صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي
المؤلف : عبد القادر عودة
الناشر : دار الكتب العلمية
مصدر الكتاب : [ بجزئيه ] ملف وورد أهداه بعض الأخوة للبرنامج
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ويرى الشافعى وأحمد أن الضرب بمثقل يقتل غالبا هو قتل عمد إذا أدى للموت كالعصا الغليظة والحجر وعمود الحديد. ويلحق بالمثقل ما يعمل عمله كإلقاء حائط أو سقف والإلقاء من شاهق. ويعتبر أن القتل عمدا أيضا ولو كان الضرب بمثقل صغير كعصا خفيفة أو عصا صغير أو لكزة يد فى مقتل أو فى حال ضعف المضروب لمرض أو صغر أو حر مفرط أو برد شديد ولو ضربه ضربة واحدة. وكذلك يعتبر قاتلا عمدا ولو لم يكن الضرب فى مقتل، ولو لم يكن المضروب ضعيفا أو صغيرا... الخ، وذلك فى حالة تكرار الضرب؛ لأن تكرار الضرب وموالاته يقتل غالبا. وهذا كله قائم على أساس القاعدة التى أخذ بها الشافعى وأحمد، وهى اشتراط أن تكون الآلة أو الوسيلة قاتلة غالبا بذاتها أو لظروف الفعل ووقته وحال المجنى عليه وأثر الفعل فيه.
أما أبو حنيفة فيرى القتل بالمثقل قتلا شبه عمد أيا كان المثقل ثقيلا أو خفيفا؛ لأنه يشترط أن تكون الآلة قاتلة غالبا وأن تكون معدة للقتل، والمثقل إذا قتل غالبا فإنه لا يعد للقتل، ولا يستثنى أبو حنيفة من هذا إلا الحديد فى رواية ويلحق بالحديد ما هو فى معناه أى ما يستعمل استعماله كالنحاس والصفر فهذه إذا استعملت فى القتل كان القتل عمدا، ولو لم تكن محددة أو طاعنة أى ولو كانت مثقلا كالعمود والملكمة والمطرقة والعصا الملبسة بالحديد. وقد استثنى أبو حنيفة الحديد لأنه يعمل عمل السلاح أو لأنه يعتبر سلاحا بنفسه لقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } [الحديد: 25]، فألحقه بالسلاح فى الحكم وجعل حكمه حكم المحدد وألحق ما فى معنى الحديد بالحديد فى الحكم((1)).
__________
(1) نهاية المحتاج ج7 ص238 وما بعدها , المغنى والشرح الكبير ج9 ص320 , 321 وما بعدها .

(3/71)


ويشترط البعض فى الحديد أن يترك جرحا ليكون القتل عمدا. ولكن البعض الآخر يسوى فى الحكم بين الجراح والرضوض ويعتبر الفعل عمدا فى الحالين((1)).
ويرى أبو يوسف ومحمد أن القتل بالمثقل قتل عمد إذا كان المثقل يقتل غالبا، واعتبر المثقل آلة معدة للقتل باستعماله فى القتل، فتوفر للمثقل شرطا أبى حنيفة، وهو أن يكون قاتلا غالبا وأن يكون معدا للقتل، فإذا لم يكن المثقل قاتلا غالبا فالقتل شبه عمد ولو توالى الضرب((2)).
وحجة أبى حنيفة فى المثقل قوله عليه الصلاة والسلام: “ألا إن فى قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل”، وقد أخذ أبو حنيفة الحديث على إطلاقه وقال: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سمى هذا النوع من القتل عمد الخطأ وأوجب فيه الدية دون القصاص، فهو إذن ليس بعمد، وإنما شبه عمد، ولما كان السوط والعصا والحجر أدوات غير جارحة وكل منها مثقل، فكل مثقل له حكمها؛ أى أن الضرب به لا يكون إلا شبه عمد ولم يستثن من ذلك إلا الحديد الذى لا حد له، لأن الحديد آلة معدة للقتل بطبيعتها بقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} ولأن القتل بعمد الحديد معتاد.
أما بقية الأئمة فقد فسروا الحديث على أن المقصود به المثقل الصغير كالعصا الرفيعة والسوط والحجر الصغير. وهذا أساس الاختلاف بين الأئمة فى حكم المثقل.
79 - الإلقاء فى مهلكة: كأن يجمع بينه وبين أسد فى زبية أو ينهشه كلب أو سبع أو حية أو يلسعه عقرب.
__________
(1) الزيلعى ج6 ص98 .
(2) البحر الرائق ج8 ص287 - 289 .

(3/72)


يرى أحمد أن الجانى إذا جمع بين المجنى عليه وبين أسد أو نحوه فى مكان ضيق فقتله الأسد، فهو عمد إذا فعل به السبع فعلا يقتل مثله، وإن فعل به السبع فعلا أو فعله الآدمى لم يكن عمدا فالفعل ليس قتلا عمدا، لأن السبع صار آلة للآدمى فكان فعله كفعله، وإن ألقاه مكتوفا بين يدى أسد أو نمر فقتله فهو عمد، وكذلك إن جمع بينه وبين حية فى مكان ضيق فنهشته فقتله فهو عمد وكذلك لو لسعه عقرب من القواتل.
وإن ألقاه فى أرض مسبعة أو ذات حيات فقتله فهو عمد إن كان الفعل يقتل غالبا، وإلا فهو شبه عمد.
وإن نهشته حية أو سبع فقتله فهو عمد، فإن كان مما لا يقتل غالبا كثعبان الحجاز أو سبع صغير ففيه رأيان:
أحدهما: أنه عمد لأن الجرح لا يعتبر فيه غلبة حصول القتل، ولأن الثعبان والسبع من جنس ما يقتل غالبا.
وثانيهما: هو شبه عمد لأن الفعل لا يقتل غالبا.
وإن كتفه وألقاه فى أرض غير مسبعة فأكله سبع أو نهشته حية فمات فهو شبه عمد.
وفى مذهب أحمد من يرى عدم مسئولية الجانى فى حالة الجمع بين المجنى عليه وأسد أو حية لأن الأسد والحية يهربان من الآدمى ولأن الفعل سبب غير ملجئ((1)).
أما فى مذهب الشافعى فيفرقون بين الصبى والبالغ، ويرون أنه إذا وضع جان صبيا فى مسبعة ولو زبية أسد غاب عنها فأكله السبع فلا مسئولية على الجانى لأن الوضع ليس بإهلاك ولم يلجئ السبع إلى افتراسه.
أما إذا ألقى الصبى على السبع وهو فى زبيته أو ألقى السبع عليه أو أغرى السبع به فهو قتل شبه عمد؛ لأن السبع يثبت فى المضيق وينفر بطبيعته من الآدمى فى المتسع ما لم يكن السبع ضاربا يقتل غالبا فهو عمد.
__________
(1) المغنى والشرح الكبير ج9 ص324 , 325 .

(3/73)


وفى المذهب رأى بمسئولية الجانى كلما عجز المجنى عليه أن ينتقل من المحل المهلك، فإن عجز فالقتل شبه عمد، إلا إذا كان السبع ضاريا لا يتأتى الهرب منه فهو عمد. فإن كان المجنى عليه يمكنه الانتقال من المحل المهلك فلم ينتقل أو وضع بغير مسبعة فاتفق أن سبعا أكله أو كان المجنى عليه بالغا فالفعل هدر لا مسئولية عنه((1)).
وفى مذهب أبى حنيفة أن لاشىء على الجانى فى كل هذه الصور فى أى حالة، ولو قتله السبع أو نهشته الحية أو لسعته العقرب((2)).
أما مالك فالفعل عنده فى كل حال قتل عمد، سواء كان الفعل يقتل غالبا أم لا ما دام القصد منه العدوان المحض((3)).
وأساس الخلاف بين القائلين بالمسئولية ومن لا يقول بها هو اختلاف وجهة النظر فى طبيعة الحيوان وقدرة المجنى عليه على التخلص، فمن رأى أن الحيوانات تنفر من الإنسان وتهرب منه وأن المجنى عليه يستطيع أن يتجنب الحيوان، وأن وجود الإنسان ولو مكتوفا أمام الحيوان ليس فيه ما يلجئ الحيوان لافتراسه أو نهشه أو لسعه - من رأى هذا فقد بنى على رأيه عدم المسئولية كما فعل أبو حنيفة. ومن رأى أن الصغير لا يستطيع أن ينجى نفسه كما يفعل الكبير، أو أن الحيوان لا ينفر منه كما ينفر من الكبير فقد رأى المسئولية فى حالة الصغير دون الكبير. ومن رأى أن الهلاك مصدره عجز المجنى عليه عن الابتعاد عن المحل المهلك، فقد جعل المسئولية فى حالة العجز كما فعل بعض الشافعية.
ومن لم ير هذا ولا ذاك فقد حمل الجانى المسئولية إذا كان الفعل يقتل غالبا على اعتبار أنه قتل عمد، فإن لم يكن يقتل غالبا فهو شبه عمد كما يفعل أحمد. أما مالك فقد اعتبر الفعل مهلكا ولم ينظر إلى غير هذا من الاعتبارات فإذا انتهى بإهلاك فالفعل قتل عمد.
__________
(1) نهاية المحتاج ج7 ص332 , وراجع ص248 أيضا .
(2) البحر الرائق ج8 ص294 .
(3) الشرح الكبير للدردير ج4 ص217 .

(3/74)


80 - التغريق والتحريق: يتميز مذهب الشافعى وأحمد فى هذه المسألة، ومن رأيهما أن الجانى إذا ألقى المجنى عليه فى ماء أو نار لا يمكنه التخلص منها؛ إما لكثرة الماء والنار، أو لأنه مكتوف يعجز عن الخروج منها أو لأن الجانى منعه من الخروج، أو لكونه فى حفرة لا يقدر على الصعود منها، أو فى بئر عميقة، فإذا أدى الفعل إلى موت المجنى عليه فهو عمد، لأنه يقتل غالبا.
ولإن ألقاه فى ماء يسير يقدر على الخروج منه فلبث فيه مختارا حتى مات فلا مسئولية على الفاعل؛ لأن الفعل لم يقتله وإنما قتله لبثه فى الماء وهو فعل نفسه فلا يسأل عنه غيره.
وإن ألقاه فى نار يمكنه التخلص منها لقلتها أو ألقاه فى طرف منها بحيث يمكنه الخروج منها بأدنى حركة فلم يخرج حتى مات فلا خلاف فى أن الفعل لا يعتبر قتلا عمدا؛ لأنه لا يقتل غالبا ولكنهم اختلفوا فى تحديد المسئولية على الجانى، فرأى البعض أنه لا يسأل عن القتل قياسا على حالة الإلقاء فى مار يسير، وإنما يسأل فقط عن ما أصابت النار منه باعتباره جارحا، ويرى البعض أن الجانى مسئول عن القتل شبه العمد لأن فعله أدى إلى الموت، ولأن للنار حرارة شديدة فربما أعجزته عن معرفة طريق الخلاص أو شنجت أعصابه فيعجز عن الخروج منها.
وإن ألقاه فى لجة فالتقمة حوت ففى هذه المسألة رأيان:
أولهما: يقول إنه قاتل لأنه ألقاه فى مهلكة فهلك فأشبه ما لو غرق فى الماء.
والثانى: أن الهلاك كان نتيجة التقام الحوت له فأشبه ما لو قتله آدمى آخر حين ألقى فى الماء، فلا يسأل إلا عن إلقائه فى الماء فقط وهو فعل عقوبته التعزير.
وإن ألقاه فى ماء يسير لا يهلك غالبا فأكله سبع أو التقمه حوت أو تمساح فهو شبه عمد عند أصحاب الرأى الأول، وعليه التعزير عند أصحاب الرأى الثانى. وإن هلك غرقا فهو شبه عمد باتفاق((1)).
__________
(1) المغنى ج9 ص326 , نهاية المحتاج ج7 ص245 .

(3/75)


وإن كان المجنى عليه يحسن السباحة فألقى فى ماء مغرق وهو مكتوف أو زمن أو ضعيف فالفعل قتل عمد إن مات، وإن منع من السباحة عارض بعد الإلقاء كريح أو موج فمات فشبه عمد، وإن كان العارض قبل الإلقاء فالفعل عمد لأن الإلقاء مهلك غالبا.
وإن كان يحسن السباحة فامتنع عنها مع إمكانها فهلك فيرى البعض أن لا مسئولية على الملقى لأنه هلك بامتناعه عن السباحة. ويرى البعض أن الفعل قتل شبه عمد لأن الإنسان لا يسلم نفسه للموت عادة، وقد يمنعه عن السباحة دهشة أو عارض باطن، ولما كان الفعل لا يهلك غالبا ما دام يحسن السباحة فهو قتل شبه عمد((1)).
ويفرق أبو حنيفة وأصحابة بين التحريق والتغريق؛ لأنهم يلحقون التحريق بالسلاح إذ يعمل عمله فيفرق أجزاء الجسم ومن ثم فالنار عندهم معدة للقتل، فإن كانت تقتل غالبا فالفعل عمد، وإن كانت لا تهلك غالبا فالفعل شبه عمد ويلحقون بالنار الماء المغلى والأشياء المصهورة والوضع فى فرن محمى، وعلى هذا الأساس يتفق رأى أبى حنيفة وأصحابه فى التحريق مع رأى الشافعى وأحمد.
__________
(1) نهاية المحتاج ج7 ص243 , 244 .

(3/76)


أما التغريق فهو شبه عمد دائما عند أبى حنيفة لأنه يلحقه بالمثقل وهو وإن قتل غالبا ليس معدا للقتل، ولكن أبا يوسف ومحمدا يريان أنه معد للقتل إذا استعمل وسيلة له، وعلى هذا فإذا كان الماء قليلا لا يقتل غالبا وترجى منه النجاة فى الغالب وألقى فيه إنسان فمات فالفعل شبه عمد لا خلاف فيه فى مذهب أبى حنيفة، وإن كان الماء عظيما ولكن المجنى عليه يستطيع النجاة بالسباحة وكان يحسنها، وليس ثمة ما منعه منها بأن لم يكن مشدودا ولا مثقلا فمات منها فهو شبه عمد عندهم أيضا، وإن كان بحيث لا يمكنه النجاة بالسباحة أو لا يحسن السباحة فهو شبه عمد عند أبى حنيفة - لما تقدم - وعمد عند أبى يوسف ومحمد وإن ألقاه فى بئر فالفعل شبه عمد عند أبى حنيفة وعمد عندهما إن كان موضعا لا ترجى منه النجاة غالبا، فإن كانت ترجى فهو شبه عمد((1)).
أما مالك فالتحريق والتغريق عنده قتل دائما سواء كان الفعل مهلكا غالبا أم لا ما دام الفعل قد أدى للموت ولم يكن على وجه اللعب((2)).
وأساس الخلاف بين الفقهاء هو اختلاف وجهة نظرهم فى شروط آلة القتل أو وسيلته وقد سبق أن شرحنا هذا الموضوع فى فقرة 32 وما بعدها.
81 - الخنق: المقصود من الخنق منع خروج النفس بأى وسيلة سواء شنق الجانى المجنى عليه بحبل أو خنقه بيديه أو بحبل أو غمه بوسادة أو بأى شىء وضعه على فيه وأنفه، فإن فعل به ذلك فى مدة يموت فى مثلها فهو قتل عمد وإن كانت مدة لا يموت فى مثلها فهو قتل شبه عمد.
وإن خنقه وتركه متألما حتى مات فهو عمد. أما إن تنفس وصح بعد ذلك ثم مات فلا يسأل الجانى عن الموت لأنه لم يكن من الخنق.
ويلحقون بالخنق عصر الخصيتين وحكمه حكم الخنق تماما فإن كان العصر شديدا بحيث يقتل غالبا فهو قتل عمد، وإن كان بحيث لا يقتل غالبا فهو شبه عمد.
__________
(1) البحر الرائق ج8 ص294 .
(2) الشرح الكبير للدردير ج4 ص215 , 216 .

(3/77)


هذا هو رأى الشافعى وأحمد فى الخنق((1)) وظاهر أنهما يطبقان فى الخنق قاعدتهما التى وضعاها فى الوسيلة القاتلة أو أداة القتل، فإن كانت تقتل غالبا اعتبر القتل عمدا وإن لم تكن اعتبر شبه عمد.
أما أبو حنيفة فيعتبر الخنق فى كل الأحوال قتلا شبه عمد تطبيقا لقاعدته الخاصة فى الوسيلة القاتلة وهى أن تقتل غالبا وأن تكون معدة للقتل والخنق وإن قتل غالبا ليس وسيلة معدة للقتل، ولكن أبا يوسف ومحمدا يعتبران الخنق وسيلة معدة للقتل ومن ثم عندهما قتل عمد إذا قتل غالبا وشبه عمد إذا لم يقتل غالبا((2)).
والخنق عند مالك عمد فى كل الأحوال ما دام قد وقع بقصد العدوان ولم يكن على وجه اللعب والمزاح((3)).
82 - الحبس ومنع الطعام والشراب: يعتبر الحبس مع منع الطعام والشراب قتلا عمدا عند الشافعى وأحمد إذا مات المحبوس فى مدة يموت فى مثلها غالبا، وهذا يختلف باختلاف الناس والزمان والأحوال، فإذا منع عنه الماء فى شدة الحر مات عطشا فى الزمن القليل وإن كان الوقت باردا أو معتدلا لم يمت إلا فى الزمن الطويل، والكبير قد يتحمل عن الصغير والمتقشف قد يصبر أكثر من المرفه، فتراعى هذه الاعتبارات فإن مات فى مدة يموت فى مثلها غالبا فالقتل عمد وإن مات فى مدة لا يموت فى مثلها غالبا فهو شبه عمد((4)).
ومثل المنع عن الطعام والشراب ما لو عزاه أو منعه عن الاستظلال حتى قتله البرد أو الحر.
وإن كان به جوع أو عطش سابق على حبسه وعلم الحابس بذلك فالقتل عمد، إذ الغرض أن مجموع المدتين بلغ المدة القاتلة وإن لم يعلم ففى المسألة رأيان:
أحدهما: أن القتل عمد؛ لأن الحبس أهلك المحبوس فهو كما لو ضرب المريض ضربا يهلكه دون الصحيح وهو جاهل مرضه فإنه يسأل عن قتله.
__________
(1) الشرح الكبير مع المغنى ج9 ص326 .
(2) البحر الرائق ج8 ص294 .
(3) الشرح الكبير للدردير ج4 ص210 .
(4) المغنى ج9 ص328 .

(3/78)


والرأى الثانى: يعتبر القتل شبه عمد لانتفاء قصد الإهلاك إذ الفاعل لم يأت بفعل مهلك؛ أى أن المدة التى حبس فيها المجنى عليه لا تملك عادة((1)).
وأبو حنيفة لا يرى مسئولية الفاعل لأن الموت حصل بالجوع والعطش لا بالحبس والجانى لم يفعل إلا الحبس ولكن أبا يوسف ومحمدا يعتبران الجانى قاتلا شبه عمد((2)) لأن الجانى منع بفعله الطعام والماء عن المجنى عليه ولا حياة له بغيرهما فهو الذى أهلكه بمنعه. ولكنهما لا يعتبران القتل عمدا لأنهما لا يريان فى الحبس وسيلة معدة للموت، وإن كان فى ذاته وسيلة تقتل غالبا. فهما فى رأيهما مقيدان بتوفر شرطى الوسيلة القاتلة، كما أن الشافعى وأحمد يصدران فى رأيهما عن هذه الوجهة.
ويرى مالك الفعل فى كل حال قتلا عمدا ما دام أنه قد صدر على وجه العدوان((3)).
83 - القتل بسبب شرعى: ومثله شهادة الزور على رجل بقتل عمد أو زنا أو ردة، فحكم بقتله ثم يتضح كذب الشهود بعد تنفيذ الحكم، والأئمة جميعا((4)) يعتبرون الشاهد قاتلا عمدا، ولأن القتل بالتسبب وليس مباشرا فإن ابا حنيفة لا يرى فيه القصاص، والقاعدة عنده أن القتل بالتسبب لا قصاص فيه إلا إذا كان السبب ملجئا.
والقاضى إذا حكم بالإعدام على شخص ظلما وهو عالم بذلك ومتعمد له اعتبر قاتلا للمحكوم عليه عمدا، وولى الدم إذا قتل المحكوم عليه بالقصاص ظلما وهو عالم أنه مظلوم يعتبر قاتلا له عمدا.
84 - القتل بوسيلة معنوية: يرى مالك أن القتل بطريق معنوى معاب عليه باعتباره قتلا عمدا. فمن ألقى على إنسان حية ولو كانت ميتة فمات فزعا ورعبا فهو قاتل له عمدا، وإذا سل عليه سيفا فمات فزعا فهو قاتل له عمدا((5)).
__________
(1) نهاية المحتاج ج7 ص240 .
(2) البحر الرائق ج8 ص395 .
(3) الشرح الكبير للدردير ج4 ص215 .
(4) المغنى ج9 ص332 , نهاية المحتاج ج7 ص241 , بدائع الصنائع ج7 ص239 .
(5) الشرح الكبير للدردير ج4 ص217 .

(3/79)


ويرى أحمد أن الجانى إذا شهر سيفا فى وجه إنسان أو دلاه من شاهق فمات من روعته أو صاح به صيحة شديدة فخر من سطح أو نحوه فمات، أو تغفل عاقلا فصاح به فخر ميتا - فإنه إن تعمد ذلك كله فهو قاتل قتلا شبه عمد ولا يعتبر أحمد القتل عمدا لأن وسيلة القتل لا تقتل غالبا.
وإذا بعث السلطان لامرأة ليحضرها إلى محل الحكم فأفزعها ذلك وأسقطت جنينا ميتا ضمنه، فإن ماتت المرأة من الإجهاض الذى ترتب على الفزع فالحادث قتل شبه عمد. وكذلك من استعدى السلطان على امرأة فأحضرت إلى محل الحكم ففزعت وألقت جنينها أو ماتت من الفزع كان القاتل لها هو المستعدى ما لم تكن ظالمة له فلا يكون مسئولا لأنها أحضرت بسبب ظلمها((1)).
ويتفق مذهب الشافعى فى مجموعه مع مذهب أحمد، إلا أن الشافعية منقسمون فى هذه المسالة، فالبعض يفرق بين المميز وغير المميز، ويرون أن لا مسئولية على الفاعل إذا كان المجنى عليه مميزا، لأن المميز لا يفزع عادة وإذا فزع فنادرا ولا حكم للنادر. ويرى البعض الآخر أن لا فرق بين المميز وغير المميز وأن الفاعل مسئول عن فعله ما دام قد أدى للموت والفريقان يعتبران الفعل فى حالة المسئولية قتلا شبه عمد، لأن الوسيلة لا تقتل غالبا، ولكن القائلين بقصر العقوبة على حالة غير المميز بعضهم يعتبر الفعل قتلا عمدا وبعضهم يعتبره شبه عمد.
وللشافعية رأى خاص فى حالة الإجهاض من الفزع. فهم يرون مسئولية السلطان عن الإجهاض وعن موت المرأة بسبب الإجهاض ولكن إذا ماتت المرأة من الفزع لا بسبب الإجهاض فلا مسئولية؛ وعلة ذلك على ما نظن أن الحاكم حين استدعاها كان يؤدى واجبا عليه، أو يستعمل حقا له قبلها وكذلك الشاكى كان يستعمل حقه((2)).
__________
(1) المغنى ج9 ص487 , 580 .
(2) نهاية المحتاج ج7 ص330 - 332 .

(3/80)


ويرى أبو حنيفة أن من صاح على إنسان فجأة فمات من صيحته فهو قاتل له قتلا شبه عمد((1)).
85 - التسمم: لا يخصص فقهاء الشريعة للتسمم فصلا خاصا مكتفين بتطبيق القواعد العامة على هذا النوع من وسائل القتل كما يطبقونها على التغريق والتحريق، وهم يخالفون فى طريقتهم ما يسير عليه شراح القوانين فى مصر وفرنسا وغيرهما من تخصيص فصل للكلام على القتل بالسم. وعلة عدم التخصيص فى الشريعة هى أن عقوبة القتل العمد فى الشريعة واحدة مهما اختلفت وسائل القتل؛ وهى القصاص، فلم يكن ثمة ما يدعو للتخصيص.
أما فى القانون المصرى والفرنسى مثلا، فإن عقوبة القتل بالسم تختلف عن عقوبة القتل العادى، ومن ثم كان هناك ما يدعو للتخصيص. ويرى مالك أن القتل بالسم قتل عمد فى كل حال سواء كانت المادة سامة كثيرا أو قليلا، تقتل غالبا أو كثيرا أو نادرا ما دام الجانى قد انتوى قتل المجنى عليه بهذه الوسيلة، وما دام المجنى عليه قد مات فعلا.
__________
(1) البحر الرائق ج8 ص294 . يحمل الفقهاء مسئولية إجهاض المرأة إذا طلبها ففزعت وألقت حملها؛ اتباعا لما فعل عمر رضى الله عنه , فقد طلب امرأة ففزعت وأخذها الطلق فألقت ولدا صاح صيحتين ومات فاستشار عمر اصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم : ليس عليك شئ إنما أنت وال ومؤدب . وصمت على . فقال عمر : ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : إن كانوا قالوا رايهم فقد أخطأ رايهم , وإن كانوا قالوا فى هواك فلم ينصحوا لك , إن ديته عليك لأنك أفزتها فألقته . فقال عمر : اقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسكها على قومك . والفقهاء وإن اتفقوا على مسئولية السلطان فغنهم يختلفون فيمن يحمل الديه أهو السلطان نفسه وعاقلته أم بيت المال ؟

(3/81)


ويستوى عند مالك أن يقدم الجانى الطعام أو الشراب او اللباس المسموم بنفسه للمجنى عليه أو بواسطة آخر، أو يضعه فى طعامه أو شرابه أو لباسه دون أن يقدمه له((1)), فهو قاتل عمدا له فى كل حال إلا إذا علم المجنى عليه بأن الطعام أو الشراب مسموم ثم تناوله مع علمه فهو القاتل لنفسه.
ويرى أحمد أن الجانى إذا سقى المجنى عليه السم كرها أو خلطه بطعامه أو شرابه فأكله دون أن يعلم بأنه سم فالجانى مسئول عن القتل العمد إذا كان السم مما يقتل غالبا. فإن كان السم مما لا يقتل مثله غالبا فالقتل شبه عمد.
وإن خلط السم بطعام نفسه فدخل إنسان منزله دون إذنه وأكله فلا مسئولية على الجاني؛ لأن الداخل هو الذى قتل نفسه بفعله وإذا دخل المجنى عليه المنزل بإذنه - أى بإذن الجانى - وأكل الطعام المسموم دون إذنه فالحكم ما سبق((2)).
ويتفق الشافعى مع أحمد فى حالة الإكراه فإذا سقى الجانى المجنى عليه السم كرها عنه فهو قاتل عمدا إذا كان السم يقتل غالبا، فإن لم يكن يقتل غالبا فهو شبه عمد. وكذلك الحكم لو أكره إنسانا على أن يشرب السم بشرط أن لا يعلم بأنه سم.
ويختلف مذهب الشافعى عن مذهب أحمد فيما عدا ذلك، أى فى حالة تقديم الطعام المسموم للمجنى عليه أو وضع السم فى شرابه أو طعامه فيرون أن الطعام المسموم أو الشراب المسموم إذا قدم لضيف فإن كان الضيف صبيا غير مميز أو مجنونا أو أعجميا يرى طاعة المضيف وكان السم مما يقتل غالبا فالجانى قاتل عمدا وإن لم يكن مما يقتل غالبا فالقتل شبه عمد.
__________
(1) الشرح الكبير للدردير ج4 ص217 .
(2) المغنى ج9 ص242 .

(3/82)


أما إذا كان الضيف بالغا عاقلا فيرى البعض أن الجانى قاتل عمدا إذا كان السم مما يقتل غالبا، فإن لم يكن يقتل غالبا فالقتل شبه عمد ويرى البعض الآخر أن القتل فى كل حال شبه عمد. ولعل حجتهم أن البالغ العاقل يستطيع أن يمتنع عن تناول المادة المسممة بعكس غير المميز فإنه يغرر به بسهولة ويصعب عليه الامتناع عن تناولها، والقدرة على الامتناع تجعل التسميم غير قاتل غالبا فيكون القتل شبه عمد، ويرى البعض الثالث أن لا مسئولية على الجان لأنه تناول المادة المسممة بنفسه فقطع فعله فعل الجانى أى أن المباشرة اجتمعت مع السبب فتغلبت عليه. ويرد على ذلك بأن المباشرة لا تغلب السبب إلا إذا اضمحل معها، ولا يضمحل السبب إلا إذا علم المجنى عليه أن الطعام مسموم ثم تناوله ففى هذه الحالة تغلب المباشرة السبب ويقطع فعل المجنى عليه فعل الجانى.
وإذا دس الجانى السم فى طعام المجنى عليه أو شرابه فأكله جاهلا ومات فيرى الشافعيون فيه الآراء الثلاثة السابقة، ولا يفرقون بين المميز وغير المميز كما فى حالة تقديم الطعام أو الشراب المسموم إلى الضيف((1)).
وأساس الخلاف بين الشافعى وأحمد هو اختلاف الرواة فى حديث اليهودية: قدمت شاة مسمومة للنبى - صلى الله عليه وسلم - فأكل منها هو وبشر بن البراء، وقد روى أنس بن مالك الحديث ولم يذكر أن النبى قتلها لما مات بشر، ورواه أبو سلمة فذكر أن النبى أمر بها فقتلت لما مات بشر، وقد بنى الشافعى مذهبه على رواية أنس، وبنى أحمد مذهبه على رواية أبى سلمه، ومن هذا الطريق جاء اختلاف المذهبين فى تقديم الطعام المسموم أو دس السم فى طعام المجنى عليه.
أما اختلاف الشافعية فيما بينهم فأساسه أخذ بعضهم برواية أبى سلمة وأخذ البعض برواية أنس بن مالك وجمع البعض الآخر بين الروايتين ومحاولة التوفيق بينهما.
__________
(1) نهاية المحتاج ج3 ص243 .

(3/83)


ولا يعتبر أبو حنيفة وأصحابه تقديم الطعام والشراب المسموم للمجنى عليه أو دسه فى طعامه وشرابه قتلا عمدا ولو أكله المجنى عليه او شربه جاهلا بأنه مسموم، وعندهم أن المجنى عليه هو الذى قتل نفه بتناول المادة المسممة ولكن الجانى يعزر لأنه غرر بالمجنى عليه.
أما إذا أوجر الجانى المجنى عليه السم إيجارا أو ناوله له وأكرهه على شربه حتى شرب فالفعل قتل شبه عمد عند أبى حنيفة سواء كان السم يقتل غالبا أو لا يقتل غالبا، فإن كان يقتل غالبا فالفعل قتل عمد؛ لأن السم إذا كان يقتل غالبا فهو باستعماله معد للقتل، وإن كان لا يقتل غالبا فالفعل شبه عمد.
* * *
الركن الثالث: أن يقصد الجانى إحداث الوفاة
86 - يشترط لاعتبار القتل عمدا عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد أن يقصد الجانى قتل المجنى عليه: فإن لم يتوفر هذا القصد فلا يعتبر الفعل قتلا عمدا ولو قصد الجانى الاعتداء على المجنى عليه؛ لأن نية العدوان المجردة عن قصد القتل لا تكفى لجعل الفعل قتلا عمدا.
87 - ولقصد القتل أهمية خاصة عند الأئمة الثلاثة: لأنه هو الذى يميز القتل العمد عن القتل شبه العمد وعن القتل الخطأ، إذ الفعل الواحد يصلح أن يكون قتلا عمدا أو شبه عمد أو خطأ، والذى يميز هذه الأنواع الثلاثة من القتل أحدها عن الآخر هو قصد الجانى، فإن تعمد الجانى الفعل بقصد قتل المجنى عليه فهو قتل عمد، وإن تعمد الفعل بقصد العدوان المجرد عن نية القتل فهو شبه عمد، وإن تعمد الفعل دون قصد عدوانى أو دون أن يقصد نتيجته فهو خطأ.

(3/84)


88 - ولا يشترط مالك لاعتبار الفعل قتلا عمدا أن يقصد الجانى قتل المجنى عليه: ويستوى عنده أن يقصد الجانى قتل المجنى عليه أو أن يتعمد الفعل بقصد العدوان المجرد عن نية القتل ما دام أنه لم يتعمد الفعل على وجه اللعب أو التأديب، فالجانى فى كلا الحالتين قاتل عمدا((1)).
وهذا الرأى يتفق مع منطق مالك لأنه لا يعترف بالقتل شبه العمد، ولا يرى القتل إلا نوعين فقط عمدا وخطأ فاقتضى منه ذلك أن يعتبر الجانى قاتلا عمدا بمجرد توفر قصد العدوان ولو أنه اشترط توفر نية القتل عند الجانى لترتب على هذا الشرط أن يدخل فى باب الخطأ كل ما يدخل فى باب شبه العمد عند الفقهاء الآخرين.
__________
(1) مواهب الجليل للحطاب ج6 ص240 , الشرح الكبير للدردير ج4 ص215 .

(3/85)


89 - وبعض كتب الفقه فى مذاهب الأئمة الثلاثة تشترط صراحة قصد القتل فى الجانى وبعضها لا يذكر شيئا إطلاقا عن قصد القتل: وقد يوهم هذا أن هناك خلافا على اشتراط قصد القتل، والواقع أنه لا خلاف إطلاقا فى اشتراط قصد القتل وإنما الخلاف جاء فى طريقه التعبير؛ فالأصل أن نية القتل شرط أساسى فى القتل العمد، ولما كانت هذه النية أمرا باطنيا متصلا بالجانى كامنا فى نفسه ومن الصعب الوقوف عليها فقد رأى الفقهاء أن يستدلوا على نية الجانى بمقياس ثابت يتصل بالجانى ويدل غالبا على نيته ونفسيته؛ ذلك المقياس هو الآلة أو الوسيلة التى يستعملها فى القتل إذ الجانى فى الغالب يختار الآلة المناسبة لتنفيذ قصده من الفعل، فإن قصد القتل اختار الآلة الملائمة للفعل والتى تستعمل غالبا كالسيف والبندقية والعصا الغليظة، وإن قصد الضرب دون القتل اختار الآلة الملائمة لقصده كالضرب بالقلم أو العصا الخفيفة أو السوط. فاستعمال الآلة القاتلة غالبا هو المظهر الخارجى لنية الجانى، وهو الدليل المادى الذى لا يكذب فى الغالب، لأنه من صنع الجانى لا من صنع غيره، ومن ثم اشترط الفقهاء أن تكون الآلة أو الوسيلة قاتلة غالبا لأن توفر هذه الصفة فيها دليل على أن الجانى قصد قتل المجنى عليه واستغنوا بهذا الشرط الدال على قصد القتل عن مدلول الشرط أى أنهم أقاموا الدليل مقام المدلول فلم يعد بعد هذا ما يدعو لاشتراط قصد القتل؛ لأن اشتراط أن تكون الآلة قاتلة غالبا يغنى عن اشتراط القصد، ولهذا لا نجد فى كتب الفقه كتابا يعرف القتل العمد أو شبه العمد فيذكر قصد القتل فى التعريف إلا نادرا، وإنما يذكر القصد فى مناسبات أخرى، وأخصها بيان الفرق بين العمد وشبه العمد، وتعليل تسمية شبه العمد بهذا الاسم أنهم يصرحون بأن شبه العمد لا يشترط فيه قصد القتل، وأن هذا هو ما يميزه عن العمد، لأنهم يرون أن العمد هو ما قصد فيه الفعل والقتل، وأن شبه العمد ما قصد

(3/86)


فيه الفعل دون القتل، ولذلك سمى الخطأ العمد أو عمد الخطأ؛ لأنه عمد فى الفعل خطأ فى القصد.
ونستطيع أن نعرض عينة من أقوال الفقهاء فى هذا الموضوع: فمثلا يعرف الزيلعى - وهى حنفى المذهب - القتل العمد فلا يذكر شيئا عن قصد القتل، ولكنه يجتهد فى بيان أنه تعمد الفعل بما يقتل غالبا من وسائل معدة للقتل فإذا عرف شبه العمد قال: إنه تعمد الضرب بما لا يقتل غالبا، وأنه سمى بشبه العمد لأن فيه قصد الفعل لا القتل((1)).
ويعرف صاحب بدائع الصنائع - وهو حنفى المذهب - القتل العمد فلا يذكر شيئا - كما فعل الزيلعى - عن قصد القتل ولكنه حين يتكلم عن شرائط القصاص يقول: إن القاتل عمدا يجب أن يكون متعمدا القتل قاصدا إياه((2)).
ويعرف صاحب المهذب - وهو شافعى - القتل العمد بأنه قصد الإصابة بما يقتل غالبا فيقتله، ثم يعرف شبه العمد بأنه قصد الإصابة بما لا يقتل غالبا فيموت منه ويقول: إنه لا تجب فى شبه العمد بأنه قصد الإصابة بما لا يقتل غالبا فيموت منه ويقول: إنه لا تجب فى شبه العمد عقوبة العمد لأن الجانى لم يقصد القتل((3)).
ويعرف الماوردى - وهو شافعى - القتل العمد بأنه تعمد قتل النفس بما يقتل غالبا. ويعرف شبه العمد بأن فاعله يكون عامدا فى الفعل غير قاصد القتل((4)).
ويعرف معظم فقهاء المذهب الشافعى العمد بأنه قصد الفعل وعين الشخص بما يقتل غالبا، كما يعرفون شبه العمد بأنه قصد الفعل والشخص بما لا يقتل غالبا((5)), ولكنهم حين يفرقون بين أفعال العمد وشبه العمد يميزون العمد بقصد الجانى إهلاك المجنى عليه مع أنهم لا يذكرون قصد القتل صراحة فى تعرف العمد أو شبه العمد.
__________
(1) الزيلعى ج6 ص98 , 100 .
(2) بدائع الصنائع ج7 ص233 , 234 .
(3) المهذب ج2 ص184 , 185 .
(4) الأحكام السلطانية ص219 , 220 .
(5) تحفة المحتاج ج4 ص2-4 , نهاية المحتاج ج7 ص235 , 240 , حاشية البجيرمى على المنهج ج4 ص129 , 131 .

(3/87)


ويعرف صاحب المغنى - وهو حنبلى المذهب - القتل العمد فيقول ما خلاصته أنه الضرب بما يقتل غالبا ولكنه حين يتكلم عن شبه العمد يقول عنه: إنه الضرب بما لا يقتل غالبا ثم يشرح هذا فيقول: إن الضرب فى شبه العمد يكون إما لقصد العدوان عليه أو لقصد التأديب له فيسرف فيه كالضرب بالسوط والعصا واللكز وسائر ما لا يقتل غالبا وهو شبه عمد لأنه قصد الفعل وأخطأ فى القتل((1)).
ويعرف صاحب الشرح الكبير - وهو حنبلى المذهب - العمد وشبه العمد بمثل ما عرفهما به زميله السابق. وصاحب الإقناع - وهو حنبلى أيضا - يشترط فى العمد القصد ويعرف العمد بقوله: “أن يقتل قصدا بما يغلب على الظن موته به” ثم يعرف شبه العمد فيقول: أن يقصد الجناية إما لقصد العدوان عليه أو التأديب له فيسرف فيه بما لا يقتل غالبا قصد قتله أو لم يقصده((2)). وظاهر مما سبق أن اشتراط قصد القتل هو المميز بين العمد وشبه العمد.
وإذا كان صاحب الإقناع قد صرح باشتراط القصد فإنه مع ذلك لم يذكره فى تعريف العمد واكتفى باشتراط أن تكون الآلة قاتلة غالبا كما أنه يلاحظ عليه أنه لم يفسر القصد أصلا فى الحالة التى تكون فيه الآلة غير قاتلة غالبا وهو منطق دقيق فقد رأى أنه إذا كانت الآلة القاتلة غالبا دليلا على توفر قصد القتل، فإنه يجب أن تكون الآلة التى لا تقتل غالبا دليلا على انتفاء قصد القتل ما دامت الآلة هى الدليل المادى على قصد الجانى.
__________
(1) المغنى ج9 ص321 , 337 .
(2) الإقناع ج4 ص163 , 168 .

(3/88)


وعلى كل حال فإن هذا الذى يراه هو نفس ما يراه بقية الفقهاء ممن ذكرنا وممن لم نذكر ولو أنهم لم يصرحوا بهذا فى تعريف شبه العمد كما صرح صاحب الإقناع، ولكن المتتبع لأمثلتهم وتطبيقاتهم يجد أنهم يعتبرون الفعل شبه عمد إذا كانت الوسيلة غير قاتلة غالبا، بغض النظر عما إذا كان الجانى قصد القتل أم لم يقصده ولعلهم لم يصرحوا بها فى التعريف كما لم يصرحوا باشتراط القصد فى العمد، ويكون إذن معنى قولهم إن القاتل فى شبه العمد لم يقصد الفعل أنه لم يقصده فرضا أو حكما لا فعلا. ومن الأمثلة على ذلك أن الضربة أو الضربتين بالعصا وضرب الموالاة لا يعتبر قتلا عمدا، ولو قصد الجانى قتل المجنى عليه((1)) فى رأى أبى حنيفة وأصحابه وأن القتل بطريق معنوى يعتبر قتلا شبه عمد فى مذهب الشافعى وأحمد لأن الوسيلة لا تقتل غالبا وأن الضرب بما لا يقتل غالبا يعتبر قتلا شبه عمد ولو قصد الجانى قتل المجنى عليه ما دام الضرب لم يكن متواليا ولا على ضعيف أو صغير أو فى حر شديد أو فى برد شديد((2)).
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص334 ظو البحر الرائق ج8 ص288 , 294 , 295 .
(2) نهاية المحتاج ح7 ص237 , 240 , 330 , 333 , المغنى ج9 320 - 338 ومن ص577 - 581 .

(3/89)


ومع أن الفقهاء قد جعلوا استعمال الآلة أو الوسيلة القاتلة غالبا دليلا على توفر القصد للقتل عند القاتل، وجعلوا استعمال الآلة أو الوسيلة التى لا تقتل غالبا دليلا على انتفاء قصد القتل عند القاتل إلا أنه يجب أن لا يفهم من هذا المساواة التامة فى الحالين، فهناك فرق دقيق لا يصح أن يغرب عن البال، وهو أن افتراض توفر قصد القتل عند من يستعمل آلة تقتل غالبا هو فرض يقبل النفى فللجانى أن يثبت العكس أى أنه لم يقصد القتل؛ أما افتراض انعدام نية القتل عند من يستعمل آلة لا تقتل غالبا فهو فرض لا يقبل النفى، فلا يجوز إثبات عكسه ولو اعترف الجانى نفسه بأنه قصد القتل، بل يكذب اعترافه كون الآلة غير قاتلة والملاحظ فى حالة قبول النفى وعدم قبوله هو مصلحة المتهم لا مصلحة غيره، وإن كانت مصلحة الجماعة روعيت فى حالة استعمال آلة تقتل غالبا بافتراض أن نية القتل متوفرة فلا يجد الاتهام ضرورة لإثبات نية القتل ما دام المتهم لم يثبت أنه لم يقصد القتل، وأنه لم يستعمل الآلة القاتلة لها الغرض.
90 - وليس للبواعث التى دفعت الجانى لارتكاب جريمته أثر ما على مسئوليته ولا عقوبته فى الشريعة: فإذا ارتكب الفعل بقصد الإضرار بالمجنى عليه أو لباعث غير شريف فإن ذلك لا يزيد فى مسئوليته أو عقوبته شيئا كما أن ارتكاب الفعل لباعث شريف لا يخفف مسئولية الجانى أو عقوبته شيئا.

(3/90)


91 - رضاء المجنى عليه بالقتل: من القواعد الأصلية المسلم بها فى الشريعة أن رضاء المجنى عليه بالجريمة لا يجعلها مباحة إلا إذا كان الرضاء ركنا من أركان الجريمة كالسرقة مثلا فإن رضاء المجنى عليه بأخذ ماله يجعل الأخذ فعلا مباحا والرضاء ليس ركنا فى جريمة القتل والضرب فتطبيق هذه القاعدة الأصلية الملم بها يقتضى أن لا يكون لرضاء المجنى عليه فى جريمة الضرب والقتل أثر ما على المسئولية الجنائية أو العقوبة، ولكن هناك قاعدة أخرى أصلية مسلم بها وهى أن للمجنى عليه وأوليائه حق العفو عن العقوبة فى جرائم القتل والضرب، فلهم أن يعفوا عن القصاص إلى الدية ولهم أن يعفوا عن الدية والقصاص معا؛ فلا يبقى إلا تعزير الجانى إن رأت السلطة التشريعية ذلك.
وقد أدى وجود القاعدة الثانية إلى الاختلاف بين الفقهاء فى تطبيق القاعدة الأولى على جرائم القتل والضرب، كذلك تختلف آراء الفقهاء فى القتل عنها فى القتل والجرح.
الرضاء بالقتل: يرى أبو حنيفة وأصحابه أن الإذن بالقتل لا يبيح القتل؛ لأن عصمة النفس لا تباح إلا بما نص عليه الشرع والإذن بالقتل ليس منها، فكان الإذن عدما لا أثر له على الفعل فيبقى الفعل محرما معاقبا عليه باعتباره قتلا عمدا. لكنهم اختلفوا فى العقوبة التى توقع على الجانى، فرأى أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد أن تكون العقوبة الدية ودرءوا عقوبة القصاص عن الجانى على أساس أن الإذن بالقتل شبهة وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: “ادرءوا الحدود بالشبهات” والقصاص معتبر حدا فكل شبهة تقوم فى فعل مكون لجريمة عقوبتها القصاص يدرأ بها الحد عن الجانى، ورأى زفر أن الإذن لا يصلح أن يكون شبهة ومن ثم فهو لا يدرأ القصاص، فوجب أن يكون القصاص هو العقوبة((1)).
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص236 .

(3/91)


والرأى الراجح فى مذهب مالك: أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل ولا يسقط العقوبة ولو أبرأ المجنى عليه الجانى من دمه مقدما لأنه ابرأه من حق لم يستحقه بعد، وعلى هذا يعتبر الجانى قتلا عمدا ولكن بعض أصحاب هذا الرأى يرون أن تكون العقوبة القصاص ويعاقب بالعقوبة المقررة له، ويرى البعض الآخر أن الإذن شبهة تدرأ القصاص ومن ثم يوجبون الدية، أما الرأى المرجوح فنسبه ابن عرفة لسحنون ومقتضاه: “أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل ولكنه يسقط العقوبة فلا قصاص ولا دية وإنما التعزير”، ولكن الرأى المعروف عن سحنون فى “كتاب العتبية” أنه يرى عقاب القاتل وإن كان يدرأ القصاص عنه للشبهة((1)).
وفى مذهب الشافعى رأيان: أولهما: أن الإذن فى القتل يسقط العقوبة ولا يبيح الفعل، ومن ثم فلا قصاص ولا دية. ثانيهما: أن الإذن فى القتل لا يبيح الفعل ولا يسقط العقوبة ولكنه شبهة تدرأ القصاص وتوجب الدية((2)). وبعض أصحاب هذا الرأى يرى القصاص لأن الإذن ليس شبهة.
أما أحمد فيرى أن لا عقاب على الجانى لأن من حق المجنى عليه العفو عن العقوبة، والإذن بالقتل يساوى العفو عن العقوبة فى القتل((3)), وهذا يتفق مع الرأى الأول فى مذهب الشافعى.
__________
(1) مواهب الجليل للحطاب ج6 ص235 - 236 , الشرح الكبير للدردير ج4 ص213 .
(2) نهاية المحتاج ج7 ص248 .
(3) الإقناع ج4 ص171 .

(3/92)


92- الرضاء بالجرح: يرى أبو حنيفة وأصحابه أن الإذن بالقطع والجرح يترتب عليه منع العقوبة لأن الأطراف عندهم يسلك بها مسلك الأموال وعصمة المال تثبت حقا لصاحبه فكانت العقوبة على القطع والجرح محتملة السقوط بالإباحة والإذن، ولكنهم اختلفوا فيما إذا أدى الجرح أو القطع إلى الموت فأبو حنيفة يرى الفعل قتلا عمدا لأن الإذن كان عن الجرح أو القطع، فلما مات تبين أن الفعل وقع قتلا لا جرحا ولا قطعا ومن ثم فعليه عقوبة القتل العمد، ولما كان الإذن يعتبر شبهة تدرأ القصاص فتعين أن تكون العقوبة الدية.
أما أبو يوسف ومحمد فمن رأيهما أنه إذا أدى الجرح أو القطع لموت فلا شىء على الجانى إلا التعزير لأن العفو عن الجرح أو القطع عفو عما تولد منه وهو القتل((1)).
وفى مذهب مالك أن الإذن بالجرح والقطع لا عبرة به إلا إذا استمر مبرئا له بعد الجرح والقطع، فإن لم يبرئه بعد الجرح والقطع فيه العقوبة المقررة وهى القصاص أو الدية، أما إذا استمر مبرئا له تسقط العقوبة المقررة وهى القصاص والدية ويحل محلهما التعزير ما لم يؤد الجرح أو القطع إلى الموت فيعاقب الجانى بعقوبة القتل العمد((2)) والإذن بالجرح أو القطع فى مذهب الشافعى يسقط العقاب عن الجانى ما لم تر الجماعة عقابه تعزيرا، فإذا أدى الجرح أو القطع إلى الموت؛ فمن فقهاء المذهب من يرى مسئولية الجانى عن القتل العمد ويدرأ القصاص لشبهة الإذن فتكون الدية هى العقوبة ومن فقهاء المذهب من يرى أن لا عقاب لأن الموت تولد من مأذون فيه((3)).
والإذن بالجرح والقطع عند أحمد كالإذن بالقتل لا عقوبة عليه وإن كان الإذن لا يبيح الفعل؛ لأن له الحق فى إسقاط العقوبة، وقد أسقطها بإذنه.
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص236 , 237 .
(2) الشرح الكبير للدردر ج4 ص213 .
(3) نهاية المحتاج ج7 ص248 , 296 , تحفة المحتاج ج4 ص30 , 31 .

(3/93)


93 - أسباب الخلاف بين الفقهاء فى الإذن بالقتل: أساس الاختلاف فى هذه المسألة أن للمجنى عليه وأوليائه العفو عن العقوبة فى القتل وهى القصاص أو الدية إذا حلت محل القصاص، فإذا عفوا سقطت العقوبة المقررة للقتل، ولم يبق إلا عقوبة التعزير إذا رأى أولياء الأمور تقريرها فى حالة العفو فمن قال بأن الإذن يمنع من العقاب اعتبر الإذن عفوا مقدما ورتب عليه سقوط العقوبة، ومن قال بأن الإذن لا يمنع من العقاب رأى أن الإذن لا يعتبر عفوا لأن العفو عن القتل يستدعى وجود القتل، فإذا جاء العفو قبل القتل فهو عفو غير صحيح لأنه لم يصادف محله، ومن جعل العقوبة الدية اعتبر الإذن شبهة تدرأ القصاص، ومن قال بالقصاص لم يجعل الإذن شبهة درائة للقصاص((1)).
__________
(1) أما فى حالة الجرح أو الجرح المنتهى بالموت فاساس الخلاف انهم يعتبرون الإذن بالجرح عفوا مقدما عن الجرح ويعتبرون هذا العفو صحيحا ويرتبون عليه إسقاط العقوبة إلا مالك فغنه يرى الغذن السابق على الجرح باطلا لأنه لم يصادف محله , ومن يرى عدم العقاب فى حالة الموت يرى الموت متولدا من الجرح وهو مأذون فيه وما تولد من معفو عنه أخذ حكمه أما من يرى العقاب فيرى أن الغذن كان عن جرح لا قتل فإذا ظهر أن الفعل قتل فهو غير مأذون فيه لكنه مع ذلك اعتبر الغذن الباطل شبهة تدرأ القصاص .

(3/94)


94 - مقارنة بين الشريعة والقانون: يتفق مذهب مالك وأبى حنيفة ورأى الشافعى الذى يقول بالعقاب فى حالة الرضاء بالقتل أو الجرح الذى ينتهى بالموت مع القوانين الوضعية الحديثة، لأنها تعتبر القتل والجرح بالرغم من الرضاء أو الإذن جريمة وتعاقب عليها، وإذا كان بعض الفقهاء يرى أن تكون العقوبة القصاص، والبعض يرى أن تكون الدية فهذا ليس بذى أهمية، لأن استبدال الدية بالقصاص ليس إلا استبدال عقوبة مقررة شرعا بعقوبة مقررة شرعا. وهو يقابل فى القوانين الحديثة ما تقرره من الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة او المؤقتة عقوبة للقتل العمد مع ترك الحرية للقضاة فى اختيار إحدى العقوبتين وتقدير ظروف الجريمة والمجرم. ولا شك أن إذن المجنى عليه فى الجريمة وإن لم يكن له أثر على تكوين الجريمة إلا أنه مما يدعو القضاة إلى استعمال الرأفة وإذا لم يحملهم على تخفيف العقوبة إلى حدها الأدنى فإنه يمنعهم من رفعها إلى حدها الأعلى، فتكون النتيجة العملية فى القانون أن يعاقب الجانى المأذون له فى الفعل بعقوبة بسيطة الفرق بينها وبين الحد الأعلى المقرر أصلا كالفرق بين القصاص والدية فى الشريعة.
95 - القصد المحدود وغير المحدود: لا يفرق الفقهاء فى مذهبى أبى حنيفة وأحمد بين القصد المحدود والقصد غير المحدود سواء فى تعريف أنواع القتل أو فى الأمثلة التى يضربونها لمختلف وسائل القتل، ومن ثم يمكن القول بأنه يستوى فى مذهبى أبى حنيفة وأحمد أن يكون القصد عند الجانى متجها إلى قتل إنسان بعينه أو إلى قتل إنسان غير معين فهو مسئول عن القتل العمد فى الحالين ما دام قد أتى الفعل بقصد القتل، فمن أطلق عيارا ناريا على شخص معين، ومن ألقى قنبلة على جماعة بقصد القتل دون أن يقصد شخصا معينا من الجماعة كلاهما قاتل عمدا عند أبى حنيفة وأحمد.

(3/95)


أما فى مذهب الشافعى((1)) فيفرقون بين ما إذا قصد معينا أو غير معين فإن قصد معينا فالفعل قتل عمد، وإن قصد غير معين فالفعل قتل شبه عمد، ويعتبر المجنى عليه معينا ولو قصد الجانى أن يصيب أى شخص من جماعته؛ لأن الجماعة تصبح كلها مقصودة فتصير معينة أفرادا وجماعة.
ويفرقون فى مذهب مالك أيضا بين قصد شخص معين وبين قصد شخص غير معين، فإن قصد الجانى معينا فالفعل قتل عمد، وإن قصد غير معين أيا كان فلا يعتبر القتل عمدا وإنما يعتبر خطأ((2)).
ويتفق مذهب أبى حنيفة وأحمد مع القانون المصرى اتفاقا تاما فالمادة 231 عقوبات تنص على أن الإصرار السابق هو القصد المصمم عليه قبل الفعل لارتكاب جنحة أو جناية غرض المصر منها إيذاء شخص معين أو أى شخص غير معين وجده أو صادفه سواء كان ذلك القصد معلقا على حدوث أمر أو موقوفا على شرط وتطبيقا لهذا النص حكمت محكمة النقض بأنه إذا صوب شخص بندقية إلى جمع محتشد، وأطلق منها عيارا ناريا أو عدة أعيرة نارية أصاب بعضها شخصا أو أكثر من هذا الجمع وقتله، عد القاتل مرتكبا لجريمة القتل عمدا لتوفر قصد القتل عنده((3)).
أما مذهب الشافعى ومالك فظاهر أنهما يخالفان القانون.
96 - الخطأ فى الشخص والخطأ فى الشخصية: يراد بالخطأ فى الشخص أن يقصد الجانى قتل شخص معين فيصيب غيره، ويراد بالخطأ فى الشخصية أن يقصد الجانى قتل شخص على أنه زيد فيتبين أنه عمرو، والخطأ فى الشخص هو خطأ فى الفعل، فمن رمى صيدا أو غرضا أو آدميا معينا فأخطأه وأصاب شخصا آخر فقد أخطأ فى فعله، أما الخطأ فى الشخصية فهو خطأ فى قصد الفاعل، فمن رمى شخصا على أنه مرتد أو حربى فإذا هو معصوم أو رماه على أنه زيد فتبين أنه عمرو فقد أخطأ فى قصده.
__________
(1) نهاية المحتاج ج7 ص235 وما بعدها , تحفة المحتاج ج4 ص322 .
(2) الشرح الكبير للدردير ج4 ص216 , مواهب الجليل ج6 ص240 .
(3) نقض فى 12 ديسمبر 1928 , محاماة 9 عدد 106 .

(3/96)


وللفقهاء نظريتان مختلفتان فى الخطأ فى الشخص والشخصية: الأولى لمالك وأصحابه، وتتلخص فى أنه إذا قصد الجانى شخصا فأصاب غيره، أو قصد شخصا على أنه زيد فتبين أنه بكر فإن الجانى يكون قاتلا عمدا فى الحالين، سواء قصد القتل أو قصد مجرد العدوان على وجه الغضب لا على وجه اللعب أو التأديب، وبعض فقهاء المذهب يرى أن الحالة الأولى ليست قتلا عمدا بل هى قتل خطأ((1)).
ويرى بعض فقهاء المذهب الحنبلى أن الفعل المقصود أصلا إذا كان محرما فإن الخطأ فى الفعل أو الظن لا يؤثر على مسئولية الجانى شيئا لأنه قصد فعلا محرما قتل به إنسانا فهو إذن قاتل له عمدا((2)) أما إذا كان الفعل المقصود أصلا غير محرم فإن الخطأ فى الفعل أو الظن يكون له أثره على مسئولية الجانى؛ لأنه قصد فعلا مباحا فإذا أخطأ فى فعله أو ظنه فهو قاتل خطأ لا عمدا.
والنظرية الثانية: يأخذ بها فقهاء مذهب أبى حنيفة ومذهب الشافعى والفريق الأخير من فقهاء مذهب أحمد، وهؤلاء جميعا يرون أن من قصد قتل شخص فأخطأ فى فعله وأصاب غيره أو أخطأ فى ظنه وتبين أنه أصاب غير من قصده فإن الجانى يكون مسئولا عن القتل الخطأ فقط سواء كان الفعل الذى قصده أصلا مباحا أو محرما((3)).
97 - مقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية: والرأى السائد فى القوانين الوضعية يتفق مع رأى أصحاب النظرية الأولى، إذ تأخذ القوانين الوضعية الجانى بقصده فما دام قد قصد القتل والضرب ونفذ قصده فيستوى بعد ذلك أن يكون أصاب من قصده أو أصاب غيره وقضاء المحاكم المصرية مستقر على أن من تعمد قتل إنسان فأصاب آخر فهو قاتل عمدا لهذا الآخر ((4)).
__________
(1) مواهب الجليل ح6 ص240 , 243 , الشرح الكبير للدردير ج4 ص215 .
(2) المغنى ج9 ص339 .
(3) بدائع الصنائع ج7 ص236 , نهاية المحتاج ح7 ص337 , الإقناع ج4 ص168 , المغنى ج9 ص339 .
(4) نقض فى 10 أكتوبر سنة 1929 , قضية 2085 سنة 46 قضائية .

(3/97)


98 - القصد الاحتمالى: ولا شك أن الشريعة الإسلامية تعرف حق المعرفة القصد الاحتمالى وليس أدل على ذلك من جرائم الجرح والضرب، فالضارب يضرب وهو لا يقصد إلا مجرد الإيذاء أو التأديب ولا يتوقع أن يصيب المجنى عليه إلا بجرح بسيط أو كدمات خفيفة أو لا يتوقع أن يصيبه إلا بمجرد الإيلام، ولكن الجانى لا يسأل فقط عن النتائج التى توقعها وإنما يسأل أيضا عن النتائج التى كان فى وسعه أن يتوقعها أو التى كان يجب عليه أن يتوقعها، فإذا أدى الضرب إلى قطع طرف أو فقد منفعة فهو مسئول عن ذلك، وإذا أدى لوفاة المجنى عليه فهو مسئول عن هذه الوفاة باعتبار الحادث قتلا شبه عمد لا ضربا.
لكن ما هو رأى فقهاء الشريعة فى القصد الاحتمالى فى جريمة القتل العمد بالذات؟ ذلك القصد الذى عرفته محكمة النقض المصرية بأنه “نية ثانوية غير مؤكدة تختلج بها نفس الجانى الذى يتوقع أن قد يتعدى فعله الغرض المنوى عليه بالذات إلى غرض آخر لم ينتوه من قبل أصلا فيمضى مع ذلك فى تنفيذ الفعل فيصيب به الغرض غير المقصود ومظنة وجود تلك النية هى استواء حصول هذه النتيجة وعدم حصولها لديه ذلك القصد الذى يقيمه الألمان مقام القصد الثابت فى جريمة القتل وغير القتل ويقولون: إنه يكون كلما تصور الفاعل النتيجة ممكنة الوقوع ثم يمضى بالرغم من ذلك فى فعلته مستهينا بالنتيجة”.
ولا يسلم أبو حنيفة والشافعى وأحمد بالقصد الاحتمالى فى جريمة القتل العمد ويصرون على أن تتوجه نية الجانى للقتل، وأن يرتكب الفعل بقصد الوصول لهذا الغرض. ولعل حرصهم على ظهور نية القتل عند الجانى راجع إلى أنهم يقسمون القتل إلى عمد وشبه عمد وخطأ وفى العمد وشبه العمد يتعمد الجانى العدوان ولكن الذى يميز العمد عن شبه العمد هو أن الجانى يقصد القتل فى العمد فلو سلموا بالقصد الاحتمالى فى القتل العمد لانعدم الحد الفاصل بين القتل العمد والقتل شبه العمد.

(3/98)


وقد سلم بعض فقهاء مذهب أحمد بالقصد الاحتمالى فى جريمة القتل فى موضعين فقط، واعتبروا الفاعل قاتلا عمدا أخذا بقصده المحتمل: الأول: إذا أخطأ الجانى فى الفعل، كأن أراد أن يقتل زيدا فلما رماه أخطأه وأصاب عمرا بشرط أن يكون زيد معصوما؛ أى غير مهدر الدم كأن يكون حربيا أو مرتدا، فإن كان مهدر الدم فالقتل خطأ لا عمد. الثانى: إذا كان الخطأ فى ظن الفاعل كأن يقصد قتل زيد فيقتل عمرا على أنه زيد بشرط أن يكون معصوما.
أما مالك فمذهبه يتسع للقصد الاحتمالى فى جريمة القتل العمد ولما هو أكثر من القصد الاحتمالي؛ لأنه لا يعرف القتل شبه العمد، والقتل عنده نوعان فقط: عمد وخطأ، والعمد عنده لا يشمل فقط الفعل المقصود به القتل وإنما يشمل كل فعل قصد به مجرد العدوان ولو لم يقصد الفاعل القتل، ولما كان من المستبعد عقلا أن تؤدى كل أفعال العدوان البسيطة إلى الموت، فمعنى ذلك أن مذهب مالك يتسع لأكثر من القصد الاحتمالى؛ لأنه يتسع لما يتصوره الفاعل ممكن الوقوع ولما يتصوره ممتنع الوقوع.

(3/99)


99- مقارنة: والنظرية الفرنسية تتفق مع نظرية الأئمة الثلاثة فالفرنسيون لا يرون الأخذ بالقصد الاحتمالى فى جريمة القتل العمد ولو أن القانون الفرنسى أخذ المتهم بقصده الاحتمالى فى جرائم الضرب والجرح وحجتهم أن الأخذ بنظرية القصد الاحتمالى فى القتل العمد يؤدى إلى اختلاط القتل العمد بالضرب المفضى إلى الموت وتجعل التمييز بينهما متعذرا، أما مذهب مالك فيتفق مع النظرية الألمانية كما يتفق مع القانونين الإنجليزى والسودانى، وهما يعتبران القتل عمدا إذا حصل الفعل بقصد تسبب الموت أو إذا علم الفاعل أو كان له داع أن يعلم أن الموت ربما يكون نتيجة الفعل المحتملة. ولكن بالرغم من هذا الاتفاق الظاهرى فإن مذهب مالك يظل أكثر اتساعا من مذهب الألمان والقانونين الإنجليزى والسودانى، فمثلا إذا لطم شخص آخر صحيحا بقصد الاعتداء ودون أن يقصد القتل فمات من اللطمة فهو قاتل عمدا عند الإمام مالك، ولا يعتبر قاتلا طبقا للنظرية الألمانية، لأن إمكان الموت من اللطمة بعيد التصور، كذلك لا يعتبر قاتلا بحسب القانونين الألمانى والإنجليزى لأنه ليس فى ظروف المجنى عليه أو فى اللطمة ذاتها ما يدعو الجانى إلى العلم بأن اللطمة قد تؤدى للوفاة.

(3/100)


100 - إثبات القصد الجنائى: يشترط أبو حنيفة والشافعى وأحمد أن يثبت قصد القتل ثبوتا لا شك فيه، فإن كان هناك شك فى أن الجانى قصد القتل اعتبر الفعل قتلا شبه عمد. ويستدل هؤلاء الفقهاء أصلا على وجود قصد القتل بالآلة أو الوسيلة التى استعملها الجانى، فإن كانت قاتلة غالبا فالقتل عمد، وإن كانت لا تقتل غالبا فالقتل شبه عمد((1)), وكون الآلة قاتلة غالبا ليس فى ذاته دليلا يقبل النفى على قصد القتل وللجانى أن ينفى عن نفسه قصد القتل وأن يثبت أنه مع استعماله الآلة أو الوسيلة القاتلة غالبا لم يكن يقصد القتل، فإن أثبت هذا اعتبر الفعل شبه عمد. وعلى هذا يمكن القول بأن استعمال الآلة القاتلة يعتبر فى ذاته دليلا على قصد القتل يصح لهيئة الاتهام أن تكتفى به إذا لم يكن ثمة ما ينفيه ويصح لها أن تضيف إليه أدلة أخرى من ظروف الواقعة أو ظروف المتهم والمجنى عليه أو أقوال الشهود.
وليس فى مذهب الإمام مالك ما يمنع من الاستدلال على قصد المتهم بالآلة المستعملة فى القتل أو بمحل الإصابة ولكن ليس من الضرورى فى المذهب إثبات قصد القتل لدى الجانى إذ يكفى أن يثبت أنه أتى الفعل بقصد العدوان وأنه لم يأت به على وجه اللعب أو التأديب.
* * *
المبحث الثاني
القتل شبه العمد
__________
(1) راجع الفقرات من 31 - 38 والفقرة 87 .

(3/101)


101- ذكرنا أن القتل شبه العمد مختلف عليه بين الفقهاء: فمالك يرى أن القتل صنفان: عمد وخطأ فمن زاد عليهما فقد زاد على النص، ويحتج بأن القرآن لم ينص إلا على العمد والخطأ فقط حيث قال الله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93]، {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } [النساء: 92]. أما أبو حنيفة والشافعى وأحمد فيقولون بالقتل شبه العمد ويرون أن القتل على ثلاثة أنواع: عمد وشبه عمد، وخطأ، ويحتجون بقوله عليه الصلاة والسلام: “ألا إن فى قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا والحجر مائة من الإبل”، وبأن عمر وعليا وعثمان وزيد بن ثابت وأبا موسى الأشعرى والمغيرة قالوا بالقتل شبه العمد ولا مخالف لهم من الصحابة، كما يحتجون بأن القصد مسألة تتعلق بنية الجانى، ولا يطلع على النيات إلا الله تعالى، وإنما الحكم يدار على الظاهر وليس أدل على النية وأكثر إظهارا لها من الآلة المستعملة فى القتل، فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا كان حكمه كحكم الغالب أى حكم من قصد القتل، ومن قصد الضرب بآلة لا تقتل غالبا كان حكمه مترددا بين العمد والخطأ ففعله يشبه العمد لأنه قصد ضربه ويشبه الخطأ لأنه ضرب بما لا يقتل غالبا وما لا يقتل غالبا يدل على أنه لم يقصد القتل((1)), ولذلك سمى هذا النوع من القتل بشبه العمد((2))؛ لأنه يمثل القتل العمد فى كل شىء ولا يختلف عنه إلا فى قصد الجانى، والمفروض أن مرتكب القتل العمد يعتدى على المجنى عليه بقصد قتله، أما مرتكب القتل شبه العمد فيعتدى على المجنى عليه بقصد الاعتداء دون أن يفكر فى قتله((3)
__________
(1) يعبر أبو حنيفة عن هذه الفكرة بقوله : إن القتل بآلة غير معدة له دليل عدم القصد لأن تحصيل كل فعل بالآلة المعدة له فحصوله بغير ما أعد له دليل عدم القصد .
(2) بداية المجتهد ج2 ص332 , 333 .
(3) راجع الفقرة 89 من هذا الجزء لتفهم جيدا الفرق بين العمد وشبه العمد فى القصد .

(3/102)


), فالفرق بين النوعين هو فى نية الجانى التى يستدل عليها بالآلة المستعملة فى الجريمة ومن ثم تشابه القتلان تشابها شديدا دعا لتسمية أحدهما بالقتل شبه العمد إذا كان الثانى يسمى بالقتل العمد.
102 - يعرف الحنفيون شبه العمد بأنه: ما تعمدت ضربه بالعصا أو السوط أو الحجر أو اليد أو غير ذلك ما يفضى إلى الموت، فإن فى هذا الفعل معنيين: أولهما: معنى العمد باعتبار قصد الفاعل إلى الضرب، وثانيهما: معنى الخطأ باعتبار انعدام قصد الفاعل إلى القتل فهو يشبه العمد صورة من حيث أنه قصد الفعل((1)).
ويعرفه الشافعيون بأنه: ما كان عمدا فى الفعل خطأ فى القتل((2))، أى كل فعل لم يقصد به القتل تولد منه القتل. ويعرفه بعضهم بأنه قصد الإصابة بما لا يقتل غالبا فيموت منه، ولا تجب به عقوبة القتل العمد؛ لأن الجانى لم يقصد القتل((3)). ويعرفه أكثرهم بأنه قصد الفعل والشخص ولو كان غير معين بما لا يقتل غالبا((4)).
ويعرفه الحنابلة بأنه: قصد الجناية بما لا يقتل غالبا فيقتل إما لقصد العدوان عليه أو لقصد التأديب له فيسرف فيه كالضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير أو يلكزه بيده أو يلقيه فى ماء يسير أو يصيح بصبى أو معتوه على سطح فيسقطان أو يغتفل عاقلا فيصيح به فيسقط؛ فهو شبه عمد إذا قتل لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ لاجتماع العمد والخطأ فيه فإنه عمد الفعل وأخطأ فى القتل((5)).
__________
(1) المبسوط ج6 ص64 , 65 .
(2) الوجيز ج2 ص125 .
(3) المهذب ج2 ص185 .
(4) نهاية المحتاج ج7 ص237 .
(5) الشرح الكبير ج9 ص331 .

(3/103)


103 - مقارنة: وظاهر مما سبق أنه يدخل تحت شبه العمد كل الأفعال التى يقصد منها الجانى العدوان، ولم يقصد بها القتل، ولكنها أدت إلى موت المجنى عليه. فالقتل شبه العمد فى الشريعة يقابل الضرب المفضى إلى الموت فى القوانين الوضعية، ولكن تعبير الشريعة بالقتل شبه العمد أصح منطقا من تعبير القوانين الوضعية ذلك أن القتل شبه العمد يندرج تحته الموت الناشئ عن الضرب والجرح وإعطاء المواد السامة والضارة والتغريق والتحريق والتردية والخنق وكل ما يدخل تحت القتل العمد إذا انعدمت نية القتل عند الجانى وتوفر قصد الاعتداء، ولفظ القتل يدخل تحته كل ما يؤدى للموت، فاختيار فقهاء الشريعة لهذا اللفظ للدلالة على هذه الأنواع المختلفة من الاعتداء والإيذاء هو اختيار موفق لأنها تنتهى جميعا بالموت، أما لفظ الضرب الذى عبرت به القوانين الوضعية فإذا دخل تحته الضرب باليد أو بأداة أخرى فإنه لا يمكن أن يندرج تحته غير ذلك من أنواع الإيذاء والاعتداء المختلفة الصور والوسائل كالتغريق والتحريق والتردية والخنق وشراح القانون المصرى يعترفون بقصور لفظ الضرب عن استيعاب المعنى الذى يندرج تحته قانونا ويلاحظون على نصوص الضرب عموما قصور ألفاظها عن الإحاطة بما يندرج تحتها.
* * *
أركان القتل شبه العمد
104 - أركان القتل شبه العمد ثلاثة: أولها: أن يأتى الجانى فعلا يؤدى لوفاة المجنى عليه. ثانيهما: أن يأتى الجانى الفعل بقصد العدوان. ثالثهما: أن يكون بين الفعل والموت رابطة السببية.
الركن الأول: فعل يؤدى لوفاة المجنى عليه
105 - يشترط لتوفير هذا الركن أن يأتى الجانى فعلا يؤدى لوفاة المجنى عليه: أيا كان هذا الفعل ضربا أو جرحا أو غير ذلك من أنواع التعدى والإيذاء مما لا يعتبر ضربا ولا جرحا كالتغريق والتحريق وإعطاء مواد ضارة أو سامة بغير قصد القتل.

(3/104)


106 - وليس من الضرورى فى الضرب والجرح أن يستعمل الجانى آلة معينة: فقد يكون بغير أداة كاللطم واللكم والعض والرفس، وقد يكون بأداة راضة أو حادة أو واخزة كالعصا والسيف والفأس والبلطة والسكين والرمح والمسلة، وقد يرمى الجانى المجنى عليه بشىء كالحجر والسهم والرصاص وقد يغرى به حيوانا مفترسا كالدب أو أليفا كالكلب((1)).
107 - ويستوى أن يحدث الفعل أثرا ماديا فى جسم المجنى عليه أو أن يحدث به أثرا نفسيا يودى بحياته: فمن شهر على إنسان سيفا أو صوب إليه بندقية فمات رعبا قبل أن يضربه، ومن دلى إنسانا من شاهق فمات رهبة ورعبا، ومن أفزع امرأة حاملا فألقت حملها من الرعب وماتت بسبب الإجهاض - يسأل عن القتل شبه العمد ولو أن فعله لم يحدث أثرا ماديا بجسم المجنى عليه((2)).
ولا يتفق القانون المصرى والفرنسى مع الشريعة فى هذا ولكن الكثيرين من الشراح يرون أنه من القصور أن لا يعاقب هذان القانونان على مثل هذه الحالات، أما القانون الإنجليزى فيعاقب على مثلها فعلا.
__________
(1) يرى أبو حنيفة شخصيا أن من حرش كلبا أو غيره على آخر لا يكون متعمدا لأن للكلب اختيارا وإنما يكون مخطئا فإذا قتله الكلب كان مسئولا عن القتل الخطأ فقط . ويخالفه فى هذا أبو يوسف ومحمد ويريان الفعل قتلا شبه عمد .
(2) راجع الفقرتين 59 , 60 من هذا الجزء .

(3/105)


108 - وليس ثمة ما يمنع عند الشافعى وأحمد عن مسئولية الجانى عن القتل شبه العمد ولو لم يكن الموت نتيجة مباشرة لفعله: كمن طلب إنسانا بسيف مجرد أو بندقية أو ما يخيف فهرب منه فتلف فى هربه كأن سقط من شاهق أو انخسف به سقف أو غرق فى ماء أو احترق بنار أو سقط فتلف أو خر فى مهواة من بئر أو غيره - ففى كل هذه الأحوال يعتبر الطالب مرتكبا لجريمة القتل شبه العمد ولو أن فعله ليس هو الذى أدى مباشرة للموت، على خلاف فى الإطلاق والتقييد بين الشافعى وأحمد سبق بيانه((1)).
109 - ويشترط فى المجنى عليه أن يكون معصوما: فإن لم يكن معصوما فلا يعتبر الفعل جريمة قتل وإنما يمكن اعتبار ما وقع اعتداء على السلطات العامة، وقد بينا معنى العصمة بمناسبة الكلام على القتل العمد((2))، ولكنا لم نذكر من المهدرين إلا ما اقتضى الكلام عن القتل العمد ذكرهم فبقى منهم من لم نذكره وهم: السارق سرقة عقوبتها قطع اليد، والزانى غير المحصن، والقاذف، وشارب الخمر، فهؤلاء مهدرون فيما يختص بتنفيذ العقوبة عليهم؛ فمن قطع يد السارق لا يعاقب على قطعه ولكنه يعتبر معتديا على السلطات العامة التى من اختصاصها قطع السارقين، ومن جلد الزانى غير المحصن أو القاذف أو شارب الخمر لا يعاقب على جريمة الضرب وإنما يعاقب على أنه افتات على السلطات العامة، وأتى بعمل اختصت به نفسها؛ والعلة فى إباحة هذه الأفعال أنها حدود لا يجوز العفو عنها، ولا التراخى فى تنفيذها، وهى واجبة على الجماعة، فكل فرد يعتبر مسئولا عن تنفيذها، والأمر سهل إذا كان دم المجنى عليه مهدرا إهدارا كليا، ولكن إذا كان الإهدار جزئيا لتنفيذ حد يقتل من الحدود التى ذكرناها الآن ثم مات المجنى عليه نتيجة لتنفيذ الحد من أحد الأفراد، فهل يعتبر الفعل قتلا شبه عمد أم لا؟.
__________
(1) راجع الفقرة 67 من هذا الجزء .
(2) راجع الفقرات من 17 إلى 27 من هذا الجزء .

(3/106)


قطع السارق: يعتبر السارق الذى سرق سرقة يجب فيها القطع غير معصوم بالنسبة للعضو الذى يجب قطعه، أما باقى أعضائه فمعصوم وكذلك نفسه((1))، فإذا عدا إنسان على السارق فقطع يده أو رجله التى يجب قطعها فلا يعاقب على القطع، لأنه قطع عضوا غير معصوم، ويستوى عند أحمد أن يكون القطع قبل الحكم بالسرقة أو بعده مادامت السرقة ثبتت على السارق، ولكن يشترط أن تكون الدعوى مقامة، فإن لم تكن الدعوى رفعت اعتبر القاطع قاطعا عمدا، وإذا شهد الشهود بالسرقة ولم يحكم القاضى بالقطع انتظارا لتعديل الشهود فقطعه قاطع فلا عقوبة عليه إذا عدلت الشهود - أى ثبتت عدالتهم وصلاحهم - فإن لم تعدل الشهود فهو قاطع ليد معصومة عمدا. ويرى الشافعى مثل ما يراه أحمد.
أما مالك وأبو حنيفة فيشترطان أن يكون القطع بعد الحكم، فإن كان بعده فلا مسئولية على القاطع بسبب القطع، وإنما يؤاخذ على الافتيات على السلطات، أما إذا كان القطع قبل الحكم فهو مسئول عن القطع((2)).
وإذا أدى القطع إلى الوفاة فلا يسأل القاطع عن موته إلا إذا كان مسئولا عن قطعه، فإن كان مسئولا عن القطع فهو مسئول عن قتله عمدا، وإن لم يكن مسئولا فلا مسئولية.
والحجة فى عدم المسئولية: أن الموت تولد عن قطع واجب وأن إقامة الحدود واجبة ولا تحتمل التأخير، فالضرورة تقتضى التسامح فيما ينشا عن تنفيذ الحد حتى لا يتعطل تنفيذ الحدود.
والفرق عند أبى حنيفة بين هذه الحالة وحالة القصاص، أن القصاص حق للمقتص وليس واجبا عليه وهو مخير فى حقه إن شاء عفا وإن شاء اقتص، بل هو مندوب إلى العفو، واستعمال الحق مقيد بشرط السلامة. أما الواجب فلا يتقيد بشرط السلامة.
ولا شك أن إقامة الحد واجب على كل فرد من الجماعة ولو أن الذى خصص لإقامته هو نائب الجماعة ((3)).
__________
(1) نهاية المحتاج ج7 ص254 .
(2) مواهب الجليل ج6 ص231 , البحر الرائق ج5 ص62 .
(3) بدائع الصنائع ج7 ص315 , البحر الرائق ج5 ص319 .

(3/107)


110 - ويشترط أن يؤدى الفعل لوفاة المجنى عليه: ويستوى أن تكون الوفاة على أثر الفعل أو بعده بزمن طال هذا الزمن أو قصر فإذا لم يمت المجنى عليه من الفعل وشفى عوقب الجانى باعتباره ضاربا أو جارحا أو قاطعا بحسب ما انتهت إليه حالة المجنى عليه، فإن فقد من المجنى عليه عضو أو زالت منفعته عوقب الجانى على هذه النتيجة، وتتفق القوانين الوضعية مع الشريعة فى هذا المبدأ فهى لا تعتبر الجانى شارعا فى جريمة ضرب مفض إلى الموت إذا لم يؤد الضرب للموت، وإنما تعتبره محدثا لعاهة أو ضاربا بحسب ما تنتهى إليه حالة المجنى عليه.
111 - ويصح أن يصدر الفعل من الجانى مباشرة: كأن يضرب المجنى عليه بعصا أو يرميه بحجر، ويصح أن يتسبب فى الفعل دون أن يباشره كأن يغرى به كلبا فيعضه فيموت من العضة أو يضع له مزلقا فى الطريق فيسقط فيه فيموت من سقطته، فالجانى مسئول عن القتل شبه العمد فى حالتى المباشرة والتسبب، ولا فرق عند أبى حنيفة فى القتل شبه العمد بين عقوبة القتل المباشر والقتل بالتسبب كما هو الحال فى القتل العمد.
112 - وتنطبق على القتل شبه العمد كل القواعد التى ذكرت فى باب القتل: عن المباشرة، والسبب، والشرط، والمسألة عنها، وتعدد المباشرة، والسبب، والتمالؤ، والقتل على الاجتماع، والقتل على التعاقب، واجتماع المباشرة مع السبب((1)). وقد تكلمنا عن هذه القواعد بما فيه الكفاية فلا داعى لإعادة الكلام عنها.
ومن كان عليه قصاص متلف كقطع أصبع أو يد أو رجل أو أذن فهو غير معصوم بالنسبة لمستحق القصاص فى حدود ما يستحقه، فليس للمستحق أن يقطع غير العضو المماثل، فإن فعل فهو قاطع عمدا، وإن قطع العضو المماثل فلا يسأل عن القطع وإنما يسأل عن افتياته على السلطات العامة وتعجله بالقصاص، أما لو كان القاطع أجنبيا فهو مسئول عن القطع لأن المقطوع معصوم فى حقه.
__________
(1) راجع الفقرات من 43 - 57 من هذا الجزء .

(3/108)


وإذا اقتص المستحق فى طرف، فسرى القصاص إلى النفس، ومات المقتص منه، فلا يسأل الوالى عن القتل شبه العمد، لأنه مات من فعل مباح((1)) وهو تنفيذ العقوبة.
وهذا هو رأى مالك والشافعى وأحمد وأبى يوسف ومحمد، أما أبو حنيفة فيرى أن المقتص مسئول عن القتل شبه العمد، وحجة الفريق الأول أن الموت حدث بفعل مأذون فيه، ولا يعتبر جريمة فما تولد منه لا يعتبر جريمة، فإن ما تولد من المباح مباح. وحجة أبى حنيفة أن الفعل المأذون له فيه هو القطع وهو حقه، ولكنه استوفى أكثر من حقه وجاء بالقتل ففيه مسئولية((2)).
113 - ويشترط أن يكون الفعل الذى أتاه الجانى محرما عليه: فإن كان حقه أو من واجبه أن يأتى الفعل فأدى الفعل للموت فالمسئولية تختلف بحسب حدود الحق وباختلاف أصحاب الحق، كما تختلف بحسب اختلاف الشخص المحمل بالواجب، وسنفصل ذلك فيما يأتى فى:
حق التأديب، حق التطيب، الألعاب الرياضية، حق القصاص، التعزير، قطع السارق، الجلد فى حد.
* * *
الركن الثانى: أن يتعمد الجانى الفعل
__________
(1) المهذب ج2 ص200 , تحفة المحتاج ج4 ص28 , المغنى ج9 ص443 .
(2) بدائع الصنائع ج9 ص305 .

(3/109)


114 - يشترط أن تعمد الجانى إحداث الفعل المؤدى للوفاة دون أن يتعمد قتل المجنى عليه: وهذا هو المميز الوحيد بين جريمتى القتل العمد وشبه العمد، ففى الأول يتعمد الجانى إصابة المجنى عليه وفى الوقت ذاته يقصد من الإصابة قتله، وفى الثانى يتعمد إصابة المجنى عليه ولا يتعمد قتله، فالفاصل بين الجريمتين أصلا هو قصد الجانى، فإن قصد القتل فالفعل قتل عمد وإن قصد مجرد العدوان ولم يقصد القتل فالفعل شبه عمد، ويستدل على نية الجانى قبل كل شىء بالآلة أو الوسيلة التى يستعملها فى القتل، فإن كانت الآلة تقتل غالبا فالفعل قتل عمد ما لم يثبت الجانى أنه لم يقصد القتل، وإن كانت الآلة لا تقتل غالبا فالفعل قتل شبه عمد ولو توجه قصد الجانى فعلا للقتل؛ لأن القتل لا يكون إلا بالآلة الصالحة لإحداثه، فإن لم تكن الآلة صالحة لإحداثه كانت نية القتل عبثا((1))، ويستدل على القصد بعد الآلة المستعملة بشهادة الشهود واعتراف الجانى، وتتميز جريمة القتل شبه العمد عن القتل الخطأ بقصد الفاعل أيضا؛ ففى شبه العمد يأتى الفاعل الفعل لقصد العدوان دون أن يقصد القتل، أما فى القتل الخطأ فيأتى الفعل دون أن يقصد عدوانا أو يقع عدوانا أو يقع منه الفعل نتيجة لإهماله أو عدم احتياطه دون أن يقصد الفعل بالذات.
115 - القصد الاحتمالى: والجانى فى القتل شبه العمد مأخوذ بقصده الاحتمالى، فإن نيته لا تتجه لقتل المجنى عليه عند ارتكاب الحادث، وما كان يتوقع أن يؤدى الحادث للقتل، ولكنه يسأل عن القتل باعتباره نتيجة لعمله وكان فى وسعه أن يتوقعها أو كان يجب عليه أن يتوقعها((2)).
__________
(1) راجع الفقرة 89 من هذا الجزء .
(2) راجع الفقرة 98 من هذا الجزء .

(3/110)


116 - القصد المحدود أو غير المحدود: ويستوى عند الفقهاء فى القتل شبه العمد أن يقصد الجانى شخصا معينا بالفعل الذى أدى لقتل، أو يقصد شخصا غير معين أيا كان فالجانى مسئول فى الحالين عن فعله، ويعاقب عليه بعقوبة القتل شبه العمد إذا أدى لموت((1)).
117 - الخطأ فى الشخص والخطأ فى الشخصية: وإذا قصد الجانى شخصا معينا فأخطأه وأصاب غيره، كأن رماه بحجر فلم يصبه وأصاب الآخر، وقصد شخصا على أنه زيد فتبين أنه عمرو فإن الجانى يسأل عن القتل الخطأ إذا توفى المجنى عليه ولا يسأل عن القتل شبه العمد. وهذا هو الرأى فى مذهب أبى حنيفة والشافعى وبعض فقهاء مذهب أحمد، أما البعض الآخر فيرى أن الجانى يسأل عن القتل شبه العمد إذا كان الفعل الذى قصده محرما أما إذا كان غير محرم فيسأل عن القتل الخطأ((2)).
118- رضاء المجنى عليه: وإذا كان المجنى عليه قد أذن بالفعل المؤدى للموت، فيرى أبو حنيفة مسئولية الجانى عن القتل شبه العمد؛ لأن الجانى أذن بالجرح ولم يأذن بالقتل فلما مات المجنى عليه تبين أن الفعل وقع قتلا لا جرحا ويخالفه أبو يوسف ومحمد فى هذا الرأى كما يخالفه الشافعى وأحمد ويرون أن لا مسئولية على الجانى. وقد تكلمنا عن هذا بتفصيل بمناسبة الكلام على القتل العمد((3)).
ولا عبرة بالبواعث التى دفعت الجانى لارتكاب الفعل، فسواء كانت هذه البواعث شريفة أو وضيعة فلا أثر لها على الجريمة ولا أثر لها على العقوبة؛ لأن العقوبة حد لا يجوز تخفيفها ولا إيقافها ولا العفو عنها.
* * *

الركن الثالث: أن يكون بين الفعل والموت رابطة السببية
__________
(1) راجع الفقرة 95 من هذا الجزء .
(2) راجع الفقرة 96 من هذا الجزء .
(3) راجع الفقرة 93 من هذا الجزء .

(3/111)


119 - يشترط أن يكون بين الفعل الذى ارتكبه الجانى وبين الموت رابطة السببية: أى: أن يكون الفعل علة مباشرة للموت أو أن يكون سببا فى علة الموت، فإذا انعدمت رابطة السببية فلا يسأل الجانى عن موت المجنى عليه، وإنما يسأل باعتباره جارحا أو ضاربا.
120 - ويكفى أن يكون فعل الجانى هو السبب الأول فى إحداث الوفاة ولو تعاونت معه أسباب أخرى على إحداث الوفاة: كإهمال العلاج أو إساءة العلاج أو ضعف المجنى عليه أو مرضه أو غير ذلك. وقد تكلمنا على ذلك بما فيه الكفاية بمناسبة الكلام على القتل العمد، وما قلناه هناك ينطبق هنا مما هو خاص بتعدد الأسباب وتواليها، وانقطاع آثارها، وتغلب بعضها على البعض الآخر((1)).
121 - والقضاء المصرى يتجه اتجاه الشريعة مخالفا بذلك النظرية الفرنسية: ومن المبادئ التى قررتها محكمة النقض المصرية: أنه لا يقبل من المتهم الاحتجاج بأن وفاة المجنى عليه الذى أصابته ضربة من الغير مطالبا بأن يعمل كل احتياط لما عساه أن يحدث من هذه الضربة طالما أنه لم يعمل عملا إيجابيا ساءت به حالته ((2)). وحكمت أيضا محكمة النقض بأنه إذا كان سبب الوفاة هو التسمم الصديدى الناشىء من الإصابة مع الضعف الشيخوخى فلا يقبل من المتهم القول لعدم توفر رابطة السببية بين الضرب والوفاة، لأنه متى كان الضرب الذى وقع من المتهم هو السبب الأول المحرك للعوامل الأخرى المتنوعة التى تعلونت بطريق مباشر أو غير مباشر على إحداث النتيجة النهائية، فإن المتهم مسئول عن كافة النتائج التى ترتبت على فعله، ومأخوذ فى ذلك بقصده الاحتمالى ولو لم يكن يتوقع هذه النتائج لأنه كان يجب عليه قانونا أن يتوقعها ((3)).
* * *

المبحث الثالث
القتل الخطأ
__________
(1) تراجع الفقرات من 68 إلى 73 من هذا الجزء .
(2) نقض 15 مايو سنة 1930 , قضية رقم 1139 سنة 47 قضائية .
(3) نقض 20 نوفمبر سنة 1933 قضية رقم 2058 سنة 3 قضائية .

(3/112)


122- الأصل فى العقاب على القتل الخطأ: قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما} [النساء: 92].
123- ويرى بعض الفقهاء أن الخطأ نوع واحد: ولكن بعضهم يقسمه إلى نوعين:
1 - قتل خطأ محض.
2 - قتل فى معنى القتل الخطأ.
والخطأ المحض: هو ما قصد فيه الجانى الفعل دون الشخص، ولكنه أخطأ فى فعله أو فى ظنه. ومثل الخطأ فى الفعل أن يرمى صيدا فيخطئه ويصيب آدميا، والخطأ فى ظن الفاعل كمن يرمى شخصا على ظن أنه مهدر الدم فإذا هو معصوم، وكمن يرمى ما يحبسه حيوانا فيتبين أنه إنسان.
أما ما هو فى معنى القتل الخطأ: فهو ما لا قصد فيه إلى الفعل ولا الشخص، أى أن الجانى لا يتعمد إتيان الفعل الذى يسبب الموت ولا يقصد المجنى عليه. وهذا النوع من القتل الخطأ قد يحدث من الجانى مباشرة وقد يحدث بالتسبب، والأول: كمن انقلب على نائم بجواره فقتله، أو سقط منه شىء كان يحمله على آخر فمات منه. والثانى: كمن حفر بئرا فسقط فيها آخر فمات، وكمن ترك حائطه دون إصلاح فسقط على بعض المارة، أو كمن أراق ماء فى الطريق فانزلق به أحد المارة وسقط على الأرض فجرح جرحا أودى بحياته. والفقهاء الذين لا يرون تقسيم الخطأ يدخلون تحته ما يدخله الآخرون تحت هذين القسمين، فالفرق بين الفريقين فى منطق الترتيب والتبويب لا غير.

(3/113)


ولعل الذى دعا القائلين بالتقسيم إلى التقسيم الخطأ أنهم رأوا أن طبيعة الفعل فى الخطأ المحض تختلف عن طبيعته فيما يعتبر قتلا فى معنى الخطأ، ففى الخطأ المحض يتعمد الجانى الفعل، أما فى النوع الثانى فلا يتعمده، وعلة تقسيم النوع الثانى إلى قتل مباشر وقتل بالتسبب: أن القتل المباشر فيه الكفارة دون القتل بالتسبب والكفارة عقوبة تعبدية أو هى دائرة بين العقوبة والعبادة وتخص المسلم دون غيره.
124 - وما جاء فى الشريعة عن الخطأ يتفق مع ما جاء فى القوانين الوضعية بعينه. وإذا كان شراح القوانين لا يقسمون الخطأ هذه التقاسيم ويكتفون بإدراجها كلها تحت لفظ الخطأ كما فعل بعض الفقهاء إلا أن ما تعتبره القوانين خطأ لا يخرج عن نوع من الأنواع التى ذكرها فقهاء الشريعة.
125 - والظاهر من تتبع أمثلة الفقهاء أن الجانى يكون مسئولا كلما كان الفعل والترك نتيجة إهمال أو تقصير أو عدم احتياط وتحرز أو عدم تبصر أو مخالفة لأمر السلطات العامة أو الشريعة ومن ثم يكون أساس جرائم الخطأ فى الشريعة هو نفس الأساس الذى تقوم عليه هذه الجرائم فى القوانين الوضعية وبصفة خاصة القانونين المصرى والفرنسى وسنعرض فيما يأتى أمثلة مما يراه فقهاء الشريعة خطأ تأييدا لما قلناه.
126 - ويسير الفقهاء عامة على قاعدتين ((1)) عامتين يحكمان مسئولية الجانى فى الخطأ وبتطبيقهما نستطيع أن نقول إن شخصا ما أخطأ أو لم يخطئ.
القاعدة الأولى: كل ما يلحق ضررا بالغير يسأل عنه فاعله أو المتسبب فيه إذا كان يمكن التحرز منه، ويعتبر أنه تحرز إذا لم يهمل أو يقصر فى الاحتياط والتبصر، فإذا كان لا يمكنه التحرز منه إطلاقا فلا مسئولية.
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص271 , 272 .

(3/114)


القاعدة الثانية: إذا كان الفعل غير مأذون فيه (غير مباح) شرعا وأتاه الفاعل دون ضرورة ملجئة فهو تعد من غير ضرورة وما تولد منه يسأل عنه الفاعل سواء كان مما يمكن التحرز عنه أو مما لا يمكن التحرز عنه.
127 - (1) من كان يمشى فى الطريق حاملا خشبة فسقطت منه على إنسان فقتلته فهو مسئول عن قتله لأنه يستطيع أن يتحرز ويحتاط فلم يفعل، ولكن الغبار الذى يثيره رمى الإنسان فى الطريق إذا جاء فى عين إنسان فأتلفها لا يسأل عنه الماشى لأن إثارة الغبار عن المشى مما لا يمكن التحرز منه.
(2) من سير دابة أو ساقها أو قادها فوطئت إنسانا أو كدمته أو صدمته فهو مسئول عن ذلك كله لأنه مما يمكن التحرز عنه بحفظ الدابة وتنبيه الناس، أما نفح الدابة برجلها أو ذنبها فلا يمكن التحرز منه وكذلك بولها وروثها ولعابها، فلو نفحت الدابة برجلها أو ذنبها إنسانا فأحدثت إصابة مات منها، ولو أتلف بولها أو روثها أو لعابها ملابس إنسان أو زلق فيه فسقط وأصيب فلا مسئولية على الراكب أو السائق أو القائد لأن سبب الإصابة مما لا يمكن التحرز عنه، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: “والرجل جبار” أى: نفح الدابة برجلها جبار؛ أى لا مسئولية عنه.
(3) ما تثيره الدابة بسيرها من الغبار والحصى الصغار لا ضمان فيه؛ أى لا مسئولية عنه لأنه لا يمكن التحرز فيه، أما إثارة الحصى الكبار ففيه المسئولية لأنها لا تثار إلا عند السير العنيف وهو مما يمكن التحرز منه.

(3/115)


(4) إذا أوقفت الدابة فى الطريق العام فقتلت إنسانا فمن أوقفها مسئول عن قتله سواء وطئت بيدها أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت بيدها أو نفحت برجلها أو بذنبها وكذلك هو مسئول عما يعطب بروثها أو بولها أو لعابها، كل ذلك مضمون عليه سواء كان راكبا لها أم لا، لأن وقوف الدابة فى الطريق العام ليس بمأذون فيه شرعا إنما جعل الطريق للمرور فإذا كان الوقوف لا ضرورة فيه فهو تعد من غير ضرورة وما تولد منه يكون مضمونا عليه سواء كان مما يمكن التحرز منه أم لا يمكن التحرز منه.
(5) ومن ربط فى غير ملكه فهو مسئول عما أصابته من شىء بيدها أو رجلها وعما عطب بروثها أو بولها أو لعابها؛ لأنه متعد بالوقوف فى غير ملكه.
(6) فإذا أوقفها فى ملكه فلا ضمان عليه إلا فيما وطئت بيدها أو رجلها وهو راكبها، وإذا كان الوقوف فى محل مخصص لذلك كموقف معد للحيوانات فى الشارع العام أو كموقف الحيوانات فى السوق العام فهو كما لو أوقف الدابة فى ملكه الخاص.
(7) ولو نفرت الدابة أو انفلتت من صاحبها بالرغم منه فما أصابت فى نفارها وانفلاتها فلا مسئولية عنه لقوله عليه السلام: “العجماء جبار” أى البهيمة جرحها جبار ولأنه لا صنع له فى نفارها وانفلاتها ولم يكن فى إمكانه أن يتحرز عن فعلها.
(8) من أحدث شيئا فى الطريق كمن أخرج جناحا أو شرفة، أو نصب ميزانا، أو بنى دكانا، أو وضع حجرا أو خشبة أو متاعا، فعثر بشىء من ذلك عاثر فوقع فمات، أو وقع على غيره فقتله، أو حدث به أو بغيره من العثرة والسقوط جناية من قتل أو غيره، أو صب ماء فى الطريق فزلق به إنسان، فهو مسئول عن ذلك كله وعما عطب من الدواب وتلف من الأموال؛ لأنه تسبب فى التلف بإحداث هذه الأشياء وهو متعد فى التسبب فكل ما تولد من التعدى يكون مضمونا عليه، ولو كان التحرز منه غير ممكن.

(3/116)


(9) إذا أشعل نارا فى داره أو فى أرضه وكان من المتوقع أن يصل الشرر إلى دار غيره أو أرضه لهبوب الهواء قبل إشعال النار، فهو ضامن لما احترق فى دار جاره أو أرضه لعدم تبصره ولعدم احتياطه.
(10) إذا سقى أرضه فأسرف حتى أضر السقى بأرض جاره، أو كان بأرضه شق فنزل الماء فى أرض جاره، فهو ضامن لعدم تبصره وعدم احتياطه وتقصيره.
(11) إذا رش الطريق فجاوز المعتاد فى الرش فهو ضامن.
(12) ولو تناهى فى الاحتياط والتبصر والتحرز فجرت حادثة لا توقع أو صاعقة فسقط بها شىء من ملكه كميزان أو شرفة وأتلف إنسانا أو شيئا فلا مسئولية ولا ضمان ((1)).
هذه هى بعض الأمثلة التى ضربها فقهاء الشريعة على الخطأ، وظاهر منها أن المسئولية تختلف فى حالة ما إذا كان الفعل مباحا عنها فى حالة ما إذا لم يكن مباحا، فإن كان الفعل مباحا فالمسئولية أساسها التقصير الذى يرجع إلى الإهمال وعدم الاحتياط والتحرز أو عدم التقصير، أما إذا كان الفعل غير مباح فأساس المسئولية هو ارتكاب الفعل غير المباح ولو كان لم يحدث منه تقصير. وهذا الذى تقوم عليه المسئولية فى الخطأ فى الشريعة هو نفس ما يأخذ به القانون المصرى الناقل عن القانون الفرنسى، فهو ينص على المسئولية فى حالة التقصير بصوره المختلفة من عدم الاحتياط والإهمال وعدم الانتباه كما ينص على المسئولية فى حالة عدم مراعاة واتباع اللوائح، ولا يشترط التقصير فى الحالة الأخيرة ((2)).
* * *
أركان القتل الخطأ
128 - للجناية على النفس خطأ ثلاثة أركان:
أولها: فعل يؤدى لوفاة المجنى عليه.
ثانيها: أن يقع الفعل خطأ من الجانى.
ثالثها: أن يكون بين الخطأ ونتيجة الفعل رابطة السببية.
__________
(1) راجع فى هذا المثل والأمثلة السابقة : بدائع الصنائع ج7 ص271 - 286 , المغنى ج9 ص558 - 577 , نهاية المحتاج ج7 ص333 - 350 , مواهب الجليل ج6 ص241 - 243 ومن ص320 - 323 .
(2) راجع المادتين 238 , 244 من قانون العقوبات المصرى .

(3/117)


الركن الأول: فعل يؤدى لوفاة المجنى عليه
129 - يشترط أن يقع بسبب الجانى أو منه فعل على المجنى عليه: سواء كان الجانى أراد الفعل وقصده، كما لو أراد أن يرمى صيدا فأصاب إنسانا، أو وقع الفعل نتيجة إهماله وعدم احتياطه دون أن يقصده كأن انقلب وهو نائم على طفل بجواره فقتله.
130 - ولا يشترط فى الفعل أن يكون من نوع معين: كالجرح مثلا بل يصح أن يكون أى فعل مما يؤدى للموت؛ كالاصطدام بشخص أو بشىء وتزليق الطريق وحفر بئر فيها وإسقاط ماء ساخن أو نار على المجنى عليه أو إسقاطه فى مار أو سقوط حائط عليه.
131- وكما يصح أن يكون الفعل مباشرا يصح أن يكون بالتسبب: كمن ألقى ماء فى الطريق أو قشر موزا أو بطيخا فتزلق فيه آخر فسقط وأصيب فمات من إصابته ومن حفر بئرا أو حفرة ولم يتخذ حولها مانعا فسقط فيه إنسان فمات من سقطته.
132- ويجوز أن يكون الفعل إيجابيا: كمن يلقى حجرا من شرفته ليتخلص منه دون قصد إصابة أحد فيصيب أحدا، ويجوز أن يكون الفعل تركا كترك الكلب العاقر فى الطريق فيعقر إنسانا ويحدث إصابات تميته، وكعدم إصلاح الحائط المائل أو المختل حتى يسقط على إنسان فيميته.
133- ويصح أن تكون وسيلة الموت مادية كما يصح أن تكون معنوية: فمن أثار رائحة كريهة أدت إلى إسقاط حامل وموتها، ومن صاح على حيوان صيحة مزعجة فمات منها إنسان رعبا أو أزعجه فسقط من مرتفع ومات من سقطته - يعتبر قاتلا خطأ فى كل هذه الحالات وأمثالها.
134- ويشترط أن يؤدى الفعل إلى الوفاة: ويستوى أن تكون الوفاة على أثر وقوع الحادث أو بعده طالت المدة أو قصرت فإن لم يمت المجنى عليه كان الفعل جناية خطأ على ما دون النفس.
135- وينطبق على القتل الخطأ كل القواعد التى ذكرت فى باب القتل العمد: عن المباشرة والسبب والشرط والمسئولية عنها وتعدد المباشرة والسبب واجتماعهما والقتل على التعاقب((1)).
__________
(1) راجع الفقرات من 43 إلى 56 من هذا الجزء .

(3/118)


136- وليكون الجانى مسئولا عن فعله يجب أن يكون المجنى عليه معصوما: وقد تكلمنا عن العصمة بمناسبة الكلام عن القتل العمد وفيما ذكر هناك الكفاية ((1)).
* * *
الركن الثانى: الخطأ
137 - الخطأ هو الركن المميز لجرائم الخطأ على العموم: فإذا انعدم الخطأ فلا عقاب، ويعتبر الخطأ موجودا كلما ترتب على فعل أو ترك نتائج لم يردها الجانى بطريق مباشر أو غير مباشر، سواء كان الجانى أراد الفعل أو الترك أم لم يرده ولكنه وقع فى الحالين نتيجة لعدم تحرزه أو لمخالفته أوامر السلطات العامة ونصوص الشريعة.
__________
(1) يعتبر الإمام مالك من القتل الخطأ الأفعال التى تقع من الجانى بقصد تأديب المجنى عليه أو بقصد اللعب إذا أدت للوفاة ولعله أخذ بهذا الرأى نتيجة لقوله : إن القتل إما عمد وإما خطأ فقط ولا وسط بينهما , ولرأيه فيما يختص بالأفعال التى يقصد بها التأديب يخالف آراء بقية الفقهاء الذين يقررون الفعل قتلا شبه عمد , كما يخالف القانونين المصرى والفرنسى اللذين يقرران الفعل ضربا أفضى إلى موت , وهو يتفق مع رأى بقية الفقهاء , أما فيما يختص بالأفعال التى ترتكب بقصد اللعب أو تنشأ عنه فرأى مالك فيها يتفق مع رأى بقية الفقهاء كما يتفق مع القوانين الوضعية .
ويرى أبو حنيفة أن من الخطأ أن يغرى إنسان كلبه فيعقر آخر فيقتله وحجته أن الكلب لا يعقر مكرها ولكن يعقر مختارا فلا يمكن أن ينسب لصاحب الكلب إلا أنه أهمل , ويخالفه أبو يوسف ومحمد ويعتبران الفعل قتلا شبه عمد ورأيهما يتفق مع رأى الشافعى وأحمد أما مالك فيعتبر الفعل قتلا عمدا . البدائع ج7 ص183 , مواهب الجليل ج6 ص240 , 241 .

(3/119)


138 - ومن المسلم به أنه لا عقاب على عدم التحرز فى ذاته، أو مخالفة الأوامر والنصوص: فإن لم يكن شىء من هذا فلا عقاب إلا إذا تولد من عدم التحرز أو مخالفة الأوامر والنصوص ضرر، فإذا تولد الضرر فقد وجدت المسئولية عن الخطأ، وإذا انعدم الضرر فلا مسئولية((1)).
139- ومقياس الخطأ فى الشريعة هو عدم التحرز: ويدخل تحته كل ما يمكن تصوره من تقصير فيدخل تحته الإهمال، وعدم الاحتياط، وعدم التبصر، والرعونة، والتفريط، وعدم الانتباه، وغير ذلك مما اختلف لفظه ولم يخرج معناه عن عدم التحرز.
140- ومخالفة الأوامر والنصوص يدخل تحتها نصوص الشريعة نفسها ونصوص القوانين واللوائح والأوامر التى تصدرها السلطات التشريعية: ومجرد المخالفة يعتبر خطأ فى ذاته وترتب عليه مسئولية المخالف سواء فيما يمكن التحرز فيه أو ما لا يمكنه أن يتحرز فيه، ولكن يشترط للمسئولية أن يكون هناك ضرر كما قدمناه.
141- ولا يشترط أن يكون الخطأ بالغا حدا معينا من الجسامة: فيستوى أن يكون خطأ الجانى جسيما أو تافها، فهو مسئول جنائيا لمجرد حصول الخطأ وعليه أن يتحمل نتيجة خطئه، وهى نتيجة لا تختلف باختلاف جسامة الخطأ أو تفاهته لأن عقوبة القتل الخطأ فى الشريعة ذات حد واحد ولا يجوز إنقاصها ولا إيقافها ولا العفو عنها من السلطات العامة. وينبنى على هذا أن المجنى عليه لا يستطيع أن يطالب بتعويض ما أصابه من ضرر إذا برأت المحكمة المختصة الجانى لأنه لم يحدث منه خطأ.
* * *
الركن الثالث: أن يكون بين الخطأ والموت رابطة السببية
142 - يشترط ليكون الجانى مسئولا أن تكون الجناية قد وقعت نتيجة لخطئه: بحيث يكون الخطأ هو العلة للموت، وبحيث يكون بين الخطأ والموت علاقة السبب بالمسبب فإذا انعدمت السببية فلا مسئولية على الجانى.
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص271 , 272 .

(3/120)


143 - ويسأل الجانى عن الموت ولو ساعد على إحداثه عوامل أخرى: كسوء العلاج واعتلال صحة المجنى عليه أو صغر سنه أو ضعف تكوينه كذلك يسأل عن الموت ولو اشترك فى الخطأ أكثر من شخص بغض النظر عن عدد الإصابات التى تسبب فيها كل، وفحش هذه الإصابة المنسوبة للجانى مهلكة بذاتها أو ساهمت فى إحداث الوفاة. وتعتبر رابطة السببية متوفرة سواء كان الموت نتيجة مباشرة للخطأ، كمن يعبث ببندقيته فتنطلق منه خطأ فتصيب المجنى عليه فتقتله أو كان الموت ليس نتيجة مباشرة للخطأ، كمن حفر بئرا عدوانا فجاء السيل ودحرج بجوارها حجرا فعثر المجنى عليه بالحجر فسقط فى البئر فمات من سقطته.
144 - والجانى مسئول عن خطئه ولو توالت الأسباب وبعدت النتائج: ما دام العرف يعتبره مسئولا عن هذه النتائج، وقد تكلمنا طويلا عن رابطة السببية بمناسبة القتل العمد، وما قيل هناك يمكن أن يقال هنا.
145 - واشتراك شخص أو أشخاص فى الخطأ لا يعفى الجانى من مسئولية القتل العمد: ولكنه يخفف من العقوبة، إذ تقسم عليهم الدية بحسب عددهم لا بحسب عدد إصاباتهم فإذا اشترك ثلاثة فى قتل رابع خطأ فعليهم ديته أثلاثا بغض النظر عن جسامة فعل كل منهم وعدد إصابته ما دام فعله قد ساهم فى إحداث الوفاة.

(3/121)


146 - وإذا اشترك المجنى عليه مع الجانى فى الخطأ: تخفف العقوبة بقدر نصيب المجنى عليه؛ لأنه اشترك فى الفعل، فأعان على نفسه، فمثلا إذا اشترك أربعة فى حفر بئر فوقعت عليهم فمات أحدهم فعلى كل من الثلاثة الباقين ربع دية فقط، وإذا كان عشرة يرمون بالمنجنيق فرجع عليهم بخطئهم فأصاب أحدهم فمات فعلى الباقين كل منهم تسع دية ويسقط عشر الدية مقابل اشتراك المجنى عليه فى الخطأ الذى أعلن به على نفسه وقد قضى على بن أبى طالب بمثل هذا فى قضية موضوعها: أن عشرة مدوا نخلة فسقطت على أحدهم فمات فقضى على الباقين كل بعشر الدية وأسقط عشرها لأن القتيل أعان على نفسه((1)).
ولكن الفقهاء يختلفون فى حالة المصادمة فيرى بعضهم عقاب كل متصادم عقوبة كاملة عن فعله، ويرى البعض الآخر أن الموت حدث من فعلين فنصف العقوبة((2)).
والرأى الثانى: يتفق مع ما تأخذ به المحاكم فى مصر وفرنسا، فإن اشترك المجنى عليه فى الخطأ لا يخليه من المسئولية الجنائية ولكنه يؤثر على التعويض ويدعو إلى تخفيف العقوبة.
147 - وتعتبر رابطة السببية قائمة: سواء كان الموت نتيجة مباشرة لفعل الجانى أو كان نتيجة مباشرة لفعل غيره من إنسان أو حيوان ما دام الجانى هو المتسبب فى الفعل، فمن يعبث ببندقيته فتنطلق منه خطأ فتصيب المجنى عليه فهو مسئول عن القتل إذا مات، ومن يكلف أجيرا بحفر بئر فى طريق فسقط فيها أحد فمات من سقطته فالقاتل هو المالك ما دام الأجير لا يعلم أنها فى ملك الآخر، ومن قاد دابة فعقرت شخصا فمات من العقر فالقاتل هو القائد.
* * *

المبحث الرابع
عقوبات القتل العمد
148 - للقتل العمد فى الشريعة أكثر من عقوبة: منها ما هو أصلى، ومنها ما هو تبعى. والعقوبات الأصلية هى:
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص278 , المغنى ج7 2559 , نهاية المحتاج ج7 ص350 .
(2) بدائع الصنائع ج7 ص273 , مواهب الجليل ج6 ص243 , نهاية المحتاج ج7 ص343 .

(3/122)


1 - القصاص. 2 - الدية. 3 - التعزير والكفارة على رأى.
والعقوبات التبعية اثنتان:
1 - الحرمان من الميراث. 2 - الحرمان من الوصية.
149- القصاص: تجب عقوبة القصاص بارتكاب جريمة القتل العمد فى الشريعة. ومعنى القصاص المماثلة؛ أى مجازاة الجانى بمثل فعله وهو القتل. ويستوى لتوقيع هذه العقوبة أن يكون القتل مسبوقا بإصرار أو ترصد أو غير مسبوق بشىء من ذلك، كما يستوى أن يصحب القتل جريمة أخرى أو لا يصحبه شىء فالعقوبة على القتل العمد هى القصاص فى كل حال؛ إلا فى حالة الحرابة، أى عندما يقترن القتل بسرقة فالعقوبة فى هذه الحالة هى القتل والصلب، ولكن العقوبة لا تقع على الجانى باعتباره قاتلا متعمدا بل باعتباره محاربا أى قاطع طريق.
150 - وعقوبتا الدية والتعزير كلاهما بدل من عقوبة القصاص: فإذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب الشرعية التى تمنع القصاص حلت محله عقوبة الدية مضافا إليها التعزير إن رأت ذلك الهيئة التشريعية وإذا امتنعت عقوبة الدية لسبب من الأسباب الشرعية حلت محلها عقوبة التعزير، فالفرق بينهما أن عقوبة التعزير تكون أحيانا بدلا من القصاص وتكون أحيانا بدلا من بدل القصاص أى بدلا من عقوبة الدية التى هى فى الأصل بدل من عقوبة القصاص، أما عقوبة الدية فهى بدل من القصاص فقط.

(3/123)


151- ويترتب على اعتبار الدية بدلا من القصاص نتيجتان: أولهما: أنه لا يجوز للقاضى أن يجمع بين العقوبتين جزاء عن فعل واحد، ولكن الجمع يجوز إذا تعددت الأفعال، فيجمع بينهما باعتبار القصاص عقوبة عن بعض الأفعال والدية عقوبة عن البعض الآخر، فمن قتل شخصا عمدا لا يصح أن يعاقب إلا بعقوبة القصاص، فإذا امتنع القصاص فالعقوبة الدية والتعزير أو الدية فقط، فإن امتنعت الدية فالعقوبة التعزير. ومن قتل شخصين جاز أن يعاقب على قتل أحدهما بالقصاص وعلى قتل ثانيهما بالدية والتعزير إذا امتنع القصاص، وبالتعزير فقط إذا امتنع القصاص والدية، فتكون نتيجة الحكم عليه أنه امتنع القصاص وبالتعزير فقط إذا امتنع القصاص والدية فتكون نتيجة الحكم عليه أنه عوقب بالقصاص والدية والتعزير.
وخلاصة ما سبق: أنه لا يجوز الجمع بين عقوبة أصلية وعقوبة بدلية إذا كانت الأخيرة مقررة بدلا من الأولى، أو بمعنى آخر: لا يجوز الجمع بين العقوبة الأصلية وبدلها، ولكن يجوز الجمع بين بدلين، كما يجوز الجمع بين عقوبتين أصليتين، فمثلا يجوز الجمع بين الدية والتعزير وكلاهما بدل من عقوبة القصاص، ويجوز الجمع بين القصاص والكفارة وكلاهما عقوبة أصلية، ولا جدال فى أنه يجوز الجمع بين العقوبات الأصلية والعقوبات التبعية حيث لا يوجد ما يمنع من ذلك عقلا وشرعا.
152 - ويترتب على أن القصاص أصل والدية والتعزير بدل أنه لا يجوز للقاضى أن يحكم بالعقوبة البدلية إلا إذا امتنع الحكم بالعقوبة الأصلية ولسبب من الأسباب الشرعية التى تمنع القصاص، فإذا لم يكن هناك مانع وجب الحكم بالعقوبة الأصلية.

(3/124)


153 - موانع القصاص: العقوبة الأصلية الأولى للقتل العمد هى القصاص فيحكم بهذه العقوبة على الجانى كلما توفرت أركان الجريمة، إلا إذا كان هناك سبب يمنع من الحكم بالقصاص. والأسباب التى تمنع الحكم بالقصاص ليس فيها سبب واحد متفق عليه فكلها مختلف فيه ولكن بعضها أخذ به معظم الفقهاء والبعض أخذ به أقلهم وسنذكرها جميعا فيما يلى:
154 - أولا: أن يكون القتيل جزءا من القاتل: يرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد((1)) أنه إذا كان القتيل جزءا من القاتل امتنع الحكم بالقصاص ويكون القتيل جزءا من القاتل إذا كان ولده فإذا قتل الأب ولده عمدا فلا يعاقب على قتله بالقصاص؛ لقوله عليه السلام: “لا يقاد الوالد بولده”، ولقوله: “أنت ومالك لأبيك”. والحديث الأول صريح فى منع القصاص، والحديث الثانى وإن لم يكن صريحا فى منع القصاص إلا أن نصه يمنع منه لأن تمليك الأب ولده وإن لم تثبت فيه حقيقة الملكية تقوم شبهة فى درء القصاص إذ القاعدة فى الشريعة “درء الحدود بالشبهات” أما الولد فيقتص منه لوالده سواء كان أبا أو أما إذا قتله طبقا للنصوص العامة، لأن النص الخاص لم يخرج من حكم النصوص العامة إلا الوالد فقط، ويعللون هذه التفرقة فى الحكم بين الوالد والولد بأن الحاجة إلى الزجر والردع فى جانب الولد أشهر منها فى جانب الوالد لأن الوالد يحب ولده لولده لا لنفسه دون أن ينتظر نفعا منه إلا أن يحيى ذكره وهذا يقتضى الحرص على حياته، أما الولد فيحب والده لنفسه لا لوالده أى أنه يحبه لما يصل إليه من منفعة عن طريقه وهذا لا يقتضى الحرص على حياة والده لأن مال والده كله يؤول إليه بعد وفاته وحبه لنفسه يتعارض مع الحرص على حياة والده((2)). ويعلل البعض((3)) التفرقة فى الحكم بأن الوالد كان سببا فى
__________
(1) بدائع الصنائع ج9 ص235 , المهذب ج2 ص186 , المغنى ج9 ص359 وما بعدها .
(2) بدائع الصنائع ج9 ص235 .
(3) المغنى ج9 ص259 , البحر الرائق ج8 ص296 .

(3/125)


إيجاد الولد فلا يصح أن يكون الولد سببا فى إعدامه وهو تعليل يراه البعض بعيدا عن الفقه؛ لأن إذا زنا بابنته يرجم فتكون سبب إعدامه مع أنه سبب وجودها. والحقيقة أن الابن والبنت ليسا سبب إعدام الأب وإنما ارتكاب الأب للجريمة فى كل حال كان سبب إعدامه((1)). ويدخل تحت لفظى الوالد والولد باتفاق الفقهاء الثلاثة كل والد وإن علا وكل ولد وإن سفل فيدخل تحت الوالد الجد أب الأب والجد أب الأم وإن علا((2))، ويدخل تحت الولد ولد الولد وإن سفلوا.
وحكم الأم هو حكم الأب، فإذا قتلت الأم ولدها فلا يقتص منها لأن النص جاء بلفظ الوالد وهى أحد الوالدين فاستوت فى الحكم مع الأب، فضلا عن أنها أولى بالبر فكانت أولى بنفى القصاص عنها. ولأحمد رأى آخر غير معمول به، وهو قتل الأم بولدها ويعلل هذا الرأى بأن الأم لا ولاية لها على ولدها فتقتل به. ويرد على هذا الرأى بأن الولاية لا دخل لها فى منع القصاص بدليل أن الأب لا يقتص منه إذا قتل ولده الكبير مع أنه لا ولاية له على ولده((3)).
والجدة كالأم فيما سبق سواء كانت من قبل الأب أو من قبل الأم، فحكمها حكم الجد.
ويمتنع القصاص عن الوالد سواء كان مساويا للولد فى الدين والحرية أو مخالفا له فى ذلك؛ لأن انتفاء القصاص أساسه شرف الأبوة وهو موجود فى كل حال، فلو قتل الكافر ولده المسلم أو قتل الرقيق ولده الحر فلا قصاص لشرف الأبوة ومكانتها((4)).
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ج2 ص250 .
(2) يرى الحسن بن حى أن الجد لا يدخل تحت لفظ الوالد . ويرد عليه بأن الحكم يتعلق بالولادة فاستوى فيه القريب والبعيد ومن ثم كان الجد والدا .
(3) المغنى ج9 ص361 .
(4) المغنى ج9 ص361 .

(3/126)


ولأحمد رأى آخر غير معمول به ملخصه: أن الابن لا يقتل بوالده لأنه مما لا تقبل شهادة له بحق النسب، فلا يقتل به كما لا يقتل الأب بولده حيث لا تقبل شهادة له. ورد هذا الرأى بأن النصوص العامة تقضى بأن يقتل كل منهما بالآخر لولا النص الخاص الذى جاء قاصرا على الولد، وأن الوالد أعظم حرمة وحقا على الابن من أى شخص أجنبى، فإذا كان الابن يقتل بالأجنبى فبالأب أولى، كذلك فإن الابن يحد بقذف الأب فيقتل به((1)).
ويخالف مالك الفقهاء الثلاثة، ويرى قتل الوالد بولده كلما انتفت الشبهة فى أنه أراد تأديبه أو كلما ثبت ثبوتا قاطعا أنه أراد قتله، فلو أضجعه فذبحه أو شق بطنه أو قطع أعضاءه فقد تحقق أنه أراد قتله وانتفت شبهة أنه أراد من الفعل تأديبه ومن ثم يقتل به، أما إذا ضربه مؤدبا أو حانقا ولو بسيف أو حذفه بحديدة أو ما أشبه فقتله فلا يقتص منه لأن شفقة الوالد على ولده وطبيعة حبه له تدعو دائما إلى الشك فى أنه قصد قتله، وهذا الشك يكفى لدرء الحد عنه ((2)) فلا يقتص منه، وإنما عليه دية مغلظة.
والقتل - كما جاء فى المدونة - من العمد لا من الخطأ فهو فى حال القاتل لا تحمل العاقلة منه شيئا ((3)).
__________
(1) المغنى ج9 ص365 .
(2) الشرح الكبير للدردير ج4 ص215 , المدونة ج16 ص106 - 108 .
(3) المدونة ج16 ص107 , 108 .

(3/127)


والأصل أن الخطأ فيه دية مخففة لا دية مغلظة وأن الدية المغلظة هى العقوبة البدلية التى تحل محل القصاص، أى عقوبة العمد فهل اعتبر مالك الفعل قتلا عمدا ودرأ القصاص للشبهة طبقا لقوله عليه السلام: “ادرؤوا الحدود بالشبهات” ومن ثم رأى القضاء بالدية المغلظة بدلا من القصاص؟ أم أنه اعتبر الفعل قتلا خطأ ورأى تغليظ الدية لشناعة الجريمة؟ الراجح أن الفعل يعتبر قتلا عمدا وأن القصاص درء للشبهة المتمكنة فى القصد كما سنبينه بعد، على أنه يمكن القول باعتبار الفعل خطأ ثم تغليظ الدية لشناعة الجريمة، والأم فى ذلك مثل الأب فى الحكم فى حالة تغليظ الدية، ومثل الوالد الجد ومثل الولد ولد الولد.
وهناك رأى ثالث بأن مالكا اعتبر الفعل قتلا شبه عمد وأنه لم يسلم بالقتل شبه العمد إلا فى هذه الحالة، وهو رأى له سند فى المذهب وإنما جاء به أصحابه تعليلا للحكم ولا شك أن أحد العقابين السابقين أجدر منه بالقبول واقرب إلى المبدأ الذى قام عليه المذهب.

(3/128)


وبهذه المناسبة يحسن أن نفصل القول عن تطبيق قاعدة درء الحدود بالشبهات فى جريمة القتل، فمعنى هذه القاعدة أن كل شبهة قامت فى فعل الجانى أو قصده يترتب عليها درء الحد إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود، ويعاقب الجانى بدلا من عقوبة الحد بعقوبة تعزيرية ومن السهل تطبيق هذه القاعدة فى جرائم الحدود جميعا على هذه الصورة ولكن تطبيق القاعدة فى جرائم القتل نادر مع وبهذه المناسبة يحسن أن نفصل القول عن تطبيق قاعدة درء الحدود بالشبهات فى جريمة القتل، فمعنى هذه القاعدة أن كل شبهة قامت فى فعل الجانى أو قصده يترتب عليها درء الحد إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود، ويعاقب الجانى بدلا من عقوبة الحد بعقوبة تعزيرية ومن السهل تطبيق هذه القاعدة فى جرائم الحدود جميعا على هذه الصورة ولكن تطبيق القاعدة فى جرائم القتل نادر مع إمكانه فهى تقريبا معطلة التطبيق وإن كانت فى الواقع تطبق معنى لا صورة لأن القتل وهو فعل واحد قسم إلى أنواع مختلفة: عمد، وشبه عمد، وخطأ ففى العمد إذا قامت الشبهة فى الفعل فإنه لا يمكن درء الحد بالشبهة لأن الفعل بعد قيام الشبهة يكون قتلا خطأ أو جرحا وإذا قامت الشبهة فى القصد فإن الفعل يكون قتلا شبه عمد، وهكذا يمنع تنوع القتل من تطبيق القاعدة وكذلك إذا كان الفعل قتلا شبه عمد فقامت الشبهة فى الفعل أو القصد فإن الفعل يعتبر قتلا خطأ أو جرحا وإذا قامت الشبهة فى القتل الخطأ فإن الفعل يعتبر جرحا خطأ فالشبهة فى القتل تحول نوع القتل إلى ما هو أدنى منه وتدرأ الحد الأعلى بالحد الأدنى فكأن القاعدة تطبق معنى لا صورة.
وليس لتطبيق القاعدة مجال عند مالك لأنه يقسم القتل إلى نوعين فقط عمد وخطأ، لأن ما لا يعتبر عمدا عنده يعتبر خطأ فإذا قامت الشبهة فى القصد أو الفعل اعتبر العمد قتلا خطأ أو جرحا.

(3/129)


قتل الرجل بزوجته: ويقيس الليث بن سعد والزهرى الزوج على الأب. فالابن وماله ملك لأبيه طبقا لحديث الرسول، والزوجة ملك للزوج بعقد النكاح فهى أشبه بالأمة، فإذا منعت شبهة الملك القصاص هناك منعته كذلك هنا. ولكن جمهور الفقهاء لا يرون هذا الرأى وعلى الأخص فقهاء المذاهب الأربعة. فعندهم أن الزوجين شخصان متكافئان فيقتل كل منهما الآخر كالأجنبيين، وما يقال من أن الزوج يملك الزوجة غير صحيح، فهى حرة ولا يملك منها الزوج إلا متعة الاستمتاع فهى أشبه بالمستأجرة وفضلا عن هذا فإن النكاح ينعقد لها عليه كما ينعقد له عليها، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعا سواها وتطالبه فى حق الوطء بما يطالبها ولكن له عليها فضل القوامة التى جعل الله عليها بما أنفق من ماله اى ما وجب عليه من صداق ونفقة، ولو أورث هذا شبهة لأورثها فى الجانبين لا فى جانب واحد.
155 - ثانيا: يشترط مالك والشافعى وأحمد أن يكون المجنى عليه مكافئا للجانى: فإن لم يكن مكافئا امتنع الحكم بالقصاص ويعتبر المجنى عليه مكافئا عندهم إذا لم يفضله الجانى بحرية أو إسلام فإذا تساويا فى الحرية والإسلام فهما متكافئان، ولا عبرة بعد ذلك بما بينهما من فروق أخرى؛ فلا يشترط التساوى فى كمال الذات، ولا سلامة الأعضاء ولا يشترط التساوى فى الشرف والفضائل فيقتل سليم الأطراف بمقطوعها، والصحيح بالمريض والأمثل، والكبير بالصغير، والقوى بالضعيف، والعالم بالجاهل، والعاقل بالمجنون، والأمير بالمأمور، والذكر بالأنثى... الخ.
ولا خلاف بين الفقهاء فى قتل الرجل والأنثى بالأنثى لقوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178]، ولكنهم اختلفوا فى تفسير هذه الآية فمنهم من رأى أنها تعرضت لحكم النوع إذا قتل نوعه؛ ولكنها لم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل النوع الآخر، ومن ثم فقد اختلفوا فى ذلك إلى رأيين.

(3/130)


الرأى الأول، وهو رواية عن على بن أبى طالب: يرى أصحاب هذا الرأى بأن الرجل يقتل بالمرأة ويعطى أولياؤه نصف الدية. وحجة هذا الفريق أن النص لم يتعرض إلا لحكم النوع إذا قتل نوعه، وأن دية المرأة نصف دية الرجل، فإذا قتل بها بقى له بقية فيستوفى ممن قتله((1))، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة.
وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها.
ويقول القرطبى: إن أبا عمر علق على هذا الرأى بقوله: إذا كانت المرأة لا تكافئ الرجل ولا تدخل تحت قول النبى: “المسلمون تتكافأ دماؤهم” فلم قتل الرجل بها وهى لا تكافئه؟ وكيف تؤخذ نصف الدية مع القتل وقد أجمع العلماء على أن الدية لا تجتمع مع القصاص، وأن قبول الدية يحرم دم القاتل ويمنع القصاص؟((2)).
وأصحاب الرأى الثانى يرون أن الذكر يقتل بالأنثى كما تقتل الأنثى بالذكر. ومن هذا الرأى الأئمة الأربعة وحجتهم قوله تعالى: {الحر بالحر} وقوله عليه السلام: “المسلمون تتكافأ دماؤهم” وأنه - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن بكتاب الفرائض والسنن وذكر فيه أن الرجل يقتل بالمرأة والرجل والمرأة شخصان يحد كل منهما بقذف الآخر، فيقتل كل منهما بالآخر كالرجلين، ولا يجب مع القصاص شئ لأنه قصاص واجب، فلا تجب معه الدية كسائر القصاص، واختلاف الديات لا عبرة به فى القصاص، بدليل أن الجماعة تقتل بالواحد، والنصرانى بالمجوسى مع اختلاف دينهما، والعبد بالعبد مع اختلاف قيمتهما.
ومذهب الشيعة الزيدية أنه إذا قتلت امرأة رجلا وجب أن تقتل المرأة بالرجل ولا يزيد شىء على قتلها، وإذا قتل الرجل المرأة قتل الرجل بها، ويستوفى ورثته - أى أولياء الدم - نصف دية، ولا يجب القصاص إلا بشرط التزامهم ذلك.
__________
(1) المغنى ج9 ص337 , 378 .
(2) القرطبى ج2 ص248 .

(3/131)


ويشترط التكافؤ فى المجنى عليه لا فى الجانى، فإذا كان المجنى عليه لا يكافئ الجانى امتنع القصاص؛ كأن يكون القاتل مسلما والقتيل كافرا، أو كان القاتل حرا والقتيل عبدا ولكن التكافؤ لا يشترط فى الجانى، فإن كان الجانى لا يكافئ المجنى عليه فإن هذا لا يمنع القصاص، لأن شرط التكافؤ وضع لمنع قتل الأعلى بالأدنى ولم يوضع لمنع قتل الأدنى بالأعلى، فإذا قتل الكافر مسلما أو العبد حرا قتل به على الرغم من انعدام التكافؤ بينهما؛ لأن النقص فى الجانى وليس فى المجنى عليه، والنقص هو الكفر والعبودية والزيادة هى الإسلام والحرية.
أ - الحرية: يرى الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد أن الحر لا يقتل بالعبد؛ لما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “من السنة أن لا يقتل حر بعبد” أو كما يروى عن ابن عباس: “لا يقتل حر بعبد” ويرون أن العبد منقوص بالرق فلا يكافئ الحر. والمكافأة بالحرية شرط عندهم فى المجنى عليه لا فى الجانى، فإذا كان المجنى عليه حرا والجانى عبدا اقتص من الجانى، وإذا كان المجنى عليه عبدا والجانى حرا لم يقتص من الجانى((1)).
أما أبو حنيفة فيرى القصاص بين الأحرار والعبيد ولا يشترط التكافؤ فى الحرية للقصاص، ويستوى عنده أن يكون الحر هو القاتل للعبد أو العبد هو القاتل للحر، فالقصاص واجب الحكم به على الجانى فى الحالين.
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص236 وما بعدها , المهذب ج2 ص186 , المغنى ج9 ص248 .

(3/132)


ولكن أبا حنيفة((1)) يرى استثناء أن لا يقتل السيد بعبده فإذا كان القتيل مملوكا للقاتل أو كان للقاتل فيه شبهة الملك، امتنع القصاص من القاتل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: “لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده” وعلة المنع أنه لو وجب القصاص لوجب للسيد ولا يمكن أن يكون القصاص له وعليه هذا إذا كان يملكه كله، فإن كان يملك بعه فلا يقتص منه؛ لأن القصاص عقوبة لا تتبعض فلا يمكن استيفاء بعضها دون بعض. وإذا كان له شبهة الملك فيه لا يقتص منه؛ لأن الشبهة فيما يقتص منه تلحق بالحقيقة درءا للحد. أما إذا قتل العبد سيده فإنه يقتص منه؛ لأن معنى القصاص عام، ولم يستثن منه إلا قتل السيد لعبده. وظاهر مما سبق أن أبا حنيفة يتفق مع الأئمة الثلاثة فى قتل السيد لعبده ويختلف معهم فيما عدا ذلك.
وهناك من يرى أن يقتص من السيد إذا قتل عبده فالنخعى وداود يريان قتل السيد بعبده؛ لما روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: “من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه”((2)).
هذه خلاصة آراء الفقهاء فى التكافؤ بين الحر والعبد رأينا الإتيان بها لإعطاء فكرة عن أحكام الشريعة فى هذه الناحية ونحن نعلم أن الرق قد أبطل اليوم، فلا سيد ولا مسود ولعل أول شريعة دعت إلى إبطال الرق وحثت عليه هى الشريعة الإسلامية.
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص235 .
(2) المغنى ج9 ص349 .

(3/133)


ب - الإسلام. قتل المسلم بغيره: يرى مالك والشافعى أن المسلم لا يقتل بكافر أيا كان إذا قتله، لأن الكافر لا يكافئ المسلم ولكن الكافر يقتل بالمسلم إذا قتله لأنه قتل الأدنى بالأعلى ويرون تطبيق هذا الحكم على الذميين ولو أنهم يؤدون الجزية، وتجرى عليهم أحكام الإسلام. وحجتهم أن التكافؤ فى الإسلام شرط وجوب القصاص وأن الكفر نقصان فإذا وجد الكفر امتنعت المساواة ويمتنع وجوب القصاص لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: “المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ولا يقتل مؤمن بكافر” ولأن فى عصمة الذمى شبهة العدم لثبوتها مع قيام المنافى وهو الكفر، والأصل فى الكفر أنه مبيح للدم، ولكن عقد الذمة منع الإباحة فبقاء الكفر يورث الشبهة والشبهة تدرأ الحد، وإذا كان المسلم لا يقتل بالمستأمن وهو كافر فكذلك الذمى ((1)).
ويرى أبو حنيفة أن المسلم يقتل بالذمى وأن الذمى يقتل بالمسلم؛ لأن النصوص التى جاءت بعقوبة القصاص عامة، فالله تعالى يقول: {كتب عليكم القصاص فى القتلى} [البقرة: 178] ويقول: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45]، ويقول: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33]، فهذه النصوص عامة لم تفصل بين قتيل وقتيل ونفس ونفس ومظلوم ومظلوم، فمن ادعى التخصيص والتقييد فهو يدعيه بلا دليل، ولقد قال الله تعالى: {ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب} [البقرة: 179]، وتحقيق معنى الحياة فى قتل المسلم بالذمى أبلغ منه فى قتل المسلم بالمسلم؛ لأن العدواة الدينية تحمله على القتل خصوصا عند الغضب فكانت الحاجة إلى الزاجر أمس وكان فرض القصاص أبلغ فى تحقيق معنى الحياة.
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص236 وما بعدها , المهذب ج2 ص185 , المغنى ج9 ص341 وما بعدها.

(3/134)


ويخالف الإمام مالك زميله فيرى قتل المسلم بالذمى إذا قتله غيلة، والغيلة هى أن يخدعه غيره ليدخله موضعا يأخذ ماله.
والقتل الغيلة هو نوع من الحرابة عند مالك، ولا يعترف به الشافعى وأحمد وأبو حنيفة ((1))، فإن للقتل الغيلة حكما خاصا فهو قتل فيه القصاص إن توفرت شروطه وإذا كان مالك يقيسه على الحرابة فإنهم لا يرون ذلك((2)).
كذلك يحتجون بما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنه أقاد مؤمنا بكافر وقال: “أنا أحق من وفى بذمته” ويفسرون حديث: “لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فى عهد” بأن المراد من “الكافر” المستأمن، وأن “ذو عهد” معطوف على “مؤمن”، فمعنى الحديث: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بكافر.
ويردون على القول بأن فى عصمة الذمى شبهة العدم: بأن دم الذمى حرام لا يحتمل الإباحة بحال مع قيام الذمة، وأنه بمنزلة دم المسلم مع قيام الإسلام، وأن الكفر ليس مبيحا على الإطلاق، وأن الكفر المبيح هو الكفر الباعث على الحرب، وكفر الذمى ليس بباعث على الحرب فلا يكون مبيحا. كذلك فإن المساواة فى الدين ليست بشرط للقصاص، لأن الذمى إذا قتل ذميا ثم اسلم القاتل فإنه يقتل به قصاصا، كما يسلم به الجميع، ولا مساواة بينهما فى الدين وقد قال على رضى الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا، وذلك بأن تكون معصومة بلا شبهة كعصمة دم المسلم وماله، ولهذا يقطع المسلم بسرقة مال الذمى ولو كان فى عصمته شبهة لما قطع المسلم كما لا يقطع فى سرقة مال المستأمن، لأن المال تبع للنفس وأمر المال أهون من النفس فلما قطع بسرقته كان أولى أن يقتل بقتله لأن أمر النفس أعظم من المال((3)).
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص333 .
(2) الشرح الكبير ج9 ص383 .
(3) بدائع الصنائع ج7 ص237 , البحر الرائق ج8 ص296 .

(3/135)


ورأى أبى حنيفة يتفق مع القوانين الوضعية الحديثة، فهى لا تفرق فى العقوبة لاختلاف الدين، والقانون المصرى لا يفرق بين ذمى ومسلم فكلاهما يقتل بالآخر.
قتل المسلم فى دار الحرب: يرى أبو حنيفة أنه إذا قتل ملم حربيا اسلم وبقى فى دار الحرب، فلا قصاص على القاتل، لأنه وإن قتل مسلما إلا أن المقتول من أهل دار الحرب، فكونه من أهل دار الحرب يورث شبهة فى عصمته لأنه إذا لم يهاجر إلى دار الإسلام فهو مكثر سواد الكفار، ومن كثر سواد قوم منهم على لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو وإن لم يكن منهم دينا فهو منهم دارا وهذا هو الذى أورثه الشبهة. ولو كانا مسلمين تاجرين أو أسيرين فى دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه فلا قصاص أيضا((1)) للشبهة ولتعذر الاستيفاء.
أما الأئمة الثلاثة فيرون القصاص، سواء كان القتل فى دار الحرب أو دار الإسلام، وسواء هاجر القتيل أم لم هاجر((2)).
قتل الكافر بغيره: وإذا قتل الذمى مسلما قتل به اتفاقا لأنه فى رأى أبى حنيفة قتل داخل تحت النصوص العامة، وعند الأئمة الثلاثة يقتل به مع وجود التفاوت؛ لأنه تفاوت إلى النقصان ولا يمنع القصاص إلا التفاوت إلى زيادة ولا يعتبر قتل الذمى للحربى جريمة اتفاقا؛ لأن الحربى مباح الدم على الإطلاق((3)).
ولا يقتل الذمى بالمستأمن عند أبى حنيفة؛ لأن عصمة المستأمن ليست مطلقة بل هى مؤقتة إلى غاية مقامه فى دار الإسلام، إذ المستأمن أصلا من أهل دار الحرب، وإنما دخل دار الإسلام لعارض على أن يعود إلى وطنه الأصلى فكانت فى عصمته شبهة العدم. ويرى أبو يوسف أنه يقتل به قصاصا لقيام العصمة وقت القتل((4)).
ويقتل المستأمن بالمستأمن عند أبى حنيفة قياسا، ولا يقتل قياسا لقيام المبيح((5)).
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص133 , 237 .
(2) المغنى ججج9 ص335 .
(3) المغنى ج9 ص347 .
(4) بدائع الصنائع ج7 ص236 .
(5) البحر الرائق ج8 ص296 .

(3/136)


ويرى مالك والشافعى وأحمد أن الكفار يقتلون بعضهم ببعض دون تفريق فالذمى يقتل بأى كتابى أو مجوسى أو مستأمن((1)) ولو اختلفت ديانتهم.
156 - ثالثا: إذا لم يباشر الجانى الجناية ولكنه عاون عليها أو حرض عليها:
محل هذا الشرط أن يتعدد الجناة؛ لأن الجانى الواحد يباشر الجناية بنفسه سواء كان القتل مباشرة أو تسببا، أما إذا تعدد الجناة فإن بعضهم قد يباشر الجناية بنفسه، وبعضهم قد يعين المباشرين وبعضهم قد يحرض على الجناية.
ومن المتفق عليه بين الفقهاء الأربعة أن تعدد الجناة لا يمنع من الحكم عليهم بالقصاص ما دام كل منهم قد باشر الجناية((2))، وإذا كان القصاص يقتضى المماثلة فإن المماثلة شرط فى الفعل لا فى عدد الجناة والمجنى عليهم، وأحق ما يجعل فيه القصاص إذا قتل الجماعة الواحد لأن القتل لا يوجد عادة إلا على سبيل الاجتماع، فلو لم يجعل فيه القصاص لانسد باب القصاص، إذ كل من رام قتل غيره استعان بغيره يضمه إليه ليبطل القصاص عن نفسه، وفى هذا ما يفوت الغرض من فرض القصاص وهو الحياة ومنع القتل، قال الله تعالى: {ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون} [البقرة: 179].
وهناك رواية عن أحمد: بأن القصاص يسقط عن الجناة إذا تعددوا وتجب عليهم الدية. ويرى ابن الزبير وابن سيرين وآخرون: أن يقتل من القاتلين واحد ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية، وحجتهم فى عدم القصاص من الجمع أن كل واحد منهم مكافئ للجانى، فلا يستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد وأن الله تعالى قال: {الحر بالحر }، و{النفس بالنفس} ومقتضاه أن لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة((3)).
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص237 , الشرح الكبير ج4 ص214 , المغنى ج9 ص342 .
(2) راجع الفقرات من 52 إلى 54 .
(3) المغنى ج9 ص336 , 337 .

(3/137)


وإذا كان الفقهاء الأربعة قد اتفقوا على القصاص من الجماعة للفرد إذا باشروا القتل، فإنهم اختلفوا فى حالة الإعانة على القتل أو التحريض عليه، والمسائل المختلف عليها أربع:
أولها: الإعانة فى حالة التمالؤ.
ثانيها: إمساك القتيل للقاتل.
ثالثها: الأمر بالقتل.
رابعها: الإكراه على القتل.
أولا: الإعانة فى حالة التمالؤ: ذكرنا قبلا أن التمالؤ عند أبى حنيفة هو التوافق. وأن باقى الأئمة يرون التوافق قتلا على الاجتماع لا تمالؤ فيه، وأن التمالؤ عندهم هو الاتفاق السابق على ارتكاب جريمة القتل، والفرق بين الحالتين أن المباشرين فى حالة الاتفاق يعتبر كل منهم قاتلا، ولو كان فعله بالذات غير قاتل، ما دام الموت كان نتيجة أفعال الجميع أما فى حالة التوافق فلا يعتبر المباشر قاتلا إلا بشروط بيناها عند الكلام على القتل على الاجتماع.
ولا خلاف فى أن القاتل فى الحالتين يقتص منه ولو تعدد المباشرون سواء كان اجتماعهم على القتل نتيجة اتفاق سابق أو توافق غير منتظر.
ولكن الخلاف فى حكم من اتفق ولم يحضر القتل، أو أعان عليه ولم يباشره فأبو حنيفة والشافعى وأحمد يرون القصاص من المباشر فقط، وتعزير من لم يباشر.
ومالك يرى قتل من حضر ولم يباشر ومن أعان ولم يباشر، كأن كان ربيئة أو حارسا للأبواب، أما من اتفق ولم يحضر فعليه التعزير فى الراجح. ويشترط فيمن حضر أو من أعان أن يكونوا بحيث لو استعان بهم أعانوا، أو إذا لم يباشره أحد المتماثلين باشره الآخر فشرط القصاص إذن أن يكون المتمالئ غير المباشر فى محل الحادث أو على مقربه منه، وليس من الضرورى أن يباشر القتل بنفسه((1)).
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص242 , الشرح الكبير ج4 ص218 , القصاص ص127 وما بعدها , أحكام المرأة ص584 وما بعدها .

(3/138)


وقد جاء فى فتاوى ابن تيمية((1)) أمثلة على هذه الحالات المختلفة ففيها إذا اشترك جماعة فى قتل معصوم “أى محرم القتل” بحيث أنهم جميعا لو باشروا قتله، وجب القود - أى القصاص - عليهم جميعا، وإن كان بعضهم قد باشر وبعضهم قائم بحرس المباشر ويعاونه ففيها قولان: أحدهما: لا يجب القود إلا على المباشر، وهو قول أبى حنيفة والشافعى وأحمد، والثانى: يجب على الجميع وهو قول مالك.
وجاء فى الفتاوى أيضا: أنه إذا اشترك أولاد رجل مع أجنبى فى قتل والدهم جاز قتلهم جميعا، فقتل المباشر باتفاق الأئمة، وأما الذين أعانوا بمثل إدخال الرجل إلى البيت... الأبواب ونحو ذلك، ففى قتلهم قولان وقتلهم مذهب مالك وغيره. وجاء فى الفتاوى أيضا: إذا وعد رجل رجلا آخر على قتل معصوم بمال معين فقتله وجب القتل على الموعود وأما الواعد فيجب أن يعاقب عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا وعند بعضهم يجب عليه القود.
ثانيا: إمساك القتيل للقاتل: إذا أمسك رجل آخر فجاء ثالث فقتله فلا مسئولية على الممسك إذا لم يمسكه بقصد القتل أو لم يكن يعلم أن القاتل سيقتله أما إذا أمسكه بقصد القتل فقتله الثالث فلا خلاف فى القصاص من الثالث أى مباشر القتل، ولكنهم اختلفوا فى الممسك على الوجه الذى سنبينه بعد.
فمالك ((2)) يرى الممسك قصاصا إذا أمسك القتيل لأجل القتل فقتله الطالب وهو يعلم أن الطالب سيقتله لأنه بإمساكه تسبب فى قتله ويشترط البعض أن يكون لولا الإمساك ما أدركه الطالب، ولا يشترط البعض هذا الشرط ((3)). فإن أمسكه ليضربه الطالب ضربا معتادا أو لم يعلم أنه يقصد قتله لعدم رؤيته آلة القتل معه مثلا، أو كان قتله لا يتوقف على الإمساك فعقاب الممسك هو التعزير وليس القصاص.
__________
(1) فتاوى ابن تيمة ج4 ص187 , 188 طبعة سنة 1329 هـ بمصر مطبعة كردستان .
(2) الشرح الكبير ج4 ص217 .
(3) القصاص ص132 .

(3/139)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية