صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي
المؤلف : عبد القادر عودة
الناشر : دار الكتب العلمية
مصدر الكتاب : [ بجزئيه ] ملف وورد أهداه بعض الأخوة للبرنامج
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وعلة التخفيف على البكر هى علة التشديد على المحصن، فالشريعة الإسلامية تقوم على الفضيلة وتحرص على الأخلاق والأعراض والأنساب من التلوث والاختلاط، وتوجب على الإنسان أن يجاهد شهوته ولا يستجيب لها إلا من طريق الحلا وهو الزواج، كما توجب عليه إذا بلغ الباءة أن يتزوج حتى لا يعرض نفسه للفتنة أو يحملها ما لا تطيق، فإذا لم يتزوج وغلبته على عقله وعزيمته الشهوة فعقابه أن يجلد مائة جلدة ويغرب سنة، وشفيعه فى هذه العقوبة الخفيفة تأخيره فى الزواج الذى أدى به إلى الجريمة. أما إذا تزوج فأحصن ثم أتى الجريمة فعقوبته الجلد والرجم، لأن الإحصان يسد الباب على الجريمة، ولأن الشريعة لم تجعل له بعد الإحصان سبيلا إلى الجريمة، فلم تجعل الزواج أبديا حتى لا يقع فى الخطيئة أحد الزوجين إذا فسد ما بينهما، وأباحت للزوجة أن تجعل العصمة فى يدها وقت الزواج، كما أباحت لها أن تطلب الطلاق للغيبة والمرض والضرر والإعسار، وأباحت للزوج الطلاق فى كل وقت، وأحلت له أن يتزوج أكثر من واحدة على أن يعدل بينهن، وبهذا فتحت الشريعة للمحصن أبواب الحلال، وأغلقت دونه باب الحرام، فكان عدلا وقد انقطعت الأسباب التى تدعو للجريمة من ناحية العقل والطبع أن تنقطع المعاذير التى تدعو لتخفيف العقاب، وأن يؤخذ المحصن بعقوبة الاستئصال التى لا يصلح غيرها لمن استعصى على الإصلاح.
515 - الرجم: فأما الرجم فعقوبة معترف بها من جميع الفقهاء إلا طائفة الأزارقة من الخوارج لأنهم لا يقبلون الأخبار إذا لم تكن فى حد التواتر، وعندهم أن عقوبة المحصن وغير المحصن هى الجلد مستندين لقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [النور: 2].
والرجم هو قتل الزانى رميا بالحجارة وما أشبهها.

(3/418)


والأصل فى الرجم كما بينا((1)) هو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله، فالرجم إذن سنة قولية وسنة فعلية فى وقت واحد.
516 - الجلد: والجلد هى العقوبة الثانية للزانى المحصن طبقا للنصوص: “خذوا عنى فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة” ((2)).
لكن الفقهاء يختلفون على ما إذا كانت عقوبة المحصن هى الرجم وحده، أو هى الرجم والجلد معا.
وحجة القائلين بالجلد مع الرجم أن القرآن جعل الجلد عقوبة أساسية للزنا، وذلك قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2]، ثم جاءت السنة بالرجم فى حق الثيب، والتغريب فى حق البكر، فوجب الجمع بينهما، وقد فعل ذلك على بن أبى طالب حيث جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وحديث الرسول صريح فى الجمع بين الجلد والرجم: “والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة”، وهذا الصريح الثابت بيقين لا يترك إلا بمثله، وإذا كان نص الحديث قد جعل للبكر عقوبتين الجلد والتغريب، وجعل للمحصن عقوبتين الجلد والرجم، وقد سلمنا بعقوبتى البكر، فقد وجب التسليم بعقوبتى الثيب، فيجلد أولا ثم يرجم ثانيا، وبهذا الرأى قال بعض الفقهاء، منهم الحسن وإسحاق وابن منذر، وعليه مذهب الظاهريين والشيعة الزيدية، وهو رواية فى مذهب أحمد((3)).
__________
(1) تراجع الفقرة [508] وما كتبناه عن التطور التشريعى لعقوبة الزنا.
(2) رواه مسلم وأبو داود والترمذى.
(3) بداية المجتهد [ج2 ص363]، المغنى [ج10 ص124]، المحلى [ج11 ص233] وما بعدها، شرح الأزهار [ج4 ص2244].

(3/419)


وحجة القائلين بأن العقوبة هى الرجم دون الجلد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزا والغامدية ورجم يهوديين، ولم يرد عنه أنه جلد واحدا منهم، وأن الرسول فى حادث العسيف قال: “اغد يا أنيس إلى امرأة هذا اعترفت فارجمها” ((1))، ولم يأمر بجلدها، وكان هذا آخر الأمرين من رسول الله فوجب تقديمه. هذا من جهة النصوص. أما من جهة المعنى فإن القاعدة العامة أن الحد الأصغر ينطوى فى الحد الأكبر؛ لأن الحد إنما وضع لزجر، ولا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم. وأصحاب هذا الرأى هم جمهور الفقهاء. هم يسلمون بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولكنهم يعتبون الجلد منسوخا أو داخلا فى الرجم، ومن أصحاب هذا الرأى مالك وأبو حنيفة والشافعى، وهو رواية عن أحمد((2)).
وهناك رأى ثالث يرى أصحابه أن الثيب إن كان شيخا جلد ورجم، وإن كان شيبا رجم ولم يجلد؛ لما روى عن أبى ذر قال: “الشيخان يجلدان ويرجمان، والثيبان يرجمان، والبكران يجلدان وينفيان” ((3))، وعن أبى بن كعب ومسروق مثل هذا((4)). ولعل أساس هذا الرأى أن زنا الشيخ مذموم، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: “ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر” ((5)).
517 - حالات مختلفة على عقوبتها: وهناك حالات بعينها مختلف على العقوبة الواجبة فيها، ويرجع هذا إما إلى الاختلاف على تكييف هذه الحالات، وإما إلى الاختلاف على النصوص التى تحكمها، وسنتكلم على هذه الحالات فيما يلى:
518 - حالة اللواط: يترتب على اعتبار اللواط زنا أن يعاقب عليه بعقوبة الزنا، ولكن القائلين باعتبار اللواط زنا اختلفوا فى عقوبته:
__________
(1) رواه الجماعة.
(2) بداية المجتهد [ج2 ص363]، شرح الزرقانى [ج8 ص82]، شرح فتح القدير [ج4 ص133]، أسنى المطالب [ج4 ص128]، المغنى [ج10 ص125].
(3) المحلى [ج11 ص234].
(4) المحلى [ج11 ص234].
(5) رواه مسلم والنسائى.

(3/420)


فقال مالك: إن عقوبة اللواط الرجم مطلقا سواء الفاعل والمفعول به محصنين أو غير محصنين((1)).
وفى مذهب الشافعى وأحمد ثلاثة آراء((2)):
أولها: أن اللواط حكمه حكم الزنا، فيعاقب اللائط والملوط به بعقوبة الزنا، فمن كان محصنا رجم ومن لم يكن محصنا جلد وغرب. وحجة أصحاب هذا الرأى ما رواه أبو موسى الأشعرى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : “إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان” ((3))؛ ولأنه حد يوجب بالوطء فاختلف فيه البكر والثيب.
ثانيها: أن اللائط هو الذى يرجم أما الملوط به فلا يرجم وإنما يجلد ويغرب فى كل الأحوال، سواء كان ذكرا أو أنثى محصنا أو غير محصن؛ لأن الإحصان جعل للقبل وهو يؤتى فى الدبر ولا يتصور فى الدبر إحصان. وعلى هذا فالملوط به إذا اعتبر فعله زنا فهو زنا من غير محصن ما دام الإحصان لم يجعل للدبر.
ثالثها: أن عقوبة اللائط والملوط به القتل فى كل حال، أى سواء كان محصنا أو غير محصن. وفى قتله رأيان: رأى يرى القتل رجما. ورأى يرى القتل بالسيف. وحجة القائلين بالقتل ما رواه ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : “من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به” ((4))، وقد كان إطلاق القتل فى الحديث حجة لمن قال بأن القتل يكون بالسيف فى كل حال. وفسر آخرون القتل بالرجم لأنه وطء يجب به الحد، فكان القتل بالرجم كما هو الحال فى الزنا.
__________
(1) شرح الزرقانى [ج8 ص82]، مواهب الجليل [ج6 ص296].
(2) نهاية المحتاج [ج7 ص403، 404]، أسنى المطالب [ج4 ص126]، المهذب [ج2 ص285]، المغنى [ج10 ص161]، الإقناع [ج4 ص253].
(3) أخرجه البيهقى وأبو داود والطيالسى، وراجع: نيل الأوطار [ج7 ص30].
(4) رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه والبيهقى.

(3/421)


ويرى أبو حنيفة أن اللواط ليس زنا فلا يعاقب عليه بعقوبة الزنا وإنما يعاقب عليه بعقوبة تعزيرية، ولا مانع عند أبى حنيفة من أن يحبس حتى يموت أو يتوب، وإذا اعتاد اللواط يقتل سياسة لا حدا، أما أبو يوسف ومحمد فيريان اللواط زنا يعاقب عليه بعقوبة الزنا فيجلد من لم يحصن ويرجم المحصن((1)).
وفى مذهب الشيعة الزيدية رأيان: أحدهما أن حكم اللواط هو حكم الزنا، فيرجم المحصن، ويجلد من لم يحصن. والثانى أن يقتل الفاعل والمفعول به فى كل حال((2)).
أما الظاهريون فيرون اللواط شيئا آخر غير الزنا، فهو معصية يعزر عليها((3)).
519 - حالة وطء المحارم: يرى جمهور الفقهاء أن من وطئ محرما عوقب بعقوبة الزانى فيرجم المحصن ويجلد غير المحصن ويغرب. ولكن بعضهم يرى – وهو رأى لأحمد -((4)) أن من وطئ ذات محرم حده القتل فى كل حال؛ لما رواه البراء قال: “لقيت عمى ومعه الراية فقلت: إلى أين تريد؟ قال: بعثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل ينكح امرأة أبيه من بعده أن اضرب عنقه وآخذ ماله” ((5))، ولما رواه الجورجانى وابن ماجه بإسنادهما عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: “من وقع على ذات محرم فاقتلوه” ((6)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص150]، بدائع الصنائع [ج7 ص24].
(2) شرح الأزهار [ج4 ص336].
(3) المحلى [ج11 ص285].
(4) المغنى [ج10 ص153].
(5) رواه الخمسة، راجع: نيل الأوطار [ج7 ص28].
(6) راجع: نيل الأوطار [ج7 ص31].

(3/422)


ويرى الظاهريون أن من وقع على امرأة أبيه بعقد أو بغير عقد فإنه يقتل محصنا كان أو غير محصن، وبخمس ماله، وساء كانت أمه أو غير أمه، دخل بها أبوه أو لم يدخل. وأما من وقع على غير امرأة أبيه من سائر ذوات محارمه بصهر أو رضاع فهو زان وعليه حد الزنا فقط((1))، وعلة ذلك أن امرأة الأب ورد فيها نص صريح هو حديث البراء، أما من عداها من المحارم فلم يصح فى شأنهن نص خاص، فمن وقع على واحدة منهن كان زانيا طبقا للنصوص العامة.
520 - حالة وطء البهائم: لا يعتبر وطء البهائم والحيوانات على العموم زنا عند مالك وأبى حنيفة والظاهريين، وإنما هو معصية فيها التعزير. وكذلك الحكم فى تمكين المرأة حيوانا من نفسها. وعلى هذا الرأى الراجح فى مذهب الشافعى وأحمد((2)).
أما الرأى المرجوح فى مذهب الشافعى وأحمد فيرى أصحابه أن الفعل يعتبر زنا ولكنه يعاقب عليه بالقتل فى كل الأحوال((3))، لما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : “من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوه البهيمة” ((4)).
وبعض الشافعيين يعتبر الفعل زنا قياسا على إتيان الرجل المرأة، ويجعلون عقوبة المحصن الرجم وعقوبة غير المحصن الجلد والتغريب((5)). وهذا الذى يراه بعض الشافعيين هو الرأى الراجح فى مذهب الشيعة الزيدية، وإن كان بعضهم يرى ما يراه مالك وأبو حنيفة((6)).
__________
(1) المحلى [ج11 ص256].
(2) شرح الزرقانى [ج8 ص78]، شرح فتح القدير [ج4 ص152]، المحلى [ج11 ص386، 388].
(3) المغنى [ج10 ص163]، نهاية المحتاج [ج7 ص405]، أسنى المطالب [ج4 ص126].
(4) رواه أحمد وأبو داود والترمذى.
(5) نهاية المحتاج [ج7 ص405].
(6) شرح الأزهار [ج4 ص336].

(3/423)


ويرى الشافعيون والحنابلة أن المرأة التى تمكن من نفسها حيوانا عليها ما على واطئ البهيمة((1))، وإن كان بعض الشافعيين يصرحون بأنه ليس على المرأة إلا التعزير((2)).
* * *
المبحث الثالث
الإحصان
521 - الإحصان شرط الرجم: رأينا فيما سبق أن الشريعة الإسلامية تفرق فى العقوبة بين المحصن وغير المحصن، وتعاقب الأول بالرجم دون الثانى، ومعنى هذا أن الشريعة تجعل الإحصان شرطا للرجم، فإذا انعدم الإحصان امتنع الرجم.
وإذا كان الإحصان شرطا فى الرجم، فإن الإحصان فى نفس الوقت مجموعة شروط تكون هيئة واحدة أو مجموعة أجزاء لعلة واحدة، وكل واحد من هذه المجموعة يعتبر بذاته شرطا أو علة لوجوب الرجم.
522 - معنى الإحصان: الإحصان لغة معناه: الدخول فى الحصن أو المنع، قال تعالى: {لتحصنكم من بأسكم} [الأنبياء: 80]، ويقال: أحصن إذا دخل فى الحصن.
__________
(1) الإقناع [ج4 ص253]، أسنى المطالب [ج4 ص126].
(2) نهاية المحتاج [ج4 ص404]، أسنى المطالب [ج4 ص126].

(3/424)


وللإحصان فى القرآن أكثر من معنى، فقد جاء بمعنى التزويج فى قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24]، وجاء بمعنى الحرية فى قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25]، وجاء بمعنى العفة فى قوله تعالى: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها} [التحريم: 12]، وقوله: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5]، وجاء بمعنى الإسلام والزواج فى قوله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات} [النساء: 25]، وجاء بمعنى الحرية والبلوغ والعفة فى قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4].
523 - أنواع الإحصان: الإحصان فى الجرائم على نوعين: إحصان الرجم، وإحصان القذف، وسنتكلم هنا على إحصان الرجم، أما إحصان القذف فمحل الكلام عليه جريمة القذف.
وإحصان الرجم شرعا: هو عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها الشارع لوجوب الرجم، أو هو مجموعة من الشروط إذا توفرت فى الزانى كان عقابه الرجم بدلا من الجلد.
524 - شروط الإحصان: اتفق الفقهاء على بعض شروط الإحصان فى جريمة الزنا، واختلفوا على البعض الآخر، وسنبين فيما يلى شروط الإحصان سواء منها ما اتفق عليه وما اختلف فيه:

(3/425)


أولا: الوطء فىنكاح صحيح: يشترط لقيام الإحصان أن يكون وطء فى نكاح صحيح، وأن يكون الوطء فى القبل لقوله عليه السلام: “والثيب بالثيب الجلد والرجم”، والثيابة تحصل بالوطء فى القبل((1)).
ولا خلاف فى أن عقد النكاح الخالى من الوطء لا يحصل به إحصان، ولو حصلت فيه خلوة صحيحة((2)) أو وطء فيما دون الفرج، أو وطء فى الدبر، لأن كل هذا لا تعتبر به المرأة ثيبا ولا تخرج عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام.
والوطء الذى يؤدى إلى الثيابة هو الإيلاج فى القبل على وجه يوجب الغسل، أو هو تغييب الحشفة أو مثلها فى القبل سواء أنزل أو لم ينزل، ولا يكفى مثل هذا الوطء وحده لوجود الإحصان بل يجب أن يكون الوطء فى نكاح؛ لأن النكاح هو الإحصان لقوله تعالى: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] يعنى المتزوجات، فإن كان الوطء فى غير نكاح كالزنا ووطء الشبهة فلا يصير به الواطئ محصنا دون خلاف.
ويشترط فى النكاح أن يكون صحيحا، فإن كان فاسدا فإن الوطء فيه لا يحصن كما يرى جمهور الفقهاء((3)).
ويشترط إذا كان الوطء فى نكاح صحيح أن لا يكون وطئا محرما كالوطء فى الحيض أو الإحرام، فإن الوطء الذى يحرمه الشارع لا يحصن ولو كان فى نكاح صحيح((4)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص131]، بدائع الصنائع [ج7 ص37]، المغنى [10 ص126]، بداية المجتهد [ج2 ص364]، شرح الأزهار [ج4 ص342].
(2) يرى الهادى من فقهاء الزيدية اعتبار الإحصان بالخلوة، ولكنهم يتأولون رأيه ويقولون إنه أراد الخلوة مع الدخول. شرح الأزهار [ج4 ص342].
(3) المغنى [ج10 ص126[، الإقناع [ج4 ص350]، المهذب [ج2 ص283]، أسنى المطالب [ج4 ص128]، شرح الزرقانى [ج8 ص82]، شرح فتح القدير [ج4 ص130، 133]، شرح الأزهار [ج4 ص343].
(4) أسنى المطالب [ج4 ص128]، شرح الزرقانى [ج8 ص82].

(3/426)


ثانيا: البلوغ والعقل: وهما شرطا الأهلية للعقوبة، كما أنهما لازمان فى كل جريمة، ويجب توفرهما فى المحصن وغير المحصن وقت ارتكاب الجريمة طبقا للقواعد العامة، إلا أنهما اشترطا أيضا فى الإحصان لأن اشتراطهما وقت ارتكاب الجريمة لا يغنى عن اشتراطهما فى الإحصان، فيشترط إذن أن يكون الوطء الذى يحصن حاصلا من بالغ عاقل، فإذا حصل الوطء من صبى أو مجنون ثم بلغ وعقل بعد الوطء لم يكن بالوطء السابق محصنا، وإذا زنا عوقب على أنه غير محصن((1)).
على أن بعض أصحاب الشافعى يرون - ورأيهم هو المرجوح فى المذهب - أن الواطئ يصير محصنا بالوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون، فلو بلغ أو أفاق فزنا رجم دون حاجة إلى حصول وطء جديد بعد البلوغ والإفاقة، وحجتهم أن الوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون وطء مباح، فيجب أن يثبت به الإحصان؛ لأنه إذا صح النكاح قبل البلوغ فإن الوطء يصح تبعا له.
ويرد على ذلك بأن الرجم عقوبة الثيب ولو اعتبرت الثيوبة حاصلة بالوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون لوجب رجم الصغير والمجنون، وهذا ما لا يقول به أحد، كذلك فإن هناك فرقا بين الإحصان والإحلال، وكل إحلال لا يترتب عليه إحصان، كما أن الإحصان شرط عقوبة الرجم، ولو كان الإحلال يقوم مقام الإحصان لما كان ثمة ما يدعو لاشتراط الإحصان((2)).
__________
(1) شرح الزرقانى [ج8 ص82]، شرح فتح القدير [ج4 ص130، 131]، أسنى المطالب [ج4 ص128]، المغنى [ج10 ص128]، شرح الأزهار [ج4 ص343].
(2) المهذب [ج2 ص283]، المغنى [ج10 ص128].

(3/427)


ثالثا: وجود الكمال فى الطرفين حال الوطء: أو بتعبير آخر: ينبغى أن تتوفر شروط الإحصان فى الواطئ والموطوءة حال الوطء الذى يترتب عليه الإحصان، فيطأ مثلا الرجل العاقل امرأة عاقلة، فإذا لم تتوفر هذه الشروط فى أحدهما فهما معا غير محصنين. فإذا كان الجانى متزوجا ودخل بزوجته فى نكاح صحيح ولكنها مجنونة أو صغيرة، فالجانى غير محصن ولو كان هو نفسه بالغا عاقلا، هذا هو رأى أبى حنيفة وأحمد((1)).
ولكن مالكا لا يشترط توفر شروط الإحصان فى الزوجين لإحصانهما معا، وعنده أنه يكفى أن تتوفر شروط الإحصان فى أحد الزوجين ليكون محصنا بغض النظر عما إذا كان الزوج الآخر تتوفر فيه هذه الشروط أم لا، فشرط تحصين الذكر عنده أن تتوفر فيه شروط الإحصان مع إطاقة موطوءته له ولو كانت صغيرة أو مجنونة، وتتحصن الأنثى عند مالك بتوفر الإحصان فيها وببلوغ واطئها ولو كان مجنونا((2)).
وفى مذهب الشافعى رأيان أحدهما يتفق مع رأى أبى حنيفة وأحمد، وثانيهما يتفق مع مذهب مالك((3)).
وفى مذهب الشيعة الزيدية نفس الرأيين، ثم رأى ثالث يرى أن المجنون لا يحصن العاقل بأى حال((4))، وإن أحصن البالغ من لم يبلغ.
والذين يشترطون اجتماع شروط الإحصان فى الزوجين يعللون ذلك بأن اجتماع هذه الصفات فى الزوجين يشعر بكمال حالهما وبكمال اقتضاء الشهوة من الجانبين، ويرون أن تخلف أحد هذه الشروط أو بعضها يشعر بالنقص، فاقتضاء الشهوة من المجنونة والصغيرة قاصر ولا يبلغ بالرجل حد الكمال، والمحصن لا تغلظ له العقوبة إلا على أساس أنه فى حال الكمال تغنيه عن التفكير فى الحرام((5)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص130، 133]، المغنى [ج11 ص128].
(2) شرح الزرقانى [ج8 ص82].
(3) المهذب [ج2 ص283]، أسنى المطالب [ج4 ص128].
(4) شرح الأزهار [ج4 ص343، 344].
(5) شرح فتح القدير [ج4 ص131]، المغنى [ج10 ص128].

(3/428)


رابعا: الإسلام: ويجعل أبو حنيفة ومالك الإسلام شرطا من شروط الإحصان، وحجتهما حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما استشاره حذيفة فى زواج كتابية: “دعها فإنها لا تحصنك”. ولكن الشافعى وأحمد لا يريان الإسلام شرطا من شروط الإحصان، ويوافقهما أبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة، وحجتهم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديين، ولو كان الإسلام شرطا فى الإحصان لما رجمهما، فضلا عن أن الأديان عامة تحرم الزنا كما يحرمه الإسلام. ويتفق المذهب الظاهرى مع مذهب الشافعى وأحمد فى هذه الوجهة، أما المذهب الزيدى ففيه الرأيان وأرجحهما ما يقول به الشافعى وأحمد((1)).
ويترتب على هذا الخلاف أن المسلم المتزوج من كتابية إذا زنا لا يرجم فى رأى أبى حنيفة لأنه لا يعتبر محصنا، إذ الكتابية لا تحصن المسلم، وكان يحب أن يكون هذا هو الحكم عند مالك لولا أنه لا يشترط الكمال فى الزوجين، ومن ثم فإن الكتابية فى رأيه تحصن المسلم، فإذا زنا المسلم المتزوج من كتابية رجم عند مالك، كما يرجم عند الشافعى وأحمد والظاهريين وبعض الزيديين؛ لأن هؤلاء لا يعتبرون الإسلام شرطا من شروط الإحصان.
525 - زنا المحصن بغير محصن: بينا فيما سبق شروط الإحصان ما اتفق عليه منها وما اختلف فيه، وإذا كان بعض الفقهاء يوجب توفر هذه الشروط فى كل من الزوجين لاعتبار أحدهما محصنا، فإن الفقهاء جميعا لا يشترطون إحصان كل من الزانيين لوجوب الرجم على أحدهما، ويرون رجم من توفرت فيه شروط الإحصان من الزانيين، فإذا كان أحد الزانيين محصنا والثانى غير محصن رجم المحصن وجلد غير المحصن.
* * *
الفصل الثالث
الأدلة على الزنا
526 - الأدلة المثبتة للزنا: لا يثبت جريمة الزنا المعاقب عليها بالحد إلا بأدلة خاصة هى:
__________
(1) شرح الزرقانى [ج8 ص82]، شرح فتح القدير [ج4 ص133]، أسنى المطالب [ج4 ص128]، المغنى [ج10 ص129]، المحلى [ج11 ص158]، شرح الأزهار [ج4 ص344].

(3/429)


(1) الشهادة. (2) الإقرار (3) القرائن (4) اللعان.
وسنتكلم عن هذه الأدلة واحدا بعد الآخر، مع ملاحظة أن الإثبات بالقرائن مختلف عليه.
المبحث الأول
الشهادة
527 – عدد شهود الزنا: من المتفق عليه أن الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة شهود، وهذا إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم، لقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15]، وقوله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4]، وقوله: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13].
ولقد جاءت السنة مؤكدة لنصوص القرآن، ومن ذلك أن سعد بن عبادة قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : “أرأيت لو وجدت مع امرأى رجلا أمهله حتى آتى بأربعة شهداء؟ فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : نعم”، وروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لهلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك بن سحماء: “البينة وإلا حد فى ظهرك” ((1))، وروى عنه أنه قال: “أربعة شهداء وإلا فحد فى ظهرك” ((2)).
وليس لكل إنسان أن يشهد فتقبل شهادته، وإنما الشاهد الذى تقبل شهادته هو من توفرت فيه شروط معينة، بعضها عام يجب توفره فى كل شهادة، وبعضها خاص يجب توفره فى الشهادة على الزنا.
528 - الشروط العامة للشهادة: للشهادة شروط عامة يجب أن تتوفر فى كل شهادة أيا كان موضوعها، وهذه الشروط هى:
__________
(1) رواه الجماعة إلا مسلما والنسائى.
(2) رواه النسائى.

(3/430)


529 - أولا: البلوغ: يشترط فى الشهد أن يكون بالغا، فإذا لم يكن كذلك فلا تقبل شهادته، ولو كان فى حالة تمكنه من أن يعى الشهادة ويؤديها، ولو كان حاله حال أهل العدالة، وذلك لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282]، والصبى ليس من الرجال، وليس ممن ترضى شهادته، ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : “رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق” ((1))، ولأن الصبى لا يؤتمن على حفظ أمواله فأولى أن لا يؤتمن على حفظ حقوق غيره، وإذا كانت شهادة الصبى لا تقبل فى الأموال فلأن لا تقبل فى الجرائم أولى وفيها عقوبة متلفة للنفس أو للعضو((2)).
وإذا كانت القاعدة العامة فى الشريعة أن لا تقبل شهادة من هو دون البلوغ فإن مالكا يرى استثناء من هذه القاعدة قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الدماء بشروط خاصة أهمها: أن يكون الشاهد مميزا؛ أى ممن يعقل الشهادة، وأن لا يحضر الحادث كبير. وقد أجاز مالك شهادة الصبيان فى هذه الحالة للضرورة((3)).
__________
(1) أخرجه ابن ماجه وابن حبان والدارقطنى والطبرانى والحاكم فى المستدرك، وراجع: نيل الأوطار [ج6 ص160].
(2) مواهب الجليل [ج6 ص150]، شرح فتح القدير [ج4 ص169]، حاشية ابن عابدين [ج4 ص513، 525]، المهذب [ج2 ص342]، الإقناع [ج4 ص436]، المحلى [ج9 ص420]، شرح الأزهار [ج4 ص192، 193].
(3) مواهب الجليل [ج6 ص177].

(3/431)


وما يراه مالك هو رواية مذهب أحمد، حيث يرى قبول شهادة الصبيان فى الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التى تجارحوا عليها؛ لأن الظاهر صدقهم وضبطهم، فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم لاحتمال أن يلقنوا. وروى عن أحمد رواية ثالثة تتلخص فى أن شهادة الصبى تقبل إن كان ابن عشر، ولكن البعض يخصص هذه الرواية بغير الحدود والقصاص((1)).
وفى مذهب الزيدية رأى مرجوح يرى أصحابه جواز شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الشجاج ما لم يتفرقوا، ويتأول بعضهم هذا الرأى فيقول: إن الشهادة تقبل للتأديب لا للحكم((2)).
530 - ثانيا: العقل: يشترط فى الشاهد أن يكون عاقلا. والعاقل من عرف الواجب عقلا، والضرورى وغيره، والممكن والممتنع، وما يضره وما ينفعه غالبا، فلا تقبل شهادة مجنون ولا معتوه، ولكن تقبل الشهادة ممن يجن أحيانا فى حالة إفاقته إذا كان يفيق إفاقة يعقل معها الشهادة، ولا تقبل شهادة المجنون لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - : “رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق” كما أن شهادة المجنون لا تقبل للمعنى المانع من قبول شهادة الصبى((3)).
531 - ثالثا: الحفظ: يشترط فى الشاهد أن يكون قادرا على حفظ الشهادة، وفهم ما وقع بصره عليه، مأمونا على ما يقول، فإن كان مغفلا لم تقبل شهادته. ويلحق بالغفلة كثرة الغلط والنسيان، ولكن تقبل الشهادة ممن يقل منه الغلط، لأن أحدا لا ينفك من الغلط.
__________
(1) المغنى [ج12 ص27].
(2) شرح الأزهار [ج4 ص193].
(3) مواهب الجليل [ج6 ص150]، المهذب [ج2 ص342]، أسنى المطالب [ج4 ص339]، الإقناع [ج4 ص439]، شرح فتح القدير [ج4 ص169]، البحر الرائق [ج7 ص85]، المحلى [ج9 ص429].

(3/432)


والعلة فى عدم قبول شهادة المغفل - ولو كان عدلا - أنه لا يؤمن على ما يقول ولا تمنع عدالته من أن يغتفل، فيشهد على الرجل مثلا ولا يعرفه يتسمى له بغير اسمه، كما أنه يخشى عليه أن يلقن فيأخذ بما ألقى إليه. لكن إذا لم يكن فى الشهادة ما يدعو إلى التلبيس تقبل شهادة المغفل نحو قوله: رأيت هذا الشخص قتل هذا الشخص، أو رأيت فلانا يطأ فلانة((1)).
على أن أبا يوسف صاحب أبى حنيفة يؤثر عنه أنه كان يجيز شهادة المغفل ولا يجيز تعديله، لأن التعديل يحتاج إلى الرأى والتدبير، والمغفل لا يستقصى فى ذلك، بينما كان محمد يرد شهادة الصوام القوام المغفل ويقول: إنه شر من الفاسق فى الشهادة((2)).
والزيديون يردون شهادة من غلب عليه السهو النسيان، فإن تساوى ضبطه ونسيانه فالأكثرون لا يصححون شهادته، والأقلون يجعلونها موضع اجتهاد((3)).
__________
(1) مواهب الجليل [ج6 ص154]، المهذب [ج2 ص342]، أسنى المطالب [ج4 ص353]، الإقناع [ج4 ص437].
(2) البحر الرائق [ج7 ص85].
(3) شرح الأزهار [ج4 ص197].

(3/433)


532 - رابعا: الكلام: يشترط فى الشاهد أن يكون قادرا على الكلام، فإن كان أخرس فقد اختلف فى قبول شهادته: ففى مذهب مالك يقبلون شهادة الأخرس إذا عرفت إشارته، وفى مذهب أحمد لا يقبلون شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته، إلا إذا كان يستطيع الكتابة فأدى الشهادة بخطه، وفى مذهب أبى حنيفة لا يقبلون شهادة الأخرس سواء كانت بالإشارة أو بالكتابة، وفى مذهب الشافعى خلاف على قبول شهادة الأخرس، منهم من قال: تقبل لأن إشارته كعبارة الناطق فى نكاحه وطلاقه، فكذلك فى الشهادة، ومنهم من قال: لا تقبل لأن إشارته أقيمت مقام العبارة فى موضع الضرورة، وقد قبلت فى النكاح والطلاق للضرورة لأنهما لا يستفادان إلا من جهته، ولا ضرورة تدعو لقبول إشارته فى الشهادة لأنها تصح من غيره بالنطق، ومن ثم لا تجوز إشارته، وفى مذهب الزيدية رأيان: أحدهما أن شهادة الأخرس لا تصح إطلاقا، والثانى أنها تصح((1)).
533 - خامسا: الرؤية: يشترط فى الشاهد أن يرى ما يشهد به، فإن كان الشاهد أعمى فقد اختلف فى قبول شهادته، فالحنفيون لا يقبلون شهادة الأعمى؛ لأن أداء الشهادة يحتاج إلى أن يشير الشاهد إلى المشهود له والمشهود عليه، ولأن الأعمى لا يميز إلا بالنغمة وفى تمييزه شبهة، وهم لا يقبلون شهادة من كان أعمى وقت أداء الشهادة ولو كان بصيرا وقت تحمل الشهادة، بل إنهم يردون شهادة البصير الذى عمى بعد أداء الشهادة وقبل القضاء؛ لأنهم يشترطون الأهلية فى الشاهد وقت القضاء لتكون شهادته حجة.
__________
(1) مواهب الجليل [ج6 ص154]، الإقناع [ج4 ص436]، البحر الرائق [ج7 ص85]، المهذب [ج2 ص342]، شرح الأزهار [ج4 ص192].

(3/434)


والأصل فى مذهب أبى حنيفة أن شهادة الأعمى لا تقبل سواء فيما كان طريقه الرؤية، وما كان طريقه السماع والشهرة والتسامع. ولكن أبا يوسف يجيز شهادة الأعمى فيما طريقه السماع مطلقا، ويجيزها فيما طريقه الرؤية إذا كان بصيرا وقت التحمل أعمى عند الأداء، إذا كان يعرف الخصوم بأسمائهم وأنسابهم. ويرى زفر أن شهادة الأعمى تجوز فقط فى غير الحدود والقصاص فيما يجرى فيه التسامع كالنسب والموت، وهذا القول رواية عن أبى حنيفة((1)).
ويقبل المالكيون شهادة الأعمى فى الأقوال ولو كان قد تحملها بعد العمى، ما دام فطنا لا تشتبه عليه الأصوات ويتيقن المشهود له والمشهود عليه، فإن شك فى شئ من ذلك لم تجز شهادته، أما شهادة الأعمى فى المرئيات فلا تقبل إلا أن يكون تحملها بصيرا ثم عمى وهو يتيقن عين المشهود له أو يعرفه باسمه ونسبه((2)).
ويجيز الشافعيون شهادة الأعمى فيما يثبت بالاستفاضة كالنسب والموت؛ لأن طريق العلم به السماع، والأعمى كالبصير فى السماع، ولا يجيزون أن يكون شاهدا فى الأفعال كالقتل والغصب؛ لأن طريق العلم بها البصر، ولا شاهدا فى الأموال كالبيع والإقرار والنكاح والطلاق إذا كان المشهود عليه خارجا عن يده؛ لأن شهادته ستقوم على العلم بالصوت وحده، والصوت يشبه الصوت، فأما إذا كان المشهود عليه فى يده كرجل أقر ويد الأعمى على رأسه فشهد وهو فى يده لم يفارقه فتقبل الشهادة الشهادة لأنها عن علم ويقين. وإذا تحمل الشهادة وهو بصير قبلت شهادته إذا كان الخصوم معروفين له بالاسم والنسب، أو إذا كان المشهود عليه فى يده لم يفارقه بعد العمى. ويرى بعض فقهاء المذهب قبول شهادة الأعمى مطلقا فى الأقوال إذا عرف الصوت((3)).
__________
(1) البحر الرائق وحاشية منحة الخالق [ج7 ص84، 85]، طرق الإثبات الشرعية [ص409، 410].
(2) مواهب الجليل [ج6 ص154].
(3) المهذب [ج2 ص353]، أسنى المطالب [ج4 ص361].

(3/435)


وفى مذهب أحمد يجيزون شهادة الأعمى كلما تيقن الصوت، أى أنهم يجيزون شهادته فى الأقوال مطلقا. أما فى الأفعال فيجيزون شهادته فى كل ما تحمله قبل العمى إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه((1)).
ومذهب الزيديين لا يكاد يختلف عن مذهب الشافعى، فالقاعدة عندهم أن شهادة الأعمى لا تصح فيما يفتقر إلى الرؤية عند الأداء، فإذا شهد بما يحتاج إلى المعاينة عند أداء الشهادة لا تقبل شهادته إلا أن يكون المشهود عليه فى يده من قبل ذهاب بصره؛ كثوب متنازع عليه، فإذا لم تكن المعاينة لازمة عند الأداء قبلت شهادة الأعمى فيما يثبت بطريق الاستفاضة كالنسب والنكاح، فإن كان مما لا يثبت بطريق الاستفاضة قبلت شهادته فقط فيما تحمله قبل ذهاب بصره، لأن الشهادة على الصوت وحده لا تصح، على أن البعض يرى قبول الشهادة كلما عرف الأعمى الصوت على وجه اليقين((2)).
أما الظاهريون فيقبلون شهادة الأعمى مطلقا فى الأقوال والأفعال، وفيما تحمله قبل العمى وفيما تحمله بعده، ويردون على من يقولون إن الأصوات تشتبه بأن الصور أيضا تشتبه، وما يجوز لمبصر أو أعمى أن يشهد إلا بما يوقن ولا يشك فيه، وأن الأعمى لو لم يقطع بصحة اليقين على من يكلمه لما حل له أن يطأ امرأته إذ لعلها أجنبية، ولا يعطى أحدا دينا عليه إذ لعله غيره، ولا أن يبيع من أحد ولا أن يشترى، وأن الله جل شأنه أمر بقبول البينة ولم يشترط أعمى من مبصر، وما كان ربك نسيا((3)).
534 - سادسا: العدالة: لا خلاف فى اشتراط العدالة فى سائر الشهادات، فيجب أن يكون الشاهد عدلا لقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2]، ولقوله: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6]، فأمر جل شأنه بقبول شهادة العدل وبالتوقف فى نبأ الفاسق، والشهادة نبأ.
__________
(1) المغنى [ج12 ص61، 62].
(2) شرح الأزهار [ج4 ص199، 200].
(3) المحلى [ج9 ص433].

(3/436)


وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذى غمر((1)) على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع((2)) لأهل البيت” ((3)). وفى رواية أخرى: “لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذى غمر على أخيه” ((4)).
ويفسر بعض الفقهاء الخيانة بحيث تشمل جميع ما افترض الله تعالى على العباد القيام به أو اجتنابه من صغير ذلك وكبيره، ولا يخصها بأمانات الناس، ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} [الأحزاب: 72].
والعدالة كما يعرفها المالكيون هى المحافظة الدينية على اجتناب الكبائر وتوقى الصغائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة، وليست العدالة أن يمحص الإنسان الطاعة حتى لا تشوبها معصية إذ ذلك متعذر لا يقدر عليه إلا الأولياء والصديقون، لكن من كانت الطاعة أكثر حاله وأغلبها عليه، وهو مجتنب للكبائر محافظ على ترك الصغائر، فهو العدل((5)).
ويعرف الحنفيون العدالة بأنها الاستقامة على أمر الإسلام، واعتدال العقل ومعارضة الهوى، وليس لكمالها حد يدرك، فيكتفى لقبولها بأدنى حدودها وهو رجحان جهة الدين والعقل على الهوى والشهوة، وعندهم ان العدل هو من لم يطعن عليه فى بطن ولا فرج، وهو من يكون مجتنبا للكبائر غير مصر على الصغائر، ومن يكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، ومن تكون مروءته ظاهرة((6)).
__________
(1) الغمر: الحقد والإجنة.
(2) القانع: هو التابع الذى ينفق عليه أهل البيت.
(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذى.
(4) رواه أبو داود.
(5) مواهب الجليل [ج6 ص150].
(6) البحر الرائق [ج7 ص104]، حاشية ابن عابدين [ج4 ص225].

(3/437)


ويعرف الشافعيون العدالة بأنها اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، فمن تجنب الكبائر والصغائر فهو عدل، ومن تجنب الكبائر وارتكب الصغائر وكان ذلك نادرا من أفعاله لم يفسق ولم ترد شهادته؛ لأنه لا يوجد من يمحص الطاعة ولا يخلطها بمعصية، وإن كان ذلك غالبا فى أفعاله فسق وردت شهادته؛ لأنه من استجاز الإكثار من الصغائر استجاز أن يشهد بالزور، فالحكم معلق على الغالب من أفعاله((1)).
ويعرف الحنابلة العدالة بأنها استواء أحوال الشخص فى دينه واعتدال أقواله وأفعاله، ويعتبر لها شيئان: أولهما: الصلاح فى الدين وهو من وجه أداء الفرائض بسننها الراتبة، فلا تقبل الشهادة ممن داوم على تركها لفسقه، ومن وجه آخر اجتناب المحرم فلا يرتكب كبيرة ولا يدمن على صغيرة. وثانيهما: استعمال المروءة؛ وهو الإتيان بما يجمله ويزينه، وترك ما يدنسه ويشينه((2)).
ويلاحظ أن فقهاء المذاهب السابقة يلحقون المروءة بشرط العدالة، لأن ترك المروءة يدل على عدم المحافظة وهى لازم العدالة.
والمروءة عند المالكيين هى المحافظة على فعل ما تركه مباح يوجب الذم عرفا، كترك الملئ الانتعال فى بلد يستقبح فيه مشى مثله حافيا، وعلى ترك ما فعله مباح يوجب ذمه عرفا؛ كالأكل فى السوق، وفى حانوت الطباخ لغير الغريب. ولا يراد بالمروءة نظافة الثوب وفراهة المركوب وجودة الآلة وحسن الشارة، بل المراد التصون، والسمت الحسن، وحفظ اللسان، وتجنب المجون والسخف، والارتفاع عن كل خلق ردئ يرى أن من تخلق به لا يحافظ معه على دينه وإن لم يكن فى نفسه حرمة((3)).
__________
(1) المهذب [ج2 ص343]، أسنى المطالب [ج4 ص339].
(2) الإقناع [ج4 ص437]، المغنى [ج12 ص32].
(3) مواهب الجليل [ج6 ص152].

(3/438)


والمروءة عند الحنفيين أن لا يأتى الإنسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل، وقيل: السمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون والارتفاع عن كل خلق دنئ. والمروءة عند محمد هى الدين والصلاح((1)).
والمروءة عند الشافعيين هى الإنسانية، وهى مشتقة من المرء. وعندهم أن من ترك الإنسانية لم يؤمن أن يشهد الزور؛ لأن من لا يستحى من الناس فى ترك المروءة لم يبال بما يصنع((2)). ويستدلون على ذلك بما روى أبو مسعود البدرى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.
والمروءة عند الحنابلة هى تمسك الإنسان بما يجمله ويزينه وترك ما يشينه، أو هى اجتناب الأمور الدنيئة المزرية بالإنسان من فعل أو قول أو عمل((3)).
والعدل فى المذهب الزيدى هو ما كان منزها عن محظورات دينه. فالعدالة عندهم إذن هى التنزه عن المحظورات الدينية((4))، ويعرفها بعضهم بأنها ملازمة التقوى والمروءة.
والعدل عند الظاهريين هو من لم تعرف له كبيرة ولا مجاهرة بصغيرة. والكبيرة هى ما سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبيرة أو ما جاء فيه الوعيد، والصغيرة ما لم يأت فيه وعيد. وهم لا يشترطون المروءة لتحقق العدالة ويرون الاكتفاء بالطاعة واجتناب المعصية؛ لأنه إذا كانت المروءة من الطاعة فالطاعة تغنى عنها، وإن لم تكن من الطاعة فلا يجوز اشتراطها فى أمور الديانة إذ لم يأت بذلك قرآن ولا سنة((5)).
__________
(1) البحر الرائق [ج7 ص100].
(2) المهذب [ج2 ص343].
(3) المغنى [ج12 ص33]، الإقناع [ج4 ص437].
(4) شرح الأزهار [ج4 ص194]، البحر الزخار [ج5 ص50].
(5) المحلى [ج9 ص393، 395].

(3/439)


واختلف الفقهاء فى ثبوت العدالة، فرأى أبو حنيفة والظاهريون أن العدالة تفترض فى الشاهد حتى يثبت جرحه، بمعنى أنه إذا لم يجرح المشهود عليه الشاهد قبلت الشهادة دون أن يكون على القاضى أن يتحرى عن عدالة الشاهد، وحجة أبى حنيفة ما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : “الناس عدول بعضهم على بعض إلا محدودا فى قذف”، وما جاء فى كتاب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى: “والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور، أو مجلودا فى حد، أو ظنينا فى ولاء أو قرابة”، وحجة الظاهريين أن فاعل الكبيرة فاسق وأن من عداه عدل؛ لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31]، وما كفره الله وأسقطه لا محل لأحد أن يذم به صاحبه ولا أن يصفه به((1)).
ويرى المالكيون والشافعيون والحنابلة والزيديون، ومعهم أبو يوسف ومحمد من فقهاء المذهب الحنفى، أن يتحرى القاضى عن عدالة الشهود ولو لم يجرحهم المشهود عليه؛ لأن القضاء قائم على شهادة العدل فوجب أن يتأكد القاضى من توفر صفة العدالة فى الشاهد ليقبل شهادته((2)).
535 - سابعا: الإسلام: يشترط فى الشاهد أن يكون مسلما، فلا تقبل شهادة غير المسلم سواء كانت الشهادة على مسلم أو غير مسلم. وهذا هو الأصل الذى يسلم به جميع الفقهاء، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282]، وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2]، ولكن هذا الأصل المتفق عليه له استثناءات مختلف عليها:
الاستثناء الأول: شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض:
__________
(1) البحر الرائق [ج7 ص69]، المحلى [ج9 ص393].
(2) مواهب الجليل [ج6 ص150]، أسنى المطالب [ج4 ص312]، الإقناع [ج4 ص400]، البحر الرائق [ج7 ص69]، المحلى [ج9 ص393، 394].

(3/440)


يرى الحنفيون قبول شهادة الذميين على مثلهم والحربين على مثلهم، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض، ولأنهم من أهل الولاية على أنفسهم وأولادهم فيكونون من أهل الشهادة على جنسهم((1)).
ويرى الزيديون قبول شهادة غير المسلم على ملته دون غيرهم من الملل، فلا تجوز شهادة اليهود على النصارى ولا شهادة النصارى على اليهود((2)).
ويرى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قبول شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض تحقيقا للمصلحة العامة وتحقيقا للعدالة، وهما بذلك يرجحان رواية ضعيفة عن أحمد بجواز قبول الشهادة((3)).
ولا يقبل المالكيون والشافعيون شهادة غير المسلمين، هذا يتفق مع الرواية المشهورة فى مذهب أحمد - وهى الرواية المعمل بها - كما يتفق مع المذهب الظاهرى((4)).
الاستثناء الثانى: شهادة غير المسلمين على المسلمين فى الوصية حال السفر:
يرى الحنابلة أنه إذا شهد بوصية المسافر الذى مات فى سفره شهود من غير المسلمين قبلت شهادتهم إذا لم يوجد غيرهم، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106].
ويتفق رأى الظاهريين مع رأى الحنابلة فى قبول شهادة غير المسلم إذا لم يوجد غيرهم.
__________
(1) البحر الرائق [ج7 ص102، 104].
(2) شرح الأزهار [ج4 ص193].
(3) الطرق الحكمية [ص157، 163].
(4) مواهب الجليل [ج6 ص150]، أسنى المطالب [ج4 ص339]، المغنى [ج12 ص53]، المحلى [ج9 ص406].

(3/441)


أما المالكيون والحنفيون والشافعيون والزيديون فلا يقبلون شهادة غير المسلم فى هذه الحالة، وحجتهم أن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل فى الوصية كالفاسق، ولأن الفاسق لا تقبل شهادته فالكافر أولى. واختلفوا فى تأويل الآية، فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء، ومنهم من قال: المراد بقوله {من غيركم } أى من غير عشيرتكم، ومنهم من قال: معنى الشهادة فى الآية هو اليمين((1)).
الاستثناء الثالث: شهادة غير المسلم على المسلم عند الضرورة:
يرى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قبول شهادة غير المسلم على المسلم فى كل ضرورة حضرا وسفرا فى كل شئ عدم فيه المسلمون، قياسا على قبول شهادتهم فى الوصية، لأن شهادتهم قبلت فى الوصية للضرورة فتقبل فى كل ضرورة.
وفى مذهب أحمد رواية بقبول شهادة السبى بعضهم لبعض فى النسب إذا ادعى أحدهم أن الآخر أخوه، وهذا للضرورة.
ويجيز مالك شهادة الطبيب غير المسلم حتى على المسلم للحاجة استثناء واحدا فى مذهبه، أما بقية الفقهاء فلا يقبلون شهادة غير المسلم((2)).
536 - انتفاء موانع الشهادة: يشترط فى الشاهد أن لا يقوم به مانع يمنع شرعا من قبول شهادته، والموانع التى تمنع من قبول الشهادة هى:
أ - القرابة: تمنع القرابة من قبول الشهادة عند مالك: من ذلك أنه لا يقبل شهادة الأبوين لأولادهما، ولا شهادة الأولاد لأبويهم، ولا يقبل شهادة الزوجين أحدهما للآخر((3)).
ويمنع أبو حنيفة من قبول شهادة الأصل لفرعه، والفرع لأصله، وأحد الزوجين للآخر((4)).
__________
(1) المغنى [ج12 ص51]، مواهب الجليل [ج6 ص150]، أسنى المطالب [ج4 ص339]، المحلى [ج9 ص406]، الطرق الحكمية [ص163، 171].
(2) نفس المراجع السابقة، والمغنى [ج12 ص54]، الطرق الحكمية [ص159، 171، 174].
(3) مواهب الجليل [ج6 ص154].
(4) البحر الرائق [ج7 ص87، 89].

(3/442)


وفى مذهب الشافعى: لا تقبل شهادة الوالدين للأولاد وإن سفلوا، ولا شهادة الأولاد للوالدين وإن علوا، على أن بعض فقهاء المذهب يرى قبولها. أما شهادة أحد الزوجين للآخر فلا مانع منها عند الشافعيين((1)).
وفى مذهب أحمد: لا تقبل شهادة عمودى النسب بعضهم لبعض من والد وإن علا ولو من جهة الأم، وولد وإن سفل من ولد البنين والبنات. كذلك لا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه((2)).
وحجة من يمنع الشهادة للقرابة ما رواه ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذى حنة”، والظنين المتهم، والقريب متهم بمحاباة قريبه.
ويرى الظاهريون والزيديون أن القرابة لا تمنع من قبول الشهادة ما دام الشاهد عدلا، فكل عدل مقبول لكل أحد وعليه((3)).
ب - العداوة: وجمهور الفقهاء لا يقبلون شهادة العدو على عدوه إذا كانت العداوة من الشاهد والمشهود عليه فى أمر الدنيا كالأموال والمواريث والتجارة ونحوها. أما إذا كانت غضبا لله لفسقه وجراءته على الله لغير ذلك لم تسقط. ولذلك تجوز شهادة المسلم على غير المسلم لأن عداوة الدين عامة، والمعتبر فى عدم قبول الشهادة العداوة الخاصة، وعلى هذا مذهب مالك والشافعى وأحمد والمذهب الزيدى((4)).
وفى مذهب أبى حنيفة يرى المتأخرون أن شهادة العدو لا تقبل على عدوه إن كانت العداوة دنيوية؛ لأن المعاداة لأجل الدنيا حرام، فمن عادى لأجل الدنيا لا يؤمن منه التقول على عدوه. أما إذا كانت العداوة لأجل الدين فإنها لا تمنع من قبول الشهادة؛ لأنها تدل على كمال دين الشاهد وعدالته، وهذا لأن المعاداة قد تكون واجبة كأن رأى فيه منكرا ولم ينته بنهيه.
__________
(1) المهذب [ج2 ص347].
(2) الإقناع [ج4 ص421].
(3) المحلى [ج9 ص415]، شرح الأزهار [ج4 ص198، 199].
(4) مواهب الجليل [ج6 ص159]، أسنى المطالب [ج4 ص252]، المهذب [ج4 ص252]، المهذب [ج2 ص348]، المغنى [ج12 ص55]، شرح الأزهار [ج4 ص197].

(3/443)


أما المتقدمون من فقهاء المذهب فيرون أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع من الشهادة ما لم يفسق الشاهد بسببها أو يجلب منفعة أو يدفع بها عن نفسه مضرة.
ويرى أبو حنيفة نفسه أن شهادة العدو على عدوه تقبل إن كان عدلا، ولكن المتأخرين خالفوا رأيه لما رواه أبو داود مرفوعأ: “لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذى غمر على أخيه”. والغمر هو الحقد((1)).
ويرى الظاهريون أن الحكم يتعلق بنفس الشاهد، فإن كانت عداوته للمشهود له تخرجه إلى ما لا يحل فهى جرحة فيه ترد شهادته لكل أحد وفى كل شئ، وإن كانت العداوة لا تخرج الشاهد إلى ما لا يحل فهو عدل مقبول الشهادة.
ويرد الظاهريون الحديث السابق من كل طرقه، لأن فى رواته مجهولين أو لأنه مرسل، ويحتجون بقوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8]، ويرون أن الله أمرنا بالعدل على أعدائنا فصح أن من حكم بالعدل على عدوه أو صديقه أو لهما أو شهد وهو عدل على عدوه أو صديقه أو لهما فشهادته مقبولة وحكمه نافذ((2)).
جـ - التهمة: وهى أن يكون بين الشاهد والمشهود له ما يبعث على الظن بأن الشاهد يحابى المشهود له بشهادته، أو أن يكون للشاهد مصلحة تعود عليه من أداء الشهادة، ويدخل تحت التهمة القريب لقريبه والعدو على عدوه، ولكنا رأينا أن نخص القرابة والعداوة بالكلام على حدة لما لهما من أهمية خاصة.
والشهادات التى يتهم فيها الشاهد كثيرة، من ذلك شهادة الشريك لشريكه، وشهادة الأجير لمن يستأجره، وشهادة الخادم لمخدومه، وشهادة السائل، وشهادة الوكيل لموكله، وشهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضررا أو يجر لنفسه نفعا.
__________
(1) البحر الرائق [ج7 ص93، 94].
(2) المحلى [ج9 ص412، 420].

(3/444)


والأصل فى عدم قبول الشهادة للتهمة قوله تعالى: {وأدنى ألا ترتابوا} [البقرة: 282]، وما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “لا تجوز شهادة ظنين”، وأنه قال: “لا تجوز شهادة ذى الظنة ولا ذى الحنة”، والظنة: التهمة، والحنة: العداوة.
والفقهاء لم يتفقوا على كل الحالات التى ترد فيها الشهادة للتهمة، فبعضهم يرد الشهادات فى كل الحالات التى سبق ذكرها، وبعضهم يردها فى حالات دون حالات، أو من وجه دون وجه، ومنشأ ذلك اختلاف وجهات النظر عند التطبيق.
ويمكن القول بأن جمهور الفقهاء فى مذهب مالك وأبى حنيفة والشافعى وأحمد وزيد لا يقبلون الشهادة للتهمة على اختلاف بينهم فى التطبيق. أما الطاهريون فلا يرون الشهادة للتهمة، ويرون قبول الشهادة ما دام الشاهد عدلا((1)).
537 - الشروط الخاصة للشهادة على الزنا: يشترط أن تتوفر فى شاهد الزنا – بعد الشروط العامة التى ذكرناها - شروط خاصة هى:
__________
(1) المحلى [ج9 ص412، 420]، مواهب الجليل [ج6 ص154، 177]، البحر الرائق [ج7 ص86، 107]، أسنى المطالب [ج4 ص349]، المغنى [ج12 ص49، 60]، شرح الأزهار [ج4 ص195، 199].

(3/445)


أولا: الذكورة: يشترط جمهور الفقهاء فى شهود الزنا أن يكونوا رجالا كلهم، ولا يقبلون فى الزنا شهادة النساء، ذلك أن النصوص قاطعة فى أن عدد الشهود لا يقل عن أربعة((1))، وأن شهادة الرجل تعادل شهادة امرأتين: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282]، وإذا كان لفظ الأربعة اسم لعدد الشهود فإن ذلك يقتضى الاكتفاء بشهادة أربعة، ولا شك فى أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم إذ أن أقل ما يجزئ فى هذه الحالة خمسة على فرض أن فيهم امرأة واحدة، وهذا مخالف للنص، كذلك فإن فى شهادة النساء شبهة لتطرق الضلال إليهن والقاعدة عند جمهور الفقهاء أن الحدود تدرأ بالشبهات.
ومذاهب الفقهاء الأربعة((2)) تقوم على اشتراط الذكورة فى الشاهد، وكذلك مذهب الشيعة الزيدية((3))، على أن اشتراط الذكورة إذا كان له محل فى شهادة الإثبات فلا محل لاشتراطه فى شهادة النفى، ومن ثم يجوز أن يكون شهود النفى من النساء.
وقد روى عن عطاء وحماد أنهما قبلا شهادة ثلاثة رجال وامرأتين فى الزنا((4)).
ويرى ابن حزم أنه يجوز أن يقبل فى الزنا امرأتان مسلمتان عدلتان مكان كل رجل، فيكون الشهود ثلاثة رجال وامرأتين، أو رجلين وأربع نسوة، أو رجلا واحدا وست نسوة، أو ثمانى نسوة فقط لا رجال معهم((5)).
__________
(1) راجع الفقرة [51].
(2) مواهب الجليل [ج6 ص180]، شرح فتح القدير [ج4 ص114]، المهذب [ج2 ص350]، المغنى [ج10 ص175].
(3) شرح الأزهار [ج4 ص185، 186].
(4) المغنى [ج10 ص175].
(5) المحلى [ج9 ص395].

(3/446)


هل يصح أن يكون الزوج شاهدا؟: لا يجيز مالك والشافعى وأحمد أن يكون الزوج أحد الشهود على زوجته الزانية، لأن الزوج يقذف الزوجة بالزنا، أو لأنه متهم بدعواه أن الزوجة خائنة((1)).
ويرى أبو حنيفة أن يكون الزوج أحد الشهود الأربعة، وأنه غير متهم فى شهادته لأن التهمة ما توجب جر نفع، والزوج ملحق على نفسه بهذه الشهادة لحوق العار وخلو الفراش خصوصا إذا كان له منها أولاد صغار((2)). وعلى هذا مذهب الزيديين((3)).
ويفرق ابن حزم بين ما إذا جاء الزوج قاذفا وبين مجيئه شاهدا، فإن جاء الزوج قاذفا فلابد من أربعة شهود سواه وإلا حد أو يلاعن، فإن لم يكن قاذفا لكن جاء شاهدا فإن كان عدلا ومعه ثلاثة عدول فهى شهادة تامة وعلى المشهود عليها حد الزنا((4)).
ثانيا: الأصالة: ويشترط أبو حنيفة الأصالة فى الشهود، أى أن يكونوا شهدوا الحادث بأنفسهم، فلا تقبل عنده شهادة الشاهد على الشاهد((5)) أى الشهادة السماعية، كما أنه لا يقبل كتاب القاضى إلى القاضى، أى أنه لا يقبل شهادة شهود الإثبات أمام قاض غير القاضى الذى ينظر الدعوى ويفصل فيها إذا شهدوا كلهم أو بعضهم أمام الأول فأرسل شهادتهم إلى الأخير، لأن كتاب القاضى يعتبر بذاته شهادة على شهادة.
والعلة فى منع الشهادة على الشهادة قيام الشبهة فى صحة الشهادة المنقولة، ذلك أن الاحتياط واجب فى الحدود، وأن الحدود تدرأ بالشبهات، فلا تقبل الشهادة للشبهة فى صحتها.
__________
(1) المدونة [ج16 ص8]، المهذب [ج2 ص384]، الإقناع [ج4 ص442].
(2) شرح فتح القدير [ج4 ص114].
(3) شرح الأزهار [ج4 ص337].
(4) المحلى [ج11 ص261، 263].
(5) تسمى شهادة الشاهد السماعية، وتسمى أيضا بالإرعاء، لأن الأصيل يسترعى السامع ليسمع شهادته.

(3/447)


ويرتب أبو حنيفة على عدم قبول شهادة الفروع((1)) أنه إذا جاء الأصول بعد رد شهادة الفروع فشهدوا بأنهم عاينوا الحادث وذكروا نفس ما شهد به الفروع من الزنا، فلا تقبل شهادة الأصول أيضا لأن شهادتهم قد ردها الشرع من وجه برد شهادة الفروع فى عين الحادثة التى شهد بها الأصول إذا هم قائمون مقامهم فيصار ذلك شبهة فى درء الحد عن المشهود عليه بالزنا((2)).
والأصل عند أبى حنيفة هو قبول الشهادة على الشهادة، ولكنه لا يقبلها استثناء فى الحدود والقصاص((3)).
والأصل عند الشافعى أن الشهادة تجوز فى حقوق الآدميين وفيما لا يسقط بالشبهة من حقوق الله تعالى؛ لأن الحاجة تدعو لذلك عند تعذر شهادة الأصل بالموت والمرض والغيبة، أما الحدود المقررة حقا خالصا لله تعالى وهى حد الزنا وحد السرقة وقطع الطريق وشرب الخمر ففيها يقولان: أحدهما أنه يجوز فيها الشهادة على الشهادة لأنه حق يثبت بالشهادة فجاز أن يثبت بالشهادة على الشهادة كحقوق الآدميين. والثانى: أنه لا يجوز لأن حدود الله تعالى مبنية على الدرء والإسقاط فلا يثب إلا بما يؤكدها ويوثقها، والشهادة على الشهادة فيها من الشبهة ما يمنع من التأكيد والتوثيق، وهذا هو الرأى الراجح فى المذهب((4))، والقاعدة عند الشافعى أن ما يثبت بالشهادة على الشهادة يثبت بكتاب القاضى إلى القاضى، وما لا يثبت بالشهادة على الشهادة الذى كتب له الشهادة فكان حكمه حكم الشهادة على الشهادة((5)).
__________
(1) تسمى شهادة من عاين الحادث شهادة الأصول، وتسمى شهادة الناقلين عن الأصول شهادة الفروع.
(2) شرح فتح القدير [ج4 ص171].
(3) حاشية ابن عابدين [ج4 ص544].
(4) المهذب [ج2 ص355]، أسنى المطالب [ج4 ص377]، نهاية المحتاج [ج8 ص151].
(5) المهذب [ج2 ص355].

(3/448)


ويرى أحمد أن الشهادة على الشهادة لا تقبل إلا فى حق يقبل فيه كتاب القاضى إلى القاضى، وترد فيما يرد فيه((1))، ولا يقبل كتاب القاضى عند أحمد فى حد الله تعالى كالزنا، ويقبل فى كل حق آدمى من المال وما يقصد به المال كالدية والقصاص والقذف، ويعللون التسوية بين كتاب القاضى والشهادة على الشهادة بأن كتاب القاضى ليس إلا شهادة على شهادة((2)).
ولا يقبل الزيديون الشهادة على الشهادة فى الزنا، لأن القاعدة عندهم أن الشهادة على الشهادة (أو الإرعاء) تجوز فى جميع الحقوق إلا الحد والقصاص((3)).
ولا يشترط مالك الأصالة فى الشهود، فتجوز عنده الشهادة على الشهادة فى الحدود وغير الحدود، كما يقبل كتاب القاضى إلى القاضى فى الحدود وغير الحدود.
ويشترط فى مذهب مالك أن ينقل عن كل شاهد أصيل شاهدان، ويجوز أن ينقل الشاهدان عن شاهد واحد أو عن أكثر من شاهد، ولكن لا يجوز بحال أن ينقل شاهد واحد عن شاهد أصيل ولو مع يمين المدعى، ويشترط فى الشاهدين الناقلين أن لا يكون أحدهما شاهدا أصيلا، كأن يشهد شخص على معاينة الجريمة، ويشهد مع غيره على شهادة آخر عاين الجريمة((4)).
وفى الزنا يجوز أن يشهد أربعة على شهادة أربعة أو يشهد كل اثنين على شهادة واحد أو شهادة اثنين، أو يشهد ثلاثة على شهادة ثلاثة ويشهد اثنان على شهادة الرابع، أما إذا شهد اثنان أو ثلاثة على شهادة الأربعة فلا تقبل الشهادة، لأنهم يوجبون أن لا يكون عدد الشهود السماعيين أقل من عدد الشهود الأصليين((5)).
__________
(1) الإقناع [ج4 ص447].
(2) الإقناع [ج4 ص406].
(3) شرح الأزهار [ج4 ص186، 205].
(4) شرح الزرقانى [ج7 ص195].
(5) مواهب الجليل [ج6 ص198، 199].

(3/449)


وإذا شهد اثنان على شهادة ثلاثة وشهد اثنان على شهادة الرابع لم تصح الشهادة، لأنه لا يصح أن يكون عدد الشهود السماعيين أقل من عدد الأصليين، وكذلك الحكم لو أدى الرابع الشهادة بنفسه أو نقل ثلاثة وواحد عن كل الأربعة إذ الرابع لم ينقل عنه اثنان((1)).
ويجوز عند مالك أن تجتمع شهادة النقل بشهادة الأصل ويلفق منهما شهادة واحدة فى الزنا وغيره، كأن يشهد اثنان على رؤية الزنا وينقل اثنان عن كل واحد من الاثنين الآخرين، أو يشهد ثلاثة بالرؤية وينقل اثنان عن كل واحد من الاثنين الآخرين، أو يشهد ثلاثة بالرؤية وينقل اثنان عن الرابع، فتتم الشهادة فى هاتين الصورتين وتعتبر شهادة مقبولة، لكن إذا نقل اثنان عن ثلاثة وشهد الرابع بنفسه فلا تقبل الشهادة لأن النقل غير صحيح إذ الاثنان لا ينقلان عن ثلاثة((2)).
وعند الظاهريين تقبل الشهادة على الشهادة فى كل شئ ويقبل فى ذلك واحد على واحد؛ لأن الله تعالى أمرنا بقبول شهادة العدول، والشهادة على الشهادة شهادة عدول فقبولها واجب، ولا فرق بين واحد وبين اثنين فى تبيين الحق خصوصا وأن ما ينقله شاهد السماع خبر والخبر يؤخذ من الواحد الثقة((3)).
__________
(1) شرح الزرقانى [ج7 ص195، 196].
(2) شرح الزرقانى [ج7 ص196].
(3) المحلى [ج9 ص438] وما بعدها.

(3/450)


والقاعدة عند جمهور الفقهاء((1)) أن الشهادة على الشهادة لا يجوز الحكم بها إلا عند تعذر حضور الشهود الأصلاء، كأن يموت الشاهد الأصيل، أو يمرض مرضا يمنعه من الانتقال، أو أن يكون غائبا، أو مجهول المكان، فإذا كان حضور الأصيل ممكنا لم تقبل الشهادة على الشهادة، لأن شهادة الأصل أقوى لكونها مثبتة لنفس الحق أما الشهادة على الشهادة فتثبت شهادة الشاهد الأصيل((2)).
ورأى أبى حنيفة والشافعى وأحمد فى كتاب القاضى إلى القاضى يتفق مع قاعدة القانون المصرى فى المسائل الجنائية، إذ يوجب أن يسمع الشهود القاضى الذى يحكم فى القضية. أما رأى مالك والظاهريين فيتفق مع قاعدة القانون المصرى فى المسائل المدنية، إذ يجيز فى المسائل المدنية أن يسمع الشهود قاض غير الذى يحكم فى القضية ثم يرسل بالشهادة مكتوبة إلى زميله الذى ينظر موضوع القضية.
ثالثا: أن لا يتقادم الحد: يشترط أبو حنيفة لقبول الشهادة أن لا يكون حادث الزنا قد تقادم، والأصل فى مذهب أبى حنيفة، أن شهادة الشهود بحد متقادم لا تقبل إلا فى حد القذف خاصة، وعلة التفرقة بين القذف وغيره من الحدود أن الشاهد لا يستطيع أن يتقدم بشهادته فى القذف إلا بعد رفع الدعوى، ولا يحرك الدعوى إلا المقذوف، فإذا تأخر الشاهد حتى رفعت الدعوى فلا تهمة، أما بقية الحدود فيجوز لشاهد فيها أن يتقدم لشهادته دون حاجة لشكوى من المجنى عليه.
__________
(1) يرى أبو يوسف ومحمد بن الحسن قبول الشهادة على شهادة الحاضر فى المصر وإن كان صحيحا، ويرى مثل ذلك ابن حزم، وحجته أنه لم يجد لمن منع من قبول الشهادة على شهادة الحاضر حجة أصلا لا من قرآن ولا من سنة ولا من قول أحد السلف ولا قياس ولا معقول، المحلى [ج9 ص438، 439].
(2) مواهب الجليل [ج6 ص198]، المهذب [ج2 ص355]، الإقناع [ج4 ص447]، حاشية ابن عابدين [ج4 ص544].

(3/451)


ويحتج الحنفيون لفكرة التقادم بأن الشاهد طبقا لقواعد الشريعة مخير إذا شهد الحادث بين أداء الشهادة حسبة لله تعالى لقوله جل شأنه: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2]، وبين أن يتستر على الحادث لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : “من ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه فى الآخرة”، فإذا سكت الشاهد عن الحادث حتى قدم عليه العهد دل بذلك على اختيار جهة الستر، فإذا شهد بعد ذلك فهو دليل على أن الضغينة هى التى حملته على الشاهدة، ومثل هذا لا تقبل شهادته للتهمة والضغينة، وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا عن ذغن ولا شهادة لهم. ولم ينقل أن أحدا أنكر عليه هذا القول فيكون إجماعا، والمستفاد من قول عمر أن الشهادة المتأخرة تورث التهمة ولا شهادة لمتهم طبقا لقواعد الشريعة العامة((1)).
ومع أن أبا حنيفة يقول بالتقادم على الوجه السابق، فإنه يرد الشهادة المتقادمة، ويقبل الإقرار بما سوى الشرب. ويؤيده فى هذا أبو يوسف ولكن محمد بن الحسن يرى رد الشهادة المتقادمة ويقبل الإقرار مطلقا حتى بالشرب القديم((2)).
ويستخلص مما سبق أن الحنفيين لا يجعلون للتقادم أثرا على الجريمة، فالجريمة قائمة مهما تقادم عليها العهد، ومن الواجب أن يعاقب مرتكبها، ولكنهم يجعلون للتقادم أثرا على الشهادة بحيث إذا تأخرت الشهادة عن الوقت المناسب ردت للتهمة، ورد الشهادة يؤثر من طريق غير مباشر على الجريمة إذ لا يعاقب الجانى عليها لانعدام الأدلة.
وهناك رأى آخر نقل عن ابن أبى ليلى وخلاصته: أن لا تقبل الشهادة ولا الإقرار أيضا إذا تقادما((3)).
__________
(1) بدائع الصنائع [ج7 ص46]، شرح فتح القدير [ج4 ص162].
(2) شرح فتح القدير [ج4 ص162].
(3) شرح فتح القدير [ج4 ص162].

(3/452)


ولا يمنع التقادم عند أبى حنيفة من قول الشهادة إلا إذا كان تأخر الشاهد بشهادته لغير عذر ظاهر، فإن كان التأخر فى الشهادة لعذر ظاهر قبلت الشهادة، كبعد المسافة عن محل القاضى أو كمرض الشاهد أو غير ذلك من الموانع الحسية((1)).
ولم يقدر أبو حنيفة للتقادم حدا، وفوض الأمر للقاضى يقدره طبقا لظروف كل حالة؛ لأن اختلاف الأعذار يجعل التوقيت متعذرا، ولكن بعض فقهاء المذهب قدروا التقادم بشهر وقدره البعض الآخر بستة أشهر((2)).
أما مالك والشافعى وأصحابهما ومعهم الزيديون والظاهريون فلا يعترفون بالتقادم ويقبلون الشهادة المتأخرة والإقرار بجريمة قديمة ولا يردونهما لقدمهما((3)).
وفى مذهب أحمد رأيان: أحدهما يتفق مع رأى أبى حنيفة، والثانى يتفق مع رأى مالك والشافعى، وهو الرأى المعمول به فى المذهب((4)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص165].
(2) شرح فتح القدير [ج4 ص165].
(3) المغنى [ج10 ص187]، المحلى [ج11 ص144]، شرح الأزهار [ج4 ص339].
(4) المغنى [ج10 ص187].

(3/453)


رابعا: أن تكون الشهادة فى مجلس واحد: يشترط عند مالك وأبى حنيفة وأحمد أن يتقدم شهود الزنا بشهادتهم فى مجلس قضائى واحد، وليس من الضرورى عند أحمد أن يأتى الشهود مجتمعين، فيصح أن يأتوا متفرقين ما دام مجلس القضاء منعقدا، فإذا انقضى المجلس فلا تقبل شهادة المتأخر منهم، واعتبر من أدى الشهادة قاذفا ما دام أن عددهم أقل من أربعة، أما مالك وأبو حنيفة فيشترطان تجمع الشهود عند بدء الشهادة، فإن جاءوا متفرقين يشهدون واحدا بعد الآخر لا تقبل شهادتهم ويحدون وإن كثروا، فالشرط إذن اجتماعهم فى مجلس واحد وقت أداء الشهادة، أما إذا جاء بعضهم فجلس فى أماكن الشهود فلما بدأت المحكمة سماع الشهود لم يكن عددهم متكاملا فلما سئل أحدهم جاء الثانى ولما سئل الثانى حضر الثالث وهكذا، فإن شهادتهم لا تقبل ويعتبرون قذفة((1)).
ولا يشترط الشافعيون والزيديون والظاهريون هذا الشرط، ويستوى عندهم أن يأتى الشهود متفرقين أو مجتمعين، وأن تؤدى الشهادة فى مجلس واحد أو أكثر من مجلس، وحجتهم أن الله تعالى قال: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13] فذكر الشهود ولم يذكر المجلس، وقال: {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت} [النساء: 15]، ولأن كل شهادة مقبولة تقبل إن تقبل إن اتفقت ولو تفرقت فى مجلس كسائر الشهادات((2)).
__________
(1) مواهب الجليل [ج6 ص179[، شرح الزرقانى [ج7 ص176 وج8 ص81]، شرح فتح القدير [ج4 ص120]، بدائع الصنائع [ج7 ص48]، المغنى [ج10 ص178، 179].
(2) المغنى [ج10 ص187]، المهذب [ج2 ص350]، شرح الأزهار [ج4 ص337]، المحلى [ج11 ص259].

(3/454)


ويحتج أصحاب الرأى المضاد بعمل عمر رضى الله عنه، فقد شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة وهم أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد ولم يشهد زياد فحد عمر الثلاثة، ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا برابع فى مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم. وأما الآية فإنها لم تتعرض لشروط ولهذا لم تذكر العدالة وصفة الزنا مثلا، ولأن قوله تعالى: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} [النور: 4] لا يخلو من أن يكون مطلقا فى الزمان كله أو مقيدا، ولا يصح أن يكون مطلقا لأنه يمنع من جواز جلدهم، لأنه ما من زمن ألا يجوز أن يأتى فيه بأربعة شهداء أو يكلمهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم المأمور به، وإذا ثبت أنه مقيد فأولى ما قيد به المجلس لأن المجلس كله بمنزلة الحال الواحدة((1)).
خامسا: أن يكون عدد الشهود أربعة: إذا شهد على الزنا أقل من أربعة شهود لم تقبل شهادتهم وحدوا حد القذف عند مالك وأبى حنيفة والزيديين((2))؛ لقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4].
والرأى الراجح فى مذهب الشافعى ومذهب أحمد يتفق مع رأى مالك وأبى حنيفة، أما الرأى المرجوح فيرى أصحابه أن لا يحد الشهود إذا نقص عددهم عن أربعة ما دام أنهم قد جاءوا مجئ الشهود؛ أى تقدموا لأداء الشهادة حسبة له تعالى، ولم يكن ثمة ما يدفعهم للشهادة غير ذلك، ولأن الشهادة على الزنا أمر جائز والجائز لا عقاب عليه، ولأن إيجاب العقاب يؤدى إلى الامتناع عن الشهادة خشية أن يتوقف أحد الشهود عن الشهادة((3)).
__________
(1) المغنى [ج10 ص178].
(2) شرح فتح القدير [ج4 ص170]، شرح الزرقانى ج7 ص197]، المغنى [ج10 ص179]، شرح الأزهار [ج4 ص338].
(3) المهذب [ج2 ص350]، المغنى [ج10 ص179].

(3/455)


ويرى الظاهريون أن الشاهد بالزنا لا يحد أصلا سواء كان معه غيره أم لم يكن إذ الحد شرع للقاذف الرامى ولم يشرع لشهداء أو البينة، وقد فرق القرآن والسنة بين الشهد من البينة وبين القاذف الرامى فلا يحل البتة أن يكون لأحدهما حكم الآخر((1)).
ويرد أصحاب الرأى المخالف بأن الثابت من قضاء عمر أنه حد الشهود الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة حينما لم يكمل الرابع الشهادة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد.
وإذا تبين أن الشهود الأربعة ليس لكلهم أو لبعضهم أهلية الشهادة كأن كان أحدهم فاسقا أو محدودا فى قذف، فيرى مالك سقوط الشهادة وأن على الشهود جميعا الحد؛ لأنها شهادة لم تكمل، هذا إذا تبين انعدام الأهلية قبل الحكم، أما إذا كان ذلك بعد الحكم فلا حد على واحد منهم؛ لأن الشهادة تمت باجتهاد القاضى((2)).
ويرى أبى حنيفة((3)) حد الشهود سواء تبين انعدام الأهلية قبل الحكم أو بعد الحكم وقبل التنفيذ، أما إذا كان العلم بانعدام الأهلية بعد التنفيذ فإن كان الحد جلدا فكذلك يحد الشهود ولا يضمنون أرش الضرب فى قول أبى حنيفة، وعند محمد وأبى يوسف يجب الأرش فى بين المال. وإن كان الحد رجما فلا يحد الشهود لأنه تبين أن كلامهم وقع قذفا، ومن قذف حيا ثم مات المقذوف سقط الحد وتكون الدية فى بيت المال إذ يعتبر الخطأ حاصلا من القاضى، وخطأ القاضى فى بيت المال، لأنه عامل لعامة المسلمين وبيت المال مالهم.
__________
(1) المحلى [ج11 ص260].
(2) شرح الزرقانى [ج7 ص198].
(3) بدائع الصنائع [ج7 ص48].

(3/456)


ويفرقون فى مذهب أبى حنيفة بين الشهود باعتبار أهليتهم للتحمل والأداء، فمنهم من هو أهل للتحمل والأداء على وجه القصور كالفساق لتهمة الكذب، ومنهم من هو أهل للتحمل والأداء على وجه كالصبيان والمجانين والكفار، ومنهم من هو أهل للتحمل دون الأداء كالمحدودين فى قذف العميان، والنوع الأول يحكم بشهادته وتثبت الحقوق بها، والثانى يجب التوقف فى شهادته حتى يظهر صدقه، والثالث لا شهادة له أصلا، والرابع تصح شهادته متحملا ولا تقبل منه مؤديا.
ويرتبون على هذه التفرقة أن من فقد أهلية التحمل أو الأداء أو هما معا يعتبر قاذفا بشهادته، فإذا شهد أربعة عميان أو كفار أو محدودون فى قذف حدوا القذف، وإذا شهد أربعة بالزنا أحدهم أعمى أو كافر أو محدود فى قذف وجب على الأربعة حد القذف، الأول لانعدام أهليته والثلاثة لأن الشاهدة لم تكمل، أما إذا شهد بالزنا أربعة فساق فإن الحد يسقط عن المشهود عليه لعدم الثبوت وعن الشهود لثبوت شبهة الثبوت إذ أنهم أهل للشهادة على وجه القصور، وكذلك الحال إذا شهد أربعة أحدهم فاسق((1)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص169، 170].

(3/457)


وعند الشافعى أنه إذا شهد أربعة بالزنا فرد الحاكم شهادة أحدهم فإن كان الرد بسبب ظاهر بأن كان أحدهم عبدا أو كافرا أو متظاهرا بالفسق كان الأمر كما لو لم يتم العدد، لأن وجود هذا الشاهد كعدمه فلا يكمل العدد، وإن كان الرد بسبب خفى كالفسق الباطن ففيه وجهان: أن حكمه حكم ما لو نقص العدد لأن عدم العدالة كعدم الوجود، والوجه الثانى: أنهم لا يحدون قولا واحدا؛ لأنه إذا كان الرد بسبب باطن لم يكن من جهتهم تفريط فى الشهادة فهم معذورون فلا حد عليهم، وإن كان الرد بسبب ظاهر كانوا مفرطين فوجب الحد عليهم((1)). وفى مذهب أحمد ثلاث روايات إن كان الشهود غير مرضيين كلهم أو أحدهم، الأولى: عليهم الحد لأنها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهود كما لو كانوا ثلاثة، والثانية: لا حد عليهم لأنهم جاءوا أربعة شهداء فدخلوا فى عموم الآية لأن عددهم كمل ورد الشهادة لمعنى غير تفريطهم، فأشبه ما لو شهد أربعة مستورون ولم تثبت عدالتهم أو فسقهم، والثالثة: إذا كانوا فساقا فلا حد عليهم وإن لم يكونوا كذلك وكانوا غير مرضى الشهادة كالكفار والعميان فعليهم الحد((2)).
ويلاحظ بهذه المناسبة ما سبق أن قلناه من أن فى مذهب الشافعى وأحمد رأيا يرى أصحابه أن لا يحد الشهود إذا نقض عددهم ما دام أنهم قد جاءوا مجئ الشهود.
ومذهب الزيديين على أنه إذا كمل عدد الشهود سقط حد القذف عنهم ولو لم تكمل عدالتهم، لكن إذا لم يكونوا عدولا لم يحد المقذوف، وكذلك لو كان أحد الشهود غير أهل للشهادة كالأعمى والمجنون، فإن الحد يسقط عن الشهود وعن المقذوف((3))، ومعنى ما سبق أن الشهود لا يحدون إلا فى حالة واحدة هى أن لا يكمل عددهم أربعة.
أما الظاهريون فقد رأينا من قبل أنهم لا يرون حد الشاهد سواء كان وحده أو كان معه غيره، ذلك أن الحد جعل للقاذف لا للشاهد.
__________
(1) المهذب [ج2 ص350].
(2) المغنى [ج10 ص181].
(3) شرح الأزهار [ج4 ص354، 355].

(3/458)


ومن المتفق عليه أن شاهد السماع لا حد عليه إذا لم تقبل شهادته أو لم يكمل عدد الشهود؛ لأن شهادته لا تعتبر قذفا إذ أنه ينقل عن غيره والمفروض أنه حسن النية((1))، فإذا شهد ثلاثة بأنهم رأوا الزنا وشهد الرابع بأنه سمع من آخر بأنه رأى الزنا لم تكمل الشهادة وحد شهود الرؤية عند من يرى حد الشهود إذا لم تكمل الشهادة((2))، ولم يحد شاهد السماع. أما إذا شهد اثنان بالسماع وشهد ثلاثة بالرؤية فتقبل الشهادة وتعتبر كاملة عند مالك والظاهريين، ولا تقبل عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والزيديين، ويحد الشهود الثلاثة عند أبى حنيفة والزيديين وعلى الرأى الراجح فى مذهبى الشافعى وأحمد.
وتقبل شهادة الشهود ولو اعترفوا بأنهم تعمدوا النظر إلى فرج المرأة ولا تبطل شهادتهم بذلك لأن أداء الشهادة فى الزنا يقتضى النظر إلى عين الفرج فيكون النظر مباحا للشهود بقصد إقامة الشهادة، كما يباح للطبيب بقصد علاج المرض((3)).
وإذا رجع الشهود عن الشهادة أو واحد منهم، فيرى مالك أن يحد الشهود الراجعون عن شهادتهم حد القذف إذا كان الرجوع بعد الحكم سواء كان قبل الاستيفاء أو بعده، أما إذا كان الرجوع قبل الحكم فيحد جميع الشهود ولو كان الرجوع من أحدهم فقط لأن الشهادة لم تكمل((4)).
__________
(1) بدائع الصنائع [ج7 ص48].
(2) يحد الشهود فى هذه الحالة طبقا لمذهب مالك وأبى حنيفة وزيد وعلى الرأى الراجح فى مذهب الشافعى ومذهب أحمد، ولكنهم لا يحدون طبقا لمذهب الظاهريين لأنهم يجيزون شهادة السماع ويجيزون أن ينقل الواحد عن واحد.
(3) شرح فتح القدير [ج4 ص176]، المهذب [ج2ص352]، المغنى [ج10 ص177]، شرح الزرقانى [ج7 ص177]، مواهب الجليل [ج6 ص179]، شرح الأزهار [ج4 ص388].
(4) شرح الزرقانى [ج7 ص197].

(3/459)


والأصل عند مالك أن الرجوع عن الشهادة قبل الحكم يسقط الشهادة لاعتراف الشهود بأنهم كانوا على وهم أو شك أو كانوا غير عدلين. أما إذا كان الرجوع بعد الحكم وقبل الاستيفاء فالشهادة لا تسقط، ولكن ينقض الحكم إذا تبين كذب الشهادة، كأن يتبين أن المتهم بالزنا مجبوب أو يظهر الشخص المدعى بقتله، وإذا كان الرجوع بعد الحكم وبعد الاستيفاء فلا تسقط الشهادة، ولا ينقض الحكم ولكن يعاقب الشهود((1)).
ويرى أبو حنيفة أنه إذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم، فإذا رجع أحدهم بعد الإمضاء فعليه ربع الدية وعليه حد القذف، ويرى زفر أن لا يحد، فإذا لم يحد المشهود عليه بالزنا حتى يرجع أحدهم – أى أن الرجوع يكون بعد القضاء وقبل الإمضاء – فإن الشهود يحدون جميعا، وقال محمد وزفر: يحد الراجع وحده لأن الشهادة تأكدت بالقضاء، وإذا رجع واحد منهم قبل القضاء حدوا جميعا، وقال زفر: يحد الراجع وحده((2)).
والقاعدة عند الشافعى أنه إذا شهد الشهود بحق ثم رجعوا عن الشهادة لم يخل إما أن يكون قبل الحكم أو بعد الحكم وقبل الاستيفاء، أو بعد الحكم وبعد الاستيفاء، فإن كان قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم لأنه يحتمل أن يكونوا صادقين فى الشهادة كاذبين فى الرجوع، ويحتمل أن يكونوا صادقين فى الرجوع كاذبين فى الشهادة، ولا حكم مع الشك، فإن رجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فإن كان فى حد أو قصاص لم يجز الاستيفاء لأن هذه الحقوق تسقط بالشبهة، والرجوع شبهة ظاهرة، وإن رجعوا بعد الحكم والاستيفاء لم ينقض الحكم.
__________
(1) شرح الزرقانى [ج7 ص196].
(2) شرح فتح القدير [ج4 ص172].

(3/460)


ويترتب على هذه القواعد أنه إذا شهد أربعة بالزنا فرجع واحد منهم قبل أن يحكم بشهادتهم لزم الراجع حد القذف، وفى فقهاء المذهب من لا يرى حده لأنه أضاف الزنا للمشهود عليه بلفظ الشهادة دون قصد القذف وهو رأى مرجوح، وأما الثلاثة فلا حد عليهم قولا واحدا لأنه ليس من جهتهم تفريط ولأنهم شهدوا والعدد تام ورجوع الراجع لا يمكنهم الاحتراز منه، فإن رجعوا كلهم وقالوا تعمدنا الشهادة وجب عليهم الحد.
أما إذا رجعوا كلهم أو بعضهم بعد الحكم وقبل التنفيذ حد الراجع دون من لم يرجع. وإذا كان الرجوع بعد الحكم وبعد التنفيذ فكذلك الحكم، إلا إذا كانت العقوبة الرجم فعلى الشهود القود إذا تعمدوا فى شهادتهم ما يوجب القتل، وعليهم الضمان فى حالة الخطأ((1)).
وعند أحمد: إذا رجع الشهود عن الشهادة أو واحد منهم فعلى جميعهم الحد فى أصح الروايتين، وهذا يتفق مع مذهب أبى حنيفة، والثانية: يحد الثلاثة دون الراجع لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم فيسقط عنه الحد، ولأن فى درء الحد عنه تمكينا له من الرجوع الذى تحصل به مصلحة المشهود عليه، وفى إيجاب الحد عليه زجر له عن الرجوع خوفا من الحد((2)).
والمذهب الزيدى على أن رجوع الشهود قبل الحكم يبطل الشهادة، وكذلك الحال فى الرجوع بعد الحكم وقبل التنفيذ((3))، ولذلك يحد الشهود حد القذف إذا رجعوا قبل تنفيذ الحكم، ويجب عليهم الأرش أو القصاص إذا كان الرجوع بعد تنفيذ الحكم((4)).
__________
(1) المهذب [ج2 ص350، 358]، المغنى [ج10 ص182].
(2) المغنى [ج10 ص182].
(3) شرح الأزهار [ج4 ص215].
(4) شرح الأزهار [ج4 ص222، 348].

(3/461)


والقاعدة عند الظاهريين أن رجوع الشاهد عن شهادته قبل الحكم مبطل للشهادة وأن رجوعه عنها بعد الحكم مؤد لفسخ الحكم((1))، وقد رأينا فيما سبق أنهم لا يرون حد الشاهد بالزنا أصلا سواء كان معه غيره أو لم يكن((2))، ويترتب على ذلك أنه إذا رجع أحد الشهود أو كلهم فلا حد على أحد منهم لأن الحد على القاذف لا على الشاهد.
وتقبل الشهادة على الخصى والعنين لتصور حصول الزنا منهما ولإمكان انتشار الآلة، بخلاف المجبوب فلا تقبل الشهادة عليه إذ لا يتصور منه الوطء.
وإذا شهد الشهود بحصول الزنا فدفعت المرأة بأنها عذراء عرضت على امرأة أو أكثر فإذا شهدن بأنها كذلك درئ الحد عنها، وتكفى شهادة امرأة واحدة إذا لم يوجد غيرها وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد، لأن شهادة المرأة الواحدة مقبولة عندهما فيما لا يطلع عليه الرجال، وعلى هذا المذهب الزيدى أيضا((3))، وأساس درء الحد احتمال كذب شهود الإثبات أو وهمهم، واعتبار ذلك شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
ويشترط الشافعى شهادة أربع نسوة، فإذا شهدن بأنها بكر لم يجب عليها الحد، لأنه يحتمل أن تكون البكارة أصلية لم تزل، ويحتمل أن تكون عائدة لأن البكارة تعود إذا لم يبالغ فى الجماع، فلا يجب الحد مع الاحتمال، ولا يجب الحد أيضا على الشهود؛ لأنه إذا درئ الحد عنها لجواز أن تكون البكارة أصلية والشهود كاذبون وجب أن يدرأ الحد عن الشهود لجواز أن تكون البكارة عائدة وهم صادقون((4)).
__________
(1) المحلى [ج9 ص429].
(2) المحلى [ج11 ص260].
(3) شرح فتح القدير [ج4 ص169]، المغنى [ج10 ص189]، شرح الأزهار [ج4 ص350].
(4) المهذب [ج2 ص351].

(3/462)


ويشترط ابن حزم شهادة أربع نسوة لدرء الحد((1))، ولكنه لا يكتفى بأن يقرر النساء أنها عذراء ويوجب أن يصفن عذريتها، فإن قلن إنها عذرة يبطلها إيلاج الحشفه ولابد وأنه صفاق عند باب الفرج فقد أيقنا بكذب الشهود وأنهم وهموا فلا يحل إنفاذ الحكم بشهادتهم، وإن قلن إنها عذرة واغلة فى داخل الفرج لا يبطلها إيلاج الحشفة فقد أمكن صدق الشهود، إذ بإيلاج الحشفة يجب الحد، فيقام الحد عليها حينئذ لأنه لم يتيقن كذب الشهود ولا وهمهم((2)).
ولا يدرأ ابن حزم الحد بالشبهة لأن المذهب الظاهرى لا يعترف بالشبهة كما قدمنا.
ورأى ابن حزم فى قبول شهادة النساء فى حالة ادعاء البكارة مخالف لفقهاء المذهب الظاهرى الذين يرون إهمال شهادة النفى والأخذ بشهادة الإثبات((3)).
أما مالك فلا يدرأ الحد ولو شهد أربع نسوة بأن المتهمة بالزنا عذراء، وحجته أن شهود الإثبات عاينوا الزنا، وأن الإيلاج ممكن مع بقاء البكارة، كما أن المثبت مقدم على النافى((4)).
شهود الإحصان: يرى مالك والشافعى وأحمد أنه يكفى فى إثبات الإحصان شهادة رجلين، لأنه حالة فى الشخص لا علاقة لها بواقعة الزنا، فلا يشترط أن يشهد بالإحصان أربعة رجال كما هو الحال فى الزنا((5)).
وفى مذهب أبى حنيفة يكفى أيضا رجلان لإثبات الإحصان، ولكن فقهاء المذهب يرون أن الإحصان يثبت برجلين أو برجل وامرأتين، عدا زفر فيشترط أن يثبت برجلين((6)).
والمذهب الزيدى على أنه يكفى فى إثبات الإحصان عدلان ولو رجل وامرأتان((7)).
__________
(1) المحلى [ج9 ص395، 405].
(2) المحلى [ج11 ص263، 264].
(3) المحلى [ج11 ص263].
(4) شرح الزرقانى [ج8 ص81].
(5) شرح الزرقانى [ج7 ص197]، المهذب [ج2 ص359]، الإقناع [ج4 ص451].
(6) شرح فتح القدير [ج4 ص176].
(7) شرح الأزهار [ج4 ص343].

(3/463)


أما المذهب الظاهرى فلا يفرق فيه الفقهاء بين إثبات الزنا وإثبات الإحصان، وعدم التفرقة معناه أن الزنا والإحصان معا يثبتان بأربعة شهود((1)).
وكل زنا أوجب الحد لا يقبل فيه أقل من أربعة شهود باتفاق العلماء لتناول النص له: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4]، ويدخل فى ذلك اللواط ووطء المرأة فى دبرها ووطء البهائم عند من يعطى هذه الأفعال حكم الزنا، أما من يعتبرها جرائم تعزيرية فيكتفى فى إثباتها بما يثبت به التعزير، وهو يثبت بشاهدين كما يرى البعض((2))، ويثبت برجل وامرأتين، وبأربع نسوة، وبرجل واحد أو امرأتين مع يمين الطالب، كما يثبت النكول والإقرار((3)).
ويرى بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى ومذهب أحمد أن كل وطء لا يوجب الحد ويوجب التعزير لا يثبت إلا بأربعة شهود؛ لأنه فاحشة ولأنه الإيلاج فى فرج محرم، فإن لم يكن الفعل وطئا كالمباشرة دون الفرج ونحوها ثبت بشاهدين((4)).
__________
(1) المحلى [ج9 ص395].
(2) المهذب [ج2 ص350]، المغنى [ج10 ص190، 191].
(3) المحلى [ج9 ص396]، بدائع الصنائع [ج7 ص65]، حاشية ابن عابدين [ج4 ص515] وما بعدها، مواهب الجليل [ج6 ص180] وما بعدها.
(4) المهذب [ج2 ص350]، المغنى [ج10 ص190، 191].

(3/464)


سادسا: أن يقتنع القاضى بشهادة الشهود: ولا يستلزم أداء الشهود للشهادة أن يحد المتهم بالزنا ما لم يقتنع القاضى بصحة الشهادة، فإذا اختلف الشهود فى وصف الفعل أو فى زمانه أو مكانه اختلافا ينبئ بكذبهم أو كذب بعضهم رفضت شهادتهم، وهناك خلاف على حد الشهود فى هذه الحالة بين من يرون الشهود إذا لم تكمل الشهادة أو لم تقبل، فيرى البعض حدهم لأنهم شهدوا على وقائع مختلفة ليس على واقعة منها أربعة شهود فهم قذفة، ويرى البعض أن لا يحدوا وقد أدوا الشهادة، ويرى البعض أن يترك الأمر للقاضى ليقدر كل حالة بظروفها ولاحتمال أن تكون شبهة تدرأ الحد عن الشهود.
ويحاول الفقهاء فى كتبهم أن يأتوا على أهم وجوه الاختلاف بين الشهود: من ذلك أن يشهد اثنان أنه زنا بها فى هذا البيت، ويشهد اثنان أنه زنى بها فى بيت آخر، أو أن يشهد اثنان بأنه زنا بها فى بلد غير البلد الذى شهد صاحباهما، أو أن يختلفوا على اليوم أو الشهر أو السنة التى وقع فيها الزنا، فإن كان هذا الخلاف فالجميع قذفة عند مالك وعند بعض فقهاء مذهب الشافعى وأحمد وعند زفر من فقهاء المذهب الحنفى، بينما يرى أبة حنيفة وبعض فقهاء مذهب الشافعى وأحمد أن لا حد على الشهود لأنهم كملوا أربعة((1)).
ويرى ابن الماجشون من فقهاء المالكية أن شهادة الشهود تصح ولو اختلفوا إذا كان الخلاف فيما لو لم يذكروه تمت شهادتهم ولم يلزم الحاكم أن يسألهم عنه((2)).
__________
(1) مواهب الجليل [ج6 ص179]، شرح فتح القدير [ج4 ص164]، المهذب [ج2 ص357]، المغنى [ج10 ص183].
(2) مواهب الجليل [ج6 ص179].

(3/465)


وإذا شهد اثنان أنه زنا بها فى زاوية بيت، وشهد اثنان أنه زنا بها فى زاوية أخرى منه وكانت الزاويتان متباعدتين فالقول فيهما كالقول فى البيتين، وإن كانتا متقاربتين كملت شهادتهم وحد المشهود عليه فى رأى أبى حنيفة وأحمد، وعند الشافعى ومالك وزفر لا حد على المشهود عليه لأن الشهادة لم تكمل((1)).
وإن شهد اثنان بأنه زنا بها مكرهة، وشهد اثنان بأنه زنا بها مطاوعة، فلا حد عليها إجماعا لأن الشهادة لم تكمل على فعل موجب لحد المرأة، أما الرجل فقد اختلفوا فيه، فرأى البعض أن لا حد عليه لأن البينة لم تكمل على فعل واحد؛ فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة، ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين، ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين، وذلك يمنع من قبول الشهادة أو يكون شبهة فى درء الحد، ولا يخرج المر على أن يكون قول واحد منهما مكذبا للآخر، ولا يصح هذا إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة فى أحدهما ومكرهة فى الآخر، وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد، ولأن شاهدى المطاوعة قاذفان لها ولم تكمل البينة فلا تقبل شهادتهما على غيرها، وهذا هو رأى مالك وأبى حنيفة وأحد الوجهين فى مذهبى الشافعى وأحمد.
ورأى البعض أن الحد واجب على الرجل لأن الشهادة كملت على وجود الزنا منه بعد أن أجمع الشهود على أنه أتى الفعل، واختلاف الشهود إنما هو فى فعل المرأة لا فى فعل الرجل، فلا يمنع هذا الاختلاف من كمال الشهادة عليه، وهذا هو رأى أبى يوسف ومحمد من فقهاء الحنفية ووجه فى مذهبى الشافعى وأحمد.
__________
(1) مواهب الجليل [ج6 ص179]، شرح فتح القدير [ج4 ص167]، المهذب [ج2 ص357]، المغنى [ج10 ص183].

(3/466)


أما الشهود ففيهم ثلاثة أوجه: أحدها: لا حد عليهم وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم. وثانيها: عليهم الحد لأنهم شهدوا بالزنا ولم تكمل شهادتهم فلزمهم الحد كما لو لم يكمل عددهم. وثالثها: يجب الحد على شاهدى المطاوعة لأنهما قذفا المرأة بالزنا ولم تكمل شهادتهما عليها، أما شاهدا الإكراه فلا يجب الحد عليهما لأنهما لم يقذفا المرأة وقد كملت شهادتهما على الرجل وإنما انتفى عنه الحد للشبهة((1)).
ويرى الزيديون أن الاختلاف لا أهمية له إلا إذا كان على حقيقة الفعل وهو الإيلاج أو مكان الفعل أو وقته أو كيفيته من اضطجاع أو قيام أو غير ذلك، فإن اتفقت شهادة الشهود على ذلك لزم الحد، وإن اختلف فى شئ منه أو أجملوا ولم يفصلوا لم تصح شهادتهم ولا حد عليهم لكمال البينة((2)).
والقاعدة عند الظاهريين أن ما لا تتم الشهادة إلا به فإن الاختلاف فيه مفسد للشهادة، وعندهم أن الشهادة تتم فى الزنا إذا كانت على حصول الزنا من رجل بامرأة أجنبية عنه، وكان الشهود على يقين من ذلك، فإذا اختلف الشهود بعدها فى المكان أو فى الزمان أو فى وصف المزنى بها فلا عبرة باختلافهم، لأن ذكر ذلك والسكوت عنه سواء، ومن ثم تكون الشهادة تامة والحد واجب مع الاختلاف فى هذه المسائل((3)).
ومن المتفق عليه أن الشهادة على الزنا لا تستلزم قيام دعوى سابقة على الشهادة فيجوز أن يتقدم الشهود بالشهادة دون قيام دعوى الزنا ويترتب على تقدمهم بالشهادة قيام الدعوى، ويحتج الفقهاء فى هذا الوجه بقضية أبى بكرة حيث شهد هو وأصحابه على المغيرة من غير تقدم دعوى، وبقضية الجارود حيث شهد هو وآخر على قدامة بن مظعون بشرب الخمر ولم يتقدمه دعوى.
__________
(1) يراجع فى كل ما سبق: مواهب الجليل [ج6 ص179]، شرح فتح القدير [ج4 ص166]، المهذب [ج2 ص357]، المغنى [ج10 ص185].
(2) شرح الأزهار [ج4 ص338].
(3) المحلى [ج11 ص147].

(3/467)


والعلة فى عدم اشتراط قيام الدعوى فى الزنا أن الحد فى الزنا حق الله تعالى فلا تفتقر الشهادة به إلى قيام الدعوى، لأن الدعوى فى سائر الحقوق إنما تكون من المستحق، وهذا لا حق فيه لأحد من الآدميين فيدعيه، ولو توقفت الشهادة على قيام الدعوى لما أقيمت الشهادة ولا الدعوى((1)).
ويشترط لصحة الشهادة ولتكون مقنعة للقاضى أن تكون مبنية لماهية الزنا وكيفيته ومتى كان وأين وقع وبمن زنا، وعلى القاضى أن يستفصل الشهود فى هذا كله ليصل إلى حقيقة الأمر.
فأما عن ماهية الزنا فلأن الزنا اسم يقع على أنواع لا توجب الحد، فقد روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه”، ولا شك أن الحد لا يجب إلا بوطء الفرج بحيث يكون الذكر فى الفرج كالميل فى المكحلة.
وأما عن الكيفية فلاحتمال أن يريد الشهود بالزنا الجماع فيما دون الفرج، لأن ذلك يسمى جماعا حقيقة أو مجازا ولكنه لا يوجب الحد.
وأما عن الزمان فلاحتمال أن يشهد بعض الشهود على واقعة غير التى يشهد عليها البعض الآخر، ولاحتمال أن يشهد الشهود بزنا متقادم، والتقادم على رأى أبى حنيفة يمنع من قبول الشهادة كما قدمنا، ولاحتمال أن يشهدوا على زنا وقع منه وهو صغير.
وأما عن المكان فلاحتمال أن يكون الزنا الذى يشهد به البعض وقع فى بلد غير البلد الذى يشهد البعض الآخر بحصول الزنا فيه، أو لاحتمال أن يكون الزنا وقع فى دار الحرب أو البغى ومثل هذا الزنا لا يعاقب عليه فى رأى أبى حنيفة.
وأما عن المزنى بها فلاحتمال أن تكون الموطوءة ممن لا يجب الحد بوطئها، وإذا كان أبو حنيفة يشترط لقبول الشهادة أن يعرف الشهود الرجل والمرأة، فإن غيره لا يشترط ذلك ويترك لمن ادعى حل الوطء أن يقيم البينة عليه.
__________
(1) المغنى [ج10 ص188].

(3/468)


وإذا أنكر المتهم الإحصان وشهد به الشهود فعليهم أن يبينوا شروطه، وعلى القاضى أن يستفصل منهم ذلك لاحتمال أنهم يجهلون ماهية الإحصان.
وعلى القاضى أن يستفصل كل مسقطات الحد كما عليه أن يستفصل كل ما يثبته، وأن يتحرى عدالة الشهود وصحة عقولهم وأبصارهم وانتفاء العداوة بينهم وبين المشهود عليه، وغير ذلك مما ترد به الشهادة، حتى يأتى حكمه صحيحا غير مشوب بعيب((1)).
علم القاضى: وإذا شهد القاضى حادث الزنا وقت وقوعه فليس له أن يقضى بعلمه على ما يراه جمهور الفقهاء، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وهو أحد قولى الشافعى وعليه أكثر الشافعيين، وحجتهم قوله تعالى: { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15]، وقوله: {فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13]، ولأن القاضى كغيره من الأفراد لا يجوز له أن يتكلم بما شهده ما لم تكن لديه البينة الكاملة، ولو رمى القاضى زانيا بما شهده منه وهو لا يملك على ما يقول البينة الكاملة لكان قاذفا يلزمه حد القذف، وإذا كان قد حرم على القاضى النطق بما يعلم فأول أن يحرم عليه العمل به.
ويستدلون أيضا بما روى عن أبى بكر رضى الله عنه من قوله: “لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندى”.
وعندهم أن القاضى إذا كان قد شهد الحادث ومعه ثلاثة غيره فله أن يتنحى عن القضاء ويشهد، فإذا لم يتنح عن القضاء فليس له أن يعتبر علمه متمما لشهادة الثلاثة((2)).
__________
(1) يراجع فى كل ما سبق: شرح الزرقانى [ج7 ص177]، شرح فتح القدير [ج4 ص115، 165]، المهذب [ج2 ص354]، الإقناع [ج4 ص433]، شرح الأزهار [ج4 ص351].
(2) شرح الزرقانى [ج7 ص150]، بدائع الصنائع [ج7 ص52]، المغنى [ج10 ص191]، المهذب [ج2 ص320].

(3/469)


أما الرأى الثانى فى مذهب الشافعى فيقوم على جواز أن يحكم القاضى بعلمه، وسند هذا الرأى ما رواه أبو سعيد الخدرى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: “لا يمنع أحدكم هيبته الناس أن يقول فى حق إذا رآه أو علمه أو سمعه”، ويقول أصحاب هذا الرأى: إنه إذا جاز للقاضى أن يحكم بما شهد به الشهود وهو من قولهم على ظن، فلأن يجوز أن يحكم بما سمعه أو رآه وهو على علم أولى((1)).
والمذهب الزيدى لا يجيز للقاضى أن يحكم بعلمه فى الحدود إلا فى حد القذف ويجيز له أن يحكم بعلمه فيما عدا ذلك، فيحكم بعلمه فى القذف والقصاص والأموال سواء علم ذلك قبل قضائه أو بعده، ويحتجون لذلك بقوله تعالى: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105]، ويرون أن علم القاضى ابلغ من الشهادة وأن من حكم بعلمه فقد حكم بما أراه الله((2)).
أما الظاهريون فيرون أنه فرض على القاضى أن يقضى بعلمه فى الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، وأقوى ما حكم بعلمه لأنه يقين الحق ثم بالإقرار ثم بالبينة، وحجتهم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135]، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ..”، فصح أن القاضى عليه أن يقوم بالقسط، وليس من القسط أن يترك الظالم على ظلمه لا يغيره، وصح أن فرضنا على القاضى أن يغير كل منكر علمه بيده وأن يعطى كل ذى حق حقه وإلا فهو ظالم((3)).
* * *
المبحث الثانى
الإقرار
__________
(1) المهذب [ج2 ص320].
(2) شرح الأزهار [ج4 ص320].
(3) المحلى [ج9 ص427].

(3/470)


538 - يثبت الزنا أيضا بالإقرار الزانى: ويشترط أبو حنيفة وأحمد أن يقر الزانى بالزنا أربع مرات قياسا على اشتراط الشهود الأربعة، ولما رواه أبو هريرة فقال: أتى رجل من الأسلميين (وهو ماعز) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى المسجد فقال: يا رسول الله إنى زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا رسول إنى زنيت، فأعرض عنه، حتى قال ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: “أبك جنون؟”، قال: لا، قال: “أحصنت؟”، قال: نعم، فقال - صلى الله عليه وسلم - : “اذهبوا به فارجموه”. ولو وجب الحد بالإقرار مرة واحدة لم يعرض عنه رسول الله لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله. وروى نعيم بن هزال هذا الحديث وفيه: “حتى قالها أربع مرات، فقال له رسول الله: “إنك قلتها أربع مرات فبمن؟ قال: بفلانة” رواه أبو داود، وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هى الموجبة.
وروى أبو برزة الأسلمى أن أبا بكر الصديق قال لهذا المقر عند النبى - صلى الله عليه وسلم - : إن أقررت أربعا رجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا دليل من وجهين: أحدهما: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أقره على هذا ولم ينكره فكان بمنزلة قوله لأنه لا يقر على الخطأ. والثانى: أن أبا بكر قد علم أن هذا من حكم النبى - صلى الله عليه وسلم - ولولا ذلك لما تجاسر على قوله بين يديه، وعلى هذا يجب أن يتعدد الإقرار وأن يكون أربع مرات فإن قل عنها فلا يعتبر((1)).
أما مالك والشافعى فمن رأيهما الاكتفاء بالإقرار مرة واحدة؛ لأن الإقرار إخبار والخبر لا يزيد بالتكرار، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: “واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها” فعلق الرجم على مجرد الاعتراف والظاهر الاكتفاء بأقل ما يصدق عليه اللفظ وهو المرة الواحدة، أما إعراض الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ماعز حتى أقر أربع مرات فراجع إلى أن الرسول استنكر عقله، ولذا أرسل لقومه مرتين يسألهم عن عقله حتى أخبروه بصحته فأمر برجمه((2)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص117]، المغنى [ج10 ص165].
(2) شرح الزرقانى [ج8 ص81]، أسنى المطالب [ج4 ص131].

(3/471)


ويشترط أبو حنيفة أن تكون الأقارير الأربعة فى مجالس مختلفة للمقر نفسه ولو حدثت فى مجلس واحد للقاضى((1)).
ويستوى عند أحمد أن تكون الأقارير الأربعة فى مجلس واحد أو مجالس متفرقة، فإذا أقر أربع مرات فى مجلس واحد أو فى مجالس متفرقة فالإقرار صحيح((2)).
ويشترط لقبول الإقرار أن يكون مفصلا مبينا لحقيقة الفعل بحيث تزول كل شبهة فى الإقرار خصوصا وأن الزنا يعبر به عما لا يوجب الحد كالوطء خارج الفرج، والأصل فى الاستفصال والتبين هو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد جاءه ماعز يعترف بالزنا ويكرر اعترافه فسأل - صلى الله عليه وسلم - هل به جنون أو هو شارب خمر وأمر من يشم رائحته، وجعل يستفسره عن الزنا فقال له: “لعلك قبلت أو غمزت؟”، وفى رواية أخرى: “هل ضاجعتها؟” قال: نعم، قال: “فهل باشرتها؟” قال: نعم، قال: “هل جامعتها؟” قال: نعم، وفى حديث ابن عباس: “أنكتها؟” لا يكنى، قال: نعم، قال: دخل ذلك منك فى ذلك منها؟ قال: نعم، قال: وكما يغيب المرود فى المكحلة والرشاء فى البئر؟ قال: نعم، قال: أتدرى ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا. قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهرنى، فأمر به فرجم. فدل ذلك كله على أنه يجب فى الإقرار أن يكون مفصلا مبينا لحقيقة الفعل المقر به((3)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص118].
(2) المغنى [ج10 ص167].
(3) سبل السلام [ج4 ص7، 8]، المغنى [ج10 ص167]، أسنى المطالب [ج4 ص131]، شرح فتح القدير [ج4 ص115].

(3/472)


ويترتب على هذا أن الزانى إذا أقر فلا يؤخذ إقراره قضية مسلمة، وعلى القاضى لكى يتحقق من صحة إقراره أن يتحقق أولا من صحة عقله كما فعل الرسول مع ماعز، قال: “أبك خبل أم بك جنون؟” وبعث لقومه يسألهم عن حاله، فغذا عرف القاضى أن الزانى صحيح العقل سأله عن ماهية الزنا وكيفيته ومكانه وعن المزنى بها وعن زمان الزنا، فإذا بين ذلك كله على وجه يجعله مسئولا جنائيا سأله أمحصن هو أم لا، فإن اعترف بالإحصان سأله عن ماهيته. وسؤال المقر عن زمان الزنا ليس المقصود منه النظر إلى القادم وإنما احتمال أن يكون الزنا وقع قبل البلوغ، والإقرار على قوته حجة قاصرة على نفس المقر لا تتعداه إلى غيره، فمن أقر بأنه زنا بإمرأة أخذ باعترافه أما المرأة فإن أنكرت فلا مسئولية عليها، وإن اعترفت أيضا أخذت باعترافها لا باعتراف الرجل، وعلى هذا جرت سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد روى أبو داود عن سهل بن سعد أن رجلا جاء الرسول فأقر عنده أنه زنا بامرأة سماها له، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها((1)).
ولا يشترط حضور شريك المقر فى الزنا فى مجلس الإقرار كما لا يشترط ذلك فى الشهادة، فلو أقر شخص بأنه زنا بامرأة غائبة أقيم عليه الحد. ويصح الإقرار بالزنا ولو جهل المقر شخصية شريكه فى الزنا لأنه بنى إقراره على حقيقة الحال، وإذا أقر الرجل أنه زنا بامرأة فكذبته فهو مأخوذ بإقراره وعليه الحد دونها، كما يرى مالك والشافعى وأحمد((2))؛ لأن الإقرار حجة فى حق المقر وعدم ثبوت الزنا فى حق غير المقر لا يورث شبهة ما فى حق المقر.
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص120، 158]، المغنى [ج10 ص168]، أسنى المطالب [ج4 ص132]، المهذب [ج2 ص285].
(2) أسنى المطالب [ج4 ص132]، المغنى [ج10 ص168].

(3/473)


ولكن أبا حنيفة يرى أن لا يحد الرجل المقر لأن الحد انتفى فى حق المنكر بدليل موجب للنفى عنه فأورث شبهة الانتفاء فى حق المقر؛ لأن الزنا فعل واحد يتم بهما فإن تمكنت فيه شبهة تعدت إلى طرفيه، وهذا لأنه ما أقر بالزنا مطلقا إنما أقر بالزنا بفلانة وقد درأ الشرع عن فلانة وهو عين ما أقر به فيندرئ عنه ضرورة، بخلاف ما لو أطلق فقال زنيت، فإنه وإن احتمل كذبه لكن لا موجب شرعى يدفعه، وبخلاف ما لو كانت غائبة لأن الزنا لم ينتف فى حقها بدليل يوجب النفى وهو الإنكار. ويتفق رأى أبى يوسف ومحمد مع رأى الأئمة الثلاثة((1)).
ويشترط بعد تفصيل الإقرار أن يكون الإقرار صحيحا، ولا يكون كذلك إلا إذا صدر عن عاقل مختار، فيجب أن يكون المقر عاقلا مختارا لأن المكره والمجنون لا حكم لكلامهما والقلم مرفوع عنهما، وقد روى عن على رضى الله عنه أنه قال: “رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل”، وروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”.
539 - إقرار زائل العقل: ينقل ما كتب عن ذلك فى القتل ويضاف إليه: وإن كان يجن مرة ويفيق مرة أخرى فأقر فى إفاقته أنه زنا وهو مفيق فعليه الحد دون خلاف لأن الزنا الموجب للحد وقع منه فى حال تكليفه والقلم غير مرفوع عنه وإقراره وجد فى حال يعتبر فيها كلامه، فإن أقر فى إفاقته ولم يضف الزنا إلى حال الإفاقة لم يجب الحد؛ لأنه يحتمل أن الزنا وقع فى حال الجنون ولا يجب الحد مع الاحتمال((2)).
540 - إقرار النائم: والنائم مرفوع عنه القلم، فلو زنا بنائمة أو استدخلت امرأة ذكر نائم أو وجد منه الزنا حال نومه، فلا حد عليه؛ لأن القلم مرفوع عنه، ولو أقر فى حال نومه لم يلتفت لإقراره لأن كلامه غير معتبر ولا يدل على صحة مدلولة((3)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص158].
(2) المغنى [ج10 ص170].
(3) المغنى [ج10 ص170].

(3/474)


ويشترط أبو حنيفة فى المقر أن يكون قادرا على النطق لأن الإقرار عنده يجب أن يكون بالخطاب والعبارة لا بالكتاب والإشارة، وعنده أن الأخرس لو أقر فى كتاب وأشار إلى صحة صدوره منه إشارة معلومة لم يقبل إقراره لأن الشريعة علقت الحد على البيان المتناهى والبيان لا يتناهى إلا بالصريح والإشارة والكتابة بمنزلة الكناية، ولكن الأئمة الثلاثة يقبلون إقرار الأخرس إذا فهمت إشارته((1)).
ومن المتفق عليه أن البصر لا يعتبر شرطا فى الإقرار، فإقرار الأعمى بالزنا صحيح، ولا يقبل الإقرار ممن لا يتصور وقوع الفعل منه كالمجبوب إذ لا يمكن أن يقع منه الفعل لانعدام الآلة، ويقبل إقرار الخصى والعنين لتصور الزنا منهما إذ لا يشترط لتحقق الوطء أكثر من دخول الحشفة فى الفرج ولو بغير انتشار((2)).
541 - أثر التقادم على الإقرار: لا أثر للتقادم على الإقرار بالزنا عند من يقول بالتقادم؛ لأن أثر التقادم على الشهادة بنى على تمكن التهمة والضغينة، أما الإقرار فلا تهمة فيه لأن المرء لا يتهم فيما يقر به على نفسه((3)).
542 - التحايل على الإقرار: ولا يصح للقاضى أن يحتال للحصول على الإقرار، وليس له أن يشجع المقر على الإقرار، ولا بأس من أن يظهر الكراهة للإقرار كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع ماعز حيث أعرض عنه عند إقراره، وقد كان عمر رضى الله عنه يقول: “اضربوا المعترفين” أى بالزنا((4)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص117]، بدائع الصنائع [ج7 ص49]، المغنى [ج10 ص171]، أسنى المطالب [ج4 ص131].
(2) المغنى [ج10 ص171]، بدائع الصنائع [ج7 ص50].
(3) شرح فتح القدير [ج4 ص161].
(4) شرح فتح القدير [ج4 ص121]، المغنى [ج10 ص188]، المهذب [ج2 ص364].

(3/475)


ويشترط أبو حنيفة أن يكون الإقرار فى مجلس القضاء فإن أقر فى غير مجلس القاضى فلا تقبل الشهادة على هذا الإقرار؛ لأنه إما أن يقر وإما أن ينكر، فإن أقر كانت الشهادة لغوا وكان الحكم للإقرار لا للشهادة، وإن أنكر اعتبر إنكاره رجوعا عن الإنكار والرجوع عن الإقرار صحيح فى الحدود الخالصة حقا لله كحد الزنا((1)).
ولا يشترط مالك والشافعى وأحمد أن يكون الإقرار فى مجلس القضاء، فيجوز أن يكون من المقر فى مجلس القضاء ويجوز أن يحصل فى غير مجلس القضاء ويشهد به الشهود فى مجلس القضاء، ولكنهم اختلفوا فى الشهادة بالإقرار، فرأى مالك أن الشهادة على الإقرار تقبل فإذا أنكر حصول الإقرار اعتبر إنكاره رجوعا((2)).
ويرى الشافعى قبول الشهادة على الإقرار، فإن أنكر حصول الإقرار منه لم يقبل إنكاره ولا يعتبر عدولا عن الإقرار لأنه تكذيب للشهود والقاضى. أما إن أكذب نفسه فى إقراره فإن تكذيبه يعتبر رجوعا عن الإقرار((3)).
ورأى أحمد قبول الشهادة بالإقرار بشرط أن يشهد بالإقرار أربعة، فإن أنكر أو صدقهم دون أربع مرات فلا حد عليه؛ لأن إنكاره يعتبر رجوعا، ولأن تصديقهم لا يكفى فيه مرة واحدة لأن الإقرار عند أحمد يشترط فيه أن يكون أربع مرات((4)).
ويلاحظ أن الإقرار يثبت عند مالك والشافعى بشهادة شاهدين فقط.
__________
(1) بدائع الصنائع [ج7 ص50].
(2) شرح الزرقانى [8 ص81].
(3) أسنى المطالب [ج4 ص132].
(4) الإقناع [ج4 ص255].

(3/476)


543 - الإقرار فى مجلس القضاء: وإذا أقر الزانى بالزنا ثم رجع عن إقراره سقط عنه الحد؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقا فى الرجوع وهو الإنكار، ويحتمل أن يكون كاذبا فيه، فإن كان صادقا فى الإنكار فهو كاذب فى الإقرار، وإن كان كاذبا فى الإنكار فهو صادق فى الإقرار، وهذا الاحتمال يورث شبهة فى الحد والحدود تدرأ بالشبهات. وقد روى أن ماعزا لما أقر بالزنا بين يدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقنه الرجوع، فقال عليه الصلاة والسلام: لعلك قبلتها لعلك مسستها. وكذلك قال عليه الصلاة والسلام لامرأة متهمة بالسرقة: أسرقت؟ قولى لا، ما أخالك سرقت. وليس ذلك إلا تلقينا للرجوع عن الإقرار، ولو لم يكن الحد محتمل السقوط بالرجوع ما كان للتلقين معنى، وتلك هى السنة للإمام والقاضى إذا أقر عنده أحد بشئ من أسباب الحدود الخالصة أن يعرض له بالرجوع.
544 - الرجوع عن الإقرار: ويصح الرجوع عن الإقرار قبل القضاء وبعد القضاء، ويصح قبل الإمضاء وأثناء الإمضاء، فإذا رجع أثناء الإمضاء أوقف تنفيذ العقوبة، والرجوع عن الإقرار قد يكون دلالة كهرب المرجوم أثناء الرجم أو الجلد، فإذا هرب لم يؤخذ ثانية للتنفيذ لأن الهرب دلالة الرجوع، والأصل فى ذلك أنه لما هرب ماعز تبعوه حتى قتلوه ولما ذكر ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - قال: “هلا تركتموه”، وهذا دليل على أن الهرب دليل الرجوع وأن الرجوع مسقط للحد، ويعتبر مالك وأبو حنيفة وأحمد مجرد الهرب وقت التنفيذ رجوعا دون حاجة إلى التصريح بالرجوع، أما الشافعية فيرون أن الهرب ذاته ليس رجوعا ولكنه يقتضى الكف عنه لاحتمال أنه قصد الرجوع، فإذا كف فرجع سقط الحد وإذا لم يرجع تحتم تنفيذ الحد((1)).
__________
(1) شرح الزرقانى [ج8 ص81]، بدائع الصنائع [ج7 ص61]، أسنى المطالب [ج4 ص132]، المغنى [ج10 ص173، 195].

(3/477)


وكما يصح الرجوع عن الإقرار بالزنا يصح الرجوع عن الإقرار بالإحصان، فإذا أقر شخص بأنه زنا وهو محصن فله أن يرجع عن إقراره بالزنا وله أن يثبت على الإقرار بالزنا ويعدل عن الإقرار بالإحصان، فإذا فعل سقط حد الرجم ووجب حد الجلد((1)).
وإذا اجتمعت الشهادة مع الإقرار فمذهب أبى حنيفة على أن الشهادة تبطل باعتراف المشهود عليه قبل القضاء اتفاقا، أما إذا كان الإقرار بعد القضاء بالحد على أساس الشهادة فيرى أبو يوسف سقوط العقوبة لأن الإمضاء فى الحدود من القضاء ولأن شرط الشهادة هو عدم الإقرار، أما محمد فلا يسقط العقوبة فى هذه الحالة((2)).
وترتب على ما سبق أن من يثبت عليه الزنا بشهادة الشهود ثم أقر فحكم عليه بالعقوبة يسقط عنه الحد إذا رجع عن الإقرار سواء كان رجوعه صريحا أم دلالة. ويرى مالك وأحمد أن الزانى إذا تمت عليه البينة وأقر على نفسه إقرارا صحيحا ثم رجع عن إقراره لم يسقط عنه الحد برجوعه لأنه ثابت من وجه آخر بشهادة الشهود((3)).
وفى مذهب الشافعى يرون أنه إذا ثبت الحد بالبينة ثم أقر المشهود عليه بعد ذلك عدل عن إقراره، فإن عدوله لا يسقط الحد الثابت بالبينة وإلا كان الإقرار ذريعة لإسقاط العقوبات.
__________
(1) بدائع الصنائع [ج7 ص61].
(2) شرح فتح القدير [ج4 ص124].
(3) الإقناع [ج4 ص256].

(3/478)


أما إذا أقر بالزنا أولا ثم قامت بينة بزناه فرجع عن إقراره فهناك آراء مختلفة، فالبعض يرى أن الرجوع لا يسقط الحد لبقاء حجة البينة كما لو شهد عليه ثمانية مثلا فردت شهادة أربعة، والبعض يرى سقوط الحد بالرجوع لأنه لا أثر للبينة مع الإقرار وقد بطل الإقرار بالرجوع، والبعض يرى أن العبرة بالدليل الذى استند عليه الحكم. فإن كان الحكم قد استند إلى البينة والإقرار معا أو على البينة وحدها فإن الرجوع لا يسقط الحد، أما إذا استند الحكم على الإقرار، وحده فإن الرجوع يسقط الحد. ويرى البعض أنه عند اجتماع الإقرار مع الشهادة يجب أن يسند الحكم على الشهادة فيما يتعلق بحقوق الله لأن البينة أقوى من الإقرار، أما فيما يتعلق بحقوق الآدميين فيجب أن يستند الحكم على الإقرار لأنه أقوى من الشهادة ولأن الإقرار فى حقوق الآدميين لا يؤثر على الرجوع. ويرى البعض أن الحكم يستند فى الحالين إلى الإقرار والشهادة معا((1)).
وإذا سمع القاضى الإقرار فى غير مجلس القضاء فليس له أن يقضى على أساس ما سمع((2)).
وهذا هو مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد، أما الشافعى ففى مذهبه رأيان أرجحهما يرى أن لا يقضى القاضى على أساس ما رآه أو علمه أو سمعه، والثانى يرى أصحابه أن يقضى القاضى بما رآه أو سمعه أو علمه((3)).
القرائن
545 - القرائن: القرينة المعتبرة فى الزنا هى ظهور الحمل فى امرأة غير متزوجة أو لا يعرف لها زوج، ويلحق بغير المتزوجة من تزوجت بصبى لم يبلغ الحلم أو بمجبوب، ومن تزوجت بالغا فولدت لأقل من ستة أشهر.
__________
(1) أسنى المطالب [ج4 ص132].
(2) بدائع الصنائع [ج7 ص52]، شرح الزرقانى [ج8 ص84].
(3) المهذب [ج2 ص320].

(3/479)


والأصل فى اعتبار قرينة الحمل دليلا على الزنا قول أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفعلهم: فعمر رضى الله عنه يقول: الرجم واجب على كل من زنا من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا أقامت بينة أو كان الحبل أو الاعتراف. وروى عن عثمان رضى الله عنه أنه أتى بامرأة ولدت لستة أشهر كاملة فرأى عثمان أن ترجم، فقال على: ليس لك عليها سيبل قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15]. وروى عن على رضى الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زنيان: زنا سر وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمى، وزنا العلانية أن يظهر الحبل والاعتراف.
هذا هو قول الصحابة ولم يظهر لهم مخالف فى عصرهم فيكون إجماعا.
والحمل ليس قرينة قاطعة على الزنا بل هو قرينة تقبل الدليل العكسى، فيجوز إثبات أن الحمل حدث من غير زنا، ويجب درء الحد عن الحامل كلما قامت شبهة فى حصول الزنا أو حصوله طوعا، فإذا كان هناك مثلا احتمال بأن الحمل كان نتيجة وطء بإكراه أو بخطأ وجب درء الحد، وإذا كان هناك احتمال بأن الحمل حدث دون إيلاج لبقاء البكارة امتنع الحد، إذ قد تحمل المرأة من غير إيلاج بأن يدخل ماء الرجل فى فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها أو نتيجة وطء خارج الفرج. ويرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد أنه إذا لم يكن دليل على الزنا غير الحمل فادعت المرأة أنها أكرهت أو وطئت بشبهة فلا حد عليها، فإذا لم تدع إكراها ولا وطأ بشبهة فلا حد عليها أيضا ما لم تعترف بالزنا؛ لأن الحد أصلا لا يجب إلا ببينة أو بإقرار((1)).
__________
(1) المغنى [ج10 ص192]، شرح الزرقانى [ج8 ص81].

(3/480)


546 - اللعان: أما مالك فيرى أن ظهور الحمل فى غير المتزوجة يوجب عليها الحد دون حاجة لإقرار منها، وأن ادعاءها الإكراه والوطء بشبهة لا يكفى وحده لدرء الحد عنها بل عليها أن تقيم دليلا أو قرينة على صحة دفاعها، كأن تثبت أنها بلغت عمن أكرها، أو أن أناسا شهدوها متعلقة به تستغيث عقب الإكراه، أو أنهم شهدوها تستغيث والدماء تلوث ملابسها بعد أن أزيلت بكارتها((1)).
تنفيذ العقوبة
547 – مقدار الحد: إذا ثبت الزنا دون شبهة وجب على القاضى أن يحكم بعقوبة الحد وهى رجم المحصن وجلد غير المحصن مائة جلدة وتغريبه.
مقارنة بين الشريعة والقانون عن الأدلة على الزنا
548 - التكييف الشرعى لحد الزنا: يكيف الفقهاء حد الزنا بأنه حق لله تعالى، والأصل عندهم أن الحد يعتبر حقا لله تعالى إذا استوجبته المصلحة العامة وهى دفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة والسلامة لهم.
وكل جناية ذات حد يرجع فسادها إلى العامة ومنفعة عقوبتها تعود عليهم فتعتبر العقوبة المقررة عليها حقا لله تعالى، تأكيدا لتحقيق النفع ودفع المضرة وحتى لا تسقط العقوبة بإسقاط الأفراد لها.
وتمتاز عقوبة الحد عن غيرها من العقوبات بأنها لا تقبل عفوا ولا صلحا ولا إبراء ولا تخفيضا ولا استبدال.
__________
(1) المغنى [ج10 ص192]، أسنى المطالب [ج4 ص126].

(3/481)


هذا هو تكييف الفقهاء للحد، وهو تكييف ليس بعيدا عن نظرة شراح القوانين الوضعية للعقوبة، فهم يعتبرونها حق الجماعة لأن المصلحة العامة تستوجبها. وقد يظن أن الاختلاف واقع فى الأساس لا فى المعانى، ولكن الواقع أن الخلاف فيهما معا، فالحد يختلف عن العقوبة فى القوانين الوضعية بأنه لا يقبل العفو ولا الاستبدال والعقوبة فى القوانين الوضعية تقبلهما، ولعل اعتبار الحد حقا لله هو الذى منع قبول العفو والاستبدال؛ لأن الأفراد والجماعة ليس لهم العفو عما هو حق الله وليس لهم تبديل ما أمر به الله، ولو كان الحد حق الجماعة لأمكن أن يعفو عنه ممثل الجماعة أو يستبدل به غيره. على أن الشريعة نوعا من العقوبات التقديرية شرع للمصلحة العامة ويعتبر حق الجماعة، ولممثل الجماعة أن يعفو عنه وأن يستبدل به غيره من عقوبات التعازير، وهذا النوع من العقوبة هو الذى يتفق تمام الاتفاق فى التكيف مع العقوبات المقررة فى القوانين الوضعية.
549 - تعدد العقوبات: وإذا تعددت العقوبات المحكوم بها على الجانى نفذت جميعا ما لم تتداخل أو يجب بعضها البعض الآخر.
التداخل: معنى التداخل هو أن الجرائم فى حالة التعدد تتداخل عقوباتها بعضها فى بعض بحيث يعاقب على جميع الجرائم بعقوبة واحدة ولا ينفذ على الجانى إلا عقوبة واحدة كما لو كان قد ارتكب جريمة واحدة.
ويحدث التداخل فى حالتين:

(3/482)


الأولى: إذا كانت الجرائم جميعها من نوع واحد كالزنا المتعدد والسرقات المتعددة والشرب المتعدد، ففى هذه الحالة تتداخل العقوبات المتعددة ويجزى عنها جميعا عقوبة واحدة، فإذا ارتكب الجانى جريمة أخرى من نفس النوع بعد إقامة العقوبة عليه وجبت لهذه الجريمة الأخرى عقوبة ثانية، أما إذا ارتكب أى جريمة أخرى من نفس النوع قبل تنفيذ العقوبة عليه فإن عقوبة الجريمة الجديدة تتداخل مع عقوبات الجرائم السابقة ما دامت جميعا من نوع واحد، والعبرة فى التداخل بتنفيذ العقوبة لا الحكم بها فالعقوبات تتداخل ما دامت لم تنفذ ولو تعددت الأحكام الصادرة بها، أى أن صدور الحكم بعقوبة ما لا يمنع من تداخلها فى عقوبة أخرى.
ويحدث التداخل ما دامت الجرائم من نوع واحد ولو اختلف أركانها وعقوباتها كالزنا من محصن تتداخل عقوبته مع عقوبة الزنا من غير محصن لأن الجريمتين من نوع واحد، ولا عبرة باختلاف الأركان ونوع العقوبة ولكن فى مثل هذه الحالة تكون العقوبة الأشد هى الواجبة، فمن زنا وهو بكر ثم زنا وهو محصن عوقب على الجريمتين بعقوبة واحدة هى عقوبة الرجم.
الثانية: إن الجرائم إذا تعددت وكانت من أنواع مختلفة فإن العقوبات تتداخل ويجزئ عن الجرائم جميعا عقوبة واحدة بشرط أن تكون العقوبات المقررة لهذه الجرائم قد وضعت لحماية مصلحة واحدة أى لتحقيق غرض واحد كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، فهذه الجرائم قد حرمت لحماية مصلحة الأفراد فإذا أكل شخص ميتة ثم شرب دما ثم أكل لحم الخنزير تداخلت عقوبات هذه الجرائم الثلاث وأجزأ عنها عقوبة واحدة.

(3/483)


الجب: معنى الجب فى الشريعة هو الاكتفاء بتنفيذ العقوبة التى يمتنع مع تنفيذها تنفيذ العقوبات الأخرى، ولا ينطبق هذا المعنى إلا على عقوبة القتل فإن تنفيذها يمنع بالضرورة من تنفيذ غيرها، ومن ثم فهى فى الشريعة العقوبة الوحيدة التى تجب ما عداها، وهناك خلاف على نظرية الجب ومداها، وقد فصلنا القول عن تعدد العقوبات والتداخل والجب فى القسم العام ونكتفى هنا بما ذكرنا((1)).
550 - من الذى يقيم الحد؟: من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه؛ لأن الحد حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام، ولأن الحد يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فى استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولى الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه. وحضور الإمام ليس شرطا فى إقامة الحد لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم ير حضوره لازما فقال: “اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها”، وأمر عليه السلام برجم ماعز ولم يحضر الرجم، وأتى بسارق فقال: “اذهبوا به فاقطعوه”.
لكن إذن الإمام بإقامة الحد واجب، فما أقيم حد على عهد رسول الله إلا بإذنه، وما أقيم حد على عهد الخلفاء إلا بإذنهم، ومما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى هذا قوله: “أربع إلى الولاة: الحدود والصدقات والجمعات والفئ”. والإذن بإقامة الحد إما أن يكون إذنا مؤقتا يصدر بمناسبة كل حالة، وإما أن يكون إذنا دائما يصدر إلى النواب والحكام بإقامة الحد على المحكوم عليهم بحد((2)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص208]، شرح الزرقانى [ج8 ص108]، المغنى [ج10 ص197]، الإقناع [ج4 ص249]، أسنى المطالب [ج4 ص157].
(2) المغنى [ج10 ص146] وما بعدها، شرح فتح القدير [ج4 ص129]، المهذب [ج2 ص287]، أسنى المطالب [ج4 ص132]، شرح الزرقانى [ج8 ص84].

(3/484)


وهناك خلاف بين أبى حنيفة من ناحية ومالك والشافعى وأحمد من ناحية أخرى على ما إذا كان للسيد أن يقيم الحد على عبيده، ولم نر داعيا للتعرض لهذا المبحث بعد أن ألغى الرقيق فى العالم.
551 - علانية التنفيذ: يجب أن يقام الحد علانية، لقوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2]، وتتوفر العلانية دائما كلما كان الحد رجما إذ المفروض أن عدد الرماة غير محدود وأنه يجب أن يكون من الكثرة بحيث يقضى على المرجوم بسرعة، أما فى الجلد فيكفى فى إقامة الحد شخص واحد. ولذلك اختلف فى عدد من يحضر الجلد ففسر البعض كلمة طائفة بأنها شخص واحد ومقيم الحد، وقال البعض إنها شخصان غير مقيم الحد، وقال البعض إنها أربعة، وقال البعض: إنها عشرة((1)).
552 - كيفية التنفيذ فى الرجم: إذا كان المرجوم رجلا أقيم قائما ولم يوثق بشئ ولم يحفر له ولم يمسك أو يربط سواء ثبت الزنا عليه ببينة أو إقرار؛ لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يحفر لماعز ولا للجهنية ولا لليهوديين، قال أبو سعيد: “لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجم ماعز خرجنا إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكنه قام لنا”. وإذا هرب المرجوم وكان مقرا لم يتبع وأوقف التنفيذ، أما إذا كان مشهودا عليه اتبع ورجم حتى يموت، لكن إذا لم يصبر المرجوم المشهود عليه ولم يمكن إقامة الحد إلا بربطه ربط، أما إذا كان المرجوم امرأة فيجيز أبو حنيفة والشافعى الحفر لها إلى صدرها لأن ذلك أستر لها، ويأخذ بذلك بعض الفقهاء فى مذهب أحمد، ولكن الرأى الراجح فى مذهب أحمد هو عدم الحفر، وهو مذهب مالك.
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص129]، المغنى [ج10 ص137]، أسنى المطالب [ج4 ص133].

(3/485)


ويرى أبو حنيفة جواز الحفر للمرأة فى كل حال، أما الشافعية والحنابلة القائلون بالحفر فيرون الحفر فى حالة ما إذا كان الحد ثابتا بالبينة فقط فإن كان ثابتا بالإقرار فلا حفر؛ لأن ذلك يعطلها عن الهرب، والهرب كما قلنا يعتبر رجوعا عن الإقرار والرجوع عن الإقرار مسقط للحد. وإذا رجمت المرأة دون حفر شدت عليها ثيابها لكى لا تنكشف ولأن ذلك أستر لها((1)).
والسنة أن يحاط بالمرجوم فيرمى من جميع الجوانب، ويرى البعض أن يصف الرماة ثلاثة صفوف كصفوف الصلاة كلما رجمه صف تنحوا. وحجة ما قاله على حين رجم شراحة الهمزانية حيث أحاط الناس بها وأخذوا الحجارة، فقال لهم: ليس هكذا الرجم إذن يصيب بعضكم بعضا، صفوا كصف الصلاة صفا خلف صف((2)).
ويشترط أبو حنيفة عند ثبوت الزنا بشهادة الشهود أن يبدأ الشهود بالرجم ثم الإمام أو نائبه ثم الناس بحيث لو امتنع الشهود عن البدء سقط الحد عن المشهود عليه، ولكن امتناع الشهود لا يترتب عليه حدهم لأن امتناعهم ليس صريحا فى رجوعهم عن الشهادة((3)).
ولا يشترط الشافعى وأحمد بداءة الشهود ولكنهما يريان ذلك سنة مستحبة، وهو رواية عن أبى يوسف من أصحاب أبى حنيفة حيث يرى أن البداءة مستحبة لا مستحقة((4))، ولكنهما لا يوجبان حضور الشهود والإمام ولا يرتبان على التخلف عن الحضور نتيجة ما.
أما مالك فلا يعرف بداءة الشهود والإمام ولا يعتبرها سنة مستحبة؛ لأن الحديث الوارد فيها لم يصح عنده((5)).
__________
(1) شرح فتح القدير [ج4 ص129]، المغنى [ج10 ص137]، أسنى المطالب [ج4 ص133].
(2) شرح فتح القدير [ج4 ص129]، المغنى [ج10 ص123]، أسنى المطالب [ج4 ص133].
(3) شرح فتح القدير [ج4 ص122].
(4) شرح فتح القدير [ج4 ص123]، أسنى المطالب [ج4 ص133]، المغنى [ج10 ص124، 138].
(5) شرح الزرقانى [ج8 ص83].

(3/486)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية