مبارز أو مقود أو حامل في السابع وله وارث إلا بزوالها وإلا فالثلث فقط إن لم يستفرق وما أجازه وارث غير مغرور ولو مريضا أو محجورا ويصح إقرارهم ويبين مدعى التوليج
قوله فصل ولا ينفذ في ملك تصرف إلخ
أقول ما ذكره المصنف ها هنا إلى قوله فالثلث فقط صواب وجهه ما قدمنا عند قوله وما نفذ في الصحة وأوائل المرض غير المخوف
وأما قوله وما أجازه وارث غير مقرور إلخ فوجهه واصح لأنه بذلك أسقط حقه فزال المانع مع وجود المقتضي ولا شك في صحة الإجازة من المريض والمحجور كما يصح الإقرار لأنه مكلف وإقراره حجة عليه فكذا إجازته
وأما قوله ويبين مدعي التوليج فوجهه أن الأصل عدمه فالقول قدل نافيه والبينة على مدعيه إلا أن توجد شواهد التوليج وقرائنه وثبت بذلك الظاهر والظاهر مقدم على الأصل كما هو المعلوم بالوجدان

(4/478)


فصل
ويجب امتثال ما ذكره وعرف من قصده ما لم يكن محظورا ويصح بين أهل الذمة فيما يملكون ولو لكنيسة أو بيعة وتصح للذمي ولقاتل العمد إن تأخرت وللحمل والعبد وبهما وبالرقبة دون المنفعة والفرع دون الأصل والنابت دون المنبت ومؤبدة وعكس ذلك ولذي الخدمة الفرعية والكسب وعليه النفقة والفطرة ولذي الرقبة الأصلية والجناية وهي عليه وأعواض المنافع إن استهلكه بغير القتل للحيلولة إلى موت الموصى له أو العبد ولا تسقط بالبيع وهي عيب ويصح إسقاطها
قوله فصل ويجب امتثال ما ذكره إلخ
أقول وجه هذا أن الميت إن كانت وصيته تتضمن تخليصه من شيء واجب عليه فقد فعل بالوصية ما يجب عليه وكان تنجيزها واجبا على وصيه أو على وارثه أو على سائر المسلمين إن لم يكن ثم وصي ولا وارث والإمام والحاكم أولى المسلمين بالقيام بذلك والإلزام به لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان الذي أوصى به الموصى من القرب التي ليست بواجبه عليه فقد فعل ذلك في ماله الذي أذن الله سبحانه له بالتصرف فيه كيف يشاء وإنفاذ ذلك واجب على الوصي أو على الوارث أو على الإمام والحاكم لأن في إهماله إهمالا لحق امرىء مسلم وهو منكر يجب إنكاره وما

(4/479)


عرف من القصد فله حكم اللفظ إذ ليس المراد باللفظ إلا مجرد الدلالة على المعنى الذي يريده اللافظ وقد حصلت هذه الدلالة بالقصد
وأما قوله ما لم يكن محظورا فوجهه ظاهر لأن ذلك منكر وهو يجب دفعه على كل مسلم ومن دفعه ترك تنفيذه وعدم امتثال أمر الموصي بذلك
قوله ويصح بين أهل الذمة إلخ
أقول وجه ذلك أنهم مقرون على شريعتهم فليس لنا تغييره ما فعلوه ولا التعرض لإبطاله إلا أن يترافعوا إلينا ويطلبوا منا حكم الإسلام بينهم في ذلك كان علينا الحكم بينهم بحكم الإسلام كما صرح الله سبحانه به في كتابه العزيز فاحكم بينهم بما أنزل الله وهكذا تصح الوصية من المسلم للذمي لعدم وجود مانع شرعي من ذلك إذا كان الذي أوصى له به مما يجوز لنا معاملة أهل الذمة به فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في كل كبد رطبة أجر وهو أيضا يشمله الإذن العام بقوله عز و جل لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم الآية
قوله وتصح لقاتل العمد إن تأخرت
أقول لا وجه للتقييد بقوله إن تأخرت بل تصح مطلقا لأن المقتول تصرف بماله الذي أباح له الشرع التصرف فيه ولا مانع من ذلك وكونه قد عصى بالجناية لا يستلزم عدم الصحة الإحسان إليه بل الإحسان إليه قد يكون الثواب فيه أكثر من غيره لأنه من مقابلة الإساءة بالإحسان وهو منزلة عظيمة عند الله وقد ندب الله إلى ذلك بقوله ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها

(4/480)


إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم أي ما يلقى هذه الخصلة وهي الدفع بالتي هي أحسن إلا من كان كذلك نعم إذا رجع الموصي عن الوصية بعد الجناية أو عرف من قصده ما يقتضي الرجوع عن الوصية كان ذلك مبطلا لها لعدم وجود المناط الشرعي وهوالرضا وطيبة النفس
وأما قوله وتصح للحمل والعبد إلى آخر ما ذكره المصنف فوجهه واضح والتفريع على ذلك قد عرف في مواطنه فلا حاجة إلى الكلام منا عليه هنا
فصل
وتصح بالمجهول جنسا وقدرا ويستفسر ولو قسرا وثلث المال للمنقول وغيره ولو دينا فإن كان لمعين شارك في الكل وإلا فإلى الورثة تعيينه وثلث كذا لقدره من جنسه ولو شراء ومسمى الجنس كشاة لجنسه ولو شراء والمعين لعينه إن بقيت وشيء ونحوه لما شاءوا والنصيب والسهم لمثل أقلهم ولا يتعد بالسهم السدس والرغيف لما كان ينفق فإن جهل فالأدون وأفضل أنواع البر الجهاد وأعقل الناس أزهدهم ولكذا وكذا ينصفان وإذا ثبت على كذا لثبوته عليه ولو ساعة وأعطوه ما ادعى وصية والفقراء والأولاد والقرابة والأقارب والوارث كما مر
قوله فصل وتصح بالمجهول إلخ
أقول وجه هذه الصحة أنه قد وجد المقتضي وفقد المانع وليس مجرد الجهالة

(4/481)


ابتداء مما يصلح للمانعية لأنها ترتفع بالتفسير أو بالرجوع إلى أقل ما يصدق ذلك اللفظ لا يقال إن قسره على التفسير إكراه والإكراه مانع لأنا نقول هو إنما أكره على تفسير ما قاله حال اختياره وقد ثبت عليه الحق بمجرد الوصية بالمجهول فامتناعه من تفسيره كامتناع من تقرر عليه حق معلوم من تسليمه وللحاكم أن يجبر المتمرد كما تقدم
قوله وثلث المال للمنقول وغيره
أقول هذا ظاهر ما يقتضيه لفظ المال إلا أن يمنع من الجري على هذا ظاهر عرف للموصي وأهل محله فإنه مقدم على ما تقتضيه اللغة لا فرق بين المعين وغيره في استحقاق المقاسمة للورثة ولا وجه يقتضي تخصيص المعين بذلك لا من رواية ولا من دراية لأن التعيين مع ذكر لفظ الثلث مشعر أتم إشعار بأن المراد أن هذا الموصى له يأخذ ثلث هذا المعين رضي الوارث أم كره وهكذا له أن يأخذ ثلث ما قال فيه لفلان ثلث كذا ولا وجه للإنتقال إلى جنسه إلا أن يعرف ذلك من قصد الموصي وإنما يعدل إلى الجنس في مسمى الجنس كما قال المصنف ومسمى الجنس لجنسه والمعين لعينه ومن المعين قوله ثلث كذا كما لا يخفى فكلام المصنف متدافع
وأما قوله وشيء ونحوه لما شاءوا فوجهه أنه يصدق على كل ما شاءه أنه شيء إلا أن يعرف من قصد الموصي ما يخالف ذلك
قوله والنصيب والسهم لمثل أقلهم
أقول وجه هذا أنه لا يريد إلا نصيبا من أنصباء التركة أو سهما من سهامها فإن كان في ذلك عرف معلوم وجب الرجوع إليه وإلا كان المتيقن هو أقل ما يصدق عليه أنه سهم من سهام التركة ونصيب من أنصابها ولا وجه لقول المصنف ولا يتعدى بالسهم السدس فإن الوقوف على السدس تحكم محض لا يدل عليه شرع ولا عقل ولا لغة ولا وجه للفرق بين النصيب والسهم إلا أن يكون المصنف قد بنى ذلك على عرف

(4/482)


قد عرفه ولكنه لا يفيد شيئا لأن الإعتبار يعرف المتكلم حال التكلم ولا يلزمه عرف غيره من أهل عصره فضلا عن عرف من عصره قبل عصره
وأما قوله والرغيف لما ينفق منه فوجهه أن المتبادر ما هو كذلك فإن كان مجهولا رجع إلى عرف أهل بلده فإن لم يكن لهم عرف أو كان العرف مختلفا فالأقل لأنه المتيقن
قوله وأفضل أنواع البر الجهاد
أقول أما أفضل أنواع البر من غير نظر إلى خصوص الوصية فقد اختلفت الأدلة في أفضل الأعمال فتارة يذكر الجهاد وتارة الصلاة لأول وقتها وتارة ذكر الله وتارة بر الوالدين وتارة الصدقة وما ورد في هذا المعنى
وينبغي الجمع بين هذه الأحاديث المختلفة بأن يقال إن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان مثلا قوي القلب مستعدا للجهاد فالجهاد أفضل أعماله ومن كان غير قادر على الجهاد أو يقدر عليه مع ضعف يلحقه وعدم فائدة تحصل منه فأفضل أعماله المحافظة على صلواته وأذكاره أو على بر والديه وإن كان كثير المال فأفضل أعماله الصدقة على ذوي الحاجة والحاصل أن أفضل أعمال كل رجل ما هو أكثر نفعا لغيره وأجود ثمرة وأتم فائدة
وأما الوصية إذا أوصى بجزء من ماله تصرف في أفضل أعمال البر فذلك يختلف باختلاف الأوقات فأفضل أنواع البر في سني الشدة وأيام المجاعة هو الصدقة وأفضل أنواع البر في أيام المثاغرة للكفار ومدافعتهم عن بلاد الإسلام هو الجهاد وأفضل أنواع البر في غير هاتين الحالتين هو الصرف في العلماء والمتعلمين وتحشيدهم لنشر العلم والإستكثار من التعدريس وتخريج الطلبة وترقيتهم في العلوم فإنه بذلك يحصل تكاثر العلم وتكاثر أهله فيزداد الدين جمالا والإسلام رونقا لأن حملة العلم هم نجومه الذين يستضاء بأنوارهم

(4/483)


ويهتدون بهديهم
والحاصل أن العالم العارف بالموازنة بين الأعمال بين الأعمال مع اختلاف الأوقات لا يخفى عليه راجحها من مرجوحها وفاضلها من مفضولها
قوله وأعقل الناس أزهدهم
أقول إن عرف من مقصد الموصي بجزء من ماله لأعقل الناس أنه يريد أعقلهم من حيث ما يقتضيه الشرع فلا شك ولا ريب أن من رغب عن عرض الدنيا الفاني وطلب عرض الآخرة الباقي هو الذي يستحق اسم العقل الكامل والإدراك الصحيح والنظر المطابق لمراد الله سبحانه وإن عرف من مقصد الموصي لأنه يريد أعقلهم باعتبار أمر غير هذا الأمر كالتبصر بإصدار الأمور وإيرادها ومداخر الصلاح والنظر في عواقب الأمور وإصابة الرأي والفكر فيما تئول إليه مبادىء الأمور وتنتهي إليه الحوادث كان الصرف إلى من كان هو المقصود للموصى ولا حجر في ذلك فله أن جعل ما شاء من ماله حيث شاء ما لم يكن معصية لله عز و جل
قوله وبكذا وكذا نصفان
أقول هذا هو الظاهر من حيث اللغة إلا أن يخالفه عرف للموصي فهو مقدم لأنه لا يتكلم المتكلم في الغالب إلا بما يقتضيه عرفه وما يعتاده أهل بلده وهكذا قوله وإذا ثبت على كذا لثبوته عليه ولو ساعة فإنه قد حصل الثبوت على ذلك الشيء بما يصدق عليه مسمى الثبوت إلا أن يجزي عرف بخلاف ذلك
وأما قوله وأعطوه ما ادعى وصية فغير مسلم فإن هذا إقرار منه بأنه يستحق من تركته ما يدعي به وحمله على الوصية خلاف الظاهر
وأما قوله الفقراء والأولاد والقرابة والأقارب والوارث كما مر فقد قدمنا الكلام على ذلك في الوقف فليرجع إليه

(4/484)


فصل
ولو قال أرض كذا للفقراء وتباع لهم فلهم الغلة قبل البيع إن لم يقصد ثمنها وثلاثة مضاعفة لستة وأضعافها ثمانية عشر ومطلق الغلة والثمرة والنتاج للموجودة وإلا فمؤبدة كمطلق الخدمة والسكنى وينفذ من سكنى دار لا يملك غيرها سكنى ثلثها ومن أوصى ولا يملك شيئا أو ثم تلف أو نقص فالعبرة بحال الموت فإن زاد فبالأقل
قوله فصل ومن قال أرض كذا للفقراء إلخ
أقول وجه هذا التمليك قد دل على أنها لهم من وقت التلفظ بما يدل عليه فستحقون ما حصل فيها من الغلة لأنها غلة ملكهم إلا أن يعرف من قوله وتباع لهم أن مراده أن الذي يصير إليهم هو ثمنها فقط فإن الغلة تكون قبل البيع للورثة وهو معنى قوله إن لم يقصد ثمنها واحتاج إلى هذا الإحتراز لاحتمال قوله أو تباع لهم لأمرين
قوله وثلاثة مضاعفة ستة
أقول ضعف الشيء ومضاعفته وتضعيفه أني جعل فوقه مثلاه فإن أطلق على مثله فقط فهو مجاز وليس من باب الإشتراك وإذا كان الضعف يطلق على مثلي الأصل كما عرفت فالجمع يدل على أن هذين المثلين مضاعفة ثلاث مرات فيكون ثمانية عشر لأن ذلك أقل الجموع إلا أن يظهر له قصد أو عرف يخالف ذلك فكلام المصنف رحمه الله صحيح لا إشكال فيه ولا غبار عليه
قوله ومطلق الغلة والثمرة والنتاج للموجود
أقول وجه ذلك أن اللفظ ينصرف إلى ما هو موجود في الحال فلا يتناول غيره إلا لقرينة وأما إذا قال ذلك الشيء غير موجود فالظاهر أنه أراد ما يحصل من بعد

(4/485)


ومع عدم التقييد بالمرة أو المرات يحمل على الأقل وهو ما يحصل أول مرة وليس في ذلك ما يدل على التأبيد لأن التأبيد أمر زائد على مجرد الإطلاق فلا يصار إليه إلا لقرينة
قوله وينفذ من سكنى دار لا يملك غيرها سكنى ثلثها
أقول هذا يخالف ما تقدم للمصنف من التفصيل في قوله وما نفذ في الصحة إلخ وقوله ولا ينفذ في ملك تصرف إلخ والأولى أن يقال إن الوصية بسكنى الدار تنفذ في جميع الدار إذا لم يكن وارث على حسب ما قدرناه فيما تقدم
وأما قوله ومن أوصى لا يملك شيئا إلخ فوجهه أو وقت الموت هو وقت النفوذ فالإعتبار به وجودا أو عدما وزيادة ونقصا ولا وجه لقوله فإن زاد فبالأقل
فصل
وتبطل برد الموصى له وموته وانكشافه ميتا قبل الموصي وبقتله المصي عمدا وإن عفا وانقضاء وقت المؤقتة وبرجوعه أو المجيز في حياته عمالا يستقر إلا بموته فيعمل بناقضة الأولى
قوله فصل وتبطل برد الموصى له
أقول وجهه أنه لا يلزم الإنسان حتما إدخال شيء في ملكه بل ذلك مفوض إلى اختياره فإن رضي صار ملكا وإن رده لم يصر ملكا له وأما اعتبار القبول لفظا فلا يوافق رواية ولا دراية بل المعتبر في القبول هو القبض والتصرف وفي عدم القبول هو الرد

(4/486)


وأما قوله وموته فوجهه أنه لم يوجد من قصد الموصي الإيصاء له فلم تصح الوصية وهكذا انكشافه ميتا قبل الموصي إن كانت الوصية مضافة إلى ما بعد الموت
قوله وبقتل الموصي عمدا
أقول لا وجه لإطلاق هذا فإن القتل عمدا إنما هو مبطل للميراث لا مبطل لإحسان المقتول إلى القاتل بوصية ونحوها ولا سيما إذا وقع منه العفو فإنه قد سمح بنفسه فكيف لا يسمح بجزء من ماله وقد قدمنا عند قوله ولقاتل العمد إن تأخرت ما ينبغي الرجوع إليه
وأما قوله وانقضاء وقت المؤقت فظاهر لا يحتاج إلى ذكره لأن الوصية قد انقطعت بانقطاع وقتها
وأما قوله وبرجوعه فوجهه ظاهر لأنه رجع قبل الوقت الذي تنفذ فيه الوصية ويستحقها من هي له وهو قوت الموت
وأما قوله أو المجيز في حياته فوجهه أن إسقاط حقه إنما يستقر بموت الموصي لأنه وقت النفوذ فإذا رجع قبله كان الرجوع صحيحا وإذا رجع بعده لم يصح لأنه مكلف مختار رضي لنفسه فلا يبطل ذلك الرضا بعد وقت الإستقرار وإلا استلزم هذا الرجوع عن الرضا جواز الرجوع عن سائر ما يرضى به الإنسان فلا تستقر معاملة وقد عرفناك أن الرضا هو المعتبر في جميع المعاملات
وأما قوله فيعمل بناقضة الأولى فوجهه أنه وقع نقض الأولى في الوقت الذي يجوز له فيه أن يرجع لأنه رجوع قبل وقت الإستقرار فكان العمل على ما ثبت الموصي عليه إلى وقت الإستقرار وهو موته

(4/487)


فصل
وإنما يتعين وصيا من عينه الميت وقبل وهو حر مكلف عدل ولو متعددا أو إلى من قبل فيجب قبولها كفاية ويغني عن القبول الشروع وتبطل بالرد ولا تعود بالقبول بعده في الحياة إلا بتجديد ولا بعدها إن رد في وجهه ولا يرد بعد الموت من قبل بعده أو قبله إلا في وجهه وتعم وإن سمى معينا ما لم يحجر عن غيره والمشارف والرقيب والمشروط علمه وصي لا المشروط حضوره ولكل منهما أن ينفرد بالتصرف ولو في حضرة الآخر إن لم يشرط الإجتماع ولا تشاجرا
قوله فصل وإنما يتعين وصيا من عينه الميت إلخ
أقول أما اشتراط القبول فلا بد منه إذ لا يلزم الإنسان الدخول في شيء حتما وأما اشتراط الحرية فلا وجه له بل العبد كالحر إذا أذن له سيده وإذا مات السيد ولم يأذن له المالك الآخر كان ذلك في حكم موت الوصي الحر حيث لم يوص فتكون الولاية للوارث أو للإمام والحاكم على ما سيأتي
وأما اشتراط التكليف فقد قدمنا في أول كتاب الوصايا وجه ذلك وأما اشتراط أن يكون عدلا فلم يرد ما يدل على اعتبار العدالة في الوصي كما لم يرد اعتبار العدالة في الوكيل والرسول والشريك ونحوهم وقد رضيه الميت لنفسه وأقامه مقامه بعد موته فوجب امتثال ذلك وإذا تصرف تصرفا يخالف الحق فسيأتي أنها تبطل وصايته

(4/488)


وأما قوله ولو متعددا فليس في هذا نزاع فللموصي أن يوصي إلى الواحد والإثنين والجماعة
وأما قوله وإلى من قبل فيجب قبولها كفاية فلا وجه لهذا الإيجاب بل لكل أحد أن يمتنع من قبولها إذا لم يرد ما يدل على أنه يجب على الإنسان واجب بإيجاب إنسان آخر عليه فإذا لم يقبلها أحد كان ذلك لعدم الوصي من الأصل وسيأتي الكلام فيه
وأما كونه يغني عن القبول الشروع فوجهه ظاهر لأنه لا يشرع إلا وقد رضي
وأما كونها تبطل بالرد فوجهه أنه لا يجب على الإنسان أن يدخل نفسه في أعمال لم يوجبها عليه الشرع بل ذلك مفوض إلى اختياره
وأما قوله ولا يعود بالقبول في الحياة إلا بتجديد فوجهه أن كونه وصيا قد بطل بالرد فلا يعود وصيا إلا بتجديد الوصاية إليه من الموصي وإلا كان ذلك تصرفا في مال الغير بغير مقتض وهو ممنوع لثبوت العصمة لأموال العباد إلا بإذن من الله سبحانه أو من أربابها
وأما قوله ولا بعدها إن رد في وجهه فقد عرفناك أن الوصاية قد بطلت بالرد ولا فرق بين الرد في وجه الموصي أو في غير وجهه
وأما قوله ولا يرد بعد الموت من قبل قبله إلخ فلا وجه له لأن استمراره على ذلك لم يجب عليه بإيجاب الشرع ومجرد قبوله لا يستلزم استمراره حتى يقال إنه أوجب ذلك على نفسه فله أن يعزل نفسه متى شاء وكأنه لا وصي من الأصل فيكون لكل وارث ولاية كاملة إن وجد وإلا فللإمام والحاكم كما سيأتي
قوله وتعم وإن سمى معينا
أقول لا وجه لهذا لأن التعيين يقتضي قصر إقامته مقام نفسه على ذلك المعين فتصرفه في غيره تصرف في مال الغير بغير إذنه ولا بإذن الشرع إلا أن يفهم ذلك من قصده كان التعميم من حيث القصد لا من حيث تسمية المعين

(4/489)


قوله والمشارف والرقيب والمشروط علمه وصي
أقول ليس ها هنا ما يقتضي أن يكون وصيا لا من لفظ ولا قصد وإثبات أحد هذه الأمور لشخص لا يستلزم إثبات ما هو زائد عليها وهو الوصاية المقتضية لما سيأتي من التصرف وغاية ما هنا أنه يكون إلى المشارف المشارفة على التصرفات الواقعة من الوصي فيشير على الموصي بما يستحسنه ويراه صوابا وهكذا الرقيب يكون مراقبا للوصي فيخبر بما وقع منه وليس إليه غير ذلك وأما المشروط علمه فغاية ما هناك أنه لا ينفذ تصرف الوصي حتى يعلم به وإذا علم نفذ وليس له حل ولا عقد ولا إمضاء ولا إبطال إلا أن يظهر من قصد الموصي زيادة على ما تدل عليه هذه الألفاظ كان الإعتبار بالقصد فإذا قصد إثبات الوصاية لكل واحد من هؤلاء كان المؤثر في ذلك هو هذا القصد لا تلك الألفاظ وأما إذا كان الأوصياء اثنين أو أكثر فالأمر كما ذكره المصنف من أن لكل واحد منهم أن ينفرد بالتصرف ولو في حضرة الآخر إلا أن يشرط الموصي الإجتماع فهو كالحجر لكل واحد منهما أن يتصرف منفردا وهكذا إذا حصل التشاجر بينهم فإن ذلك يوجب التوقف عليهم حتى يجتمع رأيهم
فصل
وإليه تنفيذ الوصايا وقضاء الديون واستيفاؤها والوارث أولى بالمبيع بالقيمة ما لم تنقص عن الدين فبالثمن ولا عقد فيهما وينقض البالغ ما لم يأذن أو يرض وإن تراخى والصغير بعد بلوغه كذلك إن كان له وقت البيع مصلحة ومال فلا
قوله فصل وإليه وحده تنفيذ الوصايا وقضاء الديون

(4/490)


أقول وجهه أنه أقامه مقام نفسه بعد موته فكان إليه تنفيذ الوصايا لأن هذا هو أعظم المقاصد التي قصدها الموصي وقضاء الديون هو من تنفيذ الوصايا بل من أهمها ومن ذلك استيفاء الديون التي للميت على الغير إذا كان لها مدخل في تنفيذ الوصايا وإلا كان أمرها إلى الوارث لأنها قد صارت ملكا له فلا يحل التصرف في ملكه وقد انقطع حق الميت عن التركة فلم يبق إلى وصية إلا ماله تعلق بوصاياه
قوله والوارث أولى بالمبيع إلخ
أقول الوجه في هذه الأولوية أن المبيع إنما هو لقصد قضاء ما على الميت أو ما يحتاج إليه في تجهيزه فإذا بذل الوارث ما يبذله المشتري كان أحق به لأن التركة انتقلت من ملك الميت إلى ملكه فلا يخرج عن ملكه مع بذل القيمة ويكون بين الورثة على التوريت وكأنه من جملة الميراث لا يحتاج إلى تجديد عقد ولكن لا وجه لقول المصنف بالأقل من القيمة أو الثمن بل هو أحق بقيمته التي سيباع بها من الغير فيسلمها موفرة حتى تبقى العين في ملكه وإذا وقع البيع من غير اطلاع الوارث كان له النقض لما وقع من البيع وأخذ المبيع بما كان قد دفعه المشتري فيه ما لم يأذن أو يرض وللوصي أو المشتري أن يطالباه بذلك فيأخذ أوي ترك وليس له أن يتراخى بعد العلم لا كما قال المصنف
وأما الصغير فإن كان له في المبيع مصلحة ومعه مال كان وليه مفرطا في ترك الطلب فله أن يطلب عند بلوغه وإن لم يكن له مصلحة ومال فليس في الإمكان أبدع مما كان وقد نفذ تصرف الولي والوصي
فصل
وله أن يستقل بقضاء المجمع عليه والمختلف فيه بعد الحكم مطلقا وقبله حيث تيقنه والوارث صغير أو موافق وإلا فلا وللموافق المرافعة إلى المخالف وما

(4/491)


علمه وحده قضاه سرا فإن منع أو ضمن ضمن ويعمل باجتهاده ويصح الإيصاء منه لا النصب
قوله فصل وله أن يستقل بقضاء المجمع عليه إلخ
أقول وجه هذا أن الوصية من الموصي ليست بحكم على الغير يلزمه امتثاله فوصية كذلك لأنه مأمور من جهته فما كان مما لا نزاع فيه ولا خلاف ولا ضرار ولا مخالفة للشرع بوجه من الوجوه كان للوصي الإستقلال بفعله وما لم يكن كذلك لم يكن له إلا بحكم الحاكم لقطع الخلاف ودفع معرة النقض من بعد وليس كل مختلف فيه يحتاج إلى حكم الحاكم بل إذا كان مذهب الموصي والوصي هو وجوب التخلص من ذلك ولم يكن ثم منازع من وارث أو غيره كان له الإستقلال فهكذا ينبغي أن يقال وإذا كان الوارث صغيرا كان الأمر إلى وليه فإن لم يكن له ولي كان له عند بلوغه الدعوى على الوصي بماله فيه حق شرعي
وأما كون للموافق المرافعة إلى المخالف فلا بد أن يكون على بصيرة بأن عند المخالف الصواب وبيده الحق وإن فعل ذلك كان الواجب علينا الأخذ على يده ومنعه من ذلك
وأما قوله وما علمه وحده قضاه سرا فوجهه أنه على بصيرة وقد أمره الوصي بالنيابة وأقامه مقامه فكان عليه أن يقضي ديونه الثابتة عليه بالشرع وأثبتها وأحقها بالقضاء ما كان الوصي يعلم به ويتيقنه وإذا نوزع رافع إلى الحاكم ليقطع عنه اللجج
ولا وجه لقوله فإن منع أو ضمن ضمن بل ليس لأحد من الورثة منعه ولا تضمينه فيما هو معلوم لديه ومتيقن عنده وغاية ما يستحقه المخاصم له هو المرافعة إلى الحاكم فيحكم في ذلك بوجه الشرع ويقطع ما عرض بينهم من الخصومة
قوله ويعمل باجتهاده
أقول إذا عرف للموصي قصد كان العمل عليه ووجب على الوصي امتثاله لأن

(4/492)


التنجيز والتقييد هو عائد إلى أمره للوصي بالنيابة فليس له أن يفعل غير ما رسمه له الموصي إلا أن يأمره بما لا يحل فليس له الإمتثال كما تقدم ومع التباس الأمر عليه ووقوع الخلاف في الحادثة ترافع إلى حاكم الشرع فما قضى به عمل عليه وقد قدمنا ما يغني عن التكرار ها هنا
وأما قوله ويصح الإيصاء منه فوجهه أنه قد ثبت له التصرف فيما أقامه الموصي فيه مقامه فله أني جعله إلى الغير في حال حياته ويكون له بمنزلة الوكيل وله أيضا أن يوصي به بعد موته إلى وصيه وليس في الشرع ما يمنع من هذا فالأصل الجواز وبهذا تعرف أن له أن ينصب معه من يعينه على التنفيذ لأن الأمر قد صار إليه والتنفيذ قد تعين عليه وليس بهذا بأس ولا عنه مانع من رواية ولا دراية
فصل
ويضمن بالتعدي والتراخي تفريطا حتى تلف المال فإن بقي أخرج الصغير متى بلغ وعمل باجتهاد الوصي وبمخالفته ما عين من مصرف ونحوه ولو خالف مذهبه قيل إلا في وقت صرف أو في مصرف واجب أو شراء رقبتين بألف لعتق والمذكور واحدة به وبكونه أجيرا مشتركا وإنما يستحقها إن شرطها أو اعتادها أو عمل للورثة فقط وهي من رأس المال مطلقا ومقدمة على ما هو منه

(4/493)


قوله فصل ويضمن بالتعدي
أقول التعدي سبب مستقل للضمان لأنه أمر بأمر فليس له أن يتعداه ولا يخالفه فإن فعل فقد اختار لنفسه ضمان ما تلف بسبب تعديه وهكذا إذا تراخى تفريطا لا لسبب من الأسباب فإن تراخيه تساهل منه ومخالفة لأمر الموصي يوجب عليه الضمان لأن التنجيز قد صار واجبا عليه وإن أراد الخلوص من الوصايا فعل قبل أن يفرط بالتراخي فيتلف مال الغير بسببه
وأما قوله فإن فعل أخرج الصغير متى بلغ فالذي ينبغي في هذا أن يقال قد بطلت وصايته بتعديه أو تفريطه فإن لم يتلف المال كان الأمر إلى الوارث كما سيأتي أن لكل وارث ولاية كاملة مع عدم الوصي فإن كان الوارث صغيرا كان الأمر إلى وليه وإلا ناب عنه الإمام أو الحاكم ولا وجه لانتظار لبلوغه ولا العمل باجتهاد الوصي وهكذا يضمن الوصي بمخالفة ما عين الموصي إذا تسبب عن ذلك تلف شيء من المال لأنه مأمور بأمر فمخالفته له سبب لضمانه
وأما قوله وبكونه أجيرا مشتركا فوجهه أنه قد صار بالأجرة أجيرا مع كونه وصيا فيضمن ضمان الأجير وقد قدمنا الكلام على ما صرح به المصنف من تقسيم الأجير إلى خاص ومشترك وإثبات أحكام لكل واحد منهما فليرجع إليه
وأما كونه لا يستحق الأجرة إلا مع الشرط أو الإعتبار فذلك ظاهر أما مع الشرط فلكون الموصي قد رضي بذلك فكان عليه القدر المشروط من الأجرة وأما مع الإعتياد فلكون معاملته محمولة على ما جرت به عادته ولكن إذا لم يعلم بذلك الوصي لم يجب عليه ولا على وارثه دفع ما يعتاده من الأجرة بل يدفع إليه أجرة المثل
وأما قوله أو عمل للورثة فلا وجه له بل لا بد من الشرط عليهم أو الإعتياد للأجرة في مثل ذلك وإلا فالأصل عندهم في المنافع عدم العوض فكان عليهم هنا أن لا يجعلوا مجرد العمل للورثة سببا لاستحقاق الأجرة

(4/494)


وأما دعوى أن أجرة الوصي من رأس المال ومقدمة على ما هو منه فكلام لم يربط بدليل ولا اقتضاه رأي صحيح وغاية ما هناك أن تكون أجرته من مخرج ما يباشر إخراجه وتنفيذه فما كان من الرأس كانت أجرته فيه من الرأس وما كان من الثلث كانت أجرته فيه من الثلث تنزيلا له منزلة المستحقين لشيء من التركة من دين لهم أو صرف إليهم
فصل
فإن لم يكن فلكل وارث ولاية كاملة في التنفيذ وفي القضاء والإقتضاء من جنس الواجب فقط ولا يستبد أحد بما قبض ولو قدر حصته ويملك ما شرى به ويرجعون عليه لا على أي الغريمين فإن لم يكونوا فالإمام ونحوه
قوله فصل فإن لم يكن فلكل وارث ولاية كاملة
أقول القرابة لها زيادة اختصاص والورثة لهم أيضا مزيد خصوصية على سائر القرابة الذين لا يرثون ويدل على هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجه وابن سعد وعبد بن حميد وابن نافع والباوردي والطبراني في الكبير والضياء في المختارة بإسناد رجاله ثقات عن سعد بن الأطول أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا قال فأردت أن أنفقها على عياله فقال النبي صلى الله عليه و سلم إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه فقال يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة قال فأعطها فإنها محقة
وأما تقييد القضاء والإقتضاء والتنفيذ بكونه من جنس الواجب فوجهه ظاهر لأن في العدول عن الجنس مخالفة لقصد الموصي وقد يكون فيه مخالفة لغرض سائر الورثة

(4/495)


وأما كونه لا يستبد أحد من الورثة بما قبض فوجهه واضح لأنه مشترك بين جميعهم ولا وجه لقوله ويملك ما شرى به ولكنه بنى على عدم تعين النقد فيملك ويغرم لهم مثله والظاهر أن لهم المطالبة بإرجاع عين النقد الذي قبضه لأنه فيما عدا نصيبه غاصب وقد قدمنا في الغصب ما قدمنا
وأما قوله فإن لم يكونوا فالإمام والحاكم فوجهه شمول ولايتهما بمثل هذا فإن تنفيذ وصايا الموصي بما يجب عليه التخلص عنه وبما يتقرب به من القرب حق عليهما لأن إهمال ذلك منكر والقيام به أمر بمعروف وهما أحق الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فصل
وندب ممن له مال غير مستغرق بثلثه في القرب ولو لوارث ومن المعدم بأن يبره الإخوان
قوله فصل وندب ممن له مال غير مستغرق بثلثه في القرب
أقول التقرب إلى الله عز و جل بطاعاته مشروع لعباده في كل وقت وإليه وقع الترغيب بالآيات والأحاديث الكثيرة وحالة الوصية من جملة الأوقات التي تدخل تحت تلك الأدلة ولا سيما والموصى أحوج ما كان إلى التقرب بالبر والإحسان ومثل هذا لا يحتاج إلى الإستدلال عليه بمثل قوله إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم الحديث المتقدم
وأما اشتراط أن يكون ماله غير مستغرق بالدين فوجهه أن قضاء ما يجب قضاؤه أهم من التقرب بما لا يجب وألزم وأحق

(4/496)


وأما التقييد بالثلث فإن كان له وارث فهو صحيح وإن لم يكن له وارث فله أن يجاوزه كما قدمنا تحقيقه
قوله ولو لوارث
أقول إن كان الدليل على جواز الوصية للوارث هو ما ورد في القرآن من الوصية للوالدين والأقربين فقد وقع الإتفاق على أنه منسوخ غير ثابت الحكم والقول بأنه نسخ الوجوب وبقي الندب غير مسلم ولو سلمنا لكان ما ورد عنه صلى الله عليه و سلم من أنه لا وصية لوارث رافعا لهذا الندب ودافعا له فإنه قد ثبت ذلك من طرق منها ما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث عمرو بن خارجة أن النبي صلى الله عليه و سلم خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها وإن لغامها يسيل بين كتفي فسمعته يقول إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ومنها ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وحسنه الترمذي من حديث أبي أمامة قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم بقول إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وما قيل من أن في إسناده إسماعيل بن عياش فقد تقرر عند الأئمة الحفاظ أنه قوي إذا روى عن الشاميين وهذا من روايته عن الشاميين لأنه رواه عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة وقد صرح في روايته بالتحديث فلم يبق للحديث علة يعل بها ومنها ما

(4/497)


أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة وقد حسنه ابن حجر في التلخيص وقال في الفتح رجاله ثقات قال لكنه معلول فقد قيل أن عطاء الذي رواه عن ابن عباس هو الخراساني وأخرج نحوه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفا قال إلا أنه في تفسيره إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون في حكم المرفوع انتهى وقد تقرر أن المرفوع زيادة غير منافية والعمل بها واجب فلا علة حينئذ للحديث ومنها ما أخرجه الدارقطني أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة وفي إسناده مقال وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه وعن جابر عند الدارقطني وعن علي عنده أيضا وإسناده ضعيف وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وقد حكى ابن حجر عن الشافعي أنه قال وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي صلى الله عليه و سلم قال عام الفتح لا وصية لوارث ويؤثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد انتهى
ولا يخفاك أن هذا حكم على الحديث بأنه متواتر فلم يبق ما يوجب الإشتغال بالكلام على طرقه والعمل بالمتواتر واجب وهو ينسخ الكتاب العزيز إذا تأخر فلو قدرنا أن آية الوصية للوالدين والأقربين لم تنسخها آية المواريث لكان هذا الحديث يكفي في نسخها

(4/498)


وقد قدمنا لك أن الإتفاق كائن على أنها منسوخة إما بآية المواريق أو بالحديث وأيضا هذا الحديث يقيد ما ورد مطلقا في القرآن لقوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين وما ورد في السنة كالحديث الذي تقدم من قوله ما حق امرىء مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه وهكذا يقيد قوله صلى الله عليه و سلم إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم وهكذا سائرها ورد في مشروعية الوصية مطلقا فلم يبق في المقام ما يقتضي التوقف عن إبطال الوصية للوارث وقد أفردنا هذا البحث برسالة مستقلة وكتبنا فيه أبحاثا مطولة في جوابات أسئلة
قوله ومن المعدم بأن يبره الإخوان
أقول وجه هذا أن ذلك قد يكون منشطا لهم إلى صلته بالدعاء وغيره وأيضا إذا قد وقعت منه الوصية لحقه ما وصل به لأن الوصية سعي فيدخل تحت قوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقد وردت الأدلة الكثيرة بأنه يلحق الإنسان أنواع من القرب وإن لم يوص وقد ذكرنا هذه الأنواع التي وردت بها الأدلة في شرحنا للمنتقى فليرجع إليه - كتاب السير

(4/499)


كتاب السير

(4/501)


فصل
ويجب على المسلمين شرعا نصب إمام مكلف ذكر حر علوي فاطمي ولو عتيقا لا مدعي سليم الحواس والأطراف مجتهد عدل سخي بوضع الحقوق في مواضعها مدبر أكثر رأيه الإصابة مقدام حيث يجوز السلامة لم يتقدمه مجاب وطريقها الدعوة ولا يصح إمامان
قوله فصل يجب على المسلمين نصب إمام
أقول قد أطال أهل العلم الكلام على هذه المسألة في الأصول والفروع واختلفوا في وجوب نصب الإمام هل هو قطعي أو ظني وهل هو شرعي فقط أو شرعي وعقلي وجاءوا بحجج ساقطة وأدلة خارجة عن محل النزاع والحاصل أنهم أطالوا في غير طائل ويغني عن هذا كله أن هذه الإمامة قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الإرشاد إليها والإشارة إلى منصبها كما في قوله الأئمة من قريش وثبت كتابا وسنة الأمر بطاعة الأئمة ثم أرشد صلى الله عليه و سلم الإستينان بسنة الخلفاء

(4/503)


الراشدين فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين وهو حديث صحيح وكذلك قوله الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم يكون ملكا عضوضا
ووقعت منه الإشارة إلى من سيقوم بعده ثم إن الصحابة لما مات رسول الله صلى الله عليه و سلم قدموا أمر الإمامة ومبايعة الإمام على كل شيء حتى إنهم اشتغلوا بذلك عن تجهيزه صلى الله عليه و سلم ثم لما مات أبو بكر عهد إلى عمر ثم عهد عمر إلى النفر المعروفين ثم لما قتل عثمان بايعوا عليا وبعده الحسن ثم استمر المسلمون على هذه الطريقة حيث كان السلطان واحدا وأمر الأمة مجتمعا ثم لما اتسعت أقطار الإسلام ووقع الإختلاف بين أهله واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان اتفق أهله على أنه إذا مات بادروا بنصب من يقوم مقامه وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد بل هو إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى هذه الغاية فما هو مرتبط بالسلطان من مصالح الدين والدنيا ولو لم يكن منها إلا جمعهم على جهاد عدوهم وتأمين سبلهم وإنصاف مظلومهم من ظالمه وأمرهم بما أمرهم الله به ونهيهم عما نهاهم الله عنه ونشر السنن وإماتة البدع وإقامة حدود الله فمشروعية نصب السلطان هي من هذه الحيثية ودع عنك ما وقع في المسألة من الخبط والخلط والدعاوي الطويلة العريضة التي لا مستند لها إلا مجرد القيل والقال أو الإتكال على الخيال الذي هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا
ثم من أعظم الأدلة على وجوب نصب الأئمة وبذل البيعة لهم ما أخرجه أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه من حديث الحارث الأشعري بلفظ

(4/504)


من مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية ورواه الحاكم من حديث ابن عمر ومن حديث معاوية ورواه البزار من حديث ابن عباس
وأما اشتراط أن يكون مكلفا فوجهه واضح لأن الصغير لا يصلح لتدبير أمور المسلمين بل لم يصلح لتدبير أمر نفسه فكيف يصلح لتدبير أمر غيره
وأما كونه ذكرا فوجهه أن النساء ناقصات عقل ودين كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن كان كذلك لا يصلح لتدبير أمر الأمة ولهذا قال صلى الله عليه و سلم فيما ثبت عنه في الصحيح لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة
قوله حر
أقول أما الإمارة والسلطنة فلا مانع من ذلك ولا ورد في الشرع ما يدفعه بل ورد ما يقويه ويؤيده كما في الأحاديث الصحيحة المصرحة بطاعة السلطان كان عبدا حبشيا وقد أمر صلى الله عليه و سلم مولاه زيد بن حارثة وكذلك ولده أسامة بن زيد على أكابر المهاجرين والأنصار كما ذلك معروف في كتب الحديث والسير وأما الإمامة فقد بين النبي صلى الله عليه و سلم منصبها وصرح بما يصلح لها كما سيأتي
قوله علوي فاطمي

(4/505)


أقول العلوي الفاطمي هو خيرة الخيرة من قريش وأعلاها شرفا وبيتا ولا ينفي ذلك صحتها في سائر بطون قريش كما تدل عليه الأحاديث المصرحة بأن الأئمة من قريش وهي كثيرة جدا وإن لم تكن في الصحيحين بل عددها في كل مرتبة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم زيادة على عدد المتواتر والمتواتر قطعي ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من طرق أن الناس تبع لقريش في الشر والخير وقد بين هذا الخير والشر بقوله صلى الله عليه و سلم قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة كما في حديث عمرو بن العاص عند الترمذي والنسائي وكما في حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما بلفظ لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان وهو مروي من طريق غيره في الصحيح أيضا
فهذه الألفاظ تدل على أن المراد الإمامة الإسلامية وأما أمر الجاهلية فقد انقرض ومن جملة ما يدل على هذا أحاديث الأئمة من قريش كما ذكرنا ومن جملة ما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه و سلم الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم ملك بعد ذلك وهو حديث حسن ومعنى الخلافة معنى الإمامة في عرف الشرع وهؤلاء الذين نص النبي صلى الله عليه و سلم على خلافتهم هم الخلفاء الأربعة وليس المراد بالإمامة هنا هو المعنى اللغوي الشامل لكل من يأتم به الناس ويتبعونه على أي صفة كان بل المراد الإمامة الشرعية ومن هذا قول أبي بكر يوم السقيفة محتجا على الأنصار إن

(4/506)


العرب لا تعرف هذا الأمر لغير هذا الحي من قريش وقد حكى القاضي عياض والنووي الإجماع على أن الخلافة مختصة بقريش لا تجوز في غيرهم
قوله سليم الحواس والأطراف
أقول وجهه أن المقصود بالولاية العامة هو تدبير أمور الناس على العموم والخصوص وإجراء الأمور مجاريها ووضعها مواضعها وهذا لا يتيسر ممن في حواسه خلل لأنها تقتضي نقص التدبير إما مطلقا أو بالنسبة إلى تلك الحاسة
وأما سلامة الأطراف فلا وجه لاشتراطها فإن الأعرج والأشل لا ينقص من تدبيره شيء ويقوم بما يقوم به من ليس كذلك ومعلوم أنه لا يراد من مثل الإمام السباق على الأقدام ولا ضرب الصولجان ولا حمل الأثقال
قوله مجتهد
أقول المقصود من نصب الأئمة هو تنفيذ أحكام الله عز و جل وجهاد أعداء الإسلام وحفظ البيضة الإسلامية ودفع من أرادها بمكر والأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم وتأمين السبل وأخذ الحقوق الواجبة على اما اقتضاه الشرع ووضعها في مواضعها الشرعية فمن بايعه المسلمون وقام بهذه الأمور فقد تحمل أعباء الإمامة فإن انضم له إلى هذه الإمامة كونه إماما في العلم مجتهدا مطلقا في مسائله فلا شك ولا ريب أنه أنهض من الإمام الذي لم يبلغ رتبة الإجتهاد لأنه يورد الأمور ويصدرها عن علو ولكن لا دليل على أنه لا يولي الأمر إلا من كان بهذه المنزلة من الكمال وفي هذه الغاية القصوى من محاسن الخصال وليس النزاع في الأكمل ولا في الأفضل بل المراد فيمن يصلح لتولي هذا المنصب ومن قام بتلك الأمور ونهض بها فهو المراد من الإمامة والمراد بالإمام وعليه

(4/507)


أن ينتخب من العلماء المبرزين المجتهدين المحققين من يشاوره في الأمور ويجريها على ما ورد به الشرع ويجعل الخصومات إلى أهل هذه الطبقة فما حكموا به كان عليه إنفاذه وما أمروا به فعله ومعرفة أهل هذه الطبقة لا يخفى على العقلاء الذين لا نصيب لهم في العلم فإنه لا بد أن يرفع الله لهم من الصيت والشهرة ما يعرف به الناس أنهم الطبقة العالية من جنس أهل العلم وليس للإمام إذا لم يكن مجتهدا أن يستبد بما يتعلق بأمور الدين ولا يدخل نفسه في فصل الخصومات والحكم بين الناس فيما ينوبهم لأن ذلك لا يكون إلا من مجتهد كما قدمنا من القضاء
والحاصل أنه لا دليل في المقام يوجب علينا اشتراط اجتهاد الأئمة حتى يجب المصير إليه ولا إجماع حتى يكوت التعويل عليه وليس في المقام إلا مجرد المجادلة بمباحث راجعة إلى الرأي البحت كما يعرف ذلك من يعرفه وما أهون مثلها على المحققين من علماء الدين المتقيدين بالدليل المحكمين للشرع
قوله عدل
أقول العدالة ملاك الأمور وعليها تدور الدوائر ولا ينهض بتلك الأمور التي ذكرنا أنها المقصودة من الإمامة إلا العدل الذي تجري أفعاله وأقواله وتدبيراته على مراضي الرب سبحانه فإن من لا عدالة له لا يؤمن على نفسه فضلا عن أن يؤمن على عباد الله ويوثق به في تدبير دينهم ودنياهم ومعلوم أن وازع الدين وعزيمة الورع لا تتم أمور الدين والدنيا إلا بها ومن لم يكن كذلك خبط في الضلالة وخلط في الجهالة واتبع شهوات نفسه وآثرها على مراضي الله ومراضي عباده لأنه مع عدم تلبسه بالعدالة وخلوه من صفات الورع لا يبالي بزواجر الكتاب والسنة ولا يبالي أيضا بالناس لأنه قد صار متوليا عليهم نافذ الأمر والنهي فيهم فليس لأهل الحل والعقد أن يبايعوا من لم يكن عدلا إذا قد اشتهر بذلك إلا أن يتوب ويتعذر عليهم العدول إلى غيره فعليهم أن يأخذوا عليه بأعمال العادلين والسلوك في مسالك المتقين ثم إذا لم يثبت على

(4/508)


ذلك كان عليهم أمره بما هو معروف ونهيه عما هو منكر ولا يجوز لهم أن يطيعوه في معصية الله ولا يجوز لهم أيضا الخروج عليه ومحاكمته إلى السيف فإن الأحاديث المتواترة قد دلت على ذلك دلالة أوضح من شمس النهار ومن له اطلاع على ما جاءت به السنة المطهرة انشره صدره لهذا فإذا به يجتمع شمل الأحاديث الواردة في الطاعة مع ما يشهد لها من الآيات القرآنية وشمل الأدلة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشمل الأدلة الواردة في أنه لا طاعة في معصية الله وهي كثيرة جدا لا تيسع لها إلا مولف بسيط
قوله سخي بوضع الحقوق في مواضعها
أقول قد عرفناك أن هذا من مقاصد الإمامة ومن الأمور التي تراد بها ومثل هذا أن لا يأخذها إلا من مواضعها الشرعية ولا فائدة للتنصيص على جزئيات ما توحيه العدالة وتقتضيه فإنه إذا أخذ الشيء من غير موضعه كان ظالما والظالم ليس بعدل وإذا شح عن وضعه في موضعه كان أيضا ظالما لمن هو له والظالم ليس بعدل
قوله مدبر أكثر رأيه الإصابة
أقول وجهه أن من لم يكن أكثر رأيه الإصابة هو في عداد الحمقى الذين لا يصلحون لتدبير أنفسهم فضلا عن تدبير سائر المسلمين
والحاصل أنه إذا كان عاقلا متأنيا في الأمور متجنبا للعجل والحرد ومباشرة الأمور حال الغضب كان غالب تدبيره الإصابة ولا سيما إذا اقتدى بكتاب الله وسنة رسوله في المشاورة لأهل الرأي فإن الله سبحانه قد ندب إلى ذلك رسوله المعصوم فكيف لا يقتدي به غيره ويمتثل أمر الله سبحانه وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم شاور الصحابة حين بلغه إقبال أبي سفيان وقد أطبق العقلاء

(4/509)


حسن الإستشارة في الأمور ومعلوم أن اجتماع الرأي من رجلين أحزم من رأي الواحد نفسه فكيف إذا طابق على ذلك الرأي جماعة كما قال القائل ... ورأيان أحزم من واحد ... ورأي الثلاثة لا ينقض ...
وما أحسن قول القائل في المشورة ... إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أونصيحة حازم ... ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي قوة للقوادم ...
قوله مقدام حيث تجوز السلامة
أقول لا بد أن يكون مع الإمام من قوة القلب وشدة البأس ما يحمله على مناجزة الأعداء ومثاغرة الخارجين على الإسلام فإن كان من الجبن بمكان يمنعه عن ذلك فقد أصيب بسبب هذه الغريزة التي يبغضها الله بفقدان أعظم المقاصد من إمامته لأنه يتنكب عن مواطن القتال ويضعف عن مصابرة النزال فيسري جبنه إلى غيره وتعم بذلك البلوى ويتسلط على المسلمين الأعداء ومع هذا فقد يحمله جبنه وضعف قلبه على عدم إقامة الحدود والقصاص والتنكيل بمن سعى في الأرض فسادا وضرب أعناق من أوجب الشرع ذلك عليه وإن كانوا عددا جما فمن كان معروفا بهذه الغريزة لا يجوز لأهل الحل والعقد أن يبايعوه وإذا ابتلوا بمبايعته فلا يجوز لهم أن يتابعوه في فشله وجبنه بل يقيمونه يوقومون معه فإن قعوده عن الحرب في الوقت الذي تحق فيه الحرب يفضي بالمسلمين إلى الضرر العظيم في أبدانهم وأموالهم وحرمهم
قوله لم يتقدمه مجاب
أقول وجه هذا أنه إذا قد تقدمه من أجابه الناس وبايعوه فالثاني باغ خارج على الإمام

(4/510)


وقد قدمنا أنها قد تواترت الأحاديث في النهي عن الخروج على الأئمة ما لم يظهر منهم الكفر البواح أو يتركوا الصلاة فإذا لم يظهر من الإمام الأول أحد الأمرين لم يجز الخروج عليه وإن بلغ في الظلم أي مبلغ لكنه يجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الإستطاعة وتجب طاعته إلا في معصية الله سبحانه وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم الأمر بقتل الإمام الآخر الذي جاء ينازع الإمام الأول وكفى بهذا زاجرا وواعظا
قوله وطريقها الدعوة
أقول طريقها أن يجتمع جماعة من أهل الحل والعقد فيعقدون له البيعة ويقبل ذلك سواء تقدم منه الطلب لذلك أم لا لكنه إذا تقدم منه الطلب فقد وقع النهي الثابت عنه صلى الله عليه و سلم عن طلب الإمارة فإذا بويع بعد هذا الطلب انعقدت ولايته وإن أثم بالطلب هكذا ينبغي أن يقال على مقتضى ما تدل عليه السنة المطهرة ومن طريقها أيضا أن يعهد الخليفة الأول إلى الخليفة الآخر كما وقع من أبي بكر لعمر ولم ينكر ذلك الصحابة ومن طرقها أيضا أن ينص الإمام الأول على واحد من جماعة يتوالون عليه ويبايعونه كما فعل عمر إلى أولئك النفر من الصحابة ولم ينكر ذلك عليه
والحاصل أن المعتبر هو وقع البيعة له من أهل الحل والعقد فإنها هي الأمر الذي يجب بعده الطاعة ويثبت به الولاية وتحرم معه المخالفة وقد قامت على ذلك الأدلة

(4/511)


وثبتت به الحجة
أقول إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد والأمور راجعة إليه مربوطة به كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد فليس أحدهما أولى من الآخر بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما فإن استمرا على الخلاف كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك
وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان وف يالقطر الآخر أو الأقطار كذلك ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه وكذلك صاحب القطر الآخر فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها ولا يدرى من قام منهم أو مات فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته وهكذا العكس وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمين وهكذا العكس فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما تدل عليه الأدلة ودع عنك ما يقال في مخالفته فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها

(4/512)


فصل
وعلى من تواترت له دعوته دون كماله أن ينهض فيبحثه عما يعرفه وغيره عما لا يعرفه وبعد الصحة تجب طاعته ونصيحته أو بيعته إن طلبها وتسقط عدالة من أباها ونصيبه من الفيء ويؤدب من يثبط عنه أو ينفى ومن عاداه فبقلبه مخطىء وبلسانه فاسق وبيده محارب وله نصيبه من الفيء إن نصر
والجهاد فرض كفاية ويخرج له ولكل واجب أو مندوب غالبا وإن كره الوالدان ما لم يتضررا
قوله فصل وعلى من تواترت له دعوته إلخ
أقول قد أغنى الله عن هذا النهوض وتجشم السفر وقطع المغاوز ببيعة من بايع الإمام من أهل الحل والعقد فإنها قد ثبتت إمامته بذلك ووجبت على المسلمين طاعته وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل من يصلح للمبايعة ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين فإن هذا الإشتراط في الأمرين مردود بإجماع المسلمين أولهم وآخرهم سابقهم ولاحقهم ولكن التحكم في مسائل الدين وإيقاعها على ما يطابق الرأي المبني على غير أساس يفعل مثل هذا
وإذا تقرر لك ما ذكرناه فهذا الذي قد بايعه أهل الحل والعقد قد وجبت على أهل القطر الذي تنفذ فيه أوامره ونواهيه طاعته بالأدلة المتواترة ووجبت عليهم نصيحته كما صرحت به أحاديث النصيحة لله ولأئمة المسلمين وعامتهم
وأما قوله وبيعته فقد عرفناك أنها السبب الذي ثبتت به الولاية ووجبت عنده

(4/513)


الطاعة ولكن على كل مسلم في ذلك القطر أن يقبل إمامته بعد وقوع البيعة له ويطيعه في الطاعة ويعصيه في المعصية ولا ينازعه ولا ينصر من ينازعه فإن لم يفعل هكذا فقد خالف ما تواتر من الأدلة وصار باغيا ذاهب العدالة مخالفا لما شرعه الله ووصى به عباده في كتابه من طاعة أولي الأمر ومخالفا لما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من إيجاب الطاعة وتحريم المخالفة كما عرفناك
وأما كونه يسقط نصيبه من الفيء فلم يرد ما يرد على هذا لأنه رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم
وأما قوله ويؤدب من يثبط عنه فالواجب دفعه عن هذا التثبيط فإن كف وإلا كان مستحقا لتغليظ العقوبة والحيلولة بينه وبين من صار يسعى لديه بالتثبيط بحبس أو غيره لأنه مرتكب لمحرم عظيم وساع في إثارة فتنة تراق بسببها الدماء وتهتك عندها الحرم وفي هذا التثبيط نزع ليده من طاعة الإمام وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال من نزع يده من طاعة الإمام فإنه يجيء يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت موتة جاهلية
وأما قوله ومن عاداه إلخ فلا يخفاك أن الممنوع منه إنما هو المعصية له وترك الطاعة في غير المعصية والخروج عليه لما تواتر من الأحاديث كما عرفت ومن مقدمات الخروج عليه ما تقدم ذكره من التثبيط وتهييج الشر وإذكاء ناره وفتح أبوابه
وأما كون له نصيبه من الفيء إن نصر فالظاهر أنه لا يسقط نصيبه وإن أثم بمجرد عدم النصرة وترك الطاعة كما تقدم
قوله والجهاد فرض كفاية

(4/514)


أقول الأدلة الواردة في فرضية الجهاد كتابا وسنة أكثر من أن تكتب ها هنا ولكن لا يجب ذلك إلا على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن الباقين وقبل أن يقوم به البعض هو فرض عيني على كل مكلف وهكذا يجب على من استنفره الإمام أن ينفر ويتعين ذلك عليه ولهذا توعد الله سبحانه من لم ينفر مع رسوله الله صلى الله عليه و سلم فقال إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما وعاتبهم لما تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال وما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله إلى آخر الآية وعلى استنفار الإمام يحمل قوله سبحانه انفروا خفافا وثقالا ويدل على عدم وجوب الجهاد على الجميع قوله عز و جل وما كان المؤمنون لينفروا كافة فتحمل هذه الآية على أنه قام بالجهاد من المسلمين من يكفي وأن الإمام لم يستنفر غير من قد خرج للجهاد وبهذا تعرف أن الجمع بين هذه الآيات ممكن فلا يصار إلى القول بالترجيح أو النسخ
وأما قوله ولكل واجب فوجه ذكره ها هنا استيفاء ما يجب الخروج له أو يندب وإن كره الولدان ما لم يتضررا ولا يخفاك أن الواجبات مختلفة فمنها ما لا

(4/515)


يتم القيام به إلا بالخروج إليه كالجهاد والحج والهجرة ونحو ذلك وكل واحد من هذه وجوب الخورج له مقيد بقيود مشروطة بشروط هي مقررة في مواطنها وأما ضم الخروج للمندوبات إلى الخروج إلى الواجبات مع كراهة الأبوين فغير صواب لأن تجنب ما يكرهانه واجب فكيف يخرج للمندوب مع كراهتهما لخروجه وكيف يجوز ذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما ثبت عنه في صحيح البخاري وغيره من حديث عبدالله بن عمرو قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فاستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان من حديثه أيضا أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أريد الجهاد معك ولقد أتيت وإن والدي يبكيان قال فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما وأخرج أبو داود وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى النبي صلى الله عليه و سلم من اليمن فقال هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال أذنا لك قال لا قال ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما وأخرج أحمد والبيهقي والنسائي من حديث معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أردت الغزو وجيئتك أستشيرك فقال هل لك من أم قال نعم فقال الزمها فإن الجنة عند رجليها
وإذا كان هذا في الجهاد الذي هو سنام الدين وأساسه فما بالك بما عداه من الواجبات

(4/516)


فضلا عن المندوبات وقد ذهب الجمهور إلى وجوب استئذان الوالدين للجهاد وجزموا بتحريمه إذا منعا منه أو أحدهما لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية
فصل
وإليه وحده إقامة الحدود والجمع ونصب الحكام وتنفيذ الأحكام وإلزام من عليه حق الخروج منه والحمل على الواجب ونصب ولاة المصالح والأيتام وغزو الكفار والبغاة إلى ديارهم وأخذ الحقوق كرها وله الإستعانة من خالص المال بما هو فاضل عن كفاية السنة حيث لا بيت مال ولا تمكن من شيء يستحقه أو استعجال الحقوق أو قرض يجد قضاءه في المستقبل وخشي استئصال قطر من أقطارالمسلمين والإستعانة بالكفار والفساق حيث معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الأحكام وقتل جاسوس وأسير كافرين أو باغيين قتلا أو بسببهما والحرب قائمة وإلا حبس الباغي وقيد وأن يعاقب بأخذ المال وإفساده وعليه القيام بما إليه أمره وتسهيل الحجاب إلا في وقت أهله وخاصة أمره وتقريب أهل الفضل وتعظيمهم واستشارتهم وتهد الضعفاء والمصالح ولا يتنحى ما وجد ناصرا إلا لأنهض منه وأن يؤمر على السرية أميرا صالحا لها ولو فاسقا وتقديم دعاء الكفار إلى الإسلام غالبا والبغاة إلى الطاعة وندب أن يكرره عليهم ثلاثا وتنشر فيها الصحف وترتب الصفوف
قوله فصل وإليه وحده إقامة الحدود
أقول لا شك أنه الأولى بذلك من غيره لعموم ولايته ولما كان عليه الأمر في أيام النبوة وأيام الخلفاء الراشدين وأما كونها إليه وحده لا يجوز لغيره إقامتها فغير مسلم وقد قدمنا في الحدود ما فيه كفاية وكذلك قدمنا في القضاء ما يغني عن الإعادة هنا
وأما تنفيذ الأحكام فإن كان القاضي قادرا على إنفاذ ما حكم به فذلك إليه وإلا كان على الإمام بل وعلى كل قادر تنفيذ ما حكم به إذا كان جاريا على الحق موافقا للصواب

(4/517)


لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهكذا إلزام من عليه حق الخروج منه هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإمام أولى الناس بذلك ولكنه إذا تقاعد لم يسقط الوجوب على غيره من أهل القدرة على الإلزام
قوله والحمل على الواجب
أقول أدلة الكتاب والسنة الكثيرة المتواترة قد دلت على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم وهذا هو أعظم أعمدة الدين وأقوى أساساته وأرفع مقاماته ولا شك أن الحمل على فعل الواجب يدخل تحت أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا قام بذلك الإمام فهو رأس الأمة وصاحب الولاية العامة وكان قيامه مسقطا للوجوب على غيره وإن لم يقم فالخطاب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باق على كل مكلف يقدر على ذلك والعلماء والرؤساء لهم مزيد خصوصيته في هذا لأنهم رءوس الناس والمميزون بينهم بعلو القدر ورفعة الشأن وقد جاء الجلال في شرحه لهذا الكتاب في هذا الموضع بما هو سراب بقيعة وتعرض للكلام على ما كان له عنه مندوحة فإنه وقع في خلاف إجماع المسلمين وضرورة الدين
وأما قوله ونصب ولاة المصالح والأيتام فمثل هذا يكون إلى الحاكم كما يكون إلى الإمام بل يكون إلى كل صالح له من المسلمين ولم يرد ما يوجب اختصاصه بالإمام لا من دراية ولا رواية
قوله وغزو الكفار والبغاة إلى ديارهم
أقول أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية ولأجله بعث الله رسله وأنزل كتبه ومازال رسول الله صلى الله عليه و سلم منذ بعثه الله سبحانه إلى أن قبضه إليه جاعلا لهذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شئونه وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها

(4/518)


المقام ولا لبعضها وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم
وأما غزو البغاة إلى ديارهم فإن كان ضررهم يتعدى إلى أحد من أهل الإسلام إذا ترك المسلمون غزوهم إلى ديارهم فذلك واجب دفعا لضررهم وإن كان لا يتعدى فقد أخلوا بواجب الطاعة للإمام والدخول فيما دخل سائر المسلمين ولا شك أن ذلك معصية عظيمة لكن إذا كانوا مع هذا مسلمين للواجبات غير ممتنعين من تأدية ما يجب عليهم تركوا وشأنهم مع تكرير الموعظة لهم وإقامة الحجة عليهم وأما إذا امتنعوا من ذلك فقد تظاهروا بالبغي وجاهدوا بالمعصية وقد قال الله عز و جل فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وقد أجمع الصحابة على العزيمة التي عزمها أبو بكر الصديق رضي الله عنه من المقاتلة لمن فرق بين الصلاة والزكاة وسيأتي الكلام على صفة مقاتلة البغاة في الفصل الذي عقده المصنف لذلك
وأما قوله وأخذ الحقوق كرها فوجهه ظاهر واضح بل يجب عليه مقاتلتهم إذا لم يسلموها كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة وهي قوله صلى الله عليه و سلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة

(4/519)


إلخ وقد دخل أخذ الحقوق كرها تحت ما تقدم من قوله وإلزام من عليه حق الخروج منه والحمل على الواجب لأنها أهم الحقوق الواجبة ومنعها ظلم لمن جعلهم الله مصرفا لها من الثمانية الأصناف
قوله والإستعانة من خالص المال إلخ
أقول وجه هذا أن مع خشية استئصال الكفار لقطر من أقطار المسلمين مع وجود بيت مال المسلمين وعدم التمكن من الإقتراض واستعجال الحقوق قد صار الدفع عن هذا القطر الذي خشي استئصاله واجب على كل مسلم ومتحتم على كل من له قدرة على الجهاد أن يجاهدهم بماله ونفسه ومن الإستعداد له للجهاد كالباعة في الأسواق والحراثين تجب عليهم الإعانة للمجاهدين بما فضل من أموالهم فإن هذا من أهم ما أوجبه الله على عباده والأدلة الكلية والجزئية من الكتاب والسنة تدل عليه وعلى الإمام أن لا يدع في بيت المال صفراء ولا بيضاء ويعين بفاضل ماله الخالص ولكن الواجب أن يأخذ ذلك على جهة الإقتران ويقضيه من بيت مال المسلمين عند حصول ما يمكن القضاء منه لأن دفع ما ينوب المسلمين من النوائب يتعين إخراجه من بيت مالهم وهو مقدم على أخذ فاضل أموال الناس لأن أموالهم خاصة بهم وبيت المال مشتركا بينهم فإن كان لا يمكن القضاء من بيت المال في المستقبل فقد حق الوجوب على المسلمين كما قدمنا
وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن هذه الإستعانة المقيدة بهذه القيود المشروطة باستئصال قطر من أقطار المسلمين هي غير ما يفعله الملوك في زمانك من أخذ أموال الرعايا زاعمين أن ذلك معونة لجهاد مؤلف قد منعوه ما هو مؤلف به من بيت مال المسلمين أو جهاد من أبي من الرعايا أن يسلم ما يطلبونه منه من الظلم البحت الذي لم يوجبه الشرع أو جهاد من يعارضهم في الإمامة وينازعهم في الزعامة فاعرف هذا فإن هذه المسألة قد صارت ذريعة لعلماء السوء يفتون بها من قربهم من الملوك وأعطاهم نصيبهم من الحطام ومع هذا ينسون أو يتناسون هذه القيود التي قيدها المصنف بها وفاء بأغراض من يرجون منه الأغراض والأمر لله العلي الكبير

(4/520)


قوله والإستعانة بالكفار والفساق
أقول أما الإستعانة بالفساق فلا مانع منها لأنهم من جملة المسلمين ولم يرد ما يدل على أنه لا يستعان إلا بمن كان مؤمنا صحيح الإيمان غير ملابس للمعاصي وقد استعان النبي صلى الله عليه و سلم بالمنافقين في كثير من حروبه وهم في الظاهر أشر من فساق المسلمين وفي البطان أضر من المعلنين بالشرك ولهذا كانوا في الدرك الأسفل من النار
وأما الإستعانة بالكفار فلا تجوز على قتال المسلمين لأنه من تعاضد الكفر والإسلام على الإسلام وقبح ذلك معلوم ودفعه بأدلة الشرع لا يخفى وأما الإستعانة بالكفار على الكفار فقد وقع ذلك منه صلى الله عليه و سلم في غير موطن ووقع منه الرد لمن أراد إعانته من المشركين على قتال المشركين وقال لهم إنه لا يستعين بمشرك ويمكن الجمع بأن الجواز مع الحاجة ورجاء النفع والرد مع عدمهما أو أحدهما فيكون ذلك مفوضا إلى نظر الإمام

(4/521)


وأما قوله حيث معه مسلمون إلخ فوجهه أنه صلى الله عليه و سلم ما استعان بأحد من المشركين أو المنافقين إلا ومعه طائفة من خلص المسلمين
قوله وقتل جاسوس وأسير كافرين أو باغيين
أقول أما الكفار فدماؤهم على الأصل الإباحة كما في آية السيف فكيف إذا نصبوا الحرب فظفر المسلمون بأسير أو جاسوس منهم فإنه يجوز للإمام قتلهما كما قتل صلى الله عليه و سلم من قتل من أسرى بدر وكما فعل في بني قريظة وحكما قال الله عز و جل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض وله المن أو الفداء كما قال الله عز و جل فإما منا بعد وإما فداء فعرضت بهذا أنه لا وجه لقوله قتلا أو بسببهما فإنه لم يرد في الشرع ما يدل على هذا الإشتراط في حق الكفار أبدا وأما البغاة فدماؤهم معصومة بعصمة الإسلام لا يجوز قتلهم إلا دفاعا إذا صالوا على المسلمين وبغوا عليهم ولم يرد في الشريعة ما يدل على قتل أسيرهم ولا قتل جاسوسهم سواء كانت الحرب قائمة أم لا بل ورد ما يدل على أنه لا يقتل أسير البغاة كما سيأتي في الفصل الذي أفرده المصنف لذكر أحكام البغاة فإن كان الأسير أو الجاسوس من البغاة قد قتلا قتلا يوجب عليهما القصاص كان قتلهما قصاصا وهو باب آخر غير باب البغي
وأما قوله أو بسببهما فلا وجه له لأن التسبب للقتل لا يوجب القصاص كما تقدم في الجنايات

(4/522)


والحاصل أن هذه المسألة مبنية على غير أساس من طرفيها جميعا والصواب ما ذكرناه فاعرفه
وأما قوله وإلا حبس الباغي وقيد فهذا إن رآه الإمام صلاحا كان ذلك جائزا لأنه قد استحق ببغيه ما يستحقه العصاة من التعزير ولو لم يكن إلا كفه عن البغي بحبسه حتى يصلح ويتوب
قوله وأن يعاقب بأخذ المال أو فساده
أقول قد تقرر بالأدلة الثابتة في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة عصمة مال المسلم وتحريم أكله بالباطل وأنه لا يحل بطيبة من نفسه وأن أصل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم الحرمة فالواجب العمل على هذا الأصل والثبوت عليه وعدم الخروج عنه إلا بدليل ناهض يصلح للنقل فما ورد على وجه الصحة مما فيه العقوبة بأخذ المال أو إفساده كان مقصورا على محله لا يتعداه كما هو شأن ما ورد على خلاف القياس فضلا عن خلاف ما هو قطعي من قطعيات الشريعة هذا على فرض أنها لم تنسخ العقوبة بالمال وأنها ثابتة في تلك المواضع التي كان ورودها فيها وأما إذا كانت منسوخة فقد انقطع عرق مفسدتها وانهدمت ذريعتها وبطل حكمها وأراحنا الله من الإشتغال بها فإن هذه المسألة صارت ذريعة يتوصل بها إلى نهب أموال الرعايا ويصولون بها على من أنكر عليهم وقد تكررت مني الأبحاث فيها وأفردتها برسالة مستقلة فاشدد يديك على ما ذكرناه ولا تقبل إلا حجة صحيحة ثابتة عمن تقوم به الحجة فإنه لا يحجة فيما ورد عن بعض الصحابة ولا يجوز العمل به فيما لم يرد فيه دليل فكيف والدليل القطعي قائم بعصمة مال المسلم
قوله وعليه القيام بما أمره إليه
أقول لما فرغ المصنف رحمه الله من ذكر ما هو للإعلام من الرعية ذكر ما هو عليه ومن جملة ذلك القيام بما أمره إليه وقد تقدم ذكره مفصلا لأن ذلك هو الغرض

(4/523)


المقصود من نصبه إماما
وأما قوله وتسهيل الحجاب فوجهه أنها لما كانت حوائج المسلمين متعلقة به وهم محتاجون إليه لدفع ما ينوبهم ورفع ما نزل بهم كان احتجابه إضرارا بهم وإهمالا لحوائجهم وهذا خلاف ما هو المقصود من إمامته والمطلوب من زعماته فلو لم يرد في النهي عن الإحتجاب شيء لكان هذا كافيا فكيف وقد وردت الأدلة المصرحة بأشد الوعيد عليه إذا احتجب عنهم كما في حديث أبي مريم الأزدي عند أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتج دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة وأخرجه أيضا أحمد والترمذي والحاكم من حديث عمرو بن مرة الجهني وهذا الوعيد عن الإحتجاب لا يختص بالإمام بل يعم كل من ولي شيئا من أمور المسلمين ولا يجب عليه استغراق الأوقات لأنه يحتاج إلى النظر في أمور المسلمين خاليا وتدبير ما يتعلق بهم ومفاوضة وقت طعامه وشرابه ونومه وما يمس حاجته إليه وقد أشار المصنف إلى بعض هذا بقوله إلا في وقت حاجته وخاصة أمره
قوله وتقريب أهل الفضل وتعظيمهم
أقول قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجالس أكابر الصحابة ويشاورهم في أموره ويأذن لهم في أوقات لا يأذن لغيرهم فيها كما هو معروف بل كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخلط نفسه بكثير من الصحابة ويجلس إلى أصل الصفة وهم فقراء المسلمين الذي لا أهل لهم ولا مسكن والأمر في هذا معلوم وفي تقريب أهل الفضل فوائد جليلة فيها أن الإمام يجري الأمور على ما عندهم من النظر فيما فيه

(4/524)


صلاة المسلمين فإن فضلهم يقتضي ذلك وأما تعظيمهم فهو أيضا من حق المسلم على المسلم ومن تنزيل الناس منازلهم كما ورد بذلك الدليل الصحيح وأما استشارتهم فقد قدمنا الكلام على ذلك عند قوله أكثر رأيه الإصابة
قوله وتعهد الضعفاء
أقول هذا من أهم الواجبات على الأئمة وأعظم معين عليه تسهيل الحجاب والبحث عن أحوالهم بثقات يرفعون حوائج المحتاجين إليه ويوصلون أغراضهم إلى مقامه وقد كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدور بالليل لمثل هذا المقصد فيأتي منازل الضعفاء والمحتاجين ويسألهم عن حالهم
قوله ولا يتنحى إلا لأنهض منه
أقول الأنهضية هي باعتبار ما هو معظم المقصود من نصب الأئمة ومن ذلك حياطة المسلمين ودفع عدوهم والأخذ على يد ظالمهم وإنصاف مظلومهم وتأمين سبلهم وتفريق بيت مالهم فيهم على ما أوجبه الشرع فمن كان ناهضا بهذه الأمور ونحوها فيه يحصل مقصود الإمامة وينتفع الناس بولايته ويشملهم الأمن والدعة ويطيب عيشهم ويأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم وحرمهم وإن كان غيره أكثر علما منع أو أوسع عبادة أو أعظم ورعا فإنه إذا كان غير ناهض بهذه الأمور فلا يعود على المسلمين من علمه وعبادته وورعه فائدة ولا ينفعهم كونه مريدا للصلاح وإجراء الأمور مجاريها الشرعية مع عجزه عن ذلك وعدم قدرته على إنفاذه
قوله وأن يؤمر على السرية أميرا صالحا لها
أقول صلاح أمير السرية أن يكون عارفا بقيادة الجيش بصيرا بترتيب المحاربين في مواطن الحرب ثابت القدم عند ملاحمة القتال قوي القلب واسع الصدر حسن التدبير خبيرا بالكيفية التي يكون بها رجاء انتصار الجيش يقدم إذا وجد الإقدام

(4/525)


مغنما يحجم إذا رأى الإحجام حزما وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يبعث سرية قليلة ولا كثيرة إلا وجعل عليها أميرا كما هو معلوم من كتب الحديث والسير
وأما قوله ولو فاسقا فإن اقتضت ذلك الضرورة ودفعت إليه الحاجة فلا بأس ويأخذ عليه الإمام ما يخشى على الجيش من جهة فسقه ويأخذ على الجيش أن لا يطيعوه في معصية الله وفي الصحيحين وغيرهما من حديث علي قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له وييطعوا فأغضبوه في شيء فقال اجمعوا لي حطبا فجمعوا ثم قال أوقدوا نارا فأوقدوا ثم قال ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تسمعوا لي وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم من النار فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكروا ذلك له فقال لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدا وقال لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف
قوله وتقديم دعاء الكفار إلى الإسلام
أقول كان على المصنف أن يزيد على هذا فيذكر أنهم إذا أبوا دعاهم إلى الجزية والأحاديث الواردة في توصيته صلى الله عليه و سلم لأمراء الجيش أن يقدموا الدعوة على الحرب كثيرة جدا حتى أخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم والطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث ابن عباس قال ما قاتل رسول الله صلى الله عليه و سلم قوما قط إلا دعاهم وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث فروة ابن مسيك قال قلت يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي ومدبرهم قال نعم فلما وليت دعاني فقال لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام

(4/526)


وإذا رأى الإمام في ترك الدعوة صلاحا فعل فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من طريق نافع لما كتب إليه ابن عون يسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إليه إنما كان ذلك في أول الإسلام وقد أغار رسول الله صلى الله عليه و سلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث ثم قال نافع حدثني به عبدالله بن عمر وكان في ذلك الجيش وأخرج البخاري وغيره عن البراء بن عازب قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم رهطا من الأنصار إلى أبي رافع فدخل عبدالله بن عتيك بيته ليلا فقتله وهو نائم وفي الصحيحين وغيرهما من حديث الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم وقد جمع بين هذه الأحاديث وما ورد في معناها بأنه يجب تقديم الدعوة لمن لم يبلغهم الدعوة ولا يجب إن كانت قد بلغتهم ولكنها تستحب فقط قال ابن المنذر وهو قول جمهور أهل العلم
وهكذا تقديم الإمام دعاء البغاة عليه إلى الرجوع إلى طاعته لأنهم بغوا بسبب الخروج من طاعته فإن لم يرجعوا إلى الطاعة التي أوجبها الشرع للأئمة فقد بغوا وقد قال الله عز و جل فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله
وأما كون الدعاء يندب أن يكون عليهم ثلاثا فلا دليل على ذلك وإن كان التكرير أبلغ في المعذرة وأدخل في الإنذار
قوله وتنشر فيها الصحف

(4/527)


أقول هذه بدعة لم يرد بها الشرع ولكنه إذا رأى الإمام أن في ذلك مزيد تأثير من بغي وارعواء من فارق الحق فلا بأس به لأنها قد ترتبت عليه مصلحة
وأما ما ذكره من ترتيب الصفوف فذلك أمر يرجع إلى الممارسين للحرب العارفين بما فيه رجاء الغلب وتمام النصرة فإن كان ترتيب المجاهدين صفوفا هو الذي يقتضيه التدبير أمر الإمام بذلك وإن كان الأنفع جعلهم كراديس أو تفريقهم في الجوانب أو خروج بعضهم إلى القتال ووقوف البعض الآخر ردءا له فعل ذلك
فصل
فإن أبوا وجب الحر بإن ظن الغلب فيفسق من فر إلا متحيزا إلى فئة ردءا أو منعة وإن بعدت أو لخشية الإستئصال أو نقص عام للإسلام
ولا يقتل فان ومتخل وأعمى ومقعد وصبي وامرأة وعبد إلا مقاتلا أو ذا رأي أو متقي به للضرورة لا بمسلم إلا لخشية الإستئصال وفيه الدية والكفارة ولا يقتل ذو رحم رحمه إلا مدافعة عن نفسه أو غيره أو لئلا يحقد من قتله
قوله فصل فإن أبوا وجب الحرب إن ظن الغلب
أقول هذا هو الذي ثبت في الأدلة الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان يأمر أمراء الجيش بالدعوة إلى الإسلام أو الجزية فإن أبوا قاتلوهم وأما

(4/528)


تقييد ذلك بظن الغلب فلم يرد ما يدل عليه بل يجب القتال مع تجويز أن يكونوا غالبين أو مغلوبين والحرب سجال
ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزا
وأما إذا علموا بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم مستظهرون عليهم فعليهم أن يتنكبوا عن قتالهم ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام وقد استدل على ذلك بقوله عز و جل ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وهي تقتضي ذلك بعموم لفظها وإن كان السبب خاصا فإن سبب نزولها أن الأنصار لما قاموا على زرائعهم وإصلاح أموالهم وتركوا الجهاد أنزل الله في شأنهم هذه الآية كما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه والحاكم أيضا وقد تقرر في الأصول أن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب فقد ألقى بيده إلى التهلكة
قوله فيفسق من فر إلخ
أقول قد ثبت أن الفرار من موبقات الذنوب كما في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال اجتنبوا السبع الموبقات ثم عد منهن الفرار التولي يوم الزحف وقد قال الله عز و جل ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو

(4/529)


متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله وناهيك بمعصية يبوء صاحبها بغضب الله عليه ولكن لا بد أن يكونوا كما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال لما نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين فكتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين ثم نزلت الآية الآن خفف الله عنكم الآية فكتب أن لا يفر مائة من مائتين فإذا كان المسلمون مثل نصف المشركين حرم عليهم الفرار وإلا كان جائزا وقد استثنى الله سبحانه المتحرف للقتال والمتحيز إلى فئة فليس هذا من الفرار المحرم والفئة تكون ردءا وتكون منعة كما قال المصنف ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للطائفة التي فرت إليه أنا فئتكم كما في حديث ابن عمر عند أحمد وأبي ماجة وابن ماجه والترمذي وحسنه وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال معروف
وأما قوله أو لخشية الإستئصال أو نقص عام فوجهه أن المصابرة والإقدام على القتال مع أحد الأمرين يعود على المسلمين بالوهن والضعف وقد وقع الفرار في أيام النبوة في غير موطن وعذرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث كانوا قد خشوا مثل ذلك بل سمى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجوع خالد بن الوليد واستخراجهم من ملاحمة المشركين فتحا والقصة معروفة في كتب السير والحديث

(4/530)


وكان ذلك بعد أن قتل أمير الجيش وهو زيد بن حارثة ثم الأمير الذي بعده وهو عبد الله بن رواحة ثم أخذ الراية خالد ورجع بالمسلمين
قوله ولا يقتل فان الخ
أقول وجهه ما أخرجه أبو داود من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة وفي إسناده خالد بن الفرز وفيه مقال وأخرج أحمد من حديث ابن عباس بلفظ ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع وفي إسناده إبارهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف ووثقه أحمد وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن قتل النساء والصبيان وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث رباح بن ربيع عنه صلى الله عليه و سلم لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا وأخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن كعب بن مالك عن عمه قال نهى رسول الله

(4/531)


صلى الله عليه و سلم عن قتل النساء والصبيان وأخرج أحمد أيضا بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث الأسود بن سريع قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقتلوا الذرية في الحرب وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث سمرة بلفظ اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم وأخرج البيهقي من حديث علي نحو حديث ابن عباس وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جرير نحوه أيضا
فهذه الأحاديث قد دلت على المنع من قتل الشيخ الفاني والمتخلي للعبادة والنساء والصبيان والعسيف وهو الأجير ولا بد أن يكون الشيخ فانيا لا إذا بقي له قوة بحيث يقدر على القتال فإنه يقتل وإن لم يقاتل كما يدل عليه حديث سمرة المذكور ولكن هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة وقد مر غير مرة أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة وأيضا في إسناده الحجاج بن أرطاة وفيه مقال مشهور والأولى أن يقال إن وصف الشيخ بكونه فانيا مقيد بما أطلق فيه ذكر الشيخ فيحمل المطلق على المقيد ولا يحرم إلا قتل الشيخ الفاني ولم يرد ما يدل على عدم جواز قتل الأعمى والمقعد إلا أنهما بمنزلة الشيخ في عدم القدرة على القتال فيجوز إلحاقهما به
وأما العبد فلم يرد ما يدل على عدم جواز قتله وقد كان المسلمون يقتلون من قاتل من المشركين من أحرارهم وعبيدهم وقد يكون للعبد مزيد تأثير في القتال على الأحرار كما كان من وحشي يوم أحد ولا يصح قياسه على العسيف لأن العسيف لايقاتل وإنما هو لحفظ المتاع والدواب وإن قاتل جاز قتله ولهذا قال المصنف إلا مقاتلا فمن قاتل من هؤلاء جاز قتله

(4/532)


وأما جواز قتل ذي الرأي فلم يرد ما يدل عليه بعد اتصافه بوصف ما يوجب عدم جواز قتله من كونه شيخا أو متخليا للعبادة أو امرأة إلا أن يقال إن لحوق الضرر بالمسلمين بما يصدر عنه من الرأي فقد يكون أشد من مقاتلة المقاتل ولكن هذا رأي مجرد والتخصيص للأدلة بمجرد الرأي لا يصح عند المنصفين
قوله أو متقى به للضرورة
أقول الوجه في قتل الترس ما يلحق المسلمين من الضرر بتركه فإن الكفار لو جعلوا من لا يبيح الشرع قتله منهم تروسا لهم ليحصنوا أنفسهم من سهام المسلمين ورماحهم وكان يخشى من مخالطتهم للمسلمين بالقتال أن يكثر القتل في المسلمين أو يغلبوا جاز قتل الترس دفعا للمفسدة العظيمة بمفسدة دونها بمراحل وأدلة الشريعة الكلية تقتضي هذا وأما إذا كان الترس مسلما وخشي استئصال المسلمين لمخالطة الكفار لهم بالقتال وملاحمتهم لهم فلا شك أن قتل واحد أو جماعة أهون من استئصال جيش المسلمين وإدخال الوهن على كل مسلم في الأقطار الإسلامية فهذا أهون من دفع المفسدة الكبيرة بمفسدة صغيرة وفي الشر خيار ولكن لا يكتفى في ذلك بمجرد الظنون الكاذبة والخيالات المختلة فإن خطر قتل المسلم عظيم بل لا بد أن يكون خشية الاستئصال مما تتفق عليه عقول أهل الرأي والتجارب
وأما لزوم الدية فوجهه واضح لأن المقتول مسلم لا يهدر دمه وهكذا لزوم الكفارة على ما قد مر تحقيقه في موطنه
قوله ولا يقتل ذو رحم رحمه
أقول الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة قد دلت دلالة أوضح من الشمس على قتل المشركين ولم يثبت في المنع من قتل ذي الرحم لرحمه ما تثبت به الحجة قط حتى يصلح لتخصيص الأدلة الصحيحة ومع هذا فهو معارض بمثله فيجب الرجوع إلى ما ثبت في القرآن والسنة فاعرف هذا فليس ها هنا ما يوجب التخصيص ولا التقييد

(4/533)


فصل
ويحرق ويغرق ويخنق أن تعذر السيف وخلوا عمن لا يقتل وإلا فلا إلا للضرورة ويستعين بالعبيد للضرورة ولا ضمان عليه لا غيرهم من الأموال فيضمن وترد النساء مع الغنية
قوله فصل ويحرق إلخ
أقول قد أمر الله بقتل المشركين ولم يعين لنا الصفة التي يكون عليها ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا فلا مانع من قتلهم بكل سبب للقتل من رمي أو طعن أو تغريق أو هدم أو دفع من شاهق أو نحو ذلك ولم يرد المنع إلا من التحريق فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعث فقال إن وجدتم فلانا لرجلين فأحرقوهما بالنار ثم قال حين أردنا الخروج إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما فهذا الحديث قد دل على منع التحريق على كل حال فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال بعد الأمر بإحراق رجلين مشركين قد بالغا في الأذى لرسول الله صلى الله عليه و سلم واستحقا القتل ثم علل ذلك بهذه العلة التي تفيد أنه لا يجوز التحريق بالنار لأحد من عباد الله سواء كان مشركا أو غير مشرك وإن بلغ

(4/534)


في العصيان والتمرد على الله أي مبلغ فما وقع من بعض الصحابة محمول على أنه لم يبلغه الدليل
وبما ذكرناه تعرف أنه لا وجه لقول المصنف إن تعذر السيف ومن جملة ما لا يجوز أن يكون القتل به المثلة لثبوت النهي عنها في الأحاديث الكثيرة فيكون ذلك مخصصا لأدلة قتل المشركين على كل حال وبكل سبب من أسباب القتل وأما حديث إذا قتلتم فأحسنوا القتلة فالمراد بالإحسان ترك التعذيب وتعجيل ما يحصل به الموت وليس ذلك مختصا بقتل السيف
وأما قوله وخلوا عمن لا يقتل فوجهه ما تقدم من النهي عن قتلهم فإذا لم تدع الضرورة إلى ما يعم من يجوز قتله ومن لا يجوز قتله كان الواجب اجتناب قتل من لا يجوز قتله وترك السبب الذي لا يمكن فيه تخصيص من يجوز قتله ومن لا يجوز كالرمي بالمنجنيق والمدافع وما يشابه ذلك وقد قدمنا ما يدل على جواز تبييت الكفار وهو سبب يعم من يجوز قتله و من لا يجوز قتله وبهذا تعرف صحة قول المصنف من التقييد بقوله إلا للضرو
قوله ويستعين بالعبيد للضرورة
أقول إذا دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم وجب على المالكين لهم أن يأذنوا لهم بذلك ولا يجوز لهم أن يمتنعوا من الإذن فإن العبيد من جملة أموال المسلمين وقد تقدم في الاستعانة من خالص المال ما تقدم وليس للإمام أن يستعين بهم من غير إذن المالكين لهم وعلى هذا يحمل رد من رده رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم
وأما قوله ولا ضمان عليه فظاهر وقوله لا غيرهم من الأموال فقد أغنى

(4/535)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية