صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)

الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية
 

الكتاب : أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض
المؤلف : المقري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

و رحم الله الفقيه الشيخ سيدي أبا محمد عبد الله العبدوسي فقد حدثني عنه التقة أنه كان يمثل هذا المعرض الذي نحن بصدده بقضية القاضي أبي بكر ابن العربي فإن كثيرا من الناس ينكرون أن يكون هو المدفون خارج باب المحروق ويقولون إنما هو مدفون خارج باب الجيسة واغتروا في ذلك بظواهر التواريخ. وذلك أن القاضي أبا الفضل عياض ذكر في الغنية أنه دفن خارج باب الجيسة قال: وجوابه أن باب المحروق لم يكن فتح في ذلك الوقت وإنما فتح على رأس ست مائة سنة فكان ذلك الخارج كله ينسب لباب الجيسة ثم يدفع في صدر هذا الجواب ما في بعض هذه التواريخ أنه دفن على مقربة من حارة الجذامي . قال : وجوابه أن الجذامي كانوا هناك قديما حتى تضرر أهل فاس بسكناهم على رأس مائهم فنقلوا إلى موضعهم اليوم.
ثم يرد على هذا أنا نجد عند باب الجيسة إلى جنب حارة الجذمى قبر رجل يسمى بابن العربي يقصده الناس بالزيارة كثيرا فلعله هو . قال: وجوابه أن ذلك رجل آخر يدعى أيضا بابن العربي كان موقتا في القرويين .
قلت: ويزاد فيه إن الفقيه هو أبو بكر وهذا الذي خارج باب المحروق اشتهر بابي يحيى . وجوابه إنهما كنيتان مترادفتان على مسمى واحد وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
و قد هذى محبكم هنا وهجر وأهدى التمر لأهل هجر وجلب العنبر إلى البحر الأخضر فلكم الفضل في الإغضاء والتجاوز والإمضاء.
و كتب في أوائل ذي الحجة الحرام خاتم عام سبعة وثمانين وتسع مائة عرفنا الله خيره ووقانا ضيره والسلام الكريم يخص مقامكم العلي ومنصبكم السمي وأهليكم وذويكم ومن هو منكم وفيكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
انتهى التأليف العجيب للشيخ العلامة أبي عبد الله بن غازي رحمه الله ووجدت في آخره ما نصه: الحمد لله وكذلك يسلم على كريم مقامكم خديمكم أحمد بن محمد بن غازي قاصدا بتوالي كتبه التبرك بكم ملتمسا منكم الدعاء أفاض الله علينا من بركاتكم ونفعنا بمحبتكم بجاه النبي عليه السلام . انتهى.
و أوردت جميعه لما قدمته والله تعالى المنجد المعين.
قلت: وقد وقفت على كلام لبعض الأقدمين " ينفي الاحتمال " في أمر ابن العربي المذكور ونصه: توفي ابن العربي منصرفه من مراكش بموضع يعرف بأغلان على مسيرة يوم من فاس غربا منها فاحتمل فينا إلى فاس في اليوم الثاني من موته وذلك يوم الأحد السابع من ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة ودفن بأعلى مدينة فاس خارج القصبة بتربة القائد مضفر وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج رحمه الله. انتهى.
و قدمنا عن ابن بشكوال أنه توفي في ربيع الآخر من هذه السنة فالله اعلم.
و قد ذكر بعض من شرح الشفا أن ابن العربي توفي سنة أثنتين وأربعين. قلت : وهو غير صحيح إن شاء الله تعالى وإنما الصحيح ما قدمته.
و من صلابة الإمام أبي بكر بن العربي رحمه الله أنه حكم في زامر بثقب أشتداق حسبما نقله صاحب المعيار وغيره.
و من بديع نظمه رحمه الله:
أتتني نؤنبي بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفي نفسها حسرة ... أتبكي بعين تراني بها
فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت جفوني بتعذيبها
و قال رحمه الله: دخل علي ابن صارة وبين يدي نار قد علاها رماد فقلت: لتقل في هذا فقال:
شابت نواصي النار بعد سوادها ... و تسترت عنا بثوب رماد
ثم قال لي ابن صارة : أجز فقلت:
شابت كما شبنا وزال شبابنا ... فكأنما كنا على ميعاد
و حكى غير واحد أن أبا بكر بن العربي رحمه الله بينما هو جالس في محل درسه إذ دخل شاب من الملثمين وبيده رمح فهزه فقال القاضي أبو بكر رحمه الله :
يهز على الرمح ضبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث
فلو كان رمحا واحدا لاتقيته ... و لكنه رمح وثاني وثالث
و قد اختلف حذاق الأندلس من أهل الأدب في معنى الرمح الثاني والثالث وأكثرهم يقول: هما القد واللخظ والله اعلم.
و لما ذكر الإمام ابن العربي المذكور رحمه الله في كتاب قانون التأويل ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال:

(1/265)


و قد سبق في علم الله أن يعظم علينا البحر بزوله ويغرقنا في هوله فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم ونحن من السغب على عطب ومن العرى في أقبح زي قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها ودسمت الأدهان وبردها وجلدها فاحتزمناها أزرا واشتملناها لفعا تمجنا الأبصار وتخذلنا الأنصار فعطف أميرهم علينا فأوينا إليه فآوانا وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا وأكرم مثوانا وكسانا بأمر حقير ضعيف وفن من العلم ظريف.
و شرحه : أنا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدير أعواد الشاه فعل السامد اللاه فدنوت منه في تلك الأطمار وسمح لي بياذقه إذ كنت من الصغر في حدثني يسمح فيه للأغمار ووقفت بأزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس بطالة مع غلبة الصبوة والجهالة فقلت للبياذقة : الأمير أعلم من صحابه فلمحوني شزرا وعظمت في أعينهم بعد أن كنت نزرا وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام فاستدعاني فدنوت منه وسألني: هل لي بما فيه بصر؟ فقلت لي فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر حرك تلك القطعة ففعل وعارضه صاحبه فأمرته أن يحرك أخرى وما زالت الحركة بينهم كذلك تترى حتى هزمهم الأمير وانقطع التديبر فقال: ما أنت بصغير . وكان في أثناء تلك الحركات قد ترنم ابن عم الأمير منشدا :
و أحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... و في الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي
فقال: لعن الله أبا الطيب أو يشك الرب؟ فقال له في الحال: ليس كما ظن صاحبك أيها الأمير إنما أراد بالرب ها هنا الصاحب . يقول: ألذ الهوى ما كان المحب فيه من الوصال وبلوغ الغرض من الآمال على ريب فهو في وقته كله على رجاء لما يؤمله وتقاة لما يقطع به كما قال:
إذا لم يكن في الحب سخطا ولا رضا ... فأين حلاوة الرسائل والكتب
و أخذنا نظيفالى ذلك من الأغراض في طرفي الإبارم والانتقاض ما حرك منهم إلى جهتي داعي الانتهاض وأقبلوا يعجبون مني ويسألونني كم سني ويستكشفونني عني فبقرت لهم حديثي وذكرت لهم نجيثي وأعلمت الأمير بأن أبي معي فاستدعاه وقمنا الثلاثة إلى مثواه فخلع علينا خلعه وأسبل علينا أدمعه وجاء كل خوان بأفنان الألوان.
ثم قال بعد المبالغة في وصف ما نالهم من إكرامه: فانظر إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل اقرب مع تلك الصبابة اليسيرة من الأدب كيف أنقذانا من العطب؟ وهذا الذي يرشدكم إن غفلتم إلى الطلب.
و سرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر. انتهى مختصرا.
و الزوال العجب ونجيث الخبر : ما ظهر من قبيحه يقال: بدا نجيث القوم: إذا ظهر سرهم الذي كانوا يخفونه. قالها الجوهري.
إفادة: قال الإمام غازي رحمه الله: في هذه الرحلة لقي ابن العربي شيخه ذانشمند الأكبر وهو إسماعيل الطوسي ودانشمند الأصغر وهو أبو حامد الغزالي الطوسي .و معنى ذامنشد بلغة الفرس عالم العلماء وكان شيخنا الأستاذ أبو عبد الله الصغير يحكي أنا عن شيخه أبي محمد عبد الله العبدوسي أنه بلغه الفرس يفخمون ميم دانشمند والله تعالى اعلم.
قال ابن العربي في قانون التأويل: ورد علينا دانشمند يعني الغزالي فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا مقبلا على الله تعالى فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه وقلنا له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد وإمامنا به نسترشد . فلقيناه لقاء المعرفة وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة وتحققنا أن الذي نقل إلينا من الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم ولو رآه علي بن العباس لما قال:
إذا ما مدحت امرأ غائبا ... فلا تغل في مدحه واقصد
فإنك إن تغل تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظمته ... لمفضل المغيب على المشهد
انتهى.

(1/266)


و قال بعض من عرف به، أعنى بابن العربي رحمه الله، ما نصه: علم الاعلام، الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس، وترك التقليد للقياس، وانتج الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس، بعد ما أجدبت من المعارف، ومدينة عليها منه الظل الوارف، فكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله، وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية المأمون لابن أبي داود، ولاه الولايات الشريفة، وبواه المراتب المنيفه، فلما أقفزت حمص من ملكهم وخلت، وألقتهم منها وتخلت، رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق، فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه، فلم يسترد ذاهبا، ولم يجد كمعتمد باذلا زاهيا، فعاد إلى الرواية والسماع، وما استفاد من إجالة تلك الأطماع، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوح، وفي روض الشباب زهر ما صوح، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا، ولازمه سائقا إليها وحاديا، حتى استقرت به مجالسه، واطردت له مقياسه، فجد في طلبه، واستجد به أبوه منخرق أربه، ثم أدرك حمامه، ووراته هناك رجامه، وبقي أبو بكر متفرد، وللطلب متجردا، حتى أصبح في العلم وحيدا، ولم تجد عنه الرياسة محيدا، فكر إلى الأندلس، فحلها والنفوس إليه متطلعه، ولأنبائه متسمعه، فناهيك من حظوة لقي، ومن غزة سقى، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلدها، ومن محاسن أنس أثبتها فيها وخلدها.
و قد أثبت من بديع نظمه ما يهز أعطافا، وترده الأوهام نطافا. فمن ذلك قوله يتشوق إلى بغداد، ويخاطب أهل الوداد:
أمنك سرى والليل يخدع بالفجر ... خيال حبيب قد حوى قصب الفخر
جلا ظلم الظلماء مشرق نوره ... و لم يخبط الظلماء بالأنجم الزهر
و لم يرض بالأرض البسيطة مسحبا ... فسار على الجوزاء إلى فلك يجرى
و حث مطايا قد مطاها بعزة ... فأوطأها قسرا على قنة النسر
فصارت ثقالا بالجلالة فوقها ... و سارت عجالا تتقي ألم الرجر
و جرت على ذيل المجرة ذيلها ... فمن ثم يبدو ما هناك لمن يسري
و مرت على الجرباء توضع فوقها ... فآثارها ما مرت به كلف البدر
و سافت أريج الخلد من جنة العلى ... فدع عنك رملا بالأنيعم يستذري
فما حذرت قيسا ولا خيل عامر ... و لا أضمرت خوفا لقاء بني ضمر
سقى الله مصرا والعراق وأهلها ... و بغداد والشامين منهل القطر
انتهى.
و ما أقربه من نفس الفتح، صاحب القلائد والمطمح، ولعل هذا من كلامه في المطمح. والله اعلم.
و قد طال الكلام، ولكن لا يلحقنا في مثله الملام.
و من تآليف الإمام أبي بكر بن العربي المذكور، كتاب " القبس، في شرح موطأ مالك بن انس " وكتاب " ترتيب المسالك، في شرح موطأ مالك " ، وكتاب " أنوار الفجر " في تسعين سفرا، وكتاب " أحكام القرآن " ، وكتاب " عارضة الأحوذي بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة، وفتح الواو، وكسر الذال المعجمة، وآخره ياء مشددة على الترمذي " ، وكتاب " مراقي الزلف " ، وكتاب " الخلافيات " ، وكتاب " نواهي الدواهي " ، وكتاب " سراج المردين " ، وكتاب المشكلين " : مشكل القرآن والسنة، وكتاب " الناسخ والمنسوخ في القرآن " ، وكتاب " قانون التأويل " ، وكتاب " النيران في الصحيحين " ، وكتاب " سراج المهتدين " ، وكتاب " الأمد الأقصى، بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا:، وكتاب غيره الكلام على " مشكل حديث السبحات والحجاب " ، وكتاب " العقد الاكبر، للقاب الأصغر " ، و " تبيين الصحيح، في تعيين الذبيح " ، و " تفضيل التفضيل، بين التحميد والتهليل " ، ورسالة " الكافي، في أن دليل على النافي " ، وكتاب " السباعيات " ، وكتاب " المسلسلات " ، وكتاب " التوسط في المعرفة بصحة الاعتقاد، والرد على من خالف أهل السنة من ذوي البدع والإلحاد " ، وكتاب " شرح غريب الرسالة " ، وكتاب " الإنصاف " ، وكتاب " ملجئة المتفقهين، إلى معرفة غوامض النحويين " .
و رأيت في بعض المجاميع ما نصه: قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: قال علماء الحديث: ما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهه نضرة، لقول النبي ): " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها " . الحديث.
قال: وهذا دعاء منه عليه السلام لحمالة علمه، ولا بد بفضل الله من نيل بركته.

(1/267)


و إلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي رحمه الله بقوله:
أهل الحديث عصابة الحق ... فازوا بدعوة سيد الخلق
فوجوههم زهر منضرة ... لألاؤها كتألق البرق
يا ليلتي معهم فيدركني ... ما أدركوا بها من السبق
انتهى.
و من أشياخ القاضي عياض رحمه الله.
القاضي أبو عبد الله بن حمدين التغلبي، وهو محمد بن على بن محمد بن عبد العزيز بن أحمد التغلبي، بمثناه من فوق، وغين معجمة، منسوب لتغلب بكسر اللام وفتحها. ولد سنة تسع وثلاثين وأربع مائة؛ ومات يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم سنة ثمان وخمس مائة؛ ودفن يوم الجمعة بعد صلاة العصر: و قال في حقه صاحب القلائد: حامي ذمار الدين وعاضده، وقاطع ضرر المعتدين وخاضده، ملك للعلوم زماما، وجعل العكوف عليها لزاما، فحيا رسمها، وأعلى اسمها، وخاصمت الملحدين منه ألسن لد، وتهدلت به على العالمين أغصن ملد، وكف أيدي الظالمين، فلم تكن لهم استطالة؛ وأرهف خواطر المجتهدين، فلم تسنح لهم بطالة؛ فأصبح أهل مصره بين دارس علم، ولابس حلم، وآيس ظلم؛ ناهيك من رجل كثير الرعى لأهل المعارف، مؤو من بره إلى ظل وارف؛ أعم الورى منه، وأعظم خلق الله منه؛ وأقام وأدنى وأبعد، وأنحس وأسعد؛ فتقلصت به الظلال وفاءت، وحسنت به الأيام وساءت؛ واعمل للضرر والنفع لسانه ويده، وشغل بالرفع والوضع يومه وغده، وعمر بهما فكره وخلده؛ حتى هد الجبال الشوامخ، واجتث الأصول الرواسخ.
و ما أدار ابن الحاج من خلافة سنة تسع وتسعين ما أدار، واتفق هو ومن واطاه على ما فسخته الأقدار، واستشير في الخلع فما أساغه، واريغ ضيره فلم يكن فيمتن راغه، وعوض على الحمام فما هابه، ووالي في نقض ما أبرموه جيئته وذهابه، وسمح في ذلك بنفسه، وقنع من غده بذكر أمسه. فلما أنجلت ظلماؤه، وتحلت بنجوم ظفره سماؤه، أغرى بالمطالبين اهتضامه وحيفه، وسرى إليهم مكره سرى قيس لحمل وحذيفه، وأعلن لمن أسر إغراء ولم ينظر بالمكروه نظراءه، فأخمل منهم أعلاما، وأورث نفس الدين منهم آلاما، وألبسهم ما شاء ذما من الناس وملاما، فدجت مطالع شموسهم، وخلت مواضع تدريسهم، فأصبحوا ملتحفين بالمهانة، ومتسوفين إلى الإهانة، يروغهم الرواح والغدو، ويحسبون كل صيحة عليهم هم العدو، ويذعرهم طروق النوم للأجفان، وينكرهم الثابت العرفان، فقد فقدوا حبورا، وعادت منازلهم قبورا، إلى أن نفس بعد أحوال، وخلا أفقهم من تلك الأهوال، فتشنقوا ريح الحياة، وأشرقوا من تلك الظلمات، بعد أن أحال البؤس نعيمهم، وأخذ الحمام زعيمهم.
و كان رحمه الله متضح طريق الهدى، منفسح الميدان في العلم والندي، مع أدب كالبحر الزاخر، ونثر كالدر الفاخر، وقد أثبت منه ما تعذب مقاطفه، وتلين معاطفه. فمن ذلك فضل راجع به ابن شماخ: عمر بابك، وأخضب جنابك، وطاوعك زمانك، ونعم أوانك
و سقي ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى
فما درج لسبيله من كنت سلالة سلسله،و وارث معرسه ومقيله، وما خام وضرع، فخر رمى عن وتر قوسك ونزع، ولم يهلك هالك، ترك مثل مالك، فتركت المهاد، وألفت السهاد، وتقيلت الآباء والأجداد، فأسرجت في ميدان الحمد براقا، أتخذ الريح خافية وساقا، فأحتل من شعاب المجد صعقا، أثار به نقعا، ودوم في أفق السماء، تدويم فرخ الماء، حتى كأنه على قمة الرأس ابن ماء، فحق لباهر فضلك أن يطول فيقول:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... و بنفسي فخرت لا بجدودي
أو يتنزل فيتمثل:
لسان واحسبنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل
تبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
كم متعاط شأو طلقك، سولت له نفسه شق غبارك، واقفاء منهاج آثارك فما أدرك، وطلح بغيره وبرك. وفي فصل منها: بيننا وسائل، أحكمتها الأوائل، ما هي بالأنكاث، والوشائج الرث من دونها عهد، جناه شهد، أرج عرف النسيم، مشرف جبين الأديم، رائق رقعه الجلباب، مقتبل رداء الشباب، كالصباح المنجاب، تروق أساريره، وتلقاك قبل اللقاء تباشيره.
ورثناهن عن آباء صدق ... و نورها إذا متنا بنينا
و من أشياخ القاضي أبي الفضل عياض الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر بن عطية رحمه الله .
قال صاحب القلائد في حقه:

(1/268)


شيخ العلم وحامل لوائه، وحافظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم وكوكب سمائه، شرح الله لتحفظه صدره، وطاول به عمره، مع كونه في كل علم وافر النصيب مياسرا بالمعلى والرقيب، رحل إلى المشرق لأداء الفض، لابس برد من العمر الغض، فروى وقيد، ولقي العلماء وأسند، وأبقى تلك المآثر وخلد. نشأ في نبتة كريمة وأرزمة من الشرف غير مرومة لم يزل فيها على وجه الزمان أعلام علم، وأرباب مجد ضخم، قد قيدت مآثرهم الكتب، وأطلعتهم التواريخ كالشهب، وما برح الفقيه أبو بكر يتسنم كواهل المعارف وغواربها، ويقيد شوارد المعاني وغرائبها، لاستضلاعه بالأدب الذي أحكم أصولاه وفروعه، وعمر برهة من شبيبته ربوعه، وبرز فيه تبريز الجواد المستولي على الأمد، وجلى عن نفسه به كما جلى الصقال عن النصل الفرد ، وشاهد ذلك ما أثبته من نظمه الذي يروق جملة وتفصيلا، ويقوم على قوة العارضة دليلا.
فمن ذلك قوله يحذر من خلطاء الزمان وينبه على التحفظ من الإنسان قال:
كم بذئب صائد مستأنسا ... و إذا أبصرت إنسانا ففر
إنما الإنسان بحر ماله ... ساحل فاحذره إياك الغرر
و اجعل الناس كشخص واحد ... ثم كن من ذلك الشخص حذر
و له في الزهد:
أيها المطرود من باب الرضا ... كم يراك الله تلهو معرضا
كم إلى كم أنت في جهل الصبا ... قد مضى عمر الصبا وانقرضا
قم إذا الليل دجت ظلمته ... و استلذ الجفن إن يغمضا
فضع الخد على الأرض ونح ... و اقرع السن على ما قد مضى
و قال في هذا المعنى:
قلبي يا قلبي المعنى ... كم أما أدعى فلا أجيب
كم أتمادى على ضلال ... لا أرعوي لا ولا أنيب
ويلاه من سوء ما دهاني ... يتوب غيري ولا أتوب
وا أسفا كيف برء دائي ... دائي كما شاءه الطبيب
لو كنت أدنو لكنت أشكو ... ما أنا من بابه قريب
أبعدني منه سوء فعلي ... و هكذا يبعد المريب
ما لي قدر وأي قدر ... لمن أخلت به الذنوب
و له في المعنى أيضا:
لا تجعلن رمضان شهر فكاهة ... تلهيك فيه من القبيح فنونه
و اعلم بأنك لا تنال قبوله ... حتى تكون تصومه وتصونه
و له في مثل ذلك:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون ... و في بصري غض وفي مقولي صمت
فحظي إذن صومي الجوع والظمأ ... و أن قلت إني صمت يومي فما صمت
و له المعنى الأول:
جفوت أنسانا كنت آلف وصلهم ... و ما في الجفا عند الضرورة من باس
بلوت فلم أحمد وأصبحت آيسا ... و لا شيء أشفى للنفوس من الياس
فلا عذلوني في انقباضي فإنني ... رأيت جمع الشر في خلطة الناس
و له يعاتب بعض أخوانه:
و كنت أظن أن الجبال رضوى ... يزول وأن ودت لا يزول
و لكن الأمور لها اضطراب ... و أحوال ابن آدم تستحيل
فإن يك بيننا وصل جميل ... و إلا فليكن هجر طويل
و أما شعره الذي اقتدحه من مرخ الشباب وعفاره وكلامه الذي وشحه بمآرب الغزل وأوطاره فإنه أنسى إلى ما تناساه وتركه حين كساه العلم والورع من ملابسه ما كساه. فما وقع من ذلك قوله:
كيف السلو ولي حبيب هاجر ... قاسي الفؤاد يسومني تعذيبا
لما درى أن الخيال مواصلي ... جهل السهاد على الجفون رقيبا
و له أيضا رحمه الله :
يا من عهودي لديك ترعى ... أنا على عهدك الوثيق
إن شئت أن تسمعي غرامي ... من مخبر عالم صدوق
فاستخبري قلبك المعنى ... يخبرك عن قلبي المشوق
انتهى.
و من أشياخ القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله: الشيخ الإمام النحوي الأديب اللغوي أبو عبد الله بن محمد بن السيد بكسر السين البطليوسي بفتح الموحدة والطاء المهملة والتحتانية وسكون اللام والواو نزيل بلنسية.
قال السيوطي في الطبقات: كان عالما باللغات والآداب متبحرا فيها انتصب لإقراء علم النحو وجتمع إليه الناس وله يد في العلوم القديمة. ذكره في قلائد العقيان وبالغ في وصفه.
و كان لابن الحاج صاحب قرطبة ثلاثة أولاد من أجمل الناس صورة: رحمون وعزون وحسون فأولع بهم وقال فيهم:
أخفيت سقمي حتى كاد يخفيني ... و همت في حب عزون فعزوني

(1/269)


ثم أرحموني برحمون فإن ظمئت ... نفسي إلى ريق حسون فحسوني
ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة.
صنف : شرح أديب الكتاب شرح الموطأ شرح سقط الزند شرح ديوان المتنبي إصلاح الخلل الواقع في الجمل الحلل في شرح أبيات الجمل المثلث المسائل المنثور في النحو وله كتاب " التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في رأيهم واعتقادهم " وهو كتاب عظيم. لم يصنف مثله وغير ذلك. ولد سنة أربع وأربعين وأربع مائة ومات في رجبسنة إحدى وعشرين وخمس مائة ببلنسية.
و من شعره:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... و أوصاله تحت التراب رميم
و ذو الجهل ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
ذكر في جمع الجوامع. انتهى كلام السيوطي في الطبقات.
ترجمة ابن السيد البطليوسي للفتح بن خاقان.
و رأيت تأليفا بديعا للفتح صاحب القلائد والمطمح ضمنه التعريف بهذا الإمام ابن السيد خاصة وهأنا أورده بجملته لغرابته وفصاحته وبلاغته وإن كان فيه بعض ما هو من قبيل الهزل الذي الإعراض عند أول وقد جرت عادة الأشياخ بذكر مثل ذلك وحسبك ما ذكره الإمام السيوطي آنفا في حق ابن السيد. وقد اغتفر الناس المقامات مع ما فيها من سخيف المقالات والأعمال بالنيات.
قال ذو الوزارتين الكاتب أبو نصر الفتح بن عبيد الله المعروف بابن خاقان رحمه الله: أما بعد حمد الله الذي جعل الليل لباسا وأزال عن قلوبنا شكا والتباسا وأرانا من الهدى منارا وجعل لنا من الشجر الأخضر نارا وخلقنا أطوارا وأطلع لنا شموسا وأقمارا تدل على حكمته ويستدل بها على مقدار نعمته.
و الصلاة على نبيه الذي بعثنا من مرقد الضلالة وجلى عنا غياهب الجهالة فظهر الرشاد بعد احتجابه وتوارى الغي في حجابه صلى الله عليه وسلم تسليما.
فإني لما فرغت من الكتاب الذي أبديت به للإحسان مبسما وجعلته لمحاسن الثمان موسما وجلوت فيه أبكار المفاخر وعونها وخصصت به نكت المآثر وعيونها وشعشعت فيه المحاسن وروقتها وفتقت فيه كمائم البدائع وشققتها حتى أتت أزهى من الحديقة وأبهى من ملك النعمان بين الشقيقة يتمنى السحر أن يحلها والعيون النجل أن تكحلها فصارت به لأهل الأندلس السن مفتخرة وانتشرت لمعاليهم عظام نخرة ورأيت فيه فضل الأواخر على الأوائل وجريت به أمام سبحان وائل وملكت بسببه كل قياد وتركت ورائي قس أياد وكان لي فيه أمل ثناني أن يجلى وعداني أن ينص ويتلى فطويته طي السجل ولويته لي محيا الخجل وتركته كالبدر في السرار وأخفيته كما خفى في الغمد ماضي الغرار والخواطر تهيم به أعظم هيم وتستمطره أستمطار المحل المديم والنفوس تتشوف إليه تشوف الضال للمرشد والآذان تصيخ إليه إصاخة الناشد للمنشد وأنا أجعل لقاحه حيالا ولا أريه طيف ولا خيالا ثم خشيت أن يكسو الزمان جوهره عرضا ويتخذ الحدثان بدره عرضا فتمحى من وجهه الزمان غرته وتسقط عن جبين الدهر درته ومالمح منه عنان ولا شيم منه ما فيه سلوان فتذوب النفوس عليه عيون الذكاء بعد رمدا فرأيت أن أستخرج من أخباره دلالة اللفظ على المعنى واللحظ على المغنى وينبئ عنه إنباء النسيم على الزهر ويشير إليه إشارة الشاطئ إلى النهر.
و لما كان الفقيه الأجل أبو محمد عبد الله بن السيد أدام الله علوه تاج مفرقه وهلال أفقه ومهب نفح صواره ومحلى أنواره ومجلى أنجاده وأغواره وأنت قد أحكمت نسق أخباره وسردها وفوفت مطرفها وبردها وأطلقتها قمرا وجعلتها سمرا إذ هو أزخر علمائنا بحرا وأوسعهم نحرا وأحسنهم خواطرا وأكسبهم مواطرا وأسيرهم أمثالا وأعدمهم مثالا وأصدقهم لسانا وأعمهم إحسانا وأرفعهم راية وأبعدهم راية وأبعدهم غاية ومحاسنه أعذب جماما وأصفى غماما وأظهر إعجازا وأحسن صدورا وأعجازا رأيت أن أفرد كتابا في أخباره وأجرد ذبابا في إعظامه وإكباره ليبين به فضل من ضمنته تصنيفي ويعلم بأخباره ما أودعت عن تأليفي ويرى أنه قطرة من غمام ودرة من نظام وصبح يدل على النهار ونفح صدر عن حقائق وأزهار.
و الله المولى العون والكيل بالكلاءة والصون لا رب غيره.

(1/270)


الفقيه الحافظ الإمام الأوحد أبو محمد هو عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي وشلب بيضته ومنها كانت حركة أبيه ونهضته وفيها كان قرارهم ومنها نم آسهم وعرارهم و نسب إلى بطليوس امولده بها ومن حيث كان فقد طبق الأرض علما وملأها ذكاء وفهما.
و أنا أقول : لو أن للأيام ألسنا ناطقة وأوصافا متناسقة تردد فنون بيانهاكالطير ترجع على أفنانها ما جرت إلى إنصافه ولا درت بعض أوصافه ولو أني أمددت ببيان سحبان وأيدت تأييد لسان حسان وأغراني ابن صوحان الفصاحة وعلمني خالد صفوان إيضاحه لما أعربت عن مقداره الرفيع ولا أغربت بما له من التعظيم والترفيع فكيف بلسان قد فل غراره وبنان قد ذوى رنده وعراره وخاطر قد ارتمى في لجج الأخطار ووخز بأطراف القنا الخطار فما تذل له عصي إحسانه ولا تحل النوائب عقدة لسانه فحسبي أن أقتصر من وصفه على لمحة وأعطر من عرفه بنفحة فأقول: إنه ضارب قداح العلوم ومجيلها وغرة أيامنا البهية وتحجيلها لو أدركه قيس لما قضى للحلم وترا ولا شفعا ولو عاصره ابن العاصي لما ادعى ضرا ولانفعا حلب الدهر أشطره وتلا حروفه وأسطره وخذم الياسات وعلم طرق السياسات ونفق وكسد ووقف وتوسد . وهو اليوم شيخ المعارف وإمامها ومن في يديه مقودها وزمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارذ اللغات والأعراب إلى مقطع دمث ومنزع من النفاسة غير منتكث وندى خرق به العوائد وأورق في يد الرائد وعفاف كف حتى عن الطيف وحكى المحرمين بالخيف ولقد نزلت منه بالتقى الطاهر ولقيت منه ما لقي عوف بن محلم من ابن طاهر ورأيت نار مكارمه تتألق وبت كأنما على النار الندى والمحلق وله تحقيق بالعلوم الحديثة والقديمة وتصرف في طرقها المستقيمة ما خرج بمعرفتها عن مضمار شرع ولا نكب عن أصل للسنة ولا فرع. وتواليفه في الشروحات وغيرها صنوف وهي اليوم في آذان الأيام شنوف. فمنها المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس والاقتضاب في شرح أدب الكتاب . وكتاب التنبيه على السبب الموجب لاختلاف العلماء في اعتقاداتهم وآرائهم وسائر أغراضهم وأنحائهم وغير ذلك مما يشتمل عليه هذا الموضوع ويخفيه ويوقف على تفسيره فيه.
و قد أثبت من محاسنه التي تدور جريالا ويصير الحبر بقصتها نيالا وما ينشي ويسكر وبحمده الوسمي المبكر.
فمن ذلك أنه حضر مع القادر بالله بد ذي النون بمجلس الناعورة بطليطلة في المنية المتناهية البهاء والإشراق المباهية لزوراء العراق التي ينفح شذاها العطر ويكاد من الغضارة يمطر والقادر بالله رحمه الله قد التحف الوتار وارتداه وحكم العقار في جوده ونداه والمجلس يشرق كالشمس في الحمل ومن حواه يبتهج كالنفس عند منال الأمال والزهر عبق وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق والدولاب يئن كناقة إثر حوار أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه والروض قد بللته أنداؤه والأسد قد فغرت أفواهها ومجت أمواهها فقال رحمه الله يصف الحال:
يا منظرا إن رمقت بهجته ... أذكرني حسن جنة الخلد
تربة مسك وجو عنبر ... و غيم ند وطش ما ورد
و الماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلئ فواغر الأسد
كأنما جائل الحباب به ... يلعب في حافتيه بالنرم
تراه يزهى إذا يحل به ال ... تادر زهو الكعاب بالعقاد
تخاله إن بدا به قمرا ... تما بدا في مطالع السعد
كألأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمة ومن مجد
كأنما جادها فروضها ... بوابل من يمينه رغد
لا زال في عزة مضاعفة ... ميمم الرفد واري الزند
و له يصف فرسا وهو مما أبدع في التمثيل له والتشبيه ونبه خاطره فيه أحسن تنبيه وخلع عليه شيات لاحق والوجيه وعمه بالمحاسن وتوج ونسبة إلى الخاطر أعوج:
وأقب من آل الوجيه ولاحف ... قيد العيون وغاية المتمثل
ملك النواظر والقلوب بحسنه ... فمتى ترق العين فيه تسهل
ذو منخر رحب وزور ضيق ... و سماوة خضب وأرض ممحل
قصرت له تسع وطالت أربع ... وصفت ثلاث منه للمتأمل
و تراه أحيانا لعزة نفسه ... يرنو بلا قبل بعين الأقبل
و كأنما سال الظلام بمتنه ... و بدا الصبح بوجهه المتهلل
ز كأن راكبه على ظهر الصبا ... من سرعة أو فوق ظهر الشمأل

(1/271)


و له يصف فرسا للظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون رحمه الله:
و أدهم من آل الوجيه ولاحق ... له الليل لون والصبح حجول
تحير ماء الحسن فوق أديمه ... فلولا التهاب الخصر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجهه ... فأعيننا شوقا إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تقله ... إذا ابتل منه محزم وتليل
إذا الظافر الميمون في متنه علا ... بدا الزهو في الطفين منه يجول
فمن رام تشبيها له قال موجزا ... و إن كان وصف الحسن منه يطول
هو الفلك الدوار في صهواته ... لبدر الدياجي مطلع وأوفل
و ما أبدع قوله في وصف الراح والحض على النبذ للهموم والاطراح بمعاطاة كئوسها وموالاة تأنيسها ومعاقرة دنانها واهتصار ثمار الفتوة وأفنانها والإعراض عن الأيام وأنكادها والجري في ميدان الصهوة إلى أبعد آمادها:
سل الهموم إذا نبا زمن ... بمدامة صفراء كالذهب
مزجت فمن در على ذهب ... طاف ومن حبب على لهب
و كأن ساقيها يثير شذا ... مسك لدى الأقوام منتهب
و لله هو فقد ندب إلى المندوب وذهب إلى داواة القلوب من الندوب وإبارئها من الآلام وإهدائها كل تحية وسلام وابهاجها بآصال وبكر وعلاجها من هموم وفكر في زمن حلى عاطله وجلى في أحسن الصور باطله ونفقت محالاته وطبقت أرضه وسماءه استحالتها فليبد كأسد وذيبه مستاسد وأحفاسه تنمر وبعاثه قد استنسر استراحة إلا في معاطاة حميا ومؤاخاة وسيم المحيا وقد كان ابن عمار ذهب مذهبه وفضضه بالإبداع وذهبه حين دخل سرقسطه ورى غباره أهلها وتكاثف جهلها وشاهد منها من لا يعلم معنى ولا فصلا وواصل من لا يعرف قطعا ولا وصلا فأقبل على راحة يتعاطاها وعكف عليها ما تعداه ولا تخطاها حتى بلغه أنهم نقموا معاقرته للعقار وجالت ألسنتهم في توبيخه مجال ذي الفقار فقال:
نقمتم على الراح أدمن شربها ... و قلتم فتى راح وليس فتى مجد
و من ذا الذي قاد الجياد إلى الوغى ... سوى من أعطى الكثير ولم يكد
فديتكم لم تفهوا السر إنما ... قليتكم جهدي فأبعدتم جهدي
و دخل ليلة إلى مجلس قد احتشد فيه الأنس والطرب وقرع السرور نبعه بالغرب ولاحت نجوم أكواسه وفاح نسيم رنده وآسه وأبدت صدور أباريقه أسرارها وضمت عليه المجالس أزرارها والراح يديرها أهيف وأوطف والأماني تجنى وتقطف فقال:
يا رب ليل قد هتكت حجابه ... بمدامة وقاد كالكواكب
يسعى بها أحوى الجفون كأنها ... من خده ورضاب فيه الأشنب
بدران : بدر قد أمنت غروبه ... يسعى ببدر جانح للمغرب
فإذا نعمت برشف بدر غارب ... فانعم برشفة طالع لم يغرب
حتى ترى زهر النجوم كأنها ... حول المجرة ربرب في مشرب
و الليل منحفز يطير غرابه ... و الصبح يطرده أشهب
و قال يمدح بعض الأعيان وهي قصيدة اشتملت على المحاسن اشتمال الليل وانفردت بالمحاسن انفراد سهيل ودرت فيها أخلاف الإبداع وزرت عليها جيوب الانقطاع وأفصح لسان الإحسان وسح عليها عنان الأفتنان فجاءت بالأغراب محفوفة ولاحت كالخريدة المزفوفة.
وسمعت السيئ الاعتقاد الغبي الفهم والانتقاد الكافر الملحد النافر لمن يعظم الله ويوحد الذي ما نطق متشرعا ورمق متورعا ولا أقر بباريه ولا قر عن جريه في ميدان الغي وتباريه بدعى مدحه ويقول: أنه إليه بعث نفحها وإنه الذي افتض عذرتها وقطف زهرتها. وحاشا لقائلها أن يمدح المذموم وينضح بكوثرها نفح سموم أو يشرف بها وضيعا ويرضع ثديها من غذا للؤم رضيعا وهي:
أما إنه لو لا الدموع الموامع ... لما بان مني ما تجن الأضالع
و كم هتكت ستر الهوى أعين ألمها ... و هاجت لي الشوق الديار اللاقع
خليلي مالي كلما لاح بارق ... تضلى الحشا وارفض مني المدامع
هل الأفق في جبيني بالبرق لامع ... أم المزن في جفني بالودق هامع
ففي القلب من نار الشجون مصايف ... و في الخد من ماء الشئون مرابع
و ما هاج هذا الشوق إلا مهفهف ... هو البدر أو بدر الدجى منه طالع
إذا غاب يوما فالقلوب مغارب ... و إن لاح يوما فالجيوب مطالع
يضرج خديه الحياء كأنما ... بخديه من فتك الجفن وقائع

(1/272)


رماني عن قوس المحاجر لحظه ... بسهم غدا من مهجتي وهو وادع
و ما زلت من ألأحاظه متوقيا ... و لكنه ما حم لا بد واقع
يرق فتور اللحظ منه كأنه ... إلى قلبه من قسوة الهجر شافع
كما رق بالآداب طبع محمد ... فحاكت لمى الأحباب منه الطبائع
رخيم حواشي الطرف حلو كأنه ... سجايا أيام السرور الرواجع
أبا بكر استوفيت زهر محاسن ... تنافسها زهر النجوم الطوالع
قدحت زنادا من ذكائك لم يزل ... ينير فتعشى البارقات اللوامع
و ما ذلك عن نيل لذيك رجوته ... فيصدق ظن أو يكذب طامع
و لا أنا ممن يرتضي الشعر خطه ... فتجذبه نحو الملوك المطالع
و لكن قلبا بين جنبي قد غدا ... يجاذبني فيك الهوى وينازع
طوى لك من محض الوداد كمائنا ... تبدت لها فوق اللسان طلائع
أن أزعم في نظم البديع ولم يزل ... لك السبق فيه والورى لك تابع
و أي مقال لي وقولك سائر ... و أي بديع لي ومنك البدائع
و قال يتغزل وتصرف فيه غيلات مي ووصف كل حواء وحي وذكر العشق وارتاد الإبداع حتى عدا به مصره فأجاد معانيه وأشاد مبانيه:
تأوبه من همه ما تأوبا ... فبات على جمر الأسى متقلبا
مرت مزن عينيه غداة تحملوا ... عواصف ريح الشوق حتى تصببا
دموع هتكن الستر عن مضمر الجوى ... و أبدين من سر الهوى ما تغيبا
حليلي مالي كلما لا بارق ... تذكرت برقا بالعقيق وزينبا
أؤنس بالنائين نوما مشردا ... و أطمع بالثاوين قلبا معذبا
و من لي برد الخل إذ جدت النوى ... به وبوصل الحبل أن يتقضبا
أفي كل حين أمترى غرب مقلة ... أبى الوجد إلا أن تجود فتغربا
إذا عن لي ظبي بوجرة شادن ... تذكرت من عنى الفؤاد وعذبا
و أرتاح للأرواح من نحو أرضها ... و تثني عنان للصبا نفحة الصبا
و لولا التهاب الشوق بين جوانحي ... لأمرع خدي بالدموع وأعشبا
ألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... إلى مصرعي طوعا وقد كنت مصعبا
و ما كنت أخشى أن أبيت معذبا ... بعذب رضاب من حمى الثغر أشنبا
و خذ الاقي دون شم رياضه ... من اللحظ هنديا وللصدغ عقربا
أجدك لم تبصر تألق بارق ... يجد نشاطا في ذرى الأفق أهدبا
إذا ما بدا في الجو أحمر ساطعا ... حسبت الظلام ابنوسا مذهبا
كأن رياض الحو غب سمائه ... تردين وشي العبقري المخلبا
كأن الشقيق والفجر ساطع ... خدود زهاها الحسن أن تتنقبا
تمتع بريعان الشباب وظله ... فلا بد يوما أن يبينا ويذهبا
فما العيش إلا أن تروح وتغتدي ... محبا براه سقمه أو محببا
و كتب إلى الكاتب أبي الحسن راشد يستدعيه إلى مجلس قد لاحت قد لاحت شموس مدامه وارتاحت نفوس ندامه وتأودت تأود الغصون قدود خدامه:
عندي مشكود من الخمر مبق
فيه مني مصطبح ومغتبق
يحكي شذا المسك إذا المسك فتق
كأنه من خلقك الحلو خلق
كأنما كئوسه تحت الغسق
في راحة الساقي نجوم تأتلق
تخالها وهي تلظي كالحرق
أحشاء صب ملئت من الحرق
ترى لدى المزج إذا الماء انفق
فيها حبابا لاح كالدر النسق
و أنت أنسي والمفدى بالحدق
فاطلع طلوع القمر التم اتسق
في يومنا هذا إذا الظهر نطق
يا راشدا إذا دجى الغي غسق
و ماجدا حاز السبق السبق
لله معنى طابق اسما لك حق
توافقا فيك إذا الاسم اتفق
فراجعه راشد:
لبيك من داع إلى العيش الغدق
في سجسج من ظله غض الورق
ندير صفو الراح صرفا قد عتق
و شبهها لونا وطعما وعبق
و كان يجلى في ملاء من فلق
تحسده من حسنه بيض السرق
ثم كساه السهد ثوبا من شفق
بل من إياة الشمس من غير رنق
كأنه من خد من أهوى استرق
كأنه بريقه العذب فتق
فجاء يشفي من جوى ومن حرق
أحلى من الأمن أتى بعد الفرق
رضيته مصطبا ومغتبق
على رياض أدب ذات أنق
أجين ما أهوى وأذهبن القلق
عند فتى ندب عبير الخلق

(1/273)


مؤتزر بالمكرمات منتطق
إن قال قدسدت الورى قيل صدق
و قال يصف مجلس أنس وتصرف في وصفه سقاته وإقبال الصبح لميفاته ومدح الراح بأحسن أسمائها وطلوع الفجر هازما لدجى ليلتهم وظلمائها وإيقاظ أصحابه من نومه وترغيبه لهم في اصطباح يومهم:
صاح بنه كل صاح يصطبح ... فضلة الزق الذي كان اغتبق
قهوة تحكي الذي في أضلعي ... من جوى الحب ومن لفح الحرق
بيدي ساق ترى في طوقه ... بدر تم في تجلى في غسق
خلتها إذ غربت في قغره ... شمسها أبقت بخديه شفق
أفرغ الماء عليها فحكت ... ذائب الإبريز أو ذوب ورق
إن مسك الليل قد أعقبه ... من سنى الإصباح كافور عبق
فكأن الفجر عين تفجرت ... و كأن الليل زنجي غرق
و كأن الأنجم الزهر مها ... راعه السرحان صبحا فاقترق
و قال في الزهد وهو غرض قد أكثر القول فيه والضارعة لباريه وراش أنواعه وبرى وجلب فنونه ومرى وذلك مما يدل على ورعه وصفاء منهله التقي ومشرعه فكثيرا ما يعلن به ويسر ويطلع على لسانه متمما ولا يستسر:
إلهي إني شاكر لك حامد ... و إني لساع في رضاك وجاهد
و إنك مهما زلت النعل بالفتى ... على العائد التواب بالعفو عائد
تباعد مجدا وانيت تعطفا ... و حلما فأنت المدني المتباعد
و مالي على شيء سواك معول ... إذا دهمتني المعضلات الشدائد
أغيرك أدعو لي إلها وخالقا ... و قد أوضح البرهان أنك واحد
و قدما دعا قوم سواك فلم يقم ... على ذاك برهان ولا لاح شاهد
و بالفلك الدوار قد ضل معشر ... و للنيرات السبع داع وساجد
و للعقل عباد وللنفس شيعة ... و كلهم عن منهج الحق حائد
و كيف يضل القصد ذو العلم والنهى ... و نهج الهدى من كان نحوك قاصد
و هل في التي طاعوا لها وتعبدوا ... لأمرك عاص ولحقك جاحد
و هل يوجد المعلول من غير علة ... إذا صح فكر أو رأى الرشد راشد
و هل غبت عن شيء فينكر منكر ... وجودك أم لم تبد منك الشواهد
و في كل معبود سواك دلائل ... من الصنع تنبني أنه لك عابد
و كل وجود عن وجودك كائن ... فواجد أصناف الورى لك واجد
سرت منك فيها وحدة لو منعتها ... لأصبحت الأشياء وهي بوائد
و مولك في خلق الورى من دلائل ... يراها الفتى في نفسه ويشاهد
كفى مكذبا للجاحدين نفوسهم ... تخاصم إن أنكروا وتعاند
و قال يمدح الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون وهو مدح طايق الممدوح ووصف شاكله كالروض والغمام السفوح فنظم الدر بأبهى جيد ولد الفخر أعلى مجيد ووضع العلق في يدي مميزه وأجرى الجواد في ميدان مجوزه لم يحمل إلى غير موضع نفاق ولا شام به مخيله ذات إخفاق فإنه كان أندى من الغيث وأمضى من الليث وأذكى من الجسام وأبهى من البدر ليلة التمام حتى خاض هولا لم يسر فيه إلى صبح وسلك شعبا لم ينش منه بريح فصافح المنايا وطلع له غير معهود الثنايا والشعر قوله:
لعلكم بعد التجنب والهجر ... تديلون من بعد وتشفون من ضر
فإن الذي غادرتم بين أضلعي ... يزيد مر الزمان ويسترشي
و لم تنبكم عني النوى غير أنكم ... رحلتم من اللجفن القريح إلى الفكر
و من عجب أني أسائل عنكم ... و منزلكم بين الجوانح والصدر
و استعطف الأيام فيكم لعلها ... تعيد الليالي السابقات كما أدري
وأطمع منها في الوصال ولم أزل ... عليما بما يؤثر من شيم الغدر
و يوحشني الزمان لنأيكم ... و إن كنت مأنوس الجوانح بالذكر
و لم أنس إذ صدت كما صد شادن ... غرين من الربعي أوجس من ذعر
تميس كما ماس القضيب على القنا ... و ترنو كما أغضى الشريف من السكر
و ما زلت صبا بالغواني تصيدني ... ذوات الثنايا الغر والأوجه الزهر
و عندي أحشاء ملئن صبابة ... كألحاط أجفان ملئن من السحر
و لوعة وجد ما تفيق وظمأة ... لأشنب معسول اللمى طيب النشر
و كم في كناس السمهرية من رشا ... أغن يقيم العذر في الخلع للعذر
و أهيف يثنيه النسيم إذا جرى ... فلو شاء من لين تختم في الخصر

(1/274)


و ساحرة الألفاظ لو أنها دعت ... بنغمتها ميتا للبى من القبر
حسرت القناع الستر فيها ولم يكن ... يطيب النوى يوما لمن دان بالستر
و لله ليل باللوى أبعد الجوى ... و قرب نحرا من مشوق إلى نحر
فما شئت من شكوى أرق من الهوى ... و ما شئت من نجوى ألذ من الخمر
سرت لم تمس الطيب عجبا بحسنها ... و قد أفعمت عرض البسيطة بالعطر
فقلت: عبيد الله أو نجله سرى ... فذكرني ذارين أو بت بالشحر
كأن ضياء الصبح في الليل إذ سرى ... بصيرة إيمان سرت في عمى كفر
كأن مها في الأفق ريعت وقد بدا ... لها ذنوب السرحان من وضح الفجر
كأن سنى الشمس المنيرة إذ بدا ... كسا ورق الإصباح ذؤبا من التبر
و إلا فوجه الظافر الملك انجلى ... فجلى ظلام النقع في الجحفل المجر
عجبت لأيام تداعت خطبها ... لتثلم من غربي وتقدح في وفري
و لم تدر أني في حمى الظافر الرضا ... أرد العدى عني بصمصامتي عمرو
حللت جنايا منه مدينة ظلاله ... علي وأعطاني أمانا من الدهر
جناب بكت فيه غمائم جوده ... فأضحكن روض المجد عن زهر الشكر
و كم نلت مذ أصبحت ألثم كفه ... بيمناه من يمن ويسراه من يسر
لدي ملك ما لاح ضوء جبينه ... بجنح الدجى إلا كفى مطلع البدر
و متقد الآراء جال في الوغى ... بخاطره أغنى عن البيض والسمر
و لولا اضطرام البأس فيه غدا القنا ... براحته يهتز بالورق الخضر
أرى عابد الحمن رخمة من قست ... عليه الليالي أمن من ريع بالفقر
و كعبة آمال كثيرا حجيجها ... لها حرم فيه مشاعر للشعر
له من حجاه بالسماحة آمر ... و من حلمه ناه عن اللغو والهجر
فتى لم يشمر قط إلا عنا له ... عاه وساق الحرب مسبلة الأزار
و لم يعترك بخل بميدان عدله ... و جدواه إلا فاز جدواه بالنصر
أبا عامر زلت للمجد عامرا ... فإنك وسطى العقد في عنق الفخر
و قمت العدا عني برأفة ماجد ... و غمر نوال سر إذ ساء ذا الغمر
و أوسعت نعمى ضقت ذرعا بحملها ... فإن خففت عمري لقد أثقلت ظهري
و لما ارتقت بي في سمائك همتي ... غذا أخمصي فوق النعائم والنسر
فحييت شمس الملك في فلك العلا ... و شمست سحاب الجود في بارق البشر
أيرجو ضلالا أن يناويك حاسد ... و قد حزت خصل السبق وهو على الإثر
و أرسى عبيد الله بيتك في العلا ... و طنبه بين السماكين والغفر
و أصبحت كالمأمون تقنو سبيله ... كأنك موسى تقتفي أثر الخضر
و ما علت صبرا حين قلدك العلا ... و جاء بأمر من بدائعه أمري
فلله ما شادوا وشدت من العلا ... و لله ما حازوا وما حزت من ذكر
نظمت شتيت الملك بالعدل والتقي ... و قمت بحق الله في السر والجهر
و جاءك صوم إثر فطر قضيته ... بحظين من سعد جزيل ومن أجر
و أدبر سقم عنك بشر جسمه ... بإقبال نعمى واتصال من العمر
سيملا شكرى كل قطر تحله ... بنشر ثناء عنك أذكى من العطر
و تبقى لكم بين الضلوع محبة ... ألاقي بها الرحمن في موقف الحشر
و كتب إلى ذي الوزارتين أبي عيسى بن لبون:
قم نصطبح من قهوة بكر ... حتى نرى صرعى من السكر
أنف تنساها الورى حتى ... لم تجر في بال ولا ذكر
فترى الدنان وما حوت منها ... كجوانح طويت على فكر
نفحت فقلت المسك أو ما قد ... أحيا أبو عيسى من الذكر
لا شيء يحكى طيبها إلا ... شيم عذاب منه أو شكري
ما زلت أخبر من محاسنه ... قدما بعرف ليس بالنكر
و أحن نحو لقائك طربا ... كالطير إذ جنت إلى وكر
فالآن شاهدت الذي يحكى ... و لقيت فيه الفضل للشكر

(1/275)


و كان أبو عيسى ممن رأس وما شف ووكف جوده وما كف وأعاد سوق البدائع نافقه ورفع الآمال راية من الندى خافقة وأوردهم منها جوده معينا وزف لهم من مبراته أبكار وعونا فلما بلغته قوله هذا وسمعه استنبله واستبدعه؛ وأحضره إلى مجلس نام عنه الدهر وغفل، وقام لفرط أنسه واحتفل؛ قد بانت صروفه، ودنت في الزائرين قطوفه؛ وقال هلم بنا إلى الاجتماع بمذهبك، والاستماع بما شئته ببراعة أدبك؛ فأقاموا يعملون كأسهم، ويصلون إيناسهم؛ وباتوا ليليهم ما طرقهم نوم، ولا عداهم عن طيب اللذات سوم.
و دخل سرقسطة أيام المستعين بالله وهي جنة الدنيا، وفتنة المحيا؛ ومنتهى الوصف وموقف السرور والقصف؛ ملك نمير البشاشة، كثير الهشاشة؛ وملك بهج الفناء، أرج الأرجاء؛ يروق المحتلى، ويفوق النجم المعتلى؛ وحضرة منسابة الماء، منجابة السماء؛ يبسم زهرها، وينساب نهرها؛ وتتفتح خمائلها، وتتوضع صباها وشمائلها؛ والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تقترضها؛ ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتسم؛ فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير؛ فلم يخف على المستعين اختلاله، ولم تخف لديه خلاله؛ فذكره معلما به ومعرفا، وأحضره منوها له ومشرفا ؛ وقد كان فر من ابن رزين، فرار للسرور من نفس الحزين؛ وخلص من اعتقاله، خلوص السيف من صقاله؛ فقال يمدحه:
هم سلبوني خنس صبري إذ بانوا ... بأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللوى إن منجتي ... مسايرة أظغانهم حيثما كانوا
يقى عهدهم بالخيف عهد غمائم ... ينازعها مزن من الدمع هتان
أن أحبابنا هل ذلك العهد راجع ... و هل لي عندكم آخر الدهر سلوان
و لي مقلة عبرى وبين جوانحي ... فؤاد إلى لقياكم الدهر حنان
تنكرت الدنيا لنا بعد بعدكم ... و حفت بنا من معضل الخطب ألوان
أناخت بنا في أرض شنت مرية ... هواجس ظن خن والظن خوان
و شمنا بروقا للمواعيد أتعبت ... نواظرها دهرا، ولم يهم هتان
فسرنا وما نلوي على متعذر ... إذا وطن أقصاك آوتك أوطان
و لا زاد إلا ما انتشته من الصبا ... أنوف وحازته من الماء أجفان
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرها ... فلا ماؤها صدا ولا النبت سعدان
إلى ملك حاباه بالمجد يوسف ... و شاد له البيت الرفيع سليمان
إلى مستعين بالإله مؤيد ... له النصر حزب والمقادير أعوان
جفتنا بلا جرم كأن مودة ... ثنى نحوها منها الأعنة شنآن
و لو لم تنفذ منا الشعر وحده ... لحق لنا بر عليه وإحسان
فكيف ولم نجعل بها الشعر مكسبا ... فيوجب للمكدى جفاء وحرمان
و لا نحن ممن يرتضى الشعر خطة ... و إن قصرت عن شأوها فيه أعيان
و من أوهمته غير ذاك ظنونه ... فثم مجال للمقال وميدان
خليلي من يعدي على زمن له ... إذا ما قضى حيف علي وعدوان
و هل راء من قبلي غريق مدامع ... يفيض بعينيه الحيا وهو حران
و هل طرفت عين لمجد ولم تكن ... لها مقلة من آل هود وإنسان
فوجه ابن هود كلما أعرض الورى ... صحيفة إقبال لها البشر عنوان
فتى المجد في بردية بدر وضيغم ... و بحر وقدس ذو الهضاب وثلان
من النفر الشم الذي أكفهم ... غيوث ولكن الخواطر نيران
ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغى ... هزير بيمناه من السحر ثعبان
و هل فوق ما فد شاد مقتدر لهم ... و مؤتمن بالله لقياه إيمان
ألا ليس فخري في الورى غير فخرهم ... و إلا فإن الآخر زور وبهتان
فيا مستعينا مستعانا لمن نبا ... به وطن يوما وعضته أزمان
كسوتك من نظمي قلائد مفخر ... يباهى بها جيد المعالي ويزدان
و إن قصرت عما لبس فربما ... تجاور در في النظام ومرجان
معان حكت غنج الحسان كأني ... بهن حبيب أو بطليوس بغدان
إذا غرست كفاك غرس مكارم ... بأرضي أجنتك الثنا منه أغصان

(1/276)


و كان عند وصوله إلى ابن رزين قد رفعه أرفع محل وأنزله منزلة أهل العقد والحل؛ وأطلعه في سمائه، وأقطعه ما شاء من نعمائه، وأورده أصفى مناهل مائه، وأخضره مع خواص ندمائه؛ وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان؛ ومحصب جمار الآمال، وأعذب موارد الاجمال؛ لو لا سطوته الباطشه، ونكباته البارية لسهام الرزء الرائشة؛ فقلما سلم منها مفاد الأموال، ولا أحمد عقباه معه صاحب ولا وال؛ فأحمد هو أول أمره معه، واستحسن مذهبه في جانبه ومنزعه؛ ولم يدر أن بعد ذلك الشهد شرب علقم، وأن السم تحت لسان ذلك الأرقم؛ فقال رحمه الله يمدحه:
عسى عطفة ممن جفاني يعيدها ... فتقضي لباناتي ويدنو بعيدها
فقد تعتب الأيام بعد عتابها ... و يمحى بوصل الغانيات صدودها
و كم للصبا عندي يد لست جاحدا ... لها إن كفران الأيادي جحودها
ليالي أسرى في ليالي غدائر ... كواكبها حليي المها وخدودها
و أهصر أغصان القدود فتنثني ... علي برمان النحور نهودها
فلله ليل بت فيه كأنني ... بوجرة أغتال المها وأصيدها
أبيح ثغورا كالثغور ودونها ... أسنة ألحاظ قناها قدودها
تشابه منها ما حوته مباسم ... عذاب ولبات يروق فريدها
فإن تك من تلك العقود ثغورها ... و إلا فمن تلك الثغور عقودها
و حمراء حلاها المزاج فخلتها ... عقيلة خدر زين بالبدر جيدها
بدت في دلاص من حباب وأشرعت ... سنان انسكاب والكئوس جنودها
فما برحت حتى كأن شروبها ... من السكر صرعى أنعستها حدودها
ترى شربها جنح الظلام كأنهم ... بها مصطلوا نار يشب وقودها
إذا أنكحوا من فضة الماء تبرها ... أتى اللؤلؤ المكنون وهو وليدها
كما أنكحوا البدلا استقامت سعوده ... هذيلا من الشمس استقامت سعودها
فجاءا بعبد الملك للملوك كوكبا ... ليحمي سماء المجد ممن يكيدهل
رمى جنة الأعداء لما سموا لها ... بشهب القنا حتى استشاط مريدها
حلفت بعليا عابدا الملك ذي الها ... و أيد له كالقطر جم عديدها
لئن كان قد أبلت هذيلا يد الدى ... فإن علاه ليس يبلى جديدها
و إن رفعت كفاه قبة مفخر ... فإن قنا عبد الملك عمودها
فتى أحرز العليا، وحاز مدى الندى ... فما إن له من ريبة يستزيدها
سرى بارق من بشره غير خلب ... إلى أرض آمالي فأورق عودها
و بوأني من مجده في مكانة ... سعود النجوم الزاهرات صعيدها
فيا أيها الملى الذي أنا عبده ... و قدما رجا طول الموالي عبيدها
أصخ نحو حر الشعر من عبد أنعم ... بدائعه ما زال منك يفيدها
قواف تروق السامعين كأنما ... تحلى سجاياك الحسان قصيدها
و لولاك أضحت أرض شنت مرية ... مناخ خطوب لا ينادى وليدها
و ما زلت يقظان الجفون لرعيلها ... إذا أعين الأملاك طال هجودها
تكف الأذى عن أهلها وتحوطها ... و تبدي الأيادي فيهم وتعيدها
و قال يرثي الوزير الأجل، أبا عبد الملك بن عبد العزيز، وبنو عبد العزيز بهذا الشرق ، هم كانوا بدور غياهبه، وصدور مراتبه، وبحور مواهبه؛ نظمت فيهم المدائح، وعظمت منهم المنائح، ونفقت عندهم أقدار الأعلام، وتدفقت لديهم بحار الكلام؛ وخدمتهم الدنيا وبنوها، وأمنتهم الأيام ولم يأمنوها؛ فرقت جموعهم، وأخلت ربوعهم ونثرت ملكهم ومزقت ملكهم؛ وهدت مشيد بنائهم، واحتلت الحوادث في فنائهم؛ وبقي أبو عبد الملك هذا آخرهم، فأحيا مفاخرهم ؛ وكان بدر الأفق وشمسه، وروح هذا القطر ونفسه؛ أبدى لذلك السنى لمعا، وأعاد من تلك العلا جمعا؛ إلى أن دب إليه الحمام واستسر بدره بعد التمام؛ والقصيدة:
فؤادي قريح قد جفاه اصطباره ... و دمعي أبت إلا انسكابا غزاره
يسر الفتى بالعيش وهو مبيده ... و يغتر بالدنيا وما هي داره
وفي عبر الأيام للمرء واعظ ... إذا صح فيها فكره واعتباره
فلا تحسبن يا غافل الدهر صامتا ... فأفصح شيء ليله ونهاره
أصخ لمناجات الزمان فإنه ... سيغنيك عن جهر المقال سراره
أدار على الماضين كأسا فكلهم ... أبيحت مغانيه وأقوت دياره

(1/277)


و لم يحمهم من أن يسقوا بكأسهم ... تناوش أطراف القنا واشتجاره
و غالت أبا عبد المليك صروفه ... و قد كان دهرا لا يباح ذماره
فأصبح مجفورا وقد كان واصلا ... وأمسى قصيا وهو دان مزاره
و لم أنس إذ أودى الحمام بنفسه ... فلم يبق إلا فعله وادكاره
إذا رقأت عيني استهلت شئونها ... لمأتم حزن قد أرن صواره
تجاوب هذى تلك عند بكائها ... كترجيع شول حين حنت عشاره
كأن لم يكن كالمزن يرهب صعقه ... عدو ويرجى في المحول انهاره
و دوحة عز يستظل بظلها ... و روضا من الآداب تجنى ثماره
أما وعلى مروان إن مصابه ... أثار أسى تذكى على القلب ناره
فلا شرب إلا قد تكدر صفوه ... و لا نوم إلا قد تجافى غراره
فأي حيا للفضل أجلى غمامه ... و نظم العلياء حان انتثاره
خوى المجد من مروان وانهد طوده ... و جد بجد المكرمات عثاره
و ما خلت أن الصبح يشرق بعده ... لعين وإن الروض يبقى اخضراره
فيا طود عز زلزل الأرض هده ... و بدر علا راع الأنام انكداره
هنيئا للحد ضم شلوك أن غدا ... عميد الندى والمجد فيه قراره
و لم أر درا قط أصدافه الثرى ... و لا بدر ثم في التراب مغاره
فيا بني عبد العزيز وإن خلا ... من المجد مغناه وهد مناره
ففيكم لهذا الصدع آس وجابر ... و إن كان صعبا أسوه وانجباره
لكم شرف أرسى قواعد بيته ... أبو بكر السرى إليكم نجاره
أجل وزير عطر الأرض ذكره ... و أخجل زهر النيرات فخاره
فلو كان للعلياء جيد ومعصم ... لأصبح منكم عقده وسواره
و مما يستغرب له ويستبدع، ويشاد بذكره ويسمع ويعد مما ابتكر معناه واخترع؛ قوله في وصف طول الليل عليه، كابد منه ما عظم لديه.
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شبت أم في الجو روض بهار
كأن الليالي السبع في الأفق جمعت ... و لا فصل فيها بينها لنهار
وحضر عند الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون، رحمه الله ، مجلسا رفعت فيه المنى لوائها، وخلعت عليه الشمس أضوائها، وزفت إليه المسرات أبكارها، وفارقت إليه الطير أوكارها؛ فقال يصفه:
و مجلس جم الملاهي أزهارا
ألذ في الأجفان من طعم الكرى
لم تر عيني مثله ولا ترى
أنفس في نفس وأبهى منظرا
إذا تردى وشيه المصورا
من حلوك صنعاء وحولك عبقرا
و نسج قرقوب ونسج تسترا
خلت الربيع الطلق فيه نورا
كأنما الإبريق حين قرقرا
قد أم لثم الكاس حين فغرا
وحشية ظلت تناغي جؤذرا
ترضعه الدر ويرنو حذرا
كأنما مج عقيقا أحمرا
أوفت من رياه مسكا أذفرا
أو عابد الرحمن يوما ذكرا
فنم مسكا ذكره وعنبرا
الظافر الملك الذي من ظفرا
بقربه نال العلاء الأكبرا
لو أن كسرى راءه أو قيصرا
هلل إكبارا له وكبرا
تبدي سماء الملك منه قمرا
إذا حجاب المجد عنه سفرا
يا أيها المنضي المطايا بالسرى
تبغي غمام المكرمات الممطرا
و قال رحمه الله:
يغلو لساني فيكم وما أفك
فاهزز به غضبا إذا هز فتك
قائمه قلبي والغم الحنك
و قال يتغزل أيام جرى في ميدان الصبا متهافتا وأبدى له الجوى نفسا خافتا؛ وهو من أبدع أنواع الاستعطاف، وأحسن من النور عند القطاف؛ خضع فيه لمحبوبه وذل، وهان له وابتذل؛ ورضى بما سامه من العذاب، وبذل نفسه في رشفة من ثناياه العذاب؛ وتشكى من جوره وحيفه، وبكى حتى من اجتناب طيفه؛ واستدعى رضاه، وخلع ثوب التناسك ونضاه؛ ونحا في استلطافه أرق منحى وتصام عن قول من عذل ولحى؛ وهذا غرض من كواه الغرام وسبيل من رام من الوصال ما رام؛ فما مع الهوى عز ولا صبر، وما هو إلا ذل أو قبر.
و القطعة:
أبا عامر أنت الحبيب إلى قلبي ... و إن كنت دهرا من عتابك في حرب
أ تعرض حتى بالخيال لدى الكرى ... و تبخل حتى بالسلام مع الركب
كأني أخو ذنب يجازي بذنبه ... و ما كان لي غير المودة من ذنب

(1/278)


فيا ساخطا هل من رجوع إلى الرضا ... و يا نازحا هل من سبيل إلى القرب
و يا جنة الفردوس هل يقطع العدا ... بجريا لك المختوم أو مائك العذب
و يا بائنا بان العزاء بينه ... فأصبحت مسلوب العزيمة والقلب
أذقني بالعتبى جنى النحل منعما ... فإنك قد جرعتني الصاب بالعتب
و كنت أرى الهجران أعظم حادث ... فقد صار عند البين من أصغر الخطب
أتتركني رهنا بأيدي حوادث ... غدوت لها نهبا وما كنت بالنهب
سأجعل عيدا يوم عودك يغتدي ... محياك فيه قبلة الهائم الصب
أقيم لواء الوصل في حلة الصبا ... به وأضحى بالصبابة والكرب
لك القلب ما فيه لغيرك منزل ... منحتكه فانزله بالسهل والرحب
و قال شاكيا مثل هذه الشكوى مخبرا بما يلقاه من البلوى:
خليلي هل تقضي لبانة هائم ... أم الوجد والتبريح ضربة لازم
فإني بما ألقى من الوجد مغرم ... كسال قلبي بائح مثل كاتم
و لي عبرات يستهل غمامها ... بخدي إذا لاحت بروق المباسم
كفى حزنا إني أذوب صبابة ... و أشكو الذي ألقى إلى غير راحم
وأرتع من خديه في جنة المنى ... و يصلى فؤادي من هواه بجاحم
تقضي الصبا واللهو إلا حشاشة ... تجدد لي عهد الصبا المتقدم
كأني لم أقطع بصبح وقهوة ... زماني ولم أنعم بأحور ناعم
و لابت في ليل الغواية لائما ... له تحت أستار الدجى وهو لائمي
إذا ما أدار الكأس وهنا حسبته ... يدير هلالا طالعا في غمائم
أبا حسن إني بودك معصم ... فهل أنت يوما من جفائك عاصمي
جعلتك في نفسي وقلبي محكما ... لترضى فقد أصبحت أجور حاكم
أ تظلمني ودي وما زال فيكم ... قريع علي يرجى لرد المظالم
و قد كان فص الفجر في خنصر العلا ... أبوك ووسطى فوق جيد المكارم
و كم ضم ظهر الأرض منكم وبطنها ... بدور دجى من كل أشوس حازم
و أبلج فضفاض القميص حلاحل ... طويل نجاد السيف ماضي العزائم
و ما أذهلني عن ودادك غيبة ... قدحت بها نار الأسى في حيازمي
و كم لي فيها نحوكم من تحية ... أحملها مرضى الرياح النواسم
إذا مر ذكر منك يوما على فمي ... توهمته مسكا سرى في خياشمي
دعاني إليك الشوق فاهتاج طائري ... ضحى بخواف للهوى وقوادم
و لو إنني في ملحدي ودعمتني ... للبتك من تحت الصعيد رمائمي
سأصفيك محض الود ما هبت الصبا ... و ما سجعت في الأيك ورق الحمائم
و قال أيضا جاريا على عادته في التشبيب، وسالكا جادته من الخضوع للحبيب، إلا أنه اعتذر من الهوى في المشيب، وأنكر أخلاق الشباب على الشيب:
خليلي ما للريح أضحى نسيمها ... يذكرني ما قد مضى ونسيت
أبعد نذير الشيب إذ حل عارضي ... صبوت بأحداق المها وسبيت
و لي سكن أغرى بي الحزن حسنه ... جرئ على قتل المحب مقيت
تلاحظني العينان منه برحمة ... فأحيا ويقسو قلبه فأموت
فيا قمرا أغرى بي النقص واكتسى ... كمالا ووافى سعده وشقيت
و ليت فرقي إذ وليت لهائم ... سباه لمى كالشهد منك وليت
و جودي ببرد الوصل يا جنة المنى ... فإني بحر الوجد منك صليت
و كتب إليه الكاتب أبو الحسن راشد بن عريب يستدعيه إلى معاطاة قهوة، ساعات سلوة:
طرت إلى شمسية قد تروقت ... فأربت على الصهباء لونا ورائحة
فلو فيها نقطة هندسية ... لباتت بها في ظلمة الليل بائحة
فكن مسعدي يا من سجاياه لم تزل ... و أخلاقه تغني عن المسك فائحة
فأجابه رحمه الله:
طربت فأطربت الخليل إلى الذي ... طربت له فالنفس نحوك جانحة
و كم أكسرتنا منك من غير قهوة ... شمائل تغنينا عن المسك فائحة
فلله أيام بقربك أسعدت ... غواد علينا بالسرور ورائحة
فساني الطولي لديك قصيرة ... و صفقة كفي في التجارة رابحة
و قد يصف كتابا ورد عليه من محبوب كان هجره، ووعده فيه باللقاء وبشرة:
نفسي فداء كتاب حاز كل مني ... جاء الرسول به من عند محبوب

(1/279)


مبشرا أن ذاك السخط عاد رضا ... و بدلت منه بعد بتقريب
حبيته ناظرا نحوي بناظره ... و مهديا لي ما في فيه من طيب
ظلت أطويه من وجد وانشره ... و كاد يلبيه تقبيلي وتقليبي
كم فيلة لي في عنوانه عذبت ... و بردت بالتلظي حر تعذيب
كأنه حين جلى الحزن عن خلدي ... " قميص يوسف في أجفان يعقوب "
لو كل ما فيه من موعوده كذبا ... شفي فكيف بوعد غير مكذوب
و كتب إليه بعض إخوانه متمثلا بقول القائل:
ودادكم كالورد ليس بدائم ... و لا خير فيمن لا يدوم له عهد
و ودي لكم كالآس حسنا وبهجة ... له خضرة تبقى إذا ذهب الورد
فراجعه بهذا الشعر:
لعمري لقد شرفت ودي بثلبه ... وصيرت لي فضلا عليك ومفخرا
صدقت: وداد الورد رطبا ويابسا ... و ماء إذا عصر الأزاهر أدبرا
و ودك مثل الآس ليس بنافع ... و لا نافح إلا إذا كان أخضرا
ألم تر أن الورد يكرم إن ذوي ... و يطرح في الميضاة آس تغيرا
أفضلت عبد السوء جهلا على الذي ... غدا في الأزاهير الأمير المؤمرا
و كتاب إلى الكتاب أبي عبد الله بن أبي الخصال، يراجعه عن شعر خاطبه به:
بماذا أكافي ندبا كساني ... حلى من علاه بها قد حباني
و قلد جيدي من دره ... ما لم تقلد نحور الغواني
محاسن أصبح لي لفظها ... معارا وأضحت لديه المعاني
فقل للذي حاز خصل المدى ... فليس يباريه في السبق ثاني
ألهذي شمائلك الزاهرا ... ت أهديتها أم ثغور الحسان
أم الأنجم الزهر أطلعتها ... على أفق بسماء البيان
أم الوشى ما نمنمت راحتا ... ك أم الأعين الحور جاءت رواني
أم الروض بات نديم الغمام ... يسقيه من غير بنت الدنان
يضاحكه عن ثغور البروق ... و يشدوه من وعده بالأغاني
تئن زف ودك نحوي لقد ... غدا من فؤادك بأعلى مكان
و مهما أساءت بطول البعاد ... خطوب فقد أحسنت بالتداني
كأن الزمان أتي تائبا ... إلي وأنت اعتذار الزمان
و من شعره الذي يزري بزهر الرياض وغنج الأعين المراض قوله:
أيا ممرضنا جسمي بأجفانه المرضى ... سلبت الكرى عني فهب منه لي البعضا
ليهنك غمض العين عمن تركته ... سمير نجوم الليل ما يطعم الغمضا
أتسخط من ذلي لعزك في الهوى ... و أرضى بخدي أن يكون لكم أرضا
قضى الله أن أشقى وغيري بوصلكم ... سعيد ومن يستطيع ردا لما يقضى
و مما أغرب به وأبدع قطعة تنفك منها ست قطع وهي:
نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمى ... مستحسن بصدوده أضناني
في فيه سمطا جوهر يروي الظما ... لو علني ببروده أحياني
ثم زاد في غرابة هذا المنزع بأن صنع قطعة تنفك منها تسع قطع وهي:
طيف سرى من خاطر القلب الذوي ... فوفى لنا بعداته وقضى الوطر
بذلك الكرى عن ناظر الصب الجوي ... و شفى الضنى بهباته ومضى حذر
و قال يصف تينا أسودا مكتبا:
أهلا بتين كالنهود حوالك ... ضمخن مسكا شيب بالكافور
و كأن ما زرت عليه جيوبها ... شهد يشاب بسمسم مقشور
و كأنما لبست لجينا محرقا ... فيه بقايا من بياض معطر
و قال يصف حماما:
أرى الحمام موعظة وذكرى ... لكل فتى أريب ذي ذكاء
يذكرنا عذاب ذوي المعاصي ... و أجيانا نعيم الأتقياء
شقا هجر يشوب نعيم وصل ... و حر النار في برد الهواء
إذا ما أرضه التهبت بنار ... تبادر سمكه هطلا بماء
كصدر الصب جاش بما يلاقي ... فلج الطرف منه بالبكاء
كأن له حبيبا بان عنه ... فبان وخانه حسن العزاء
و من شعره المطرب وتغزله المعجب قوله:
أيا قمرا في وجنتيه نعيم ... و بين ضلوعي من هواه جحيم
إلى كم أقاسي منك روعا وقسوة ... و صرما وسقما إن ذا لعظيم
و إني لأنهى النفس عنك تجلدا ... و أزعم أني بالسلو زعيم
فإن خطرت بالقلب ذكراك خطرة ... ظللت بلا لب إليك أهيم
و من مديحه الذي أبدع فيه وأغرب وذهب فيه أحسن مذهب قوله يمدح القادر رحمه الله تعالى :

(1/280)


ضمان على عينيك أني هائم ... تصدع قلبي حول وصلك حائم
فؤادك قاس ليس لي في رحمة ... و يوهم منك اللحظ أنك راحم
ظلمت ولم ترهب مغبة ما جنت ... جفون لها في العاشقين ملاحم
أظن عقاب الله نالك في الهوى ... فخصرك مظلوم وردفك ظالم
و لحظك مضني ما يفيق من الضنى ... كما ضنيت فيك الجسوم النواعم
و خدك بالألحاظ دائبا ... فكل له باللحظ مدم وكالم
يقولون غصن ألبان ما حاز خصره ... و دعص النقا ما حاز منه المعاكم
و في طوقة بدر الدجنة طالع ... تجلله قطع من الليل فاحم
و قالوا اللمى المحمر فص عقيقه ... بمبسمه المعسول والثغر خاتم
لك المثل الأعلى وفي الجهل عاذر ... بتقصيرهم إن لامهم فيك لائم
و ما أنت إلا آية الله في الورى ... و حكمته إن قال بالعلم عالم
لقد يخسوك الحق جهلا وأخطأت ... بما رجمت فيك الظنون الرواجم
كما يخسوا يحيى بن ذي النون حقه ... فقالوا ابن سعدي في النوال وحاتم
و قالوا حكى الضرغام في الروع بأسه ... و ذلك ما لا تدعيه الضراغم
و قالوا هو الدهر الذي ليس دونه ... حمى وهو المخدوم والدهر خادم
و أني لليث الغاب في الروع بأسه ... إذا صال في الهيجاء والنقع قاتم
و من أين للسيف الحسام مضاؤه ... إذا انتضيت للحرب منه العزائم
و من أين للمزن الكنهور جوده ... إذا انهملت من راحتيه المكارم
لنا بارق من بشره خلبا ... إذا شامه يوما من الناس شائم
عليه من المأمون يحيى مشابه ... ترى ولإسماعيل فيه مياسم
همامان شادا مجد له التقى ... أساس وأطراف الرماح دعائم
أبا الحسن استنشق ثنائي فإنما ... فؤادي دارين وشعري لطائم
لبست حلي للفضل حائكها التقى ... و معلمها الإفضال والمجد راقم
و أورثك المأمون صارمه الذي ... به لم تزل تفري الطلى والجماجم
فصمم ولا تحجم فإنك صارم ... حسام ومنه في يد الله قائم
لك السرحة الغناء في المجد لم تزل ... تروضها من راحتيك الغمائم
رياض لنا سجع بمدحك وسطها ... كأنا على أفنانهن حمائم
و دونك بكرا من ثنائي زففتها ... إليك كما زف الغوالي الكرائم
كستك بطليوس بها عبقرية ... كما انشق عن زهر الرياض كمائم
و ما أنت ذو فقر لما أنا واصف ... و لا أنا ذو إفك بما أنا زاعم
سجاياك تملي الفخر والدهر كاتب ... و علياك تعطي الدر والشعر ناظم
فدم عامرا للمجد تعنو لك العدا ... و تحسدنا فيك النجوم النواجم
قال أبو نصر: هذا ما سمح به خاطر لم تخطر عليه سلوة وذهن ناب لم ترهف له نبوة ووقت أضيق من المأزق المتداني ومقت للزمن شغلني عن كل شيء وعداني أتجرع به الصاب وأتدرع منه الأوصاب فما أتفرغ لإنشاء قول ولا أصحو من الانتشاء من هول وإلا فمحاسن هذا الرجل كانت أهلا أن يمتد عنانها ويسكب عنانها لكن عاق عن ذلك الدهر الذي شغل وأوغلنا في شعاب الأنكاد حيث وغل.
انتهى التأليف البارع.
و لابد أن نذكر ما لأبي نصر من القلائد في حق الرجال المذكور وأختصر ما جرى ذكره هنا من النظم.
قال في القلائد في حق الشيخ ابن السيد المذكور ما نصه: الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي شيخ المعارف وإمامها ومن في يده زمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارد لغات الإعراب إلى مقطع دمث ومنزع في النفاسة غير منتكث وكان له في دولة ابن رزين مجال ممتد ومكان معتد لما رأى الأحوال واختلالها والأقوال واعتلالها وتلك الشموس قد هوت ونجوم الآمال قد خوت وأضرب عن مثواه ونكب عن نجواه واغترب بلوعة ابنرزين وجواه ونصب نفسه لإقراء علوم النحو وقنع بتغييم جوه بعد الصحو وله تحقيق بالعلوم الحديثة والقديمة وتصرف في طرقها القويمة ما خرج بمعرفتها عن مضمار مشرع ولا نكب عن أصل للسنة ولا فرع وتواليفه في الشروحات وغيرها صنوف وهي اليوم في الآذان شنوف وقد أثبت له يريك شنوفه وتجد على النفس خفوفه.
فمن ذلك قوله في طول الليل: ترى ليلنا . . . . . البيتين وقد سبقا.

(1/281)


ثم قال الفتح: وأخبرني أنه حضر مع المأمون بن ذي النون في مجلس الناعور بالمنية التي تطمح إليها المنى ومرآها هو المقترح والمتمنى والمأمون قد احتبى وأفاض الحبا والمجلس يروق كأنه الشمس في أفقه والبدر كالتاج في مفرقه والنور عبق وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق والدولاب يئن كناقة إثر الحوار أو كثكلى من حر الأوار والجو قد عنبرته أنواؤه والروض قد رشته أنداؤه والأسد قد فغرت أفواهها ومجت أمواهها فقال: يا منظرا إن نظرت بهجته . . . . . الأبيات وقد تقدمت.
ثم قال الفتح : وله رقعة يصف بها هذا التصنيف يعني قلائد العقيان : تأملت فسح الله لسيدي ووليي في أمد بقائه كتابه الذي شرع في إنشائه فرأيت كتابا سينجد ويغور ويبلغ حيث لا تبلغ البدور وتبين به الذرى والمناسم وتغتدي له غرر في أوجه ومواسم فقد أسجد الله الكلام لكلامك وجعل النيران طوع أقلامك فأنت تهدي بنجومها وتردي برجومها فالنثرة من نثرك والشعري من شعرك والبلغاء لك معترفون وبين يديك متصرفون وليس يبارك مبار ولا يجاريك إلى الغاية مجار إلا وقف حسيرا وسبقت ودعي أخيرا وتقدمت لا عدمت شفوفا ولا برح مكانك بالآمال محفوفا بعزة الله.
و له يراجع الأستاذ أبا محمد بن جوشن عن شعر كتب به إليه وتضمن عزلا في أول القصيدة فحذا حذوه:
حلفت بثغر قد حمى ريقه العذبا ... و سل عليه من لواحظه عضبا
و فرحة لقيا أذهبت ترحة النوى ... و عتبي حبيب هاجر أعقبت عتبا
لقد هز عطفي بالقريض ابن جوشن ... سرورا كما هزت صبا غصنا رطبا
كساني ارتياح الراح حتى حسبتني ... حليف بعاد نال من حبه قربا
و أطربني حتى دعاني الورى فتى ... و قالوا كبير بعد كبرته شبا
كأن المثاني والمثالث هيجت ... سروري ولم أسمع غناء ولا ضربا
فيا مزمع الترحال قل لابن جوشن ... مقال محب لم يشب جده لعبا
أمهدي سجاياه إلي وناظما ... لي الشهب عقدا راقني نظمه عجبا
و ما خلت إهداء الشمائل ممكنا ... لمهد وأن الدهر ينتظم الشهبا
فهل نال عبد الله من سحر بابل ... نصيبا فأربي أو حوى الدهي والإربا
ليهنك فضل حزت من خصله المدى ... و نظم بديع قد غدوت له ربا
و هاك سلاما صادرا عن مودة ... عمرت به مني الجوانح والقلبا
و له رحمه الله في الزهد من لزوم ما لا يلزم:
أمرت إلهي بالمكارم كلها ... و لم ترضها إلا وأنت لها أهل
فقلت اصفحوا عمن أساء إليكم ... و عودوا بحلم منكم إن بدا جهل
فهل لجهول خاف صعب ذنوبه ... لديك أمان منك أو جانب سهل
و له رحمه الله يجيب شاعرا قرطبيا مدحه:
قل للذي غاص في بحر من الفكر ... بذهنه فحوى ما شاء من درر
لله عذراء زفت منك رائحة ... تختال من حبرها المرقوم في حبر
صدقها الصدق من ودي ومنزلها ... بصيرتي وسواد القلب لا بصري
كأنما خامرتني من بشاشتها ... راح وسكر بلا راح ولا سكر
هزت بدائعها عطفي من طرب ... لحسنها هزة المشغوف للذكر
ما كنت أحسب أن النيرات غدت ... يصيدها شرك الأوهام والفكر
و لا توهمت أيام الربيع ترى ... في تاجر غضة الأنوار والزهر
أما الجزاء فشئ لست مذركه ... و لو بدرت إلى التوجيه بالبدر
لكن جزائي صفاء الود أضمره ... إذا القلوب انطوت منه على كدر
جاراك ذهني في مضمارها فكبا ... ذهني وفزت بخصل السبق والظفر
و هل بطليوس في نظم مناظرة ... يوما لقرطبة في حكم ذي نظر
و له أيضا رحمه الله يصف زربطانة ملغزا:
و ذات عمى لها طرف بصير ... إذا رمدت فأبصر ما تكون
لها من غيرها نفس معار ... و ناظرها لذي الإبصار طين
و تبطش باليمين إذا أردنا ... و ليس لها إذا بطشت يمين
و كتب إلى الأستاذ أبي الحسن بن الأخضر رحمه الله:

(1/282)


يا سيدي الأعلى وعمادي وعمادي الأسنى وحسنة الزمان الحسني الذي جل قدره وسار مسير الشمس ذكره ومن أطال الله بقاءه لفضل يعلى مناره وعلم يحيى آثاره نح أعزك الله نتدانى إخلاصا وإن كنا نتناءى أشخاصا ويجمعنا الأدب وإن فرقنا النسب فالأشكال أقارب والآداب مناسب وليس يضر تناثي الأشباح إذا تقاربت الأرواح وما مثلنا في هذا الانتظام إلا كما قال أبو تمام رحمه الله:
نسيبي في رأيي وعلمي ومذهبي ... و إن بإعدتنا في الأصول المناسب
و لو لم يكن لمآثرك ذاكر ولا لمفاخرك ناشر إلا ذو الوزارتين أبو فلان أبقاه الله لقام لك مقام سبحان وائل وأغناك عن قول قائل فإنه يمد في مضمار ذكراك باعا رحيبا ويقوم بفخرك في كل ناد خطيبا حتى تنثني إليه الأحداق وتلوى نحوه الأعناق فكيف وما يقول إلا بالذي علمت يعد وما تقرر في النفوس من قبل ومن بعد فذكرك قد أنجد وغار ولم يسر فلك حيث سار وإن ليل جهل أطلعت فيه فجر تبصيرك لجدير بأن يصير نهار وإن نبع فكر قدحته بتذكيرك لجدير أن يعود مرخا فهنيئا لك الفضل الذي أنت فيه راسخ القدم شامخ العلم منشور اللواء مشهور الذكاء مليت الآداب عمرك ولا عدمت الألباب ذكرك ورقيت من مراتب أعلاها ولقيت من المآرب أقصاها بفضل الله .
و كتب مراجعا إلى الوزير أبي محمد بن سفيان رحمه الله: يا سيدي الأعلى وعمادي الأسنى ومشربي الأصفى ومن أدام الله عزه وحمى من النوائب حوزته وافاني لك كتاب سرى الموضع سنى الموقع أطال على إيجازه وأطمع بعد إعجازه وقابلت الرغبة التي ضمنتها فيه بما تقتضيه جلاله مهديه ولئن تراخى الكتاب عن حسن في ذلك العتاب فإن المودة لم يقدح فيها من الملل قادح ولم يسنح لها من الخلل سانح بل كانت كالبرد طوى على غره إلى أوان جلائه ونشره وقد علم علام الضمائر والذي يظن غائبا وهو حاضر أني أعتقدك القدح المعلى وأضرب بك المثل الأعلى وأرى أنك تحجيل واضح في دهمة الزمان وعلق راجح في كفة الامتحان وبقية سنخ كريم ما عهدهم عنا بذميم.
عليهم سلام الله ما ذر شارق ... و رحمة ما شاء أن يترحما
و ما أدعي لك جانبا من السيادة إلا لك عليه أعدل الشهادة ولكن قديما سفل ذو الرجحان وعاد الكمال على أهله بالنقصان وكبت الأعالي بارتفاع الأسافل حتى اقتضى ذلك قول القائل:
فوا عجبا كم يدعى الفضل ناقص ... و وا أسفا كم يظهر النقص فاضل
و قال المذمر للناتجين ... متى ذمرت قلبي الأرجل
و قد جاريتك أعزك الله في ميدان من البلاغة أنا فيه كمن كاثر البحر والمطر وجلب التمر إلى هجر والذي حداني إليه أنه مر بي زمن ألهي خاطري عنك فيه وسن فقلت قد كان من العقوق ترك رعاية الحقوق فلأستمطرن مزن القول فقد كنت عهدتها تسجم فتغدق ولأستسقين جابية الشيخ العراقي فقد كانت تطم فتفهق أيام كنت أسحب ذيل الشباب وأسلك مسلك الكتاب ويعجبني سلوك سهل الكلام وحوزته والتصرف بين أبكاره وعونه أستن استنان الطرف الجامح ولا أثنى عنان الطرف الطامح وأورى هامتي وأقول بما صبت على غمامتي إلى أن تعمم مفرقي بالقتير وعلتني أبهة الكبيرة وودعت زمني الزائل وعادت سهامي بين رث وناصل وعريت أفراس الصبا ورواحله وسددت على سوى قصد السبيل معادلة فلئن هريق ماء الشباب واستشن الأديم وأقشع السحاب وتجلت الغيوم فلعل في الأفق ربابه وفي الحوض صبابة وعسى أن يكون في أخلاف المقالة در يرضع في حقاق البلاغ در يرصع وزفنا عذراء لا ترضى إلا الأكفاء فليس يبين النجد إلا في مآزق الهيجاء ولا يحسن العقد إلا في عنق الحسناء ولأجعلن الشعر لها شعارا وفقر النثر لها دثارا فاهتصرها إليك ولهي عروبا قد رضيت بك محبا ومحبوبا فتضمخك بمسكها وتؤمنك من فركها وتذر ذرور الشمس عليك وتهز في ندوة الحي عطفيك فإن قضت من حقك فرضا ورتقت من فتق الإخلال ولو بعضا فذاك ما تضمنه الخاطر الذي نمنم بردها ونظم عقدها وإن أخلف الظن ما أوهم ووعد وقصر الذهن فيها أحكم وسدد فللخاطر عذر في أنه منصل أغفل شحده وجلاؤه حتى ذهب فرنده وماؤه ومنهل ضيع ورده فنضب عده:
و الشوال ما حلبت رسلها ... و تجف درتها إذا لم تحلب
و له من قصيدة يمدح بها ذا الوزارتين أبا محمد بن الفرج:
نبه الليل بالوجيف ولا تو ... لع بدار الهوان بالإغماض

(1/283)


و اقر ضيف الهموم كل أمون ... عنتريس وبازل شرواض
أنقذتني من الردى وطأتي البيد ... و نقض الهموم بالإنقاض
شكلها كالقسي وهي سهام ... للفلا والرغاء كالإنباض
خلنا حين الليل سبحا ... غمست من دجاه في خضاض
صدعت عرمض الدياجر حتى ... كرعت في كاء الصبح المفاض
حين راع الظلام وخط مشيب ... قد سرى في سواده ببياض
و قال في الزهد:
تجوهدك الأدنى عنيت بحفظه ... و ضيعت من جهل تجوهرك الأقصى
لقد بعت ما يبقى بما هو هالك ... و آثرت لو تدري على فضلك النقصا
و قال في ذلك أيضا: و ما دارانا إلا موات . . . . . البيتين.
و قد تمثلت بهما في خطبة هذا الكتاب فراجعهما.
و له أيضا يعزي ذا الوزارتين أبا عيسى بن لبون في أخيه:
المرء في أيامه عبر ... و الصفو يحدث بعده كدر
خرس الزمان لمن تأمله ... نطق وخبر صروفه خبر
نادي فأسمع لو وعت أذن ... و أرى العواقب لو أرى بصر
كم قال هبوا طالما هجعت ... منكم عيون حقها السهر
أبأذن من هو مبصري صمم ... أم قلب من هو سامعي حجر
لولا عماكم عن هدى نذري ... و مواعظي ما جاءت النذر
هذي مصارع معشر هلكوا ... وعظتم بالصمت فاعتبروا
و منها:
قالت أرى ليل الشباب بدت ... للشيب فيه أنجم زهر
فأجبتها لا تكثري عجبا ... من شيبة لم يجنها كبر
لكن طويت من الهموم لظى ... أضحى لها في عارضي شرر
و منها :
حسنت شمائلكم وأوجهكم ... فتطابقا مر أي ومختبر
و الحسن في صور النفوس وإن ... راقتك من أجسامها الصور
لا ضعضعت أيدي الخطوب لكم ... ركنا ولا راعتكم الغير
و قال يخاطب مكة أعزها الله:
أمكة النفوس الكرائم ... و لا برحت تنهل فيك الغمائم
و كفت أكف السوء عنك وبلغت ... مناها قلوب كي تراك حوائم
فإنك بيت الله والحرم الذي ... لعزته ذل الملوك الأعاظم
و قد رفعت منك القواعد بالتقى ... و شادتك أيد برة ومعاصم
و ساويت في فضل المقام كلاكما ... تنال به الزلفى وتحمى المآثم
و من أين تعدوك الفضائل كلها ... و فيك مقامان: الهدى والمعالم
و مبعث من ساد الورى وحوى العلا ... بمولده عبد الإله وهاشم
نبي حوى فضل النبيين واغتدى ... لهم أول في فضله وهو خاتم
و فيك يمين الله يلثمها الورى ... كما يلثم اليمني من الملك لاثم
و فيك لإبراهيم إذا وطئ الثرى ... ضحى قدم برهانها متقادم
دعا دعوة الصفا فأجابه ... قطوف من الفج العميق وراسم
فأعجب بدعوى لم تلج مسمعي فتى ... و لم يعها إلا ذكي وعالم
ألهفي لاقدار عدت عنك همتي ... فلم تنهض مني إليك العزائم
فيا ليت شعري هل أرى فيك داعيا ... إذا ما دعت لله فيك الغمائم
و هل تمحون عني خطايا اقترفتها ... خطى فيك لي أو يعملان رواسم
و هل لي من سقيا حجيجك شربة ... و من زمزم يروى بها النفس حائم
و هل لي في أجر الملبين مقسم ... إذا بذلت للناس فيك المقاسم
و كم زار مغناك المعظم مجرم ... فحطت به عنه الخطايا العظائم
و من أين لا يضحى مرجيك آمنا ... و قد أمنت فيك المها والحمائم
لئن فاتتني منك الذي أنا رائم ... فإن هوى نفسي عليك لدائم
و إن يحمني حامي المقادير مقدما ... عليك فإني بالفؤاد لقادم
عليك سلام الله ما طاف طائف ... بكعبتك العليا وما قام قائم
إذا نسم لم تهد عني تحية ... إليك فهديها الرياح النواسم
أعوذ بمن أسناك من شر خلقه ... و نفسي فما منها سوى الله عاصم
و أهدي صلاتي والسلام لأحمد ... لعلي به من كبة النار سالم
انتهى ما أوردة في القلائد دون ما قدمناه.
و لنختم ترجمة ابن السيد بقوله:
إليك أفر من ذلي وذنبي ... فأنت إذا لقيت الله حسبي
و زورة أحمد المختار قدما ... مناي وبغيتي لو شاء رتبي
فإن أحرم زيارته مجسمي ... فلم أحرم زيارته بقلبي

(1/284)


فدونك يا رسول الله مني ... تحية مؤمن وهدي محب
سأجعل عروتي الوثقى يقيني ... لصحة ما أتيت به وحبي
عسى ود ثوى لك في فؤادي ... على بعد سيوجب منك قربي
شهدت بأن دينك خير دين ... بلا شك وصحبك خير صحب
و لنمسك العنان .
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله:
الشيخ أبو علي الجياني وهو حسين بن محمد بن أحمد الغساني بغين معجمة وسين مهملة مشددة الجياني بجيم ومثناة من أسفل مشددة رئيس المحدثين بقرطبة وليس هو منها وإنما نزلها أبوه في الفتنة وأصلهم من الزهراء.
روى عن أبي العاصي حكم بن محمد الجذامي وأبي عمر بن عبد البر وأي شاكر القبري وأبي عبد الله محمد بن عتاب وأبي القاسم حاتم بن محمد وأبي عمر بن الحذاء القاضي وأبي مروان الطبني والقاضي سراج بن عبد الله وابنه أبي مروان وأبي الوليد الباجي وأبي العباس العذري وجماعة غيرهم يطول تعدادهم سمع منهم وكتب الحديث عنهم.
و كان من جهابذة المحدثين وكبار العلماء المستندين وعني بالحديث وكتبه وروايته وضبطه وكان حسن الحظ جيد الضبط وكان له بصر باللغة والأعراب ومعرفة بالغريب والشعر والأنساب وجميع من ذلك كله مالم يجمعه أحد في وقته ورحل الناس إليه وهولوا في رواية عليه وجلس لذلك بالمسجد الجامع بقرطبة،و سمع منه أعلام قرطبة وكبارها، وفقهاؤها وجلتها.
أخبر عنه واحد من الشيخ، ووصفوه بالجلالة ، والحفظ والنباهة، والتواضع والصيانة. وذكره الشيخ أبو الحسن بن مغيث فقال: كان من أكمل من رأيت علما بالحديث، ومعرفة بطرقه، وحفظا لرجاله، عانى كتب اللغه، وأكثر من رواية الأشعار، وجمع من سعة الرواية ما لم يجمعة أحد أدركناه؛ وصحح من الكتب ما لم يصححه غيره من الحفاظ، كتبه حجة بالغة، وجمع كتابا في الرجال الصحيحين، سماه " تقييد المهمل المشكل " وهو كتاب حسن مفيد، أخذه الناس عنه.
قال أبو القاسم بن بشكوال: قرأت بخط أبي علي رحمه الله تعالى في كتابه: أنا حكم بن محمد ، قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن رزيق، قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البغدادي الوراق، قال: سمعت ابن الأصم يقول: سمعت أبي يقول - إذا رأى أصحاب الحديث - :
أهلا وسهلا بالذين أحبهم ... و أودهم في الله ذي الآلاء
أهلا بقوم صالحين ذوي تقى ... غر الوجوه وزين كل ملاء
يا طالبي علم النبي محمد ... ما أنتم وسواكم بسواء
و أصابت الشيخ أبا علي زمانه عطلته، فأعمل الرحالة إلى المرية للاستشفاء، بماء حمتها، حمة بجانة؛ فقدم عليها في صدر المحرم سنة ست وتسعين وأربع مائة؛ وكان نزوله بها على الشيخ الفقيه أبي الربيع سليمان السبائي وفي منزله وبقراءته وقراءة القاضي أبي القاسم بن ورد ، وكان أكثر ما سمع عليه من بالمرية ويوجد السماع عليه بحمية بجانة؛ ثم قفل إلى قريته، وبها توفى رحمه الله ليلة الجمعة لاثني عشرة ليلة خلت من شعبان وقال أبو جعفر بن الباذش لعشرة خلون منه سنة ثمان وتسعين وأربع مائة؛ ودفن يوم الجمعة بمقبرة الربض عند الشريعة القديمة؛ ومولده في المحرم سنة سبع وعشرين وأربع مائة؛ وكان لزم داره قبل موته لزمانته.
ذكر ذلك كله ابن بشكوال؛ وفيه عن غيره، وهذا هو الصحيح الذي لا يلتفت إلى غيره، ممن قال إن وفاته سنة ست وتسعين وأربع مائة. والله أعلم.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله تعالى:
القاضي الشهير الشهيد أبو علي الصدفي. وهو حسين بن محمد بن فيره ابن حيون بن سكرة. وفيره " بكسر أوله، وياء مثناة في أسفل، وراء مضمومة مشددة، وهاء ساكنة " : قيل معناه الحديد بلغة العجم، وقد صرح بذلك صاحب الديباج المذهب. وحيون بحاء مهملة، وياء مثناة من أسفل مشددة. وسكرة: " بضم السين المهملة، وفتح الكاف المشددة، وآخره تاء تأنيث " : مؤنت سكر. والصدفي: بفتح أوله وثانيع. وهو من أهل سرقسطة،سكن مرسية، وروى بسرقسطة عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وأبي محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل وغيرهما، وسمع ببانسية من أبي العباس العذري، وسمع بالمرية من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي، وأبي عبد الله بن المرابط، وغيرهما.

(1/285)


و رحل إلى المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربع مائة، وحج من عامه، ولقي بمكة أبا عبد الله الحسين بن علي الطبري: إمام الحرمين، وأبا بكر الطرطوشي، وغيرهما، ثم صار إلى البصرة، فلقي بها أبا يعلى المالكي، وأبا العباس الجرجاني، وأبا القاسم بن شعبة، وغيرهم؛ وخرج إلى بغداد، فسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد الله السلام الأصبهاني وغيره، ودخل بغداد يوم الأحد السادس عشر لجمادى الآخرة، سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة، فأطال الإقامة بها خمس سنين كاملة، وسمع بها من أبي الفضل أحمد بن الحسن ابن خيرون مسند بغداد، ومن أبي الحسين بن البارك بن عبد الجبار الصيرفي، وأبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، وأبي الفوارس طراد بن محمد الزينبي، وأبي عبد الله الحميدي؛ وتفقه على الفقيه أبي بكر الشاشي وغيره، وسمع من جماعة سواهم من رجال بغداد ومن القاديمين عليها أيام كونه بها. ثم رحل عنها في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وأربع ملئة، فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وأبي الفرج سهل بن بشر السفرائني وغيرهما، وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن علي بن الحسين الخلعي، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي وأجازه له أبو إسحاق الحبال مسند مصر في وقته ومكثرها؛ وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم مهدي بن يوسف الوراق، ومن أبي القاسم شعيب بن سعد وغيرهما.
و وصل إلى الأندلس في صفر من سنة تسعين وأربع مائة؛ وقصد مرسية، فاستوطنها، وقعد يحدث الناس بجامعها؛ ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه، وكان عالما بالحديث وطرقه، عارفا بعلله وأسماء رجاله ونقلته، بصيرا بالمعدلين؛ وكان حسن الخط، جيد الضبط وكتب بيده علما مثيرا وقيده؛ وكان حافظا لمصنفات الحديث، قائما عليها، ذاكرا لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها صحيح البخاري في سفر، وصحيح مسلم في سفر، وكان قائما على الكتابين، مع مصنف أبي عيسى الترمذي. وكان فاضلا دينا ، متواضعا حليما، وقورا عالما عاملا؛ واستقضي بمرسية ثم استعفي فأعفى؛ وأقبل على نشر العلم وبثه.
قال ابن الأبار: وقد ذكره أبو القاسم بن عساكر في تاريخه، لدخوله الشام. قال: وبعد أن استقرت به النوى، واستمرت إفادته بما قيد وروى؛ رفعته ملوك أوانه، وشفعته في مطالب إخوانه؛ فأوسعته رعيا، وحسنت فيه رأيا؛ ومن ابنائهم من جعل يقصده، لسماع مسنده. وعلى وقاره الذي كان به يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستظرف، وهو أن فتى منهم يسمى يوسف، لازم مجلسه، معطرا رائحته، ومنظفا ملبسه، ثم غاب لمرض قطعه، أو شغل منعه؛ ولما فرغ أو أبل، عاود ذلك النادي المبارك والمحل؛ وقبل إفضائه إليه دل طيبه عليه؛ فقال الشيخ، على نزاهته من المجون، وسلامته من الفتون: " إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون " . وهي من طرف نوادره، رحمة الله عليه.

(1/286)


و لما قلد الشيخ أبو علي قضاء مرسية، وعزم عليه في توليه، ولم يوسعه عذرا في استعفائه مقدمه لذلك وموليه؛ خرج منها إلى المرية، فأقام بها، سنة خمس وبعض سنة وخمس مائة. وفي سنة ست قبل قضاءها على كره، إلى أن استعفى آخر سنة سبع، في قصة يطول إيرادها. ولطول مقامه بالمرية أخذ الناس عنه فيها، فلما كانت وقعة كتندة، ويقال قتندة بالقاف، من خيز دورقة، من عمل سرقسطة، من الثغر الأعلى، وذلك سنة أربع عشرة وخمس مائة وكان الشيخ أبو هلي ممن حضرها هو وقرينه في الفضل أبو عبد الله بن الفرج، خرجا مع الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين غازيين، فكانا فيمن فقد فيها واختلف فيها أصحابه، فجعلها أبو جعفر بن الباذش بعد العصر، من يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع الآخر، من السنة المذكورة، وتابعه أبو عبد الله بن عبد الرحيم؛ وجعلها القاضي أبو الفضل عياض بن موسى يوم الخميس، لست بقين منه. وقال أبو القاسم بن بشكوال: استشهد القاضي أبو علي في وقعة قتندة، بثغر الأندلس، يوم الخميس ووافق عياضا إلا في الشهر، فانه قال من ربيع الأول. قال ابن الأبار: وهو الأصح. وقال أبو عمرو والخضر بن عبد الرحمن: توفي في الكائنة على المسلمين بكتندة، عشي يوم الخميس، الثامن عشر من شهر ربيع الأول، فتابع ابن بشكوال على الشهر. قال أبو عبد الله بن الأبار: وقرأت بخط أبي عبد الله بن مدرك بن الغساني المالقي: استشهد الفقيه أبو علي رحمه الله تعالى في وقعة كتندة، يوم الخميس، التاسع من ربيع الأول، وذكر السنة. قال: وكنت على المسلمين، جبرهم الله تعالى قتل فيها من المطوعة نحو عشرين ألفا، ولم يقتل فيها من العسكر يعني الجند أحد، وحكي غيرهم أن العسكر انصرف مفلولا إلى بلنسية، في الموفى عشرين من ربيع الأول أيضا ، وأن القاضي أبا بكر بن العربي حضرها. قال: وسئل مخلصه منها عن حاله، فقال، حال من ترك الخبا والعبا. قال أبي بشكوال: وكان القاضي أبو علي يومئذ من ابناء الستين، وقد ذكره ابن بشكوال، وقال: وهو ممن كتب إلينا بإجازة ما رواه، ولم ألقه. وذكره ابن الأبار في معجم أصحابه، وقد ألف ابن الأبار هذا المعجم في أصحاب القاضي أبي علي ، كما ألف القاضي أبو الفضل عياض بن موسى نعجم شيوخه، رحمة الله عليهم أجمعين.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله تعالى:
أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام الهلالي، يعرف بابن بقوى، ويقال ابن بقوة، من أهل غرناطة، وسكن المرية وسمع من شيوخ المرية، مثل طاهر ابن هشام الأزدي، وأبي محمد حجاج بن علي بن محمد الرعيني، المعروف بابن المأموني، وأبي القاسم خلف بن أحمد الجراوي، وأبي العباس أحمد بن عمر العذري، وغيرهم؛ ومن الطارئين عليها، مثل القاضي أبي الوليد الباجي، وأبي عبد الله محمد بن سعدون القروي. وكان جروجه من المرية بعد سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة، وسكن غرناطة مدة، وولي الأحكام بعدة جهات من كورة ألبيرة. وكان من حفظ الحديث المعتنين بالتنقير عن معانيه، واستخراج الفقه منه، مع التقدم في حفظ مسائل الرأي، والبصر بعقد الوثائق، والتقدم في معرفة أصول الدين. روى عنه جماعة. وولد في صفر سنة أربع وأربعين وأربع مائة، وتوفي بغرناطة في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وخمس مائة؛ ذكره ابن بشكوال.
ومن أشياخ القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله :
القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي بن سعيد بن عبد الله بن شبرين، بشين معجمة مكسورة، وباء موحدة ساكنة، وراء مكسورة، بعدها ياء، آخر الحروف، وآخره نون، الجذامي، من أهل مرجيق: حصن من حصون شلب، بينها أربعون ميلا من الغرب.
أخذ عن القاضي أبي الوليد الباجي كثيرا من مروياته وتآليفه، وصحبه واختص به، وكان من أهل العلم ، والمعرفة والفهم، عالما بالأصول والفروع، واستقصى بإشبيلية، وحمدت سيرته، ولم يزل يتولى القضاء بها، إلى أن توفي ليلة الأربعاء لثلاث خلون من رجب الفرد، سنة ثلاث وخمس مائة.

(1/287)


قال ابن بشكوال: كتب إلي القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بوفاته، وقال قيدتها حين وفاته. قلت: وهذا هو الصواب لا ما قله بعض من شرح الشفا: أنه توفي يوم الخميس رابع رجب المذكور، ولعله ظن أن يوم دفنه يوم وفاته، على أن مثل هذا قريب، لا سيما إن كانت وفاته آخر الليل، فلا يكون بين اليوم والليلة إلا مديدة قليلة جدا ، فافهم.
و حكي القاضي أبو الحسن عيسى بن حبيب : أنه رحل إلى أبي الوليد الباجي سنة تسع وستين وأربع مائة، وصحبه بسرقسطة، ثم سافر معه إلى الورية، حتى مات أبو الوليد، فكانت صحبته له نحو أربعة أعوام، ووصل من منفعته به في العلم في هذه المدة، ما لم يصل إليه غيره منه في المدة الطويلة، رحمهما الله تعالى ؛و أجاز له جميع رواياته أبو العباس العذري، وأبو القاسم عبد الجليل الربعي القيرواني، مع تواليفه، وأجاز له أبو عبد الله بن المرابط روايته عن الطلمنكي وخلف البغوي، وصحب بعد وفاة القاضي أبي الوليد الباجي ابنه أبا القاسم، وأجاز له جميع ما رواه، وانصرف إلى حصن مرجيق، فولى الأحكام به، ثم نقل إلى قضاء شلب، فأقام بها قاضيا أعواما، ثم نقله الأمير سير بن أبي بكر إلى قضاء إشبيلية، بعد صرف أبي القاسم بن منظور عن قضائها، فضبط الأمر، وجمع المتفرق من شئون القضاء، وكان صليبا في الحق، نافذا في أحكامه، لا تأخذه في الله لومة لائم، وشنئه أقوام، فبغوا عليه، بغيا وحسدا، عند أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، فصرفه عن القضاء، ثم لم يلبث إلا نحو خمسة عشر يوما، حتى رده إليه أحسن رد. وكان الفقيه أبو مروان عبد الله بن شبزين. ولم يزل قاضيا بإشبيلية، مضطلعا بأعباء القضاء، حسن السياسة فيه، ناشرا للعلم، إلى أن توفي بها، رحمه الله تعالى . ذكره ابن بشكوال.
و إذا تتبعنا أشياخ القاضي عياض بالتعريف، لم يسمع ذلك هذا الموضوع، وقد تقدم أنهم نحو المائة ، ورتبهم ولده على الحروف، حسبما نقل من فهرسته.
فمنهم في حرف الهمزة:
الشيخ بن بقي وهو أحمد بن محمد بن محمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد ابن بقي بن مخلد. ولد في شعبان سنة ست ة أربعين وأربع مائة. ومات منسلخ ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة. وكف بصره بآخر عمره. رحمه الله .
ومنهم في هذا الحرف: أبو جعفر بن المرخي، وهو أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخمي توفي ليلة الجمعة لثمان بقين من ربيع الأول ، سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة.
ومنهم: الشيخ ابن غلبون، وهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عثمان ابن غلبون، بفتح الغين المعجمة، وضم الباب الموحدة، وآخره نون. ولد سنة ثمان عشرة وأربع مائة، ومات في شعبان سنة ثمان وخمس مائة.
و منهم: أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الشارقي، توفي قرب خمس مائة.
و منهم: أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر بن أحمد الفقيه اللواتي، بفتح اللام منسوب للواتة، مخففة الواو، مفتوحتها، ومفتوحة اللام أيضا ، وتاء مثناة من فوق، قبيلة. الفاسي، نسبة لفاس الحضرة المشهورة، حاط الله أرجاءها، وبلغها من الأمن والعافية رجاءها. مات في الثامن من جمادي الآخرة، سنة ثلاث عشرة وخمس مائة .
و منهم: أحمد بن سعيد بن بشتغير، وأحمد بن محمد بن مكحول، إلى غيرهم من جملة سبعة عشر رجلا في هذا الحرف، أعني حرف الهمزة.
ومنهم في حرف الحاء:
الحسين بن محمد الصدفي، والحسين بن محمد الغساني، وقد تقدم الكلام عليهما، والحسين بن عبد الأعلى السفاقسي، والحسين بن علي بن طريف.
ومنهم في حرف الخاء:
خلف بن إبراهيم أبو القاسم الخطيب المقري. وهو خلف بن إبراهيم بن خلف بن سعيد المعروف بابن النخاس، بخاء معجمة، وبابن الحصار. ولد سنة سبع وعشرين وأربع مائة، وتوفي بقرطبة يوم الثلاثاء، سادس عشر صفر سنة إحدى عشرة وخمس مائة. وخلف بن خلف الأنصاري بن الأنقر. وخلف ابن يوسف بن فرتون.
ومنهم في حرف الميم:
القاضي أبو الوليد بن رشد، والقاضي عبد الله بن حمدين، والقاضي أبو عبد الله بن الحاج، والقاضي ابن العربي، والقاضي ابن شبرين، وقد تقدم ذكرهم.

(1/288)


و أبو عبد الله التميمي، وهو محمد بن عيسى بن حسين، ولد سنة تسع وعشرين وأربع مائة، ومات بسبتة صبيحة يوم السبت لتسع بقين من جمادى الأولى سنة خمس وخمس مائة.
و أبو عامر محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل الطليطلي، بظم الطاءين. ولد سنة ست وخمسين وأربع مائة ومات بقرطبة، في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة.
و أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد بمثناة من فوق مفتوحة، الشاطبي الرعيني، منسوب لذي رعين من حمير. ولد سنة أربع وأربعين وأربع مائة ومات في ربيع الآخر سنة سبع عشرة وخمس مائة.
و من شعره رحمه الله ورضى عنه:
الليالي تسوء ثم تسر ... و صروف الزمان ما تستقر
بينما المرء في حلاوة عيش ... إذ أتاه على الحلاوة مر
فالكريم المصاب يفزع فيه ... لكريم وينفع الحر حر
و أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الأشقري المقري النحوي، مات سنة خمس وخمس مائة. ومحمد بن علي الشاطي ابن الصيقل، ومحمد بن سليمان النفزي بن أخت غانم، ومحمد بن عيسى التجيبي القاضي، إلى غيرهم من جملة أحد وثلاثين شيخا في هذا الحرف، منهم المازري والطرطوشي، لكن بالإجازة له، إذ لم يلقهما كما سيأتي قريبا.
ومنهم في حرف العين:
أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي، وقد تقدم ذكره. وأبو محمد بن عتاب الجذامي، الإمام الشهير، فقيه قرطبة وإمامها، وشيخ زمانه في العلم الموروث كابر عن كابر، توفي سنة ثمان وخمس مائة. وأبو محمد عبد الله بن أبي جعفر، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الله الخشني. وعبد الرحمن بن محمد السبتي ابن العجوز، وعبد الله بن محمد بن أيوب الفهري. وعبد الرحمن بن محمد بن بقي. وعلي بن أحمد الأنصاري بن الباذش. وأبو الحسن علي بن مشرف " اسم مفعول شرف بالتشديد " وهو ابن مسلم " مفعول، سلم مشدد " ابن أحمد بن عبد المنعم بن عبد الرحمن الأنماطي " بفتح الهمزة " ، الإسكندراني . وأبو محمد عبد الله بن أحمد العدل " بالفتح وسكون الدال " التميمي ومات بسبتة عام أحد وخمس مائة. وعلى بن عبد الرحمن التجيبي بن الأخضر؛ إلى غيرهم من جملة سبعة وعشرين في هذا الحرف.
ومنهم في حرف الغين:
غالب بن عطية المحاربي، وقد تقدم.
ومنهم في حرف السين:
سراج بن عبد الملك بن سراج أبو الحسن. وأبو بحر سيفان بن العاصي الأسدي، مات بقرطبة لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة عشرين وخمس مائة، وولد سنة تسع وثلاثين، وقيل لربعين وأربع مائة، وفي سنة وفاته المذكورة توفي القاضي أبو بكر الطرطوشي رحمه الله ، وفيها أيضا توفي الإمام المؤرخ الشيخ الراوية، أبو مروان حيان بن حيان رحمه الله .
و شيوخ القاضي أبي الفضل في هذا الرف خمسة.
ومنهم في حرف الشين:
شريح بن محمد الرعيني الإشبيلي.
ومنهم في حرف الهاء:
أبو الوليد هشام بن أحمد بن العواد، الفقيه المشهور، ولد سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة، وتوفي سنة تسع وخمس مائة.
وهشام بن أحمد الهلالي الغرناطي، وقد تقدم ذكره.
ومنهم في حرف الياء:
يونس بن محمد بن مغيث بن الصفار.
و يوسف بن موسى الكلبي، سمع القاضي أبو الفضل منه أرجوزته.
و هو الضرير الأديب النحوي المتكلم الزاهد. وأصله من سرقسطة، وسمن مراكش، وبها توفي سنة عشرين وخمس مائة. وهو من تلاميذ أبي بكر محمد ابن الحسن المرادي الحضرمي . والمرادي هذا أول من أدخل علوم الاعتقاد إلى المغرب القصى، وسكن بأغمات؛ فلما توجه أبو بكر بن عمر إلى الصحراء حمله وولاه القضاء، فمات بأركر من صحراء المغرب سنة تسع وثمانين وأربع مائة؛ فخلفه أبو الحجاج يوسف في علوم الإعتقادات، وغلب عليه الزهد؛ وله أرجوزة صغرى في علم الاعتقاد، قرأها عليه القاضي أبو الفضل عياض، كما ذكرناه.
قال عياض: وأجاز جميع تآليفه ورواياته وكتاب التحرير لشيخه المرادي أخذ أبي الحجاج ، قال عياض رحمه الله المرادي رحمه الله تعالى :
علمي بقبح المعاصي حين اركبها ... يقضي بأني محمول على القدر
لو كنت أملك نفسي أو أصرفها ... ما كنت أطرحها في لجة العذر
كلفت فعلا ولم أقدر عليه ولم ... أكن لأفعل أفعالا بلا قدر

(1/289)


و كان في عدل ربي أن يعذبني ... فلم أشاركه في نفع ولا ضرر
إن شاء نعمني وإن شاء عذبني ... أو شاء صورني في أقبح الصور
يا رب عفوك عن ذنب قضيت به ... عدلا على فهب لي صفح مقتدر
و من شيوخ القاضي عياض رحمه الله تعالى في حرف الياء: يوسف بن عبد العزيز بن عديس الطليطلي رحم الله جميعهم.
وممن أجاز القاضي أبا عياض ولم يلقه:
الشيخ الأستاذ أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي الطائر الصيت الشهير الذكر وقد تقدم ذكر وفاته.
و هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الطرطوشي بضم الطاءين المهملتين وقد تفتح الطاء الأولى أصله من طرطوشة بلاد الأندلس ويعرف بابن أبي رندقة براء مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة ثم قاف كنيته أبو بكر وهو المعنى بقول ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق: " و قال الأستاذ : ومقتضاه إذا باعه قبل التقويم أن يقوم " .
صحب القاضي أبا الوليد الباجي بسر قسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجازه وقرأ الفرائض والحساب بوطنة قرأ الأدب على أبي محمد ابن حزم بمدينة إشبيلية.
ثم رحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربع مائة وحج ودخل بغداد والبصرة فتفقه عند أبي بكر الشاشي وأبي أحمد الجرجاني وسمع في البصرة من أبي علي التستري وسكن الشام مدة ودرس بها وكان إماما عالما عاملا زاهدا متواضعا دينا ورعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا منها بالسير.
و من كلامه رضي الله عنه: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر أخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى.
و له عدة تآليف منها مختصر تفسير الثعالبي والكتاب الكبير في مسائل الخلاف وكتاب في تحريم جبن الروم وكتاب سراج الملوك وهو من أنفع الكتب في بابه وأشهرها وكتاب بدع الأمور ومحدثاتها وكتاب شرح رسالة ابن أبي زيد.
ولد سنة إحدى وخمسين وأربع مائة تقريبا وتوفي في ثلث الليل الأخير من ليلة السبت لأربع بقين من جماد الأولى وقال ابن بشكوال في الصلة : في شعبان سنة عشرين وخمس مائة كما تقدم بثغر الإسكندرية وصلى عليه ولده محمد ودفن قبلي الباب الأخضر. رحمه الله ورضي عنه.
و قال ابن خلكان في حقه ما نصه : محمد بن الوليد بن محمد بن خلف ابن سليمان بن أيوب القريشي الفهري الأندلسي الطرطوشي المالكي المعروف بابن أبي رندقة بالراء المهملة المفتوحة وتسكين النون إمام ورع وأديب متقلل. وكان يقول : إذا عرض لك أمران : أمر أخرى وأمر دنيا فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى.
و له طريقة في الخلاف وله أشعار منها:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... و أنت بأنجازها مغرم
فأرسل بأبلة خلابة ... به صمم أغطش أبكم
و دع عنك كل رسول سلوى ... رسول يقال له الدرهم
قال الطرطوشي: كنت ليلة نائما في البيت المقدس إذ سمعت في الليل صوتا حزينا ينشد:
أخوف ونوم ذا لعجيب ... ثكلتك من قلب فأنت كذوب
أما وجلال الله لو كنت صادقا ... لما كان للإغماض فيك نصيب
قال: فأيقظ النوم وأبكى العيون.
و كان الطرطوشي ينشد:
إن لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوا لجة وأتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
و دخل الطرطوشي على الأفضل بن أمير الجيوش فوعظه وقال: إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة فإن الله عز وجل سائلك عن النقير والقطمير والفتيل وأعلم أن الله عز وجل آتي سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ورفع عنه حساب ذلك أجمع فقال عز من قائل: )هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب( فما عد ذلك نعمة كما عدد تموها ولا حسبها كرامة كما حسبتموها بل خاف أن يكون استدراجا من الله عز وجل فقال: )هذا من فضل ربي ليبلوني أ أشكر أم أكفر( فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فأنشده:
يا ذا الذي طاعته قربة ... و حقه مفترض واجب

(1/290)


إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب
و أشار إلى ذلك النصراني فأقام الأفضل من موضعه.
و توفي الطرطوشي سنة عشرين وخمس مائة بالإسكندرية.
انتهى كلام ابن خلكان. وذكرته برمته وإن كان بعضه قد تقدم تكميلا للغرض وقد يقع لي مثل هذا في هذا الموضع كثيرا والقصد به التقوية لما تكرر معه أو غير ذلك كارتباط الكلام بعضه ببعض وعلى الله قصد السبيل.
وممن أجاز القاضي عياض ولم يلقه:
الشيخ الإمام المجتهد أبو عبد الله المازري محمد بن علي بن عمر بم محمد التميمي المازري بفتح الزاي عند الأكثر وجوز كسرها جماعة نسبة إلى مازر بليدة بجزيرة صقلية أعادها ا. أخذ عن الشيخين أبي الحسن اللخمي وأبي محمد بن عبد الحميد القروي المعروف بالصائغ وكان إماما محدثا وهو أحد الأئمة الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه عمدة النظار وتحفة الأمصار المشهور في الآفاق والأقطار حتى عد في المذهب إماما وملك من مسائله زماما. وله تآليف مفيدة عظيمة النفع منها كتاب المعلم بفوائد مسلم وكتاب التعليقة على المدونة وكتاب شرح التلقين وكتاب الرد على الإحياء للغزالي المسمى بكتاب الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء وكشف الغطا عن لمس الخطا وكتاب إيضاح المحصول من برهان الأصول وتعليقة على أحاديث الجوزقي وله أيضا إملاء على شيء من رسائل إخوان الصفا سأله السلطان تميم عنه وكتاب النكت القطعية في الرد على الحشوية والذين بقدم الأصوات والحروف وفتاوى.
توفي ثامن عشر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمس مائة وقيل يوم الاثنين ثامن الشهر المذكور بالمهدية وعمره ثلاث وثمانون سنة رحمه الله ورضي عنه.
و حكى أن بعض طلبة الأندلس ورد على المهدية وكان يحضر مجلس المازري ودخل شعاع الشمس من كوة فوقع على رجل الشيخ المازري فقال الشيخ: هذا شعاع منعكس فذيل الطالب المذكور حين رآه متزنا فقال :
هذا شعاع منعكس ... لعلة لا تلتبس
لما رآك عنصرا ... من كل علم ينبجس
أتى يمد ساعدا ... من نور علم يقتبس
و أظن أني رأيت هذه الحكاية في نظم الدر والعيقان للشيخ الحافظ أبي عبد الله التلمساني فلتراجع ثم لأني نقلتها بالمعنى.
وممن أجاز القاضي عياض ولم يلقه:
الشيخ الحافظ إمام المحدثين أبو الطاهر السلفي أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين.
قال ابن خلكان: هو أحمد الحفاظ المكثرين. رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب. ورد بغداد واشتغل بها على الكيا أبي الحسن على الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي باللغة وروى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل وجاب البلاد وطاف الآفاق ودخل الإسكندرية سنة إحدى عشرة وخمس مائة في ذي القعدة وكان قدومه إليها في البحر من مدينة صور وأقام بها وقصده الناس من الأماكن البعيدة وسمعوا عليه وانتفعوا به ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله. وبني له العادل أبو الحسن علي بن السلار وزير الظافر العبيدي صاحب مصر في سنة ست وأربعين وخمس مائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها إليه وهي معروفة به الآن. وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية وسمعت عليهم وأجازوني وكان قد كتب الكثير ونفلت من خطة فوائد جمة ومن جملة ما نقلت من خطة لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي في قصيدة:
لولا اشتغالي بالأمير ومدحه ... لأطلت في ذاك الغزال تغزلي
لكن أوصاف الجلال عذبن لي ... فتركت أوصاف الجمال بمعزل
و نقلت من خطه أيضا لبثينة صاحبة جميل ترثيه:
و إن سلوى عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
و كان كثيرا ما ينشد:
قالوا نفوس الدار ساكنها ... و أنتم عندي نفوس النفوس
و أماليه وتعاليقه كثيرة والاختصار بالمختصر أولى.

(1/291)


و كانت ولادته اثنتين وسبعين وأربع مائة تقريبا بأصبهان وتوفي ضحوة نهار الجمعة وقيل ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمس مائة بثغر الإسكندرية . ودفن في وعلة وهي مقبرة داخل السور عند الباب الأخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره وهي بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء. ويقال إن هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري صاحب ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى آمين.
قلت: وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية من جملتهم الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المحدث محدث مصر في زمانه يقولون في مولد الحافظ السفي هذه المقالة. ثم وجدت في كتاب : زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن جفص الصفراوي الإسكندري وأن الحافظ السلفي المذكور وهو شيخه كان يقول: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان وسبعين فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانيا وتسعين سنة. هذا آخر كلام الصفراوي المذكور.
و رأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي فإنه قال : قال عبد الغني المقدسي: سألت الحافظ السلفي عن مولده فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربع مائة وكان لي من العمر حدود عشر سنين.
قلت: ولو كان مولده على ما يقوله أهل مصر إنه في سنة اثنتين وسبعين ما كان يقول أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربع مائة فإنه على ما يقولونه قد كان عمره ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة ولم تجر العادة أن من يكون في هذا السنة يقول: أنا أذكر القضية الفلانية وإنما يقول ذلك من يكون عمره تقديرا أربع أو خمس أو ست سنين.
فقد ظهر بهذا أن قول الفراوي تلميذه أقرب إلى الصحة وقد سمع منه أنه قال : مولدي في سنة ثمان وسبعين وليس الصفراوي ممن يشك في قوله ولا يرتاب في صحته مع أننا ما علمنا أن أحدا منذ ثلاث مائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلا عن أنه زاد عليها سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري فإنه عاش مائة سنة وسنتين وكما سيأتي في ترجمته.
و نسبة السلفي إلى جدة إبراهيم سلفة بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء وهو لفظ عجمي ومعناه بالعربي ثلاث شفاه لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية والأصل فيه سلبة بالباء فأبدلت بالفاء.
انتهى كلام ابن خلكان.
قلت: ولا يخلو ما ذكره من بحث لأن السلفي قال: أنا أذكر قتل نظام الملك وأنا في حدود العشر سنين وبحث ابن خلكان يقتضي أنه ابن ست سنين ونحوها بل قد يقال: إن قول السلفي وكان في حدود عشر سنين لا ينافي قول الآخرين لما جرت العادة به من العلماء من إلغاء الكسر الزائد. سلمنا عدم ذلك فلا ذليل فيه لواحد منهما فتأمله منصفا والله سبحانه أعلم.
و كأن ابن قنفذ اعتمد في وفاته على قول المصريين في مولد أبي الطاهر السلفي فلذا قال ما نصه: " و توفي القاضي بغرناطة أبو عبد الله بن محمد بن القاضي عياض سنة خمس وسبعين وخمس مائة وعرف في تاريخه بأبيه وفي التي تليها توفي الشيخ أبو الطاهر السلفي وعمره مائة وأربع سنين وكان أجاز لكل أدركه حياته. وسلفة بكسر السين المهملة : قرية في المشرق " .
انتهى.
و ما قاله في سلفة مخالف لما سبق قريبا لابن خلكان ولعل قول ابن خلكان هو الصواب والله تعالى اعلم.
و من المشهور نظم السلفي رحمه الله قوله:
ليس على الأرض في زماني ... من شأن في الحديث شاني
علما ونقدا ولا علوا ... فيه على رغم كل شاني
و من ذلك قوله رحمه الله:
بالله يا معشر أصحابي ... اغتنموا علمي وآدابي
إن نذير الموت جاء وقد ... حلف لا يرحل إلا بي
و من نظمه رحمه الله ما أجاب به القاضي عياضا حين استجازه بقصيدة على روى القاف أولها:
أبا طاهر خذها على البعد والنوى ... تحية مشتاق لذكراك شيق
فأجابه أبو الطاهر بقوله:
أتاني نظم الألمعي الموفق ... يميس اختيالا بين غرب ومشرق

(1/292)


و سيأتيان معال عند تعرضنا لذكر نظم عياض رحم الله الجميع.
أقول : ولم يزل الفضلاء من الأئمة والنبهاء من أعلام هذه الأمة يستجيزون الأشياخ الأخيار عند تعذر اللقاء وبعد الديار ولو تتبعنا ذكر من قعل ذلك لضاق عنه هذا الموضوع ولما احتمله هذا المجموع. وقد استجاز الإمام الشهير الأديب الكبير الشيخ العلامة أبو الحسن حازم صاحب المقصورة وجيه الدين منصور فكتب إليه الوجيه رحمه الله بقوله:
إني أجزت لحازم بن محمد ... صدر الأفاضل والإمام السيد
مجموع ما رويته فرويته ... عن ألف شيخ من رواة المسند
في مصرها مع شامها وعراقها ... و حجازها من متهم أو منجد
و جميع ما صنفته وجمعته ... في علم فقه الشافعي محمد
فليروا عني ما رويت رواية ... مشروطة بتوثيق وتشدد
و ليبق في روض العلوم منعما ... بسعادة وسيادة وتأيد
و إذا جرى ذكر حازم فلا بد أن نورد بعض التعريف به فنقول: قال السيوطي في الطبقات: حازم بن محمد بن حسن بن محمد بن خلف بن حازم الأنصاري القرطاجي النحوي أبو الحسن شيخ البلاغة والأدب.
قال أبو حيان: كان أوحد زمانه في النظم والنثر والنحو واللغة والعروض وعلم البيان . روى عن جماعة يقاربون الألف وروى عنه أبو حيان وابن رشد وذكره في رحلته فقال: حبر البلغاء وبحر الأدباء ذو اختيارات فائقة واختراقات رائقة لا نعلم أحد ممن لقيناه جمع من علم اللسان ما جمع ولا أحكم من معاقد علم البيان ما أحكم من منقول ومبتدع وأما البلاغة فهو بحرها العذب والمتفرد بحمل راياتها أميرا في الشرق والغرب وأما حفظ لغات العرب وأشعارها وأخبارها فهو حماد روايتها أوقارها يجمع إلى ذلك جودة التصنيف وبراعة الخط ويضرب بسهم في العقليات والدراية أغلب عليه من الرواية.
صنف سراج البلغاء في البلاغة وكتاب في القوافي وقصيدة في النحو على روى الميم ذكر منها ابن هشام في المغني أبياتا في المسألة الزنبورية وقد ذكرناها في الطبقات الكبرى مع أبيات أخر.
مولده سنة ثمان وست مائة ومات ليلة السبت الرابع والعشرين من رمضان سنة أربع وثمانين وست مائة.
و من شعره:
من قال حسبي من الورى بشر ... فحسبي الله حسبي الله
كم آية للإله شاهدة ... بأنه لا إله إلا هو
انتهى كلام السيوطي.
و لنرد نحن ما أمكننا، حيث لم يوف السيوطي بحقه في الطبقات الصغرى، لأنها مبنية على الاختصار ، وليس نقف على الطبقات الكبرى التي أحال عليها؛ فنقول: قال بعض المؤرخين: هو حازم بن محمد بن الحسن بن حازم الأنصاري، فجعل والد الحسن حازما، وجعله السيوطي محمدا،فلا ندري هل هذا من النسبة إلى الجد، فيرجع مع ما عند السيوطي إلى وفاق، أو هما مختلفان؟ القرطاجني: منسوب إلى قرطاجنة من سواحل كورة تدمير، من شرقي الأندلس. وهو خاتمة شعراء الأندلس الفحول، مع تقدمه في معرفة لسان العرب وأخبارها، ونزل إفريقية بعد خروجه من بلده فطار بها صيت، وعمر إلى أن مات بتونس، حضره ملوكها، ليلة الرابع والعشرين من رمضان، من سنة أربع وثمانين وست مائة. وفي بعض المجاميع الأدبية من تأليف ابن المرابط نزل تونس، أنه كان في حضرة مراكش أيام الرشيد، انتهى.
قلت: وله في الرشيد أمداح كثيرة، أنشدها في الإشادة، ومدح الأمير أبا زكريا صاحب إفريقية، وولده أبا عبد الله المتنصر، وله ألف المقصورة المشهورة، وقصر محاسنها على مدحه، ومدح أخاه أبا يحيى.
و مطلعها:
لله ما قد هجت يا يوم النوى ... على فؤادي من تباريح الجوى
قلت: قد كنت ضمنت مطلعها باكتفاء وتورية فقات:
لم أنس يموا للنوى عيوبه ... في نهر فارس شجن هاج الجوى
فقلت إذ ذكرني معاها ... " لله ما قد هجت يا يوم النوى "
و مقصورته تدل على اطلاعه، وصدرها بخطبة بليغة جدا، وتولى شرح هذه المقصورة الشيخ أبو القاسم الشريف الحسني القاضي كان بغرناطة، وسمي شرحه هذا رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة، وملأه بكل غريبة، وقد طالعته غير مرة. وقد ألف الإمام المكودى شارح الألفية، مقصورة بديعة نبوية؛ وعاب على ابن دريد وحازم جعلهما مقصورتيهما مدحا في بني الدنيا، فكان من جملة أبياتها:

(1/293)


فحازم قد عد غير حازم ... و ابن دريد لم يفده ما درى
و قد تولى شرح مقصورة المكودي بعض أصحابه وهو الكاتب الأديب أبو عبد الله المكلاني أعانه الله تعالى .
و من بديع نظمه رحمه الله قصيدة جيمية، غريبة المنزع، لها صيت عظيم عند الحذاق من أهل الأدب، والنجارين من الفضلاء، عارض بها في المعنى رائية ابن عمار الوزير؛ للمعتمد بن عباد. وفضل غير واحد هذه الجيمية الحازمية، على تلك الرائة العمارية:
أدر المدامة فالنسيم مؤرج ... و الروض مرقوم البرود مدبج
و الأرض قد لبست برود جمالها ... فكأنما هي كاعب تتبرج
و النهر مما ارتاح معطفه الللى ... لقيا النسيم عبابه متموج
يمسي الأصيل بعسجدي شعاعه ... ابدا يوشي صفحه ويدبج
و تروم أيدي الريح تسلب ما اكتسى ... فتزيده حسنا بما هي تنسج
فارتح لشرب كؤس راح نورها ... بل نارها في مائها تتوهج
و اسكر بنشوة لحظ من أحببته ... أو كأس خمر من لماه تمزج
و ايمع إلى نغمات عود تطبى ... قلب الخلي إلى الهوى وتهيج
بم وزير يسعدان مثانيا ... و مثالثا طبقاتها تتدرج
من لم يهيج قلبه هذا فما ... للقلب منه محرك ومهيج
فأجب فقد نادى بألس حاله ... للأنس دهر للهموم مفرج
طربت جمادات وأفصح أعجم ... فرحا وأصبح من سرور يهزج
أ فيفضل الحي الجماد مسرة ... و الحي للسراء منه أحوج
ما العيش إلا نعمت به وما ... عاطاك فيه الكأس ظبي أدعج
ممن يروقك منه ردف مردف ... عبل وخصر ذو اختصار مدمج
فإذا نظرت لطرة ولغرة ... و لصفحة منه بدت تتأجج
أبقيت أن ثلاثهن وما غدا ... من تحتها ينآد أو يتموج
ليل على صبح على بدر على ... غضن تحمله مثيب رجرج
كأس ومحبوب يظل بلحظه ... قلب الخلي إلى الهوى يستدرج
يا صاح ما قلبي بصاح عن هوى ... شيئين بينهما المنى تستنتج
و بمهجتي الظبي الذي في أضلعي ... قد حل وهو يشبها ويؤجج
ناديت حادي عيسه يوم النوى ... و العيس تحدي والمطايا تحدج
قف أيها لاحادي أودع مهجة ... قد حازها دون الجوانح هودج
لما تواقفنا وفي أحداجها ... قمر منير بالهلال متوج
ناديتهم قولوا لبدركم الذي ... بضيائه تسري الركاب وتدلج
يحيا العليل بلفظة أو لحظة ... تطفي غليلا في الحشا يتأجج
قالوا نخاف يزيد قلبك لاعجا ... فأجبتهم خلوا اللواعج تلعج
وبكيت واستبكيت حتى ظل من ... عبراتنا بحر ببحر يمزج
وبقيت أفتح بعدهم باب المنى ... ما بيننا طورا وطورا يرتج
وأقول يا نفس اصبري فعسى النوى ... بصباح قرب ليلها يتبلج
فترقب السراء من دهر شجا ... و الدهر من ضد لضد يخرج
و ترج فرجة كل هم طارق ... فلكل هم في الزمان تفرج
و تذكرت بهذه الجيمية قصيدة ابن قلاقس الإسكندري رحمه الله تعالى:
عرضت لمعترض الصباح الأبلج ... حوراء في طرف الظلام الأدلج
فتمزقت شية الدجا عن غرتي ... شمسين في أفق وكلة هودج
و وراء أستار الحمول لواحظ ... غزلان معتدل الوشيج الأعوج
من كل مبتسم السنان إذا جرى ... دمع النجيع من الكمى الأهوج
و لقد صحبت الليل قلص برده ... لعباب بحر صاحبه المتموج
و كأن منتثر النجوم الآلي ... نظمت على صرح من الفيروزج
و سهرت أرقب من سهيل خافقا ... متفردا وكأنه قلب الشجي
و استعبرت مقل السحاب فأضحكت ... منها ثعور مفوف ومدبج
و ابن قلاقس هذا له في النظم البارع المديد؛ ومن محاسنه قوله رحمه الله تعالى:
سددها من القلوب رمحا ... و انتضوها من الجفون صفاحا
يا لها حالة من السلم حالت ... فاستحالت ولا كفاح كفاحا
صح إذ أذرت العيون دماء ... انهم أثحنوا القلوب جراحا
يا فؤادي وقد أخذت أسيرا ... أتفطرت أم وضعت سلاحا
قل لأعتادك التي أقسموها ... ضربوا فيك بالعيون قداحا

(1/294)


عجبا للجفون وهي مراض ... كيف تستأسر القلوب الصحاحا
آه من موقف يود به المغرم ... لو مات قبله فاستراحا
حيث يخشى أن ينظم اللثم عقدا ... فيه أو يعقد العناق وشاحا
رجع إلى قول حازم رحمه الله تعالى: فمن قوله من قصيدة:
فتق النسيم لطائم الظلماء ... عن مسكة قطرت مع الأنداء
و غدا الصباح يفض خاتم عنبر ... بالشرق عن كافورة بيضاء
و الكوكب الدري يزهو سابحا ... في مائه كالدرة الزهراء
و كأنما ابن ذكاء مجمرا ... منه يفيد الريح طيب ذكاء
و قال سامحه الله من قصيدة في المستنصر:
أمن بارق أورى بجنح الدجى سقطا ... تذكرت من حل الأبارق فالسقطا
و بان ولكن لم يبن عنك ذكره ... و شط ولكن طيفه عنك ما شطا
حبيب لو أن البدر جاراه في مدى ... من الحسن لأستدني من البدر واستبطا
سقى الله عيشا قد سقانا من الهوى ... كئوسا بمعسول اللمى خلطت خلطا
و له مطلع قصيدة:
سلطان حسن عليه للصبا علم ... إذا رأته جيوش الصبر تنهزم
و قال رحمه الله يصف وردة بيضاء:
و مبيضة الأثواب بوردة ... تقل لها الأشباه عند التماسها
أنافت على ساق لتشرب عندما ... أشارت لها كف البروق بكاسها
كجارية قامت ببيض غلائل ... مرفعة أذيالها حول رأسها
و من بديع نظمه رحمه الله تعالى تضمينه قصيدة امرئ القيس، وصرف معناها إلى مدح المصطفى )، وهي من غر القصائد:
لعينيك قل إن زرت أفضل مرسل ... " قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل "
و في طيبة فانزل ولا تغش منزلا ... " بسقط اللوى بين الدخول فحومل "
و زر قد طالما طاب نشرها ... " لما نسجتها من جنوب وشمأل "
و أثوابك أخلع محرما ومصدقا ... " لدى الستر إلا لبسة المتفضل "
لدى كعبة قد فاض دمعي لبعدها ... " على النحر حتى بل دمعي محملي "
فحيا حادي الآبال سربي ولا تقل ... " عقرت بعيري يامرأ القيس فانزل "
فقد حلفت نفسي بذاك وأقسمت ... " على وآلت حلفة لم تحلل "
فقلت لها لا شك أني طائع ... " و أنك مهما تأمري القلب يفعل "
و كم حملت في أظهر العزم وحلها ... " فيا عجبا من كورها المتحتل "
و عاتبت العجز الذي عاق عزمها ... " فقالت لك الويلات إنك مرجلي "
نبي هدى قد قال للكفر نوره ... " إلا أيها الليل الطويل ألا انجل "
تلا سورا ما قولها بمعارض ... " إذا هي نصته ولا بعطل "
لقد نزلت في الأرض ملة هديه ... " نزول اليماني ذي العياب المحمل "
أتت مغربا من مشرق وتعرضت ... " تعرضت أثناء الوشاح المفضل "
ففازت بلاد الشرق من زينة بها ... " بشيق وشق عندنا لم يحول "
فصلى عليه الله ما لاح بارق ... " كلمع اليدين في حبي مكلل "
نبي غزا الأعداء بين تلائح ... " و بين إكام بعد ما نتأمل "
فكم ملك وفاه في منجد ... " بمنجرد قيد الأوابد هياكل "
و كم من يمان واضح جاءه اكتسى ... " بضاف فويق الأرض ليس بأعزل "
و من أبطحي نيط منه نجاده ... " بجيد معم في العشيرة مخول "
و من أبطاحي نيط منه نجاده ... " بجيد معمم في العشيرة مخول "
أوالوا ببدر عن سروجهم العدا ... " كما زالت الصفواء بالمتنزل "
و نادوا ظباهم لا يفتك فتى ولا ... " كبير أناس في بجاد مزمل
و فض جموعا قد غدا جامعا بها ... " لنا بطن ذي قفاف عفنقل "
و أحموا وطيسا في حنين كأنه ... " إذا جاش فيه حمية غلي مرجل "
و نادوا بنات النبع بالنصر أثمري ... " و لا تبعدينا من جناك المعلل "
و ممن له سددت سهمين فاضربي ... " بسهميك في أعشار قلب مقتل "
فما أغنت الأبدان بها أكتست ... " ترائبها مصقولة كالسجنجل "
و أضحت لواليها ومالكها العدا ... " و يقولون لا تهتك أسى وتجمل "
و قد فر منصاع كما فر خاضب ... " لدى سمرات الحي ناقف حنظل "
و كم قال يا ليل الوغى طلت فانبلج ... " بصبح وما الإصباح منك بأمثل "

(1/295)


الصفحة السابقة   //   الصفحة التالية