صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الدرر السنية في الكتب النجدية

(ص195) وسئل أيضا أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحمد بن ناصر، رحمهم الله تعالى، عن الشرك بالله، ما هو الأكبر الذي ذم فاعله، وماله حلال لأهل الإسلام، ولا يغفر لمن مات عليه ؟ وما هو الأصغر ؟
فأجابوا : قد ذكرت العلماء، رحمهم الله : أن الشرك نوعان، أكبر ؛ وأصغر ؛ فالأكبر : أن يجعل لله ندا من خلقه، يدعوه كما يدعو الله، ويخافه كما يخاف الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويتوكل عليه في الأمور، كما يتوكل على الله .
والحاصل : أن من سوى بين الله وبين خلقه في عبادته، ومعاملته، فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، الذي لا يغفره، كما دل على ذلك قوله تعالى : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) إلى قوله : ( وما هم بخارجين من النار )[ البقرة 1656-167] وقال تعالى، عن أهل النار : ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين )[ الشعراء 97-98 ] قال بعض المفسرين : والله ما ساووهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، ولكن ساووهم في المحبة والإجلال والتعظيم، وقال تعالى : ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون )[ الأنعام 1 ] أي : يعدلون به في العبادة .

(1/183)


(ص196) ولهذا : اتفق العلماء كلهم، على أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، فقد كفر، لأن هذا كفر عابدي الأصنام، قائلين : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون ) ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، فقال : ( إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار )[ الزمر3] فهذا حال من اتخذ من دون الله أولياء، يزعم أنهم يقربونه إلى الله، وقال : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله )[ يونس 18 ] وقد أنكره الله في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن له أن يشفع فيه، ورضي قوله، وعمله، وهم : أهل التوحيد، الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، فإنه سبحانه يأذن في الشفاعة لهم، حيث لم يتخذوا من دون الله شفيعا، فيكون أسعد الناس بشفاعة الشفعاء : صاحب التوحيد، الذي حقق قول لا إله إلا الله .
والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله : هي الشفاعة الصادرة عمن أذن له، لمن وحده ؛ والشفاعة التي نفاها الله : الشركية التي يظنها المشركون، فيعاملون بنقيض قصدهم، ويفوز بها الموحدون ؛ فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة، وقد سأله : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ قال : " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " فجعل أعظم الأسباب التي ينال بها الشفاعة : تجريد التوحيد، عكس ما اعتقد المشركون، أن الشفاعة تنال

(1/184)


(ص197) باتخاذهم شفعاء، وعبادتهم، وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي صلى الله عليه وسلم زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة : تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع فيه .
ومن جهل المشرك : اعتقاده إن اتخذ من دون الله شفيعا أن يشفع له وينفعه، كما يكون عند خواص الملوك والولاة ؛ ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى في الفصل الثاني : ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى )[ الأنبياء 28 ] وبقي فصل ثالث، وهو : أنه ما يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولون والآخرون : كما قال أبو العالية كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ؟ فهذه ثلاثة أصول، تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها ؛ فالأول : أنه لا شفاعة إلا بإذنه، والثاني : أنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله ؛ والثالث : أنه لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله .
وقد قطع سبحانه الأسباب التي يتعلق بها المشركون قطعا يعلم من تأمله وعرفه : أن من اتخذ من دون الله وليا، أو شفيعا، فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، فقال تعالى : ( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم

(1/185)


(ص198) من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له )[سبأ 22-23 ] فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع .
والنفع لا يكون إلا لمن فيه خصلة من هذه الأربع : إما مالك لما يريد عابده منه ؛ فإن لم يكن مالكا، كان شريكا للمالك ؛ فإن لم يكن شريكا، كان معينا وظهيرا ؛ فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا، كان شفيعا عنده ؛ فنفى سبحانه وتعالى المراتب الأربع، نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى ما دونه ؛ فنفى الملك، والشرك، والمظاهرة، والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي : الشفاعة بإذنه ؛ فكفى بهذه الآية برهانا، ونورا وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده، لمن عقلها .
والقرآن : مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا ؛ وهذا : هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن ؛ ولعمر الله : إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، أو شر منهم، أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك .
ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، ووقع فيه

(1/186)


(ص199) وأقره، ودعا إليه، وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف : أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره، أو شر منه، أو دونه، فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة ؛ ويبدع الرجل بتجريد التوحيد، ومتابعة الرسول، ومفارقة أهل الهوى والبدع .
ومن له بصيرة، وقلب حي : يري عيانا، والله المستعان ؛ والكلام في هذه المسألة : يحتاج إلى بسط طويل، ليس هذا محله، وإنما نبهناك على ذلك تنبيها، يعرف به كل من نور الله قلبه حقيقة الشرك، الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وحرم الجنة على فاعله .
ولكن من أعظم أنواعه، وأكثره وقوعا في هذه الأزمان : طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم ؛ وهذا أصل شرك العالم، كما ذكره المفسرون، عند قوله تعالى، حكاية عن قوم نوح : ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا)[ نوح 23 ] إن هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا، عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، كما ذكر البخاري في صحيحه، في تفسير سورة نوح، وكما ذكر غيره من أهل العلم، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وأما الشرك الأصغر : فكيسير الرياء، والحلف بغير الله، كما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من حلف بغير الله فقد

(1/187)


(ص200) أشرك " ومن ذلك قول الرجل : ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا ؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل : ما شاء الله وشئت، فقال : " أجعلتني لله ندا، قل ما شاء الله وحده " وهذه اللفظة : أخف من غيرها من الألفاظ ؛ وقد يكون هذا شركا أكبر، بحسب حال قائله ومقصده ؛ وهذا الذي ذكرنا : متفق عليه بين العلماء – رحمهم الله تعالى – أنه من الشرك الأصغر، كما أن الذي قبله متفق عليه : أنه من الشرك الأكبر .
واعلم : أن التوبة مقبولة منها، ومن سائر الذنوب قطعا، إذا صحت التوبة، واستكملت شروطها ؟ لكن ابن عباس رضى الله عنهما، ومن تبعه، قال : لا تقبل توبة القاتل ؛ وقد ناظر ابن عباس أصحابه، وخالفه جمهور العلماء في ذلك ؛ وقالوا : التوبة تأتى على كل ذنب، فكل ذنب يمكن التوبة منه، وتقبل ؛ واحتجوا بقوله تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) [ الزمر : 53] وبقوله تعالى : ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) [ طه :82] فإذا تاب هذا القاتل، وآمن، وعمل صالحا، فإن الله عز وجل غفار له .

(1/188)


(ص201) فصل :
وأما قول السائل : هل للتوحيد والإيمان مرتبتان، وحقيقتان، ومجازان، يقابل كل واحد واحدة من مراتب الشرك والكفران ؟ يتعلق بأحدهما دون الأخر النقص والبطلان، ويخرج بفعل بعض قواعد الشرك، أو ترك بعض قواعد التوحيد، عن دائرة الإسلام، لا دائرة الإسلام، لا دائرة الإيمان، أو بالعكس ؟
فاعلم رحمك الله : أن العلماء ذكروا أن الدين على ثلاث مراتب ؛ المرتبة الأولى : مرتبة الإسلام، وهي المرتبة الأولى، التي يدخل فيها الكافر أول ما يتكلم بالإسلام، ويذعن، وينقاد له .
المرتبة الثانية : مرتبة الإيمان، وهي أعلى من المرتبة الأولى، لأن الله تعالى نفى عمن أدعى الإيمان أول وهلة، وأثبت لهم الإسلام، فقال تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم، إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) [ الحجرات : 14-15] .
فأنكر سبحانه عليهم ادعاءهم الإيمان، وأخبر أنهم لم يبلغوا هذه المرتبة إذ ذاك ؛ وفى الحديث الصحيح، حديث

(1/189)


(ص202) سعد، لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم مالك عن فلان ؟ فوالله لأراه مؤمنا، فقال : أو مسلما .
المرتبة الثالثة : الإحسان، وهي أعلى المراتب كلها، وقد تضمن حديث جبريل، هذه المراتب كلها، لما سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، فأخبره صلى الله عليه وسلم بذلك، ثم قال : " هذا جبريل يعلمكم أمر دينكم " فقد ينفى عن الرجل الإحسان، ويثبت في الإيمان ؛ وينفي عنه الإيمان، ويثبت في الإسلام ؛ كما في قوله عليه السلام : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ولا يخرجه عن مرتبة الإسلام إلا الكفر بالله، والشرك المخرج من الملة .
وأما المعاصي، والكبائر، كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وأشباه ذلك، فلا يخرجه عن دائرة الإسلام عند أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج، والمعتزلة، الذين يكفرون بالذنوب، ويحكمون بتخليده في النار .
واحتج أهل السنة والجماعة على ذلك بحجج كثيرة، من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين ؛ فمن ذلك : ما رواه محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي، عن الفضيل، عن أبي جعفر محمد بن علي، أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فقال أبو جعفر : هذا الإسلام، ودور دائرة واسعة، وهذا

(1/190)


(ص203) الإيمان، ودور دائرة صغيرة، في وسط الكبيرة ؛ فإذا زنى أو سرق : خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام إلا الكفر بالله، انتهى .
قال : وإن الله جعل اسم الإيمان، اسم ثناء، وتزكية، ومدحة ؛ وأوجب عليه الجنة، فقال : ( وكان بالمؤمنين رحيما، تحيتهم يوم يلقونه سلام ) [ الأحزاب : 43-44] وقال : ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ) [ يونس :2] وقال : ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ) [ الحديد :12]، وقال : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ) الآية [ التوبة : 72] قالوا : وقد توعد الله بالنار أهل الكبائر، فدل ذلك : على أن اسم الإيمان زال عمن ألم بكبيرة ؛ قالوا : ولم نجده تعالى أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت : أن اسم الإسلام ثابت له على حاله ؛ واسم الإيمان زائل عنه .
فإن قيل : أليس ضد الإيمان الكفر ؟ فالجواب : إن الكفر ضد أصل الإيمان، لأن للإيمان أصلا، وفروعا، فلا يثبت الكفر، حتى يزول أصل الإيمان، الذي هو ضد الكفر ؛ فإن قيل : الذي زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أزال عنه اسم الإيمان، هل بقى معه من الإيمان شيء ؟ قيل نعم، أصله ثابت، ولولا ذلك لكفر .

(1/191)


(ص204) فإن قيل : كيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به الفاسق، وأنتم تزعمون أن أصل الإيمان معه، وهو التصديق، بالله ورسوله ؟ قلنا : لأن الله ورسوله، وجماهير المسلمين، يسمون الأشياء بما علمت عليها من الأسماء ؛ فيسمون الزاني : فاسقا ؛ والقاذف : فاسقا ؛ وشارب الخمر : فاسقا ؛ ولم يسموا واحدا من هؤلاء تقيا، ولا ورعا ؛ وقد أجمع المسلمون : أن فيه أصل التقوى والورع ؛ وذلك أنه يتقي أن يكفر، أو يشرك بالله ؛ وكذلك يتقي : أن يترك الغسل من الجنابة، والصلاة ؛ ويتقي : أن يأتي أمه ؛ فهو في جميع ذلك متق .
وقد أجمع المسلمون من الموافقين والمخالفين : أنه لا يسمى تقيا، ولا ورعا إذا كان يأتي بالفجور، مع أن أصل التقوى والورع، باق، انتهى ؛ يريد باق من ادعائه الأصل، كتورعه عن إتيان المحارم ؛ ثم لا يسمونه متقيا ولا ورعا مع إتيانه ببعض الكبائر بل يسمونه فاسقا، وفاجرا، مع علمهم : أنه قد اتقى بعض التقوى والورع ؛ فمنعهم من ذلك : أن اسم التقى، اسم التقى، اسم ثناء وتزكيه، وأن الله قد أوجب عليه المغفرة والجنة ؛ قالوا : فلذلك لا نسميه مؤمنا ونسميه فاسقا، وزانيا، وإن كان في قلبه أصل اسم الإيمان ؛ لأن الإيمان أصل أثنى الله به على المؤمنين، وزكاهم به، وأوجب لهم الجنة .

(1/192)


(ص205) ثم قال : مسلم، ولم يقل مؤمن ؛ قالوا : ولو كان أحد من المسلمين الموحدين، يستحق أن لا يكون في قلبه إيمان وإسلام، كان أحق الناس به أهل النار، الذين يخرجون منها، لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقول : " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " فثبت :أن شر المسلمين في قلبه إيمان .
ولما وجدنا الأمة تحكم بالأحكام التي ألزمها الله المسلمين، ولا يكفرونهم، ولا يشهدون لهم بالجنة : ثبت أنهم مسلمون، تجري عليهم أحكام المسلمين ؛ وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين، إذا كان الإسلام مثبت للملة، التي يخرج بها المسلم من جميع الملل، ويزول عنه اسم الكفر، ويثبت له أحكام المسلمين .
والمقصود : معرفة ما قدمناه، من أن للدين ثلاث مراتب، أولها الإسلام ؛ وأوسطها الإيمان ؛ وأعلاها الإحسان ؛ ومن وصل إلى العليا، فقد وصل إلى التي قبلها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم : فلا يجب أن يكون مؤمنا، وهذا التفصيل الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل : جاء به القرآن، فجعل الأمة على هذه الأوصاف الثلاثة ؛ فقال تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) الآية [ فاطر :32] فالمسلم الذي لم يقم بواجب

(1/193)


(ص206) الإيمان : هو الظالم لنفسه، والمقتصد : هو المؤمن المطلق، الذي أدى الواجب، وترك المحرم ؛ والسابق بالخيرات : هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه .
وقد ذكر سبحانه تقسيم الناس في المعاد إلى هذه الثلاثة الأقسام في سورة : الواقعة، والمطففين، وهل أتى ؛ وقال أبو سليمان الخطابي – رحمه الله – فأكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة ؛ فأما الزهري فقال : الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بالآية ؛ وذهب غيره : إلى أن الإسلام، والإيمان، شيء واحد ؛ واحتج بقوله : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) [ الذاريات:35-36] .
قال : والصحيح من ذلك : أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق ؛ وذلك : أن المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنا في بعض الأحوال ؛ فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا ؛ وإذا حملت الأمر على هذا، استقام لك تأويل الآيات، واتحد القول فيها، ولم يختلف شييء منها .
قال الشيخ تقي الدين : والذي اختاره الخطابي، هو قول من فرق بينهما، كأبي جعفر، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو : قول أحمد بن حنبل، وغيره ؛ وما علمت أحدا من المتقدمين خالف هؤلاء، وجعل نفس

(1/194)


(ص207) الإسلام نفس الإيمان ؛ ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء، كما ذكره أبو قاسم التيمي الأصبهاني، وابنه محمد، شارح مسلم، وغيرهما : أن المختار عند أهل السنة، وأنه لا يطلق على السارق، والزانى، اسم مؤمن، كما دل عليه النص .
فصل :
إذا تمهدت هذه القاعدة، تبين لك : أن الناس يتفاضلون في التوحيد، تفاضلا عظيما، ويكونون فيه على درجات بعضها أعلى من بعض ،فمنهم : من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة ؛ ومنهم : من يدخل النار، وهم العصاة ويمكثون على قدر ذنوبهم ثم يخرجون منها لأجل ما في قلوبهم من التوحيد والإيمان وهم في ذلك متفاوتون ؛ كما في الحديث الصحيح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " اخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه من الخير ما يزن برة " وفى لفظ : " شعيرة " وفى لفظ: " ذرة" وفى لفظ : " حبة خردل من إيمان " ومن تأمل النصوص : تبين له أن الناس يتفاضلون في التوحيد والإيمان، تفاضلا عظيما، وذلك بحسب ما في قلوبهم من الإيمان بالله، والمعرفة الصادقة، والإخلاص، واليقين، والله اعلم .

(1/195)


(ص208) فصل : وأما السؤال عما ورد في فصائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فيقول : قد صح في فضائل أهل البيت أحاديث كثيرة ؛ وأما كثير من الأحاديث، التي يروها من صنف في فضائل أهل البيت، فأكثرها لا يصححه الحفاظ ؛ وفيما صح في ذلك كفاية .
وأما قوله وتعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) } الأحزاب : 33{ وقول من قال : إن الإدارة أزليه، لا تبدل، وأن : " إنما " للحصر، وغير ذلك ؛ فتقول، قد ذكر أهل العلم : أن الآية لا تدل على عصمتهم من الذنوب، يدل على ذلك : أن أكابر أهل البيت، كالحسن، والحسين، وابن عباس لم يدعوا لأنفسهم العصمة، ولا استدل أحد منهم بهذه الآية على عصمتهم .
وقد ذكر العلماء : أن الإرادة في كتاب الله على نوعين، إرادة قدرية، وإرادة شرعية، فالإرادة القدرية : لا تبدل، ولا تغير، والإرادة الشرعية : قد تغير وتبدل ؛ فمن الأول قوله وتعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ) [ الإسراء : 16] وقوله تعالى ( وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ) [الرعد : 11] وقوله تعالى ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) الآيتين [القصص : 5-6 ] .

(1/196)


( ص209) ومن الثاني، قوله تعالى :( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم ) [ النساء : 26-27 ] فقوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) [الأحزاب : 33] كقوله : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) [المائدة :6] وكقوله : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [ البقرة : 185] وكقوله : ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ) [ النساء:26] فإن إرادة الله في هذه الآية : متضمنة لمحبة الله، فذكر المراد، ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين، وأمرهم به، ليس في ذلك خلف هذا المراد، لا أنه قضاؤه وقدره .
والدليل على ذلك : أن النبي بعد نزول هذه الآية قال : " اللهم أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا " فطلب من الله : إذهاب الرجس والتطهير ؛ فلو كانت الآية تقتضي أخبار الله، بأنه أذهب عنهم الرجس، وطهرهم، لم يحتج إلى الطلب والدعاء ؛ وهذا على قول القدرية : أظهر ؛ فإن إرادة الله عندهم، لا تتضمن وجوب المراد ؛ بل قد يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد، فليس في قوله تعالى : ( يريد ) إنه قدر ما يدل على وقوعه .
ومن العجب : أن الشيعة يحتجون بهذه الآية على عصمة أهل البيت، ومذهبهم في القدر من جنس مذهب

(1/197)


(ص210) القدرية، الذين يقولون إن الله قد أراد إيمان كل من على وجه الأرض، فلم يقع مراده . وأما على قول أهل السنة، والتحقيق ؛ فهو : ما تقدم ؛ وهو أن يقال : الإرادة في كتاب الله نوعان، إرادة شرعية دينية، تتضمن محبته ورضاه ؛ وإرادة كونية قدرية، تتضمن خلقه وتقديره ؛ فالأولى كقوله : ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ) [ النساء :26] والثانية كقوله : (فمن يريد الله أن يهديه ويشرح صدره للإسلام ) الآية [ الأنعام :125] وقوله : ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) [ هود:34] ومثل ذلك كثير في القرآن .
فالله تعالى قد أخبر : أنه يريد أن يتوب على المؤمنين ويطهرهم، وفيه من تاب، وفيه من لم يتوب، وفيه من تطهر، وفيه من لم يتطهر ؛ فإذا كانت الآية : ليس فيها دلالة على وقوع ما أراده من التطهير، وإذهاب الرجس، لم يلزم بمجرد الآية ثبوت ما ادعاه هؤلاء .
ومما يبين : أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مذكورات في الآية ، قوله تعالى : ( يا نساء النبي من يأتي منكن بفاحشة مبينة نضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا، ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ) إلى قوله : ( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعنا الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ويذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان .

(1/198)


(ص211) لطيفا خبيرا ) [ الأحزاب 30-31] .
فالخطاب كله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفيهن الأمر والنهي والوعد والوعيد، لكن لما كان ما ذكره سبحانه : أنه يعمهن ويعم غيرهن، من أهل البيت، جاء لفظ التزكية، فقال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) والذي يريد الله : من حصول إذهاب الرجس، وحصول التطهير ؛ فهذا الخطاب وغيره، ليس مختصا بأزواجه ؛ بل هو يتناول لأهل البيت كلهم ؛ وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين : أخص ما غيرهم بذلك ؛ وكذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لهم؛ ولهذا كما أن قوله : ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ) [ التوبة :108] نزل بسبب مسجد قباء، ولكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحق منه بذلك، وهو مسجد المدينة .
وفى الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى ؟ وقال :" هو مسجدي هذا " وفى الصحيح : أنه كان يأتي قباء كل سبت، راكبا وماشيا، وكان يقوم في مسجده يوم الجمعة ويأتي قباء يوم السبت ؛ وكلاهما مؤسس على التقوى ؛ وهكذا أزواجه، وعلى، وفاطمة، والحسن، والحسين ،كلامهم من أهل البيت لكن وعلى، وفاطمة، والحسن، والحسين، أخص بذلك من أزواجه فلهذا خصهم بالدعاء
( ص212) فصل :

(1/199)


وأما قولكم : ومن يطلق عليه اسم الآل ؟ فنقول : قد تنازع العلماء في آل محمد ؛ من هم ؟ فقيل : هم أمته، وهذا قول طائفة من أصحاب مالك، وأحمد وغيرهم ؛ وقيل : المتقون من أمته ؛ ورووا حديثا : " آل محمد كل تقي " رواه الخلال، وتمامه في فوائد ؛ وهو حديث لا أصل له والصحيح : أن آل محمد، هم أهل بيته وهذا هو المنقول، عن الشافعي وأحمد، لكن هل أزواجه من آله، على قولين، هما روايتان عن أحمد ؛ والصحيح : أن أزواحه من آله ؛ فإن قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علمهم الصلاة عليه " اللهم صلى على محمد، وأزواجه، وذريته " ولإن امرأة إبراهيم من آله وأهل بيته، وامرأة لوط من أله وأهل بيته ؛ والآية المذكورة، تدل على أنهن من أهل بيته .
وأما الأتقياء من أمته، فهم أولياءه ؛ كما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إن وليي الله، صالح المؤمنين ؛ فأولياؤه المتقون، بينه وبينهم قرابة الدين، والإيمان، والتقوى ؛ والقرب بين القلوب والأرواح : أعظم من القرب بين الأبدان .
وأما أقاربه ففيهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ومن كان فاضلا منهم، كعلي وجعفر، والحسن والحسين، وابن عباس، فتفضيلهم لما فيهم من الإيمان والتقوى، وهم أولياؤه .

(1/200)


(ص213) بهذا الاعتبار، لا مجرد النسب ؛ فأولياؤه : قد يكونون أعظم درجة من آله، وأنه إذا صلى على آله تبعا لم يقتض ذلك أن يكونوا أفضل من أوليائه، وهم أفضل من أهل بيته، وإن لم يدخلوا في الصلاة معه تبعا، فالمفضول قد يختص بأمر، ولا يكون أفضل من الفاضل ؛ وأزواجه ممن يصلى عليهن، كما ثبت ذلك في الصحيحين، وقد ثبت باتفاق العلماء كلهم : أن الأنبياء أفضل منهم، والله اعلم .
وسئلوا عن الحروب التي وقعت بين الصحابة، رضى الله عنهم ؟ فأجابوا :
فصل : وأما الحروب التي وقعت بين الصحابة، فالصواب فيها : قول أهل السنة والجماعة ؛ وهو الذي نعتقده دينا ونرضاه مذهبا ؛ وهو : السكوت عما شجر بينهم، والترضي عنهم، وموالاتهم ومحبتهم كلهم، رضوان الله عليهم أجمعين ؛ وذلك : أن الله تبارك وتعالى، أخبر أنه قد رضى عنهم، ومدحهم في غير آية من القرآن ؛ وإنما فعلوا ما فعلوه من الحروب والقتال بتأويل، ولهم من الحسنات العظيمة الماحية للذنوب ما ليس لغيرهم .
ونعتقد : أن عليا رضي الله عنه، أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تمرق مارقة على حين فرقة من الناس، يقتلهم أقرب

(1/201)


(ص214) الطائفتين إلى الحق " فخرج الخوارج، أهل النهروان، الحرورية، في وقت حرب علي ومعاوية، فقتلهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأصحابه، بحرورا، قرب الكوفة، بعدما أغاروا على الناس، وسفكوا الدم الحرام، واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم، فأرسل إليهم علي رضي الله عنه ابن عباس ووعظهم وذكرهم وكشف شبهتهم فرجع كثير منهم وخرج بقيتهم على علي رضي الله عنه حتى قتلهم عن آخرهم .
وأمر بالمخدج أن يلتمس، فالتمس، فوجدوه على النعت الذي نعته رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى يديه مثل ثدي المرأة، فسجد على رضي الله عنه شكرا لله، فبذلك : ثبت أن عليا أقرب إلى الحق من معاوية ،وما أحسن ما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، لما سئل عن الحروب التي وقعت بين الصحابة ؟ فقال : تلك دماء طهر الله يدي منها ،أفلا أطهر لساني من الكلام، أو نحو ذلك .

(1/202)


(ص215) وسئل أيضا : أبناء الشيخ، وحمد بن ناصر – رحمهم الله – عن مذهبهم في الصحابة رضى الله عنهم ؟
فأجابوا: مذهبنا في الصحابة، هو مذهب أهل السنة والجماعة ؛ وهو : أن أفضلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ؛ وأفضلهم بعد أبى بكر : عمر وأفضلهم بعد عمر : عثمان ؛ وأفضلهم بعد عثمان : على رضى الله عنهم، ومنزلتهم في الخلافة، كمنزلتهم في الفضل ؛ وقد نازع بعض أهل السنة، في أفضلية عثمان على علي ؛ فجزم قوم بتفضيل علي على عثمان ؛ ولكن الذي عليه الأئمة الأربعة، وأتباعهم، هو : الأول . قال الذهبي رحمه الله : تواتر عن علي رضي الله عنه أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ؛ وخيرهم بعد أبى بكر عمر، انتهى ؛ ثم بعد هؤلاء الأربعة في الفضلية، عند أهل السنة : الستة، بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة، رضي الله عنهم .

(1/203)


(ص216) فصل :
وأما قولكم : هل سبق كتاب من الله في المعاصي أنها ستقع ؟
فنقول : قد سبق بذلك الكتاب، وجرى به القلم، وعلم سبحانه ما خلقه عاملوه قبل أن يعلموه ؛ وتوترات بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الصحيحين، والسنن، والمسانيد وغيرها، ودل عليه كتاب الله، قال الله تعالى ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) [ القمر : 49] ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) [ الفرقان : 2 ] وهذا يعم الذوات، والهيئات، والجواهر، والأعراض .
وثبت في الصحيحين، من حديث عمران بن حصين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، فخلق السموات والأرض، وأثبت في الذكر كل شيء" وثبت في الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " جف القلم بما أنت لاق " وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنه " .
وهذا الأصل هو أحد الأصول الستة، التي في حديث جبريل، لما سأل محمدا صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ؟ فقال : " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر ، وبالقدر خيره

(1/204)


(ص217) وشره " وهذا : أجمع عليه أهل السنة والجماعة، ولم يخالف في ذلك، إلا مجوس هذه الأمة، القدرية ؛ فأنكروا أن يكون الله قدر أفعال العباد، أو شاء وقوعها منهم ؛ وزعموا : أن الأمر أنف ؛ أي مسأنف ؛ وزعموا : أن الله لا يقدر يهدى من يشاء ويضل من يشاء، وإنما ذلك إلى العباد ؛ وقد خرجوا في أواخر عهد الصحابة؛ وتبرأ منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب لما خرجوا في زمانه، وأنكر مذهبهم، وعقيدتهم ؛ كذلك غيره من الصحابة والقصة في ذلك محرره في صحيح مسلم، وأول من قال هذا القول : معبد الجهني بالبصرة .
والله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه وهو الحكم العدل، الذي تنزه عن الظلم والفحش، كما قال تعالى : ( ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 49 ] وقال : ( وما ربك بظلام للعبيد ) [ فصلت : 46 ] وقال تعالى في أهل النار : ( وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظلمين) [الزخرف : 76 ] وقال تعالى : ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ) [ طه : 112 ] وفى حديث أبى ذر الغفاري رضي الله عنه، الإلهى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يرويه عن ربه قال : " إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " الحديث بطوله خرجه مسلم في صحيحه .
وقد سئل : رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه المسألة بعينها، فأجاب بما شفى وكفى ؛ فروى مسلم في صحيحه عن عمران بن

(1/205)


(ص218) حصين رضي الله عنه أن رجلا من جهينة، أو مزينة، قال يا رسول الله : أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه ؟ أشيء قضى عليهم، ومضى عليهم، من قدر سبق ؟ أو فيما يستقبلون به مما آتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم ؟ قال : " بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : ( ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها ) [ الشمس : 7 –8 ] وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله، والله أعلم .
فصل :
وأما قولكم : هل القدر في الخير والشر على العموم جميعا من الله، أم لا ؟
فتقول : القدر في الخير والشر على العموم، كما تقدم ذكره عن علي رضي الله عنه، قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد، فقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال : " ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها في الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقيقة أو سعيدة " قال : فقال رجل، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟ فقال : ( من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة " ثم قرأ ( فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل .

(1/206)


(ص219) واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى ) [ الليل : 5- 10 ] وفى الحديث : " اعملوا فكل ميسر، أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة " ثم قرأ : ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ) الآيتين، والله أعلم .
وسئل أيضا : ابنا الشيخ محمد، حسين، وعبد الله، عن عقيدة الشيخ في العمل في العبادة ؟
فأجابا : عقيدة الشيخ – رحمه الله تعالى – التي يدين الله بها، هي : عقيدتنا، وديننا الذي ندين الله به ؛ وهو : عقيدة سلف الأمة وأئمتها، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان ؛ وهو : اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض أقوال العلماء على ذلك ؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله .
وهذا : هو الأصل الذي أوصانا الله به في كتابه، حيث قال : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر) الآية [ النساء : 59 ] أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة ليس هذا موضوع بسطها .

(1/207)


(ص220) وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثا يخالف مذهبه، فاتبع الدليل، وترك مذهبه، كان هذا مستحبا، بل واجبا عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون مخالفا لإمامه الذي اتبعه، فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، رضي الله عنهم أجمعين .
قال الإمام مالك رحمه الله : كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الشافعي – رحمه الله – لأصحابه : إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط ؛ وفي لفظ : إذا صح الحديث فهو مذهبي . وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )[النور:63] أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة : الشرك ؛ لعله إذا رد بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك . وقال لبعض أصحابه : لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي، وتعلموا كما تعلمنا . وكلام الأئمة في هذا كثير جدا مبسوط في غير هذا الموضع .
وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة، يخالف القول الذي نص عليه العلماء، أصحاب المذاهب، فنرجوا أنه يجوز العمل به ؛ لأنهم رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم ؛

(1/208)


(ص221) ولكن : لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة ؛ وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها، قديما وحديثا ؛ والذي ننكر، هو التعصب للمذهب، وترك اتباع الدليل ؛ إذا تبين هذا، فهذا الذي أنكرناه و أنكره العلماء في القديم، والحديث، والله أعلم .
(222) وقال أيضا : الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهما الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد : فإنا معاشر غزو الموحدين، لما من الله علينا – وله الحمد – بدخول مكة المشرفة نصف النهار، يوم السبت، في ثامن شهر محرم الحرام، سنة 1218 هـ، بعد أن طلب أشراف مكة، وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو " سعود " الأمان ؛ وقد كانوا تواطؤوا مع أمراء الحجيج، وأمير مكة على قتاله، أو الإقامة في الحرام، ليصدوه عن البيت ؛ فلما زحفت أجناد الموحدين ؛ ألقى الله الرعب في قلوبهم، فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف ؛ ودخلنا وشعارنا التلبية، آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين، غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين ؛ ومن حين دخل الجند الحرم، وهم على كثرتهم مضبوطون، متأدبون، لم يعضدوا به شجرا، ولم ينفروا صيدا، ولم يريقوا دما إلا دم الهدى، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع .

(1/209)


(223ص) ولما تمت عمرتنا : جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير – رحمه الله – على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتلهم عليه ؛ وهو : إخلاص التوحيد لله تعالى وحده ؛ وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين، أحدهما : إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد، وترك الإشراك، قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة . والثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه .
فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم، وعفى عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق، لا سيما العلماء ؛ ونقرر لهم حال اجتماعهم وقال انفرادهم لدنيا : أدلة ما نحن عليه ونطلب منهم المناصحة، والمذاكرة، وبيان الحق .
وعرفناهم : بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم، بأنا قابلون ما وضحوا برهانه، من كتاب، أو سنة، أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين، المأمورين باتباعهم، بقوله صلى الله عليه وسلم " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " أو عن الأئمة الأربعة المجتهدون، ومن تلقى العلم عنهم، إلى آخر القرن الثالث ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " خيركم قرني، ثم الذين

(1/210)


(ص224) يلونهم، ثم الذين يلونهم ".
وعرفناهم : أنا دايرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح ؛ ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمرا، فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات،إن بقيلديهم شبهة؟فذكر بعضهم شبهة، أو شبهتين، فرددناها بالدلايل القاطعة، من الكتاب والسنة، حتى أذعنوا، ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب، فيما قاتلنا الناس عليه، أنه الحق الجلي، الذي لا غبار عليه .
وحلفوا لنا الإيمان المغلظة، من دون استحلاف لهم، على انشراح صدورهم، وجزم ضمائرهم : أنه لم يبق لديهم شك، في أن من قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يابن عباس، أو يا عبد القادر، أو غيرهم من المخلوقين، طالبا بذلك دفع شر، أو جلب خير، من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، من شفاء المريض، والنصر على العدو، والحفظ من المكروه، ونحو ذلك : أنه مشرك شركا أكبر، يهدر دمه، ويبيح ماله ؛وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون، هو الله تعالى وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء، متشفعا بهم، ومتقربا بهم، لتقضى حاجته من الله، بسرهم، وشفاعتهم له فيها، أيام البرزخ .
وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين : صارت في هذه الأزمان، أصناما تقصد لطلب الحاجات، ويتضرع

(1/211)


(ص225) عندها، ويهتف بأهلها في الشدائد، كما كانت تفعله الجاهلية الأولى ؛ وكان من جملتهم : مفتي الحنيفة، الشيخ : عبد الملك القلعي ؛ وحسين المغربي مفتي المالكية ؛ وعقيل بن يحيي العلوي ؛ فبعد ذلك : أزلنا جميع ما كان يعبد، بالتعظيم والاعتقاد فيه، ويرجى النفع والنصر بسببه، من جميع البناء على القبور، وغيرها، حتى لم يبق في تلك البقعة المطهرة طاغوت يعبد، فالحمد لله على ذلك .
ثم رفعت : المكوس، والرسوم، وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه، وأحرقت أماكن الحشاشين، والمشهورين بالفجور ؛ ونودي بالمواضبة على الصلوات في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك، بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد، ويكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة، رضوان الله عليهم ؛ واجتمعت الكلمة حينئذ، وعبد الله وحده، وحصلت الألفة، وسقطت الكلفة، وأمر عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد، والحمد لله رب العالمين .
ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد في التوحيد المتضمنة للبراهين، وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات والأحاديث المتواترة، مما يثلج الصدر ؛ واختصر من ذلك رسالة مختصرة للعوام، تنشر في مجالسهم

(1/212)


(ص226) وتدرس في محافلهم، ويبين لهم العلماء معانيها، ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة، فيتضح لهم الشرك، فينفروا عنه، وهم على بصيرة آمنين .
وكان فيمن حضر مع علماء مكة، وشاهد غالب ما صار : حسين بن محمد بن الحسين، الإبريقي الحضرمي، ثم الحياني، ولم يتردد علينا، ويجتمع بسعود وخاصته، من أهل المعرفة، ويسأل عن مسألة الشفاعة، التي جرد السيف بسببها، من دون حياء ولا خجل، لعدم سابقة جرم له .
فأخبرناه : بأن مذهبنا في أصول الدين، مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، خلافا لمن قال طريق الخلف أعلم .
وهي : أنا نقر آيات الصفات، وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى ؛ فإن مالكا – وهو من أجل علماء السلف – لما سئل عن الإستواء، في قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) [ طه :5] قال : الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة .
ونعتقد : أن الخير والشر، كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد ؛ فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله، بل له كسب، رتب عليه الثواب فضلا، والعقاب

(1/213)


(ص227) عدلا، ولا يجب على الله لعبده شيء ؛ وأنه يراه المؤمنون في الآخرة، بلا كيف ولا إحاطة .
ونحن أيضا : في الفروع، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة، دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير ؛ الرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم ؛ ولا نقرهم ظاهرا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة .
ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل، إذا صح لنا نص جلي، من كتاب، أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة : أخذنا به، وتركنا المذهب، كارث الجد والأخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالف مذهب الحنابلة .
ولا نفتش على أحد في مذهبه، ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي، مخالفا لمذهب أحد الأئمة ، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي، والمالكي مثلا، بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك ؛ بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالأسرار، وشتان ما بين المسألتين ؛ فإذا قوي الدليل : أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرا جدا، ولا

(1/214)


(ص228) مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فلا مناقضة لعدم دعوى الإجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة، إلى اختيارات لهم في بعض المسائل، مخالفين للمذهب، الملتزمين تقليد صاحبه .
ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله، بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا : تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم . وعلى فهم الحديث، بشروح الأئمة المبرزين : كالعسقلاني، والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير .
ونحرص على كتب الحديث، خصوصا : الأمهات الست، وشروحها ؛ ونعتني بسائر الكتب، في سائر الفنون، أصولا، وفروعا، وقواعد، وسيرا، ونحوا، وصرفا، وجميع علوم الأمة .
ولا نأمر باتلاف شيء من المؤلفات أصلا، إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، كروض الرياحين، أو يحصل بسببه خلل في العقائد، كعلم المنطق، فإنه قد حرمه جمع من العلماء، على أنا لا نفحص عن مثل ذلك، وكالدلائل، إلا إن تظاهر به صاحبه معاندا، أتلف عليه ؛ وما اتفق لبعض البدو، في اتلاف بعض كتب أهل الطائف، إنما صدر منه لجهله، وقد زجر هو، وغيره عن مثل ذلك .

(1/215)


(ص229) ومما نحن عليه : أنا لا نرى سبي العرب، ولم نفعله، ولم نقاتل غيرهم، ولا نرى قتل النساء والصبيان .
وأما ما يكذب علينا : سترا للحق، وتلبيسا على الخلق، بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقولنا، النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه فاعلم أنه لا إله إلا الله، مع كون الآية مدنية، وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب، لكون فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا، ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن عليه .
ومن فروع ذلك : أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركا، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله، وإنا ننهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقا، وأن من دان بما نحن عليه، سقطت عنه جميع التبعات، حتى الديون، وأنا لا نرى حقا لأهل البيت – رضوان الله عليهم – وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة، لتنكح شابا، إذا ترافعوا إلينا، فلا وجه لذلك ؛ فجميع هذه الخرافات، وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا، كان

(1/216)


(ص230) جوابنا في كل مسألة من ذلك، سبحانك هذا بهتان عظيم ؛ فمن روى عنا شيئا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى .
ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا، علم قطعا : أن جميع ذلك وضعه، وافتراه علينا، أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيرا للناس عن الإذعان، بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك، الذي نص الله عليه، بأن الله لا يغفره ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء :48] فإنا نعتقد : أن من فعل أنواعا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك : أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد في دار الانتقام، إذا مات موحدا بجميع أنواع العبادة .
والذي نعتقده : أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره، حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه – عليه الصلاة والسلام – الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه .

(1/217)


(ص231) ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم ؛ فقد جاء في الحديث، "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه " الحديث وأمر صلى الله عليه وسلم عمر، وعليا، بسؤال الاستغفار من " أويس " ففعلا .
ونثبت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء، والملائكة، والأولياء، والأطفال حسب ما ورد أيضا ؛ ونسألها من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين، الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد، بأن يقول أحدنا – متضرعا إلى الله تعالى - : اللهم شفع نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فينا يوم القيامة، أو : اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك، مما يطلب من الله، لا منهم ؛ فلا يقال : يا رسول الله، أو يا ولي الله، أسألك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو اشفني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ، كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك ؛ بل ورد الكتاب، والسنة، وإجماع السلف : أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه
(232ص) رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1/218)


فإن قلت : ما نقول في الحلف بغير الله والتوسل به ؟ قلت : ننظر إلى حال المقسم، إن قصد به التعظيم، كتعظيم الله أو أشد، كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا، إذا استحلف بشيخه، أي : معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه، لا يرضي أن يحلف إذا كان كاذبا أو شاكا، وإذا استحلف بالله فقط رضي، فهو كافر من أقبح المشركين، وأجهلهم إجماعا، وإن لم يقصد التعظيم، بل سبق لسانه إليه، فهذا ليس بشرك أكبر، فينهى عنه ويزجر، ويؤمر صاحبه بالاستغفار عن ذلك الهفوة .
وأما التوسل، وهو أن يقول القائل : اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أو بحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهذا من أقسام البدع المذمومة، ولم يرد بذلك نص، كرفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الأذان .
وأما أهل البيت : فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه : أهل البيت – رضوان الله عليهم – لا شك في طلب حبهم ومودتهم، لما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم

(1/219)


(ص233) والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدور المجالس، والبداءة بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم، ونحو ذلك، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم .
وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم، وجاهلهم، على من هو أمثل منه، حتى إنه إذا لم يقبل يده كلما صافحه عاتبه، وصارمة، أو ضاربة، أو خاصمةه، فهذا مما لم يرد به نص، ولا دل عليه دليل ؛ بل منكر تجب إزالته ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر، أو لمشيخة علم، أو في بعض أوقات، أو لطول غيبة، فلا بأس به ؛ إلا أنه لما ألف في الجاهلية الأخرى : أن التقبيل صار علما لمن يعتقد فيه، أو في أسلافه، أو عادة المتكبرين من غيرهم، نهينا عنه مطلقا، لا سيما لمن ذكر، حسما لذرائع الشرك ما أمكن .
وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء، حسما لتلك المادة، وتنفيرا عن الإشراك بالله ما أمكن، لعظم شأنه، فإنه لا يغفر، وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى، إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم ) الآية [ الروم:28] .
وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي : فجائز إجماعا، بل

(1/220)


(ص234) ولا كراهة في ذلك ؛ وقد زوج علي عمر بن الخطاب، وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي، بأربعة ليس فيهم فاطمي، بل ولا هاشمي ؛ ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار، إلا أنا لا نجبر أحدا على تزويج موليته، ما لم تطلب هي، وتمتنع من غير الكفء ؛ والعرب : أكفاء بعضهم لبعض ؛ فما اعتيد في بعض البلاد من المنع، دليل التكبر، وطلب التعظيم ؛ وقد يحصل بسبب ذلك فساد كبير، كما ورد، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء ؛ وقد تزوج زيد – وهو من الموالي – زينب أم المؤمنين، وهي قرشية ؛ والمسألة معروفة عند أهل المذاهب، انتهى .
فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له : يلزم من تقريركم، وقطعكم في أن من قال يا رسول الله، أسألك الشفاعة : أنه مشرك مهدر الدم ؛ أن يقال بكفر غالب الأمة ، ولا سيما المتأخرين، لتصريح علمائهم المعتبرين : أن ذلك مندوب، وشنوا الغارة على من خالف في ذلك ! قلت : لا يلزم، لأن لازم المذهب ليس بمذهب، كما هو مقرر، ومثل ذلك : لا يلزم أن نكون مجسمة، وإن قلنا بجهة العلو، كما ورد الحديث بذلك .
ونحن نقول فيمن مات : تلك أمة قد خلت ؛ ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرا معاندا، كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل

(1/221)


(ص235) الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر، المحرمات ؛ وغير الغالب : إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به، ولتكثير سواد من ذكر، والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله، ونعتذر عمن مضى : بأنهم مخطئون معذورون، لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعا ؛ ومن شن الغارة فقط غلط ؛ ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه، كمثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر، وفي غير ذلك يعرف ذلك في سيرته، بل غلط الصحابة وهم جمع، ونبينا صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، سار فيهم نوره، فقالوا اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط.
فإن قلت : هذا فيمن ذهل، فلما نبه انبته، فما القول فيمن حرر الأدلة ؟ واطلع على كلام الأئمة القدوة ؟ واستمر مصرا على ذلك حتى مات ؟ قلت : ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول : إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطىء، وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسان وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه المحبة، ولا وضحت له المحجة، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين : التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا ؛ ومن اطلع عليه أعرض عنه، قبل أن يتمكن في قلبه ؛ ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من
( ص236 ) شاء الله منهم .
هذا : وقد رأى معاوية وأصحابه – رضى الله عنهم- منابذة أمير المؤمنين علي أبي طالب رضي الله عنه، وقتال، ومناجزته الحرب، وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعا، بل ولا تفسيقه، بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد، وان كانوا مخطئين، كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة .

(1/222)


ونحن كذلك : لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة ، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننك سمة علمه، ولهذا نعتني بكتبه، كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها ؛ ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين .
هذا ما نحن عليه، مخاطبين من له عقل وعلم، وهو متصف بالإنصاف، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال، وأما من شأنه : لزوم مألوفه وعادته، سواء كان حقا، أو غير حق، فقلد من قال الله فيهم : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون )

(1/223)


(ص237) [ الزخرف:23] عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف، حتى يستقيم أوده، ويصح معوجه ؛ وجنود التوحيد – بحمد الله – منصورة وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) [ الشعراء:227] و(إن حزب الله هم الغالبون) [ المائدة:56] وقال تعالى : (وإن جندنا لهم الغالبون ) [ الصافات:173] ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) [ الروم:47] (والعاقبة للمتقين ) [ الأعراف:128] .
هذا ومما نحن عليه : أن البدعة، وهي : ما حدثت بعد القرون الثلاثة، مذمومة مطلقا، خلافا لمن قال حسنة، وقبيحة ؛ ولمن قسمها خمسة أقسام، إلا إن أمكن الجمع، بأن يقال : الحسنة ما عليه السلف الصالح، شاملة : للواجبة، والمندوبة، والمباحة ؛ ويكون تسميتها بدعة مجازا ؛ والقبيحة ما عدى ذلك، شاملة : للمحرمة، والمكروهة ؛ فلا بأس بهذا الجمع .
فمن البدع المذمومة التي ننهي عنها : رفع الصوت في مواضع الأذان بغير الأذان، سواء كان آيات، أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر غير ذلك بعد أذان، أو في ليلة الجمعة، أو رمضان، أو العيدين، فكل ذلك بدعة مذمومة .
وقد أبطلنا ما كان مألوفا بمكة، من التذكير، والترحيم، ونحوه، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة ؛ ومنها : قراءة

(1/224)


(ص238) الحديث عن أبى هريرة بين يدي خطبة، فقد صرح شارح الجامع الصغير :بأنه بدعة ؛ ومنها : الاجتماع في وقت مخصوص، على من يقرأ سيرة المولد الشريف، اعتقادا أنه قربة مخصوصة مطلوبة، دون علم السير، فإن ذلك لم يرد . ومنها : اتخاذ المسابح، فإنا ننهى عن التظاهر باتخاذها ؛ ومنها : الاجتماع على رواتب المشايخ برفع الصوت، وقراءة الفواتح، والتوسل بهم في المهمات، كراتب السمان ؛ وراتب الحداد ونحوهما، بل قد يشتمل ما ذكر على شرك أكبر، فيقاتلون على ذلك، فإن سلموا من ارشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة، بل بدعة، فذاك ؛ فإن أبوا، عزرهم الحاكم بما يراه رادعا .
وأما أحزاب العلماء، المنتخبة من الكتاب والسنة، فلا مانع من قراءتها، والمواظبة عليها، فإن الأذكار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، مطلوب شرعا ؛ والمعتنى به مثاب مأجور، فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابا، لكن على الوجه المشروع، من دون تنطع، ولا تغبير، ولا تحريف، وقد قال تعالى : (ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) [ الأعراف:55] وقال تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) [ الأعراف :180] ولله در النووي في جمعه : كتاب الأذكار ؛ فعلى الحريص على ذلك به، ففيه الكفاية للموفق .
ومنها : ما اعتيد في بعض البلاد، من قراءة مولد

(1/225)


(ص239) النبي صلى الله عليه وسلم بقصائد بألحان، وتخلط بالصلاة عليه، والأذكار والقراءة، ويكون بعد صلاة التراويح، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب، بل تتوهم العامة أن ذلك من السنن المأثورة، فينهى عن ذلك ؛ وأما صلاة التراويح فسنة، لا بأس بالجماعة فيها، والمواظبة عليها .
ومنها : ما اعتيد في بعض البلاد، من صلاة الخمسة الفروض، بعد آخر جمعة من رمضان ؛ وهذه : من البدع المنكرة إجماعا، فيزجرون عن ذلك أشد الزجر ؛ ومنها رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت أو عند رش القبر بالماء وغير ذلك مما لم يرد عن السلف، وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتابا نفسيا سماه : " الحوادث والبدع " واختصره أبو شامة المقدسي فعلى المعتني بدينه بتحصيله .
وإنما ننهى عن البدع، المتخذة دينا وقربة ؛ وأما مالا يتخذ دينا وقربة، كالقهوة، وإنشاء قصائد الغزل، ومدح الملوك، فلا ننهى عنه، ما لم يخلط بغيره إما ذكر أو اعتكاف في مسجد، ويعتقد أنه قربة، لأن حسان رد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال : قد أنشدته بين يدي من هو خير منك، فقبل عمر .
ويحل كل لعب مباح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد، في مسجده صلى الله عليه وسلم ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة، والتدريب على الحرب بأنواعه، وما يورث

(1/226)


(ص240) الحماسة فيه، كطبل الحرب، دون آلات الملاهي، فإنها محرمة ؛ والفرق ظاهر ؛ ولا بأس دف العرس، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " بعثت بالحنيفية السمحة " وقال : " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة " .
هذا وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه : إماما حق من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل، منها : طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس، فإنا نقول، به تبعا للأئمة، ونرى الوقف صحيحا، والنذر جايزا، ويجب الوفاء به في غير المعصية .
ومن البدع المنهي عنها : قراءة الفواتح للمشائخ بعد الصلوات الخمس، والإطراء في مدحهم، والتوسل بهم على الوجه المعتاد في كثير من البلاد، وبعد مجامع العبادات، معتقدين أن ذلك من أكمل القرب، وهو ربما جر إلى الشرك من حيث لا يشعر الإنسان، فإن الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به، لخفائه، ولولا ذلك لما استعاذ النبي منه بقوله : " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم، إنك أنت علام الغيوب ".
وينبغي المحافظة على هذه الكلمات، والتحرز عن الشرك ما أمكن ؛ فإن عمر بن الخطاب قال : إنما تنقض عرى

(1/227)


(ص241) الإسلام عروة عروة : إذا دخل في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، أو كما قال . وذلك لأنه يفعل الشرك، ويعتقد أنه قربة، نعوذ بالله من الخذلان، وزوال الإيمان .
هذا ما حضرني حال المراجعة مع المذكور، مدة تردده، وهو يطالبني كل حين بنقل ذلك وتحريره، فلما ألح علي : نقلت له هذا من دون مراجعة كتاب، وأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من أمر الغزو ؛ فمن أراد تحقيق ما نحن عليه، فليقدم علينا الدرعية، فسيرى ما يسر خاطره، ويقر ناظره، من الدروس في فنون العلم، خصوصا التفسير، والحديث ؛ ويري ما يبهره بحمد الله وعونه، من إقامة شعائر الدين، والرفق بالضعفاء والوفود والمساكين .
ولا ننكر : الطريقة الصوفية، وتنزيه الباطن من رذايل المعاصي، المتعلقة بالقلب والجوارح، مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي، والمنهج القويم المرعي، إلا أنا لا نتكلف له تأويلات في كلامه، ولا في أفعاله، ولا نعول، ونستعين، ونستنصر، ونتوكل في جميع أمورنا إلا على الله تعالى، فهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .

(1/228)


(ص242) وسئل أيضا : عما يدينون به، ويعتقدونه، فقال رحمه الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام التام، على سيدنا محمد سيد الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام ؛ إلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني، وفقه الله وهداه، وجنبه الإشراك، والبدعة، وحماه، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
أما بعد : فوصل الخط، وتضمن السؤال فيه عما نحن عليه من الدين ؟ فنقول : وبالله التوفيق، الذي ندين الله به عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بعبادة غيره، ومتابعة الرسول النبي الأمي، حبيب الله، وصفيه من خلقه، محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فأما عبادة الله، فقال : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [ الذاريات :56] وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل :36] .
فمن أنواع العبادة : الدعاء، وهو الطلب بياء النداء، لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة، أو بأحد أخواتها من حروف النداء، فإن العبادة : اسم جنس، فأمر تعالى عباده : أن يدعوه ولا يدعوا معه غيره، فقال

(1/229)


(ص243) تعالى : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) [ غافر:60] وقال في النهي : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) [ الجن:18] وأحدا : كلمة تصدق على كل ما دعي مع الله تعالى ؛ وقد روى الترمذي عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الدعاء مخ العبادة " وعن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي .
قال العلقمي : في شرح الجامع الصغير حديث الدعاء مخ العبادة، قال شيخنا : قال في النهاية : مخ الشيء خالصه، وإنما كان مخها لأمرين، أحدهما : أنه امتثال لأمر الله تعالى حيث قال : ( ادعوني أستجب لكم ) فهو مخ العبادة، وهو خالصها ؛ الثاني : أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمله عما سواه، ودعاه لحاجته وحده، ولأن الغرض : من العبادة هو : الثواب عليها، وهو المطلوب بالدعاء ؛ وقوله : الدعاء هو العبادة، قال شيخنا، قال الطيببي : أتى بالخير المعرف باللام، ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء، انتهى كلام العلقمي .
إذا تقرر هذا، فنحن نعلم بالضرورة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم ؛ بل نعلم : أنه نهى عن هذه الأمور
( ص244) كلها، وأن ذلك من الشرك الأكبر، الذي حرمه الله ورسوله، قال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5-6 ] وقال تعالى : ( فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ) [ الشعراء : 213] وقال : ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ) الآيات [ يونس : 106-108 ] .

(1/230)


وهذا من معنى لا إله إلا الله، فإن " لا " هذه النافية للجنس، فنفى جميع الآلهة، " وإلا " حرف استثناء، يفيد حصر جميع العبادة على الله عز وجل، و" الإله " اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، وهو الله تعالى، وهو الذي يخلق ويرزق، ويدبر الأمور، وهو الذي يستحق الإلهية وحده ؛ والتأله : التعبد، قال الله تعالى : ( وإلهكم إله واحد إلا هو الرحمن الرحيم ) ثم ذكر الدليل، فقال : ( إن في خلق السموات والأرض ) إلى قوله : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ) الآية [ البقرة : 163 :164، 165 ] .
وأما متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فواجب على أمته : متابعته في الاعتقادات، والأقوال، والأفعال ؛ قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [ آل عمران : 31] .
( ص245 ) وقال صلى الله عليه وسلم : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري، ومسلم، وفي رواية لمسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله، فما وافق منها قبل، وما خالف رد على فاعله كائنا من كان، فإن شهادة أن محمدا رسول الله : تتضمن تصديقه فيما أخبر به وطاعته، ومتابعته في كل ما أمر به .
وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى " فتأمل رحمك الله ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعده والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما عليه الأئمة المقتدى بهم، من أهل الحديث، والفقهاء، كأبي حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، رضي الله عنهم أجمعين، لكي تتبع آثارهم .

(1/231)


وأما مذهبنا : فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة، ولا إجماع الأمة ، ولا قول جمهورها ؛ والمقصود : بيان ما نحن عليه من الدين، وأنه عبادة الله وحده لا شريك له فيها، بخلع جميع الشرك، ومتابعة الرسول فيها، نخلع جميع البدع إلا بدعة لها أصل في الشرع، كجمع المصحف في كتاب واحد، وجمع عمر رضي الله عنه الصحابة .
( ص246) على التراويح جماعة، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس، ونحو ذلك، فهذا حسن، والله أعلم
وسئل أيضا : الشيخ عبد الله بن محمد، رحمه الله، هل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر معاوية، ويزيد وبني أمية، وبنى العباس : أن يحاربوا علي بن أبي طالب، والحسن والحسين عليهم السلام، ويقتلوهم، ويحبسوهم، ويلوا عليهم الخلافة وينقلوهم ؟! وهل ذلك منهم طاعة لله ورسوله ؟! أو معصية، وهل ذلك يرضي الله أم يغضبه ؟ ورسوله قال يوم غدير خم : " اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه " الحديث، وقال : " أنا مدينة العلم، وعلي بابها " و" علي مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " وقال : أهل بيتي كسفينة نوح " ؟ !
فأجاب : هذا سؤال متعنت، لا مسترشد، وجوابنا في ذلك أن نقول : ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعلمون ) [ البقرة : 134] وفصل القضاء في ذلك إلى الله تبارك وتعالى، ليس إلى أحد من خلقه، ونحن نعتقد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أولى بالخلافة من معاوية فضلا عن بنى أمية، وبني العباس، والحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة صح عن جدهما صلوات الله وسلامه عليه : " أنهما سيدا شباب أهل الجنة " وهم أولى من يزيد بالخلافة، وبني أمية، وبني العباس الذين تولوا الخلافة .

(1/232)


(ص247 ) وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن بن علي رضى الله عنهما، وهو إذ ذاك صغير : " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فمدحه على فعله بالإصلاح بين المسلمين وترك الخلافة لمعاوية .
ومن العجب : أن الرافضة، والزيدية، يزعمون عصمته من الخطأ والزلل، وهو الذي تركها بنفسه، بلا إكراه، ومعه وجوه الناس، وشجعانهم، أكثر من ثلاثين ألفا،قد بايعوه على الموت، فترك الخلافة لمعاوية مع ذلك، حقنا لدماء المسلمين، ورغبة فيما أعد الله للمؤمنين، وزهدا في الدنيا الفانية، فأخبرونا : هل هو رضي الله عنه مصيب في ذلك ؟ أم مخطىء ؟ فإن قلت هو مخطىء، بطل قولكم بالعصمة واستدلالكم بالآية الشريفة :" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت "الآية [الأحزاب:33] على العصمة، لأن : الحسن، من أهل الكساء، بالإجماع .
وإن قلتم : هو مصيب، فقد أصبتم ؛ وكذلك نحن نقول :هو مصيب فيما فعله، وفعله أحب إلى الله ورسوله، من القتال على الملك، كما قال رضي الله عنه لبعض الشيعة، لما قالوا له : السلام عليك، يا مذل المؤمنين ؛

(1/233)


(ص248) قال : لست بمذل المؤمنين، ولكن كرهت أن أفتنكم على الملك، وفى رواية أنه قال : اخترت العار على النار، كما ذكر ذلك أهل التواريخ ؛ وهو أيضا : مبطل قولكم في كفر معاوية، وسبه، ولعنه ؛ فثبت بما ذكرنا : بطلان قول الشيعة ولله الحمد والمنة .
وأما حديث : " غدير خم " فهو حديث صحيح، وليس فيه تصريح بأن عليا خليفة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا فهم ذلك على، ولا أهل بيته من الحديث، لأنه ثبت عنه رضي الله عنه بالأسانيد الصحيحة، عن جماعة من أصحابه وأهل بيته، أنه قال للناس في خلافته وهو على المنبر ألا أخبركم بخير الناس، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبى بكر : عمر ؛ وثبت عنه أيضا : لو كان عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركت أخا بني تيم، وأخا بني عدي ؛ ولقاتلتهما بسيفين، أو كما قال رضي الله عنه . وأما قوله : " أنا مدينة العلم، وعلى بابها " فلا نعرف ذلك في دواوين العلم المعتمدة، بل هو عند أهل العلم بالحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وأما قوله : " علي مني بمنزلة هارون من موسى " فهو حديث صحيح، أخرجه مسلم وغيره، وليس فيه تصريح بأنه خليفة بعد موته، ولا فهمه أمير المؤمنين من الحديث، كما فهمه جهال الرافضة والزيدية ؛ وأما قوله : أهل بيتي مثل سفينة نوح، فهذا أيضا حديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له أهل الحديث إسنادا

(1/234)


(ص249) صحيحا فيما بلغنا عنهم، والله أعلم .
وسئل أيضا : عن قوله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ) الآية [ النساء : 115 ] من هم المؤمنون الذين أمر الله باتباع سبيلهم؟: فإن قلتم هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سار سيرتهم، فنسألكم : هل كان علي بن أبي طالب، والحسن والحسين، والصادق، والباقر، والنفس الزكية، وحسن بن الحسن، وأمثالها من ذرية علي وفاطمة رضي الله عنهم هم من المؤمنين الذين أنكر الله على من خالف سبيلهم ؟ أم لا ؟
فأجاب : علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين رضي الله عنهم، من ساداتهم، وكذلك طلحة، والزبير رضي الله عنهما، ومن معهما من أهل بدر، وكذلك معاوية بن أبي سفيان، ومن معه من أهل الشام، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين ؛ فنتولى الجميع، ونكف عما شجر بينهم، وندعوا لهم بالمغفرة، كما أمرنا الله بذلك بقوله : ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) [ الحشر:10] ونقول كما قال بعض العلماء :
إن كان نصبا حب صحب محمد ... ... ... فليشهد الثقلان أني ناصبي
ونقول لمن أمر بمعاداة أهل البيت، وبغضهم، والتبري منهم، ما قاله بعض العلماء :

(1/235)


(ص250) إن كان رفضا حب آل محمد ... ... فليشهد الثقلان أني رافضي
وأما قولكم : إنا ننكر علم أهل البيت، وأقوالهم، ومذاهبهم، ومذهب الزيدي، زيد بن علي بن الحسين، بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، على علم جده رضي الله عنه، فهذا كذب وبهتان علينا، بل زيد بن علي عندنا، من علماء هذه الأمة ، فما وافق من أقوال الكتاب والسنة قبلناه، وما خالف ذلك رددناه، كما نفعل ذلك مع أقوال غيره من الأئمة ، هذا إذا صح النقل عنه بذلك، وأكثر ما ينسب إليه، ويروى عنه، كذب وباطل عليه، كما يكذب أعداء الله الرافضة على علي رضي الله عنه، وأهل بيته، ويروون عنهم أقوالا وأحاديث، مخالفة الشريعة، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة ما ثبت عن العلماء من أقوالهم الصحيحة، الثابتة عنهم بنقل الثقات .
وسئل أيضا : عن مذهب الزيدي، فأجاب : مذهب الزيدي الصحيح منه، ما وافق الكتاب والسنة ؛ وما خالفه فهو باطل، لا مذهب الزيدي، ولا غيره من المذاهب .
وسئل أيضا : الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، عن قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، يؤتى بالموت على صورة كبش، فيذبح بين الجنة والنار، فيقال : يا أهل الجنة خلود في النعيم بلا انقضاء، ويا أهل النار : خلود في الجحيم بلا انتهاء " ومعلوم أن الموت عدم الروح التي بها حركة الجسد، وهذا شيء منوى، فإن
( ص251) الذبح لا يحصل إلا في الأعيان الجسمانية ذات الأرواح، فإذا كان يؤتى به على صورة كبش، كما ذكره الشارع، كيف كان صورته من قبل ؟ وهل تحدث له روح عند ذلك

(1/236)


فأجاب : الذي ينبغي للمؤمن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به من الأمور الغائبة، وإن لم يعلم كيفية ذلك، كما مدح سبحانه المؤمنين بذلك، بقوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) [ البقرة:3-5] .
وقد مدح الله سبحانه أهل العلم : بأنهم يقولون في المتشابه ( آمنا به كل من عند ربنا ) [ آل عمران:7] وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما علمتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه " إذا علمت ذلك : فاعلم أن شراح الحديث، ذكروا فيه أقوالا، الله أعلم بصحتها ؛ قال : في فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، قوله : " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت " وفي رواية :" يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح ".
وذكر مقاتل، والكلبي : في تفسيرهما، في قوله تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة ) [الملك:2] قال : خلق الموت في صورة كبش، لا يمر على أحد إلا مات ؛ وخلق الحياة في صورة فرس، لا تمر على أحد إلا حيي ؛

(1/237)


(ص252) قال القرطبي : الحكمة في الإتيان بالموت هكذا ؛ الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء به، كما فدى ولد إبراهيم بالكبش ؛ وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة، والنار، لأن الأملح ما فيه بياض وسواد .
ثم قال ابن حجر : قال القاضي أبو بكر ابن العربي : استشكل هذا الحديث، فأنكرت صحته طائفة، ودفعته ؛ وتأولته طائفة، قفالوا : هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة وقالت طائفة بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم يعرفه، لأنه الذي تولى قبض أرواحهم .
قلت : وارتضى هذا بعض المتأخرين، وحمل قوله : هو الموت الذي وكل بنا، على أن المراد به ملك الموت، لأنه هو الذي وكل بهم في الدنيا، واستشهد له من حيث المعني : بأن ملك الموت لو استمر حيا لنغص عيش أهل الجنة، وأيده بقوله في حديث الباب : " فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم " انتهى، قلت : ويكفي المؤمن اللبيب الإيمان بالله ورسوله، فيما لا يتبين له حقيقة معناه، وظاهر الحديث بين لا إشكال فيه، عند من نور الله قلبه بالإيمان، وشرح صدره بالإسلام .

(1/238)


(ص253) وسئل أيضا : رحمه الله تعالى عن قوله صلى الله عليه وسلم :" ما منا إلا من عصى أوهم بمعصية إلا يحيي بن زكريا " والإجماع منعقد على : أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر وإذا قيل إنهم معصومون، فما بال أولاد يعقوب، ومعلوم بالضرورة أنهم أنبياء، وحال آدم حين قال الله تعالى : ( وعصى آدم ربه فغوى ) [طه:121] وكذلك داود مع قوله عليه السلام : " كلنا خطاؤون " فذكر الجواب من وجوه .
الوجه الأول : أن لفظ الحديث المروي في ذلك " ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا وقد أذنب إلا يحيى بن زكريا" أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، أنبأنا معمر عن قتاده في قوله : " ولم يكن جبارا عصيا ) [ مريم:14] قال : كان ابن المسيب يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، فذكره، وهذا مرسل، لكن أصح المراسيل عند أهل الحديث : مرسل سعيد بن المسيب ؛لكن أخرج أحمد في مسنده، عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أوهم بخطيئة، ليس يحيي بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى ".
الوجه الثاني : أن الذي عليه المحققون من العلماء، من الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنيفة :

(1/239)


(ص254) أن الأنبياء معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فقد تقع منهم، لكنهم لا يقرون عليها، بل يتوبون منها، ويحصل لهم بالتوبة منها أعظم مما كان قبل ذلك ؛ وجميع أهل السنة، والجماعة : متفقون على أنهم معصومون في تبليغ الرسالة، ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين .
قال : شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس، رحمه الله تعالى، في كتاب منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية : واتفق المسلمون على أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، فكل ما يبلغون عن الله من الأمر والنهي، فهم مطاعون فيه باتفاق المسلمين، وما أمروا به ونهوا عنه، فهم مطاعون فيه، عند جميع فرق الأمة إلا عند طائفة من الخوارج : أن النبي معصوم فيما يبلغه عن الله ؛ لا فيما يأمر به وينهي عنه ؛ وهؤلاء : ضلال باتفاق أهل السنة والجماعة، وأكثر الناس، أو كثير منهم لا يجوزون عليهم الكبائر ؛ والجمهور : يجوزون الصغاير، يقولون : إنهم لا يقرون عليها، بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنزلة، أعظم مما كان قبل ذلك، انتهى كلامه .
فتبين : بما ذكرنا، وهم السائل، وخطؤه في نقل الإجماع ، على أنهم معصومون من الكبائر والصغائر، ولعله قد غره : كلام بعض المتأخرين، الذين يقولون بذلك، أو يقلدون من يقوله من أئمة الكلام، الذين لا يحققون مذهب

(1/240)


(ص255) أهل السنة والجماعة، ولا يميزون بين الأقوال الصحيحة، والضعيفية، والباطلة ؛ كيف والقرآن محشو من الدلائل، على وقوع الذنوب منهم؟! كقوله تعالى : (وعصى آدم ربه فغوى ) [طه:121] وقوله عن موسى عليه السلام : ( رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) [القصص:16] .
وقول يونس عليه السلام : ( لا إله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) [الأنبياء:87] وقول نوح عليه السلام : ( وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) [ هود :47] وقوله عن آدم عليه السلام : ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) الآية [ الأعراف:23] وقول إبراهيم عليه السلام : (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) [الشعراء:82] وقوله عن داود عليه السلام ( فاستغفر ربه ) الآية [ص :24] وقل موسى عليه السلام : ( رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ) [ الأعراف : 151 ] وقوله عن نبيه صلى الله عليه وسلم ( فاستغفر لذنبك وللمؤمنين ) الآية [ محمد : 19 ] وقوله : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) الآية [ الفتح : 2 ] . وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو، يقول : " رب اغفر لي ذنبي كله ، دقه، وجله وأوله، وآخره، وسره وعلانيته " وقوله : " اللهم اغفر لي جهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي " وأشباه ذلك كثير، والله أعلم .

(1/241)


(ص256) وسئل أيضا : عبد الله بن الشيخ، محمد، عن حديث جبريل، وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان .
فأجاب : فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام : بالأعمال الظاهرة ؛ وهي : أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا .
وفسر الإيمان : بالأعمال الباطنة، وهي أعمال القلب، فقال : أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر ، وتؤمن بالقدر، خيره وشره ؛ فهذه : ستة أصول الإيمان ؛ نسأل الله أن يرزقنا فهمها، والعمل بمقتضاها .
وفسر الإحسان، بقوله : " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ففسره بأن تعبد الله، كأنك تشاهده، فإن لم تكن تشاهده، فهو يراك، لا يخفي عليه منك شيء حتى ما توسوس به نفسك ؛ والإحسان : أعلى المراتب العالية، وبعده في المرتبة والفضيلة : الإيمان بالله، وبعده في المرتبة والفضيلة : الإسلام، وكل واحد منهما يتضمن الأخر ، مع الإطلاق، وإذا قرن بينهما في آية، أو حديث، فسره أهل العلم بما ذكرنا .

(1/242)


(ص257) سئل الشيخ : حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله تعالى، عن فعل الفقراء .
فأجاب : هو بدعة، لأنه عمل لم يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله الصحابة، ولا التابعون ؛ بل قد ورد النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة ؛ فمن ذلك : ما في الصحيح عن عائشة، رضي الله عنها، قالت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وفى لفظ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .
وفي حديث العرباض، بن سارية : أنه صلى الله عليه وسلم قال : " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " فعمل الفقراء محدث، في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ليس عليه أمره، فهو بدعة ضلالة .
وأيضا : فهو قول أهل العلم ؛ أعني النهي عن جميع المحدثات في الدين .

(1/243)


(ص258) وقال الإمام : عبد العزيز بن محمد بن سعود، رحمهما الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد العزيز بن سعود : إلى من يراه من أهل بلدان العجم والروم ؛ أما بعد : فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، ونسأله : أن يصلي، ويسلم على حبيبه من خلقه، وخليله من عبيده، وخيرته من بريته، محمد عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التحيات، وعلى إخوانه من المرسلين، وعلى آله وأصحابه، صلاة وسلاما دائمين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين .
ثم نخبركم : أن محمدا خلفا النواب، ألفى علينا مع الحاج، وأقام عندنا مدة طويلة، وأشرف على ما نحن عليه من الدين، وما ندعوا إليه الناس، وما نقاتلهم عليه، وما نأمرهم به، وما ننهاهم عنه، وحقائق ما عندنا : يخبركم به أخونا محمد من الرأس ؛ ونحن : نذكر لكم ذلك، على سبيل الإجمال .
أما الذي نحن عليه، وهو الذي ندعوا إليه من خالفنا : أنا نعتقد أن العبادة حق لله على عبيده، وليس لأحد من عبيده

(1/244)


(ص259) في ذلك شيء، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل ؛ فلا يجوز لأحد : أن يدعو غير الله، لجلب نفع، أو دفع ضر، وإن كان نبيا أو رسولا، أو ملكا، أو وليا ؛ وذلك أن الله تبارك وتعالى، يقول في كتابه العزيز : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) [الجن:18] وقال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا، قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) [الجن:21-22] .
وقال عز من قائل : ( ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [الأحقاف :5-6] وقال عز من قائل : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [الأنبياء:25] وقال جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه : ( له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال )[الرعد:14] وقال : ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) [المؤمنون:117] .
ولا يجوز لأحد يتوكل على غير الله، ولا يستعيذ بغير الله، ولا ينذر لغير الله، تقربا إليه بذلك، ولا يذبح لغير الله، كما قال تعالى : ( فصل لربك وانحر ) [ الكوثر:2]

(1/245)


(ص260) وقال : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) [ الأنعام :162-163] وقال عز وجل : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) [ التوبة:51] .
فإن قال قائل / أتوسل بالصالحين، وأدعوهم، أريد شفاعتهم عند الله ؛ وقد يحتج على ذلك بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) [ المائدة : 35 ] قيل له : الوسيلة المأمور بها، هي : الأعمال الصالحة ؛ وبذلك فسرها جميع المفسرين، من الصحابة فمن بعدهم ؛ أو يتوسل إلى الله بعمله الصالح، كما قال عز وجل إخبار عن المؤمنين : ( ربنا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ) [ آل عمران : 16 ] وقال عنهم في آخر الصورة : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فأمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ) [ آل عمران : 193 ] وكما حديث الثلاث، الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم .
وأما دعوة غير الله، والالتجاء إليهم، والاستغاثة بهم، لكشف الشدائد، أو جلب الفوائد، فهو الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو الذي أرسل الله رسله وأنزل كتبه بالنهى عنه ؛ وإن كان الداعي غير الله : إنما يريد شفاعتهم عند الله ؛ وذلك لأن الكفار، مشركي العرب،
( ص261) وغيرهم، إنما أرادوا ذلك، كما قال تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) [ يونس : 18 ] .

(1/246)


وقال في الآية الأخرى : ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) [ الزمر : 3 ] ولم يقولوا : إنها تخلق، وترزق، وتحيي، وتميت، وإنما كانوا يعبدون آلهتهم، ويعبدون تماثيلهم، ليقربوهم إلى الله ويشفعوا لهم عنده ؛ فبعث الله رسله، وأنزل كتبه ينهى أن يدعي أحد غيره، ولا من دونه، لادعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة.
وهذا هو دين جميع الرسل، لم يختلفوا فيه كما اختلفت شرائعهم في غيره ؛ قال الله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ) [الشورى : 13] وهو معنى لا إله إلا الله، فان الإله هو المعبود بحق، أو باطل ؛ فمن عبد الله وحده لا شريك له، وأخلص الدعوة كلها لله، وأخلص التوكل على الله، وأخلص الذبح، وأخلص النذر لله، فقد وحد الله بالعبادة، وجعل الله إلهه دون ما سواه .
ومن أشرك مع الله إلها غيره في الدعوة، أو في الاستغاثة، أو في التوكل، أو في النذر ،فقد اتخذ مع الله إلها آخر، وعبد معه غيره، وهو أعظم الذنوب، إثما عند الله، كما ثبت في الصحيحين، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قلت يا رسول الله، أي الذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " الحديث . وقال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ] وقال ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ) [المائدة:72].
وهذا :هو سبب عداوة الناس لنا، وبغضهم إيانا، لما أخلصنا العبادة لله وحده، ونهينا عن دعوة غير الله، ولوازمها من البدع المضلة ،والمنكرات المغوية

(1/247)


(ص262) فلأجل ذلك رمونا بالعظائم، وحاربونا، ونقلونا عند السلاطين والحكام، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، فنصرنا الله عليهم ،وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، وذلك سنة الله وعادته مع المرسلين، وأتباعهم إلى يوم القيامة
قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) [ غافر :51] وقال تعالى : ( وإن جندنا لهم الغالبون ) [ الصافات : 173] وقال عن موسى صلاة الله وسلامه عليه أنه قال لقومه : ( استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) [ الأعراف:128] وقال تعالى : ( ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ) [ يونس :103] وقال

(1/248)


(ص263) تعالى : ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) [ الروم:47] .
ونأمر جميع رعايانا : باتباع كتاب الله، وسنة رسوله، وإقام الصلاة في أوقاتها، والمحافظة عليها، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، من استطاع إليه سبيلا ؛ ونأمر بجميع ما أمر الله به ورسوله من العدل، وإنصاف الضعيف من القوي، ووفاء المكاييل والموازين، وإقامة حدود الله على الشريف، والوضيع .
وننهى : عن جميع ما نهى عنه الله ورسوله، من البدع والمنكرات ؛ مثل الزنا، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وظلم الناس بعضهم بعضا ؛ ونقاتل : لقبول فرائض الله التي أجمعت عليها الأمة ؛ فمن فعل ما فرض الله عليه فهو أخونا المسلم، وإن لم يعرفنا ونعرفه
ونحن نعلم : أنه يأتيكم أعداء لنا، يكذبون علينا عندكم، ويرموننا عندكم بالعظائم، حتى يقولوا : إنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرون الناس بالعموم ؛ وإنا نقول : إن الناس من نحو ستمائة سنة ليسوا على شيء، وأنهم كفار، وإن من لم يهاجر إلينا فهو كافر ؛ وأضعاف أضعاف ذلك من الزور، الذي يعلم العاقل أنه من الظلم، والعدوان، والبهتان .
ولكن : لنا في رسول الله أسوة، فإن أعداءه قالوا :إنه يشتم عيسى وأمه، وسموه بالصابئي، والساحر، والمجنون ؛

(1/249)


(ص264) ونحن : لا نكفر إلا من عرف التوحيد وسبه، وسماه دين الخوارج، وعرف الشرك وأحبه، وأحب أهله، ودعى إليه، وحض الناس عليه بعدما قامت عليه الحجة، وإن لم يفعل الشرك، أو فعل الشرك، وسماه التوسل بالصالحين، بعدما عرف : أن الله حرمه، أو كره بعض ما أنزل الله، كما قال تعالى : ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) [محمد:9] أو استهزأ بالدين، أو القرآن، كما قال تعالى : ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) [التوبة:65-66] قال العلماء في هذه الآية : الاستهزاء بالله كفر مستقل بالإجماع، والاستهزاء بالرسول كفر مستقل بالإجماع .
وهذه الأنواع، التي ذكرنا أننا نكفر من فعلها : قد أجمع العلماء كلهم، من جميع أهل المذاهب، على كفر من فعلها ؛ وهذه كتب أهل العلم، من أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم، موجودة ولله الحمد والمنة ؛ وصلى الله على نبينا محمد، وصحبه وسلم .

(1/250)


(ص265) وله أيضا : رحمه الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد العزيز بن سعود : إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني ؛ وفقنا الله وإياهم إلى سبيل الحق والهداية وجنبنا وإياهم طريق الشرك والغواية، وأرشدنا وإياهم إلى اقتفاء آثار أهل العناية .
أما بعد : فالموجب لهذه الرسالة، أن الشريف أحمد، قدم علينا، فرأى ما نحن عليه، وتحقق صحة ذلك لديه، فبعد ذلك : التمس منا أن نكتب ما يزول به الاشتباه، لتعرفوا دين الإسلام، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه .
فاعلموا رحمكم الله تعالى : أن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، فهدى الله به إلى الدين الكامل، والشرع التام، وأعظم ذلك، وأكبره، وزبدته : إخلاص العبادة لله لا شريك له، والنهي عن الشرك، وذلك: هو الذي خلق الله الخلق لأجله، ودل الكتاب على فضله، كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات 56] وقال تعالى : (وما أمروا إلا إلها واحدا ) [التوبة 31 ] وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة

(1/251)


(ص266) رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [النحل : 36] .
وإخلاص الدين، هو : صرف جميع أنواع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له ؛ وذلك : بأن لا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يذبح إلا لله، ولا يخشى، ولا يرجى سواه، ولا يرهب، ولا يرغب إلا فيما لديه، ولا يتوكل في جميع الأمور إلا عليه، وأن كل ما هنالك لله تعالى، لا يصلح منه شيء لملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا غيرهما ؛ وهذا : هو بعينه توحيد الألوهية، الذي أسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم عن الكافر ؛ وهو معنى : شهادة أن لا إله إلا الله .
فلما من الله علينا بمعرفة ذلك، وعرفنا أنه دين الرسل : اتبعناه ودعونا الناس إليه ؛ وإلا فنحن قبل ذلك على ما عليه غالب والناس، من الشرك بالله، من عبادة أهل القبور، والاستغاثة بهم، والتقرب إلى الله بالذبح لهم، وطلب الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات، وارتكاب الأمور المحرمات، وترك الصلوات، وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله تعالى الحق بعد خفائه، وأحيى أثره بعد عفائه، على يد شيخ الإسلام، فهدى الله تعالى به من شاء من الأنام .
وهو الشيخ : محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله له في آخرته المآب، فأبرز لنا ما هو الحق والصواب، من كتاب الله المجيد، الذي : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

(1/252)


(ص267) تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت :42] .
فبين لنا : أن الذي نحن عليه، وهو دين غالب الناس، من الاعتقادات في الصالحين، وغيرهم، ودعوتهم، والتقرب بالذبح لهم، والنذر لهم، والاستغاثة بهم في الشدائد، وطلب الحاجات منهم : أنه الشرك الأكبر، الذي نهى الله عنه، وتهدد بالوعيد الشديد عليه، وأخبر في كتابه أنه لا يغفره إلا بالتوبة منه .
قال الله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [النساء:48] وقال تعالى : ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) [المائدة:72] وقال تعالى : ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ) [فاطر :14] والآيات في أن دعوة غير الله تعالى الشرك الأكبر : كثيرة، واضحة، شهيرة .
فحين : كشف لنا الأمر ؛ وعرفنا ما نحن عليه من الشرك، والكفر بالنصوص القاطعة، والأدلة الساطعة، من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الأئمة الإعلام ، الذين أجمعت الأمة على درايتهم ؛ عرفنا : أن ما نحن عليه، وما كنا ندين به أولا : أنه الشرك الأكبر، الذي نهى الله عنه، وحذر ؛ وأن الله إنما أمرنا أن ندعوه وحده لا شريك له، وذلك كما قال تعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) [الجن:18] وقال تعالى : ( له دعوة الحق ) [الرعد : 14]

(1/253)


(ص268) وقال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [الأحقاف:5-6) .
إذا عرفتم هذا، فاعلموا رحمكم الله تعالى : أن الذي ندين الله به، هو : إخلاص العبادة لله وحده، ونفي الشرك، وإقام الصلاة في الجماعة، وغير ذلك من أركان الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ؛ ولا يخفى على ذوي البصائر، والأفهام، والمتدبرين من الأنام : أن هذا هو الدين، الذي جاءنا به الرسول صلى الله عليه وسلم قال جل جلاله : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) [آل عمران:85] وقال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) [المائدة:3] .
فمن قبل ولزم العمل به، فهو حظه في الدنيا، والآخرة، ونعم الحظ دين الإسلام، ومن أبى واستكبر، فلم يقبل هدى الله لما تبين له نوره وسناه، نهيناه عن ذلك، وقاتلناه، قال الله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) [الأنفال:39] وقصدنا بإرسال هذه النصيحة إليكم : القيام بواجب الدعوة، قال الله تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) [يوسف:108] وصلى الله على محمد .

(1/254)


(ص269) وله أيضا :
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد العزيز بن سعود : إلى جناب أحمد بن علي القاسمي، هداه الله، لما يحبه ويرضاه .
أما بعد : فقد وصل إلينا كتابك، وفهمنا ما تضمنه من خطابك، وما ذكرت من أنه قد بلغكم : أن جماعة من أصحابنا، صاروا ينقمون على من هو متمسك بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن مذهبه مذهب أهل البيت الشريف ؛ فليكن لديك معلوما أن المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما عليه أهل البيت الشريف فهو لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة . ولكن الشأن : في تحقيق الدعوى بالعمل ؛ وهذه الأمة : افترقت على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل : من هي يا رسول الله ؟ قال : " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " وجميع أهل البدع والضلال من هذه الأمة : يدعون هذه الدعوى، كل طائفة تزعم أنها هي الناجية .
فالخوارج، والرافضة، الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار، وكذلك الجهمية، والقدرية، وأضرابهم، كل فرقة من

(1/255)


(ص270) هذه الفرق : تدعي أنها هي الناحية، وأنهم المتمسكون بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فصار في هذا تصديق لقوله صلى الله عليه وسلم : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ".
وأما ما ذكرت : من أن مذهب أهل البيت أقوى المذاهب، وأولاها بالاتباع، فليس لأهل البيت مذهب، إلا اتباع الكتاب، والسنة، كما صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قيل له : هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ فقال : لا ؛ والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة .. الحديث ؛ وهو مخرج في الصحيحين .
وأهل البيت، رضي الله عنهم : كذبت عليهم الرافضة، ونسبت إليهم ما لم يقولوه، فصارت الروافض ينتسبون إليهم، أهل البيت براء منهم، فإياك أن تكون أنت وأصحابك منهم، فإن أصل دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل بيته، عليهم السلام، هو : توحيد الله بجميع أنواع العبادة، لا يدعى إلا هو ولا ينذر إلا له ولا يذبح إلا له ولا يخاف خوف السراء إلا منه منه، ولا يتوكل إلا عليه ؛ كما دل على ذلك الكتاب العزيز .
فقال تعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) [ الجن:18] وقال تعالى : ( له دعوة الحق والذين يدعون

(1/256)


(ص271) من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ) [ الرعد:14] وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )[النحل:36] وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [الأنبياء:25] .
فهذا التوحيد، هو : أصل دين أهل البيت – عليهم السلام – من لم يأت به، فالنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته : براء منه، قال الله تعالى: ( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ) [التوبة :3] .
ومن مذهب أهل البيت : إقامة الفرائض، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج ؛ ومن مذهب أهل البيت : الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإزالة المحرمات ؛ ومن مذهب أهل البيت : محبة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان ؛ وأفضل السابقين الأولين : الخلفاء الراشدون، كما ثبت ذلك عن علي من رواية ابنه محمد بن الحنيفة، وغيره من الصحابة، أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها : أبو بكر، ثم عمر ؛ والأدلة : الدالة على فضيلة الخلفاء الراشدين، أكثر من أن تحصر .
فإذا كان مذهب أهل البيت : ما أشرنا إليه، وأنتم تدعون أنكم متمسكون بما عليه أهل البيت، مع كونكم على خلاف ما هم عليه ؛ بل أنتم مخالفون لأهل البيت، وأهل

(1/257)


(ص272) البيت براء مما أنتم عليه ؛ فكيف يدعي اتباع أهل البيت : من يدعو الموتى ؟! ويستغيث بهم في قضاء حاجاته، وتفريج كرباته ؟! والشرك ظاهر في بلدهم، فيبنون القباب على الأموات، ويدعونهم مع الله، والشرك بالله هو أصل دينهم، مع ما يتبع ذلك من ترك الفرائض، وفعل المحرمات، التي نهى الله عنها في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وسب أفاضل الصحابة : أبو بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة .
وأما قولك : إن أناسا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار صلى الله عليه وسلم !
فنقول : بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، والناس أجمعين ؛ لكن لم يأمرنا بالغلو فيه، وإطرائه ؛ بل هو : صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فيما ثبت عنه في الصحيح، أنه قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله ".
وفي الحديث الأخر : أنه قال، وهو في السياق : " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا " قالت عائشة رضي الله عنها : ولولا ذلك لا برز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا ؛ وفي الحديث الأخر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " وثبت عن علي بن الحسين : أنه

(1/258)


(ص273) رأى رجلا يأتي إلى فرجة، كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدعو، فنهاه عن ذلك، واحتج عليه بالحديث .
وأما قولك : إن المراد بقوله : " لا تتخذوا قبري عيدا " تكرار الزيارة، المرة بعد المرة، والفينة بعد الفينة، وأن الزيارة لا تكون مثل العيد، مرتين فقط، بل تكون متتابعة، ومكررة، فلا يكون الاعتقاد منكم غير هذا .
فهذا : دليل على جهلك بمذهب أهل البيت، وبما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن أهل البيت، فسروا الحديث، بأن المراد : اعتياد إتيانه، والدعاء عنده، كما تقدم ذلك عن زين العابدين، على بن الحسين رضي الله عنه، وهذا : هو الذي استمر عليه عمل السلف، وأهل البيت، فإنهم كانوا إذا دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه، وعلى صاحبيه ؛ ولم يقفوا عند النبي صلى الله عليه وسلم لأجل الدعاء هناك، ولم يتمسحوا به، بل إذا أراد أحدهم الدعاء هناك : انصرف عن القبر، واستقل القبلة، ودعا .
وأما قولك : وأوجب الصلاة عليه، وعلى آله في الصلاة .
فالذي عليه أكثر العلماء : أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وعلى آله في الصلاة لا تجب، وأوجبها بعض العلماء، مستدلا بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) [ الأحزاب : 56 ] وليس في الآية دليل : على أن الصلاة عليه فرض، لا تصح الصلاة بدونها ؛ وأما الصلاة على آله : فلم .
( ص274) نعلم أحد من العلماء أوجبها، وقال . إن من ترك الصلاة على الآل، لا تصلح صلاته، بل هذا خلاف ما عليه أهل العلم، أو أكثرهم .
وأما قولك : ولا يحسن الاعتراض من أحد على أحد في مذهبه، وكل مجتهد مصيب، على الأصح من الأقوال .

(1/259)


فهذا : في الفروع، لا في الأصول ؛ فان الخوارج، والجهمية، والقدرية، وغيرهم، من فرق الضلالة : يدعون أنهم مصيبون ؛ بل المشركون وغيرهم من اليهود والنصارى، يدعون ذلك، قال الله تعالى : ( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) [ الأعراف : 30] وقال تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) [ الكهف : 103 –104 ] .
وأما ما ذكرت من كثرة جنودكم وأموالكم : فلسنا نقاتل الناس بكثرة ولا قوة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين، الذي أكرمنا الله به، ووعد من قام به النصر على من عاداه، فقال تعالى ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) [ الحج 40-41 ] وقال تعالى : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) [الصافات:171-173] وصلى الله على محمد وآله وصحبه .

(1/260)


(ص275) وله أيضا : عفى الله عنه .
بسم الله الرحمن الرحيم
( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون، وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ) الآية [ الأنعام:1-3]
من عبد العزيز بن سعود، إلى الأخ ياقوت، سلمه الله من الآفات، واستعمله بالباقيات الصالحات ؛ وبعد : الخط وصل، وصلك الله إلى رضوانه، وسر الخاطر ما ذكرت من حالك، والله المحمود على ذلك، فأنت اعزم وتوكل على الله ؛ فإن النفوس لها إقبال وإدبار، فأنت خذ بإقبالها واستعن بالله، قال جل جلاله : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) [ النساء:100] .
ويذكر لنا : أن أحمد بن الشريف عباس، إمام صنعا، متوجه لهذا الدين، وعارفه ومحبه ؛ وكذلك : يذكر ناس من طلبة العلم، عرفوا التوحيد، وشهدوا به، وأنكروا الشرك بالله ؛ فالمأمول فيك تلطف للناس، وتدعوهم إلى الله، وتذكر قوله سبحانه : ( ومن أحسن قولا ممن دعى إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) الآيات [ فصلت :33 – 36 ]

(1/261)


(ص276) وقوله تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) [ يوسف:108] .
وفي الحديث، عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حين أعطى عليا رضي الله عنه الراية، يوم فتح خبير، قال : " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله : لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " .
وأساس الإسلام ورأسه : توحيد الله بالعبادة ؛ والعبادة : فعل العبد، وإلا : أفعاله تعالى، كل معترف له بها، الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والتدبير ؛ حتى : إن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلصون لله الدين في حال الشدائد، مثل، ما قال سبحانه وتعالى : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) [ العنكبوت : 65] .
والشرك اليوم : تغلب على غالب الناس، وصار الدعوة، والذبح، والنذر لغير الله، وغير ذلك من العبادات، والتوكل، والخوف، والرجاء : صرف لغير الله ؛ فلما أنكر عليهم الشيخ – عفا الله عنه – الشرك بدعوه، وخرجوه، ورموه بالعظائم ؛ وهو كما قال : محمد بن إسماعيل الصنعاني : وليس له ذنب سوى أنه أتى بتحكيم قول الله في الحل والعقد ].
( ص277) وفى البيت الأخر : وما كل قول بالقبول مقابل ... ... وما كل قول واجد الطرد والرد
... ... ... سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل يا ذا عن الرد
... ... ... وأما أقاويل الرجال فإنها ... ... تدور على حسب الأدلة في النقد
فيكون عندكم معلوما : أن جميع الفرائض، وجميع المحرمات، ما اختلفنا نحن والناس في شيء من ذلك ؛ الاختلاف وقع بيننا وبين الناس : عند حق لله تعالى، كون العبادة له وحده لا شريك له ؛ وحق الرسول صلى الله عليه وسلم التصديق والطاعة، في جميع ما يأمر به، وجميع ما ينهى عنه .

(1/262)


ويكفيك : ما ذكر الله في آخر سورة الكهف : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) [ الكهف : 110] وكذلك الآية التي كتب صلى الله عليه وسلم لعظيم الروم : هرقل ؛حيث قال :" أما بعد : أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسين و ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ) إلى قوله : ( فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) [ آل عمران :64] ولكن : مثل ما قال الجني (هو جنى سمع ينشد أبياتا في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وقصته مشهورة في السير):

(1/263)


(ص278) وإن قال في يوم مقالة غائب ... ... ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد
قال صلى الله عليه وسلم :" لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا ضب لدخلتموه، قالوا اليهود والنصارى، يا رسول الله ؟ قال : " فمن ؟" وفي الحديث الثاني : أخبر صلى الله عليه وسلم " أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة ؛ والنصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة " قيل يا رسول الله، من الواحدة ؟ قال : " من كان على مثل ما أنا عليه إلا ن وأصحابي " وفي الحديث الأخر ، قال صلى الله عليه وسلم :" لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وحتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ".
والعادة : ملاكة، تقلب الشين زينا، ولم تعادى الرسل بشيء قط : أعظم من العادة، قال الله تعالى عن المشركين : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ) [ الزخرف:22] والآية الأخرى : ( وإنا على آثارهم مقتدون ) [ الزخرف :23] وقوله تعالى : ( فهم على آثارهم يهرعون ) [ الصافات:70] .
وأنا أعزم عليك، وألزم عليك، أن تتلطف لعلماء أهل صنعاء، وتقرأ عليهم هذا الكتاب .

(1/264)


(ص279) وله أيضا : رحمة الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
التحية والإكرام، يهدى إلى سيد الأنام، محمد عليه من الله : أفضل الصلاة والسلام، ثم ينتهي إلى جناب أكرمه الله بما أكرم به عباده الصالحين .
أما بعد : فألفا علينا سعيد بن ثنيان، وحكى لنا عنك من حسن السمت، والسيرة، ما سر الخاطر ؛ ونسأل الله العظيم : أن يجعلنا وإياك من أئمة المتقين ؛ ويذكر : أنك حريص على معرفة حالنا، وما نحن عليه ؟ فنخبرك بصورة الحال : أنا والناس فيما مضى، على دين واحد، ندعوا الله وندعوا غيره، وننذر له وننذر لغيره، ونذبح له ونذبح لغيره، ونتوكل عليه ونتوكل على غيره، ونخاف منه ونخاف من غيره، ونقر بالشرائع، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، والذي يعمل بهذا عندنا القليل، مع الإقرار، ونقر بالمحرمات، من أنواع الربا، والزنا وشرب الخمر، وما يشبه هذا من أنواع المحرمات، ولا ينكرها خاص على عام !!
وبين الله لنا التوحيد في آخر هذا الزمان، على يدي ابن عبد الوهاب، وقمنا معه، وقام علينا الناس بالعدوان

(1/265)


(ص280) والإنكار، لما خالف دين الآباء والأجداد، وقال الناس، مثل ما قال الذين من قبلهم : ( بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) [ الشعراء : 74] وقالوا : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) [ الزخرف :23] .
وقام على الناس : بالأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع صالح سلف الأمة ، الذين قال فيهم صلاة الله وسلامه عليه :" عليكم بسنتى، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " وفى الحديث الثاني : قال صلى الله عليه وسلم : ( تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك " وفى الحديث الثالث : " كل ما ليس عليه أمرنا فهو رد " والأحاديث في هذا النوع ما يمكن حصرها، ولكن نذكر هذا على سبيل التنبيه .
فنقول الحلال ما حلل صلى الله عليه وسلم الحرام ما حرم ؛ وقال الله جل جلاله : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) [المائدة:3] فأول ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومعنى لا إله إلا الله : نفى الألهية عما سوى الحق جل جلاله، وإثباتها له وحده لا شريك له، والإلهية فعل العبد .
وأما أفعاله جل جلاله، فلا وقع فيها نزاع عند الكافر، ولا عند المسلم، قال الله لنبيه : ( قل من يرزقكم من السماء

(1/266)


(ص281) والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ) [ يونس:31] وبالإجماع : أن السؤال للكفار ؛ وفي الآية الأخرى : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) [يونس:18] .
ويكفيك أول : الزمر – تنزيل – بين فيها دين الإسلام من دين الكفار في آيتين، قال : ( بسم الله الرحمن الرحيم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم، إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين، إلا لله الدين الخالص ) [ الزمر:1-3] هذا دين الإسلام، الذي دعت إليه الرسل جميعا، من أولهم نوح، إلى آخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليه .
وقال تعالى : ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) [ الزمر:3] فصرحت الآية : أن غاية الكفار، ومطلبهم القربة، والشفاعة بهذا الدعاء.
فالمأمول فيك : ما تغتر بأكثر الناس، فإن نبيك صلى الله عليه وسلم أخبر في الأحاديث الصحاح : أن دينه سيتغير، وتفعل أمته كما فعل بنو إسرائيل، وأنها ستفترق كما افترق من قبلها من الأمم،

(1/267)


(ص282) قال صلاة الله وسلامه عليه : " لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع "، " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه "، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال : " فمن " ؟ وقال صلى الله عليه وسلم : " لتأخذ أمتي بما أخذت الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو أن منهم من أتى أمه علانية، لكان من أمتي من يأتي أمه علانية " وقال : " افترقت اليهود عن واحدة وسبعين فرقة، والنصارى عن ثنتين وسبعين فرقة، وستفرق أمتي عن ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " والأحاديث في هذا ما تحصى، ولكن الغرض : التنبيه .
وأما الآيات، فقال جل جلاله : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) [ الأنعام:116] وقال : ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) [ الأعراف :102] وقال : ( وقليل ما هم ) [ ص:24] ( وقليل من عبادي الشكور ) [ سبأ: 13] وفي الحديث : أن بعث الجنة من الألف واحد .
فالمأمول فيك : تجمع علماء صنعا، وتؤمنهم، وتعرض عليهم الكتاب، وتسألهم بالذي أنزل الفرقان على محمد، عن جميع ما ذكرنا في الورقة، وأرجو أن الحق بين لك من الباطل . والوجه الثاني : إن جاز عندك : توجه إلينا اثنين أو ثلاثة من طلبة العلم، الذين عليهم الاعتماد عندكم، فلا

(1/268)


(ص283) نعافها منك، فلك عندي وقارهم، وإكرامهم، وتوصيلهم إليك إن شاء الله .
ويا علي : يا ولدي، أذكرك الله، والذي بعد الموت من الخير والشر، فإن الدنيا زائلة، وزائل ما فيها من الخير والشر والآخرة باقية، وباق ما فيها من الخير والشر ؛ ودين جدك – صلاة الله وسلامه عليه – فيه خير الدنيا والآخرة ؛ قال جل جلاله، في أهل طاعته : ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ) [ آل عمران :148] .
وأنا أصف لك شيئا من الحال، فإن مبتدأ الأمر : رجل حادقينه الناس، ومعادينه ؛ واليوم دولته ما تقصر عن ألف مبندق وعشرة آلاف فارس، وكل من تبين على هذا الحق بعداوة، كسره الله، وأزال دولته، وأرى فيه العجائب .
ويكون عندك معلوما : أن الشرائع والمحرمات، ما وقع بيننا وبين الناس فيها اختلاف، الذي عندنا زين عندهم زين، والذي عندنا شين عندهم شين، إلا أنا فضلناهم بفعل الزين، وغصب الرعايا عليه، وترك الشين وتقويم الحدود، والتأديب على من فعله، وغالب عدواننا : ما يفعلون الزين الذي ما ينكر، ولا ينكرون الشين الذي ينكر .
فالأصل الذي اختلفنا فيه : التوحيد، والشرك، فنقول

(1/269)


(ص284) مثل ما قال جل جلاله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) [ الجن:18] وقال تعالى : ( له دعوة الحق ) الآية [ الرعد:14] وفي الآية الأخرى : ( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) [سبأ:22-23] .
فصرحت الآية ، مثل ما صرحت آية الكرسي : أن الشفاعة ما تكون إلا من بعد الإذن، وفي الحديث، قيل يا رسول الله : من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : " من قال لا إله إلا الله خالصا من قبله، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص ".
وقال جل حلاله : ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ) [ الحج:73] فلا تغتر بالناس ؛ قال جل جلاله : ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) [ التوبة :34] فهذه حال العلماء والعباد، فما ظنك في غيرهم ؟
والمأمول فيك : الجواب، والله ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) [ يونس :25] وصلى الله على محمد آله وصحبه وسلم .

(1/270)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية