صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الدرر السنية في الكتب النجدية

(ص465) ولذلك : صار لشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، ولطائفة من أنصاره من الملك والظهور، والنصر، بحسب نصيبهم وحظهم من متابعة نبيهم صلى الله عليه وسلم، والتمسك بدينه فقهروا جمهور العرب من الشام إلى عمان ومن الحيرة إلى اليمن وكلما كان أتباعهم وأنصارهم أقوى تمسكا كانوا أعز وأظهر وربما نال منهم العدو وحصل عليهم من المصائب ما تقتضيه الذنوب والمخالفة والخروج عن متابعة نبيهم، وما يعفوا الله عنه من ذلك أكثر وأعظم .
والمقصود : أن كل خير ونصر وعز وسرور حصل فهو بسب : متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقديم أمره في الفروع والأصول وقد من الله عليكم في هذه الأوقات بما لم يعطه سواكم في غالب البلاد والجهات من النعم الدينية والدنيوية والأمن في الأوطان فاذكروا الله يذكركم واشكروا نعمه يزيدكم ؛ ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) [ التحريم : 6 ] بمعرفة الله ومحبته وطاعته وتعظيمه وتعليم أصول الدين وتعظيم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمر والنهي والتزامه والمحافظة على توحيد الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام والجهاد في سبيل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وترك الفواحش الباطنة والظاهرة وسد الوسائل التي توقع في المحذور وتفضي إلى ارتكاب .

(1/446)


(ص466) الآثام، والشرور
ويجمع ذلك قوله تعالى : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [ النحل : 90 ] والله المسؤول : أن يمن علينا، وعليكم بسلوك سبيله وأن يجعلنا ممن عرف الهدى بدليله وصلى الله على محمد
وله : أيضا : قدس الله روحه ونور ضريحه :
بسم الله الرحمن الرحيم
من : عبد اللطيف، بن عبد الرحمن، بن حسن : إلى عبد العزيز الخطيب، السلام على من اتبع الهدى وعلى عباد الله الصالحين ؛ وبعد فقرأت رسالتك وعرفت مضمونها وما قصدته من الاعتذار ولكن أسأت في قولك أن ما أنكره شيخنا، الوالد من تكفيركم أهل الحق واعتقاد إصابتكم ؛ أنه لم يصدر منكم وتذكر أن إخوانك من أهل : النقيع يجادلونك وينازعونك في شأننا وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور وأنت تعرف : أنهم يذكرون هذا غالبا، على سبيل القدح في العقيدة والطعن في الطريقة وإن لم يصرحوا بالتكفير فقد حاموا حول الحمى / فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ومن الغي عن

(1/447)


(ص467) سبيل الرشد، والعمى
وقد رأيت : سنة أربع وستين / رجلين من أشباهكم المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة وكفرا من في تلك البلاد من المسلمين وجحتهم من جنس حجتكم يقولون أهل الأحساء يجالسون : ابن فيروز ويخالطونه هو، وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت ولم يصرح بتكفير جده الذي رد دعوه الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها .
قالا : ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين، الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام حتى تركوا رد السلام فرفع إلى أمرهم فأحضرتهم وتهددتهم وأغلظت لهم القول فزعموا أولا : أنهم على عقيدة الشيخ، محمد بن عبد الوهاب وأن رسائله عندهم فكشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم، بما حضرني في المجلس .
وأخبرتهم ببراءة الشيخ، من هذا المعتقد والمذهب وانه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا له فيما يستحقه على

(1/448)


(ص468) خلقه ،من العبادات والإلهية وهذا : مجمع عليه أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة، يفردون هذه المسألة، بباب عظيم يذكرون فيه حكمها وما يوجب الردة ويقتضيها وينصون على الشرك وقد أفرد ابن حجر هذه المسألة بكتاب سماه : الإعلام بقواطع الإسلام .
وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم وزعما : أن الحق ظهر لهما، ثم لحقا بالساحل وعادا إلى تلك المقالة وبلغنا عنهم : تكفير أئمة المسلمين، بمكاتبة الملوك المصريين ؛ بل كفروا : من خالط من كاتبهم من مشائخ المسلمين، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى والحور بعد الكور .
وقد بلغنا : عنكم نحو من هذا وخضتم في مسائل من هذا الباب كالكلام في الموالاة، والمعادة والمصالحة والمكاتبات وبذل الأموال والهدايا ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله، والضلالات والحكم بغير ما انزل الله عند البوادى، ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب .
والكلام في هذا : يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة، كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب وفى

(1/449)


(ص469) غيره لمن جهلها و أعرض عنها وعن تفاصيلها فإن الإجمال ،والإطلاق ،وعدم العلم،بمعرفة مواقع الخطاب، وتفاصيله، يحصل به من اللبس، والخطأ، وعدم الفقه عن الله، ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها، وبين فهم السنة والقرآن ؛ قال : ابن القيم، في كافيته، رحمه الله تعالى :
فعليك بالتفصيل والتبيين فالـ ... ... إطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ ... ... أذهان والآراء كل زمان
وأما : التكفير بهذه الأمور، التي ظننتموها، من مكفرات أهل الإسلام فهذا : مذهب، الحرورية، المارقين، الخارجين على علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة، فإنهم : أنكروا عليه، تحكيم أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، في الفتنة التي وقعت، بينه وبين معاوية، وأهل الشام ؛ فأنكرت الخوارج عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه، من قراء الكوفة، والبصرة، وقالوا : حكمت الرجال في دين الله، وواليت معاوية، وعمرا، وتوليتهما، وقد قال الله تعالى : ( إن الحكم إلا لله) [يوسف:40] وضربت المدة بينك وبينهم، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة، منذ أنزلت : براءة .
وطال بينهما النزاع، والخصام، حتى أغاروا على سرح المسلمين، وقتلوا من ظفروا به من أصحاب علي، فحينئذ

(1/450)


(ص470) شمر رضي الله عنه لقتالهم، وقتلهم دون النهروان، بعد الأعذار والإنذار، والتمس : " المخدج : المنعوت في الحديث الصحيح، الذي رواه مسلم، وغيره من أهل السنن، فوجده علي، فسر بذلك، وسجد لله شكرا على توفيقه، وقال : لو يعلم الذي يقاتلونهم، ماذا لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، لنكلوا عن العمل، هذا : وهم أكثر الناس عبادة، وصلاة، وصوما .
فصل : ولفظ : الظلم، والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ، الواردة في الكتاب، والسنة، قد يراد بها مسماها المطلق، وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة ؛ والأول : هو الأصل عند الأصوليين ؛ والثاني : لا يحمل الكلام عليه، إلا بقرينة لفظية، أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي، وتفسير السنة، قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) الآية [ إبراهيم :4] وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) [ النحل :43-44] . وكذلك : اسم المؤمن، والبر، والتقى، يراد بها عند الإطلاق، والثناء، غير المعنى المراد، في مقام الأمر، والنهي ؛ ألا ترى : أن الزاني، والسارق، والشارب،

(1/451)


(ص471) ونحوهم، يدخلون في عموم قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) الآية [ المائدة :6] وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ) الآية [ الأحزاب :69] وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) [ المائدة :106] ولا يدخلون في مثل قوله : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ) [الحجرات:15] وقوله (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ) الآية [ الحديد :19] . وهذا : هو الذي أوجب للسلف، ترك تسمية الفاسق، باسم الإيمان، والبر ؛ وفي الحديث : " لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر، حين يشربها، وهو مؤمن، وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها، وهو مؤمن " وقوله : " لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه " لكن نفى الإيمان هنا، لا يدل على كفره، بل يطلق عليه اسم الإيمان، ولا يكون كمن كفر بالله ورسله، وهذا هو الذي فهمه السلف، وقرروه في باب الرد، على الخوارج، والمرجئة، ونحوهم، من أهل الأهواء ؛ فافهم هذا، فإنه مضلة أفهام، ومزلة أقدام .
وأما : إلحاق الوعيد المرتب، على بعض الذنوب، والكبائر، فقد يمنع منه مانع، في حق المعين، كحب الله ورسوله، والجهاد في سبيله، ورجحان الحسنات، ومغفرة الله ورحمته، وشفاعة المؤمنين، والمصائب المكفرة، في الدور

(1/452)


(ص472) الثلاثة، ولذلك، لا يشهدون لمعين من أهل القبلة، بجنة ولا نار، وإن أطلقوا الوعيد، كما أطلقه القرآن، والسنة، فهم يفرقون، بين العام المطلق، والخاص المقيد ؛ وكان عبد الله حمار، يشرب الخمر، فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل، وقال ما أكثر ما يؤتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ط لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله " مع : أنه لعن الخمر، وشاربها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه .
وتأمل : قصة حاطب بن أبي بلتعه، وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه : أنه كتب بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيره لجهادهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم، تحمي أهله، وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب : ظعينة، جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، والزبير، في طلب الظعينة، وأخبرهما، أنهما يجدانها في روضة : خاخ، فكان ذلك، وتهدداها، حتى أخرجت الكتاب من صفائرها، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له : " ما هذا " ؟ فقال : يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا

(1/453)


(ص473) رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد، أحمي بها أهلي، ومالي، فقال صلى الله عليه وسلم : " صدقكم، خلوا سبيله " واستأذن عمر، في قتله، فقال : دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال : " وما يدريك، أن الله اطلع على أهل بدر، فقال : اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم " وأنزل الله في ذلك، صدر سورة الممتحنة، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) الآيات .
فدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، معه أن في الآية الكريمة، ما يشعر : أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضل سواء السبيل، لكن قوله : " صدقكم، خلوا سبيله " ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، وإذا كان مؤمنا بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب ؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال : خلوا سبيله .
ولا يقال، قوله صلى الله عليه وسلم :" ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم " هو المانع من تكفيره، لأنا نقول : لو كفر لما بقي من حسناته، ما يمنع من لحاق الكفر، وأحكامه ؛ فإن الكفر : يهدم ما قبله، لقوله تعالى : ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) [ المائدة :5] وقوله : ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) [الأنعام:

(1/454)


(ص474) (474) 88] والكفر، محبط للحسنات والإيمان، بالإجماع ؛ فلا يظن هذا .
وأما قوله تعالى : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) [ المائدة : 51] وقوله : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله ) [ المجادلة : 22] وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) [ المائدة : 57 ] فقد فسرته السنة، وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة .
وأصل : الموالاة، هو : الحب والنصرة، والصداقة ودون ذلك : مراتب متعددة ؛ ولكل ذنب : حظه وقسطه، من الوعيد والذم ؛ وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وفى غيره وإنما أشكال الأمر، وخفيت المعانى، والتبست الأحكام على خلوف من العجم والمولدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن ولا مممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن
ولهذا : قال الحسن رضى الله من العجمة أتوا وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد، لما ناظرة في مسألة خلود أهل الكبائر في النار واحتج ابن عبيد : أن هذا وعد والله لا يخلف وعده يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود فقال له ابن

(1/455)


(ص475) العلا : من العجمة أتيت ؛ هذا وعيد لا وعد وأنشد قول الشاعر :
وإنني وإن أوعدته أو وعدته ... ... ... لمخلف إيعادى ومنجز موعد
وقال : بعض الأئمة فيما نقل البخاري أو غير : إن من سعادة الأعجمي، والعربي، إذا أسلما، أن يوفقا لصاحب سنة وأن من شقاوتهما : أن يمتحنا ويسرا لصاحب هوى وبدعة .
ونضرب لك مثلا ،هو : أن رجلين تنازعا في آيات من كتاب الله أحدهما خارجي والآخر مرجىء قال الخارجي : إن قوله : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) [ المائدة : 2] دليل على حبوط أعمال العصاة، والفجار وبطلانها إذ لا قائل : انهم من عباد الله المتقين ؛ قال المرجىء : هي في الشرك، فكل من اتق الشرك يقبل منه عمله لقوله تعالى (من جاء الحسنه فله عشر أمثالها ) [ الأنعام : 160] قال الخارجي : قوله تعالى : ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) [ الجن : 23 ] يرد ما ذهبت إليه .
قال المرجىء، المعصية هنا الشرك بالله واتخاذ الأنداد معه لقوله : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ] قال الخارجي، قوله ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ) [ السجدة : 18 ] دليل

(1/456)


(ص476) عل أن الفساق من أهل النار خالدين فيها : قال له المرجىء، قوله في آخر الآية : ( وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) [ السجدة : 20 ] دليل : على أن المراد من كذب الله ورسوله، والفاسق، من أهل القبلة، مؤمن كامل الإيمان .
ومن وقف : على هذه المناظرة، من جهال الطلبة والآعاجم، ظن أنها الغاية المقصودة، وعض عليها بالنواجذ مع أن كلا القولين لا يرتضى، ولا يحكم بإصابته أهل العلم والهدى، وما عند السلف والراسخين في العلم خلاف هذا كله لأن الرجوع إلى السنة المبينة للناس ما نزل إليهم واجب، وأما البدع والأهواء فيستغنون عنها بآرائهم وأهوائهم، وأذواقهم .
وقد بلغني : أنكم تأولتم، قوله تعالى في سورة محمد : ( ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ) [ محمد : 26 ] على بعض ما يجرى من أمراء الوقت من مكاتبة أو مصالحة أو هدنة لبعض رؤساء الضالين والملوك المشركين ولم تنظر لأول الآية وهى قوله : ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ) [ محمد : 25 ] ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة ولا المراد من الأمر المعروف المذكور في هذه الآية الكريمة وفي قصة : صلح الحديبية، وما طلب المشركين واشترطوه

(1/457)


(ص477) وأجابهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكفى في رد مفهومكم ودحض أباطيلكم .
فصل :
وهنا أصول، أحدها : أن السنة والأحاديث النبوية، هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص، الواردة في كتاب الله في : باب معرفة حدود ما انزل الله كمعرفة المؤمن والكافر والمشرك والموحد والفاجر والبر والظالم والتقى وما يراد بالموالاة والتولي ونحو ذلك من الحدود كما أنها المبينة لما يراد من الأمر بالصلاة على الوجه المراد في عددها وأركانها وشروطها وواجبها وكذلك الزكاة فإن لم يظهر المراد من الآيات الموجبة ومعرفة النصاب، والأجناس التي تجب فيها من الأنعام والثمار والنقود ووقت الوجوب واشترط الحول في بعضها ومقدار ما يجب في النصاب وصفته، إلا بيان السنة وتفسيرها .
وكذلك : الصوم، والحج، جاءت السنة بيانهما وحدودهما، وشروطهما، ومفسداتهما، ونحو ذلك مما توقف بيانه على السنة، وكذلك : أبواب الربا وجنسه ونوعه، وما يجرى فيه، وما لا يجرى والفرق بينه، وبين البيع الشرعي، وكل هذا البيان : أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم براوية الثقات العدول، عن مثلهم، إلى أن تنتهي السنة إلى

(1/458)


(ص478) رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن : أهمل هذا وأضاعه، فقد سد على نفسه، باب العلم والإيمان، ومعرفة معاني : التنزيل والقرآن .
الأصل الثاني : أن الإيمان أصل، له شعب متعددة كل شعبة منها تسمى إيمانا فأعلاها : شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فمنها : ما يزول الإيمان بزواله إجماعا، كشعبة الشهادتين ومنها : ما لا يزول بزواله إجماعا، كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبين، شعب متفاوتة، منها : ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب ومنها ما يلحق إماطة الأذى عن الطريق ويكون إليها أقرب ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى عن الطريق ويكون إليها أقرب والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالف للنصوص وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها .
وكذلك الكفر : أيضا، ذو أصل، وشعب فكما أن شعب الإيمان : إيمان فشعب الكفر : كفر والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام، وفرق بين من ترك الصلاة، أو الزكاة أو الصيام أو أشرك بالله، أو استهان بالمصحف ؛ وبين من يسرق ويزني أو يشرب أو ينهب أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب فمن سوى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام ،أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف

(1/459)


(ص479) الأمة داخل في عموم أهل البدع والأهواء
الأصل الثالث: أن الإيمان مركب من قول وعمل والقول : قسمان قول القلب، وهو اعتقاده وقوله اللسان وهو المتكلم بكلمة الإسلام ؛ والعمل قسمان : عمل القلب، وهو : قصده، واختاره، ومحبته، ورضاه وتصديقه، وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج والجهاد ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة فإذا زال تصديق القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية وإذا زال شيء من الأعمال كالصلاة، والحج والجهاد مع بقاء تصديق القلب وقبوله فهذا : محل خلاف هل يزول الإيمان بالكلية، إذا ترك أحد الأركان الإسلامية كالصلاة والحج والزكاة والصيام أو لا يزول ؟ وهل يكفر تاركه أو لا يكفر ؟ وهل : يفرق بين الصلاة، وغيرها أو لا يفرق
فأهل السنة : مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب الذي هو : محبته، ورضاه وانقياده والمرجئة تقول يكفى التصديق، فقط ويكون به مؤمنا والخلاف في أعمال الجوارح هل يكفر أو لا يكفر واقع بين أهل السنة والمعروف عند السلف تكفير وقوله اللسان وهو المتكلم بكلمة الإسلام ؛ والعمل قسمان : عمل القلب، وهو : قصده، واختاره، ومحبته، ورضاه وتصديقه، وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج والجهاد ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة فإذا زال تصديق القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية وإذا زال شيء من الأعمال كالصلاة، والحج والجهاد مع بقاء تصديق القلب وقبوله فهذا : محل خلاف هل يزول الإيمان بالكلية، إذا ترك أحد الأركان الإسلامية كالصلاة والحج والزكاة والصيام أو لا يزول ؟ وهل يكفر تاركه أو لا يكفر ؟ وهل : يفرق بين الصلاة، وغيرها أو لا يفرق

(1/460)


فأهل السنة : مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب الذي هو : محبته، ورضاه وانقياده والمرجئة تقول يكفى التصديق، فقط ويكون به مؤمنا والخلاف في أعمال الجوارح هل يكفر أو لا يكفر واقع بين أهل السنة والمعروف عند السلف تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية كالصلاة والزكاة والصيام والحج والقول الثاني : أنه لا يكفر إلا من جحدها .

(1/461)


(ص480) والثالث : الفرق بين الصلاة وغيرها وهذه الأقوال معروفة ؛ وكذلك المعاصي، والذنوب التي هي فعل المحظورات، فرقوا فيها : بين ما يصادم أصل الإسلام وينافيه وما دون ذلك وبين ما سماه الشارع كفرا وما لم يسمه هذا ما عليه أهل الأثر المتمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدلة : مبسوطة في أماكنها .
الأصل الرابع : أن الكفر نوعان كفر عمل وكفر جحود وعناد، هو : أن يكفر بما علم، أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء به من عند الله جحودا وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له وهذا مضاد للإيمان من كل وجه وأما كفر العمل فمنه ما يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي صلى الله عليه وسلم وسبه وأما : الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " لا ترجعوا بعدى كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض " وقوله : " من أتى كاهنا فصدقه، أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " فهذا : من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي صلى الله عليه وسلم وسبه وإن كان الكل يطلق عليه : الكفر .
وقد سمى الله سبحانه : من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه، مؤمنا بما عمل به وكافرا بما ترك العمل به

(1/462)


(ص481) قال تعالى : (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) إلى قوله : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) الآية [ البقرة 84-85] فأخبر تعالى أنهم أقروا بميثاقه، الذي أمرهم به والتزموه وهذا يدل على تصديقهم به ؛ وأخبر : أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقا آخرين وأخرجوهم من ديارهم وهذا كفر بما أخذ عليهم ثم أخبر : أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب وكانوا مؤمنين، بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه .
فالإيمان العملي : يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي : يضاده الكفر الاعتقادي، وفي الحديث الصحيح " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ففرق بين سبابه، وقتاله وجعل أحدهما فسوق، لا يكفر به، والآخر كفرا ومعلوم : أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادى وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب، من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان .
وهذا : التفصيل، قول الصحابة، الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم والمتأخرون : لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين ؛ فريق أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابهم بالخلود في النار وفريق : جعلوهم مؤمنين

(1/463)


(ص482) كاملي الإيمان، فأولئك غلوا هؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، فعن ابن عباس رضي الله عنه، في قوله تعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) [ المائدة : 44] قال : ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه رواه عن سفيان وعبد الرازق وفي رواية أخرى : كفر لا ينقل عن الملة وعن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق .
وهذا : بين في القرآن، لمن تأمله فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسول كافرا، وليس الكفران على حد سواء وسمى الكافر ظالما، وفى قوله : ( والكافرون هم الظالمون ) [ البقرة : 254] وسمى من يتعد حدوده في النكاح، والطلاق والرجعة والخلع، ظالما وقال : ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) [ الطلاق :1] وقال يونس عليه السلام : ( إنى كنت من الظالمين ) [ الأنبياء :87] وقال آدم عليه السلام ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) [ الأعراف : 23 ] وقال موسى : ( رب إني ظلمت نفسي ) [ القصص : 16 ] وليس هذا الظلم / مثل ذلك الظلم ؛ وسم الكافر فاسق، في قوله : ( وما يضل به إلا الفاسقين ) [ البقرة : 26 ] وقوله : ( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ) [ البقرة : 99 ] وسمى

(1/464)


(ص483) العاصي فاسقا، في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) [ الحجرات :6] وقال في الذين يرمون المحصنات : ( وأولئك هم الفاسقون ) [ النور:4] وقال : _ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) [ البقرة :197 ] وليس الفسوق، كالفسوق .
وكذلك : الشرك، شركان ؛ شرك : ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر ؛ وشرك : لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر ، كشرك الرياء ؛ وقال تعالى، في الشرك الأكبر : ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) [ المائدة :72] وقال تعالى : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ) الآية [ الحج:31] وقال تعالى، في شرك الرياء : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) [ الكهف :110] وفي الحديث : " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " وفي الحديث : " من حلف بغير الله، فقد أشرك " ومعلوم : أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار ؛ ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم : " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل " فانظر : كيف انقسم الشرك، والكفر، والفسوق، والظلم، إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عن الملة .
وكذلك : النفاق، نفاقان ؛ نفاق اعتقادي ؛ ونفاق عملي ؛ والنفاق الاعتقادي : مذكور في القرآن، في غير

(1/465)


(ص484) موضع، أوجب لهم تعالى به : الدرك الأسفل من النار ؛ والنفاق العملي، جاء في قوله صلى الله عليه وسلم " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها ؛ إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا أؤتمن خان " وكقوله صلى الله عليه وسلم :" آية المنافق ثلاث " إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان " قال بعض الأفاضل : وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فإن الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل، فقد ينسلخ صاحبه من الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال، فإذا كملت للعبد، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا، انتهى .
الأصل الخامس : أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد، أن يسمى مؤمنا، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر، أن يسمى كافرا، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى عالما، أو طبيبا، أو فقيها ؛ وأما الشعبة نفسها، فيطلق عليها اسم الكفر كما في الحديث :" اثنتان في أمتي هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت " وحديث : " من حلف بغير الله فقد كفر " ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق .
فمن عرف : هذا، عرف فقه السلف، وعمق علومهم،

(1/466)


(ص485) وقلة تكلفهم ؛ قال ابن مسعود : من كان متأسيا، فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا ؛ قوم : اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ؛ وقد كاد الشيطان بنى آدم، بمكيدتين عظيمتين، لا يبالي بأبيهما ظفر أحدهما الغلو ومجاوزة الحد والإفراط والثاني هو الإعراض، والترك والتفريط .
قال ابن القيم : لما ذكر شيئا من مكائد الشيطان قال بعض السلف : ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وتقصير وأما إلى مجاوزة وغلو ولا يبالي بأبها ظفر وقد اقتطع أكثر الناس إلا القليل، في هذين الواديين وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي والقليل منهم الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعد رحمه الله كثيرا من هذا النوع إلى أن قال وقصر بقوم حتى قالوا : إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل فضلا عن أبى بكر وعمر وتجاوز بأخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة .

(1/467)


(ص486) وهذه رسالة، كتبها : الشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن، على لسان الإمام : فيصل رحمه الله إلى أهل البحرين، هذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من فيصل بن تركي، إلى الأخ، الشيخ راشد بن عيسى، سلمه الله وهداه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فالموجب لتحريره، ما بلغنا من ظهور : البدع في البحرين ؛ بدعة الرافضة، وبدعة الجهمية، وذلك بسبب تقديم : حسن دعبوش، الرافضي، الجهمي، ونصبه قاضيا في البحرين، ومثلك : ما يدخر النصح، والتبيين، لعيال : خليفة، وغيرهم ؛ وتعرف الحديث الصحيح " أبغض الناس إلى الله ثلاثة، ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم امرىء مسلم بغير حق، ليهريق دمه " رواه ابن عباس .
وقد علمت : أن الله أكرم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وخصه بصحبة خير خلقه، وخلاصة بريته وقد : أثنى الله على أصحاب نبيه في كتابه، ومدحهم بما هو حجة ظاهرة، على إبطال مذهب من عابهم، أو نال منهم، وسبهم ؛ كما هو مذهب الرافضة، وقال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس

(1/468)


(ص487) تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)الآية [ آل عمران :110] وقال : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) الآية [ التوبة :117] قال : (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) [ الفتح :18] وقد كانوا ألفا وأربعمائة، أولهم وأسبقهم إلى هذه البيعة : أبو بكر، وعمر ؛ وعثمان، بايع له النبي صلى الله عليه وسلم مع غيبته، وهذا يدل على فضله، وثبات إيمانه ويقينه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم منه ذلك، واستقر عنده، ولذلك بايع له، فضرب بيمينه على شماله، وقال : " هذه عن عثمان " وقال تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم )[ التوبة :100] وهذا نص : أن الله رضي عن السابقين الأولين، من المهاجرين، والأنصار ؛ وأبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وبلال، من أسبق الناس إلى الإيمان بالله ورسوله ؛ وقال تعالى : (والسابقون السابقون، أولئك المقربون ) [ الواقعة :10-11] وقال تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) الآية [ الفتح:29] وقد استدل بهذه الآية : بعض أهل العلم، على كفر من اغتاظ، وحنق، على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالرافضة .
وقد : نص الله تعالى، على إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ) الآية [آل عمران :124] وقوله تعالى : ( لقد

(1/469)


(ص488) من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) الآية [ آل عمران :164] وقال تعالى : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) [التوبة :122] وإنما عنى به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه مدحهم، وتزكيتهم، وفضلهم، لأن اسم الإيمان، وإطلاقه في كتاب الله تعالى، يدل على ذلك ؛ وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ) في خطابهم، وذلك في مواضع من كتابه .
والأحاديث : الدالة على فضلهم، وسابقتهم، أكثر من أن تحصر، عموما، وخصوصا، كقوله : فيما صح عنه صلى الله عليه وسلم " هل أنتم تاركوا لي أصحابي ؟ فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه " وقوله :" افترقت بنو إسرائيل، على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة " قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال : " من كان على مثل ما أنا عليه، وأصحابي " وقال : " آية الإيمان : حب الأنصار ؛ وآية النفاق : بغض الأنصار " وقوله صلى الله عليه وسلم : " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " وقوله صلى الله عليه وسلم :" أكرموا أصحابي، فإنهم خياركم " وقوله :" يأتي على الناس زمان، فيغزوا فئام من الناس، فيقال لهم : أفيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم ؛ فيفتح لهم ؛ ثم يأتي على الناس زمان، فيغزوا فئام من الناس، فيقال : هل فيكم من صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم ؛ فيفتح ؛ زاد بعضهم : حتى يأتي على الناس زمان، فيغزوا فئام من

(1/470)


(ص489) الناس، فيقال : هل فيكم من صحب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
وقال أيضا :
وأما أهل البدع، فمنهم : الخوارج ؛ الذين خرجوا على أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، رضي عنه، وقاتلوه ؛ واستباحوا دماء المسلمين، وأموالهم، متأولين في ذلك ؛ وأشهر أقوالهم : تكفيرهم بما دون الشرك من الذنوب، فهم : يكفرون أهل الكبائر، والمذنبين من هذه الأمة ؛ وقد قاتلهم : علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وصحت فيهم الأحاديث ، روى منها مسلم : عشرة أحاديث، وفيها الأمر بقتالهم، وأنهم شر قتلى تحت أديم السماء، وخير القتلى من قتلوه، وأنهم يقاتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان ؛ وفي الحديث : " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله ".
ومن أهل البدع : الرافضة، الذين يتبرؤون من أبي بكر، وعمر ؛ ويدعون موالاة أهل البيت، وهم أكذب

(1/471)


(ص490) الخلق، وأضلهم، وأبعدهم عن موالاة أهل البيت، وعباد الله الصالحين ؛ وزادوا في رفضهم، حتى سبوا أم المؤمنين، رضي الله عنها وأكرمها ؛ واستباحوا : شتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا يسيرا، وأضافوا إلى هذا : مذهب الغالية، الذين عبدوا المشائخ، والأئمة، وعظموهم بعبادتهم، وصرفوا لهم ما يستحقه سبحانه، ويختص به، من : التأله، والتعظيم، والإنابة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادات ؛ وغلاتهم : يرون أن عليا ينزل في آخر الزمان ؛ ومنهم من يقول : غلط الأمين، وكانت النبوة لعلي ؛ وهم جهمية في : باب صفات الله ؛ زنادقة، منافقون في : باب أمره، وشرعه .
ومن أهل البدع : القدرية، الذين يكذبون بالقدر، وبما سبق في أم الكتاب، وجرى به القلم ؛ ومنهم : القدرية المجبرة، الذين يقولون : إن العبد مجبور، لا فعل له، ولا اختيار .
ومن أهل البدع : المرجئة، الذين يقولون : إن الإيمان هو التصديق، وإنه شيء واحد لا يتفاضل .
ومن أهل البدع، وأكفرهم : الجهمية، الذين ينكرون صفات الله تعالى، التي جاء بها القرآن، والسنة ويؤولون ذلك، كالاستواء، والكلام والمجيء، والنزول، والغضب، والرضى ؛ والحب، والكراهة، وغير ذلك من

(1/472)


(ص491) الصفات، الذاتية، والفعلية .
ومن أهل البدع الضالين : أصحاب الطرائق المحدثة، كالرفاعية، والقادرية، والبومية، وأمثالهم، كالنقشبندية، وكل من أحدث بدعة، لا أصل لها في الكتاب، والسنة .
وله أيضا، رحمه الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم، الشيخ : محمد بن سليمان، آل عبد الكريم، البغدادي، وفقه الله للإيمان به وتقواه، وأطلع للطالبين بدر توفيقه وهداه ؛ سلام عليكم ورحمه الله وبركاته .
وبعد : فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير ؛ والكتاب الكريم : وصل إلينا، وصلك الله برضاه، ونظمك في سلك خاصته، وأوليائه ؛ وقد سرني غاية المسرة، وسرحت نظري في رياضه، المرة، بعد المرة، وحمدت الله على ما من به عليك، وأهداه إليك، من المنة العظمى، والموهبة الكبرى، التي هي أسنى المواهب، وأشرف المطالب : معرفة دين الإسلام، والعمل به، والبراءة مما وقع فيه الأكثرون، من الشرك، من الشرك الصراح، والكفر البوح، من دعاء الموتى، والغائبين، والاستغاثة بهم، في كشف شدائد المكروبين،

(1/473)


(ص492) ونيل مطالب الطالبين، وتحصيل رغبات الراغبين، عدلا منهم بالله رب العالمين .
وصرف : خالص محبة العبودية، وما يجب من الخضوع لرب البرية، إلى الأنداد، والشركاء، والوسائل، والشفعاء، بل وسائر العبادات الدينية، صرفت إلى المشاهد الوثنية، والمعابد الشركية، وصرحت بذلك ألسنتهم، وانطوت عليه ضمائرهم، وعملت بمقتضاه جوارحهم ؛ ولم ينج من شرك هذا الشرك، إلا الخواص، والأفراد، والغرباء في سائر البلاد ؛ وذلك مصداق ما أخبر به الصادق، بقوله : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " قال بعض الأفاضل، من أزمان متطاولة : الإسلام في وقتنا، أشد منه غربة في أول ظهوره .
قلت : وذلك أنه في أول وقت ظهوره، يعرفه الكافرون، والمنكرون له، كما قال تعالى، حاكيا عنهم أنهم قالوا : ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) [ ص:5] وأكثر المنتسبين إلى الإسلام، في هذه الأزمان، يعتقدون، أنه هو الاعتقاد في الصالحين، ودعوتهم، والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم، بأنواع العبادات، كالذبح، والنذر، والحلف، وغير ذلك من أنواع الطاعات ؛ وذلك : لأنه ولد عليه صغيرهم، وشاب عليه كبيرهم، واعتادته طباعهم، فتراهم عند تجريد التوحيد، يقولون : هذا مذهب خامس، لأنهم لا يعرفون غير ما نشؤوا عليه، واعتادوه، لا

(1/474)


(ص493) سيما إذا ساعد العادة : الاغترار بمن ينتسب إلى العلم والدين ؛ وهو عند الله، معدود في زمرة الجاهلين، والمشركين ؛ فهذا، وأمثاله، هم الحجاب الأكبر، بين أكثر العوام، وبين نصوص الكتاب، والسنة، وما فيهما من الدين والهدى .
ثم أكثرهم : قد تجاوز القنطرة، وغرق في بحار الشرك في الربوبية، مع ما هو فيه الشرك في الإلهية فادعى : أن للأولياء، والصالحين، شركة، في التدبير، والتأثير ؛ وشركة في تدبير ما جاءت به المقادير ؛ وأوحى إليهم إبليس اللعين، أن هذا من أحسن الاعتقاد في الصالحين، وأن هذا من كرامة أولياء الله المقربين، تعالى الله عما يقول الظالمون، وتقدس عما افتراه أعداؤه المشركون، و (سبحان الله رب العرش عما يصفون ) [ الأنبياء :22] .
وحيث من الله عليك، بمعرفة : الهدى، ودين الحق ؛ وظهر لك ما هم عليه، من الشرك المبين، فاعرف هذه النعمة الكبرى، وقم بشكرها ؛ وأكثر من حمد ربك، والثناء عليه ؛ واحرص : أن تكون إماما في الدعوة إليه تعالى، وإلى سبيله، ومعرفة الحق بدليله، فإن هذا : أرفع منازل أولياء الله، وخواصه من خلقه ؛ فاغتنم يا أخي، مدة حياتك، لعلك أن تربح بها السعادة الأبدية، ومرافقة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، في جنات عليه .

(1/475)


(ص494) وتأمل : ما عند إخوانك، من الطلبة في القصيم، من رسائل مشايخ الإسلام، الداعين إلى الله على بصيرة، والزم مذاكرة الإخوان، والبحث معهم في هذا الشأن، وفي غيره من العلوم، فإنهم من خواص نوع الإنسان، ومن جواهر الكون، في هذا الزمان، وفقهم الله، وكثر في قلوبهم الإيمان .
وما ذكرت من الشوق إلى اللقاء، والاجتماع بنا، فنحن إلى إخواننا في الله أشوق وأحرص، فعسى الله أن يمن بالتلاق، ويطوى ما بيننا من العبد والفراق .
وله : أيضا، رحمه الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف، بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم : منيف بن نشاط، سلمه الله تعالى، وشد حبله بالعروة الوثقى، وأناط، ومن عليه بالتزام التوحيد، والفرح به، والاغتباط، السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته
وبعد : فأحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، وأساله اللطف بي وبكم في تيسير كل عسير، مما جرت به إلا قضية الربانية والمقادير ؛ وأحوالنا على ما تعهد، من الصحة والسلام وترادف النعم لولا غلبة الإعراض عن شكر تلك النعم

(1/476)


(ص495) والتقصير ؛ نشكوا إلى الله قلوبنا القاسية ونفوسنا الظالمة فنعم المشتكى، ونعم المولى، ونعم النصير ،
وكتابك : وصل إلينا، مع النظم اللطيف الصادر عن الأخ منيف، فسرنا بإفصاحه، وإعلامه بصحبتكم وسلامتكم وحسن معتقدكم وطويتكم ؛ فالحمد لله على اللطف، والتسديد ومعرفة حقه سبحانه وما يجب له على العبيد .
فاجتهد في طلب العلم وتعليمه والدعوة إلى دين الله، وسبيله فإنك في زمان : قبض فيه العلم وفشا الجهل، وبدل الدين وغيرت السنن لا سيما : أصول الدين، وعمدة أهل الإسلام واليقين في : باب معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وقد ألحد في هذا من ألحد، وأعرض عن الحق من أعرض، وجحد حتى عطلوا صفات الله تعالى، التي وصف بها نفسه وتعرف بها إلى عباده، كعلوه على خلقه، واستوائه على عرشه وكلامه وتكليمه، ومحبته، وخلته، ورضاه، وغضبه، ومجيئه ونزوله، فسلطوا التأويل على ذلك ونحوه حتى عطلوا الصفات عن حقائقها، وحرفوها عن موضوعها، وصرفوها عن دلالتها، وكذلك الحال في : باب عبادته، وتوحيده، ومعرفة حقه على عبيده فأكثر الناس، والمنسبين إلى الإسلام، ضلوا في هذا

(1/477)


(ص496) الباب، فصرفوا للأولياء، والصالحين، والقبور، والأنصاب، والشياطين، خالص العبادة، ومحض حق رب العالمين ؛ كالحب، والدعاء، والاستغاثة، والتوكل، والإجلال، والتعظيم، والذل، والخضوع ؛ بل غلاتهم، صرحوا : بإثبات التدبير، والتصريف لمعبوادتهم مع الله، فجمعوا بين الشرك في الألهية، والشرك في الربوبية، وهذا الأمر لا يتحاشون عنه، بل يصرحون به، ويفتخرون، ويدعون أنهم من أهل الإسلام، إلا أنهم هم الكاذبون، وهذا الشرك، لم يصل إليه شرك جاهلية العرب ؛ وقد جرى كما ترى، من أناس يقرؤون القرآن، ويدعون أنهم من اتباع الرسول، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشاد .
وكذلك : باب تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأصول، والفروع، قد ترك، وسد عن أكثر من يدعي العلم والدين، والعمدة، والمرجع، إلى أقوال من يعتقدون علمه، من المنتسبين، والمدعين ؛ ولو تكلم أحد بإنكار ذلك، لعد عندهم من البله والمجانين، هذه أحوال جمهور المتشرعين، والمتدينين ؛ فهل ترى فوق هذا غاية، في غربة الحق والدين فعليك بالجد، والاجتهاد، في معرفة الإيمان، وقبوله، وإيثاره، والتواصي به، لعلك أن تنجو من شرك هذا الشرك، والتعطيل، الذي طبق الأرض، وهلك به أكثر الخلق، جيلا بعد جيل .

(1/478)


(ص497) وأما : ما ذكرته، عن الإعراب : من الفرق، بين من استحل الحكم بغير ما انزل الله، ومن لم يستحل ؟ فهذا هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع، عند أهل العلم، والسلام .
وسئل الشيخ : عبد اللطيف، بن عبد الرحمن، بن حسن عن السمت والهدى، والتؤدة ......الخ .
فأجاب : الأحاديث التي سألت عن معناها، قد تكلم عليها بعض العلماء بما حاصله : إن السمت، والهدى في حالة الرجل، في مذهبه وخلقه ؛ واصل السمت، في اللغة : الطريق المنقاد، ثم نقل لحالة الرجل، وطريقته في المذهب والخلق ؛ والاقتصاد ؛ سلوك القصد في الأمر والدخول فيه برفق ؛ وعلى سبيل يمكن الدوام عليه ؛ وأما : التؤدة، فهي التأنى، والتمهل، وترك العجلة ؛ وسبق الفكر، والروية للتلبس في الأمور .
وأما : كون هذه الخصال، جزءا من أربعة وعشرين جزءا من النبوة، فقد قيل إن هذه الخلال، من شمائل الأنبياء عليهم السلام، ومن الخصال: المعدودة من خصالهم، وأنها جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها، وتابعوهم عليها قالوا : وليس معنى الحديث، أن النبوة ؛ تتجزأ ولا أن من جمع هذه الخلال كان فيه جزءا من النبوة فإن النبوة غير مكتسبة، ولا مجتلبة بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله تعالى، وخصوصية لمن أراد الله إكرامه، من عباده ( الله اعلم

(1/479)


(ص498) حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] وقد انقطعت النبوة، بموت محمد صلى الله عليه وسلم .
وفيه وجه آخر ؛ وهو : أن يكون معنى النبوة ههنا، ما جاءت به النبوة، ودعت إليه الأنبياء عليهم السلام، يعنى : أن هذه الخلال، جزء، من أربعة وعشرين جزءا مما جاءت به النبوات، ودعت إليه الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم وقد أمرنا باتباعهم، في قوله عز وجل : (فبهداهم اقتده) [ الأنعام : 90] قالوا : وقد يحتمل وجها آخر ؛ وهو : أن من اجتمعت له هذه الخصال، لقيه الناس بالتعظيم، والتوقير وألبسه الله لباس التقوى، الذي يلبسه أنبياءه، فكأنها جزء من النبوة ؛ قلت : وما قبل هذا، أليق بمعنى الحديث .
وأما حديث : " الرؤيا حق " فقيل معناه : تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده وهو جزء من أجزاء النبوة في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، دون غيرهم لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي، قال عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير : رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ قوله تعالى : (إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر) [الصافات :102] .
وأما تحديد الأجزاء، بالعدد المذكور في الحديث، فقد قال بعض أهل العلم : إنه أوحى إليه صلى الله عليه وسلم بمكة ستة أشهر في منامه، ثم توالى الوحي يقظه، إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم ؛ وكانت مدة

(1/480)


(ص499) الوحي، ثلاثا وعشرين سنة، منها نصف سنة في أول الأمر، يوحى إليه في منامه، ونسبة الستة الأشهر، لبقية مدة الوحي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ؛ وسئل بعض أهل العلم عن هذا الحديث، قال، معناه : أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء من باقي النبوة ؛ وقال بعضهم : إنها جزء من أجزاء علم النبوة، وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهبت النبوة، وبقيت المبشرات، وهي : الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له .
وعندي : أن النبوة - التي هي الوحي بشرائع الأنبياء - عبارة عن نبأ، أو شأن عظيم في القوة وإفادة اليقين ؛ والرؤيا الصالحة - التي هي من أقسام الوحي - جزء باعتبار القوة، وإفادة العلم، من ستة وأربعين جزءا، ولا يقتضي هذا تجزؤ النبوة، وأنها مكتسبة، ولا إطلاق اسم النبوة على هذا الجزء، لأن المسمى هو الكل، المستجمع لجميع الأجزاء، فلا محذور، ويمكن أن يقال هذا فيما تقدم، من قوله : " الهدى الصالح، والسمت الحسن، والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة " هذا ما ظهر لي، والله أعلم .
وسئل : عن الفرق بين الفلاسفة الإلهيين، والمشائين :
فأجاب : أما الفرق بين الفلاسفة الإلهيين، والفلاسفة المشائين، فذكر شارح : رسالة ابن زيدون، أن المشائين : أفلاطون، ومن اتبعه ؛ وأنهم أول من قال بالطبائع، وتكلم

(1/481)


(ص500) فيها، وأمر بالرياضة، والمشي، لمعاونة قوة الطبيعة، وتحليل ما يضادها من الأخلاط، وأمر بالمشي، والرياضة، عند المذاكرة في مسائل الطبيعة، فسموا مشائين لهذا .
وأما الإلهيون، فهم : قدماؤهم من أهل النظر، والكلام في الأفلاك العلوية، وحركاتها، وما يزعمون، وينتحلونه، من إفاضتها، وتأثيرها ؛ وفي اللغة : إطلاق الإله، على المدبر والمؤثر، كما يطلق على المعبود ؛ وقد عرفت : أن جمهورهم، وقدماءهم : ليسوا مما جاءت به الرسل في شيء، ومذهبهم أكفر المذاهب، وأبطلها وأضلها عن سواء السبيل .

(1/482)


(ص501) وهذه رسالة، أملاها الشيخ : عبد اللطيف، بن الشيخ عبد الرحمن، على لسان راشد بن عبيد الله الغزي، لما أخبره بالمناظرة، التي وقعت بينه وبين إبراهيم خيار ؛ قال : لعلها تكون سببا لرجوعه إلى الحق .
بسم الله الرحمن الرحيم
من راشد بن عبيد الله الغزي، إلى الشيخ إبراهيم خيار، وفقنا الله وإياه لاتباع السنة النبوية، والأخيار، وبعد إبلاغ السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته، نعرفكم : أنا وصلنا الرياض، بالسلامة، وبحثنا عن نقض كلام، داود بن جرجيس، فوجدنا ثلاث نسخ، كل نسخة لواحد من المنتسبين إلى الدين، من أهل تلك البلاد النجدية، وسمعت كثيرا من ردهم ونقضهم، فوجدتهم : قد أوردوا من الحجج، والأدلة، والبراهين، ما لا يقاومه أحد، ولا يستطيع ذلك مجادل ؛ فإنهم احتجوا على وجوب إخلاص الدين لله، وإفراده بالعبادة، والدعاء، والاستغاثة، والاستجارة، بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال علماء الأمة ، وما درج عليه القرون المفضلة، بنص الحديث .
فقام الدليل، واتضح السبيل، في حكم أبيات البردة، وتشطير، داود، لها، وهي قوله : يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك - البيت - وقوله: فإن من جودك الدنيا

(1/483)


(ص502) وصرتها - البيت - وبينوا ما في هذه الأبيات، وتشطيرها من البشاعة، والشناعة، والجهالة، وقرروا : أن هذا من الغلو، الذي ذمه الله ورسوله ؛ وتكرر النهي عنه، وهو يشبه غلو النصارى، من بعض الوجوه .
فإن الله هو الذي يستحق أن يلاذ، ويعاذ، ويستجار به ؛ وهو الذي أوجد الدنيا، والآخرة، وهما من جوده، لا من جود أحد سواه، وهو العالم بجميع الغيب، أحاط علمه بكل شيء، لا يصلح أن يكون المخلوق - وإن علت درجته، كالأنبياء والملائكة - مساويا، ومماثلا لله تعالى، في صفة من صفاته، أو فعل من أفعاله، تعالى الله عن ذلك، وبسط الكلام يطول، وأنا أحب لك الخير، وأن لا تهلك مع من هلك، فلذلك كتبت لك، طمعا في انصافك، وتأملك .
وبالجملة، فعقيدة القوم : تحكيم الكتاب، والسنة والأخذ بأقوال سلف الأمة ، وأئمتها، كالأئمة الأربعة، وأمثالهم، في باب : وجوب إخلاص العبادة لله ومحبته، والإنابة إليه، وتعظيمه، وطاعته ؛ وفي باب معرفته بصفات كماله، ونعوت جلاله، فيثبتون له ما أثبته الله تعالى لنفسه، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل ؛ فهم على طريقه السلف ؛ وما قاله، مالك، رحمه الله، يجري عندهم، في الاستواء، وفي غيره .
وكذلك : ينكرون، ويكفرون، من قال : بأن لأرواح المشائخ تصرفات بعد الممات، وأن ذلك لهم على سبيل

(1/484)


(ص503) الكرامات، فإن هذا من أشنع : الأقوال المكفرة، وأضلها ؛ لمصادمة الكتاب المصدق، ولما فيه من الشرك المحقق ؛ وكذلك : ينكرون التعبد بالبدع، التي لم يشرعها الله ولا رسوله من كل فعل أو قول تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه أصحابه، مع قيام المقتضى الموجب له، لو كان مشروعا .
ويشددون في النهي عن وسائل الشرك وذرائعه، كبناء المساجد على القبور، والصلاة عندها، وإيقاد السرج عليها، والعكوف لديها، واتخاذ السدنة لها، واتخاذها أعيادا تزار، وتقصد في يوم معلوم، ووقت مرسوم ؛ فإن هذا فيه من روائح الشرك، ووسائله، ما لا يخفى .
ومن أصولهم : أنهم يقولون بوجوب رد ما تنازعت فيه الأمة ، إلى كتاب الله، وسنه رسوله، ولا يقبلون قولا مجردا عن دليل ينصره وبرهان يعضده، بمجرد نسبته إلى شيخ، أو متبوع غير الرسول، لا سيما : من خالف هدى القرون المفضلة، وما درج عليه أوائل هذه الأمة ، فإنهم يشددون على من خالفهم ؛ وأما : أمرهم بأركان الإسلام، والتأديب على تركها، والحث على فعلها، فأمر مشهور، لا ينكره الخصم .
وقد جرى : بيني وبينك، في مسألة الاستواء مذاكرة، وقلت لي : إن معنى استوى، استولى، وأنشدتنا في ذلك قول الشاعر : قد استوى بشر على العراق .. البيت فأخبرت بكلامك بعض مشائخنا، فعجب منه، وقال : هذا

(1/485)


(ص504) قول باطل مردود بوجوه كثيرة .
منها : أنه لا يقال استوى، بمعنى الاستيلاء، إلا إذا سبق ذلك مغالبة، وخروج، عن الاستيلاء ،كما في البيت . ومنها : أن هذا البيت مولد، لا يحتج به . ومنها : أن المعروف في اللغة، يبطل هذا، كما قال تعالى : ( واستوت على الجودي ) [ هود :44] وقال : (ثم استوى إلى السماء ) [ البقرة :29] ولا يصلح : أن يراد بالآيتين الاستيلاء، وقال تعالى : ( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) [ الزخرف :13] ولا يصلح : أن يكون بمعنى الاستيلاء، وخير ما فسر كتاب الله، بما ورد، وبعضه يبين بعضا .
والبيت : معارض، بقول الشاعر :
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة ... ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا : لا يجوز أن يتأول فيه أحد، استولى ؛ لأن النجم لا يستولي .
وقد ذكر النضر بن شميل، وكان ثقة مأمونا، جليلا في علم الديانة واللغة، قال حدثني، الخليل، وحسبك بالخليل، قال : أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا عليه، فرد السلام، وقال : استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال ؛ فقال لنا أعرابي إلى جانبه : إنه أمركم أن ترتفعوا، فقال الخليل، هو

(1/486)


(ص505) من قوله الله : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) [ فصلت :11] فصعدنا إليه، ولا يصلح هنا الإستيلاء .
ومن صرف كلام الله عن حقيقته وظاهره، لمجرد كلام بعض المولدين، وترك تفاسير الصحابة، وأهل العلم، والإيمان، فهو : إما زائغ ؛ وأما جاهل، في غاية الجهالة .
ومن زعم : أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين للأمة ما يراد من هذه الآيات، وما يعتقدونه في ربهم، فهو من أضل الناس، وأجهلهم ؛ بل هذا : محال شرعا، وعقلا ؛ كيف يبين كل شيء، حتى الخراءة ويدع أصل الأصول ملتبسا لا يبينه ولا يعلمه أمته حتى يجيء بعض الخلف، ويبينون للأمة العقيدة الصحيحة في ربهم ؟‍والرسول وأصحابه : قد أعرضوا عن ذلك، ولم يبينوه ؟‍‍‍‍‍‍ وهذا لازم لقولكم، لزوما لا محيد عنه .
ومستحيل أيضا : أن يكون الرسول، وأصحابه، غير عالمين بالحق في هذا الباب، وأن الخلف أعلم من السابقين الأولين، ومن التابعين، وتابعيهم، من أهل القرون المفضلة، كالأئمة الأربعة، ومن ضاهاهم من أئمة الدين، وأعلام الهدى .
قالوا لنا : ومشائخ الأشاعرة، والكرامية، والمعتزلة، يعترفون : أن قولهم لم يقله السلف، ولم ينقل عنهم، ولذلك يقول جهالهم : طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم

(1/487)


(ص506) وأحكم ؛ لأنهم يظنون : أن السلف بمنزلة الأميين، الذين لم يتفطنوا لدقيق العلم الإلهي، ولم يعرفوا حقيقة ما يعتقدونه في ربهم ومعبودهم، وأن الخلف : حازوا قصب السبق في ذلك ‍‍‍‍‍
قالوا لنا : والإشارة بالخلف، في قولهم : الخلف أعلم، إلى طائفة من أهل الكلام ،الذين اعترفوا على أنفسهم بالحيرة، وذم ما هم عليه من الخوض في الجواهر والأعراض، قالوا ومن أشهر مشائخهم :أبوا المعالي الجويني ؛ وهو القائل : لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام، وعلومهم، والآن : إن لم يتداركني الله برحمته، فالويل لابن الجويني ؛ قال : وها أنا أموت على عقيدة أمي .
قال بعض السلف : أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام ؛ وأنت خبير : بأن من ترك مذهب السلف، وأخذ بمذهب الخلف، إنما يحمله على ذلك شبه أهل الكلام وأقيستهم، أو تقليدهم، ولم يترك مذهب السلف لدليل من كتاب أو سنة .
ومن حق الكلام : أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا سبحانه وتعالى، إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله تعالى، على الأشهر، والأظهر من وجوهه ما لم يمنع ذلك ما يجب له التسليم، قال تعالى : ( فسيحوا في الأرض )

(1/488)


(ص507) [ التوبة : 2 ] أي : على الأرض، وقيل لمالك : ( الرحمن على العرش استوى ) [ طه : 5 ] كيف استوى ؟ قال مالك – رحمه الله لسائله : استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة ؛ وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء .
قال أبو عبيدة، في قوله : ( الرحمن على العرش استوى ) أي : علا، قال وتقول العرب : استويت فوق الدابة، وفوق البيت ؛ ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب ،من معهود مخاطبتها مما يصح معناه عند السامعين ؛ وكل ما قدمت دليل واضح، في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وأن استوى بمعنى : استولى، لإن الاستيلاء في اللغة المغالبة، وهو سبحانه لا يغالبه أحد والاستواء معلوم في اللغة : وهو : العلو والارتفاع، والتمكن .
قال الإمام محي السنة : أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، الشافعي، صاحب : معالم التنزيل عند قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) [ الأعراف : 54 ] قال الكلبي ومقاتل : استقر ؛ وقال ابو عبيدة : صعد ،قلت : لا يعجبني قوله : استقر، بل أقول كما قال الإمام مالك : الاستواء معلوم، والكيف مجهول ؛ ثم قال البغوي : وأولت المعتزلة الاستواء، بالاستيلاء وأما أهل السنة فيقولون الاستواء على العرش، صفة لله بلا كيف يجب الإيمان به واعلم أن القصد بهذا : مناصحتك، ودعوتك إلى الله

(1/489)


(ص508) لعل الله أن يمن عليك بالرجوع اليه، ومعرفة الحق، والعمل به ؛ وعليك بالتفكير والتدبير والدعاء بدعاء الاستفتاح الذي أخرجه مسلم في صحيحه : " اللهم رب جبريل ومكائيل، وإسرافيل إلى آخره " .
وقال أيضا : الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن :
حديث عبادة : حديث عظيم، جليل الشأن، من أجمع الأحاديث لأصول الدين وقواعده ؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله، فيها، الألهيات ؛ وهي : الأصول الثلاثة، توحيد الألهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات ؛ وهذه الأصول تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم وهي الأصول العظام الكبار، التي دلت عليها، وشهدت بها : العقول، والفطر ؛ وفي شهادة : " أن محمدا رسول الله " الإيمان به وبجميع الرسل لما بينهما من التلازم وكذلك الإيمان بالكتب، التي جاءت بها الرسل
وفي شهادة :" أن عيسى عبد الله " رد، على النصارى، وإبطال مذهبهم، وفي قوله :" ورسوله " رد، على اليهود، وتكذبيهم، بما نسبوه إلى عيسى وأمه ؛ وأما قوله :" وكلمته ألقاها إلى مريم " فسماه كلمة، لأنه كان بالكلمة من غير أب ،

(1/490)


(ص509) هذا دين المرسلين، خلافا للنصارى، القائلين هو نفس الكلمة، وهم من أضل الخلق وأضعفهم عقولا ؛ لأنهم لم يفرقوا بين الخلق، والأمر ؛ قال تعالى (ألا له الخلق والأمر) [الأعراف:54] ففرق تعالى بين خلقه وأمره ؛ ومنه رد السلف، والأئمة على من قال :" القرآن مخلوق .
وفي قوله : " وروح منه " كشف شبهة النصارى، القائلين بإلهية عيسى، وأنه من ذات الله، لأن في هذا الحديث، أنه روح من جملة الأرواح المخلوقة، المحدثة، فهو منه خلقا، وإيجادا، وليس من ذاته، كما قالت النصارى ؛ ومثله، قوله تعالى : (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) [ الجاثية :13] فـ"منه" هنا، وفي الحديث، وفي آية النساء، بمعنى واحد، وهو خلقه وإيجاده .
وفي قوله : " وأن الجنة حق، والنار حق " الإيمان بالوعد، الوعيد، والجزاء بعد البعث ؛ وفيه : الإيمان بالساعة ؛ وفيه : الإيمان بالبعث بعد الموت، وأن ذلك ‍ ‍لحكمة، وهي : ظهور مقتضى أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، من إثابة أوليائه، وكرامتهم ؛ وعقاب أعدائه، وإهانتهم ؛ وظهور حمده، واعتراف جميع خلقه له، به .

(1/491)


(ص510) وله أيضا : رحمه الله :
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ صالح آل عثمان، سلمه الله، وحفظه من طائف الشيطان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد : فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على ما أولاه من الأنعام ، جعلنا الله وإياك من أوليائه، الذاكرين الشاكرين .
وأما المسألة : التي سألت عنها، في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " فمن أحسن ما قيل في معناه، قول العلامة : ابن القيم، رحمه الله تعالى، في باب المعانية، من شرح المنازل، لما تكلم على ما يزعمه القوم، من إدراك نفس الحقيقة، والأنوار التي يجدونها، وأنها أمثلة وشواهد .
قال : وحقيقتها، هي وقوع القوة العاقلة، على المثال العلمي، المطابق للخارجي، فيكون إدراكه له، بمنزلة إدراك العبد للصورة الخارجية ؛ وقد : يقوى سلطان هذا الإدراك الباطن، بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضاره القوة العاقلة لمدركها، بحيث يستغرق فيه، ويغلب حكم القلب، على حكم الحس والمشاهدة، ويستولي على السمع، والبصر، بحيث يراه، ويسمع خطابه في الخارج، أو في

(1/492)


(ص511) النفس والذهن، لكن، لغلبة الشهود، وقوة الإستحضار، وتمكن حكم القلب، واستيلائه على القوى : صار كأنه مرئي بالعين، مسموع بالأذن، بحيث لا يشك المدرك في ذلك، ولا يرتاب البتة، ولا يقبل عذلا .
وحقيقة الأمر : أن ذلك كله شواهد، وأمثلة علمية، تابعة للمعتقد - إلى أن قال - : وليس مع القوم إلا الشواهد، والأمثلة العلمية، والرقائق، التي هي : ثمرة قرب القلب من الرب وانسه، واستغراقه في محبته، وذكره واستيلاء سلطان معرفته عليه ؛ والرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله : منزه مقدس، عن اطلاع البشر، على ذاته، وأنوار ذاته أو صفاته ؛ وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب العبد كما يقوم بقلبه شاهد الآخرة والجنة والنار وما أعد الله لأهلها .
وهذا : هو الذي وجده عبد الله بن حرام يوم أحد لما قال: واها لريح الجنة، إني لأجد ريحها دون أحد ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا مررتم برياض الحنة فارتعوا " وقوله :" ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة " فهي : روضة لأهل العلم والإيمان لما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنة، حتى كأنها لههم رأي عين ؛ وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك المكان في حقه روضة من رياض الجنة فالعمل إنما هو على الشواهد وعلى حسب شاهد العبد يكون عمله انتهى ملخصا .
وبه : يظهر معنى الحديث، وان اختصاص هذا

(1/493)


(ص512) المكان بكونه روضة من رياض الجنة، لما يقوم بقلب العبد من المثال والشاهد يقوى سلطانه هناك وتظهر ثمرته، ويجد المؤمن من لذته، وروحه، حتى كأنه رأي عين ‍‍ ؛ وفي هذا القدر كفاية، والله الموفق ؛ ولا تذخر عمارة مجلسك، بذكر الله، والدعوة إليه، ونشر العلم، الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم‍‍‍‍من الكتاب، والحكمة، والله أعلم، وصلى الله على محمد .
وسئل رحمه الله : عن الفرق، بين القدر، والقضاء ؟ فأجاب : القدر في الأصل، مصدر قدر ؛ ثم استعمل في التقدير، الذي هو : التفصيل والتبيين ؛ واستعمل أيضا : بعد الغلبة، في تقدير الله للكائنات، قبل حدوثها ؛ وأما القضاء : فقد استعمل في الحكم الكوني، بجريان الأقدار، وما كتب في الكتب الأولى ؛ وقد يطلق هذا، على القدر الذي هو : التفصيل والتمييز .
ويطلق القدر أيضا : على القضاء، الذي هو الحكم الكوني، بوقوع المقدرات ؛ ويطلق القضاء، على الحكم الديني الشرعي ؛ قال الله تعالى : ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) [النساء:65] ويطلق القضاء، على الفراغ، والتمام ؛ كقوله تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة ) [ الجمعة:10] ويطلق على نفس الفعل، قال تعالى : ( فاقض ما أنت قاض ) [ طه:72] ويطلق على : الإعلام ، والتقدم بالخبر، قال تعالى : ( وقضينا إلى بني إسرائيل )

(1/494)


(ص513) [ الإسراء:4] ويطلق على الموت، ومنه قولهم : قضى فلان، أي : مات، قال تعالى : ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ) [الزخرف:77] ويطلق على وجود العذاب، قال تعالى : ( وقضى الأمر ) [هود:44] ويطلق على التمكن من الشيء وتمامه، كقوله : ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) [طه:114] ويطلق على الفصل والحكم، كقوله وقضى بينهم بالحق ) [الزمر:75] ويطلق على الخلق، كقوله تعالى : ( فقضاهن سبع سموات ) [ فصلت :12] .
ويطلق على الحتم، كقوله تعالى : ( وكان أمرا مقضيا ) [مريم:21] ويطلق على الأمر الديني، كقوله : ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) [الإسراء :23] ويطلق على بلوغ الحاجة، ويطلق بمعنى الأداء، كقوله تعالى : ( فإذا قضيتم مناسككم )
[ البقرة:200] والقضاء في الكل : مصدر ؛ واقتضى الأمر الوجوب، دل عليه، والاقتضاء، هو : العلم بكيفية نظم الصيغة ؛ وقولهم : لا أقضي منه العجب، قال الأصمعي : يبقى ولا ينقضي .
وسئل أيضا، رحمه الله عن قوله : أسألك بمعقد العز من عرشك، ما معناه ؟
فأجاب : لا يخفى أن هذا ليس من الأدعية المشروعة ؛ ولذلك، اختلف الناس فيه، فكره ابو حنيفة المسألة بمعقد العز ؛ وأجازها صاحبه أبو سيف، لأنه قد يراد بهذه الكلمة

(1/495)


(ص514) المحل، أي محل المعقد، وزمانه، كمذهب، يطلق على محل الذهاب، وزمانه ؛ وربما أريد بها المفعول، كمركوب، ويكون هنا اسم مصدر، من : عقد يعقد عقدا، والاسم : معقد ؛ ويكون صفة ذات ؛ ولهذا قال أبو سيف : معقد العز هو الله ؛ وأما أبو حنيفة، فنظر إلى أن اللفظ، محتمل لمعان متعددة، فلذلك كره المسألة به، وبهذا يتبين المعنى .
وسئل : عن قوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور : " إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ".
فأجاب : اعلم أن التجهم، الغلظة، والعبوس، والاستقبال بالوجه الكريه ؛ قال بعض علماء اللغة : الجهم الغليظ المجتمع، وجهم ككرم، جهامة وجهومة، استقبله بوجه كريه، كتجهمه ؛ والجهمة آخر الليل، أو بقية سواد من آخره ؛ وأجهم دخل فيه ؛ انتهى . وبه : يظهر أن التجهم يقع على الإستقبال، بوجه مظلم عبوس، والله أعلم .
وقال الشيخ : إسحاق بن عبد الرحمن، بن حسن، رحمهم الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون ( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) [ الأنبياء : 23] أحمده سبحانه، حمد عبد، نزه ربه عما يقول الظالمون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسبحان الله رب العرش عما يصفون، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق

(1/496)


(ص515) المأمون، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، الذين هم بهديه متمسكون ؛ وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد : فإنه ابتلى بعض من استحوذ عليه الشيطان بعداوة شيخ الإسلام من البدع التي امتلأت بها صدور فأردت أن أذكر طرفا من الشيخ : محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، ومبسته، وتحذير الناس عنه وعن مصنفاته لأجل ما قام بقلوبهم من الغلو في أهل القبور، وما نشؤوا عليه من أخبار وأحواله ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره فلا يروج عليه الباطل ولا يغتر بحائد عن الحق مائل مستنده ما ينقله أعداؤه الذين اشتهرت عداوتهم له في وقته وبالغوا في مسبته والتأليب عليه وتهمته وكثيرا ما يضعون من مقداره، ويفيضون ما رفع الله من مناره ؛ منابذة للحق الأبلج، وزيغا عن سواء المنهج .
والذى يقضى به العجب : قلة إنصافهم وفرط جورهم واعتسافهم وذلك أنهم لا يجدون زلة من المنتسبين إليه ولا عثرة إلا نسبوها إليه وجعلوا عارها راجعا عليه وهذا من تمام كرامته وعظم قدره وإمامته وقد عرف من جهالهم واشتهر من أعمالهم : أنه ما دعا إلى الله أحد وأمر بمعروف ونهى عن منكر في أي قطر من الأقطار إلا سموه وهابيا وكتبوا فيه الرسائل إلى البلدان بكل قول هائل، يحتوى على الزور والبهتان .
ومن أراد الإنصاف وخشي مولاه وخاف : نظر في

(1/497)


(ص516) مصنفات هذا الشيخ، التي هي الآن موجودة عند أتباعه فإنها أشهر من نار على علم وأبين من نبراس على ظلم وسأذكر لك بعض ما وقف عليه من كلامه خوفا أن تخوض من مسبته في مهامه، فأقول :
قد عرف واشتهر واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه وعرف واشتهر من أمره، ودعوته وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته، أنه : على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى في باب معرفة الله، واثبات صفات كماله، ونعوت جلاله التي نطق بها الكتاب العزيز وصحت بها الأخبار النبوية وتلقاها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم يثبتوها ويؤمنون بها ويمرونها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل .
وقد درج على هذا : من بعدهم من التابعين من أهل العلم والإيمان، من سلف الأمة ؛ كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسليمان وسليمان بن يسار ؛ وكمجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح والحسن وابن سيرين، والشعبي، وأمثالهم، كعلي بن الحسين وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن مسلم الزهري، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب كحماد بن سلمة وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وابن المبارك وأبي حنيفة

(1/498)


(ص517) النعمان بن ثابت والشافعي، وأحمد وإسحاق، والبخاري، ومسلم ؛ ونظرائهم من أهل الفقه والأثر ؛ لم يخالف هذا الشيخ ما قالوه، ولم يخرج عما دعوا إليه واعتقدوه .
وأما توحيد العبادة، والإلهية، فقد حققه غاية التحقيق، ووضح فيه المنهج والطريق ؛ وقال : إن حقيقة ما عليه أهل الزمان، وما جعلوه هو غاية الإسلام والإيمان، من طلب الحوائج من الأموات، وسؤالهم في المهمات، وحج قبورهم، للعكوف عندها، والصلوات ؛ هو : بعينه فعل الجاهلية الأولى، من دعاء اللات، والعزى، ومناة ؛ لأن اللات، كما ورد في الأحاديث : رجل يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره، يرجون شفاعته في مجاوريه، والتقرب به إلى الله في زائريه، لم يقولوا : إنه يدبر الأمر ويرزق، ولا أنه يحيي ويميت ويخلق، كما نطق بذلك الكتاب، فكان مما لا شك فيه ولا ارتياب .
قال الله تعالى : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ) [يونس:31] قال العماد ابن كثير، رحمه الله، أي : أفلا تتقون الشرك في العبادة، لأنهم لا يطلبون إلا الشفاعة والقرب، كما قال تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) [ يونس:18] وقال تعالى : ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم

(1/499)


(ص518) إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) [ الزمر:3] .
قال : الشيخ - رحمه الله - يوضح ذلك، أن أصل الإسلام وقاعدته : شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل، لابد فيه من العلم والعمل والإقرار ؛ بإجماع المسلمين ؛ ومدلوله : وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه، كائنا من كان ؛ وهذا : هو الحكمة التي خلفت لها الجن والإنس، وأرسلت لها الرسل وأنزلت بها الكتب وهي : تضمن كمال الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم وهذا هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا سواه، لا من الأوليين ولا من الآخرين .
قال رحمه الله وقد جمع ذلك في سورتي الإخلاص أي : العلم . والعمل، والإقرار، وقد اكتفى بعض أهل زماننا بالإقرار وحده وجعلوه غاية التوحيد وصرفوا العبادة التي هي مدلول : لا إله إلا الله، للمقبورين وجعلوها من باب التعظيم للأموات وأنا تاركها قد هضمهم حقهم وأبغضهم وعقهم ولم يعرفوا أن دين الإسلام هو الاستسلام لله وحده والخضوع له وحده وأن لا يعبد بجميع أنواع العبادة سواه .
وقد دل القرآن على أن من استسلم لله ولغيره كان مشركا قال تعالى : ( وأنيبوا إلى ربكم واسلموا له ) [ الزمر:54] وقال تعالى : (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن

(1/500)


(ص519) اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [النحل:36] وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [الأنبياء :25] وقال تعالى عن الخليل : ( إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه أنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون ) [ الزخرف:26-28] وقال : (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) [الممتحنة :4] وقال تعالى : ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) [الزخرف:45] ذكر عن رسله نوح، وهود، وشعيب، وغيرهم، أنهم قالوا لقومهم ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) [ هود:50-61-84] .
قال رحمه الله : والشرك المراد في هذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة، والصالحين، فإن هذا، هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله، ورسوله، محمد صلى الله عليه وسلم‍‍‍‍فإنهم كانوا يدعونها ويلتجئون إليها ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها لتقربهم إلى الله كما نبه تعالى على ذلك في آيتي يونس، والزمر
قال رحمه الله ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين شاركوا الله في خلق

(2/1)


(ص520) السموات والأرض واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد ولو في خلق ذرة من الذرات قال تعالى : (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلين) الزمر:38] فهم معترفون بهذا، مقرين به، لا ينازعون فيه ولذلك : حسن موقع الاستفهام وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ولا يمسك الرحمة ولا يخفى ما في التنكير، من العموم، والشمول المتناول لأقل شئ وأدناه من ضر، أو رحمه، قال تعالى : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [يوسف:106] ذكر فيه السلف كابن عباس وغيره إن إيمانهم هنا بما اقروا به من ربوبيته وملكه وفسر شركهم المذكور بعبادة غير الله
قال رحمه الله : فإن قلت أنهم لم يطلبوا إلا من الأصنام ونحن ندعوا الأنبياء قلت : قد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين ومنهم من أشرك بالكواكب ومنهم من أشرك بالأصنام وقد رد الله عليهم جميعهم وكفر كل أصنافهم كما قال تعالى : ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) [آل عمران:80] وقال تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من

(2/2)


(ص521) دون الله والمسيح ابن مريم ) الآية [التوبة :31] وقال ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادة ويستكبر ) الآية [ النساء:172] ونحو ذلك في القرآن كثير .
وكما في سورة الأنبياء (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) [الأنبياء :98] وقول ابن الزبعري : نحن نعبد الملائكة والأنبياء وغيرهم فكلنا في حصب جهنم ؟! فرد الله عليهم بالاستثناء في آخرها : ( إن الذين سبقت لهم من الحسنى أولئك عنها مبعدون [الأنبياء:101] وبه يعلم المؤمن أن عبادة الأنبياء والصالحين كعبادة الكواكب الأصنام من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله .
قال رحمه الله وهذه العبادات التي صرفها المشركون لألهتهم هي أفعال العباد الصادرة منه كالحب والخضوع الإنابة والتوكل والدعاء والاستعانة والاستغاثة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق القلوب والآمال بفيضه ومده وإحسانه وكرمه فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلها بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو خداج مرود علي صاحبها .
وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله بهذا وتأليهه غير الله بذلك قال تعالى : (أفمن يخلق

(2/3)


(ص522) كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) [النحل :17] وقال تعالى : ( أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطعيون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ) [الأنبياء :43] وقال تعالى : ( واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ) الآية [ الفرقان :3] وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لألهتهم التي عبدوها مع الله (تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين) [الشعراء : 97-98] ومعلوم : أنهم ما ساووهم به، في الخلق، والتدبير، والتأثير، وإنما كانت التسوية، في الحب، والخضوع، والتعظيم، والدعاء ونحو ذلك من العبادات .
قال رحمه الله : فجنس هؤلاء المشركين، وأمثالهم، ممن يعبد الأولياء، والصالحين، نحكم : بأنهم مشركون ونرى كفرهم، إذا قامت عليهم الحجة الرسالية ؛ وما عدا هذا من الذنوب ،التي هي دونه في المرتبة والمفسدة، ولا نكفر بها .
ولا نحكم على أحد من أهل القبلة، الذين باينوا لعباد الأثاون والأصنام والقبور، بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه ؛ وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة، ونحوهم ممن كفرهم السلف : لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى، من سلف هذه الأمة ؛ ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج، وقالته في أهل الذنوب من المسلمين .
قال رحمه الله : ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة، من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها : لا يكون به المكلف

(2/4)


(ص523) مسلما ؛ بل هو حجة على ابن آدم، خلافا لمن زعم : أن الإيمان مجرد الإقرار، كالكرامية ؛ ومجرد التصديق كالجهمية ؛ وقد أكذب الله المنافقين، فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، واسجل على كذبهم، مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة، بأنواع من التأكيدات، قال تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) [ المنافقون :1] فأكدوا بلفظ الشهادة، وإن المؤكدة، واللام، وبالجملة الاسمية ؛ فأكذبهم، وأكد تكذبيهم، بمثل ما أكدوا به شهادتهم، سواء بسواء ؛ وزاد لتصريح باللقب الشنيع، والعلم البشع الفظيع .
وبهذا تعلم : أن مسمى الإيمان، لابد فيه من التصديق والعمل ؛ ومن شهد أن لا إله إلا الله، وعبد غيره، فلا شهادة له، وإن صلى، وزكى، وصام، وأتى بشيء من أعمال الإسلام ؛ قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضا : (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) الآية [ البقرة:85] وقال تعالى : ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ) الآية [النساء:150] وقال تعالى : ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) [المؤمنون :117] .
والكفر نوعان : مطلق، ومقيد ؛ فالمطلق، هو : الكفر بجميع ما جاء به الرسول ؛ والمقيد : أن يكفر ببعض ما جاء

(2/5)


(ص524) به الرسول ؛ حتى إن بعض العلماء : كفر من أنكر فرعا مجمعا عليه، كتوريث الجد، أو الأخت، وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين، ويصرف لهم خالص العبادة ولبها ؟ وهذا : مذكور في المختصرات، من كتب المذاهب الأربعة ؛ بل : كفروا ببعض الألفاظ، التي تجري على ألسن بعض الجهال، وإن صلى وصام من جرت على لسانه .
قال رحمه الله : والصحابة كفروا من منع الزكاة، وقاتلوهم، مع إقرارهم بالشهادتين، والإتيان بالصلاة، والصوم، والحج ؛ قال رحمه الله : وأجمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح، مع أنهم يتكلمون بالشهادتين، ويصلون ويبنون المساجد، في : قاهرة مصر، وغيرها ؛ وذكر : أن ابن الجوزي، صنف كتابا في وجوب غزوهم، وقتالهم، سماه :النصر على مصر ؛ قال : وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين، فتشبيه عباد القبور، بأنهم يصلون، ويصومون، ويؤمنون بالبعث، مجرد تعمية على العوام، وتلبيس، لينفق شركهم، ليقال بإسلامهم، وإيمانهم، ويأبى الله ذلك، ورسوله، والمؤمنون .
وأما مسائل : القدر، والجبر، والإرجاء، والإمامة، والتشيع، ونحو ذلك، من المقالات، والنحل، فهو : أيضا فيها، على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الهدى والدين ؛ ويبرأ إلى الله مما قالته القدرية النفاة، والقدرية المجبرة ؛ وما قالته المرجئة، والرافضة ؛ وما عليه غلاة الشيعة

(2/6)


(ص525) والناصبة ؛ ويوالي : جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكف عما شجر بينهم ؛ ويرى : أنهم أحق الناس بالعفو عما يصدر منهم، وأقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه، لفضائلهم، وسوابقهم، وجهادهم، وما جرى على أيديهم، من فتح القلوب بالعلم النافع، وفتح البلاد، ومحو آثار الشرك، وعبادة الأوثان، والنيران، والأصنام، والكواكب، ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام .
ويرى : البراءة مما عليه الرافضة، وأنهم سفهاء، لئام ؛ ويرى : أن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، رضي الله عنهم أجمعين، ويعتقد : أن القرآن - الذي نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، وخاتم النبيين - كلام الله، غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود . ويبرأ : من رأى الجهمية، القائلين بخلق القرآن، ويحكى تكفيرهم عن جمهور السلف، أهل العلم والإيمان .
ويبرأ : من رأي الكلابية، أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، القائلين : بأن كلام الله، هو المعنى القائم بنفس الباري، وأن ما نزل به جبريل عليه السلام، حكاية، أو عبارة عن المعنى النفسي ؛ ويقول : هذا من قول الجهمية ؛ وأول من قسم هذا التقسيم، هو : ابن كلاب، وأخذ عنه : الأشعري، وغيره، كالقلانسي ؛ ويخالف الجهمية في كل ما قالوه، وابتدعوه في دين الله، ولا يرى : ما ابتدعه الصوفية، من البدع، والطرائق، المخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

(2/7)


(ص526) وسنته، في العبادات، والخلوات، والأذكار، المخالفة للشرع .
ولا يرى : ترك السنن، والأخبار النبوية، لرأي فقيه، ومذهب عالم، خالف ذلك باجتهاده، بل السنة : أجل في صدره وأعظم عنده، من أن تترك لقول أحد، كائنا من كان ؛ قال عمر بن العزيز : لا رأي لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم عند الضرورة، وعدم الأهلية والمعرفة بالسنن والأخبار، وقواعد الإستنباط، والاستظهار، يصار إلى التقليد، لا مطلقا، بل فيما يعسر ويخفى. ولا يرى : إيجاب ما قاله المجتهد، إلا بدليل تقوم به الحجة، من الكتاب، والسنة ؛ خلافا لغلاة المقلدين . ويوالي : الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم، وإمامتهم، وأنهم في الفضل، والفضائل، في غاية رتبة، يقصر عنها المتطاول ؛ وميله إلى أقوال الإمام أحمد أكثر .
ويوالي : كافة أهل الإسلام، وعلمائهم، من أهل الحديث، والفقه، والتفسير، أهل الزهد والعبادة ؛ ويرى : المنع من الانفراد عن أئمة الدين، من السلف الماضين، برأي مبتدع، أو قول مخترع ؛ فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع، وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر ؛ ويؤمن : بما نطق به الكتاب، وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه، من تحريم دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم ؛ ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع، وأهدره الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن نسب إليه خلاف ذلك، فقد : كذب وافترى، وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين .

(2/8)


(ص527) وأبدى رحمه الله، من التقارير المفيدة، والأبحاث الفريدة، على كلمة الإخلاص، والتوحيد، شهادة : أن لا إله إلا الله، ما دل عليه الكتاب المصدق، والإجماع المستنير المحقق، من نفي استحقاق العبادة، والإلهية عما سوى الله، وإثبات ذلك لله سبحانه، على وجه الكمال، المنافي لكليات الشرك، وجزئياته، وأن هذا : هو معناها، وضعا، ومطابقة ؛ خلافا لمن زعم غير ذلك، من المتكلمين، كمن يفسر ذلك، بالقدرة على الاختراع، أو أنه سبحانه غني عما سواه، مفتقر إليه من عداه، فإن هذا لازم المعنى، إذ الإله الحق، لا يكون إلا قادرا، غنيا عما سواه ؛ وأما كون هذا، هو المعنى المقصود بالوضع، فليس كذلك .
والمتكلمون : خفي عليهم هذا، وظنوا أن تحقيق توحيد الربوبية، والقدرة، هو الغاية المقصودة، والفناء فيه، هو تحقيق التوحيد ؛ وليس الأمر كذلك، بل هذا لا يكفي في أصل الإسلام، إلا إذا أضيف إليه، واقترن به، توحيد الألهية : إفراد الله تعالى بالعبادة، والحب، والخضوع، والتعظيم، والإنابة، والتوكل، والخوف، والرجاء، وطاعة الله، وطاعة رسوله، هذا أصل الإسلام، وقاعدته ؛ والتوحيد الأول، الذي عبروا به عنها، هو : توحيد الربوبية، والقدرة والخلق، والإيجاد، وهو الذي يبني عليه : توحيد العمل، والإرادة، وهو دليله الأكبر، وأصله الأعظم .
وكثيرا ما يحتج به سبحانه، على من صرف العمل

(2/9)


(ص528) لغيره، قال تعالى : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) [ البقرة:163] الآيات، وقال : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ) إلى آخر الآيات، [ النمل :62-64] وقال تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) الآية [ الأعراف :54] ومن نظر في تفاسير السلف، علم هذا .
وقد قرر رحمه الله، على شهادة أن محمدا رسول الله - في بيان ما تستلزمه هذه الشهادة، وتستدعيه، وتقتضيه، من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية، من الحب، والتوقير، والنصرة، والمتابعة، والطاعة، وتقديم سنته صلى الله عليه وسلم على كل سنة وقول ؛ والوقوف معها حيث وقفت، والانتهاء حيث انتهت، في أصول الدين، وفروعه، باطنه، وظاهره، خفية، وجليه، كليه، وجزئيه - ما ظهر به فضله، وتأكد علمه، ونبله، وأن من نقل عنه ضد ذلك، من دعاة الضلال، فقد فسد قصده، وعقله .
والواقف على مصنفاته، وتقريراته، يعرف : أنه سباق غايات، وصاحب آيات ؛ لا يشق غباره، ولا تدرك في البحث والإفادة آثاره، وأن أعداءه، ومنازعيه، وخصومه، في الفضل، وشانئيه، يصدق عليهم : المثل السائر، بين أهل المحابر، والدفاتر، شعر :
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... ... ... فالقوم أعداء له وخصوم

(2/10)


(ص529) كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... ... حسدا وبغيا إنه لدميم
وقال رحمه الله، على قوله تعالى : ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [الشورى : 52] فالرسول صلى الله عليه وسلم، جعله الله إماما للناس، وكما أنزل عليه القرآن، أنزل عليه السنة، موافقة له، مبينة له، فكل ما وافق ما جاء به، فهو صراط مستقيم، وما خالفه، فهو : بدعة، وضلال وخيم ؛ وقوله :

(2/11)


(صراط الله ) [الشورى:23] أي الدال على الله، وفيه تشريفه، وتشريف شرعه، بإضافته إلى الله، فما أجهل من ابتدع قولا، مخالفا لقوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [آل عمران:31] .
وله رحمه الله، ترجمة في : كتاب التوحيد، الذي صنف، بينفيها طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ قال : " باب من أطاع العلماء، والأمراء، في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله " واستدل بحديث : عدي ؛ وله بحوث في تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، بين بعضها الشيخ : حسن بن غنام، في تاريخه .
وله رحمه الله، من المناقب، والمآثر، ما لا يخفى على أهل الفضائل، والبصائر ؛ ومما اختصه الله به، من الكرامة : تسلط أعداء الدين، وخصوم عباد الله المؤمنين، على مسبته، والتعرض لبهته، وغيبته، قال الشافعي رحمه الله : ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا

(2/12)


(ص530) ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع أعمالهم ؛ وأفضل الأمة بعد نبيها : أبو بكر، وعمر ؛ وقد : ابتلي، من طعن أهل الجهالة، وسفائهم ؛ بما لا يخفى .
وما حكينا عن الشيخ، حكاه : أهل المقالات، عن هل السنة والجماعة، مجملا ومفصلا قال أبو الحسن الأشعري : جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاءوا به من عند الله وما رواه الثقاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئا .
وأن الله تعالى : إله واحد أحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولد وأن محمدا عبده ورسوه وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ؛ وأن الله تعالى على عرشه كما قال : ( الرحمن على العرش استوى ) [ طه : 5 ] وأن له يدين، بلا كيف كما قال : ( لما خلقت بيدي ) [ ص : 75 ] وكما قال ( بل يداه مبسوطتان ) [ المائدة : 64 ] وان له عينين، بلا كيف وأن له وجها، جل ذكره، كما قال تعالى : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) [ الرحمن : 27] وأن أسماء الله تعالى، لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة، والخوارج .
وأقروا : إن لله علما، كما قال : ( أنزله بعلمه ) .

(2/13)


(ص531) [ النساء : 166] وكما قال تعالى : ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) [ فاطر : 11 ] وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك، كما نفته المعتزلة ؛ واثبتوا لله القوة كما قال تعالى : ( أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو اشد منهم قوة ) [ فصلت : 15] وقالوا : انه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله وإن الأشياء تكون بمشيئة الله تعالى، كما قال ) وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) [ الإنسان : 30 ] وكما قال المسلمون : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقالوا : أن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله الله أو يكون أحد يقدر على أن يخرج عن علم الله وأن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله .
وأقروا : أنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد يخلقها الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته وخذل الكافرين بمعصيته ولطف بالمؤمنين وأصلحهم وهداهم ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم ولو أصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين وان الله تعالى يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم وأضلهم، وطبع على قلوبهم وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره .
ويؤمنون : بقضاء الله وقدره خير وشره حلوه ومره ويؤمنون انهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما ...

(2/14)


(ص532) شاء الله كما قال ويلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إلى الله، في كل وقت والفقر الله في كل حال ويقولون : إن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ من قال باللفظ أو بالوقوف فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ويقولون إن الله تعالى يرى الأبصار يوم القيامة، كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون قال تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) [ المطففين : 15 ] وإن موسى : سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا، وإن الله تجلى للجبل، فجعله دكا فاعلمه بذلك انه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة .
ولم يكفروا أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وان ارتكبوا الكبائر والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وان ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم والإسلام هو أن يشهد أن لا إله إلا الله على ما جاء به الحديث والإسلام عندهم غير الإيمان ويقرون بان الله مقلب القلوب .
ويقرون : بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، وأن الحوض حق، والمحاسبة من الله

(2/15)


(ص533) للعباد حق والوقوف بين يدي الله ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق ويقولون : أسماء الله تعالى هي الله ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله هو نزلهم حيث شاء ويقولون : أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وان شاء غفر لهم ويؤمنون : بان الله يخرج قوما من الموحدين من النار على ما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وينكرون : الجدل والمراء في الدين والخصومة في القدر والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة ولما جاءت به الآثار، التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي ذلك، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقولون : كيف ؟ : ولا ولم ؟ لان ذلك، بدعة ويقولون : إن الله تعالى لم يأمر بالشرك بل نهى عنه، وأمر بالخير ولم يرض بالشرك وإن كان مريدا له .
ويعرفون : حق السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم، ويقدمون : أبا بكر ؛ ثم عمر ثم عثمان ثم عليا رضي الله عنهم . ويقرون : انهم الخلفاء الراشدون المهديون وأنهم أفضل الناس كلهم بعد نبيهم ويصدقون : بالأحاديث، التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن

(2/16)


(ص534) الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من مستغفر ......" ؟ كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذون بالكتاب والسنة، كما قال تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) [ النساء : 59 ] ويرون : أتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله ويقرون : أن الله تعالى يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) [ الفجر : 22 ] وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال تعالى ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) [ق: 16] ويرون، العيد، الجمعة، والجماعة، خلف كل إمام، بر، أو فاجر، ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه في الحضر، والسفر .
ويثبتون : فرض الجهاد للمشركين، منذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصابة تقاتل الدجال ؛ وبعد ذلك : يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا يخرج عليهم بالسيف، ولا يقاتلون في الفتنة ؛ ويصدقون : بخروج الدجال، وأن عيسى ابن مريم يقتله ؛ ويؤمنون : بمنكر، ونكير ؛ والمعراج، والرؤيا في المنام ؛ وأن الدعاء للموتى من المسلمين، والصدقة عنهم بعد موتهم، تصل إليهم ؛ ويصدقون : بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر، كافر، كما قال تعالى : ( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) [البقرة :102] وأن السحر، كائن موجود في الدنيا .

(2/17)


(ص535) ويرون : الصلاة على كل من مات من أهل القبلة، مؤمنهم، وفاجرهم، ويقرون : أن الجنة، والنار، مخلوقتان ؛ وأن من مات، مات بأجله، وكذلك من قتل، قتل بأجله، وأن الأرزاق من قبل الله، يرزقها عباده، حلالا، كانت، أو حراما ؛ وأن الشيطان : يوسوس للإنسان، ويشككه، ويخطيه ؛ وأن الصالحين، قد يجوز أن يخصهم الله بآيات تظهر عليهم ؛ وأن السنة، لا تنسخ الآيات، وأن الأطفال أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء فعل بهم ما أراد، وأن الله تعالى عالم ما العباد عاملون، وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله .
ويرون : الصبر على حكم الله، والأخذ بأمر الله، والانتهاء عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل، والنصيحة للمسلمين، ويدينون بعبادة الله تعالى في العابدين، والنصيحة لأئمة المسلمين، واجتناب الكبائر، والزنا، وقول الزور والمعصية والفخر والكبر والإزراء على الناس، والعجب، ويرون : مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع، والاستكانة، وحسن المأكل، والمشرب ؛ وجملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه ؛ وبكل ما ذكرنا من قولهم : نقول، وإليه نذهب، انتهى .
وبعض هذا البحث، ذكره شيخنا : عبد اللطيف، في : التأسيس، وأحببت إبرازه من مظانه، لينكشف للناس حقيقة

(2/18)


(ص536) ما عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويزول عنهم الوهم، والإشكال ؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلي الله على أشرف المرسلين، محمد وأله وصحبه أجمعين .
وله أيضا، رحمه الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
من اسحاق بن عبد الرحمن إلى المحب المكرم عبد الله بن أحمد وفقه الله للطريق الأحمد سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وغير ذلك ؛ الموجب هذه المكاتبة : النصيحة وحسن الظن بك وأتيقن أن الحق ضالتك فالذي أوصيك به : أن تطيع الله ورسوله وتقدم ذلك فيما أشكل عليك قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منك فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) [ النساء : 59 ] قال المفسرين الرد إلى الله، هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسول الرد إلى سنته .
وقد نهى الله عن طاعة غيره، في قول الله تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) [ الأنعام : 116 ] فإذا كان الله يحذر نبيه من أتباع أكثر الناس فما الظن بهذا الزمن وأهله ؟ وقد قال الصادق المصدوق : " بدأ الإسلام غريبا

(2/19)


(ص537) وسيعود غريبا كما بدأ " وأي اغتراب أعظم من هذا الاغتراب .
قال صاحب : التحفة رحمه الله، فالمؤمنون : وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، فـ ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) [ التوبة :31 ] ولا جفوا كما جفت اليهود فكانوا : ( يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) [ آل عمران : 21 ] بل آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه ) [ الأعراف : 157 ] ولم يتخذوا الأنبياء أربابا، كما قال تعالى : ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربابين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) [ أل عمران : 79 -80 ] وقال عيسى عليه السلام : ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ما دمت فيهم ) [ المائدة : 117 ] .
قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد، ويعلمه أمته حتى أنه قال له رجل : ما شاء الله، وشئت، وقال : " أجعلتني لله ندا ! بل شاء الله وحده " وقال :" لا تقولوا ما شاء الله، وشاء محمد، ولكن قولوا : ما شاء الله، ثم شاء محمد"

(2/20)


(ص538) ونهى عن الحلف بغير الله، وقال : " من كان حالفا، فليحلف بالله، أو ليصمت " وقال : " من حلف بغير الله، فقد أشرك " وقال :" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا : عبد الله، ورسوله " ولهذا : اتفق العلماء، على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق، كالكعبة، ونحوها .
ونهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته :" لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما فعلوا، قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن حشي أن يتخذ مسجدا ؛ وقال قبل أن يموت بخمس : " إن من كان قبلكم، كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك، وقال ( اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ) وقال ( لا تتخذوا ) قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني " ولهذا : اتفق العلماء، على أنه لا يجوز بناء المساجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عندها ؛ ويقولون : الصلاة عندها باطلة، انتهى .
فقد علمت : كلام الصادق المصدوق، فلا يكون قول الغير في نفسك، أعظم من كلام نبيك، فما حجتك يوم القيامة، إذا قال الله : لأي شيء أطريت رسولي، ورفعته فوق ما أنزلته ؟ أتقول سمعت في الأشعار خلاف قوله فاتبعتها أم تقول : لم يبلغني كلام نبيك ؟ أعد للسؤال جوابا، قال عمر رضي الله عنه، في بعض خطبه : لتسألن عن الرسول، ومن

(2/21)


(ص539) أرسله، وما جاء به، وما قد قال ؛ وفي بعض الآثار : كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون : " ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ".
ويكفيك : الميزان السوي العادل، في كل فعل، وقول، صدر من الناس، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهذا الحديث : أصل من أصول الدين، فمن تأمل ما في مطاويه، وتفهم أصوله ومبانيه، استوحش من كثير من عبادات، لم يشرعها الله، ولا رسوله ؛ فإذا كان كل عمل ليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم فهو مردود على صاحبه، لا يقبله الله، تبين لك : أني لم أجازف في إنكار هذه المبتدعات ؛ وقد أخبر أنها تقع، بقوله صلى الله عليه وسلم : " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم تخلف من بعدهم خلوف بفعلون ما لا يؤمرون " أفتظن أنه كان فبان وسلمت منه هذه الأزمان ؟ أم تظن أن كلام الصادق المصدوزق، لا يوجد مصادقة ؟ ولا يسلم من المحدثات إلا من وفق للكتاب السنة جعلهما الميزان لما حسن عنده وزان .
والعلماء : يجرى عليهم الخطأ، وليسوا بمعصومين، ومن حسن الظن بهم من دون نظر في الكتاب والسنة هلك ؛ انظر إلى ايقاد السرج على القبور اليوم ؛ قد عم وطم، وقد صرفت له الأوقاف، واستحسنه بعض العلماء وكتبوا على أوقافه، وكذلك تجصيص القبور، والرسول صلى الله عليه وسلم قد

(2/22)


(ص540) لعن من جصص القبور، ولعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج هذه السنة : تنادي بلعنهم أتظن هذا الإجماع يعتد به ؟ هذا والله كإجماع الناس على عبادة القبور، في زمن الفترة .
ويشهد لما قلنا : قوله صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " وفى بعض طرقه : " حتى لو كان فيهم من يأت أمه علانية لكان فيكم من يفعل ذلك " وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم " إن من كان قبلكم، كانوا يتخذون القبور مساجد " إيماء إلى هذا المعنى .
وقد أخبر : أن علماء بني إسرائيل كتموا العلم وسيقع كتمان العلم في هذه الأمة ، ولو كان مساعدة العلماء في بعض الأمور دليلا، لكان المأمون وأتباعه من علماء وقته الذين لهم من العلم ما ليس لغيرهم مصيبين لأنهم صنفوا فيها المصنفات ودعوا الناس إليها ولم يكن على الحق إلا الإمام أحمد وقلائل من الناس من أهل السنة خائفين مستخفين أتظن أن السواد الأعظم الكثيرة في ذلك ؟ بل : السواد الأعظم، والله، والإمام أحمد ومحمد بن نصر الخزاعي، ومن وافقهما .
ولو استدل مستدل، في وقتهم ،بعموم ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالسواد الأعظم " لهلك لان السواد الأعظم أهل الحق، وإن قلوا، قال صلى الله عليه وسلم :"لا تزال طائفة من أمتي على

(2/23)


(ص541) الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، إلى يوم القيامة " قال : الفضيل بن عياض، رحمه الله : لا تعتز بالباطل لكثرة الهالكين، ولا تستوحش من الحق لقلة السالكين .
إذا تقرر هذا فقد عرفت - سلمك الله كلام الناس في مسألة سؤال الله بالمخلوق ، والإقسام على الله به وقد ذكرتك فيها، بأن الذي نفتقده : إنا لا نكفر بها أحدا بل نقول : هي بدعة شنيعة، نهى عنها السلف وقد قال مالك رضي الله عنه : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وقوله صلى الله عليه وسلم : " دع ما لا يريبك إلى ما لا يريبك " وان لم يكن هذا من الشرك فهو وسيله إليه، لابد أن يقوم بقلب صاحبه شيء من الاعتماد .
ولكن بقي مسألة، وهى التي لا حجة للمخالف فيها أصلا وهى إسناد الخطاب إلى غير الله في شيء من الأمور بياء النداء إذا كان يشتمل على رغبة او رهبة فهذا هو الدعاء الذي صرفه لغير الله شرك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدعاء مخ العبادة " وقال تعالى : ( له دعوة الحق ) [ الرعد : 14 ] وقال تعالى : ( فلا تدعو مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ) [ الشعراء : 213 ] وقال تعالى : ( وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر : 60 )
ومن الدليل : على أن النداء المتضمن لما ذكرنا، عين

(2/24)


(ص542) الدعاء، بلا شك، قوله تعالى : ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له وكشفنا ما به من ضر ( [ الأنبياء : 83-84 ] وقال : ( هنالك دعا ذكريا ربه ) [ آل عمران : 38 ] وقال : ( ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا ) إلى قوله : ( ولم اكن بدعائك رب شقيا [ مريم : 2-4 ] فسمى النداء المتقدم في هذه الآيات دعاء والدعاء ممنوع لأنه عبادة وهذا لا محيد عنه، قال تعالى : ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرين ) [المؤمنون : 117] .
وأما النداء المجرد الخالي من رغبة، ورهبة، فليس هو محل النزاع وان كان أهل الشبه يروجون به وبغالطون به وما كان نداء زكريا به مثل نداء الله لموسى في قوله : ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) [ مريم : 52] ومن قال : إن ندائي الرسول صلى الله عليه وسلم وقولي : يا رسول الله خالي مجرد حكمه حكم قولي : يا فلان اقبل ،أو يا فلان : اخرج، فقد كذب فإذا لم يكن كذلك فهو حقيقة الدعاء، لان دعاء : الرهبة، والرغبة، ممنوع، وبالنهي عنه مقطوع، قال الله تعالى
( وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ) [ التوبة :59 ] وقال ( ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه ) الآية [ النور : 52] فجعل الطاعة للرسول، دون الخشية والتقوى وجعل

(2/25)


(ص543) الحسب والرغبة له تعالى دون الرسول لأنهما من أنواع العبادة وصرفهما لغير سبحانه شرك وجعل الإيتاء إلى الرسول لأنه يقدر عليه وقال : ( والى ربك فارغب ) [ الشرح : 8 ] وقال : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وان يردك بخير فلا راد لفضله ) [ يونس :107 ]
فنفى كشف الضر عن كل أحد بلا النافية وأثبته لنفسه بالاستثناء وهذا من أعظم النفي كما في قوله : ( لا إله إلا الله ) [ الصافات : 35] فإنه نفى بها جميع الآلهة واثبت الألوهية له دون كل من سواه كما خرجت جميع المخلوقات فاعرف الفرق بين الندائين كما عرفت الفرق بين قوله صلى الله عليه وسلم " انه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله " وقوله : ( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ) [ القصص : 15 ] ومن لا بصير لديه يظن أن القرآن يخالف السنة ومن تأمل تفاسير القرآن، التي اتصلت بالسند إلى الصحابة كتفسير : الثعلبي، وتفسير البغوي، وتفسير ابن جرير الطبري، عرف مقاصد القرآن .
ومما يزيد المعنى إيضاحا : ما رواه ابن أبي الدنيا بسنده أن أبي طلحة خرج من داره يريد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال أتاه فوجده يخطب وهو يقول " ومن يستغن يغنيه الله ومن يستعف يعفه الله " فقال بأعلى صوته، حتى منك يا رسول الله ؟ قال : " حتى مني " فرجع ولم يسأله شيئا ؛ قال أبو طلحة : فما لبثت، أن كنت من

(2/26)


(ص544) اكثر أهل المدينة مالا هذا في الأمور المقدورة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم بعث لتشييد قواعد الدين، وسد الذرائع المفضية إلى سؤال المخلوقين ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين .
والله المرجو : أن يشرح صدورنا للإسلام وأن لا يجعلنا ممن أعرض عن ذكر ربه واتبع هواه وكان أمره فرطا فاسأل ربك في أوقات الإجابة أن يريك الحق حقا ويرزقك اتباعه ويريك الباطل باطلا ويزقك اجتنابه ولا يجعله ملتبسا عليك فتضل والسلام وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
سئل الشيخ : إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن عن كيفية حياة الرسول في قبره ؟ وهل هي كحياة الشهداء ؟ أم أعلى عند الله ؟فأجاب .
الجواب : وبالله التوفيق، قال الحافظ، الحجة شمس الدين : ابن القيم، رحمه الله تعالى، لم يرد حديث صحح أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره لكن نقطع أن الأنبياء لا سيما خاتمهم، وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مرتبة من الشهداء وقد قال سبحانه وبحمده، عن الشهداء انهم : ( أحياء عند ربهم يرزقون ) فالأنبياء أولى بذلك، قال تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [ آل عمران : 169 ] ومع ذلك فالشهداء داخلون في قوله تعال : ( كل نفس ذائقة الموت ) [آل عمران : 185]

(2/27)


(ص545) ( إنك ميت وإنهم ميتون ) [ الزمر : 30] فاثبت سبحانه للشهداء موتا بدخولهم في العموم كالأنبياء وهو الموت المشاهد ونفى عنهم موتا فالموت المثبت غير الموت المنفى، فالموت المثبت هو فراق الروح الجسد وهو مشاهد محسوس والمنفى : زوال الحياة بالجملة من الروح والبدن وقال البيضاوي على قوله سبحانه : ( بل أحياء ) فيه تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد، ولا بجنس ما يحس به من الحيوانات وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي، انتهى .
وقال الشيخ : عبد الله، بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله في رده على العراقي ويدل على بطلان دعوى من ادعى : أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره، كحياته، لما كان على وجه الأرض، ما رواه أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي، حتى أرد عليه السلام " فهذا يدل على أن روحه الشريفة، ليست في بدنه، وإنما هي في أعلى عليين، ولها اتصال بالجسد، والله أعلم بحقيقته، لا يدركه الحس، ولا العقل .
وليس ذلك خاصا به صلى الله عليه وسلم، لحديث تقدم عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مسلم يمر بقبر أخيه، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام " وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم " إن أرواح الشهداء في حواصل

(2/28)


(ص546) طير خضر، تسرح في رياض الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش " الحديث . وقد أخبر الله سبحانه أنهم في البرزخ ( أحياء عند ربهم يرزقون ) وقال أبو بكر الصديق : أما الموتة التي كتبت عليك، فقدمتها، ولن يجمع الله عليك موتتين؛ وقد قام الدليل القاطع : أنه عند النفخة في الصور، لا يبقى أحد حيا، فلو كان الأمر كما يزعمون، لكان الله قد يجمع عليه موتتين .
ولما قال صلى الله عليه وسلم : " أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي " قالوا : كيف تعرض عليك، وقد أرمت - يعني بليت - قال :" إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " ولم يقل لهم : أنا حي في قبري، كحياتي الآن، صلوات الله وسلامه عليه، انتهى كلامه رحمه الله .
وقال أيضا : ومقتضى قول من قال : ليس إلا أن غيبوا عنا، أنه يجوز أن يقال في الملائكة، إنهم أموات، لكونهم مغيبين عنا، انتهى .
وقال ابن القيم، أيضا : وأما السلام على القبور، وخطابهم، فلا يدل على أن أرواحهم ليست في الجنة، وأنها على أفنية القبور، فهذا سيد ولد آدم، الذي روحه في أعلى عليين، مع الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم، يسلم عليه عند قبره، ويرد سلام المسلم عليه ؛ وقد وافق ابن عمر رضي الله عنه : أن أرواح

(2/29)


(ص547) الشهداء في الجنة، ويسلم عليهم عند قبورهم، كما يسلم على غيرهم، كما علمنا صلى الله عليه وسلم أن نسلم عليهم، وكما كان الصحابة رضي الله عنهم، يسلمون على شهداء أحد ؛ وقد ثبت : أن أرواحهم في الجنة، تسرح حيث شاءت، كما تقدم ؛ ولا يضيق عطنك، عن كون الأرواح في الملأ الأعلى، تسرح في الجنة حيث شاءت، وتسمع سلام المسلم عليها عند قبرها ؛ وتدنوا حتى ترد عليه السلام، وللروح شأن آخر، غير شأن البدن .
وهذا جبريل عليه السلام، رآه النبي صلى الله عليه وسلم وله ستمائه جناح، منها جناحان، قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب، وكان من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى وضع ركبتيه، ويديه، على فخذيه ؛ وما أظنك : يتسع عطنك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى، فوق السماوات، حيث هو مستقره، وقد دنا من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدنو، فإن التصديق بهذا، له قلوب خلقت له، وأهلت لمعرفته، ومن لم يتسع عطنه لهذا، فهو أضيق أن يتسع للإيمان : بالنزول الإلهي، إلى سماء الدنيا كل ليلة، وهو فوق سماواته على عرشه ؛ انتهى كلام الشيخ شمس الدين، رحمه الله، وعفا عنه .
وقال الشيخ : حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله : وأما الكلام على حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتقادنا في ذلك، اعتقاد سلف الأمة ، وأئمتها، وهم الأسوة ؛ وهي : أنه صلى الله عليه وسلم قبض ودفن، وزالت عنه الحياة الدنيوية، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ،

(2/30)


(ص548) حين قبله، قال : طبت حيا وميتا .. الخ، وأما حياة البرزخ، فهو حي الحياة البرزخية، وكذلك الشهداء، فلو كان حيا حياة دنيوية، لرفعوا إليه الأمر، فيما جرى بينهم، رضوان الله عليهم أجمعين، ولما عدلوا إلى التوسل بدعاء العباس انتهى ؛ وبه تم الجواب ؛ وصلى الله على محمد .
وسئل الشيخ : إسحاق بن عبد الرحمن، بن حسن أيضا - رحمهم الله - عما ورد : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى، وهو يصلي في قبره، ورآه يطوف بالبيت، ورآه في السماء، وكذلك الأنبياء .
فأجاب : هذه الأحاديث ، وأشباهها، تمر كما جاءت، ويؤمن بها ؛ إذ لا مجال للعقل في ذلك، ومن فتح على نفسه هذا الباب، هلك في جملة من هلك ؛ وقد غضب مالك بن أنس، لما سأله رجل عن الاستواء، فقال : الاستواء معلوم، والكيف مجهول، إلى آخر كلامه، ثم قال : وما أراك إلا رجل سوء، فأمر بإخراجه ؛ هذه عادة السلف .
فهذه الأحاديث ، التي مر البحث فيها : خاض فيها بعض الزنادقة، وصنف مصنفا بناه عليها، وجادل، وما حل في أن من كان حيا هذه الحياة، التي أطلقت في القرآن، فينبغي أن ينادى، إذ لا فرق عند هذا الجاهل، بين الحياة الحسية، والبرزخية، لأنه اشتبه عليه أمر هذه الصلاة، وأمر هذا الرزق، ولم يعلم أنه لا خلاف، في أن أهل البرزخ،

(2/31)


(ص549) يجري عليهم من نعيم الآخرة، ما يلتذون به، مما هو ليس من عمل التكليف .
ومعاذ الله : أن نعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه مسلم : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث " الخ، والحديث عام ؛ لأن المقصود به : جنس بني آدم، لأن المفرد يعم، كما هو مقرر في محاله ؛ ألم يعلم المسكين : أن البرزخ طور ثان، وله حكم ثان ؟ إذ لو كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة، أنه يلاقي الأولياء، والأفاضل، كما زعم بعض المصنفين، لبطل حكم الاجتهاد بعده، ولم يتراجع الصحابة رضوان الله عليهم بعده مسائل، طال فيها نزاعهم إلى زمننا هذا .
إذا تحققت هذه الإشارة، وتأملتها، فلابد أن أنقل لك كلام ابن تيمية، قدس الله روحه، في أحاديث السؤال .
قال ابن تيمية رحمه الله : أما رؤيا موسى في الطواف، فهذا كان رؤيا منام، لم يكن ليلة المعراج، كذلك جاء مفسرا، كما رأى المسيح أيضا، ورأى الدجال ؛أما : رؤيته، ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء، لما رأى آدم في السماء الدنيا ورأى يحيى، وعيسى ؛فهذا : رأى أرواحهم مصورة، في صورة أبدانهم ؛ وقد قال بعض الناس، لعله : رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور ؛ وهذا : ليس بشيء، لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك إدريس .

(2/32)


(ص550) وأما كونه رأى موسى يصلي في قبره، ورآه في السماء أيضا، فهذان : لا منافاة بينهما، فإن أمر الأرواح، من جنس امر الملائكة، في اللحظة الواحدة : تصعد، وتهبط، كالملك، ليست كالبدن ؛ وقد : بسطت الكلام في أمر الأرواح بعد مفارقة الأبدان، وذكرت الأحاديث والآثار في ذلك، بما هذا ملخصه .
وهذه الصلاة : مما يتنعم بها الميت، ويستمتع بها، كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح ؛ فإنهم يلهمون التسبيح، كما يلهم الناس النفس في الدنيا، فهذا ليس من عمل التكليف، الذي يطلب به ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل، هو من النعيم الذي تتنعم به النفس، وتلتذ به، انتهى كلامه .
فعلم من كلامه : أن أرواحهم صورت في صور أبدانهم، التي في القبور، فاجتمعت النصوص، وزال الأشكال، والله أعلم .
وسئل : رحمه الله عن الذي أمر بأن يذر في البحر ... الخ .
فأجاب : الذي أمر بان يذر في البحر، خوفا من الله، لم يكن شاكا في القدرة، إنما ظن أن جمعه بعد ذلك، من قبيل المحال، الذي ما من شأن القدرة أن تتعلق به ؛ وهذا : باب واسع، والله أعلم .

(2/33)


(ص551) سئل الشيخ : حمد بن عتيق، عن قول الفقهاء : من قال أنا مؤمن إن شاء الله، إن نوى به في الحال، يكفر، وإن نوى به في المآل، لم يكفر ؟!
فأجاب : هذا سؤال من لا يحسن السؤال ؛ فإن ظاهره : أن جميع الفقهاء يقولون ذلك، ومن له خبرة بأقوال الفقهاء، تحقق أن هذه مجازفة عليهم، وقول بلا علم ؛ فإن كان : بعض المتأخرين، من بعض أهل المذاهب، قال ذلك ؛ فهو : قول محدث، من أقوال أهل البدع، وأنا أذكر لك من كلام العلماء، في الاستثناء في الإيمان، وهو قول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله ؛ ليتضح الخطأ من الصواب، ويعلم من الأولى بالحق في هذا الباب .
قال شيخ الإسلام، ابن تيمية، رحمه الله تعالى : وأما الاستثناء في الإيمان، بقول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال ؛ منهم : من يوجبه ؛ ومنهم : من يحرمه ؛ ومنهم : من يجوز الأمرين، باعتبارين ؛ وهذا أصح الأقوال .
فالذين يحرمونه، هم : المرجئة، والجهمية، ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئا واحدا، يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب، ونحو ذلك مما في قلبه ؛ فيقول أحدهم : أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني قرأت الفاتحة ؛

(2/34)


(ص552) فمن استثنى في إيمانه، فهو شاك فيه عندهم .
وأما الذين : أوجبوا الإستثناء، فلهم فيه مأخذان ؛ أحدهما : أن الإيمان، هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عن الله مؤمنا، وكافرا، باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وهو : مأخذ كثير من المتأخرين، من الكلابية، وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما استشهد عليه أهل السنة، والحديث، من قولهم : أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك : أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه ؛ وإنما يشك في المستقبل ؛ وهذا : وإن علل به كثير من المتأخرين، من أصحاب الحديث، من أصحاب أحمد، ومالك، والشافعي، وغيرهم، فما علمت أحدا من السلف علل به الاستثناء .
قلت : فالمرجئة، والجهمية، يحرمون الاستثناء، في الحال، والمآل، وهؤلاء : يبيحونه في المآل، ويمنعونه في الحال .
قال شيخ الإسلام، رحمه الله : والمأخذ الثاني في الاستثناء : أن الإيمان المطلق، يتضمن فعل ما أمر الله به كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل : أنا مؤمن بهذا الإعتبار، فقد شهد لنفسه : أنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله ؛ وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لها بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، وهذا : مأخذ عامة

(2/35)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية