صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي
المؤلف : عبد القادر عودة
الناشر : دار الكتب العلمية
مصدر الكتاب : [ بجزئيه ] ملف وورد أهداه بعض الأخوة للبرنامج
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ويمكن القول أن عقوبة الأشغال الشاقة مؤبدة أو مؤقتة وعقوبة السجن وعقوبة الحبس هي كلها في جوهرها هي عقوبات حبس يتفاوت في مدته أكثر مما يتفاوت في نوعه, أما اختلاف العمل الذي يزاوله المحكوم عليه من حيث مكان العمل أو قسوته فلا يغير من طبيعة الحبس شيئا, وعلى هذا الأساس تكون العقوبات الجنائية التي يعترف بها القانون المصري هي الإعدام والحبس والمراقبة والغرامة.
وكان القانون المصري يعترف بعقوبة الجلد ويخصصها للأحداث حتى سنة 1937، فلما عدل القانون في هذه السنة استبدلت هذه العقوبة بعقوبة التوبيخ.
كذلك كان القانون المصري يعترف وقت وضعه بعقوبة النفي مؤبدة أو مؤقتة, فلما عدل سنة 1904 ألغيت هذه العقوبة بحجة أن سهولة المواصلات أضعفت من أثر العقوبة الملغاه, ولكن الرأي يتجه أخيرا إلى إعادة عقوبة النفي, بل لقد اضطرت الحكومة إلى فرض عقوبة النفي الإداري إلى الطور في بدأ الحرب الأخيرة في سنة 1940, كما فرضت الجلد عقوبة لمخالفة الأوامر العسكرية الخاصة بالتموين والتسعير, وظل الحال كذلك حتى انتهت الحرب.
ومن العقوبات الأساسية في القانون المصري عقوبة الإرسال إلى الإصلاحية, وهي خاصة بمعتادي الإجرام والأحداث, وهذه العقوبة في جوهرها حبس وإن اختلف نظام الإصلاحيات عن نظام السجون.
498 - سلطة القاضي في تطبيق العقوبات: وقد نص القانون على كل جريمة وعلى العقوبة المقررة لها, وحين اختيرت العقوبة لكل جريمة روعي فيها أن تكون مناسبة للجريمة, وجعل الشارع لكل عقوبة عدا الإعدام والتوبيخ حدين: أحدهما يصعد بالعقوبة إلى أعلى درجاتها, والثاني: ينزل بها إلى أدنى هذه الدرجات, وفي أغلب الأحوال جعل الشارع لكل جريمة عقوبتين إحداهما أخف من الأخرى.

(2/281)


وأعطى القانون للقاضي سلطة واسعة في تطبيق العقوبات التي قررت للجرائم؛ فترك للقاضي أن يختار العقوبة الملائم إذا كان هناك أكثر من عقوبة، وأن يختار من بين حديها الكمية التي يراها كافية لتأديب المجرم.
ثم أعطى القانون بعد ذلك للقاضي الحق في أن يستبدل بالعقوبة أو بالعقوبتين المقررتين للجريمة عقوبة أخرى أخف منهما إذا اقتضت ظروف الجريمة الرأفة, وقصر استعمال هذا الحق على جرائم الجنايات دون غيرها, فللقاضي أن يستبدل بعقوبة الإعدام عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. وله أن يستبدل بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن, وله أن يستبدل عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة السجن أو الحبس, وله أن يستبدل بعقوبة السجن الحبس ( المادة 17 عقوبات).
وأعطى القانون أخيرا لقاضي الإحالة الحق في أن يحيل بعض الجنايات على محكمة الجنح لتحكم فيها لا بالعقوبات المقررة للجنايات وإنما بعقوبة الحبس فقط المقررة للجنح, وليس على قاضي الإحالة قيد في تجنيح الجنايات ما دامت مقترنة بعذر قانوني معين أو بظروف مخففة تبرر تطبيق عقوبة الجنحة, وما دامت عقوبة الفعل الأصلية ليست الإعدام أو الأشغال الشاقة المربدة. والنتيجة العملية للسلطة المعطاة لقاضي الإحالة هي استبدال عقوبة الحبس المقررة للجنح بعقوبتي الأشغال الشاقة المؤقتة والسجن في كل جناية تحال إلى محكمة الجنح, وهي نتيجة تتفق مع النتيجة التي تؤدي إليها المادة 17 عقوبات.
وللقاضي بعد هذا كله أن يأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة إذا كانت بالحبس لمدة لا تزيد على سنة إذا رأى من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون (المادة 55 عقوبات).

(2/282)


499 - العلة في منح القاضي هذا السلطان: وقد اضطر واضعو القانون اضطرارا إلى إعطاء القاضي هذا السلطان الواسع؛ لأنهم رأوا العلماء يخفقون في وضع نظرية علمية للعقوبة ويعجزون عن التوفيق بين مختلف المبادئ التي يراد أن تقوم عليها هذه النظرية,فآثروا أن يحلوا هذه المشكلة المعقدة حلا عمليا وتركوا للقاضي من بعد التسليم بهذه المبادئ وإقرار نصوص القانون لها أن يوفق هو بين هذه المبادئ المتعارضة, وأن يراعى مختلف الاعتبارات, فعليه أن يقدر خطورة الجريمة وأثرها في الجماعة, وعليه أن يقدر ظروف المتهم الشخصية, وظروفه التي أحاطت به وقت ارتكاب الجريمة, وصلحه مع المجني عليه وصلته به, فإن رأى أن ظروف الجريمة والجماعة تقتضي إهمال شخصية الجاني أهملها وشدد العقوبة. وإن رأى أن ظروف الجاني تقتضي الرأفة أخذ الجاني بالرأفة ما دامت الرأفة لا تضر بالجماعة.
وكان الفروض أن ينجح القضاة فيما أخفق فيه العلماء؛ لأن القاضي يراد منه أن يعالج حالات فردية واحدة بعد واحدة غير متأثر إلا بظروف هذه الحالة وحدها, أما العلماء فيراد منهم أن يعالجوا كل الحالات مرة واحدة ويضعوا لها قواعد تنطبق عامة عليها وتحكمها جميعا. كان هذا هو المفروض المقدور, فهل صح الفرض ونجح التقدير أم أخفق القضاة كما أخفق من قبلهم العلماء؟ إن مقياس النجاح في هذا الباب هو أثر العقوبة في علاج الجريمة وكبح جماح المجرمين, ونظرة واحدة إلى إحصائيات الجرائم سنة بعد أخرى تقطع بأن القضاة قد أخفقوا إخفاقا لا يساويه إلا إخفاق من سبقهم من العلماء في معالجة نظرية العقوبة.

(2/283)


500 - لماذا أخفق القضاة في تطبيق نظرية العقوبة؟: والواقع أن الذين قدروا للقضاة النجاح أخطأوا التقدير الصحيح, ولو أنهم أحسنوا تقدير الأمور بعض الشيء لما وقعوا في هذا الخطأ الشنيع, لقد عرفوا أن العلماء قد عجزوا عن تكوين نظرية سليمة للعقوبة؛ لأنهم أرادوا أن يجمعوا بين مبادئ متعارضة ويجعلونها ماثلة في كل العقوبات, فكيف يتوقعون نجاح القضاة وهم يجبرونهم على أن يسلكوا نفس السبيل حين أباحوا لهم يراعوا كل هذه المبادئ في كل جريمة دون استثناء؟ وهل يستطيع القاضي أن يوفق في أي جريمة خطيرة بين خطورة الجرائم وبين ظروف الجاني المخففة إلا على حساب الجريمة بأن ينزل عن العقوبة التي تقتضيها خطورة الجريمة ليحكم بعقوبة تتلاءم مع ظروف الجاني بقدر الإمكان, وهذا الحكم الذي ينقذ الجاني من العقوبة المغلظة يضحي في الوقت نفسه بأمن الجماعة ونظامها, ويؤدي إلى نتيجة لا محيص عنها هي استخفاف المجرمين بالعقوبة وتهالكهم على الجريمة؛ فتزداد الجرائم ويختل الأمن, فالعقوبة التي وضعت لصلاح المجتمع يؤدي إلى إفساده إذا ما أسيء استعمالها, ولابد للقاضي أن يسيء استعمالها على الوجه الذي بينا بحكم الظروف القاهرة التي أحاطه بها القانون الوضعي.

(2/284)


لقد رتب القانون تخفيف العقوبة على ظروف الجاني, فهل يصعب في أية جريمة مهما كانت خطورتها أن لا تجد لجان عذرا مخففا؟ فتارة الجاني شاب يافع وتارة هو متقدم في السن, وتارة دفعته للجريمة الغيرة على الشرف والعرض, وتارة استفز لارتكاب الجريمة, وتارة وقع تحت مؤثرات قوية, وتارة دفعته للجريمة عقيدته السياسية أو الوطنية, إلى غير ذلك من الأعذار التي لا تفرغ منها جعبة الجناة والمدافعين عنهم, وهل يستطيع القاضي أن يصم أذنيه فلا يسمع دفاعا, ويغلق قلبه فلا يرحم ضعيفا, ويوقف علقله فلا يفكر في ظروف المتهم ولا يقدرها, خصوصا إذا أحكم ترتيبها وأحسن عرضها؟ صحيح أن القانون أجاز للقاضي أن يأخذ بظروف الرأفة ولم يلزمه بها, ولكن هذا الجواز بالنسبة للقاضي يساوي تماما الإلزام بل هو عين الإلزام؛ لأن الاعتراف بالظروف المخففة وترتيب أثر قانوني لها هو بمثابة تقرير حق الجاني قبل القاضي أساسه هذه الظروف المخففة, فأي قاض يستطيع أن ينكر على الجاني حقه, أو يستطيع أن لا يرتب على دفاعه إذا صح أثره؟
وإذا كان واضعو القانون قد غلب على ظنهم نجاح القضاة؛ لأنهم سيعالجون حالات فردية فذلك هو الظن المجرد, وإن الظن لا يغني من الحق شيئا, فالقاضي يعالج حقيقة حالات فرادى، ولكنه يعالجها على نفس الأساس الذي كان يعالج به العلماء نظرية العقوبة, فالعلماء ينظرون إلى الجريمة وإلى المجرم معا, والقاضي ينظر إلى الجريمة والمجرم معا, والعلماء لا يريدون أن يضحوا بأحد هذين الاعتبارين أحيانا في سبيل الاحتفاظ بالآخر, والقاضي يفعل مثلهم ولا يستطيع أن يضحي بأحد الاعتبارين ويستبقي الآخر, فيؤدي به موقفه إلى أن يضحي بهما معا وبمصلحة الجماعة وأمنها في أغلب الأحوال.

(2/285)


ولقد نسى من وضع هذا السلطان العظيم في يد القضاة أنهم بشر, وأم من طبيعة البشر التهرب من حمل المسئولية, وأن الإنسان إذا خير بين مسئوليات سارع إلى حمل أخفها كما يسارع إلى الابتعاد عن أثقلها, ولا يتعرض لحمل المسئوليات الثقيلة إلا كارها أو مضطرا حين يجد بدا من حملها أو لا يجد مخرجا لتركها, فالقاضي يشعر عادة بثقل مسئوليته حين يفكر في الحكم بالإعدام وتنفر نفسه غالبا من مثل هذا الحكم ولا يقدم عليه ما دام يستطيع أن يستبدل الإعدام الأشغال الشاقة, وكذلك ينفر من الحكم بالأشغال الشاقة ويشعر بثقله على نفسه طالما كان في استطاعته أن يحكم بالسجن أو بالحبس, وقد يضايق القاضي أن يحكم على شخص ما لظروفه بالحبس مع النفاذ, ولكنه لا يرى غضاضة في الحكم عليه بالحبس مع إيقاف تنفيذ العقوبة, كذلك لا ينفر القاضي ولا يتردد أن يحكم بعقوبة ما أيا كان نوعها إذا لم يكن يستطيع أن يختار غيرها أو يستبدل بها أخف منها, وليس القاضي بدعا في هذا, وإنما هي طبيعة الإنسان لا تتغير حتى يتغير تكوينه, فمن طلب منه أن يأتي بما ليس في طبيعته فقد طلب المحال وباء بالخسران والخزلان.
501 - فشل واضعي القانون في علاج مشكلة العقاب ومظاهره: ونستطيع أن نتبين مما سبق أن واضعي القانون قد أخفقوا ذريعا حين أرادوا معالجة مشكلة العقاب علاجا عمليا عن طريق القضاة, ويتمثل ذلك الإخفاق في مظهرين لكل منهما أهميته وأثره وهما:
أولا: تعطيل العقوبات الأصلية: ترتب على إعطاء القضاة السلطان التام في اختيار العقوبة واستبدال غيرها بها أن تعطلت العقوبات التي وضعت أصلا للجرائم بحيث أصبحت في حكم الملغاة؛ لأن القاضي كما قلنا لا يلجأ إلى التشديد إذا سد أمامه باب التخفيف, ويندر أن يغلق دونه هذا الباب, ولا يطبق القاضي العقوبة الأصلية طالما استطاع أن يطبق العقوبة الاحتياطية, وهو لا يكاد يعجز عن ذلك في كل الأحوال.

(2/286)


فعقوبة الإعدام وهي مقررة لحوالي عشرين جريمة يندر تطبيقها الآن, مع أن جريمة القتل - وهي إحدى الجرائم العشرين التي يعاقب عليها بالإعدام - تقع بمعدل تسع جرائم يوميا؛ خمس منها جرائم تامة وأربع منها تقف عند الشروع. وفي سنة 1936 - 1937 كانت جرائم القتل والشروع فيه 3093 جريمة، وفي سنة 1938 - 1939 بلغت 3211 جريمة فهي على خطورتها تزداد عاما بعد عام, وهذه الزيادة سبب يدعو إلى التشدد في تطبيق عقوبة الإعدام, وإن كانت خطورة الجريمة في ذاتها أدعى إلى هذا التشدد دون نظر إلى غير ذلك من العلل والأسباب.

(2/287)


ولكن الإحصائيات - وا أسفاه - ترينا ما لا يراه العقل وتنتهي بنا إلى غير ما ينتهي إليه منطق الأشياء, ترينا أن جرائم القتل تزداد باسمرار والأحكام الرادعة تقل باستمرار, ففي سنة 1936 - 1937((1)) فصلت محاكم الجنائية بالإدانة في 148 قضية قتل من الأنواع التي يجب فيها الحكم بالإعدام, وكان عدد المتهمين في هذه القضايا 22 شخصا, ولكن محاكم الجنايات لم تحكم بالإعدام إلا على 17 شخصا فقط واستبدلت للباقين بعقوبة الإعدام عقوبات أخرى, ومعنى ذلك أن عقوبة الإعدام لم تطبق في القضايا التي يجب فيها إلا بنسبة 7.6}. وفي سنة 1937 - 1938 قضت محاكم الجنايات بالإدانة في 127 قضية قتل من الأنواع التي يجب فيها الحكم بالإعدام وكان عدد المتهمين في هذه القضايا 181 شخصا حكم على ستة عشر شخصا منهم بالإعدام واستبدلت للباقين عقوبة الإعدام عقوبات أخرى، ومعنى ذلك أن عقوبة الإعدام لم تطبق في القضايا التي يجب فيها إلا بنسبة 8.8}. وفي سنة 1938 - 1939 قضت محاكم الجنايات بالإدانة في 150 قضية قتل من الأنواع التي يجب فيها الحكم بالإعدام, وكان عدد المتهمين في هذه القضايا 206 شخصا حكم على تسعة أشخاص فقط من هؤلاء بالإعدام واستبدلت للباقين عقوبات مخففة بعقوبة الإعدام, أي أن عقوبة الإعدام لم تطبق في القضايا التي يجب فيها إلا بنسبة 3.4}. وفي سنة 1939 - 1940 قضت محاكم الجنايات بالإدانة في 148 قضية قتل من الأنواع التي يجب فيها الحكم بالإعدام, وكان عدد المتهمين في هذه القضايا 195 شخصا حكم على ستة منهم فقط بالإعدام واستبدلت بعقوبة الإعدام عقوبات مخففة للباقين, أي أن عقوبة الإعدام لم تطبق في القضايا التي يجب فيها إلا بنسبة 3.1}.
__________
(1) هذا الإحصاء وما يليه مأخوذ من الإحصاء القضائي السنوي لوزارة العدل, وليس لنا فيه إ استخراج النسب المئوية.

(2/288)


فمتوسط نسبة الأحكام التي قضت بعقوبة الإعدام في هذه السنوات الأربع المتتالية هي 5.9} وضآلة هذه النسبة وتفاهتها ترجع إلى أنها تحدد أحكام الإعدام لا في جرائم القتل بصفة عامة, ولكن في جرائم التي يوجب فيها القانون الحكم بعقوبة الإعدام دون غيرها.
لا يظن أحد أن نسبة أحكام الإعدام كانت مرتفعة في القديم، فإن الإحصائيات تدل على أن هذه النسبة كانت 5.7} في سنة 1926 - 1927, وأنها كانت في السنة التالية لها 2.9}, ويا لها من نسبة قمينة بأن تحيل النظام فسادا والأمن خوفا!! ولعل واضع القانون لم يدر بخلده يوما ما أن يصل إلى هذه النتيجة, ولو أنه توقعها لما سمح باستبدال العقوبات المخففة بالعقوبات المشددة.
ولعل فيما سبق الدليل الكافي على أن عقوبة الإعدام معطلة, وأنها تكاد تكون حبرا على ورق يعترف بها القانون وينكرها الواقع.
وما قيل عن عقوبة الإعدام يمكن أن يقال عن عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة, فإنها لا تكاد تطبق كعقوبة أصلية. وإنما تطبق بدلا من عقوبة الإعدام.
وإذا راجعنا إحصائية العقوبات الصادرة من محاكم الجنايات في سنة 1936 - 1937 نجد أن مجموع المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة 114 شخصا؛ من هؤلاء تسعة عشر شخصا حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة أصلية, أما الباقون فعقوبتهم مستبدلة بعقوبة الإعدام. وفي سنة 1938 - 1939 كان عدد المحكوم عليهم الأشغال الشاقة المؤبدة 114 شخصا؛ من هؤلاء 33 شخصا عقوبتهم أصلية والباقون عقوبتهم مستبدلة بالإعدام. وفي سنة 1939 - 1940 كان المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة 123 شخصا؛ من هؤلاء 31 شخصا عقوبتهم أصلية والباقون عقوبتهم مستبدلة بالإعدام.

(2/289)


ولا تكاد محاكم الجنايات تحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة أصلية إلا في القتل الذي لم يقترن بظروف, وإلا في بعض جرائم الشروع في القتل المعاقب عليه بالإعدام, أما بقية الجنايات الأخرى فيندر أن يحكم فيها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة, فمثلا تدل الإحصائيات على أنه لم يحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة فيما بين سنة 1936 - 1937 وبين سنة 1939 - 1940 إلا من أجل القتل والشروع فيه, فيما عدا خمسة أشخاص حكم عليهم في كل هذه المدة لسرقات.
ومن السهل أن نبين نسبة تطبيق عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة أصلية في جرائم القتل الذي لم يقترن بظروف, ففي سنة 1936 - 1937 كانت 7.8}, وفي سنة 1937 - 1938 كانت 15.7}, وفي سنة 1938 - 1939 كانت 8.9}, وفي سنة 1939 - 1940 كانت 12.9}, ومتوسط النسبة في السنوات الأربع هو 11.3}.
ولكن من الصعب أن نبين النسبة في جرائم الشروع؛ لأن الإحصائيات تجمل عدد القضايا ولا تبين ما يجب فيه عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة وما لا يجب فيه. ولا نعتقد أنها تزيد على النسبة في جرائم القتل بل إنها قد تقل عنها كثيرا, ففي سنة 1936 - 1937 مثلا حكم على 438 شخصا في جرائم الشروع في القتل, ومن هؤلاء أربعة فقط حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبد’.

(2/290)


أما النسبة في جرائم السرقة فهي تكاد تكون معدومة, ففي سنة 1936 - 1937 أدين 128 شخصا, كان يجب أو يجوز طبقا لنص القانون أن يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة, ولكن لم يحكم على أحد منهم بهذه العقوبة. وفي سنة 1937 - 1938 أدين 124 شخصا منهم أثنان فقط هما اللذان حكم عليهما بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة كقعوبة أصلية؛ أي بنسبة 1.6}. وفي سنة 1938 - 1939 عوقب 147 شخصا منهم ثلاثة فقط هم الذين حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة كعقوبة أصلية؛ أي بنسبة 2}. وفي سنة 1939 - 1940 عوقب 148 شخصا لم يحكم على أحد منهم بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة. وإذن فالإحصائيات تدل على أن عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة تطبق في جرائم السرقة كعقوبة أصلية بنسبة متوسطها 0.9} فقط.
وإذا كانت عقوبة الإعدام وعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة قد أصبحت كلتاهما معطلة لا تطبق على الجرائم التي فرضها لها القانون, فإن عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة وعقوبة السجن قد لقيت كلتاهما مثل هذا المصير؛ ذلك أن الجنايات المعاقب عليها بعقوبتي الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن تحال على محكمة الجنح للفصل فيها على أساس عقوبة الجنحة إذا كان للمتهم أعذار معينة أو ظروف مخففة, وهذه الجنايات التي تحال إلى محكمة الجنح قد تبلغ أحيانا نصف ما يحال على محاكم الجنايات, ومعنى هذا أن ثلث مجموع الجنايات تقريبا يعاقب عليه بعقوبة الحبس بينما عقوبته الأصلية الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن.

(2/291)


والمفروض في القضايا التي تحال على محاكم الجنايات أنها نوعان: نوع عقوبته الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، وقد تدعو ظروف المتهمين فيه إلى استعمال الرأفة وقد لا تدعو لذلك, ونوع عقوبته الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن, وظروف المتهمين فيه كما رأى قاضي الإحالة لا تدعو لاستعمال الرأفة, فكان المنطق يقضي بأن هذا النوع الثاني يحكم فيه على المتهمين بالعقوبات الأصلية, ولكن الواقع لا يتفق دائما مع المنطق, فإن كثيرا من قضايا هذا النوع يحكم فيه بالحبس بدلا من العقوبات الأصلية((1))؛ لأن ظروف الرأفة تظهر دائما أمام محكمة الموضوع وإن لم تظهر في كل أدوار التحقيق, ولأن المتهمين لا يعجزون عن إظهار أنفسهم في مظهر المستحق للرأفة.
__________
(1) أخذت هذه النسبة من كشف العقوبات التي حكمت بها محاكم الجنايات في سنة 1939- 1940 من مقارنة المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤقتة والسجن بعدد المحكوم عليهم بالحبس في كل الجنايات عدا جنايات القتل.

(2/292)


ونستطيع أن نصل إلى نسبة دقيقة في كل الجنايات إذا راجعنا العقوبات التي تصدر فيها سواء من محاكم الجنايات أو محاكم الجنح. ففي سنة 1936 - 1937 حكمت محكمة الجنايات بالعقوبة في 2482 جناية على 3063 شخصا, ومن هؤلاء 941 شخصا حكم عليهم بعقوبة الجنحة. وفي نفس العام حكمت محاكم الجنح في 1154 جناية على 1416 شخصا بعقوبة الجنحة, فأصبح عدد المحكوم عليهم بعقوبة الجنحة 2122 شخصا, والمحكوم عليهم بعقوبة الجنحة 2375 شخصا، أي أن 52.6} من الجنايات حكم فيها بعقوبة الجنحة بدلا من عقوبتها الأصلية. وفي سنة 1937 - 1938 حكمت محكمة الجنايات بالعقوبة في 2408 جناية على 2915 شخصا منهم 832 حكم عليهم بعقوبة الجنحة. وفي نفس العام حكمت محكمة الجنح في 1045 جناية على 1362 شخصا, فكان عدد المحكوم عليهم بعقوبة الجناية 2103 وعدد المحكوم عليهم بعقوبة الجنحة 2194 شخصا, أي أن 51} من الجنايات حكم فيها بعقوبة الجنحة بدلا من العقوبات الأصلية. وفي سنة 1938 - 1939 كانت النسبة 49.7} وفي سنة 1939 - 1940 كانت النسبة 49.6} . فمتوسط ما يحكم فيه سنويا من الجنايات بعقوبة الجنحة 50.7} من مجموع كل الجنايات.
وهكذا تنتهي عقوبات الجنايات هذه النهاية السيئة, فعقوبة الإعدام لا تطبق إلا على أقل من 6} من الجرائم التي جعلت عقوبة لها, وعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة لا تطبق في بعض الجرائم كعقوبة أصلية, فإذا طبقت في البعض الباقي تراوحت نسبتها المئوية بين 11.1}. وعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة والسجن لا تطبق إحداهما إلا على 35} من الجرائم المقررة لها باعتبار أن نصف الجرائم جنح, وأن 30} من الباقي يحكم فيه بعقوبة الجنحة.

(2/293)


ومعنى ما سبق أن تطبيق العقوبات على الجرائم نزل بها درجة أو أكثر, فنزل بالإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة, ونزل بهذه إلى الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن, ونزل بكل من هاتين إلى عقوبة الحبس. ولعلنا بهذا الاستدلال قد أدركنا إلى أي حد تعطلت العقوبات الأصلية وأحطنا جيدا بمعنى هذا التعطيل.
ثانيا: الميل إلى تخفيف العقوبات: قلنا: إن القانون جعل لكل عقوبة حدين يرتفع أحدهما بالعقوبة إلى نهاية التغليظ, وينزل بها الثاني إلى نهاية التخفيف, وقد خول القانون القضاة حق تقدير العقوبة من بين هذين الحدين, ولكنهم يميلون غالبا للتخفيف وينزلون في أكثر من الأحوال إلى حدها الأدنى؛ متأثرين في ذلك بمختلف العوامل التي سبق شرحها.
ولست أسوق دليلا على هذا القول إلا الإحصاءات الرسمية((1)). ففي سنة 1936 - 1937 حكم على 1165 شخصا بالأشغال الشاقة المؤقتة فكانت نسبة المحكوم عليهم من هؤلاء بأدنى العقوبة وهي ثلاثة سنوات 33.2}, وكانت نسبة المحكوم عليهم بمدد تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة 15.4}, وكانت نسبة المحكوم عليهم بمتوسط العقوبة 51.4}. وفي نفس السنة حكم بالسجن على 744 شخصا فكانت نسبة من حكم عليهم بأدنى العقوبة وهي ثلاثة سنوات 58}, وكانت نسبة من حكم عليهم بمدد تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة 1.8}, وكانت نسبة من حكم عليهم بمتوسط العقوبة 40.2}. وفي نفس السنة حكم على 40090 شخصا بالحبس مع الشغل, وكانت نسبة المحكوم عليهم بثلاثة أشهر فأقل 56.3} وكانت نسبة المحكوم عليهم بمدد تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة واحدة 32.4},وكانت نسبة المحكوم عليهم بسنة فأكثر 11.3}. وفي نفس السنة حكم بالحبس البسيط على 23925 شخصا, فكانت نسبة المحكوم عليهم بثلاثة أشهر فأقل 99.6} ونسبة المحكوم عليهم بأكثر من تسعين يوما 0.4}.
__________
(1) أخذت هذه الإحصاءات من تقارير مصلحة السجون السنوية, واستخرجت النسبة المئوية بمعرفتنا.

(2/294)


وفي سنة 1938 - 1939 كانت نسبة المحكوم عليهم بأدنى عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة إلى مجموع المحكوم عليهم 48.9}, وكانت نسبة المحكوم عليهم بمدد تتراوح بين عشر سنوات وهمس عشرة سنة 13.4}, وكانت نسبة المحكوم عليهم بمتوسط العقوبة 37.7}. وفي نفس السنة كانت نسبة المحكوم عليهم بأدنى عقوبة السجن 69.3}, وكانت نسبة المحكوم عليهم بمدد تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة 1.6}, وكانت نسبة المحكوم عليهم بمتوسط العقوبة 29.1}, وفي نفس السنة كانت النسبة بين الحكوم عليهم بالحبس مع الشغل أو الحبس البسيط تكاد تعادل النسب التي بيناها عن سنة1936 - 1937.
وهذا هو لسان الإحصاء الذي لا يكذب, وإنه لقاطع في أن المحاكم تنفر من التشديد, وإنها تميل بالعقوبة إلى التخفيف أكثر مما تميل بها إلى الاعتدال.
ويجب أن لا ننسى بعد هذا أن العقوبة خففت قبل ذلك مرة أخرى حين استبدلت بالعقوبة الأصلية عقوبة أخرى, ومعنى ها أن المحاكم تخفف العقوبة مرتين: مرة عند اختيارها أو عند قبول الظروف المخففة, ومن عند تقديرها والنطق بها.

(2/295)


502 - علة تعطيل العقوبات وتخفيفها: رأينا فيما سبق كيف تعطلت العقوبات الأصلية وكيف تتجه المحاكم إلى تخفيف العقوبة بقدر الإمكان, ولهاتين الظاهرتين الخطيرتين علة واحدة هي أن القانون قد جعل العقوبة للزجر والتأدب, واعترف بأن لشخصية المجرم وظروفه أثرا على العقوبة, والقاضي ملزم حين يوقع العقوبة أن يراعي هذين المبدأين معا في الجرائم الخطيرة والبسيطة على السواء؛ لأن القانون لم يهمل شخصية المتهم في الجرائم الخطيرة الماسة بكيان الجماعة كما فعلت الشريعة، وكلا المبدأين مناقض للآخر, فتحقيق الزجر والتأديب يقتضي تشديد العقوبة, ومراعاة شخصية المتهم تقتضي تخفيف العقوبة, ولا يستطيع القاضي أن يفعل شيئا لإزالة هذا التناقض إلا أن يوفق بين المبدأين بقدر الإمكان, ولكنه حين يفعل يتجه دائما ناحية المتهم؛ لأنه هو الذي يكون ماثلا أمامه بمادته ومعناه يسترحمه ويستعطفه ويعرض ظروفه ويبرر موقفه, أما مصلحة الجماعة فلا تكون وقت المحاكمة ممثلة في ذهن القاضي بالقوة التي تتمثل بها مصلحة المتهم, ولذلك لا تراعى بالقدر الذي يراعى به المتهم, وتكون النتيجة ما رأينا من تعطيل العقوبات وتخفيفها.
503 - هل نجحت العقوبات القانونية في محاربة الإجرام؟: شرعت العقوبات ولا تزال لمحاربة المجرمين والإجرام, وحين يراد تحريم فعل معين تقدر له العقوبات التي يرى أنها كفيلة بزجر الناس عن إتيان هذا الفعل المحرم, فإن أدت العقوبة بالناس إلى أن يمتنعوا عن الفعل المحرم فقد نجحت العقوبة وأدت الغرض منها, وإن لم يزدجر الناس عن الفعل المحرم حاول أولو الأمر أن يعاقبوا عليه بعقوبة أكثر ردعا من العقوبة السابقة.

(2/296)


فالمقياس الصحيح لنجاح عقوبة ما هو أثرها على المجرمين والجريمة, فإن نقص عدد المجرمين وقلت الجرائم فقد نجحت العقوبة, وإن زاد عدد المجرمين والجرائم فقد فشلت العقوبة, ووجب أن تستبدل بها عقوبة أخرى قمينة بأن تردع المجرمين وتصرفهم عن ارتكاب الجرائم.
ولقد علمنا أن القانون المصري قرر عقوبات الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة والسجن والحبس والإرسال للإصلاحية, ونحب أن نعرف إلى أي مدى نجحت هذه العقوبات, وكيف كان أثرها على المجرمين والجريمة. وهذه العقوبات على تعددها هي عقوبتان: الإعدام, والحبس بوجه عام.
504 - الإعدام: فأما الإعدام فلا شك في أنه عقوبة رادعة, وقد قررت لأقل ما يمكن من الجرائم, ولا يكاد تقع في حياتنا اليومية جرائم يعاقب عليها بالإعدام إلا جرائم القتل, وقد بينا مستندين إلى الإحصاءات نسبة تطبيق عقوبة الإعدام في الجرائم الي يعاقب عليها وجوبا بالإعدام فإذا هي في المتوسط أقل من 6}, وهي نسبة ضئيلة تشجع على الإجرام ولا تردع عنه, والذين يتصلون بدور القضاء يعلمون أن القاتل اليوم لا يبالي أن يقتل ويعترف بجريمته, وإنما يبالي ويهتم بأن يركز دفاعه في طلب الرأفة ليفلت بجلده من عقوبة الإعدام وهو يصل غالبا إلى ما يتمناه.

(2/297)


ولست أدري كيف نقبل أعذار القتلة والسفاحين وهم لا يقبلون عذرا من ضحاياهم؟ وكيف نرحمهم ولا يرحمون فرائسهم؟ وإذا كان القاتل لا يقتل وفي قلبه ذرة من الرحمة, ولا يقتل إلا بعد تفكير وتدبير وإصرار على القتل وترصد للمقتول, فليت شعري أية ظروف بعد هذا كله تحملنا على أن نعامله بالرأفة والرحمة؟ وإذا كان القانون نفسه قد فرق بين القتل بالتسميم, والقتل المسبوق بسبق إصرار وترصد أو المقترن بجريمة أخرى أو المقصود به تسهيل ارتكاب الجرائم, إذا كان القانون قد فرق بين هذه الأنواع وبين القتل الذي يقع دون ترتيب لوسائله أو تفكير سابق فيه, وجعل عقوبة الأنواع الأولى الإعدام وعقوبة النوع الثاني الأشغال الشاقة, فكيف سوينا بين المختلفين, ولم نفرق في العقوبة بين النوعين؟ وكيف طبقنا عقوبة الإعدام في حدود هذه النسبة الضيقة بحجة استعمال الرأفة؟ وهل أصبح المجرمون اليوم مستحقين للرأفة والرحمة بنسبة 94.1} في الجرائم التي لا تستحق أصلا رأفة أو رحمة؟
إن جرائم القتل التي تقع كل عام تعادل 35} من مجموع الجنايات كلها, وهي تزداد عاما بعد عام, ففي سنة 1935 - 1936 كان عدد جنايات القتل والشروع فيه 2857 وكان مجموع الجنايات 7976. وفي سنة 1936 - 1937 كان عدد جنايات القتل والشروع فيه 3093 بينما كان مجموع الجنايات كلها 8618. وفي سنة 1937 - 1938 كان عدد جنايات القتل والشروع فيه 3319 جناية وكان مجموع الجنايات كلها 9232. ولعل هذه الزيادة المتجددة ترجع قبل كل شئ إلى استعمال الرأفة.
فعيب عقوبة الإعدام إذن يرجع إلى تطبيقها لا إلى طبيعتها, وقد جاء هذا العيب من إباحة قبول الظروف المخففة في الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو على الأقل في جريمة القتل, أو حرم على القضاة أن يستبدلوا بعقوبة الإعدام عقوبة أخرى - لكان لعقوبة الإعدام أثرها الذي لابد منه في تقليل جرائم القتل, ولحل جانب خطير من مشكلة الإجرام.

(2/298)


505 - عقوبات الحبس وعيوبها: أما عقوبات الأشغال الشاقة بنوعها والسجن والحبس فهي كما قلنا من قبل ليست في جوهرها إلا عقوبة الحبس الذي يتفاوت في مدته أكثر مما يتفاوت في نوعه, وعقوبة الحبس هذه هي العقوبة الأساسية لمعظم الجرائم, يجازى بها المجرم الذي ارتكب جريمةته لأول مرة ويجازى بها المجرم العاتي الذي تخصص في الإجرام, ويجازى بها الرجال والنساء والشبان والشيب, ويجازى بها من ارتكب جريمة خطيرة ومن ارتكب جريمة تافهة, وتنفذ العقوبة على هؤلاء جميعا بطريقة واحدة تقريبا, وقد أدى تطبيق هذه العقوبة على هذا الوجه إلى نتائج خطيرة ومشاكل دقيقة نبسطها فيما يلي:
1 - إرهاق خزانة الدولة وتعطيل الإنتاج: يوضع المحكوم عليهم بعقوبة الحبس على اختلاف أنواعها في محابس يقيمون بها حتى تنتهي مدة العقوبة, ولهذه المحابس أسماء مختلفة, وأقلها درجة: السجون المركزية, ويوضع بها المحكوم عليهم بالحبس ثلاثة أشهر فأقل. ويليها في الدرجة: السجون العمومية, ويوضع فيها المحكوم عليهم بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر والمحكوم عليهم بالسجن والمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة من النساء أو الرجال المتقدمين في السن. ويلي السجون العمومية: الليمانات, ويوضع فيها المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. وهناك إصلاحيات الرجال ويوضع فيها معتادو الإجرام, أما إصلاحيات الأحداث فهي للأطفال الذين تزيد أسنانهم على سبع سنوات.
وقد بلغ عدد المحكوم عليهم بالحبس بمختلف أنواعه 127090 شخصا في سنة 1938 - 1939, ولا يدخل في هذا العدد من حكم عليهم بالحبس من المحاكم المركزية. ويتزايد عدد المحكوم عليهم باستمرار سنة بعد أخرى, وقد بلغ متوسط المسجونين يوميا 25515 في سنة 1938 - 1939 بزيادة 5974 عن السنة السابقة.

(2/299)


والمحكوم عليهم يكونون في الغالب من الأشخاص الأصحاء القادرين على العمل, فوضعهم في السجون هو تعطيل لقدراتهم على العمل وتضييع لمجهود كبير كان من الممكن أن يبذلوه فيستفيد منه المجتمع لو عوقبوا بعقوبة أخرى غير الحبس تكفي لتأديبهم وردع غيرهم.
ولا شك أن هنا من العقوبات ما يمكن أن يؤدي وظيفة الزجر والردع, ويكون له أثره في محاربة الجريمة دون أن يؤدي إلى تعطيل مجهود المحكوم عليه, كالجلد مثلا فإن تنفيذ هذه العقوبة ليس له أثر في الغالب على إنتاج المحكوم عليه وقيامه بعمله اليومي.
ولقد حاولت مصلحة السجون أن تستغل قدرة المسجونين على العمل, ولكنها لم تستطع حتى الآن أن توجد عملا إلا لعدد قليل من المسجونين, أما الباقون فيكادون يقضون حياتهم في السجون دون عمل؛ يأكلون ويتطببون ويلبسون على حساب الحكومة.
وقد بلغت نفقات مصلحة السجون 862125ج في سنة 1938 - 1939 منها مبلغ 150000ج أثمان الخدمات التي يقوم بها المسجونون, فكأن ميزانية الدولة تتحمل 532125ج تنفق سنويا على المسجونين, ولو أضيف إلى هذا المبلغ الضخم ما يخسره المجتمع كل عام من تعطل هؤلاء المسجونين عن الإنتاج على فرض أن كل مسجون ينتج سنويا ما يساوي أربعة وعشرين جنيها لبلغت خسارة الأمة في سبيل عقوبة الحبس 2582285ج سنويا.

(2/300)


2 - إفساد المسجونين: وكان من الممكن أن تتحمل الجماعة هذه الخسارة الكبيرة سنويا لو كانت عقوبة الحبس تؤدي إلى إصلاح المسجونين, ولكنها في الواقع تؤدي بالصالح إلى الفساد فسادا على فساده, فالسجن يجمع بين المجرم الذي ألف الإجرام وتمرس بأساليبه, وبين المجرم المتخصص في نوع من الإجرام وبين المجرم العادي, كما يضم السجن أشخاصا ليسوا مجرمين حقيقيين وإنما جعلهم القانون مجرمين اعتبارا؛ كالمحكوم عليهم في حمل الأسلحة, أو لعد زراعة نسبة معينة من القمح والشعير, وكالمحكوم عليهم في جرائم الخطأ والإهمال, واجتماع هؤلاء جميعا في صعيد واحد يؤدي إلى تفشي عدوى الإجرام بينهم, فالمجرم الخبير بأساليب الإجرام يلقن ما يعلمه لمن هم أقل منه خبرة, والمتخصص في نوع من الجرائم لا يبخل بما يعلمه عن زملائه, ويجد المجرمون الحقيقيون في نفوس زملائهم السذج أيضا خصبة يحسنون استغلالها دائما, فلا يخرجون من السجن إلا وقد تشبعت نفوسهم إجراما.
ولقد دلت المشاهدات على أن الرجل يدخل السجن لأمر لا يعتبره العرف جريمة؛ كضبط قطعة سلاح معه، وكان المعروف عنه قبل دخوله السجن أنه يكره المجرمين, ويأنف أن يكون منهم, فإذا خرج من السجن حبب إليه الإجرام واحترفه بل صار يتباهى به, وكان هذا مما أدى بالقضاة إلى أن صاروا يشفقون من الحكم بالحبس في الجرائم الاعتبارية التي لا يتمثل فيها روح الإجرام الحقيقي, كما أنهم يوقفون تنفيذ العقوبة في الجرائم الحقيقية إذا كان المجرم مبتدئا, لأنهم يخشون أن يدخل الجاني السجن بريئا من الإجرام أو مبتدئا فيه فيخرج من السجن مملوئا بالإجرام متفقها في أساليبه.
فالسجن الذي يقال عنه أنه إصلاح وتهذيب ليس كذلك في الواقع, وإنما هو معهد للإفساد وتلقين أساليب الإجرام.

(2/301)


وقد شعرت الحكومة بوطأة هذه الحالة فهي تحاول أن تصلح من هذا العيب. ولكن أساس الإصلاح يدل على أنه لن يكون ناجعا, إذ أنها تريد أن تقسم السجون على أساس نوع العقوبة وأسنان المحكوم عليهم, وهذا التقسيم سيبقي الحالة على ما هي عليه؛ لأنه يجمع بين ذوي العقوبة الواحدة في محبس واحد, وبعضهم قد يكون مبتدئا لا يعلم كثيرا عن الإجرام والبعض من عتاة المجرمين, واختلاط هؤلاء من نفس العيب الذي يراد علاجه, أما جمع الشبان في محبس واحد والكهول في محبس واحد فلن يكون علاجا؛ لأن الإحصائيات تدل على أن أكثر المجرمين من الشبان, ففي سنة 1938 - 1939 كان عدد المسجونين الشبان 5277 أي نسبة 62} من مجموع من دخلوا السجن, ومن هؤلاء 1505 شخصا يتراوح سنهم بين 16, 20 سنة والباقون يتراوح عمرهم بين 22 - 30 سنة, فعدد المجرمين من الشبان أكثر من عددهم من بين الرجال والمسنين, ووجود الشبان المحكوم عليهم لأول مرة مع شبان من وي السوابق كفيل بأن يخلق الأولين بأخلاق الآخرين.
3 - انعدام قوة الردع: إن عقوبة الحبس قد فرضت على أساس أنها عقوبة رادعة, ولكن الواقع قد أثبت أنها لا فائدة منها ولا أثر لها في نفوس المجرمين, فالذين يعاقبون بالأشغال الشاقة - وهي أقصى أنواع الحبس - لا يكادون يخرجون من السجن حتى يعودوا لارتكاب الجرائم, ولو كانت العقوبة رادعة لما عادوا لما عوقبوا عليه بهذه السرعة.

(2/302)


وتدل الإحصائية رقم 44 من تقرير مصلحة السجون عن سنة 1938 - 1939 على أن 45} من المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة عادوا إلى ارتكاب الجرائم بعد الإفراج عنهم بمدد تتراوح بين خمسة عشر يوما وسنة, بل إن هذه الإحصائية تدل على أن 43} من المحكوم عليهم بالإرسال لإصلاحية الرجال ما كادوا يخرجون من الإصلاحية حتى ارتكبوا جرائم أعادتهم إليها, وأنهم ارتكبوا جرائمهم في مدة تتراوح بين 21 يوما وسنة من تاريخ خروجهم من الإصلاحية, والمفروض أن عقوبة الإرسال إلى الإصلاحية من أكثر العقوبات ردعا, وأن المجرم لا يخرج منها إلا بعد أن تتوافر الأدلة على تركه الإجرام وميله إلى الاستقامة.
وتلد الإحصائية رقم 47 من تقرير مصلحة السجون المشار إليه سابقا على أن حوالي ثلث الموجودين في إصلاحية الرجال دخلوها للمرة الثانية والثالثة والرابعة.
ومما يدل على أثر السجن بصفة عامة في نفوس المجرمين الإحصائية رقم 46 من تقرير مصلحة السجون لسنة 1938 - 1939, فهي تشير إلى أ نصف من في الإصلاحية تقريبا لهم سوابق في الإجرام من خمس مرات إلى عشر, وأن حوالي الثلث لهم من عشر سوابق إلى خمس عشرة سابقة, وأن الباقين تتراوح سوابقهم بين خمس عشرة سابقة وأربعين سابقة, فلو أن السجن يردع المجرمين حقيقة لما عاد المجرم للإجرام خمس مرات وعشر مرات وأربعين مرة.
وتلد الإحصائية رقم 43 من التقرير المشار إليه سابقا على أن الذين يعودون لإصلاحية الرجال بعد خروجهم منها يزداد عددهم باستمرار, ففي سنة 1916 كانت نسبة العائدين إلى مجموع من في الإصلاحية 10.8} وفي سنة 1926 ارتفعت النسبة إلى 20.6} وفي سنة 1936 بلغت 38.7}.

(2/303)


ومما يدل أيضا على أن عقوبة الحبس ليس لها أثر على المجرمين ازدياد جرائم العود سنة بعد أخرى, فقد وصلت هذه الجرائم إلى 872 جناية في سنة 135 - 1936, ثم ارتفعت إلى 939 جناية في سنة 1936 - 1937, ثم بلغت 1023 جناية في السنة التي تليها, وجنايات العود هذه لا تقع إلا من المجرمين أرباب السوابق المتعددة.
4 - قتل الشعور المسئولية: وعقوبة الحبس غير أنها غير رادعة تؤدي إلى قتل الشعور بالمسئولية في نفس المجرمين وتحبب إليهم التعطل, فالكثير من المسجونين يقضون في السجن مددا طويلة نوعا ما ينعمون فيها بالتعطل من العمل ويكفون فيها مئونة أنفسهم من مطعم وملبس وعلاج, والمشاهد أن هؤلاء يكرهون أن يلقى بهم خارج السجن ليواجهوا حياة العمل والكد من جديد, وأنهم يموت فيهم كل شعور بالمسئولية نحو أسرهم بل نحو أنفسهم, فلا يكادون يخرجون من السجن حتى يعملوا للعودة إليه, ولا حبا في الجريمة ولا حرصا عليها وإنما حبا في العودة إلى السجن وحرصا على حياة البطالة.
5 - ازدياد سلطة المجرمين: ومن المجرمين من يغادر السجن ليعيش عالة على الجماعة, يستغل جريمته السابقة لإخافة الناس وإرهابهم وابتزاز أموالهم, ويعيش على هذا السلطان الموهوم وهذا المال المحرم دون أن يفكر في حياة العمل الشريف والكسب الحلال.
ولقد أصبح سلطان هؤلاء المجرمين على السكان الآمنين يزاحم سلطان الحكومات بل أصبح المجرمون في الواقع أصحاب الكلمة النافذة والأمر المطاع. ومن الوقائع التي أعرفها ويعرفها غيري أن رجال الإدارة يستعينون بالمجرمين أيام الانتخابات العامة ليوجهوا الناخبين المتمسكين بحزبيتهم وجهات معينة بعد أن يعجزوا هم عن هذا التوجيه.

(2/304)


وقد أدى هذا المركز الخطير الذي يحتله المجرمون إلى زيادة المجرمين الشبان الذين يتطلعون بدافع من طموحهم إلى نوال كل مركز ممتاز, كما أدى إلى قلب الموازين والأوضاع, فبعد أن كانت الجريمة عارا وذلك في القديم أصبحت اليوم مدعاة للتباهي والتفاخر, وبعد أن كان المجرم يطرد ذليلا مهانا أصبح اليوم عزيز الجانب مسموع الكلمة نافذ السلطان.
6 - انخفاض المستوى الصحي والأخلاقي: وتنفيذ عقوبة الحبس يقتضي وضع عدد كبير من الرجال الأصحاء الأقوياء في مكان واحد لمدد مختلفة يمنعون فيها من التمتع بحرياتهم ومن الاتصال بزوجاتهم, ولما كان عدد المحبوسين يزيد عاما بعد عام والمحابس لا تزيد, فقد اضطر ولاة الأمور إلى حشرهم حشرا في غرف السجون كما يحشر السردين في علبته, وبحيث أصبحت السجون العمومية والليمانات تضم بين جدرانها عددا يتراوح بين ثلاثة وأربعة أمثال العدد المقرر لها من الناحية الصحية((1)).
أما السجون المركزية هي عادة لا تزيد على غرفتين صغيرتين ولا يقل العدد الذي تضمه في المتوسط عن ستين شخصا, وبينما تتوافر الوسائل الصحية نوعا ما في السجون العمومية فإنها تنعدم في السجون المركزية, فلا يوجد في كل السجون المركزية بالقطر المصري فراش للمساجين الذين يقضون مدة حبسهم جلوسا أو نياما على الأسفلت, كما أن الأغطية في هذه السجون تكاد تكون منعدمة.
__________
(1) الإحصائية رقم 1 من تقرير مصلحة السجون لسنة 1938- 1939.

(2/305)


وقد أدى ازدحام السجون وعدم توافر الوسائل الصحية بها وحرمان المسجونين من الاتصال بزوجاتهم إلى انتشار الأمراض السرية والجلدية والصدرية, وغيرها من الأمراض الخطيرة بين المسجونين, وتدل إحصائيات سنة 1939((1)), وهي خاصة بالسجون العمومية والليمانات, على أن 3993 مسجونا أصيبوا بنزلات شعبية, و369 بالتدرن الرئوي وأدران أخرى, و422 بالسيلان, 1160 بالزهري, و4128 بالجرب, و1534 بالقراع, 5333 بأمراض جلدية أخرى, 219 بقمل العانة, و8618 بخراجات ودمامل, 926 بالروماتيزم, بل لقد بلغت حالة الإصابات والأمراض بين المسجونين 74000 حالة في سنة 1939. وفي عدد هذه الحالات الضخم وفي أنواع الأمراض التي بيناها ما يقطع بانخفاض المستوى الصحي والأخلاقي بين المسجونين.
فالسجون إذن أداة لنشر الأمراض بين المسجونين, ولإفساد أخلاقهم وتضييع رجولتهم, ولا يقتصر شر السجون على هذا, بل إنها تؤدي إلى فساد الأخلاق في خارجها, لأن وضع الرجال في السجون معناه تعريض زوجات هؤلاء الرجال وبناتهم وأخواتهم إلى الحاجة وإلى الفتنة ووضعهن وجها لوجه أمام الشيطان.
__________
(1) الإحصائية رقم 20 من تقرير مصلحة السجون لسنة 1938- 1939.

(2/306)


7 - ازدياد الجرائم: وقد وضعت عقوبة الحبس على اختلاف أنواعها لمحاربة الجريمة, ولكن الإحصائيات التي لا تكذب تدل على أن الجرائم تزداد عاما بعد عام زيادة تسترعي النظر وتبعث على التفكير الطويل, فقد كان عدد الجنايات في سنة 1906 لا يزيد على 3586 جناية فإذا به في 1912 يبلغ 4008 جناية, ثم يصل في سنة 1918 - 1919 إلى 6779 جناية, وفي سنة 1926 - 1927 يصل إلى 8012 جناية. وفي سنة 1938 - 1939 يصل إلى 9286 جناية. أما الجنح فكان عددها في سنة 1906 لا يزيد على 32810, وفي سنة 1912 أصبح 93743, وفي سنة 1926 - 1927 بلغ عددها 167677 جنحة, وفي سنة 1938 - 1939 بلغ عدد الجنح 382828. وهكذا في ظرف أثنين وثلاثين عاما بلغ عدد الجنايات ثلاثة أمثال ما كان عليه, وبلغ عدد الجنح أكثر من أحد عشر مثلا.

(2/307)


وقد يقال: إن عدد الجنح لا يمثل الزيادة الحقيقية؛ لأن الجنح المعاقب عليها يزيد عاما بعد عام فتزداد تبعا لذلك في مجموعها, وهو قول صحيح إلى حد ما, فلنترك العدد العام للجنح ولنأخذ جريمة السرقة مقياسا فهي أحرى أن تصل بنا إلى نسبة الزيادة الصحيحة, ففي سنة 1991 كان عدد جنح السرقة 9356, وفي سنة 1901 بلغ عدد الجنح 15993 جنحة, وفي سنة 1912 بلغ 23834 جنحة, وفي سنة 1916 بلغ 44110, وفي سنة 1926 بلغ 54326 جنحة, وفي سنة 1939 بلغ 65587 جنحة. ومعنى هذا أن عدد جنح السرقة زاد في ثمانية وأربعين عاما سبعة أمثال ما كان عليه, وهي نسبة لا تبررها زيادة السكان ولا يقوم بها أي عذر مهما اختلفت المعازير, فالسكان لم يتضاعف عددهم مرة واحدة فكيف تتضاعف الجنح سبع مرات والجنايات ثلاث مرات؟ والحالة الاقتصادية مهما قيل فيها لا يكون سببا في ازدياد الجرائم ما دامت العقوبة رادعة, وليس أدل على صحة هذا القول من الحالة في المملكة الحجازية, فلا شك أن الحالة الاقتصادية والاجتماعية في مصر أفضل منها في الحجاز, ومع ذلك فقد قلت الجرائم في الحجاز وازدادت في مصر, وانتشر الأمن هناك واختل هنا. ولقد كان الحجاز في يوم ما مضرب الأمثال في اختلال الأمن والنظام والجرأة على ارتكاب الجرائم وترويع الآمنين والحجاج المسافرين وقطع الطرق عليهم لنهب مالهم ومتاعهم, ولعل الحالة الاقتصادية والاجتماعية في الحجاز الآن ليست خيرا منها يوم كان الفساد مستشريا في الحجاز, والفرق بين الحجاز قديما وحديثا وهو نفس الفرق بين مصر والحجاز اليوم, هو وجود العقوبة الرادعة في الحجاز الآن وانعدام هذه العقوبة في مصر اليوم, فهذه العقوبة الرادعة هي التي وطدت الأمن في الحجاز وقضت على السلب والنهب وقطع الطريق وجعلت الأمن فيه مضرب الأمثال, فلا يسقط من مسافر شئ إلا وجده دار الشرطة, ولا يضيع لأحد شيء إلا رد إليه حيث كان ولو لم يبلغ بضياعه ما دام مع المال ما

(2/308)


يدل على اسم صاحبه.
فمن الخطأ إذن بعد قيام هذا المثل العلمي أن نحتج لزيادة الجرائم بالحالة الاجتماعية والاقتصادية أو بازدياد السكان؛ لأن الجريمة مرض علاجه العقوبة, فإذا نجح أولو الأمر في وصف العلاج الذي يوافق المرض انتهى المرض أو سكنت حدته على أقل الفروض, وإن لم يوفق أولو الأمر في وصف العلاج الناجع طال المرض وأعضل وعانى منه المجتمع أشد المعاناة.
506 - كيف نتخلص من عيوب الأنظمة الوضعية: تبينا فيما سبق النتائج السيئة للعقوبات التي فرضتها علينا الأنظمة الوضعية, فإذا هي تضييع للأموال والجهود وإفساد للنفوس والأخلاق والصحة, وليس بعد ذلك إلا ازدياد الجرائم وجرأة المجرمين, والإخلال بالأمن وتوهين النظام, وذهاب هيبة الحكومة وسطوتها وفرض سلطان الأشقياء والمجرمين على السكان الآمنين, ولا خلاص من هذه النتائج المحزنة إلا بالتخلص من النظام كله, وإن في بعض هذه النتائج ما يكفي وحده لإلغاء هذا النظام. وإذا كان الناس لا يلغون أنظمتهم بسهولة ولو تيقنوا من فسادها إلا إذا وجدوا خيرا منها,فإن لدينا نظاما هو خير الأنظمة التي عرفها البشر وأقدرها على حماية الجماعة ومكافحة الجريمة وإصلاح المجرم, ذلك هو النظام الإسلامي الذي أثبتت التجربة نجاحه في كفاح الجريمة والقضاء على الإجرام.
وليست ميزة النظام الإسلامي الوحيدة في أن التجربة أثبتت نجاحه وصلاحيته, ولكنه يمتاز أيضا بأن الأسس التي يقوم عليها كفيلة بأن تقضي على العيوب التي تصحب العقوبة الوضعية, كما هي كفيلة بأن توفر على العالم المجهودات العظيمة التي تبذل لتخفيف أضرار هذه العقوبات والأموال الكثيرة التي تنفق في سبيل تنفيذها.

(2/309)


وأول عيوب النظام الوضعي أنه يؤدي إلى تعطيل العقوبات الأصلية وتخفيفها, وفي الشريعة ما يحول دون ذلك في الجرائم الخطيرة التي تمس كيان الجماعة, حيث تفرض الشريعة لهذه الجرائم عقوبات مقدرة معينة ليس للقاضي أن ينقص منها شيئا أو يستبدل بها غيرها مهما كانت ظروف الجاني؛ لأن مصلحة الجماعة في هذه الجرائم الخطيرة توضع فوق كل مصلحة وتتغلب على كل اعتبار, أما الجرائم التي لا تمس كيان الجماعة فيجوز للقاضي فيها أن ينظر إلى شخصية الجاني ولو أدى ذلك لتخفيف العقاب ما دام يؤدي إلى إصلاح الجاني في الوقت نفسه((1)).
والعيب الثاني للنظام الوضعي أنه يفرض في معظم الجرائم عقوبات لا تتنوع هي الحبس الذي يختلف شدة وضعفا بحسب نوع الحبس, والذي يؤدي تنفيذه إلى وضع عدد كبير من الرجال الأصحاء القادرين على العمل في المحبس والإنفاق عليهم دون أن يؤدوا عملا مجديا فتخسر الأمة من وجهين: تخسر المال الذي تنفقه على المحبوسين, وتخسر ما كان يمكن ينتجه هؤلاء لو لم يوضعوا في المحابس, ولكن هذه الخسائر تنتفي لو نفذ النظام الإسلامي؛ لأن الشريعة لا تعرف الحبس في جرائم الحدود والقصاص, وهي كما بينا تبلغ ثلثي((2)) الجرائم عادة.
كما أن الشريعة تفضل في التعازير عقوبة الجلد على عقوبة الحبس, ولا تفضل عقوبة الحبس إلا إذا كان حبسا غير محدود المدة حيث يبقى المجرم بعيدا عن الجماعة مكفوفا شره وأذاه حتى يموت, ولا يحكم هذا النوع من الحبس إلا في الجرائم الخطيرة أو على المجرمين العائدين. وإذا فرض أن عقوبة الجلد تطبق في نصف الجرائم الباقية كان الباقي الأخير من الجرائم حوالي 15} من مجموع الجرائم يقسم بين عقوبات الحبس والغرامة والتغريب وغير ذلك من عقوبات التعازير المتعددة.
__________
(1) راجع الفقرتين 51, 440.
(2) راجع الفقرة 494.

(2/310)


والمفروض أن الجرائم التي يجلد فيها هي جرائم التعازير الخطيرة, فالجرائم التي تبقى أخيرا ليعاقب عليها بغير الجلد والحبس غير المحددة المدة هي جرائم تافهة في الغالب يكفي في عقابها النصح والتوبيخ والغرامة والحبس مع إيقاف التنفيذ, فتكون النتيجة أن لا يحبس فعلا إلا في حوالي 5} من مجموع الجرائم, وهذه نتيجة لا يمكن الوصول إليها إلا بتطبيق نظرية الشريعة الإسلامية في العقاب.
وإذا قلت الجرائم التي يحكم فيها بالحبس إلى هذا الحد فإن عدد المحبوسين يصبح قليلا جدا, وبذلك تنحل مشكلة اختلاط المسجونين وما ينشأ عنها من فساد الأخلاق والصحة ونشر وسائل الإجرام, كما تقل جرائم العود التي لا يشجع عليها إلا وجود المحابس والاستخفاف بعقوبة الحبس.
وإذا علمنا أن الجرائم القليلة التي يحكم فيها بالحبس حبسا محدد المدة هي جرائم تافهة من مجرمين غير خطرين تأكد لدينا أن الحبس في هذه الجرائم سيكون لمدد قليلة ولن يؤدي إلى نشر عدوى الإجرام ولا إلى فساد الأخلاق, وحتى إذا وجدت هذه المساوئ فلن يكون لها أثر خطير على المجرمين وعلى الأمن العام لقلة عدد المسجونين وقلة خطورتهم؛ ولأن المجرم لا يضمن أن يعاقب مرة ثانية بعقوبة الحبس. أما المجرمون الخطرون فهؤلاء تقضي عليهم الشريعة بالحبس غير المحدد المدة مهما كان نوع الجريمة المنسوب إليهم؛ لأن ارتكاب الجاني لأية جريمة مهما كانت بسيطة معناه أنه لا يزال على استعداد لإجرام وأن العقوبات السابقة لم تردعه.
ومن عيوب عقوبة الحبس في القوانين الوضعية أنه تقتل الشعور بالمسئولية في نفس المجرم, وتحبب إليه التعطل, وتزين له أن يعيش عالة على الناس يبتز أموالهم بالتهديد والتخويف.

(2/311)


وفي عقوبة الشريعة علاج هذا كله, بل إن علاجه في عقوبة الجلد وحدها؛ إذ الجلد يحط من قدر المجرم في عين نفسه فلا يعود لجريمته, كما يحط من قدره في عيون الناس فلا يهابونه ولا يخافون سلطانه ولا يكبر المجرم في عيونهم حتى يزاحم بسلطانه سلطان الحكومات.
ولو أننا تتبعنا ما ذكرناه من عيوب العقوبات الوضعية عيبا عيبا لوجدنا لكل عيب علاجه الناجع في تطبيق عقوبات الشريعة الإسلامية وتطبيق نظريتها في العقاب.
هذه هي العقوبات الوضعية, وهذا هو أثرها في إفساد الأخلاق والأمن والنظام, وتلك هي عقوبات الشريعة الإسلامية, وذاك هو أثرها في إصلاح ما أفسدته القوانين الوضعية, ولن نجد بعد ذلك من يستطيع أن يفضل القانون الوضعي على الشريعة الإسلامية؛ فإن وجدته فاذكر قوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46].
* * *

الباب الثالث
تعدد العقوبات
507 - تعدد العقوبات وتعدد الجرائم: تتعدد العقوبات كلما تعددت الجرائم, وتتعدد الجرائم كلما ارتكب شخص جرائم متعددة قبل الحكم عليه نهائيا في واحدة منها, وهذا هو المعنى الفني للتعدد.
وتعدد الجرائم إما صوري وإما حقيقي, فهو صوري إذا ارتكب الجاني فعلا واحدا يدخل تحته صور شرعية مختلفة, ويحدث ذلك كلما انطبق على الفعل أكثر من نص واحد, كضرب الموظف أثناء تأدية وظيفته, فالفعل يمكن أن يكون ضربا ويمكن أن يكون كل واحد منها جريمة مستقلة.
الفرق بين تعدد العقوبات وبين العود: ويخلف تعدد العقوبات عن العود, ففي تعدد العقوبات يرتكب الجاني عدة جرائم قبل أن يحكم عليه في إحداها. أما في العود فيرتكب الجاني جريمته الثانية بعد أن يعاقب على جريمته الأولى.

(2/312)


ويقضي المنطق بأن لا يعاقب المجرم في حالة تعدد الجرائم على كل جرائمه ولو أن ارتكابه لهذه الجرائم المتعددة يدل على ميوله الإجرامية؛ لأنه عندما عاد لارتكاب الجرائم لم يكن عوقب على أية جريمة سابقة وأخذ درسا عنها, فهو يختلف من هذه الوجهة عن العائد الذي سبق عقابه وأنذر بهذا العقاب أن يسلك سلوكا مستقيما.
508 - القوانين الوضعية والتعدد: عرفت القوانين الوضعية ثلاث طرق مختلفة في حالة تعدد الجرائم:
الأولى: طريقة الجمع: ويأخذ بهذه الطريقة القانون الإنجليزي, ومقتضاها أن يوقع على الجاني مجموع العقوبات المقررة لكل الجرائم التي ارتكبها.
وعيب هذه الطريقة الإفراط في العقاب؛ لأن الجمع بين العقوبات قد يؤدي إلى أن تبلغ العقوبة حدا مفرطا في الشدة, فالحبس - وهو عقوبة مؤقتة - إذا تعدد أصبح عقوبة مؤبدة، والغرامات إذا تعددت قد يؤدي إلى مصادرة تامة لأموال المحكوم عليه.
الثانية: طريقة الجب: ومعنى الجب أن تقضي العقوبة الأشد على غيرها من العقوبات، فمقتضى هذه الطريقة أن لا يوقع على الجاني سوى أشد العقوبات المقررة للجرائم التي يرتكبها.
وعيب هذه الطريقة التهاون والتفريط, فالشخص الذي يرتكب عشر جرائم مثلا يعاقب بعقوبة الجريمة الأشد فقط دون غيرها من العقوبات, ومعنى هذا أن من يرتكب جريمة خطيرة يعاقب عليها بعقوبة شديدة يكون في حل من ارتكاب الجرائم الأبسط منها طالما أنه لم يعاقب على جريمته الخطيرة.
الثالثة: الطريقة المختلطة: وقد عولجت عيوب الطريقتين السابقتين بهذه الطريقة الثالثة وتدعى بالمختلطة أو المتوسطة. وتعني بالجمع بين الطريقتين الأوليين أو بتقييد إطلاقهما. فهي تجيز الجمع بين العقوبات على أن لا يجاوز مجموعها حدا معينا, وتعيين الحد الأقصى للعقوبة قصد منه منع الإفراط في العقاب, وهي تعالج طريقة الجب بتشديد العقوبة الواحدة التي يحكم بها.

(2/313)


وقد جمعت أكثر التشريعات الوضعية الحديثة بين طريقة التعدد والجب مع تقييدهما.
509 - قانون العقوبات المصري: ويأخذ قانون العقوبات المصري بقاعدة تعدد العقوبات, حيث نصت المادة 33 منه على أن العقوبات المقيدة للحرية تتعدد إلا ما استثنى بنص المادتين 35, 36. والأولى منهما تنص على أن عقوبة الأشغال الشاقة تجب بمقدار مدتها كل عقوبة مقيدة للحرية محكوم بها لجريمة وقعت قبل الحكم بالأشغال الشاقة المذكورة. والثانية منهما تنص على أنه إذا ارتكب شخص جرائم متعددة قبل الحكم عليه من أجل واحدة منها وجب ألا تزيد مدة الأشغال الشاقة المؤقتة على عشرين سنة ولو في حالة تعدد العقوبات, وأن لا تزيد مدة السجن أو مدة السجن والحبس على عشرين سنة, وأن لا تزيد مدة الحبس وحده على ست سنوات.
فالقانون المصري يأخذ بنظرية التعدد ولكنه يقيدها من ثلاثة وجوه:
الأول: أن عقوبة الأشغال الشاقة تجب بمقدار مدتها كل عقوبة أخرى مقيدة للحرية محكوم بها لجريمة وقعت قبل الحكم بالأشغال الشاقة, فمن كان محكوما عليه بالسجن عشر سنوات ثم حكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات نفذت عليه عقوبة الأشغال الشاقة ونفذ عليه من عقوبة السجن خمس سنوات فقط, ومعنى هذا أن القانون المصري يأخذ بطريقة الجب ولكنه لا يأخذ بها على إطلاقها.
الثاني: أن لا يزيد الحد الأعلى مهما تعددت العقوبات على عشرين سنة إذا كانت العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة, وأن لا يزيد مدة السجن أو مدة السجن والحبس معا على عشرين سنة, وأن لا تزيد مدة الحبس على ست سنوات, ومعنى هذا أن القانون المصري يأخذ بطريقة الجمع بين العقوبات ولكنه لا يأخذ بها على إطلاقها.

(2/314)


الثالث: في حالة التعدد الصوري تطبق عقوبة الصورة القانونية الأشد, وفي حالة التعدد الحقيقي تطبق العقوبة الأشد أيضا بشرط أن تكون الجرائم ارتكبت لغرض واحد, وأن تكون مرتبطة ارتباطا لا يقبل التجزئة كما تنص على ذلك المادة 32 عقوبات, وهذا قيد على طريقة الجمع.
ويلاحظ أن القوانين الوضعية لم تقيد نظرية تعدد العقوبات على الوجه السابق إلا في القرن الماضي, أما قبل ذلك فكانت العقوبات تتعدد بصفة مطلقة دون أي قيد.
510 - الشريعة والتعدد: عرفت الشريعة من يوم وجودها نظرية تعدد العقوبات ولكنها لم تأخذ بها على إطلاقها, وإنما قيدتها بنظريتين أخريين, الأولى: هي نظرية التداخل, والثانية: هي نظرية الجب.
نظرية التداخل: معنى التداخل هو أن الجرائم في حالة التعدد تتداخل عقوبتها بعضها في بعض بحيث يعاقب على جميع الجرائم بعقوبة واحدة, ولا ينفذ على الجاني إلا عقوبة واحدة كما لو كان قد ارتكب جريمة واحدة((1)). وتقوم نظرية التداخل على مبدأين:
أولهما: أن الجرائم إذا تعددت وكانت من نوع واحد كسرقات متعددة أو زنا متعدد أو قذف متعدد فإن العقوبات تتداخل ويجزئ عنها جميعا عقوبة واحدة, فإذا ارتكب الجاني جريمة أخرى من نفس النوع بعد إقامة العقوبة عليه وجبت عليه عقوبة أخرى.
والعبرة بتنفيذ العقوبة لا بالحكم بها. فكل جريمة وقعت قبل تنفيذ العقوبة تتداخل عقوبتها مع العقوبة التي لم يتم تنفيذها بعد.
وتعتبر الجرائم على الرأي الراجح من نوع واحد ما دام موضوعها واحدا ولو اختلفت أركانها وعقوبتها. كالسرقة العادية والحرابة فكلتاهما سرقة وإن اختلفت أركانهما وعقوباتهما, وكالزنا من محصن والزنا من غير محصن فكلاهما زنا, وفي مثل هذه الحالات تكون العقوبة الأشد هي الواجبة.
__________
(1) شرح فتح القدير ج4 ص208, شرح الزرقاني ج8 ص108, أسنى المطالب ج4 ص157, المغني ج10 ص197.

(2/315)


تعليل هذا المبدأ: وأساس هذا المبدأ أن العقوبة شرعت بقصد التأديب والزجر, وأن عقوبة واحدة تكفي لتحقيق هذين المعنيين فلا حاجة إذن لتعدد العقوبات ما دام المفروض أن عقوبة واحدة تكفي لإحداث أثرها وتمنع المجرم من ارتكاب الجريمة مرة أخرى, وإذا كان من المحتمل عقلا أن يعود المجرم من ارتكاب الجريمة فإن هذا الاحتمال وحده لا يكفي ما دام لم يثبت قطعا أن العقوبة لم تردعه, فإذا ثبت هذا بأن ارتكب جريمة فعوقب عليها ثم عادلها بعد ذلك فقد وجب أن يعاقب على جريمته الأخيرة؛ لأنه قد تبين وجه اليقين أن العقوبة الأولى لم تكن زاجرة ولا رادعة للجاني.
ثانيهما: أن الجرائم إذا تعددت وكانت من أنواع مختلفة فإن العقوبات تتداخل ويجزئ عن الجرائم جميعا عقوبة واحدة, بشرط أن تكون العقوبات المقررة لهذه الجرائم قد وضعت لحماية مصلحة واحدة؛ أي لتحقيق غرض واحد, فمن أهان موظفا وقاومه وتعدى عليه عوقب بعقوبة واحدة على هذه الجرائم الثلاث التي وضعت عقوباتها لغرض واحد هو حماية الموظف والوظيفة, ومن تناول ميتة ودما ولحم خنزير عوقب على هذه الجرائم الثلاث بعقوبة واحدة؛ لأن عقوبتها جميعا وضعت لغرض واحد هو حماية صحة الفرد والجماعة.
والعبرة في التداخل بتنفيذ العقوبة لا بالحكم بها, فكل جريمة وقعت قبل تنفيذ العقوبة تتداخل عقوبتها مع العقوبة التي لم يتم تنفيذها.
ويرون في مذهب مالك أن عقوبة الشرب وعقوبة تتداخلان فلا يعاقب على الجريمتين عند التعدد إلا بعقوبة واحدة, وحجتهم في ذلك أن الغرض من العقوبتين واحد؛ لأن من شرب هذى ومن هذى افترى, فعقوبة الشرب وضعت إذن لمنع الافتراء, ولكن المذاهب الأخرى تخالف مذهب مالك في هذا المثل بالذات؛ لأن عقوبة القذف قصد بها حماية الأغراض وعقوبة الشرب قصد بها حماية العقول فكلتاهما وضعت لغرض يخالف الغرض الذي وضعت له الأخرى.

(2/316)


ويرى بعض المالكية أن التداخل بين عقوبة الشرب وعقوبة القذف يرجع إلى اتحاد مقدارهما, وهؤلاء يجعلون أساس التداخل اتحاد الموجب وليس اتحاد الغرض من العقوبة. ولكن ليس لهذا الرأي صدى في المذاهب الأخرى((1)).
أما إذا كانت الجرائم المتعددة من أنواع مختلفة ولم يجمع بين عقوباتها غرض واحد كأن ارتكاب الجاني سرقة في المرة الأولى ثم زنا في الثانية وقذف في الثالثة, فإن العقوبات لا تتداخل في هذه الحالة وإنما تتعدد بتعدد الجرائم المختلفة.
نظرية الجب: معنى الجب في الشريعة هو الاكتفاء بتنفيذ العقوبة التي يمتنع من تنفيذها تنفيذ العقوبات الأخرى, ولا ينطبق هذا المعنى إلا على عقوبة القتل, فإن تنفيذها يمنع بالضرورة من تنفيذ غيرها, ومن ثم فهي العقوبة الوحيدة التي تجب ما عداها.
ولم يتفق الفقهاء على تقرير نظرية الجب, فمالك وأبو حنيفة وأحمد يقررونها ولكن الشافعي ينكرها, والذين اعترفوا بها يختلفون في مدى تطبيقها.
فمالك يرى أن كل حد اجتمع مع القتل لله قصاص لأحد من الناس فإنه لا يقام مع القتل, والقتل يجب جميع ذلك إلا الفرية (أي القذف) فإن حد الفرية يقام عليه ثم يقتل, ولا يقام عليه مع القتل غير حد الفرية وحداها لئلا يقال لصاحبه: ما لك لم يضرب لك فلان حد الفرية؟((2)).
ويرى أحمد أنه إذا اجتمعت حدود الله تعالى وفيها قتل, مثل أن سرق وزنا وهو محصن, وشرب وقتل في المحاربة, استوفى القتل وسقط سائرها. فإذا اجتمعت الحدود حقوق الآدميين وفيها قتل استوفى حق الآدمي ودخلت حدود الله في القتل سواء كان القتل حدا أو قصاصا, فمن قطع إصبع شخص وقذفه ثم شرب وسرق وزنا وقتل آخر فإن إصبعه تقطع قصاصا ثم يحد للقذف ثم يقتل ويسقط ما عدا ذلك((3)).
__________
(1) شرح الزرقاني ج8 ص108.
(2) المدونة ج16 ص12.
(3) الإقناع ج4 ص248 وما بعدها.

(2/317)


والأصل عند أبي حنيفة أنه إذا اجتمعت الحدود أن يقدم حق العبد في الاستيفاء على حق الله عز وجل - أي على حق الجماعة - لحاجة العبد إلى الانتفاع بحقه, فإذا يمكن استيفاء حقوق الله بعد ذلك تسقط ضرورة, أما إذا أمكن استيفاؤها فإن كان في إقامة شئ منها إسقاط البواقي يقام ذلك المسقط درءا للبواقي لقوله عليه الصلاة والسلام: “ادرءوا الحدود ما استطعتم”. فإذا قتل شخص آخر وزنا وهو غير محصن وشرب خمرا قتل قصاصا وسقط حد الزنا والشرب. وإن زنا وهو محصن وقذف وسرق وشرب يبدأ بحد القذف لأنه متعلق بحق آدمي, ثم يرجم, ويسقط ما عدا ذلك من الحدود. وإذا اجتمع مع هذه الحدود قصاص في النفس بدئ بالقذف ثم قتل قصاصا ويدرأ ما سوى ذلك, إلا أن المحكوم عليه يضمن في ماله السرقة في الحالين((1)). ورأي أبي حنيفة كما هو ظاهر يتفق مع رأي أحمد.
أما الشافعي فلا يعترف كما قلنا بنظرية الجب, ويرى أن تنفذ العقوبات كلها واحدة بعد أخرى ما لم يتداخل بعضها في الآخر, على أن يبدأ أولا بحق الآدميين فيما ليس فيه قتل. ثم بحق الله أي بحق الجماعة فيما لا نفس فيه أي لا قتل فيه, ثم يجئ القتل من بعد ذلك. فإذا اجتمعت مثلا على رجل حدود: حد بكر في الزنا, وحد في القذف, وحد في سرقة, وحد في قطع طريق يقطع فيه أو يقتل, وقصاص في قتل رجل, فيحد أولا في القذف, ثم يحبس حتى يبرأ فيحد في الزنا, ثم يحبس حتى يبرأ ثم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى للسرقة وقطع الطريق, ثم يقتل بعد ذلك, فإذا مات في أحد الحدود سقطت بموته الحدود التي لله عز وجل وبقيت في ماله حقوق الآدميين كالدية والمال والمسروق. وهكذا يؤخر الشافعي القتل لأنه لا يسلم بنظرية الجب((2)).
__________
(1) شرح فتح القدير ج4 ص208, بدائع الصنائع ج7 ص62.
(2) المهذب ج2 ص305.

(2/318)


ويرى بعض الشافعية أن الجاني لو سرق سرقة عادية ثم قطع الطريق لم يقطع للسرقة العادية وقتل لقطع الطريق, وأنه إذا زنا قبل أن يحصن فجلد ثم زنا ثانية قبل أن يغرب كفاه تغريب واحد, وأنه إذا زنا غير محصن ثم زنا بعد إحصانه وقبل تنفيذ عقوبة الجلد دخل الجلد في الرجم, وأساس امتناع القطع والتغريب والجلد ليس الجب وإنما أساسه تطبيق نظرية التداخل, فالسرقة العادية من نوع قطع الطريق وإن كانت أقل درجة حتى ليسمى قطع الطريق بالسرقة الكبرى والسرقة العادية بالسرقة الصغرى, والتغريب عقوبة للزنا فإذا لم ينفذ في الزنا الأول أجرأ تغريب واحد عن الزنا مرتين, والجلد عقوبة الزاني غير المحصن فإذا زنا قبل أن يجلد أجزأه عقاب واحد هو عقاب الزنا المحصن((1)).
511 - مقارنة بين الشريعة والقانون: أساس القيود الموضوعة لنظرية التعدد في الشريعة هو نفس الأساس الذي تقوم عليه هذه القيود في القوانين الوضعية, فكلاهما يرى أن الجاني كان معذورا عندما ارتكب جريمته الثانية لأنه لم يكن عوقب على الأولى, وكلاهما يرى أن تعدد العقوبات دون قيد يؤدي إلى النتائج يأباها العقل ومنطق التشريع.
__________
(1) أسنى المطالب ج4 ص157.

(2/319)


وبالرغم من هذا الاتفاق بين الشريعة والقانون فإن الشريعة جاءت أدق منطقا من القوانين الوضعية في تطبيق نظرية التعدد وتقييد هذه النظرية, ونجد هذه الدقة متمثلة في تطبيق نظرية التداخل حيث لم تطبقها الشيعة على إطلاقها بل طبقتها فقط في حالة الجريمة الواحدة إذا تكرر وقوعها, وفي الجرائم المختلفة التي يجمع بين عقوباتها غرض واحد, ولم تطبقها فيما عدا ذلك من الجرائم, وعلة هذا أن لكل جريمة عقوبتها فإذا ارتكب الجاني جريمة وتكرر منه ارتكاب نفس الجريمة قبل أن يعاقب على ما ارتكبه سابقا فمن المعقول أن يعتذر للجاني بأنه لم يعاقب على جريمته الأولى فلا معنى لتعدد العقوبة, أما إذا ارتكب الجاني جرائم مختلفة فإن عدم عقابه على إحداها لا يقوم له عذرا في ارتكاب الجريمة الثانية؛ لأن كل جريمة محرمة لذاتها ولها عقوبة خاصة, وعقوبة الجريمة الواحدة لم توضع لمنع الجاني عن كل الجرائم وإنما وضعت لمنعه عن ارتكاب جريمة بالذات, وقد روعي في وضع كل عقوبة اعتبارات خاصة لا تتوفر في غيرها, فروعي مثلا في تقرير عقوبة السرقة اعتبارات خاصة لمنع الجاني من السرقة, وروعي في عقوبتي الجلد والرجم اعتبارات خاصة لمنع الجاني من مقارفة الزنا, وهكذا. ومن ثم كانت عقوبة القذف لا تصلح عقوبة للسرقة ولا تجدي في الردع عنها, وكانت عقوبة السرقة لا تصلح عقوبة للقتل ولا تفيد في منع هذه الجريمة, وكان الواجب نتيجة لهذا المنطق أن تتعدد العقوبة في الجرائم المختلفة وأن يعاقب الجاني على كل نوع منها بعقوبته الخاصة.
أما القوانين الوضعية فتخالف الشريعة في هذه النقطة وتجعل عدم العقاب في جريمة ما عذرا للجاني في ارتكاب أية جريمة أخرى سواء كانت الجريمتان من نوع واحد أو من نوعين مختلفين.

(2/320)


ونظرية التداخل في الشريعة أوسع مدى منها في القانون الوضعي؛ لأن القانون لا يعرف التداخل إلا في حالة واحدة فقط هي ارتكاب الجاني عدة جرائم لغرض واحد وبشرط أن تكون هذه الجرائم مرتبطة ارتباطا لا يقبل التجزئة. والشراح يصفون هذه الحالة بأنها جب على أساس أن العقوبة الأشد هي التي توقع, ولكن الوصف الصحيح لها أنها تداخل؛ لأن كل الجرائم يعاقب عليها بعقوبة واحدة, والأصل أن الجب يكون بعد الحكم بالعقوبة, أما التداخل فيكون قبل الحكم بها وبعده, وحالة التداخل التي يسلم بها القانون تشبه إلى حد كبير المبدأ الثاني للتداخل في الشريعة.
وإذا كانت القوانين الوضعية قد أخذت بنظرية التداخل على الوجه السابق فإنها تخالف الشريعة في الأساس الذي بنى عليه التداخل, فالقانون الوضعي يجعل أساس التداخل أن يرتكب الجاني جرائمه لغرض واحد, وأن تكون الجرائم مرتبطة ارتباطا لا يقبل التجزئة, أما الشريعة فتجعل أساس التداخل في هذه الحالة أن تكون عقوبات الجرائم وضعت لغرض واحد, وهذا الفرق يمثل الروح التي تسيطر على كل تشريع، فالقانون يجعل نظرية التداخل خاضعة للغرض الذي يتوخاه الجاني من الجريمة, أما الشريعة فتجعل نظرية التداخل خاضعة للغرض الذي توخاه الشارع من التشريع, وهكذا نجد القانون الوضعي مضطرب المنطق متناقص الاتجاهات بينما نجد الشريعة سليمة المنطق موحدة الاتجاهات.

(2/321)


ومن أوجه الخلاف بين الشريعة والقوانين الوضعية في هذا الباب أن القوانين جعلت حدا أعلى للعقوبات لا يصح أن تتعداه بحال مهما تعددت, ولم تضع الشريعة مثل هذه القاعدة, والضرورة وحدها هي التي أوجدت هذه القيد في القوانين الوضعية؛ لأن العقوبة الأساسية في القوانين هي الحبس بأنواعه المختلفة؛ من حبس بسيط إلى حبس مع الشغل إلى سجن إلى أشغال شاقة مؤقتة ومؤبدة, فلو لم يوضع حد أعلى لمدة العقوبة في حالة التعدد لاستحالت العقوبات المؤقتة عند التعدد إلى عقوبات مؤبدة وانتهى عمر المحكوم عليه قبل أن تنتهي العقوبة, أما في الشريعة الإسلامية فالعقوبات الأساسية هي القطع والجلد وهي عقوبات مؤقتة بطبيعتها ومهما تعددت فلن تستحيل إلى عقوبات أبدية, ومن ثم لم يكن هناك ما يدعو لوضع حد أعلى للعقوبات عند التعدد.

(2/322)


وإذا كانت الشريعة قد قررت عقوبة الحبس المؤقت في بعض الجرائم باعتبارها عقوبة تعزيرية فإنها مع هذا لم تكن في حاجة لوضع حد أقصى لعقوبة الحبس بعد أن قررت نظرية التداخل, إذ المجرم يتخصص عادة في ارتكاب جرائمه فلا يرتكب إلا جريمة واحدة أو جرائم متماثلة, فإذا ارتكب جريمة واحدة عدة مرات فهو لا يعاقب عنها إلا عقوبة واحدة طبقا لنظرية التداخل, وإذا ارتكب جرائم متماثلة فلا يمكن أن تزيد هذه الجرائم على ثلاث أو أربع, فإذا عوقب عن كل واحدة منها بعقوبة خاصة فإن هذه العقوبات لا يشترط أن تكون جميعا الحبس, وإذا فرض أنه حكم فيها بالحبس فإن مجموع العقوبات لن يصل إلى حد غير معقول, خصوصا إذا راعينا أن بعض الفقهاء يرون أن لا يصل الحد الأعلى لعقوبة الحبس إلى سنة كاملة, أو أن أولي الأمر يجعلون الحد الأعلى لعقوبة الحبس ثلاث سنوات غالبا, وفضلا عن هذا فإن القاعدة الثانية من نظرية التداخل تعمل غالبا في هذه الحالة فتنزل بالعقوبة؛ لأن الجرائم المتماثلة توضع عقوباتها غالبا لحماية هدف واحد, وإذا كانت العقوبات موضوعة لغرض واحد تداخلت عقوبات الجرائم المتعددة.

(2/323)


وإذا كانت الشريعة تتفق مع القانون في تقرير نظرية الجب فإنهما يختلفان في مدى تطبيقها. ففي الشريعة لا تطبق نظرية الجب إلا إذا اجتمعت عقوبة القتل مع عقوبات أخرى على التفصيل الذي سبق ذكره, أما في القانون فتطبق نظرية الجب في هذه الحالة وفي حالة اجتماع عقوبة الأشغال الشاقة مع عقوبة أخرى مقيدة للحرية حيث تجب عقوبة الأشغال الشاقة بمقدار مدتها كل عقوبة أخرى مقيدة للحرية, ولم تكن الشريعة في حاجة لتقرير هذه الحالة الخطيرة؛ لأن عقوبة الحبس كما قلنا ليست عقوبة أساسية في الشريعة من ناحية, ولأن مددها قصيرة من ناحية أخرى, ولأنه لا يمكن من وجه ثالث أن تستحيل إلى عقوبة مؤبدة للأسباب التي بسطناها سابقا, ولأن الشريعة فضلا عن ذلك كله لم تنوع الحبس أنواعا متعددة مختلفة؛ فالحبس فيها كله من نوع واحد ودرجة واحدة ما دام محدد المدة.
وإذا كانت الشريعة قد قررت نظرية الحبس غير المحدد المدة فإنها قد أخذت بها على إطلاقها وعلقت إخلاء سبيل المحكوم عليه على انصلاح حاله وتوبته توبة نصوحا, فلم يكن هناك داع لتحديد مدة قصوى للحبس؛ لأن الإفراج يتم بالتوبة وصلاح حال المحكوم عليه لا بمضي مدة معينة عليه في الحبس, ويستوي بعد ذلك أن يتوب فيخلى سبيله أو يظل في محبسه حتى يموت؛ لأن الغرض من حبسه هو كف شره عن الجماعة فإذا انكف شره بالتوبة أخلي سبيله, وإذا لم يتب فالمحبس يكف شره حتى يأتيه الموت.
* * *

الباب الرابع
استيفاء العقوبات

(2/324)


512 - من له حق الاستيفاء: الأصل في الشريعة أن الجرائم تنقسم من حيث استيفاء عقوباتها إلى ثلاثة أقسام: جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، وجرائم التعازير، وأن من نسب إليه أية جريمة من هذه الأنواع حوكم عليها، فإن ثبت عليه أنه أتاها حكم عليه بالعقوبة المقررة لها، وإن لم يثبت عليه إتيانها حكم ببراءته مما نسب إليه، فإذا حكم عليه بالعقوبة استوفاها ولي الأمر إن كانت الجريمة من جرائم الحدود أو التعازير، أما إن كانت من جرائم القصاص فيجوز للمجني عليه أو وليه استيفاء عقوبة القصاص إذا توفرت شروط معينة. وفيما يلي تفصيل ذلك كله.
513 - الاستيفاء في جرائم الحدود: من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحد - أي العقوبات المقررة لجرائم الحدود - إلا الإمام أو نائبه؛ لأن الحد حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام، ولأن الحد يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب، فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه.
وحضور الإمام ليس شرطا في إقامة الحد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير حضوره لازما فقال: “اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها”، وأمر عليه السلام برجم ماعز ولم يحضر الرجم، وأتي بسارق فقال: “اذهبوا به فاقطعوه”((1)).
لكن إذن الإمام بإقامة الحد واجب، فما أقيم حد في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بإذنه، وما أقيم حد في عهد الخلفاء إلا بإذنهم، ومما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا قوله: “أربع إلى الولاة: الحدود، والصدقات، والجمعات، والفيء”((2)).
__________
(1) الشرح الكبير ج10 ص121.
(2) المهذب ج2 ص287، شرح فتح القدير ج4 ص130.

(2/325)


وإذا كانت القاعدة العامة أن إقامة الحد للإمام أو نائبه، إلا أنه لو أقامه غيره من الأفراد فإن مقيمه لا يسأل عن إقامته إذا كان الحد متلفا للنفس أو للطرف((1))؛ أي إذا كان الحد قتلا أو قطعا، وإنما يسأل باعتباره مفتاتا على السلطات العامة. أما إذا كان الحد غير متلف كالجلد في الزنا والقذف فإن مقيمه يسأل عن إقامته؛ أي أنه يسأل عن الضرب والجرح وما يتخلف عنهما. والفرق بين هاتين الحالتين أن الحد المتلف للنفس أو الطرف يزيل عصمة النفس وعصمة الطرف، وزوال العصمة عن النفس يبيح القتل، وزوال العصمة عن الطرف يبيح القطع، فيصير قتل النفس أو قطع العضو مباحا ولا جريمة فيما هو مباح. أما الحد غير المتلف فلا يزيل عصمة النفس ولا عصمة الطرف قيبقى معصوما من يرتكب جريمة عقوبتها حد غير متلف، وتعتبر إقامة الحد عليه جريمة ما لم تكن الإقامة ممن يملك تنفيذ العقوبة.
514 - الاستيفاء في جرائم التعازير: واستيفاء العقوبات المحكوم بها في جرائم التعازير من حق ولي الأمر أو نائبه أيضا؛ لأن العقوبة شرعت لحماية الجماعة فهي من حقها فيترك استيفاؤها لنائب الجماعة، ولأن التعزير كالحد يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف.
وليس لأحد غير الإمام أو نائبه إقامة عقوبة التعزير ولو كانت متلفة للنفس، فإن قتل أحد الأفراد شخصا محكوما عليه بالقتل تعزيرا فهو قاتل له ولو أن عقوبة القتل متلفة للنفس، والفرق بين عقوبة الحد المتلفة للنفس وعقوبة التعزير المتلفة للنفس أن عقوبة الحد لا يجوز العفو عنها وإسقاطها ولا تأخير تنفيذها؛ فهي عقوبة محتمة لا بد منها، أما عقوبة التعزير المتلفة فلولي الأمر العفو عنها، ولهذا فهي عقوبة غير لازمة لا تهدر عصمة المحكوم عليه، إذ من الجائز أن يصدر عنها عفو في اللحظة الأخيرة.
__________
(1) الإقناع ج4 ص245.

(2/326)


515 - الاستيفاء في جرائم القصاص: والأصل أن عقوبات جرائم القصاص كغيرها من العقوبات متروك إقامتها لأولي الأمر، لكن أجيز استثناء أن يستوفى القصاص بمعرفة ولي الدم أو المجني عليه، والأصل في ذلك قوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33].
ومن المتفق عليه أن لولي المجني عليه حق استيفاء القصاص في القتل بشرط أن يكون الاستيفاء تحت إشراف السلطان؛ لأنه أمر يفتقر إلى الاجتهاد ويحرم فيه الحيف، ولأنه لا يؤمن الحيف من المقتص مع قصد التشفي، لكن إذا استوفاه في غير حضور السلطان وقع الموقع؛ أي وقع الفعل قصاصا، وعزر المستوفي لافتياته على السلطان وفعله ما منع من فعله.
وينظر السلطان في الولي؛ فإن كان يحسن الاستيفاء ويقدر عليه بالقوة والمعرفة اللازمة مكنه منه، وإن كان لا يحسن الاستيفاء أمره أن يوكل غيره؛ لأنه عاجز عن استيفاء حقه.
وليس ثمة ما يمنع أن يعين خبير لاستيفاء الحدود والقصاص يأخذ أجره من بيت المال؛ لأن هذا العمل من المصالح العامة، فإذا كان الولي لا يحسن القصاص وكل هذا الخبير.
فإذا كان القصاص فيما دون النفس - أي فيما ليس قتلا - فيرى أبو حنيفة أن للمجني عليه الحق في استيفاء العقوبة بنفسه إن كان خبيرا يحسن الاستيفاء، فإن لم يكن يحسنه وكل عنه من يحسنه. وما يراه أبو حنيفة هو وجه في مذهب أحمد((1)).
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص246، الشرح الكبير ج9 ص398، 399.

(2/327)


ويرى مالك والشافعي ورأيهما وجه في مذهب أحمد أن المجني عليه ليس له أن يستوفي عقوبة القصاص فيما دون النفس بأي حال سواء كان يحسن القصاص أو لا يحسنه؛ لأنه لا يؤمن مع قصد التشفي أن يحيف على المجني عليه أو يجني عليه بما لا يمكن تلافيه، وإنما يتولى القصاص فيما دون النفس من يحسنه من الخبراء، وعلى هذا يصح أن يكون المستوفي موظفا لهذا الغرض((1)).
516 - كيفية استيفاء القصاص في النفس: لا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف عند أبي حنيفة ورواية عن أحمد، سواء كان الجاني قتل بسيف أم بغير سيف، وسواء كان القتل نتيجة لحز الرقبة أم لسراية جرح أو نتيجة الخنق أو التغريق أو التحريق أو غير ذلك، وحجة القائلين بهذا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: “لا قود إلا بالسيف”، والقود هو القصاص، فمعنى الحديث منع استيفاء القصاص بغير السيف.
وإذا كان الموت نتيجة قطع اتصلت به السراية فالقود بالسيف؛ لأنه تبين أن فعل الجاني وقع قتلا من وقت وجوده فلا يقتص منه إلا بالقتل؛ لأنه لو قطع عضوا من الجاني ليحقق التماثل ثم عاد فحز الرقبة إذا لم يمت من القطع كان ذلك جمعا بين القطع والحز، ولم يكن مجازاة بالمثل، ولا يعتبر حز الرقبة متمما للقطع؛ لأن المتمم للشيء يكون من توابعه والحز قتل وهو أقوى من القطع فليس من توابعه. كذلك فإن القصاص في النفس مقصود منه إتلاف النفس فإذا أمكن هذا بضرب العنق فلا يجوز إتلاف أطرافه؛ لأن إتلافها يعتبر تعذيبا وليس استيفاء.
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص253- 254، المهذب ج2 ص197، الشرح الكبير ج9 ص399.

(2/328)


وإذا أراد الولي أن يقتل بغير السيف لا يمكن من ذلك، وإذا فعله عزر لافتياته، إلا أنه يعتبر مستوفيا لحقه من القصاص بأي طريق قتله سواء قتله بالعصا أو الحجر أو ألقاه من سطح أو رداه في بئر ونحو ذلك؛ لأن القتل حقه فإذا قتله استوفى حقه، إلا أنه يفتات إذا استوفاه بغير السيف؛ لأنه يستوفيه بطريق غير مشروع فيعزر على هذا الافتيات((1)).
وعند مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد((2)) أن القاتل أهل لأن يفعل به كما فعل؛ فإذا قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف، لقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194].
فإن حرقه أو غرقه أو رماه بحجر أو رماه من شاهق أو ضربه بخشبة أو حبس عنه الطعام أو الشراب فمات، فللولي أن يقتص منه بمثل ذلك، لقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126]، ولأن القصاص قائم على المماثلة والمماثلة ممكنة فجاز أن يستوفي بها القصاص.
وللولي أن يقتص بالسيف في هذه الأحوال؛ لأنه قد وجب له القتل والتعذيب، فإذا عدل إلى السيف فقد ترك بعض حقه وهو جائز له.
وإن كان القتل بما هو محرم لنفسه كاللواط وسقي الخمر فالرأي الراجح أن يكون القصاص بالسيف.
__________
(1) بدائع الصنائع ج7 ص246، الشرح الكبير ج9 ص400 وما بعدها.
(2) مواهب الجليل ج6 ص256، المهذب ج2 ص199، الشرح الكبير ج9 ص400.

(2/329)


517 - ما يشترط في آلة القصاص: وإذا أراد الولي أن يستوفي بنفسه فلا يكفي أن يكون خبيرا بالقصاص، بل يجب أن يستعمل فيه أداة صالحة له لا كالة مثلا ولا مسممة لئلا يعذب المقتص منه، فإن فعل ذلك وجب عليه التعزير؛ لأن من شروط القصاص أن لا يعذب الجاني وأن تزهق روحه بأيسر ما يمكن((1))، تحقيقا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته”.
518 - هل يجوز الاستيفاء بما هو أسرع من السيف؟: الأصل في اختيار السيف أداة للقصاص أنه أسرع في القتل وأنه يزهق روح الجاني بأيسر ما يمكن من الألم والعذاب، فإذا وجدت أداة أخرى أسرع من السيف وأقل إيلاما فلا مانع شرعا من استعمالها، “فلا مانع شرعا من استيفاء القصاص بالمقصلة والكرسي الكهربائي وغيرهما مما يفضي إلى الموت بسهولة وإسراع ولا يتخلف الموت عنه عادة ولا يترتب عليه تمثيل بالقاتل ولا مضاعفة تعذيبه، أما المقصلة فلأنها من قبيل السلاح المحدد، وأما الكرسي الكهربائي فلأنه لا يتخلف الموت عنه عادة مع زيادة السرعة وعدم التمثيل بالقاتل دون أن يترتب عليه مضاعفة التعذيب”((2)).
__________
(1) المهذب ج2 ص198، الشرح الكبير ج9 ص397.
(2) من فتوى لجنة الفتوى بالأزهر. راجع القصاص ص208.

(2/330)


519 - هل يجوز للسلطان أن يستأثر اليوم باستيفاء القصاص؟: الرأي الراجح عند الفقهاء هو أن لا يترك للمجني عليه أو وليه أن يستوفي حق القصاص فيما دون النفس؛ لأن هذا النوع من القصاص يقتضي خبرة ودقة في المقتص ولا يؤمن فيه الحيف والتعذيب لو ترك للمجني عليه أو وليه((1))، أما القصاص في النفس فقد ترك للولي استيفاؤه بشرط أن يحسنه وأن يستوفيه بآلة صالحة، فإذا لم يكن يحسنه وكل في الاستيفاء من يحسنه، فحق الولي في الاستيفاء مقيد بإحسان الاستيفاء وباستعمال الآلة الصالحة.
ولقد كان الناس قديما يحملون السلاح ويحسنون استعماله غالبا، أما اليوم فقل فيهم من يحسن استعمال السيف بصفة خاصة، وقل من يوجد لديه سيف صالح للاستعمال.
وإذا أضيف إلى هذا أن وسيلة الشنق والمقصلة والكرسي الكهربائي أسرع بالموت من السيف كما هو ثابت من التجربة، وأن المشنقة والمقصلة وما أشبه لا يمكن أن يحصل عليها الأفراد ولا يصلحون لاستعمالها وأنها في حيازة الدولة، إذا روعي هذا جميعه أمكن القول أن الضرورات اليوم تقضي بمنع ولي المجني عليه من استيفاء حقه على الطريقة القديمة وبترك الاستيفاء لمن تخصصهم الدولة لهذا الغرض من الخبراء، وللأولياء أن يأذنوا لهم بالتنفيذ إذا شاءوا القصاص وأن لا يأذنوا إذا رأوا العفو.
520 - استيفاء العقوبات عند التعدد: تخالف الشريعة القوانين الوضعية في طريقة استيفاء العقوبات عند التعدد، ويرجع هذا الاختلاف قبل كل شئ إلى طبيعة العقوبات في كل.
وإذا أخذنا القانون المصري مثلا على القوانين الوضعية الحديثة فإنه يقضي بأن تنفذ العقوبات عند التعدد على حسب درجة جسامتها، فتنفذ الأشغال الشاقة أولا، ثم ينفذ السجن ثانيا، ثم الحبس مع الشغل، ثم الحبس البسيط (مادة 34 عقوبات).
__________
(1) المغني ج9 ص412، المهذب ج2 ص197، مواهب الجليل ج6 ص253.

(2/331)


ولا يراعي في الترتيب صدور العقوبات. فإذا حكم على إنسان بالأشغال الشاقة أثناء تنفيذ عقوبة السجن أو الحبس عليه أوقف تنفيذ عقوبة السجن أو الحبس وبدئ في تنفيذ عقوبة الأشغال الشاقة.
وتنفذ العقوبات في القانون المصري على التوالي، فإذا انتهت إحداها نفذت الأخرى، ولا يوقف تنفيذها أو يعطله أي اعتبار متعلق بالمحكوم عليه، فتنفذ سواء كان المحكوم عليه مريضا أو صحيحا، سقيما أو قويا.
وقد أوحت طبيعة العقوبات القانونية بهذا النظام، فهي عقوبات يستغرق تنفيذها زمنا طويلا، فكان لا بد من ترتيب تنفيذها على هذا الوجه ما دامت عقوبة الأشغال الشاقة تجب بمقدار مدتها كل عقوبة أخرى مقيدة للحرية محكوم بها عن جريمة وقعت قبل الحكم بالأشغال الشاقة، وما دام من المحتمل أن يصدر على المحكوم عليه حكم آخر بالأشغال الشاقة أثناء التنفيذ.
أما النظام المتبع في الشريعة الإسلامية في حالة تعدد العقوبات فهو مختلف، ولكل مذهب من المذاهب الفقهية رأيه في هذه المسألة.
فمالك يرى في حالة تعدد العقوبات أن يبدأ في التنفيذ بما هو لله؛ أي بما يمس حقوق الجماعة، ثم يقام بعد ذلك ما هو للناس؛ أي ما يمس حقوق الأفراد، وحجة مالك في هذا أن ما لله لا عفو فيه وما للآدميين قد يعفى عنه، فمن مصلحة المحكوم عليه تأخير ما يمس حقوق الأفراد.
ويستوي عند مالك بعد ذلك البدء بالعقوبة الخفيفة والبدء بالعقوبة الأشد، ويرى أن يترك لولي الأمر البدء بأيهما.
ويرى أبو حنيفة وأحمد تقديم ما يمس حقوق الأفراد على ما يمس حقوق الجماعة، على أن يبدأ فيما يمس حقوق الأفراد بالأخف فالأخف، ثم ينفذ بعد ذلك ما يمس حقوق الجماعة على أن يبدأ فيه ما يجب غيره.
ويرى الشافعي أن تنفذ العقوبات كلها بحسب خفتها، فيقدم الأخف على الخفيف، ويقدم ما يمس حقوق الآدميين على ما يمس حقوق الجماعة، وهكذا حتى تنفذ العقوبات كلها، لأنه لا يعترف بالجب.

(2/332)


ورأي فقهاء الشريعة في تقديم الأخف على الأشد رأي يخالف ما جاء به القانون المصري، ولكن يتفق مع طبيعة العقوبات الشرعية، فالعقوبات الأساسية في الشريعة هي القطع والجلد والقصاص، وهي عقوبات بدنية فاستيفاؤها يوجب البدء بأخفها حفظا لسلامة المحكوم عليه واستبقاء لقوة احتماله ومقاومته، ولا يقدم الأشد على الأخف إلا إذا كان الأشد يجب الأخف. وفي هذا تتفق الشريعة مع القانون.
521 - التنفيذ على المريض والضعيف والسكران: وفقهاء الشريعة متفقون على وجوب تأخير تنفيذ عقوبة القصاص وعقوبات الحدود وما يماثلها من عقوبات التعازير إذا كان المحكوم عليه مريضا، أو كان الوقت لا يناسب تنفيذ العقوبة كأن كان بردا شديدا أو حرا شديدا، ولا يستثنون من ذلك إلا عقوبة القتل؛ لأنها عقوبة مهلكة؛ أي أن المقصود منها إهلاك المحكوم عليه، أما العقوبات الأخرى التي لا يقصد منها إهلاك المحكوم عليه فلا يصح أن تنفذ في ظروف تؤدي إلى الهلكة.
ويرى بعض الفقهاء أن يؤخر تنفيذ الحد على الضعيف حتى يقوى، ولكن البعض الآخر لا يرى تأخير التنفيذ ويفضل أن ينفذ الحد بقدر الإمكان بحيث لا يضار المحكوم عليه بضعفه، فإن كانت العقوبة الجلد مثلا جلد مرة أو مرتين بسوط متعدد الفروع أو بعثكال له شماريخ بعدد الأسواط أو نصفها.
ويرى الفقهاء أن لا تنفذ العقوبة على السكران حتى يصحو من سكره((1)).
522 - التنفيذ على الحامل: عرفت الشريعة من يوم وجودها مبدأ عدم التنفيذ على الحامل، وحديث الغامدية قاطع في ذلك، فقد جاءت الرسول تعترف بالزنا وهي حامل فقال لها عليه الصلاة والسلام: “اذهبي حتى تضعي حملك”، ومثله حديث معاذ: “إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها”، والتنفيذ الممنوع على الحامل هو الذي يضر بالحمل وهو تنفيذ القود والرجم والجلد.
والفقهاء مجمعون على هذا المبدأ ولكنهم مختلفون بعض الشئ في مدى تطبيقه.
__________
(1) شرح فتح القدير ج3 ص185.

(2/333)


فيرى الشافعي أن لا ينفذ على المرأة إذا ذكرت حملا أو ريبة من حمل حتى تضع حملها أو يتبين أنها غير حامل ثم ينفذ عليها بعد الوضع، وإن لم يكن لولدها مرضع فيفضل الشافعي تركها أياما حتى تجد لولدها مرضعا في حالة القتل.
ويرى أبو حنيفة فوق ما سبق أن لا ينفذ على الحامل حتى تشفى من النفاس ولو كانت العقوبة جلدا.
ويرى مالك أن لا ينفذ على الحامل حتى تضع، ويعتبر النفاس مرضا يوجب تأخير الجلد حتى ينتهي، وإن وجد لطفلها مرضع نفذ عليها القتل، وإن لم يصيبوا لطفلها من يرضعه لم يعجل عليها بالقتل.
ويرى أحمد أنه إذا وجب القود أو الرجم على حامل أو حملت بعد وجوبه لم تقتل حتى تضع وتسقيه اللبن، ثم إن وجد له مرضعة راتبة قتلت، ويستحب لولي القتل تأخيره للفطام، وإن لم يكن له من يرضعه تركت حتى ترضعه حولين ثم تفطمه، كما يرى تأخير الجلد حتى تضع الحمل.
523 - التنفيذ على المجنون: سبق أن تكلمنا على هذا الموضوع بمناسبة الكلام على مسئولية المجنون، فليس ما يدعو لإعادة الكلام عن هذا الموضوع، ويكفي فيه مراجعة ما سبق((1)).
524 - علنية التنفيذ: الأصل في الشريعة أن يكون التنفيذ علنيا لقوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2]؛ ولأن السنة جرت بهذا، ويستوي في ذلك القتل وغير القتل، وتتفق الشريعة في هذا مع كثير من القوانين الوضعية.
ولقد كان القانون المصري يوجب العلانية في تنفيذ عقوبة الإعدام أخذا عن القوانين الأوروبية، ثم عدل عن اشتراط العلانية، ولكن فرنسا لا تزال متمسكة بالعلانية.
وتنفذ عقوبة القتل في الشريعة بالرجم إذا كانت عقوبة زان محصن، وتنفذ بقطع الرقبة إن لم تكن عقوبة زنا، على الرأي الراجح بين الفقهاء.
__________
(1) راجع الفقرة 428.

(2/334)


والفقهاء مجمعون على أن يتم التنفيذ دون تعذيب أو تمثيل، فأداة القتل يجب أن تكون قاطعة، والجلاد يجب أن يكون خبيرا بعمله، والتنفيذ يجب أن يتم بطريقة واحدة لجميع الناس مهما اختلفت مراتبهم وجرائمهم.
ولقد جاءت الشريعة بهذه المبادئ من يوم وجودها، ولكن القوانين الوضعية لم تعرفها إلا أخيرا، فقد كانت عقوبة القتل في القوانين الوضعية على درجات كعقوبة الحبس، وكان يصحبها أنواع مختلفة من التعذيب تختلف بحسب نوع الجريمة، فقاتل والده مثلا كانت تقطع يده قبل القتل، وكان التنفيذ يختلف بحسب درجة الأشخاص، فالشريف يعدم بقطع رقبته بالسيف، والعامي يعدم شنقا.
ولما جاءت الثورة الفرنسية تغيرت هذه الأوضاع وصدر قانون في فرنسا يسوي بين المحكوم عليهم في التنفيذ ويجعل عقوبة القتل بإزهاق الروح فقط، وانتشر هذا المبدأ من فرنسا إلى غيرها من البلاد. ثم بدأت الأمم بعد ذلك تبحث عن الطريقة المثلى لإزهاق الروح دون تعذيب.
فالمشرع الفرنسي اهتدى إلى طريقة قطع الرأس، والمصري والإنجليزي إلى طريقة الشنق، وفي إيطاليا يطلق الرصاص على المحكوم عليه بالقتل، وفي بعض الولايات المتحدة الأمريكية يصعق المحكوم عليه بالكهرباء.
وتقضي الشريعة أن تسلم جثة القتيل لأهله بعد التنفيذ ليدفنوه كما يشاءون، لقوله عليه الصلاة والسلام: “افعلوا به كما تفعلون بموتاكم”، فيصح إذن أن يدفن القتيل باحتفال كما يدفن غيره، ولكن لولي الأمر إن شاء أن يمنع الاحتفال إن رأى أنه يؤدي إلى المساس بالأمن والنظام.
والقانون المصري يقضي بتسليم الجثة لورثة القتيل على أن يكون الدفن بغير احتفال (المادة 262 من قانون تحقيق الجنايات). كذلك يوجب القانون المصري إيقاف تنفيذ حكم القتل على الحامل إذا ظهرت أنها حبلى ولا ينفذ عليها إلا بعد الوضع (المادة 263 من قانون تحقيق الجنايات المصري).
* * *

الباب الخامس
العود

(2/335)


525 - ماهية العود: يطلق العود اليوم في اصطلاحنا القانوني على حالة الشخص الذي يرتكب جريمة بعد أخرى حكم فيها نهائيا، أي أن العود ينشأ عن تكرار وقوع الجرائم من شخص واحد بعد الحكم نهائيا عليه في إحداها أو بعضها.
ويتميز العود عن تعدد الجرائم بأن المجرم في حالة التعدد يرتكب جريمته الأخيرة قبل أن يصدر عليه حكم في جريمة سابقة عليها، أما في العود فيكون المجرم حين ارتكب جريمته الأخيرة قد صدر عليه حكم أو أكثر.
وعود المجرم للإجرام بعد الحكم عليه دليل على أن المجرم يصر على الإجرام، وعلى أن العقوبة الأولى لم تردعه، ومن ثم فقد كان من المعقول أن يتجه التفكير إلى تشديد العقوبة على العائد، ولقد كانت فكرة التشديد تلقى فيما مضى مقاومة من بعض شراح القوانين الوضعية، أما اليوم فليس ثمة من ينازع في مشروعية العقاب على العود.
وشراح القوانين وإن كانوا يسلمون بالعقوبة على العود، إلا أنهم اختلفوا في تقرير المبادئ التي يقوم عليها العود، فالبعض يرى أن يكون العود خاصا، بمعنى أن لا يعتبر المجرم عائدا إلا إذا كانت الجريمة الثانية من نوع الجريمة الأولى أو مماثلة لها، فإن لم تكن الجريمة الثانية كذلك فلا يعتبر المجرم عائدا.
ويرى البعض أن يكون العود عاما بحيث يعتبر المجرم عائدا إذا ارتكب جريمته الثانية، سواء كانت من نوع الأولى أو من نوع آخر مماثلة لها أو غير مماثلة.
كذلك اختلف الشراح في مدة العود، فرأى البعض أن يكون العود مؤبدا بحيث يعتبر المجرم عائدا مهما مضى من الزمن على جريمته الأولى، ورأى البعض أن يكون العود مؤقتا بمعنى أنه إذا مضى وقت معين على الجريمة الأولى فلا يعتبر المجرم عائدا إذا ارتكب جريمته الثانية.

(2/336)


وقد أخذ قانون العقوبات المصري بهذه المبادئ جميعا؛ فأخذ بمبدأ العود العام في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 49 من قانون العقوبات, وأخذ بمبدأ العود الخاص في الفقرة الثالثة من هذه المادة, وأخذ بنظام العود المؤبد في الفقرة الأولى من نفس المادة, وبنظام العود المؤقت في الفقرتين الثانية والثالثة من هذه المادة، مراعيا في كل ذلك نوع العقوبة ومدتها ونوع الجريمة.
وإذا تكرر من المجرم ارتكاب الجرائم فلا يعتبره شراح القوانين الوضعية مجرد عائد بل يعتبرونه مجرما معتادا على الإجرام وعدوا خطرا للجماعة يجب استئصاله منها أو إبعاده عنها, وقد طبق القانون المصري هذه النظرية تطبيقا محدودا فجعل عقوبة معتاد الإجرام الإرسال لمحل تعينه الحكومة “إصلاحية الرجال” إلى أن يأمر وزير العدل الإفراج عنه بشرط أن لا يزيد مدة بقاء المجرم في المحل الخاص عن ست سنوات أو عشر بحسب الأحوال (المادتان 52, 53 عقوبات).
وفي إيطاليا يقضي قانون العقوبات الصادر في سنة 1930 بوضع معتادي الإجرام ومحترفيه في محل زراعي أو صناعي لمدة لا تقل عن سنتين للمعتادين وثلاث للمحترفين.
وفي فرنسا ينص القانون الصادر في 27/ 5/ 1885 على نفي معتادي الإجرام إلى إحدى المستعمرات.
وهكذا طبقت القوانين الوضعية النظرية تطبيقا محدودا ولم تأخذ بها على إطلاقها.
هذه هي القواعد العامة التي يقوم عليها العود في القوانين الوضعية الحديثة, ويلاحظ أن القوانين الوضعية لم تعرف قواعد العود إلا أخيرا, وأن المبادئ التي وضعتها للعود والاعتياد على الإجرام تعتبر من أحدث المبادئ في هذه القوانين.

(2/337)


526 - الشريعة والعود: وقد يدهش القارئ أن يعلم أن هذه المبادئ المستحدثة في القوانين الوضعية هي نفس المبادئ التي وضعتها الشريعة الإسلامية للعود ولمعتادي الإجرام من ثلاثة عشر قرنا, بل قد يدهشه أن يعلم أن القوانين الوضعية على حداثتها لم تطبق بعد المبادئ الشرعية على إطلاقها.
ومن المتفق عليه في الشريعة أن يعاقب المجرم بالعقوبة المقررة للجريمة, فإن عاد لها أمكن تشديد العقوبة, فإن اعتاد الإجرام استؤصل من الجماعة بقتله أو بكف شره عنها بتخليده في الحبس, واختيار إحدى العقوبتين متروك لولي الأمر بحسب ما يراه من ظروف الجريمة وأثرها على الجماعة.
ومن الأمثلة على ذلك اللواطة لغير المحصن فالفاعل والمفعول به يعاقب كلاهما بالعقوبة المقررة للجريمة, فإن اعتاد الجريمة ولم تردعه العقوبة قتل لشناعة جريمته ولما تؤدي إليه من التقاليد وإفساد الأخلاق والتخنث. والسارق إذا اعتاد السرقة يعاقب على الاعتياد بتخليده في الحبس حتى يموت أو تظهر توبته.
وقد أقرت الشريعة مبدأ العود على لإطلاقه, ولم يفرق الفقهاء بين العود العام والعود الخاص, كما أنهم لم يفرقوا بين العود الأبدي والعود المؤقت, ومن ثم يجوز أن يكون العود عاما وخاصا وأبديا ومؤقتا, والأمر في ذلك متروك لولي الأمر يضع من القواعد ما يراه محققا للمصلحة العامة.
هذه هي قواعد العود في الشريعة, وتلك قواعد العود في القوانين الوضعية, ولا فرق بينهما إلا أن الشريعة لم تطبق منذ زمن طويل فجهل الناس كل شئ عنها, أما القوانين الوضعية فتطبق باستمرار ويعرفها أكثر الناس معرفة جيدة.

(2/338)


وقد يكفي الشريعة امتيازا أن قواعدها التي وضعت منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا تتفق تمام الاتفاق مع أحدث ما وصلت إليه القوانين الوضعية, ولكن الشريعة في الواقع تمتاز على القوانين الوضعية بأنها تعاقب معتادي الإجرام ومحترفيه فيه بالقتل وبالتخليد في السجن, وهما العقوبتان اللتان تصبو إليهما بصفة عامة نفوس شراح القوانين الوضعية, وعلى الأخص أصحاب نظريتي تدابير الأمن mesure de suete وغرق الاستئصال procede d’ elemination, فهؤلاء يرون أن يستأصل معتاد الإجرام من الجماعة, أو أن يحبس حبسا غير محدد المدة بحيث يكف شره عن الجماعة, ولكن القوانين الوضعية لم تأخذ بهذه الآراء على إطراقها, واكتفت بالأخذ بنظرية الحبس غير المحدد المدة بعد أن وضعت على هذه النظرية من القيود ما يجعل الحبس في النهاية حبسا محدد المدة, كما بينا في الأمثلة التي ذكرناها عن القوانين المصري والإيطالي والفرنسي.
وهكذا يتبين أن الشريعة الإسلامية قد سبقت القوانين الوضعية في تنظيم العود وتقرير قواعده, ولا يزال سابقة لهذه القوانين فيما يختص بتقرير تدابير الأمن وطرق الاستئصال وتطبيقها على الوجه الذي ينادي به شراح القوانين أنفسهم.
* * *

الباب السادس
سقوط العقوبة
527 - أسباب سقوط العقوبة: تسقط العقوبات في الشريعة بأسباب مختلفة, ولكن ليس في هذه الأسباب ما يعتبر سببا عاما مسقطا لكل عقوبة إنما تتفاوت الأسباب في أثرها على العقوبات, فبعضها يسقط معظم العقوبات, وبعضها مسقط لأقلها, وبعضها خاص بعقوبات دون الأخرى.
والأسباب المسقطة للعقوبات هي:
(1) موت الجاني (2) فوات محل القصاص (3) توبه الجاني.
(4) الصلح (5) العفو (6) إرث القصاص؟.
(7) التقادم.
528 - موت الجاني: تسقط العقوبات بموت الجاني إذا كانت بدينة أو متعلقة بشخص الجاني؛ لأن محل العقوبة هو الجاني ولا يتصور تنفيذها بعد انعدام محلها.

(2/339)


أما إذا كانت العقوبة مالية كالدية والغرامة والمصادرة فلا تسقط بموت الجاني؛ لأن محل العقوبة مال الجاني لا شخصه ومن الممكن تنفيذ العقوبة على مال الجاني بعد موته.
وقد اختلف الفقهاء فيما إذا كان سقوط عقوبة القصاص بموت الجاني يوجب الدية في ماله أو لا يوجبها, فرأى مالك وأبو حنيفة أن انعدام محل القصاص يترتب عليه سقوط عقوبة القصاص ولا يترتب عليه وجوب الدية في مال القاتل؛ لأن القصاص عندهما واجب والدية في رأيهما لا تجب بدلا من القصاص إلا برضاء الجاني, فإذا مات الجاني سقط الواجب وهو القصاص ولم تجب الدية؛ لأن الجاني لم يوجبها على نفسه, ويستوي أن يكون الموت بآفة سماوية أو بيد شخص آخر ما دام الموت بحق, فإذا مات الجاني بمرض أو قتل في قصاص لشخص آخر أو قتل لزنا أو رد’, ففي كل هذه الحالات تسقط عقوبة القصاص ولا تجب الدية بدلا منها.
أما إذا قتل الجاني ظلما فيرى مالك أن القصاص لأولياء المقتول الأول, فمن قتل رجلا فعدا عليه أجنبي فقتله عمدا فدمه لأولياء المقتول الأول, ويقال لأولياء المقتول الثاني: ارضوا أولياء المقتول الأول وشأنكم بقاتل وليكم في القتل أو العفو, فإن لم يرضوهم فلأولياء المقتول الأول قتله أو العفو عنه, ولهم ذلك إن لم يرضوا بما بذلوا لهم من الدية أو أكثر منها, وإن قتل خطأ فديته لأولياء المقتول الأول((1)).
ويسوي أبو حنيفة بين الموت بحق والموت بغير حق فكلاهما يسقط حق القصاص سقوطا مطلقا ولا يوجب الدية في مال الجاني ولا في مال غيره إذا جنى عليه((2)).
__________
(1) مواهب الجليل ج7 ص231.
(2) بدائع الصنائع ج7 ص246.

(2/340)


ويرى الشافعي وأحمد أن فوات محل القصاص يسقط عقوبة القصاص في كل الأحوال سواء كان الموت بحق أو بغير حق, ولكنه يؤدي إلى وجوب الدية في مال الجاني؛ لأن الواجب بالقتل عندهما أحد شيئين غير عين القصاص والدية, فإذا تعذر أحدهما لفوات محله وجب الآخر, ولأن ما ضمن بسببين على سبيل البدل إذا تعذر أحدهما ثبت الآخر((1)).
ونستطيع أن نتبين مدى الخلاف بين الفقهاء في مثل الآتي: إذا قتل زيد عليا فإن لأولياء على حق القصاص على زيد, فإذا مرض زيد ومات سقط القصاص بموته ولا شئ لأوليائه طبقا لرأي مالك وأبي حنيفة, ولأوليائه الدية في مال زيد طبقا لرأي الشافعي وأحمد. فإذا كان موت زيد راجعا إلى أن خالدا قتله عمدا أو صدمه بسيارته خطأ فقتله فقد سقط حق القصاص ولا شئ لأولياء علي في رأي أبو حنيفة, أما طبقا لرأي مالك فحق القصاص ينتقل إلى خالد ولأولياء علي أن يقتصوا منه في حالة العمد, وليس لأولياء زيد أن يقتصوا من خالد إلا إذا أرضوا أولياء علي, وفي حالة الخطأ يدفع خالد دية زيد لأولياء علي. وطبقا لرأي الشافعي وأحمد يسقط القصاص بموت زيد ويكون لأولياء علي الدية في مال زيد.
529 - فوات محل القصاص: المقصود بالقصاص هنا القصاص فيما دون النفس. ومعنى فوات محل القصاص أن يذهب العضو المحل القصاص مع بقاء الجاني حيا, ففوات محل القصاص سبب مسقط لعقوبة القصاص دون النفس فقط.
والأصل أن محل القصاص فيما دون النفس هو العضو المماثل لمحل الجناية, فإذا فات محل القصاص سقط القصاص؛ لأن محله انعدم ولا يتصور وجود الشيء مع انعدام محله.
__________
(1) المهذب ج2 ص201, الشرح الكبير ج9 ص714.

(2/341)


وإذا سقط القصاص بحق لم يجب للمجني عليه شئ عند مالك, لأن حق المجني عليه في القصاص عيني فإذا سقط القصاص فقد سقط حق المجني عليه, أما إذا فات محل القصاص بظلم فإن حق القصاص ينتقل إلى الظالم, على التفصيل الذي سبق بيانه في حالة موت القاتل((1)).
وأبو حنيفة - وهو من القائلين بأن موجب العمد هو القصاص عينا - يفرق بين ما إذا فات محل القصاص بآفة أو مرض أو ظلما, وبين فواته بحق كتنفيذ عقوبة أو استيفاء قصاص. وفي الحالة الأولى يرى أن المجني عليه لا يجب له شئ بفوات محل القصاص, أما في الحالة الثانية فيرى أن المجني عليه تجب له الدية بدلا من القصاص؛ لأن الجاني قضى بالطرف أو الجارحة التي فاتت حقا مستحقا عليه((2)).
ويرى الشافعي وأحمد أن للمجني عليه إذا ذهب محل القصاص أن يأخذ الدية أيا كان سبب ذهاب محل القصاص, لأن موجب العمد عندهما أحد شيئين غير عين القصاص والدية, فإذا ذهب محل القصاص تعينت الدية موجبا.
530 - توبة الجاني: من المتفق عليه في الشريعة أن التوبة تسقط عقوبة جريمة الحرابة المقررة جزاء على الأفعال التي تمس حقوق الجماعة, وذلك لقوله جل شأنه: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: 34], فالمحارب إذا تاب قبل القدرة عليه سقطت عنه العقوبات المقرة على الأفعال الماسة بحقوق الجماعة, أما العقوبات المقررة على الأفعال الماسة بحقوق الأفراد فلا تسقطها التوبة.
__________
(1) مواهب الجليل ج6 ص213, شرح الدردير ج2 ص213.
(2) بدائع الصنائع ج7 ص246, 298.

(2/342)


وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على أن التوبة تسقط العقوبة المقررة لجريمة الحرابة إذا حدثت التوبة قبل القدرة على المحارب فإنهم قد اختلفوا في أثر التوبة على ما عدا هذه الجريمة, ولهم في ذلك ثلاث نظريات ذكرناها بمناسبة الكلام على العدول عن الجريمة فلا داعي لتكرارها هنا((1)).
531 - الصلح: الصلح سبب من أسباب سقوط العقوبة, ولكنه لا يسقط إلا القصاص والدية أما ما عداهما فلا أثر للصلح عليها.
ولا خلاف بين الفقهاء في أن القصاص يسقط بالصلح, ويصح أن يكون الصلح عن القصاص بأكثر من الدية وبقدرها وبأقل منها.
والأصل في الصلح السنة والإجماع. فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: “من قتل عمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية, وما صولحوا عليه فهو لهم”, وفي عهد معاوية قتل هدبة بن خشرم قتيلا فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبي ذلك وقتله((2)).
ولما كان القصاص ليس مالا جاز الصلح عنه بما يمكن أن يتفق عليه الفريقان؛ لأنه صلح عما لا يجري فيه الربا فأشبه الصلح على العروض, فيصح أن يكون بدل الصلح قليلا أو كثيرا من جنس الدية أو من خلاف جنسها, حالا أو مؤجلا.
أما إذا كان الصلح على الدية وليس على القصاص فإنه لا يجوز أن يكون على أكثر مما تجب فيه الدية؛ لأن ذلك يعتبر ربا، فمثلا لا يصلح الصلح على الدية مقابل مائة وعشرين من الإبل؛ لأن الدية مائة من الإبل فقط؛ ولأن الزيادة ريا.
__________
(1) راجع الفقرة 253.
(2) المغني ج9 ص477.

(2/343)


532 - العفو: العفو سبب من أسباب سقوط العقوبة، وهو إما أن يكون من المجني عليه أو وليه, وإما أن يكون من ولي الأمر, ولكن العفو ليس على أي حال سببا عاما لإسقاط العقوبة, وإنما هو سبب خاص يسقط العقوبة في بعض الجرائم دون البعض الآخر, والقاعدة التي تحكم العفو أنه لا أثر له في جرائم الحدود, وأن له أثره فيما عدا ذلك على التفصيل الآتي:
533 - جرائم الحدود والعفو: ليس للعفو أي أثر على الجرائم التي تجب فيها عقوبات الحدود, وليس للعفو أثر على هذه العقوبات سواء كان العفو من المجني عليه أو من ولي الأمر. فالعقوبة في هذه الجرائم لازمة محتمة ويعبر الفقهاء عنها بأنها حق الله تعالى؛ لأن ما كان حقا لله امتنع العفو فيه أو إسقاطه((1)).
وقد ترتب على عدم جواز العفو عن العقوبة أو إسقاطها اعتبار من وجب عليه حد مهلك مهدرا فيما وجب فيه الحد, فإن وجب الحد في نفسه أهدرت نفسه, وإن وجب في طرفه أهدر طرفه((2)).
534 - العفو في جرائم القصاص والدية: تجيز الشريعة للمجني عليه أو ولي دمه أن يعفو عن عقوبتي القصاص والدية((3)) دون غيرهما من العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية، فليس له أن يعفو عن عقوبة الكفارة, ولا يؤثر عفوه على حق ولي الأمر في تعزير الجاني بعد العفو عنه.
وليس لولي الأمر أن يعفو في جرائم القصاص والدية عن العقوبات المقدرة كالقصاص والكفارة, ولكن له أن يعفو عن أية عقوبة تعزيرية يعاقب بها الجاني, وله أن يعفو عن كل عقوبة أو بعضها.
__________
(1) إذا عوقب على جريمة من جرائم الحدود بعقوبة تعزيرية مع عقوبة الحد جاز لولي الأمر أن يعفو عن العقوبة التعزيرية وحدها, وإذا امتنع الحد في جريمة من جرائم الحدود وعوقب عليها بالتعزير فليس لولي الأمر العفو عن العقوبة على الرأي الراجح.
(2) راجع الفقرة 375 وما بعدها.
(3) المقصود من الدية معناه الأعم فتشمل الدية والأرش والحكومة.

(2/344)


وحق المجني عليه أو وليه في العفو مقصور؛ كحق ولي الأمر على العفو عن العقوبة فقط, وليس لأيهما العفو عن الجريمة, فإذا عفا أحدهما عن الجريمة انصرف عفوه إلى العقوبة في الحدود التي بيناها, والعلة في منع العفو عن الجريمة أنه لو سمح للمجني عليه بالعفو عن الجريمة لما أمكن معاقبة الجاني, وفي هذا خطر شديد على الجماعة؛ لأن الجريمة تمس الجماعة وإن كانت أكثر مساسا بالمجني عليه, ولو سمح لولي الأمر بالعفو عن الجريمة لأمكن تعطيل حق المجني عليه في القصاص والدية.
والأصل في حق المجني عليه أو وليه في العفو الكتاب والسنة, أما الكتاب فقد أقر هذا الحق في سياق قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} حيث قال: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة: 178], وفي سياق قوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} حيث قال: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45]. وأما السنة فإن أنس بن مالك قال: “ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع إليه شئ من قصاص إلا أمر فيه بالعفو”.
والعفو عن القصاص عند الشافعي وأحمد هو التنازل عن القصاص مجانا أو على الدية, فمن تنازل عن القصاص من القاتل مجانا فهو عاف، ومن تنازل عن القصاص مقابل الدية فهو عاف((1)).
والعفو عند مالك وأبي حنيفة هو إسقاط القصاص مجانا, أما التنازل عن القصاص مقابل الدية فهو ليس عفوا وإنما هو صلح؛ لأن الجاني لا يلزم بالدية إلا إذا قبلها((2)).
__________
(1) المهذب ج2 ص201, الشرح الكبير ج9 ص417.
(2) الشرح الكبير للدردير ج4 ص230, الزيلعي ج4 ص107, 108, البحر الرائق ج8 ص300, 301.

(2/345)


ويعتبر مالك وأبو حنيفة العفو عن القصاص على الدية صلحا لا عفوا؛ لأن الواجب بالعمد عندهما هو القصاص عينا؛ لأن الدية لا تجب عندهما إلا برضاء الجاني, وإذا كان إسقاط القصاص على الدية يقتضي رضاء الطرفين فهو صلح لا عفو. أما الشافعي وأحمد فيعتبران العفو عن القصاص على الدية عفوا لا صلحا؛ لأن الواجب العمد عندهما أحد سيئين غير عين القصاص والدية، والخيار للمجني عليه أو وليه دون حاجة لرضاء الجاني, ولما كان القصاص أشد من الدية كان إسقاطه واختيار الدية إسقاطا محضا لا مقابل له وترك للأثر وأخذ الأقل, فهو عفو؛ لأنه إسقاط محض صادر من طرف واحد وغير متوقف على موافقة الطرف الآخر.
وكما يجوز العفو عن القصاص يجوز العفو عن الدية, وسواء كانت الدية هي العقوبة الأصلية كما في القتل الخطأ أو كانت حالة محل القصاص.
535 - العفو في جرائم التعازير: من المتفق عليه بين الفقهاء أو لولي الأمر حق العفو كاملا في جرائم التعازير, فله أن يعفو عن الجريمة وله أن يعفو عن العقوبة كلها أو بعضها, ولكنهم اختلفوا فيما إذا كان لولي الأمر حق العفو في كل جرائم التعازير أو في بعضها دون البعض الآخر.
فرأى البعض أن ليس لولي الأمر حق العفو في جرائم القصاص والحدود التامة التي امتنع فيها القصاص والحد, وأن هذه الجرائم يعاقب عليها بالعقوبات التعزيرية المناسبة ولا عفو فيها لا عن الجريمة ولا عن العقوبة. أما ما عداها من الجرائم فلولي الأمر فيها أن يعفو عن الجريمة وأن يعفو عن العقوبة إذا رأى المصلحة في ذلك بعد مجانبة هوى نفسه((1)).
__________
(1) شرح فتح القدير ج4 ص121, 213, المغني ج10 ص349, أسنى المطالب ج4 ص162, 163, الأحكام السلطانية ص207، الإقناع ج4 ص270, مواهب الجليل ج6 ص320.

(2/346)


ورأي البعض أن لولي الأمر في كل الجرائم المعاقب عليها بالتعزير أن يعفو عن الجريمة وأن يعفو عن العقوبة إذا كان في ذلك مصلحة((1)). ورأي الفريق الأول أقرب إلى منطق الشريعة في جرائم الحدود وجرائم القصاص.
وللمجني عليه في جرائم التعازير أن يعفو عما يمس شخصه كما في الضرب والشتم, ولكن عفوه لا يؤثر على حق الجماعة في تأديب الجاني وتقويمه, فإذا عفا المجني عليه انصرف عفوه إلى حقوقه الشخصية((2)).
وإذا عفا ولي الأمر في جرائم التعازير عن الجريمة أو العقوبة فإن عفوه لا يؤثر بأي حال على حقوق المجني عليه((3)).
وقد سبق أن تكلمنا عن العفو بمناسبة الكلام على بطلان القوانين المخالفة للشريعة وما قلناه هناك يكمل ما قيل هنا((4)).
536 - إرث القصاص: تسقط عقوبة القصاص إذا ورث القصاص من ليس له أن يقتص من الجاني, كما تسقط العقوبة إذا ورث الجاني نفسه كل القصاص أو بعضه, فمثلا إذا كان في ورثة المقتول ولد للقاتل فلا قصاص؛ لأن القصاص لا يتجزأ, وما دام لا يجب بالنسبة لولد القاتل لأن الولد لا يقتص من أبيه فهو لا يجب للباقين. وإذا قتل أحد ولدين أباه ثم مات غير القاتل ولا وارث فه إلا القاتل فقد ورث القاتل دم نفسه كله ووجب القصاص لنفسه على نفسه فيسقط القصاص. وكذلك الحكم لو ورث بعض القصاص فإن القصاص يسقط, ولمن بقى من المستحقين نصيبهم من الدية((5)).
537 - التقادم: التقادم المقصود هو مضي فترة معينة من الزمن على الحكم بالعقوبة دون أن تنفذ فيمتنع بمضي هذه الفترة تنفيذ العقوبة.
__________
(1) المراجع السابقة.
(2) الأحكام السلطانية ص207, أسنى المطالب ج4 ص163.
(3) المرجع السابقة, ومواهب الجليل ج6 ص320.
(4) راجع الفقرة 203.
(5) بدائع الصنائع ج7 ص251, شرح الدردير ج4 ص233, المهذب ج2 ص186, ج9 ص362.

(2/347)


والتقادم المسقط للعقوبة مختلف عليه, فأكثر الفقهاء لا يسلمون به, ومن يرونه مسقطا للعقوبة لا يجعلونه سببا عاما مسقطا لكل عقوبة, وآراء الفقهاء المختلفة يمكن ردها إلى نظريتين:
النظرية الأولى: وهي تقوم على مذهب مالك والشافعي وأحمد, وتلخص في أن العقوبة لا تسقط مهما مضى عليها من الزمن دون تنفيذ, وأن الجريمة لا تسقط مهما مضى عليها من الزمن دون المحاكمة, وما لم تكن العقوبة من عقوبات التعازير وما لم تكن الجريمة من جرائم التعازير, فإن العقوبة أو الجريمة تسقط بالتقادم إذا رأى ذلك أولو الأمر تحقيقا لمصلحة عامة.
وأساس هذه النظرية أن قواعد الشريعة ونصوصها ليس فيها ما يدل على أن عقوبات جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية تسقط بمضي مدة معينة, كذلك فإن ولي الأمر ليسله حق العفو عن هذه العقوبات أو إسقاطها بأي حال, وإذا لم يكن هناك نص يجيز إسقاط العقوبة ولم يكن لولي الأمر إسقاطها فقد امتنع القول بالتقادم.
أما العقوبات التعزيرية فتطبيق القواعد العامة عليها يقتضي القول بجواز سقوط العقوبة بالتقادم إذا رأى ولي الأمر ذلك تحقيقا لمصلحة عامة؛ لأن لولي الأمر حق العفو عن الجريمة وحق العفو عن العقوبة في جرائم التعازير, وإذا كان لولي الأمر أن يعفو عن العقوبة فيسقطها فورا فإن له أن يعلق سقوطها على مضي مدة معينة إن رأى أن في ذلك ما يحقق مصلحة عامة أو يدفع مضرة.
النظرية الثانية: وقوامها مذهب أبي حنيفة, وأصحابها يتفقون مع أصحاب النظرية الأولى في القول بالتقادم في العقوبات التعزيرية وفي امتناع التقادم في العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية وفي جريمة القذف دون غيرها من جرائم الحدود, أما بقية جرائم الحدود فيرون أن عقوباتها تسقط بالتقادم. وأبو حنيفة وأصحابه على هذا الرأي عدا زفر فإنه لا يرى سقوط عقوبة الحد بالتقادم.

(2/348)


على أن القائلين بسقوط عقوبة الحد بالتقادم من الحنفية يفرقون بين ما إذا كان دليل الجريمة شهادة الشهود أو الإقرار, فإن كان الدليل شهادة الشهود سقطت العقوبة بالتقادم, وإن كان الدليل الإقرار لم تسقط العقوبة بالتقادم((1)).
والأصل في هذه التفرقة أن الحنفيين يشترطون لقبول الشهادة في جرائم الحدود أن لا تكون الجريمة قد تقادمت, ولا يستثنون من ذلك إلا جريمة القذف؛ لأن شكوى المجني عليه شرط لتحرك الدعوى العمومية فلا يستطيع الشاهد أن يشهد قبل الشكوى, أما ما عدا القذف من الجرائم فلكل إنسان أن يتقدم بالتبليغ عنها ولا يتوقف تحريك الدعوى العمومية فيها على تبليغ المجني عليه.
ويستند الحنفية في قولهم بتقادم الجريمة إلى أن الشاهد مخير إذا شهد الجريمة بين أن يؤدي الشهادة حسبة لله تعالى لقوله جل شأنه: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] وبين أن يتستر على الحادث لقوله عليه السلام: “من ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه في الآخرة”, فإذا سكت الشاهد عن الجريمة حتى قدم العهد عليها دل ذلك على اختياره جهة الستر, فإذا شهد بعد ذلك فإن هذه الشهادة المتأخرة دليل على أن ضغينة ما هي التي حملته على الشهادة, ومثل هذا الشاهد المشكوك فيه لا تقبل شهادته. ويؤيد الحنفية رأيهم بما روى عن عمر من قوله: أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته - أي عند وقوعه - فإنما شهدوا عن ضغن ولا شهادة لهم. ويقولون: إنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة أنكر على عمر هذا القول فيكون إجماعا. ومن المستفاد من قول عمر أن الشهادة المتأخرة تورث التهمة ولا شهادة لمتهم على لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: “لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين” أي متهم.
__________
(1) يروى البعض سقوط حد الشرب بالتقادم ولو كان الدليل الإقرار.

(2/349)


وإذا كانت الشهادة ترد أصلا للمتهم فالمنطق أن لا ترد إذا انتفت التهمة, كما لو كان الشاهد تأخر لطول الطريق أو لمرض, ولكن لما كانت التهمة أمرا خفيا غير منضبط ومن الصعب التحقق منه في كل الأحوال فقد أقيم التقادم مقامها وأهمل شأن التهمة فلا ينظر إلى وجودها وعدمها, وعلى هذا ترد الشهادات بالتقادم ولو لم يكن هناك تهمة أو يأخذ على الشاهد.
وبعد أن قال الحنفية بالتقادم في الجريمة كان من السهل أن يقولوا به في العقوبة؛ لأن القاعدة عندهم أن الإمضاء من القضاء؛ أي أن التنفيذ متمم للقضاء, فوجب أن يتوفر عند التنفيذ ما يتوفر عند الحكم, وإذا وجب عند الحكم أن لا تتقادم الجريمة فقد وجب أن لا يكون التقادم عند التنفيذ((1)).
ولم يقدر أبو حنيفة للتقادم حدا وفوض الأمر فيه للقاضي يقدره طبقا لظروف كل حالة؛ لأن اختلاف الأعذار يجعل التوقيت متعذرا. وقدره محمد بستة أشهر, وذكر عنه أنه قدره بشهر, وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف. ويترتب على هذا أن لولي الأمر أن يضع حدا للتقادم وأن يمنع قبول الدعوى بعد مضي مدة معينة إذا كان الدليل عليها هو الشهادة.
وخلاصة رأي الحنفيين في سقوط العقوبة بالتقادم أن عقوبات التعازير تسقط بالتقادم أيا كان الدليل الذي بني عليه الحكم, وأن عقوبات الحدود فيما عدا القذف تسقط بالتقادم إذا كان دليل الجريمة فيها هو الشهادة, فإذا كان دليل الجريمة الإقرار فلا يسقط إلا حد شرب الخمر على رأي أبي حنيفة وأبي يوسف((2)).
تم الجزء الأول بعون الله تعالى
* * *

الفهرس

مقدمة المؤلف 3
تقديم وتوجيه 4
منهج البحث 51
الكتاب الأول في الجريمة 52
القسم الأول من الكتاب الأول 52
الباب الأول ماهية الجريمة 52
الباب الثاني أنواع الجريمة 61
الفصل الأول التقسيم المبني على جسامة العقوبة 62
__________
(1) شرح فتح القدير ج4 ص161 وما بعدها, حاشية ابن عابدين ج3 ص218.
(2) شرح فتح القدير ج4 ص162.

(2/350)


الفصل الثاني تقسيم الجرائم بحسب قصد الجاني 66
الفصل الثالث تقسيم الجرائم بحسب وقت كشفها 68
الفصل الرابع تقسيم الجرائم بحسب طريقة وكيفية ارتكابها ووقوعها 70
المبحث الأول تقسيم الجرائم بحسب طريقة ارتكابها 70
المبحث الثاني تقسيم الجرائم بحسب كيفية ارتكابها 74
المبحث الثالث تقسيم الجرائم بحسب كيفية ارتكابها 77
الفصل الخامس تقسيم الجرائم بحسب طبيعتها 81
المبحث الأول تقسيم الجرائم بحسب طبيعتها الخاصة 81
المبحث الثاني تقسيم الجرائم بحسب طبيعتها الخاصة 83
القسم الثاني من الكتاب الأول الأركان العامة للجريمة 91
الباب الأول الركن الشرعي للجريمة 93
الفصل الأول النصوص المقررة للجرائم والعقوبات 94
المبحث الأول الأحكام الجنائية الشرعية وأثرها في الجريمة والعقوبة 94
الفرع الأول لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم الحدود 99
الفرع الثاني لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم القصاص والدية 101
الفرع الثالث لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم التعازير 104
القسم الأول: التعزير على المعاصي 106
القسم الثاني: التعزير للمصلحة العامة 123
القسم الثالث: التعزير على المخالفات 127
الفرع الرابع كيف طبقت القوانين الوضعية القاعدة 128
المبحث الثاني أدلة الأحكام الشريعة أي مصادر التشريع الجنائي 134
الفرع الأول القرآن 135
الفرع الثاني السنة 141
الفرع الثالث الإجماع 146
الفرع الرابع القياس 149
المبحث الثالث تفسير الأحكام الجنائية، أي النصوص الجنائية 152
الفرع الأول القواعد اللغوية الموضوعة للتفسير 152
الفرع الثاني القواعد التشريعية التي تراعى عند التفسير 165
المبحث الرابع تعارض الأحكام (أي النصوص) ونسخها 178
المبحث الخامس علاقة الأحكام الشرعية بأحكام القوانين 182
الفصل الثاني سريان النصوص الجنائية على الزمان 212
الفصل الثالث سريان النصوص الجنائية على المكان 223
الفصل الرابع سريان النصوص الجنائية على الأشخاص 251

(2/351)


الباب الثاني الركن المادي للجريمة 276
الفصل الأول الشروع في الجريمة 277
الفصل الثاني الاشتراك في الجريمة 288
المبحث الأول الاشتراك المباشر 291
المبحث الثاني الاشتراك بالتسبب 296
الباب الثالث الركن الأدبي 307
الفصل الأول المسئولية الجنائية 307
المبحث الأول أساس المسئولية الجنائية 307
المبحث الثاني محل المسئولية الجنائية 318
المبحث الثالث سبب المسئولية ودرجتها 326
المبحث الرابع قصد العصيان: أو القصد الجنائي 332
المبحث الخامس أثر الجهل والخطأ والنسيان على المسئولية 349
المبحث السادس أثر الرضاء بالجريمة على المسئولية الجنائية 357
المبحث السابع الأفعال المتصلة بالجريمة وعلاقتها بالمسئولية الجنائية 365
الفصل الثاني ارتفاع المسئولية الجنائية 378
المبحث الأول أسباب الإباحة 380
الفرع الأول الدفاع الشرعي 382
المطلب الأول الدفاع الشرعي الخاص، أو “دفاع الصائل” 382
المطلب الثاني الدفاع الشرعي العام أو “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” 396
الفرع الثاني التأديب 414
الفرع الثالث التطبيب 420
الفرع الرابع ألعاب الفروسية 424
الفرع الخامس إهدار الأشخاص 427
الفرع السادس حقوق الحكام وواجباتهم 449
المبحث الثاني أسباب رفع العقوبة 453
الفرع الأول الإكراه 453
الفرع الثاني السكر 468
الفرع الثالث الجنون 471
الفرع الرابع صغر السن 483
الكتاب الثاني في العقوبة 489
الباب الأول العقوبة - مبادئ عامة 490
الباب الثاني أقسام العقوبة 508
الفصل الأول العقوبات المقررة لجرائم الحدود 510
المبحث الأول عقوبات الزنا 510
المبحث الثاني عقوبة القذف 519
المبحث الثالث عقوبة الشرب 522
المبحث الرابع عقوبة السرقة 525
المبحث الخامس عقوبة الحرابة 528
المبحث السادس عقوبة الردة والبغي 533
الفصل الثاني العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية 535
الفصل الثالث عقوبات الكفارات 551
الفصل الرابع عقوبات التعازير 553

(2/352)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية