صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي
المؤلف : السخاوي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وفي " البدر السافر " حكاية عن قاضي القضاة الجمال سليمان الزرعي: أنه كان يتردد إليه وهو شاب، قال: فجئت إليه في يوم عيد، فوجدته يأكل حريرة مدخنة، فقال: سليمان... كل فلم تطب لي، فقام أخوه وتوجه إلى السوق وأحضر شواء وحلواء، وقال له: كل، فلم يأكل، فقال له: يا أخي، أهذا حرام؟ فقال: لا، ولكنه طعام الجبابرة.
وكأنه رأى المقام يقتضي ذلك، وفهم من الإعراض عن الحريرة الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أكلها، عدم الاستغناء عما اشتري وشبهه، وأنها طريقة لهم لازمة، أو لأن الحلواء المحضرة كانت فيها زيادة تأنق وترفه، ومن جهة كونها من سكر مثلا، مع إضافة غيره من فستق ورائحة ونحوهما إليه، وإلا فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء.
ولشدة ورعه لم يكن يكثر من إقراء الشباب، بل كان يرشد من يقصده منهم للاشتغال، إلى الشيخ أمين الدين أبي العباس أحمد بن الشمس أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبد الجبار الأشتري، الحلبي، المتوفى في سنة إحدى وثمانين وستمائة، بعد الشيخ بسنتين، لعلمه بدينه وأمانته، وكذا كان يرشدهم إلى التاج ابن الفركاح، " كما أسلفه عند ذكر الأخذ عنه " إن صحت تلك الحكاية.
وكان الشيخ رحمه الله يرى تحريم النظر مطلقا، خلافا للرافعي. قال العثماني قاضي صفد: إنه توجه لزيارة الزاهد الفقيه: فرج بن عبد الله الصفدي الشافعي، صحبة التاج المقدسي، فجرت مسألة النظر إلى الأمرد، وأن الرافعي يحرم بشرط الشهوة، والنووي مطلقا، فقال الشيخ فرح: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: لي: الحق في هذه المسألة مع النووي، فصاح تاج الدين وقال: صار الفقه بالمنامات، فخضع الشيخ فرح وقال: أستغفر الله، أنا حكيت ما رأيت، والبحث له طريق، فسكن التاج وقال: نحن في بيتك، انتهى.
مناصحته لحكام عصره
وكان مواجها للملوك والجبابرة بالإنكار لا يأخذه في الله لومة لائم، بل كان إذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل، ويتوصل إلى إبلاغها.
فمما كتبه وأرسلني في السعي فيه، ورقة إلى الظاهر تتضمن العدل في الرعية، وإزالة المكوس عنهم، وكتب معه في ذلك غير واحد من الشيوخ وغيرهم، منهم من مشائخي: أبو محمد عبد الرحمن بن أبي عمر شيخ الحنابلة، وأبو محمد عبد السلام بن علي بن عمر الزواوي، شيخ المالكية، وأبو بكر محمد بن أحمد الشريشي المالكي، وأبو إسحاق إبراهيم بن ولي الله عبد الله المعروف بابن الأرميني، وأبو حامد محمد بن العلامة أبي الفضائل عبد الكريم بن الحرستاني خطيب دمشق واب خطيبها.
ووضع ورقة الظاهر في ورقة لبيليك الخازندار بدر الدين نصها: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يحيى النووي، سلام الله ورحمته وبركاته على المولى الحسن، ملك الأمراء: بدر الدين، أدام الله الكريم له الخيرات، وتولاه بالحسنات، وبلغه من خيرات الآخرة والأولى كل آماله، وبارك له في جميع أعماله، آمين.
وينهي إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام هذه السنة في ضيق عيش وضعف حال، بسبب قلة الأمطار وغلاء الأسعار، وقلة الغلات والنبات، وهلاك المواشي، وغير ذلك، وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الراعي والرعية، ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم، فإن الدين النصيحة.
وقد كتب خدمة الشرع الناصحون للسلطان، المحبون له: كتابا بتذكرة النظر في أحوال رعيته والرفق بهم، وليس فيه ضرر، بل هو نصيحة محضة وشفقة تامة، وذكرى لأولي الألباب.
والمسؤول من الأمير " أيده الله تعالى " تقديمه إلى السلطان " أدام الله له الخيرات " ويتكلم عليه من الإشارة بالرفق بالرعية بما يجده مدخرا له عند الله تعالى (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه).

(1/30)


وهذا الكتاب الذي أرسله العلماء إلى الأمير، أمانة ونصيحة للسلطان " أعز الله أنصاره والمسلمين كلهم في الدنيا والآخرة " فيجب عليكم إيصاله للسلطان، أعز الله أنصاره، وأنتم مسؤولون عن هذه الأمانة، ولا عذر لكم في التأخر عنها ولا حجة لكم في التقصير فيها عند الله تعالى، تسألون عنها: (يوم لا ينفع مال ولا بنون)، (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم شأن يومئذ يغنيه)، وأنتم بحمد الله تحبون الخير وتحرصون عليه، وتسارعون إليه، وهذا من أهم الخيرات وأفضل الطاعات، وقد أهلتم له وساقه الله إليكم، وهو فضل من الله.
ونحن خائفون أن يزداد الأمر شدة، إن لم يحصل النظر في الرفق بهم، قال الله تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)، وقال تعالى: (وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم).
والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، فما فعلتموه وجدتموه عند الله، (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فلما وصلت الورقتان إليه أوقف عليهما السلطان، فلما وقف عليهما رد جوابهما ردا عنيفا، مؤلما، فتنكدت خواطر الجماعة الكاتبين وغيرهم.
فكتب رحمه الله جوابا لجوابه صورته: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
من عبد الله يحيى النووي، ينهي أن خدمة الشرع الشريف كانوا كتبوا ما بلغ السلطان أعز الله أنصاره، فجاء الجواب بالإنكار والتوبيخ والتهديد، وفهمنا منه أن الجهاد ذكر في الجواب على خلاف حكم الشرع، وقد أوجب الله إيضاح الأحكام عند الحاجة إليها، فقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه)، فوجب علينا حينئذ بيانه، وحرم علينا السكوت، قال الله تعالى: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم).
وذكر في الجواب: أن الجهاد ليس مختصا بالأجناد، وهذا أمر لم ندعه، ولكن الجهاد فرض كفاية، فإذا قرر السلطان له أجنادا مخصوصين، ولهم أخباز معلومة من بيت المال " كما هو الواقع " تفرغ باقي الرعية لمصالحهم ومصالح السلطان والأجناد وغيرهم، من الزراعة والصنائع وغيرها، الذي يحتاج الناس كلهم إليها، فجهاد الأجناد مقابل بالأخباز المقررة لهم، ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيء ما دام في بيت المال شيء من نقد أو متاع، أو أرض أو ضياع تباع، أو غير ذلك.
وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان أعز الله أنصاره، متفقون على هذا، وبيت الله بحمد الله معمور، زاده اله عمارة وسعة وخيرا وبركة، في حياة السلطان المقرونة بكمال السعادة له، والتوفيق والتسديد، والظهور على أعداء الدين، وما النصر إلا من عند الله، وإنما يستعان في الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، وملازمة أحكام الشرع.
وجميع ما كتبناه أولا وثانيا وهو النصيحة التي نعتقدها، وندين الله بها، ونسأله الدوام عليها حتى نلقاه، والسلطان يعلم أنها نصيحة له وللرعية، وليس فيه ما يلام عليه، ولم نكتب هذا للسلطان إلا لعلمنا بأنه يحب الشرع ومتابعة أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الرفق بالرعية والشفقة عليهم، وإكرامه لآثار النبي صلى الله عليه وسلم.
وكل ناصح للسلطان موافق على هذا الذي كتبنا.
وأما ما ذكر في الجواب من كوننا لم ننكر على الكفار كيف كانوا في البلاد، فكيف يقاس ملوك الإسلام وأهل الإيمان والقرآن بطغاة الكفار؟ وبأي شيء كنا نذكر طغاة الكفار وهم لا يعتقدون شيئا من ديننا.؟ وأما تهديد الرعية بسبب نصيحتنا، وتهديد طائفة، فليس هو المرجو من عدل السلطان وحلمه، وأي حيلة لضعفاء المسلمين الناصحين نصيحة للسلطان ولهم، ولا علم لهم به، وكيف يؤاخذون به لو كان فيه ما يلام عليه؟

(1/31)


وأما أنا في نفسي، فلا يضرني التهديد ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله تعالى: (إنما هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هي دار القرار)، (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد)، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول الحق حيثما كنا، وأن لا نخاف في الله لومة لائم.
ونحن نحب للسلطان معالي الأمور وأكمل الأحوال، وما ينفعه في آخرته ودنياه، ويكون سببا لدوام الخيرات له، ويبقى ذكره له على ممر الأيام، ويخلد في سننه الحنيفية، ويجد نفعه ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا).
وأما ما ذكر في تمهيد السلطان البلاد، وإدامته الجهاد، وفتح الحصون وقهر الأعداء، فهو بحمد الله من الأمور الشائعة، التي اشترك في العلم بها الخاصة والعامة، وسارت في أقطار الأرض ولله الحمد، وثواب ذلك مدخر للسلطان إلى (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا). ولا حجة لنا عند الله إذا تركنا النصيحة الواجبة علينا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ومما اكتتبه لما احتيط على أملاك دمشق حرسها الله تعالى، بعد إنكاره مواجهة للظاهر، وعدم إفادته وقبوله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
قال الله تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) وقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه)، وقال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
وقد أوجب الله على المكلفين نصيحة السلطان أعز الله أنصاره، ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الدين النصيحة لله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم " .
ونصيحة السلطان " وفقه الله لطاعته " ، وتولاه بكرامته " أن تنهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام، وأوجب الله تعالى الشفقة على الرعية، والاهتمام بالضعفاء وإزالة الضرر عنهم، قال الله تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين)، وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم " . وقال صلى الله عليه وسلم: " من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا، كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان الله في عون أخيه " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن المقسطين على منابر من نور ن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " .
وقد أنعم الله تعالى علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان أعز الله أنصاره، فقد أقامه لنصرة الدين والذب عن المسلمين، وأذل له الأعداء من جميع الطوائف، وفتح عليه الفتوحات المشهورة في المدة اليسيرة، وأوقع الرعب منه في قلوب أعداء الدين، وسائر الماردين، ومهد له البلاد والعباد، وقمع بسببه أهل الزيغ والفساد، وأمده بالإعانة واللطف والسعادة، فله الحمد على هذه النعم المتظاهرة، والخيرات المتكاثرة، ونسأل الله الكريم دوامها له وللمسلمين، وزيادتها في خير وعافية، آمين.
وقد أوجب الله شكر نعمته، ووعد الزيادة للشاكرين، فقال تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم، أنواع من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطلب منهم إثبات لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل في يده شيء فهو ملكه، لا يحل الاعتراض عليه، ولا يكلف بإثباته.
وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحب العمل بالشرع ويوصي نوابه به، فهو أولى من عمل به.
والمسؤول: إطلاق الناس من هذه الحوطة، والإفراج عن جميعهم. فأطلقهم طلقك الله من كل مكروه فهم ضعفاء، وفيهم الأيتام والأرامل والمساكين، والضعفاء والصالحون، وبهم تنصر وتغاث وترزق، وهم سكان الشام المبارك، جيران الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم، وسكان ديارهم، فلهم حرمات من جهات.

(1/32)


ولو رأى السلطان ما يلحق الناس من الشدائد لاشتد حزنه عليهم، وأطلقهم في الحال ولم يؤخرهم، ولكن لا تنهي إليه الأمور على وجهها، فبالله أغث المسلمين يغثك الله، وارفق بهم يرفق الله بك، وعجل لهم الإفراج قبل وقوع الأمطار وتلف غلاتهم، فإن أكثرهم ورثوا هذه الأملاك من أسلافهم، ولا يمكنهم تحصيل كتب شراء، وقد نهبت كتبهم.
وإذا رفق السلطان بهم، حصل له دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أرفق بأمته، ويظهره على أعدائه، فقد قال الله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم)، وتتوفر له من رعيته الدعوات، وتظهر في مملكته البركات، ويبارك له في جميع ما يقصده من الخيرات، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " ، فنسل الله الكريم أن يوفق السلطان للسن الحسنة التي يذكر بها إلى يوم القيامة، ويحميه من السنن السيئة.
فهذه نصيحتنا الواجبة علينا للسلطان، ونرجو من فضل الله تعالى أن يلهمه فيها القبول.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه.
قلت: وكان السبب في هذه الحوطة " كما صرح به صاحب " البدر السافر " " أن السلطان الظاهر بيبرس، لما ورد دمشق بعد قتال التتار ونزوحهم عن البلاد، ولى وكالة بيت المال شخصا من الحنفية، فقال: إن هذه الأملاك التي بدمشق، كان التتار قد استولوا عليها، فتملكوها على مقتضى مذهب أبي حنيفة رحمه الله، فوضع السلطان يده عليها، فقام جماعة من أهل العلم في ذلك، وكان الشيخ منهم. قلت: بل هو أعظمهم. قال: فكلم السلطان في ذلك كلاما فيه غلظة، فظن السلطان أن له مناصب يعز له عنها، فقيل له حاله، انتهى كلام البدر.
وقال القطب اليونيني: إنه واقف الظاهر غير مرة بدار العدل، بسبب الحوطة على بساتين دمشق وغير ذلك. وحكي عن الظاهر أنه قال: أنا أفزع منه، " أو ما هذا معناه " ، ولقد شاهدته مرة طلع إلى زاوية الشيخ خضر بالجبل المشرف على المزة، وحدثه في أمر، وبالغ معه وأغلظ له، فسمع الشيخ خضر كلاما مؤلما، فأمر بعض من عنده بإخراجه ودفعه " ولعله يقصد الخوف على الشيخ " ، فما تأثر الشيخ في ذلك في ذات الله عز وجل، ولا رجع عن قصده لنفع يجلبه إلى بعض المسلمين، فقد كانت مقاصده جميلة، وأفعاله لله تعالى.
وقال العماد ابن كثير: إنه قام على الظاهر في دار العدل في قضية الغوطة لما أرادوا وضع الأملاك على بساتينها، فرد عليهم ذلك، ووقى الله شرها، بعد أن غضب السلطان وأراد البطش به، ثم بعد ذلك أحبه وعظمه، حتى كان يقول: أنا أفزع منه، انتهى كلام ابن كثير.
والظاهر المشار إليه هو: ركن الدين أبو الفتوح بيبرس، البندقداري، الصالحي، النجمي، الأيوبي، التركي، صاحب مصر والشام، الذي أفرد سيرته ابن عبد الظاهر، وابن شداد، ومات بدمشق قبل الشيخ بيسير، في العشر الأخير من المحرم من السنة التي مات الشيخ فيها.
وأما خضر فهو: ابن أبي بكر بن موسى المهراني العدوي، أحد من كان الظاهر المذكور يعتقده لكونه كان أخبر بتملكه قبل وقوعه، حتى كان يتردد لزيارته في الأسبوع مرة ومرتين وأكثر، ولا يخرج عن ريه، وبنى له عدة زوايا وأماكن، منها الزاوية التي بالقرب من الجامع الظاهر من الحسينية، وبها محل دفنه، ثم تغير عليه لكثرة ما رمي به عنده من الفواحش، واستشار في أمره، فأشار بعض خواصه من الأمراء بقتله، فقال خضر مخاطبا للسلطان: اسمع ما أقول لك: إن أجلي قريب من أجلك، بيننا أيام يسيرة، فوجم السلطان من ذلك وعدل عن قتله، ثم حبس بمكان معد له بالقلعة، لم يمكن من الدخول عليه إلا من يثق به غاية الوثوق، مع التوسعة عليه بالأطعمة الفاخرة والفواكه والملابس، حتى مات بالقاهرة في يوم الخميس سادس المحرم المذكور، ولما ورد البريد على السلطان بموته صرخ وقال: مات! ثم انتقل من مكانه إلى غيره، ولم يستكمل قراءة البريد، بل ولا قرئ عليه شيء " كأنه خوفا من قوله الذي أسلفه " ، فكان كذلك، لم يلبث أن مات " كما تقدم " بدمشق، في العشر الأخير من الشهر المذكور.

(1/33)


وأما بيليك، فهو الأمير بدر الدين الخازندار الظاهري، نائب المملكة وأتابك الجيوش المنصورة، وكان موصوفا بكثرة المعروف، ومحبة الصلحاء والعلماء، وحسن السيرة، مع الحظ الحسن، وفهم وذكاء، واعتناء بمطالعة التواريخ وسماع الحديث، ومات أيضا قبيل الشيخ بيسير، وبعيد الظاهر، وذلك في ربيع الآخر من السنة أيضا، انتهى.
ومما كتبه رسالة تتعلق بالمكوس والحوادث الباطلة، وأبطل الله ذلك على يد من شاء من عباده، في دولة السعيد بن الظاهر.
قلت: والسعيد هذا هو ناصر الدين محمد بركة خان بن الظاهر ركن الدين المذكور، استقر في المملكة بعد أبيه، وخلع منها بعد سنتين وشهرين وثمانية أيام، انتهى.
ومما كتبه بسبب الفقهاء، لما رسم بأن الفقيه لا يكون منزلا في أكثر من مدرسة واحدة، وصورته: بسم الله الرحمن الرحيم، خدمة الشرع ينهون أن الله تعالى أمرنا بالتعاون على البر والتقوى، ونصيحة ولاة الأمور وعامة المسلمين، وأخذ على العلماء العهد بتبليغ أحكام الدين ومناصحة المسلمين، وحث على تعظيم حرماته، وإعظام شعائر الدين، وإكرام العلماء وأتباعهم.
وقد بلغ الفقهاء بأنه رسم في حقهم بأن يغيروا عن وظائفهم، ويقطعوا عن بعض مدارسهم، فتنكدت بذلك أحوالهم، وتضرروا بهذا التضييق عليهم، وهو محتاجون ولهم عيال، وفيهم الصالحون والمشتغلون بالعلوم، وإن كان فيهم أفراد لا يلتحقون بمراتب غيرهم فهم منتسبون إلى العلم ومشاركون فيه، ولا تخفى مراتب أهل العلم وفضلهم، وثناء الله تعالى عليهم، وبيانه مزيتهم على غيرهم، وأنهم ورثة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وأن الملائكة عليهم السلام تضع أجنحتها لهم، ويستغفر لهم كل شيء حتى الحيتان.
واللائق بالجناب العالي إكرام هذه الطائفة والإحسان إليهم، ومعاضدتهم ودفع المكروهات عنهم، والنظر في أحوالهم بما فيه من الرفق بهم، فقد ثبت في " صحيح مسلم " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فارفق بهم، فارفق بهم " ، وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه كان يقول لطلبة العلم مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن رجالا يأتونكم يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا " .
والمسؤول: أن لا يغير على هذه الطائفة شيء، وتستجلب دعوتهم لهذه الدولة القاهرة، وقد ثبت في " صحيح البخاري " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " .
وقد أحاطت العلوم بما أجاب به الوزير نظام الملك حين أنكر عليه السلطان صرف الأموال الكثيرة في جهة طلبة العلم، فقال: أقمت بها جندا لا ترد سهامهم، فاستصوب فعله وساعده عليه.
والله الكريم يوفق الجناب دائما لمرضاته، والمسارعة إلى طاعته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وله رحمه الله رسائل كليات تتعلق بالمسلمين، وجزئيات في إحياء سنن نيرات، وفي إماتة بدع مظلمات، وكلام طويل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات، مواجها به أهل الرتب العاليات.
قلت: منها رسالة إلى نائب السلطنة بدمشق، بطلب جميع الناس للاستسقاء، كتبها في يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى، سنة ثمان وستين وستمائة، وهو الخامس من كانون الأصم، ونصها: خدمة الشرع العلماء بدمشق المحروسة، ينهون أن الله سبحانه وتعالى أخذ عليهم العهد بتبليغ الشرع إلى المكلفين، ونصيحة الله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وولاة الأمر، وعامة المسلمين. ونصيحة الله ورسوله امتثال أمرهما، ومن نصيحة ولاة الأمر تبليغهم شرائع الأحكام، وإرشادهم إلى شعائر الإسلام، والإشارة عليهم بفعلها، وإشاعتها ونشرها. ونصيحة عامتهم الاعتناء بمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، والحث عليها، والمسارعة إليها.

(1/34)


ومما هو من ذلك: الاستسقاء عند الحاجة إليه، والضرورة الحاملة عليه، فإن الاستسقاء سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه الأخيار، الكرام الأبرار، رضي الله عنهم، ولم يزل المسلمون عليه فيما تقدم وتأخر من الأعصار. وقد قال تعالى في كتابه العزيز، الذي يجب على كل مكلف الانقياد إليه، والخضوع له والعمل بما فيه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، وقال تعالى: (وما أتاكم الرسول فخذوه)، وقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
وثبت في صحيحي إمامي المحدثين، وعمدتي المسلمين: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، رضي الله عنهما، من طرق كثيرات، بروايات متظاهرات: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى مرات. وفي الصحيح أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى، واستسقى معاوية فمن بعده رضي الله عنهم، ولم يزل المسلمون على فعل الاستسقاء عند الحاجة إليه.
وهذه السنة التي حالها ما ذكرنا، ومحلها ما وصفنا، تشتمل مع ذلك على مصالح كثيرة من مهمات الآخرة والدنيا، عامة للبلاد والعباد، والشجر والدواب، ويشترك فيها الخواص والعوام. فيتوجه على ولي الأمر وفقه الله تعالى الكريم لطاعته، وتولاه بكرامته، وأدام نعمه عليه، وضاعف الخيرات لديه: الاهتمام بشأنها، والاعتناء بأمرها، والمسارعة إليها، والتحريض عليها.
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " . وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجتهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة " ونصوص الشرع الكريم بنحو ما ذكرناه كثيرة مشهورة.
والمسؤول: التقدم إلى قاضي القضاة " أدام الله له الخيرات " بجمع الناس للاستسقاء على الوجه الشرعي، فإن خذل عن هذا الأمر جاهل، وزعم أنه يحالف التوكل، أو أنه اعتراض على الله تعالى، فهذا المخذل مخطئ جاهل، بل إن اعتقد هذا كان كافرا، لأن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق والصواب، الذي يجب على كل مكلف الانقياد له، والمسارعة إلى قبوله، وانشراح الصدر به، قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمونك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، وقال تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون).
وكل ما خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو البدعة والضلالة، والغباوة والجهالة، والسفاهة والنذالة، بل هذه طريقة الكفار في مدافعة دين الإسلام: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).
ويجب على ولي الأمر " وفقه الله لطاعته " إذا سمع كلام هذا الزاعم الجاهل، الضال الغاشم المتجاهل، وغيره ممن يقول نحو هذا القول في مدافعة الحق والاعتراض على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يؤدبه تأديبا بليغا ينزجر به هو وأمثاله، ويشهر أمره، لينكف أهل الجهالة والضلالة عن مثل فعله، وليعلم أن المراد بالاستسقاء امتثال أمر الله تعالى، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مصلحة ناجزة، وسعادة معجلة، ومنة من الله تعالى يشكر على التوفيق لها.
وأما نزول المطر فهو إلى الله تعالى، وليس المراد الاستسقاء تيقن نزول المطر، فإن علم الغيب وإنزال الغيث وغيره من الكائنات، إلى رب العالمين. ولقد أمرنا الله تعالى بدعائه ووعدنا الإجابة، وهو لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: (ادعوني أستجب لكم)، وقال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية)، وقال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).

(1/35)


وليعلم أنه ليس للاستسقاء شروط تعتبر في صحته سوى اجتماع الناس والصلاة، وهذا متيسر لا مانع منه، لكن قال العلماء: يستحب لولي الأمر أن يأمر الناس قبل الخروج للاستسقاء بالتوبة من المعاصي ومصالحة الأعداء، والصدقة، وصيام ثلاثة أيام، ويخرجون في اليوم الرابع صياما، وهذا أدب مستحب وليس بواجب ولا شرط، ولو ترك صح الاستسقاء، ومع هذا فهو هين بحمد الله تعالى لا كلفة فيه، فإن معناه أن ولي المر يأمر بعض نوابه أن ينادي في الناس بذلك، وليس معناه أن يحكم على قلوبهم بفعله، فإن ذلك لا يقدر عليه إلا رب العالمين، بل هو يأمرهم به، فمن وفق له فهو نعمة من الله تعالى عليه، ومن حرمه فلا يضر إلا نفسه، ويرجى للمسلمين الرحمة والخير بامتثال الموفقين.
وما يخلو هذا الأمر من مصالح كثيرة، من صلاة وصيام وصدقة، وذكر وتوبة، وقلاع عن معاص، وإقبال على الطاعات، لا سيما وقد من الله تعالى " وله الحمد والنعمة " على المسلمين بما وفق له السلطان، زاده الله فضلا وخيرا، وتمكينا وعلوا ونصرا، وأدامه ظاهرا على أعداء الدين وسائر المخالفين، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكرات، مبطلا للحوادث، مظهرا للمحاسن والخيرات، بما فعله من إزالة هذا المنكر العظيم، الفاحش الجسيم، الذي لم يسبق إلى إزالته: (ولينصرن الله من ينصره).
فهذه نصيحة الخدمة أنهوها إلى الأمير، وهم راجون من فضل الله تعالى مسارعته إلى هذه المصلحة، وقد ضاق الوقت عن تأخيرها، وهذه المصلحة لا تحصل بفعل آحاد الناس، بل باجتماع الناس كلهم، وفيهم العلماء والصالحون، والصغار والضعفاء، والمساكين والمضطرون، وقد ثبت في الصحيح إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " والله يوفق الأمير لكل مكرمة، ويديمه أمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، حاثا على الاهتمام بشعائر الدين ومصالح المسلمين، آمين. والحمد لله رب العالمين، وسلام على عباده الذي اصطفى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ولما وصلت الرسالة لولي الأمر " وفقه الله تعالى " أمر محتسب البلد فنادى ساعته في الناس بصيام ثلاثة أيام، أولها يوم الاثنين، الثاني عشر من جمادى الأولى المذكور، وبالصدقة والمعروف ومصالحة الأعداء، وغير ذلك مما هو من آداب الاستسقاء. ثم خرج ولي والناس يوم الخميس، الخامس عشر من الشهر المذكور، واستسقوا، ثم سقوا بعد ذلك بتسعة أيام سقيا عامة، وترادفت أمطار كثيرة، بعد أن حصل لكثير من الناس قنوط. فلله الحمد على نعمه والتوفيق لإظهار شعائر دينه، ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والاعتناء بسنته، ومسارعة المسلمين إليها.
وكتب ولي الأمر إلى نوابه في البلدان يأمرهم بالاستسقاء في اليوم الذي يستسقي في أهل دمشق، فامتثلوا أمره في ذلك، فسقوا كلهم في بلدانهم في الوقت المذكور، ثم وقعت في البلدان ثلوج كثيرة لم ير في تلك السنين مثلها، وأبطل تضمين الخانات والخمور، وأريقت على كل من وجدت عنده، في دمشق وسائر بلاد الشام، ورفعت المنكرات " ولله الحمد " رفعا تاما، بعد أن كانت شائعة أفحش الشياع وذلك في ربيع الآخر من السنة، ثم جعل الله الكريم في الغلات أنواع البركات، وأخصبت الغلات في جميع بلاد الشام إلى حد لم يعهد مثله من نحو ثلاثين سنة.ثم أعقب ذلك رخص " لكثرة الغلات " لم يعهد مثله من نحو خمس عشر سنة، حتى بيعت غرارة القمح بثلاثين درهما وبأربعين وما بينهما، والشعير بأربعة عشر درهما، وقلت رغبة الناس في الغلات، لكثرتها، والله الحمد والمنة.
وهذا كله لفظ الشيخ، وأردفه بفضل في صفة الاستسقاء وآدابه، وقرأ جميع ذلك عليه تلميذه ابن العطار، في يوم السبت خامس عشر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وستمائة بالرواحية بدمشق، ثم حدث بن البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن الضياء أحمد بن إبراهيم بن فلاح بن محمد الإسكندري، عن العلاء ابن العطار، إجازة إن لم يكن سماعا، وأنبأني به العز أبو محمد الحنفي، عن أبي إسحاق المذكور انتهى.
وكان بدمشق شخص يقال له ابن النجار، سعى في إحداث أمور على المسلمين باطلة، فقام الشيخ ومعه جماعة من العلماء حتى أزالوها، فغضب ابن النجار، وراسل الشيخ يتهدده ويقول له: أنت الذي حركت العلماء لهذا، فكتب إليه الشيخ ما نصه:

(1/36)


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، من يحيى النواوي، اعلم أيها المقصر في التأهب لمعاده، التارك مصلحة لنفسه في تهيئة جهازه له وزاده، أني كنت لا أعلم كراهتك لنصرة الدين، ونصيحة السلطان والمسلمين، حملا مني لك على ما هو شان المؤمنين، من إحسان الظن بجميع الموحدين، وربما كنت أسمع في بعض الأحيان من يذكرك بغش المسلمين، فأنكر عليه بلساني وقلبي، لأنها غيبة لا أعلم صحتها.
ولم أزل على هذا الحال إلى هذه الأيام، فجرى ما جرى من قول قائل للسلطان، " وفقه الله الكريم للخيرات " : إن هذه البساتين يحل انتزاعها من أهلها عند بعض العلماء، وهذا من الافتراء الصريح، والكذب القبيح، فوجب علي وعلى جميع من علم هذا من العلماء، أن يبين بطلان هذه المقالة ودحض هذه الشناعة، وأنها خلاف إجماع المسلمين، وأنه لا يقول بها أحد من أئمة الدين، وأن ينهوا ذلك إلى سلطان المسلمين، فإنه يجب على الناس نصيحته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم " ، وإمام المسلمين في هذا العصر هو السلطان، وفقه الله تعالى لطاعته، وتولاه بكرامته.
وقد شاع بين الخواص والعوام إن السلطان كثير الاعتناء بالشرع، ويحافظ على العمل به، وأنه بنى المدرسة لطوائف العلماء، ورتب القضاة من المذهب الأربعة، وأمر بالجلوس في دار العدل لإقامة الشرع وغير ذلك مما هو معروف من اعتناء السلطان " أعز الله أنصاره " بالشرع، وأنه إذا طلب طالب منه العمل بالشرع أمر ذلك ولم يخالفه. فلما افترى هذا القائل في أمر البساتين ما إفتراه، ودلس على السلطان وأظهر أن انتزاعها جائز عند بعض العلماء، وغش السلطان في ذلك، وبلغ ذلك علماء البلد، وجب عليهم نصيحة السلطان وتبيين الأمر له على وجهه.
وإن هذا خلاف إجماع للمسلمين، فإنه يجب عليه نصيحة الدين والسلطان وعامة المسلمين، فوفقهم الله تعالى على كتب كتاب يتضمن ما ذكرته، على جهة النصيحة للدين والسلطان والمسلمين، ولم يذكروا فيه أحدا بعينه، بل قالوا: من زعم جواز انتزاعها فقد كذب. وكتب علماء المذاهب الأربعة خطوطهم بذلك، لما يجب عليهم من النصيحة المذكورة، واتفقوا على تبليغها ولي الأمر، " أدام الله نعمه عليهم " ، لينصحوه ويبينوا حكم الشرع.
ثم بلغني جماعات متكاثرات في أوقات مختلفات، حصل لي العلم بقولهم: إنك كرهت سعيهم في ذلك، وشرعت في ذم فاعل ذلك، وأسندت معظم ذلك كله إلي، ويا حبذا ذلك من صنيع، وبلغني عنك قول هؤلاء الجماعات أنك قلت: قولوا ليحيي هذا الذي سعى في هذا، فينكف عنه، وإلا أخذت منه دار الحديث، وبلغني عنك هؤلاء الجماعات أنك حلفت مرات بالطلاق الثلاث أنك ما تكلمت في انتزاع هذه البساتين، وأنك تشتهي إطلاقها.
قيا ظالم نفسه، أما تستحيي من هذا الكلام المتناقض؟ فكيف يصح الجمع بين شهوتك في إطلاقها، وأنك ما تتكلم فيها، وبين كراهتك السعي في إطلاقها، ونصيحة السلطان والمسلمين؟ ويا ظالم نفسه، هل تعرض لك أحد بمكروه، أو تكلم فيك أحد بعينك؟ وإنما قال العلماء؛ من قال هذا للسلطان فقد كذبه، ودس عليه وغشه، ولم ينصحه، فإن السلطان ما يفعل هذا إلا لاعتقاده أنه حلال عند بعض العلماء، فبينوا أنه حرام عند جميعهم، وأنت فقد قلت: إنك لم تتكلم فيها، وحلفت على هذا بالطلاق الثلاث، فأي ضرر عليك في إبطال قول كاذب على الشرع، غاش مدلس على السلطان، وقد قلت: أنه غيرك؟ وكيف تكره السعي على شيء قد أجمع الناس على استحسانه؟ بل هو واجب على من قدر عليه، وأنا بحمد الله من القادرين عليه بالطريق الذي سلكت. وأما نجاحه فهو إلى الله تعالى مقلب القلوب والأبصار.
ثم أي أتعجب غاية العجب من اتخاذك إياي خصما، ويا حبذا من اتخاذ، فإني " بحمد الله " أحب في الله تعالى وأبغض فيه، فأحب من أطاعه، وأبغض من خالفه. وإذا أخبرت عن نفسك بكراهتك السعي في مصلحة المسلمين ونصيحة السلطان، فقد دخلت في جماعة المخالفين وصرت ممن نبغضه لله رب العالمين، فإن ذلك من الإيمان كما جاءت به الآثار، الصحيحة المنقولة بأسانيد الأئمة الأخيار:
أرض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه

(1/37)


ويا ظالم نفسه، أنا ما خاصمتك أو كالمتك أو ذكرتك، أو بيني وبينك مخاصمة أو منازعة أو معاملة في شيء، فما بالك تكره فعل الخير يسرني الله الكريم له؟ (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)، بل أنت لسوء نظرك لنفسك تنادي على نفسك، وتشهد الشهود بكراهة هذه النصيحة التي هي مصرحة بأنك أنت الذي تكلمت في هذه البساتين، وأن الطلاق وقع عليك، وما أبعد أن تكون شبيها بمن قال الله فيهم: (ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم).
ويا عدو نفسه أتراني أكره معاداة في سلك طريقتك هذه؟ بل والله أحبها وأوثرها وأفعلها بحمد الله تعالى، فإن الحب في الله والبغض فيه، وأجب علي وعليك وعلى جميع المكلفين.
ولست أدري أي غرض لك في حرصك على الإنكار على الساعين في إعظام حرمات الدين، ونصيحة السلطان والمسلمين؟ فيا ظالم نفسه، انتهي عن هذا، وارجع عن طريقة المباهتين المعاندين.
وأعجب من هذا، تكرير الإرسال إلي بزعمك الفاسد كالمتوعد، إن لم ينكف أخذت من دار الحديث. فيا ظالم نفسه، وجاهل الخير وتاركه، أأطلعت على قلبي أني متهافت عليها؟ أو علمت أني منحصر فيها أو تحققت أني معتمد عليها، مستند إليها؟ أو عرفت أني أعتقد انحصار رزقي فيها؟ وما علمت لو أنصفت كيف كان ابتدأ أمرها؟ أو ما كنت حاضرا مشاهدا أخذي لها؟ ولو فرض تهافتي عليها: أكنت أوثرها على مصلحة عامة للمسلمين مشتملة على نصيحة الله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم، والسلطان وعامة المسلمين، هذا لم أفعله ولا أفعله إن شاء الله تعالى وكيف تتوهم أني أترك نصيحة الله ورسوله وسلطان المسلمين وعامتهم، مخافة من خيالاتك؟ إن هذه لغباوة منك عظيمة.
ويا عجبا منك! كيف تقول هذا؟ أأنت رب العالمين بيدك خزائن السماوات والأرضين، وعليك رزقي ورزق الخلائق أجمعين؟ أم أنت سلطان الوقت تحكم في الرعية بما تريد؟ فلو كنت عاقلا ما تهجمت على التفوه بهذا الذي لا ينبغي أن يقوله إلا رب العالمين أو سلطان الوقت، مع أن سلطان الوقت منزه عن قولك الباطل، مرتفع المحل عن فعل ما ذكرت يا ظالم، فإن كنت تقول هذا استقلالا منك فقد أفتت عله واجترأت على أمر عظيم، ونسبته إلى الظلم عدوانا، وإن كنت تقول عنه فقد كذبت عليه، فإنه " بحمد الله " حسن الاعتقاد في الشرع، وذلك من نعم الله تعالى عليه، والسلطان " بحمد الله وفضله " أكثر اعتقادا في الشرع من غيره ويعظم حرماته، وليس هو ممن يقابل ناصحه بهذيانات الجاهلين وترهات المخالفين، بل يقبل نصائحهم كما أمر الله تعالى.
واعلم أيها الظالم نفسه، إني والله الذي لا إله إلا هو، لا أترك شيئا أقدر عليه من السعي من مناصحة الدين والسلطان والمسلمين في هذه القضية، وإن رغمت أنوف الكارهين، وإن كره ذلك أعداد المسلمين، وفرق حزب المخذلين، وسترى مما أتكلم به إن شاء الله تعالى عند هذا السلطان، وفقه الله تعالى لطاعته، وتولاه ببركاته، في هذه القضية، غيرة على الشرع، وإعظاما لحرمات الله تعالى وإقامة للدين، ونصيحة للسلطان وعامة المسلمين.
ويا ظالم نفسه، واجلب بخيلك ورجلك إن قدرت، واستعن بأهل المشرقين وما بين الخافقين، فإني بحمد الله في كفاية تامة، وأرجو من فضل الله تعالى أنك لا تقوى لمنابذة أقل الناس مرتبة، وأنا بحمد الله تعالى ممن يود القتل في طاعة الله تعالى. أتقوى يا ضعيف الحيل لمنابذتي؟ أبلغك يا هذا أني لا أؤمن بالقتل؟ أو بلغك أني أعتقد أن الآجال تنقص، وأن الأرزاق، تتغير؟ أما تفكر في نفسك في قبيح ما أتيته من الفعال، وسوء ما نطقت به من المقال؟ أيا ظالم نفسه، من طلب رضا الله تعالى، ترده خيالاتك وتمويهاتك وأباطيلك وترهاتك؟ وبعد كل هذا أرجو من فضل الله أن يوفق السلطان " أدام الله نعمه عليه " لإطلاق هذه البساتين، وأن يفعل فيها ما تقر به أعين المؤمنين، وترغم به أنف المخالفين، فإن الله تعالى قال: (والعاقبة للمتقين).

(1/38)


والسلطان " بحمد الله تعالى " يفعل الخيرات، فما يترك هذه القضية تفوته. واعلم أنك عندي " بحمد الله تعالى " أقل من أن أهتم بشأنك أو ألتفت إلى خيالاتك وبطلانك، ولكني أردت أن أعرفك بعض أمري، لتدخل نفسك في منابذة المسلمين بأسرهم، ومنابذة سلطانهم " وفقه الله تعالى " على بصيرة منه، وترتفع عنك جهالة بعض الأمر، ليكون دخولك بعد ذلك معاندة لا عذر لك فيها.
ويا ظالم نفسه، أتتوهم أنه يخفى علي وعلى من سلك طريق نصائح المسلمين وولاة الأمور وحماة الدين، أنا لا نعتقد صدق قول الله تعالى: (والعاقبة للمتقين)؟ وقوله تعالى: (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)، وقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). وقوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) وقوله تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم خذلان من خذلهم " ، والمراد بهذه الطائف: أهل العلم، كذا قاله أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وغيره من أهل العلم والفهم، وقوله صلى الله عليه وسلم: " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " هذا فيمن كان في واحد من الناس، فكيف الظن بمن هو في عون المسلمين أجمعين، مع إعظام حرمات الشرع ونصيحة السلطان وموالاته، وبذل النفس في ذلك؟ واعلم أني والله لا أتعرض لك بمكروه، سوى إني أبغضك لله تعالى، وما امتناعي عن التعرض لك بمكروه عن عجز، بل أخاف الله رب العالمين من إيذاء من هو من جملة الموحدين، وقد أخبرني من أثق بخيره وصلاحه، وكراماته وفلاحه، إنك إن لم تبادر في التوبة حل بك عقوبة عاجلة، تكون بها آية لمن بعدك، ولا يأثم بها أحد من الناس، بل هو عدل من الله تعالى يوقعه بك عبرة لمن بعدك، فإن كنت ناظرا لنفسك فبادر بالرجوع عن سوء فعالك، وتدارك ما أسلفته من قبح مقالك، قبل أن يحل بك ما لا تقال به عثرتك، ولا تغتر بسلامتك وثروتك ووصلتك، وفكر في قول القائل:
قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعمر وأريته ... وجامع بددت ما يجمع
والسلام على من اتبع الهدى، والحمد لله رب العالمين.
من أفرده بالترجمة
قلت: وقد أفرد ترجمته بالتصنيف خادمه العلامة علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن داود الدمشقي، عرف بابن العطار، الذي كان لشدة ملازمته له وتحققه به، يقال له: مختصر النووي، استوفيت مقاصده هنا، وهو عمدتي بل عدتي، بن عمدة كل من أتى بعده.
ووقع في كلام الذهبي في " سير النبلاء " إنه في ست كراريس، والمتداول بالأيدي في كراس وشيء، فيحتمل أن يكون كان كتب في جميع المراثي، ثم حذفها بعض النساخ، ووجدت في نسخة وقفت عليها ما يستأنس به لذلك.
وظاهر صنيع الذهبي في تاريخه يشعر بكون التي وقف عليها في، لم يستوفي المراثي فيها وقد وقفت على نسخة بجميع المراثي، بخط تلميذه جد شيخ شيوخنا المسند الشهاب أحمد بن البدر حسن، لأبيه، وهو أبو عبد الله محمد ابن الواعظ أبي عبد الله محمد بن زكريا بن يحيى بن مسعود بن غنيمة، السويداوي، عرف هو وأبوه بالقدسي، كتبها بالخانقاه الشميساطية بدمشق، وهي سماعه على مؤلفها، بقراءة المحدث ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن طغريل ابن الصيرفي، سوى ورقتين، فبقراءة السويداوي، وذلك في ثلاثة مجالس، آخرها يوم الأربعاء سادس عشر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة، بمنزل المؤلف بدار الحديث النورية، وصحح بخطه.

(1/39)


وكتب السويداوي: إن المصنف ابتدأ في تصنيفها في منصف شعبان سن ثمان وسبعمائة، ودعا له بقوله: عافاه الله، وأحسن عقباه. وسبب ذلك أنه كان أصيف بالفالج من قبيل سنين، ويحتمل أن يكون تصنيفا آخر، وهو بعيد. لكن يستأنس له بما وجدته في كلام الذهبي مدرجا في كلام ابن العطار، ما لم اقف عليه في النسختين، على أن ابن العطار قال ما نصه: ورأيت منه أمورا تحتمل مجلدات. وذكر ما يرغب في مناقب العلماء، قول سفيان بن عيينة: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. وقول محمد بن يونس: ما رأين للقلب أنفع من ذكر الصالحين. وأنه دونها لتكون سببا للترحم عليه والدعاء له، لما له عليه من الحقوق المتكاثرة التي لا يطيق حصرها، ووصفه بشيخي وقدوتي، الإمام للتصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، أو حد دهره، وفريد عصره، الصوام القوام، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق المرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني، المتفق على علمه وأمانته وجلالته، وزهده وروعه وعبادته، وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات الطافحة، والمكرمات الواضحة، والمؤثر بنفسه وماله للمسلمين، والقائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنصح والدعاء في العالمين، مع ما هو عليه في المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الثقل، والاجتهاد عن الخروج مع خلاف العلماء ولو كان بعيدا، والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب، يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة.
وكان محققا في علمه وفنونه مدققا في علمه وكل شؤونه، حافظا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عارفا بأنواعه كلها من صحيحه وسقيمه، وغريب ألفاظه وصحيح معانيه واستنباط فقهه، حافظا لمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه، ومذاهب الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم وإجماعهم، وما اشتهر من جميع ذلك وما هجر، سالكا في كل ما ذكر طريق السلف، قد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل، فبعضها للتصنيف، وبعضها للتعليم، وبعضها للصلاة، وبعضها للتلاوة والذكر لله تعالى، وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكذا أفردها التقي محمد بن الحسن اللخمي في أربع أوراق، وقال: إنه كان عالما بالفقه وفروعه من أقوال الشافعي وأوجه أصحابه، مكث نحو عشرين سنة يفتي ويعلم الناس العلم والفقه والحديث والأدب والزهد، وكان ليس في عصره في بلاد المسلمين مثله، محققا، حافظا متقنا، ورعا، مدققا في الحديث عالما بصحيحه وحسنه، وسقيمه. وغريبه وأحكامه، عارفا بلغته وأسماء رجاله، وضبطهم وجرحهم وتعديلهم، ومواليدهم ووفياتهم، محققا في الألفاظ المشكلة.
له في فنونه يد طولى، كثير النقل جدا، مداوما للمطالعة والتأليف، عارفا بفن التصريف، وفن العربية واللغة، كثير النقل فيهما. عارفا بالأصلين معرفة جيدة، وبالقراءات السبع وغيرها، كثير الخبرة بمذاهب العلماء، المشهورة والمهجورة، لين القلب، سالكا طريق السلف في الزهد في الدنيا، والمبالغة في الخشوع والورع، غزير الدمعة كثير الصمت، حافظا لسانه أشد الحفظ، غاضا للطرف، طويل الفكرة، حسن الأخلاق جدا، إذا آذاه أحد يقول له: يا مبارك الحال. مثابرا على الصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أشد المواطن وأصعبها، محاسبا لنفسه، حافظا لأوقاته، قد جزأ كل وقت منها لنوع من العمل، فغالبها للاشتغال بالعلم، وبعضها للتعليم والعبادة، كالصلاة بالليل والتسبيح والقراءة والتدبر.
أثنى عليه الأئمة الصلحاء، العلماء العارفون، وتأسف المسلمون عليه بعد مماته أسفا بليغا، وجزعوا عليه جزعا شديدا الخاص منهم والعام، والمادح في حال حياته والذام.
وأفردها أيضا مريده اللامة الرباني كمال الدين، إمام الكاملية وشيخها، في جزء سماه: " بغية الراوي في ترجمة النواوي " ، وقرأها " على ما بلغني به العلامة أبو الفضل النويري خطيب مكة شرفها الله تعالى " عند ضريح الشيخ، نفعنا الله ببركاتهم، وكذا أرسل إلي صاحبنا الشيخ الثقة الورع الحجة برهان الدين إبراهيم القادري، نفعنا الله ببركته، غير أن تصنيفي هذا قرئ عند ضريح الشيخ أيضا، جوزي خيرا.

(1/40)


وقد أخذ بعض الجماعة ترجمة الكمال فقال: إنه رتبها وزاد عليها، لكونه استحسن جميعها، وما رضي وضعها، وسماها: " تحفة الطالب والمنتهي، في ترجمة الإمام النووي " ، ومن نفس التسمية يعلم المقصود.
ولو فرض على سبيل التنزل أن صاحب " التحفة " لم تكثر أوهامه، وكان ما زعمه " والعياذ بالله " صحيحا، ما كان يجمل به هذا القول، بل اللائق الأدب مع أهل العلم والولايات، وإنزالهم منزلتهم في البدايات والنهايات، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، وكأني به أو بغيره من الناس، ممن لا اطلاع له بل ديدنه الاختلاس، " ألهمنا الله رشده، وأعاذنا من شرور أنفسنا " قد خذ ما وقع لي من الزوائد الفرائد، التي لا أعلم من سبقني إليها، من غير عزو، غافلا عن قول القائل: شكر العلم عزوه لقائله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من ترجمه مع غيره
وممن علمته الآن ترجم الشيخ سوى من تقدم، الشيخ شمس الدين محمد بن الفخر عبد الرحمن بن يوسف البعلي. قال فيه: كان إماما بارعا، حافظا متقنا، أتقن علوما شتى، وصنف التصانيف الجمة، مع شدة الورع والزهد، وكان أمارا بالمعروف ناهيا عن المنكر، على الأمراء والملوك والناس عامة، فنسأل الله أن يرضى عنه ويرضى عنا به.
والشيخ قطب الدين موسى اليونيني، الحنبلي، قال في ذيله على " المرآة " لسبط ابن الجوزي.
المحدث الزاهد، العابد الورع، المتبحر في العلوم، صاحب التصانيف المفيدة، كان أوحد زمانه في الورع والعبادة، والتقلل من الدنيا والاكباب على الإفادة والتصنيف، مع شدة التواضع، وخشونة الملبس والمأكل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي ترجمته له فوائد فرقتها في محالها.
والتاج الفاكهاني المالكي. وصفه في خطبة " شرح الأربعين " بالشيخ الإمام، العلامة الزاهد، محيي الدين رحمه الله.
والحافظ العلم البرزالي. وصفه في تاريخه المسمى " المقتفي لتاريخ أبي شامة " ، الذي افتتحه من أول سنة خمس وستين، بالشيخ الإمام، الحافظ الزاهد، وقال: كان ورعا متعبدا، متقللا من الدنيا، يصوم الدهر.
والكمال جعفر الإدفوي. وصفه في كتابه " البدر السافر " بالزاهد الورع. وقال: إنه صنف تصانيف مفيدة وحصل النفع بها، ودارت عليه الفتوى بدمشق، ومآثر غزيرة، ومضى على جميل وسداد.
وقضى ما كتبت عليه خطيئة ... من يوم حل بساحه التكليف
قال: وكان فقده من أعظم المصائب، وعدمه بلية رمت العباد بسهم من البلاء، صائب، رحمه الله ونفعنا ببركته، وحشرنا معه في آخرته في دار كرامته.
والحافظ الشمس الذهبي. قال في " سير النبلاء " : الشيخ الإمام القدوة الحافظ، الزاهد العابد، الفقيه المجتهد، الرباني، شيخ الإسلام، حسنة الأيام، محيي الدين، صاحب التصانيف التي سارت بها الركبان، واشتهرت بأقاصي البلدان. إلى أن قال: لازم الاشتغال والتصنيف، محتسبا في ذلك، مبتغيا وجه الله تعالى، مع التعبد، والصوم والتمجد، والذكر والأوراد، وحفظ الجوارح، وذم النفس، والصبر على العيش الخشن، ملازمة كلية لا مزيد عليها، وكان مع ملازمته التامة للعلم، ومواظبته لدقائق العمل، وتزكية النفس من شوائب الهوى وسيء الأخلاق، ومحقها من أغراضها: عارفا بالحديث، قائما على أكثر فنونه، عارفا رجاله، رأسا في نقل المذهب متضلعا من علوم الإسلام.
وقال في " تاريخ الإسلام " : مفتي الأمة، شيخ الإسلام، الحافظ النبيه الزاهد، أحد الأعلام، علم الأولياء.
وقال في " طبقات الحفاظ " في الطبقة الحادية والعشرين منها: شيخ الإسلام محيي الدين، هو سيد أهل هذه الطبقة، وإنما ذكرته في الطبقة العشرين لتقدم موته رحمة الله تعالى عليه.
والعلامة الزين أبو حفص ابن الوردي. قال في " تاريخه " : شيخ الإسلام، العالم الرباني الزاهد إلى أن قال: وله سيرة مفردة في علومه وتصانيفه، ودينه وتفننه، وورعه، وزهده، وقناعته وتعبده وتهجده، وخوفه من الله تعالى. إلى أن قال: وقبره ظاهر يزار بنوى. وقد قلت:
لقيت خيرا يا نوى ... وحرست من ألم النوى
فلقد نشا بك زاهد ... في العلم أخلص ما نوى
وعلى عداه فضله ... فضل الجنوب على الهوا

(1/41)


والصلاح خليل بن أبيك الصفدي، وصفه في تاريخه المسمى ب " الوافي بالوفيات " بمفتي الأمة، شيخ الإسلام، الحافظ الفقيه الزاهد، أحد الأعلام.
ولم يأت في ترجمته بفائدة زائدة.
وولي الله تعالى: العفيف اليافعي. قال في " تاريخه " : شيخ الإسلام، مفتي الأنام، المحدث المتقن، المحقق المدقق، النجيب الحبر، المفيد القريب والبعيد، محرر المذهب وضابطه ومرتبه، أحد العباد، الورعين الزهاد، العالم العامل، المحقق الفاضل، الولي الكبير، السيد الشهير، ذو المحاسن العديدة، والسير الحميدة، والتصانيف المفيدة، الذي فاق جميع الأقران، وسارت بمحاسنه الركبان، واشتهرت فضائله في سائر البلدان، وشوهدت منه الكرامات، وارتقى في أعلى المقامات، ناصر السنة، ومعتمد الفتاوى. ذو الورع الذي لم يبلغنا مثله عن أحد في زمانه ولا قبله.
ولقد بلغني أنه كان يجري دمعه في الليل ويقول:
لئن كان هذا الدمع يجري صبابة ... على غير ليلى فهو دمع مضيع
وقد رأيت له منامات تدل على عظم شأنه، ودوام ذكره لله تعالى، وحضوره، وعمارة أوقاته، وشدة هيبته، وتعظيم وعده ووعيده، وحياته بعد موته، وكلمني ودعا لي، وغير ذلك مما لا تضبطه العبارة، مما تميز به العلماء والعباد.
وقال في " الإرشاد " : رأيته في النوم وعليه هيئة عظيمة تزلزل الجبال، كأنما القيامة قامت، وهو يذكر الله ويمجده، ويعظم وعده ووعيده، ثم دعا لي وقال: ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وقال التاج أبو نصر السبكي " فيما أنبني العز أبو محمد عبد الرحيم بن الفرات، الحنفي " عنه في " طبقات الشافعية الكبرى " له: الشيخ الإمام، العلامة محيي الدين أبو زكريا، شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين. كان يحيى رحمه الله سيدا وحصورا، وليثا على النفس هصورا، وزاهدا لم يبال بخراب الدنيا، إذ صير دينه ربعا معمورا.
له الزهد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة، والمصابرة على أنواع الخير، لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنن في أصناف العلوم، فقها ومتون أحاديث، وأسماء رجال، ولغة وتصوفا، وغير ذلك. وأنا إذا أردت أن أجمل تفاصيل فضله، وأدل الخلق على مبلغ مقداره بمختصر القول وفصله، لم أزد على بيتين أنشدنيهما من لفظة الشيخ الإمام " يعني والده " وكان من حديثهما أنه " أعني الوالد " رحمهما الله، لما سكن في قاعة دار الحديث الأشرفية في سنة اثنين وأربعين وسبعمائة، كان يخرج في الليل إلى إيوانها، ليتهجد تجاه الأثر الشريف، ويمرغ خده على البساط، وهذا البساط من زمن الأشرف الواقف، وعليه اسمه، وكان النووي يجلس عليه وقت الدرس، فأنشدني الوالد لنفسه:
وفي دار الحديث لطيف معنى ... على بسط بها أصبو وآوي
عسى أن أمس بحر وجهي ... مكانا مسه قدم النواوي
وبإقرار النووي وابن الصلاح وجلوسهما على هذا البساط، مع علمهما وورعهما، وكذا من بينهما، ومن بعد النووي إلى السبكي فمن بعده: يدفع به من منع افتراش البسط المنقوش عليها شيئا من حروف الهجاء ويتأيد به من صنف في معارضته.
وشار التاج أيضا في " التوشيح " إلى هذا الصنيع، بل حكى عن والده أيضا أنه رافق في مسيره وهو راكب بغلته، شيخا ماشيا، فتحادثا، فكان في كلام ذلك الشيخ أنه رأى النووي، قال: ففي الحال نزل الوالد عن بغلته وقبل يد ذلك الشيخ، وهو عامي جلف، وسأله الدعاء، ثم دعاه حتى أردفه معه، وقال: لا أركب وعين رأت وجه النووي تمشي بين يدي أبدا، قال: " وما زال يعني الوالد رحمه الله " كثير الأدب معه " يعني النووي " والمحبة والاعتقاد فيه، انتهى كلامه.
كلام التقي في " تكملة شرح المهذب " كما أسلفته، يشهد لذلك.

(1/42)


وقال التاج أيضا في " الطبقات الوسطى " : الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، حجة الله على اللاحقين، ما رأت العين أزهد منه في يقظة ولا منام، ولا عاينت اكثر اتباعا منه لطرق السالفين، من أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. له التصانيف المفيدة، والمناقب الحميدة، والخصائل التي جمعت طارف كل فضل وتليده، والورع الذي خرب به دنياه وجعل دينه معمورا، والزهد الذي كان يحيى به سيدا وحصورا. هذا إلى قدر في العلم لو أطل على المجرة لما ارتضى سريا في أعطانها، أو جاور الجوزاء لما استطاب مقاما في أوطانها، أو حل في دارة الشمس لأنف من مجاورة سلطانها. وطال ما فاه بالحق لا تأخذه لومة لائم، ونادى بحضرة الأسود الضراغم، وصدع بدين الله بمقال ذي سريرة يخاف يوم تبلى السرائر، ونطق معتصما بالباطن الظاهر، غير ملتفت إلى الملك الظاهر، وقبض على دينه والجمر يلتهب، وصمم على مقاله والصارم للأرواح ينتهب. ولم يزل طول عمره على طريقة أهل السنة والجماعة، مواظبا على الخير، لا يصرف منه ساعة في غير طاعة.
إلى أن قال: فكان قطب زمانه، وسيد وقته، وسر الله في خلقه، والتطويل في ذكر كراماته تطويل في مشهور، وسهاب في معروف غير منكور. ولقد سافرت لزيارة قبره في نوى وزرته، أعاد الله علينا وعلى المسلمين من بركاته.
ومن نظم التاج المذكور " وكان سائرا بمنزله المليحة قاصدا زيارة النووي " قوله:
مليحة الحربة مثل اسمها ... ماء كماء البحر ملحا سوى
فعد عنها وانو مغنى نوى ... فليس للمرء سوى ما نوى
وقال في " الصغرى " : الشيخ محيي الدين أبو زكريا، أستاذ المتأخرين، الجامع بين العلم والدين، والسالك سبيل الأقدمين، ذو التصانيف المشهورة.
وقال الجمال الإسنوي في " الطبقات " " فيما أنبئت عنه " هو محرر المذهب وهذبه، ومنقحه ومرتبه، ومنقحه ومرتبه. سار في الآفاق ذكره وعلا في العالم علمه وقدره، صاحب التصانيف المشهورة، المباركة النافعة.
وقال نحوه في " المهمات " ، وفي " شرحه على المنهاج " .
وقال الحافظ العماد ابن كثير في " تاريخه " : الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه، ومن حاز قصبة السبق دون أقرانه. كان من الزهادة والعبادة والتحري والورع والانجماع عن الناس والتخلي لطلب العلم والتحلي به: على جانب لا يقدر عليه غيره، ولا يضيع شيئا من أوقاته.
وقال في " طبقات الشافعية " : الشيخ الإمام، العلامة الحافظ، الفقيه النبيل، محرر المذهب ومهذبه، وضابطه ومرتبه، أحد العباد والعلماء الزهاد. كان على جانب كبير من العلم والعمل والزهد، والتقشف والاقتصاد في العيش، والصبر على خشونته، والتورع الذي لم يبلغنا عن أحد، في زمانه ولا قبله بدهر طويل.
وقال قاضي صفد محمد بن عبد الرحمن العثماني في ترجمته من " طبقاته الكبرى " : شيخ الإسلام، بركة الطائفة الشافعية، محيي المذهب ومنقحه، ومن استقر العمل بين الفقهاء فيه على ما يرجحه، ولي الله العارف القطب الزاهد المتقشف، الورع المتعفف، المعرض عن الدنيا ولذتها، وأهلها وزينتها، الباذل نفسه لنصرة دين الله، المجانب للهوى، أحد العلماء العارفين وعباد الله الصالحين، الجامعين بين العلم والعبادة والعمل والزهادة، صاحب المصنفات العظيمة، الشائعة الذائعة، المباركة النافعة، المتفق عليها بين جميع الموافقين والمخالفين من أئمة الدين. قال: وهو أحد مشائخ المذهب وأئمته، وتصانيفه العمدة فيه، واتفق على زهده وورعه وأنه من الأولياء. قال: ورأيته بمنامي كرتين، إحداهما قرأت عليه في " المنهاج " ، والثانية مشيت خلفه زمانا، فالتفت فرآني فأكرمني. إلى أن قال: وكان من التقلل والورع على أكمل الأحوال.
وقال في " الطبقات الصغرى " : شيخ الإسلام، المجمع على إمانته وولايته، واستقر العمل في المذهب على ما يرجحه.
وقال الصدر سليمان بن يوسف الياسوفي، الشافعي، الحافظ: كنت إذا سمعت شخصا يقول: أخطأ النووي، أعتقد أنه كفر، حكاه في ترجمة الياسوفي جماعة منهم شيخنا.

(1/43)


وقال السراج أبو حفص ابن الملقن في " العمدة في شرح المنهاج " : هو الشيخ الأمام، العالم المحقق، المدقق المتقن، ذو الفنون من العلوم المتكاثرات، والتصانيف النافعة المستجادات، الزاهد العابد، الورع المعرض عن الدنيا، المقبل بقلبه على الآخرة، الباذل نفسه في نصرة دين الله، المجانب للهوى، أحد العلماء الصالحين، وعباد الله العارفين، الجامعين بين العبادة والورع والزهادة، المواظبين على وظائف الدين، واتباع هدي سيد المرسلين، محيي السنة والدين.
ووصفه في أول " شرح الأربعين " بالعلامة الحافظ أبي زكريا، قدس الله روحه، ونور ضريحه.
وأما في " الطبقات " فلم يذكر شيئا، بل قال: ذكرت أحواله موضحة في " شرح المنهاج " .
وقال الكمال الدميري في " شرحه للمنهاج " : الحبر الإمام، العلامة شيخ الإسلام، قطب دائرة العلماء الأعلام، محرر المذهب المتفق على إمامته وديانته، وسؤدده وسيادته، وورعه وزهادته، كان ذا كرامات ظاهرة، وآيات باهرة، وسطوات قاهرة، فلذلك أحيى الله ذكره بعد مماته، واعترف أهل العلم بتعظيم بركاته، ونفع الله بتصانيفه في حياته وبعد وفاته، فلا يكاد يستغني عنها أحد من أصحاب المذاهب المختلفة، ولا تزال القلوب على محبة ما ألفه مؤتلفة.
إلى أن قال: حتى فاق على أهل زمانه، ودعا إلى الله في سره وإعلانه، وكان يديم الصيام، ولا تزال مقلته ساهرة، ولا يأكل من فواكه دمشق، لما في ضمانها من الشبهة الظاهرة، ولا يدخل الحمام تنعما، وانخرط في سلك: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وكان يقتات مما يأتيه من قبل أبويه كفافا، ويؤثر على نفسه الذين لا يسألون الناس إلحافا، ولذلك لم يتزوج إلى أن خرج من الدنيا معافى، وحج حجتين مبرورتين لا رياء فيهما ولا سمعة، وطهر الله من الفواحش قلبه ولسانه وسمعته.
وقال المؤرخ صارم الدين إبراهيم بن دقماق الحنفي في تاريخه " نزهة الأنام " : الشيخ الإمام القدوة، العلامة الزاهد العابد، الناسك الخاشع، شيخ الوقت، فريد العصر، بركة الزمان، لم يكن في زمانه مثله في دينه وعلمه وعمله، وزهده وورعه، وكانت مقاصده جميلة، وأفعاله لله تعالى.
وقال الشهاب أبو العباس ابن الهائم في " البحر العجاج شرح المنهاج " : الشيخ الإمام، العلامة الحافظ، الفقيه النبيل، محرر المذهب ومهذبه، وضابطه ومرتبه. أستاذ المتأخرين، الجامع بين العلم والدين، والسالك سبيل الأقدمين في العبادة، والورع والزهادة، والاقتداء بسيد المرسلين. ذو التصانيف الجامعة، المباركة النافعة.
وقال التقي أبو بكر الحصني في " شرحه للمنهاج " : الإمام العلامة، محرر المذهب وضابطه، أستاذ المتأخرين، الجامع بين العلم والدين، سلك سبيل الأولين في الزهد والعبادة، تصانيفه تذهب دنس القلب وعناده، إلى أن قال: وعليه سكينة ووقار، وهيبة من العليم الجبار، الذي اصطفاه وجعله من الخيار. إلى أن قال: وناهيك به أنه قطب الوقت.
وقال الحافظ الشمس ابن ناصر الدين الدمشقي، في " التبيان لبديعة الزمان " له: الحافظ القدوة الإمام، شيخ الإسلام، صاحب التصانيف السديدة، والمؤلفات النافعة المفيدة. كان فقه الأمة، وعلم الأمة، وأوحد زمانه تبحرا في علوم جمة، مع شدة الورع والزهادة، وكثرة الصلاح والعبادة، والقناعة بالعيش الأشخن، واللباس الأدثر، والقيام بالأمر المعروف والنهي عن المنكر. وكانت عليه هيبة ووقار باهر، حتى كان يخاف منه الملك بيبرس الظاهر.
وقال التقي ابن قاضي شهبة في " طبقات الشافعية " له: الفقيه الحافظ الزاهد، أحد الأعلام شيخ الإسلام، محيي الدين أبو زكريا، ولخص ترجمته من ابن العطار، وزاد يسيرا.
وقال في الألقاب: منها عمدة المتأخرين.
واستيفاء الكلام في هذا يعسر، وما تقدم فيه كفاية.
سلسلته في الفقه وأهمية معرفتها
فلنذكر سلسلة الفقه التي أوردها العلاء ابن العطار في ترجمته تبعا للشيخ، فإنه ذكرها في " تهذيب الأسماء واللغات " ، وقال: إنها من المطلوبات المهمات، والنفائس الجليلات، التي ينبغي للمتفقه والفقيه معرفتها، ويقبح به جهالتها، فإن شيوخه في العلم آباء له في الدين، ووصلة بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهله الأنساب، والوصلة بين العبد وربه الكريم الوهاب، مع أنه مأمور بالدعاء لهم وبرهم، وذكر مآثرهم، والثناء عليهم وشكرهم.

(1/44)


ونقل ابن العطار عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: العلماء أرأف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم، لأنهم يحفظونهم من نار الآخرة وأهوالها، وآباؤهم وأمهاتهم يحفظونهم من الدنيا وآفاتها " يعني إذا كانوا علماء " فإن الجهال لا يحفظونهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
فأقول: قد تقدم شيوخه الذين تفقه عليهم.
ونقول: تفقه الثلاثة الأولون منهم " وهم: المغربي، وابن نوح، وابن أبي غالب، وكذا ابن رزين " بأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن الصلاح، وهو بأبيه، وهو في طريق العراقيين بأبي سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن أبي عصرون الموصلي، وهو بالقاضي أبي الحسن علي بن إبراهيم الفارقي، وهو بالشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، وهو بالقاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، وهو بأبي الحسن محمد بن علي بن سهل بن مصلح الماسرجي.
وتفقه شيخه رسلان على جماعة منهم: الإمام أبو بكر الماهاني، وهو ووالد ابن الصلاح أيضا في طريق الخراسانيين بأبي القاسم البزري، عن أبي الحسن علي بن محمد بن عبيد إلكيا الهراسي، عن أبي المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف، إمام الحرمين، عن أبيه، عن أبي بكر عبد الله بن أحمد، القفال، المروزي، الصغير، إمام طريق خراسان، عن أبي زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي، وهو الماسرجي ممن تفقه بأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي، وهو بأبي العباس أحمد بن عمر ابن سريح، وهو بأبي القاسم عثمان بن بشار الأنماطي وهو بأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني وهو بأبي عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة وسفيان بن عيينة، وأبو خالد مسلم بن خالد، مفتي مكة وإمام أهلها.
فأما مالك فتفقه بربيعة عن أنس، وبنافع عن ابن عمر.
وأما ابن عيينة فبعمرو بن دينار، عن عمر وابن عباس.
وأما مسلم فبأبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وهو بأبي محمد عطاء بن أبي رباح " أسلم " ، وهو بابن عباس، وكل من ابن عباس وابن عمر وأنس برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذا أخذ ابن عباس عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وجماعة من الصحابة الذين أخذوا عنه صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ: ومعلوم أن كل واحد من هؤلاء آخذ عن جماعة، بل جماعات، ولكن أردت الاختصار وبيان واحد من شيوخ كل واحد من أجلهم وأشهر، انتهى كلام الشيخ.
من رواة كتبه
وقد كان في مرويات كل من شيخينا: العلامة المحدث الشمس أبي عبد الله محمد بن الجمال الرشيدي، الشافعي، الخطيب. والبرهان إبراهيم ابن صدقة الصالحي، الحنبلي رحمهما الله تعالى: ومن تصانيف الشيخ عدة، سمعاها على المقرئ الشمس محمد بن عبد الرحمن الحجازي، عرف بابن الرفاء، وهي: " كتاب الأربعين " بإشاراتها، و " الأذكار " ، و " الرياض " ، و " التبيان " ، زاد الرشيدي " الترخيص بالقيام " ، وأنه سمع وحده على التقي أبي الفتح محمد بن أحمد بن حاتم الخطيب، مواضع من " الأذكار " ، وذلك من باب " ماذا يقول إذا دخل في الصلاة " ، إلى باب " كراهة النوم " ، ومن " الأذكار في صلوات مخصوصة " ، إلى " المدح " ، ومن " النهي عن الكذب " ، إلى آخر الكتاب. وأجازه بسائره.
وزاد الصالحي: " التقريب " ، وأنه سمع وحده على الزين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك الغزي، ابن الشحنة منها " الرياض " فقط، بسماع الرفاه " الأربعين " مع " الإشارة " على القاضي علم الدين أبي الربيع سليمان بن سالم بن عبد الناصر الغزي، والمحب أبي العباس أحمد بن يوسف الخلاطي، والبدر أبي محمد الحسن بن عبد العزيز بن عبد الكريم الأنصاري اللخمي، قال الأولان: أخبرنا بها العلامة أبو الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن العطار، وقال الثالث: أخبرني بها القاضي الجمال سليمان بن عمر الزرعي، الشافعي، قالا: أخبرنا بها مؤلفها.
وبقراءته " أعني الرفاء " " الأذكار " على أبي الربيع الغزي والبدر اللخمي، المذكورين. قال أولهما: أخبرنا ابن العطار. وقال ثانيهما: أخبرنا الزرعي، قالا: أخبرنا مؤلفه، وبرواية ابن حاتم له غالبا عن الشرف أبي بكر ابن قاسم بن أبي بكر الرحبي، وناصر الدين محمد بن كشتغدي الصيرفي، وسيف الدين أبي بكر بن محمد بن يحيى بن سنقر المعالي سماعا، بإجازتهم من مؤلفه.

(1/45)


وبسماعه " أعني الرفاء " " للرياض " على أبي الربيع، والخلاطي، المذكورين، قالا: أخبرنا ابن العطار. وبرواية ابن الشحنة له أعلى من هذا، عن القاضي البدر أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة، إذنا عاما، كلاهما عن مؤلفه.
وبسماع الرفاء " للتبيان " و " التقريب " معا، على القاضي العز أبي عمر عبد العزيز بن البدر محمد بن إبراهيم بن جماعة قال: أخبرنا بهما والدي سماعا، أخبرنا بهما المؤلف.
وبسماعه " للترخيص " على العز بن جماعة، وأبي الربيع الغزي، قال الأول: أخبرنا والدي البدر. وقال الثاني: أخبرنا ابن العطار، قالا: أخبرنا المؤلف.
وحدث الكمال محمد بن محمد بن نصر الله بن إسماعيل بن النحاس " بالأربعين " و " الرياض " ، عن ابن العطار سماعا، والكمال هذا ممن سمع عليه شيختي باي خاتون، ابنة العلاء السبكي، وأجاز لابني الفاقوسي وآخرين.
وفي مرويات شيخنا الشرف أبي الفتح محمد بن الزين أبي بكر بن الحسين المراغي، الشافعي، منها " تصحيح التنبيه وتحرير ألفاظه " ، و " المنهاج " ، و " الأذكار " ، فأما ما عدا " المنهاج " فبتناولها من والده، وأجاز له روايتها عنه بإجازته من الحافظ أبي الحجاج المزي، وأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الهادي، والصدر أبي الفتح الميدومي، كلهم عن مؤلفها.
وأما " المنهاج " فعرض مواضع منه على الحافظ الزين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، وأجازه بسائره، عن أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي البركات، النعماني، عن مؤلفه.
وفي مرويات أستاذي شيخ مشائخ الإسلام رحمه الله: " الرياض " و " الأذكار " و " المنهاج " ، كلها عن العلامة البرهان أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد ابن عبد الواحد، التنوخي سماعا عليه لمعظم " الرياض " ، ولجميع " المنهاج " ، وقراءة عليه لبعض " الأذكار " .
وكذا كان شيخنا الزين عبد الغني بن محمد بن محمد السمنودي، سمع " المنهاج " ، و " التقريب " ، كلاهما على التنوخي، برواية التنوخي " للرياض " و " الأذكار " عن العلاء ابن العطار، أخبرنا بهما المؤلف. و " للتقريب " ، عن البدر ابن جماعة، وابن العطار، سماعهما على مؤلفه. و " للمنهاج " ، عن الشمس محمد بن إبراهيم بن حيدرة، بن علي القرشي، الشافعي، عرف بابن القماح، وإجازته: المكاتبة من العلاء أبي الحسن العطار في سنة ست عشرة وسبعمائة، والمشافهة من الشرف أبي محمد هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم ابن البازي، القاضي، والشمس محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن النقيب، الحلبي، في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، ومن البدر محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة القاضي، والحافظ الجمال أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي، وأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي، والصدر أبي الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم الميدومي، وأبي نعيم المدعو بكارا بن التقي عبيد بن عباس بن محمد بن بكار الأسعردي، وأبي العباس أحمد بن كشتغدي الصيرفي، مشافهة ومكاتبة، بإجازة ابن القماح، إن لم يكن خاصا فعاما، وسماع الخمسة بعده، وإجازة الباقين من مؤلفه.
وممن أجاز التنوخي ممن أخذ عن النووي: علي بن أيوب بن منصور المقدسي. وكذا كان في مرويات المجد محمد بن محمد بن علي الحريري الحنفي، إمام الضرغشتمية: " الأربعين " ، مع ما بآخرها، سمعها على النجم محمد بن علي بن محمد البالسي، بسماعه لها على ابن عبد لهادي، أخبرنا بها مؤلفها.
وفي قيد الحياة الآن من يرويها سماعا على الشرف أبي الطاهر محمد بن عبد اللطيف بن الكويك، عن المزي، وابن عبد الهادي، كلاهما عنه.
كما أن الشيخ الجلال أبي المعالي، القمصي، الشافعي " نفع الله ببركته ورحمه " في مروياته " الأذكار " ، سمع من أوله إلى " الأذكار في الدعوات " ، ومن " اذكار الجهاد " ، إلى " آداب ومسائل من السلام " ، على الشهاب أحمد بن حسن البطائحي، الشافعي، والشرف أبي الطاهر بن الكويك، وأجازاه بسائره.
وسمعه عليهما بتمامه: الرضي محمد بن محمد بن محمد الأوجاقي، وهو الآن في الأحياء أيضا، بسماع البطائحي لجميعه، على أبي الربيع الغزي، بقراءته له على ابن العطار، وبإجازة ابن الكويك من المزي، قالا: أخبرنا به المؤلف، قال الأول: قراءة، والثاني: إذنا.

(1/46)


و " المنهاج " عرض القمصي مواضع منه على حافظ العصر الزين العراقي، وأجاز بسائره، عن النعماني، عنه.
وكذا في الموجودين مسندة الدنيا الآن: أم الفضل عزيزة، المدعوة هاجر ابنة الشرف القدسي، سمعت " الرياض " على التنوخي بسنده، ثم أنها انتقلت بالوفاة، وبعدها القمصي ثم المبهم الذي سمع " الأربعين " على ابن الكويك، وكذا الرضي، كلهم إلى رحمة الله تعالى.
مرويات السخاوي عنه
وأما أنا فسمعت بعضا من جملة من تصانيفه، على بعض من تقدم، و " الرياض " بتمامه من غير المذكورة. وأروي جميع تصانيفه وسائر ما أثبته في هذا التصنيف من كلامه، عن الشيخ أبي هريرة عبد الرحمن بن عمر القبابي، إجازة مكاتبة، عن الصدر الميدومي، وأبي عبد الله ابن الخباز، كلاهما عن مؤلفها، وهذا لا يوجد الآن أقل عددا منه. فلنورد به أحاديث عن طريقه: الحديث الأول: أنبأني أبو هريرة عن المذكورين، أنبأنا القطب شيخ الإسلام أبو زكريا النووي رحمه الله، قال: أخبرنا شيخنا الإمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف ابن سعد بن الحسن بن المفرج بن بكار، المقدسي، النابلسي، ثم الدمشقي، أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا أبو نعيم عبيد بن هشام الحلبي، حدثنا ابن المبارك عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته لله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " .
وأخبرنيه عاليا متصلا من غير طريق الشيخ: خاتمة مسندي مصر، أم محمد سارة ابنة السراج أبي حفص عمر بن عبد العز عبد العزيز بن البدر بن جماعة، قراءة عليها وأنا أسمع، بمنزلها بالقاهرة، عن الصلاح بن عبد الله محمد ابن أحمد بن إبراهيم بن أبي عمر، أخبرنا الفخر أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر البغدادي، أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد الشيباني، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، حدثنا محمد بن رمح، وعبد الله بن روح، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا يحيى بن سعيد، بإسناده نحوه.
وهو حديث صحيح جليل القدر، عظيم الموقع، أجمل أهل النقل على صحته وثبوته، اتفق الشيخان على تخريجه من طريق يحيى، ولكن طريق ابن المبارك بخصوصها التي أورده الشيخ منها، انفرد بها مسلم، ووافقه على تخريجها من أصحاب الستة: النسائي. كما أن طريق يزيد لبتي أوردتها، انفرد بها مسلم أيضا، ووافقه على تخريجها منهم كذلك: ابن ماجه، فأما الأول فرواه مسلم عن أبي كريب، والنسائي عن سليمان بن منصور، كلاهما عن ابن المبارك، أما الثاني فرواه مسلم أيضا عن محمد بن عبد الله بن نمير، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن يزيد بن هارون. وهو عند أحمد في مسنده عن يزيد، فوافقاه فيه بعلو، ووقع لنا بدلا للآخرين مع العلو أيضا، على طريقي مسلم وابن ماجه الثانية، والله الموفق.
الحديث الثاني:

(1/47)


وبه إلى النووي رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا شيخنا الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي، ثم الدمشقي، رحمه الله، أخبرنا أبو طالب عبد الله، وأبو منصور يونس، وأبو القاسم حسين بن هبة الله بن صصري، وأبو يعلى حمزة، وأبو الطاهر إسماعيل، قالوا: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن، هو ابن عساكر، أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني، خطيب دمشق، بها، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن سلوان، أخبرنا أبو القاسم الفضل بن جعفر، أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم، بن الفرج الهاشمي، أخبرنا أبو مسهر، عبد الأعلى بن مسهر، أخبرنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن الله تبارك وتعالى، أنه قال: " يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي، إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار، وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلكم عار إلا من كستوته، فاستكسوني اكسكم. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وآنسكم، وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، لم يزد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وأنسكم وجنكم، كانوا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان منهم ما سئل، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص البحر أن يغمس المخيط فيه خمسة واحدة. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " .
قال أبو مسهر: قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثى على ركبتيه.
وأخبرنيه عاليا متصلا أبو المعالي بن أحمد الدمشقي، بالقاهرة، قال: أخبرنا أبو هريرة ابن الحافظ أبي عبد الله الذهبي الدمشقي، قال: أخبرنا البهاء أبو محمد القاسم بن المظفر بن محمود بن عساكر الدمشقي، قال أخبرنا عم أبي: العز النسابة أبو عبد الله محمد بن تاج الأمناء أبي الفضل أحمد بن محمد ابن الحسن بن عساكر الدمشقي، أخبرنا عم أبي: الحافظ أبو القاسم بن عساكر إذنا، وأبو طالب الخضر بن هبة الله بن طاووس سماعا، قالا: أخبرنا الشريف أبو القاسم به مثله.
وهو حديث صحيح عال جليل الإسناد، عظيم الموقع، حسن التسلسل بالدمشقيين الثقات، فإن كلهم من أهلها، إلا الصحابي رضي الله تعالى عنه، وقد دخلها، وكذا دخلتها.
أخرجه مسلم في صحيحه منفردا به، عن محمد بن إسحاق الصغاني. ورواه الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي، كلاهما عن أبي مسهر، فوقع لنا بدلا لهما عاليا بدرجتين.
وقد جود أبو مسهر إسناده، ولكن خلف فيه، كما بين في غير هذا الموضع. ووقع في تخريج " 40 " الشيخ، لشيخنا، ما نصه: وقد رواه الإمام أبو زكريا النووي في آخر كتاب " الأذكار " له، من هذا الوجه، فكان بينه وبين ابن الموازيني المذكور في روايتنا ثلاثة أنفس، انتهى، ولم يخرجه النووي كما رأيت من طريق الموازيني، إنما أورده من طريق الشريف أبي القاسم، وهو رفيق ابن الموازيني في الرواية عن ابن سلوان. وكذا رواه في آخر " الإرشاد " وكأن شيخنا " رحمه الله " أراد أن يقول: الشريف، فسبق القلم، ويؤيده أنه أورده في " الأربعين " التي خرجها لشيخه البلقيني عن الصواب، حيث قال: وقد رواه الشيخ الإمام العلامة محيي الدين النووي في آخر كتاب " الأذكار " له، عن شيخه خالد النابلسي، عن أبي القاسم بن صصري، وغيره، عن أبي القاسم بن عساكر، عن أبي القاسم الخطيب، عن ابن سلوان.
قال الشيخ " رحمه الله " عقب إيراده في " الإرشاد " : ورجال إسناده منه إلى أبي ذر، كلهم دمشقيون، وقد دخل أبو ذر دمشق.
فأجتمع في هذا الحديث جمل من الفوائد: منها: صحة إسناده ومتنه، وعلوه، وتسلسله بالدمشقيين، رضي الله عنهم وبارك فيهم، وهذا في غاية الندرة والحسن، وحصل تعريف أوطان رواته بكلمة واحدة: دمشقيون.
ومنها: ما أشتمل عليه من البيان لقواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه، والآداب وغيرها، ولله الحمد.

(1/48)


الحديث الثالث: وبه إلى النووي " رحمه الله " قال: أخبرنا خالد بن يوسف بن سعد النابلسي الحافظ، أخبرنا زيد بن الحسن هو الكندي، أخبرنا المبارك بن الحسين " الواسطي " ، أخبرنا علي بن أحمد، وهو ابن البسري، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، هو أبو طاهر المخلص، حدثنا عبد الله، هو البغوي، حدثنا شيبان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من طلب الشهادة صادقا من قلبه أعطيها ولو لم تصبه " .
وأخبرينه غير واحد عن أبي إسحاق التنوخي، عن العلاء ابن العطار قال: أخبرتنا ست العرب ابنة يحيى، قالت: أخبرنا الكندي به.
وأخبرني به عاليا العز أبو محمد الحنفي، عن أم محمد أبنت محمد بن الفخر، قالت: أخبرنا جدي الفخر ابن البخاري قراءة عليه وأنا شاهدة في الثالثة، قال أخبرنا أبو اليم زيد بن الحسن، فذكره.
وهو حديث صحيح أيضا انفرد به مسلم فرواه في الجهاد من صحيحه. وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده. كلاهما عن شيبان، فوافقناهما فيه بعلو.
ورواه أبو عوانة في صحيحة المستخرج على مسلم، عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد البغدادي، وأخي خطاب، كلاهما عن شيبان، فوقع لنا بدلالة عاليا.
وكذا رواه غير المذكورين، عن شيبان، بل رواه مؤمل أيضا عن حماد، وزاد فيه: " وإن مات على فراشه " .
وقد عزا صاحب " مسند الفردوس " هذا الحديث لأبن ماجه، والذي فيه حديث سهل بن حنيف، الذي أخرجه مسلم أيضا، لا أنس، والله الموفق.
وفي " الإرشاد " للشيخ حديث عبد الله بن حوالة مرفوعا: " إنكم ستجندون أجنادا " أورده أيضا من نسخة أبي مسهر بإسناده، وتكلم عليه، لكننا اقتصرنا على إيراد ثلاثة، والله المستعان.
وبه إلى النووي بإسناده الماضي في الحديث الثاني إلى الحافظ أبي قاسم بن عساكر، أنه أنشدهم لنفسه:
واظب على جمع الحديث وكتبه ... وجهد على تصحيحه في كتبه
واسمعه من أربابه نقلا لما ... سمعوه من أشياخهم تسعد به
واعرف ثقاتي رواته من غيرهم ... كيما تميز صدقه من كذبه
فهو المفسر للكتاب وأنما ... نطق النبي لنا به عن ربه
فتفهم الأخبار تعرف حله ... من جرمه مع فرضه من ندمه
وهو لمبين للعباد لشرحه ... سير النبي المصطفى مه صحبه
وتتبع العالي الصحيحة فإنه ... قرب إلى الرحمن تحظ بقربه
وتجنب التصحيف فيه فربما ... أدى إلى تحريفه بل قلبه
واترك مقالة من لحاك بجهله ... عن كتبه أو بدعة في قلبه
فكفى المحدث رفعة أن يرتضي ... ويعد من أهل الحديث وحزبه
روى هذا الشعر الشيخ في " الإرشاد " ، وأورده أبو القاسم التجيبي عن أبي عثمان بن زيدون، عن أبي العباس بن فرح قال: أنشدنا النووي به.

(1/49)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية