صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : الوافي بالوفيات
المؤلف : الصفدي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

كراس. وحفظت مشكل القرآن له وغريب القرآن له في مدة يسيرة، وحفظت الإيضاح لأبي علي الفارسي في شهور، وأما التكملة ففي أيام يسيرة كل يوم كراس. وطالعت الكتب المبسوطة والمختصرات. وواظبت على مقتضب المبرد وكتاب ابن درستويه. وفي أثناء ذلك لا أغفل عن سماع الحديث والفقه على شيخنا ابن فضلان، وأكببت على المقتضب فأتممته وبعد ذلك تجردت لكتاب سيبويه وشرحه للسيرافي، وقرأت على أبي عبيدة الكرخي كتبا كثيرة منها: الأصول لابن السراج، وقرأت عليه الفرائض والعروض للخطيب التبريزي. وأما ابن الخشاب فسمعت بقراءته معاني الزجاج على الكاتبة شهدة، وسمعت منه الحديث المسلسل وهو: الراحمون يرحمهم الرحمن. وأكببت على كتب الغزالي المقاصد والمعيار والميزان ومحك النظر. ثم انتقلت إلى كتب ابن سينا صغارها وكبارها، وحفظت كتاب النجاة وكتبت الشفاء وبحثت فيه، وحصلت كثيرا من كتب جابر بن حيان الصوفي، وابن وحشية. وباشرت على الصنعة الباطلة وتجارب الضلال الفارغة، وأقوى من أضلني ابن سينا بكتابه في الصنعة الذي تمم به فلسفته التي لا تزداد بالتمام إلا نقصا. ثم دخلت الموصل ووجدت الكمال ابن يونس جيدا في الرياضيات والفقه متصرفا في باقي أجزاء الحكمة، واجتمع إلي جماعة كبيرة، وعرضت علي مناصب فاخترت منها مدرسة ابن مهاجر المعلقة، ودار الحديث التي تحتها، وأقمت بالموصل سنة في اشتغال دائم ومتواصل، وسمعت الناس يرهجون في حديث السهروردي المتفلسف، ويعتقدون أنه فاق الأولين والآخرين، وأن تصانيفه فوق تصانيف القدماء فهممت لقصده، وأدركني التوفيق وطلبت من ابن يونس شيئا من تصانيفه، فوقفت على التلويحات واللمحة والمعارج فصادفت فيها ما يدل على جهل أهل الزمان، ووجدت لي تعاليق كثيرة لا أرتضيها هي خير من كلام هذا الأول، ثم دخلت دمشق، واجتمعت بالكندي البغدادي النحوي وجرت بيننا مباحثات، وكان شيخا ذكيا مثريا له جانب من السلطان، لكنه معجب بنفسه، مؤذ لجليسه، وأظهرني الله عليه في مباحث، ثم أهملت جانبه؛ وكان يتأذى بإهمالي. وعملت بدمشق تصانيف جمة، ثم توجهت إلى صلاح الدين بظاهر عكا، واجتمعت ببهاء الدين ابن شداد قاضي العسكر يومئذ فانبسط إلي وأقبل علي، وقال: تجتمع بعماد الدين الكاتب، فوجدته يكتب كتابا إلى الديوان العزيز بقلم الثلث من غير مسودة، وذاكرني في مسائل من علم الكلام، وقال: قوموا بنا إلى القاضي الفاضل! فدخلنا عليه، فرأيت شيخا ضئيلا كله رأس وقلب وهو يكتب ويملي على اثنين ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوة حرصه على إخراج الكلام، وكان يكتب بجملة أعضائه؛ وسألني عن قوله تعالى: " حتى إذا جاءها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها " أين جواب إذا، وأين جواب لو في قوله تعالى: " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " وعن مسائل كثيرة ومع هذا فلا يقطع الكتابة والإملاء، وقال لي: ترجع إلى دمشق، وتجرى عليك الجرايات، فقلت: أريد مصر! فكتب لي ورقة صغيرة إلى وكيله لها؛ فلما وصلت القاهرة جاءني ابن سناء الملك وكيله، فأنزلني دارا قد زيحت عللها، وجاءني بدنانير وغلة، ثم مضى إلى أرباب الدولة، وقال: هذا ضيف القاضي الفاضل! فدرت الهدايا والصلات من كل جانب، وكان في كل عشرة أيام ونحوها تصل تذكرة الفاضل في مهمات الدولة وفيها فضل توكيد الوصية بي، فأقمت بمسجد الحاجب لؤلؤ أقرئ الناس؛ وكان قصدي ياسمين السيميائي، والرئيس موسى بن ميمون اليهودي وأبا القاسم الشراعي. أما ياسمين فوجدته محاليا كذابا. وموسى اليهودي وجدته فاضلا لا في الغاية قد غلب عليه حب الرياسة، وخدمة أرباب الدنيا. وأما أبو القاسم فوجدته كما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين سيرته سيرة الحكماء العقلاء، ووجدته قيما بكتب القدماء، وإذا تفاوضنا في الحديث أغلبه بقوة الجدل. وفضل اللسن، ويغلبني بقوة الحجة وظهور المحجة. ثم عدت إلى القدس وأخذت من كتب القدماء ما أمكنني، وكتب لي السلطان صلاح الدين علة ديوان الجامع كل شهر بثلاثين دينارا وأطلق لي أولاده رواتب، ورجعت إلى دمشق وأكببت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع، وكلما أمعنت في كتب القدماء ازددت فيها رغبة، وفي كتب ابن سينا زهادة، واطلعت على بطلان الكيمياء، وعرفت حقيقة الحال في وضعها، ومن وضعها، وما كان قصده في ذلك، وخلصت من ضلالين عظيمين، فإن أكثر الناس هلكوا

(6/232)


بكتب ابن سينا وبالكيمياء. ثم إن صلاح الدين توفي، وأقمت بدمشق وملكها الأفضل إلى أن جاء العزيز بعساكر مصر، وتأخر إلى مرج الصفر لقولنج عرض له فخرجت إليه بعد خلاصه فأذن لي في الرحيل معه، وأجرى علي من بيت المال كفايتي وزيادة. وأقمت مع الشيخ أبي القاسم يلازمني صباحا ومساء إلى أن قضى نحبه، وكنت أقرئ الناس بالجامع الأزهر من أول النهار إلى نحو الساعة الرابعة؛ ووسط النهار يأتي من يقرأ الطب وغيره. وآخر النهار يقرأ عليه بالجامع قوم آخرون؛ وفي الليل أشتغل مع نفسي. ولم أزل كذلك إلى أن توفي الملك العزيز. نقلت ذلك من كلامه مختصرا. سينا وبالكيمياء. ثم إن صلاح الدين توفي، وأقمت بدمشق وملكها الأفضل إلى أن جاء العزيز بعساكر مصر، وتأخر إلى مرج الصفر لقولنج عرض له فخرجت إليه بعد خلاصه فأذن لي في الرحيل معه، وأجرى علي من بيت المال كفايتي وزيادة. وأقمت مع الشيخ أبي القاسم يلازمني صباحا ومساء إلى أن قضى نحبه، وكنت أقرئ الناس بالجامع الأزهر من أول النهار إلى نحو الساعة الرابعة؛ ووسط النهار يأتي من يقرأ الطب وغيره. وآخر النهار يقرأ عليه بالجامع قوم آخرون؛ وفي الليل أشتغل مع نفسي. ولم أزل كذلك إلى أن توفي الملك العزيز. نقلت ذلك من كلامه مختصرا.
ثم إن الموفق توجه إلى القدس وأقام به مدة يشغل الناس بالجامع الأقصى. ثم رجع إلى دمشق، ونزل بالعزيزية سنة أربع وست ماية؛ وكان يأتيه خلق كثير يشتغلون عليه في أصناف من العلوم. ثم سافر إلى حلب، وقصد بلاد الروم وأقام بها سنين كثيرة في خدمة الملك علاء الدين داود بن بهرام له منه الجامكية الوافرة والصلات المتواترة، وصنف باسمه عدة كتب. ثم توجه إلى ملطية. ثم عاد إلى حلب، وتوفي ببغداد.
قلت: موفق الدين وإن كان فاضلا وعنده مشاركات، فليس هو في رتبة الحط على هؤلاء الكبار الذين غض منهم. ومن أجوبته المليحة السديدة في الرد على الشيخ تاج الدين الكندي، حيث قال الخطيب ابن نباتة في أول خطبة ذكر فيها وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله المنتقم ممن خالقه، المهلك من آسفه، المتوحد في قهره، المتفرد بعز أمره! وقال الشيخ تاج الدين الكندي: العجب ممن يفتتح هذه الخطبة بمثل هذا الكلام لولا غفلة لحقت الخطيب والأليق بها أن يكون افتتاحها: الحمد لله العادل في أقضيته؛ فلا جور في قضائه، الممضي حكمه في بريته فلا ريب في مضائه، المتفرد بالبقاء فلا مشارك له في بقائه، المرجو روحه فلا راحة لأوليائه جون لقائه. وهذه السجعات في غاية المناسبة لافتتاح خطبة، تذكر فيها وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال موفق الدين المذكور الخطيب: إنما قال ذلك نظرا إلى قوله تعالى: " فإما تذهبن بك فإنا منهم منتقمون " وهذا الجواب في غاية الحسن والسداد، ولو أورد على الخطيب وهو حي ما أجاب بأحسن من هذا الجواب ولا أسد.
النجيب ابن الصقيل

(6/233)


عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن هبة الله. الشيخ الجليل، مسند الديار المصرية. مجيب الدين، أبو الفتوح ابن الإمام الواعظ أبي محمد ابن الصقيل النميري، الحراني الحنبلي، التاجر، السفار، ولد سنة سبع وثمانين وخمس ماية. وتوفي سنة اثنتين وسبعين وست ماية. مولده بحران. أسمعه أبوه ببغداد من عبد المنعم بن كليب وأبي الطاهر المبارك بن المعطوش، وأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي القاسم ابن السبط، وأبي الفرج ابن ملاح الشط، وابن سكينة، وعبد الله بن مسلم بن جوالق، وعبد الملك بن مواهب الوراق وطائفة سواهم. وأجاز له من أصبهان أبو جعفر الطرسوسي، ومسعود الجمال وخليل الرازاني، وأبو المكارم اللبان. وروى الكثير ببغداد ودمشق ومصر. وانتهى إليه علو الإسناد، ورحل إليه من البلاد، وازدحم عليه الطلبة والنقاد، وألحق الأحقاد بالأجداد. وكان يجهز البز ويتكسب بالمتاجر، وله وجاهة وحرمة وافرة عند الدولة. ثم انقطع لرواية الحديث، وولي مشيخة دار الحديث الكاملية إلى أن مات. وخرج له الشريف عز الدين مشيخة في خمسة أجزاء، وخرج له ثمانيات في أربعة أجزاء وخرج له ابن الظاهري الموافقات في ثلاثة عشر جزءا، والأبدال والعوالي في أربعة أجزاء، والمصافحات في جزءين وغير ذلك. وكان صينا، صحيح السماع. وجرت عليه محنة من الدولة ولطف الله به. وروى عنه الدمياطي وابن الظاهري؛ وحضرا ولديهما؛ وقاضي القضاة نجم الدين وابن جماعة وقاضي القضاة سعد الدين والد الشيخ كمال الدين ابن الشريشي والشيخ نصر المنبجي، والعفيف أبو بكر الصوفي الهنداسة ومحمد ابن الشرف الميدومي، والصفي محمود الأرموي وعلاء الدين الكندي، وعالم كثير بمصر والشام.
بدر الدين العبدي
عبد الطيف بن محمد بن محمد بن نصر الله. الإمام بدر الدين. أبو محمد العبدي، الحموي، الفقيه. مدرس جيد الفتوى، وافر الحرمة ببلده، صاحب مكارم ولطف وتواضع. له نظم ونثر.
توفي سنة تسعين وست ماية.
من شعره:
وبي رشأ قد علا شانه ... وكل الأنام به مرتبك
تملكني وتملكته بنصف الذي ... بي به قد ملك
أنا عبده وهو عبدي أعجبوا ... فهل يملك الشخص من قد ملك
يعني تملكني بالعين وملكته بالعين.
وقد سمع ببغداد من الكاشغري وأبي بكر ابن الخازن، وبمصر من الحسين بن دينار؛ وبحلب من ابن خليل؛ وبحماه من صفية وجماعة. وكان خطيب حماه بالجامع الأعلى.
بدر الدين ابن رزين
عبد اللطيف بن محمد بن الحسين. العلامة بدر الدين، شيخ الشافعية، ابن القاضي تقي الدين ابن رزين الحموي، المصري، الشافعي. إمام متفنن عارف بالمذهب. درس وأفتى، وأعاد لأبيه. وولي قضاء العسكر، ودرس بالظاهرية وغيرها. وخطب بجامع الأزهر. حدث عن عثمان خطيب القرافة، وعبد الله ابن الخشوعي وغيره، وحفظ المحرر في جملة ما حفظ.
وتوفي سنة عشر وسبع ماية.
نجم الدين الميهني
عبد اللطيف بن نصر بن سعيد بن سعد بن محمد بن ناصر ابن الشيخ أبي سعيد الميهني الشيخي. شيخ الشيوخ بالبلاد الحلبية، ابن الشيخ بهاء الدين. أبو محمد، نجم الدين. سمع من جده لأمه حامد بن أميري وعبد الحميد بن بليمان. ويحيى بن الدامغاني، وابن روزبه وغيرهم.
ولد بحمص سنة تسع وست ماية. وتوفي سنة سبع وتسعين وست ماية.
وأقام بحلب وحدث بها. غص بلقمة فمات. كتب للشيخ شمس الدين بإجازة مروياته.
مجد الدين ابن تيمية
عبد اللطيف بن عبد العزيز. الشيخ مجد الدين ابن تيمية. العدل. نجم الدين الحراني، الحنبلي.
روى عن جده، وعن عيسى بن سلامة وابن عبد الدائم. وخطب بحران سنوات. وكان خيرا. عدلا.
وتوفي سنة تسع وتسعين وست ماية.
ابن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام
عبد اللطيف بن عبد العزيز بن عبد السلام. الفقيه محيي الدين ابن الشيخ عز الدين السلمي، الدمشقي، الشافعي.
ولد سنة ثمان وعشرين وست ماية وتوفي سنة خمس وتسعين وست ماية.
وروى عن ابن اللتي. وطلب الحديث بنفسه بالقاهرة، وقرأ على الشيوخ. وكان أفضل الإخوة، وقرأ الفقه والأصول، وتميز، وكان يعرف تصانيف والده معرفة حسنة. ووفاته بالقاهرة.
شهاب الدين ابن المرحل

(6/234)


عبد اللطيف بن عبد العزيز الشيخ، الإمام، النحوي، المقرئ، شهاب الدين ابن المرحل الحراني.
كان علامة في النحو يتثبت فيما ينقله. أقرأ جماعة. وقرأ عليه أخي إبراهيم رحمه الله تعالى. اجتمعت به بالقاهرة غير مرة. وكان ساكنا يكتب خطا منسوبا حسنا، ويتجر في الكتب فيلازم سوقها كثيرا. وسمعت صحيح البخاري بقراءته، على الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس سنة تسع وثلاثين وسبع ماية بالظاهرية بين القصرين. لكنه رحمه الله كان فيه جمود يسير.
ورد الخبر علينا بوفاته بمصر إلى دمشق سنة أربع وأربعين وسبع ماية. رحمه الله تعالى. وكان كثير التردد من القاهرة إلى حلب.
الشيخ سيف الدين السعودي
عبد اللطيف، شيخ سيف الدين؛ شيخ زاوية السعودي بالقاهرة. كان يعرف قبل ذلك ببلبان الكرجي. سمع من المعين أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي، وأبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر وغيرهما. وخرجت له مشيخة لطيفة. وكتب خطا حسنا متوسطا. أجاز لي بالقاهرة في سلخ شعبان سنة ثمان وعشرين وسبع ماية بالقاهرة؛ وكتب بخطه:
أجزت لهم رواية كل ما ... لي روايته سماعا أو إجازة
وما لي من مقول مؤلفات ... حوت نثرا ونظما لي مجازه
أجزتهم وأرجو الله ربي ... ينيلهم الكرامة والعزازة
شمس الدين العجمي
عبد اللطيف بن خليفة الصدر المعظم شمس الدين أخو النجيب كحال قازان وغيره. كان النجيب المذكور له صورة كبيرة، ومحل زائد عند ملوك المغل؛ وكان شمس الدين عبد اللطيف قد تسمى في تلك البلاد بالملك الصالح. وورد إلى الديار المصرية؛ فأكرم كثيرا. كان فاضلا متأدبا مترسلا بغير سجع؛ لكن بعبارة فاضل؛ يستشهد بالآيات والأحاديث، والشعر، وكلام الحكماء. وعلى ذهنه مسائل من الفروع الغربية، وله مداخلات مع السلطان والأمراء الكبار، وأرباب الدولة. يتحدث بالتركي والعجمي، وله إقدام على الكبار؛ كان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار إذا رآه في القلعة يقول: ما أحسد إلا هذا الشيخ الذي له في كل شهر ألفا درهم، وهو داير بطال بلا شغل! وكان يحضر عند السلطان الملك الناصر محمد في خانقاه سرياقوس، ويتكلم بين يديه، وينفع ويضر! قال لي: أنا أتعيش بين الناس وأتجوه عندهم بكل جلسة أجلسها عند السلطان بسرياقوس عدة شهور. اجتمعت به غير مرة، فرأيت منه رجلا داهية خبيرا بما يتكلم به، يغلب عليه العقليات. ويستحضر من كلام الحكماء جملة وافرة، وينقل كثيرا مما يذاكر به من فنون الأدب ووقائع الناس خصوصا ملوك المغل، وكتابته حسنة، قوية، له ذوق جيد، يفهم به معاني الشعر. وكانت له خصوصية بالقاضي فخر الدين ناظر الجيش، وبالقاضي علاء الدين ابن الأثير، ونفع عندهما من أراد. وهو كان ممن ساعد قاضي القضاة جلال الدين على مقاصده فيما تولاه. دخل يوما على القاضي مجد الدين ابن لفيتة ناظر الدولة، يطالبه بمرتبه وألح عليه وزاد في الإبرام. فقال له: يا مولانا كل شهر ألفا درهم؟! ما تمهل علينا بشهر واحد؟! فقال له: يا مولانا! هذه الألفان التي لي ما تكفي هذا عبدك الذي يحمل دواتك أن يشرب بها نبيذا! فلم يجبه بكلمة، وصرف له ما أراد! وكان إذا حضر عند فخر الدين ناظر الجيش أخذ ورقة من يده ونتشها بعنف ورماها، وقال له: خلنا من هذه وتحدث بنا في شأننا! وكان شيخا تام القامة، أعشى البصر قليلا، ذا عمة صغيرة كأنها تخفيفة. وكان لا يخاطب إلا بمولانا. وكان يدعي أنه قرأ على الأثير الأبهري. وكانت له دار مليحة على بركة الفيل، وله أموال وجواهر. رأيته يوما وقد دخل إلى أمير حسين وقد انقطع أمير حسين من وجع المفاصل الذي كان يعتريه في رجليه؛ وكان قد غاب عنه مدة؛ فلما رآه قد أقبل، وقال: يا مولانا أين كنت في هذه الغيبة؟ واويلاه من يدك! فقال له شمس الدين عاجلا: واويلاه من رجلك! وتوفي قبل الثلاثين وسبع ماية بقليل أو فيما بعدها بقليل. وكان قد حصل له الفالج قبل ذلك بتقدير سنتين ثلاثة، وانقطع.

(6/235)


وكان من دهائه أنه عمل المرتب الذي له في جملة المماليك السلطانية، فقلت له في ذلك، فقال: حتى لا يتعرض أحد من المستوفين ولا ممن يتكلم في عمل استيمار إليه! وكان في الأصل يهوديا ثم أسلم في البلاد فلما جاءني الحكيم شمس الدين بن الأكفاني وقال لي الآن لما أسلم شمس الدين! فقلت له: كيف ذلك وهو قديم الإسلام؟! فقال: لأن المسلمين سلموا من يده ولسانه! يعني بالفالج الذي حصل له. وأخبرني من لفظه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، قال: اجتمع شمس الدين يوما والأمير ناصر الدين ابن البابا، وشجاع الدين الترجمان، ونجم الدين قاسم بن مرداد، فقال ناصر الدين: أخبرني هذا وأشار إلى أحد الإثنين فقال له شمس الدين: من هو هذا؟ " إن البقر تشابه علينا " ! فقال شجاع الدين: مولانا! من قال هذا الكلام؟ فقال شمس الدين: الذين قال الله في حقهم: " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين " ! فقال شجاع الدين: مولانا شمس الدين! حاشاك تقول هذا! وإنما قال الله في حقهم: " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " ... الآية؛ أو كما قال. وشكوت إليه يوما من بعض الكبار، فقال لي: مولانا! القواهر العلوية دائمة الفيض، ممنوعة الحجب، تقتص من الظالم للمظلوم، ومن الحاكم للمحكوم.
التكريتي الكارمي
عبد اللطيف بن الرشيد الربعي التكريتي الكارمي.
أخبرني الشيخ العلامة أثير الدين؛ قال: كان المذكور شيخا له مكارم وإحسان، مقيما بالإسكندرية؛ أنشأ فيها مدرسة للشافعية؛ وهو مقصد لمن يرد عليه من الفضلاء. وله نظم منه:
ما للنياق عن الفراق تميل ... تهوى الحجاز وما إليه سبيل
ذكرت لياليها المواضي بالحمى ... والوجد منها سابق ودليل
واستنشقت عرف الخزام وشاقها ... ظل بأكناف الغوير ظليل
عجبا لها تهوى النسيم تعللا ... بنسيم رامة والنسيم عليل
ترد النقيب وما تبل به صدى ... وتود لو أن العذيب بديل
لله ليلتها وقد لاحت لها ... أعلام يثرب واستبان نخيل
وبدا لها شعب الثنية فانثنت ... تهتز من طرب به وتميل
يحدو لها حادي السرى مترنما ... ما بعد طيبة للركاب مقيل
يا سائق الوجناء عرج بالفضا ... فهناك عرب بالأراك نزول
دار لعزة ما أعز جوارها ... وظلالها للوافدين نزول
للنوق مرعاها البهيج وللعدى ... نقم تهيج وللجياد صهيل
فإذا حللت فللظباء مراتع ... وإذا رحلت فللحمام هديل
سراج الدين الكويك التاجر
عبد اللطيف بن أحمد بن محمود. أبو الفرج. الإمام سراج الدين ابن الكويك كان فاضلا، جيد الذهن، ذا عربية جيدة. رأيته غير مرة ونحن نحضر حلقة العلامة الشيخ أثير الدين أبي حيان، وسمع بقراءتي قطعة من شعر الشيخ أثير الدين وكان حسن الشكل، مليح الوجه.
وتوفي بأرض التكرور كهلا سنة أربع وثلاثين وسبع ماية.
رأيت له ثلاثة أبيات من نظمه بخطه كتبها على مصنف وضعه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي؛ وقد أوردتها في ترجمة قاضي القضاة تقي الدين. وكان شافعي المذهب. قدم دمشق سنة عشر وسبع ماية، وسمع بنت البطائحي، وإسحاق الأسدي، وابن مكتوم.
عبد المجيد
أبو منصور الواعظ
عبد المجيد بن زيدان، أبو منصور، الواعظ، الزاهد، البغدادي. كان رجلا صالحا يتكلم في علم الباطن. وكان سالمي المذهب. روى عنه أبو الوفاء علي ابن عقيل الفقيه.
وتوفي سنة خمسين وأربع ماية.
الأزدي المكي
عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رواد، الأزدي، المكي، مولى المهلب ابن أبي صفرة. وثقه ابن معين وأحمد. وقال أحمد: كان فيه غلو في الإرجاء.
وتوفي في حدود عشرة ومائتين.
وروى له الأربعة ومسلم متابعة.
الحافظ لدين الله

(6/236)


عبد المجيد بن محمد الحافظ لدين الله، أبو الميمون ابن أبي القاسم ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي صاحب مصر، أحد ملوك الفاطميين. بويع بالأمر يوم قتل ابن عمه الآمر ولاية العهد، وتدبير المملكة، حتى يظهر أمر الحمل، ووثب الأمراء فأخرجوا أحمد ابن الأفضل، وقدموه عليهم فسار إلى القصر وقهر الحافظ وسار أحسن سيرة، ورد المظالم، ووقف عند مذهب الشيعة الإمامية، وترك الأذان بحي على خير العمل، ورفض الحافظ وأهل بيته، ودعا على المنابر للإمام المنتظر صاحب الزمان، وكتب اسمه على السكة، وبقي كذلك إلى أن وثب عليه واحد من أصحاب الخاصة، فقتله بتدبير الحافظ، فبادر الدولة والأجناد، وأخرجوا الحافظ من السجن، وبايعوه ثانيا، واستقل. وكان مولده بعسقلان سنة سبع وستين. ووفاته سنة ثلاث وأربعين وخمس ماية، أو سنة أربع وأربعين. وكان كثير الأمراض بالقولنج، فعمل له شيرماه الديلمي طبلا وهو طبل القولنج الذي أخذه صلاح الدين من ذخائر العاضد، وكان مركبا من المعادن السبعة والكواكب السبعة في إشرافها؛ فإذا ضرب به المريض خرج ما في بطنه من الريح فحبق وفسا واستراح. وولي بعد الحافظ ولده الظافر إسماعيل وقد تقدم ذكره.
الروذراوري
عبد المجيد ابن أبي الفرج بن محمد. الشيخ، الإمام، العلامة. أبو محمد مجد الدين الروذراوري. شيخ إمام مشهور، بارع في اللغة، كثير المحفوظ من أشعار العرب، فصيح العبارة، مليح الخط، جيد المشاركة، مليح الشكل والبزة. أنفذه الملك الظاهر رسولا إلى بركة فمرض في الطريق، ورجع. وكان له حلقة أشغال بالحائط الشمالي.
وتوفي وهو في عشر السبعين سنة سبع وستين ماية.
وقيل إنه كان يكرر على مقامات الحريري، وخطب ابن نباتة، وديوان أبي الطيب.
نقلت من خط شهاب الدين القوصي في معجمه؛ قال؛ أنشدني لنفسه في وصف القلم بدمشق:
يعلو أنامله التي هي أبحر ... قلم جليل القدر وهو دقيق
وكذلك القصباء وهي ضعيفة ... تعلو البحار بطبعها وتفوق
وأراه مقطوع اللسان لبثه ... سر العلى وأراه وهو سروق
أخذ الفرائد من قلائد فكركم ... سرقا وقطع السارقين حقيق
وأراه يجلس في الدواة على الطوى ... والجسم غث والمكان مضيق
لضمانه رزق الأنام تكفلا ... طوعا وحبس الصامتين يليق
إن كان نظم الدر عادته فقد ... نظم الممالك سعيه الموموق
شرب القليل فراح يسعى هائما ... وكأنه سكران ليس يفيق
وغدا بدقته وصفرة لونه ... مثل العليل يسيل منه الريق
وشفى الممالك فاستقام مزاجها ... منه طبيب في العلاج شفيق
كدرت مشارع ورده لكنه ... يصفو به ورد العلى ويروق
فله ظلام الليل طورا مولج ... وله على وضح النهار طريق
وتراه أعجم وهو أفصح من ترى ... بين الورى ولسانه مشقوق
ولقد تحمل كل أعباء العلى ... هذا الضئيل لكم فكيف يطيق
لا زال روض نداك منتجع المنى ... ولدوح مجدك في السمو سموق
قال؛ وأنشدني لنفسه في القلم:
لك من بنات الماء أصفر للعدى ... من رأسه المسود موت أحمر
خجل القنا من فعله حتى غدا ... مثل النساء يرى عليه المحجر
يصفو به ورد العلاء وورده ... أبدا كعيش الحاسدين مكدر
كالطفل لا تلقاه يلقى مكتبا ... إلا بإزنان ودمع يقطر
نظم الفرزدق دون نثر بيانه ... وله دقيق المشكلات مخمر
ميل يغوص في لعاب دواته ... يشفي معمى المعضلات ويسبر
متقيد يعدو وينطق ساكنا ... نتحكم في الملك وهو مسخر
يا راكعا لبس السواد وساجدا ... يتلو بني العباس وهو مزنر
قد حز رأسك واللسان لبثه ... سر العلى واسود منك المنظر
هب أن جسمك من جواك نحوله ... أو أن لونك للنحافة أصفر

(6/237)


مركوبك البحر الجواد وما له ... من كبوة فلعا لماذا تعثر
قلت: شعر متوسط، ومعان بعضها غث بارد.
ابن عبدون المغربي
عبد المجيد بن عبد الله بن عبدون. أبو محمد الفهري. روى عن أبي بكر عاصم بن أيوب، وأبي مروان سراج، وأبي الحجاج الأعلم. وتوفي سنة سبع وعشرين وخمس ماية. كان أديبا شاعرا كاتبا مترسلا، عالما بالخير والأثر، ومعاني الحديث. أخذ الناس عنه. وله مصنف في الانتصار لأبي عبيد الله على ابن قتيبة وهو من أهل يابره: بالياء آخر الحروف وبعد الألف باء موحدة، وبعدها راء وهاء.
وتوفي سنة سبع وعشرين وخمس ماية.
ومن شعره قصيدته الرائية التي رثى بها ملوك بني الأفطس وذكر فيها من أباده الحدثان من ملوك كل زمان؛ وهي:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة ... عن نومة بين ناب الليث والظفر
فلا يغرنك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهر
تسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر
والدهر حرب وإن أبدى مسالمة ... والسود والبيض مثل البيض والسمر
ما لليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وخانتها يد الغير
هوت بدارا وكفت غرب قاتله ... وكان غضبا على الأملاك ذا أثر
واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر
واتبعت أختها طسما وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقض المرر
وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
ومزقت سبأ في كل قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكر
وأنفذت في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر
ودوخت آل ذبيان وجيرتهم ... لخما وعضت بني بدر على النهر
وما أعادت على الضليل صحته ... ولا ثنت أسدا عن ربها حجر
وألحقت بعدي بالعراق على ... يد ابنه الأحمر العينين والشعر
وبلغت يزدجرد الصين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر
ولم تكف مواضي رستم وقنا ... ذي حاجب عنه سعدا في انتها العمر
ومزعت جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظلام للجزر
وأشرفت بخبيب فوق قارعة ... وألصقت طلحة الفياض بالعفر
وخضبت شيب عثمان دما وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمر
ولا رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوده غير الضيح في الغمر
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليا بمن شاءت من البشر
وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن ... أتت بمعضلة الألباب والفكر
فبعضنا قائل ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر
وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يبو بشسع له قد طاح أو ظفر
وعممت بالظبا فودي أبي حسن ... ولم ترد الردى عنه قنا زفر
وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة ... كانت به مهجة المختار في وزر
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا ... رعت عياذته بالبيت والحجر
ولم تدع لأبي الذبان قائمة ... ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر
ولم تعد قضب السفاح نابية ... عن رأس مروان أو أشياعه الفجر
وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم بفخ لآل المصطفى هدر
وأشرقت جعفرا والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بريق الصارم الذكر

(6/238)


ولا وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مرر
وأوثقت في عراها كل معتمد ... وأشرقت بقذاها كل مقتدر
وروعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر
وأعثرت آل عباد لعا لهم ... بذيل زباء من بيض ومن سمر
بني المظفر والأيام ما برحت ... مراحل والورى منها على سفر
سحقا ليومكم يوما ولا حملت ... بمثله ليلة في سالف العمر
من للأسرة أو من للأعنة أو ... من للمساحة أو للنفع والضرر
أو دفع كارثة أو قمع رادفة ... أو ردع حادثة تعيي على القدر
ويح السماح وويح البأس لو سلما ... وحسرة الدين والدنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هامية ... تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر
منها:
زمر من كل شيء فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبكر
من للجلال الذي غضت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزهر
أين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عز ومن ظفر
أين الوفاء الذي أصفوا شرائعه ... فلم يرد أحد منها على كدر
منها:
على الفضائل إلا الصبر بعدهم ... سلام مرتقب للأجر منتظر
يرجو عسى وله في أختها أمل ... والدهر ذو عقب شتى وذو غير
وقد سلك مسلكه أبو جعفر الكفيف؛ فقال قصيدته التي رثى بها ابن الينافي، وقد قتل غيلة وأولها:
ألا حدثاني عن فل وفلان ... لعلي أري باق على الحدثان
وهي مذكورة في ترجمته. ومن شعر ابن عبدون:
وافاك من فلق الصباح تبسم ... وانساب عن غسق الظلام تجهم
والليل ينعى بالأذان وقد شدا ... بالفجر طير البانة المترنم
ودموع طل الليل تخلق أعينا ... يرنو بها من ماء دجلة أرقم
قال ابن ظافر؛ كرر المعنى الأول في قوله:
لعل الصبح قد وافى وقامت ... على الليل النوائح بالأذان
وكرر الثاني في قوله:
ودموع طل الليل تخلق أعينا ... ترنو إلينا من وجوه الماء
ومن شعر ابن عبدون:
مضوا يظلمون الليل لا يلبسونه ... وإن كان مسكي الجلابيب ضافيا
يؤمون بيضا في الأكنة لم تزل ... قلوبهم حبا عليها أداحيا
وأغربة الظلماء تنفض بينهم ... قوادمها مبلولة والخوافيا
إذا مرقوا من بطن ليل رقت بهم ... إلى ظهر يوم عزمة هي ما هيا
وإن زعزعتهم روعة زعزعوا الدجا ... إليها كماة والرياح مذاكيا
ولو أنها ضلت المكان أمامها ... سنا عمر في فحمة الليل هاديا
همام أقام الحرب وهي قعيدة ... وروى القنا فيها وكانت صواديا
شريف المطاوي تحت ختم ضلوعه ... تميمة تقوى ردت الدهر صاحيا
إذا قرئت لا بالنواظر طابقت ... سرى أختها ذات البروج مساعيا
وهدي لو استشفى المحب بروحه ... لما دان بالوجد المبرح صاليا
ورقة طبع لو تحلى بها الهوى ... لأعدى على عصر الشباب البواكيا
إليه أكلت الأرض بالعيس ثائرا ... وقد أكلت منها الذرى والحواميا
حوافي لا ينعلن والبعد آذن ... على نفسه إلا الوجى والدياجيا
فجاءته لم تبصر سوى البشر هاديا ... وسله ولم يسمع سوى الشكر حاديا
ألكني ألكني والسيادة بيننا ... إلى مولع بالحمد يشريه غاليا
إلى آمر في الدهر ناه إذا قضى ... على كل من فيه أطاعوه قاضيا
وحيوه لا راجين منه تحية ... وإن كان جودا لا يخيب راجيا
إليك ابن سيفي يعرب زف خاطري ... عقائل لا ترضى البروج مغانيا
وإني لأستحيي من المجد أن أرى ... علي لمأمول سواك أياديا

(6/239)


وإني وقد أسلفتني قبل وقته ... من البر ما جازت خطاه الأمانيا
وأيقظت من قدري؛ وما كان نائما ... وأبعدت من ذكري؛ وما كان دانيا
ولكن نبا من حسن ذكراك في يدي ... أظن حساما لم يجدني نابيا
ولو لم يكن ما خفت لا خفت لن أجد ... على غير ما أخدمتنيه اللياليا
إلى من إذا لم تشكني أنت والعلا ... أكون لما ألقى من الدهر شاكيا
وأنت على رفعي ووضعي حجة ... فكن بي على أولاهما بك جاريا
منها:
وكون مكاني في سمائك عاطلا ... ولولا مكاني الدهر ما كان حاليا
فرد المنى خضرا ترف غصونها ... بمبسوطة تندى ندى وعواليا
عوال إذا ما الطعن هز جذوعها ... تساقطت الهيجا عليك معاليا
وعاون على استنجاز طبعي بهبة ... ترقص في ألفاظهن المعانيا
وعز على العلياء أن يلقي العصا ... مقيما بحيث البدر ألقى المراسيا
ومن قام رأي ابن المظفر بينه ... وبين الليالي نام عنهن لاهيا
قلت: وددت أن هذه الأبيات لم تفرغ فإنها أطربت سمعي، وأذهلت عقلي هكذا هكذا، وإلا فلا لا. ومن شعره أيضا:
ما لي إذا نفس معنى قدست وسرت ... في جسم لفظ مسوى الخلق من مثل
أنت الذي باهت الأرض السماء به ... وما لها بك لو باهتك من قبل
منها:
تفري أديمي الليالي غير مبقية ... علي ما لليالي ويحهن ولي
وإنني في مواليكم كملككم ... بين الممالك والإسلام في الملل
ومن شعره:
سقاها الحيا من مغان فساح ... فكم لي بها من معان فصاح
وحلى أكاليل تلك الربى ... ووشى معاطف تلك البطاح
فما أنس لا أنس عهدي بها ... وجري فيها ذيول المراح
فكم لي في اللهو من طيرة ... إليها بأجنحة الارتياح
ونوم على حبرات الرياض ... تجاذب بردي أيدي الرياح
منها:
وليل كرجعة طرف المريب ... لم أرده شفقا من صباح
كعمر عداتك يوم الندى ... وعمر عداتك يوم الكفاح
إليك رمى أملي بي ولا ... هوي مصفقة بالجناح
منها:
إذا عمر هطلت كفه ... فلا حملت سحب من رياح
وقال:
وما أنس بين النهر والقصر وقفة ... نشرت بها ما ضل من شارد الحب
رميت بلحظي دمية سنحت به ... فلم أثنه إلا ومحرابها قلبي
الوادي آشي
عبد المجيد بن محمد بن مسلم العذري الوادي آشي.
أخبرني العلامة أبو حيان من لفظه؛ قال؛ أخذ المذكور الأدب عن الأستاذ ابن مفوز، وعن ابن الأرقم الأبيرش، وهما من تلاميذ الأستاذ أبي علي الشلوبين. وكان ابن مسلم المذكور أديبا حافظا مكثرا من النظم والنثر.
توفي في أحد الربيعين سنة اثنتين وثمانين وست ماية بوادي آش رحمه الله تعالى.
قال أبو حبان؛ أنشدني له أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد الأنصاري المعروف بابن الحصار؛ قدم علينا القاهرة:
يا أيها البدر متى تطلع ... قد لج بي الوجد فما أصنع
الحسن في الناس ادعاء وفي ... خديك سر الحسن مستودع
محمد رفقا على مدنف ... هجرانكم مما به أوجع
والله لولا حر أنفاسه ... لأغرقت موضعه الأدمع
وقلبه لولا رجا وصلكم ... طار ولما تحوه الأضلع
قلت: شعر نازل منحط.
عبد المحسن
الحجة الصوفي

(6/240)


عبد المحسن ابن أبي العميد فرامرز بن خالد بن عبد الغفار بن إسماعيل ابن أحمد الخفيفي. أبو طالب الصوفي المعروف بالحجة. من أهل أبهرزنجان. سمع بها أبا الفتوح عبد الكافي بن عبد الغفار الخطيب وغيره، وسافر إلى همذان، وتفقه للشافعي على أبي القاسم عبد الله بن حيدر القزويني، وسمع منه ومن عبد الرزاق بن إسماعيل القومساني. وسمع بأصبهان من أحمد بن أحمد ابن محمد بن ينال التركي، وأبي موسى محمد ابن أبي بكر المديني الحافظ، ومن جماعة. وقدم بغداد وتفقه بها على النوقاني، وسمع من ابن شاتيل، وأبي السعادات ابن زريق. وسافر الشام، وسمع بها بدمشق أبا محمد عبد الرحمن بن علي الحزمي وغيره. وسمع البوصيري بمصر وبالإسكندرية. وتوفي بمكة سنة ست وخمسين وخمس ماية. وروى عنه ابن النجار وابن الحاجب، والضياء، والدبيثي، وأبو الفرج ابن أبي عمر، وقطب الدين القسطلاني.
أمين الدين الحلبي الكاتب
عبد المحسن بن حمود بن المحسن بن علي. أمين الدين، أبو الفضل، التنوخي، الحلبي، الكاتب، المنشئ، البليغ.
ولد سنة سبعين وخمس ماية، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وست ماية.
رحل وسمع بدمشق من حنبل، وابن طبرزد والكندي وغيرهم. وعني بالأدب، جمع كتابا في الأخبار والنوادر في عشرين مجلدة روى فيه بالسند. وله ديوان شعر، وديوان ترسل. وروى عنه القوصي والزين الفارقي وأبو علي ابن الخلال. وكتب لصاحب صرخد عز الدين أبيك، ووزر له. وكان دينا خيرا، كامل الأدوات.
نقلت من خط شهاب الدين القوصي في معجمه: قال؛ أنشدني أبو الفضل المذكور لنفسه:
إشتغل بالحديث إن كنت ذا ... فهم ففيه المراد والإيثار
وهو العلم معلم وبه ... بين ذوي الدين تحسن الآثار
إنما الرأي والقياس ظلام ... والأحاديث للورى أنوار
كن بما قد علمته عاملا ... فالعلم دوح منهن تجبى الثمار
وإذا كنت عاملا وعليما ... بالأحاديث لن تمسك نار
قال؛ وأنشدني لنفسه يعاتب صديقا قصر في حقه:
سألتك حاجة ووثقت فيها ... بقول نعم وما في ذاك عاب
ولم أعلم بأني من أناس ... ظموا قبلي وغيرهم السراب
قال؛ وأنشدني لنفسه في معناهما:
ظننت به الجميل فجببت أرضا ... إليه كهمتي طولا وعرضا
فلما جئته ألفيت شخصا ... حمى عرضا له وأباح عرضا
قال؛ وأنشدني لنفسه:
كأنما نارنا وقد خمدت ... وجمرها بالرماد مستور
دم جرى من فواخت ذبحت ... من فوقه ريشهن منثور
قال؛ وأنشدني لنفسه أيضا:
أتانا بكانون يشب اضطرامه ... كقلب محب أو كصدر حسود
كأن احمرار النار من تحت فحمه ... خدود عذارى في معاجر سود
قال؛ وأنشدني لنفسه في جميل الصورة لابس أصفر:
قد قلت لما أن بصرت به ... في حلة صفراء كالورس
أو ما كفاه أنه قمر ... حتى تدرع حلة الشمس
قال؛ وأنشدني لنفسه:
أقول لنفسي حين نازل لمتي ... مشيبي ولما يبق غير رحيلي
أيا نفس قد مر الكثير فأقصري ... ولا تحرصي لم يبق غير قليل
ولا تأملي طول البقاء فإنني ... وجدت بقاء الدهر غير طويل
قلت: كذا وجدته بخط القوصي، ولو قال الشاعر: وجدت بقاء العمر غير طويل! لكان أحسن وأصدق، لحكاية الواقع؛ لأن الدهر طويل، والعمر قصير.
قال؛ وأنشدني لنفسه:
بالله هل يا ملول ... إلى الوصال وصول
أم هل إلى سلسبيل ... من ريق فيك سبيل
صلني فما ذا التجافي ... من ذا الجمال جميل
ساءت لبعدك حالي ... ولست عنك أحول
قضى اعتدالك فينا ... أن ليس عنك عدول
ما مال قدك إلا ... علي ظلما يميل
فهل شمائل ريح ... مرت به أو شمول
إن كنت تنكر أني ... بمقلتيك قتيل
فها دمي كاد من ... خدك الأسيل يسيل
وذا الدلال على ما ... بي في هواك دليل

(6/241)


لكن يهون على الغمر ... في الهوى ما يهول
ابن شهدانكه
عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد بن علي. أبو منصور الشيحي، بالشين المعجمة والياء آخر الحروف، والحاء المهملة. التاجر المعروف بابن شهدانكه. البغدادي؛ من أهل محلة النصرية. سمع الكثير، وكتب بخطه أكثر مسموعاته.
وتوفي سنة سبع وثمانين وأربع ماية.
أخو الصفي الأسود
عبد المحسن بن إسماعيل بن محمود. شرف العلى المحلي. كان قد وزر للملك الأوحد. وكان قد ناب بدمشق عن الوزير صفي الدين ابن شكر في الدولة العادلية. ثم وزر لأخي العادل فلك الدين فتسب إليه. ثم استقل وزيرا بخلاط للأوحد ابن العادل فذبحه على فراشه مملوك له ليلة عيد الفطر بخلاط سنة خمس وست ماية أو أربع. وحمله من خلاط إلى دمشق الرشيد عبد الله الصفوي؛ وكان صديقه؛ ودفنه بجبل قاسيون. وصلب قاتله على قبره، وعند صلبه بدره الرشيد فطعنه بسكين في نحره. وهو أخي الصفي الأسود، واسمه محمد بن إسماعيل؛ وقد تقدم ذكره في المحمدين.
جمال الدين البارنباري
عبد المحسن بن الحسن بن سليمان البارنباري.
أخبرني العلامة أثير الدين أبو حيان من لفظه، قال: رأيته مرارا بدمياط والقاهرة، وبمصر. وينعت بالجمال. وله نظم منه، ما أنشدني لنفسه بدمياط؛ وهو:
متى يا أهل الحي أحظى بقربكم ... ويبلغ قلبي من لقائكم القصدا
وترجع الأيام تقضت على الحمى ... وتنجز ليلى من تواصلنا الوعدا
قال؛ وله أيضا:
منهج فخر الدين في حكمه ... وشرعه للقوم منهاج
قد وسع الناس بأخلاقه ... فماله في الخلق من هاج
مهذب الدين الدمشقي
عبد المحسن بن علي بن عبد الله، مهذب الدين، أبو محمد، الشاعر، الدمشقي. نقلت من خط شهاب الدين القوضي في معجمه قال؛ أنشدني المذكور لنفسه يعاتب بعض أصدقائه:
قد هجرناك وقد سر الورى ... ويئسنا منك فافعل ما تريد
وغسلنا منك أيدينا فما ... نشغل الفكر بشيء لا يفيد
وندمنا إذ صحبناك فكن ... كيفما شئت فإنا لا نعود
لم يزل يلحقنا منك أذى ... وعلى الأيام ينمو ويزيد
غير أنا لا نكافيك ففي ... هجرنا ما يشتفي منك الحسود
تجحد الصحبة والبقيا على ... جاحد الصحبة إحسان جديد
ابن حديد المعري
عبد المحسن بن صدقة بن عبد الله بن حديد. أبو المواهب المعري. ورد مصر أيام الأفضل أمير الجيوش وخدمه بعدة قصائد فلم ينجح طريقه، ولاحظي عنده. فتوجه إلى اليمن وأقام هناك إلى أن هجا ملكتها المعروفة بالسيدة الحرة فكان ذلك سبب قتله ومن شعره:
سكر هوى لم يثنه قول لاح ... فاقذف بريا صاح في قلب صاح
مزجت بالهجر فجر الهوى ... بالعد أم جدنا في المزاح
مفعمة الحجلين ظمأى الحشا ... شماء مهوى القرط غرثى الوشاح
في خدها ماء ونار وفي ... مبسمها در وشهد وراح
ومن هجوه:
بفم كمثل القبر بعد ثلاثة ... في نتنه وصديده وعظامه
وهذا يشبه قول ابن مكنسة:
تشابها سرمه وفوه ... في الوسع والنتن والبرودة
ومن شعر ابن حديد:
والشعر مثل الشعر يسعد أسودا ... فإذا تبيض عاد بالحظ الشقي
في كل يوم للقوافي عثرة ... يشقى بها حظي وخجلة مطرق
أسقى الثماد وليتني مع قلة ... فيه بأول نهلة لم أشرق
أبو محمد الصوري
عبد المحسن بن محمد بن غالب أبو غلبون. أبو محمد الصوري، الشاعر المشهور. أحد المحسنين الفضلاء. وديوانه مشهور. توفي سنة تسع عشرة وأربعمائة وعمره ثمانون سنة أو أكثر. وكان ابن حيوس يقول: إني ليعرض لي الشيء مما يشابه شعر أبي تمام والبحتري وغيرهما من المتقدمين، ولا أقدر على أن أبلغ موازنة الصوري لسهولة لفظه، وعذوبة معانيه، وقصر أبياته. ومن شعره:
أترى بثأر أم بدين ... علقت محاسنها بعيني
في لحظها وقوامها ... ما في المهند والرديني

(6/242)


بكرت علي وقالت اخ ... تر خصلة من خصلتين
إما الصدود أو الفرا ... ق فليس عندي غير ذين
فأجبتها ومدامعي ... تنهل فوق الوجنتين
لا تفعلي إن حان ص ... دك أو فراقك حان حيني
وكأنما قلت انهضي ... فمضت مسارعة لبيني
ثم استقلت أين حل ... ت عيسها رميت بأين
ونوائب أظهرن أيا ... مي إلي بصورتين
سودنها وأطلنها ... فرأيت يوما ليلتين
هل بعد ذلك من يعر ... فني النضار من اللجين
فلقد جهلتهما لبع ... د العهد بينهما وبيني
متكسبا بالشعر يا ... بئس الصناعة في اليدين
كانت كذلك قبل أن ... يأتي علي بن الحسين
فاليوم حال الشعر ثا ... لثة لحال الشعريين
أغنى وأعفى مدحه ال ... عافين عن كذب ومين
وهذه القصيدة عملها الصوري في علي بن الحسين والد الوزير أبي القاسم المغربي. واتفق أنه كان في عسقلان رئيس يقال له: ذو المنقبتين، فجاءه بعض الشعراء وامتدحه بهذه القصيدة؛ وزاد في مديحها من نظمه:
ولك المناقب كلها ... فلم اقتصرت على اثنتين؟!
فأصغى الرئيس إلى إنشادها واستحسنها، وأجزل جائزته. فلما خرج من عنده، قال له بعض الحاضرين: هذه القصيدة لعبد المحسن الصوري! فقال: أعلم ذلك، وأنا أحفظ القصيدة، ثم أنشدها فقال له، فكيف عملت معه هذا العمل؟! قال: لم أعطه إلا لأجل قوله: ولك المناقب كلها... البيت فإن هذا لم يكن عبد المحسن، وأنا ذو المنقبين، فأعلم قطعا أن هذا البيت ما عمل إلا في! ومن شعر الصوري:
عندي حدائق شكر غرس أنعمكم ... قد مسها عطش فليسق من غرسا
تداركوها وفي أغصانها رمق ... فلن يعود إخضرار العود إن يبسا
واجتاز يوما بقبر صديق له فأنشد:
عجبا لي وقد مررت على قبر ... كيف اهتديت قصد الطريق
أتراني نسيت عهدك يوما؟ ... صدقوا ما لميت من صديق
ولما ماتت أمه وجد عليها وجدا كثيرا، وقال بعدما دفنها:
رهينة أحجار ببيداء دكدك ... تولت فحلت عروة المتمسك
وقد كنت أبكي إن تشكت وإنما ... أنا اليوم أبكي أنها ليس تشتكي
ومن شعره:
جزاك الله عن ذا النصح خيرا ... ولكن جاء في الزمن الأخير
ومذ صار نفوس الناي حولي ... قصارا عدت ذا أمل قصير
ومنه:
ومعتذر العذار الى فؤادي ... لجزم سابق من مقلتيه
وكم رمت السلو فأعرضت بي ... عن الإعراض خضرة عارضيه
ولما قلت إن الشعر يسعى ... لقلبي في الخلاص سعى عليه
ومنه:
بالذي ألهم تعذيبي ... ثناياك العذابا
ما الذي قالته عيناك ... لقلبي فأجابا
ومنه:
وتريك نفسك في معاندة الورى ... رشدا ولست إذا فعلت براشد
شغلتك عن أفعالها أفعالهم ... هلا اقتصرت على عدو واحد؟
المسند أمين الدين ابن الصابوني
عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن علي. الشيخ المسند، أمين الدين، أبو الفضل شهاب الدين ابن الحافظ جمال الدين أبي حامد ابن الصابوني.
ولد في سابع عشر ذي الحجة أو القعدة سنة سبع وخمسين وست ماية.
وتوفي ليلة السبت سادس جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وسبع ماية بمصر.
وصلي عليه من الغد، ودفن بالقرافة.
أجاز لي بخطه المرتعش المعوج سنة ثمان وعشرين وسبع ماية.
القاضي علاء الدين ابن رزين
عبد المحسن بن عبد اللطيف بن محمد بن الحسين بن رزين. القاضي الإمام، العالم، علاء الدين ابن القاضي بدر الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين. سمع من العز الحراني، وغازي.
وتوفي ليلة الإثنين عاشر شعبان سنة ثلاث وثلاثين وسبع ماية.
أجاز لي بخطه في رابع المحرم سنة تسع وعشرين وسبع ماية بالقاهرة.
وقد تقد ذكر والده وجده.
سمعت خطابته ودرسه غير مرة. وكان فصيحا بليغا، ودرسه بسكون لا يتكلم فيه أحد غيره.

(6/243)


ابن السهروردي
عبد المحمود بن عبد الرحمن بن محمد. الإمام شهاب الدين ابن السهروردي. رئيس بغداد.
توفي سنة أربع عشرة وسبع ماية.
ابن ناعمة الطبيب
عبد المسيح بن عبد الله الحمصي. الطبيب المعروف بابن ناعمة. كان ممن ينقل كتب اليونان إلى لغة العرب. وهو متوسط النقل إلا أنه إلى الجودة أميل.
فخر الدين الحنفي الحلبي
عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب بن الحسين العلامة، المفتي، فخر الدين، أبو هاشم، القرشي، العباسي، الحلبي، الحنفي. تفقه بما وراء النهر. وكان مدرس المدرسة الحلاوية، وشرح الجامع الكبير، وتخرج به جماعة من الفضلاء، وروى عنه جماعة.
وتوفي سنة ست عشر وست ماية.
أبو العز الحنبلي
عبد المغيث بن زهير بن عبد الله بن زهير. أبو العز الحربي الحنبلي، ولد سنة خمس ماية، وتوفي رحمه الله سنة ثلاث وثمانين وخمس ماية. سمع الحديث، وصنف كتابا في فضل يزيد بن معاوية؛ ورد على الشيخ جمال الدين ابن الجوزي في كتاب سماه الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد. ومن شعره:
يا عز من سمحت له أطماعه ... إن بات ذا عدم خفيف المزود
فاليأس عز فادرعه وصل به ... نيل السيادة في سبيل أقصد
والحر من نزلت به أزمانه ... في حب مكرمة وحسن تسدد
ولم يستكن للنائبات إذا عرت ... صولا على الأعداء غير مفند
في ذا ينافس كل قيل أروع ... سمح خليقته كريم المحتد
عبد الملك
المقدسي الهمذاني الفرضي
عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد. أبو الفضل الفرضي المعروف بالمقدسي. من أهل همذان. سكن بغداد إلى حين وفاته. وكان فقيها شافعيا إماما في الفرائض والحساب وقسمة التركات، وإليه مرجع الناس في ذلك. وطلب لقضاء القضاة فامتنع. وكان عابدا، ناسكا، ورعا، نزها، عفيفا؛ عرفه بذلك الخاص والعام. سمع عبد الواحد بن هبيرة بن عبد الله العجلي. وعبد الله بن عبدان الفقيه، وعبد الرحمن بن أحمد الروياني وغيرهم. وحدث باليسير. وكان يحفظ المجمل لابن فارس، وغريب الحديث لأبي عبيد. ولم يعرف أنه اغتاب أحدا قط. ولما طلبه الوزير أبو شجاع للقضاء اعتذر بالعجز وعلو السن؛ وقال: لو كانت ولايتي متقدمة لاستعفيت منها! وأنشد:
إذا المرء أعيته السيادة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وتوفي سنة تسع وثمانين وأربع ماية.
الوزير ابن شهيد
عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك بن شهيد، الوزير أبو مروان القرطبي. روى عن قاسم بن أصبغ. وكان إماما في اللغة والأخبار، وصنف التاريخ الكبير على السنين من وفاة علي رضي الله عنه؛ وهو أزيد من مائة سفر.
توفي بالذبحة في رابع ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وأربع ماية. وصحب المنصور أبا عامر.
أبو مروان القرطبي
عبد الملك بن أحمد بن محمد بن عبد الملك بن الأصبغ. أبو مروان، القرشي، القرطبي. كان من أهل العلم. له تصنيف حسن في الفقه والسنن، وكتاب في أصول العلم في تسعة أجزاء، ومناسك الحج.
توفي سنة ست وثلاثين وأربع ماية.
تقي الدين الأرمنتي الشافعي
عبد الملك بن أحمد بن عبد الملك الأنصاري. تقي الدين. الأرمنتي. فقيه شافعي، مفت، سمع الحديث على شيخه مجد الدين القشيري، وابنه الشيخ تقي الدين. وعلى عبد المحسن بن إبراهيم المكتب وغيرهم، وحدث. وله أرجوزة في الحلى، وموجز تاريخ مكة للأزرقي. أجازه شيخه مجد الدين بالفتوى. وكان محسنا إلى الناس من الفقهاء ومساعدا لهم على المناصب. وكان يكتب خطا رديا لا يحسن أحد يستخرجه إلا الشاذ.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: كان بعض قضاة قوص إذا جاءت إليه ورقة بخطه؛ يقول لصاحبها: أحضره ليقرأها! ولد بأرمنت سنة اثنين وثلاثين وست ماية. وتوفي بقوص سنة اثنتين وعشرين وسبع ماية. ومن شعره:
قالت لي النفس وقد شاهدت ... حالي لا تصلح أو تستقيم
بأي وجه تلتقي ربنا ... والحاكم العدل هناك الغريم
فقلت حبسي حسن ظني به ... ينيلني به النعيم المقيم
قالت وقد جاهرت حتى لقد ... حق له يصليك نار الجحيم

(6/244)


قلت معاذ الله أن يبتلي ... بناره وهو بحالي عليم
ولم أفه قط بكفر وقد ... كان بتكفير ذنوبي زعيم
وقال في لزوم الوراقة:
ايا سائلا حالي بسوق لزمته ... يسومنه سوق الوراقة ما يجدي
خذ الوصف مني ثم لا تلو بعدها ... على أحد من سائر الخلق من بعدي
يكسب سوء الظن بالخلق كلهم ... وخسة طبع في التقاضي مع الحقد
وينقص مقدار الفتى بين قومه ... ويدعى على رغم من القرب والبعد
وإن خالف الحكام في بعض أمرهم ... يرى منهم والله كل الذي يردي
ولا سيما في الدهر إذ رسموا لنا ... بأربعة في كل أمر بلا بد
ويكفيه تمعير النقيب وكونه ... يشنطط بين الرسل في حاجة الجندي
وإن قال إني قانع بتفردي ... فهذا معاش ليس يحصل للفرد
فبالله إلا ما قبلت نصيحتي ... وعانيت ما يغنيك عنه وما يجدي
وإن كنت مقهورا عليه لحاجة ... فصابر عليه: لا تعيد ولا تبدي
عبد الملك بن إدريس
عبد الملك بن إدريس النحوي، الكاتب، أبو مروان. أحد وزراء الدولة العامرية وكاتبها. وكان عالما، أديبا، شاعرا. مات قبل الأربع ماية بمدة. كان بين يدي المنصور أبي عامر في ليلة يبدو فيها القمر تارة، ويخفى بالسحاب تارة؛ فقال بديها:
أرى بدر السماء يلوح حينا ... ويبدو ثم يلتحف السحابا
وذاك لأنه لما تبدى ... وأبصر وجهك استحيا فغابا
أبو المظفر الشافعي
عبد الملك بن أزاروه بن عبد الله. أبو المظفر. الشاعر. ذكره أبو الفتح عبد السلام بن يوسف الدمشقي في كتاب أنموذج الأعيان؛ فقال: دين، أديب، شاعر، شافعي المذهب، بغدادي. توفي سنة اثنتين وعشرين أو أربع وعشرين وخمس ماية. ومن شعره:
فاض دمعي حتى إذا نفذ الدمع ... جرى القلب في مجاري الدموع
لا تلمني فدمع عيني جرى ... شوقا وقلبي من خيفة التوديع
ومنه:
نظرت من قد صيغ من لونه ... شمس وبدر التم في غرته
فحار قلبي عند تشبيهه ... فلم أقسه بسوى صورته
ومنه:
أشارت بأطراف لطاف وأومأت ... بأنملة من ماء قلبي خضابها
وأرخت نقابا بين طرفي وجهها ... فخلت بأن الشمس تحت نقابها
قلت: كذا وجدته. وهو مختلف القافية في إعرابه كما تراه. ولعله: فخلت بأن الشمس دوني سحابها؟
الملك السعيد ابن الصالح
عبد الملك بن إسماعيل. هو الملك السعيد ابن الملك الصالح نجم الدين أبي الجيش ابن العادل أبو محمد فتح الدين. وهو والد الملك الكامل ناصر الدين محمد. وقد تقدم ذكره في المحمدين. كان فتح الدين المذكور وافر الحرمة والتجمل، ودفن بتربة جدته أم الصالح، وشيعه الأمراء والأعيان.
وتوفي سنة ثلاث وثمانين وست ماية.
تقي الدين الأسنائي
عبد الملك بن الأعز بن عمران. التقي الأسنائي. كان أديبا، شاعرا. قرأ النحو والأدب على الشمس الرومي، ورد عليهم أسنا. وله ديوان شعر. قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: اجتمعت به كثيرا، ولم أستنشده، وكان متهما بالتشيع.
وتوفي بأسنا سنة سبع وسبع ماية.
ومن شعره:
لا تلم من يحب عند سراه ... فغرام الحبيب قد أسراه
جذبته يد الغرام لمن يهواه ... فاعذره في الذي قد عراه
راح يطوي نشر الليالي ... من الشوق إليه ووجده قد يراه
ومنه:
جفوني ما تنام إلا ... لعلي أن أراك
فزرني قد براني الشو ... ق يا غصن الأراك
وطرفي ما رأى مثلك ... وقلبي قد حواك
فهو لك لم يزل مسكن فسبحان الذي ... أسكن وحسنك كم به أفتن
وما قصدي سواك
حبيبي آه ما أحلى ... هواني في هواك

(6/245)


فخل الصد والهجران ... ولا تسمع ملام
وصلني يا قضيب البان ... ففي قلبي ضرام
وجد للهائم الولهان ... يا بدر التمام
وزر يا طلعة البدر ودع يا ... قاتلي هجري وارفق قد فني عمري
وعد أيام وفاك
واسمح أن أقبل يا ... مليح بالله فاك
إذا ما زاد بي وجدي ... ولا ألقى معين
وصار دمعي على خدي ... كما الماء المعين
أفكر ألتقيك عندي ... يطيب قلبي الحزين
لأنك نزهة الناظر وشخصك في ... الفؤاد حاضر وحبي فيك بلا آخر
وقولي قد كفاك
فجد واعدل وصل ... وواصل رضاي من رضاك
جبينك يشبه الأصباح ... بنورو قد هدى
وريقك من رحيق الراح ... به يروى الصدى
وخدك يشبه التفاح ... مكلل بالندى
سباني لونه القاني فخلاني ... كئيب عاني تجافى النوم أجفاني
فهل عيني تراك
فذاك اليوم فيه خدي ... أعفر في ثراك
عذولي لا تطل واقصر ... ودع صبا كئيب
تأمل من هويت وابصر ... إلى وجه الحبيب
وكن يا صاح مستبصر ... ترى شيئا عجيب
ترى من حسنه مبدع كبدر التم ... إذ يطلع تحير لم تدر ما تصنع
ولا تعرف هداك
وتبقى مفتكر حيران ... إلا إن هداك
النهرواني المقرئ
عبد الملك بن بكران بن العلاء. أبو الفرج النهرواني. المقرئ. القطان. كان من أعيان القراء بالعراق.
توفي سنة أربه وأربع ماية.
عبد الملك بن جندب
هو ابن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. روى عن أبيه، وسلمان الفارسي. وتوفي في حدود التسعين للهجرة.
القرطبي المالكي
عبد الملك بن حبيبي بن سليمان بن هارون السلمي، الفقيه، العباسي. الأندلسي، القرطبي، المالكي، أحد الأعلام. كان موصوفا بالحذق في مذهب مالك. له مصنفات كثيرة. توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. ومن مصنفاته: كتاب الواضحة؛ كتاب الجامع؛ فضائل الصحابة؛ غريب الحديث؛ تفسير الموطأ؛ حروب الإسلام؛ المسجدين؛ وسيرة الإمام في الملحدين؛ طبقات الفقهاء؛ مصابيح الهدى.
قال ابن الفرضي: كان فقيها، نحويا، شاعرا عروضيا، أخباريا، نسابة، طويل اللسان، متصرفا في فنون العلم. روى عنه بقي بن مخلد، قال ابن الفرضي: إلا أنه لم يكن له علم بالحديث، ولا يعرف صحيحه من سقيمه! ذكر عنه أنه كان يتساهل في سماعه، ويحمل على سبيل الإجازة أكثر روايته.
وتوفي بعلة الحصى في شهر رمضان رابعا، أو في ذي الحجة من السنة المذكورة. ومن شعره.
الجوني البصري
عبد الملك. أبو عمران الجوني، البصري. رأى عمران بن حصين. وروى عن جندب ابن عبد الله. وأنس بن مالك، وعبد الله بن الصامت، وأبي بكر ابن أبي موسى. وثقه ابن معين وغيره. قال أبو سعيد ابن الأعرابي: كان الغالب عليه الكلام في الحكمة.
توفي سنة ثلاث وعشرين وماية، وروى له الجماعة.
ابن بتنة
عبد الملك بن حسن بن بتنة بالباء الموحدة، وبعدها تاء ثالثة الحروف، وبعدها نون مشددة وبعدها هاء. أبو محمد الأنصاري. شيخ صالح. جاور بمكة. وسمع منه السلفي والسمعاني وأبو بكر وغيرهما. وتوفي في حدود الأربع ماية.
أبو نعيم الإسفراييني
عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق بن الأزهر الأزهري. أبز نعيم الإسفراييني. روى عن خال أبيه الحافظ أبي عوانة كتاب الصحيح المسند واحتاط له خاله في سماعه؛ فبارك الله في عمره حتى سمعه الأئمة واشتهر الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل. وكان رجلا صالحا ثقة.
كاتب المنصور العباسي

(6/246)


عبد الملك بن حميد مولى حاتم بن النعمان الباهلي من أهل حران. كان كاتبا متقدما. قلده المنصور كتابته ودواوينه، وكانت له عنده منزلة رفيعة. ولما بنى مدينة السلام قسمها أرباعا؛ فجعل الربع منها إلى عبد الملك بن حميد الكاتب. ولعبد الملك قطيعة وربض بعرف به بالجانب الغربي من بغداد. ولم يزل على حاله عنده إلى أن لحقته علة النقرس فانقطع؛ وكان عبد الملك ربما تثاقل على المنصور، وتعالل عليه في أيام قربه منه، فقال له المنصور: اتخذ من ينوب عنك إذا غبت عن حضرتي! فاتخذ أبا أيوب المورياني، وهو فتى حدث ظريف، فخف على قلب المنصور، وأدنى أبا أيوب كثيرا. فلما طالت علة النقرس بعبد الملك استقل أبو أيوب بالوزارة. وحكي أن عبد الملك جلس أيام عطلته بحران، ويحيى بن رملة الصفري، وعبيد الله بن النعمان مولى ثقيف، ورجل آخر تحت شجرة تين؛ وذلك بعد انقضاء دولة بني أمية؛ فقالوا له: لو أصبنا رجلا له سلطان انقطعنا له، وكنا في خدمته يرزقنا رزقا نعود به على عيالنا! فقال بعضهم: عسى الله أن يسبب لنا ذلك أو لبعضنا فيفضل علينا! فتوافقوا على ذلك، وأن عبد الملك بن حميد؛ فأحضره وقلده كتابته. وتذكر عبد الملك أصحابه. فأحضرهم وقلدهم الأعمال فأثروا وحسنت أحوالهم فكانوا إذ ذاك يعرفون بأصحاب التينة.
القاضي أبو المعالي الحديثي
عبد الملك بن روح بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح الحديثي. أبو المعالي ابن قاضي القضاة. استنابه والده على الحكم والقضاء بحريم دار الخلافة. فبقي على ذلك مدة ولاية أبيه، وجرت أموره على السداد والاستقامة.
وكان عابدا ورعا عفيفا متواضعا، تاركا للتكلف. سمع من جده أبي نصر أحمد، ومن أبي عبد الله محمد بن محمد بن السلال الوازن، وأبي القاسم علي ابن عبد السيد بن محمد بن الصباغ.
لما توفي والده خوطب في أن يتولى القضاء فأبى، وتردد الكلام في ذلك أياما، ومرض؛ وتوفي سنة سبعين وخمس ماية.
الطبيب
عبد الملك بن زهر بن عبد الملك بن محمد بن مرزان الإشبيلي. شيخ الأطباء. له مصنفات في الطب. أخذ عن والده وتقدم في الطب، ورأس وشاع ذكره، ولحق بأبيه أبي العلاء، وأقبل الأطباء على حفظ مصنفاته. وكان واصلا عند عبد المؤمن، علي القدر، وصنف له الدرياق السبعيني، ونال من جهته دنيا عريضة. ومن أجل تلامذته أبو الحسين ابن أسد المصدوم.
وتوفي عبد الملك سنة سبع وخمسين وخمس ماية.
عبد الملك بن زونان
أبو مروان الأندلسي. شيخ معمر فقيه. أدرك معاوية بن صالح الحمصي قاضي المغرب. وكان يفتي أولا بالأندلس على مذهب الأوزاعي، ثم رجع إلى مذهب مالك.
توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
أبو الفضل التميمي الطبني المغربي
عبد الملك بن زيادة الله بن علي بن حسين بن محمد بن أسد السعدي التميمي الحماني. أبو مروان الطبني. أصله من طبنة من عمل إفريقية.
أقام بقرطبة؛ ووجد مقتولا في داره سنة ست وخمسين وأربع ماية.
وهو من أهل بيت جلالة ورياسة، من أهل الحديث والأدب، إمام في اللغة، له رواية وسماع بالأندلس. رحل إلى المشرق غير مرة، وحدث عن إبراهيم ابن محمد بن زكريا الزهري النحوي.
من شعره:
دعني أسر في البلاد مبتغيا ... فضل ثراء إن لم يضر زانا
فبيذق الصدر وهو آخره ... فيه إذا سار صار فرزانا
ضياء الدين الدولعي الخطيب
عبد الملك بن زيد بن ياسين بن زيد بن قائد بن جميل. الإمام ضياء الدين. الخطيب، الدمشقي، التغلبي، الأرقمي، الدولعي، الموصلي. الفقيه الشافعي. ولي خطابة دمشق، ودرس بالغزالية، وسمع، وروى.
وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمس ماية.
أبو مروان القرطبي الأموي
عبد الملك بن سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج. أبو مروان. مولى بني أمية، من أهل قرطبة؛ إمام اللغة بها. روى عن كثير من أهل العلم.
مات يوم عرفة سنة تسع وثمانين وأربع ماية.
وكان وقور المجلس لا يجسر أحد على الكلام فيه نهابة له. وكان يقول: حدثنا وأخبرنا واحد؛ ويحتج بقوله تعالى: " يومئذ تحدث أخبارها " فجعل الحديث والخبر واحدا. وكان جده سراج الدين من موالي بني أمية، وكان أحفظ الناس لأنساب العرب، وأصدقهم، وأقوم الناس بالعربية والأشعار والأخبار. فاق الناس فيوقته.
العرزمي الكوفي

(6/247)


عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي، الكوفي. أحد الحفاظ. روى عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير، وعطاء ابن أبي رباح. قال أحمد والنسائي: ثقة. واستشهد به البخاري. وروى له مسلم والأربعة.
وتوفي سنة خمس وأربعين ومائة.
ابن القوطية
عبد الملك بن سليمان بن عمر بن عبد العزيز. أبو الوليد ابن القوطية الإشبيلي. كان متصرفا في الفقه والحساب والأدب، بارعا في عقد الوثائق، راوية للأخبار.
توفي سنة تسع وعشرين وأربع ماية.
الفهمي
عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد الفهمي؛ مولاهم. كان عسرا في الحديث، بصيرا بالفقه.
توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
الأمير العباسي
عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. أبو عبد الرحمن. الأمير. ولي المدينة والصوائف للرشيد، ثم ولي الشام والجزيرة للأمين. وتوفي سنة ست وتسعين ماية. وحدث عن أبيه ومالك بن أنس. ووفاته بالرقة. وكان أفصح الناس وأخطبهم؛ ولم يكن في عصره مثله في فصاحته وصيانته وجلالته. قيل ليحيى بن خالد البرمكي وقد ولى الرشيد عبد الملك المدينة: كيف ولاه المدينة من بين أعماله؟ قال: أحب أن يباهي به قريشا، ويعلمهم أن في بني العباس مثله! ودخل على الرشيد وقد توفي له ولد وجاءه ولد؛ فقال: يا أمير المؤمنين! سرك الله فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجعل هذه بهذه جزاء للشاكر، وثوابا للصابر. وقيل له: إن أخاك عبد الله يزعم أنك حقود، فقال:
أذا ما امرؤ لم يحقد لم تجد ... لديه لدى العمى جزاء ولا شكرا
ووجه إلى الرشيد فاكهة في أطباق الخيزران، وكتب إليه: أسعد الله أمير المؤمنين وأسعد به، دخلت بستانا لي أفادنيه كرمك، وعمرته لي نعمك، وقد ينعت أشجاره، وآنت ثماره، فوجهت إلى أمير المؤمنين من كل شيء شيئا على الثقة والإمكان في أطباق القضبان ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من كثرة عطائه. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! لم أسمع بأطباق القضبان! فقال الرشيد: يا أبله! إنه كنى عن الخيزران إذ كان اسما لأمنا! ولما ودعه الرشيد وقد وجهه إلى الشام، قال له الرشيد: ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! بيني وبينك وبين يزيد بن الدثنة حيث يقول:
فكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب
ثم إن الرشيد جعل ابنه القاسم في حجر عبد الملك بن صالح، فقال عبد الملك يحضه على أن يوليه العهد بعد أخويه الأمين والمأمون، وأن يجعله ثالثا لهما:
يا أيها الملك الذي ... لو كان نجما كان سعدا
للقاسم اعقد بيعة ... واقدح له في الملك زندا
الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا

(6/248)


فجعله الرشيد ثالثا لهما. ثم وشى به بعد ذلك الناس، وتتابعت الأخبار عنه بفساد نيته للرشيد، فدخل عليه في بعض الأيام، وقد امتلأ قلب الرشيد فقال: أكفرا بالنعمة وغدرا بالإمام؟! فقال عبد الملك: قد بؤت إذا بأعباء الندم، واستحلال النقم، وما ذاك يا أمير المؤمنين إلا بفي حاسد نافس فيك وفي تقديم الولاية مودة القرابة، يا أمير المؤمنين! إنك خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، وأمينه على عترته، لك عليها فرض الطاعة، وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها، والتثبت في حادثها. فقال له الرشيد: هذا قمامة كاتبك يخبرني بفساد نيتك، وسوء سيرتك! قال: فأسمع كلام قمامة فلعله أعطاك ما ليس في عقده، ولعله لا يقدر أن يعضهني ولا يبهتني بما لم يعرفه مني، ولم يصح له عني؟ فأمر بإحضاره، فقال له الرشيد: تكلم غير خائف ولا هائب! فقال: أقول إنه عازم على الغدر بك يا أمير المؤمنين والخلاف عليك! فقال عبد الملك: وكيف لا يكذب علي بن خلفي من يبهتني في وجهي؟! فقال الرشيد: فهذا عبد الرحمن ابنك، يقول بقول كاتبك ويخبر عن سوء ضميرك، وفساد نيتك، وأنت لو أردت أن تحتج بحجة لم نجد أعدل من هذين فبم تدفعهما عنك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! عبد الرحمن بين مأمور أو عاق؛ فإن كان مأمورا فمعذور، وإن كان عاقا فهو عدو أخبر الله بعداوته، وحذر منها؛ فقال جل ثناؤه في محكم كتابه: " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " فنهض الرشيد وقال: أما أمرك فقد وضح ولكن لا أعجل حتى أعلم ما الذي يرضي الله فيك، فإنه الحكم بيني وبينك! فقال عبد الملك: رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما! فإني أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه، وأمر الله على رضاه. ثم إنه دخل عليه في مجلس آخر، وسلم فلم يرد عليه الرشيد، فلم يزل يعتذر ويحتج لنفسه بالبراءة حتى أقبل عليه بوجهه، وقال: ما أظن الأمر إلا كما قلت يا أبا عبد الرحمن، وأنت محسد، وأمير المؤمنين يعلم أنك على سريرة صالحة غير مدخولة ولا خسيسة. ثم دعا عبد الملك بشربة ماء، فقال الرشيد: ما شرابك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: سحيق الطبرزد ذر بماء الرمان! فقال: بخ بخ عضوان لطيفان يذهبان الظما ويلذان المذاق، فقال عبد الملك: صفتك لهما يا أمير المؤمنين ألذ من فعلهما! ثم إن الرشيد تنكر له بعد ذلك، وحبسه عن الفضل بن الربيع، وقال: أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عتقك! ولم يزل محبوسا حتى توفي الرشيد، فأطلقه الأمين، وعقد له على الشام، وكان مقيما بالرقة، وجعل للأمين عهد الله وميثاقه، لئن قتل وهو حي، لا يعطي المأمون طاعته أبدا؛ فمات قبل قتل الأمين، ودفن في دار من دور الإمارة. فمل خرج المأمون يريد الروم، أرسل إلى ابن له: حول أباك عن داري، فنبشت عظامه، وحولت.
وكتب إلى الرشيد قبل إشخاصه إلى العراق، وقد تغير عليه:
أخلاي لي شجو وليس لكم شجو ... وكل امرئ من شجو صاحبه خلو
من أبي نواحي الأرض أبغي رضاكم ... وأنتم أناس ما لمرضاتكم نحو
فلا حسن نأتي به تقبلونه ... ولا إن أسأنا كان عندكم عفو
فلما وقف عليها قال: والله إن كان قالها لقد أحسن، وإن كان رواها لقد أحسن. وكتب إليه من السجن:
قل لأمير المؤمنين الذي ... يشكره الصادر والوارد
يا واحد الأملاك في فضله ... ما لك مثلي في الوري واحد
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... حقا كما زعم الحاسد
فلا يضق عفوك عني فقد ... فاز به المسلم والجاحد
ومن شعره وهو في الحبس:
لئن ساءني حبسي لفقد أحبتي ... وأني فيهم لا أمر ولا أحلي
لقد سرني عزي بترك لقائهم ... وما أتشكى من حجاب ومن ذل
ولما أخرجه الأمين من السجن، دفع إليه كاتبه قمامة وابنه عبد الرحمن فقتل قمامة في حمام، وهشم وجه ابنه بعمود.
المسمعي الصنعاني
عبد الملك بن الصباح المسمعي الصنعاني. قال أبو حاتم: صالح الحديث.
توفي سنة تسع وتسعين وماية.
وروى له البخاري ومسلم، والنسائي، وابن ماجة.
أبو مروان الأندلسي
عبد الملك بن طريف الأندلسي. أبو مروان. النحوي. اللغوي.
مات في حدود الأربع ماية.

(6/249)


أبو الحسين البغدادي الكاتب
عبد الملك بن عبد الله بن أحمد بن رضوان. أبو الحسين، الكاتب، البغدادي. كان كاتبا في ديوان الإنشاء، وكان حاقدا فاضلا، سمع الحديث من أبي محمد الحسن بن علي الجوهري وغيره، وحدث باليسر.
وتوفي سنة ست وخمس ماية.
السيوري
عبد الملك بن عبد الله بن الحسين بن أيوب. أبو منصور السيوري. شاعر ذكره أبو طاهر السلفي.
وتوفي سنة ثمان عشرة وخمس ماية.
ومن شعره.
إمام الحرمين
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد ابن حيويه. إمام الحرمين، أبو المعالي ابن الإمام أبي محمد الجويني. الفقيه؛ الملقب ضياء الدين رئيس الشافعية. قال السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، المجمع على إمامته شرقا وغربا. لم تر العيون مثله. ولد سنة تسع عشرة وأربع ماية في المحرم، وتوفي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربع ماية، ودفن في داره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، ودفن إلى جانب أبيه، وكسر منبره في الجامع، وأغلقت الأسواق؛ وكان له نحو أربه ماية تلميذ فكسروا محابرهم وأقلامهم، وطافوا في البلد ناحبين عليه، مبالغين في الصياح والجزع، وأقاموا على ذلك حولا؛ ووضع المناديل على الرؤوس عاما بحيث إنه ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرؤوس والكبار. وصلى عليه ابنه أبو القاسم بعد جهد، وأكثر الشعراء في مراثيه.
وكان قد تفقه على والده، فأتى على جميع مصنفاته. وتوفي أبوه، وله عشرون سنة فأقعد مكانه للتدريس، وكان يدرس ويخرج إلى مدرسة البيهقي. وأحكم الأصول على أبي القاسم الإسفراييني الإسكاف. وتفقه به جماعة من الأئمة، وسمع من أبيه، ومن أبي حسان محمد بن أحمد المزكي، وأبي سعيد النصروي، ومنصور بن رامش وآخرين. وكان مع تبحره وفضله لا علم له بالحديث، ذكر في كتاب البرهان حديث معاذ في القياس، فقال: هو مدون في الصحاح، متفق على صحته! كذا قال وأنى له الصحة، ومداره على الحارث بن عمرو ومجهول عن رجال من أهل مصر؛ لا يدري من هم؛ عن معاذ.
وقال المازري رحمه الله في شرح البرهان في قوله: إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات: وددت لو محوتها بدمي أبو بدمع عيني! قلت: أنا أحاشي إمام الحرمين عن القول بهذه المسألة، والذي أظنه أنها دست في كلامه ووضعها الحسدة له على لسانه، كما وضع كتاب الإبانة على لسان الشيخ أبي الحسن الأشعري! وهذه المسألة فلسفة صرفة، كيف يقول بها أشعري، وسائر قواعده تخالف القول بها؟! أخبرني من لفظه الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي؛ قال: كان الشيخ علاء الدين القونوي يقول: إذا كان الأمر على ما ذكره إمام الحرمين، فأي حاجة كانت به إلى أن أضاع الزمان في وضع نهاية المطلب أو كما قال.
له كتاب نهاية المطلب في دارية المذهب في عشرين مجلدة. وهو كتاب جليل ما في المذهب مثله، وفيه إشكالات لم تنحل والإرشاد في أصول الدين؛ والرسالة النظامية في الأحكام الإسلامية؛ والشامل في أصول الدين؛ والبرهان في أصول الفقه؛ ومدارك العقول ولم يتمه، وغياث الأمم في الإمامة ومغيث الخلق في اختيار الأحق؛ وغنية المسترشدين في الخلاف.

(6/250)


وكان إذا أخذ في علم الصوفية، وشح الأحوال أبكى الحاضري. وجرى ذكره في مجلس قاضي القضاة أبي سعيد الطبري؛ فقال أحد الحاضرين بأنه تلقب بإمام الحرمين، فقال القاضي: بل هو إمام خراسان والعراق لفضله وتقدمه في أنواع العلوم. وقال أبو إسحاق الفيروزأبادي؛ تمتعوا بهذا الإمام فإنه نزهة هذا الزمان. وحج وجاور بمكة أربع سنين يدرس ويفني ويتعبد، ثم عاد إلى نيسابور وتولى المدرسة النظامية، وبقي ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع مسلم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس، مجلس التذكير يوم الجمعة. وحضر درسه الأكابر، وكان يقعد بين يديه كل يوم ثلاث ماية فقيه، ودرس أكثر تلامذته، وبنى له نظام الملك المدرسة النظامية بنيسابور. يقال إن والده رحمه الله تعالى كان في أول عمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كسب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطعهما من كسب يده أيضا إلى أن حملت بإمام الحرمين، وهو مستمر على تربيتها بمكسب الحل، فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحدا من إرضاعه، فاتفق أنه دخل يوما عليها وهي متألمة والصغير يبكي وقد أخذته امرأة من جيرانهم، وشاغلته بثديها، فرضع منها قليلا. فلما رآه شق عليه ذلك، وأخذه إليه ونكس رأسه، ومسح على بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل إلى أن قاء جميع ما شربه وهو يقول: يسهل علي أن يموت ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه! ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه فترة في بعض الأحيان في مجلس المناظرة، ويقول: هذا من بقالا تلك الرضعة! ومن شعره:
أصخ لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص وافتقار وغربة ... وتلقين أستاذ وطول زمان
ومما وجدته منسوبا:
إذا سمته التقبيل صد بوجهه ... وقال أما تخشى وأنت إمام
أتحسب رشف الريق شيئا محللا ... فريقي خمر والمدام حرام
ومما رثي رحمه الله تعالى:
قلوب العالمين على المقالي ... وأيام الورى شبه الليالي
أيثمر غصن أهل العلم يوما ... وقد مات الإمام أبو المعالي
وقال القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري المدرس بثغر جنزة:
يا أيها الناعي شمس المشرق ... بأبي المعالي نور دين مشرق
أنذرتني الدنيا قيام قيامة ... فالشمس صار مغيبها في المشرق
ابن بدرون المغربي
عبد الملك بن عبد الله بن بدرون، أبو القاسم الحضرمي. من أهل شلب؛ ويكن أبا الحسين وهو مؤلف كتاب كمامة الزهر وصدفة الدرر في شرح قصيدة أبي محمد عبد المجيد بن عبدون اليابري. وأورد له ابن الأبار في تحفة القادم:
من معشر سبقوا إلى الندى ... وتقدمت أولاهم وتأخروا
طابت بطيبهم البلاد كأنما ... أرواحهم فوق الوقائع مجمر
نشرت عليهم للدروع صحائف ... والبيض تكتب والعجاج ينشر
منها:
ومفاضة زعف كأن وليدها ... لبد يجرر معطفيها قسور
كادت تسيل عليه لولا بأسه ... فغدت على أعطافه تتحير
وأورد له أيضا:
ليهن الأعادي منك أن سروجهم ... وإن أنفوا دون اللحود لحود
وإن وضعوا سيفا فكفك ساعد ... وإن رفعوا رأسا فرمحك جيد
وأورد له أيضا:
من كل حامل جدول في كفه ... وأديمه من فوقه محمول
ومثقف نشوان من خمر الوغى ... قصرت به الأغماد وهو طويل
كادت تصل كعوبه من لينه ... حتى استقام من اللسان دليل
قلت: شعر جيد.
أبو سعيد السرخسي الحنفي
عبد الملك بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد، أبو سعد السرخسي الحنفي. ولي قضاء البصرة والده. وسمع أبو سعد هذا ببغداد أبا الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، وأبا الفتح منصور بن الحسين الأصبهاني الكاتب، وبنيسابور علي بن محمد بن محمد الطرازي. وبالأهواز علي بن محمد بن نصر الدينوري. وحدث ببغداد عن والده. وولي قضاء البصرة، ومضى إليها، وحدث بها وبإصبهان.
توفي سنة سبعين وأربع ماية.
ابن جريج

(6/251)


عبد الملك بن عبد العزيز جريج الرومي. مولى بني أمية. كان أحد أوعية العلم، عالم مكة. وهو أول من صنف التصانيف في الحديث. روى عن أبيه ومجاهد وعطاء ابن أبي رباح، وطاوس، وعمرو بن شعيب، ونافع، والزهري، وعبدة ابن أبي لبابة، وابن أبي مليكة، وخلق كثير من التابعين.
مولده بعد سنة سبعين، وتوفي سنة خمسين وماية.
قال أبو غسان ربيح؛ سمعت جريرا يقول: كان ابن جريج يرى المتعة تجوز بستين امرأة! وقال القطان: لم يكن ابن جريج عندي بدون مالك. وقال ابن المديني: لم يكن في الأرض بعطاء أعلم من ابن جريح، وكان ربما دلس. وقيل: إنه جاوز الماية. وروى له الجماعة. وكان يكنى أبا خالد وأبا الوليد.
ابن الماجشون
عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد اله ابن أبي سلمة؛ ميمون. وقيل: دينار ابن الماجشون. أبو مروان القرشي التيمي المنكدري مولاهم؛ الأعمى. الفقيه المالكي. تفقه على الإمام مالك رضي الله عنه، وعلى والده عبد العزيز وغيرهما. قيل إنه عمي آخر عمره. وكان مولعا بالغناء؛ قال أحمد بن حنبل: قد مر علينا ومعه من يغنيه. وحدث. وكان من الفصحاء. روي أنه إذا ذاكره الإمام الشافعي لم يعرف الناس كثيرا مما يقولان لأن الشافعي تأدب بهذيل، وعبد الملك تأدب في خؤولته من كلب البادية. وقال أحمد بن المعذل: كلما تذكرت أن التراب يأكل لسان عبد الملك، صغرت الدنيا في عيني. قال أبو داود: كان لا يعقل الحديث. وقال فيه يحيى بن أكثم: كان بحرا لا تكدره الدلاء.
توفي بالمدينة سنة اثنتي عشرة ومائتين. وقيل سنة ثلاث عشرة. وروى له النسائي وابن ماجة.
أبو نصر التمار
عبد الملك بن عبد العزيز القشيري. النسوي. الدقيقي. التمار. الزاهد.
توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين.
وروى عنه مسلم، وروى النسائي عن رجل عنه وجماعة. كان ابن حنبل لا يرى الكتابة عنه، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب. قال محمد بن محمد ابن أبي الورد، مؤذن بشر الحافي: رأيت بشرا في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي! فما فعل بأبي نصر التمار؟! قال: هيهات! ذلك في عليين بفقره، وصبره على بنيانه! .
القاضي بهاء الدين الحنبلي
عبد الملك بن عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج الشيرازي. الدمشقي. القاضي الأوحد. بهاء الدين ابن الحنبلي؛ شيخ الحنابلة. سيأتي ذكر والده. وكان شيخ الحنابلة بدمشق، ورئيسهم. كان يفتي على مذهب أحمد بن حنبل وأبي حنيفة.
وتوفي سنة خمس وأربعين وخمس ماية.
ذو الرياستين المغربي
عبد الملك بن عبود بن هذيل بن رزين، حسام الدولة ذو الرياستين. من برابرة الأندلس. لما ثارت ملوك الطوائف بعد اختلال دولة بني أمية، ثار هذيل ين رزين بمملكة السهلة بشرق الأندلس، ثم ورثها عنه ابنه عبود. ثم ورثها هذا حسام الدولة. وهو فاضلهم ومشهورهم.
ذكره صاحب القلائد؛ وقال في وصفه: ورث الرياسة عن ملوك عضدوا موازرهم، وشدوا دون المحارم مآزرهم، لم يتوشحوا إلا بالحمائل، ولا جمحوا للباس إلا في إعنة الصبا والشمائل. وكان ذو الرياستين منتهى فخارهم، وقطب مدراهم. واستولى الملثمون على ملوك الأندلس، وهو في الحياة، فاشتغلوا عنه بما هو أقرب منه، لأنه كان في أقصى شرق الأندلس وكانت له هيبة ومداراة إلى أن مات وترك ولدا صغيرا، خلعوه، وأخذوا ملكه.
ومن شعره في شمعة:
رب صفراء تردت ... برداء العاشقينا
مثل فعل النار فيها ... تفعل الآجال فينا
ومنه:
دع الجفن يذري الدمع ليلة ودعوا ... إذا انقلبوا بالقلب لا كان مدمع
سروا كافتداء الطير لا الصبر بعدهم ... جميل ولا طول الندامة ينفع
أضيق بحمل الفادحات من النوى ... وصدري من الأرض البسيطة أوسع
وإن كنت خلاع العذار فإنني ... لبست من العلياء ما ليس يخلع
إذا سلت الألحاظ سيفا خشيته ... وفي الحرب لا أخشى ولا أتوقع
ومنه:
أترى الزمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق
وتعض تفاح القلوب شفاهنا ... ونرى سنا الأحداق بالأحداق
وتعود أنفسنا إلى أجسامها ... من بعد ما شردت على الآفاق
أبو نصر المقرئ

(6/252)


عبد الملك بن علي بن سابور بن الحسين. أبو نصر المقرئ، البغدادي. سافر إلى مصر، وأقام بها، وحدث بها. وكان عالما بالقراآت ووجوهها.
وتوفي سنة خمس وأربعين وأربع ماية.
سمع أبا الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصلت القرشي وغيره. وروى عنه أبو القاسم المسلم بن عبد السميع بن علي بن إسحاق بن الفرج المصري، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي.
ابن الكيا الهراسي
عبد الملك بن علي بن محمد بن إبراهيم الطبري. أبو المعالي ابن الكيا الهراسي.
نشأ ببغداد، وسمع من أبي القاسم علي بن أحمد بن محمد بن بيان الرزاز، وأبي طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف وغيرهما. وحدث باليسير، ولم يكن له اشتغال بالعلم، ولا سلك طريق والده، بل خالط أصحاب الديوان، وخدم في أشغالهم، وعلت مرتبته ورتب حاجبا بالباب النوبي، وناظرا في المظالم، فأقام نحوا من أربعين يوما، وعزل وحبس بالمطمورة عشر سنين وثلاثة أشهر؛ وذلك لأنه رأى يوما فرس المقتفي قريبا منها فرسولي عهد المستنجد فقال: لا أحياني الله إلى زمان أرى هذه الفرس مكان هذه الفرس! وتوفي سنة سبع وستين وخمس ماية.
عبد الملك بن علي
كان مؤذنا بهراة، وقرأ عليه أكثر فضلائها.
وتوفي سنة تسع وستين وأربع ماية.
صنف كتاب المحيط في اللغة؛ والمنتخب من تفسير الرماني؛ وكتاب الصفات والأدوات، التي يبتدئ بها الأحداث.
الوزير ابن أبي شيبة
عبد الملك بنعلي ابن أبي صالح بن عبد الكريم بن الفضل ابن أبي شيبة العبدري. من بني شيبة. كان من الرؤساء عالي المحل. استوزره الملك المنصور صاحب حماه، وقرب من قلبه، وترسل عنه إلى الملوك فأكرموه كثيرا؛ وكان قبل ذلك يخدم عند الظاهر صاحب حلب، وعرض عليه عدة ولايات فلم يجبه، ورحل بعد وفاة المنصور إلى منبج وأقام بها إلى أن مات.
وولادته سنة خمس وخمسين وخمس ماية. ووفاته سنة ثلاث وعشرين وست ماية.
ومن شعره:
حي حيا بمنبج فيه هند ... بابل من لحاظها والهند
ولما تبعث التحية التحية من ... نحوي إلى منبج غرام ووجد
وتوخ الحنين فيها فمن ... قرب حماها تشفى العيون الرمد
ابن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز. الشاب الناسك.
قال لأبيه عمر: يا أبه! أقم الحق ولو ساعة من نهار! كان يفضل على أبيه.
توفي رحمه الله تعالى في حدود الماية للهجرة.
قاضي الكوفة
عبد الملك بن عمير بن سويد بن جارية اللخمي. الكوفي. أحد الأعلام. رأى عليا رضي الله عنه. وروى عن جاب بن سمرة وحندب البجلي، وعدي بن حاتم، والأشعث بن قيس، وابن الزبير، وطائفة كثيرة من الصحابة والتابعين. ولي قضاء الكوفة بعد الشعبي. قال النسائي وجماعة: ليس به باس؛ وقال أبو حاتم: ليس بحافظ. وضعفه أحمد لغلطه. وقال ابن معين: مختلط. ووثقه آخرون. وكان معمرا.
توفي في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وماية بالاتفاق؛ وروى له الجماعة.
يقال إنه عاش ماية وثلاثا وستين سنة. وعزل عن القضاء، وولي بعده ابن أبي ليلى. وكان يلقب بالقبطي، وإنما ذلك لأنه كان له فرس يدعى بذلك! وقف عليه إنسان؛ وقال: أين عبد الملك ين عمير القبطي؟ فقال له: إن كنت تريد عبد الملك ابن عمير اللخمي فهو أنا، وإن كنت تريد القبطي فهو ذا واقف؛ يعني فرسه! قال: كنت عند عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة حين جيء إليه براس مصعب بن الزبير، فوضع بين يديه، فرآني قد ارتعت فقال: مالك؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين! كنت بهذا القصر في هذا الموضع مع عبيد الله بن زياد، فرأيت رأس الحسين بن علي بن أبي طالب بين يديه في هذا المكان، ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير، فرأيت راس المختار فيه بين يديه، ثم هذا رأس مصعب ابن الزبير بين يديك! فقام عبد الملك من موضعه وأمر بهدم ذلك الطاق الذي كنا فيه! .
أبو الحسن القرطبي
عبد الملك بن عياش. أبو الحسن الأزدي القرطبي. أخذ عن أبيه عياش. ودخل في الدنيا بعد الزهد، وكتب للدولة، وحصل الثروة.
وتوفي سنة ثمان وستين وخمس ماية.
وهو القائل:
عصيت هوى نفسي صغيرا فعندما ... دهتني الليالي بالمشيب وبالكبر

(6/253)


أطعت الهوى عكس القضية ليتني ... خلقت كبيرا وانتقلت إلى الصغر
فزاد ابنه أبو الحسن علي:
هنيئا له أن لم يكن كابنه الذي ... أطاع الهوى في حالتيه وما اعتذر
وكان عبد الملك بارع الخط.
القاهر ابن المعظم
عبد الملك بن عيسى ابن أبي بكر بن أيوب الملك القاهر بهاء الدين ابن السلطان المعظم ابن الملك العادل.
ولد سنة اثنتين وعشرين وست ماية، وتوفي سنة ست وسبعين وست ماية.
سمع من ابن اللتي وغيره، وحدث. وكان حسن الأخلاق سليم الصدر، يعاني زي الأعراب في مركبه ولباسه وخطابه، ويتبادى. وكان بطلا شجاعا. قال قطب الدين اليونيني؛ حدثني تاج الدين نوح ابن شيخ السلامية أن الأمير عز الدين أيدمر العلائي، نائب صفد، حدثه: قال: كان الظاهر مولعا بالنجوم، فأخبر أنه يموت في هذه السنة بالسم ملك، فوجم لذلك، وكان عنده حسد لمن يوصف بالشجاعة. ويذكر بالجميل وكان القاهر مع الظاهر نوبة الأبلستين، وفعل أفاعيل عجيبة، وبين يوم المصاف، وتعجب الناس منه فحسده. وكان حصل للسلطان ندم لتورطه في بلاد الروم، فحدثه القاهر بما فيه نوع إنكار عليه، فأثر عنده فتخيل في ذهنه أنه إذا سمه كان هو الذي ذكره المنجمون، فأحضره عنده يوم الخميس ثالث عشر المحرم لشرب القمز، وجعل السقية في وريقة في جيبه، وللسلطان ثلاث هنابات مختصة به، كل هناب مع ساق، فمن أكرمه السلطان، ناوله هنابا منها، فاتفق قيام القاهر ليبزل، فجعل السلطات الوريقة في الهناب. وأمسكه بيده. وجاء القاهر فناوله الهناب، فقبل الأرض وشربه، وقام السلطان ليبزل فأخذ الساقي الهناب من يد القاهر وملأه على العادة، ووقف وأتى السلطان فتناول الهناب وشربه وهو لا يشعر، فلما شربه أفاق على نفسه، وعلم أنه شرب من ذلك الهناب وفيه آثار السم فتخل وحصل له وعك وتمرض ومات. وأما القاهر فمات من الغد. ذكر العلائي أنه بلغه ذلك من مطلع على الأمور لا يشك في أخباره.
قاضي القضاة ابن درباس
عبد الملك بن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس. قاضي القضاة، صدر الدين الماراني الشافعي.
ولد بنواحي الموصل سنة ست عشرة وخمس ماية. وتوفي سنة خمس وست ماية.
كان قاضي القضاة بالديار المصرية.
الأصمعي
عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن عبد شمس الأصمعي البصري صاحب اللغة. كان إمام زمانه في اللغة. روى عن أبي عمرو بن العلاء وقرة بن خالد، ومسعر بن كدام، وابن عون، ونافع ابن أبي نعيم وسليمان التيمي، وشعبة. وبكار بن عبد العزيز ابن أبي بكرة، وحماد بن سلمة، وسلمة بن بلال، وعمر ابن أبي زائدة وخلق. قال عمر بن شبة؛ سمعته يقول حفظت ستة عشر ألف أرجوزة. وقال الشافعي: ما عبر أحد عن العرب بمثل عبارة الأصمعي. وقال ابن معين: لم يكن ممن يكذب، وكان من أعلم الناس في فنه.
وقال أبو داود: صدوق؛ وكان يتقي أن يفسر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يتقي أن يفسر القرآن. قيل لأبي نواس: قد أشخص أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد؛ فقال: أما أبو عبيدة فإن مكنوه من سفره قرأ عليهم أخبار الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته. وكان بخيلا ويجمع أحاديث البخلاء. قال له أعرابي رآه يكتب:
ما أنت إلا الحفظه ... تكتب لفظ اللفظه

(6/254)


وتناظر هو وسيبويه، فقال يونس بن حبيب: الحق مع سيبويه، وهذا يغلبه بلسانه. وقال البخاري: مات سنة ست عشرة ومايتين. وقال غيره: سنة خمس عشرة. وقيل انه عاش ثمانيا وثمانين سنة. وروى له أبو داود والترمذي. وحدث الرياشي قال؛ قال الأصمعي: لم تتصل لحيتي حتى بلغت ستين سنة. وكان الشعر للأصمعي والأخبار لأبي عبيدة. قال أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي: كان الأصمعي صدوقا في كل شيء من أهل السنة. فأما ما يحكي العوام، وسقاط الناس من نوادر الأعراب ويقولون: هذا ما افتعله الأصمعي ويحكون أن رجلا رأى ابن أخيه عبد الرحمن فقال له: ما يفعل عمك؟ فقال: قاعد في الشمس يكذب على الأعراب! فهذا باطل نعوذ بالله منه، ومن معرة جهل قائليه، وكيف يكون ذلك وهو لا يفتي إلا فيما أجمع علماء اللغة عليه، ويقف عما ينفردون عنه، ولا يجيز إلا أفصح اللغات. وقال أبو قلابة عبد الملك بن محمد: سألت الأصمعي: ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الجار أحق بسقبه " ؟ فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله، ولكن العرب تزعم أن السقب: اللزيق.
وحدث محمد بن زاهر؛ سمعت الشاذكوني يقول: إذا بعث الله عز وجل الخلق لم يبق بالبادية أعربي إلا تظلم إلى الله من كذب الأصمعي عليه! وقال الأصمعي: حضرت أنا وأبو عبيدة عند الفضل بن الربيع، فقال لي: كم كتابك في الخيل؟ فقلت: مجلد واحد! فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلدا! فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك عضوا منه وسمه! فقال: لست بيطارا، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب! فقال لي: قم يا أصمعي وافعل ذلك! فقمت وأمسكت ناصيته، وجعلت أذكر عضوا عضوا، وبلغت حافره! فقال: خذه! فأخذت الفرس؛ قال: فكنت إذا أردت أن أغيظه ركبت ذلك الفرس وأتيته. وقال: كنت عند الرشيد فشرب ماء بثلج فاستطابه فقال: الحمد لله! ثم قال لي: أتحفظ في هذا شيئا يا عبد الملك؟ فقلت: نعم! وأنشدته:
وشربة الثلج بماء عذب ... تستخرج الشكر من أقصى القلب
شكرا من العبد لنعمى الرب
فقال لي: يا أصمعي! ما سمع بمثلك! قلت: فالناس معذورون فيه إذ قالوا إنه يضع، فإن هذا الاتفاق لاستحضار الأبيات بعيد، فهو إما أن تكون الواقعة قد وضعها، وإما أن يكون الشعر ارتجله وهو أعظم. وقال: لا ينبغي للإنسان أن يدخل على الملوك بغير الملح من السعر؛ فإن الرشيد أعطاني في أبيات أنشدته في ليلة ثلاثة آلاف دينار! دخلت عليه ليلة فأنشدته:
تزوجت واحدة منكم ... فنكت بشفعتها أربعينا
ونكت الرجال ونكت النساء ... ونكت البنات ونكت البنينا
وأرسلت أيري في داركم ... فطورا شمالا وطورا يمينا
فقال الرشيد: هذا يصل المقطوع، ويقيم النائم! فزدني من هذا المعنى! فأنشدته:
أما والله لو يلقاك أيري ... قبيل الصبح في ظلماء بيت
لكنت ترين أن السحق زور ... وأن الشأن في هذا الكميت
وقال الأصمعي: وصلت بالعلم وكسبت بالملح. وقال: ذكرت يوما للرشيد نهم سليمان بن عبد الملك، وقلت: إنه كان يجلس وتحضر بين يديه الخراف المشوية، وهي كما أخرجت من تنانيرها، فيريد أخذ كلاها فتمنعه حرارتها فيجعل يده في طرف حلته ويدخلها في جوف الخروف فيأخذ كلاه! فقال لي: قاتلك الله فما أعلمك بأخبارهم! إعلم أنه عرضت علي ذخائر بني أمية فنظرت إلى ثياب مذهبة ثمينة، وأكمامها زهكة بالدهن، فلم أدر ما ذلك، حتى حدثتني بهذا الحديث! ثم قال: علي بثياب سليمان، فنظرنا إلى تلك الآثار فيها ظاهرة فكساني منها حلة. وكان الأصمعي ربما خرج فيها أحيانا، فيقول: هذه جبة سليمان! .
وكان جد الأصمعي علي بن أصمع سرق بسفوان فأتوا به علي بن أبي طالب فقال: جيئوني بمن يشهد أنه أخرجها من الرحل، فشهد عليه بذلك فقطع من أشاجعه، فقيل له: يا أمير المؤمنين! ألا قطعته من زنده؟ فقال: يا سبحان الله! كيف يتوكأ، كيف يصلي، كيف يأكل؟ فلما قدم الحجاج البصرة، أتاه علي بن أصمع، فقال: أيها الأمير! إن أبوي عقاني فسماني عليا، فسمني أنت! فقال: ما أحسن ما توسلت به! قد وليتك سمك البارجاه، وأجريت لك كل يوم دانقين فلوسا، ووالله لئن تعديتهما لأقطعن ما أبقاه علي عليك!

(6/255)


ومن تصانيفه: كتاب خلق الإنسان؛ كتاب الأجناس؛ كتاب الأنواء؛ كتاب الهمز؛ كتاب المقصور والممدود؛ كتاب الفرق؛ كتاب الصفات؛ كتاب الأثواب؛ كتاب الميسر والقداح؛ كتاب خلق الفرس؛ كتاب الخيل؛ كتاب الإبل؛ كتاب الشاء؛ كتاب الأخبية؛ كتاب الوحوش، كتاب فعل وأفعل؛ كتاب الأمثال؛ كتاب الأضداد؛ كتاب الألفاظ؛ كتاب السلاح؛ كتاب اللغات؛ كتاب مياه العرب؛ كتاب النوادر؛ كتاب الاشتقاق؛ كتاب معاني الشعر؛ كتاب المصادر؛ كتاب الأراجيز؛ كتاب النخلة؛ كتاب النبات؛ كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه؛ كتاب غريب الحديث؛ كتاب نوادر الأعراب؛ وغير ذلك.
قال أبو العيناء: كنا في جنازة الأصمعي، فجذبني أبو قلابة الجرمي الشاعر، فأنشدني لنفسه:
لعن الله أعظما حملوها ... نحو دار البلى على خشبات
أعظما تبغض النبي وآل البيت ... والطيبين والطيبات
قال؛ وجذبني أبو العالية الشافعي، وأنشدني:
لا در نبات الأرض إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الناس منه ولا من علمه خلقا
قال: فعجبت من اختلافهما فيه. وقال محمد ابن أبي العتاهية؛ لما بلغ أبي موت الأصمعي جزع عليه ورثاه بقوله:
لهفي لموت الأصمعي فقد مضى ... حميدا له في كل صالحة سهم
تقضت بشاشات المجالس بعده ... وودعنا إذ ودع الأنس والعلم
وقد كان نجم العلم فينا حياته ... فلما انقضت أيامه أفل النجم
ومن شعر الأصمعي ما قاله في جعفر البرمكي:
إذا قيل من للندى والعلى ... من الناس قيل الفتى جعفر
وما إن مدحت فتى قبله ... ولكن بني جعفر جوهر
دخل العباس بن الأحنف يوما على الرشيد، فقال: قد عملت شعرا لم يسبقني أحد إلى معناه، فقال الرشيد: هات! فأنشده:
إذا ما شئت أن تصنع ... شيئا يعجب الناسا
فصور ها هنا فوزا ... وصور ثم عباسا
فإن لم يدنوا حتى ... ترى رأسيهما راسا
فكذبهما بما قاست ... وكذبه بما قاسى
فنظر الرشيد إلى الأصمعي، فقال: يا أمير المؤمنين! قد سبق إليه، فقال: هات! فأنشده:
لو أن صورة من أهوى ممثلة ... وصورتي لاجتمعا في الجدار معا
إذا تأملتنا ألفيتنا عجبا ... إلفان ما افترقا يوما ولا اجتمعا
أبو الوليد المهري القيرواني
عبد الملك بن قطن أبو الوليد المهري، القيرواني، النحوي. اللغوي شيخ أهل الأدب بالمغرب. كان أحفظ أهل الزمان لأنساب العرب ووقائعهم، وأشعارهم. وله كتاب تفسير مغازي الواقدي وكتاب اشتقاق الأسماء ذيل به على قطرب. وكان شاعرا خطيبا بليغا مفوها، وعمر طويلا. وكان سمحا جوادا. توفي سنة ست وخمسين ومائتين. وتقدم له ذكر في ترجمة أخيه إبراهيم بن قطن في الأباره.
الثعالبي
عبد الملك بن محمد بن إسماعيل. أبو منصور الثعالبي النيسابوري، الأديب الشاعر، صاحب التصانيف الأديبة.
ولد سنة خمسين وماية. وتوفي سنة ثلاثين وأربع ماية. وقيل سنة تسع وعشرين.
وكان يلقب بجاحظ زمانه. وتصانيفه كثيرة إلى الغاية؛ منها: يتيمة الدهر، وتتمة اليتيمة؛ وهي أحسن تصانيفه. وقد اشتهرت كثيرا، ولابن قلاقس فيها عدة مقاطيع منها قوله:
حفظ اليتيمة كل من ... في شرقها والمغرب
فشدوت من عجب بها: ... كم لليتيمة من أب
وقوله:
كتب القريض لآلئ ... نظمت على جيد الوجود
فضل اليتيمة فيهم ... فضل اليتيمة في العقود
وقوله:
أبيات أشعار اليتيمة ... أبكار أفكار قديمة
ماتوا وعاشت بعدهم ... فلذاك سميت اليتيمة
وكتاب سحر البلاغة؛ وكتب عليه الأديب أبو يعقوب، صاحب كتاب البلغة في اللغة:
سحرت الناس في تأليف سحرك ... فجاء قلادة في جيد دهرك
وكم لك من معان في معان ... شواهد عندنا تعلو بقدرك
وقيت نوائب الدنيا جميعا ... فأنت اليوم جاحظ أهل عصرك

(6/256)


ومن تصانيفه: المبهج؛ وفقه اللغة؛ وكتاب التمثيل والمحاضرة؛ وثمار القلوب؛ وغرر المضاحك؛ والفرائد والقلائد؛ وكتاب الأعداد، ومدح الشيء وذمه؛ وكتاب المضاف والمنسوب؛ وكتاب الشمس؛ وكتاب حل العقد؛ وكتاب مرآة المروءة؛ وكتاب أحسن ما سمعت؛ وكتاب أحاسن المحاسن؛ وكتاب أجناس التجنيس؛ وكتاب الظرائف واللطائف، وكتاب السياسة؛ وكتاب الثلج والمطر؛ وكتاب سحر البلاغة؛ وكتاب الاقتباس؛ وكتاب سجع المنصور؛ وكتاب اللمع الغضة؛ وكتاب الغلمان؛ وكتاب تفضل المقتدرين وتنصل المعتذرين؛ وكتاب يواقيت المواقيت؛ وكتاب التحسين والتقبيح؛ وكتاب خاص الخاص؛ وكتاب الإعجاز والإيجاز؛ وكتاب أنس المسافر؛ وكتاب عيون النوادر؛ وكتاب الكناية والتعريض؛ وكتاب أفراد المعاني؛ وكتاب المتشابه لفظا وخطا؛ وكتاب النوادر والبوادر؛ وكتاب الفصول الفارسية؛ وكتاب الأنيس في غرر التجنيس؛ وكتاب المنتحل؛ وكتاب سر البيان؛ وكتاب من أعوزه المطرب؛ وكتاب سر الأدب في مجاري كلام العرب؛ وكتاب الأحاسن من بدائع البلغاء؛ وكتاب منادمة الملوك؛ وكتاب عنوان المعارف؛ وكتاب الطرف من شعر البستي؛ وكتاب الورد؛ وكتاب حجة العقل؛ وكتاب صنعة الشعر والنثر؛ وكتاب سر الوزارة؛ كتاب الأمثال والتشبيهات؛ وكتاب مفتاح الفصاحة؛ وكتاب لباب الأحاسن؛ وكتاب لطائف الظرفاء؛ وكتاب الخوارزمشاهيات؛ وكتاب المديح؛ وكتاب الأدب ما للناس فيه إرب؛ كتاب التفاحة؛ وكتاب أفراد المعاني؛ وكتاب نسيم الأنس؛ وكتاب اللطيف في الطيب؛ وكتاب بهجة المشتاق؛ وكتب خصائص الفضايل؛ وكتاب جوامع الكلم؛ وكتاب الملح والطرف؛ وكتاب المشوق؛ وكتاب من غاب عنه المؤانس؛ وكتاب نسيم السحر؛ وكتاب الفصول في الفصول.
ورثاه الحاكم أبو سعد عبد الرحمن بن محمد بن دوست النيسابوري بقوله:
كان أبو منصور الثعلبي أبر ... ع في الآداب من ثعلب
ليت الردى قدمني قبله ... لكنه أروغ من ثعلب
يطعن من شاء من الناس بالمو ... ت كطعن المح بالثعلب
وغير ذلك أشياء كثيرة؛ ويقال إنه كان مؤدب صبيان في مكتب وقال؛ قال لي سهيل بن المرزبان يوما إن الشعراء من شلشل ومنهم من سلسل، ومنهم من قلقل، ومنهم من بلبل، فقال الثعالبي: إني أخاف أن أكون رابع الشعراء! أراد قول الشاعر:
الشعراء فاعلمن أربعة ... فشاعر يجري ولا يجرى معه
وشاعر من حقه أن ترفعه ... وشاعر من حقه أن تسمعه
وشاعر من حقه أن تصفعه
وأراد بقوله: منهم من شلشل، قول الأعشى:
وقد أروح إلى الحانات يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول
وأراد بقوله: منهم من سلسل، قول مسلم بن الوليد:
سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا
وأراد بقوله: قلقل، قول المتنبي:
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل هم كلهن قلاقل
قال الثعالبي؛ ثم إني قلت بعد حين:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء البابلي
قال ياقوت: ومن شعر الثعالبي رأيته بخط ابن الخشاب:
دعوت بماء في إناء فجاءني ... غلام بها صرفا فأوسعته زجرا
فقال هي الماء القراح وإنما ... تجلى لها خدي فأوهمك الخمرا
ومن شعره:
لما بعثت فلم تنجب مطالعتي ... وأمعنت نار شوقي في تلهبها
ولم أجد حيلة تبقي على رمقي ... قبلت عين رسولي إذ رآك بها
ومنه ما كتبه إلى أبي الفضل الميكالي:
لك في المفاخر معجزات جمة ... أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحر في البلاغة شابه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو ... كالوشي في برد عليه موشع
شكرا فكم من فقرة لك كالغنى ... وافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا تفتق نور شعرك ناضرا ... فالحسن بين مصرع ومرصع
أرجلت أفراس الكلام ورضت أف ... راس البديع وأنت أمجد مبدع
ونقشت في فص الزمان بدائعا ... تزري بآثار الربيع الممرع
ومنه:

(6/257)


طالع يومي غير منحوس ... فسقني يا طارد البوس
كأسا كعين الديك في روضة ... كأنها حلة طاووس
قلت؛ ذكرت هنا ما قلته وفيه زيادة:
كأنما ذنب الطاووس روضتنا ... والفول ذو زهرات مثل زرزور
والسحب في الأفق قد مدت جناح قطا ... فاشرب على خفق عود مثل شحرور
وهات خمرا كعين الديك تتبعها ... بفستق قد حكى منقار عصفور
الخركوشي
عبد الملك بن محمد بن إبراهيم أبو سعد ابن أبي عثمان النيسابوري. الواعظ الزاهد المعروف بالخركوشي. وخركوش سكة نيسابور. له كتاب دلائل النبوة؛ والتفسير. وله في الزهد، وغير ذلك.
ابن أبي عامر
عبد الملك بن محمد بن عبد الله ابن أبي عامر. ولي بعد والده المنصور ابن أبي عامر الحاجب. فكانت مدة ولايته سبع سنين فسميت الأسبوع. وقتله أخوه عبد الرحمن بشم في تفاحة شقها نصفين بسكين نقش أحد جانبيها وحشا النقش سما، فمات! ولما شعرت العامة بذلك ثارت على عبد الرحمن فقتلته وشوهت به وصلبته. وثارت الفتن بقرطبة، فاقتتل الأمويون والعامريون، فقام محمد بن عبد الجبار بن الناصر على العامريين. ثم قام عليه سليمان المستعين بن الحكم الملقب بالمهدي. وفي أيامه قتل المؤيد هشان بن الحكم. وقيل: قتل في مدة المستعين؛ قتله ابن المستعين خنقا. ودفن ثم نبش أربع مرات. ثم نبش أربع مرات. ثم قام عبد الرحمن المستظهر ثم المعتمد. وذلك كله حول عام أربع ماية في العشر التي بعدها. وثار كل وال في مكانه. وظهر القاسم بن حمود الحمودي ويزعم أنه من ولد فاطمة رضي الله عنها.
أمير الكلام
عبد الملك بن محمد. أبو مروان التميمي المعروف بأمير الكلام، كان موصوفا بالفضل والأدب وجودة والنظم والنثر. قال محب الدين ابن النجار: وأظنه كان من أهل الشام دخل بغداد وروى بها شيئا من شعره، وكتب عنه فارس الذهلي.
وأورد له من شعره:
يلومني الحساد فيك وإنني ... لداؤهم المعيي وخصمهم الألوى
فيا لفؤادي ما أشد صبابة ... ويا لعذولي ما أضل وما أغوى
وللدهر من باغ تطاول بغيه ... وللبين من طاغ تمادت به الطغوى
لعمري لقد خطت بقلبي يد النوى ... سطور اشتياق لا أطيق لها محوا
ولكن أبت إلا اغترابي همتي ... وإلا بلوغي في العلى الغاية القصوى
ومن شعره:
أرشفني من رضابه ضرب ... على حذار من الرقيب فمه
وعاذل في هواه قلت له ... أكثرت يا عاذلي عليه فمه!
قلت: شعر متوسط. وأما هذا المعنى فإنه مقلوب؛ فإن الفم هو الذي يرشف الرضاب فانقلب معه كما تراه.
ابن بشران الواعظ
عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران بن محمد بن بشران بن مهران. مولى بني أمية. أبو القاسم البغدادي، الواعظ، مسند العراق.
توفي سنة ثلاثين وأربع ماية.
ابن زهر الطبيب
عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر. أبو مروان الإيادي الإشبيلي. كان فاضلا في صناعة الطب، خبيرا بأعمالها، حاذقا فيها. دخل القيروان ومصر، وتطبب هناك زمانا طويلا، ثم رجع إلى الأندلس، وقصد دانية؛ وكان ملكها ذلك الوقت مجاهد، فأكرمه إكراما كثيرا، وأمن بالمقام عنده، وحظي في أيامه واشتهر بدانية، وشاع ذكره في الأقطار.
وله في الطب أشياء منها منعه من الحمام؛ واعتقاده فيه أنه يعفن الأجسام، ويفسد تركيب الأمزجة؛ وهو رأي خالف فيه الأوائل والأواخر ثم إنه انتقل إلى إشبيلية وأقام بها إلى أن توفي. وخلف أموالا جزيلة من الرباع والضياع.
الدركادو المغربي
عبد الملك بن محمد التميمي المعروف بالدركادو، قال ابن رشيق في الأنموذج: شاعر غزل الشعر مطبوع، موجز الكلام، سافر إلى أوجه المعاني، تفهم نجواه من فحواه لا يكاد يحسب شعره موزونا، ولا القوافي مشهورة لسهولة مخرجه، وقلة تكلفه، وركوبه الأعاريض القصار، وربما قبض من عنانه فاشتدت شكيمته ولا أعلم في عصرنا أحلى من طريقته. انتهى.
قلت: هو أشبه الناس شعرا في المتاخرين بالبهاء. ومن شعره:
كل يوم أنا من حبك ... في نوع جديد

(6/258)


يغتدي صعب شديد ... بي إلى صعب شديد
ولعمر الله ما قلبي ... بالقلب الجليد
والذي ألقى ويلقى ... دونه مضغ الحديد
أنا حي الوصل يومي ... وغدا ميت الصدود
ومنه:
يا طلعة الشمس لا بل ... أبهى وأجمل منها
ملكت نفسي فاحكم ... ببذلها أو فضلها
وأمر فديتك سولي ... في مهجة الصب وأنه
فأنت تسأل لا ش ... ك في القيامة عنها
ومنه:
يا رب ذي نخوة وتيه ... حواهما طبعه جبله
مهفهف كالهلال لا بل ... يأتى بما ليس في الأهله
إن زادني عزة ومنعا ... زدت غرما به وذله
قد كتب الحسن في داره ... أعيذ هذا الجمال بالله
ومنه:
أبا وردية الخد ... ويا راحية الثغر
بدلت القرب بالبعد ... وصنت الوصل بالهجر
وما في العمر ما يح ... مل ذا لا سيما عمري
فإن تستحسني الغدر ... فوصي حافر القبر
وخل الأمر موقوفا ... إلى الموقف في الحشر
ومنه:
قم إلى كيمياء شرب كرام ... لا ترى فيهم نديما نحيسا
خذ بدور الكؤوس ألق عليها ... من أكاسيرها تعدها شموسا
حسبنا من طرائف الروض خذا ... ك ومن غصن آسه أن تميسا
وكفانا من وحش غزلانه أن ... كنت من دونها غزالا أنيسا
ومنه:
من قهوة كانونها لهب ... في حين يخبو النور ما تخبو
تأتيك وسط القعب ماثلة ... وكأنما في وسطها القعب
نهكت فأعيت من ضآلتها ... بحبابها فله بها رسب
يسعى بها من ملء وجنته ... سلم وملء جفونه حرب
أردافه خفض بوجه إضافة ... للخصر الدقيق وقده نصب
قلت: قوله تأتيك وسط العق ماثلة..! البيت، مأخوذ من قول:
لست أدري من رقة وصفاء ... هي في كأسها أم الكأس فيها
ومن شعر الدركادو قوله:
ظبي يتيه به الدلال فينثني ... ما بين مشي مؤنث ومذكر
يثني معاطفه الشباب بنخوة ... فيظل يمزج ذلة بتكبر
يزهى بوجه لا أحاول وصفه ... حسنا ولو حاولته لم أقدر
من أحمر منتثر في أبيض ... أو أبيض منتظم في أحمر
وتكحل في بابلي أحور ... وتخطط في لؤلؤي أزهر
وبقامة جاءت بخصر مضمر ... في حال خطرتها بردف مظهر
ومنه من أبيات:
يا ظبي أنس كل قبح فعله ... يا بدر تم كل حسن وجهه
إن لم يكن أحلى من القمر الذي ... في الأفق وجهك ذا وإلا فهو هو
حزني وليس بنافعي حزني ... وهل في أوه ما يسلو به المتأوه
إن كان من وجه المروءة عندكم ... غدري فحفظي في الحقيقة أوجه
خنتك ولي كبد تذوب إليكم ... شوقا وقلب ما حييت مدله
ومنه في أنيف:
نر على المنقار إن كنت قد ... أنكرت منه عظم الأنف
أنف إذا أقبل يمشي به ... حسبته يمشي إلى خلف
لو أنه مورده ما انتهى ... فيه يريد اليوم للنصف
قال ابن رشيق؛ أنشدته لي في أبخر:
وأخشم إن مثلت فاه وأنفه ... فإنهما ضدان للمسك والند
له نكهة بخراء بعد انشقاقها ... تصرع مجتاز الذباب على بعد
فأنشدني لنفسه:
ومنتق ذي بخر حابق ... يطرق من حدثه جائحه
ليست تراه العين من قلة ... وإنما يعرف بالرائحه
ابن الطلاء
عبد الملك بن محمد بن هشام بن سعد الإمام. أبو الحسن ابن الطلاء. القيسي الشلبي. من كابر أئمة الأندلس. كان أبوه طلاء للجم. وكان أبو الحسن من أهل العلم والحديث، والعكوف على الحديث مع المعرفة باللغة والأدب والمشاركة في الأصول. وكان نسابه، وخطب بشلب.
وتوفي سنة إحدى وخمسين وخمس ماية.
الحافظ أبو نعيم

(6/259)


عبد الملك بن محمد بن عدي. أبو نعيم الجرجاني، الأشتراباذي الحافظ، الرحال. قال الحاكم: كان من أئمة المسلمين. وقال حمزة السهمي: كان مقدما في الفقه والحديث.
وتوفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث ماية.
الحافظ أبو قلابة
عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي. الحافظ. أبو قلابة. العابد.
قال الدارقطني: صدوق كثير الخطأ لكونه حدث من حفظه.
توفي سنة ست وسبعين ومايتين. وروى عنه ابن ماجة.
أمير المؤمنين الأموي
عبد الملك بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف الأموي. أمير المؤمنين. بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير. وبقي على مصر والشام، وابن الزبير على باقي البلاد مدة سبع سنين. ثم غلب عبد الملك على العراق وما والاها حتى قتل ابن الزبير واستوثق الأمر لعبد الملك. كان عابدا ناسكا بالمدينة، وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين، وحفظ أمرهم.
قال ابن سعد: واستعمله معاوية على المدينة وهو ابن ست عشرة. قال الشيخ شمس الدين: وهذا لا يتابع عليه. وسمع عثمان وأبا هريرة وأبا سعيد وأم سلمة، وبريرة مولاة عائشة، وابن عمر، ومعاوية. قال مصعب ابن عبد الله: أول من سمي عبد الملك في الإسلام عبد الملك بن مروان. وأمه عائشة بنت معاوية ابن أبي العاص. وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة سعدي ابن المسيب، وعبد الملك، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب. وعن ابن عمر، قال: ولد الناس أبناء، وولد مروان أبا. وقال مالك؛ سمعت يحيى بن سعيد يقول: أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك.
وقال ابن عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك، والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك! وكان له سبع عشر ولدا، ومات في شوال سنة ست وثمانين للهجرة. وفي تاريخ القضاعي: لقبه رشح الحجر لبخله؛ وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس؛ وكان ربعة إلى الطول أقرب، أبيض ليس بالبادن ولا النحيف، مقرون الحاجبين، كبير العينين، مشرف الأنف، كثير الشعر، متفلج الفم، مشبك الأسنان بالذهب، أبخر، كان يلقب أبا الذبان، يزعمون أن الذبابة إذا مرت بفيه ماتت لشدة بخره.
ولد يوم جلس عثمان للخلافة، وكان ملكه مه سني ابن الزبير إحدى وعشرين سنة وستة أشهر، وخلص له ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر. ولما مات صلى عليه ابنه الوليد. كان كاتبه قبيصة بن ذؤيب، وسرجون بن منصور، وعلى رسائله أبو الزعيزعة. وفي أيامه حولت الدواوين إلى العربية. وفي تاريخ القضاعي: وكتب له روح بن زنباع. وكان حاجبه أبو يوسف مولاه، ثم أبو درة، ونقش خاتمه: آمنت بالله مخلصا. وفي أيامه نقشت الدنانير والدراهم بالعربية سنة ست وسبعين. وكان على الدنانير قبل ذلك كتابة بالرومية، وعلى الدراهم كتابة بالفارسية، وكانت المثاقيل في الجاهلية اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة بالشامي.
كتب إلى الحجاج مرة رسالة منها: قد بلغني عنك إسراف في القتل، وتبذير في المال، وهاتان خلتان لا احتمل عليهما أحدا، وقد حكمت عليك في العمد بالقود وفي الخطأ بالدية، وفي الأموال تردها إلى مواضعها، وسيان منع حق أو إعطاء باطل، لا يؤنسنك إلا الطاعة، ولا يوحشنك إلا المعصية. وكتب في آخر كتابه:
وإن ترمني غفلة قرشية ... فيا ربما قد غص بالماء شاربه
وإن ترمني غضبة أموية ... فهذا وهذا كل ذا أنا صاحبه
سأملي لذي الذنب العظيم كأنني ... أخو غفلة عنه وقد جب غاربه
فإن كف لم أعجل عليه وإن أبى ... وثبت عليه وثبة لا أراقبه
ولما قتل عمرو بن عيد قال:
أدنيته مني ليسكن روعه ... فأصول صولة حازم مستمكن
غضبا لديني والخلافة إنه ... ليس المسيء سبيله كالمحسن

(6/260)


قال ابن جريج عن أبيه: خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير في العام الذي حج فيه سنة خمس وسبعين؛ فقال بعد حمد الله والثناء عليه. أما بعد! فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأفون! ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وأني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم! تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين، ولا تعلمون أعمالهم فلن تزدادوا إلا اجتراحا ولا تزدادوا إلا عقوبة حتى حكم السيف بيننا وبينكم؟! هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته، وموضعه موضعه قال برأسه هكذا، فقلنا بأسيافنا هكذا! ألا وإنا نحتمل كل شيء إلا وثوبا على منبر أو نصب راية. ألا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه، ثم لا تخرج نفسه إلا صعدا. وزاد غيره: والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه! ثم نزل فركب ناقة، وأخذ بزمامها، وقال:
فصحت ولا شلت وضرت عدوها ... يمين هراقت مهجة ابن سعيد
قلت: إن صحت هذه الزيادة التي في هذا الخبر، فعبد الملك بن مروان أول من نهى عن المعروف في الإسلام! وهو أول من غدر في الإسلام لأن والده عهد لعمرو بن سعيد بن العاص، فقتله عبد الملك، وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وكان الناس قبله يراجعون الخلفاء ويعترضون عليهم فيما يفعلون، وهو أول خليفة بخل. وكان له من الولد وسليمان وهشام؛ وهؤلاء الثلاثة ولوا الخلافة؛ ومروان الأكبر، وداود، وعائشة، ويزيد؛ وقد ولي الخلافة أيضا؛ ومروان الأصغر، ومعاوية، وبكار وحج ماشيا من المدينة إلى مكة على اللبود والحكم، وعبد الله، ومسلمة وعنبسة ومحمد، وسعيد الخبر، والحجاج، وفاطمة؛ تزوجها عمر بن عبد العزيز وأعطاها أبوها الدرة اليتيمة وقرطي مارية؛ وقبيصة؛ والمنذر.
الأمير اللخمي
عبد الملك بن مروان بن الأمير موسى بن نصير اللخمي. وكان من أعيان الدولة الأموية. وولاه أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور إقليم فارس. وكان فصيحا.
وتوفي في حدود الأربعين وماية.
ابن أبي الخصال المغربي
عبد الملك بن مسعود بن فرج. أبو مروان ابن أبي الخصال الغافقي الكاتب. نزيل قرطبة. كان أديبا حاذقا فصيحا مفوها بليغا. له رسائل بديعة. استعمله الأمراء في الكتاب.
وتوفي سنة سبع وثلاثين وخمس ماية.
العامري الكوفي الزراد
عبد الملك بم ميسرة الهلالي العامري. أبو زيد الكوفي الزراد. عن ابن عمر وأبي الطفيل، وزيد بن وهب وغيرهم. وكان ثقة نبيلا.
توفي سنة ست عشرة وماية. وروى له الجماعة.
شرف الدين المقرئ الإسكندري
عبد الملك بن نصر بن عبد الملك بن عتيق بن مكي. الشيخ، الإمام، شرف الدين، أبو المجد القرشي الفهري، المقرئ، النحوي.
ولد بالإسكندرية سنة تسع وسبعين وخمس ماية. وتوفي سنة اثنتين وستين وست ماية.
اشتغل بالأدب وبرع فيه، واشتهر باللغة والنحو؛ وانتفعوا به.
ابن جهبل الحلبي
عبد الملك بن نصر الله بن جهبل. أبو الحسين الفقيه، الشافعي، الحلبي. كان فقيها، فاضلا، حسن المعرفة بمذهب الشافعي، وكان زاهدا عابدا ورعا ساكنا. درس بالزجاجية بحلب، وقدم بغداد حاجا، وحدث بها بأحاديث البينونة لأبي العباس السراج عن أبي بكر محمد بن علي بن ياسر.
وتوفي بحلب سنة تسعين وخمس ماية.
صاحب السيرة
عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري. وقيل: الذهلي. أبو محمد البصري، النحوي. نزيل مصر. مهذب السيرة النبوية سمعها من زياد بن عبد الله البكائي صاحب ابن إسحاق، ونقحها، وحذف جملة من أشعارها، وروى فيه مواضع عن عبد الوارث التنوري وغيره. وثقه أبو سعيد ابن يونس.
وتوفي سنة ثمان عشرة ومايتين، وقيل: سنة ثلاث عشرة.

(6/261)


وكان عالم مصر بالغريب في الشعر، والسيرة المشهورة بابن هشام هي له، وله أنساب حمير وملوكها، وشرح ما وقع في أشعار السيرة من الغريب. قيل له لو أتيت الشافعي! فأبى أن يأتيه! ثم قيل له، فأتاه فذاكره أنساب الرجال فقال له الشافعي بعد أن تذاكرا طويلا: دع عنك أنساب الرجال؛ فإنها لا تذهب عنا وعنك، وخذ بنا في أنساب النساء! فلما أخذا في ذلك بقي ابن هشام مبهوتا، فكان ابن هشام يقول بعد ذلك: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا! وكان يقول: الشافعي حجة في اللغة.
أبو مروان القرطبي
عبد الملك بن هذيل بن إسماعيل. أبو مروان. التميمي. القرطبي. كان من الراسخين في العلم؛ وهو أخو يحيى بن هذيل الشاعر.
وتوفي عبد الملك سنة ثلاث وخمسين وثلاث ماية.
الليثي قاضي البصرة
عبد الملك بن يعلى الليثي، قاضي البصرة، روى عن أبيه، وعن رجل صحابي من قومه، وعن عمران بن حصين، وعن محمد بن عمران بن حصين.
وتوفي في حدود الماية للهجرة.
الغريض المغني
عبد الملك. أبو زيد؛ هو الغريض أحد رؤساء المغنين. كان شجي الغناء حسنه. وحيد المعنى غريبه، أكثر الناس تعريضا في غنائه بما في نفسه، وكان مخنثا وضيء الوجه، فائق الجمال، غض البدن، أسود النقرة، حسنها، ينعم نفسه ويصنعها كمما تتصنع العروس. أتاه يوما صديق له من أهل مكة يسأله حاجة ليمشي معه إلى رجل فقال له: وعيشك إني لا أحب ما يسرك ولولا أني أخاف أن تراني عدوتي لسعيت معك ولكن والله ما وقعت عينها علي منذ سنة، وأكره أن تراني اليوم! فقال الرجل: ومن عدوتك يا أبا يزيد جعلت فدائك؟! قال: الشمس وحياتك ما ظهرت لها من حول ولا رأتني! فقال له الرجل: لا بد لك من أن تقضي حاجتي أو تعوضني مكانها! قال: قل بأبي أنت! قال: تغنيني صوتا يشبه وجهك! قال: نعم وكرامة! وهو أهون علي من غيره! قالت له مولاته الثريا: يا بني! لو قعدت في السوق واحترقت كان خيرا لك! قال: أجل! قالت: فأي صنعة أحب إليك؟ قال: بيع الفاكهة! فأعطته دراهم واتخذ حانوتا وملأها من أصناف الفواكه وجعل يبيع ويشتري، وجعل غلمان من أهل مكة يأتونه ويتحدثون عنده، ولا يزال يطرح لهم شيئا من تجارته ويحلف عليهم أن يأكلوه، فلم يلبث أن أتلف رأس ماله! فقال له مولاته بعد أيام: كم ربحت إلى هذه الغاية؟ قال: لا وعيشك يا أمي ما لي ربح! قالت: ذهب الربح ورأس المال، وأفضيت إلى بيع ثيابك! فقال: يا سيدتي! لو غشيت الكلاب في منازلها لم يكن بد من أن تتمرى! فقالت: عطلتك من خدمتي رجاء أن يصنع الله لك، فإذا كان الأمر كذا، فعد إلى خدمتي! فلزم البيت. وكانت الثريا مألفا لابن سريج يأكل عندها ويشرب ويتحدث إليها، ويأنس بها، فنظر يوما إلى الغريض فأعجبه حسنه وظرفه وتخضع كلامه، فقال للثريا: هل لك أن تخليني وإياه أعلمه لك الغناء فلا يفوته مال أبدا أو جاه في الناس؟ فقالت: دونكه! فذهب به إلى منزله فجعل لا يعمله إلا شيئا إلا لقنه! وجعل إخوان ابن سريج، ومن كان يغشاه لا يراه أحد منهم إلا أحبه فحسده ابن سريج وخاف أن يبرز عليه فطرده، فأتى مولاته وشكى ذلك إليها، فقالت له: هل لك أن تنوح ونحن نقول لك الشعر فتبكي به؟ فإنك تستغني عن الغناء؟! فقال: وكيف لي بذلك؟ فقلن له شعرا فناح به فظهر اسمه، وعرف، وكان يدخل المآتم فتضرب دونه الحجب والكلل، وناح مع النسوة ليلة في ذي طوى، فلما هدأت العيون جاءه من كلمه وقال: لا تنح فقد فتنت نساءنا، فترك النوح ومال إلى الغناء فتسامع الناس به وفتنهم وجعل لا يلصق إلا بالأشراف وذوي المروءات فتقدم ونبل وصار لا يغني ابن سريج صوتا إلا غناه أو غير صنعته وادعاه. وما زال أهل مكة لا يفضلون ابن سريج عليه إلا بالسبق، ولذلك قالت سكينة حين سمعتهما: أنتما كالجديين الحار والبارد لا يدرى أيهما أطيب. وسمي الغريض لأن ابن سريج سمعه وهو يتغنى على سطح فقال: إن هذا لصوت غريض.
عبد المنعم
جلال الدين الأنصاري خطيب صفد
عبد المنعم بن أحمد أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمود القاضي. جلال الدين. أبو محمد الأنصاري، المصري، ثم الشامي الشافعي.
ولد سنة تسع عشرة وست ماية. وتوفي سنة خمس وتسعين وست ماية.

(6/262)


قال الشيخ شمس الدين: روى لنا مجلس معمر عن ابن المقير، وحدث بالقدس ودمشق، والصلت. وكان شيخا، وقورا، ولي خطابة صفد والقضاء بالصلت وعجلون، وناب في القضاء بدمشق عن القاضي بدر الدين ابن جماعة. وله تعليقة على التنبيه.
ابن بنت وهب بن منبه
عبد المنعم بن إدريس بت سنان هو ابن بنت وهب بن منبه؛ أحد أصحاب السير.
توفي سنة ثمان وعشرين ومايتين. وبلغ من العمر مائة سنة. وله كتاب المبتدأ.
الزاهد الآمدي
عبد المنعم بن سعد بن عبد الوهاب بن عبيد الله بن فارس بن ملاعب. ابن الذيال أبو منصور الأزدي المعروف بالزاهد الآمدي. سمع ببغداد كثيرا من أبي القاسم علي بن الحسين الربعي وأبي الحسين ابن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وأبي الحسن علي بن محمد بن علي العلاف وأمثالهم. وحدث باليسير لنزول إسناده، وتقدم وفاته. روى عن أبو سعد ابن السمعاني، وكانت له أنسة بالحديث من كثرة ما سمع، ومعرفة بالأدب.
وتوفي سنة ثمان وثلاثين وخمس ماية.
قال؛ رأيت في النوم بعد وفاة الوزير ابن جهير كأني قد نظمت بيتا في النوم وهو:
لآل جهير في الأنام صنائع ... هي الآن في رأس الخلافة تاج
قال؛ فأضفت إليه في اليقظة:
إذا ما رضوا فالبؤس أم عقيمة ... وإن سخطوا فالباترات نتاج
وإن يمم العافون سيب أكفهم ... فما دون نيل المنفسات رتاج
بحورهم من سلسبيل مطهر ... وبحر سواهم علقم وأجاج
المسكي النحوي
عبد المنعم بن صالح بن أحمد بن محمد، أبو محمد المصري، المسكي. النحوي المعروف بالإسكندراني. كان علامة ديار مصر في النحو، وأكثر عن ابن بري. وروى ديوان ابن هانئ المغربي بسند غريب.
وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وست ماية.
وصنف كتاب تقويم البيان لتحرير الأوزان في العروض، وضعه على هيئة تقويم السنة كتقويم الصحة وغيره، وملكت منه نسخة وخطه عليها سنة ثلاث وعشرين وست ماية؛ كتبه بالقاهرة.
ومن شعر عبد المنعم بن صالح يهنئ ابن الجباب بالقدوم:
شفانا من البين اجتماع من الشمل ... فصلنا على جيش القطيعة بالوصل
وماذا على الدهر الذي كان جائرا ... إذا مال بعد الجور فينا إلى العدل
أقول لدهر ساءنا ثم سرنا ... بلقياك كن يا دهر إن تبت في حل
قدمت فأقدمت السرور على الورى ... وإن خص بالخدام ذاك وبالأهل
ومنه يهجو:
يا حسنا نونه مقدمة ... فلا رعى الله من يؤخرها
إن أيادي الصفي صافية ... لكن وزانها يكدرها
ابن النطروني المالكي
عبد المنعم بن عبد العزيز بن أبي بكر بن عبد المؤمن. أبو الفضل القرشي، العبدري؛ المعروف بابن النطروني. الإسكندري. قدم بغداد وأقام بها، ومدح الإمام الناصر بعدة قصائد. وكان فقيها مالكيا أديبا، حسن الشيبة، مليح السمت، ورتب شيخا برباط العميد بالجانب الغربي، وناظرا في أوقاته، ثم نفذ رسولا من الديوان إلى يحيى بن غانية الميورقي فأقام هناك مدة طويلة؛ وولده عبد العزيز ينوبه ثم عاد وقد حصل له مال طائل، ورتب ناظر البيمارستان العضدي.
وتوفي سنة ثلاث ست ماية.
ومن شعره:
باتت تصد عن النوى ... وتقول كم تتغرب
إن الحياة مع القنا ... عة والمقام لأطيب
فأجبتها يا هذه ... غيري بقولك يخلب
إن الكريم مفارق ... أوطانه إذ تجذب
والبدر حين يشينه ... نقصانه يتغيب
لا يرتقي درج العلى ... من لا يجد ويتعب
ومنه:
يا ساحر الطرف ليلي ما له سحر ... وقد أضر بجفني بعدك السهر
يكفيك مني إشارات بعين ضنى ... لم يبق مني به عين ولا أثر
أعاذك الله من شر الهوى فلقد ... أذكى على كبدي نارا لها شرر
غررت فيه بروحي بعدما علمت ... أن السلامة من أسبابه غرر
وكان عذبا عذابي في بدايته ... فصار في الصبر طعما دونه الصبر
ولست أدري وقد مثلت شخصك في ... قلبي المشوق وشمس أنت أم قمر

(6/263)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية